معركة انتصر فيها النبي - ﷺ - وأصحابه .. وحاز فيها جليبيب على أشياء ثمينة .. غبطه كل من حوله وهو يحملها في سفره ذلك .. غَبطه كل من حوله وهو بين ذراعي النبي - ﷺ - .. ليت شعري ما الذي أوصل جليبيبًا إلى هذا الحب النبوي الجارف .. دعونا نتمشى بقلوبنا بين غنائم جليبيب في تلك المعركة .. يرينا إياها أبو برزة ويصفها فيقول:
("ثم فزع أهل المدينة فركب جليبيب" فخرج رسول الله - ﷺ - في غزوة له، فلما أفاء الله عليه، قال لأصحابه:
هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلانًا .. ونفقد فلانًا.
قال - ﷺ -: انظروا هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا. قال - ﷺ -: لكني أفقد جليبيبًا؟ فاطلبوه في القتلى. فطلبوه، فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه. فقالوا: يا رسول الله .. ها هو ذا إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه، فأتاه النبي - ﷺ - فقام عليه، فقال: قتل سبعة وقتلوه!
هذا مني وأنا منه.
هذا مني وأنا منه (١).
ثم وضعه رسول الله - ﷺ - على ساعديه وحفر له .. ما له سرير إلَّا ساعدا رسول الله - ﷺ -، ثم وضعه في قبره) (٢)، أمام أعين الصحابة
_________________
(١) قال الراوى: مرتين أو ثلاثًا.
(٢) سنده صحيح رواه أحمد (٤/ ٤٢١ - ٤٢٢ - ٤٢٥): حدثنا عفان، حدثنا حماد بن =
[ ٢ / ٣٣١ ]
ودموعهم .. السواعد نعش لجليبيب .. والكلمات أكفان كالغمام: هذا مني وأنا منه .. لكني أفقد جليبيبًا ..
ما أسما هذا النبي وأعظمه .. ما أرقّ مشاعره .. يخطب باسم هذا الفقير الذي يموت في المعركة بعد أن فتك بسبعة .. ومع ذلك لا يأبه له أحد .. لا يذكر إذا ذكر الشهداء .. ولا يفقد إذا فقد الأبطال .. لكن أحضان النبي - ﷺ - وتجاويف قلبه تفتقده .. لأنه مسلم .. مهما كان نسبه .. مهما كان لونه .. حتى لو ارتحل عن هذه الدنيا دون أن يترك جاهًا أو مالًا ..
هل يضر جليبيبًا ذلك .. هل يضرّه أن لا يفتقده أحد إذا افتقده محمَّد - ﷺ - .. وحمله محمَّد - ﷺ - .. وجعل ساعديه له نعشًا وسريرًا .. وتوجع بكنز تمنّاه كل من حوله عندما قال: هذا مني وأنا منه .. هذا مني وأنا منه .. أما فتاته التي أحبّته لأن الله ورسوله - ﷺ - يحبّانه .. لأن رسول الله - ﷺ - اختاره لها .. فقد بلغها الخبر والحزن .. وبلغ المدينة كلّها ما حدث لجليبيب فأصابها الحزن .. وافتقد بعض البيوت تلك الملاحة والظرف والضحكات التي يثيرها ﵀ بدعاباته ..
ذهب ﵁ وترك لزوجته مجدًا لا يبارى .. وجعلها ملء السمع والبصر في المدينة .. حتى قال أنس بن مالك ﵁ بعد أن انتهت فترة حدادها على زوجها:
_________________
(١) = سلمة، عن ثابت عن كنانة بن نعيم عن أبي برزة وهذا إسنادٌ صحيحٌ على شرط مسلم .. وعفان وثابت من رجال الشيخين. وكنانة تابعي ثقة من رجال مسلم (التقريب- ٢/ ١٣٧): وحماد إمام معروف وثقة مشهور. من رجال مسلم.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
(فلقد رأيتها وإنها لمن أنفق بيت في المدينة) (١)، أي أن خطابها كثروا بعد جليبيب حتى صار بيت أهلها من أوائل البيوت التي يتهافت إليه الخطاب .. هذا ما جرى لجليبيب ﵁ ..
لكن ماذا عن زيد بن محمَّد .. فلنعد إلى زيد الذي تزوّج بذات النسب الرفيع زينب بنت جحش ﵂ .. ها هو بيت زيد وزينب .. دخلناه فوجدنا الوجوم يخيّم عليه بعد فترة من الزمن .. القلوب في هذا المنزل الكريم على غير ما يحب رسول الله - ﷺ - .. لم يكن هناك توافق بين زيد وزينب .. وسبحان مقلّب القلوب والأبصار .. ولا أدري أيّهما الذي كان مباعدًا للآخر بشعوره .. هل هو زيد أم زينب .. أم هما جميعًا .. لم يتحمل زيد ما يحدث في صدره وصدر زوجته .. فحمله إلى النبي - ﷺ - و(جاء زيد بن حارثة يشكو، فجعل النبي - ﷺ - يقول:
اتق الله وأمسك عليك زوجك) (٢)، قال النبي - ﷺ - تلك الكلمات والألم يسافر به .. والحرج يحاصره .. قال - ﷺ - تلك الكلمات بعد أن نزل عليه الوحي بشيء يخص زيدًا وزينب ويخصّه هو بالدرجة الأولى .. فقد أخبره الوحي أن زينب زوجة ابنه زيد سوف تصبح زوجته وإحدى أمّهات المؤمنين .. فأخفى - ﷺ - ذلك الأمر على زيد خشية أن يتأثر ابنه .. خشية أن يلوك المنافقون وضعاف النفوس ذلك الحدث ثم يلفظونه قيحًا في طرقات المدينة وفتنةً في بيوتها .. أخفى - ﷺ - ذلك لأنه سيحدث لا محالة .. وانصرف زيد إلى زوجته وبيته .. لكن القلوب تسافر دون أن تستأذن أصحابها .. بقي الزوجان على غير وفاق حتى تفاقم الصدع
_________________
(١) هو جزء من الحديث الصحيح السابق.
(٢) حديث صحيح رواه البخاري (٧٤٢٠).
[ ٢ / ٣٣٣ ]
فأصبح أكبر منهما ومن منزلهما .. فكان الطلاق هو الحل الوحيد .. والمخرج الآمن لحياتهما ومعاناتهما .. فأطلق زيد زينب وطلّقها بعد أن شعر أن البقاء معها شبه مستحيل .. فالإِسلام جعل الطلاق بيد الرجل لأنه المكلف بالمهر والنفقة والحماية والرعاية .. والرجل السويّ لا يقدم على الطلاق إلَّا بعد أن يستهلك كل وسائل البقاء الممكنة .. لكن ماذا عن المرأة المسكينة .. هل اضطهدها الإِسلام لأنها لا تنفق ولا تدفع مهرًا .. هل يرغمها على البقاء في بيت رجل لا تطيقه لهذا السبب فقط .. الجواب قصة هذه المرأة التي تطرق باب النبي - ﷺ - تبحث عن مخرج كمخرج زيد وزينب .. تطلب ذلك وهي زوجة سيد من سادات الأنصار .. وخطيب من أعظم خطبائهم وبلغائهم .. صاحب خلق ودين .. ليس بالبخيل ولا بالذليل .. اسمه ثابت ابن قيس بن شماس الأنصاري .. لكن زوجته فتّشت داخل قلبها عن مكان له فلم تجد .. لذلك ذهبت إلى النبى - ﷺ - تشكو ذلك الفراغ الذي يؤرقها مع ثابت .. فهل تستطيع تلك المرأة أن: