قرّر - ﷺ - أن يحفر خندقًا يحصن به الجهة الشمالية للمدينة من هجمات قريش ومن معها .. لأن بقية الجهات صعبة الاقتحام لكثرة النخيل والصخور والجبال .. وفنّ القتال لا يعني المهارة باستخدام السلاح فقط .. بل المهارة في استخدام وتسخير كل شىء يحيط بالمحارب .. وقد تفنّن - ﷺ - في تسخير تضاريس المدينة وطبيعتها في هذه الحرب القادمة .. غير المتكافئة عددًا واستعدادًا .. جهة الشمال مفتوحة لاحتمالات مخيفة .. فقرّر - ﷺ - إغلاقها .. فبدأ حفر الخندق .. بدأ بحفره بيديه .. فهو الذي ضرب أوّل معول في ذلك الخندق الذي سوف يشكّل مفاجأة للوثنيين واليهود ومن معهم .. فقد:
(ضرب رسول الله - ﷺ - في الخندق بيديه، ثم قال:
بسمم الله وبه بدينا ولو عبدنا غيره شقينا
حبذا ربنا وحبذا دينا) (١)
_________________
(١) سنده صحيح رواه الحارث (المطالب- ٤/ ٤٠٤) حدثنا معاوية بن عمرو، حدثنا أبو إسحاق الفزاري، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان - ﵁ - .. وهذا السند صحيح. معاوية ثقة من رجال الشيخين وهو الأزدي - التهذيب (١٠/ ٢١٥) وشيخه ثقة حافظ من رجال الشيخين (التقريب-١/ ٤١). وأما أبو عثمان النهدي فقد أدرك الجاهلية وأسلم في عهد النبي - ﷺ - وروايته عن الصحابة .. وقد ذكره الذهبي في (التجريد- ١٨٦) ضمن الصحابة فمرسله كمرسل الصحابي .. وليس ضمن شيوخه تابعي .. وقد روي موصولًا عن سلمان عند البيهقي لكن سنده ضعيف.
[ ٣ / ٨٥ ]
فتهاوت المعاول بعده تعزف خندقًا .. والحناجر تتغنى شعرًا وحماسًا .. وسط هذا الحماس والتفاني .. كنت لا تدري هل كان النبي - ﷺ - معهم أم هم الذين كانوا معه .. وسط ذلك الجو الشتوي البارد .. خلال ذلك الغبار المنبعث من الخندق .. لا تستطيع تمييز القائد من الأتباع .. أحد الصحابة اسمه سهل بن سعد يقول: (كنّا مع رسول الله - ﷺ - في الخندق، وهم يحفرون ونحن ننقل التراب على أكتادنا) (١) أما البراء بن عازب فيقول: (كان النبي - ﷺ - ينقل معنا التراب يوم الأحزاب، ولقد رأيته وارى التراب "شعر" بطنه "وكان رجلًا كثير الشعر") (٢).
(كان - ﷺ - ينقل التراب حتى وارى شعر صدره، وكان رجلًا كثير الشعر، وهو يرتجز برجز عبد الله "بن رواحة":
اللهمّ لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا وثبّت الأقدام إن لاقينا
إن الأعداء قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا
يرفع بها صوته "أبينا .. أبينا" "يمد صوته بآخرها") (٣).
كان - ﷺ - يحمس من حوله بأبيات الصحابي الشاعر عبد الله بن رواحة .. رافعًا ومادًّا بها صوته .. وكان لا بد من فعل ذلك .. فالجو مشحون بالجوع والبرد والحذر ..
لم يكتف - ﷺ - بذلك .. كان يذرع المنطقة .. يتفقّد كل شيء .. يحتاط لكل شيء .. ثم يعود لمحاربيه .. يشجّعهم .. يحفر معهم .. يدعو لهم ..
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٤٠٩٨).
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٧٢٣٦) والزوائد له (٣٠٣٤).
(٣) حديث صحيح رواه البخاري (٣٠٣٤) والزوائد له (٤١٠٤ - ٤١٠٦).
[ ٣ / ٨٦ ]
يحتضن فداءهم وإخلاصهم .. وهم في حالة جوع شديد .. وبرد قارس ..
(خرج رسول الله - ﷺ - إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع، قال:
اللهمّ إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا) (١)
البيعة تتجدّد .. والحماس يتجدّد .. لكن الجوع والتعب يتجدّد فما هو طعام كل مجموعة من هؤلاء المحاربين الأشدّاء .. الذين يحتاجون إلى كل ثانية وطاقة ..