أ- فضل البعثة المحمدية على الإنسانية
١- إعلان فريد في تاريخ الرسالات والديانات:
قال الله تعالى مخاطبا لنبيّه محمد ﷺ: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧]، هذا إعلان فريد من نوعه، جاء في كتاب خالد قدّر الله ﷾ له أن يتلى في كلّ مكان وزمان، ويبلغ عدد قرائه ملايين الملايين، وقال عنه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ [الحجر: ٩] .
إنّ سعة هذا الإعلان، وإطاره الكبير، ومساحته بحساب الزمان والمكان، تجعلان هذا الإعلان خارقا للعادة، لا يمكن أن يمرّ به الإنسان
_________________
(١) محاضرة ألقاها المؤلف في ٢٠ ربيع الآخر ١٣٩٥ هـ (٢/ ٥/ ١٩٧٥ م) في قاعة المحاضرات الكبرى بمدينة لكهنؤ- الهند، حضرها جمّ غفير من المثقفين من جميع طبقات الشعب، من المسلمين وغير المسلمين، نقلها إلى العربية الأستاذ محمد الحسني رئيس تحرير مجلة «البعث الإسلامي» وتناولها المحاضر بالتنقيح والتهذيب وشيء من الحذف والزيادة، ولما كانت هذه المحاضرة وثيقة الصلة بالسيرة النبوية، وفضلها على الإنسانية والمدنية، جعلها المؤلّف الفصل الأخير لهذا الكتاب.
[ ٦٠٧ ]
الواعي مرورا عابرا سريعا، فإنّ مساحته الزمنيّة تحوي جميع الأجيال، والأدوار التاريخيّة التي تتلو البعثة المحمدية، ومساحته المكانيّة تسع العالم كلّه، فإنّ الله ﷾ لم يقل: إنّنا أرسلناك رحمة لجزيرة العرب، أو للشرق أو الغرب أو لقارّة مثل آسيا مثلا، بل إنّه قال: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] .
الحقّ أنّ سعة هذا الإعلان وشموله، وعظمته وسموّه، واستمراره وخلوده، كلّ ذلك يقتضي أن يقف عنده مؤرّخو العالم وفلاسفته، ونوابغه وأذكياؤه حيارى مشدوهين، بل يقف أمامه الفكر الإنسانيّ كلّه حائرا مشدوها، وينقطع إليه كلّيا- ردحة من الزمان- يبحث في مدى صدق هذا الإعلان، أو صحة هذا الواقع، لأنّنا لم نجد في تاريخ الأديان والنّحل، وفي تاريخ الحضارات والفلسفات وتاريخ الحركات الإصلاحيّة والمحاولات الثوريّة، بل في تاريخ العالم كلّه، وفي المكتبة الإنسانيّة بأسرها مثل هذا الإعلان المحيط بالكون كلّه، والأجيال البشريّة كلّها، والأدوار التاريخيّة بأجمعها، حول أيّ شخصيّة من شخصيّات العالم، حتّى إنّ خلاصة تعاليم الأنبياء السابقين، ونبذة من أحوالهم وسيرتهم الّتي وصلت إلينا هي أيضا مجرّدة عن مثل هذا الإعلان.
أمّا اليهوديّة- وهي ديانة قديمة مشهورة- فإنّها تنظر إلى الله كربّ بني إسرائيل، وإله بني إسرائيل في الغالب. إنّ صحف العهد القديم، والكتب المقدسة الدينيّة عند اليهود تخلو عن ذكر الله كربّ العالمين، وربّ الكون بتاتا، ولذلك فالبحث في سيرة نبيّ من أنبيائهم، مثل موسى وهارون، أو داود وسليمان، عن مثل هذا الإعلان، عبث وإضاعة وقت، فإنّ هذه الديانة لم تكن- في أيّ مرحلة من مراحلها- رسالة رحمة ومساواة للجيل الإنسانيّ
[ ٦٠٨ ]
كلّه من غير تمييز عنصريّ ولم تشجّع فيها الدعوة إلى هذه الديانة خارج شعب إسرائيل أبدا «١» .
أمّا المسيحيّة التي عرفت بتسامحها وحماسها للدعوة، وعطفها على الإنسانية، فقد جاء في الإنجيل تصريح- والعهدة على الكتاب- بأنّ المسيح صرّح بأنّه لم يبعث إلا ليرعى خراف بني إسرائيل الضالة «٢»، وحين لفت نظره إلى بعض المرضى الذين لم تكن لهم صلة رحم ونسب ببني إسرائيل اعتذر وقال: «إنّي لست ذلك الرجل الذي يعطي خبز الأولاد للكلاب» «٣» .
أمّا الدّيانات الشرقيّة والآسيويّة الآخرى، وخاصة الهندوكيّة، فإنّها لا تختلف كثيرا عن النموذج السابق، بل إنّها تسبق الديانات السابقة أحيانا في تقديس النّسب والسلالة، وتوزيع النّاس في طبقات توزيعا ظالما جائرا، لا يعرف اللين والمرونة.
فقد كان المنبوذون في المجتمع الهنديّ محرومين من كلّ نوع من التكريم والشرف والمساواة، ومن أولى حقوق الإنسان، وأبسط مبادىء الإنسانيّة، لا يجوز لهم تحصيل العلم، والتعليم، والتدريس، والتطلّع إلى الهضبة الروحية.
فقد خصّ دراسة «ويدا» وتقديم القرابين، والنذر لآلهتهم وأوثانهم بالبراهمة فحسب «٤»، وكان النظر في كتب «ويدا» ودراستها مقصورا على
_________________
(١) انظر للتوسع والتفصيل في هذا الموضوع كتاب المهتدية الأمريكية الفاضلة مريم جميلة.) Islam Versus Ahl -El -Kitab،Past Present ٢٢ -٣٢:
(٢) إنجيل متى: باب ١٥، آية ٢٤، وباب ١٠، آية ٦- ٧.
(٣) متى: باب ١٥- آية ٢٦.
(٤) منوشاستر: الباب الأول- ٨٨.
[ ٦٠٩ ]
فئة الشتري والويش «١»، وقد صرّح «منوشاستر» أنّ المنبوذين لم يخلقهم الله إلّا لغرض واحد، وهو خدمة الطبقات الثلاث التي مضى ذكرها «٢» .
إنّ أهل الهند القدامى لم يكونوا يعرفون وراء جبال «هملايا» دنيا، لا صلة لهم بالعالم الخارجيّ، وبالشعوب الآخرى، ولا رغبة لهم في الإطلال عليها، لذلك فإنّ البحث عن مثل هذا الإعلان عن نبيّ أو وليّ أو مصلح فيهم عبث وإضاعة جهد ووقت.
الحقيقة أنّ البحث عن نبيّ يكون رحمة للعالمين في ديانة لا تحمل عقيدة «ربّ العالمين» غير معقول وغير منطقيّ.
٢- قيمة الرحمة التي اقترنت بالبعثة المحمديّة كما وكيفا:
إنّ لتقدير شيء، ووضعه في محلّه المناسب ومكانه اللائق مقياسين بصورة عامّة:
الأوّل: مقداره وحجمه الذي يعبّر عنه في المصطلح الحديث بالكميّة.) Quantity (
والثاني: جوهره ووصفه الذي يقال له الكيفية.) Quality (
وهذا الإعلان الذي نادى به القرآن يشمل هذين النوعين، ويجمع بين الناحيتين، فإنّ بعثته ﷺ وشخصه العظيم، وتعاليمه السامية الخالدة أفاضت على الإنسانيّة مسحة جديدة من الحياة والنشاط، وكانت السبب المباشر في شفائها من أسقامها وعلّاتها، وفي حلّ معضلاتها، ونهاية آلامها وأحزانها، وهطول أمطار الرحمة والبركة، واليمن والسعادة، والخير
_________________
(١) منوشاستر: الباب الأول- آية ٨٩- ٩٠.
(٢) المصدر السابق: الباب الأول- ٩١.
[ ٦١٠ ]
والفلاح على أرضها المجدبة القاحلة، وكانت هذه المعطيات المحمديّة الغالية منقطعة النظير بحساب السعة والوفرة، والحجم والكميّة) Quantity (وبحساب النفع والإفادة والجوهر والكيفية) Quality (أيضا.
(الرّحمة) لفظ شاع استعماله في حياتنا اليوميّة، وهو يطلق على كلّ شيء ينال به الإنسان نفعا وراحة، أمّا أنواع الرحمة وأقسامها، ودرجاتها ومدارجها، فلا حصر لها، يقدّم أحدنا الماء البارد إلى أخيه العطشان، ويدلّ المسافر والغريب على الطريق، ويحرّك له المروحة في يوم صائف شديد الحرّ، الأمّ تحنو على طفلها، الأب يربّي ولده ويعلّمه، ويزوّده بحاجيات الحياة، المدرّس يدرّس تلاميذه، ويمنحهم ما عنده من نعمة العلم، وهكذا إطعام الجائع المسكين، وإكرام الضيف، وكساء العريان، كلّ ذلك من مظاهر الرحمة العامة، وألوانها المختلفة الزاهية، وهي تستحقّ منّا كلّ تقدير، واعتراف، وشكر.
ولكنّ أكبر مظهر من مظاهر الرحمة، وأروع صورة من صورها الجميلة أن ينقذ أحدنا أخاه من مخالب الموت، هناك طفل صغير بريء نراه في حالة الاحتضار، كاد يلفظ نفسه الأخير، الأمّ تقف إلى جواره تبكي، قد أظلمت الدّنيا في ناظريها، وانقطع أملها في فلذة كبدها، ومأوى حنانها وحبّها، الأب يسعى هنا وهناك هائما على وجهه، فلا يجد راقيا وأنيسا، هنالك يأتي طبيب حاذق، كما ينزل الملك من السماء ويقول مهلا.. لا داعي للقلق، ولا موجب لليأس، ولا يلقي في فم الطفل قطرات قليلة من الدواء حتّى يفتح عينيه وينشط.
تصوّر ماذا يقال لهذا الطبيب؟ ألا يقال له: أنّه ملك الرحمة، أرسله الله لإنقاذ هذا الطفل، وإعادة الحياة إليه؟ هنالك تتلاشى كلّ هذه الأنواع من
[ ٦١١ ]
الرحمة التي قدمناها أولا، وتذوب أمام هذا المظهر الرائع الأخّاذ من الرحمة، إنها ليست منّة على الطفل فقط، بل على أسرته كلّها.
نرى أعمى يمشي متوكّئا على عصاه، قد شارف هوّة عميقة أو بئرا، قد تكون خطوته التالية خطوة الموت، فيهرول إليه عبد من عباد الله ويأخذ بحجزه، ويمنعه عن الوقوع في هذه الهوّة، أفلا نسمّيه ملك الرحمة؟
هذا شابّ يافع، قرّة عين أبويه، وكفيل عائلته الفقيرة، قد أشرف على الغرق في نهر فائض يحاول أن يطفو على الماء، ولكن بدون جدوى، فيقفز إليه رجل مجازفا بحياته، ويأخذ به إلى ساحل النجاة، فيحمله ربّ الأسرة أو إخوة هذا الشاب على أعناقهم، ويضمّونه إلى صدورهم بحرارة وحبّ، ولا ينسون فضله على أسرتهم الصغيرة مدى الدهر، ترى هل تساوي مظاهر الرحمة الأولى هذه الرحمة العظيمة الغالية؟!!.
٣- البعثة المحمدية أنقذت الجيل البشري من الشقاء والهلاك:
ولكنّ آخر مظهر من مظاهر الرحمة وقيمتها وذروة سنامها، هي أن ينقذ رجل الإنسانيّة كلّها من الهلاك، وهناك فرق عظيم بين هلاك وهلاك، وبين خطر وخطر، ذلك هلاك محدود سطحيّ، وخطر عابر قد يزول، وهذا هلاك أبديّ، وخطر مستمرّ لا يزول، لذلك فإنّ رحمة الأنبياء بالنوع البشريّ لا تقاس أبدا على هذه الرحمات، رغم أهميّتها وعظمتها.
إنّ أمامنا بحرا هائجا مائجا من الحياة لم يلتقم الأفراد والآحاد فحسب، بل إنّه ابتلع الأمم والبلاد، وهضم الحضارات والمدنيّات، ترتفع أمواجه العاتية الهائلة، كأفواه التماسيح الفاغرة، وتنقضّ على الجماعات البشريّة كالأسد الضاري، والمشكلة أنّه كيف نعبر هذا البحر الهادر الزاخر الذي لا يعرف الرحمة؟، وكيف ننزل بسفينة الإنسانية على برّ الأمان؟.
[ ٦١٢ ]
ولا يكون صاحب الفضل الأكبر في هذا المجال، ولا يعتبر أكبر منقذ للإنسانيّة، وصاحب المنّة عليها، والإحسان إليها، إلّا من يجدّف هذه السفينة، التي تلعب بها العواصف الهوجاء والأمواج الهائلة كالجبال، والتي غاصت بركّابها، وغاب الملّاح والرّبّان، ثمّ يوصلها بسلامة إلى ساحل النجاة؟!!
إنّ النوع البشريّ شاكر لهؤلاء الذين منحوه هدية العلم، ويشكر هؤلاء الذين جمعوا له هذه الأكداس من المعلومات، ويشكر الذين هيّؤوا له كلّ هذه التسهيلات، وزوّدوه بوسائل الراحة والرخاء، وذلّلوا صعاب الحياة، واقتحموا عقباتها وشعابها، إنّه لا يبخس حقّ أحد من هؤلاء، ولا ينكر فضلهم عليه، ولكنّ قضيّته الكبرى، ومشكلته الأولى هي أنّه كيف ينفذ نفسه من أعدائه الذين وقفوا له بالمرصاد، وأحاطوا به من كلّ جانب، وكيف يصل بسفينته إلى برّ السلامة والأمان؟!.
فما هي أمواج هذا البحر، وما هي تماسيحه الضّارية الشّرسة؟
إنّها الجهل عن خالق هذا الكون وربّ العالمين، وعن صفاته العليا، وأسمائه الحسنى، والوقوع في حبائل الشرك والوثنيّة، وعبادة الأصنام، والاسترسال مع الخرافات والأوهام، إنّها بلادة حسّ الإنسانيّة، وذهولها عن نفسها، وغفلتها عن خالقها وبارئها.
إنّها عبادة المادّة والمعدة، وتعدّي الحدود، وانتهاك الحرمات، وسورة النفس الأمارة بالسوء، والتهرّب من أداء الواجبات والحقوق، والإصرار على المنافع والحظوظ.
إنّ أكبر خطر على الإنسانيّة أن يحدث في بنائها خلل، وتحيد لبنتها الأساسيّة عن مكانها الصحيح، فينسى الإنسان قيمته ومداركه، وغاية
[ ٦١٣ ]
حياته، ويظنّ نفسه ذئبا مفترسا، أو أفعى، أو ثعبانا، فحين يذهل الإنسان عن هذه الحقائق الكبرى يتحوّل بحر هذه الحياة إلى نار متأجّجة، ولهب مرتفع، هنالك يزدرد الإنسان أخاه، ويفترسه، ولا يحتاج إلى الثعابين، والعقارب، والذئاب، والفهود.. فقد ينقلب الإنسان أكبر ذئب في هذه الغابة الإنسانية.. تخجل أمامه الذئاب، ويتحوّل شيطانا ماردا، تستحي منه الشياطين، هنالك يحترق الإنسان، ويشوى في ناره التي أشعلها بنفسه، ولا يحتاج إلى أن يستوردها من الخارج.
في هذه الفترة الرهيبة المظلمة تهبّ نفحة من نفحات الرحمة الإلهيّة، وتنتعش رفات الإنسانيّة الخامدة الهامدة، وتزوّدها بملّاحين يجدّفون سفينتها بنجاح ومهارة.
٤- مهمّة النبوة ودورها في الإنقاذ والإسعاد وطبيعة عمل الأنبياء:
وأضرب- لتوضيح مهمّة النبوّة، وطبيعة عمل الأنبياء- مثلا سوف نفهم به مهمّة النبوّة وموقفها من غير دلائل فلسفية دقيقة.
يحكى أنّ فريقا من تلاميذ المدارس ركبوا سفينة للنزهة في البحر، أو للوصول إلى البرّ، وكان في النفس نشاط وفي الوقت سعة، وكان الملّاح المجدّف الأميّ خير موضوع للدعابة والتّندّر، وخير وسيلة للتلهّي، وترويح النفس، فخاطبه تلميذ ذكيّ جريء، وقال: يا عمّ، ماذا درست من العلوم؟ قال الملّاح: لا شيء يا عزيزي!
قال: أما درست العلوم الطبيعيّة يا عمّي؟
قال: كلّا وما سمعت بها.
[ ٦١٤ ]
وتكلّم أحد التلاميذ، فقال: ولكنّك لا بدّ درست الأقليدس والجبر والمقابلة!
قال: وهذا أغرب، وتصدّقون أنّي أوّل مرّة أسمع هذه الأسماء الهائلة الغريبة.
وتكلّم ثالث «شاطر» فقال: ولكنّي متأكّد من أنّك درست الجغرافية والتاريخ؟
فقال: هل هما اسمان لبلدين، أو علمان لشخصين؟
وهنا لم يملك الشباب نفوسهم المرحة، وعلا صوتهم بالقهقهة، وقالوا: ما سنّك يا عمّ؟
قال: أنا في الأربعين من سنّي.
قالوا: ضيّعت نصف عمرك يا عمّنا.
وسكت الملّاح الأمّيّ على غصص ومضض، وبقي ينتظر دوره والزمان دوّار.
وهاج البحر وماج، وارتفعت الأمواج، وبدأت السفينة تضطرب والأمواج فاغرة أفواهها لتبتلعها، واضطرب الشباب في السفينة- وكانت أوّل تجربتهم في البحر- وأشرفت السفينة على الغرق.
وجاء دور الملّاح الأميّ، فقال في هدوء ووقار: ما هي العلوم التي درستموها يا شباب؟
وبدأ الشباب يتلون قائمة طويلة للعلوم والآداب التي درسوها في الكليّة، ويتوسّعون فيها في الجامعة، من غير أن يفطنوا لغرض الملّاح الجاهل، الحكيم، ولمّا انتهوا من عدّ العلوم المرعبة أسماؤها، قال في
[ ٦١٥ ]
وقار تمزجه نشوة الانتصار: لقد درستم يا أبنائي هذه العلوم الكثيرة، فهل درستم علم السّباحة؟ وهل تعرفون إذا انقلبت هذه السفينة- لا قدّر الله- كيف تسبحون وتصلون إلى الساحل بسلام؟
قالوا: لا والله يا عمّ، هو العلم الوحيد الذي فاتتنا دراسته والإلمام به.
هنالك ضحك الملّاح وقال: إذا كنت ضيّعت نصف عمري، فقد أتلفتم عمركم كلّه، لأنّ هذه العلوم لا تغني عنكم في هذا الطوفان، إنّما كان ينجدكم العلم الوحيد، هو علم السباحة الذي تجهلونه «١» .
هذه مهمّة النبوّة ودورها في إنقاذ البشريّة المشرفة على الغرق، وهذه طبيعة عمل الأنبياء والرسل، وامتيازه عن سائر أصناف التعليم والتربية، والترويح والتسلية، يمنحون الجيل البشريّ «علم النجاة» ويعلمونه فنّ السباحة، وتجديف سفينة الحياة.
إنّ التاريخ الإنسانيّ يدلّ دلالة واضحة على أنّه لما غرقت سفينة الحياة لفساد أخلاق الناس، وسيّئات أعمالهم، غرقت بكلّ ما فيها من مجموعة بشرية، ورصيد حضاريّ، ومحصول فكريّ، وإنتاج علميّ وفلسفيّ، وبكلّ ما فيها من روائع الشعر والأدب والبيان، وأنّ هذه السفينة لم تغرق أبدا من أجل الانحطاط الأدبيّ، وقلّة المدارس والجامعات، وفقدان التعليم العالي، أو من قلّة المال وانخفاض مستوى المعيشة، إنّها غرقت لأنّ الإنسان أعدّ نفسه للانتحار، إنّه صار معولا هداما لذلك البناء الذي فيه متاعه وأهله.
_________________
(١) القصة مقتبسة من كتاب المؤلف «النبوة والأنبياء في ضوء القرآن» ص (٢٤) من الطبعة السابعة لدار القلم بدمشق.
[ ٦١٦ ]
إنّ التاريخ يدلّنا على أنّ الفكر الإنسانيّ أصيب في كثير من الأحيان بنوبات عصبيّة دفعته إلى التدمير والإبادة، بدلا من التعمير والبناء، فقد رأينا مستغربين مأخوذين بالحيرة والدهشة، ورأينا بأمّ أعيننا، ونحن لا نكاد نصدّق هذا الواقع لهول المنظر وبشاعة الوضع، أنّ الإنسان قام يهدم أساسه بكلّ قوّة وحماس، ذلك الأساس الذي قام عليه صرحه الحضاريّ والفكريّ العظيم، وظلّ مشتغلا بهذه العمليّة المجنونة بكلّ شوق ورغبة، كأنّها عملية بنّاءة ومأثرة إنسانية رائعة، وخدمة ممتازة، وصار يلحّ على الوقوع في خندق الموت، وقد تملّكته السامة من الحياة، واستبدّ به الشوق إلى الهلاك، كأنّ الحياة عذاب وجحيم، والهلاك جنة ونعيم.
٥- تصوير العصر الجاهلي وتهيؤه للانهيار والانتحار:
ذلك هو الوضع الذي ساد على العالم في القرن السادس المسيحيّ، فإننا نجد هناك استعدادات عامة للانتحار الاجتماعيّ العام، لم يكن النوع البشريّ في ذلك الزمان راضيا بالانتحار فحسب، بل كان يتساقط عليه، ويتهالك فيه، كأنّه نذر به وحلف، فيريد أن يفي بنذره ولا يحنث في قسمه، ولقد صوّر القرآن العظيم هذا المنظر وهذا الوضع تصويرا دقيقا، لا يصوّره أيّ رسّام أو أديب، أو روائيّ أو مؤرّخ:
وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوانًا وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها [آل عمران: ١٠٣] .
رحم الله المؤرّخين، فإنّهم لم يصوّروا الجاهلية حين سردوا لنا وقائع البعثة المحمديّة تصويرا دقيقا، وهم معذورون ومأجورون، مثابون ومشكورون، فإنّ ذخيرة الأدب واللغة لا تسعفهم كلّ الإسعاف، الحقيقة أنّ هذا الوضع في قمّة من الهيبة والفظاعة، وفي منتهى الدّقة والتعقيد، لا يمكن
[ ٦١٧ ]
وصفه بريشة قلم، والتعبير عنه بأيّ قدرة بيانيّة، وصلاحيّة لغوية.
هل كان العصر الجاهليّ- الذي بعث فيه محمد ﷺ- قضية انحطاط اجتماعيّ أو خلقيّ، هل إنّه كان قضية وثنيّة مجردة، أو قضيّة خمر وقمار، وعبث واستهتار، أو ظلم واستبداد، قضية قوانين اقتصادية جائرة، وتعسف الحكام الغاشمين، هل إنّه كان قضية وأد البنات، كلّا، إنّه كان قضية وأد الإنسانية كلّها.
لقد انتهى هذا الدور، وانقرض هذا الجيل، وغاب هذا التصوير البشع عن أعين الناس، فكيف نعيده ونمثّله، ونجعله حسّيا شاخصا تراه الأبصار، وتلمسه البنان، وجلّ ما نستطيع أن نقول: إنّه عصر جاهليّ لا يفهمه حقّ الفهم إلّا من عاش فيه واكتوى بناره، ولو كان لمصوّر يحاول التصوير يمكن أن يمثّل البشرية في صورة إنسان في غاية الجمال والصّحة، والأناقة وحسن الهندام، الإنسان الذي هو نموذج بديع فريد لصنع الله الذي أتقن كلّ شيء، والذي هو محسود الملائكة، وغاية الخلق، الذي كلّله الله بتاج خلافته، فصار زينة الوجود، ولبّ لباب الحقيقة والعرفان، وبه تحوّلت هذه الأرض الخراب اليباب إلى روضة غنّاء، وحديقة فيحاء، ثمّ يصوّر هذا الإنسان يريد أن يقفز في خندق عظيم هائل ترتفع منه ألسنة اللهب، وقد تحفّز واستجمع قواه، وجمع ثيابه، ورفع رجله في الفضاء فعلا، وكاد يقع فيه، وما هي إلا دقائق وثوان حتّى يغيب في هذا الظلام المهيب، ظلام الموت، فلعلّ هذا التصوير يصوّر بعض الجانب من العصر الجاهليّ عند بعثة النّبيّ ﷺ، وقد أشار القرآن إلى هذه الحقيقة، فقال في إيجاز وفي إعجاز: وَكُنْتُمْ عَلى شَفا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْها [آل عمران: ١٠٣]، وذلك ما شرحه لسان النبوّة بمثال رائع بليغ، فقال ﵊:
[ ٦١٨ ]
«مثلي كمثل رجل استوقد نارا، فلمّا أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدوابّ التي تقع في النّار يقعن فيها، وجعل يحجزهنّ ويغلبنه، فيقتحمن فيها، فذلك مثلي ومثلكم أنا آخذ بحجزكم عن النار، وأنتم تقتحمون فيها»، وقال في آخرها: «فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزكم عن النار هلمّ عن النار، هلمّ عن النار، فتغلبوني وتقتحمون فيها» «١» .
لقد كانت القضيّة الكبرى في هذه القصّة كلّها أن تصل سفينة الإنسانيّة بسلامة الله وفي حفظه ورعايته إلى شاطىء النجاة، لأنّه حين يستوي الإنسان ويعتدل طبعه، وتتحلّى الحياة بالاقتصاد والاتزان، تنفعه- إذا- كلّ هذه المشروعات البنائيّة والإنمائيّة، أو الأدبيّة والعلميّة التي أوتي مواهبها كثير من أصدقاء الإنسانية وأنصارها. ومن هنالك، فإنّ الإنسانية كلّها مدينة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام- لأنّهم أنقذوها من تلك الأخطار المحدقة التي سلّطت على رأسها كالسّيف المصلت، ولا يتحرر من منّتهم وفضلهم مشروع علميّ، ولا تخطيط اجتماعيّ، ولا مدرسة فكريّة، أو فلسفيّة.
كما أنّ العالم المعاصر مدين لهم في هذا البقاء والاستمرار، وجدارة الحياة؛ لأنّ الإنسان اعترف- أحيانا كثيرة- بلسان حاله، إن لم يقل بلسان مقاله، أنّه فقد حقّ البقاء في هذه الأرض، وأنّه لا يحمل الآن أيّ رحمة وبركة، وفيض وإفادة، ودعوة رسالة للإنسانية، إنّه رفع الدعوى في المحكمة الإلهيّة ضدّ نفسه، وشهد عليها، لقد كانت ملفّاته مهيأة للحكم
_________________
(١) متفق عليه [أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب الانتهاء عن المعاصي، برقم (٦٤٨٣)، ومسلم في كتاب الفضائل، باب شفقته ﷺ على أمّته ، برقم (٢٢٨٤)، والترمذي في أبواب الأدب، باب ما جاء في مثل ابن آدم وأجله وماله، برقم (٢٨٧٤)] من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٦١٩ ]
العادل الأخير، وقد نصّب الإنسان نفسه لأكبر عقوبة تتصوّر، بل لعقوبة الإعدام.
ولا عجب في ذلك، فحينما تتعدّى المدنية حدودها الطبيعية وتخرج من طورها، وتنسى القيم الخلقيّة كليّا، أو تكفر بها صراحة وعلنا، ويتغافل الإنسان عن كلّ غاية نبيلة، ومقصد شريف، وعن كل واقع وحقيقة غير الحقائق الماديّة، وتحقيق ماربه الجسديّة، وإرواء ظمئه الحيوانيّ، وحينما يحلّ محلّ القلب الإنسانيّ قلب الذئب والنمر والفهد، وتتكوّن في جسمه معدة خياليّة أو صناعية، ونفس أمّارة بالسوء، لا يقرّ لها قرار، ولا يضبطها وازع أو رادع، وحينما تصيب الإنسانيّة نوبة شديدة من الجنون، يبعث الله لها جماعة من الجرّاحين، أو عصابة من السفاحين، وتأتي لأورامها المنتفخة سكاكين من ظهر الغيب تقضي عليها، وتقطع دابرها، وتستأصل شأفتها.
إنّ فساد المدنيّة وهوسها وجنونها أشدّ من جنون الملكيّة والحكم الشخصيّ، وأوسع منه شرا لأنّه حين يجنّ جنون شخص ضعيف نحيل واحد يقضّ مضاجع أهل الحارة كلّها، وينغّص عيشهم الهادىء. تصور ماذا يحدث في العالم، إذا جنّ جنون النوع البشريّ أجمع، وتنخّر هيكل المدنية وتعفّن، وفسدت طبيعة الإنسانيّة؟ هل له من رقية أو علاج؟
إلّا أنّه لم تفسد المدنيّة فحسب في العصر الجاهليّ، بل تفسّخت جثتها، وتعفّنت، ونشأت فيها ديدان قذرة، وأصبح الإنسان يقتنص الإنسان ويصطاده، ويتلذذ بسكراته وشدائده عند الموت، ويتمتع بحالة الاحتضار، كما يتمتع أحدنا بمنظر البساتين والأشجار والورود والأزهار، ويطرب ويهتزّ لاضطرابه وتقلّبه على الحجر، ويفرح بأنين المصاب والمريض والمنكوب،
[ ٦٢٠ ]
وصراخه وعويله، كما يفرح بالشراب الهنيء والطعام الشهيّ أو بالمنظر السارّ الجميل.
سرّح طرفك في تاريخ رومة التي تغنّت أوربة- وما تزال- بفتوحها وبطولاتها، وأمجادها وتشريعها وحضارتها، تجد نموذجا حيّا للقسوة البشريّة التي بلغت قمّتها في هذا العصر، يقول «ليكي» في كتابه «تاريخ أخلاق أوربة» يصوّر جانبا من همجيّة الإنسان وضراوته، ووحشيّته النادرة، يقول:
«إنّ أكثر المناظر سحرا على نفوس أهل رومة، وأعظم تسلية ومتعة لهم، حين كان يسقط الجريح في مبارزة أحد الأبطال من بني جنسه، أو مصارعة سبع ضار يتشحّط في دمه، هنالك كان يفلت الزمام، ويغلب الناس على أمرهم، ويفقدون رشدهم، فيتهالك الحشد الحاشد- وفيه النساء والأطفال والشيوخ العجّز- على الدنوّ من هذا المنظر الرهيب، والإنسان البائس الشقيّ، وهو من بني جلدتهم وأبناء بلادهم، ليمتّعوا نفوسهم بمشاهدة احتضاره، وليرنّ في آذانهم رنين أنينه، فقد كان أجمل من كلّ غناء وموسيقا، وسجع الطيور، وكان رجال الشّرطة الذين كان من واجبهم المحافظة على النظام، يقفون مشدوهين مكتوفي الأيدي أمام هذه الموجة العارمة من المتعة الظالمة الآثمة، لا يملكون من أمرهم شيئا» «١» .
لقد كانت قصّة الجاهلية الأولى أنّ حجرها الأساسيّ حاد عن موضعه، بل تحطّم وتهشّم ولم يبق أمل في إصلاحه، ووضعه في محلّه الصحيح، ووقف الإنسان أمام المحكمة الإلهيّة ينتظر الحكم النهائي الأخير في مصيره، هنالك بعث محمد ﷺ ونادى صوت السماء: وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] .
_________________
(١) راجع «تاريخ أخلاق أوربة» للمؤلف الإنجليزي ليكي، ج ١، ص ٢٣٠.
[ ٦٢١ ]
ب- العالم الجديد في حساب البعثة المحمدية ومنحها
الحقيقة التي لا مراء فيها أنّ هذا الدور الذي نعيشه، وما يليه من الأدوار التاريخيّة القادمة، كلّها في حساب البعثة المحمديّة، ودعوته العامّة الخالدة، وجهوده المشكورة المثمرة، لأنّه رفع- أولا- هذا السيف المصلت على رقاب الإنسانيّة الذي كاد يقضي عليها، ثمّ أغناها بمنح غالية ومعطيات خالدة، وهدايا طريفة جديدة، بعث فيها الحيويّة والنشاط، والهمّة والطموح، والعزة والكرامة، والهدف الصحيح، والغاية النبيلة، واستهلّ بفضل هذه المنح والمعطيات- عهد جديد من السموّ الإنسانيّ، والثقافة والمدنيّة، والربانيّة والإخلاص، وإنشاء الإنسان وتكوينه الخلقيّ والاجتماعيّ.
منح البعثة المحمديّة الستة، وأثرها في تاريخ الإنسان:
ونذكر الآن- على سبيل المثال لا الحصر- ستة من معطياته الهامّة، ومنحه الأساسيّة الغالية التي كان لها الدور الأكبر في توجيه النوع البشريّ، وإصلاحه وإرشاده، ونهضته وازدهاره والتي خلقت عالما مشرقا جديدا لا يشبه العالم الشاحب القديم في شيء.
١- عقيدة التوحيد النقية الواضحة:
مأثرته الأولى ﷺ أنّه منح الإنسانية عقيدة التوحيد الصافية الغالية: فهي عقيدة ثائرة معجزة، متدفّقة بالقوة والحياة، مقلبة للأوضاع، مدمرة للآلهة الباطلة، لم تنل ولن تنال الإنسانيّة مثلها إلى يوم القيامة.
[ ٦٢٢ ]
هذا الإنسان الذي يحمل دعاوى فارغة، ومزاعم جوفاء من الشعر والفلسفة والسياسة والاجتماع، والذي استعبد الأمم والبلاد مرارا كثيرة، والذي حوّل الأحجار الصمّاء أزهارا عابقة فيحاء، وفجّر الأنهار من بطون الجبال، والذي ادّعى الرّبوبيّة أحيانا، هذا الإنسان كان يسجد لأشياء تافهة لا تضرّ ولا تنفع، ولا تعطي ولا تمنع: وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [الحج: ٧٣] .
وكان يركع أمام أشياء صنعها بنفسه، ويخافها، ويرجو منها الخير، إنّه لم يخرّ ساجدا للجبال والأنهار، والأشجار والحيوانات، والأرواح والشياطين، وسائر مظاهر الطبيعة فحسب، بل سجد للحشرات والديدان أيضا، وقضى حياته كلّها بين هواجس ووساوس وبين أخيلة وأوهام، وأمان وأحلام، كانت نتيجته الطبيعيّة الجبن والوهن، والفوضى الفكريّة، والقلق النفسيّ وفقدان الثقة، وعدم الاستقرار.
فأغناه ﷺ بعقيدة صافية نقيّة سهلة سائغة، حافزة للهمم، باعثة للحياة، فتخلّص من كلّ خوف ووجل، وصار لا يخاف أحدا إلا الله، وعلم علم اليقين، أنّه وحده هو الضارّ والنافع، والمعطي والمانع، وأنّه وحده الكفيل لحاجات البشر.
فتغيّر العالم كلّه في نظره بهذه المعرفة الجديدة، والاكتشاف الجديد، وصار مصونا عن كلّ نوع من العبوديّة والرقّ، وعن كلّ رجاء وخوف من المخلوق، وعن كلّ ما يشتّت ويشوّش الأفكار، فقد شعر بوحدة في هذه الكثرة، واعتبر نفسه أشرف خلق الله، وسيد هذه الأرض، وخليفة الله فيها، يطيع ربّه وخالقه، وينفّذ أوامره، ويحقّق بذلك هذا الشرف الإنسانيّ العظيم، والعظمة الإنسانيّة الخالدة التي حرمتها الدّنيا منذ زمن بعيد.
[ ٦٢٣ ]
إنّها البعثة المحمدية التي أتحفت الإنسانية بهذه التحفة النادرة- عقيدة التوحيد- التي كانت مجهولة مغمورة، مظلومة مغبونة، أكثر من أيّ عقيدة في العالم، ثمّ ردّد صداها العالم كلّه، وتأثرت بها الفلسفات العالمية والدعوات العالميّة كلّها في قليل أو كثير.
إنّ بعض الديانات الكبيرة التي نشأت على الشّرك وتعدّد الآلهة وامتزجت به لحما ودما، اضطرّت في الأخير إلى أن تعترف- ولو بصوت خافت، وهمسة في الآذان- أنّ الله واحد لا شريك له، وأرغمت على تأويل معتقداتها المشركة تأويلا فلسفيا يبرّئها من تهمة الشرك والبدعة، وتجعلها متشابهة بعقيدة التوحيد في الإسلام بقدر ما، وبدأ رجالها وسدنتها يستحون من الاعتراف بالشّرك، ويخجلون من ذكره، وأصيبت هذه الأنظمة المشركة كلّها بمركّب النقص، والشعور بالصّغار والهوان) Inferiority Complex (فكانت هذه التحفة أغلى التّحف التي سعدت بها الإنسانيّة بفضل بعثته ﷺ.
٢- مبدأ الوحدة الإنسانية والمساواة البشرية:
ومأثرته الثانية العظيمة، ومنّته الباقية السائرة في العالم، هو تصوّر الوحدة الإنسانيّة والمساواة البشرية، كان الإنسان موزّعا بين قبائل وأمم وطبقات بعضها دون بعض، وقوميّات ضيقة، وكان التفاوت بين هذه الطبقات تفاوتا هائلا كتفاوت ما بين الإنسان والحيوان، وبين الحرّ والعبد، وبين العابد والمعبود، لم تكن هناك فكرة عن الوحدة والمساواة إطلاقا، فأعلن النّبيّ ﷺ بعد قرون طويلة من الصّمت المطبق، والظلام السائد ذلك الإعلان الثائر، المدهش للعقول، القالب للأوضاع: «أيّها الناس إن ربّكم واحد، وإنّ أباكم واحد، كلّكم لآدم، وآدم من تراب، إنّ أكرمكم عند الله
[ ٦٢٤ ]
أتقاكم، وليس لعربيّ على أعجميّ فضل إلّا بالتقوى» «١» .
وهذا الإعلان يتضمّن إعلانين، هما الدّعامتان اللّتان يقوم عليهما الأمن والسلام، وعليهما قام السلام في كلّ زمان ومكان، وهما: وحدة الربوبية والوحدة البشريّة، فالإنسان أخو الإنسان من جهتين، والإنسان أخو الإنسان مرتين، مرة «وهي الأساس» لأنّ الربّ واحد، ومرة ثانية لأنّ الأب واحد يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيرًا وَنِساءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: ١]، يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ [الحجرات: ١٣] .
إنّها كلمات خالدة جرت على لسان النّبيّ ﷺ في حجّة الوداع، وحينما قام النّبيّ ﷺ بهذا الإعلان التاريخيّ العظيم، لم يكن العالم في وضع طبيعيّ هادىء يسيغ فيه هذه الكلمات الجريئة الصريحة، ويطيقها.
إنّ هذا الإعلان لم يكن أقلّ من زلزال هائل عنيف، إنّ هناك أشياء قد تتحمّلها بصورة تدريجيّة، أو من وراء ستار، مثل التيار الكهربائيّ، فقد نلمسه إذا كان مغطى، أو داخلا في باطن الأسلاك،.. ولكنّنا إذا لمسناه عاريا أصابتنا صدمة عنيفة، أو قضي علينا بتاتا.
إنّ هذه الأشواط البعيدة، والمسافات الشاسعة من العلم والفهم، والفكر الإنسانيّ التي قطعتها الإنسانيّة اليوم بفضل الدعوة الإسلاميّة، وظهور المجتمع الإسلاميّ، وبجهود الدعاة، والمصلحين والمربّين، جعلت هذا الإعلان الهائل، الثائر الفائر، المزلزل لأوكار الجاهلية، ومعاقل الشرك
_________________
(١) كنز العمال (٣/ ٩٣) برقم (٥٦٥٢) .
[ ٦٢٥ ]
والوثنيّة والعنصريّة في العالم، منها ميثاق حقوق الإنسان Human Rights Charter الذي حملت لواءه الأمم المتّحدة، وتصريحات تقوم بها كلّ جمهورية وكلّ مؤسّسة عن الحقوق الإنسانية، والمساواة الإنسانيّة، فلا يستغربها أحد.
ولكن أتى على الإنسان حين من الدهر، سادت فيه عقيدة أشرفيّة بعض الأمم والأسر وكونها فوق مستوى البشر، وكانت بعض الأسر والسّلالات تعزو نسبها إلى الشمس والقمر، وإلى الله سبحانه: سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا [الإسراء: ٤٣]، إنّ القرآن حكى لنا قول اليهود والنصارى، فقال: وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ [المائدة: ١٨]، وكان فراعنة مصر يزعمون أنّهم تجسيد لإله الشمس «ر ع) Ray («ومظهر له.
أمّا في الهند فقد عرفت فيها أسرتان سمّيتا «سورج بنسي» يعني: أبناء الشمس، و«جندربنسي» أبناء القمر.
أمّا في إيران فقد كانت أكاسرتها يزعمون أنّه يجري في عروقهم الدم الإلهيّ، وكان أهل البلاد ينظرون إليهم نظرة تقديس وتأليه، وكان من ألقاب كسرى أبرويز (٥٩٠- ٦٢٨ م) ووصفه: «في الآلهة إنسان غير فان، وفي البشر إله ليس له ثان، علت كلمته، وارتفع مجده، يطلع مع الشمس بضوئه وينير الليالي المظلمة بنوره» «١» .
وكذلك كانت القياصرة آلهة، فكان كلّ من تملّك زمام البلاد كان إلها، وكان لقبهم) August (يعني «المهيب الجليل» «٢» .
_________________
(١) إيران في عهد الساسانيين: ص ٦٠٤.
(٢) راجع العالم الروماني) The Roman World (تأليف،) Victor Chopart ص ٤١٨.
[ ٦٢٦ ]
أمّا الصّينيون فكانوا يعتبرون الإمبراطور ابن السّماء، ويعتقدون أنّ السماء ذكر والأرض أنثى، وباتصالهما خلق هذا الكون، وأنّ الإمبراطور ختا الأول هو بكر هذين الزوجين «١» .
أمّا العرب فكانوا يعتبرون كلّ من سواهم «العجم» وكانت قبيلة قريش ترى نفسها أشرف قبائل العرب، وتحافظ على امتيازها في الموسم، فلا تشارك الناس في مواقفهم ومساكنهم «٢»، ولم تكن تدخل عرفات «٣» مع الحجيج، بل تبقى في الحرم وتقف بالمزدلفة، وتقول: نحن أهل الله في بلدته، وقطّان بيته، وتقول: نحن حمس «٤» «٥» .
٣- إعلان كرامة الإنسان وسموّه:
والمنّة الثالثة العظيمة على النوع البشريّ، هو إعلان كرامة الإنسان وسموّه، وشرف الإنسانيّة وعلوّ قدرها: لقد بلغ الإنسان قبل البعثة المحمديّة إلى حضيض الذلّ والهوان، فلم يكن على وجه الأرض شيء أصغر منه وأحقر، وكانت بعض الحيوانات «المقدّسة» وبعض الأشجار «المقدّسة» التي علقت بها أساطير ومعتقدات خاصة أكرم وأعزّ عند عبّادها، وأجدر بالصيانة، والمحافظة عليها من الإنسان، ولو كان ذلك على حساب قتل الأبرياء، وسفك الدماء.
_________________
(١) انظر «تاريخ الصين» بقلم جيمس كاركون.
(٢) انظر كتب الحديث والسيرة.
(٣) عرفات خارج الحرم.
(٤) [والحمس: قريش وما ولدت] .
(٥) [أخرجه البخاري في كتاب الحج، باب التعجيل إلى الموقف، برقم (١٦٦٥)، ومسلم في كتاب الحج، باب في الوقوف، وقوله تعالى ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفاضَ النَّاسُ. برقم (١٢١٩)، من حديث عائشة ﵂] .
[ ٦٢٧ ]
وكانت تقدّم لها القرابين من دم الإنسان ولحمه من غير وخز ضمير وتأنيب قلب، وقد رأينا بعض نماذجها وصورها البشعة في بلاد متقدّمة راقية، كالهند في القرن العشرين.
فأعاد سيّدنا محمد ﷺ إلى الإنسانيّة كرامتها وشرفها، وردّ إليها اعتبارها وقيمتها، وأعلن أنّ الإنسان أعزّ وجود في هذا الكون، وأغلى جوهر في هذا العالم، وليس هنا شيء أشرف وأكرم، وأجدر بالحبّ، وأحقّ بالحفاظ عليه من هذا الإنسان، إنّه رفع مكانته حتى صار الإنسان خليفة الله ونائبه، خلق له العالم، وهو خلق لله وحده، هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا [البقرة: ٢٩]، وأنّه أشرف خلق الله، وفي مكان الرئاسة والصدارة:
* وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْناهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ وَفَضَّلْناهُمْ عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلًا [الإسراء: ٧٠] .
وليس أدلّ على كرامته والاعتراف بعظمته من قوله: «الخلق عيال الله، فأحبّ النّاس إلى الله من أحسن إلى عياله» «١» .
وليس هنا أبلغ في الدلالة على سموّ الإنسانيّة، والتقرّب إلى الله بخدمتها، والعطف عليها، من الحديث الذي رواه أبو هريرة﵁- عن النّبيّ ﷺ قال:
«إنّ الله ﷿ يقول يوم القيامة: يابن آدم، مرضت فلم تعدني!.
قال: يا ربّ كيف أعودك وأنت ربّ العالمين؟
_________________
(١) [أخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٣٥٦) برقم (٥٥٤١) عن عبد الله بن مسعود ﵁] .
[ ٦٢٨ ]
قال: أما علمت أنّ عبدي فلانا مرض فلم تعده! أما علمت أنّك لو عدته لوجدتني عنده.
يابن آدم، استطعمتك فلم تطعمني!
قال: يا ربّ كيف أطعمك وأنت ربّ العالمين؟
قال: أما علمت أنّه استطعمك عبدي فلان فلم تطعمه، أما علمت أنّك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي.
يابن آدم، استسقيتك فلم تسقني.
قال: يا ربّ كيف أسقيك وأنت ربّ العالمين؟
قال: استسقاك عبدي فلان فلم تسقه، أما علمت أنّك لو سقيته لوجدت ذلك عندي» «١» .
هل يتصوّر إعلان أوضح وأفصح بسموّ إنسانيته، وعلوّ مكانة الإنسان من هذا الإعلان؟
وهل فاز الإنسان بهذه المكانة السامقة والشرف العالي في أيّ ديانة وفلسفة في العالم القديم والحديث؟.
إنّه ﷺ جعل الرحمة على بني آدم الشرط اللازم لجلب رحمة الله، فقال ﵇: «الرّاحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» «٢» .
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه [في كتاب البر والصلة، باب فضل عيادة المريض، برقم (٢٥٦٩)] .
(٢) أخرجه أبو داود [في كتاب الأدب، باب في الرحمة، برقم (٤٩٣١)، والترمذي في أبواب البر والصلة، باب ما جاء في رحمة الناس، برقم (١٩٢٤) من حديث عائشة ﵂، وقال: هذا حديث حسن صحيح] .
[ ٦٢٩ ]
ترى ما كان عليه وضع العالم، وحالته الاجتماعيّة والسياسية، قبل أن ينهض النّبيّ ﷺ بهذه الدعوة، دعوة الوحدة الإنسانيّة، والكرامة الإنسانيّة، ويجاهد في سبيلها أبلغ جهاد؟
لقد كان ثمن شهوة فرد واحد، وهوى شخص واحد قبل بعثته ﷺ أكبر، وأغلى من أرواح الآلاف ومئات الآلاف من البشر، ينهض ملك واحد، وإمبراطور واحد، يكتسح البلاد، ويستعبد العباد، ويضرب الرقاب، ويهلك الحرث والنسل، ويأتي على الأخضر واليابس، لتحقيق مأرب حقير في نفسه.
ويزحف الإسكندر حتّى يبلغ الهند، ويدمّر في طريقه حضارات ومدنيّات، وينهض شرّه ويقتنص الفئات البشريّة، كما يقتنص أحدنا حيوانات الغابة.
واندلعت في زماننا حربان عالميتان ذهب ضحيتهما ملايين، ولم يكن ذلك إلا نتيجة صلف قوميّ، وأنانية فردية، وشهوة الحكم، والسّيطرة على الأسواق التجاريّة العالمية.
٤- محاربة اليأس والتشاؤم، وبعث الأمل والرجاء، والثقة والاعتزاز في نفس الإنسان:
المأثرة الرابعة أنّ أكثر أفراد النوع الإنسانيّ كانوا مصابين باليأس من رحمة الله، وبسوء الظنّ بالفطرة الإنسانية السليمة، وكان في إيجاد هذا الجوّ الخاصّ، والحالة العقلية الخاصة دور كبير لبعض الديانات الشرقيّة القديمة، والمسيحية المحرّفة في أوربة، وفي الشرق العربي.
فقد دانت الديانات القديمة في الهند بعقيدة التناسخ، وفلسفته التي
[ ٦٣٠ ]
لا مجال عندها في إرادة الإنسان وتصرّفه مطلقا، وأنّ كلّ إنسان مضطرّ لا محالة لنيل عقوبة ما، لما قدّمت يداه في حياته الأولى، وذلك بالظهور في شكل سبع مفترس، أو دابّة سائمة، أو حيوان خسيس، أو إنسان شقيّ معذّب.
بينما نادت المسيحيّة بأنّ الإنسان عاص ومذنب بالولادة والفطرة، والمسيح صار كفّارة وفداء له عن هذه الذنوب، فأنشأت هذه العقيدة- بطبيعة الحال- في نفوس الملايين في العالم المتمدّن المعمور الذين اعتنقوا المسيحيّة سوء ظنّ بنفوسهم، ويأسا عن مستقبلهم، وعن الرحمة الإلهية.
هنالك أعلن النّبيّ ﷺ بكلّ قوّة وصراحة، أنّ فطرة الإنسان هي كاللوح الصافي، الذي لم يكتب عليه بعد، ويمكن أن ينقش فيه أروع نقش، ويحرر فيه أجمل تحرير، وأنّ الإنسان يستهلّ حياته بنفسه، ويستحقّ الثواب والعقاب، والجنة والنار بعمله، وهو غير مسؤول عن عمل غيره.
فقد ذكر القرآن في مواضع كثيرة، أنّ الإنسان مسؤول عن عمله فحسب، وأنّه مثاب ومشكور على سعيه: أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى (٣٨) وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى (٤٠) ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى [النجم: ٣٨- ٤١] .
هذا الإعلان أعاد إلى الإنسان ثقته المفقودة بفطرته ومواهبه الطبيعيّة، وانطلق إلى الأمام بعزم قويّ، وحماس زائد، وعاطفة جياشة ليصنع مصيره ومصير الإنسانيّة، ويجرّب حظّه وقدرته في تلك الإمكانيات الهائلة، والفرص الغالية.
إنّ محمّدا ﷺ قرر أنّ المعاصي والذنوب، والأخطاء والزلّات فترة عابرة زائلة في حياة الإنسان، يقع فيها الإنسان بجهله وغروره، وقصر نظره حينا، وبإغواء الشيطان، وإغراء النفس بعض الأحيان، وأنّ الصلاح والصلاحية،
[ ٦٣١ ]
والاعتراف بالذنب، والندامة أصل من أصول فطرته، وجوهر إنسانيته، وأنّ الابتهال إلى الله، والتضرّع إليه، والعزم الأكيد على عدم العودة إلى الذنب دليل على شرف الإنسان، وأصالة معدنه، وهو ميراث آدم ﵇.
إنّ محمّدا ﷺ فتح أمام المذنبين الخطّائين- الغارقين في حمأة المعصية والرذيلة إلى آذانهم- بابا واسعا للتوبة، ودعا إليها الناس دعوة عامّة، وشرح فضل التوبة شرحا وافيا، وأفاض فيه إفاضة نستطيع بها القول بأنّه أحيا هذا الركن الخاصّ العظيم من الدين، ولذلك سمّي «بنبيّ التوبة» من بين أسمائه الجميلة الآخرى، لأنّه ما دعا إلى التوبة كوسيلة اضطرارية يتدارك بها الإنسان ما فاته فحسب، بل إنّه رفع من شأنها حتّى صارت من أفضل العبادات، والقربات عند الله، وصارت طريقا سهلا للوصول- في أقرب وقت- إلى أقصى درجات القرب والولاية، يغبط عليها النّسّاك والزهاد، والأبرياء والأطهار من عباد الله.
إنّ القرآن شرح فضل التوبة وسعتها، ونقاء الإنسان من أكبر ذنب وأعظم معصية يتصورها الإنسان، وذلك بأسلوب جميل يستهوي القلوب، ودعا العصاة والمذنبين، وصرعى النفس والشيطان إلى اللجوء إلى الله سبحانه، والفرار إليه، والتفيّؤ بظلال رحمته، والترامي في أحضان رأفته وعطفه، وصوّر بحار رحمته الزاخرة، الواسعة الأرجاء، المحيطة بالأنفس والآفاق، تصويرا رائعا جميلا، شائقا مثيرا، يبدو منه أنّ الله ﷾ ليس حليما رحيما، وجوادا كريما فحسب، بل إنّه- إذا صحّ هذا التعبير- يحبّ التوابين، ويشتاق إليهم، ويشكر سعيهم البليغ، ويقدّره كلّ التقدير، اقرأ الآيات التالية، وتذوّق أسلوب هذا اللطف والعطف، وجوّ الودّ الذي يغشى هذه الآيات:
[ ٦٣٢ ]
* قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣] .
وأكثر من ذلك وأروع ما نجد في الآية التالية، حيث ذكر الله سبحانه جماعات مختلفة من عباده الصالحين، فاستهلّ هذه القائمة المشرقة النورانيّة بالتائبين، إنّها آية من سورة «التوبة» [١١٢]:
التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ الْحامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ.
هذا التكريم وتبرئة العبد التائب من ذنبه، وإظهار الثقة به تجلّى واضحا حين أعلن القرآن قبول توبة ثلاثة من أصحاب النّبيّ ﷺ الذين تخلفوا عن غزوة تبوك «١» من غير عذر صحيح مقبول، وبقوا في المدينة، فبدأ القرآن بذكر النّبيّ ﷺ والمهاجرين والأنصار، الذين لم يتخلفوا عن هذه الغزوة، ثمّ ثنّى بهؤلاء الثلاثة الذي تخلّفوا، حتّى لا يشعر هؤلاء المخلّفون بإفرادهم بالتوبة ويكونوا بمعزل عن الشعور بالهوان، وما يسمّى في علم النفس «بمركب النقص»، ويتّضح للمؤمنين إلى يوم القيامة أن مكانتهم الطبيعيّة في الصف الأول من الصادقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فلا داعي للاستحياء، ولا مكان للعار.
هل هناك مثال أروع وأجمل، وأدقّ وأعمق، وأحلى وأزهى لقبول التوبة، وتكريم التائب، ومسح غاشية الكابة عنه بلطف وودّ، وحبّ وحنوّ
_________________
(١) اقرأ للتفصيل كتب السيرة، والتفسير، والحديث، «غزوة تبوك» وقد مرت القصة في هذا الكتاب في موضعها في الفصل الخامس، ص (٤٩٢) .
[ ٦٣٣ ]
في تاريخ الأديان، والأخلاق، والتربية والإصلاح، من هذا المثال؟!
اقرأ معي الآيات التالية:
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذا ضاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ وَضاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ [التوبة: ١١٧- ١١٨] .
ثمّ أعلن أيضا كمبدأ عامّ أنّ رحمة الله تسع كلّ شيء، وتسبق غضبه وجلاله، يقول القرآن: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ [الأعراف: ١٥٦] .
وجاء في حديث قدسيّ: «إنّ رحمتي سبقت غضبي» «١» إنّه جعل اليأس مرادفا للكفر والجهل والضلال، وبين ذلك على لسان يعقوب ﵇:
إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ [يوسف: ٨٧]، وذكر في موضع آخر قول إبراهيم﵇- فقال: وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ [الحجر: ٥٦] .
وهكذا أسعف النّبيّ ﷺ بهذه الدعوة المفتوحة العامّة إلى التوبة وبيان فضائلها، وسعتها وشمولها الإنسانيّة المذعورة الخائفة التي كانت تئنّ تحت وطأة اليأس، والقنوط، وترتعد فرائصها بإنذارات العقاب والعذاب، ومظاهر الغضب والجلال «٢»، ومنحها فرصة جديدة جميلة من الحياة، ونفخ
_________________
(١) [أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب «وكان عرشه على الماء..» برقم (٧٤٢٢)، والنسائي في السنن الكبرى (٤/ ٤١٧- ٤١٨) برقم (٧٧٥١- ٧٧٥٧) وأبو يعلى في المسند (١١/ ٣١٦) برقم (٦٤٣٢) من حديث أبي هريرة ﵁] .
(٢) وقد كان في ذلك لعلماء اليهود، وشرّاح الكتب المقدّسة، ورهبان المسيحية الغلاة-
[ ٦٣٤ ]
في قلبها الضعيف المتواني، وجسدها الهامد البارد روحا جديدة، وحرارة جديدة، وهيّأ لجروحها بلسما، ورفعها من حضيض التراب إلى أوج العزّة والسيادة، والثقة والاعتزاز، والاعتداد بالنفس، والاعتماد على الله.
٥- الجمع بين الدين والدنيا، وتوحيد الصفوف المتنافرة، والمعسكرات التجارية:
لقد وزّعت الديانات القديمة- خاصّة المسيحية- الحياة الإنسانية في قسمين: قسم للدين، وقسم للدنيا، ووزّعت هذا الكوكب الأرضيّ في معسكرين: معسكر رجال الدين، ومعسكر رجال الدنيا، وما كان هذان المعسكران منفصلين فحسب، بل حال بينهما خليج كبير، ووقف بينهما حاجز سميك، وظلّا متشاكسين متحاربين.
وكان كلّ واحد يعتقد أنّ هناك خصومة وعداء بين الدين والدنيا، فإذا أراد إنسان أن يتصل بأحدهما، لزم عليه أن يقطع صلته بالآخر، بل أن يعلن الحرب عليه، فلا يمكنه- على حدّ قولهم- أن يركب سفينتين في وقت واحد، وأنّه لا سبيل إلى الكفاح الاقتصاديّ ورخائه من غير غفلة عن الدار الآخرة، وإعراض عن فاطر السموات والأرض، ولا بقاء لحكم أو سلطة من غير إهمال التعاليم الدينيّة والخلقيّة، والتجرّد عن خشية الله، ولا إمكان للتديّن من غير رهبانيّة، وقطع الصلة عن الدنيا وما فيها.
المعلوم المقرّر أنّ الإنسان محبّ لليسر، مجبول عليه، وكلّ فكرة دينيّة لا تسمح بالاستمتاع المباح، والنهضة، والعزّة، والحصول على القوة والحكم، لا تصلح للنوع البشريّ في الغالب، إنّه صراع مع الفطرة
_________________
(١) - المتطرّفين أكبر نصيب في ذلك.
[ ٦٣٥ ]
السليمة، وكبت للغرائز الطبيعيّة البريئة في الإنسان، وكانت نتيجة هذا الصراع أنّ العدد الأكبر من أصحاب الفطنة والذكاء، والكفاءات العلميّة، آثر الدّنيا على الدين، ورضي بها- كحاجة اجتماعيّة، وواقع حيّ- واطمأنّ إليها، وعكف على تحسين هذه الحياة، والحصول على ملذّاتها، ولم يبق له أمل في الرقيّ الدينيّ، والتقدّم الروحيّ.
وأكثر الذين هجروا الدين بصورة عامّة، هجروه على أساس التناقض الذي حسبوه حقيقة بديهية مسلّمة، وثار البلاط الذي كان يتزعّم الحكم الدنيويّ على الكنيسة التي كانت تمثّل الدين، وتجرّد عن سائر قيوده، فصارت الحكومات- بطبيعة المنطق- كفيل هائج مائج، تخلّص من سلاسله وقيوده، أو كجمل هائم، حبله على غاربه، هذا الانفصال النكد بين الدين والدنيا، وذلك العداء المشؤوم بين «رجال الدين ورجال الدنيا» فتح الباب على مصراعيه للإلحاد واللادينية، وكانت فريسته الغرب أولا، والأمم التي دانت له في الفكر والعلم والثقافة، أو عاشت تحت رايته ثانيا.
وزاد الطّين بلّة دعاة المسيحيّة المتطرّفون والمفرطون، الذين كانوا يعتبرون الفطرة البشريّة أكبر عائق في التزكية الروحية والاتصال بالسماء، والذين لم يدّخروا وسعا في إذلالها وتعذيبها بأنواع من الأحكام القاسية والتعاليم الجائرة «١» وقدّموا صورة وحشيّة كالحة مفزعة للدين، تقشعرّ منها جلود الذين آمنوا، وآل الأمر في نهاية الشوط إلى تقلّص ظلّ الدين، وبلغت عبادة النفس والهوى- في أوسع معناها- إلى ذروتها، وأصبحت الدّنيا تتأرجح بين طرفي نقيض، ثمّ سقطت أخيرا بضعف الوازع الدينيّ، أو فقدان
_________________
(١) انظر «تاريخ أخلاق أوربة»، ج ٢، لمؤلّفه ليكي.
[ ٦٣٦ ]
الحاسّة الدينية في هوّة عميقة من اللادينية، والفوضى الخلقيّة العامة «١» .
وأعظم هديّة للبعثة المحمديّة، ومنّتها العظيمة نداؤها الذي دوّت به الآفاق أنّ أساس الأعمال والأخلاق، هو الهدف الذي ينشده المرء، والذي عبّر عنه الشارع بلفظ مفرد بسيط، ولكنّه واسع عميق «النية»، فقال: «إنّما الأعمال بالنّيات، وإنّما لكلّ امرىء ما نوى» «٢» .
وإنّ كلّ عمل يقوم به الإنسان ابتغاء مرضاة الله، وبدافع الإخلاص، وامتثال أمره وطاعته، هو وسيلة إلى التقرّب إلى الله، والوصول إلى أعلى مراتب اليقين، ودرجات الإيمان، وهو دين خالص لا تشوبه شائبة، ولو كان هذا العمل جهادا وقتالا وحكما وإدارة، وتمتعا بطيّبات الأرض، وتحقيقا لمطالب النفس، وسعيا لطلب الرزق والوظيفة، واستمتاعا بالتسلية البريئة المباحة، والحياة العائلية والزوجية.
وكلّ عبادة وخدمة دينية- بالعكس من ذلك- تعتبر دنيا إذا تجرّدت من طلب رضا الله سبحانه، والخضوع لأوامره ونواهيه، وغشيتها غاشية من الغافلة، ونسيان الآخرة، ولو كانت صلوات مكتوبة، ولو كانت هجرة
_________________
(١) اقرأ للتفصيل كتاب «الصراع بين الدين والعلم) Conflict Between Religion) Science («لدرابر) Draper (أو «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين» الباب الرابع «العصر الأوربي» .
(٢) الحديث الصحيح الذي بلغ عند بعض المحدثين حد الاستفاضة والشهرة، والذي افتتح به الإمام البخاري كتابه «الجامع الصحيح»، وتمام الحديث: «إنّما الأعمال بالنيات، وإنّما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه» (حديث متفق عليه [أخرجه البخاري في كتاب بدء الوحي، برقم (١)، وأبو داود في كتاب الطلاق، باب في ما عني به الطلاق، برقم (٢٢٠١)، وابن ماجه في أبواب الزهد، باب النية، برقم (٤٢٢٧) وغيرهم من حديث عمر بن الخطاب ﵁] .
[ ٦٣٧ ]
وجهادا وذكرا وتسبيحا وقتالا في سبيل الله، ولا يثاب عليه العامل، والعالم، والمجاهد، والداعي، بل قد تعود تلك الأعمال والخدمات عليه وبالا، وتكون بينه وبين الله حجابا «١» .
إنّ المأثرة الخامسة من ماثر سيّدنا محمد ﷺ أنّه ملأ هذه الفجوة الواسعة بين الدين والدّنيا، وجعل هذين المتنافرين المتباعدين، اللذين عاشا في خصام دائم، وعداء سافر، وحقد مستمرّ، يتعانقان في إلف وودّ، ويتعايشان في سلام ووئام.
إنّه ﷺ رسول الوحدة، وبشير ونذير في الوقت ذاته، إنّه أخذ النوع البشريّ من المعسكرين المتحاربين إلى جبهة موحّدة من الإيمان والاحتساب، والعطف على البشريّة، وابتغاء رضوان الله، وعلّمنا هذا الدعاء الجامع، المعجز الواسع: رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ [البقرة: ٢٠١] .
إنّه أعلن بالآية القرآنية: إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الأنعام: ١٦٢] أنّ حياة المؤمن ليست مجموع وحدات متفرّقة مضادّة، بل هي وحدة تسيطر عليها روح العبادة والاحتساب، ويقودها الإيمان بالله والإسلام لأوامره، وهي تشمل شعب الحياة كلّها، وميادين الكفاح كلّها، وأصناف العمل كلّها، إذا تحقّق الإخلاص، وصحّت النيّة، وأريد بها وجه الله، وكانت على المنهج الصحيح الذي جاء به الأنبياء.
فدلّ ذلك على أنّه رسول الوحدة والوئام والانسجام بالكمال والتمام، وأنّه البشير والنذير في نفس الوقت، إنّه قضى على نظرية الانفصال بين الدين
_________________
(١) كتب الحديث زاخرة بالآثار الدالة على ذلك. انظر أبواب الإخلاص، والنية، والإيمان، والاحتساب.
[ ٦٣٨ ]
والدنيا، فجعل الحياة كلّها عبادة، وجعل الأرض كلّها مسجدا، وأخذ بيد الإنسان من معسكرات متحاربة متصارعة، إلى جبهة واحدة واسعة من العمل الصالح، وخدمة الإنسانية النافعة، وابتغاء مرضاة الله، فترى هناك ملوكا في أطمار الفقراء، وزهّادا في زيّ الملوك والأمراء، جبال حلم وينابيع علم، عبّاد ليل وأحلاس خيل، من غير تناقض أو صعوبة، واختلال أو تعسّف.
٦- تعيين الأهداف والغايات وميادين العمل والكفاح:
المأثرة السادسة، أو الانقلاب السادس الذي أحدثه محمّد ﷺ في الحياة البشرية، أنّه هدى الإنسان إلى محلّ لائق كريم يصرف فيه قواه، ورفعه إلى أجواء فسيحة عالية يحلّق فيها.
كان الإنسان قبل البعثة المحمديّة جاهلا لهدفه الحقيقيّ، لا يدري إلى أين يتّجه، وإلى أين المصير؟ وما هو المجال الأفضل والحقيقيّ لمواهبه وطاقاته وجهوده؟
إنّه وضع لنفسه مقاصد وهمية صناعية، وحصر نفسه في دوائر ضيقة محدودة، كانت تستنفد قواه وطاقاته وذكاءه، وكان المثل الأعلى عنده للرجل الناجح واللامع من يكون أكثر جمعا ومالا، وأوسع نفوذا وقوة، متحكّما في أكبر مجموعة من البشر، وأوسع بقعة من بقاع المعمورة.
كان هناك ملايين لم يزد طموحهم على التمتّع بألوان زاهية، وأصوات مطربة، وأطعمة لذيذة، وأكثر من تقليد البلبل في صوته، أو الطاووس في لونه، بل أكثر من مسايرة الماشية والغنم، والأنعام والدوابّ.
كان هناك آلاف عاشوا دائما بين بلاط الملوك، وحاشيتهم، وبذلوا نبوغهم وذكاءهم في التزلّف إلى الأمراء، والتملّق أمام الأغنياء، أو الخضوع للجبابرة
[ ٦٣٩ ]
والأقوياء، أو التسلّي بالأدب الفارغ الذي لا قيمة له في الدّنيا والآخرة.
فجاء محمّد ﷺ وجعل غايته الأخيرة الحقيقية، وهدفه الأعلى المنشود نصب عينيه، وأرسخ في قلب الإنسان: أنّ المجال الحقيقيّ لجهده واجتهاده، ومواهبه وأشواقه، وطموحه وسموّه، وطيرانه وتحليقه، هو معرفة فاطر السموات والأرض، واطلاع على صفاته، وقدرته وحكمته، وسعة ملكوت السموات والأرض وعظمتها وخلودها، والحصول على الإيمان واليقين، والفوز برضوان الله وحده، والرضا به وبقدره، والبحث عن وحدة تؤلف بين الأجزاء المتناثرة أحيانا، والمتناقضة أحيانا أخرى، وتنمية قواه الباطنة، ومداركه الروحية للوصول إلى درجات القرب واليقين، والحثّ على خدمة الإنسانية، والإيثار والتضحية، والوصول بذلك إلى مكان لا تصل إليه الملائكة المقربون، وتلك هي السعادة الحقيقية للإنسان، ونهاية كماله، ومعراج قلبه وروحه.
[ ٦٤٠ ]
ولادة عالم جديد وإنسان جديد
لقد تغيّرت الدّنيا بعد بعثة النّبيّ ﷺ بفضل تلك التعاليم السامية، كما يتغيّر الطقس، وانتقلت الإنسانية من فصل كلّه جدب وخريف، وسموم وحميم، إلى فصل كلّه ربيع وأزهار، وجنات تجري من تحتها الأنهار، تغيّرت طباع الناس، وأشرقت القلوب بنور ربّها، وعمّ الإقبال على الله، واطّلع الإنسان على طعم جديد لم يألفه، وذوق لم يجرّبه، وهيام لم يعرفه من قبل.
انتعشت القلوب الخاوية الضّامرة الباردة الهامدة؛ بحرارة الإيمان وقوة الحنان، استضاءت العقول بنور جديد، وسكرت النفوس بنشوة جديدة، وخرجت الإنسانيّة أفواجا تطلب الطريق الصحيح ومحلّها الرفيع، وتحنّ إلى مكانتها السامقة العالية، فلا ترى أمة من الأمم، وبلدا من البلاد، إلا وهو يريد السباق في هذا المضمار، ويتنافس فيه، فما ترى العرب والعجم، ومصر والشام، وتركستان وإيران، والعراق وخراسان، وشمالي إفريقية، والأندلس وبلاد الهند، وجزائر شرق الهند، إلّا سكارى هذا الحبّ العلويّ، والفيض السماويّ، وعشّاق هذا الهدف السامي، وفقراء على هذا الباب العالي.
كان يبدو أنّ الإنسانية أفاقت واستيقظت، وفتحت عيونها بعد سبات عميق طويل، دام قرونا طويلة، فأرادت أن تتدارك ما فاتها حتّى عمر كلّ جزء
[ ٦٤١ ]
من أجزائها، وكلّ ركن من أركانها بدعاة ربانيّين مخلصين، مجاهدين مصلحين، مربّين، عارفين بالله، متحرّقين لخلق الله، باذلين أنفسهم ونفيسهم لخير الإنسانيّة، وإنقاذها من الخطر المحدق بها من كلّ جانب، رجال تحسدهم الملائكة، فأشعلوا مجامر القلوب الباردة، وأزكوا شعلة الحبّ الإلهيّ، وفجّروا أنهار العلوم والآداب، والحكم والمعارف، وفتحوا ينبوعا فياضا، متدفّقا من العلم والعرفان، والإيمان والحنان، وأنشؤوا في نفوس البشر مقتا شديدا للظلم والجور، والعدوان والبغضاء، ولقّنوا الشعوب المضطهدة، المهانة الذليلة، دروس المساواة، وضمّوا المنبوذين والمهجورين، والمساكين الذين لفظهم المجتمع، وطردهم أهلهم وعشيرتهم؛ إلى صدورهم العامرة بالحب والحنان، إنّك تجد آثارهم، وتلمس آياتهم على كلّ جزء من أجزاء البسيطة كمواقع القطر، لا يخلو منها بيت وبر، ولا مدر.
وانظر في جوهر أعمالهم وكيفيّتها) Quality (فضلا عن كميّتها) Quantity (وشاهد سموّ أفكارهم، وتحليقها في أجواء وآفاق رفيعة، وانظر شعورهم المرهف، وروحهم اللطيفة الوادعة الرقيقة، وذكاءهم الوقّاد، وطبعهم السليم، وكيف كانوا يتوجّعون للإنسانية ويذوبون لها كالشمعة، وكيف كانت نفوسهم وأرواحهم تتلوى وتذوب في نار الأسى والإشفاق، والعطف على الخلق، والحرص على ما فيه نفعه وصلاحه، كيف كانوا يقعون في المهالك، ويرحّبون بالخسائر لإنقاذ الناس، ودفع البلاء عنهم، كيف كان حكامهم وولاة أمورهم، يصرّفون الأمور، ويشعرون بالمسؤوليّة، يعسّون بالليل ويرابطون على الثغر، وكيف كان الشعب منسجما معهم، مطيعا لأوامرهم.
[ ٦٤٢ ]
واقرأ- أيضا- أخبار عبادتهم، وزهدهم، وحالتهم في الدعاء، ومكارم أخلاقهم، وشهادتهم على نفوسهم، واحتسابهم لها، وحبّهم للصغار، والضعفاء، ولين قلوبهم مع الإخوان والأصدقاء، وكرمهم وسماحهم، وعفوهم وصفحهم عن الأعداء، وسوف ترى أنّ أحلام الشعراء والأدباء، وخيالهم الخصيب، وقريحتهم الفياضة، لا تصل إلى تلك القمّة العالية التي وصل إليها هؤلاء في عالم الحقيقة والواقع، ولولا تواتر ما جاء في هذا الباب واستفاضته، ولولا شهادات التاريخ الموثوق بها، بدت هذه الأخبار كقصص وأساطير نسجها الخيال.
إنّ هذا الانقلاب العظيم، والدور الزاهر الجديد معجزة من معجزات محمّد ﷺ ومأثرة من ماثر بعثته، ونفحة من نفحات الرحمة الإلهية التي عمّت الأمكنة كلّها، والأزمنة كلّها، وصدق الله العظيم:
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ [الأنبياء: ١٠٧] .
[ ٦٤٣ ]
جداول الغزوات والسّرايا والأحداث المتعلّقة بالسّيرة النبوية «١»
_________________
(١) هذه إضافة المحقّق إلى الكتاب من «رحمة للعالمين» للقاضي محمد سليمان سلمان المنصور فوري.
[ ٦٤٥ ]