عبد الله بن عمر بن الخطاب رأى وسمع ما حدث .. يقول ﵁:
(رأيت رسول الله - ﷺ - على المنبر يخطب الناس، فخرج الحسن بن علي ﵁ في عنقه خرقة يجرّها، فعثر فيها، فسقط على وجهه فنزل رسول الله - ﷺ - عن المنبر يريده، فلما رآه الناس أخذوا الصبي فأتوه به، فحمله فقال:
قاتل الله الشيطان، إن الولد فتنة، والله ما علمت أني نزلت عن المنبر حتى أوتيت به) (٢)، ولم تكن الرحمة للحسن وحده .. كانت هناك طفلة
_________________
(١) حديث صحيح، صحيح الجامع الصغير (١/ ٤٦٣).
(٢) سنده قوي، رواه الطبراني (٣/ ٣٥) (حدثنا عبد الله بن علي الجارودي، حدثنا أحمد بن حفص، حدثني أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن عباد بن إسحاق، عن زيد بن أبي العتاب، عن عبيد بن جريج عن ابن عمر .. وعبيد وزيد تابعيان ثقتان من رجال التقريب، وعباد بن إسحاق صدوق وأسمه عبد الرحمن انظر التهذيب (٦/ ١٣٧) وإبراهيم ثقة من رجال الشيخين - التقريب (١/ ٣٦) وأحمدُ ووالده صدوقان من رجال البخاري انظر: التقريب (١/ ١٣ - ١٨٦) وشيخ الطبراني حافظ من أئمة الأثر أثنى عليه الحاكم والناس انظر: البلغة لفضيلة الشيخ حماد الأنصاري حفظه الله (١٩٤).
[ ٢ / ٢٨٢ ]
تنافسه .. وردة اسمها "أمامة" بنت ابنته زينب ﵂ .. كانت أمامة ملء سمعه وبصره .. حتى أنه كان يأخذها معه إلى المسجد وهو يريد الصلاة بصحابته ﵃ .. يقول أحدهم وهو "أبو قتادة":
(خرج علينا النبي - ﷺ - وأمامة بنت أبي العاص على عاتقه، فصلّى، فإذا ركع وضع، وإذا رفع رأسه رفعها) (١)، (فإذا سجد وضعها، وإذا قام حملها) (٢) .. يفعل ذلك أثناء صلاته بالمؤمنين.
ولم تكن تلك الرحمة والملاطفة منه - ﷺ - لأولاده فقط، بل كان يشمل بها أبناء المسلمين .. ها هو يزور دار أحد الأنصار .. دار الربيع بن سراقة الخزرجي، فيجد طفلًا صغيرًا اسمه محمود .. فيبدأ - ﷺ - بملاطفته وملاعبته .. تناول - ﷺ - دلوًا .. ثم ملأ فمه الطاهر بالماء ثم اقترب من الصغير فطشّ الماء في وجهه .. حركة تثير الضحك والركض والاختباء البريء لدى الأطفال .. حركة تجلب السعادة .. ما زال محمود يذكرها ويذكر الناس بها، وهو يقول:
(عقلت من النبي - ﷺ - مجّة مجّها في وجهي، وأنا ابن خمس سنين) (٣) (مجها رسول الله - ﷺ - من دلو في دارنا) (٤).
قد يفعل الرجل هذا مع أبنائه وبناته .. فهل يفعل حاكم أو عالم أو وجيه مع أطفال غيره .. ماذا سيقول الناس عن ذلك .. ماذا سيقول الجهل عن ذلك .. لكن محمدًا - ﷺ - فعل ذلك مع ذلك الطفل (من بئر في دارهم) (٥).
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٥٩٩٦).
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٥١٦).
(٣) حديث صحيح رواه البخاري (٧٧).
(٤) حديث صحيح رواه البخاري (٦٤٢٢) ومسلمٌ.
(٥) حديث صحيح رواه البخاري (١١٨٥). حديث صحيح رواه البخاري (مشكاة المصابيح -٣/ ١٦١٧).
[ ٢ / ٢٨٣ ]
بل لقد بلغ به التواضع والرحمة أعماقًا وآفاقًا بعيدةً .. بعيدة .. تعال معي إلى هذا المشهد المضحك المبكي في طرقات مدينة النبي - ﷺ - .. مشهد لـ