يقول أحد الذين حضروا وشاركوا في تلك الوليمة: (ما رأيت رسول الله - ﷺ - أولم على امرأة من نسائه ما أولم على زينب، فإنه ذبح شاةً) (١)، (ما أولم رسول الله - ﷺ - على امرأة من نسائه أكثر أو أفضل مما أولم على زينب) (٢) (أطعمهم خبزًا ولحمًا حتى تركوه) (٣) شبعًا.
لم يشارك أنس بن مالك في الأكل فقط .. بل ساهم مع أمّه أم سليم ﵂ في زيادة مساحات الفرح .. يقول ﵁: (أن رسول الله - ﷺ - أطعمنا الخبز واللحم حين امتد النهار، فخرج الناس وبقي رجال يتحدّثون في البيت بعد الطعام، فخرج رسول الله - ﷺ - واتّبعته، فجعل يتتبع حُجُرَ نسائه يسلّم عليهن، ويقلن: يا رسول الله، كيف وجدت أهلك) (٤). ويحدّثنا أنس عن هدية أمّه فيقول: (فصنعت أمي -أم سليم- حيسًا، فجعلته في تور (٥) "من حجارة" فقالت: يا أنس .. اذهب
_________________
(١) حديث صحيح رواه مسلم زواج زينب.
(٢) حديث صحيح رواه مسلم زواج زينب.
(٣) حديث صحيح رواه مسلم زواج زينب.
(٤) حديث صحيح رواه مسلم زواج زينب.
(٥) إناء. والحيس تمر وسمن وأقط.
[ ٣ / ١٤ ]
بهذا إلى رسول الله - ﷺ - فقل: بعثت هذا إليك أمى، وهي تقرئك السلام، وتقول: إن هذا لك منّا قليل يا رسول الله ..
فذهبت بها إلى رسول الله - ﷺ -، فقلت: إن أمي تقرئك السلام، وتقول: إن هذا لك منّا قليل يا رسول الله. فقال: ضعه. ثم قال:
اذهب، فادع لي فلانًا، وفلانًا، وفلانًا، ومن لقيت "من المسلمين" وسمّى رجلًا، قال: فدعوت من سمّى ومن لقيت.
قلت لأنس: عدد كم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة، وقال لي رسول الله - ﷺ -: يا أنس .. هات التور "وضع النبي - ﷺ - يده على الطعام، فدعا فيه، وقال ما شاء الله أن يقول" فدخلوا حتى امتلأت الصفة والحجرة، فقال رسول الله - ﷺ -: ليتحلّق عشرة عشرة، وليأكل كل إنسان مما يليه. فأكلوا حتى شبعوا، فخرجت طائفة ودخلت طائفة حتى أكلوا كلّهم، فقال لي: يا أنس ارفع، فرفعت فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت، وجلس طوائف منهم يتحدّثون في بيت رسول الله - ﷺ -، ورسول الله - ﷺ - جالس، وزوجته مولية وجهها إلى الحائط، فثقلوا على رسول الله - ﷺ - "فأطالوا عليه الحديث"، فجعل النبي يستحي منهم أن يقول لهم شيئًا "فأخذ كأنه يتهيأ للقيام، فلم يقوموا فلما رأى ذلك قام، فلما قام، قام من قام من القوم، فقعد ثلاثة" فخرج رسول الله - ﷺ - فسلم على نسائه، "فمشى، فمشيت معه حتى بلغ حجرة عائشة، ثم ظنّ أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، فإذا هم جلوس مكانهم، فرجع، فرجعت الثانية، حتى بلغ حجرة عائشة" ثم رجع "فرجعت"، فلما رأوا رسول الله - ﷺ - قد رجع ظنوا أنهم قد ثقلوا عليه، فابتدروا الباب، فخرجوا كلّهم، وجاء رسول الله - ﷺ - حتى أرخى الستر، ودخل وأنا جالس في الحجرة، فلم يلبث
[ ٣ / ١٥ ]
إلَّا يسيرًا حتى خرج عليّ، وأنزلت هذه الآية، فخرج رسول الله - ﷺ -، وقرأهن على الناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ (١) إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ (٢)، (قال أنس: أنا أحدث الناس عهدًا بهذه الآيات، وحجبن نساء النبي - ﷺ -) (٣)، بعد هذا الموقف المحرج أمرت نساء النبي - ﷺ - بالحجاب .. وكان: