الذي حاصره الكفر من كل مكان .. وطال عليه الحصار .. وسيطر الخوف على كل شبر في المدينة .. وصار الطفل والمرأة والرجل يخشون على أنفسهم إذا خرجوا لقضاء حاجة .. اشتد البرد والشتاء والجوع .. وبلغت الحال كما وصف الله في القرآن: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)
_________________
(١) سنده صحيح رواه أحمد (٣/ ٣٥٠) حدثنا حجين ويونس قالا: حدثنا الليث بن سعد عن أبي الزبير عن جابر .. وظاهر هذا السند الضعف لأن أبا الزبير مدلس وقد عنعن .. لكن ذلك لا يضر في هذه الحالة لأن الراوي عن أبي الزبير هو الليث بن سعد وقد أعلم له أبو الزبير ما سمعه من جابر فرواه عنه .. التهذيب (٩/ ٤٤٢) وحجين ثقة -التقريب (١/ ١٥٥).
[ ٣ / ١٠٧ ]
هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١) وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣) وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا (١٤)﴾ (١) هذا هو الوضع الآن .. وهذه هي المدينة .. كالطفل الخائف .. طيبة خائفة .. والرعب يطل عليها من رؤوس الجبال .. وشقوق الأبواب .. ومن بين النخيل ..
والمشركون يستعدون الآن لشن هجوم شرس للقضاء على هذا الملل والانتظار .. للقضاء على محمد - ﷺ - وأصحابه .. وبدأ الهجوم في ظهيرة أحد الأيام الباردة .. فتصدى له المسلمون .. وكان - ﷺ - يمثل جيشًا على إحدى مداخل الخندق .. يحميه ويذود عنه .. ويفتك بمن يقتحمه .. حتى صدهم عن ذلك الثغر .. وقد بقي - ﷺ - على ذلك المدخل من بعد صلاة الظهر إلى أن توارت الشمس وغابت .. يقول علي ﵁:
(إن رسول الله - ﷺ - كان يوم الأحزاب قاعدًا على فرضة من فرض الخندق، فقال: شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غربت الشمس، ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارًا) (٢).
وها هو أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وبقية الصحابة .. مشغولون عن الصلاة بقريش ومن معها .. لقد ذهب وقت صلاة العصر .. ودخل المغرب وهم يحاربون .. ها هو عمر قد استشاط غضبًا على أولئك الوثنيين
_________________
(١) سورة الأحزاب: الآيات ١٠ - ١٤.
(٢) حديث صحيح رواه مسلم (الدليل لمن قال .. كتاب المساجد) والبيهقيُّ (٣/ ٤٤٣) واللفظ له.
[ ٣ / ١٠٨ ]
(عمر بن الخطاب جاء يوم الخندق بعد ما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش، قال: يا رسول الله .. ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب .. قال النبي - ﷺ -: والله ما صليتها. فقمنا إلى بطحان، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب) (١) في ذلك الوادي المسمى: بطحان .. وحول الخندق كان الليل إذا أقبل .. أقبل مع الليل برد شديد .. وعندما تشرق الشمس تشرق معها المنايا .. ففي أحد الأيام أشرقت الشمس والمعركة .. وحميت المعركة وتأجج لهيبها ولم يستطع النبي - ﷺ - والصحابة الصلاة من شدة القتال .. خرج وقت صلاة الظهر .. والعصر والمغرب ولم تهدأ المعركة إلا بعد في دخول صلاه العشاء: يقول أبو سعيد الخدري ﵁:
(حبسنا يوم الخندق عن الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، حتى كفينا ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ فقام رسول الله - ﷺ -، فأمر بلالًا فأقام، ثم صلى الظهر، كما كان يصليها قبل ذلك، ثم أقام فصلى العصر كما كان يصليها قبل ذلك، ثم أقام المغرب، فصلاها كما كان يصليها قبل ذلك، ثم أقام العشاء، فصلاها كما كان يصليها قبل ذلك) (٢) هكذا بلغ الحصار بالنبي - ﷺ - وأصحابه .. لم يجدوا حتى دقائق قليلة لأداء الصلوات في أوقاتها .. ماذا يفعل - ﷺ - وسط هذا الخوف والجوع .. وسط هذا الزلزال .. لم يجد وسيلة مباحة إلا استخدمها .. ولم يبق أمامه وأمام أصحابه سوى الدعاء .. (دعا رسول الله - ﷺ - على الأحزاب فقال:
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٥٩٦) ومسلمٌ - كتاب المساجد.
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٤١١٥).
[ ٣ / ١٠٩ ]
اللَّهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللَّهم اهزمهم وزلزلهم) (١) دعا دعاء المكروب .. المحتاج .. وما كان الله ليذر نبيه وعباده الصالحين في همومهم وقد بذلوا كل جهدهم وطاقتهم له ومن أجل رضاه سبحانه.