فبينما كان جابر بأحرّ الشوق إلى عروسه .. كان ذلك الجمل لا يبالي بتلك المشاعر .. يبدو أنه كان يستمتع بالراحة ومشاهدة ما حوله من مناظر .. فهو يسير بطريقة مملّة ومزعجة .. شاهد - ﷺ - ما يحدث
_________________
(١) أقول ذلك لأنه قد روي بسند ضعيف عند الأئمة: من طريق ابن إسحاق حدثنا عمي صدقة عن عقيل عن جابر، أحمد (٣/ ٣٤٤ - ٣٥٩) وأبي داود (١٩٨) والبيهقيُّ (٣/ ٣٧٩) وابن خزيمة (٣٦) وحسنه شيخنا الفاضل محمَّد مصطفى الأعظمي حفظه الله ووافقه الإمام الألباني. وحسنه كذلك في صحيح سنن أبى داود: إن امرأة أصيبت من المشركين .. ثم ذكر قصة الصحابيين اللذين أصيب أحدهما بثلاثة أسهم بينما كان الآخر نائمًا .. وهذه القصة ضعيفة السند رغم ما سبق لأنها من طريق عقيل بن جابر .. وهو لم يوثق إنما ذكره ابن حبان في ثقاته وسكت وهذا ليس بتوثيق ولذلك قال الحافظ في التقريب (٢/ ٢٩) إنه "مقبول" أي عند المتابعة .. ولم أجد له متابعًا .. ومما يوحي بضعفه عند الإمام البخاري ﵀ أنه قال في الفتح -كتاب الوضوء- ٣٤ -: ويذكر عن جابر .. وعلق الحافظ بقوله: عقيل بفتح العين، لا أعرف راويًا عنه غير صدقة، ولهذا لم يجزم به المنصف، أو لكونه اختصره، أو للخلاف في ابن إسحاق. والذي يبدو لي أن السبب الأول هو الصحيح لأن البخاري ذكر ابن إسحاق وسنده الصحيح في غزوة ذات الرقاع بصيغة الجزم فقال: قال ابن إسحاق. والسبب الثاني بعيد. فبقي السبب الأول نظرًا لجهالة حال عقيل ﵀.
[ ٢ / ٣١٥ ]
فتحرك قلبه نحو جابر .. فكانت هذه القصة المنسوجة بالمشاعر والأشواق والمعجزات:
يقول جابر ﵁:
(خرجت مع رسول الله - ﷺ - إلى غزوة ذات الرقاع من نخل على جمل لي ضعيف، فلما قفل رسول الله - ﷺ - جعلت الرفاق تمض، وجعلت أتخلّف "على بعير قطوف" (١) "جل ثفال إنما هو في آخر القوم" (٢) "قد أعيى فلا يكاد يسير" (٣) حتى أدركني النبى - ﷺ -، «فمرّ بي النبي - ﷺ - فقال: من هذا؟ قلت: جابر" (٤) فقال: مالك يا جابر؟ قلت: يا رسول الله أبطأ بي جملي هذا. قال - ﷺ -: أنخه، فأنخته، وأناخ رسول الله - ﷺ - "قال - ﷺ -: أمعك قضيب؟ قلت: نعم، قال: أعطنيه" (٥) أعطني هذه العصا التي في يدك، فأعطيته إياها أو قطعت له عصية من شجرة، فأعطيته إياها، فنخسه بها نخسات، "فدعا له" (٦)، ثم قال: اركب يا جابر، فركبت "فسار سيرًا ليس يسير مثله" (٧)، فخرج والذي بعثه بالحق يواهق ناقته مواهقة، "فكان من ذلك المكان من أوّل القوم" (٨)، فتحدث مع رسول الله - ﷺ - فقال: "كيف ترى بعيرك" (٩)، أتبيعني جملك هذا يا جابر؟ قلت: بل أهبه لك.
_________________
(١) البخارى (٥٢٤٥). والقطوف هو البطىء.
(٢) البخاري (٢٣٠٩). الثفال هو الثقيل.
(٣) البخارى (٢٩٦٧). يعى أنه يعاني من الهزال والتعب.
(٤) البخاري (٢٣٠٩).
(٥) البخاري (٥٢٤٥).
(٦) البخاري (٢٧١٨).
(٧) البخاري (٢٧١٨).
(٨) البخاري (٢٣٠٩).
(٩) البخاري (٢٣٨٥).
[ ٢ / ٣١٦ ]
قال: لا ولكن بعنيه. قلت: فسُمْنيه. قال - ﷺ -: قد أخذته بدرهم. قلت: لا .. إذًا تغبنني يا رسول الله، قال: فبدرهمين، قلت: لا، فلم يزل يرفع لي رسول الله - ﷺ - حتى بلغ الأوقية. قال - ﷺ -: "بعنيه بأوقية. قلت: لا، ثم قال: بعنيه بأوقية. فبعته، فاستثنيت حملانه إلى أهلي" (١)، فقال - ﷺ -: "ولك ظهره إلى المدينة" (٢)، فقلت: أفقد رضيت؟. قال - ﷺ -: نعم. قلت: فهو لك. قال - ﷺ -: قد أخذته. "فانطلق بعيري كأجود ما أنت راءٍ من الإبل" (٣)، "فلحقني راكب من خلفي فالتفت فإذا أنا برسول الله - ﷺ -، قال: ما يعجلك؟ قلت: إني حديث عهد بعرس" (٤) "فقال لي رسول الله - ﷺ -: تزوجت يا جابر؟ فقلت: نعم. فقال: بكرًا أم ثيبًا؟ قلت: بل ثيبًا. قال: فهلّا جارية تلاعبها وتلاعبك، وتضاحكها وتضاحكك" (٥)، "ما لك وللعذارى ولعابها" (٦)، "قلت: يا رسول الله، إن أبي قتل يوم أُحد وترك تسع بنات، كنّ لي تسع أخوات، فكرهت أن أجمع إليهن جارية خرقاء مثلهن" (٧)، "فتزوجت امرأة تقوم عليهن وتصلحهن" (٨) "تعلّمهن وتؤدّبهن" (٩)، "امرأة تمشطهن وتقوم عليهن، قال - ﷺ -: أصبت" (١٠) إن
_________________
(١) البخاري (٢٧١٨). أي اشترط جابر أن يسلمه في المدينة.
(٢) البخاري (٢٧١٨).
(٣) البخاري (٥٠٧٩).
(٤) البخارى (٥٠٧٩).
(٥) البخاري (٥٣٦٧).
(٦) البخاري (٥٠٨٠).
(٧) البخاري (٤٠٥٢).
(٨) البخاري (٥٠٨٠).
(٩) البخاري (٢٤٠٦).
(١٠) البخاري (٤٠٥٢).
[ ٢ / ٣١٧ ]
شاء الله "بارك الله عليك" (١)، "بارك الله لك" (٢)، قال - ﷺ: أما إنا لو جئنا صرارًا (٣) أمرنا بجزور، فنحرت، فأقمنا عليها يومنا ذلك، وسمعت بنا فنفضت نمارقها. فقلت: والله يا رسول الله ما لنا نمارق. قال - ﷺ -: إنها ستكون، فإذا أنت قدمت فأعمل عملًا كيسًّا "الكيس الكيس" (٤)، فلما جئنا صرارًا أمر رسول الله - ﷺبجزورٍ "أو بقرة فذبحت فأكلوا منها" (٥) وأقمنا عليها ذلك اليوم، "فلما ذهبنا لندخل قال - ﷺ -:
أمهلوا حتى تدخلوا ليلًا -أي عشاءً- لكي تمتشط الشعثة، وتستحد المغيبة" (٦)، فلما أمسى رسول الله - ﷺ - دخل ودخلنا، فحدثت المرأة الحديث .. وما قال لي رسول الله - ﷺ -، قالت: فدونك .. فسمع وطاعة) (٧)، تأثرت تلك المرأة الصالحة بذوق رسول الله - ﷺ - الرفيع .. وأسلوبه الرائع في منح الأنوثة توهجها وعطرها الذي لا يقاوم .. حتى ينهار ذلك الحبيب القادم أمام هذا السحر الحلال .. ويستسلم ذلك المحارب مهزومًا بالحب الطاهر .. وهو الذي لا يستسلم إذا هاجت الحرب والحراب .. ولم يكن - ﷺ - وحده في رقي الذوق والأسلوب .. زوجاته ﵅ كن كذلك .. كن نسيجًا من الرقّة والإحساس .. ذات يوم (دخلت امرأة عثمان بن مظعون على نساء النبي - ﷺ -، فرأينها سيّئة الهيئة، فقلن لها: ما لك؟ فما في قريش أغنى من بعلك. قالت: ما
_________________
(١) البخاري (٦٣٨٧).
(٢) البخاري (٥٠٨٠).
(٣) مكان قريب من المدينة.
(٤) البخاري (٢٠٩٧) (٥٢٤٥).
(٥) البخاري (٣٠٨٩).
(٦) البخاري (٥٠٧٩).
(٧) سنده صحيح رواه ابن إسحاق: حدثني وهب بن كيسان عن جابر .. ووهب تابعى ثقة من رجال الشيخين - التقريب (٢/ ٣٣٩).
[ ٢ / ٣١٨ ]
لنا منه شيء، أما ليله فقائم، وأما نهاره فصائم، فدخل النبي - ﷺ -، فذكرن ذلك له، فلقيه، فقال: يا عثمان بن مظعون .. أما لك بي أسوة؟ فقال: يا بأبي وأمي، وما ذاك؟ قال: تصوم النهار وتقوم الليل؟ قال: إني لأفعل. قال - ﷺ -: لا تفعل، إن لعينيك عليك حقًا، وإن لجسدك حقًا، وإن لأهلك حقًا، فصلّ ونم، وصم وأفطر "يا عثمان .. إن الرهبانية لم تكتب علينا، أما لك فيّ أسوة؟ أما والله إن أخشاكم لله، وأحفظكم لحدوده لأنا". فأتتهن بعد ذلك عطرة كأنها عروس. فقلن: مه؟ قالت: أصابنا ما أصاب الناس) (١) من ودٍّ ووصال .. في أجواء يمطر الإِسلام فيها حبًا وقلوبًا .. فما بين