* فاتحة وافتتاح:
الحمد لله رب العالمين، هدانا لدينه القويم، وشرّفنا بدعوة الإسلام العظيم، حملها إلينا خاتم الأنبياء والمرسلين؛ الذي أرسله الله إلينا يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَداعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجًا مُنِيرًا [الأحزاب: ٤٥- ٤٦] محمد بن عبد الله، عبد الله ورسوله ﷺ إلى الخلق أجمعين، رحمة مهداة، ونعمة مسداة، بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض كافة، وحمّله إبلاغ هذه الرسالة المباركة إليهم جميعا، فأحسن إبلاغها، فأدّاها نعم الأداء، وجاهد فيها حقّ الجهاد، لا يهدأ ولا يلين.
وبكتاب الله وهدي رسول الله ﷺ تربّى ذلك الجيل القرآني الفريد؛ الذي أقام دولة الإسلام، ورّثوها لمن بعدهم، وحملها المسلمون- ويحملونها- جيلا بعد جيل، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
* هذا الاحتفال:
وحين نحتفل «١» اليوم بمولد هذا الرسول الكريم ﷺ إنما لنستحثّ أنفسنا، وندعوها إلى السير على الطريق، طريق الله المنير وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [الأنعام: ١٥٣] وأنه المحجة البيضاء التي تركنا عليها
_________________
(١) ألقيت منذ سنوات في حفل جامعي (جامعة الإمارات)، ثم رتبت وزيدت، فتضاعفت.
[ ٢٥٢ ]
رسول الله ﷺ، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك «١» .
* أهمية المناسبات:
إنه لا يليق بالمسلم أن يعرف من هذا الدين مناسباته. ومن لا يتذكرون إسلامهم إلا في المناسبات، ليسوا أهلا لنصرته ودعوته، لكن المرجوّ أن تكون هذه المناسبات وقفة لإعادة النظر وإعمال الفكر؛ أن تكون نفحة تغسل الآثام، وتحرك النفوس للتوجّه إلى دين الله، والأخذ بكتاب الله، واتباع هدي رسول الله ﷺ. ولا يجب أن يشغلهم عنه أيّ شيء مهما كان، كما لا يصح أن يغنيهم عنه- أيّ غنى- أيّ منهج، مهما ادّعى وتبجح، فمنهج الله تعالى هو عدتهم وعدّة الإنسانية جميعا في كل العصور، وهو المنهج الوحيد الذي يجلب لها في الدنيا سيادة، وفي الآخرة سعادة.
وحين تسمو نفس المسلم إلى هذا المستوى، وتشرئب إلى هذا الأفق، تكون في غنى عن مناسبات تذكّرها، فبين يديه كتاب الله، مصدرا ومرجعا ومنهجا، يعيش معه صاحبا كريما ناصحا أمينا، نورا وبصيرة، يسترشده في كل أمر، ويستوضحه في كل شأن.
وما كان لهذه المناسبات من مكانة تربّعت عليها؛ إلّا لفقر في نفوس المسلمين، وخواء في أحوالهم وأفعالهم وتمسّكهم، وإلّا فالمسلم يحيا بعقله وقلبه وعقيدته وعبادته، مثلما يحيا بفكره وتصوره وسلوكه وكل حياته، مع القرآن الكريم ومع رسول الله ﷺ في سنّته وسيرته.
وكلّ ذلك حيّ في ضميره، تماما كما هو حيّ في سلوكه، وحبّ رسول الله ﷺ وطاعته، عقيدة وعبادة. وهي من حب الله وطاعته ودينه وشريعته.
_________________
(١) المعنى مأخوذ من حديث شريف للرسول الكريم ﷺ رواه العديد، منهم الإمام أحمد في مسنده (٤/ ١٢٦) .
[ ٢٥٣ ]
وبذلك يعلن محبة الخير للناس، ويعمل على دعوتهم بقوله وفعله، ولا خير إلّا بهذا الفهم والمسلك. وما كان المسلم يكره من المخالفين إنسانيتهم، بل يكره باطلهم وفسادهم. وإن ما وهبهم الله من نعم الدنيا برحمته، وفتح من إمكانيات بحكمته، لا يغنيهم في الدنيا ولا في الآخرة، بل الأمر أشد وأكبر. وكلّ ذلك حجّة عليهم، إذ كان لا بدّ أن يكون سببا لإدراكهم حكمة الله في الإنسان والحياة واستيعابها، فلا ينصرفون عن حكمه وشرعه، بل يقبلون عليه، وفيه وحده النجاة والسعادة في الدارين.
فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤) أَيَحْسَبُونَ أَنَّما نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْراتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦) إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧) وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (٥٨) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لا يُشْرِكُونَ (٥٩) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى رَبِّهِمْ راجِعُونَ (٦٠) أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَهُمْ لَها سابِقُونَ «١» [المؤمنون: ٥٣- ٦١] .
وهكذا لقد وقف رسول الله ﷺ يوما- في أوائل الدعوة المكية- يعلن لمن حوله حقائق هذه الدعوة العالمية، وديمومتها، وصدقها، وأحقيتها، فقال: «إنّ الرائد لا يكذب أهله، والله! لو كذبت الناس جميعا ما كذبتكم، ولو غررت الناس جميعا ما غررتكم. والله الذي لا إله إلا هو! إني رسول الله إليكم خاصّة وإلى الناس كافة. والله! لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، ولتجزونّ بالإحسان إحسانا، وبالسوء سوآ، وإنها لجنة أبدا أو لنار أبدا» «٢» .
* مولد واقتران:
ولد رسول الله ﷺ عام الفيل، الذي تعرفون- أيها الأخوة- قصّته
_________________
(١) التفسير (٤/ ٢٤٧١) وبعدها.
(٢) سبل الهدى والرشاد (٢/ ٤٣٢) .
[ ٢٥٤ ]
وخبره. وقد استنتج واستنبع الدارسون- قدماء ومحدثون- من ماجرياته الكثير من هذا الاقتران، بين الحادثة والمولد، وما زال فيها متسع.
فليس هذا الاقتران محض اتفاق، أيّ اتفاق، لكنه إشارة من الله تعالى لهذه الولادة الكريمة، وما جرى فيها من معان، كان منها التكريم لتلك الولادة، والتنويه بها، وإظهار مكانتها، والإعلاء لشأنها وما تنتظرها.
فاحتملت قصة الفيل فضيلة النصر الذي أراده الله، وتمّ بمعجزة منه ﷾، سنّة خارقة.
فإن الله ناصر دينه وحام حماه، وإن الدين الذي سيتّخذ- بإرادة الله ﷾- من الكعبة قبلة، ومن مكة حضانة، ومن مواقعها وحيا، سيتولاه ويتولاها الله بنصره، وستبقى قبلة يحميها الله من الآثمين، وينقذها من الوثنيين وأوثانهم؛ لتفئ إلى دين الله، وذلك بشارة أو إشارة إلى نبوة هذا الرسول الوليد، والوليد الرسول ﷺ.
وإنّ أهل الدّين مهما ظنوا أو تخلّوا عن دين الله، فسنن الله في نصره كثيرة، سنّة معتادة جارية أو سنّة خارقة، فكلّها سنن من خلق الله معجزة، يجريها كيف يشاء، فإذا انحرفوا أو تخلّوا عن دعوته أو دولته أو عبادته وطاعته، وأحاط الخطر بهذا الدّين، فإن الله تعالى يتولى نصره بدونهم.
وحتى لو أهمله أهله، فهو في رعاية الله ﷾، يتولّى حمايته، رغم إعراضهم وإهمالهم. والنّصر كلّه من عند الله الجليل ﷾، بهم أو بغيرهم أو بدونهم، فهو العليّ القدير سبحانه، ناصر دينه، فلله تعالى سنن وحكم.
وهذا تنبيه إلى أولئك الذين عبدوا الأصنام المتعددة. وهم قد أدركوا حوادث الفيل والطير والأبابيل وحجارة السّجّيل «١»؛ زمانا، وشاهدوها عيانا. وكان عليهم- وهم من ورثة دين إبراهيم، ﵇، وادّعوا
_________________
(١) اقرأ سورة الفيل، وهي سورة مكية.
[ ٢٥٥ ]
فضيلة الأهلية لذلك، فسمّوا أنفسهم الحمس «١» - أن يتبصّروا في حكمتها، ويدركوا أبعادها، بأي مقدار، ففيها التنبيه الذي يجعلهم- لو عقلوه- أقرب إلى دين الله الواحد، وأسهل في التخلي عن تلك الأصنام، وأقبل وأميل إلى الخروج من حياة الجاهلية للدخول في دين الله، وليكونوا في إحساس من نعمة الله عليهم، تجعلهم أسرع استجابة إلى الله ﷾، وما أنزل جلّت قدرته من دين، وأرسل من رسول ﷺ، لا أن يواجهوه ويكونوا من ألدّ أعدائه، فلا أقلّ من أن يدعوا رسول الله ﷺ ويخلّوا بينه وبين الناس.
* تفكر وتفكر:
ولكن للأسف لقد كان الأمر على غير هذا السبيل؛ الذي كان التفكير فيه أن يكون أصيلا بعيدا عن التنكّر، وبذلك الشكل العنيد.
وحين قام فيهم رسول الله ﷺ يدعوهم بكتاب الله ﷾، وكان فيهم معروفا وبينهم موصوفا، تنكروا له، وحاربوه وَأَنَّهُ لَمَّا قامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا [الجن: ١٩] .
فكانت لهم- ولكل أحد بعدهم- عبرة، من أن أيّ قوم، وأهل أيّ دين، إذا تنكروا وتمردوا وجهلوا وضلوا ورفضوا أو أعرضوا عن نصرته أو حاربوه، فإن الله ناصره، يهيّئ من ينصره أو ما ينصره.
وإن إقرارهم- بأيّ مقدار- بأحقيقته وواقعيته وتخلّفهم عن نصرته، لن ولا ولم تغن عنهم من الله شيئا، وقد تضعهم في صفّ أعداء الله، فليس في دين الله أنصاف، ولا في حياة المسلم مساومة ولا متاركة ولا إجازة، وإننا
_________________
(١) «الحمس»: جمع أحمس، وهو الصّلب المتشدّد في الدين والقتال. وهو لقب أطلقته قريش في الجاهلية على نفسها، وانضمت فيه إليهم قبائل أخرى؛ لزعمهم أنهم أهل الحرم، فخصّوا أنفسهم بشعائر ومشاعر، أخذا وتركا أو حلّا وحرمة. فأباحوا لأنفسهم- ومن التحق بهم- ترك الوقوف في عرفة والإفاضة فيها. راجع السيرة النبوية، ابن هشام (١/ ١٩٩) وبعدها. أدناه، ص ٣٩٠.
[ ٢٥٦ ]
لا نجد في دين الله موطنا للمبرقعين والمرقّعين والأدعياء والمدّعين.
إن الله تعالى لا يقبل من المسلم إلا الإسلام الخالص والتوجّه الكامل يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً «١» [البقرة: ٢٠٨] .
والذين يعدون أنفسهم مسلمين لا بد أن تكون كلّ حياتهم على نهج هذا الدين، لا يرضون به بديلا ولا عنه تحويلا، ولا في جزء من جزئياته، وذلك شأن كلّ من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا «٢» .
ولا يظن أحد أنه إذا ما تخلى عن دين الله- كائنا من كانت مكانته أو مقداره أو قوته- أنه يؤخّر ولادة الحياة الإسلامية، وإقامة دولة القرآن. فأن فعل أو بدا له، فقد توهّم السّراب ماء وأضلّ نفسه وخسر. إن نور الله لا يحجبه الضالون، ولا يوقفه التائهون، ولكن لله سننا ماضية، ولكل شيء عنده أجل مقدور ومعلوم، ويأتي نصره بتقدير منه ﷾.
ولله تعالى في كونه وخلقه ودعوته وجنده سنن. لِكُلِّ أَجَلٍ كِتابٌ [الرعد: ٣٨] وعند الله الحساب وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثالَكُمْ [محمد: ٣٨] فَبُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٤١) ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ [المؤمنون: ٤١- ٤٢] .
فلو أعرض أهل الأرض جميعا عن دين الله- وهم عند ذلك الخاسرون، في الدنيا والآخرة- فإن الله تعالى سيسخّر كلّ شيء، وسيشقّق الأرض لتخرج الأبطال، من النساء والرجال والولدان والأطفال- لو اقتضى الأمر ذلك، وأراده الله ﷾- يحملون الراية في كتيبة خضراء، يفتدون هذا
_________________
(١) «السلم»: يعني الإسلام.
(٢) من حديث شريف رواه: مسلم وأبو داود والترمذي والنّسائي وابن ماجه والدارمي وأحمد في المسند (٤/ ٣٣٧، ٥/ ٣٦٧) . ونص الحديث عنده: «ما من عبد مسلم يقول ثلاث مرات حين يمسي أو يصبح: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا، إلا كان حقا على الله ﷿ أن يرضيه يوم القيامة» .
[ ٢٥٧ ]
الدين منذ البداية، ينظّفون الأرض من أوضارها، ويطهرونها من أدناسها.
ولكل حادثة رواية، ولكل طاغية باغية نهاية. وذلك وعد الله ﵎: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ [الأنبياء: ١٠٥] .
* الإسلام وحده هو الشرف:
إنه لاستشراف وشرف أن يقف المسلم هذا الموقف الطاهر وبالقلب العامر- في أية مناسبة كانت- يدعو إلى الله ويعاهده، متكلما أو مستمعا، يدعوه بقلبه وبفعله وبنيته وبحياته وبقلمه وعلمه، أن يعمل لهذا الدّين، ويكون في عداد المجاهدين، يعتبر نفسه في سبيل الله جنديا، ويرضى أن يكون لدينه برهانا.
والمسلم الذي يتجه إلى القرآن، محبّا لله ورسوله ﷺ، حبّا يملك عليه نفسه، ويملأ به رأسه، ويحرّك حسّه ويجعل له بأسه وجهده وجهاده، يصبح الإنسان الحيّ، حيّا في الدنيا بالحق والنور، وحيّا في الآخرة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا [النساء: ٦٩] .
فدعوة الله تعالى هي الحياة الحقّة في الدنيا ويوم الدين، وما عدا هذه الدعوة هو الموت الأكيد أَوَمَنْ كانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها كَذلِكَ زُيِّنَ لِلْكافِرِينَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [الأنعام: ١٢٢] .
* معنى الاحتفال بالمولد الشريف:
إننا حين نحتفل بمولد رسول الإنسانية، وقائد البشرية ﷺ فذلك يسلمنا إلى ألانرضى بغيره قائدا وزعيما، ولا نعيش بدونه هاديا أمينا، مبلّغا عن
[ ٢٥٨ ]
الله تعالى هذه الرسالة، وداعيا لكتاب الله القرآن الكريم، وعند ذلك يحق لنا الهتاف بزعامة رسول الله ﷺ رسولا نبيا، حبّا وطاعة، ويتوجّب اتّباعه، عبادة نتقرب بها إلى الله، ونتعبّد الله بذلك، ﷾، وجل جلاله، وعمّ نواله، وعزّت قدرته.
إنّ احتفالنا بمولد رسول الله ﷺ، باعتبار نبوّته؛ التي كانت ولادته لها وما تلاها إعدادا لحملها، واستعدادا لإبلاغها، كان ذلك في علم الله؛ الذي اصطفاه، وأعدّه سبحانه؛ ليحمل هذه الرسالة، ويتلقّى عن ربّه قرآنا، معجزة الله الخالدة، يجاهد فيه، ويقيم دولة القرآن، ربّى عليه الأجناد، وعبّد لله العباد.
* هيمنة القرآن وإمامة الإسلام:
فحقّ لهم- ولنا ولكل المسلمين في كل زمان ومكان- أن يهتفوا بإمامة القرآن وهيمنته، كتابا هاديا، ودستورا مضيئا، لا نفرّط فيه، ولا نتحوّل عنه.
وعلى ذلك تربّى صحابة رسول الله الكرام ﷺ وورّثوه للأجيال التالية، وما زال- وسيبقى بعون الله تعالى- هذا القرآن، وهو كتاب الإنسانية، نفتديه على الدوام، وهو الذي آمنت به الجنّ إذ سمعته قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقالُوا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا [الجن: ١- ٢] . فهو كتابنا، وهو قرآننا، إماما وهاديا، نفتديه على الدوام.
وتتتابع في حمله الشعوب والأمم، وتتلاحم في أمّته، فتحيا به الأجيال، متحضّرة سعيدة، حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وسارت أمة القرآن تحميه، وتفديه، وتستلهمه، وتستهديه في دولة القرآن.
وحين ضعف الأخذ به، والالتزام بأحكامه، ضعف حال أهله بنفس المقدار، حتى دالت هذه الدولة- بعيدا أو غير بعيد- بعوامل داخلية وخارجية، ولحكمة أرادها الله تعالى، وهو الحكيم العليم.
[ ٢٥٩ ]
لا نريد من مسلمة اليوم- في أية بقعة من بقاعهم- لا سيما الناطقين بالعربية- باعتبار معرفتهم لهذا القرآن الكريم، والسنة المطهرة، والسيرة الشريفة، وشريعة هذا الدين، لمعرفتهم وفهمهم لغته- أن يكونوا آخر الركب التحاما بدعوة الإسلام، كما لا نريد أن يكون- هم وغيرهم وكل أمته إسلامهم باهتا، أو نائما، أو غائبا، فسيوقفهم الله ﷾، وسيسألهم عن كل ذلك، ويجزيهم بما يستحقون وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُلُونَ [الصافات: ٢٤] .
إنّ أمّة تملك كتاب الله، كيف تهمله؟!
كيف يشغلها عنه شاغل، أو يحول بينها وبينه حائل؟!
إنها مدعوّة لتعيد قراءته، إن كانت قد قرأت، تقرؤه بكلّ حواسها ومشاعرها وبكل كيانها، تتذوقه، وتتفهمه، وتتمثله، وتأخذه شاملا، وتقبل عليه بكليتها، وتتعبّد الله به، باتخاذه منهجا، والاستمداد منه شريعة.
فلا يصحّ للمسلم أن يحفظ هذا الكتاب في السطور أو الصدور، ولا يكون عنده حيّا في الشعور، ولا أن يحمله أوراقا ويهمله أخلاقا، أو يعرفه كلاما ويتركه أحكاما.
* يا حسرة على العباد:
إن الذي يهمل القرآن الكريم، ثم يذهب ليستجدي فتات القوانين، كمن يعاف الحلال الطيب في داره إلى جنبه، ويبحث عن اللحم الحرام! وكمن يملك الماء الزلال ويتركه ويهمله؛ ليرتاد آسن المستنقعات! وكمن عنده كنوز المال الحلال وخزائن الثروات، ثم يطلب الرّبا، به يقتات! فيهلك نفسه ويهلك من معه، نعوذ بالله، ووقانا منه.
كيف يحدث ذلك أم كيف يكون؟! وماذا يقول المسلم أمام هذا الشجن
[ ٢٦٠ ]
والشّجون؟!! فاقرأ معي قول الله ﷾ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ «١» [البقرة: ٢٧٥] .
يا حسرة على العباد! بأيديهم كتاب الله ﷾، فيه شفاء من كلّ داء، وصحة في كل ميدان، وتقدم نحو أرقى أفق وسعادة في الدارين، ويبحثون عند أهل الأدواء- في الدنيا والآخرة- ما يشفيهم. والوضع الطبيعي أن يتولّوا- هم حفظة وحملة وأهل هذا الكتاب الرباني الكريم- علاج أهل الأدواء. وعلى ذلك فعند أهله المسلمين وحدهم- بهذا الكتاب الكريم- العلاج، أنزله الله شفاء وضياء وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا [الإسراء: ٨٢] وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [النور: ٤٠] .
* ولادة وولادة:
وحين نحتفل بولادة الرسول الكريم ﷺ إنما نحتفل بنبوته ورسالته ودعوته وبنزول القرآن عليه؛ الذي كان نزوله من عند الله سبحانه، رحمة منه ﷿، ونعمة، ومنّة مباركة، فهو بداية الولادة المحتفى بها؛ ولادة الإنسان القرآني الرباني.
حمل هذا القرآن إلى الإنسان والإنسانية؛ في نوعيتها الجديدة، وولادتها الجديدة، ذلك المولود العظيم والنبيّ الكريم ﷺ الذي نحتفي اليوم بولادته، وبهذه الدعوة كانت ولادات الحيوات الفاضلة (جمع حياة) والحضارة الرافلة، بتعاليم هذا القرآن، وبمنهج الإسلام وشريعته كانت ولادة الإنسان الجديد.
وعندها ابتدأ الطريق لولادة الإنسان الجديد والحضارة الفريدة، ولادة الحياة الإسلامية، وقيام الدولة القرآنية.
_________________
(١) انظر: التفسير (١/ ٣١٨- ٣٣٣، ٤٧٢- ٤٧٨، ٢/ ٨٠٣، ٢٧٧١- ٢٧٧٢) .
[ ٢٦١ ]
فنزول القرآن الكريم هو بداية المولد بعد المولد، مولد الإنسان الربّاني الذي تربّى بهذا القرآن. ومع أن الله تعالى أراد لدينه النصر ووعد به، لكنه جعل ذلك حسب سننه الحكيمة التي وضعها، وكان هذا واضحا ومستيقنا لرسول الله ﷺ، بما أوحاه الله إليه، وقد علّمه للمسلمين الذين وعوه، لكنهم جاهدوا معه حق الجهاد، وكان أحدهم يستقلّ نفسه في سبيل الله، حتى إن المسلم ليتمنى أن يستجمع عمره لينفقه في أي حدث أو موقف أو حال أو معركة، دفاعا عن الإسلام، وتحقيقا لنصرته، وطلبا للشّهادة في سبيل الله ﷾.
ومع أنّ ذلك كان واضحا، ومع أن المسلمين جميعا كانوا على يقين من تحقيق وعد الله بالنصر، إلا أنّهم أيضا كانوا على يقين وقناعة مما عليهم أن يقدّموه في سبيل الله، عشقا حقا، وغراما صدقا وفداء ووفاء وإقبالا وتنافسا، ليقوم المجتمع الإسلامي، ويا بنى وجوده، وتقوم دولة الإسلام، وترتفع راية القرآن، وعند الله خير الجزاء في الجنان إلى جوار الرحمن ﷾. فإنّ تلك سنّة الله، وهي كذلك تماما تحقيق لمقتضيات الإيمان، ونصرة لدولة القرآن، وتقديم لافتداء العاشق الولهان.
فما كان يفكر أحدهم في النكوص؛ الذي ليس هو من صفات المؤمن، ولا ينظر أبدا في التّراجع، وقد برّأهم الله من ذلك. وهم الذين اجتنبوا السبع الموبقات، ومنها التّولّي يوم الزّحف «١» .
فكان الإقبال كاملا، والمحبة عميقة، تدفع المؤمن ليطير إلى كل أفق كريم، وسط الأعاصير يزاحمها، وفوق الأمواج يعلوها، ويمتطيها، وبين الأسنّة يقارعها، ونحو القمم يجاورها ويحاورها.
_________________
(١) من حديث شريف رواه البخاري (رقم ٢٦١٥) ونصه: «اجتنبوا السبع الموبقات» قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولّي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» .
[ ٢٦٢ ]
الهول في دربي وفي هدفي وأظل أمضي غير مضطرب
ما كنت من نفسي على خور أو كنت من ربي على ريب
ما في المنايا ما أحاذره الله ملء القصد والأرب «١»
ولا بدّ للأمل من عمل، يتجه به المسلم إلى الله تعالى العزيز الكريم، وإن المسلم لا يستمدّ أمله مما حوله كثرة وقلة، وإنما يستمدّ ذلك من الإيمان بالله سبحانه، مصدر القوى ومنزل النصر من خلال التمسّك بحقيقة هذا الدين. كما يستمدها مما أودع الله ﷻ فيما أنزله من منهج كريم وعظيم، وهذه هي بكل وضوح حقيقة هذا الدين. وكذلك من الاقتداء بسيّد الأنبياء، وإمام المرسلين محمد بن عبد الله ﷺ وعليهم جميعا، وبعد ذلك السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين.
المسلم قويّ بهذا الدين:
وكان هذا هو الأمل بنصر الله، وعليه يقوم، وبه يحيا شعور المسلمين، يوم كانوا قلّة مطاردة مضطهدة. مثلما كانوا يوم قامت دولتهم، دولة الإسلام. وحتى يوم قامت لم تكن تملك شيئا في مادياتها، وغير مادياتها، بجانب الدول الآخرى وإمكانياتها. وكان الحديث في غير دولة القرآن، عن مقارعة تلك الدول، أشدّ إيغالا من الخرافة المغرقة.
فأقبلوا على دين الله لا يخافون على شيء، ولا يخشون من شيء، وآجالهم وأرزاقهم وحياتهم بيد الله، وقد جاء في معنى الحديث الشريف:
«إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستوفي رزقها وأجلها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب» «٢» .
وكذا زيّنوا حياتهم بدين الله، وأعدّوا أنفسهم ليوم لقائه في الآخرة،
_________________
(١) هذه الأبيات الثلاثة من قصيدة للشاعر المسلم الكريم عمر بهاء الأميري.
(٢) التمهيد، ابن عبد البر (١/ ٢٨٤) .
[ ٢٦٣ ]
باذلين الحياة من أجله، وإن استقلّوها.
وفي معركة اليمامة حين اشتدّت الحرب، وتكاثر العدو على المسلمين، صاح أبو حذيفة في المسلمين: (يا أهل القرآن زيّنوا القرآن بالفعال) . وفيها صاح سالم مولى أبي حذيفة؛ الذي وصفه رسول الله ﷺ بقوله: «إنّ سالما شديد الحب لله»، وهو فارسيّ من إصطخر، ومن المهاجرين، وكان يحمل رايته- راية المسلمين- في تلك المعركة، صاح قائلا: (بئس حامل القرآن أنا إن لم أقتل في سبيل الله)، فحفر له حفرة، ووقف فيها يقاتل.
فقطعت يده اليمنى ثم اليسرى، واعتضد الراية حتى استشهد «١» .
إنّ ما يسكبه الإيمان بالله تعالى ودعوته، وكل مقتضيات هذا الإيمان، من قوة في النفس، وما يفتّق فيها من طاقة، وما يحبوها من بركة ويبوّئها من مكانة رفيعة، لأمر فوق التصوّر. إنه ينابيع كلمات الله تتفجر لتكون مثالا، مزيدا لا ينال، ولا يطلب إلا بهذا الدين وحده، كوّنه الإسلام، ويكونه الآن وعلى الدوام، بنوره في أكثر من مكان، في الدعوة الإسلامية العامرة، وهي تسعى لإقامة دولة القرآن، ومن أجل ذلك تسعى وتجاهد وتبذل وتضحي، وتقارع الظلم والظالمين، وتطارد البغي والباغين؛ لتغرس الخير والنور والحق المبين، وهذا ما نلحظه من خلال التاريخ الإسلاميّ كله، وعلى مداراته المتتابعة.
* أمّة القرآن عودي للقرآن:
فيا أمة القرآن! عودة إلى هذا القرآن، وهو الذي جعل الله القضية الأساسية الكبرى فيه: الألوهية والعبودية. الألوهية الحقة بخصائصها في الربوبية، والقوامة، والحاكمية، والعبودية الكاملة التي تعبّد الناس لإلههم الحق﷾- في كل حال ومال.
_________________
(١) انظر: سير أعلام النبلاء، الذهبي (١/ ١٦٩) .
[ ٢٦٤ ]
وكلّ الأمور الآخرى في القرآن الكريم هي من مقتضيات هذه القضية الأساسية الكبرى (الألوهية الحقة الواضحة، والربوبية الكاملة، والعبودية الخالصة)، والله تعالى يقول: وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: ٢٥] .
وبذلك ترقّت الأمة المسلمة في سلّم المكانة العالية الزاهية، وفي قمم العظمة الإنسانية الكريمة، بتباشير مستقبل البشرية المنير، ولادة الرسول ﷺ، وتبعتها ولادة الإنسانية الفاضلة بهذا القرآن الكريم؛ الذي أنزل الله تعالى عليه، وأمره بإبلاغه للناس كافة.
* الحياة البشرية من الجاهلية إلى الإنسانية:
وحياة الإنسان والإنسانية على الأرض- وفي البشرية أجمعين، بدون ذلك- يصيبها في هذه الحياة البوار والدمار، ويورّثها في الآخرة الخسار.
فحياة البشر لا تستقيم إلا إذا استقامت هذه الحقيقة الكبرى، في اعتقادهم وتصورهم، في حياتهم وواقعهم، لا تستقيم إزاء الكون الذي يتعاملون مع أحيائه وأشيائه. إذ حين يضطرب تصورهم لحقيقة الألوهية والربوبية والعبودية، يؤلّهون الأحياء والأشياء، ولا تستقيم إزاء بعضهم البعض بدون استقامة هذه الحقيقة في كل جنبات الحياة، ابتداء من ذات الإنسان.
وإن إنسانية الإنسان وكرامته وحريته الحقة الكاملة، لا يمكن أن تتحقق في ظلّ اعتقاد أو نظام أو مبدأ- مهما كان- لا يفرد الله ﷾ بالألوهية وبالربوبية، بل ويشرد عن العبودية.
وواقع البشر خلال تاريخه يثبت هذه الحقيقة ويصدّقها، فما من مرة انحرف الناس عن الدينونة لله وحده، ودانوا لغيره بالاعتقاد والشعائر أو الأحكام والشرائع، إلا وفقدوا بذلك إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم.
وإن الذين شردوا من العبودية لله وقعوا في شقوة العبودية لغيره، والتي أكلت إنسانيتهم وكرامتهم وحريتهم. مهما اختلفت الأنظمة والقوانين،
[ ٢٦٥ ]
شرقية أو غربية، مستوردة أو محلية. مهما ظنّوا فيها، أو ادعوا لها، لكن واقع الحياة كان كفيلا بكشف وهمهم ووهنهم، وبيان زيفهم وبعدهم، وربما ردّهم إلى الحق وسار أمامهم بوضوح كامل على الجادّة، بعد أو قبل فوات الأوان.
لقد تبين لفرعون ضلاله، وقد أغرقه الله، وأعلن إيمانه بعد ما رأى مصيره غرقا، وقد فات أوانه، غفلة واستكبارا، وكان بإمكانه أن يدرك ذلك، ويتدارك أمره، قبله وأبكر منه، وضوحا واستجابة: وَجاوَزْنا بِبَنِي إِسْرائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آياتِنا لَغافِلُونَ [يونس: ٩٠- ٩٢] .
لكنّ الذين أسلموا متأخرين قبل فوات الأوان، حازوا خير هذا الدين، والإسلام يجبّ ما قبله، فعوّضوا عما فات، والأمثلة كثيرة جدا «١» .
* المثل والأمثلة:
ففي معركة أحد، والمسلمون بقيادة رسول الله ﷺ متّجهون إلى المعركة، فتح الله قلب أصيرم (واسمه: عمرو بن ثابت بن وقش) - من بني عبد الأشهل- للإسلام، فأسلم، وعلم أن المسلمين ذهبوا للجهاد، فحمل سيفه في الحال، ولحق بهم مجاهدا، وقاتل حتى قتل، ووجد في الرّمق الأخير «٢»، ودهش لرؤيته الأنصار، لما يعرفون من كفره وصدّه، فقالوا:
_________________
(١) انظر ما فعله مثلا: الحارث بن هشام وحكيم بن حزام وعكرمة بن أبي جهل؛ بعد إسلامهم المتأخر، وقد حاربوا الإسلام قبل ذلك طويلا وضاريا وشاملا. انظر: الاستيعاب (١/ ٣٠٣، ٣٦٢، ٣/ ١٠٨٢) . أسد الغابة (١/ ٤٢٠، ٢/ ٤٥، ٧٠- ٧٣) . سير أعلام النبلاء (٤/ ٤١٩، ٣/ ٤٤- ٥١، ١/ ٣٢٣) .
(٢) السيرة النبوية، ابن هشام (٣/ ٩٠) .
[ ٢٦٦ ]
والله إن هذا للأصيرم، ما جاء به؟ فسألوا فأخبرهم الخبر، وإنه حين ذكر أمره لرسول الله ﷺ قال: «إنه لمن أهل الجنة» . وهكذا رحمه الله تعالى، ورضي الله عنه، وكان إقدامه واستشهاده. ذلك هو مقتضى الصدق في هذا الدّين، وقضى شهيدا، فكان هو الذي دخل الجنة، ولم يركع لله ركعة.
ولدينا العديد من هذه النماذج الفذة، وغيرها الكثير والكثير جدا، تلك صنعها هذا الدين، دين الله الحق لأهل الأرض أجمعين، ولا يمكن أن تكون إلا به- وبه وحده- وهو أمر طبيعيّ.
وفي معركة اليرموك (١٥ هـ) جرى مثل ذلك، حين أقبل إلى معسكر المسلمين «جرجة» أحد قادة الروم ليعلن إسلامه، ودخل المعركة إلى جانب عكرمة، وتعاهدا- مع آخرين كثير- على الموت في سبيل الله، فاستشهدا جميعا «١» . وهكذا وهكذا كثير، ووفير، وجدير.
فليلتحق المسلمون بركب الإسلام المنير عاملين بجديّة أكثر، يزداد القريب قربا، ويقترب البعيد، كما يفوز بالخير ولا يفوته، ويحظى برضا الله ﷿ وجنته، إن شاء الله ﷾.
* الشرود عن منهج الله هو الدمار:
لقد هربت أوربا من شريعة الله، ومنه ﷾. وحين هربت من الكنيسة الطاغية الباغية باسم الدين الزائف، وثارت على دين الله ﷾، ظن الناس هناك أنهم يجدون إنسانيتهم وحريتهم وكرامتهم ومصالحهم وحياتهم وسعادتهم، في ظلّ الأنظمة الفردية الديمقراطية؛ بما صاغوه، ووفّروه، ثم في ظلّ الأنظمة التفردية المستبدة الطاغوتية الجماعية، فلم يجدوا إلا الخيبة، والفشل الذّريع، والتغرير، والتدمير، وكانوا كالمستجير من الرمضاء بالنار، وانتقلوا من الوهم إلى السّراب
_________________
(١) البداية والنهاية، ابن كثير (٧/ ١٢- ١٣) .
[ ٢٦٧ ]
والأساطير. وسيبقى الإنسان كذلك حتى يعود إلى دين الله تعالى، ففيه وحده النجاح الأكيد الجديد، دنيا وأخرى، سيادة وسعادة.
وقد أغرتهم بذلك تلك الأشكال، وغرّتهم تلك المنتجات والإمكانيات، إلا أنّ الأمر انتهى إلى الرأسمالية الطاغية، بتشكيلاتها المختلفة، ولا فتاتها التي تحولت إلى خيالات وأوهام، فوقعوا في عبودية ذليلة، عبودية البشر للبشر، كثرة ساحقة خضعت لأقلية طاغية، تملك رأس المال، وتملك كل المؤسسات، وإن وضعت عليها اللافتات المزوّقة، والشعارات المنمّقة.
وهرب فريق منهم من تلك الأنظمة الفردية وأجهزتها؛ التي يطغى فيها رأس المال والطبقة، إلى الأنظمة الجماعية، فاستبدلوا طبقة بطبقة أعتى.
وبعد أن كانت تبعيتهم لأصحاب رؤوس الأموال ومؤسساتهم، غدت للدولة التي تملك المال والسلطان، فكانوا كذلك كالمستجير من الرمضاء بالنار الأشد قسوة ولظى، بعد تلك المعاناة.
وسواء انتهت هذه السلسلة أو ما زالت فيها بقية، يدفعها الضلال والكبرياء إلى الشرود عن الله ﷾، والتمسك بالجاهلية، فسيبقى الإنسان خاسرا مسحوقا، مادام في معزل عن الله ومنهجه، ومهما كان في مستوى فلا يقارن مع منهج الله تعالى، ومهما بلغ تقدمه من كل نوع؛ ولذلك أنزل الله شرعه العظيم الذي لا يكون أفضل له فحسب، بل لا يكون بدونه أبدا.
وفي كل مرة- لكل إنسان، وفي كل حال أو وضع أو نظام- دان فيه البشر للبشر، دفعوا له ضرائب فادحة، أنفسهم وكرامتهم وحياتهم وسعادتهم ودنياهم وأخراهم. إنه لا بدّ من عبودية لله تعالى، والأخذ بكل منهجه لكل الحياة الإنسانية، وهذا مما تحمله العبودية لله تعالى، وبها وحدها- يعرف الإنسان نفسه، ويجد حريته، ويحظى بإنسانيته وسعادته، فإن لا تكن لله وحده تكن لغيره، مما عداه، من حجر أو شجر أو شهوة أو هوى أو بشر أو وجهة، من أي نوع كانت وتكون.
[ ٢٦٨ ]
والعبودية لله وحده تطلق الناس أحرارا أبرارا شرفاء أعلياء، والعبودية لغير الله تأكل إنسانيتهم وكرامتهم وسعادتهم، ثم تأكل حتى مصالحهم المادية. وإن هذه القضية لا تتعلق فقط بعبادة الأصنام والأوثان في الجاهليات، حتى القديمة، لكنها تتعلق بكل ألوان الجاهليات، وحتى الحديثة والمعاصرة والمستقبلة، وإن ادعت الحتميات والتقدميات وامتلكت التقنيات وكل الإنجازات، ورفعت الشعارات والعبارات، فإن جاهليات ما قبل التاريخ، وجاهليات التاريخ، وجاهلية القرن العشرين، وكل جاهلية، تقوم على أساس من تعبيد العباد للعباد تتردّى بالإنسان، وتذهب سعادته، وتأكل إنسانيته وكرامته، وهذه- لا غيرها- هي الجاهلية، مهما لبست والتبست وتنوعت وتشكلت واستخفت وأخفت أو أظهرت. وهذه القضية لا تتعلق بالمسلمين وحدهم بل بالبشرية كلها، بكل أجيالها وأجناسها وأحوالها وأوضاعها.
ومثلما لا يغني عن المسلمين مجرد الانتساب، مثلما لا يغني عنهم الخلط والمزج بين الإسلام وغيره، للتمويه والتذويب أو لما سوى ذلك، فإن الله ﷻ لا يقبل من الأعمال إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم.
* النجاة بهذا الدّين وحده:
ومن أجل إخراج الناس من تلك الجاهليات، وكل الجاهليات في كل العصور والمواقع، أيّ شكل أخذت، وأيّ زي ارتدت، من أجل إخراجهم من كل ذلك، وتعبيدهم لله رب العالمين، من أجل إخراجهم من الظلمات إلى النور، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن عبادة العباد، وأية عبادة أخرى، إلى عبادة الله تعالى، جاءت رسالات الله، وبعث بها أنبياءه ورسله ﷺ لتنظيم الحياة الإنسانية وانتظامها، كريمة فاضلة مرتوية ناهلة مؤمنة بربها بعمق أصيل، وسائرة في الموكب المنير.
[ ٢٦٩ ]
والأنبياء والرسل- عليهم الصلاة والسلام- أخوة، هدفهم واحد، ومهمتهم واحدة، ودينهم واحد، وربهم واحد، بعثهم الله حكمة ورحمة وفضل ونعمة على الإنسانية، يرعون ركبها المتحضّر الفاضل، يقودها ذلك الرهط الكريم من الأنبياء والرسل، عليهم الصلاة والسلام.
وكان خاتمها تلك الرسالة الدائمة الباقية، رسالة الإسلام، وهدي القرآن، حملها رسول الله ﷺ الذي نحتفل اليوم بمولده، وذلك واضح في القرآن الكريم المنزّل على رسوله الأمين ﷺ، والذي فهمه وعاشه أولئك الصّحب الكرام، ومن تبعهم ووالاهم في كلّ جيل، حتى يرث الله الأرض ومن عليها، والرسول الكريم ﷺ يقول: «الأنبياء أخوة لعلّات، أمهاتهم شتّى ودينهم واحد» «١» .
* مهمّة المسلم وآفاقه وقوّته:
فحين سأل قائد الفرس في القادسية (١٥ هـ) رستم رئيس وفد المسلمين إليهم ربعي بن عامر عن الذي جاء بهم، قال: (الله ابتعثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله، ومن ضيق الدنيا إلى سعتها، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، فأرسلنا بدينه إلى خلقه لندعوهم إليه، فمن قبل منا ذلك قبلنا ذلك منه، ورجعنا، وتركناه وأرضه يليها دوننا، ومن أبى قاتلناه أبدا حتى نفضي إلى موعود الله) . فقال رستم: (وما موعود الله)؟
فقال ربعي: (الجنة لمن مات على قتال من أبى، والظفر لمن بقي) «٢» .
وتحقيق هذا الهدف يناسبه البذل وعدم البخل بكل شيء، واسترخاصه، حتى لو كانت النفس، وذلك كان واضحا بالعمل عند المسلمين.
_________________
(١) سبق ذكره: أعلاه، ص ١٣، ٢٤٤. رواه البخاري، رقم (٣٢٥٩)، ومسلم رقم (٢٣٦٥)، وأحمد (٢/ ٤٠٦، ٤٣٧) .
(٢) تكرر ذكره آنفا: أعلاه، ص ٣٦، ٨٤. البداية والنهاية، ابن كثير (٧/ ٣٩) . القادسية: أحمد عادل كمال (١٠٦) .
[ ٢٧٠ ]
ولقد ربّى رسول الله ﷺ أصحابه على ذلك، وكان لهم مثالا وقدوة، وفي كل شيء، مستعليا وزاهدا في كلّ ما حوله، إلا فيما يرضي الله تعالى، ويقرّب إليه أكثر، وهكذا عاش ﷺ وصحبه المجاهدون الكرام.
* كيف السبيل؟
وعلى مسلمة اليوم أن ينهجوا نهجه ﷺ في نفوسهم وفي حياتهم، ابتداء من ذواتهم، عاملين على نصرة الإسلام. وإنّ الله سينصر هذا الدين، وينصر أهله، ويقيّض من ينصره، وتلك سنة الله ﷾ في خلقه دواما.
وإن كنّا على يقين نشهد ونرى في نفوسنا وتصوّراتنا وعقيدتنا، مؤمنين أن دين الله منتصر، وأن فارس الإسلام قائم، وموكبه المنير قادم، ولكنه لا بد من تضحيات، ولا بد من بذل صادق يقدّمه المسلمون.
كل ذلك يقوم على فهم رائق للإسلام، بكل ما يحتويه ويشمله، ولا تصفو المسيرة إلا بصفاء الفهم، وخلوص الإقبال على الله تعالى، بهمّة وحكمة وحنكة وكياسة، يوفره العيش في هذا الدين، تتفتح به المغاليق في النفس والحياة بكل مجاليها وأحوالها على الدوام.
وهذا هو السبيل الذي لا بدّ من سلوكه، تقبل عليه النفس بلا تخفف، وتؤدي حقّه بلا تكلّف، بل إنها لتعشق ذلك، وتندفع نحوه، وتسرّ بما تقدمه، أكثر من ذلك الذي تدّخره وتوفره.
* أداء حق أمانة الدعوة:
فإذا كان للحمل ولادة والولادة قادمة، لا بدّ لها من مخاض، ولا بدّ للمخاض من آلام- سنّة الله وحكمته- يتحملها المسلم بنفس راضية، وروح وفيّة قوية، حتى لو كانت الولادة تورث الموت وَاللَّهُ غالِبٌ عَلى أَمْرِهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ [يوسف: ٢١] .
[ ٢٧١ ]
ولا بد- بعون الله ﷾ وفضله- أن تشرق الأرض مرة أخرى بنور الله المبين، ويهتف أهل الأرض أجمعين بالألوهية والربوبية والعبودية لله ﷿ وحده ﷾، ونبوة الرسول الكريم ﷺ قائدا وزعيما، وبالقرآن الكريم دستورا وكتابا مبينا، وبالجهاد سبيلا، مهما تحلّك الظلام، وتجهم الطغاة والطّغام، إن شاء الله تعالى قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [المائدة: ١٥- ١٦] .
اللهم انصر جندك، وأعل راية شريعتك، وأظهر دينك، واجعله ضياء ونورا لنا في الدنيا والآخرة، وأسكنّا جنتك تحت لواء محمد بن عبد الله رسولك ﷺ، وأنعم علينا بالنظر إلى وجهك الكريم وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناضِرَةٌ (٢٢) إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ [القيامة: ٢٢- ٢٣] اللهم آمين.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ٢٧٢ ]
المبحث الخامس ولادة الرسول الكريم ﷺ الإرهاص والإشارة
* المولد الميمون: المناسبة والاحتفال
* مدلول حادثة الفيل
* عالمية الدعوة الإسلامية
* السمو بالاستمرار والاتصال
* صورة مضيئة يهبها الإيمان
* السهمي في بلاط كسرى
* معجزة نبوية شاهدة
[ ٢٧٣ ]