ها هو ابن هزال .. حدثنا يا نعيم ما هو ذلك الشيء الذي تمنى - ﷺ - لو ستره والدك بثوبه .. أو من هو؟
قال نعيم ﵁: (كان ماعز بن مالك في حجر أبي، فأصاب جارية من الحي، فقال له أبي:
ائت رسول الله - ﷺ - فأخبره بما صنعت لعله يستغفر لك - وإنما يريد بذلك رجاء أن يكون له مخرج، فأتاه، فقال: يا رسول الله إني زنيت فأقم عليّ كتاب الله "يا رسول الله طهّرني. فقال: ويحك ارجع، فاستغفر الله وتب إليه.
فرجح غير بعيد ثم جاء، فقال: يا رسول طهّرني.
فقال رسول الله - ﷺ -: ويحك ارجع، فاستغفر الله وتب إليه.
فرجح غير بعيد، ثم جاء فقال: يا رسول الله طهّرني.
فقال النبي - ﷺ - مثل ذلك، حتى إذا كانت الرابعة قال له رسول الله - ﷺ - ": إنك قد قلتها أربع مرات، فيمن؟ قال: بفلانة. "فسأل رسول الله - ﷺ -:أبه جنون؟ فأخبر أنه ليس بمجنون. فقال: أشرب خمرًا؟ فقام رجل فاستنكهه (١)، فلم يجد منه ريح خمر".
قال - ﷺ -: هل ضاجعتها؟ قال: نعم، قال: هل باشرتها؟ قال: نعم. قال: هل جامعتها؟ قال: نعم [قال - ﷺ -: فهل أحصنت؟ (٢) قال: نعم] فأمر
_________________
(١) أي شمه.
(٢) بالزواج.
[ ٣ / ٢٣ ]
به أن يرجم، فلما رجم، فوجد مسّ الحجارة جزع، فخرج يشتدّ (١) "واشتددنا خلفه" فلقيه عبد الله بن أنيس وقد أعجز أصحابه، فنزع له بوظيف بعير (٢) فرماه به، فقتله، ثم أتى النبي - ﷺ -، فذكر ذلك له.
فقال: هلَّا تركتموه، لعله يتوب، فيتوب الله عليه. "فكان الناس فيه فرقتين:
قائل يقول: لقد هلك، لقد أحاطت به خطيئته.
وقائل يقول: ما توبة أفضل من توبة ماعز، إنه جاء إلى النبي - ﷺ -، فوضع يده في يده، ثم قال: اقتلني بالحجارة.
فلبثوا بذلك يومين أو ثلاثة، ثم جاء رسول الله - ﷺ - وهم جلوس، فسلّم، ثم جلس، فقال:
استغفروا لماعز بن مالك، فقالوا: غفر الله لماعز بن مالك.
فقال رسول الله - ﷺ -: لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم") (٣).
لله حدود يجب تنفيذها .. دون مجاملة أو مداهنة .. وللنبي - ﷺ - حدود لا يستطيع تجاوزها .. فتح - ﷺ - لماعز أكثر من عشرة أبواب .. أشرعها ليهرب منها .. لكنه أصرّ على تنفيذ حدّ الله فيه .. فعل - ﷺ - ما
_________________
(١) يركض هاربًا.
(٢) عظم الساق أو الذراع.
(٣) سنده صحيح رواه أحمد (٥/ ٢١٧) وأبو داود (٤٤١٩) وما بين الأقواس لمسلم، وما بين المعقوفين للبخاري .. وسند أحمد وأبي داود هو: حدثنا وكيع حدثنا هشام بن سعد أخبرني يزيد بن نعيم بن هزال عن أبيه قال: ونعيم صحابيّ وابنه قال عنه الحافظ: مقبول والصواب أن يقول: صدوق فقد وثقه العجلي توثيقًا لفظيًا فقال: ثقة، وهو من رجال مسلم .. ولا أدري لماذا ضعف الإمام الألباني كلمة لعله أن يتوب .. وهي من هذا السند.
[ ٣ / ٢٤ ]
يمكنه أن يفعله لماعز .. ثم نفذ حكم الله فيه .. ومازال في صدر النبي - ﷺ - لماعز الكثير الكثير .. توجّه - ﷺ - بحديثه نحو الرجل الذي أشار على ماعز بالاعتراف .. فهل شكره على فعله ذلك .. الإجابة رحمةً كالعادة .. فما محمَّد - ﷺ - إلَّا رحمة مهداة .. التفت - ﷺ - بحديثه إلى هزال معاتبًا وقال له كلمة كالحزن: (يا هزال لو كنت سترته بثوبك كان خيرًا مما صنعت به) (١) (لو كنت سترته بثوبك كان خيرًا لك) (٢)، لم يقل - ﷺ -: لكان خيرًا لماعز ﵁ .. بل قال: خيرًا لك أنت يا هزال .. أنت أيها المبلغ .. ولك أنت أيضًا أيها المتلذّذ بفضح المستترين .. بدعوى الغضب لله ورسوله .. ومن أراد أن يمنح لنفسه حق اختراق جدران الآخرين وحريتهم المستورة.، فإن عمر ابن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف ﵄ يقدمان له درسًا متحضرًا .. يقول: (عبد الرحمن بن عوف: أنه حرس ليلة مع عمر بن الخطاب، فبينما هم يمشون، شب لهم سراج في بيت، فانطلقوا يؤمونه، حتى إذا دنوا منه، إذا باب مجاف على قوم لهم فيه أصوات مرتفعة ولغط، فقال عمر - وأخذ بيد عبد الرحمن بن عوف: أتدري بيت من هذا؟ قلت: لا قال: "هذا بيت" ربيعة بن أمية بن خلف وهم الآن شرب فما ترى؟ قال عبد الرحمن بن عوف: أرى أنا قد أتينا ما نهنا الله "عنه قال الله تعالى": ﴿وَلَا تجَسَّسُواْ﴾. فقد تجسسنا، فانصرف عنهم عمر وتركهم) (٣) لكن كم هو حجم ذلك
_________________
(١) سنده صحيح رواه أحمد (٥/ ٢١٧) وأبو داود (٤٤١٩) وهو الحديث السابق.
(٢) صحيح الجامع الصغير (٢/ ١٣٢٣).
(٣) سنده صحيح رواه عبد الرزاق (١٠/ ٢٣١) والبيهقيُّ (٨/ ٣٣٣) وابن حبان في الثقات (٤/ ٢٦٧) والحاكم (٤/ ٤١٩) عن الزهريّ حدثنا زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف عن المسرر بن مخرمة أخبره أن عبد الرحمن بن عوف أخبره .. وزرارة تابعي ثقة -التقريب (١/ ٢٦٠) والمسور صحابي ﵃ جميعًا.
[ ٣ / ٢٥ ]
الخير الذي يحصل عليه من ستر على مسلم .. وحافظ على نقاء صورته أمام المجتمع ..
(من ستر أخاه المسلم ستره الله في الدنيا والآخرة) (١)، ولما (أتي ابن مسعود فقيل: هذا فلان تقطر لحيته خمرًا. فقال عبد الله: إنا قد نهينا عن التجسّس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به) (٢) لـ (أن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم) (٣) والإِسلام لا يريد إفسادهم .. ولا أذيّتهم ..
هذه بعض حقوق الإنسان -أي إنسان- في الإِسلام .. دمه وماله وعرضه مكفولة الحماية .. بل إن الدهشة لتحاصر المرء عندما يعلم فداحة الجرم الذي يرتكبه أولئك السابحون في أعراض إخوانهم .. المنقّبون عن عيوب الناس لينشروها .. إليك هذه: