وبعد إجراء القرعة خرج سهم عائشة الحبيبة .. لتصحب حبيبها - ﷺ - في سفره ذلك .. تقول عائشة ﵂:
(كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد سفرًا أقرع بين نسائه، فأيتهنّ خرج سهمها خرج بها معه ..
فلما كانت غزوة بني المصطلق، أقرع بين نسائه، كما كان يصنع، فخرج سهمي عليهنّ، فخرج بي رسول الله - ﷺ - معه- وكان النساء إذ
_________________
(١) حديث صحيح رواه الشيخان رحمهما الله وسيأتي بقيته.
[ ٣ / ٢٨ ]
ذاك إنما يأكلن العلق (١)، لم يهيجهن اللحم فيثقلن (٢)، وكنت إذ رحل بعيري (٣) جلست في هودجي (٤)، ثم يأتي القوم الذين يرحلون بي بعيري، ويحملوني، فيأخذون بأسفل الهودج، يرفعونه فيضعونه على ظهر البعير، فينطلقون به) (٥) (وذلك بعد ما أنزل الحجاب، وأنا أُحمل في هودجي، وأنزل فيه، فسرنا) (٦) وانطلق الجيش، وانطلقت الهوادج تتمايل عبر الصحاري والقفار .. وخلال الأودية والشعاب .. تتمايل بعائشة ورفيقاتها ﵅ .. كما تتمايل القلوب بصوت حادي العيس أنجشة .. ذلك الصوت العذب .. الذي يأخذ الأسماع .. وربما أخذ الإبل أيضًا .. سمع - ﷺ - ذلك الصوت الشجي في بعض أسفاره .. فخاف على أجساد النساء وقلوبهن .. يقول أنس ﵁:
(كان لرسول الله - ﷺ - حاد حسن الصوت "غلام أسود يقال له أنجشة، يحدو، فقال له رسول الله - ﷺ -: يا أنجشة، رويدك سوقًا بالقوارير" رويدًا يا أنجشة لا تكسر القوارير) (٧)، كان - ﷺ - من الرقّة والذوق .. بحيث لا يلهيه هدفه العسكري والخطر الذي يكمن له عن تفقد رفاقه والعناية بهم .. لدرجة أنه (كان يتخلّف في المسير، فيزجي الضعيف، ويردف، ويدعو لهم) (٨).
_________________
(١) الطعام اليسير.
(٢) التهييج هو الورم من الشحم.
(٣) أي جهز للرحيل.
(٤) الهودج هو ما تجلس داخله النساء مثبتًا فوق ظهر البعير.
(٥) حديث صحيح رواه البخاري ومسلمٌ وابن إسحاق وهذا لفظ ابن إسحاق.
(٦) حديث صحيح رواه البخاري (٤١٤١) ومسلمٌ (٢٧٧٠) وأحمدُ (٦/ ١٩٤) واللفظ له.
(٧) حديث صحيح رواه البخاري ومسلمٌ (٢٣٢٣) واللفظ له.
(٨) سنده رواه أحمد (٢/ ١٢٦) حدثني إسماعيل بن علية حدثنا الحجاج بن أبي عثمان عن أبي =
[ ٣ / ٢٩ ]
ويدعو أنجشة أن يخفّف من سيره حتى لا تتعب أجساد النساء الرقيقة .. وكان وصف النبي - ﷺ - للنساء بـ (القوارير) منتهى الذوق والرقّة .. فالقوارير ناعمة وجميلة .. وتحتاج إلى عناية فائقة .. وأماكن تليق بها وبرقّتها وجمالها .. والمرأة هي الرقّة والجمال والفتنة .. تحتاج إلى مستوى رفيع من التعامل والملاطفة بالقول والفعل .. وهو ما فعله - ﷺ - عندما قال - ﷺ - لأنجشة:
(ويحك يا أنجشة .. رويدًا بالقوارير) (١).
وها هو - ﷺ - يحاول طرد الملل والسأم عن نفس حبيبته عائشة .. في ذلك السفر.
لقد أمر - ﷺ - فرسانه الشجعان بالتقدّم .. ثم نادى حبيبته وطلب منها أن تتأخر معه .. فالسفر طويل وشاق .. ولا بأس ببعض اللهو يدخل البهجة ويجدّد النشاط ..
فماذا طلب منك الحبيب يا ابنة الصديق؟
تقول ﵂: (إنها كانت مع رسول الله - ﷺ - في سفر -وهي جارية- فقال لأصحابه: تقدموا.
فتقدّموا، ثم قال: تعالي أسابقك.
فسابقته، فسبقته على رجلي) (٢).
_________________
(١) = الزبير أن جابر حدثهم .. وهنا صرح أبو الزبير بالسماع .. وتلميذه ثقة حافظ -التقريب (١/ ٥٣) وإسماعيل مثل شيخه- التقريب (١/ ٦٥).
(٢) حديث صحيح رواه مسلم (٢٣٢٣).
(٣) حديث صحيح رواه النسائي في الكبرى (٥/ ٣٠٤) عن هشام عن رجل عن أبي سلمة عن عائشة وهذا السند فيه جهالة، لكن هشام رواه عن أبيه عن عائشة عند أحمد (٦/ ٢٦٤) وعند النسائي أيضًا في الكبرى (٥/ ٣٠٤).
[ ٣ / ٣٠ ]
لا بدّ أن هذا الفوز أسعد عائشة وأضحكها .. أما النبي - ﷺ - فقد تقبّل الخسارة بروح طيبه .. لكنه يضمر لعائشة ثأرًا وسباقًا آخر قد ينتصر عليها فيه ..
وصل الجيش إلى أراضي بني المصطلق .. فكانت: