يتحدث عنه أنس بن مالك فيقول: (كان رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - يقال له: جليبيب، في وجهه دمامة، فعرض عليه رسول الله - ﷺ - التزويج، فقال: إذا تجدني كاسدًا، فقال: غير أنك عند الله لست بكاسد) (١).
كان جليبيب ظريفًا يهوى المزاح والدعابة .. لكنه لا يملك المال ولا الجاه ولا النسب .. لكن ذلك كله لا يهم ما دام النبي - ﷺ - يعتبره جزءًا منه .. ويتحدّث نيابة عنه .. ما دام يملك مساحة في قلب النبي - ﷺ - .. تحدّث عنها الصحابي الجليل أبو برزة الأسلمي .. فقال:
(إن جليبيبًا كان امرأً يدخل على النساء يمرّ بهن ويلاعبهن، فقلت لامرأتي:
لا يدخلن عليكم جليبيب، فإنه إن دخل عليكم لأفعلن .. ولأفعلن. وكانت الأنصار إذا كان لأحدهم أيم (٢) لم يزوجها حتى يعلم هل للنبي - ﷺ - فيها حاجة أم لا.
فقال رسول الله - ﷺ - لرجل من الأنصار: زوجني ابنتك. فقال:
_________________
(١) سنده صحيح رواه أبو يعلى (٦/ ٨٩) (حدثنا محمَّد بن أبي بكر المقدمي حدثنا ديلم بن غزوان، حدثنا عن ثابت عن أنس .. وثابت تابعي ثقة سمع من أنس وتلميذه سمع منه وهو صدوق -التقريب (١/ ٢٣٦) وكذلك شيخ أبي يعلى فهو ثقة من رجال الشيخين- السابق (٢/ ١٤٨).
(٢) فتاة عزباء.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
نعم وكرامة يا رسول الله، ونعم عيني. فقال - ﷺ -:
إني لست أريدها لنفسي، قال: فلمن يا رسول الله؟
قال - ﷺ -: لجليبيب.
فقال: يا رسول الله أشاور أمّها. فأتى أمّها، فقال رسول الله -ﷺ - يخطب ابنتك. فقالت: نعم ونعم عيني. فقال: إنه ليس يخطبها لنفسه، إنما يخطبها لجليبيب.
فقالت: أجليبيب ابنه؟ أجليبيب ابنه؟ أجليبيب ابنه؟ لا لعمر الله لا تزوّجه "ما وجد رسول الله - ﷺ - إلَّا جليبيبًا وقد منعناها من فلان وفلان - والفتاة في سترها تسمع"، فلما أراد أن يقوم ليأتي رسول الله - ﷺ - ليخبره بما قالت أمّها، قالت الجارية: من خطبني إليكم؟
فأخبرتها أمّها، فقالت: أتردّون على رسول الله - ﷺ - أمره؟ "إن كان رضيه لكم فأنكحوه"، ادفعوني إليه فإنه لن يضيّعني "فكأنها جلت عن أبويها، وقالا: صدقت. فذهب أبوها إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إن كنت رضيته فقد رضيناه. قال - ﷺ -: فإني قد رضيته"، قال: شأنك بها، فزوّجها جليبيبًا) (١)، فزوّجها - ﷺ - من ذلك الشاب الفقير .. الذي اختارته هي واختاره لها النبي - ﷺ - .. وهي تعلم أنه لن يختار لها إلَّا ما يحبه الله ورسوله - ﷺ - .. ولن يختار لها إلَّا ما يسعدها .. واحتجّت تلك الفتاة على شروط أمّها وتحكماتها التي لا تمتّ للإسلام .. واقتنع الجميع ﵃ بخيار النبي - ﷺ -.
وأبحر الشابان في أيام بيضاء سعيدة .. حتى جاء ذلك اليوم الذي فزع فيه أهل المدينة واستعدّوا لمواجهة عدوّ .. عندها انسحب جليبيب من
_________________
(١) حديث صحيح انظر: ما بعده فهو باقيه.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
ذراعي حبيبته إلى ذراعي المعركة .. وأخذ سيفه وانطلق خلف حبيبه - ﷺ - في معركة أحب أن أسميها):