_________________
(١) سنده صحيح رواه ابن اسحاق ومن طرقه رواه البيهقي (٣/ ٤٢٧): حدثنا سعيد بن ميناء، عن ابنة بشير بن سعد: وسعيد بن ميناء الحجازي مولى البختري .. أبو الوليد .. تابعي ثقة من رجال الشيخين -التقريب (١/ ٣٠٦) وابنة بشير صحابية صغيرة.
[ ٣ / ٩٢ ]
يعد أصحابه بذلك وهو يضع الحجر على بطنه من الجوع .. يقول ذلك لأصحابه وهو يحفر خندقًا يدافع به عن دولته الصغيرة التي لا تتجاوز حدودها حدود هذا الخندق .. يبشّرهم وهم جياع .. بكنوز فارس والروم وقصور اليمن .. لأنه نبي .. ولأنها حقيقة قادمة كشمس الغد ..
يقول أحد المشاركين في الخندق:
(لما كان حين أمرنا رسول الله - ﷺ - بحفر الخندق، عرض لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة، لا تأخذ فيها المعاول.
فشكونا ذلك إلى النبي - ﷺ -، فلما رآها أخذ المعول وقال: بسم الله، وضرب ضربة، فكسر ثلثها، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأبصر قصورها الحمر إن شاء الله. ثم ضرب الثانية، فقطع ثلثًا آخر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح فارس، والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض. ثم ضرب الثالثة، فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر، أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني الساعة) (١) .. وصحابي آخر لم يحضر الحادثة لكنه سمع من صحابي آخر فيقول: (إذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها، فقال نبيّ الله - ﷺ -:
دعوني فأكون أول من ضربها، فقال: بسم الله، فضربها، فوقعت فلقة ثلثها، فقال: الله أكبر قصور الروم وربّ الكعبة. ثم ضرب أخرى بأخرى، فوقعت فلقة، فقال:
الله أكبر قصور فارس، وربّ الكعبة. فقال عندها المنافقون:
_________________
(١) حديثٌ حسنٌ وسنده ضعيف رواه النسائي في الكبرى والبيهقيُّ (٣/ ٤٢١) وسبب ضعفه هو ميمون الزاهري لكن الحديث حسن بما بعده وبأحاديث أخرى.
[ ٣ / ٩٣ ]
نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم) (١).
هؤلاء المنافقون هم الذين قال الله عنهم: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ (٢)، أمر هؤلاء المنافقين محير ومزعج .. لا تدري ماذا يريدون .. ولا ما هو مبدأهم ولا هدفهم .. ولا تستطيع تمييزهم بسهولة ..
الكفر مرض والنفاق مرض .. وجسد الدولة الإسلامية يستطيع الاحتياط والوقاية من مرض الكفر .. لكن عندما يتسلّل هذا المرض إلى الداخل .. تبدأ رحلة طويلة ومريرة من العلاج وتناول الأدوية والعقاقير للقضاء عليه ..
وفي غزوة الخندق كانت الدولة الإِسلامية تحتاط بالخندق من الوثنيين .. لكن من الصعب القضاء عليهم وهم يتظاهرون بالإيمان .. لا سيما في هذا الوقت الذي انتهى - ﷺ - وأصحابه من حفر الخندق .. ووصل فيه أحزاب الأصنام إلى مشارف المدينة .. وعسكروا أمام الخندق .. وبدأ حصار قاسٍ وشديد على المدينة .. عندها بدأ المنافقون يظهرون كالبثور الكريهة المتقيّحة على جسد المدينة .. في هذه الظروف الحرجة ظهر نفاقهم وكفرهم وحقدهم على النبي - ﷺ - والصحابة .. ومع ذلك كلّه تمتّع - ﷺ - وأصحابه بأكبر قدر من ضبط النفس .. وعدم التهوّر بإيقاع أي عقوبة على أولئك المنافقين .. الذين فاحت خيانتهم من خلال كلماتهم .. ونظراتهم وحركاتهم التي كانت تفتقد إلى أقلّ معاني الرجولة والنخوة .. ازداد الوضع حرجًا، فقرّر - ﷺ -
_________________
(١) حديثٌ حسنٌ بما قبله ورجاله ثقات لكنني لم أعثر على ترجمة لنعيم بن سعيد فيما لدي من مراجع.
(٢) سورة الأحزاب: الآية ١٢.
[ ٣ / ٩٤ ]