تقول عائشة ﵂:
(إن نساء رسول الله - ﷺ - كنّ حزبين:
فحزب فيه عائشة وحفصة وصفية (٢) وسودة، والحزب الآخر أم سلمة وسائر نساء رسول الله - ﷺ -، وكان المسلمون قد علموا حب رسول الله - ﷺ - عائشة، فإذا كانت عند أحدهم هدية يريد أن يهديها إلى رسول الله - ﷺ - أخّرها حتى إذا كان رسول الله - ﷺ - في بيت عائشة بعث صاحب الهدية إلى رسول الله - ﷺ - في بيت عائشة، فكلّم حزب أم سلمة فقلن لها: كلّمي رسول الله - ﷺ - يكلّم الناس) (٣)، فذهبت أم سلمة وكلّمته وحدث ما حدث كما في القصة السابقة .. لكن حزب أم سلمة لم يستسلم .. واصل المطالبة .. وهذه المرة قرّر الحزب أن يضغط على النبي - ﷺ -، مستخدمًا جانب العاطفة الأبوية .. مدركًا مدى رقّته - ﷺ - ورحمته ببناته وأولاده خاصة فاطمة الزهراء ﵂ .. قرّر حزب أم سلمة ذلك
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٣٧٧٥).
(٢) زوجة قادمة للنبي - ﷺ - سوف تأتي قصتها فيما بعد.
(٣) حديث صحيح رواه البخاري (٢٥٨١).
[ ٣ / ٦٦ ]
عن طريق حبيبته فاطمة .. مع أن النبي - ﷺ - كان يقضي عند كل واحدة يومًا ..
تقول عائشة - ﵂ -: (أرسل أزواج النبي - ﷺ - فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - إلى رسول الله - ﷺ -، فاستأذنت عليه وهو مضطجع معي في مرطي، فأذن لها، فقالت: يا رسول الله، إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة -وأنا ساكتة- فقال لها رسول الله - ﷺ -: أي بنية .. ألست تحبين ما أحب؟
فقالت: بلى.
قال: فأحبّى هذه.
فقالت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله - ﷺ -، فرجعت إلى أزواج النبي - ﷺ -، فأخبرتهن بالذي قالت، وبالذي قال لها رسول الله - ﷺ -. فقلن لها: ما نراك أغنيت عنّا من شيء، فارجعى إلى رسول الله - ﷺ - فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة.
فقالت فاطمة: والله لا أكلّمه فيها أبدًا.
قالت عائشة: فأرسل أزواج النبي - ﷺ - زينب بنت جحش، زوج النبي - ﷺ -، وهي التي تساميني منهن في المنزلة عند رسول الله - ﷺ - .. ولم أر امرأة قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالًا لنفسها في العمل الذي تصدق به، وتقرب إلى الله تعالى، ما عدا سورة من حدة (١) كانت فيها، تسرع منها الفيئة.
فاستأذنت على رسول الله - ﷺ -، ورسول الله - ﷺ - مع عائشة في مرطها
_________________
(١) سرعة غضب لكنها سرعان ما تنطفئ.
[ ٣ / ٦٧ ]
على الحالة التي دخلت فاطمة عليها وهو بها. فأذن لها رسول الله - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله .. إن أزواجك أرسلنني إليك، يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، ثم وقعت بي، فاستطالت عليّ "فرفعت صوتها حتى تناولت عائشة وهي قاعدة، فسبّتها".
وأنا أرقب رسول الله - ﷺ -، وأرقب طرفه، وهل يأذن لي فيها.
فلم تبرح زينب "حتى إن رسول الله - ﷺ - لينظر إلى عائشة: هل تكلم؟ ".
حتى عرفت أن رسول الله - ﷺ - لا يكره أن أنتصر.
"فتكلمت عائشة ترد على زينب حتى أسكتتها"، قالت: فلما وقعت بها لم أنشبها حين أنحيت عليها [أن أثخنتها غلبة] "فنظر النبي - ﷺ - إلى عائشة".
فقال رسول الله - ﷺ - وتبسّم: إنها ابنة أبي بكر) (١)، وقد انتصرت وانتصر حزبها .. لأنها لم تفعل ما يجرح شعورهن ﵅ .. لكنهن يطالبن النبي - ﷺ - بالعدل وهو عادل إلَّا في شيء واحد لا يستطيع التحكّم فيه .. وهو قلبه .. فهو بشر كبقية البشر لديه ما لديهم من الأحاسيس والمشاعر والميول .. ولم يكن - ﷺ - يتدخّل في كل ما يحدث بين زوجاته من أمور طبيعية تحدث عادة بين النساء عند زوج واحد .. إلَّا إذا تجاوزت إحداهن الحد .. عندها يحكم - ﷺ - بالعدل ويقوم بفضّ الاشتباك.
رضي حزب أم سلمة بمكانة عائشة .. بل قدم تنازلات أكثر ليحظى بحب الله ورسوله .. فبدلًا من أن يطالب حزب أم سلمة مرة أخرى بأن
_________________
(١) حديث صحيح رواه مسلم وما بين المعقوفين له .. والزوائد للبخاري (٢٥٨١).
[ ٣ / ٦٨ ]
تكون هدايا الناس في أوقات وأبيات مختلفة .. قام هذا الحزب الطيّب بتقديم الهدايا للنبي - ﷺ - .. لكن متى وأين ..