سوء خلاف بين أعظم رجلين في أمة محمَّد - ﷺ - .. سوء الخلاف ذلك أثار غبارًا انقشع .. فلم تر الدنيا بعد انقشاعه إلَّا أبا بكر .. ثم عمر والباقين ﵃ جميعًا ..
صحابي اسمه أبو الدرداء شاهد ما حدث ورواه، فقال:
(كانت بين أبي بكر وعمر محاورة، فأغضب أبو بكر عمر، فانصرف عنه عمر مغضبًا، فأتبعه أبو بكر يسأله أن يستغفر له، فلم يفعل حتى
_________________
(١) حديث صحيح رواه البخاري (٤٧٥٧) ومسلمٌ -التوبة-.
[ ٣ / ٥٧ ]
أغلق بابه في وجهه، فأقبل أبو بكر إلى رسول الله - ﷺ -، فقال أبو الدرداء: -ونحن عنده- فقال رسول الله - ﷺ -: أما صاحبكم فقد غامر (١).
وندم عمر على ما كان منه، فأقبل حتى سلّم، وجلس إلى النبي - ﷺ -، وقصّ على رسول الله - ﷺ - الخبر.
قال أبو الدرداء:
وغضب رسول الله - ﷺ - "فجعل وجه النبي - ﷺ - يتمعر (٢) حتى أشفق (٣) أبو بكر، فجثا على ركبتيه" (٤)، وجعل أبو بكر يقول:
والله يا رسول الله، لأنا كنت أظلم "يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم"، فقال رسول الله - ﷺ -:
هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟
هل أنتم تاركوا لي صاحبي؟
إني قلت: يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت "وواساني بنفسه وماله" "فما أوذي بعدها") (٥)، فإذا كانت هذه الغضبة من أجل أبي بكر وفي أمر بسيط .. ومع من؟ مع عمر وما أدراك ما هذا العظيم المسمّى عمر .. فماذا يقال عن إيذاء مَنْ هم دون عمر .. وافتراء من هم أقل .. على أبي بكر ﵃ جميعًا.
هذه المرة لم ينتصر النبي - ﷺ - لأبي بكر .. لقد انتصر له الله .. وآزره
_________________
(١) أي خاصم.
(٢) يتغير لونه.
(٣) خاف.
(٤) جلس على ركبتيه.
(٥) حديث صحيح رواه البخاري (٤٦٤٠) والزوائد عنده (٣٦٦١).
[ ٣ / ٥٨ ]
الله .. وأنزل فيه وفي ابنته آيات تتلى إلى يوم القيامة .. أما عدوّه وعدّو الله وعدوّ رسول الله - ﷺ - عبد الله بن أبي بن سلول .. جرثومة النفاق الخبيثة فقد وجدت له سببين لكل هذه الحملة القذرة التي شنّها ليلوّث بها عرض رسول الله - ﷺ - وعرض صاحبه الصديق ..
السبب الأول هو كفره وحقده وحسده للنبي - ﷺ - على زعامته وإقامته دول مسلمة في عقر داره ودار قومه ..
أما السبب الثاني، فهو سؤال حول: