ولادة الرسول الكريم ﷺ الإرهاص والإشارة الحمد لله رب العالمين؛ الذي أرسل محمدا ﷺ لنا ولأهل الأرض أجمعين، بشيرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه، وسراجا منيرا.
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا [الأحزاب: ٤٥- ٤٦] .
* المولد الميمون: المناسبة والاحتفال:
إنه لجميل حقا جدا- لا سيما في مثل هذا العصر، الذي جهل الكثير من المسلمين من دينهم غير قليل، علما وعملا- أن يلتئم جمع، ويقام حفل «١»، في المناسبات الإسلامية الميمونة المتعددة المتنوعة.
ومنها مولد الرسول الكريم محمد بن عبد الله ﷺ ليتم- من خلالها- التذكير بالمعاني الإسلامية، وتأكيد أبعادها في نفوس المسلمين، ودعوتهم في السير عليها، والأخذ بمضامينها، والعيش بتوجيهاتها، ويلتزمون بها في كل حال، ولا يتفلّتون منها، ولا يتلفّتون إلى أيّ من غيرها مهما كانت.
فليس غير الشريعة الإسلامية تكون أو تصلح لهم- أو لغيرهم- طريقا كريما بارّا، فهم يواصلون المسيرة عليها؛ على الطريق المنير وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣] .
وإنه لمن الممكن اعتبار مولد الرسول الكريم ﷺ أكبر إرهاص مبكّر بقرب نبوته، ولادة اقترنت بها أحداث منبّهة قاطعة، مثل حادثة الفيل، في
_________________
(١) ألقيت- منذ سنوات- في حفل جامعي (جامعة الإمارات)، ثم نقحت ورتبت وزيدت، فتضاعفت.
[ ٢٧٤ ]
العام الذي حمل هذا الاسم، وأضحى تاريخا- عند العرب قبل الإسلام- شهيرا، بحدث غير اعتيادي، استمروا يذكرونه ويتذكرونه مع استعماله وبدونه؛ ولذلك أهمية كبرى، ولعل فيه حكمة. على أن هذا الحدث- ذا السّنة الخارقة- يبقى معروفا ومذكورا، لمن شهده أو سمع به، مثولا في الذاكرة والخاطرة، مثلما لمن كان ناظره. وفيه كانت هذه الولادة الكريمة الميمونة المباركة لأهل الأرض أجمعين.
* مدلول حادثة الفيل:
ويمثل عام الفيل حادثة تعلن بقوة، تحفر في الحياة مشاهد لا تنسى، إشارة تضمّ إلى البشارات السابقة، والإشارات المتنوعة عن الإسلام، وبداية نزول القرآن، وبداية الوحي بهذا الدين، واختيار رسول الله ﷺ ليحمل رسالة الله الخاتمة إلى أهل الأرض أجمعين «١» .
وهذه الحادثة تشير إلى المولد الذي سيحملها، ويحمله من اختاره الله تعالى لذلك، اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ [الأنعام: ١٢٤]، لتشير إلى اقتراب موعد نزول القرآن على محمد ﷺ بعد أن يبلغ الأربعين من عمره الكريم الشريف الأمين، والمبارك الخير الميمون، موعد ولادة الإنسانية الفاضلة على درب الهدى والنور.
فكانت ولادته ﷺ وما جرى فيها، تأكيدا وتذكيرا لأهل الكتاب ولغيرهم، وتقديما مبينا لما مرّ بهم من بشارات أوحى بها الله ﷾ إلى أنبيائهم عليهم الصلاة والسلام- ولغيرهم ممن له بذلك صلة وعلم، لعلهم يعتبرون.
وكانت الولادة الكريمة تنبيها وتقديما مبينا؛ لأهل مكة والجزيرة العربية وغيرهم، لأهمية ذلك، حازمة ولازمة، تصديقا وتوثيقا، مؤشّرا بقرب موعد انبلاج الفجر، وسطوع النور على أهل الأرض أجمعين. كتاب من الله
_________________
(١) انظر: فتح الباري (١/ ٢٢) .
[ ٢٧٥ ]
مبارك مبين، بعث به محمدا ﷺ هاديا ومبلغا وداعيا وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأنعام: ١٥٥] .
* عالمية الدعوة الإسلامية:
فالإسلام دعوة الله ﷾ لأهل الأرض جميعا- بألوانهم وانتما آتهم وولاآتهم- أن يؤمنوا به، ويكونوا من أهله، من بلغه منهم.
وتلك طبيعة هذا الدين، وحقيقته الواضحة، بكل إيحاآته ومدلولاته ودلالاته، فضلا عن آياته إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ (٢٧) لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعالَمِينَ [التكوير: ٢٧- ٢٩] «١» .
بل إن من الجن- حين سمعته- لم تملك إلا أن آمنت به قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا [الجن: ١- ٢] .
إذ تبدأ الإنسانية المسير في الطريق الخير البار، يظلّلها الأمان، فتنجو من الضّياع، وتتجنب الهاوية، وتأمن الخسران، وتستقيم على درب الخير والنور، وحيدا قويما، بعد أن تلوذ في ظل شريعة الله ﷾.
إن الاحتفال بمولده ﷺ باعتبار نبوته ورسالته، وإن هذا المولد الكريم كان علامة مولد جديد للإنسانية؛ ليبدأ عنده موكب الإنسان الجديد؛ بالمسير نحو الخير في الطريق الإنساني الفريد، طريق الله الرحمن الرحيم ﷾. وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣] .
وهذه الجموع المحبّة تحتفل بذلك، ولا نحتفل باعتبار المولد تأريخا تراثيا أو تقاليد، لنا فيها عادات وارتباطات قديمة متناقلة عابرة، ولكن نحتفل به باعتبار المولد الكريم إشارة إلى هذا الحدث: نزول القرآن الكريم
_________________
(١) سورة التكوير من السور المكية المبكرة.
[ ٢٧٦ ]
العظيم ومقدمة له، ودافعا إلى الأخذ بالإسلام عقيدة وشريعة، عبادة وطاعة والتزاما وحركة، ودعوة متجددة حية، ومنهجا فاضلا، وأسلوبا فذا فريدا لكل أمر، يمد بالحياة، ويباركها، ويعليها، ويرفع من شأنها.
إننا كذلك لا نريد من هذه الاحتفالات، أن تكون ميدانا لعروض خطابية، وكلمات تلوكها الألسن، ثم يخرج كلّ ليمارس ما كان عليه؛ في حياته وفكره ونظره وتصوره وعقله وقلبه عن الإسلام.
وسيكون من يفعل ذلك مخدوعا، لو أقنع نفسه ليكون بهذه المثابة، وغرّته كلماته، فصدق لسانه، وترك كيانه.
وهو مخدوع كذلك، ولو حاز الرضا والتزكية من الآخرين: وَما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا [النجم: ٢٨] . ولا يزحزح تبعاته أنملة، ولا يقدمه في مضمار الخير خطوة، بل لا بد أن يرتقي في سلّم الخير، وتتسامى نفسه شيئا فشيئا، أو دفعة تقوم على الحق تأخذ به، وتحميه، ولا يمكن لأحد أن يقوم على الحق أو يحميه إلا بعد أن يقيم نفسه عليه: قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (٣٥) وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ [يونس: ٣٥- ٣٦] .
* السموّ بالاستمرار والاتصال:
وحين تسمو نفس المسلم إلى هذا المستوى وقتها، عندئذ تتفتح أمامه أبواب الخير، من خلال هذه الأحفال وغيرها، وتشرئب إلى هذا الأفق، فتكون بعد ذلك في غنى عن مناسبات تذكّرها، فبين يديه كتاب الله مرجعا يعيش معانيه، صاحبا كريما، وأنيسا حميما، وناصحا أمينا نورا وبصيرة، يسترشده في كل أمر، ويستوضحه في كل شأن، ويستهديه على الدوام.
وما كانت لهذه المناسبات من مكانة، ومعوّل، ومؤمّل، تربّعت عليها بهذا الحجم والمقدار- لا يهمل المسلم مناسبة يفترصها- إلا لفتور وفقر في
[ ٢٧٧ ]
نفوس المسلمين- كثرة منهم- وخواء في أفعالهم وتمسكهم، وإلا فالمسلم يحيا بعقله وقلبه وعقيدته وعبادته وتصوره وسلوكه وكل حياته، مع القرآن الكريم، وهو بين يديه، ميسّر مفسّر واضح موضّح، ومع رسول الله ﷺ وسيرته الشريفة الواضحة، وسنّته العطرة مهيأة جاهزة مدروسة، وهو ﷺ مع علم المسلم القليل وصلته اليسيرة، حيّ في ضميره وقلبه، مثلما هو حيّ في سلوكه. وكيف لا يكون المسلم كذلك وحب رسول الله ﷺ دين، وطاعته عقيدة وعبادة: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [آل عمران: ٣١] .
لا نريد من مسلمة اليوم- في أي بقعة من بقاعهم- أن يكونوا آخر الركب إلماما والتحاقا بدعوة الإسلام؛ التي تتفتح أزاهير أتباعها في مواطن هي لها اليوم، أو محسوبة عليها، وفي مواطن أخرى جديدة كانت لها أو لم تكن إنه دين الله، ومال الإنسانية لا بد إليه.
كما لا نريد أن يكون إسلام مسلمة اليوم باهتا أو نائما أو غائبا، إذ سيوقفهم الله، ويسألهم عن كل ذلك، ويجزيهم بما يستحقون: وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [الصافات: ٢٤] .
ولا يصحّ أن يكتفي المسلم بإسلامه، اسما وموطنا وتأريخا، أو لا يكون ولاؤه الكامل له في كل الأمور، فهو يأخذ من هنا وهناك، في كل أحواله، أو لا يرتبط بالإسلام إلا في دوائر ضيقة، يمدّ يده إلى تيارات أخرى يعبّ من مجاريها.
فهو كمن يعاف الحلال الطيب في داره إلى جنبه، ليبحث على اللحم الحرام.
وكمن يملك خزائن المال الحلال، ثم يأكل السحت الحرام وبه يقتات، من أكله الربا وألوان المحرمات والمظالم والاحتيال «١» الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ [البقرة: ٢٧٥] .
_________________
(١) قد سبقت الإشارة لهذا المعنى مع زيادة.
[ ٢٧٨ ]
فالإسلام هو الحصن الحصين، ومنه وحده نستمد التقنين في كل الأمور، وعلى شريعته نبني الحياة الخيرة المتحضرة وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠] فكيف نتّجه إلى من كان علينا أن نؤويه ونهديه؛ بإذن الله ﷾، إلى شريعته الغراء البيضاء النقية، والنبي ﷺ يقول: «أحبّ الدين إلى الله الحنيفيّة السّمحة» «١» .
ويحي على ساسة القانون ويحهم على جهود أضاعوها وما وجدوا
وبين أيديهم القرآن يوردهم أسمى المناهج والأحكام لو وردوا
* صورة مضيئة يهبها الإيمان:
لقد وهب الإيمان بهذا الدين، بكليته وبأعماق المسلم وكيانه، حياة جديدة، أطلقت يده في الحياة سيدا فاضلا يرعاها، ويا بني عمرانها، ويحقق إنسانيته، ارتفاعا بها، وإعلاء لشأنها، وإضاءة لطاقاتها، فكان أحدهم ويكون به على الدوام- عجيبا في كل نواحي الحياة. اللهم اجعلنا منهم، بعونك ولطفك ومنّك.
ولقد طفحت صفحات الحياة الإسلامية صورا، ما كانت لأمة غيرها، وما عرفتها- ولن تعرفها- أية حضارة أخرى. وهي ما زالت، وستبقى نابضة بالحياة نبوضها بطبيعة البناء الذي قامت عليه، وتتغذاه على الدوام.
وهنا نضع واحدة من تلك الأحاديث المضيئة تروي معاني الخير، رسمت في مشهد فاضل مضيء تنادي وتندب وتدعو وتقود وتدفع وتحرك بقوة إلى هذا السلوك.
_________________
(١) رواه البخاري: كتاب الإيمان، باب الدين يسر. انظر: أسد الغابة (١/ ٨٨) . سير أعلام النبلاء (١/ ١٥٨) .
[ ٢٧٩ ]
* السّهمي في بلاط كسرى:
ولقد سمعت في الهجرة الشريفة «١» جزآ من قصة ذلك الأعرابي الذي وطئت قدماه بلاط الروم عبد الله بن حذافة السّهمي «٢» (نحو ٣٣ هـ) الذي وطئ كذلك بلاط كسرى، حيث أرسله رسول الله ﷺ إلى إمبراطور الدولة الفارسية كسرى أبرويز (خسرو الثاني) «٣» بن هرمز بن أنوشيروان، برسالة يدعوه فيها إلى الإسلام، وهذا نصّها:
«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس: سلام على من اتّبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد ألاإله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله.
وأدعوك بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة، لأنذر لِيُنْذِرَ مَنْ كانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكافِرِينَ [يس: ٧٠] .
فأسلم تسلم فإن أبيت فإنّ إثم المجوس عليك» «٤» .
حملها ابن حذافة حتى وصل بها بلاط الفرس. وحين دخل ابن حذافة هذا، بشملته الرقيقة، وعباءته الصفيقة؛ إلى بلاط كسرى ذي الفخفخة والأبّهة والزهوّ المترف المتأله، كان ابن حذافة بإيمانه- الذي تقدم به، ورفعه مكانة عالية، استصغرت كل ذلك- أكبر من كل الجاهليات ومن كل الجبابرة، وأكبر من كل بلاط، مهما كانت فخامته وضخامته، وتجبر بجيشه وحاشيته وحرسه، وبدا في أبّهته وفخفخته، بترفه وطغيانه المتأله المبهور المغرور، مثلما استقر عليه حال بلاط كسرى، لكن ابن حذافة كان أقوى من
_________________
(١) انظر: أدناه، ٢٩٩. والإشارة هنا حسب ترتيب الإلقاء يومها.
(٢) سير أعلام النبلاء (٢/ ١١) . الاستيعاب (٣/ ٨٨٨) . أسد الغابة (٣/ ٢١١- ٢١٢) .
(٣) زاد المعاد (١/ ١٢١) . السيرة النبوية، الندوي (٢٥٦) . الاستيعاب (٣/ ٨٨٩) . أسد الغابة (٣/ ٢١٢) .
(٤) رواه البخاري: أرقام (٦٤) (٢٧٨١) (٤١٦٢) (٦٨٣٦) . ومسلم: رقم (١٧٧٤) . انظر: مجموعة الوثائق السياسية (١٤٠) .
[ ٢٨٠ ]
كل ذلك؛ لأنه امتلأ بالإسلام، واتصل بالله، مصدر العزة والقوة والهداية وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلكِنَّ الْمُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ [المنافقون:
٨] .
كان ابن حذافة عالي الهامة، مشدود القامة، تملأ نفسه معاني الإيمان، وتعليه حياة وكلمات الإسلام، ورفض أن يسلّم الرسالة إلّا لكسرى نفسه، يدا بيد، تنفيذا لأمر رسول الله ﷺ، إلى كسرى نفسه؛ الذي أبى أولا، كبرياء وجهالة، إلا بوسيط، لكنه استجاب أمام الإصرار.
وما أن قرئت له سطورها الأولى حتى غضب واستشاط، لكنه استمعها كاملة، ومزّق رسالة رسول الله ﷺ راميا إياها في وجه ابن حذافة، وأسمعه كلمات التهديد والوعيد الأجوف الأضعف المنهوك «١» .
وعاد ابن حذافة مسرعا إلى رسول الله ﷺ يحمل هذا الخبر، فلم يزد رسول الله ﷺ أن قال: «مزّق الله ملكه» . وفي رواية: «اللهم مزّق ملكه» «٢» .
معجزة نبوية شاهدة:
هذا مشهد من مشاهد تلك الحادثة، لكن المشهد الثاني فيها يبهرك ويبدهك ويفجؤك، ذلك أنّ كسرى بطغيانه وضلاله وجاهليته لم ير أنه من الممكن أن يدعوه أحد إلى حقّ، أو يسمعه كلمة العدل، أو يقدم له صيغة أو
_________________
(١) ككل متجبر ضللّيل وغشوم مستهتر متأله ومغرور كفور، نعوذ بالله تعالى مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسابِ [غافر: ٢٧] .
(٢) انظر: البخاري، كتاب: المغازي، باب: كتاب النبي ﷺ إلى كسرى وقيصر، رقم (٤١٦٢) . المسند (١/ ٢٤٣، ٣٠٥) (قديمة)، رقم (٢١٨٤ و٢٧٨٠/ ٤) (جديدة) . زاد المعاد (١/ ١٢١) . سير أعلام النبلاء (٢/ ١١- ١٢) . الاستيعاب (٣/ ٨٨٨) . أسد الغابة (٣/ ٢١١- ٢١٢) .
[ ٢٨١ ]
صبغة صدق، إذ قد أعلن ألوهيته أو كاد، وأطاعه الناس الذين أضلّهم، مثلما فعل ويفعل أمثاله. وقد حكى الله ﷾ في القرآن المجيد عن فرعون مثل ذلك، فقال عز من قائل: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْمًا فاسِقِينَ [الزخرف: ٥٤] .
فكتب في الحال إلى ملك اليمن باذان، عامله هناك، أن يرسل إلى محمد ﷺ من يأتيه به أسيرا مقيدا. فأطاعه باذان، وأرسل هذا في الحال وزيره مع أخيه إلى المدينة المنورة؛ ليقودا- في زعمهم- رسول الله ﷺ كيما يحضره أمام كسرى ليحاسبه ويعاقبه، في زعمه!!!
وكذلك الطغاة الذين أحلّوا أنفسهم في العباد مقام الألوهية والاستبداد، وجعلوا رغباتهم وأهواءهم وأوامرهم بديل مقام شريعة الله، واستلبوا حق الحاكمية في أرض الله؛ التي لا تكون إلا لله رب العالمين، فاعتدوا على سلطان الله، وتحكّموا في رقاب خلقه. ولقد قصّ الله ﷾ علينا من ذلك في القرآن الكريم أكثر من مثال، والأمثلة كثيرة ووفيرة جدا.
كان النصر في تلك المواجهات لجند الله، فالله تعالى لا يتخلى عن جنده، وهو معهم يرعاهم بعنايته ونصره، بعد ما أخذوا بشرعه وأمره.
ولما وصل رسولا باذان إلى المدينة المنورة طلب إليهما رسول الله ﷺ أن يمكثا فيها يوما أو أكثر، وهكذا كأني برسول الله ﷺ يفعل ذلك ليبلّغهم دعوة الله، ويدعوهم إلى رسالته السامية الخالدة، ويعلمهم إياها، يرونها خلقا وسلوكا، مثلما يسمعونها كلمات تنفرج عنها الشفاه.
ثم أخبرهما ﷺ بمعجزة، وربما في نفس اللحظة التي تمّت فيها تلك الحادثة أو قريبا منها، فأخبرهما ﷺ بأنه في هذه الليلة- وكانت ليلة الثلاثاء لعشر ليال مضين من جمادى الآخرة من السنة السابعة للهجرة، بعد غروب الشمس بست ساعات «١» - قتل كسرى أبرويز بيد ابنه شيرويه (قباز)، فدهشا
_________________
(١) السيرة النبوية، ابن كثير (٣/ ٥١٠) . السيرة النبوية، الندوي (٢٥٦- ٢٥٧) . السيرة
[ ٢٨٢ ]
بهذا الخبر، وحملاه إلى الملك باذان، ورأيا- وفد باذان- أن تنفيذ ما أراده كسرى أخرف من خرافة، أو خرافة الخرافة.
فعادا بهذا الخبر في رسالة حمّلهما إياها رسول الله ﷺ وهما ما يكادان يصدّقان، فأنهيا به إلى باذان الذي كان يتطلع إلى معرفة رسول الله ﷺ وأخباره، ويبحث صدق دعوته، فجاءه، وفاجأه الدليل.
يالله! إنها لمعجزة تدعوهم وأمثالهم ليعيدوا النظر في مواقفهم، لا سيما إذا سلمت الفطر- ولو بعض السلامة- من التهتك والتحطم والتلوث، بل لتزيل ما عليها من صدأ، تطرقها طرقا، تزيل عنها الصدأ، وتثيرها إثارة تبهرها، تحكها وتدفعها إلى الإدراك، تستدرك ما فات وتلتزم الطريق، طريق الله المنير وشرعه الجديد الفريد.
وبينما هم يتعجبون ويستنطقون، إذا ببريد فارس يأتي إلى باذان لينهي إليهم الخبر كاملا بمقتل كسرى أبرويز على يد ابنه، مثلما كان مدونا في رسالة رسول الله ﷺ وبنفس التحديدات التي فاه بها ﵊، فأسلم باذان والعديد ممن معه ومنهم أخته وأفراد كثيرون من أسرته.
وهكذا إذا ظنّ الضالون والظالمون والطغاة والعتاة والمتألهون والجبابرة المنكرون أنهم قادرون على دين الله وجند الله، يأتيهم أمر الله وقضاؤه من حيث لا يحتسبون ولا يظنون، ويأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فلا يفلت أحد من قبضته، وهو مصير الطغاة في كل حين. فليحتفظ وليتيقظ كل أحد، وطريق التوبة مفتوح لمن أراد.
فليكن الاحتفال بمولد رسول الله ﷺ احتفال النفوس باستقبال حياة جديدة والسير على طريق الإسلام، حثيثا قويا ملتزما واعيا متفهما جريئا مصمما شجاعا باذلا، متمثلا لشرع الله وَاللَّهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [يونس: ٢٥] .
_________________
(١) النبوية، أبو شهبة (٢/ ٣٦٠- ٣٦١) .
[ ٢٨٣ ]
والحمد لله رب العالمين، وصلّى الله على سيدنا محمد الهادي الأمين، ونرجو الله تعالى أن يأخذ بأيدينا إلى سواء السبيل، ويجعلنا من جنود محمد ﷺ الأمين آمين آمين.
[ ٢٨٤ ]
المبحث السادس الهجرة النبوية بين الفداء والبناء
* مؤشرات ومبشرات
* محنة ومنحة
* من الجاهلية إلى الإسلام
* العزيمة وقيام الحياة الإسلامية
* فطنة المسلم وتضحيته
* النور وراء الظلمة
* عجائب الإسلام وفرائده
* هذه أخلاق القرآن
* تعدد دروب النفس
* الهجرة والأخذ بالأسباب
* لقاء الهجرة والنّصرة
[ ٢٨٥ ]
الهجرة النبوية بين الفداء والبناء الحمد لله رب العالمين الهادي الرحيم «١»، أرسل النبي الخاتم رحمة مهداة، فالصلاة والسلام على هذا الرسول الأمين، صاحب الهجرة، وحامل لواء الدعوة، ومبلغ الرسالة الإلهية إلى أهل الأرض أجمعين. فتح الله به آذانا صمّا، وعيونا عميا، وقلوبا غلفا «٢»، فكانوا الهداة، وكانوا الرعاة، وكانوا الدعاة، وخير أمة أخرجت للناس، بما عملت بشرع الله، فاجعلنا اللهم منهم بعونك ولطفك.
إنه لسنة حسنة أن تحتفل جامعتنا بهذه المناسبة الإسلامية الكريمة، ذات الدّلالة الرائعة المتفردة- كأخوات لها كثيرات- نبتت في جو الإسلام، وارتوين به، واستمددن سمته وصبغته صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عابِدُونَ [البقرة: ١٣٨] .
والمرجو أن تمتد هذه السّنّة لتحتضن كلّ المناسبات الإسلامية، متعالية ومتجاوزة حدود الرسمية إلى الذاتية الخيرة، اعتزازا بها، وفرحا بوقتها، واحتفالا بمناسبتها.
_________________
(١) ألقيت في قاعة الاحتفالات الكبرى بكليات البنين بجامعة الإمارات، بمناسبة الاحتفال بالهجرة النبوية الشريفة- على صاحبها الصلاة والسلام- ربيع النبوي (الأول) سنة ١٣٩٩ هـ (١٩٧٩ م) . وألقيت مرة أخرى، في كليات الطالبات- في نفس الموسم- بعد تغيير يناسب مخاطبة المرأة؛ ولذلك فالأمثلة كثيرة، منها ما تخص المرأة، ثم أدمجت الصيغتان- لتقدم هنا- بعد تنقيح وتحسين وزيادات وإضافة الهوامش والعناوين الفرعية.
(٢) مقتبس من حديث أخرجه البخاري: كتاب: البيوع، باب: كراهية السخب في السوق، رقم (٢٠١٨) . وكتاب التفسير، باب إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا [الأحزاب: ٤٥]، رقم (٤٥٥٨) وقد سبق ذكره آنفا، أعلاه، ص ٢١.
[ ٢٨٦ ]
وهذا يجعلها تسمو على مجرد حفل ينفضّ بعد حين، واجتماع ينتهي في ساعات. بل المرجو أن يمضي أثره- إن شاء الله- لليوم والغد، لهنا وهناك، ندخر به عند الله أجرا وذخرا يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [الشعراء: ٨٨- ٨٩] .
فلا تتحول الهجرة وأمثالها إلى مناسبات تذكر، أو احتفالات تقام، أو كلمات تلقى. فليس الإسلام شعارات ترفع، أو عبارات تسمع، ولا شيء بعد ذلك. وبه يكون حجة علينا أمام الله، ومسؤوليتنا في الجامعة أكبر
مسؤولية الجامعة- ككل- باعتبارها أداة توجيه، ومسؤولية كلّ فرد فيها باعتبار موقفه وموقعه ومكنته. بل لا بد من استنبات بذوره- وبشكل مطرد- ورعاية شجره، ليأتينا بيانع ثمره. وعندها سنقول: يا ريح الإيمان هبّي، خيرا وبركة ونعمة، وفتوحا في كل ميدان، وتقدما كريما فريدا، وهجرة إلى الله وطاعة.
وعلى هذا الأساس سيكون لهذا الاحتفال، والاحتفالات الإسلامية الآخرى، مدلول يجعل اهتمامنا بها جيدا، يفوق أية مناسبة أخرى. وعندها سوف لا يقف الأمر بحدودها، بل ستتّسع هذه السنّة لتتبنى كل قضية إسلامية والمعاني الإسلامية، في كل اتجاه. والجودة: أن تسير الجامعة- بأركانها- على هذا الطريق، يكون لها طابعا ودليلا وهاديا. وعندها لا تكون هذه المناسبات الرافد الوحيد لإمداد المسلم في حياته، والتامه في أجوائها متعطرا بالإسلام، وإلا فإن آثاره تنتهي عما قريب، ليبقى حالنا ماثلا بانتظار مثيله.
لقد آن الأوان، لمن تعلق بصاحب الهجرة﵊- وبنيها وأتباعها، ليجعلهم أسوة وقدوة، بقيادة رسول الله ﷺ. وحقيقة التعلق بصاحب الهجرة، اتخاذه أسوة، فهو قائدنا، ولا قيادة قبلها ولا بعدها ولا غيرها، فإننا نحتفل بالرسول الكريم ﷺ وصحبه، شعورا منّا بالارتباط بهم، وذلك يحثنا على السير في الطريق الذي ساروه.
[ ٢٨٧ ]
والهجرة والاحتفال بها، موسم إسلامي، جرى التنازل عن كثير من معانيها، فنزلت حالنا عن آفاقها، لكن الخير كل الخير في الأخذ بمنهج الإسلام وحده، واتّباع نبيه الكريم ﷺ وأمته الربانية المؤمنة إلى يوم القيامة.
ومثل هذا الاحتفال محطة وواحة؛ للترميم والمداواة والتجديد والترشيد في كافة الأحوال، تركن إليها كلما تكشف غطاء الحنين، واقتربت تقتبس الضياء، وأحست شدّتها اللاهثة عطشا فلا ماء، إلّا من هذا المورد الصافي الزلال الأصيل، لكن متى تأتي هذه الأمة لترتوي فتصح، وتسمو، فتفلح؟
وكان رسول الله ﷺ ينادي في المواسم قائلا: «أيها الناس! قولوا لا إله إلا الله تفلحوا» «١» . فالفلاح في الدارين، بهذا الدين وحده؛ لتكون كل حياتها خضرة نضرة، تعمر الدنيا والآخرة، وتفوز برضوان الله والجنة.
ليست الهجرة الشريفة حدثا ظاهريا، ولا قضية منقطعة؛ لظاهرة مبتورة، فهي فداء وعطاء كانت إحدى ثمار مقدمات ومقومات، هي التي فعلت، فكانت الهجرة التي استجاب المسلمون لأمرها سراعا، بحب وفرح، ولو طلب منهم أيّ شيء لتنافسوا في تقديمه.
والاتجاه في الهجرة هو الاتجاه الإسلامي في تناول الأمور، القائم على الإيمان والحب والفداء، والأخذ بكل الأسباب- سنّة الله تعالى- معتمدين عليه سبحانه. وبه قامت دولة الإسلام الأولى وما تلاها وما بعدها، والفتوحات الإسلامية وحضارتها. ووصلنا الإسلام؛ الذي قصرنا فيه، ولعل الكثير من الأسباب والنتائج والآثار معروفة ومشهودة واضحة.
وحين يكون احتفالنا بهذه الصفة الصافية، متجهين بالنية إلى الله، فهو عبادة، ولا نحتاج إلى زيادة في التحضير والإنفاق، غير اتجاه القلب إلى الله ليتم لنا ذلك إن شاء الله تعالى.
_________________
(١) سبق ذكره. انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٤٢٣) . حياة الصحابة (١/ ٩٨، ١٠٧) .
[ ٢٨٨ ]