الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد
فلقد أوشك الأمل على التحقيق واقتربت بفضل الله تعالى من إصدار هذا الكتاب الذي يختم تاريخ الدعوة والسيرة النبوية في العهد المدني، وينتهي بوفاة رسول الله ﷺ وانتقاله إلى الرفيق الأعلى ﷾.
وقد رجعت إلى العديد من المؤلفات القديمة والحديثة في السيرة النبوية فوجدتها جميعًا تعود إلى المصادر الأساسية وهي القرآن الكريم، وكتب السنة، وسيرة ابن إسحاق والمغازي للواقدي، والطبقات الكبرى لابن سعد، وزاد المعاد لابن القيم، والشفا للقاضي عياض، فالتزمت بهذا المسلك فهو خير وأجدى.
وأملي أن يقوم المسلمون بواجبهم إزاء السيرة النبوية؛ لأن السيرة في الحقيقة تقديم الإسلام في صورته التطبيقية وهو يتعامل مع الفطرة، ويراعي الواقع، ويلتقي مع الإنسان ويرتقي به.
إن الأمم العظيمة تكرم رجالها الذين قدموا للأجيال خدمات وفوائد، وليس هناك في الأمم من يماثل رسول الله فلقد قدم للإنسانية كلها دينًا يحقق سعادة الناس وينشر الأمن والسلام.
ولسوف يجد العلماء في سيرة رسول الله ﷺ خير زاد في أبحاثهم ودراساتهم، كل في مجاله، ولذا وجب على العلماء المسلمين أن يعودوا إلى السيرة يأخذون منها الزاد والدليل، ويعرفون الدواء لكل داء.
لقد عاش ﷺ أبا حنونًا، وزوجًا رحيمًا، وأخًا صالحًا، وإنسانًا مخلصًا، وقائدًا أمينًا، وإمامًا هاديًا، وناصحًا صادقًا، ورسولا يستقبل الإسلام ويبلغه للناس. إلى آخر المجالات التي يمكن لإنسان أن يقوم بها أو يكلف بها رسول الله ﷺ.
وهو ﷺ في كل ما قام به كان مثالا عاليًا، وقدوة رائدة لكل من يريد التقدم والفلاح.
[ ٧٢٦ ]
والأمل أن يهتم كل مسلم بسيرة رسول الله ﷺ ليأخذ منها مناط الأسوة التي يحتاج إليها حيث نشاطه وعمله.
ولسوف يشعر المسلمون بالعزة يوم أن يعيشوا الإسلام كما جاء به رسول الله ﷺ وكما عاشه المسلمون الأوائل.
وقد كان لعلماء العصر الحديث فضل أن قدموا النبي ﷺ في لقطات متخصصة فمنهم من كتب الجانب النفسي ومنهم من كتب في الطب النبوي، ومنهم من كتب في القيادة المحمدية، وهكذا حتى أصبح أمر الاستفادة من السيرة سهلا لمن يريده، وأصبح عملا جميلا لمن يبحث عن السعادة والرضى.
ولا يصح مطلقًا أن نعيش السيرة فكرًا ثقافيًا نعجب به، ونعرفه، ولا نطبقه لأن ذلك إهمال للواجب، وإساءة لحق رسول الله ﷺ، وإضاعة لحضارة إسلامية عظيمة قائمة على العلم والعمل، ومعتمدة على الفكر والسلوك، ولعل ما فيه المسلمين اليوم يؤكد المحاذير التي أشرت إليها، فلقد صاروا في مؤخرة العالم وغدوا عالة عليه من ساعة إهمالهم لتطبيقات السيرة، وابتعادهم عن العمل بالإسلام.
والأمر في هذا الشأن بدهي كله لأن المسلم حين يبتعد عن الإسلام يعمل بلا هوية، ولا يعرف لنفسه غاية، وتتكاثر أمامه الطرق، وحينئذ يتحرك بعشوائية، ويرضى بأي غاية، ويضل بين المسالك والسبل، الأمر الذي يسهل لأعداء الإسلام وأعداء الله اللعب به، وإضعافه، وإبعاده عن الغايات الإسلامية العظيمة.
إن محاولتي في الكتابة عن السيرة ليست ترفًا، وليست تقليدًا، وإنما هو أمل أرجو من ورائه إحياء الروح الإسلامية في الإنسان ليتحرك نحو الله، ملتزمًا بمنهج رسول الله ﷺ حتى تخرج الأمة من التيه، وتنقذ نفسها من المستنقع الذي وضعت نفسها فيه، وتبدأ من جديد حياة المجد والكرامة التي جاء رسول الله ﷺ لتحقيقها في عالم الحياة.
إن الإنسان المسلم مسئول عن إسلامه وعن رسول الله ﷺ وسوف يجد كل نفسه أمام سؤال لا بد منه فلا تنفع فيه الحيل، ولا يصح معه الكذب أو السكوت، وهذا
[ ٧٢٧ ]
السؤال هو:
من هو الرجل الذي بعث فيكم؟
وماذا تقول فيه؟
وهل كنت تابعًا له أم معارضًا له؟
وهل عشت الإسلام عملا أم طرحته وراءك؟
وبعد السؤال يكون الجزاء، وهو إما إلى الجنة وإما إلى النار.
لم ينتفع الإنسان في هذا الوقت إلا بعمله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ، وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ، وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ، وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ، ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ، وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ، تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ، أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ﴾ ١.
الأمر خطير، والمسئولية عظيمة، والطريق معروف، وهو ما حاولت أن أبرز شيئًا منه فيما كتبت، وحذرت من مغبة الكسل، والإهمال.
أسأل الله تعالى أن يفتح القلوب والعقول، وييسر العمل والتطبيق، ويحقق الفوز والفلاح، وأن يجعل عملي هذا خالصًا متقبلا لأستفيد به في ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ ٢.
والحمد لله رب العالمين
المؤلف
_________________
(١) ١ سورة عبس: ٣٤-٤٢. ٢ سورة الشعراء: ٨٨-٨٩.
[ ٧٢٨ ]