حيث نرى النبي - ﷺ - يمشي في الطرقات تقوده أمةٌ أو امرأة في عقلها شيء .. دون أن ينهرها .. أو يطالبها بالتوقف أو يطالب أهلها بردعها عن مجلسه .. كان يجعل لها من قلبه ووقته نصيبًا كالآخرين .. يقوم من مجلس قد يجلس فيه أبو بكر وعمر وعثمان وعلي إلى امرأة في عقلها اضطراب .. يستمع إليها وينصت حتى تنتهي وتقضي حاجتها .. يقول أنس ﵁:
(كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله - ﷺ - فتنطلق به حيث شاءت) (١)، ويقول ﵁: (إن امرأة كان في عقلها شيء فقالت:
يا رسول الله، إن لي إليك حاجة، فقال: يا أم فلان .. انظري أي السكك شئت حتى أقضي لك حاجتك، فخلا معها في بعض الطرق، حتى فرغت من حاجتها) (٢).
كان - ﷺ - جنّة من المشاعر .. ينعم بها الجميع، حتى ضعاف العقول .. حتى العصافير والطيور .. كان - ﷺ - جدول حب يشرب منه الجميع .. فيرتوون. يقول عبد الله بن مسعود ﵁. (كنّا مع رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٦٠٧٢).
(٢) حديث صحيح رواه مسلم (٢٣٢٦).
[ ٢ / ٢٨٤ ]
في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تفرش، فجاء النبي - ﷺ - فقال: من فجع هذه بولده؟ ردوا ولدها إليها.
ورأى قرية نمل قد أحرقناها، فقال - ﷺ -: إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلَّا رب النار) (١) .. كان - ﷺ - يتغيّر وجهه ويتألم لمنظر الفقراء .. فلا يقرّ له قرار حتى يذهب ما بهم .. فإذا لم يجد سوى الكلمات بذلها يريح بها نفوسهم ويقوّيهم بها .. يقول أحد الصحابة ﵃: (كنّا عند رسول الله - ﷺ - في صدر النهار، فجاء قوم عراة، حفاة، متقلّدي السيوف، عامتهم من مضر -بل كلّهم من مضر- فتغيّر وجه رسول الله - ﷺ - لما رأى بهم من الفاقة، فدخل، ثم خرج، فأمر بلالًا فأقام الصلاة، فصلّى ثم خطب فقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾) (٢)، و﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ (٣).
تصدّق رجل من ديناره، من درهمه، من ثوبه، من صاع بره، من صاع تمره، حتى قال: ولو بشقّ تمرة.
فجاء رجل من الأنصار بصرة كادت كفّه تعجز عنها -بل لقد عجزت- ثم تتابع الناس، حتى رأيت كومين من طعام وثياب، حتى رأيت وجه رسول الله - ﷺ - يتهلّل كأنه مذهبة، فقال رسول الله - ﷺ -: من سنّ في الإِسلام سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها، من غير أن ينقص من
_________________
(١) حديث صحيح: انظر: صحيح سنن أبي داود (٣/ ١٦١٨).
(٢) سورة النساء: الآية ١.
(٣) سورة الحشر: الآية ١٨.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
أجورهم شيئًا، ومن سنّ في الإِسلام سنّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا) (١)، أي من أحيى سنة من سنن الإِسلام، ودلّ عليها فله ذلك الأجر .. ومن ابتدع في الإِسلام سنة لم يأت بها النبي - ﷺ - فعليه ذلك الوزر المخيف .. ويقول - ﷺ -: (من دلّ على خير فله مثل أجره فاعله) (٢)، و(من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد) (٣) .. وكانت تلك الصدقات سنة حسنة تهلّل وجه النبي - ﷺ - عندما رآها .. لأن الجوع والعري سوف ينزاح عن أولئك المساكين .. الذين أحسّوا بالحياة تسري في عروقهم من جديد .. لكن الرحمة أحيانًا تستغل .. يستغلها الأوغاد واللئام .. وذلك لا يعني أن يتوقف تدفقها للتوقعات والظنون .. رحمته وكرمه - ﷺ - متدفقة دون توقف .. حتى مع الخونة إلى أن يظهروا الخيانة ويمارسوها جهارًا كما في هذه القصة: