الهجرة قائمة ودائمة أحمد الله إليكم، وأصلّي، وأسلم على رسوله الأمين وآله وصحبه والتابعين كلهم أجمعين إلى يوم الدين «١» .
* مناسبات وأحفال:
إنه لنشوة ومسرة، أن يلتئم هذا الجمع ليستمع، أو يكتب أحد ليقرأ الآخرون، وينتظم مجلس يتداول بكل مناسبة إسلامية، وقضية ذات علاقة بهذا الدين. وجميل كذلك أن يحتفل المسلمون بمناسبة عالية المكانة، كريمة الموضع، لا بدّ أن تكون فيها- وفي أمثالها- من الرعاية الحقة، ما تفوق أية مناسبة احتفال أو استقبال.
يرى المتكلم- في هذه الاحتفالات- وجوها مشرقة بالخير، آملة بالنصر، طافحة بالبشر. والسّنّة يتعطّر حديثها بنفح كريم، يخاطبها، ويكتب لها، ويحادثها، ويتعاهد على خدمة هذا الدين. فهو لقاء شوق وحديث حب ودود، مهما تباين الأسلوب.
وحتى ولو لم تجدوا في حضوركم واستماعكم والقراءة، زيادة علم أو معرفة، فلا يجعلكم ذلك تندمون عليه، فلا تثريب كبير. وللإنسان منافذ وأوعية كثيرة، منها وعاء العلم. لكن هناك أوعية أخرى تمتلئ وتشحن
_________________
(١) ألقيت بمناسبة الهجرة النبوية الشريفة يوم الجمعة (٢٦/ ١٢/ ١٣٩٩ هـ ١٦/ ١١/ ١٩٧٩ م)، في الإمارات، أربع مرات- تكررت- بعد المرة الأولى، في جامعة الإمارات في أكثر من جهة ومكان، بنفس العنوان وبصيغ متنوعة، وجمعت وأدمجت في هذا المبحث الحالي، بعد التنقيح والتحسين والزيادات، أما الحواشي والعناوين الفرعية فكلها زيادات جديدة مضافة، يتقدم هذا الكلام قبل أكثر من ثماني عشرة سنة، وفضلت إبقاءه على حاله، لمناسبته وجوّه ووضعه.
[ ٣١٨ ]
بثماره وبعوامل متدفقة من الإيمان والمحبة والعاطفة، وهي بحاجة إلى امتلاء لزاما ودواما، في كل حال.
* بين العلم والعمل:
ومثل هذا اللقاء يجدّد تحريك المعرفة؛ لتكون عاملة بما توفر من علم، يكفي ليكون صاحبها عاملا، والمسلم يزداد علما، ويكون بالعمل له الأجر، ويتحقق القصد.
فسعي المسلم إلى الصلاة بالمسجد يكسبه الأجر؛ للمعاني المتنوعة في ذلك، غير مقتصرة على علم. وكثرة منا اليوم بحاجة إلى العمل أكثر منه إلى العلم، وما لديه من علم يكفيه لعمل أكثر، فالعلم حجة علينا، وهو دليلنا، يقودنا إلى الأخذ بالإسلام، وليس من فائدة إن لم يكن هذا من ثماره.
فلا بد من علم يقود إلى الله في كل أمر، ويوجّه إليه في كل حال، ولاء واهتداء، في الغيب والشهادة والذكر والعبادة والتفكير والتعبير والسعي والجهاد والعلم والاجتهاد.
* الجيل المسلم والسيرة:
وهكذا كان الجيل المسلم؛ الذي أقام الحياة الإسلامية على أرض الله، وهو أمر مطالب به المسلمون في كل زمان ومكان، وإلا فهم مقصّرون، وذلك واضح في سيرة الرسول ﷺ، في الهجرة وغير الهجرة، حيث ارتبطت كلها بخيط واحد، مبدؤه ومنتهاه وما بينهما، متصل بالله وشرعه المنير.
والسيرة الشريفة مستودع، أودعها الله حقيقة الإسلام، وصورة شريعته، وسر هذا الدين، يجد الناس فيها سيرة الإنسان المثال والصورة الكمال؛ لكل الأمم والأجيال، للقائد والجندي وللرجال والنساء والأطفال، والشيوخ والشباب، في السلم والحرب، والفرد والأسرة، والمجتمع والدولة، في الهجرة والنصرة. والمرأة المسلمة مكانها معروف.
[ ٣١٩ ]
* الهجرة والدولة:
لقد أقامت الهجرة دولة في مبتدأ تاريخ الإسلام؛ الذي قام منذ نحو أكثر من ألف وأربعمئة عام، حيث بداية التاريخ الإسلامي، وقامت دولته بكليتها، تحمل راية الحق، فواجهت صراعا في كل ميدان وهجمات من كل اتجاه ومكائد بكل لون، كان بعضها كافيا لسحق الدولة الإسلامية، وحضارتها الفريدة، وتفتيت كيانها، لولا- بعد عون الله- قوة البناء الإسلامي لمجتمعه الكريم، وحضارته الفذة، وبنيته المكينة.
واليوم يقف المسلمون في وجه ذلك كله، ولا خلافة- أو ما يماثلها- في الأرض، تحملهم وتحميهم، ولا مجتمع يضمهم، يحتكم بكليته إلى الله، ويؤول لشرعه. وهذا لون آخر من الدروس.
إن قوة وقوف أي تجمع إسلامي ليس مقتصرا- فحسب- حين تقوم الحياة الإسلامية، وتكون لها دولة، بل بغيرها أو بدونها أيضا. فهو الذي يسعى ليقيم الحياة الإسلامية ودولتها، ويعلي الراية في مجتمع ترفرف عليه، خضراء نضرة. ولا بدّ من مسعى لإقامة المجتمع المسلم الذي قام أولا في تاريخ الإسلام ثمرة لتلك الهجرة، هجرة إلى الله تعالى، منذ أول يوم التحق المسلم فيه بموكب الإيمان.
* الهجرات الثلاث:
فكانت هجرات ثلاث «١»: الهجرة إلى الحبشة «٢»، وهي الوجهة
_________________
(١) يعدّ كاتب هذه السطور- منذ مدة- بحثا لكتابة ودراسة هذا الموضوع (الهجرات الثلاث)، وأسأل الله ﷾ العون.
(٢) كانت هجرة الحبشة- وهي أول هجرة في الإسلام- في نهاية السنة الخامسة للبعثة النبوية الشريفة، أو بداية السادسة منها. وهجرة الحبشة هجرتان أو مرتان. هاجر أولا عدد قليل، نحو ستة عشر مسلما، بينهم أربع نسوة (رجب السنة الخامسة من البعثة النبوية الشريفة) . وجعل رسول الله ﷺ عثمان بن مظعون أميرهم. ثم عادوا كلهم أو بعضهم، ومنهم من لم يذهب للهجرة إليها ثانية (سيرة ابن هشام، ١/ ٣٢٢- ٣٢٣) . وهاجروا ثانية مع آخرين. بلغ عدد جميع من هاجر هذه المرة- نساء ورجالا- نحو مئة أو يزيدون. وهذا يعني أن أكثر المسلمين- حتى ذلك الوقت- هاجروا إلى الحبشة. وكانت لهم هناك أحداث ومواقف. وعادوا مجموعات في أوقات، بعضهم إلى مكة- قبل الهجرة إلى المدينة، وهم الأكثر، على ما يبدو- وآخرون إلى المدينة (حياة الصحابة، ١/ ٣٥٧)، وعلى مراحل متباعدة. وكان آخرهم عودة جعفر بن أبي طالب مع آخرين- بعد فتح خيبر في السنة السابعة للهجرة (زاد المعاد، ١/ ١٠٢) . أما جعفر فقد استشهد في معركة مؤتة السنة الثامنة للهجرة. وكان قد عاد مع هؤلاء أبو موسى الأشعري- ومن كان معه- حيث قد هاجروا من اليمن إلى الحبشة. وهذه القضية فيها غموض واختلاف في المصادر، بحاجة إلى متابعة وتجلية، ولكن ابن قيم الجوزية يلقي عليها ضوآ جيدا (زاد المعاد، ٣/ ٢٨. وانظر: حياة الصحابة، ١/ ٣٥٧) . ومن المهم- وهو مطلوب- تحديد المدينة التي لجأ إليها المسلمون في هذه الهجرة، وفيها كانت مقابلاتهم للنجاشي (أصحمة) الذي أسلم. أخرجه البخاري، كتاب: فضائل الصحابة، باب: هجرة الحبشة، رقم (٣٦٥٩) وبعده. وهل هذا النجاشي هو نفسه الذي كتب إليه الرسول ﷺ كتابا يدعوه إلى الإسلام، وبعث بالكتاب- في السنة السابعة للهجرة- مع عمرو بن أمية الضّمري (زاد المعاد، ٣/ ٦٨٩)، بعد صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة؟! ويبدو هذا الأمر مضطربا في بعض المصادر، فلا وضوح في أن الذي لجأ إليه المسلمون غير الذي بعث إليه الرسول ﷺ عمرو بن أمية الضمري بعد الحديبية بكتابه يدعوه إلى الإسلام، وكذلك إن كان هو نفسه. فيفهم من العديد أنهما نجاشيان (البداية والنهاية، ٤/ ٢٦٢. السيرة النبوية، الندوي، ٢٥٥- ٢٦٥. إمتاع الأسماع، ١/ ٢٠، ٣٠٨) . لكن يبدو من استعراض الأحداث، والنظر في ماجرياتها (مجرياتها) والاطلاع على رسائل رسول الله ﷺ وجوابات النجاشي له (مجموعة الوثائق، ٤٣، ٩٩، ١٠٧)، إن النجاشي (أصحمة أو أصحم) الذي لجأ إليه المسلمون هو نفسه الذي كتب إليه رسول الله ﷺ بعد الحديبية كتابا حمله عمرو بن أمية الضمري يدعوه إلى الإسلام. وموضوع الحبشة- مقرّ هجرة المسلمين- بحاجة إلى بحث مجتهد أصيل، أرجو الله تعالى أن يهيئ له. عن هجرة المسلمين إلى الحبشة راجع كذلك: التفسير (١/ ٢٨- ٣٣) . سيرة ابن هشام (١/ ٣٤٤) (الخشني، ١/ ٣٩٧) . البداية والنهاية
[ ٣٢٠ ]
الأولى، ولم يكن فيها رسول الله ﷺ. وحين سأله عثمان بن عفان ﵁ «١» عن ذلك قال ﷺ: «أنتم مهاجرون إلى الله وإليّ» «٢» . وهذا هو المعنى الدائم للهجرة، وكان جواب عثمان: فحسبنا الله يا رسول الله!
ثم كانت هجرة الطائف «٣»، هاجرها رسول الله ﷺ وحده. كانت بحثا
_________________
(١) (٣/ ٦٦- ٩٥) . الفصول في سيرة الرسول ﷺ (٩٩) . زاد المعاد (٣/ ٢٣) وبعدها (٥١٥) . سيرة الذهبي (١٨٣) . إمتاع الأسماع (١/ ٢٠) . مجموعة الوثائق السياسية (٤٣، ٩٩- ١٠٧) .
(٢) كان عثمان بن عفان ﵁ أول المهاجرين إلى الحبشة، ومعه امرأته رقية﵂- بنت رسول الله ﷺ. وهي الهجرة الأولى إلى الحبشة، وأول هجرة في الإسلام، في رجب السنة الخامسة للبعثة النبوية الشريفة. وعادوا إلى مكة مع المهاجرين الآخرين جميعا في شوال منها (سيرة ابن هشام، ١/ ٣٤٤ الخشني، ١/ ٣٩٧. البداية والنهاية ٣/ ٦٦. حياة الصحابة، ١/ ٣٤٦) . وربما لم يعودوا جميعا (إمتاع الأسماع، ١/ ٢١) . ثم كانت الهجرة الثانية التي ذهب فيها بعض من هاجر الأولى (فرجع من رجع منهم، ومكث آخرون بمكة، وخرج آخرون من المسلمين إلى أرض الحبشة، وهي الهجرة الثانية) . البداية والنهاية (٣/ ٦٧) . والظاهر: أن عثمان وزوجته رقية ﵄ لم يكونا فيها، وهذا غير واضح عند ابن إسحاق، ولا من المصادر التي توفرت لي. ويفهم- من ابن إسحاق- أن عثمان وزوجته ﵄ هاجرا الهجرة الثانية، ولكن لا يبدو ذلك راجحا. بل إن ابن إسحاق يتناول موضوع الهجرة إلى الحبشة على أنها هجرة واحدة، تتابع المسلمون إليها على مجموعتين منفصلتين.
(٣) هذا الحديث الشريف نقلته من أحد المصادر، لكني لم أجده في المتوفّر لي حاليا. وعن موضوع الهجرة ومعانيها وأمثلة منها انظر: باب الهجرة (والنصرة) في كتاب: حياة الصحابة (١/ ٣٣٥- ٣٧٣) .
(٤) كانت هجرة الطائف في السنة العاشرة للبعثة النبوية الشريفة، بعد انتهاء المقاطعة وموت أبي طالب، وبعده بأيام قليلة موت خديجة﵂- (سيرة ابن هشام، ١/ ٤١٦. البداية والنهاية، ٣/ ١٢٢، ١٢٧. الفصول في سيرة الرسول ﷺ، ١٠٥) . وقبل الإسراء والمعراج (البداية والنهاية، ٣/ ١٠٨) . ذهب ﷺ أو هاجر إلى الطائف، بصحبة زيد بن حارثة ﵁. وبقي فيها عشرة أيام يدعو الناس إلى دين الإسلام، فلم يؤمن منهم أحد، ولم يلق من أهلها غير الصدّ والكيد، ورموه ﷺ
[ ٣٢٢ ]
عن أرض جديدة للإسلام، وقوم آخرين يدعون إليه. ودوما يشق الإسلام مسالك؛ لتتقدم دعوته، وتنتشر، ويدخلها الناس محبين.
ثم الهجرة الثالثة الكبرى إلى المدينة المنورة؛ التي أقامت مجتمع الإسلام ودولة الإسلام، واستعد لها المسلمون؛ ليتمّ الله أمره، وينصر دينه، وهي في علم الله كائنة قبل أن تكون.
اتخذ لها رسول الله ﷺ والمسلمون كل الأسباب جرى كل ذلك مع الاستسلام الكامل لأمر الله وشرعه والركون إليه والأمل بنصره، وهكذا أقامت الهجرة الدولة. والهجرة إلى الله أقامت وتقيم الحياة الإسلامية.
إنّ العدو الخارجي والداخلي أصاب منّا ما أصاب، يوم أصيب المسلمون في تمسّكهم، فليلتفت المسلم إلى هذا بقدر حرصه على انتمائه لهذا الدين الرباني وحده.
* إقامة الحياة الإسلامية:
إن الذين يقيمون المجتمع الإسلامي والحياة الإسلامية ودولتها، هم
_________________
(١) بالحجارة حتى سالت قدماه الشريفتان دما، وأسلم هناك شابّ نصراني اسمه عدّاس (فأكب عدّاس على رسول الله ﷺ يقبّل رأسه ويديه وقدميه) . (حياة الصحابة، ١/ ٢٧٦) . وفيها كان دعاء الرسول ﷺ: «اللهمّ! إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس. يا أرحم الراحمين! أنت ربّ المستضعفين وأنت ربي! إلى من تكلني إلى بعيد يتجهّمني، أم إلى عدو ملّكته أمري؟! إن لم يكن بك عليّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي. أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظّلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن ينزل بي غضبك، أو يحلّ عليّ سخطك. لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» . (زاد المعاد، ١/ ٩٨- ٩٩. السيرة النبوية، الذهبي، ٢٨٥. حياة الصحابة، ١/ ٢٧٧) . وبهذه المناسبة يذكر أن الرسول الكريم ﷺ وهو عائد من الطائف آمن به نفر من الجن. (التفسير، ٦/ ٣٧٢٥- ٣٧٢٦. البداية والنهاية، ٣/ ١٣٧. البخاري، كتاب: التفسير، باب: تفسير سورة الجن، رقم ٤٦٣٧) .
[ ٣٢٣ ]
أولئك الذين يرسمون صورة الإسلام في سلوكهم، ويتمثلونها في حياتهم، ويفتدونها بالنفس رخيصة. يهتفون بهتاف الخلود في كل موطن شديد: (الله أكبر لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)، فتصغر الدّنيا في عيونهم، وينظرون إلى الصّعاب منهزمة، وإلى الطغاة راغمة، مهما كانوا مدججين بالسلاح، وممتلكين للمناصب، ومتسلطين، يتولون الإنسان بالجبروت المتفرعن على خلق الله ﷾.
وكلّ جمع تتركز فيه تلك المعاني الفاضلة الخيرة، تبرز فيه هذه الحقائق، فكما برز في العهد الأول القدوة تبرز على مر التاريخ، ماضيا وحاضرا ومستقبلا.
فكم من مؤمن أوذي في الله بكل طريق، وحورب بكل أسلوب، وتقطّع أوصاله، وتتناثر أشلاؤه، وتستنزف دماؤه وهو يشدو وينشد أناشيد الإسلام أناشيد القوة الفاضلة، والعدل الأمين بكلام الله المبين وَما لَنا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدانا سُبُلَنا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلى ما آذَيْتُمُونا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ [إبراهيم: ١٢] وهكذا يردد المؤمنون الآيات الكريمة، ويتلونها حق تلاوتها، علما وعملا، ويفهمون معانيها وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ [العنكبوت: ٦٩] .
كما كان ينشد السلف، وهكذا يفعل الخلف، آيات من الكتاب المبين، والذكر الحكيم، والطريق المستقيم، وبه الهداية، وفي غيره الغواية. وهكذا فهم الجميع، كلّ المسلمين، دوما مثلما يستلهمون كتاب الله ﷾، وحديث الرسول الكريم ﷺ يتمثلونها، ويتعلمون منها مسالكهم، فهم يستنبطون ويستنبطون من معانيها ومبانيها ما يترسّمون وما يفعلون وما يقولون «١»:
_________________
(١) أخرجه البخاري، كتاب: المغازي، باب: غزوة الخندق وهي الأحزاب، رقم (٣٨٧٨) .
[ ٣٢٤ ]
والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلينا
فأنزلن سكينة علينا وثبّت الأقدام إن لاقينا
إنّ الألى قد بغوا علينا إذا أرادوا فتنة أبينا
* الخلوص الكامل لله:
فكيف يمكن للمسلم أن يدين في صلاته، أو بالعبادة لله شمولا واكتمالا، ويتجه إلى غيره في قوانينه وتفكيره وتصوراته وولائه وإرضائه، ومن يفعل ذلك يكون قد قصر في حق الألوهية، والربوبية لله، والعبودية له ﷾، وذلك واضح في القرآن الكريم «١» .
وحين قدم عديّ بن حاتم «٢» على رسول الله ﷺ ليسلم، فدخل المسجد ورسول الله ﷺ يقرأ في وصف أهل الكتاب قول الله تعالى: اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلهًا واحِدًا لا إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [التوبة: ٣١] . فقال عدي: إنهم لم يعبدوهم! فقال ﷺ: «بلى، إنهم حرّموا عليهم الحلال، وأحلّوا لهم الحرام، فاتبعوهم: فذلك عبادتهم إياهم» «٣» .
فلا يصحّ للمسلم أن يقف من الإسلام ودائرته بعيدا، ويسلك دوما سبيل الضعف، فهؤلاء لا يقيمون الآفاق الإسلامية، ولا دولة الإسلام، ومجتمعه، وحياته، فكيف بمن لم ينكر الباطل قلبه أو والاه وأيده؟!
_________________
(١) انظر: أعلاه، ص ١٣، ١٥، ٢٦٤.
(٢) انظر عن عدي بن حاتم (٦٨ هـ ٦٨٧ م): سير أعلام النبلاء (٣/ ١٦٢) . الإصابة (٢/ ٤٦٨) رقم (٥٤٧٥) . أسد الغابة (٤/ ٨- ١٠) رقم (٣٦٠٥) .
(٣) انظر: تفسير الطبري، (١٠/ ١١٤- ١١٥) . (الجديدة، ١٤/ ٢٠٨- ٢١٣) . تفسير القرطبي (٨/ ١٢٠) . التفسير (٣/ ١٦٤١) . سنن الترمذي (٥/ ٢٥٩) رقم (٣٠٩٥) .
[ ٣٢٥ ]
إنّ الذين أقاموا الحياة الإسلامية، أولئك الذين هاجروا إلى الله هجرة كاملة، هاجرت نفوسهم التي خلّصوها من درن الدنيا، فافتدوا شرع الله بكل شيء، وجاهدوا عمرهم له محتسبين تربعوا أمام القرآن مأدبة الله الإلهية، ويقودهم حادي الإنسانية، وهاديها محمد ﷺ، ويعلمون أنّ الضّياع لمن ارتضى غير كتاب الله منهجا ودستورا وغير رسول الله ﷺ زعيما:
نبيا ورسولا، وهو كذلك.
* الإسلام هجرة وبيعة:
لقد كانت الهجرة بيعة، تجاوزت حد الانتماء الاسمي أو الأرضي، وإن قصة مهاجر أم قيس غير مجهولة «١» . بل حتى التعبد في الصلاة، مع ترك ما عداه يجعل ذلك حجّة على صاحبه ومسؤولا، فلا ينفع المسلم أن يؤدّي صومه وصلاته، ويفي حجّه وزكاته، وليس بعد ذلك من شيء، بل إنّ ثمار ذلك أشياء تجعله أكثر قربا إلى الله، وهجرا لما عداه.
ومن لم يهجر مبادئ الأرض، ويرفض كلّ غير شرع الله لا يمكن أن يهاجر إليه، والرسول ﷺ يقول: «من لم يغز ولم ينو الغزو مات ميتة جاهلية» «٢» .
فلا يمكن أن تكون الهجرة إلى الله، وصاحبها مثقل بالعصيان، ومؤتزر
_________________
(١) سبق ذكره. وهي أن رجلا خطب امرأة اسمها: أم قيس، فرفضته حتى يهاجر، ففعل. فتزوجها فسمّي: مهاجر أم قيس. والحديث الشريف الذي رواه البخاري ومسلم: «إنما الأعمال بالنيات » الذي مر ذكره أعلاه، يبين هذا وأمثاله. وإن الله تعالى يقبل من الأعمال ما كانت النية فيه خالصة له، ليكون العمل، ويقبل ويؤجر صاحبه، وإلا فلا أجر عند الله له به أبدا. انظر: أعلاه، ص ٣١٤.
(٢) أو هذا معناه. نقلته من مصدر لم أجده. لكن أمثاله عدد من الأحاديث. انظر: مسلم، رقم (١٩١٠) . زاد المعاد (٣/ ١١، ٨٦- ٨٧) . رياض الصالحين (٥١٢)، رقم (١٣٤١) .
[ ٣٢٦ ]
بالآثام، وخامل في طريق الالتزام، فإن الله لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم «١»، وفي كل الأحوال.
* الإسلام وطن وقومية:
وتشير الهجرة إلى أن الإسلام لا يعرف وطنا ولا قوما بعينهم، يكون حكرا عليهم، فالقوم في الإسلام هم المسلمون، والوطن فيه الذي ترتفع على قممه شامخات: راية لا إله إلا الله محمد رسول الله، يعمل المسلم على امتدادها حيث استطاع.
ويوم كان الجيش الإسلامي يتجه نحو القسطنطينيّة سنة خمسين للهجرة، وحضرت الوفاة أبا أيوب الأنصاري «٢» كان من وصاته: طلب من
_________________
(١) معنى حديث شريف.
(٢) أبو أيوب الأنصاري: خالد بن زيد (٥١ هـ ٦٧١ م)، من المسلمين السابقين، ومن نجباء الصحابة، ومن أحبّهم إلى رسول الله ﷺ. وهو الذي حرسه- متطوّعا- ليلة بنى بصفية بنت حييّ بن أخطب﵂- (٧ هـ) بعد خيبر (الإصابة، ٤/ ٣٤٦، رقم ٦٥٠. السيرة النبوية، أبو شهبة، ٢/ ٣٨٣. حياة الصحابة، ٢/ ٦٦٣)، بعد أن أسلمت، وطهرت، فأعتقها ﷺ وتزوجها، ﵂. (الإصابة، نفسه. مغازي الواقدي، ٢/ ٧٠٧. الطبقات الكبرى، ٨/ ١٢٠) . وكان أبو أيوب عقبيّا كثير المناقب، شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق والمشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ، وشهد الفتوح. وسكن المدينة ثم انتقل إلى الشام. وضيّف رسول الله ﷺ في داره لما هاجر إلى المدينة، نزل في داره وأقام عنده سبعة أشهر (زاد المعاد، ١/ ١٠٢)، حتى بنى ﷺ حجره ومسجده في نفس السنة. وكان الرسول ﷺ في الطابق الأرضي وأبو أيوب في العلوي، ووجد في ذلك حرجا شديدا. ويوم أهريق ماء في الغرفة، فأخذ أبو أيوب وزوجته ينشّفونه بقطيفة يتبعونه، كيلا يخلص إلى رسول الله ﷺ، فرجاه أن ينتقل إلى فوق. وكان ﷺ يرسل له الطعام، فيضع أصابعه حيث يرى أثر أصابع الرسول الكريم ﷺ (فكنا نصنع طعاما فإذا رد ما بقي منه تيممنا موضع أصابعه، فأكلنا منها نريد البركة) . (حياة الصحابة، ٢/ ٣٢٩) . وآخى الرسول ﷺ بينه وبين مصعب بن عمير. وكان أبو أيوب شجاعا صابرا تقيا قويا أبيا محبا للغزو والجهاد، ولزم الجهاد حتى
[ ٣٢٧ ]
المسلمين، وقائدهم حمل جثته- بعد الوفاة- إلى داخل أرض الروم ما استطاعوا، ليدفنوه هناك، ثم ليعملوا على فتح تلك الأرض، ففعلوا.
فدفنوه عند القسطنطينية «١» . ولشدة عشقه للجهاد، وخدمة الإسلام أراد أن يحيا مجاهدا، ويموت شهيدا، ويستمرّ أثره في الجهاد، لا سيما حين أحسّ بالموت خارج المعركة.
_________________
(١) وفاته. ومما يتردد ذكر أبي أيوب حول تصحيح فهم هذه الآية الكريمة وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: ١٩٥] . وتفسيره بأن الإلقاء باليد إلى التهلكة هو بترك الجهاد (حياة الصحابة، ١/ ٤٧٠- ٤٧١. زاد المعاد، ٣/ ٨٧- ٨٨) . وذلك في إحدى غزواته إلى الروم. والظاهر أنها في غزوة بحرية إلى أرض الروم، غير التي توفي فيها (حياة الصحابة، ١/ ٤٧١) . روى عن النبي ﷺ، وروى عنه العديد من الصحابة والتابعين، وله مئة وخمسة وخمسين حديثا (الأعلام، ٢/ ٢٩٥) . ولزم الجهاد، وحرص عليه بعد النبي ﷺ وبقي مجاهدا حتى مات في غزاة القسطنطينية (٥١ هـ) التي قادها يزيد بن معاوية في خلافة أبيه. ومرض أبو أيوب فعاده يزيد، وسأله حاجته، فقال: حاجتي إذا أنا متّ فأركب واحملوني، فإذا صاففتم العدو (والمسلمون معه)، ثم سغ بي في أرض العدو ما وجدت مساغا، فإذا لم تجد مساغا فادفني تحت أقدامكم حيث تلقون العدو. (حياة الصحابة، ١/ ٤٥٨- ٤٥٩)، ففعلوا. (انظر: الإصابة، ١/ ٤٠٥، رقم ٢١٦٣. الاستيعاب، ١/ ٤٠٣) . ودفنوه عند سورها، ليعمل المسلمون على فتح ذلك المكان. وتم هذا أيام العثمانيين (٨٥٧ هـ ١٤٥٣ م)، حيث فتحت القسطنطينية- عاصمة الدولة البيزنطية- في خلافة محمد (الثاني) الفاتح، وسميت إسطنبول (إسلام بول مدينة الإسلام)، وهي من أهم مدن تركيا الحالية، حيث بنى الفاتح في ذلك الموضع مسجدا عند قبره، وهو اليوم من مساجد تركيا الشهيرة بتاريخها ومعمارها، حيث يرقد الصحابيّ الجليل﵁ وأرضاه-. وحتى اليوم يعتبر مسجد أبي أيوب الأنصاري من معالم إسطنبول المعمارية الجميلة، فرضي الله عن أبي أيوب الأنصاري، وأرضاه.
(٢) انظر: حياة الصحابة (١/ ٤٥٨) . كأنه يريد حثّ المسلمين على الوصول إلى مكان قبره، وفتح تلك المنطقة، والحمد لله قد تم ذلك، وغدت بلدا مسلما، وتلك المدينة عاصمة لقرون.
[ ٣٢٨ ]
ولتربية المسلمين على هذا المعنى كان كل ذلك بينهم معروفا، وبه تأسّى سميّ أبي أيوب: خالد بن الوليد «١»، حين مات على فراشه، واعتبر ذلك موتة الجبناء «٢» .
فالمسلم معناه أن يسعى حثيثا لخدمة الإسلام- وهو كل حياته- حتى لو اقتضى أن يموت شهيدا، يا بني الأحداث، وينيرها بهذا الدين، لا يتخلف عنه بل يعشقه، ويسعى إليه. والمسلم يقيم أموره كلها على الإسلام، باتّساق وانسجام. وهذا ما كان في التربية التي قادت إلى الهجرة، قامت بالانقياد إلى شرع الله ﷾.
أيها المؤمنون! فلنمض في الطريق إلى الله، مهاجرين إليه بشرعه، هاجرين لكل فكرة وخلقية وزعامة غير الإسلام ومنهجه وغير رسول الله ﷺ
_________________
(١) خالد بن الوليد (٢١ هـ ٦٤٢ م)، أسلم سنة (٧ هـ) فسرّ به رسول الله ﷺ وسمّاه: سيف الله. وهو فارس الإسلام الشهير، وقائد المجاهدين. (انظر: البخاري، فضائل الصحابة، باب: مناقب خالد بن الوليد ﵁، رقم ٣٥٤٧. الإصابة (١/ ٤٠٣) رقم (٢٢٠١) . الاستيعاب (١/ ٤٠٥) . سير أعلام النبلاء (١/ ٣٦٦) . الوافي بالوفيات (١٣/ ٢٦٤) . البداية والنهاية (٧/ ١١٣) . شذرات الذهب (١/ ١٧٤) . حياة الصحابة (١/ ٤٥٥) . الأعلام (٢/ ٣٠٠) وأعلاه، ص ١٧٩- ١٨١.
(٢) وكان خالد بن الوليد ﵁ دائم الرغبة في الجهاد (حياة الصحابة، ١/ ٤٥٥. البداية والنهاية، ٧/ ١١٣. سير أعلام النبلاء، ١/ ٣٨٢) . وهذا تمام قوله المذكور أعلاه الذي يبيّن هذا الحب لله ولرسوله ﷺ وحب نصرة دينه. وقد تربّوا على مائدة القرآن الكريم وعلى يدي الرسول ﷺ، وفي ذلك المجتمع الإسلامي الرصين البناء. (ولما حضرت خالد بن الوليد الوفاة، قال: لقد شهدت مئة زحف أو زهاءها وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم، ثم ها أنا ذا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء) . (الاستيعاب، ١/ ٤٠٩. سير أعلام النبلاء، ١/ ٣٨٢. حياة الصحابة، ١/ ٥٦٥) . ويقول: (وما من عملي شيء أرجى عندي بعد لا إله إلا الله من ليلة بتّها وأنا متترس والسماء تهلني، وننتظر الصبح حتى نغير على الكفار، إذا أنا متّ فانظروا إلى سلاحي وفرسي فاجعلوه عدّة في سبيل الله) . (البداية والنهاية، ٧/ ١١٦، سير أعلام النبلاء، ١/ ٣٨١) . وانظر أعلاه، ص ١٧٩- ١٨١.
[ ٣٢٩ ]
نبينا المجتبى، وأسوتنا الحسنة، وحادي الهداية دوما للبشرية أجمعين.
إن الذي كان يسلم- في العهد المكي- يرى ويعرف مقدما ما سيصيبه من عذاب وحرمان، ويغدو أرملا بعد أن يكون أرفلا. وفي العهد المدني يعلم ما يترتب على ذلك، تضحية وإقداما، ورضوا بكله بمحبة جامحة، وسعي حثيث، ورغبة متدفقة، مقبلة، قوية مسرعة أبية.
فموكب الهجرة دائم، حيث تبقى مهاجرا إلى الله، وتموت مهاجرا، مناديا: يا رباه! نداء يجمّل الحياة، وينميها، ويمنحها، ويعطيها، بنظر يرافقه ويناغيه، فلا يصارعه أو يباهيه. فهو ليس في صراع مع الكون والحياة، بل مع الباطل وأهله، يأتي الحق لمواجهته ليزهقه، وليا بني حضارة الإنسان، وينير دربه، ويسدد خطوه.
* الهجرة هجرة ونصرة:
لم تكن الهجرة خطوات لقطع طريق خطر، والنجاح في التخلص من مطارد، للوصول إلى مكان آمن، أو النجاح بانتقال مجموعة، من موطن إلى آخر جديد، إنما هي الخلوص لله والتضحية بالنفس، وكل شيء، من أجل الإسلام، فلولا الهجرة إلى الله لما كانت الهجرة، ولما كانت النصرة، فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ [الحشر: ٢] .
وإذا تلاقت الهجرة والنصرة، فالكل في نصرة، والكل في هجرة.
وأدرك أولئك أنه لا بد أن يكون للإسلام وطن، وللشريعة سكن، فكان مرة، ولا بدّ أن تكون له الكرة، إن شاء الله.
ولعل القرن الخامس عشر يمثل باب الهجرة إن شاء الله، فيكون القرن الرابع عشر أشبه بالعهد المكي، والقرن الخامس بالعهد المدني، نبني به الحياة الإسلامية، ومجتمع الإسلام، وقيام آماله.
فهي هجرة: بين- من وإلى- حياة الجهاد والمجاهدة والاصطراع، إلى قرن تقوم فيه خلافة الإسلام ودولة الإسلام، إن شاء الله تعالى وبعونه ومنّه،
[ ٣٣٠ ]
فهي تماثل بالمعنى الأساس لكل هجرة، يقوم بها الذين هاجروا إلى الله تعالى على الدوام.
فهذا مصعب بن عمير «١»، زين شباب أهل مكة، جمالا ودلالا ونعمة وقوة وفتوة وعبثا ولهوا وغنى وزهوا، مضرب المثل بما يلبس، ويتزين، ويتطيّب كذلك تماما.
وحين أسلم حرمه أهله من كل ذلك، وقاوموه، فاستغنى، واستعالى،
_________________
(١) مصعب بن عمير (٣ هـ ٦٢٥ م) القرشي، مصعب الخير: صحابي، شجاع، من السابقين إلى الإسلام. ولما أسلم حاربه أهله، وحرموه من غناهم. واحتمل كل ذلك راضيا قويا أبيا. هاجر إلى الحبشة، وعاد إلى مكة، ثم هاجر إلى المدينة. وكان أول من قدم إليها من المسلمين مع ابن أم مكتوم (عنه انظر: أعلاه) . وكانا يقرئان القرآن (البخاري، فضائل الصحابة، باب: مقدم النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، رقم ٣٧٠٩- ٣٧١٠) . فهو السيد الشهيد السابق البدري، وحامل لواء المسلمين يوم معركة بدر ويوم أحد، واستشهد فيها، وهو يدافع عن رسول الله ﷺ (حياة الصحابة، ١/ ٥٩٥) . قال البراء بن عازب: أول من قدم علينا من المهاجرين مصعب بن عمير، ثم قدم علينا ابن أم مكتوم الأعمى ﵁. ثم قدم علينا عمر بن الخطاب ﵁ في عشرين راكبا. فقلنا له: ما فعل رسول الله ﷺ؟ فقال: هو مكانه، وأصحابه على أثري. ثم أتانا بعده عمرو بن أم مكتوم أخو بني فهر الأعمى. وقال خباب: (هاجرنا مع رسول الله ﷺ، ونحن نبتغي وجه الله، فوقع أجرنا على الله، فمنا من مضى لسبيله لم يأكل من أجره شيئا، منهم: مصعب بن عمير قتل يوم أحد، ولم يترك إلا نمرة، كنا إذا غطّينا رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا رجليه بدا رأسه، فقال رسول الله ﷺ: «غطوا رأسه، واجعلوا على رجليه من الإذخر»، ومنا من أينعت له ثمرته فهو يهدبها) . وذكر أنه حين أتي عبد الرحمن بن عوف بطعام بكى، وقال: (قتل حمزة، فلم يوجد ما يكفن فيه إلا ثوبا واحدا، وقتل مصعب بن عمير فلم يوجد ما يكفن فيه إلا ثوبا واحدا، لقد خشيت أن يكون عجّلت لنا طيباتنا في حياتنا الدنيا) . وجعل يبكي. «النمرة»: بردة من صوف. «الإذخر»: نبت معروف طيب الرائحة يبيض إذا يبس. «يهدبها»: يجتنيها. (سير أعلام النبلاء ١/ ١٤٥- ١٤٧. كذلك: الاستيعاب، ٣/ ٤٦٨. الإصابة، ٣/ ٤٢١ رقم ٨٠٠٢. حياة الصحابة، ٢/ ٢٦٧. البداية والنهاية، ٤/ ٣٣. الأعلام، ٧/ ٢٤٨) .
[ ٣٣١ ]
واستغلى. وهو بالإسلام أغنى وأعلى وأغلى، فرضي به مسرورا، وعاش فقيرا، من ذلك محروما.
وكان من المهاجرين إلى الحبشة في المرتين، والمهاجر الأول إلى المدينة المنورة، ومعلّم القرآن إلى أهلها.
اختاره رسول الله ﷺ لذلك، واشترك في الأحداث والمعارك، وكان حامل لواء المسلمين في بدر وفي أحد، قطعت يده اليمنى، فحملها باليسرى، وقطعت فاحتضنها، ثم استشهد وهو لا يملك شيئا من الدنيا؛ حتى ولا بردا، يغطّي جسمه كله، فإذا سحبوه على رأسه ظهرت رجله، وإذا غطيت رجله تكشف وجهه، وجه الجهاد على أرض الجهاد، مهاجرا إلى الله في الحياة وحتى الممات «١» .
وحين أطل رسول الله ﷺ يتفقد الشهداء رأى مصعبا، فقال: «لقد رأيتك بمكة وما بها أحد أرقّ حلّة، ولا أحسن لمّة منك، ثم أنت شعث الرأس في بردة» «٢» .
نقول هذا لكل مسلم، وللشباب خاصة، ليسلكوا هذا المسلك في حياة الإنسان المسلم العزيز الحر الكريم الرباني الوضئ.
* الحق قادم بأهله:
فأين لي بأولئك الذين لا يتقدم عندهم حبّ على حبّ الله ورسوله، لا يحبون إلا الله، ولا يوالون إلا من والى الله ووالى رسوله ﷺ، ويكرهون أن يحيوا خارج الإسلام ولو لحظات «٣» . والحرق بالنار والضرب بالأحجار
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١/ ١٤٦) . حياة الصحابة (١/ ١١٦، ١٨٧- ١٩٠) . سيرة ابن هشام (١/ ٤٣٤- ٤٣٨، ٦١٢، ٦٤٥- ٦٤٦، ٣/ ٩٨، ١٤٩) .
(٢) سبق ذكره، انظر: إمتاع الأسماع (١/ ١٦٢) . انظر أعلاه، ١١٧- ١٢٠.
(٣) انظر ما قاله وفعله الصحابي الجليل: عبد الله بن حذافة السهمي، حين أسرته الروم. انظر: أعلاه، ص ٢٩٩.
[ ٣٣٢ ]
والتعليق على الأشجار والتغريق في البحار أهون عليهم، وأطيب إليهم.
وهم قادمون إن شاء الله تعالى ليقيموا الحياة الإنسانية.
فمن تكن كلمات الله حجّته فلن يهاب من الدنيا وما فيها
إنني ألمحهم في الآفاق من حولنا والبقاع في كل مكان، يتنادون بالإسلام، مستعدين للتضحية في سبيل الله، وقد جرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا [الأحزاب: ٢٣] .
وفي الماضي بدأ الإسلام غريبا «١» ثم انتشر، فكانت الهجرة ثم كانت الدولة والخلافة، رعت الجهاد، وحملت الراية، واستمر الإسلام في الامتداد، وما زال اليوم، بعد ذهاب الخلافة، يمتد وحده رغم كل ما يرصد له على أيدي الأعداء، وما أكثرهم.
ولكن ما تزال لهذا الدين جولات وصولات وأدوار يؤديها في تاريخ البشرية، ظاهرا بإذن الله على الدين كله وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ
_________________
(١) من حديث شريف. وتمامه: (رواه عبد الله بن مسعود وأبو هريرة وعوف بن مالك)، قالوا: قال رسول الله ﷺ: «بدأ الإسلام غريبا، وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء الذين يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنّتي» . صحيح مسلم، رقم (١٤٥/ ١) . سنن الترمذي، رقم (٢٦٢٩- ٢٦٣٠/ ٥) . جامع الأصول، رقم (٦٢- ٦٣/ ١) . مسند الإمام أحمد (٥/ ٢٩٦) . «طوبى»: من الطيب، وهو من قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨) الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ طُوبى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ [الرعد: ٢٨- ٢٩] . «تطمئن» واطمأنت: سكنت واستأنست بتوحيد الله تعالى فتطمئن، وهم يذكرونه ويطيعونه قولا وعملا في كل حال. «طوبى»: على وزن كبرى، من طاب يطيب، للتفخيم والتعظيم. «وحسن ماب»: حسن منقلب ومرجع، أي: وحسن ماب إلى الله تعالى الذي أنابوا إليه، ودانوا في الحياة الدنيا. تفسير الطبري (١٣/ ١٤٥) وبعدها. تفسير القرطبي (٩/ ٣١٤) وبعدها. التفسير (٤/ ٢٠٥٩) وبعدها.
[ ٣٣٣ ]
دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ [النور: ٥٥] .
وذلك لوعد الله الذي لا يقف في وجهه كيد الكائدين ولا قوة المضلين يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٨) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ [الصف: ٨- ٩] .
وإنه لوعد حق، منجز، منصور، مكتوب: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥] . فالحمد لله على نعمه، وأكبرها كلها نعمة هذا الدين العظيم، وصلّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.
كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [المجادلة: ٢١] .
[ ٣٣٤ ]
المبحث الثامن الهجرة (النبوية) بيع وبيعة
* بداية وافتتاح
* الإسلام كبرى النعم
* ولادة الإنسان الجديد
* دعوة اليقظة والارتقاء
* تقدم الركب الميمون
* حمل الراية المباركة
* ذلك الجيل الفريد
* قوة التضحية والفداء
* الإقبال خفافا وثقالا
* لقاء الهجرة والنصرة
* واجب الشباب الطلاب
* تضحيات فائقة رائقة
[ ٣٣٥ ]