أنس بن مالك كما حدّثنا عن الحجاب من قبل .. يحدّثنا الآن عن قصة هذا القادم .. الذي حمله حقده وثأره نحو النبي - ﷺ - ليسجل له التاريخ حادثة تهزّ الجزيرة من البحر إلى البحر .. يقول أنس ﵁: (كان وهب بن عمير شهد أُحُدًا كافرًا، فأصابته جراحة، فكان في القتلى، فمرّ به رجل من الأنصار، فعرفه، فوضع سيفه في بطنه حتى خرج من
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٤٧٩٢) ومسلمٌ (١٤٢٨) واللفظ له.
(٢) سورة الأحزاب: الآية ٥٩.
[ ٣ / ١٨ ]
ظهره، ثم تركه، فلما دخل الليل وأصابه البرد لحق بمكة، فبرأ، فاجتمع هو وصفوان بن أمية في الحجر، فقال وهب:
لولا عيالي ودين عليّ، لأحببت أن أكون أنا الذي أقتل محمدًا، فقال له صفوان: فكيف تصنع؟
فقال: أنا رجل جواد لا ألحق، آتيه فأغترّه، ثم أضربه بالسيف، فألحق بالخيل، ولا يلحقني أحد.
فقال له صفوان: فعيالك مع عيالي، ودينك عليّ، فخرج يشحذ سيفه وسمه، ثم خرج إلى المدينة، لا يريد إلَّا قتل النبي - ﷺ -، فلما قدم المدينة رآه عمر بن الخطاب، فهاله ذلك، وشقّ عليه، فقال لأصحاب النبي - ﷺ -: إني رأيت وهبًا، فرابني قدومه، وهو رجل غادر، فأطيفوا نبيكم (١)، فأطاف المسلمون بالنبي - ﷺ -، فجاء وهب، فوقف على النبي - ﷺ -، فقال:
أنعم صباحًا يا محمَّد، قال - ﷺ -: قد أبدلنا الله خيرًا منها (٢).
قال: عهدي بك تتحدّث بها وأنت معجب.
فقال له النبي - ﷺ -: ما أقدمك؟
قال: جئت أفدي أساراكم. قال - ﷺ -: ما بال السيف؟ قال: أما إنّا قد حملناها يوم بدر فلم نفلح ولم ننجح.
قال - ﷺ -: فما شيء قلت لصفوان في الحجر: لولا عيالي ودين عليّ لكنت أنا الذي أقتل محمّدًا بنفسي .. فأخبره النبي - ﷺ - خبره. فقال وهب: هاه .. كيف قلت؟
_________________
(١) أي كونوا حوله.
(٢) يعني تحية الإِسلام: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
[ ٣ / ١٩ ]
فأعاد عليه. قال وهب: قد كنت تخبرنا خبر أهل الأرض، فنكذّبك، فأراك تخبر خبر أهل السماء "أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله". قال: يا رسول الله، أعطني عمامتك، فأعطاه النبي - ﷺ - عمامته، ثم خرج إلى مكة.
فقال عمر ﵁: لقد قدم وإنه لأبغض إليّ من الخنزير، ثم رجع وهو أحبّ إليّ من بعض ولدي) (١)، قال عمر ذلك لأنه لا يملك قلبه .. لقد أهداه إلى أحب الخلق إليه .. بعد أن أهداه إلى خالقه .. قلب عمر ليس ملكًا له .. ولذلك أحب وهبًا بعد أن كان كالخنزير أمامه.