تقول ﵂:
(كان الذي تولّى كبره عبد الله بن أبي بن سلول، فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرًا، "اشتكيت شكوى شديدة، لا يبلغني شيء من ذلك، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله - ﷺ -، وإلى أبوي، ولا يذكران لي من ذلك قليلًا ولا كثيرًا" والناس يفيضون في قول أهل الإفك، ولا أشعر بشيء من ذلك، وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله - ﷺ - اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكى، إنما يدخل رسول الله - ﷺ - فيسلم، ثم يقول: كيف تيكم؟ فذاك يريبني، ولا أشعر بالشر "كنت إذا اشتكيت رحمني ولطف بي، فلم يفعل ذلك في شكواي تلك، فأنكرت منه، وكان إذا دخل علىّ وأمي تمرضني قال: كيف تيكم؟ لا يزيد على ذلك، حتى وجدت نفسي مما رأيت من جفائه عني، فقلت له: يا رسول الله .. لو أذنت لي فانتقلت إلى أمي فمرضتني؟ قال: لا عليك.
فانتقلت إلى أمي ولا أعلم بشيء مما كان"، حتى خرجت بعدما
[ ٣ / ٤٠ ]
نقهت (١)، وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع (٢) وهو متبرزنا، ولا نخرج إلَّا ليلًا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف (٣) قريبًا من بيوتنا، وأمرنا العرب الأول في التنزّه (٤)، وكنّا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق، وابنها مسطح ابن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا من شأننا، فعثرت أم مسطح في مرطها (٥)، فقالت: تعس مسطح.
فقلت لها: بئس ما قلت .. أتسبّين رجلًا قد شهد بدرًا [أي أم، تسبين ابنك؟
وسكتت، ثم عثرت الثانية، فقالت: تعس مسطح.
فقلت لها: تسبين ابنك؟ ثم عثرت الثالثة، فقالت: تعس مسطح.
فانتهرتها. فقالت: والله ما أسبّه إلَّا فيك.
فقلت: في أي شأني؟]
قالت: أي هنتاه! أوَلم تسمعي ما قال؟ قلت: وماذا قال؟ فأخبرتني يقول أهل الإفك [فبقرت لي الحديث (٦).
فقلت: وقد كان هذا؟ قالت: نعم والله].
_________________
(١) فترة النقاهة هي الأيام الأولى للشفاء من المرض حيث عادت إلى بيتها.
(٢) مكان خارج المدينة.
(٣) المكان الساتر.
(٤) الخروج للنزهة في الصحراء.
(٥) ثوبها وهو كساء من الصوف.
(٦) أي فصلت الحديث وسردته.
[ ٣ / ٤١ ]
فازددت مرضًا إلى مرضى، فلما رجعت إلى بيتي، "فمازلت أبكي حتى ظننت أن البكاء سيصدع قلبي"، فدخل علىّ رسول الله - ﷺ - ثم قال: كيف تيكم؟
قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي .. وأنا أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما. فأذن لي رسول الله - ﷺ - فجئت أبوي [فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار فوجدت أم رومان (١) في الأسفل، وأبا بكر فوق البيت يقرأ. فقالت أمي: ما جاء بك يا بنية؟ فأخبرتها، وذكرت لها الحديث وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني] فقلت لأمي: يا أمتاه .. ما يتحدث الناس؟ فقالت: يا بنية هونّي عليك [خفضني عليك الشأن]، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة [حسناء] عند رجل يحبها، ولها ضرائر إلَّا كثرن (٢) عليها، [إلَّا حسدنها وقيل فيها، وإذا لم يبلغ منها ما بلغ مني.
قلت: وقد علم به أبي؟
قالت: نعم.
قلت: ورسول الله - ﷺ -؟ قالت: نعم، ورسول الله - ﷺ -.
قلت: سبحان الله، وقد تحدث الناس بهذا؟ "تحدث الناس بما تحدّثوا به وبلغك ما بلغك، ولا تذكرين لي من ذلك شيئًا" [واستعبرت وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي -هو فوق البيت يقرأ- فنزل، فقال لأمي: ما شأنها؟
قالت: بلغها الذي ذكر من شأنها، ففاضت عيناه، قال: أقسمت عليك أي بنية إلَّا رجعت إلى بيتك، فرجعت].
_________________
(١) هي أم عائشة ﵂.
(٢) أي أكثرن من ذكرها بما يعيبها.
[ ٣ / ٤٢ ]
فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت، لا يرقأ لي دمع (١)، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي) (٢).
أفاقت عائشة من مرضها على مرض أشدّ .. أفاقت ﵂ والعالم ينهار على رأسها .. بكت بكاءً مرًا حتى أحرق البكاء كبدها .. أما النبي الحزين الحائر - ﷺ - فالوحي لم ينزل عليه حتى الآن .. والإشاعات تحاصره وتخنق أنفاس حبيبته .. اجتهد - ﷺ - اجتهاد البشر .. فاستدعى عليًا وابنه أسامة بن زيد بن محمَّد .. فقد ضاق به الحال وتأذى كثيرًا وهو يسمع المنافقين يلوكون عرضه الطاهر ليل نهار .. فهل هناك نهاية لهذا الأمر .. إلى أين يأخذه الحزن .. إلى أين تأخذه قدماه الشريفتان ..؟
توجّه النبي - ﷺ - إلى أحد أبياته .. إلى بيت زينب بنت جحش ﵂ بالتحديد .. ليسألها عن عائشة .. فهي التي تنافسها من بين زوجات النبي - ﷺ - .. فلعلّها تقول شيئًا يزيل حيرته - ﷺ - .. ثم إن أخت زينت "حمنة" كانت من الذين قذفوا عائشة الطاهرة بالزنا ..