قلت: يا عناق، حرّم الله الزنا، "إن رسول الله - ﷺ - حرم الزنا".
قالت: يا أهل الخيام، "هذا الدلدل، هذا الذي يحمل أسراءكم من مكة إلى المدينة".
فتبعني ثمانية، وسلكت الخندمة (١)، فانتهيت إلى غارٍ أو كهفٍ، فدخلت، فجاءوا حتى قاموا على رأسي، فبالوا، "فطار بولهم علي"، فظلّ
_________________
(١) جبل عند أحد مداخل مكة.
[ ٢ / ٢٩١ ]
بولهم على رأسي، وعمَّاهم الله عني. ثم رجعوا ورجعت إلى صاحبي، فحملته، وكان رجلًا ثقيلًا، حتى انتهيت إلى الإذخر، "فلما انتهيت به إلى الأراك" فككت عنه أكبله، فجعلت أحمله ويعينني، حتى قدمت المدينة، فأتيت رسول الله - ﷺ -، فقلت: يا رسول الله أنكح عناقًا؟
"فسكت عني"، فأمسك رسول الله - ﷺ - ولم يرد عليّ شيئًا حتى نزلت: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾.
فقال رسول الله - ﷺ -: يا مرثد الزاني لا ينكح إلَّا زانية أو مشركة، والزانية لا ينكحها إلَّا زان أو مشرك .. فلا تنكحها) (١).
لأنها تحترف الزّنا وتصرّ عليه .. أما إذا تابت الزانية وتاب الزاني وباب التوبة مفتوح إلى يوم القيامة .. فيجوز عند ذلك .. أمّا إذا لم يتوبوا فهم أمراض متنقلة .. تنخر الأجساد والمجتمعات ..
إذًا فهناك رجال يمكن الاعتماد عليهم للقيام بمهام خطيرة ودقيقة .. والنبي - ﷺ - لم يتردّد في بثّهم هنا وهناك .. فالمدينة في خطر .. والدعوة إلى التوحيد تحتاج إلى دولة قوية وذكية لنشرها .. كان لمرثد دور .. وكان لعبد الله بن أنيس دور آخر .. وللذين داخل المدينة أدوار يؤدّونها تحت قيادة هذا النبي الحكيم.
_________________
(١) سنده حسن رواه النسائي (الصحيح-٣٠٢٧) والترمذيُّ (الصحيح- ٣٥٣٨) واللفظ له والزوائد للنسائي .. من طريق عبيد الله بن الأخنس أخبرني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده .. وعبيد الله بن الأخنس أبو مالك النخعي، ثقة قاله الأئمة: أحمد وابن معين وأبو داود والنسائيُّ، وانظر: التهذيب. والتقريب (١/ ٥٣٠) وبقية السند حسن أي عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده وهو سند معروف.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
في إحدى هذه المهمات أراح النبي - ﷺ - دولته وأصحابه من فتنة عمياء .. ومن حرب قد تكون فادحة الخسائر .. وأراح بني لحيان من كارثة قد تحلّ بهم على يد قائدهم المتهور خالد بن نبيح .. لكن النبي - ﷺ - لم يكتف بهذه السرية ذات الفارس الواحد والفذّ .. فقريش وبنو لحيان وبعض القبائل أغراهم ذلك الانكسار الذي حدث للمسلمين في أُحُد .. لذلك لا بدّ من الحذر واليقظة .. لا بدّ من دراسة المنطقة والتعامل معها بحرص فقد يكون فيها أكثر من خالد بن نبيح ..
هناك مناطق توتّر مخيفة بين مكة والمدينة .. أشدّها تلك التي تسكنها هذيل تلك القبيلة التي ينتمي لها بنو لحيان .. ويسكنها بجوارهم بني سليم .. وإليها ينتمي بطون: رعل وذكوان وعصية .. وهؤلاء جميعًا يسكنون قريبًا من مكّة .. وقد تمّ القضاء على إحدى بؤر التوتّر وهو خالد بن نبيح ..
لكن بقي من هو أشدّ خطورة منه .. بقى طاغوت من غطفان اسمه: عامر بن الطفيل .. هذا الطاغوت كان وقحًا لدرجة أنه جاء إلى المدينة يهدد النبي - ﷺ - إذا لم يرض بمطالبه.