بدء إسلام الأنصار:
خرج رسول الله ﷺ في الموسم، فبينما هو عند العقبة، إذ لقي رهطا من الخزرج من الأنصار، فدعاهم إلى الله ﷿، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.
وكانوا جيران اليهود في المدينة، وكانوا يسمعونهم يخبرون بنبيّ قد أظلّ زمانه «١»، فقال بعضهم لبعض: يا قوم! تعلمون والله أنّه النبيّ الذي توعّدكم به اليهود، فلا يسبقنّكم إليه، فأجابوه، وصدّقوه، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعزّ منك «٢» .
وانصرفوا راجعين إلى بلادهم، وآمنوا، وصدّقوا، فلمّا قدموا المدينة ذكروا لإخوانهم رسول الله ﷺ ودعوهم إلى الإسلام، حتّى فشا فيهم، فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله ﷺ «٣»
_________________
(١) [أظلّ زمانه: أي أقبل عليهم ودنا منهم، كأنّه ألقى عليهم ظلّه] .
(٢) سيرة ابن هشام: ج ١؛ ص ٤٢٨- ٤٢٩ [وأخرجه البيهقيّ في «الدلائل» (٢/ ٤٣٣- ٤٣٥)، وأبو نعيم في «الدلائل» برقم (٣٢٣)] .
(٣) سيرة ابن هشام: ج ١، ص ٤٢٩.
[ ٢٢٥ ]
بيعة العقبة الأولى:
حتّى إذا كان العام المقبل، وافى الموسم من الأنصار، اثنا عشر رجلا (عشرة من الخزرج واثنان من الأوس)، فلقوه بالعقبة الأولى، فبايعوا رسول الله ﷺ على التوحيد، والتعفّف من السّرقة والزّنى وقتل الأولاد والطاعة في المعروف «١» .
فلمّا همّ القوم بالانصراف بعث رسول الله ﷺ معهم مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلّمهم الإسلام، ويفقّههم في الدين، فكان يسمّى «المقرىء» بالمدينة ونزل على أسعد بن زرارة، وكان يصلّي بهم «٢» .
سبب تهيّؤ الأنصار للإسلام:
وكان من صنع الله تعالى لرسوله وللإسلام، أن هيأ الله الأوس والخزرج «٣» - وهما قبيلتان عربيّتان عظيمتان في مدينة يثرب- لتقدرا هذه النعمة التي لا نعمة أعظم منها، وتسبقا أهل عصرهما، وأبناء الجزيرة، إلى الترحيب بالإسلام والدخول فيه، حين تنكّرت له قبائل العرب وفي مقدّمتها وعلى رأسها قريش وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [البقرة: ٢١٣] .
وقد ساعدت على ذلك عدّة عوامل، هي من خلق الله تعالى وتيسيره
_________________
(١) [انظر حديث عبادة بن الصامت عن «بيعة العقبة الأولى» أخرجه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب وفود الأنصار إلى النبي ﷺ برقم (٣٨٩٣)، ومسلم في كتاب الحدود، باب الحدود كفارات لأهلها، برقم (١٧٠٩)، وأحمد في المسند (٥/ ٣٢٣)] .
(٢) سيرة ابن هشام: ج ١، ص ٤٣١- ٤٣٤ ملخصا.
(٣) الأوس والخزرج من الأزد، الذين ينتمون إلى شعب قحطان، وقد عطف ثعلبة بن عمرو جدّهم نحو الحجاز بعد خراب سد مأرب سنة ١٢٠ ق، م، ثم سار نحو المدينة، كما سيأتي.
[ ٢٢٦ ]
وصنعه، كانت فارقة بين قريش وأهل مكة، وقبائل يثرب العربية، منها ما طبعها الله عليه من الرقّة واللّين وعدم المغالاة في الكبرياء وجحود الحقّ، وذلك يرجع إلى الخصائص الدمويّة والسّلالية التي أشار إليها رسول الله ﷺ حين وفد وفد من اليمن، بقوله: «أتاكم أهل اليمن أرقّ أفئدة وألين قلوبا» «١» وهما ترجعان في أصلهما إلى اليمن، نزح أجدادهم منها في الزمن القديم، يقول القرآن مادحا لهم:
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [الحشر: ٩] .
ومنها أنّهما قد أنهكتهما الحروب الداخلية، وما يوم بعاث ببعيد «٢»، وقد اكتووا بنارها، وذاقوا مرارتها، وعافوها، ونشأت فيهم رغبة في اجتماع الكلمة، وانتظام الشّمل، والتفادي من الحروب، وذلك ما عبّروا عنه بقولهم: «إنّا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشرّ ما بينهم،
_________________
(١) [أخرجه البخاريّ في كتاب المغازي، باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن، برقم (٤٣٨٨)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب تفاضل أهل الإيمان فيه برقم (٥٢)، والترمذي في أبواب المناقب، باب في فضل اليمن، برقم (٣٩٣٥) من حديث أبي هريرة ﵁] .
(٢) «يوم بعاث»: آخر الحروب المشهورة بين الأوس والخزرج، وبعاث موضع في نواحي المدينة، وكانت هذه الحرب من إيعاز اليهود في المدينة؛ ودخل مع القبيلتين قبائل من اليهود والعرب؛ ومكثوا أربعين يوما يتجهزون للحرب والتقوا في بعاث؛ واقتتلوا قتالا شديدا، وصبروا جميعا، وانهزمت الأوس في أول النهار ثم دارت الدائرة على الخزرج؛ ووضعت الأوس فيهم السلاح، ثم انتهوا عنهم، وأحرقت الأوس دور الخزرج؛ وأكثر الأنصار الأشعار في «يوم بعاث» (عن ابن الأثير ملخصا) وذلك قبل الهجرة، بخمس سنين في أصح الروايات (فتح الباري: ج ٧، ص ٨٥) .
[ ٢٢٧ ]
فعسى أن يجمعهم الله بك، فإن يجمعهم الله بك، فلا رجل أعزّ منك»، قالت عائشة ﵂: «كان يوم بعاث يوما قدمه الله تعالى لرسوله» .
ومنها أنّ قريشا، وسائر العرب قد طال عهدهم بالنبوّات والأنبياء، وأصبحوا يجهلون معانيها بطول العهد، وبحكم الأميّة والإمعان في الوثنيّة، والبعد عن الأمم التي تنتسب إلى الأنبياء وتحمل الكتب السماوية- على ما دخل فيها من التحريف والعبث- وذلك ما يشير إليه القرآن بقوله:
لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ [يس: ٦] .
أمّا الأوس والخزرج فكانوا يسمعون اليهود يتحدّثون عن النبوّة والأنبياء، ويتلون صحف التوراة ويفسّرونها، بل كانوا يتوعّدونهم به، ويقولون: إنّه سيبعث نبيّ في آخر الزمان، نقتلكم معه قتل عاد وإرم «١»، في ذلك يقول الله تعالى:
وَلَمَّا جاءَهُمْ كِتابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ وَكانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكافِرِينَ [البقرة: ٨٩] .
وبذلك لم تكن بين أبناء الأوس والخزرج وسكان المدينة من العرب المشركين تلك الفجوة العميقة الواسعة من الجهل والنّفور من المفاهيم الدينية والسّنن الإلهية التي كانت بينها وبين أهل مكة وجيرانهم من العرب، بل قد عرفوها وألفوها عن طريق اليهود، وأهل الكتاب الذين كانوا يختلطون بهم بحكم البلد والجوار والصلح والحرب والمحالفات، فلمّا تعرّفوا برسول الله ﷺ وقد حضروا الموسم، ودعاهم إلى الإسلام، ارتفعت الغشاوة عن
_________________
(١) تفسير ابن كثير: ج ١، ص ٢١٧.
[ ٢٢٨ ]
عيونهم، وكأنّهم كانوا من هذه الدّعوة على ميعاد.
خصائص المدينة المنوّرة (يثرب):
وكان من حكمة الله تعالى في اختيار المدينة دارا للهجرة، ومركزا للدّعوة، عدا ما أراده الله من إكرام أهلها، وأسرار لا يعلمها إلّا الله، أنّها امتازت بتحصّن طبيعيّ حربيّ، لا تزاحمها في ذلك مدينة قريبة في الجزيرة، فكانت حرة «١» الوبرة مطبقة على المدينة من الناحية الغربية، وحرة واقم مطبقة على المدينة من الناحية الشرقية، وكانت المنطقة الشمالية من المدينة، هي الناحية الوحيدة المكشوفة (وهي التي حصّنها رسول الله ﷺ بالخندق سنة خمس في غزوة الأحزاب) وكانت الجهات الآخرى من أطراف المدينة محاطة بأشجار النّخيل والزّروع الكثيفة، لا يمرّ منها الجيش إلا في طرق ضيقة لا يتفق فيها النظام العسكريّ، وترتيب الصّفوف.
وكانت خفارات عسكرية صغيرة، كافية بإفساد النظام العسكريّ ومنعه من التقدّم، يقول ابن إسحاق: «كان أحد جانبي المدينة عورة، وسائر جوانبها مشككة بالبنيان والنخيل، لا يتمكّن العدوّ منها» .
ولعلّ النبيّ ﷺ قد أشار إلى هذه الحكمة الإلهيّة في اختيار المدينة بقوله لأصحابه قبل الهجرة: «إنّي رأيت دار هجرتكم، ذات نخل بين لابتين»»
_________________
(١) و«الحرة» أو «اللابة» منطقة سوداء من الحجارة النخرة المحترقة أو المؤلفة من السائل البركاني يمتنع فيها المشي بالأقدام، ومشي الإبل والخيل- فضلا عن مرور الجيش- وقد ذكر العلامة مجد الدين الفيروز آبادي (ت ٨٢٣ هـ) في كتابه «المغانم المطابة في معالم طابة» في حرف الحاء: حرات كثيرة تحيط بالمدينة من عدة جوانب يدنو بعضها، ويبعد بعضها؛ وتحميها من الغزو من الخارج أو تحدث صعوبات وعراقيل في تحرك الجيوش (راجع الكتاب، ص ١٠٨- ١١٤) .
(٢) أخرجه البخاري [في كتاب مناقب الأنصار] باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه [برقم-
[ ٢٢٩ ]
وهما الحرتان، فهاجر من هاجر قبل المدينة.
وكان أهل المدينة من الأوس والخزرج أصحاب نخوة وإباء وفروسية وقوة شكيمة، ألفوا الحرية، ولم يخضعوا لأحد، ولم يدفعوا إلى قبيلة أو حكومة، إتاوة أو جباية، وقد جاء ذلك صريحا في الكلمة التي قالها سعد بن معاذ- سيّد الأوس- لرسول الله ﷺ: «قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعا» «١» .
يقول ابن خالدون: «ولم يزل هذان الحيّان قد غلبوا اليهود على يثرب، وكان الاعتزاز والمنعة تعرف لهم في ذلك، ويدخل في ملّتهم من جاورهم من قبائل مضر «٢» .
وجاء في «العقد الفريد»: «ومن الأزد الأنصار، وهم الأوس والخزرج وهما ابنا حارثة بن عمرو بن عامر، وهم أعزّ الناس أنفسا، وأشرفهم همما، ولم يؤدّوا إتاوة قطّ إلى أحد الملوك» «٣» .
وكان بنو عديّ بن النّجار أخواله دنيا «٤»، فأمّ عبد المطلب بن هاشم إحدى نسائهم، فقد تزوّج هاشم بسلمى بنت عمرو أحد بني عديّ بن النجّار، وولدت لهاشم عبد المطلب، وتركه هاشم عندها، حتّى صار غلاما دون
_________________
(١) - (٣٩٠٥)، وفي كتاب الكفالة، باب جوار أبي بكر في عهد رسول الله ﷺ وعقده، برقم (٢٢٩٧)، وأحمد: (٦/ ١٩٨)، والحاكم: (٢/ ٣- ٤) ووافقه الذهبي، والحديث إسناده صحيح] .
(٢) سيرة ابن هشام: ج ١؛ ص ٢٢٣.
(٣) تاريخ ابن خالدون: ج ٢، ص ٢٨٩.
(٤) العقد الفريد: ج ٣، ص ٣٣٤ (طبع لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة) .
(٥) هو ابن عمي دنية ودنيا ودنيا، أي لحّا (القاموس: دنا) .
[ ٢٣٠ ]
المراهقة، فذهب إليه عمّه المطلب، فجاء به إلى مكة، وكانت الأرحام يحسب لها حساب كبير في حياة العرب الاجتماعيّة، ومنهم أبو أيوب الأنصاريّ الذي نزل رسول الله ﷺ في داره في المدينة.
وكان الأوس والخزرج من قحطان، والمهاجرون، ومن سبق إلى الإسلام في مكة وما حولها من عدنان، ولمّا هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، وقام الأنصار بنصره، اجتمعت بذلك عدنان وقحطان تحت لواء الإسلام، وكانوا كجسد واحد، وكانت بينهما مفاضلة ومسابقة في الجاهليّة، وبذلك لم يجد الشيطان سبيلا إلى قلوبهم، لإثارة الفتنة والتعزّي بعزاء الجاهلية باسم الحميّة القحطانيّة أو العدنانية.
فكانت مدينة (يثرب) - لكلّ ذلك- أصلح مكان لهجرة الرسول ﷺ وأصحابه واتخاذهم لها دارا وقرارا، حتى يقوى الإسلام، ويشقّ طريقه إلى الأمام، ويفتح الجزيرة ثمّ يفتح العالم المتمدّن.
انتشار الإسلام في المدينة:
وجعل الإسلام يفشو في منازل الأنصار- الأوس والخزرج- وأسلم سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وهما سيّدا قومهما، من بني عبد الأشهل من الأوس، بحكمة من أسلم قبلهما، وتلطفهم، وبحسن دعوة مصعب بن عمير﵁- وأسلم بنو عبد الأشهل عن آخرهم، ولم تبق دار من دور الأنصار إلّا وفيها رجال ونساء مسلمون «١» .
بيعة العقبة الثانية:
ورجع مصعب بن عمير إلى مكة في العام القابل، وخرج عدد من
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ١؛ ص ٤٣٦- ٤٣٨ مختصرا.
[ ٢٣١ ]
المسلمين من الأنصار مع حجّاج قومهم من أهل الشرك، حتّى قدموا مكة، فواعدوا رسول الله ﷺ العقبة، فلمّا فرغوا من الحجّ، ومضى ثلث اللّيل، اجتمعوا في الشعب عند العقبة، وهم ثلاثة وسبعون رجلا، وامرأتان من النساء، وجاء رسول الله ﷺ ومعه عمّه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه.
وتكلّم رسول الله ﷺ وتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام ثمّ قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم، فبايعوه، واستوثقوا منه ألا يدعهم، ويرجع إلى قومه، فوعد بذلك رسول الله ﷺ فقال: «أنا منكم وأنتم منّي، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم» .
واختار رسول الله ﷺ منهم اثني عشر نقيبا: تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس «١» .
إذن الرسول ﷺ لأصحابه بالهجرة إلى المدينة:
ولمّا بايع رسول الله ﷺ هذا الحيّ من الأنصار على الإسلام، والنصرة له، ولمن اتبعه، فأوى إليهم عدد من المسلمين، أمر رسول الله ﷺ أصحابه، ومن معه بمكة من المسلمين، بالخروج إلى المدينة، والهجرة إليها واللحوق بإخوانهم من الأنصار وقال: «إنّ الله ﷿ قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون بها» فخرجوا أرسالا.
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ١؛ ص ٤٤١- ٤٤٣ [انظر تفصيلات بيعة العقبة الثانية في «مسند أحمد» (٣/ ٣٢٢)، وفي «السّنن الكبرى» للبيهقي (٩/ ٩) وفي «المستدرك» للحاكم (٢/ ٩٢٤- ٩٢٥) وغيرهم أخرجوها من حديث جابر بن عبد الله ﵁] .
[ ٢٣٢ ]
وأقام رسول الله ﷺ بمكة ينتظر الإذن من الله في الخروج من مكة والهجرة إلى المدينة.
ولم تكن هجرة المسلمين من مكة هيّنة سهلة تسمع بها قريش، وتطيب بها نفسا، بل كانوا يضعون العراقيل في سبيل الانتقال من مكة إلى المدينة، ويمتحنون المهاجرين بأنواع من المحن، وكان المهاجرون لا يعدلون عن هذه الفكرة، ولا يؤثرون البقاء في مكّة، مهما دفعوا من قيمة، فمنهم من كان يضطرّ إلى أن يترك امرأته وابنه في مكّة، ويسافر وحده، كما فعل أبو سلمة، ومنهم من كان يضطرّ إلى أن يتنازل عن كلّ ما كسبه في حياته وجمعه من ماله، كما فعل صهيب ﵁.
قالت أمّ سلمة﵂-: لمّا أزمع أبو سلمة﵁- الخروج إلى المدينة، رحّل لي بعيره، ثم حملني عليه وجعل معي ابني سلمة بن أبي سلمة في حجري، ثمّ خرج يقود بي بعيره، فلمّا رأته رجال بني المغيرة قاموا إليه فقالوا: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه علام نتركك تسير بها في البلاد؟ قالت: فنزعوا خطام البعير من يده، وأخذوني منه.
قالت: وغضب عند ذلك بنو عبد الأسد رهط أبي سلمة وقالوا: والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا، فتجاذبوا ابني سلمة بينهم حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبد الأسد، وحبسني بنو المغيرة عندهم.
وانطلق زوجي أبو سلمة إلى المدينة، ففرّق بيني وبين ابني وبين زوجي، فكنت أخرج كلّ غداة، فأجلس في الأبطح، فما أزال أبكي حتى أمسي، سنة أو قريبا منها، حتى مرّ بي رجل من بني عمّي أحد بني المغيرة، فرأى ما بي، فرحمني، فقال لبني المغيرة: ألا تخرجون هذه المسكينة،
[ ٢٣٣ ]
فرّقتم بينها وبين زوجها وبين ولدها؟ فقالوا: الحقي بزوجك إن شئت، فردّ بنو الأسد إليّ عند ذلك ابني، فارتحلت بعيري، ثمّ أخذت ابني فوضعته في حجري، ثمّ خرجت أريد زوجي بالمدينة، وما معي أحد من خلق الله، حتّى إذا كنت ب «التنعيم» لقيت عثمان بن طلحة بن أبي طلحة أخا بني عبد الدّار، فقال: إلى أين يا ابنة أبي أمية؟
قلت: أريد زوجي بالمدينة.
قال: أو ما معك أحد؟
قلت: ما معي أحد إلّا الله وابني هذا.
فقال: والله ما لك من مترك، فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوي بي، فو الله ما صحبت رجلا من العرب قطّ أرى أنّه كان أكرم منه، كان إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثمّ استأخر عنّي، حتّى إذا نزلت استأخر ببعيري، فحطّ عنه، ثمّ قيده في الشجر، ثمّ تنحّى إلى شجرة، فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح، قام إلى بعيري فقدّمه، فرحله، ثمّ استأخر عنيّ وقال: اركبي، فإذا ركبت فاستويت على بعيري، أتى فأخذ بخطامه، فقادني حتّى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك بي حتّى أقدمني المدينة، فلما نظر إلى قرية بني عمرو بن عوف ب «قباء» قال: زوجك في هذه القرية- وكان أبو سلمة بها نازلا- فادخليها على بركة الله، ثمّ انصرف راجعا إلى مكة.
فكانت تقول: ما أعلم أهل بيت في الإسلام، أصابهم ما أصاب آل أبي سلمة، وما رأيت صاحبا قطّ كان أكرم من عثمان بن طلحة «١» .
_________________
(١) وأسلم عثمان بن طلحة هذا بعد الحديبية، وهاجر، ودفع إليه رسول الله ﷺ يوم الفتح مفاتيح الكعبة (ابن كثير؛ ج ٢، ص ٢١٥- ٢١٧) .
[ ٢٣٤ ]
ولمّا أراد صهيب الهجرة، قال له كفّار قريش: أتيتنا صعلوكا حقيرا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثمّ تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟
والله لا يكون ذلك!
فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي، أتخلّون سبيلي؟.
قالوا: نعم.
قال: إنّي قد جعلت لكم مالي.
وبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: «ربح صهيب، ربح صهيب» «١» .
وهاجر عمر بن الخطاب، وطلحة، وحمزة، وزيد بن حارثة، وعبد الرحمن بن عوف، والزّبير بن العوّام، وأبو حذيفة، وعثمان بن عفان، وآخرون﵃ أجمعين- وتتابعت الهجرة ولم يتخلّف مع رسول الله ﷺ بمكة غير من حبس وفتن، إلا عليّ بن أبي طالب، وأبو بكر بن أبي قحافة ﵄- «٢» .
تامر قريش على رسول الله ﷺ التامر الأخير، وخيبتهم فيما أرادوا:
ولمّا رأت قريش أنّ رسول الله ﷺ قد صار له أصحاب وأنصار في المدينة ولا سلطان لهم عليها، تخوّفوا من خروج رسول الله ﷺ إلى المدينة، وعرفوا أنّه إذا كان ذلك، فلا حيلة لهم فيه، ولا سبيل لهم عليه، فاجتمعوا في «دار النّدوة» وهي دار قصيّ بن كلاب، وكانت قريش لا تقضي أمرا إلّا فيها، يتشاورون فيها ما يصنعون في أمر رسول الله ﷺ واجتمع فيها أشراف قريش.
_________________
(١) ابن كثير نقلا عن ابن هشام: ج: ٢، ص ٢٢٣ [وأخرجه البيهقي في «الدلائل» (٢/ ٥٢٢- ٥٢٣)، والحاكم في «المستدرك» (٣/ ٤٠٠) وصحّحه ووافقه الذهبي] .
(٢) سيرة ابن هشام: ج ١؛ ص ٤٧٠- ٤٧٩.
[ ٢٣٥ ]
واجتمع رأيهم أخيرا على أن يؤخذ من كلّ قبيلة فتى شابّ صاحب جلادة ونسب، فيها جموا رسول الله ﷺ ويضربوه ضربة رجل واحد، وبذلك يتفرّق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا، وتفرق القوم على ذلك، وهم مجمعون له.
وأخبر الله رسوله بهذه المؤامرة، فأمر عليّ بن أبي طالب أن ينام على فراشه، متسجّيا ببردته، وقال: لن يخلص إليك شيء تكرهه.
واجتمع القوم على بابه، وهم متهيّئون للوثوب، وخرج رسول الله ﷺ وأخذ حفنة من تراب في يده، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلا يرونه فجعل ينثر ذلك التراب على رؤوسهم، وهو يتلو آيات من سورة يس من أوّلها إلى قوله تعالى: فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ [يس: ٩] .
وأتاهم آت، فقال: ما تنتظرون هاهنا؟
قالوا: محمدا.
قال: خيّبكم الله، قد والله خرج وانطلق لحاجته.
وتطلّعوا، فرأوا عليّا نائما على الفراش، فلم يشكّوا في أنّه رسول الله ﷺ فلمّا أصبحوا قام عليّ﵁- عن الفراش، فخجلوا، وانقلبوا خائبين «١» .
_________________
(١) سيرة ابن هشام: ج ١؛ ص ٤٨٠- ٤٨٣ [وأخرجه أبو نعيم في «الدلائل» ص: (٦٤)، والطبري في تاريخه: (٢/ ٣٧٣)] .
[ ٢٣٦ ]
خريطة هجرة الرسول ﷺ
[ ٢٣٧ ]
هجرة الرّسول ﷺ إلى المدينة
وجاء رسول الله ﷺ إلى أبي بكر، فقال له: إنّ الله قد أذن لي في الخروج والهجرة، فقال أبو بكر: الصّحبة يا رسول الله! قال: «الصحبة» وبكى أبو بكر﵁- من الفرح، وقدّم أبو بكر راحلتين، كان قد أعدّهما لهذا السفر، واستأجر عبد الله بن أريقط، ليدلّهما على الطريق «١» .
تناقض غريب:
وكانت قريش- رغم عدائها لرسول الله ﷺ ورميه عن قوس واحدة- عظيمة الثقة بأمانته، وصدقه، وفتوته، فليس بمكة أحد عنده شيء يخشى عليه إلا وضعه عند رسول الله ﷺ لثقته به، فكان عند رسول الله ﷺ الشيء الكثير من هذه الودائع، فأمر عليا﵁- بأن يتخلّف بمكة حتّى يؤدّيها عنه «٢»، وصدق الله العظيم: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] .
درس من الهجرة:
وقد أثبتت الهجرة النبوية أنّ الدعوة والعقيدة يتنازل لهما عن كلّ حبيب
_________________
(١) [أخرجه البخاريّ في كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة برقم (٣٩٠٥)، وعبد الرّزاق في مصنّفه برقم (٩٧٤٣)، وأحمد في مسنده (٦/ ٣٤٦) من حديث عائشة ﵂] .
(٢) سيرة ابن هشام: ج ١، ص ٤٨٤- ٤٨٥.
[ ٢٣٩ ]
وعزيز وأليف وأنيس وعن كلّ ما جبلت الطبائع السليمة على حبّه وإيثاره، والتمسّك به والتزامه، ولا يتنازل عنهما لشيء. وقد اقترن تاريخ الدعوات العظيمة والديانات القديمة بالحركة، حركة الأفراد أحيانا وحركة الجماعات أحيانا كثيرة.
وقد كانت مكة- فضلا عن كونها مولدا ومنشأ للرسول وأصحابه- مهوى الأفئدة ومغناطيس القلوب، ففيها الكعبة البيت الحرام الذي جرى حبّه منهم مجرى الروح والدم، ولكنّ شيئا من ذلك لم يمنعه وأصحابه من مغادرة الوطن، ومفارقة الأهل والسكن، حين ضاقت الأرض على هذه الدعوة والعقيدة، وتنكّر أهلها لهما.
وقد تجلّت هذه العاطفة المزدوجة- عاطفة الحنين الإنسانيّ وعاطفة الحبّ الإيمانيّ- في كلمته التي قالها مخاطبا لمكّة: «ما أطيبك من بلد وأحبّك إليّ، ولولا أنّ قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك» «١» .
وذلك عملا بقول الله تعالى:
يا عِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي واسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ
[العنكبوت: ٥٦] .
إلى غار ثور:
وخرج رسول الله ﷺ وأبو بكر من مكة مستخفيين، وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبي بكر أن يتسمّع لهما ما يقول الناس فيهما بمكة، وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهارا ويريحها عليهما ليلا، وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام.
_________________
(١) أخرجه الترمذي [في أبواب المناقب عن رسول الله ﷺ، باب: في فضل مكة، برقم (٣٩٢٦) من حديث ابن عباس ﵄] .
[ ٢٤٠ ]
من روائع الحبّ:
ولم يزل الحبّ منذ فطر الله الإنسان ملهما للدقائق العجيبة، باعثا على الإشفاق على من تعلّق به القلب وأحبّته النفس، وهذا كان شأن أبي بكر مع رسول الله ﷺ في هذه الرحلة.
وقد روي أنّه لمّا انطلق رسول الله ﷺ إلى الغار ومعه أبو بكر، كان يمشي ساعة بين يديه وساعة خلفه، حتى فطن رسول الله ﷺ فقال: «يا أبا بكر! ما لك تمشي ساعة خلفي وساعة بين يديّ؟» فقال: يا رسول الله! أذكر الطلب فأمشي خلفك، ثمّ أذكر الرّصد فأمشي بين يديك «١» .
فلمّا انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: مكانك يا رسول الله! حتّى أستبرىء لك الغار، فدخل فاستبرأه، حتى إذا كان، ذكر أنّه لم يستبرىء الحجرة، فقال: مكانك يا رسول الله! حتى أستبرىء فدخل فاستبرأ، ثمّ قال: انزل يا رسول الله! فنزل «٢» .
ولله جنود السموات والأرض:
ودخلا الغار، وبينما هما كذلك إذ بعث الله العنكبوت، فنسجت ما بين الغار والشجرة التي كانت على وجه الغار، وسترت رسول الله ﷺ وأبا بكر، وأمر الله حمامتين وحشيتين، فأقبلتا تدفّان حتّى وقعتا بين العنكبوت وبين الشجرة «٣»، وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الفتح: ٤] .
_________________
(١) البداية والنهاية: لابن كثير؛ ج ٣؛ ص ١٨٠، نقلا عن البيهقي برواية عمر بن الخطاب ﵁.
(٢) المصدر السابق، ج ٣، ص ١٨٠.
(٣) رواه الحافظ ابن عساكر بسنده عن جماعة من الصحابة (ابن كثير؛ ج ٢؛ ص ٢٤٠- ٢٤١) .
[ ٢٤١ ]
أدقّ لحظة مرّت بها الإنسانيّة:
واقتفى المشركون أثر رسول الله ﷺ وكانت أدقّ لحظة مرّت بها الإنسانيّة في رحلتها الطويلة، وكانت لحظة حاسمة، فإمّا امتداد شقاء لا نهاية له، وإمّا افتتاح سعادة لا آخر لها، وقد حبست الإنسانية أنفاسها، ووقفت خاشعة حين وصل الباحثون إلى فم الغار، ولم يبق بينهم وبين العثور على منشودهم إلا أن ينظر أحدهم إلى تحت قدميه.
ولكنّ الله حال بينهم وبين ذلك، فاختلط عليهم الأمر، ورأوا على باب الغار نسج العنكبوت «١»، وإلى ذلك أشار الله تعالى بقوله: فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها [التوبة: ٤٠] .
لا تحزن إنّ الله معنا:
وبينما هما في الغار، إذ رأى أبو بكر آثار المشركين، فقال:
يا رسول الله! لو أنّ أحدهم رفع قدمه، رآنا. قال: ما ظنّك باثنين الله ثالثهما «٢»؟ وفي ذلك يقول الله تعالى:
ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا [التوبة: ٤٠] .
_________________
(١) [أخرجه أحمد في مسنده (١/ ٣٤٨)، وعبد الرزاق في مصنّفه (٥/ ٣٨٩) برقم (٩٧٤٣)، والطبراني في الكبير برقم (١٢١٥٥)، وذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ٢٣٦) وقال: سنده حسن، وحسّن إسناده أيضا ابن كثير في السيرة (٢/ ٢٣٩)] .
(٢) أخرجه البخاري في كتاب التفسير، باب قوله تعالى: ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ [برقم (٣٦٥٣)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة ﵃، باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁، برقم (٢٣٨١)، وأحمد في المسند (١/ ٤) من حديث أبي بكر ﵁] .
[ ٢٤٢ ]
ركوب سراقة في أثر الرسول ﷺ وما وقع له:
وجعلت قريش في رسول الله ﷺ حين فقدوه، مئة ناقة، لمن يردّه عليهم، ومكثا في الغار ثلاث ليال ثمّ انطلقا، ومعهما عامر بن فهيرة ودليل من المشركين «١»، استأجره رسول الله ﷺ فأخذ بهم على طريق السواحل.
وحمل سراقة بن مالك بن جعشم الطمع على أن يتبع رسول الله ﷺ ويردّه على قريش، فيأخذ مئة ناقة منهم، فركب على أثره يعدو، وعثر به الفرس، فسقط عنه فأبى إلا أن يتبعه، فركب في أثره، وعثر به الفرس مرة ثانية، فسقط عنه، وأبى إلا أن يتبعه، فركب في أثره، فلمّا بدا له القوم رآهم، وعثر به الفرس مرة ثالثة، وذهبت يداه في الأرض، وسقط عنه، وتبعهما دخان كالإعصار.
وعرف سراقة حين رأى ذلك أنّ رسول الله ﷺ في حماية الله تعالى، وأنّه ظاهر لا محالة، فنادى القوم، وقال: أنا سراقة بن جعشم، أنظروني أكلمكم، فو الله لا يأتيكم منّي شيء تكرهونه، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر:
«قل له: وما تبتغي منّا؟» قال سراقة: تكتب لي كتابا يكون آية بيني وبينك، فكتب عامر بن فهيرة كتابا في عظم أو رقعة «٢» .
_________________
(١) [هو عبد الله بن أريقط كما ذكره العلّامة المؤلّف تحت عنوان: «هجرة الرسول إلى المدينة»، وكما في «السيرة النبوية» لابن هشام: « فاستأجر عبد الله بن أرقط- كذا عند ابن هشام- رجلا بن بني الديل بن بكر وكان مشركا يدلّهما على الطريق، (ج ١، ص ٤١٧، طبع دار ابن كثير بدمشق)] .
(٢) سيرة ابن هشام: ج: ١؛ ص ٤٨٩- ٤٩٠؛ ورواه البخاري [في كتاب مناقب الأنصار]، باب هجرة النبي ﷺ إلى المدينة باختلاف بعض الألفاظ [برقم ٣٩٠٦] .
[ ٢٤٣ ]
نبوءة لا يسيغها العقل الماديّ:
وفي هذه الحال التي اضطرّ فيها نبيّ الله إلى الهجرة، والخروج من مكّة، والقوم يطاردونه ويتبعون آثاره، نظر رسول الله ﷺ إلى اليوم البعيد الذي يطأ فيه أتباعه تاج كسرى وعرش قيصر، ويفتحون خزائن الأرض، فتنبأ في هذا الظلام الحالك بهذا النور الباهر، وقال لسراقة: «كيف بك إذا لبست سواري كسرى؟» .
إنّ الله قد وعد نبيّه بالنصر والفتح المبين، ولدينه بالظهور العامّ والفتح التامّ، وقال: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [التوبة: ٣٣] .
وقد أنكر ذلك قصار النظر وضعاف العقول، واستبعدته قريش، ولكنّ عين النبوة ترى البعيد قريبا إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ [آل عمران: ٩] .
وكان كذلك، فلمّا أتي عمر﵁- بسواري كسرى ومنطقته وتاجه، دعا سراقة بن مالك فألبسه إياها «١» .
وعرض عليه سراقة الزاد والمتاع، فلم يقبله رسول الله ﷺ ولم يزد أن قال: «أخف عنّا» «٢» .
رجل مبارك:
ومرّا في مسيرهما بأمّ معبد الخزاعيّة، وكانت عندها شاة خلّفها الجهد عن الغنم، فمسح رسول الله ﷺ بيده ضرعها، وسمّى الله، ودعا، فدرّت،
_________________
(١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب: لابن عبد البر، ج ٢، ص ٥٩٧.
(٢) أخرجه البخاري [في كتاب مناقب الأنصار] باب هجرة النبي ﷺ [برقم ٣٩٠٦] .
[ ٢٤٤ ]
فسقاها، وسقى أصحابه، حتى رووا، ثمّ شرب، وحلب فيه ثانيا، حتّى ملأ الإناء، فلمّا رجع أبو معبد، سأل عن القصّة، فقالت: لا والله إلا أنّه مرّ بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، ووصفته له وصفا جميلا، قال:
والله إنّي لأراه صاحب قريش الذي تطلبه «١» .
ولم يزل يسلك بهما الدّليل، حتّى قدم بهما «قباء»، وهي في ضواحي المدينة، وذلك في الثاني عشر من ربيع الأول، يوم الإثنين «٢» . فكان مبدأ التاريخ الإسلاميّ.
_________________
(١) زاد المعاد، ج ٢ ص ٣٠٩ [وأخرجه الحاكم في «المستدرك» (٣/ ٩- ١٠) وصحّحه، ووافقه الذهبي] .
(٢) رواه البخاري، [في كتاب مناقب الأنصار] باب «هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة» [رقم: ٣٩٠٦] .
[ ٢٤٥ ]
الفصل الخامس العهد المدنيّ
تصوير المدينة المنوّرة عند الهجرة
الرسول ﷺ في المدينة:
المؤاخاة- الصحيفة- المسجد
الإذن بالقتال معركة بدر الحاسمة
غزوة أحد غزوة الخندق
غزوة بني قريظة
غزوة بني المصطلق وحديث الإفك
صلح الحديبية
دعوة الملوك والأمراء إلى الإسلام
غزوة خيبر غزوة مؤتة
فتح مكة غزوة حنين
غزوة الطائف غزوة تبوك
عام الوفود حجة الوداع
الوفاة
أزواجه أمّهات المؤمنين وأولاده وأسباطه ﷺ
[ ٢٤٧ ]