جابر بن عبد الله .. الصحابي العظيم .. ابن الصحابي العظيم .. الذي يعول تسع أخوات وزوجته .. يستأذن النبي - ﷺ - لكنه ليس كاستئذان المنافقين .. لم يذهب لبيته كما يذهب ذلك المنافق طلبًا للراحة بين أهله والطعام والشراب .. لكنه رأى منظرًا أحزنه وآلمه أشدّ الألم فلم يستطع البقاء في مكانه .. حاول أن يخفّف عن ذلك المتألم شيئًا ولو قليلًا .. إنها على أقلّ الأحوال محاولة.
يقول ﵁: (كنّا مع رسول الله - ﷺ - يوم الخندق نحفر فيه، فلبثنا ثلاثة أيام لا نطعم شيئًا، ولا نقدر عليه، فعرضت في الخندق كدية (١)، فجئت إلى رسول الله - ﷺ - فقلت: هذه كدية قد عرضت في الخندق. "فقال رسول الله - ﷺ -: أنا نازل" فرششنا عليها الماء، فقام رسول الله - ﷺ - وبطنه معصوبة بحجر، فأخذ المعول، أو المسحاة، ثم سمى ثلاثًا، ثم ضرب، فعادت كثيبًا أهيل (٢).
فلما رأيت ذلك من رسول الله - ﷺ -، قلت: يا رسول الله، ائذن لي .. فأذن لي، فجئت امرأتي فقلت: ثكلتك أمك، إني قد رأيت من رسول الله - ﷺ - شيئًا لا صبر عليه "رأيت برسول الله - ﷺ - خمصًا شديدًا" (٣)
_________________
(١) أرض صلبة .. صخرية.
(٢) رملًا متناثرًا.
(٣) جوعًا شديدًا.
[ ٣ / ٨٩ ]
فما عندك؟
قال: عندي صاع من شعير، وعناق (١).
فطحنّا الشعير، وذبحنا العناق، وأصلحناها، وجعلناها في البرمة (٢)، وعجنت الشعير، ثم رجعت إلى رسول الله - ﷺ - فلبثت ساعة، ثم استأذنته الثانية، فأذن لي، فجئت، فإذا العجين قد أمكن، فأمرتها بالخبز، وجعلت القدر على الأثافي (٣)، "ثم وليت إلى رسول الله - ﷺ -، فقالت: لا تفضحني برسول الله - ﷺ - وبمن معه"، ثم جئت رسول الله - ﷺ -، فساررته، فقلت:
إن عندنا طعيمًا (٤) لنا، فإن رأيت أن تقوم معي أنت ورجل أو رجلان معك فعلت.
فقال - ﷺ -: ما هو وكم هو؟ قلت: صاع من شعير وعناق.
قال: ارجع إلى أهلك فقل لها: لا تنزع البرمة من الأثافي، ولا تخرج الخبز من التنور حتى آتي. ثم قال للناس: قوموا إلى بيت جابر، "فقام المهاجرون والأنصار".
قال: فاستحييت حياءً حتى لا يعلمه إلَّا الله. فقلت لامرأتي: "قد افتضحت ثكلتك أمك، وقد جاءك رسول الله - ﷺ - وأصحابه أجمعون".
"فقالت: بك وبك. فقلت: قد فعلتُ الذي قُلت".
فقالت: أكان رسول الله - ﷺ - سألك عن الطعام؟ قلت: نعم.
_________________
(١) أنثى الماعز لم تبلغ الحول.
(٢) القدر.
(٣) الأحجار التي يوضع عليها القدر عند الطبخ.
(٤) طعام قليل.
[ ٣ / ٩٠ ]
قالت: الله ورسوله أعلم، قد أخبرته بما كان عندك.
فذهب عني بعض ما كنت أجد. قلت: لقد صدقتِ.
فجاء رسول الله - ﷺ -، فدخل، ثم قال لأصحابه:
لا تضاغطوا، ثم برَّك على التنور وعلى البرمة (١).
فجعلنا نأخذ من التنور الخبز، ونأخذ اللحم من البرمة، فنثرد (٢)، ونغرف، ونقرّب إليهم. وقال رسول الله - ﷺ -: ليجلس على الصحفة (٣) سبعة أو ثمانية.
فلمّا أكلوا كشفنا التنور والبرمة، فإذا هما قد عادا إلى أملأ ما كانا، فنثرد، ونغرف، ونقرّب إليهم، فلم نزل نفعل ذلك كلّما فتحنا التنور، وكشفنا عن البرمة، وجدناها أملأ ما كانا، حتى شبع المسلمون منها "وهم ألف، فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو"، وبقيت طائفة من الطعام، فقال لنا رسول الله - ﷺ -: إن الناس قد أصابتهم مخمصة، فكلوا، وأطعموا، فلم نزل يومنا نأكل ونطعم) (٤).