وفي هذه المناسبة يتاح المجال لزيادة المعرفة أو الجديد فيها، ولا تخلو إن شاء الله- من تجديد بعض ما هرم وشاب في مثل هذه الأجواء. وهي أحد أعيادنا الكثيرة، نحتفل بها لما فيها من حكمة ومعنى، نرجو الفائدة منها متنوعة، نرمم ونداوي ونعالج ونجدد ونقيم ونبني بشحنات (شحن) الإيمان الصافي الزلال القوي الأبيّ الفعال، كيما يأتي- بعد المخاض- المولود الجديد، ويتجدد القديم؛ لجعل مولد التحرك والاتصال أصيلا يستمد من المصدر، من منهج الله تعالى، وشرعه المبارك الميمون. وهو أمر يدعو إلى قيام التربية والتوجيه عليه.
وإنه لشرف كبير أن نقوم جميعا بكل ذلك، وإنه لموقف مشرّف كريم، ونحن اليوم نقف في أعقاب عام ذهب ودّعناه، وأبواب عام جديد استقبلناه، ونحن كذلك الآن على أعتاب قرن هجري جديد، نودّع القرن الرابع عشر الهجري لنستقبل تاليه.
* مؤشرات ومبشرات:
هذا القرن الذاهب تميّز بأمرين مهمين، فيما يتعلق بالإسلام: نكبات ودعوات. نكبات أصيب بها المسلمون كما لم يصابوا في غيره، من ذهاب دولتهم، وإبعاد عن الحياة شريعتهم، وتوزعهم إلى شعوب مقطعة الأوصال، افترست نفوس أبنائها وأفكارهم، زاد مسموم، واستبدت بهم رياح هوجاء، تكاد تسقطهم في هاوية سحيقة.
إن المسلم- كما تعلمنا من الصحابة الكرام- يرفض الموضوعات الأرضية، ولا يخدعه بريقها، والهالات التي حولها، والأضواء المحيطة بها، ولا ترديه المبادئ الوضعية، مهما تمكنت من بطشه، وتحكمت في عيشه، أو أحكمت من أمره ترهيبا، أو ألهته بشراسة أو أطعمته من الترهات، أو فتنته، وخدعته ترغيبا. وهو- من باب أولى- لا يجعل من هذه الأجواء له مثالا. وأية استجابة لذلك تنتج بعدا عن الإسلام.
[ ٢٨٩ ]
وإن التربية على العيش مع القرآن الكريم ومع سيرة رسول الله ﷺ ولو بدون حفظ النصوص- رغم أهميتها، وهي على العاشق سهلة ميسورة، يندفع لها- تجعل المسلم في حرز حصين، أمينا في السير على الدرب الأمين.
ولكم نزلت نكبات بالأمة المسلمة: أمة محمد ﷺ، وا أسفاه على أمة محمد، وكم وجدنا من يلوّح لها رافعا غير كتاب الله، فيا حوبتاه! فجاءتها وفاجأتها وفجعتها المصائب والهزائم والمناكر، فيا ضيعتاه!
نكبات: كان الأمر سيكون أشد وأبعد وأنكد لولا أن الله تعالى لطف في ظاهرة هذا القرن الثانية، وهو وعده الكريم، أن يقيّض لهذا الدين- في أرجاء العالم الإسلامي الوسيع- دعاة افتدوه بكل ما يملكون، استمدوا كيانهم من الإسلام، وحياتهم من حياته، وصدروا عن منبعه، ووردوا مشربه، على طريق أولئك الصحب الكرام؛ الذين كانت كل حياتهم جهادا مضيئا على الدوام.
وبذلك كانت الهجرة وكافة الأمجاد، كانوا في كل سعيهم ومعاركهم يتجهون إلى الله، ويعملون لرضاه، ويشتاقون إلى جنته والاستظلال بظله حبا فيه، مع ما هيأ الله في تلك الجنة- للمؤمنين بدعوته- من متع ونعم، هي لهم متاحة مباحة، جزاء وثوابا. كلهم سعوا إلى رضا الله، ونعمة النظر إلى وجهه الكريم وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢- ٢٣] .
فلقد اشتاقوا إلى الجنة، لا إلى أطيارها وأزهارها ولا إلى أنهارها وثمارها فحسب، بل قبل ذلك اشتاقوا أكثر وأكثر إلى رضا الله، في دار المقامة عنده، وصحبة النبي ﷺ وصحبه: ركضا إلى الله بغير زاد، غدا نلقى الأحبة محمدا وصحبه فَآتاهُمُ اللَّهُ ثَوابَ الدُّنْيا وَحُسْنَ ثَوابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ «١» [آل عمران: ١٤٨] .
لم يأت دين الله إلا ليستمر هذا الموكب الفاضل المنير، برعاية الأنبياء
_________________
(١) التفسير (١/ ٤٨٩) .
[ ٢٩٠ ]
والرسل الكرام، وورثه سيدهم وسيدنا رسول الله- عليه وعليهم الصلاة والسلام- حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
* محنة ومنحة:
فكانت الأولى من الظاهرتين في هذا القرن محنة مرعبة، وكانت الثانية منحة مخصبة. الأمل- بفضل الله ووعده- أن تنمو هذه الشجرة لتؤتي ثمارها يانعة في هذا القرن الخامس عشر؛ الذي قد يتم أمر الله فيه؛ في أي مكان من أرض الله. وهي كلها موطن لدعوته، وعلى أيدي أي شعب من شعوبه، أو أمة من أممه. وهم جميعا مكلفون بها، ويسعون بها ولها إذ بلغتهم هذه الدعوة وليست هي على أحد حكرا، والأمل بعون الله أن نحتفل- من مدّ الله في عمره، أو جيل من أجياله بقيام دولة الإسلام- كما نحتفل نحن اليوم بالهجرة التي كانت بداية للتاريخ الإسلامي، بقيام مجتمعه ودولته، راجين الله تعالى مشاهدتها، والتمتع بقيامها.
ولهذا الاقتران مدلول وأي مدلول، يرى الناظر المتبصر ذلك، من خلال الركام. والله إني لأراها سافرة جاهرة باهرة، حتى لو تخلى عنها الناس أجمعين يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ يُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ [المائدة: ٥٤] وذلك مقتضى الإيمان، وهكذا كان الأوائل.
وعرفوا ذلك من أول يوم أنبأ الله نبيه الكريم ﷺ، وقص عليه، وعلى المؤمنين أخبار الرسل والمؤمنين من قبله: قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [البروج: ٤- ٨] فكان ﷺ والمؤمنون في قمة العذاب والإعراض الذي يكفي بعضه- لولا النبوة الكريمة بتأييد الله ومدده وتنزيله- لتوريث النكوص، والإلقاء في اليأس القاتل مدفونا دفينا تحته.
[ ٢٩١ ]
إنها النبوة، وفي كل خطوة من الدعوة- بله المعجزات- عليها دليل، فكانت الأمور عندهم واضحة، ومثالهم رسول الله ﷺ. فمعرفتهم بالطريق ووعوراته ومتطلباته مقننة، والتهيؤ للسير فيه والافتداء بكل شيء، حتى ليغدو كل عزيز في سبيل الله رخيصا، وبذلك قام البناء، وتنزّل الله ﷾ عليهم بالنصر المبين في كل حين.
وهو أمر واضح يقينا وتعيينا، وعلى أساسه كانت الخطى، يشق الموكب طريقه وسط الظلمات الحالكات، لا في مكة وحدها أو الجزيرة، بل في العالم أجمع.
* من الجاهلية إلى الإسلام:
فالجاهلية غائرة متمكنة بظلماتها وانحرافاتها وتعبّدها لغير الله تعالى، في العقيدة والعبادة والحياة. عبّدوا أنفسهم لحجر أو شجر أو بشر، وإن اختصت- بتفاوت الديار- في ألوان من هذه أو تلك. ويقول رسول الله ﷺ:
«إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلا بقايا من أهل الكتاب» «١» .
وفي وسط هذا الضلال الشامل بدأ الزمان يدور باسم الله وبدعوته؛ ليستقر عما قريب على الهيئة والحالة التي أرادها الله لها، ولاستحقاق الخلافة بأرض الله بشرعه الكريم، كان ذلك حين جلجل صوت الوحي بقراءة أول آيات من كتاب الله تنزّل بها الروح الأمين من عند الله تعالى على قلب محمد ﷺ، فكتبت فيه ليبدأ الإشعاع الرباني من غار حراء، وليرتفع بها صوت النبي ﷺ عاليا مدويا في جنبات مكة وطرقاتها، وتردّده أحياؤها، ثم بعد ثلاث سنوات نادى على جبل الصفا بأعلى صوته، امتثالا لأمر الله:
_________________
(١) من حديث شريف، أخرجه مسلم: كتاب: الجنة، باب: الصفة التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة وأهل النار، رقم (٢٨٦٥) . مسند الإمام أحمد (٤/ ١٦٢) .
[ ٢٩٢ ]
فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [الحجر: ٩٤] فناداهم ﷺ: «أيها الناس إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد» «١» .
فأقام النبي ﷺ- والمسلمون في مكة- يرتاد تواجد الأقوام وتجمعاتهم ومجتمعاتهم، في منازلهم ومساكنهم وأسواقهم ومجالسهم ومواسمهم، وكافة مواقعهم، ثلاثة عشر عاما، يحفر في الأرض المصخرة، جرّب كلّ تلك المواقع، وكان يعرض نفسه على كل أحد، يسأل من يؤويه، وينصره
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب: التفسير (الشعراء)، باب: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤]، رقم (٤٤٩٢) . ومسلم، كتاب: الإيمان، باب: في قوله تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء: ٢١٤]، رقم (٢٠٨) . مسند الإمام أحمد (١/ ٢٨١، ٣٠٧) جديدة: (٤/ ٣٢٩، رقم ٢٥٤٤، ٥/ ١٧- ١٨) رقم (٢٨٠١) . والترمذي: التفسير، سورة المسد، رقم (٣٣٦٣) . جامع الأصول (٢/ ٢٨٦)، رقم (٧٣٩) وبعدها. الأساس في السنة (١/ ٢٣٥- ٢٣٩) رقم (٨٧- ٩٠) . حياة الصحابة (١/ ٩١) . سيرة ابن كثير (١/ ٤٥٥- ٤٦٩) . وتكاد كل هذه تورد وتؤيد وتبين أن هذه الحادثة كانت بمناسبة نزول آية (آيات) الشعراء: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ [الشعراء: ٢١٤- ٢١٦] . إلا أنّ ابن إسحاق في سيرته الشهيرة (سيرة ابن هشام) - وهو يقدّم ملخصا جيدا لبدايات الدعوة الإسلامية في عهدها المكي- يبين وكأن آية سورة الحجر [رقم ٩٤- ٩٥] فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤) إِنَّا كَفَيْناكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ نزلت أولا، ثم آيات سورة الشعراء. فيقول ابن إسحاق: (ثم دخل الناس في الإسلام أرسالا من الرجال والنساء، حتى فشا ذكر الإسلام بمكة، وتحدّث به. ثم إن الله ﷿ أمر رسوله ﷺ أن يصدع بما جاءه منه، وأن ينادي الناس بأمره، وأن يدعو إليه؛ وكان بين ما أخفى رسول الله ﷺ أمره، واستتر به إلى أن أمره الله تعالى بإظهار دينه ثلاث سنين- فيما بلغني- من مبعثه؛ ثم قال الله تعالى له: فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، وقال تعالى: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ. (سيرة ابن هشام، ١/ ٢٦٢- ٢٦٣) . وانظر: من معين السيرة (٤٣- ٤٥) . وعلى كل حال فلعلّ هذا الأمر وموقفه قد تكرر، كما يقول البعض. انظر: جامع الأصول (٢/ ٢٨٦- ٢٨٧) (الهامش) . من معين السيرة، نفسه.
[ ٢٩٣ ]
ليبلّغ رسالات ربه سبحانه «١» .
استمر ذلك كله، حتى كانت تباشير الهجرة تدق الطريق، حين بدأ دخول مجموعات من أهل المدينة في هذا الدين، خلال السنوات الأربع الأخيرة من مكوثه ﷺ في مكة، أو التي أسلم من أهلها خلال ذلك نفر قليل، رأوا كل شيء في جنب الله زهيدا. تربّوا جميعا- رجالا ونساء وولدانا، فقراء وأغنياء وعبدان- على ذلك صناعة، وأتقنوه بضاعة، بشكل متفرد في تاريخ الإنسان، تفرّد الإسلام الذي رباهم على شرع الله وعلى يدي رسول الله ﷺ؛ الذي كان أكثرهم تحملا وصبرا. وليس ذلك في العذاب والصدود فحسب، ولكن في الصبر عليه، والأمل بنصر الله من غير حدود.
ألم تروه، متوسّدا برده﵊- في ظل الكعبة، وقد جاءه خبّاب بن الأرتّ «٢» يشكوه- مع آخرين- شدّة العذاب، ليدعو الله للمسلمين بالنّصرة.
يقول خبّاب: أتيت النبي ﷺ وهو متوسّد برده (بردة له) في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدّة، فقلنا له:
يا رسول الله! ألا تستنصر لنا؟! ألا تدعو الله لنا؟! فقعد وهو محمرّ وجهه، فقال: «لقد كان من قبلكم (لقد كان الرجل فيمن قبلكم) يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض (حفرة) فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على (مفرق) رأسه فيشقّ (فيجعل) نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون
_________________
(١) زاد المعاد (٣/ ٤٥) . حياة الصحابة (١/ ٩٨- ١١٠) .
(٢) خباب بن الأرت: كان قينا (حدادا) يعمل السيوف في الجاهلية، ولما جاء الإسلام كان من أوائل من أسلم، فهو قديم الإسلام وممن عذّب كثيرا جدا في الله، وصبر على دينه. وبعد الهجرة إلى المدينة المنورة جاهد جهادا كريما، فهو من المهاجرين الأولين، شهد بدرا وما بعدها من المشاهد (المعارك والغزوات) مع الرسول ﷺ. انظر: الاستيعاب (٢/ ٤٣٧)، رقم (٦٢٨) . أسد الغابة (٢/ ١١٤) رقم (١٤٠٧) . سير أعلام النبلاء (٢/ ٣٢٣) .
[ ٢٩٤ ]
لحمه وعظمه، فما يصدّه (يصرفه) ذلك عن دينه. والله! ليتمّنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» «١» .
وبعد أن يئست قريش من الإغراء والمداراة، وعرض عليه زعماؤها كل ألوان الإغراء: المال والرئاسة والملك «٢»، كانت قريش كل يوم تزداد كبرياء وتعنتا في تعذيب المسلمين، الذي لم يكن القتل أشدّها إيلاما، وكانوا لا يتزحزحون، بالحق- خلال كل ذلك- ينطقون، وتمسكا يزدادون إيمانا.
فمن ضرب وجه حتى ضاعت معالمه، وأبو بكر ﵁ لا يسأل إلا عن رسول الله ﷺ فور ما أفاق «٣»؛ وأتلفت صخور ثقيلة صدور المؤمنين، وتنطلق من أفواههم: أحد أحد «٤»، مدوية قوية، مؤمنة بالله، تغدق عليهم ندى الإيمان، وترشق الكافرين بحمم النيران؛ وسلخت شمس الرمال الحامية ظهور الكثير، وكان الإيمان حجابا رطّب الظهور «٥»؛ ومزقت السياط مشدودا بالحبال «٦»، رجلا مقيدة، وعند الله الجزاء؛ وأطلعت عين مؤمنة بضربة مشرك جلّله صغار العصيان للواحد الديان، فأجاب عثمان بن مظعون متفاخرا معتزا بالله: (والله إن عيني الصحيحة، لفقيرة إلى ما أصاب أختها في سبيل الله) «٧» .
_________________
(١) أخرجه البخاري: أرقام (٣٤١٦، ٣٦٣٩، ٦٥٤٤) . أعلاه، ٢٢٨- ٢٢٩.
(٢) سيرة ابن هشام (١/ ٣١٣) .
(٣) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٣٠٩- ٣١٠) . حياة الصحابة (١/ ٢٨٠) .
(٤) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٣٢٩- ٣٤٠) . حياة الصحابة (١/ ٢٨٨- ٢٩٠) .
(٥) أسد الغابة (٢/ ١١٥) . الإصابة (١/ ٤١٦)، رقم (٢٢١٠) . الوافي بالوفيات (١٣/ ٢٨٧) .
(٦) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٣١٧) . سير أعلام النبلاء (١/ ٣٤٨، ٤٠٩) . سيرة الذهبي، (٢١٧- ٢١٨) .
(٧) سيرة ابن هشام (١/ ٣٧١) . أسد الغابة (٣/ ٥٩٩) . حياة الصحابة (١/ ٢٨٠، ٢٨٨، ٢٩٠، ٣٠٠) .
[ ٢٩٥ ]
كانوا مؤمنين بصدق وعد الله، وإن لم يدركوا نصره، لكن النصر كان في النفس قائما، وفي العين ماثلا، يعيشونه حقيقة واقعة، هو أن يعيش المسلم بهذا الدين، يجاهد في سبيله، مادام فيه نفس يتردد، وآل ياسر- قلبي على آل ياسر- «صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة» «١» .
فاستشهد غرقا بالماء شيخا كبيرا، ياسر أبو عمار. وسبقته إلى رحاب الله في جنة الخلد، زوجته سميّة بحربة فاجر أثيم وكافر لئيم، أبو جهل، طعنها في مقتل، في قبلها، في موطن العفة منها.
وكل يوم تشتد المحنة ضيقا، لم يفلت منها أحد من المسلمين، كل قريش تقوم بذلك، متعاونة في كل اتجاه، لم يصدهم كل ما يعرفونه عن رسول الله ﷺ، وموقفهم منه، ودعوته لهم لينالوا خيري الدنيا والآخرة، فيجبهونه والمسلمين بتلك الأساليب التي هي أشد على النفس في كل الظروف، وبلغت إحدى كبر وأكبر عتواتها في المقاطعة «٢»؛ التي قاسى المسلمون فيها ثلاث سنوات من الحصر والجوع، ما نال منه أوفر القسط رسول الله ﷺ. فشدّ حجرين تحت الحزام إلى جانب ما يرى من شدة حال المسلمين. والنساء باكيات لا سيما على أطفالهن، إذ لم يجدن بعض الحليب يرضعنهم به.
وهل يتدفق بالحليب ثدي أم لا تجد طعاما فهي خاوية!!؟ وهم متعلقون بالدعوة وداعيها أكثر من تحقيق الرغبة في ملء البطون، وقد اختاروا هذا الطريق اختيارا، فكان مدد الدعوة أعلى وأقوى من كل مدد، ماديا ونفسيا، من الله رب العالمين.
ما أعجب هذا الإيمان بالله تعالى ودعوته ونبيه، انظر كيف يجعل صاحبه
_________________
(١) سير أعلام النبلاء (١/ ٤٠٩- ٤١٠) (فهناك تخريجه) . حياة الصحابة (١/ ٢٩٢) .
(٢) انظر: سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٠، ٣٧٤) وبعدها. سيرة الذهبي (٢٢١) وبعدها. زاد المعاد (٣/ ٢٩- ٣١) .
[ ٢٩٦ ]
مليئا بالشوق لخدمته، ابتداء من دائرة النفس الإنسانية، بأن تجدها به سلوكا أسنى، ثم يأتي العمل على نشره. ويوم تخلو النفس من هذه المعاني والسلوك من صورها، فإن العمل أو الدعوة تصبح أمرا دنيويا لمصلحة أو منفعة، وهو أمر يرفضه الإسلام. فالإيمان بهذا الدين الكريم يشعر صاحبه بالتوق والشوق والتعطش له.
ومن فقه المسلمين الأوائل، والمرأة المسلمة بالذات، في الهجرة، كما هي في الحياة الإسلامية، جنّدت نفسها مهاجرة ومحضّرة ومدبّرة، افتدت ذلك بنفسها. وهي مهمة تتكامل مع جهود الرجل، أو تنفرد بإجادتها في الهجرة وغيرها لخدمة الإسلام في كل ميدان وآن، ولدينا من هذا قمم عالية وأعلام هادية. فخديجة وسميّة وأم سلمة وعائشة وأسماء ونساء المقاطعة وأم معبد وغيرهن ما أكثرهن.
جزى الله ربّ الناس خير جزائه رفيقين حلّا خيمتي أمّ معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به وأفلح من أمسى رفيق محمد
وكم شاركن في بناء الدولة بعد الهجرة، وانتصرن لله ورسوله، فكن مثالا وأيّ مثال!
* العزيمة وقيام الحياة الإسلامية:
الأخذ بالعزيمة شأن ذلك الجيل القرآني، ومن سار على نهجهم ونهل كما نهلوا- من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ. لقد أخذ أكثرهم بالعزيمة «١»، ولديه متسع في الأخذ بالرخصة وخدمة الإسلام تحتاج إلى العزائم والأخذ بها، لا تقدّم عليها دنيا المال والمناصب والشهرة وغيرها. ومن مقتضى الصدق في الإيمان بالله تعالى ودعوته والجدية فيه: ظهور ذلك بوضوح تام ظاهر، سلوكا قراءة وأخلاقا.
_________________
(١) مرت أمثلة كثيرة على هذا الأمر الواضح. انظر أعلاه: ٢١٨.
[ ٢٩٧ ]
إن الكفر والشرك- والعياذ بالله- مرض يسد منافذ النفس، ويبيد رغباتها الفطرية، فهم- ككل إنسان- عطاش لدعوة الله بالفطرة، والماء قريب، خلقه الله للارتواء، وهم يرفضونه، ويجعلون حربهم لتياره الكاسح، بقوته الذاتية المستمدة من الله تعالى، ويذيقون أهله كل فنون المواجهة والتعذيب، ترطبت به نفوسهم، وبللت أرواحهم ينبوع (وينابيع) الإيمان من غير نضوب.
والمرأة المسلمة كانت قوية صلبة، رغم ما يعرف عن جنسها من رقة لا تتحمل، إلا أنها أعطت صورة الإيمان بدعوة الله تعالى، إذا استقرت في قلب إنسان. فكم تحملت وبذلت المرأة المسلمة من كل لون بنفسها أو بأولادها أو بالأعزة عليها، وهذا يسري في كل آن، وكانت خلال القرون تجاهد في أكثر من ميدان، وأكبرها تنشئة الأبناء في محاضن القرآن.
أيتها المرأة المسلمة! يا شقّ النفس المؤمنة! اكتحلت بك العيون، والفرح بمواقفك، أغلقت على الدموع الجفون. فروعة كل أحد مستمدة من هذا الدين ليس الرجال فقط، بل المؤمنات الفضليات، وكذلك الأطفال، بنين وبنات، ارتضوا جميع الأحوال، ولو أن يهلكوا عيانا لأمر الله، كما استسلم إسماعيل﵇- فاستعلوا على كل محرم، وانشغلوا بذكر الله، وعملوا لرضاه. فكل شيء لشرع الله مبذول، في السلم والحرب والسلامة والسامة، وطلب الجنة، بعد الدنيا، وكيف ينام طالبها «١»، أو يركن لدنيا راغب فيها، فإن سلعة الله غالية إلا إن سلعة الله الجنة «٢»؟!
_________________
(١) معنى حديث شريف.
(٢) حديث رواه الترمذي: كتاب صفة القيامة، باب: (١٨)، رقم (٢٤٥٠) وتمامه: «من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة» . انظر: جامع الأصول (٤/ ٩) رقم (١٩٨١) . «أدلج»: سار أول الليل، من الإدلاج. والمراد هاهنا (التشمير في أول الأمر، فإن
[ ٢٩٨ ]
تبدل في حياتهم كل شيء، مذ بدعوة الله كانت ولادة الإنسان الجديد.
غدا المسلم عبدا لله- بعد الأصنام- متوجها إليه عارفا طريقه. باعوا أنفسهم إيمانا، وارتبطوا بشرعه، تعبّدوا له، بعد العبودية لغيره، تابوا عن الفواحش، وعشقوا الفضائل الربانية.
وبهذا التكوين الجديد الذي استهل الفداء طريقا، قائما على الإيمان بالله والحب فيه: حب دعوته وحب رسوله ﷺ وحب المؤمنين وحب مستقبل الإسلام، يفعل ما يريده غير سائل عن لونه أو كنهه ولا مبال بضخامته وعتوه، يدور مع القرآن حيث دار «١»، لا يريده في غير ذلك الاتجاه، ولا يتهاون في إدارته، يتنازل عن كل شيء له، ولا يتنازل منه بأي مقدار لشيء.
بهذه الروح كانت تلك الأمور، وكانت الهجرة، وكانت الدولة، وكانت الفتوحات والحضارة والحياة الكريمة الفضلى والمثل العليا الكبرى والبطولات الفذة القصوى.
ألم يأتكم خبر عبد الله بن حذافة السّهمي «٢»، حين وقع في أسر الروم- في خلافة عمر بن الخطاب ﵁- واستقدمه القيصر هرقل ليعرض عليه- ترغيبا وترهيبا- ليترك دين الإسلام. فقال- أخذا بالعزيمة دون الرخصة، ودولة الإسلام قائمة- (والله لو ملكتني ملك العرب والعجم ما تركت دين الله (دين محمد) طرفة عين) . ولما قتلوا أمامه بعض أسرى المسلمين رميا بالزيت المغلي إرهابا، لعله يضعف، وجيء به يبكي استبشروا، وسألوه إن كان يبكي ضعفا ويوافق؟ فلم يتغير جوابه، أو يتزحزح من موقعه. إذا لماذا كان يبكي؟ قال: (أبكي لأني لا أملك غير
_________________
(١) من سار من أول الليل كان جديرا ببلوغ المنزل في وقت مبكر) .
(٢) من حديث شريف.
(٣) أسد الغابة (٣/ ٢١٢- ٢١٣) . سير أعلام النبلاء (٢/ ١٤- ١٥) . ويذكر صاحب الاستيعاب (٣/ ٨٩١) أن أسره كان سنة (١٩) للهجرة النبوية الشريفة في خلافة عمر.
[ ٢٩٩ ]
نفس واحدة إذا استشهدت انقطع جهادي في سبيل الله، وكنت أتمنى أن لي بكل شعرة في بدني نفسا تموت الواحدة تلو الآخرى في سبيل الله) .
فلا عجب، ألم يقل رسولنا وقائدنا وقدوتنا وزعيمنا ومعلمنا وهادينا، ولا زعيم لنا غيره ولا نبي بعده ﷺ: «ولوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا، ثم أقتل ثم أحيا، ثم أقتل» «١» .
وحين اشترت قريش في مكة أسيرا مسلما خبيب بن عديّ «٢»، في السنة
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب: الإيمان، باب: الجهاد من الإيمان، رقم (٣٦) . وورد عنده بأطول من هذا: كتاب: الجهاد، باب: تمني الشهادة، رقم (٢٦٤٤) . ونصّه: «والذي نفسي بيده! لولا أنّ رجالا من المؤمنين، لا تطيب أنفسهم أن يتخلّفوا عني، ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغزو في سبيل الله، والذي نفسي بيده. لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل، ثم أحيا ثم أقتل» . أدناه، ص ٤٠٦.
(٢) خبيب بن عدي الأنصاري: أوسي من بني النجار، شهد بدرا وأحدا. وهو أحد العشرة أو الستة- الذين بعثهم إليهم رسول الله ﷺ إلى قبائل عضل والقارة، في أواخر السنة الثالثة للهجرة أو أوائل الرابعة- وهو الأرجح- بعد أحد. وكان أميرهم عاصم بن ثابت ابن أبي الأقلح، جدّ عاصم بن عمر بن الخطاب لأمه. هذا ما تقوله بعض المصادر، وهو يعني أن عمر بن الخطاب تزوج بنت عاصم بن ثابت. لكن الذي يبدو أن أم عاصم بن عمر بن الخطاب هي جميلة بنت ثابت بن أبي الأقلح، أي: أن أم عاصم بن عمر بن الخطاب هي أخت عاصم بن ثابت، وليست ابنته. انظر: التاريخ الأندلسي (١٨٩)، حيث تجد التفاصيل. قدم المدينة المنورة رهط من هذه القبائل وسألوا رسول الله ﷺ: (يا رسول الله إن فينا إسلاما، فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلّموننا شرائع الإسلام) (سيرة ابن هشام، ٣/ ١٦٩. حياة الصحابة، ١/ ٥٢١) . فبعث ﷺ هؤلاء الصحابة الكرام، فخرجوا مع القوم. والصحابة هم: مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وخالد بن البكير الليثي، وعاصم بن ثابت بن أبي الأفلح، وخبيب بن عديّ، وزيد بن الدّثنّة بن معاوية، وعبد الله بن طارق. وهذا في حالة كونهم ستة نفر، كما يقول ابن إسحاق (السيرة ٣/ ١٦٩) . لكن آخرين يقولون إنهم عشرة نفر ستة من المهاجرين وأربعة من الأنصار (مغازي الذهبي، ٢٣٠) . فخرجوا مع القوم حتى إذا وصلوا ماء الرجيع (بين عسفان ومكة بناحية الحجاز) (وعسفان: مدينة تبعد نحو (١٣٠) كيلومتر (كيلا) شمال مكة باتجاه المدينة المنورة) غدروا بهم، واستصرخوا عليهم قومهم، فأحاط بهم نحو مئة أو يزيد، بأسلحتهم. فلم يستسلم الصحابة، وجرى قتال، ولم يكن معهم غير سلاح الراكب (السيوف في القرب جمع قراب)، ولم يكن معهم سلاح المحارب، فقتل سبعة من الصحابة، منهم أميرهم، ثم قتل آخر، وبقي اثنان: خبيب بن عدي، وزيد بن الدّثنة. فأخذوهما إلى مكة، وباعوهما لمن يطلب الثأر منهما في قتلى بدر، فسجنا، وكان خبيب في بيت امرأة، رأت منه عجبا فأسلمت. ثم جيء بهما، فقتلا صبرا (قتل محبوسا محكوما، وليس في حرب) في يوم واحد. ولما أرادوا قتل خبيب قال لهم: ذروني أركع ركعتين، فتركوه، ولم يطل فيهما، قائلا: (لولا أن تظنوا أنّ ما بي جزع لطوّلتها) . فكان أول من صلب في الإسلام، وأول من سنّ الركعتين لكل مسلم قتل صبرا. وحين رفعوه على الخشبة قال: (اللهم إنا قد بلّغنا رسالة رسولك فبلّغه الغداة ما يصنع بنا، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا) (سيرة ابن هشام، ٣/ ١٧٣) . ثم أنشد شعرا، وهو المذكور أعلاه، وهو في المصادر أطول. وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع فلست بمبد للعدو تخشّعا ولا جزعا إني إلى الله مرجعي فو الله ما أرجو إذا متّ مسلما على أيّ جنب كان في الله مصرعي ثم سألوه (هو أو زيد): أتحبّ أن محمدا ﷺ عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنت في أهلك؟ فقال: (والله ما أحب أن محمدا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي) . فعجبوا من ذلك وقالوا: ما رأينا أحدا يحبّ صاحبه كما يحبّ هؤلاء محمدا. (سيرة ابن هشام، ٣/ ١٧٢. حياة الصحابة ١/ ٥٢١، ٥٢٣) . ثم قتلا، رحمهما الله تعالى، ورضي عنهما وأرضاهما. (أخرجه البخاري: كتاب الجهاد، باب: هل يستأسر الرجل، رقم ٢٨٨٠. كذلك رقم: ٣٨٥٨، ورقم ٦٩٦٧) . سيرة ابن هشام، (٣/ ١٦٩- ١٨٣) . زاد المعاد (٣/ ٢٤٤، ٢٤٦) . الإصابة (١/ ٤١٨) رقم (٢٢٢٢) . وعند الذهبي تلخيص جيد لحادثة يوم الرجيع (أو سرية الرجيع، أو ماء الرجيع) ذلك الذي وقع في صفر من السنة الرابعة للهجرة الشريفة حين الحديث عن خبيب يقول: شهد أحدا، وكان فيمن بعثه النبي ﷺ مع بني لحيان، فلما صاروا بالرجيع، غدروا بهم، واستصرخوا عليهم، وقتلوا فيهم، وأسروا خبيبا، وزيد بن الدّثنّة، فباعوهما بمكة، فقتلوهما بمن قتل النبي ﷺ من قومهم (في المعارك والحرب) وصلبوهما
[ ٣٠٠ ]
الثالثة- أو الرابعة- للهجرة، أعدمته رميا بالنبال جنبا. ولما قدّموه إلى القتل، صلّى ركعتين، فكان أول من صلاهما في هذا الموقف، ولما رفعوه على الخشب سألوه إن كان يرضى أن يطلق سراحه مقابل وضع الرسول ﷺ مكانه فقال: (والله ما أرضى أن أكون عند أهلي ومحمد ﷺ يشاك بشوكة في قدمه) «١» . فعجبت قريش من ذلك، وقال قائلهم: ما رأينا أحدا يحبّ صاحبه كما يحب هؤلاء محمدا.
ألم يتربّى خبيب في مدرسة النبوة، يتغذى بايات الله تملأ قلبه، وهو يسمعها بصوت النبي ﷺ، ويسمعه وهو يردد: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما» «٢» . ولما رفعوه على الخشبة كان يقول: (اللهم إنّا قد بلّغنا رسالة رسولك فبلّغه الغداة ما يصنع بنا، اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا، ولا تغادر منهم أحدا) «٣» . ثم ردّد أبياتا من الشعر، بينما النبال تمزّق جسمه:
فلست بمبد للعدو تخشّعا ولا جزعا إني الى الله مرجعي
ولست أبالي حين أقتل مسلما على أيّ جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزّع
* فطنة المسلم وتضحيته:
فلا تركن لذلك أو تستمرئه، وإن قصرت لفترة، فهي تعرف طريق التوبة سراعا، بل إنها تجاهد في الله لا تنثني ولا تنحني ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ
_________________
(١) بالتنعيم) . سير أعلام النبلاء (١/ ٢٤٦) (وانظر الهامش عنده) . كذلك طبقات ابن سعد (٢/ ٥٥- ٥٦)، مغازي الواقدي (١/ ٣٥٤)، سيرة ابن كثير، (٣/ ١٢٣- ١٣٤) . وغيرهم كثير.
(٢) سيرة ابن هشام (٣/ ١٧٢) . حياة الصحابة (١/ ٥٢٣- ٥٢٤) .
(٣) رواه الإمام أحمد (٣/ ٢٠٧، ٢٧٨) .
(٤) سيرة ابن هشام (٣/ ١٧٣) . سير أعلام النبلاء (١/ ٢٤٨) . سيرة ابن كثير (٣/ ١٣٠) .
[ ٣٠٢ ]
قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ [الأحزاب: ٤] . وإنّ للمسلم من إيمانه مولّدا حيا، ومنبعا للوعي، ومجددا للتوبة، في التوجه إلى الله رب العالمين، وتغيير المنكر وإنكاره، ولو بالقلب، الذي هو أضعف الإيمان. فأين نضع ما هو أدنى من ذلك؟ وهل وراءه من إيمان حبة خردل؟ والرسول ﷺ يقول:
«والذي نفسي بيده! لتأمرنّ بالمعروف ولتنهونّ عن المنكر، أو ليسلّطنّ الله عليكم ذلّا لا يرفعه حتى تعودوا إلى دينكم» «١» . ويقول ﷺ في حديث آخر: «وليقذفنّ الله في قلوبكم المهابة من صدور أعدائكم، ويقذف في قلوبكم الوهن» قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت» «٢» .
فهذه النوعية من الناس حاملة الإيمان، ورافعة راية القرآن، مستعدة للتضحية من أجل الإسلام، بالمال والفلذ والنفس والأهل والولد، في كل الأحوال، وعلى طول الزمان، تتوارثه الأمة الإسلامية جيلا بعد جيل.
* النور وراء الظلمة:
وحين ظهر عقم مكة عن احتضان هذه الدعوة- بعد تلك السنين- هيأ الله لدعوته مستقرا جديدا، فكانت البيعات الثلاث- لأهل المدينة- المعروفة التي بايع فيها مجموعة من أهل المدينة في السنة الثالثة عشرة من النبوة، على طاعة الله ورسوله والموت في سبيله.
فكانت بيعة على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقول الحق، وعدم الخوف في الله
_________________
(١) أخرجه العديد بتنوع. انظر: الترمذي (رقم ٢١٦٩/ ٤) . سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٩٨) .
(٢) جزء من حديث شريف تجده كاملا في: أبو داود، كتاب: الملاحم، باب: تداعي الأمم، رقم (٤٢٩٧)، باب: الأمر والنهي، أرقام (٤٣٣٦، ٤٣٣٨- ٤٣٤١، ٤٣٤٤، ٤٣٣٥- ٤٣٣٧) .
[ ٣٠٣ ]
لومة لائم، وعلى نصرة الرسول ﷺ إذا قدم عليهم المدينة فيمنعونه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم، وعلى نهكة الأموال، وقتل الأشراف. قالوا: فما لنا إذا نحن فعلنا ذلك؟ قال ﷺ: «الجنة»، قالوا:
ربح البيع، لا نقيل ولا نستقيل «١» .
وبهذا البناء كانت الهجرة، الحدث التاريخي الفريد، والرحلة الأرضية الكبرى، بعد الإسراء والمعراج الرحلة الكونية والعلوية العظمى.
وظهرت في الهجرة البطولات الفريدة من كل لون في مستوى غامر، أظهرت عمق إيمانهم، وشدة حبهم، وشمول فدائهم. ولم يكن أحدهم يخشى على نفسه أو غيره إلا مستقبل الإسلام، وحماية رسول الله ﷺ، ومن هنا لم يبال أحدهم بشيء.
واستغرقت مراحل الهجرة حوالي ثلاثة شهور، هاجر في نهايتها رسول الله ﷺ يصحبه أبو بكر الصديق ﵁ الذي بكى من الفرح، وعن ذلك تقول عائشة﵂-: (فو الله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ) «٢» .
انطلق ﷺ مستخفيا ومستبقيا عليّا ﵁ في فراشه؛ لتطمئن قريش وفتيانها الأربعون المحيطون بالدار ليقتلوه، ببقاء الرسول ﷺ فيه، في الدار- ولكي يعيد الأمانات إلى أهلها «٣»، وهو الأولى والأهم، وهذا أمر عجيب. ولعل هذا هو السبب الوحيد تماما لإبقائه، وما عداه كان من بركات هذه الدعوة الكريمة، ورعاية الله تعالى لها.
* عجائب الإسلام وفرائده:
وهذا أمر غريب وعجيب: في سلّم التعجب والإعجاب وفرائد
_________________
(١) التفسير (١/ ٣٠، ٣/ ١٥٧١- ١٥٧٢، ٦/ ٣٥٦٠) . مسند الإمام أحمد (٣/ ٣٤٠) .
(٢) سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٥) . سبل الهدى والرشاد (٣/ ٣٣٦- ٣٣٧) .
(٣) سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٥) . سبل الهدى والرشاد (٣/ ٣٣٨) .
[ ٣٠٤ ]
الأخلاق، ألّا تجد قريش أكثر أمانة وصدقا وثقة من رسول الله ﷺ تضع عنده أماناتهم، وهم يقاتلونه ويحاربون دينه والمؤمنين به، ويحضّرون لقتله، ويعدّون لإبادة دينه، ولا يخشون على أماناتهم وهي عنده؟! إنه حقا لأمر فريد، جدّ فريد وجديد.
إنه لأمر عجيب من الناحيتين: من ناحية الكفار، أنهم يفعلون ذلك، ولا يجد هذا الصدق والتفرد في الفضائل التي كانت بدعوة الله، فلا يفتحون لها القلوب، ومن أن رسول الله ﷺ وهو يراهم كذلك، ويؤدي لهم أماناتهم، وهذه أكبرهما وأعجبهما، ومن أجله استأمنوه، وإلى هذا الحد.
* هذه أخلاق القرآن:
فتلك أخلاق القرآن، وهو أمر لا يمكن أن نجده في غيره، وشتان بين هذه وتلك: الإيمان والكفر. وهذا فيه دليل على أمر آخر مهم، هو أن قريشا كلها- أو أكثر منها، ومنهم أولئك الذين كانوا يحاربونه- كانوا متأكدين من صدقه في الحياة، ومن صدق نبوته، ومع ذلك فلا يؤمنون به، فهم الذين أطلقوا عليه قبل النبوة (الصادق الأمين)، وهو حجّة عليهم.
وحين سأل أحدهم أبا جهل: أمحمد صادق أم كاذب؟ قال له: ويحك إن محمدا لا يكذب قط «١» . ثم هم لا يؤمنون قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] .
* تعدد دروب النفس:
ويأتي من ذلك شيء: هو أن القناعة العقلية وحدها لا تكفي دائما لقبول الحق والخير، وإذا كفت فكفايتها باردة أو هامدة؛ لأن الإنسان متعدد
_________________
(١) تفسير الطبري (٧/ ١٨٢) (الجديدة، ١١/ ٣٣٣) . (٢/ ١٠٧٥) . خلال تفسير الآية الكريمة: قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] .
[ ٣٠٥ ]
المكونات العاملة الحيوية المتحركة، كان العقل واحدا منها، فالله خالق الإنسان، وعالم به أنزل شرعه للعناية بكل المكونات، ليكون الإنسان الرباني الذي أراده الله تعالى بهذه المقومات والشريعة، وبذلك يتجه إلى الله بقوة وحرارة لا يلوي على شيء. وعلى التربية والمهتمين بها أن يلحظوا هذا الأمر الأساسي الخطير في عملية التوجيه والتعليم، وأن يقوم هذا على دين الله ﷾.
* الهجرة والأخذ بالأسباب:
أعدّ الرسول ﷺ عدّته للهجرة بعد أن أمره الله بها، ووضع خطتها، وكانت في غاية الإحكام والدقة ونهاية الحيطة، بتوجيه الله له، ووحيه الأمين، في أمور شرحها وبيانها وذكر معجزاتها يطول، منها: أنه بدل أن يتجه الركب المبارك إلى الشّمال اتجه إلى الجنوب- محفوفا بعناية الله- ملاحقا من قوى الكفر، تبتغي قتله، معلنة عن جائزة ضخمة؛ لمن يأتي به حيا أو ميتا. وأعدت أربعين شابا لقتله، في خطّة عنيفة مخيفة وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ «١» [الأنفال: ٣٠] . فخرج ﷺ من بينهم- بقدرة الله- في الليل، واتّجه إلى دار أبي بكر الصديق ﵁، حيث خرجا ليلا من هناك، من خوخة في ظهر دار أبي بكر، مبتدئين هذه الرحلة المباركة الكريمة من هناك «٢» .
أن تنشغل قريش كلّها وأهل مكة، وتبذل لذلك، وتحضّر، وتخطط، فذلك دليل- وهو حال متكرر- أن أهل الباطل- أفرادا وهيئات ودولا ومعسكرات وجهات ومؤسسات وأحزابا- إذا حاربوا الحق، وهم يحاربونه
_________________
(١) التفسير (٣/ ١٥٠١) .
(٢) البخاري رقم (٣٦٩٢- ٣٦٩٤/ ٣) . سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٥) . وانظر: سبل الهدى والرشاد في هدي خير العباد (٣/ ٣٣٨) .
[ ٣٠٦ ]
دوما- يلجؤون إلى كل الوسائل، دون النظر إلى صلتها بمثل أو قانون أو عرف، حتى تلك التي وضعوها، أو ادّعوا التعامل معها. وهكذا دينهم وديدنهم، في كل الأمور، لا ترتبط بشيء غير مصلحتهم. وكلما يدّعون، أو يضعون من قوانين إنما هي لحماية هذه المصلحة، ويوم تعوّقها يدوسونها، ومع كل ذلك إذا فشلوا في شيء لمصلحتهم اتبعوا سبيل القتل والإبادة، لا يصدّهم عن ذلك وأكثر منه شيء.
وهكذا فعلت قريش، ودبّرت له، رغم أنهم يتعاملون مع رسول الله ﷺ المعروف لديهم، وهو يدعوهم إلى الله، ودعوته الحقة الخيرة، يفعلون ذلك ظنا أنهم يقضون على هذه الدعوة المباركة، وهيهات!
تقع المدينة المنورة بما يزيد على (٤٥٠) كم شمال مكة المكرمة، لكن الركب الميمون- ركب الإنسانية، الذي يضمّ أو يحمل مستقبلها، كما أراد الله الكريم الرحيم لها- اتجه نحو الجنوب، حيث وصل غار ثور- بعد خمس كيلومترات من المسير- في الليل من يوم الخميس. فدخلا ذلك الغار في أعلى الجبل، والطريق إليه وعر شديد. وبعد ثلاثة أيام- قضوها في انتظار أن يخف الطلب، وفي إعداد للزاد والأخبار رائع جميل- بدأ الركب الميمون السير الحثيث- بدليل مكيث- ليلة الإثنين «١» متّجها نحو المدينة المنورة، في رحلة مباركة تحمل هداية الإنسانية، التي أرادها الله ﷾.
حاز آل أبي بكر عظيم الشرف في الهجرة، إلى ما حازوه من قبل ومن بعد، فعائشة وأسماء ذات النّطاقين تكفّلتا بالطعام، وعبد الله الشاب الثّقف اللّقن (الحاذق اللّماع الفطن) «٢» ينقل أخبار قريش، ويبيت عند الغار ليصبح في مكة وكأنه نائم فيها، وراع يتولّى السير خلفه كيلا يعرف له
_________________
(١) انظر: المسند (١/ ٢٧٧) (جديدة رقم ٢٥٠٦/ ٤) . سبل الهدى (٣/ ٣٦٠، ٣٧٧) .
(٢) أخرجه البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، رقم (٣٦٩٢- ٣٦٩٤) . سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٦) .
[ ٣٠٧ ]
أثر «١»، ومطاردة وصلت أبواب الغار، فكان أبو بكر يرى أقدامهم، ولا يرونه؛ فقال: لو أن أحدا نظر إلى موضع قدمه لأبصارنا. فقال له ﷺ: «يا أبا بكر! ما ظنّك باثنين الله ثالثهما؟! لا تحزن إن الله معنا» «٢» .
فحماهما الله من كيدهم، وعاد المطاردون بعدما صدّتهم- بإرادة الله- أصناف من الحيوان الضعيف، قام مقام الجيش الكثيف، فارتدوا خائبين إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [التّوبة: ٤٠] .
وبعد أيام ثلاثة جاء عامر بن فهيرة، يخدمهم، ويعاونهم في الطريق «٣» . وأقدم الدليل في المساء بجملين (وثالث له) . فسار بهما ممعنا في الجنوب أيضا، ثم اتجه غربا نحو ساحل البحر الأحمر، مصعّدا شمالا إلى المدينة المنورة، في طريق غير معروفة. واستمر الركب يغذّ السير طوال الليل وشطر النهار، كي يبتعد عن مكامن الطلب والمطاردة، القادمة من مكة وما حولها. خطا ذلك بخطوات سريعة في جنح الظلام. وبعد بذل غاية الطاقة، وفي الساعات الحرجة، أو التي تنعدم فيها فعالية الجهد الإنساني، وقد بذل الجهد الماثل في تحقيق شيء، تتولّى العناية الإلهية الإحاطة بها كما هي منذ البداية، تغشاه وترعاه، فكيف وهنا دعوة ونبوة ورسالة؟!
ولقد كان رسول الله ﷺ يحوز كامل الاطمئنان، وهو في قمة الخطر،
_________________
(١) أخرجه البخاري، نفسه. سيرة ابن هشام، نفسه.
(٢) أخرجه البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: مناقب المهاجرين وفضلهم، رقم (٣٤٥٢- ٣٤٥٣) . زاد المعاد (٣/ ٥٣) . حياة الصحابة (١/ ٣٤٠) .
(٣) أخرجه البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: هجرة النبي ﷺ رقم (٣٦٩٢- ٣٦٩٤) . إمتاع الأسماع (١/ ٤٢) . سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٧- ٤٨٨) . زاد المعاد (٣/ ٥٥) . سيرة الذهبي (٣٢٦) .
[ ٣٠٨ ]
وغمرته المحدقة المبيدة. أليست تلك واحدة من علامات النبوة؟! بل وسراقة الذي جاء يطاردهم، طمعا في جائزة قريش، فلما ساخت فرسه لأكثر من مرة سقط من عليها في الثالثة، على أن رسول الله ﷺ محفوظ، وتحوّل من مطارد لهما طامع بالجائزة إلى راغب بوعد، يعمّي الأنظار، ويكتم الأخبار، والوعد أمان وإيمان، بشّره ﷺ بأن الله سيفتح على المسلمين، ويلبس سراقة تاج كسرى وأسورته «١» . أليس هذا خيال!؟ لا بل واقع. ويتمّ الله فتح أكبر دولتين في العالم فارس والروم، ويلبس سراقة في خلافة عمر أسورة كسرى وتاجه، ذلك على ملأ من الصحابة. وقال عمر:
(الحمد لله الذي سلب كسرى سواريه، وألبسهما سراقة بن جعشم الأعرابي) «٢» .
معجزتان في معجزة: الأولى: إخبار عن الغيب، بوحي الله، والثانية: إتمام هذا الأمر، وهو ما أخبر الله به نبيّه، وعرفه سراقة في يوم تمامه. فيا للفرحة والقوة! إنها النبوة الكريمة.
ولم يكن رسول الله ﷺ طول الطريق خائفا، فلقد كان يقرأ القرآن، ويكثر من الدعاء، ذلك غاية الاطمئنان، وأعلى درجات الإيمان «٣» .
واستمر الركب الكريم أكثر من أسبوع حتى وصل المدينة المنورة في قباء، يوم الإثنين من شهر ربيع النبوي (الأول) . وأقام فيها أربعة أيام، أسّس أول مسجد في الإسلام «٤» . ثم انتقل إلى داخل المدينة المنورة؛ التي
_________________
(١) حياة الصحابة (٢٦١- ٢٦٢) . تاريخ الإسلام (الخلفاء الراشدون) (٢٩٥) .
(٢) حياة الصحابة، نفسه، تاريخ الإسلام، نفسه. السيرة النبوية، أبو شهبة (١/ ٤٩٣- ٤٩٥) .
(٣) انظر: البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة، رقم (٣٦٩٤/ ٣) . سيرة ابن هشام (١/ ٤٨٩- ٤٩٠) . حياة الصحابة (١/ ٣٤١- ٣٤٢) .
(٤) سيرة ابن هشام (١/ ٤٩٣- ٤٩٤) . قارن: الفصول في سيرة الرسول ﷺ، ابن كثير (١١٧- ١١٨) . حياة الصحابة (١/ ٣٤٢) .
[ ٣٠٩ ]
انتشر فيها الإسلام، حتى لم يخل دار من قائل لا إله إلا الله محمد رسول الله «١»، مستعدّين للفداء، حتى ولو كانوا مقاطع في ذلك البناء، أولئك الذين أحبّوه على البعد قبل الرؤية، مثلما أحببناه في غير رؤية في هذه الحياة إلا رؤية الصورة الواضحة في السلوك والسيرة، وفي القدوة والعشيرة، رؤية العاشق الولهان، فهو حيّ في النفوس والقلوب، راجين أن يجمعنا الله به يوم الدينونة عند الله الواحد الديان «٢» .
* لقاء الهجرة والنّصرة:
كان أولئك في المدينة- قادمين ومقيمين أو مهاجرين وأنصار- أمضّهم الشوق، وحرّقهم العشق، يرنون إلى الأفق كل يوم؛ لتكتحل العيون برؤية الحبيب، فما أن رأته من بعيد حتى هتفت بنشيد الحبّ الوفي الأصيل
كان يوما للمسلمين مشهودا، أفضل يوم فرح رأته، إنه يوم رؤية الحبيب «٣»، مقترنا- لأول مرة- ومعلنا إقامة بناء المجتمع المسلم، يحكمه شرع الله في كل أمره، ويتوجّه إلى الله في كافة شؤونه وأقام دولة الإسلام التي نبذت حكم الجاهلية، وحكمت بالشريعة الربانية أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: ٥٠] .
إنها بداية جديدة لجهاد مضن طويل، تحمّلوا فيه التضحيات لنشر الإسلام والدعوة إلى الله، وبنفس نوع البناء وبكل ألوان الفداء، وهكذا المسلم يعيش في فداء وبناء، يقوم كله على بناء النفس المسلمة بدعوة الله، متجها إلى رب السماء، يحكم نفسه بشرعه، لا يرضى بذلك بديلا، ولا عنه تحويلا، حتى يظهر أمر الله، أو يهلك دونه، وهذا هو العهد الدائم
_________________
(١) سيرة ابن هشام (١/ ٤٣٧، ٥٠٠) .
(٢) انظر: البخاري: كتاب: فضائل الصحابة، باب: مقدم النبي ﷺ وأصحابه المدينة، رقم (٣٧٠٩- ٣٧١٠) .
(٣) انظر: السيرة النبوية، الندوي (١٦٨- ١٧٠) .
[ ٣١٠ ]
للمسلم، في بشارة رسول الله ﷺ. وهو أمر ترخص له النفوس، وتقدّم الغروس، كل الغروس.
وفي هذا بيان واعتبار على أن المسلم يأخذ بالأسباب، كأكثر ما يأخذها إنسان بأقصى الجهد، ثم ينتظر نصر الله. فلا إعداده يدعوه إلى أن يركن إلى نفسه، ولا توكّله على الله يهمله الأسباب، فكلاهما من أمر الله وسنّة الله (قدر الله وسنّته) . وهو في كلتا الحالتين مؤمن بالله تعالى، متوكل عليه، وهما جميعا لا يعملان بمعزل عن إرادة الله ورعايته، بل بهما لا بغيرهما تقوم المسيرات وتحدى القوافل.
فكانت الهجرة، وكانت النصرة، وكل ما يتصل به، ويمتّ إليه، فاحتضن الأنصار المهاجرين، وبذلوا لهم- باصرة الدين- بعزة وفرح، فلم تبق مشكلة، وحلّت كلّ معضلة. كان بعضها يمكن أن يعوّق استمرار الطريق، لكن- بفضل الله- قام ذلك المجتمع الفريد، وأول دولة حكمت بشرع الله، بقيادة الرسول ﷺ. فكان قيامها يوما من أكبر أيام الله، اعتبر بداية التاريخ الإسلامي.
إنه لجميل، أن نلتقي على هذه المعاني في حفل جليل، تكثر المعاني الكريمة وتتحدد، وتتزاحم الفكر، وتنهمر العبر، فنحن أمام حدث عظيم، كان له ما بعده، نستمدّ منه التعبير عن عظمة الإسلام. وليس من فوائده إكثار المعرفة والاستفادة من المعلومات فحسب، بل- وكذلك- هذا اللقاء للتناجي المتفتح المتوجّه إلى الله. وسواء تقدّم في هذا الحفل أفكار جديدة أو معلومات فريدة، فذلك مهمّ، ولا يقل عنه أهمية- إن لم يزد، بل هو- أن تنتعش الروح، وتنتشي النفس، وتطرق المغاليق من الأبواب، فتفتحها، أو تفتح نافذة فيها، تدخل منها نسمات الحياة، فيهبّ قويا لهذا الدين، عاملا لخدمته إن شاء الله ﷾.
وفي مثل هذه المناسبة المباركة، تحدث مثل هذه الآثار، والأبواب مفتوحة، ورحاب الله واسعة، وأجواء رحمته طيبة قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ
[ ٣١١ ]
أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [الزمر: ٥٣] .
والمسلمون اليوم يتلفتون- في موسم الهجرة وأمثاله- بحثا عن معانيها، وما هي ببعيدة، ليجدوها في دفتي الكتاب. وكم هزلت قلوب، حين أوصدت الأبواب. فحين تفتح الأبواب وتقبل مرتوية، ترتقي في سلم الفضيلة. بل إن البشرية لتتلفت بحثا عن قيادة رشيدة، قيادة إسلامية، يعرف إنسانها ربّه. وقيادة منهج كريم يملك أن يحقق للإنسان إنسانيته ويهبه حضارته ويقيم خلافته، وهو الأمر الذي تتحقق ويتحقق بالإسلام وحده.
وكأن الله تعالى، قد وهب للإنسان وعلّمه، لينتج هذه الحضارة الحديثة، التي ضلت الطريق، أن يعوا درسا كبيرا: أنه ليس من شيء يغني عن شرع الله، والحاضر خير دليل، فحياة الإنسان اليوم تراب، ينتظر المطر قبل الاحتراق، وهو على شفا الارتطام، في هوّة تخنقه، يبحث عن كوة نور. وما كان لأمة أن تلد ذلك، وهي لا تنتظر ولا تأمل، بل تسير في عين الاتجاه، تفخر بباطلها، وتدّعي على الحق برهانا، معتدية على سلطان الله الكريم ﷾.
وهذا دليل آخر على أن الرقيّ البعيد عن الله، يورث مزيدا من الانحراف، مما يجعل التوجه إلى الله بشرعه ضرورة وحتمية، أوثق من كل الحتميات المدّعاة جزافا.
ولذلك كانت حضارة اليوم صخرية الطبيعة، عقيمة الرحم، وإن لجأت إلى الأنابيب، لكنها سوف لا تلد المولود الكريم، ما دامت شاردة عن الله تعالى.
فالهجرة حدث فريد في التاريخ الإسلامي، وتاريخ النبوات كذلك، فليس له مثيل، مثلما أراد الله لهذا الدين أن يكون متميزا في كل شيء، دين يلقى هذه الصعوبة في مكة، كان الأمل- في العوامل الظاهرة- أن يستجيب أهلها، أكثر بمراحل، مما فعلوا. ولكنها كانت كالصخر أو أشد، إذ أن
[ ٣١٢ ]
معدل من أسلم (وكلهم نحو ٣٠٠ مسلم خلال العهد المكي كله، ثلاثة عشر عاما) كان بمعدل حوالي اثنين في كل شهر، وهذا لم يشكّل يأسا لأحد من المسلمين، بل وكأنه كان للصبر مددا. ولكن مدده طاعة الله ورضاه، من غير استكثار لكل تضحية، وما نال المسلمين في سبيل ذلك. وكان الأمل دوما في الله غير منقطع، كما كان ورأيناه في أحداث الهجرة كذلك.
والدعوة الإسلامية على الدوام لا تقف، فإن لم تتقدم اليوم فغدا، أو لم يستجب لها هؤلاء القوم، فغيرهم. فإذا عقمت أرض فعداها، ولا تدري من أين يأتي الفرج، لكنه دوما من المؤمنين قريب، ما دام متوجها إلى الله، كالماء يحمل الحياة، وقد ترفضها أرض فلا يتغير، ولا بد أن يشق طريقه مهما كانت العراقيل.
لقد كان الأمل في المدينة أن أول من يؤمن فيها من ساكنيها هم اليهود، وهم أهل كتاب. لكنهم رفضوا حسدا، وهم يعلمون صدق هذا الدين وكتابه ونبيّه ﷺ الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ [الأنعام: ٢٠] .
وتصوّر الهجرة ألوانا كثيرة من أحوال الدعوة والدعاة، بقيادة النبي الكريم ﷺ كيلا ييأس الدعاة، إذا ما نظروا إليه وهو نبيّ، فكيف بغيره؟ وإذا ما أغلقت قلوبهم فتحت أخرى، أو تصخّرت أرض تمهدت غيرها. كما أنه ليس من الضروري توفر عوامل معينة تقرّب من الدين أو تبدو كذلك وتوفر العلم به وغير ذلك، مدعاة لهؤلاء أن يؤمنوا فلا يفعلون، كيلا يكون الدين حكرا على أحد، فقد يؤمن البعيد دون القريب أو الضعيف دون القوي، فمن التحق بهذا الدين نال الشرف، وليس الشرف بالادّعاء، إنما بالانتساب الحق لهذا الدين سلوكا وعملا والتزاما.
إنّ مقتضى الاحتفال بالهجرة وشقائقها أن تتوجّه القلوب إلى معانيها تستلهم روحها، وتصدر عن تعاليمها، من غير مفارقة لسمتها، ونرجو وندعو الله تعالى أن تتجلى هذه المعاني التعبدية والفكرية والنفسية، تصوّرا
[ ٣١٣ ]
وسلوكا- بهذه الصيغة- في احتفالاتنا كافة، مبنية على نية مؤمنة، وطوية ربانية خيّرة، ليكون لنا فيها أجر، ونية المرء قاعدة ركنيّة ركينة مهمة في عمله، وهي أمر لازم في كلّ عمل، لا بدّ أن تكون خالصة لله تعالى، وحسب شرعه؛ ليكون العمل مقبولا ومأجورا عند الله تعالى.
وحديث النية الشريف صدّر به عدد من أهل الصّحاح والمؤلفات الحديثية كتبهم، وهو حديث كان بمناسبة الهجرة، لكنه عام شامل لكل حال، وهو من الأحاديث الجامعة: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة ينكحها (يتزوجها) فهجرته إلى ما هاجر إليه» «١» .
فإذا ما تجلّت هذه الروح، وتفتحت النفس لهذه المعاني وكانت لها من المرامي، فلعلها محاطة برعاية الله ﷾، وتحفها ملائكته، وتنزل علينا في مثل هذا اليوم الفاضل رحمته، فيفتح الله علينا ابتداء، في الهداية، بدا وزيادة فيها والتزاما أكيدا لها، وفي هذا الاتجاه الرشيد؛ لنسير في طريق الله؛ الذي لا يضل سالكه قبل اليوم ولا بعده، ولا يحيد، وهل من رأى النور، وأضاء الله دربه، وعمّر قلبه أن يترك؟ كلا؛ بل يمضي فيه عزيزا غير هيّاب، ولو صبّ عليه كلّ عذاب.
اللهم! هبنا الصّلابة في الحق، والثبات فيه، والصبر عليه، اللهم! هبنا صبرا، وتوفّنا مسلمين، اللهم! إنا نسألك البر والتقى والعفاف والغنى والفطنة والحجا، واجعلنا لكلمتك العليا مخلصين.
_________________
(١) أخرجه البخاري: كتاب: بدء الوحي، باب: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله ﷺ، رقم (١) . ومسلم: كتاب: الإمارة، باب: قوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات »، رقم (١٩٠٧) . وأورده النووي في الأربعين النووية، الحديث الأول.
[ ٣١٤ ]
إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ
[التوبة: ٤٠] .
وصلّى الله على صاحب الهجرة الشريفة والنصرة الكريمة وعلى آله وصحبه وسلّم تسليما كثيرا.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ٣١٥ ]
المبحث السابع الهجرة (النبوية) قائمة ودائمة
* مناسبات وأحفال
* بين العلم والعمل
* الجيل المسلم والسيرة
* الهجرة والدولة
* الهجرات الثلاث
* إقامة الحياة الإسلامية
* الخلوص الكامل لله
* الإسلام هجرة وبيعة
* الإسلام وطن وقومية
* الهجرة هجرة ونصرة
* الحق قادم بأهله
[ ٣١٧ ]