الملاعنة تكون بين الزوجين .. في حالة اتّهام الزوج لزوجته بالزنا .. فيحلف قائلًا أربع مرات: أشهد بالله أنني صادق في اتهامي .. وفي المرة الخامسة يقول أن لعنة الله عليَّ إن كنت كاذبًا عليها .. فيقام عليها الحد
_________________
(١) يقذفون زوجاتهم.
(٢) يمنع ويدفع عنها الحد.
(٣) حديث صحيح انظر: تخريجه عند نهاية القصة.
[ ٣ / ٦٢ ]
والعقوبة إلا في حالة أن تشهد زوجته بالله أربع مرات أنه لمن الكاذبين في اتّهامه لها .. ثم تقول في الخامسة: أن غضب الله عليَّ إن كان من الصادقين.
(فقال رسول الله - ﷺ -: لاعنوا بينهما.
قيل لهلال: يا هلال .. اشهد. فشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين. فقيل له عند الخامسة: يا هلال، اتق الله، فإن عذاب الله أشدّ من عذاب الناس، وإنها الموجبة التي توجب عليك العذاب.
فقال هلال: والله لا يعذبني الله عليها، كما لم يجلدني عليها رسول الله - ﷺ -، فشهد الخامسة: أن لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين.
ثم قيل لها: اشهدي، فشهدت أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين، فقيل لها عند الخامسة: اتقى الله، فإن عذاب الله أشدّ من عذاب الناس، وإن هذه الموجبة التي توجب عليها العذاب، فتلكأت (١) ساعة، ثم قالت: والله لا أفضح قومي.
فشهدت الخامسة: أن غضب الله عليها إن كان من الصادقين، ففرّق بينهما رسول الله - ﷺ - وقضى أن الولد لها، ولا يدعى لأب ولا يرمى ولدها) (٢).
وكان اسم الرجل المتهم بالمرأة "شريك بن سمحاء"، يقول أحد الصحابة وهو يروي القصة:
_________________
(١) ترددت وأحجمت.
(٢) سنده صحيح رواه الطبري في تفسيره حدثنا خلاد بن أسلم أخبرنا النضر بن شميل، أخبرنا عباد، وسمعت عكرمة عن ابن عباس: عباد بن منصور الناجي صدوق وقد صرح بالسماع من عكرمة التقريب (١/ ٣٩٣) وخلاد والنضر: ثقتان (١/ ٢٢٩ - ٢/ ٣٠١) التقريب. ومعنى لا يرمي ولدها: أي لا يقال له يابن الزنا.
[ ٣ / ٦٣ ]
(قامت فشهدت، فلما كان في الخامسة وقفوها، وقالوا: إنها موجبة، فتلكأت (١) ونكصت حتى ظننّا أنها ترجع ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم. فمضت، فقال النبي - ﷺ -: أبصروها، فإن جاءت به أكحل العينين (٢)، سابغ الإليتين (٣)، خدلج الساقين (٤)، فهو لشريك بن سمحاء.
فجاءت به كذلك، فقال النبي - ﷺ -: لولا ما مضى من كتاب الله لكان لي ولها شأن) (٥)، فقد صدق هلال وكذبت .. ولكن لا يطبق الحدّ بعد نزول هذه الآية إلَّا بالاعتراف أو البيِّنة .. كما قال - ﷺ -: (لو كنت راجمًا أحدًا بغير بيّنة رجمت هذه) (٦).
كان حادث الإفك افتراءً .. ظلمًا وتجنّيًا على عائشة .. لكن رحمة الله وانتصاره للمظلوم وعدالته .. أحالته إلى دروس وأحكام وبراءة ..
ها هي عائشة بريئة كيوم ولدتها أمّها .. ها هي وقد غمرها - ﷺ - بأمواج حبّه وفؤاده ..
ها هي وقد رفعها الله بآيات كريمات .. وتكلّم في شأنها ودافع عنها جبار السموات والأرض ..
كان الفرج بحجم الدنيا في صدر عائشة .. لكنها غاضبة غضبًا شديدًا .. وعاتبة عتابًا شديدًا على من يسكنون قلبها .. زوجها - ﷺ - ووالديها ﵄ .. فلم تقدم لهم أي نوع من أنواع الامتنان
_________________
(١) ترددت.
(٢) وورد في الصحيح أدعج وأسحم.
(٣) أي عظيم كما جاء في بعض الألفاظ.
(٤) ممتلئ.
(٥) حديث صحيح رواه البخاري (٤٧٤٧).
(٦) حديث صحيح رواه البخاري (٥٣١٠).
[ ٣ / ٦٤ ]
والشكر .. ومع ذلك لم يلمها أحد منهم .. فالذي مرّ على هذه الفتاة المسكينة ثقيل جدًا .. ومرير جدًا ..
إن سمعة المرأة وشرفها عند العرب تعادل حياتها .. وهم لم يدفنوا بناتهم وهنّ صغار إلَّا خشية أن يتّهمن بما اتّهمت به عائشة .. ومن يستطيع أن ينفي تهمة في ذلك المجتمع .. والهدم أسهل من البناء .. فهل تُلام عائشة إذا غضبت على من أحبّتهم .. لم يلمها - ﷺ - .. بل استرضاها وأرضاها بلطفه ورقته وحبّه .. كان - ﷺ - يقول لها:
(إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت عليّ غضبى.
فقلت: ومن أين تعرف ذلك؟ قال - ﷺ -:
أما إذا كنت عني راضية، فإنك تقولين، لا، وربّ محمَّد. وإذا كنت غضبى، قلت: لا، وربّ إبراهيم.
قلت: أجل يا رسول الله، ما أهجر إلَّا اسمك) (١).
نهضت عائشة من الموت .. وتهادت كالنهر .. كالبدر .. نحو: