* بداية وافتتاح:
حمدا لله، وصلاة وسلاما على رسول الله ومن والاه، الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلى عَبْدِهِ الْكِتابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا [الكهف: ١] أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الصف: ٩] نعمة ومنّة وفضلا، بيّن للناس دين الله، وفيه سعادة الدارين، فدعاهم وبصّرهم، فامن من آمن، وضلت عنه أقوام لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ [الأنفال: ٤٢] .
* الإسلام كبرى النّعم:
الحمد لله الواحد المنعم، أسبغ على الإنسان نعمه، ظاهرة وباطنة، شرّفهم بالعبودية له، يدين بهذه العبودية لله وحده ﷾. وهي أعلى مقام للإنسانية، توحيدا خالصا، عقيدة للضمير، وتفسيرا للوجود، ومنهجا للحياة، حياة مستمرة تقود إلى جنّة عرضها السموات والأرض.
فكانت نعمة هذا الدين أكبر نعمة، أنزله﷾- برّا وعدلا وصدقا وحقا وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْناهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الإسراء: ١٠٥] فكل ما عداه باطل وفاشل وشاغل، ضال ومضل وممل فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ١٢٥] .
بعث به البشير النذير، وريث موكب الأنبياء، ليحدو قافلة الإنسان المؤمن، خليفة في أرض الله، يعمّرها بدينه، وينيرها بشرعه، ويقيم حضارة الحق باتّباعه. يقيّض الله لهذا الدين من ينصره، والرسول الكريم ﷺ يقول: «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم (ولا من خالفهم) حتى يأتي أمر الله وهم كذلك
[ ٣٣٦ ]
(على ذلك)» «١» . وهذا حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
فغدت نعمة الإسلام كبرى نعم الله على الإنسان- وما أكثر نعمه- لينتزع البشر من مخالب الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن عبودية البشر للبشر، ويعبّدهم لله رب العالمين. فله الأمر، وله الحكم، وإليه المرجع وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا أَفَلَمْ يَيْأَسِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ لَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا وَلا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِما صَنَعُوا قارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ [الرعد: ٣١] وليبدّل واقع الأرض، وتصوّرات الإنسان، على غير مثال، ولا مطالبة، ولا اصطراع، أو إبدال.
تشقّقت حجب الظلام، وتحطّمت الأوثان، وتحرّر الإنسان، من العبوديات والجاهليات، حين نزلت آيات الله، منذ فجر حراء المبارك. آمن بالله تعالى إيمانا، جعله حيا بعد موات، فأشرقت بصيرته بنور الله، فرأى الكون والحياة رؤية حقيقية، كما لم يرها من قبل أبدا، ولم تخطر له على بال، ولم ترد على قلب بشر بأيّ حال «٢»، بعد أن عبّد نفسه لله رب العالمين، عبودية للخالق، جعلته في أعلى مقام الإنسانية.
* ولادة الإنسان الجديد:
وتوالت آيات الله، فكانت إعلانا عن ولادة الإنسان الجديد، إنسان
_________________
(١) أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم. البخاري: كتاب المناقب، باب: سؤال المشركين أن يريهم النبي ﷺ آية، رقم (٣٤٤٢/ ٣) . مسلم، رقم (١٩٢٠/ ٣) . أبو داود، رقم (٢٤٨٤/ ٣) .
(٢) من حديث شريف أخرجه البخاري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين: ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر» . فاقرؤوا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [السجدة: ١٧] . البخاري: كتاب: بدء الخلق، باب: ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة، رقم (٣٠٧٢، ٣/ ١١٨٥) .
[ ٣٣٧ ]
الحضارة الحقة، إنسان العبودية الحقة، لله رب العالمين. وهو إنسان الحرية الصادقة، لا زيف يخرقها، أو يحبكها، أو يحلكها، وإنسان التقدمية الأصيلة، لا دجل يخنقها، يرث سعادة الدنيا والآخرة، كما بين وعد الواحد الأحد في قرآنه الكريم الذي لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [فصلت: ٤٢] وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا [النساء: ١٢٢] .
والإسلام- كبرى نعم الله- أنزله دواء وضياء وشفاء وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا [الإسراء:
٨٢]، وصلاة وسلاما على النّبي الكريم، وصاحب الخلق العظيم، دعا إلى الله فاهتدى به إلى طريق الله الحق أقوام أنقذها من الشّقوة والكبوة في الدنيا والآخرة، فكانوا من أهل السّيادة والسعادة والشهادة. وحماهم من النار، فكانوا من أهل الفوز والفلاح إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: ٩]، وضلت عنه أقوام وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠] . أصرّت على الضلال- وا أسفاه- ف لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [البقرة: ٢٥٦] فشقت دنيا وأخرى، فالله تعالى يتولّاهم، وجزاء المؤمنين الجنّة، وجزاء الضالين جهنم، وهو جزاء الكافرين «١» . ونسأل الله تعالى الهداية لنا وللخلق أجمعين، والإنقاذ من الغواية، إنه على ما يشاء قدير.
_________________
(١) وللأسف فإن من المسلمين من أعرض عن معاني الإسلام، وهم قد ولدوا به وعلى الفطرة، وكأنهم يصرون بالبعد عنه. والرسول ﷺ يقول فيما يرويه أبو هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش (الجنادب) وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها، فجعل ينزعهنّ ويغلبنه فيقتحمن فيها (وهو يذبّهنّ عنها)، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم (تفلّتون من يدي) تقحّمون فيها» . أخرجه الشيخان. البخاري: كتاب: الرقاق، باب: الانتهاء من المعاصي، رقم (٦١١٨) (٥/ ٢٣٧٩، ٣/ ١٢٦٠- ١٢٦١) . مسلم، كتاب: الفضائل، باب: شفقته ﷺ على أمته، (٢٢٨٤) (٤/ ١٧٨٩- ١٧٩٠) . تفسير القرطبي (١٤/ ١٢٢، ٢٠/ ١٦٥) .
[ ٣٣٨ ]
* دعوة اليقظة والارتقاء:
طلع النهار فقام النبيّ المختار ﷺ، ينادي بايات الله، أنزلها عليه وحيا كريما، وقرآنا عظيما، نصّا ومعنى من عند الله تعالى وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ [الشعراء: ١٩٢- ١٩٤] .
أنزله ﷾ على قلبه ابتداء من يوم حراء، تبعته القلة المؤمنة فكانت قطر عين صفاء، وينبوع ارتواء زلالا، حتى صارت نهرا، يهدر هدرا، يجرف كل عائق، يزيله صخرا، ويدحرجه حجرا، حفّت بذلك الأهوال، وإنفاق المال، وتقديم الأنفس من النساء والرجال والأطفال.
استمر الحادي البار، والهادي المختار، يقود موكب النور، فاهتزت به نفوس، واستنارت قلوب، حين صحا فيها إنسانها من رقدة، ونهض من كبوة، وأطل من كوة، على الضياء، يحمل مشعله ونبراسه هاديا، وهو الهادي الأمين، رسول الله ﷺ، ويرفع لواءه عاليا، وينشده ويرنّ صوته مدوّيا، بايات الله البينات لَوْ أَنْزَلْنا هذَا الْقُرْآنَ عَلى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [الحشر: ٢١] .
حملها الحبيب يجوب بها دروب مكة وما حولها ليل نهار، ويجول أحياءها وسهولها (السهل) وجبالها (الجبل) وصخورها، وينادي أبناءها وقبائلها، ويرتاد أسواقها، ويغشى اجتماعاتها ومجتمعاتها، أهل مكة أمّ القرى وما حولها، ويأتي أسواق العرب ومواسمها قائلا ومناديا فيهم:
«يا أيها الناس: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» «١» .
سرت الحياة في نفوس آمنت، واهتدت، وباعت نفسها لله، وبايعت
_________________
(١) حياة الصحابة (١/ ١٠٧) . انظر كذلك: حياة الصحابة (١/ ٩٨- ٩٩) . سير أعلام النبلاء (٣/ ٥١٦) . السيرة النبوية، الذهبي (١٥٠- ١٥١، ٢٨٥) .
[ ٣٣٩ ]
على الطاعة والفداء، تتحرك بشرعه، وتقبل على أمره.
* تقدم الركب الميمون:
لحق بركبه الميمون المؤمنون، باعوا أنفسهم لله، ونصروه نصرا مؤزرا وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَما وَهَنُوا لِما أَصابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَما ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [آل عمران: ١٤٦] فلم يتخاذلوا، لزموا غرزه «١»، ففازوا. وفي سبيل الله سقط على الطريق شهداء، من الرجال والنساء، شيبا وشبانا وأطفالا «٢» .
بدأ الركب الميمون السير قويا منطلقا، يقوده خاتم الأنبياء والرسل الكرام، عليه وعليهم الصلاة والسلام، ابتداء من يوم حراء.
اهتزت الأحجار بغاره فرحانا جاء الأمين يرتّل القرآنا
يوم نزول القرآن، نزول الماء إلى الأرض، يحييها ويخصبها ويملؤها بالبركات، وسيبقى كذلك حتى يرث الله الأرض ومن عليها، فهو وحده المنقذ من الشّقوة والكبوة، تستهلك العالمين بدونه، وبه لا بغيره يسعد الإنسان أيّما سعادة في الدنيا والآخرة.
رقص الكون فانهمر سال سيله نهر
طرب الكون وانتشى أخضر وجهه نضر
وتغنّت بقاعه حين صابها المطر
أخضر الماء عينه وغدا ثاقب النظر
والحياة جديدة إنسانها قد انبهر
_________________
(١) سيرة ابن هشام (٣/ ٣٣١) (الخشني، ٣/ ٤٤٠) . مغازي الذهبي (٣٧٢) . حياة الصحابة (١/ ١٥٤) . «الغرز»: ركاب الدابة يعتمد عليه في الركوب. «الزم غرزه»: الزم أمره ونهيه.
(٢) الأمثلة على ذلك كثيرة. انظر: سير أعلام النبلاء (١/ ٩٧) . حياة الصحابة (١/ ٥٩٨- ٥٩٩) . السيرة النبوية، الندوي (١٨٦) .
[ ٣٤٠ ]
ماذا جرى في كوننا؟ جاءه هادي البشر
حين دعا محمد إلى الحياة واشتهر
يوم نادى كل الورى إلى الله بلا ضجر
الله أنزل شرعه وحي به قد انهمر
لصبره احتارت قريش جهاده كان الأغر
جاء بها نبوة وللحق بها ظهر
بدعوة الله قائم بالغا قمة الفخر
فانبرى يوقظ الورى تتهاوى عنده الشرر
وتحالفت في حربه كلّ البغاة وانحصر
شدّت عليه مطارقا ومحارقا لا مدّخر
والأقربون تنافسوا في بغيهم كانوا الأشر
لكنه حمل اللواء به اقتدى ذوو الخير
كان أمضى من الرياح كان أقوى من الصخر
فاستنارت به النفوس فهو أسنى من القمر
رفع الحقّ صوته ضياؤه قد انتشر
والطواغيت تندب مجدها باء واندثر
كل قوم لهم إله عبدوه وهم حجر
ذهب الظلم وانطوى تحت الثرى قد انقبر
حل عدل مكانه غصونه تدني الثمر
ملأ الأرض نفحها تنشر فوقه الدرر
ومضى يحمل الزمان ويداوي بني البشر
قائدا موكب الحياة ويعاني فتنة الزّمر
لا يبالي مهما التوى دربه حالك السّير
حتى انطوى قبيله على ارتخاء وانقعر
حين لانت قناتهم فاستبيحوا من الغجر
يوم هابوا عدوّهم يوم هانوا على الصّغر
[ ٣٤١ ]
يا بني الجيل نهضة تنفض عنكم الغبر
يا صحابا بصيحة توقظ كل من هجر
هذا الكتاب نداؤكم فاسرعوا غير معتذر
فهو فيه سعادة وحده، كل من حضر
به النفوس كريمة تبتني كلّ مزدهر
به العيون قريرة ترقى الفضائل وانتصر
* حمل الراية المباركة:
حمل رسول الله الحبيب ﷺ راية الموكب المبارك، ينادي الناس عليه، ويدعو إليه، فجّرت آيات القرآن المنزّل عليه، ينابيع الخير، ووفرتها وصاغتها، يتلوها ﷺ ندية قوية، تشقّق بها الظلمات، وتشرق بها الآفاق، ويحيا بها الوجود. واستمر داعيا يجلجل بها صوته المدوّي في دروب مكة وشعابها، حداء ماله مثيل، ولا بديل، ولا غيره دليل، يضيئها بنور الله المبين وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠] .
وصلت قلوب المؤمنين بالله، تملأ جنباتها أشعته، يوقظ النيام والسّكرى السّادرين هديرها، تنشده الفئة المؤمنة، مقتدية بالرسول الكريم ﷺ. أيقنت وانطلقت مؤمنة بقوتها الإيمانية الربانية، موصولة بالله القوي العزيز. آمنت به ﷻ ربا معبودا واحدا أحدا لا إله غيره ولا مالك سواه، ولا حاكم دونه، ولا مشرّع إلا إيّاه. إنه البيع الخالص لله، بلا خلف ولا أنصاف أبدا.
واستعراض السيرة الشريفة يقدّم ذلك واضحا لكل المسلمين، نساء ورجالا. وانظر من شئت وما شئت وتمثّل بمن شئت، ولا بد أن نمثل ونتمثل. فهذا الطفيل بن عمرو الدّوسي (الشهيد أبو الشهيد)، أسلم في العهد المكي، وباع نفسه وحياته للإسلام، دعا إليه وجاهد من أجله
[ ٣٤٢ ]
وحماه، حتى استشهد في حرب اليمامة أوائل سنة (١٢ هـ) «١» .
_________________
(١) الطفيل بن عمرو الدوسي (١٢ هـ ٦٣٣ م)، ذو النور. أسلم بمكة قبل الهجرة إلى المدينة. وكان في قومه سيدا مقدما مطاعا شريفا وشاعرا لبيبا. وقصة إسلامه ذكرها ابن إسحاق (سيرة ابن هشام، ١/ ٣٨٢- ٣٨٥، شرح الخشني، ٢/ ٢٥- ٢٩) . ونقلها عنه آخرون. وأخرج طرفا منها البخاري ومسلم. البخاري، رقم (٢٧٧٩/ ٣)، ورقم (٤١٣١/ ٤)، ورقم (٦٠٣٤/ ٥) . مسلم، رقم (٢٥٢٤/ ٤) . جامع الأصول (٩/ ٢٢١، رقم ٦٨٠٦) . وخلاصتها: أن الطفيل قدم مكة- لعله في السنة العاشرة من البعثة، بعد عودة الرسول ﷺ من الطائف- فحذرته قريش من الاستماع إلى الرسول الكريم ﷺ وبينوا له خطورة ذلك عليه، وأن قوله كالسحر، وزادوا في تحذيره، مما دعاه أن يسد أذنه بقطن إذا دخل المسجد، حتى لا يسمعه. لكنه حين ذهب إلى المسجد رأى رسول الله ﷺ قائما فيه، ووقف قريبا منه وسمعه (فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاما حسنا وقع في نفسي) (سيرة ابن هشام، ١/ ٣٨٢) . ولما انصرف ﷺ إلى بيته اتبعه، وجلس إليه، وطلب أن يعرض عليه الإسلام (فعرض عليّ رسول الله ﷺ الإسلام، وتلا عليّ القرآن. فلا والله ما سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرا أعدل منه، فأسلمت، وشهدت شهادة الحق) (سيرة ابن هشام، ١/ ٣٨٣) . وهذا ما أورده- مع تفصيلات أخرى- ابن هشام (ابن إسحاق) في السيرة وآخرون، بعضهم نقلا عنه. فلحق بقومه، فدعا أهل بيته، فأسلموا وجماعة من قومه، وعصت عليه دوسا (قومه) وأبت. فقدم (ثانية) إلى رسول الله ﷺ في مكة وقال: يا رسول الله! إن دوسا قد عصت وأبت، فادعوا الله عليهم. فقال ﷺ: «اللهم اهد دوسا، وائت بهم» . وهذا ما أخرجه البخاري وآخرون. فعاد إليهم ودعاهم إلى الإسلام، فاستجاب من استجاب، ثم قدم بهم إلى رسول الله ﷺ في المدينة، بثمانين بيتا، ولحق به في خيبر، فأسهم له رسول الله ﷺ مع المسلمين. ثم شارك مع قومه في فتح مكة، وأرسله ﷺ إلى صنم هناك فأحرقه، وبقي يجاهد في خدمة الإسلام حتى قبض رسول الله ﷺ فخرج هو وابنه (عمرو) في قتال الكذّابين بقيادة مسيلمة الكذاب، واستشهد يوم اليمامة أوائل سنة (١٢ هـ) وجرح ابنه جراحة شديدة، ثم استبلّ منها، حتى كانت معركة اليرموك (١٥ هـ) مشاركا فيها، وفيها استشهد، ﵄ وعنهم أجمعين. الإصابة (٢/ ٢٢٥) رقم (٤٢٥٤) . الاستيعاب (٢/ ٢٣٠) رقم (١٢٧٤) . سير أعلام النبلاء (١/ ٣٤٤)، تاريخ الإسلام (عهد الخلفاء الراشدين) (٦٢، ٨٢، ٩٦)، زاد المعاد (٣/ ٤٩٥، ٦٢٤) وبعدها. الوافي بالوفيات (١٦/ ٤٦٠، ١٧/ ٢٢٥) . إمتاع الأسماع (١/ ٢٨) حياة الصحابة
[ ٣٤٣ ]
* ذلك الجيل الفريد:
فارتفعت به هامات، كانت متهطّلة في الجحور، بعين الشّقوة والخمور، متدلية بين الأوثان، فغدت بالله عزيزة، فما عادت تنحني لغيره، وتساوت في ظل الإسلام الرؤوس، كانت متعالية فارغة أو متسافلة متمرغة، فما رضيت الخضوع لغير شرع الله، وتحررت من كل أثقال الأرض، لتطير إلى عليين، في هذه الحياة الدنيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ [غافر: ٥١] .
وتحطمت الطواغيت والأوثان، ومن كل الألوان، فأشرقت الأرض بنور الله رب العالمين. فكل ما عداه باطل، ومهلك مضلّ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ [الأنعام: ١١٥] .
إنه لفريد وعجيب ومدهش ذلك الجيل؛ الذي تربى على مائدة القرآن، ونهل من فيضه، وأترع من نهره، بيدي رسول الله ﷺ وتربيته وأسوته، فارتدى ذلك، واكتساه، واحتذاه.
وعلى دربهم سارت ما تلاه من أجيال، وحتى اليوم والمستقبل على الدوام إن شاء الله تعالى، تربّت على الدعوة الإسلامية، وتعلمت أنّ الإسلام بيعة. ومنذ قبله، ودخل دائرته، وحمله باع نفسه لله إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ [التوبة: ١١١]، كل بمقدار إقباله وإخلاصه وتضحيته والتزامه وإقدامه.
وبهذا يقام مجتمع الإسلام، يسير على ذلك المنهج الكريم الذي عليه ربّى رسول الله ﷺ أصحابه، بما أوحى الله له وعلّمه، قرآنا وسنّة وسيرة.
يقبلون عليه لا يتخلفون، ويفرحون بما يقدّمون، يسترخصون من أجله كل ما يملكون.
_________________
(١) (١/ ٢٠١) وبعدها (٢/ ٤٥٨، ٥٥٠، ٣/ ٢٣٠، ٦١٣) . الأعلام (٣/ ٢٢٧) .
[ ٣٤٤ ]
تجدون النماذج الكثيرة الوفيرة، من كل لون وميدان وتخصص، في العصور الإسلامية المتلاحقة، كلها تتضافر لإظهار هذه المعاني المثلى، قائمة في حياة المجتمع، تجتذب الناس، وتدعوهم إليه. وإذا حلّ الإيمان بهذا الدين الكريم- قلب إنسان، كانت ولادة جديدة رشيدة. وانظروا إلى بيعة العقبة كيف كانت وكيف كان أصحابها، وكيف كان استعدادهم الرفيع للبذل من أجل هذا الدّين «١» .
ثم كانت الهجرة، والتقى أهل الهجرة بأهل النصرة «٢»، بعد أن حمل الطريق خطواتهم السارّة البارة، هجرة عن الوطن من أجل الدعوة إلى الله، وحمل الأمانة، وتبليغ الرسالة، وهو أمر فريد «٣» .
_________________
(١) سبق الحديث عنها، انظر: أعلاه. كذلك مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٢٢- ٣٢٣، ٣٣٩- ٣٤٠) . سير أعلام النبلاء (١/ ٣٠٩) .
(٢) حياة الصحابة (١/ ٣٣٥) وبعدها (٣٧٧) وبعدها.
(٣) ولقد ورد عن الرسول ﷺ أنه حزن على ترك مكة المكرمة في الهجرة، لكن دين الله أعزّ من كل شيء، حتى من النفس والأهل والولد. وكانت الهجرة هجرة إلى الله، ونصرة لدينه. فأخرج الترمذي (٥/ ٦٧٩ حديث رقم ٣٩٢٥) أن أحد الصحابة رأى رسول الله ﷺ في الهجرة واقفا على راحلته بالحزورة، في سوق مكة (موضع مرتفع خارج مكة، ومعناها الرابية) وسمعه يقول: «والله إنّك لخير أرض الله وأحبّ أرض الله إلى الله ﷿، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» (زاد المعاد، ١/ ٤٨- ٤٩) . وأخرجه كذلك أحمد في مسنده، المسند، (٤/ ٣٠٥)، والترمذي، رقم (٣٩٢٥/ ٥) . أسد الغابة (٣/ ٣٣٦)، رقم (٣٠٦٨) . كما أخرج الترمذي بعده ما يؤكده من قول رسول الله ﷺ مخاطبا مكة: «ما أطيبك من بلد وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك» . (انظر: السيرة النبوية، الندوي، ١٤٥- ١٤٦) . وذكر أن أصيل الهذلي (أو الغفاري) قدم على النبي ﷺ من مكة إلى المدينة- قبل أن يضرب الحجاب على أزواج رسول الله ﷺ- فقالت عائشة ﵂: يا أصيل، كيف عهدت (تركت) مكة؟. فلما أجابها، قالت له: أقم حتى يأتيك رسول الله ﷺ. فلم يلبث أن دخل عليه النبي ﷺ، فقال: «يا أصيل! كيف عهدت مكة»؟ قال: عهدتها والله وقد اخضرت أجنابها (أخصب جنابها) وابيضت بطحاؤها
[ ٣٤٥ ]
* قوة التضحية والفداء:
من أجل العقيدة تركوا كلّ شيء، فرحين بنصرتها، وإعلاء رايتها، وقدّم أهل النصرة كل شيء لهم، أخوّة في الدين، وإخلاصا لله رب العالمين، فوطن المسلم حيث يستقر دينه، وتقوم دولته، وتنتشر دعوته.
هذا المستوى واللون لا يأتي بكثرة العلم اللساني، بل العلم القلبي الرباني؛ الذي قيضه الإيمان بالله رب العالمين وعمّقه حبّ هذا الدين ومعرفته. ولا يتم بالمنصب والمال، فليس ذلك مورده ولا سنده، ولا يأتي من بابه، بل بالارتباط الوثيق بالله تعالى، يمتلىء القلب المؤمن به ليثمر عملا صادقا صالحا وماء من العين صافيا، ولا تقبل صدقة من ريّ بل بطاعة الله تعالى والعمل على رضاه بشرعه. وانظر إلى ما عمله، وقدمه، وبلغه عموم الصحابة الكرام «١» .
فصدق التوجّه في الإيمان قوة تفتّق كل شيء خيرا وهو مختوم، وتفجر الينابيع الثرة، وكانت مغلقة، وتنبت كل طاقة فاضلة غائبة أو موقوفة،
_________________
(١) (أباطحها) وأعذق إذخرها، وانتشر سلمها، وأرغل (أسلب) ثمامها. فقال ﷺ: «حسبك يا أصيل لا تحزنا، لا تشوقنا، ويها يا أصيل دع القلوب تقر» . الاستيعاب (١/ ١٣٦) رقم (١٣٩) . أسد الغابة (١/ ١٢١)، رقم (١٩٢) . الإصابة (١/ ٥٣)، رقم (٢١٥) . وأخرج البخاري (٢/ ٦٦٧، رقم ١٧٩٠، ٣/ ١٤٢٨، أرقام: ٣٧١١، ١٠٥٧، ٢٧٢٩، ٥/ ٢١٤١، أرقام ٥٣٣٠، ٢١٤٨، ٥٣٥٣، ٢٣٤٣، ٦٠١١) أنه كان بلال الحبشي في المدينة يتشوق إلى مكة يرفع صوته مكررا: ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلة بواد وحولي إذخر وجليل وهل أردن يوما مياه مجنة وهل يبدون لي شامة وطفيل انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٥٨٩) (الخشني ٢/ ٢٧٢- ٢٧٣)، سير أعلام النبلاء (١/ ٣٥٤) . «مجنّة»: موضع ماء قرب مكة أسفلها، قرب عكاظ، كان به سوق باسمه، «شامة» و«طفيل»: جبلان قرب مكة. معجم البلدان (٣/ ٣١٥) . «الإذخر»: نبات طيب الرائحة. «الجليل» و«الثّمام»: نوع من النبات.
(٢) مرت أمثلة متعددة، انظر مثلا: أعلاه، ١٨، ٩٣، ٩٦ وبعدها.
[ ٣٤٦ ]
تقيم البناء، وتربو الحياة بنصر الله وتأييده، يتوجّه إلى الله يرجوه القبول.
أحزان قلبي لا تزول حتى أبلّغ بالقبول
وأرى كتابي باليمين وتقرّ عيني بالرّسول
فكم من مجاهد سعى يبحث متلهّفا عن الشهادة حثيثا فرزقها، أمنية عزيزة ألذ من شهد، وأحفل من زفاف. وشهيد استعد لها، وتمنّاها، ووجد ريحها، وتمنى أن يعود، ويقتل فيعود، ويقتل فيعود، كانت ثيابه كفنا قصيرا لا تغطيه مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب: ٢٣] .
وكم من عين رخص ماؤها، وأخرى ذهب بصرها في سبيل الله، وجزء من بدن مجاهد ترك في ميدان المعركة بعيدة، سابقة صاحبها إلى الجنة، وجسد كثرت فيه الطعان تجاوزت جروحه العشرات يغبطه فيها ومنها، السليم المصاب.
إنها بيعة دائمة، وعهود قائمة.
فانظروا ماذا صنع خبيب، وماذا طلب قبل الموت «١»: الصلاة.
وعمر بن الخطاب يوم طعن عمّ سأل: عن الصلاة «٢» .
هجروا كل شيء، وهاجروا إلى الله، باعوها (النفس) له، وبايعوا عليها. أقبلوا عليه بخلوص وصفاء، ملك عليهم الحياة، وتخلوا عن كل ما عداه، من منصب ومال وزعامة وجاه، إذ لا حياة ولا جاه إلا بالإسلام، وكانت لهم النّصرة والنفرة في كل الأحوال.
* الإقبال خفافا وثقالا:
ذكر عن أحدهم أنه قال: وافيت المقداد بن الأسود- فارس رسول الله
_________________
(١) انظر: أعلاه، ص ١٠٤، ٣٠١.
(٢) أخبار عمر (٤٠٥) .
[ ٣٤٧ ]
ﷺ- جالسا على تابوت (صندوق) من توابيت الصيارفة، وقد فضل عنها من عظمه: أريد الغزو، فقلت له: قد أعذر الله إليك، فقال: أبت علينا سورة البعوث (التوبة) انْفِرُوا خِفافًا وَثِقالًا [التوبة: ٤١] «١» . وفهم أن ذلك محفوف بالأهوال خفّت وبذل المال، وتقديم الأنفس إحقاقا له، وإعلاء لشأنه، نساء ورجالا، شيبا وأطفالا. وكان هذا أمنية «٢» يسعون إليها، ويضرعون إلى الله في تحقيقها في كل طور، وما أكثر الأمثلة «٣» !
هبّت نفوس أحياها الإيمان، وأشرقت جوانبها، وأضاءت جوانحها بالهداية، فباعت نفسها لله، وبايعت على الطاعة والفداء تتحرك بشرعه تدور مع القرآن حيث دار «٤»، ولا تخاف في الله لومة لائم «٥» .
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا «٦»
وتقدّموا على الطريق يحملونه بأرواحهم، ويغسلونه بدمائهم شهداء، يتمنون على الله أن يعادوا لمثله «٧» . وانظر ماذا فعل ثابت بن قيس سيد الخزرج «٨» في حرب اليمامة تحنط وتكفن وخطب في المسلمين حتى أثخنته
_________________
(١) وكما يقول الله ﷿ من قائل في سورة النساء (٧١): يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُباتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا.
(٢) حياة الصحابة (١/ ٤٥٧، ٢/ ١٠٩، ٣٨٩) .
(٣) انظر: أعلاه.
(٤) معنى حديث شريف. انظر: موضوع أبي بصير الذي كان ينشد: الحمد لله العلي الأكبر من ينصر الله فسوف ينصر
(٥) من الآية الكريمة: سورة المائدة (٥٤) .
(٦) البخاري، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق، رقم (٣٨٧٣- ٣٨٧٤/ ٤) .
(٧) أخرجه البخاري، أرقام (٢٦٤٢- ٢٦٤٦) . مسلم، رقم (١٨٧٧) . انظر: رياض الصالحين، (٥٠٤)، رقم (١٣١١) .
(٨) سيد الخزرج، وحامل راية الأنصار، وخطيب الأنصار. انظر: الاستيعاب (١/ ٢٠٠)، رقم (٢٥٠) . أسد الغابة (١/ ٢٧٥)، رقم (٥٦٩) . الإصابة (١/ ١٩٥)، رقم (٩٠٤) . البداية والنهاية (٦/ ٣٣٥) . سير أعلام النبلاء (١/ ٣١٠- ٣١١) . حياة الصحابة (١/ ٥٣٥، ٥٣٧، ٢/ ٣٦٧) . الأعلام (٢/ ٩٨) .
[ ٣٤٨ ]
الجراح، فذهب شهيدا، وفاز بالشهادة.
عجيب ذلك الجيل الكريم، وما تلاه من أجيال سارت على الدرب المنير، وكذا الآن وفي كل آن والمستقبل ما دامت تقتديه وتفتديه، تعلّقت بالله وعبدته بشرعه وعملت لرضاه، أملا وعملا، بنت الحياة منيرة معمورة متعالية منصورة «١» .
إذا حلّ الإيمان قلب إنسان كانت له بذلك ولادة جديدة رشيدة، وبيعة العقبة طليعة أهل النصرة.
ثم كانت الهجرة لتغرس على الطريق أزاهير المسك فوّاحة، بأقدامهم القوية خلال خطواتهم السّارة البارّة.
هجروا الموطن وما فيه وهو عزيز، ولاحتضانه البيت العتيق، من أجل الدعوة إلى دار الهجرة، إشارة إلى أن موطن المسلم حيث تكون دعوته، وتقوم دولته وأهله وقومه؛ الذين يعيشون فيه بها وله، فهم إخوانه والمعسكر الذي ينتمي إليه، وهم فئته وأمته من دون الناس، وسماعها ذكر اسم الله تعالى.
هاجروا إلى المدينة أرسالا وفي أحدها مجموعة فيها عمر بن الخطاب، وسالم «٢» مولى أبي حذيفة، كان يؤمّهم لأنه أحفظهم للقرآن. وفيه قال عمر: (لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيا لوليته) «٣» (يعني: الخلافة) .
_________________
(١) وهذا نجده في كل العصور واضحا، والشواهد على ذلك كثيرة، وكثيرة جدا.
(٢) أخرجه البخاري، كتاب: فضائل الصحابة، باب: مقدم النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، رقم (٣٧٠٩- ٣٧١٠، ٣/ ١٤٢٨، ١٣٧٢) . كتاب: الجماعة والإمامة، باب: إمامة العبد والمولى، رقم (٦٦٠) (١/ ٢٤٦) . سير أعلام النبلاء (١/ ١٦٨- ١٦٩) . حياة الصحابة (١/ ٣٤٤، ٥٣٥، ٣/ ٩٦) . «أرسالا» (مفردها: رسل): بعضهم في إثر بعض، تفسير القرطبي (٢/ ١٣١) .
(٣) أسد الغابة (٢/ ٣٠٧)، رقم (١٨٩٢) . سير أعلام النبلاء (١/ ١٧٠) . أخبار عمر (٤١٢) .
[ ٣٤٩ ]
حتى جاء موكب الهادي المدينة مهلّلة مكبرة «١» .
طلع البدر علينا من ثنيّات الوداع
وجب الشّكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
جئت شرّفت المدينة مرحبا يا خير داع
فالتقى أهل الهجرة بأهل النصرة أخوّة في الله وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ما أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣) يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الأنفال: ٦٢- ٦٤] . ذلك الجيل الفريد تربّى على مائدة القرآن وسيرة الرسول الكريم ﷺ، وكذلك حين يفعل أي جيل. وانظر إلى ما صنعوا هم وغيرهم ممن أتى بعدهم، وكلهم كانوا كذلك ويكونون بعون الله تعالى، وعلى مدار التاريخ. فهذا سعد بن معاذ، وموقفه العظيم في بدر والخندق وفي الحياة الإسلامية كلها «٢»، وتعرّف إلى أي أحد منهم تجد في حياته عجبا، وقمة سامقة، ونموذجا باهرا.
أظهرت الهجرة- مثل غيرها من الأحداث الكثيرة الوفيرة- قوة الإيمان التي لا تقاس بالقوة المادية. وإن الله ينصر عبده، ويبعث له جنده، حتى ليقوم القليل منهم بما يواجه بهم الجيش الجليل، كما جرى في الغار والمعارك والفتوحات «٣» .
* لقاء الهجرة والنّصرة:
ووصل الركب الكريم مدينة النور والحبور «٤»، واجتمع المهاجرون
_________________
(١) تخريج الدلالات السمعية (٧٦١) . البداية والنهاية (٣/ ١٩٧) . حياة الصحابة (١/ ٣٤٤) .
(٢) انظر: أعلاه، ١١٩، ١٢٣- ١٣٨، ٢٢١.
(٣) انظر: أعلاه، ص ١٥٠.
(٤) حياة الصحابة (١/ ٣٤٢- ٣٤٤) .
[ ٣٥٠ ]
والأنصار على الأخوّة في الله «١»، وجرت أحداث عجيبة، ودوما كان كذلك، وهكذا يفعل دوما صدق التوجّه إلى الله- إيمانا واحتسابا- ينشئ طاقة جديدة تقوم هي أيضا، قوة تفتق الخير كله، بكل ما لديه، وتأخذ بها إلى قمة عليا، تقيم البناء، وتربو الحياة- بنصر الله وتأييده- متوجهة إلى الله تعالى، وترجو رضاه.
إن الذين حملوا الإسلام، وهاجروا به ونصروه، نراهم نعم القدوة، لا لأنهم أكثر علما- مع أهميته وضرورته- أو خلفوا لنا الكتب، بل لأنهم تربوا على القرآن وسيرة رسول الله ﷺ فأحيا ذلك نفوسهم، وأنار قلوبهم، وملأ كيانهم.
كم هو جيد أن نحتفل بهذه المناسبات، في وقت حاول البعض تشويهها وطمسها ونسيانها، ولكن يجب أن يتجاوز اهتمامنا الاحتفال إلى الإقبال والعمل والإقدام. وكم من أناس وتجمع يحاربون الإسلام، ويحتفلون به، وهم أكثر ضيقا به من أعدائه، يغشونه، ويجهلونه، ويرفضونه.
نريد أن تحتفل به نفوسنا، وتتنوّر به أعمالنا، وتحفل به حياتنا؛ لتقوم الحياة الإسلامية، وترتفع راية شريعته، وتتثبت في الحياة أعلامه.
فالقرن الخامس عشر الأمل- إن شاء الله تعالى- أن يهيئ الله أمر دعوته وينجز ذلك بسنته؛ لتسوس الحياة، وتقيم شؤون الناس على حكمه، وهو أمر كائن إن شاء الله ولا شك فيه بعونه، إن لم يكن بنا فبغيرنا. وسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة: ٥٤]، يحتضنون دينه، وينصرونه. وكل حرب له لا تفيد، فالخير قادم، والحق قائم، والنبع الجديد ماء الحياة سالم، وما يريد الله وصله لا ينقطع أبدا.
_________________
(١) حياة الصحابة (١/ ٣٤٣، ٣٤٤، ٣٨٠) .
[ ٣٥١ ]
إنه دين النصر والانتصار في كل ميدان، والخير فيه وحده. وعدّة النصرة بيع النفس لله رب العالمين إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١١١] .
وانظر إلى صنع الصحابة- نساء ورجالا وأطفالا- في أي موقف، ازدانت بهم المواقف، وازدهرت بهم المواقع، وجملت بهم المواضع.
انظر إلى خبيب وجليبيب وسميّة «١» وغيرهم، وغيرهم كثير.
إن الذين حملوا الإسلام، وهاجروا به، ونصروه، تراهم نعم القدوة لأنهم تربّوا على مائدة القرآن، وعاشوا سيرة رسول الله ﷺ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَدًا ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: ١٠٠] .
فالمرجو لإقامة مثل هذه المناسبات أن تورث آثارا كريمة، تعين على البناء، بمثابة منافذ للنفس وسقيا للروح، تنعشها مباركة، لتنتقل هذه الأحفال بمعانيها إلى النفس الإنسانية ثم الى الحياة.
* واجب الشباب الطلاب:
أيها الأخوة الطلبة- وأستميح الأساتذة الكرام- أن أخصكم أولا ببعض كلمات، حتى لأحسب أنني أتكلم بلسانهم.
إن الشباب- في كل أمة- موئل قوتها، ومركز حركتها، وهذا لا يقلل من شأن من تجاوز هذه المرحلة، وقد عاشوها، فلهم السبق ومعهم التجربة والقيادة.
_________________
(١) انظر: هنا، ص ٢٢٥، ٣٦٠، ٢٩٦.
[ ٣٥٢ ]
أيها الشباب الطلاب: ليس من بديل لهذا الدين عن التمسك والأخذ به والعمل بمنهجه، ففيه الغناء والغنى والتقى والقوة والمنعة والعزة. ولا قيمة لمال أو رفاه أو شباب ومنصب ومكانة بدونه. وجمال تلك الأشياء به، وبدونه تصبح نقما وبه تكون نعما. والعلم والتحصيل- في ظل الإسلام- شيء جدّ كريم، علم الصيانة والديانة.
فلنكن مثالا للشباب المتعلم المتفهم المستقيم، الملتزم بدينه، المتمثل بتعاليمه، العازم على نصرته. فهو يغنيه، وبه يكون التفاضل. وهذه النعم سيسألنا الله عنها، فاغتنموا شبابكم قبل الهرم، كما تحدث الرسول الكريم ﷺ «١» .
ونحن على أبواب قرن هجري جديد، ونرجو أن يكون للإسلام.
وبالإمكان أن يأمل الإنسان، ويتوقع من ذلك خيرا كثيرا، ولكن لا القرون ولا الاحتفال بها وحدها تكفي، وأهمية الزمن تكمن لما يتمّ فيه.
ففي ربع قرن من أول عمر الدعوة الإسلامية تم في الأرض عجبا.
فإذا أردنا أن يكون هذا القرآن يحكم في الأرض، أو أردنا أيّا من الأزمان أن يكون قرنا للإسلام وما بعده، فإن ذلك يتأتّى بتربية النفس على الإيمان، وحملها على الإسلام، وأخذها بشرع الله، إيمانا وتضحية وفداء. عند ذلك سيأتي نصر الله، وإنه لمن المؤمنين قريب، إذا وفّوا التزاماتهم، وأدّوا أماناتهم في أي شيء يشاء، وذلك ماثل إن شاء الله، ولكن- وتلك سنة الله- لا بد من توفر الجند، واحتمال كل جهد، والبذل من أجله.
_________________
(١) حديث شريف تمامه: «اغتنم خمسا قبل خمس، شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» . فتح الباري (١١/ ٢٣٥) .
[ ٣٥٣ ]
* تضحيات فائقة رائقة:
فلا بدّ لهذا الأمر من تضحية تهون عنده الأمور، وتسترخص النفوس، ولا بد من الإقدام والبذل من أجله أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة: ٢١٤] .
في ليلة قدم فارس إلى المدينة المنورة، ودفع باب أحد دورها برمحه، فخرج عليه شابّ دون التاسعة والعشرين من عمره، واستغرب وتعجّب كل منهما من الآخر.
أتدرون من هذا الفارس ومن هذا الشاب العالم؟ هو الأب الذي خرج للجهاد «١» قبل نحو تسع وعشرين سنة، يوم كان الشاب جنينا في بطن أمه.
وتعرفا على بعضهما، ولف الأب ابنه بذراعيه ذراع البطولة، وكان الابن من علماء المدينة يستمع الناس له بشوق.
جاهد الأب في ميدان القتال، وجاهد الابن في ميدان العلم، وكلاهما لحمل الإسلام، وحفظه، ونشره، ذاك يرعاه بسلاحه، وهذا يرعاه بعلمه وفقهه. وكلاهما صفحة لقرطاس حملن أن يكون عند واحد، وعند كليهما عند الآخر «٢»: «وإنّ العلماء ورثة الأنبياء» «٣» .
_________________
(١) فإن «رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة وذروة سنامه الجهاد» . أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. سنن الترمذي (٥/ ١٣)، رقم (٢٦١٦) . كذلك (٤/ ١٥٩)، رقم (١٦٥٨) . ثم انظر: زاد المعاد (٣/ ٨٥، ١١١) .
(٢) الشاب، هو: أبو عثمان ربيعة (ربيعة الرأي، ١٣٦ هـ ٧٥٣ م) بن أبي عبد الرحمن فرّوخ. انظر: وفيات الأعيان، (٢/ ٢٨٨) (٢٣٢) . سير أعلام النبلاء (٦/ ٨٩) . الأعلام (٣/ ١٧) .
(٣) وهذا الجزء من الحديث الشريف بتمامه هو: «إن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورّثوا دينارا ولا درهما إنما ورّثوا العلم، فمن أخذ به أخذ بحظّ وافر» . الترمذي، رقم (٢٦٨٢/ ٥) . كذلك أبو داود، رقم (٣٦٤١/ ٤) . البخاري، كتاب: العلم، باب: العلم قبل القول والعمل.
[ ٣٥٤ ]
إن الأمر جدّ، ينتظم الدنيا والآخرة، فلا بدّ من سلوك الجد في أمر الدنيا والآخرة، ولا بد من التوجه إلى الله تعالى والأخذ بشرعه، ونبذ ما عداه. وإن كل نصر في الحياة وبعد الممات يأتي تاليا بنصرة العقيدة وانتصارها في النفس، ثم يأتي بعدها انتصارها في الحياة.
اللهم اجعلنا من العاملين بشرعك والدّاعين إليك، إيمانا عظيما، والمجاهدين في سبيلك، والحاملين مشاعل دعوتك ونور شريعتك، نحمل رايتها خفاقة، نعليها ونفتديها، واحفظ دينك، وأقم دعوتك دعوة القرآن، بأيدينا وأيدي هذا الجيل، وكل جيل من المسلمين، يمسكون قيادتها نحو الخير والبركة ينبوعا، يبنون مجتمعه المتحضّر، مثابة للناس كافة، ومهوى الأفئدة، وموئلا آمنا كريما لأهل الأرض أجمعين «١» .
اللهم أعزنا بكلمتك، وأعزّها بنا، وانصرنا بدعوتك، وانصرها بنا، وأقم شريعتك الغراء في حياتنا، واجعل مجتمعاتنا له حامية وبانية وحانية، واجعلنا من جنودك المخلصين، وهيئ لنا فرص خدمة هذا الدين، وقوّنا في أداء أمانته، آمين كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) وَلَمَّا بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ قالُوا رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدامَنا وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ [البقرة: ٢٤٩- ٢٥٠] .
_________________
(١) كان هذا المبحث في الأصل كلمة ألقيت بقاعة الاحتفالات الكبرى (كليات البنين) بجامعة الإمارات العربية المتحدة (مدينة العين)، قبل نحو خمسة عشر عاما، بمناسبة الاحتفال بالهجرة النبوية الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- ثم زيدت هنا كثيرا جدا وتعنونت (العناوين الفرعية كافة) وتهامشت (تزويدها بالمصادر والمراجع) . والحمد لله رب العالمين.
[ ٣٥٥ ]
المبحث التاسع حقائق الهجرة (النبوية) ودعائمها
* مناسبات ذات دلالة
* قوة الإسلام ذاتية ربانية أودعها الله تعالى
* التسخير لهذا الدين
* الهجرة حب وحفظ
* النصر حليف الإيمان
* عجائب هذا التاريخ
* الإسلام ارتقاء وشموخ
* الإسلام تعامل وأخلاق
* الإسلام شفاء وبناء
[ ٣٥٧ ]