فبعد أن سمع - ﷺ - رأي أقرب الناس من عائشة وأعلمهم بحالها .. خاصة أسامة وزينب وبريرة .. تحرك نحو منبره وجمع أصحابه يطلب منهم أن يعذروه .. أن ينصروه على ذلك المنافق الذي يبحث عن أي قذارة يلطخ بها رسول الله - ﷺ - وأهله وأصحابه.
تقول عائشة ﵂:
"فخرج النبي - ﷺ - فحمد الله وأثنى عليه"، فقام رسول الله - ﷺ - على المنبر، فاستعذر (١) من عبد الله بن أبي سلول. فقال: رسول الله - ﷺ -:
"أشيروا عليّ معشر المسلمين في قوم أبنوا (٢) أهلي، ما علمت عليهم من سوء قط، وابنوهم بمن والله ما علمت عليه من سوء قط، ولا تغيب قط إلَّا وهو معي، ولا دخل بيتي قط إلَّا وأنا شاهد".
يا معشر المسلمين .. من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي، فوالله ما علمت على أهلي إلَّا خيرًا.
ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلَّا خيرًا، وما كان يدخل على أهلي إلَّا معي.
فقام سعد بن معاذ الأنصاري (٣)، فقال: أنا أعذرك منه يا رسول الله (٤)،
إن كان من الأوس ضربنا عنقه،
_________________
(١) من يقوم بعذري ولا يلومني إن جازيته على فعله القبيح.
(٢) رموهم بخلق قبيح وقذفوهم بالزنا.
(٣) وهو سيد الأوس.
(٤) أي أنا أنصرك.
[ ٣ / ٤٧ ]
وإن كان من إخواننا الخزرج، أمرتنا ففعلنا أمرك.
فقام سعد بن عبادة -وهو سيد الخزرج وكان رجلًا صالحًا، ولكن اجتهلته الحمية- فقال لسعد بن معاذ:
كذبت .. لعمر الله، لا تقتله، ولا تقدر على قتله "أما والله أن لو كانوا من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم".
فقام أسيد بن حضير -وهو ابن عم سعد بن معاذ- فقال لسعد بن عبادة:
كذبت .. لعمر الله، لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين، فثار الحيان: الأوس والخزرج "حتى كاد أن يكون بين الأوس والخزرج شرٌّ في المسجد"، حتى همّوا أن يقتتلوا) (١).
تأزم الموقف .. ورقص الشيطان طربًا لما يحدث .. وتمايل قلب عبد الله ابن أبي بن سلول فرحًا بالمسافة التي وصلت إليها الأمور ..
كلمة واحدة .. لا دليل عليها ولا برهان سوى الكذب .. أوصلت الأمور إلى حد كادت السيوف أن تُسلّ .. والدماء أن تغرق المسجد ومن فيه .. وتلك الكلمات التي تفوّه بها سعد بن عبادة ﵁ .. في دفاعه عندما اجتهلته الحمية .. تلك الكلمة التي قيلت دفاعًا عن رأس المنافقين وخبيثهم في ساعة غضب وحمية .. كانت كلمات خطيرة جدًا .. كانت مليئة بالدماء .. قالها أحد عظماء الإِسلام ورجاله السابقين .. ولا تقل عنها في الخطورة تلك الكلمات التي أطلقها أسيد بن حضير ﵁ غضبًا لله ورسوله .. وهو من عظماء الإِسلام ورجاله السابقين كسعد بن عبادة .. لكنه غضب لله ورسوله غضبًا جعله يصف ابن عبادة بالنفاق.
_________________
(١) حديث صحيح رواه مسلم (٢٧٧٠) والزوائد للبخارى (٤٧٥٧).
[ ٣ / ٤٨ ]
تلك الكلمات التي انطلقت كالرصاص الطائش داخل المسجد كانت أمام سمع النبي - ﷺ - وبصره .. أمام سمع نبي مجروح في عرضه وشرفه ومكانته وهو قائد هذه الأمة .. وفي بقعة هي من خير البقاع على وجه الأرض .. داخل المسجد النبوي الكريم ..
موقفان خطيران .. حدثا أمام النبي - ﷺ - ومازالت مشاهدهما تتكرّر في كل زمان .. موقفان يتجسدان أكثر ما يتجسدان بين الدعاة وبين العلماء .. بين من يحملون الإِسلام خطًا ومنهاجًا وإن تحوّرت القبيلة إلى جماعة في بعض المشاهد .. موقفان لا يمكن وصفهما إلَّا بالتطرف ..
موقف من تجتهله الحمية وتقوده فينسى نفسه وحدوده ..
وموقف من يغضب لله ومحارمه غضبًا ينسيه نفسه وحدوده .. فإذا غضبه يقتحم النوايا والقلوب والضمائر ..
لا هذا يهم .. ولا ذاك .. لا موقف سعد بن عبادة ﵁ ولا موقف أسيد بن حضير ﵁ .. لأنها تسر وتفرح ابن أُبَيّ ومن معه .. أما نحن فأمامنا موقف هذا الواقف فوق منبره ..
هذا النبي الذي لا ينطق عن الهوى ..
صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلّم .. فهو الحكم والحكمة ..
محمَّد - ﷺ - والبقية تبع لمحمد ..
ماذا فعل بأبي هو وأمي .. وهو يحس بالمنايا تموج تنتظر السيوف والدماء .. لقد قتل الفتنة في مهدها .. وأعاد الطرفان إلى الصواب والحكمة .. فسعد بن عبادة ملء السمع والبصر .. وأسيد بن حضير ملء السمع والبصر .. لكنهما غاضبان .. والأمر لا يستحق أن تسفك من أجله
[ ٣ / ٤٩ ]
الدماء .. وما سفكت الدماء في مثل هذه المواقف إلَّا لغياب تلك الحكمة التي انطلقت من فوق منبره - ﷺ -.
تقول عائشة ﵂ وهي تكمل حديثها: (همّوا أن يقتتلوا، ورسول الله - ﷺ - قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله - ﷺ - يخفضهم حتى سكتوا، وسكت.
قالت عائشة: وبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدى) (١).
أمّا عائشة نفسها فقد كاد الحزن أن يهلكها ويفنيها .. إنها تصف ما وصلت إليه .. فتقول:
(لما بلغني ما تكلّموا به، هممت أن آتي قليبًا فأطرح نفسي فيه) (٢) .. لكنها لم تفعل لخوفها من الله .. وثقتها به .. وأنه لن يتركها وحيدة في هذا العالم الحائر في أمرها .. وتواصل حديثها عن النبي - ﷺ - وما جرى في مسجده .. فتقول:
(وبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، "فأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويومًا"، وأبواي يظنّان أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري ومسلمٌ (٢٧٧٠) واللفظ له.
(٢) سنده حسن رواه الطبراني (٢٣/ ١٢١). حدثنا أحمد بن القاسم حدثنا خالد بن خداش، حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عائشة .. ابن أبي مليكة تابعي أدرك ثلاثين من الصحابة - التقريب (١/ ٤٣١) وهو ثقة فقيه وتلميذه السختياني ثقة ثبت حجة وحماد ثقة ثبت فقيه .. وشيخ الطبراني ثقة - البلغة (٦١) والسند حسن من أجل ابن خداش وقد وثقه أئمة النقد وجرحه غير مفسر - التهذيب (٣/ ٧٤).
[ ٣ / ٥٠ ]
جالسان عندي، وأنا أبكى، استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكى "معي".
فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله - ﷺ - "وقد صلّى العصر"، فسلم. ثم جلس -ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل- وقد لبث شهرًا لا يُوحى إليه في شأني بشىء -"وقد اكتنفني أبواي عن يميني وشمالي"- فتشهد رسول الله - ﷺ - حين جلس ثم قال: أما بعد يا عائشة .. فإنه قد بلغني عنك كذا .. وكذا .. فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب "إلى الله" تاب الله عليه، فلما قضى رسول الله - ﷺ - مقالته (١)، قلص دمعى (٢) حتى ما أحس منه قطرة. فقلت لأبي: أجب عنّي رسول الله فيما قال.
فقال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - ﷺ -.
فقلت لأمي: أجيبي عني رسول الله - ﷺ -.
فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله - ﷺ -) (٣). سكت الجميع فتحررت من صدر عائشة المظلومة: