تقول أم المؤمنين بعد أن لهجت بدعائها: (فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون ..
ثم تحولت، فاضطجعت على فراشي، وأنا والله يعلم أني بريئة، وأن الله مبرّئي ببراءتي. ولكن -والله- ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلّم الله ﷿ فيّ بأمر يتلى، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله - ﷺ - في النوم رؤيا يبرئني الله بها. فوالله ما رام (١) رسول الله - ﷺ - مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد حتى أنزل الله ﷿ على نبيّه - ﷺ -، فأخذه (٢) ما كان يأخذه من البرحاء (٣) عند الوحي، حتى إنه كان ليتحدّر منه مثل الجمان (٤) من العرق في اليوم الشات (٥)، من ثقل القول الذي أنزله عليه، "وأنزل على رسول الله - ﷺ - من ساعته، فسكتنا، فرفع عنه وإني لأتبيّن السرور في وجهه وهو يمسح جبينه" فلما سرّي (٦) عن رسول الله - ﷺهو يضحك- فكان أوّل كلمة تكلّم بها أن قال: أبشري يا عائشة، أما الله فقد برّأك "أنزل الله براءتك"، فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله .. لا أقوم إليه، ولا
_________________
(١) أي: ما فارق.
(٢) جاءه أصابه.
(٣) الحمى الشديدة إلى تسيل العرق.
(٤) مثل حبات اللؤلؤ.
(٥) أي أن ذلك يسيل منه حتى في أيام الشتاء الباردة.
(٦) انتهى ما به من معاناة نزول الوحي.
[ ٣ / ٥٣ ]
أحمد إلَّا الله هو الذي أنزل براءتي، "وكنت أشد ما كنت غضبًا، فقال لي أبواى: قومي [فقبلي رأس رسول الله]- فقلت: والله لا أقوم إليه ولا أحمده، ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيّرتموه".
فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ (١) مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ (٢) وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٣) (١١) لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ (٤) فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٤) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ (٥) بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ (١٥) وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ (١٦) يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧) وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (١٨) إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ (٦) فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (١٩) وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ
_________________
(١) جماعة.
(٢) المقصود حسان وحمنة ومسطح وهم من المؤمنين ﵃.
(٣) المقصود رأس النفاق عبد الله بن أبي بن سلول.
(٤) خضتم فيه.
(٥) تتلقونه ويرويه بعضكم عن بعض وهو كذب.
(٦) تنتشر.
[ ٣ / ٥٤ ]
الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١)، عشر آيات، فأنزل الله ﷿ هؤلاء الآيات براءتي) (٢).
وتصف عائشة ﵂ حالها وحالة والديها أثناء نزول هذه الآيات الكريمات والنبي - ﷺ - مغشى عليه من شدّة الوحي .. فتقول:
(فوالله ما برح رسول الله - ﷺ - مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه، فسجي بثوبه، ووُضعت وسادة من أدم (٣) تحت رأسه، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت، فوالله ما فزعت وما باليت، قد عرفت أني بريئة، وأن الله غير ظالمي، وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ما سرّي عن رسول الله - ﷺ - حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقًا (٤) من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس (٥).
ثم سرّي عن رسول الله - ﷺ -، فجلس، وإنه ليتحدّر من وجهه مثل الجمان في يوم شات، فجعل يمسح العرق عن وجهه ويقول: أبشري يا عائشة، قد أنزل الله براءتك. قلت: الحمد لله) .. ثم قام - ﷺ - وخرج من البيت .. متجهًا نحو الناس .. نحو المدينة .. نحو العالم .. ليخبرهم ببراءة حبيبته .. وكذب ابن سلول ومن معه .. وليضع أمام الدنيا .. كل الدنيا حقيقة طاهرة .. وحكمًا لا يزول .. أن من سيقذف عائشة بعد اليوم فقد كذب الله وكفر بكتابه .. خرج - ﷺ - لـ:
_________________
(١) أكملت الآيات العشر للفائدة.
(٢) هو حديث البخاري مسلم السابق.
(٣) جلد.
(٤) خوفًا.
(٥) أي خوفًا من أن تصدق تلك التهمة الكاذبة.
[ ٣ / ٥٥ ]