النبي - ﷺ - يتساءل أيضًا عن أحوالهم .. فقد هتف - ﷺ - بالقلة المحيطين به ونادى بالتطوع لاكتشاف ما حل بالمشركين لكنه لم يجد مجيبًا .. ثم هتف فلم يجبه أحد .. وكرر ثالثة .. فكانت الريح والبرد هي الإجابة .. ولما رأى - ﷺ - أن التطوع في هذه الساعة صعب .. أمر - ﷺ - أحد الصحابة .. فنفذ ما أمره به .. هذا الصحابي .. هو ابن حسيل .. حذيفة ذلك الرجل الصالح الذي استشهد أبوه في معركة أحد بسيوف المؤمنين يحدث من
_________________
(١) سنده قوي رواه ابن جرير (تفسير ابن كثير- الأحزاب) حدثنا يونس ابن وهب، حدثني عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر .. ونافع تابعي إمام ثقة معروف، وعبيد الله ثقة ثبت مر معنا في الحديث السابق .. والراوي عنه ثقة ثبت حافظ من رجال الشيخين (التقريب- ١/ ٤٦٠) وتلميذه ثقة من رجال مسلم واسمه يونس بن عبد الأعلي بن ميسرة الصدفي (التقريب- ٢/ ٣٨٥) والحديث عند الطبراني (١٢/ ٣٦٨) والأوسط (مجمع البحرين- ٥/ ١٠٨) من طريق الدراوردي عن عبيد الله وقد توبع هنا والحديث شاهد لبعض ما قبله.
[ ٣ / ١١٢ ]
حوله عن مهمته تلك الليلة عندما قال له أحد أصحابه:
(لو أدركت رسول الله - ﷺ -، قاتلت معه وأبليت.
فقال حذيفة: أنت كنت تفعل ذلك؟ لقد رأيتنا مع رسول الله - ﷺ - ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريحٌ شديدة وقرٌّ (١)، فقال رسول الله - ﷺ -:
ألا رجل يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟
فسكتنا. فلم يُجبه منا أحد، ثم قال:
ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟
فسكتنا. فلم يجبه منا أحد، ثم قال:
ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟
فسكتنا. فلم يجبه منا أحد. فقال:
قم يا حذيفة .. فأتنا بخبر القوم.
فلم أجد بدًا إذ دعاني باسمي أن أقوم. قال: اذهب، فأتني بخبر القوم، ولا تذعرهم علي (٢).
فلما وليت من عنده، جعلت كأنما أمشي في حمام (٣)، حتى أتيتهم، فرأيت أبا سفيان يصلي (٤) ظهره بالنار، فوضعت سهمًا في كبد القوس، فأردت أن أرميه، فذكرت قول رسول الله - ﷺ -: ولا تذعرهم علي (٥)، ولو
_________________
(١) أي البرد.
(٢) لا تثيرهم ولا تحركهم.
(٣) أي كأنه يسير في حمام دافئ معجزة من عند الله رغم شدة البرد.
(٤) أي يدفئ.
(٥) لا تثيرهم ولا تحركهم.
[ ٣ / ١١٣ ]
رميته لأصبته، "فذهبت، فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرًا ولا نارًا ولا بناءً [فحس أبو سفيان أنه دخل فيهم من غيرهم] فقام أبو سفيان، فقال:
يا معشر قريش: لينظر امرؤ من جليسه.
قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان.
ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش، إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع، والخف (١)، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء فارتحلوا فإني مرتحل فرجعت إلى رسول الله - ﷺ -" فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام، فلما أتيته، فأخبرته بخبر القوم، وفرغت، قررت (٢)، فألبسني رسول الله - ﷺ - من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائمًا حتى أصبحت. فلما أصبح - ﷺ - قال: قم يا نومان (٣» (٤).
فقد أصبحت المدينة وأصبح الملك لله .. وأصبح النصر لله ورسوله ..
_________________
(١) الكراع يعني الخيل والخف الإبل.
(٢) أي بردت.
(٣) يا كثير النوم .. يمازحه - ﷺ -.
(٤) حديث صحيح رواه مسلم (الجهاد- غزوة الخندق) والزوائد -ما بين الأقواس الصغيرة- ليست لمسلم إنما هي حسنة لغيرها رواها ابن إسحاق بسند يحتمل الانقطاع بين حذيفة ومحمَّد بن كعب القرظي وهو تابعي كبير أدرك عليًا وروى عنه (ابن هشام- ٣/ ١٣٩) ويقويه ما عند البيهقي (٣/ ٤٥٠) وفي سنده موسى بن أبي المختار وهو يحتاج إلى توثيق -الجرح والتعديل (٨/ ١٦٤).
[ ٣ / ١١٤ ]
وخلت الساحة من الأوثان والوثنيين الذين ولوا مدبرين .. تكنس الريح أثارهم ونفاياتهم .. نظر - ﷺ - إلى ساحة القتال فحمد الله هو وأصحابه .. وذكرهم بنعمة الله عليهم .. ومعجزته التي لوت أعناق المشركين وأذلتهم .. كما أذلت أعناق مشركين آخرين في زمن غابر جدًا .. إنهم قوم النبي الكريم: هود وهم قوم عاد .. فقد نصر الله نبيه هود بريح عاتية آتية من الغرب .. ونصر الله محمدًا - ﷺ - بريح عاتية آتية من الشرق .. ولذلك يقول - ﷺ -: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور" (١) وقال - ﷺ -: "لا إله إلا الله وحده، أعز جنده، ونصر عبده، وغلب الأحزاب وحده، فلا شيء بعده" (٢) وقد حول ساحة المؤمنين إلى نصر وربيع .. فالحمد والشكر لمن هزم الأحزاب وحده .. كانت معركة غير متكافئة عددًا واستعدادًا .. لكن المؤمن عندما يفعل الأسباب .. ثم يتوجه بها نحو الله تتحول النتائج إلى أعياد .. ها هو - ﷺ - يبشر أصحابه بعد انتهاء المعركة بنهاية عصر وبداية آخر .. يبشرهم - ﷺ - بانهيار هيبة قريش .. وانكسار حربتها .. يبشرهم بأن: