والخيانة تشمكل نسبة لا بأس بها من دمائهم وعروقهم .. اجتمع أحبارهم وزعماؤهم .. وقرّروا بعث رسول إلى النبي - ﷺ - .. يظهرون فيه أنهم معه في هذه المعركة .. وأنهم جاهزون لأي إجراء يتّخذ ضدّ قريش وغطفان .. وقدّموا الدليل على ما يدّعون ..
[ ٣ / ١٠٥ ]
تقول عائشة ﵂ إن رسول الله - ﷺ - قال: (إن اليهود قد بعثت إلي: إن كان يرضيك عنا أن تأخذ رجلًا رهنًا من قريش وغطفان من أشرافهم، فندفعهم إليك، فتقتلهم) (١)، وكأن النبي - ﷺ - متعطّش إلى الدماء .. أيّ دماء .. وكأنه يستبيح أي شيء من أجل الوصول إلى هدفه ..
كانوا يريدون إشراك النبي - ﷺ - والمؤمنين في خستهم تلك ..
هل هذا الفعل الحقير .. وهذه النفوس المنحطة يمكن أن تكون لقوم يدينون بدين سماوي .. ويزعمون أن لديهم كتابًا منزلًا من عند الله بذلك .. إن الخيانة هي أهون شيء في قائمة ألقاب اليهود وصفاتهم ..
أدرك - ﷺ - أن هؤلاء القوم لن يتورعوا عن فعل أي شيء .. وهدم أي مبدأ .. وتجاوز أي مقدس .. وانتهاك أي محرم من أجل أحقادهم .. لذلك قرر أن يسقيهم من الكأس الذي سقوه منه .. قرر - ﷺ - إطلاع قريش وغطفان على غدر قريظة بهم وذلك عن طريق رجل يشدك ويثيرك عندما يتكلم ويؤثر في سامعيه .. تقول عائشة ﵂:
(كان نعيم رجلًا نمومًا، فدعاه رسول الله - ﷺ - فقال: إن اليهود قد بعثت إلي: إن كان يرضيك عنا أن تأخذ رجالًا رهنًا من قريش وغطفان، من أشرافهم، فندفعهم إليك، فتقتلهم؟ فخرج من عند رسول الله - ﷺ - فأتاهم، فأخبرهم بذلك .. فلما ولى نعيم، قال رسول الله - ﷺ -: إنما الحرب خدعة) (٢).
_________________
(١) سنده صحيح .. رواه ابن إسحاق ومن طريقه البيهقي (٣/ ٤٤٧): حدثنا يزيد بن رومان عن عروة عن عائشة .. ويزيد مولى آل الزبير تابعي صغير ثقة -التقريب (٢/ ٢٦٤)، وشيخه، إمام ثقة مر معنا كثيرًا.
(٢) سند صحيح وهو الحديث السابق.
[ ٣ / ١٠٦ ]
وقريش تعلم أن النبي - ﷺ - لا يكذب .. وتحقق للنبي - ﷺ - ما أراد فتم عزل بني قريظة عن قريش وغطفان .. وانكسر أحد أضلاع مثلث الأحزاب .. فتزعزعت ثقة الأحزاب بأحلامهم وجيشهم .. وأصبحت الهزيمة عندهم قابلة للاحتمال .. وبدأت بوادر استجابة الله لدعاء سعد بن معاذ .. الذي حاول - ﷺ - علاجه .. يقول جابر ﵁:
(رمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ، فقطعوا أكحله، فحسمه رسول الله - ﷺ - بالنار، فانتفخت يده، فحسمه أخرى، فانتفخت يده، فنزفه، فلما رأى ذلك، قال: اللَّهم لا تخرج نفسي حتى تقر عيني من بني قريظة، فاستمسك عرقه، فما قطر قطرة) (١).
استجاب الله لسعد بن معاذ .. فأي مصير ينتظر بني قريظة .. استجاب الله دعاء سيد الأنصار .. فهل يستجيب الله لـ: