مدخل
الفصل الأول: السيرة النبوية من الهجرة حتى وفاته ﷺ
تمهيد:
أخذ كفار مكة في صدر الناس عن الإسلام، والعمل على إطفاء نور الله في قلوب المؤمنين، واستعملوا من أجل ذلك كافة ما أمكنهم من عمل، وأخذوا في إلحاق الأذى برسول الله ﷺ وأصحابه معه، حتى أنهم دبروا لقتل رسول الله ﷺ وآذوا المؤمنين إيذاء شديدًا، وقد أحاطت عناية الله برسوله ﷺ وبدينه، فساق إلى مكة نفرا من الأوس والخزرج، دخلوا في الإسلام، وبايعوا رسول الله ﷺ على الجهاد والموت كما هو واضح في بيعة العقبة الثانية١.
فكان أن أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالهجرة إلى المدينة، وهاجر ﷺ بعدهم ولحق بهم، واستقر حال المسلمين بعد تمام الهجرة وتأسيس دولة الإسلام في المدينة المنورة.
وأخذت الأحداث تتابع، وبدأ نصر الله لدينه وللمؤمنين يتحقق في أرض الواقع، ووصل دين الله إلى العالم كله، وبذلك عاشت سيرة الرسول، وحركته لله في العقول والقلوب، وحفظت في السطور والصدور، وبرزت في الأعمال والسلوك.
وقد تأسست دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة بعد الهجرة، وصارت نموذجًا حيًا لحضارة راقية، قامت على التوحيد الخالص، والعبودية الكاملة لله وحده والتمسك بالعمل الصالح، والخلق الكريم.
وفي منهجنا لدراسة هذه المرحلة أحب أن أفرق بين أمرين:
الأمر الأول:
أقصد بأحداث السيرة النبوية الأحداث التي عاشها رسول الله ﷺ بصورة شخصية في جانبها الأغلب، وإن شاركه غيره فيها كهجرته ﷺ وإنشاء بيوته، وزواجه، وأولاده، وتعامله مع أصحابه إلخ. إلى وفاته ﷺ.
_________________
(١) ١ انظر ص٤١١ من الكتاب الثاني.
[ ٥٣ ]
الأمر الثاني:
أعني بأحداث حركة النبي ﷺ بالدعوة، الأحداث التي كان النبي ﷺ يقوم بها مع سائر المسلمين في نشر الإسلام وتبليغه للناس، وذلك كالجهاد، وإرسال الرسائل، واستقبال الوفود إلخ، مما له صلة بتبليغ الإسلام، وإن قام به الرسول ﷺ وحده أحيانًا.
إن الترابط بين الأمرين كبير، إلا أني فرقت بينهما منهجيًا، لأجعل الأمر الأول في دراسة السيرة، وأجعل الأمر الثاني في دراسة حركة الرسول ﷺ بالدعوة وإن قام بهما معًا رسول الله ﷺ.
وفي هذا الفصل تأتي دراسة السيرة النبوية في العهد المدني ولذلك أراها تتناول المباحث التالية:
المبحث الأول: الهجرة النبوية.
المبحث الثاني: الاستقرار في المدينة بعد الهجرة.
المبحث الثالث: تنظيم الحياة الاجتماعية في المدينة.
المبحث الرابع: الحياة الأسرية لرسول الله ﷺ في المدينة.
المبحث الخامس: رد ما يقال عن تعدد زوجات النبي ﷺ.
المبحث السادس: الحكم العامة في تعدد زوجات النبي ﷺ.
المبحث السابع: حسن معاشرة النبي ﷺ لزوجاته.
المبحث الثامن: أبناء النبي ﷺ.
المبحث التاسع: الحياة الشخصية لرسول الله ﷺ.
المبحث العاشر: أداؤه ﷺ رسالة الله تعالى.
وأما وفاته ﷺ فسوف أجعلها بإذن الله تعالى في نهاية الحديث عن حركة الرسول بالدعوة ليكون الحديث في هذا الموضوع خاتمًا للسيرة والحركة معًا.
والله الموفق.
[ ٥٤ ]
المبحث الأول: الهجرة النبوية
مدخل
المبحث الأول: الهجرة النبوية
تمهيد:
بعث رسول الله ﷺ إلى العالم كله فأخذ يبلغ الإسلام، ويتحرك به وفق منهج واقعي، فبدأ بالدعوة في مكة حيث بدأ نزول الوحي فيها، واستمرت الدعوة في مكة موطنها الأول ثلاثة عشر عامًا، تنوعت فيها الوسائل، وتعددت الأساليب، وتحمل المسلمون مع رسول الله ﷺ مسئولية تبليغ الإسلام، ونشره بين الناس.
ومع أن الإسلام دين الخلق الكريم، والمعاملات النبيلة، والعقيدة الصافية الصادقة، ومسلكه الحسن الدائم، وغايته تكريم الإنسان، والمحافظة على كافة الحقوق وتحقيق السعادة الحقيقية في الدنيا والآخرة.
رغم أن الإسلام هكذا فإن أهل مكة، وبخاصة كبراؤها وسادتها لم يؤمنوا بدعوة الله، وإنما أخذوا في ردها، وصد الناس عنها، يدفعهم الحقد، وتغذيهم العصبية، ويحركهم الحرص على وضعيتهم الظالمة التي جعلوها منهج حياتهم.
وقد رأينا في دراسة العهد المكي مدى عدوانية كفار مكة، واضطهادهم لكل من أسلم ووقوفهم سدًا يصد الناس عن استماع دعوة الله، وأخذوا يتهمون محمدًا ﷺ بالأكاذيب المضللة حتى لا يسمعه أحد، مستفيدين من كثرتهم ومنزلتهم في قلوب الناس وتحكمهم في التجارة والمال، وقد نجحوا في عدوانيتهم إلى حد بعيد.
إن عرب الجزيرة كانوا يقولون: "أهل الرجل أعرف به" فنأوا بأنفسهم عن الصراع الموجود في مكة، منتظرين نتائجه ليتخذوا بعد ذلك الموقف الذي يرونه.
لقد دخل في الإسلام عدد قليل من مكة، ولو استمر إيمان الناس بالوتيرة التي سارت عليها خلال العهد المكي لاحتاج رسول الله ﷺ إلى الزمن كله ليصل الإسلام إلى الناس في العالم كله، لأن جملة من دخل في الإسلام خلال العهد المكي لم يزد عن المائتين إلا قليلا، على خوف من طواغيت مكة واعتداء كبرائها.
أمام هذا كان لا بد لدعوة الله تعالى أن تتخذ منهجًا جديدًا، ومسارًا آخر تحقق
[ ٥٥ ]
به انطلاقة كبرى للإسلام.
وكان قدر الله تعالى مع حاجات الدعوة وواقعها، ومع آمال رسول الله ﷺ والمسلمين فأمرهم بالهجرة العامة من مكة إلى بلد آخر.
وقد سبق للمسلمين أن هاجر نفر منهم إلى الحبشة، تدريبًا لهم على ترك مكة، واكتشافًا لمعرفة حياة الآخرين ومذاهبهم، وليعلموا أن ترك الديار والأهل والمال والولد من أجل العقيدة والدين أمر مشروع، ولربما كان واجبًا حين لا يأمن المسلم على دينه وعقيدته.
وقد بلغ عدد المهاجرين إلى الحبشة قريبًا من ثمانين مسلمًا ومسلمة، ولذلك فهي هجرة خاصة في عدد المهاجرين وفي الأهداف المقصودة، أما الهجرة إلى المدينة فإنها تعرف بالهجرة العامة لأن جميع المسلمين كلفوا بها كما تعرف بالهجرة النبوية لأن النبي ﷺ هاجر فيها مع المسلمين.
ولما اشتد عنت الكفار، وغلظ عدوانهم على رسول الله ﷺ والمؤمنين معه نزل أمر الله تعالى بالهجرة إلى المدينة، فهاجر إليها المسلمون جميعًا ومعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
والحديث عن الهجرة يتناول النقاط التالية:
النقطة الأولى: تحديد موطن الهجرة.
النقطة الثانية: أهمية الهجرة.
النقطة الثالثة: تنظيم الهجرة.
النقطة الرابعة: وقفات بارزة في الهجرة.
وذلك في الصفحات التالية:
والله الموفق.
_________________
(١) ١ انظر سيرة ابن هشام ج١ ص٤٨٠.
[ ٥٦ ]
النقطة الأولى: تحديد موطن الهجرة
إن ترك موطن الصبا والبعد عن الأهل والأحبة إلى مكان جديد لشاق على النفس يحتاج إلى تفهم لسببه، واقتناع بأهميته، والوقوف على الغايات السامية التي تقتضيه.
وكان رسول الله ﷺ يعلم صعوبة الأمر بالهجرة على أصحابه ولذلك تدرج في أمرهم بالهجرة، وإخبارهم بمكانها ووجهتها.
ففي البداية قال النبي ﷺ لأصحابه: "إني أريت دار هجرتكم، ذات نخل بين لابتين"١.
فبدأهم بأنها رؤيا منامية، ورؤيا الأنبياء حق، ولم يحدد لهم مكان الهجرة لتنشغل نفوسهم بالبحث عنها والتفكير في شأنهم معها، وليعلموا أنها حصينة لوصفها بأنها بين لابتين، وغنية لأنها ذات نخل.
وقد ظن الصحابة بعد أن أخبرهم الرسول ﷺ برؤياه تلك أنها اليمامة٢.
أو هجر٣، أو يثرب٤، أو قنسرين٥ لوجود الصفات التي أخبرهم بها رسول الله ﷺ فيها، ومع هذا الظن لم يتصرفوا من تلقاء أنفسهم وإنما انتظروا تحديد دار هجرتهم من رسول الله ﷺ ويبدو أن هذا التحديد تم بعد مراحل تمهيدية.
ففي المرحلة الأولى أخبرهم النبي ﷺ برؤياه.
يحدث أبو موسى الأشعري أن البداية كانت في قول النبي ﷺ: "رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي إلى أنها اليمامة، أو هجر
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المناقب ج٦ ص٢٠٨، واللابة الأرض الصخرية المرتفعة، وهي الحرة. ٢ اليمامة تقع في الجنوب الغربي لجزيرة العرب. فتحها خالد بن الوليد وقتل فيها مسيلمة سنة ١٢هـ. ٣ بلد معروف بالبحرين يسكنها عبد القيس، وبها كانت تصنع القلال التي كانت تباع بالمدينة. ٤ هي مدينة رسول الله ﷺ وقد سماها ﷺ بعد الهجرة طابة وطيبة. ٥ قنسرين بكسر القاف وفتح النون الأولى مشددة، وهي إحدى مدن بلاد الشام.
[ ٥٧ ]
فإذا هي المدينة " يثرب""١.
وبعد ذلك نزل الوحي على رسول الله ﷺ يخيره في الهجرة إلى واحد من أماكن ثلاثة هي: المدينة، أو البحرين، أو قنسرين فعن جرير بن عبد الله عن النبي ﷺ أنه قال: "إن الله أوحى إليّ أي هؤلاء الثلاث نزلت فهي دار هجرتك، المدينة، أو البحرين، أو قنسرين" ٢.
ثم كان تحديد دار الهجرة بعد ذلك، يروي الترمذي في سننه أن النبي ﷺ بعد أن أخبر أصحابه بالهجرة من مكة بأيام خرج إليهم مسرورًا، وهو يقول لهم: "قد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب، فمن أراد الخروج فليخرج إليها" ٣.
وإنما كان التدرج حول أمر الهجرة لحال المهاجرين حتى يسهل عليهم ترك الأهل والدار، وربما كان لأحدهم ارتباط معين يحتاج إلى وقت لينتهي منه ويؤدي ما عليه.
ولعل تأخير تحديد المكان يؤدي إلى صرف أذهان القرشيين عن أهمية الهجرة، وإدراك خطورتها عليهم وعلى تجارتهم لأنهم كانوا يخافون من دخول أهل المدينة في الإسلام لتأثيرهم على أهل مكة وبخاصة إذا انضم الرسول ﷺ إليهم، وقادهم بدينه الذي يدعو إليه.
ولم يتصور أهل مكة أن الهجرة هذه المرة ستكون شاملة للرسول والمسلمين جميعًا وظنوها واحدة تشبه سابقيها، ولذا لما بدأ المسلمون في الرحيل إلى المدينة لم يتعرض لهم أحد، مع أنهم كانوا يخرجون أرسالا٤ ظنًا من أهل مكة أن الرسول ﷺ لن يلحق بهم كما فعل مع مهاجري الحبشة.
وقد رحلت عائلات بأكملها فقبيلة بني غنم رحل منهم، أربعة عشر رجلا، وسبع نسوة، كما تحرك عمر بن الخطاب ﵁، وأهله، وعشيرته وحلفاؤه في عشرين رجلا وامرأة.
واستمر رحيل المسلمين من مكة حتى لم يبق منهم إلا رسول الله ﷺ وبنوه، وأبو بكر وبنوه، وعلي بن أبي طالب، وأسامة بن زيد حيث أبقاهم رسول الله ﷺ بأمر الله تعالى، فلما علم أهل مكة بإعداد الرسول ﷺ للهجرة خافوا من الأمر ووقع في أيديهم، فأخذوا في التخطيط لقتل رسول الله ﷺ حتى لا يقع ما يحذرون منه.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب مناقب الأنصار باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه ج٧ ص٢٢٦. ٢ سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي. ك المناقب. باب فضل المدينة ج١٠ ص٢٩٢. ٣ سنن الترمذي مع شرحه تحفة الأحوذي. ك المناقب. باب فضل المدينة ج١٠ ص٢٩٢. ٤ أرسالا: أي جماعة إثر جماعة.
[ ٥٨ ]
النقطة الثانية: أهمية الهجرة
الهجرة هي الترك مطلقًا، وتشمل ترك المحسوسات والمعنويات ولذلك فهناك ترك المعاصي، وترك الأفكار الضالة، وهناك ترك الديار والبلاد والرحيل عنها إلى مكان آخر، وكلاهما هجرة وترك، والفاعل لأحدهما مهاجر وتارك.
ومن الهجرة الحسية ما تقوله الملائكة للمستضعفين الذين ظلموا أنفسهم، وبقوا تحت سيطرة الطغاة أذلاء مستعبدين ليقيموا عليهم الحجة، ويبينوا لهم أن الضعف معصية وجريمة يعاقب الله من رضي به، وهو قادر على الخلاص وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ ١.
ومن الهجرة المعنوية جاء قوله ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" ٢.
وقد هاجر المسلمون إلى الحبشة تاركين مكة وما فيها من ضلال وشرك، فهي هجرة حسية، وهجرة معنوية معًا.
والهجرة إذا أطلقت فإنها تنصرف إلى هجرة المسلمين ومعهم رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ سورة النساء: ٩٧. ٢ صحيح البخاري كتاب الإيمان ج١ ص٥٣ وهذه رواية الحميدي ط الأوقاف.
[ ٥٩ ]
من مكة إلى المدينة المنورة، والذين قاموا بالهجرة هم المهاجرون الذين قال الله فيهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ١.
ويندرج معهم كل من ترك موطنه أيا كان موقعه، ولحق برسول الله ﷺ في المدينة يقول ابن الأثير: "والمراد بالمهاجر في الشريعة من فارق أهله، ووطنه، وجاء إلى بلد الإسلام، وقصد النبي ﷺ رغبة فيه، وإيثارًا له"٢.
وكلام ابن الأثير لا يقيد الهجرة بمكان خاص وإنما يجعل الهجرة شاملة لأى مكان ما دامت تقصد الرسول ﷺ في بلد الإسلام رغبة في صحبته، وإيثارًا للتعلم منه، وابتعادًا عن أعداء الله الذين يبغونهم الفتنة والضرر.
وعلى ذلك فمن ترك دار الشرك، ولحق بدار الإسلام فهو مهاجر، يقول ابن عباس ﵁: "كان رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر من المهاجرين، لأنهم هجروا دار الشرك إلى دار الإسلام، وكان من الأنصار مهاجرون تركوا المدينة يوم أن كانت دار شرك وقصدوا رسول الله ﷺ عند العقبة"٣.
والهجرة المقصودة من الدراسة هي الهجرة إلى المدينة المنورة.
وترجع أهمية الهجرة إلى المدينة المنورة إلى أنها تمثل الانطلاقة الكبرى لانتشار الإسلام بعد ما وقف أهل مكة من الإسلام والمسلمين موقف العنت والكبرياء، وأخذوا يصدون عن سبيل الله بكل وسيلة ممكنة، مهما كان فيها من الكذب والغلو والبعد عن الحق والسداد.
يصور القرآن الكريم موقف أهل مكة من الدعوة إلى الله تعالى ويبين بوضوح أنهم لم يتدبروا حقيقتها، ولم يتفهموا ما تدعوهم إليه، وإنما كانت اعتراضاتهم تتسم بالفوضوية، واللجوء إلى السفه والجهل، وتبتعد ابتعادًا كليًا عن المناقشة الهادفة الصحيحة.
_________________
(١) ١ سورة الحشر: ٨. ٢ جامع الأصول ج١ ص٢٤١. ٣ انظر ص٤٦٨ من الكتاب الثاني.
[ ٦٠ ]
فالرسول ﷺ يدعوهم إلى دين الله تعالى، ويدلل على الحق بالحسنى، ويبين الإسلام بكافة الوسائل والأساليب، ويقدم أمامهم الآيات الواضحات، ومع ذلك استمروا على عنتهم وغلوهم متعللين بالحجج الواهية والأجوبة الباهتة.
فمرة يبرزون تميزهم بالغنى المادي والوجاهة الاجتماعية والسلطان القوي وما دروا أن ما هم فيه من فضل هو من الله، والأولى بهم أن يشكروا الرازق المعطي، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا﴾ ١.
ومرة يطالبون الرسول ﷺ بتبديل الآيات، والإتيان بغيرها، وكأنهم في حفلة راقصة، تغير فيها الراقصة الملابس مع كل مقطع وأغنية، متصورين رسول الله قادرًا على التغيير أو التبديل وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ ٢.
ومرة يشعرون بالعجز، فيتهمون رسول الله ﷺ بما ليس فيه، ويصفونه بالكذب والسحر ومعاداة دين الآباء يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ٣.
ومرة يتعنتون في المناقشة، ويطلبون من الرسول أن يعيد لهم آباءهم من قبورهم ليشهدوا بصدقة، يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ مَا كَانَ
_________________
(١) ١ سورة مريم: ٧٣. ٢ سورة يونس: ١٥. ٣ سورة سبأ: ٤٣.
[ ٦١ ]
حُجَّتَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ١.
ومرة يصيبهم الحنق والغيظ، وتتبدى منهم العداوة للمؤمنين يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ٢.
ومرة ينكرون الحق، الثابت مستدلين بعدم الفهم، وجنوحهم إلى الظن، والخيال يقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾ ٣.
ووصل الحال بأهل مكة أنهم حاولوا قتل رسول الله ﷺ أكثر من مرة، وكان أن نجاه الله منهم.
وقد اشتد إيذاء الكفار لكل من أسلم لمنعهم من الإسلام، وإبعادهم عن رسول الله ﷺ.
ولذلك كان الإذن بالهجرة نهاية لفترة مؤلمة عاشها المسلمون، وبداية لقوة الإسلام وتطبيقه في حركة الحياة والناس وكان هذا سبب رضى المؤمنين وسعادتهم.
لقد كانت هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة مرحلة طبيعية، انطلقت فيها دعوتهم بعد حصارها الطويل، وكانت انفراجة حاسمة لا بد منها لنشر كلمة الحق بين القاضي والداني بلا عائق أو عناد.
وكان المسلمون قد أدركوا بعد أن استعصى عليهم الانطلاق إلى غايتهم الكبرى أن تغيير المكان والأقوام أمر ضروري لتحقيق النجاح المنشود.
_________________
(١) ١ سورة الجاثية: ٢٥. ٢ سورة الحج: ٧٢. ٣ سورة الجاثية: ٣٢.
[ ٦٢ ]
ولم يعد ممكنًا للمسلمين أن يمارسوا نشاطهم المحدود المقيد في مكة بعد ثلاث عشرة سنة كانت محسوبة من عمر دعوتهم، وتيقنوا من حاجة الإسلام والمسلمين إلى منطلق أمين، يمكنهم من الوصول للناس في العالم كله، ولهذا كانت استجابتهم لرسول الله ﷺ حين أمرهم بالهجرة إلى المدينة المنورة.
كانت الهجرة للمدينة إذن أمرًا ضروريًا، بعد أن هيأ أهلها للمسلمين المكيين الفرصة الطيبة للخلاص من مراقبة الأعداء، والبعد عن اضطهادهم وعنتهم.
كان المطلوب آنذاك أن يهاجر من مكة جميع القادرين على تركها، لتيخذوا المدينة مركزًا جديدًا للدعوة وقد تحقق هذا، ولم يبق في مكة إلا من حبس أو فتن.
ولا شك أن هجرة المسلمين كانت معروفة لأعدائهم لأنهم لم يكونوا يعيشون وحدهم في مجتمعات منعزلة، وإنما كانوا يعاشرون جماعات تعارضهم وتحرص على تعطيل دعوتهم، ولهم معهم كل يوم معارضات ومشاحنات، ولذلك كان أهل مكة يدركون رحيل المسلمين من بينهم كلما غابوا عنهم.
وخرج المسلمون من مكة غير آسفين عليها، وقدموا على المجهول تاركين أهلهم وأموالهم مرغمين، وكانوا مع ذلك راضين بالحياة الجديدة الآمنة، وكان طريق الهجرة مفتوحًا أمامهم فهاجر بعضهم أمام الناس، وتسلل بعضهم الآخر في ظلمات الليل في غفلة وستر.
ولم يكن في الهجرة عند بدايتها شيء من الخطر، ولم يقف أهل مكة ضدها، ولعلها كانت تبدو أمام المشركين نوعًا من الهروب من ميدان العمل، أو نوعًا من السلبية أمام الأخطار، ولعلهم قاسوها على هجرة المسلمين قبل ذلك إلى الحبشة، وظنوها مجرد رحيل فريق من المسلمين إلى غير بلدهم ليعيشوا غرباء مدة يعودون بعدها إلى مكة.
ولم يعجز القرشيون أن يوجدوا لأنفسهم بعض التعليلات المناسبة لأفهامهم، بسبب عدم معارضتهم للمسلمين وهم يرحلون عن مكة، فلقد تصوروا أن هجرة المسلمين راحة لهم مما يرون ويسمعون، وأملوا في افصل بينهم وبين رسولهم، وبخاصة
[ ٦٣ ]
أن الرسول باق في مكة معهم كما تصوروا.
ولم يكن المسلمون آنذاك قوة تؤثر بالضرر على المنطقة أثناء الهجرة، فتركهم أعداؤهم يهاجرون بعد أن ضحوا بكل شيء في سبيل عقيدتهم، ولم يكن في الهجرة شيء من العنف أو الإثارة، ولذلك سمح القرشيون لكثير من المهاجرين بالهجرة بعد أن تركوا أموالهم وبيوتهم.
وبدت هجرة المسلمين أمام المشركين كأنها نوع من الهزيمة، أو صورة للفرار من ميدان التنافس والصراع.
إلا أن الهجرة لم تكن شيئًا من ذلك أبدًا؛ لأن المهاجرين ذهبوا إلى المدينة ليباشروا الأعمال الضخمة التي تخدم الدعوة، ويتحملوا مسئوليتها أمام الناس.
وقد تحول الإسلام بهم إلى مجتمع متكامل ينطق بالعمل والتطبيق في حيوية ونشاط، ويتوحد بأخوة العقيدة التي تربط بين القلوب والأرواح، وتجمع بين الأجساد والأعمال، وتجعل الطرق والهدف واحدًا، وتزيل جميع الفوارق المادية، وتقضي على غبش الهوى ونزغات الضلال.
إن المهاجرين لم يضيعوا وقتًا يخدمون فيه دينهم، وبخاصة بعد أن هاجر الجميع وعلى رأسهم رسول الله ﷺ. لقد بدأت المواجهات الحاسمة، والأعمال المتتابعة في خدمة الدعوة إلى الله تعالى.
قد يتصور أحد أن هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة المنورة كانت من أجل الراحة والهدوء، وإيثارًا للسلامة من اضطهاد يتعرضون له في مكة، أو سترًا لضعفهم وقلتهم، وكل هذا غير صحيح، ومردود.
أين هي السلامة وسط السرايا والغزوات التي اشتركوا فيها؟ والتي لم تنقطع طوال الفترة المدنية؟!
وأين هذا الهدوء وقد تحولت حياتهم كلها إلى عبادة، ودعوة، وجهاد؟
وأين هذا الضعف في المهاجرين وقد تنوعت غزواتهم في كل الجهات والقبائل المحيطة بالمدينة؟
[ ٦٤ ]
إنهم هاجروا لله ورسوله، واستمروا على ذلك حتى ماتوا لله وروسوله.
وقد شجع المسلمون أهل مكة بصمتهم، وتواضعهم على قبول هذا التحليل الكاذب ليصرفوهم عن ملاحقتهم بالضرر.
وربما كان القرشيون يقنعون أنفسهم بقبول هذا الفهم ويصدقون خيالهم، ليفتخروا أمام الناس بانتصارهم على المسلمين بعد الخصومات الطويلة.
لقد تصور القرشيون صدق نظرتهم في المهاجرين لأن المهاجرين لم يتكلموا عن شيء، وكل ما اعتنوا به حين الهجرة هو خروجهم من مكة إلى حيث أمر رسول الله ﷺ.
وقد بقي رسول الله ﷺ في مكة ليكون آخر من يهاجر منها، ولعله كان يخشى على أصحابه إذا هاجر قبلهم فنصحهم بالرحيل قبله ليضمن لهم نوعًا من الأمن والسلامة، وليكون خلف ظهورهم كالقائد الذي اضطرته ظروف الحرب للانسحاب فإنه يبقى مع آخر المتراجعين من جيشه أملا في سلامتهم وتحقيقًا للغايات المطلوبة منهم.
ولعل الرسول ﷺ كان يضلل أعداءه ببقائه بينهم ليوهمهم بأنه سيكون معهم بعد ذهاب أصحابه إلى المدينة، وبذلك تنتهي خطورته ويفقد أنصاره ويعيش صامتًا مداهنًا لأن القائد بمفرده لا يفعل شيئًا، وكل قوته في تنفيذ جنوده، واتباعهم لأوامره وتوجيهاته.
لقد تبخرت تصوراتهم كالسراب بعد أن هاجر رسول الله ﷺ ولحق بأصحابه في المدينة، وبدأت دولة الإسلام تتعالى، وتنطلق في العالمين.
[ ٦٥ ]
النقطة الثالثة: تنظيم الهجرة النبوية
مدخل
النقطة الثالثة: تنظيم الهجرة النبوية
هاجر المسلمون من مكة ورحلوا إلى المدينة ولم يبق في مكة أحد من المسلمين إلا علي بن أبي طالب ﵁ وأبا بكر الصديق ﵁ وأبناء أبي بكر، وأسامة بن زيد، وعامر بن فهيرة فلقد بقوا مع رسول الله ﷺ بأمره، وكان أبو بكر كثيرًا ما يستأذن رسول الله ﷺ في الهجرة.
فيقول له رسول الله ﷺ: "لا تعجل لعل الله يجعل لك صاحبًا" ١، فيطمع أبو بكر أن يكون هو، وأخذ يستعد لذلك فابتاع راحلتين وحبسهما في داره، وأخذ في علفهما والاهتمام بهما، واستمر الحال على هذا مدة أربعة أشهر٢ حتى تمت الهجرة النبوية، في إطار تنظيم قدرة الله تعالى لرسوله ﷺ وقد اشتمل تنظيم الهجرة على ما يلي:
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المناقب ج٦ ص٢٠٨. ٢ صحيح البخاري كتاب المناقب ج ص٢٠٨.
[ ٦٦ ]
أولا: تآمر القرشيين على قتل رسول الله ﷺ
هاجر المسلمون إلى المدينة وبدأ أهل مكة يشعرون أن تجمع المسلمين في المدينة مع أهلها خطر عليهم، وبخاصة إذا لحق محمد ﷺ بهم فأخذوا يتآمرون للقضاء على رسول الله ﷺ وهو بينهم قبل أن يتركهم إلى المدينة ويتعاظم شأنه.
يقول ابن إسحاق: ولما رأت قريش أن رسول الله ﷺ قد صارت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم، وعرفوا أنهم قد نزلوا دارًا وأصابوا منهم منعة، فحذروا خروج رسول الله ﷺ فاجتمعوا له في دار الندوة، يتشاورون فيما يصنعون في أمره ﷺ حين خافوه، وكان ذلك في شهر صفر من العام الثالث عشر للنبوة.
فلما غدوا في اليوم الذي اتعدوا له اعترضهم إبليس في هيئة شيخ جليل نجدي يتسم بالهدوء والوقار وعليه بتله١ فوقف على باب الدار فلما رأوه واقفًا على بابها، قالوا: من الشيخ؟
قال: شيخ من أهل نجد سمع بالذي اتعدتم له فحضر معكم ليسمع ما تقولون، وعسى أن لا يعدمكم منه رأيًا ونصحًا.
قالوا: أجل، فأدخل فدخل معهم وقد اجتمع فيها أشراف قريش.
_________________
(١) ١ في "بت" والبتلة والبت: الكساء الغليظ.
[ ٦٦ ]
فقال بعضهم لبعض: إن هذا الرجل قد كان من أمره ما قد رأيتم، فإنا والله ما نأمنه على الوثوب علينا مع من اتبعه من غيرنا، فأجمعوا فيه رأيًا.
قال قائل منهم: احبسوه في الحديد، وأغلقوا عليه بابًا، ثم تربصوا به ما أصاب أشباهه من الشعراء الذين كانوا قبله، زهيرًا، والنابغة، ومن مضى منهم، حتى يصيبه ما أصابهم.
فقال الشيخ النجدي: لا والله، ما هذا لكم برأي، والله لئن حبستموه كما تقولون ليخرجن أمره من وراء الباب الذي أغلقتم دونه إلى أصحابه، فلأوشكوا أن يثبوا عليكم فينزعوه من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم، ما هذا لكم برأي، فانظروا في غيره.
فتشاوروا ثم قال قائل منهم: نخرجه من بين أظهرنا فننفيه من بلادنا، فإذا أخرج عنا فوالله ما نبالي أين ذهب ولا حيث وقع إذا غاب عنا، وفرغنا منه فأصلحنا أمرنا وألفتنا كما كانت.
فقال الشيخ النجدي: لا والله ما هذا لكم برأي، ألم تروا حسن حديثه، وحلاوة منطقه، وغلبته على قلوب الرجال بما يأتي به، والله لو فعلتم ذلك ما أمنتم أن يحل على حي من العرب فيغلب عليهم بذلك من قوله وحديثه، حتى يتابعوه عليه، ثم يسير بهم إليكم حتى يطأكم في بلادكم فيأخذ أمركم من أيديكم ثم يفعل بكم، دبروا فيه رأيًا غير هذا.
فقال أبو جهل بن هشام: والله إن لي فيه لرأيًا ما أراكم وقعتم عليه بعد.
قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟
قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًا جليدًا نسبيًا وسيطًا فينا، ثم نعطي كل فتى منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد، فيقتلوه فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعًا، فرضوا منا بالعقل، فعقلناه لهم.
فقال الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي الذي لا أرى غيره،
[ ٦٧ ]
فتفرق القوم على ذلك، وهم مجمعون على تنفيذه١.
وقد وقع اختيارهم على أحد عشر رجلا من أكابر قريش وهم:
١- أبو جهل بن هشام.
٢- الحكم بن أبي العاص.
٣- عقبة بن أبي معيط.
٤- النضر بن الحارث.
٥- أمية بن خلف.
٦- زمعة بن الأسود.
٧- طعيمة بن عدي.
٨- أبو لهب.
٩- أبي بن خلف.
١٠- نبيه بن الحجاج.
١١- منبه بن الحجاج.
اجتمع هؤلاء الرجال المختارون وفيهم أبو جهل بن هشام عند بيت رسول الله ﷺ لتنفيذ المؤامرة المتفق عليها، فقال لهم أبو جهل وهم على بابه ﷺ استهزاء وسخرية: إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه على أمره كنتم ملوك العرب والعجم؛ ثم بعثتم من بعد موتكم فجعلت لكم جنان كجنان الأردن، وإن لم تفعلوا كان له فيكم ذبح ثم بعثتم من بعد موتكم، ثم جعلت لكم نار تحرقون فيها.
استمرت هذه الجماعة في حصارها لرسول الله ﷺ لتقتله فور خروجه إليهم، لكنه ﷺ خرج عليهم وأخذ حفنة من تراب في يده وألقاها على رءوسهم وهم في عماية وغشاوة، ثم قال ﷺ: "نعم أنا أقول ذلك، أنت أحدهم يا أبا جهل"، وأخذ الله تعالى على أبصارهم عنه فلم يروه ﷺ، فجعل ينثر التراب على رءوسهم ويتلو هؤلاء الآيات من سورة يس، وفيها يقول الله تعالى: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ،
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٤٨٠-٤١٣.
[ ٦٨ ]
إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ، لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ، لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ، إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ، وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ ١، فلما فرغ رسول الله ﷺ من قراءة هذه الآيات، لم يبق منهم رجل إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، ثم انصرف إلى حيث أراد أن يذهب٢.
_________________
(١) ١ سورة يس: ١-٩. ٢ سيرة ابن هشام ج١ ص٤٨٠.
[ ٦٩ ]
ثانيًا: التخطيط للهجرة
قدرة الله غالبة، وأمره ﷾ نافذ، وكان من اليسير أن يزيل الكفر والكافرين بـ: "كن"، لكن إرادة الله قضت بجريان أمور الدعوة على عادة البشر وسنن الحياة، ليتملى المسلمون حركة القدرة الإلهية، وينظروا في مسار الأمور اعتبارًا وعظة، ولذلك كانت الهجرة عملا بشريًا، راعت كافة الاحتمالات، ورسمت منهجًا للحركة الصحيحة، وقد أعان الله تعالى رسوله والمسلمين على النجاح، وقدر لهم أن يتم أخطر عمل في حياة المسلمين بفكر البشر، ليكون دليلا للمستقبل ومبدأ للتأسي، وقد عالجت الخطة جميع الجوانب التي نلحظها في الأمور التالية:
١- الإعداد المسبق للهجرة:
أعد الرسول ﷺ للهجرة عدتها قبل أن يتحرك من بيته.
تقول عائشة ﵂: فبينما نحن يومًا جلوس في بيت أبي بكر في نحر١ الظهيرة قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله ﷺ جاء متقنعًا٢ في ساعة لم يكن يأتينا فيها!
_________________
(١) ١ أي أول الزوال، وهو أشد ما يكون في حرارة النهار. ٢ أي مغطيًا رأسه من شدة الحرارة.
[ ٦٩ ]
فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، والله ما جاء به في هذه الساعة إلا أمر. تقول عائشة: فجاء رسول الله ﷺ فاستأذن، فأذن له.
فلما دخل ﷺ قال لأبي بكر: "أخرج من عندك".
فقال أبو بكر: إنما هم أهلك١ بأبي أنت يا رسول الله.
قال ﷺ: "فإني قد أذن لي في الخروج".
فقال أبو بكر: الصحابة٢ بأبي أنت يا رسول الله.
قال رسول الله ﷺ: "نعم".
قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين.
قال رسول الله ﷺ: "بالثمن" ٣.
قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز٤ وصنعنا لهما سفرة في جراب٥.
وقد نظم رسول الله ﷺ أمر الهجرة وحدد لجميع من سيساعده دوره وعمله، كما سيتضح ذلك من عمل علي بن أبي طالب ﵁، وعبد الله بن أبي بكر، وعامر بن فهيرة، وعبد الله بن أريقط، وأسماء بنت أبي بكر.
٢- مبيت علي ﵁ على فراشه ﷺ:
لما عزم رسول الله ﷺ على الهجرة وعلمت قريش ذلك، وخافت على نفسها من أثر إيجاد قوة للمسلمين خارج مكة، قررت قتل رسول الله ﷺ وفق الخطة التي قرروها في اجتماع دار الندوة.
وفي الليلة التي عزم الرسول ﷺ على الهجرة فيها، تجمع فتيان قريش حول
_________________
(١) ١ أراد بذلك عائشة وأسماء، والمقصود أنهم من أهل دينك فلا تخش منهم، كما جاء في رواية موسى بن عقبة ففي روايته: "أخرج من عندك"، قال: لا عين عليك، إنما هما ابنتاي. ٢ أي أريد مصاحبتك يا رسول الله. ٣ مع أن أبا بكر أنفق الكثير من ماله على الدعوة ورسولها، إلا أن الرسول ﷺ حرص على دفع الثمن حتى لا تكون هجرته إلا من مال نفسه. ٤ أفعل تفضيل من الحث وهو الإسراع، والجهاز: ما يحتاج إليه في السفر. ٥ أي زادًا في جراب، وأصل السفرة الزاد ثم استعملت في وعاء الزاد، وإنما أرادت السيدة عائشة من اللفظة هنا أصلها اللغوي.
[ ٧٠ ]
بيت النبي، يرصدونه حتى ينام، فيثبون عليه، فأخبر جبريل ﵊ رسول الله ﷺ بمؤامرة القوم، وأمره أن لا يبيت هذه الليلة على فراشه الذي يبيت عليه، فقال رسول الله ﷺ لعلي بن أبي طالب: "نم على فراشي، وتسج ببردي هذا الحضرمي الأخضر، فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم" ١.
ولقد نجحت هذه الخطة نجاحًا واضحًا، فلقد رأى رجل رسول الله ﷺ وهو يخرج من بيته، ويضع على رءوسهم التراب، فجاء للفتيان وقال لهم: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك فيكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابًا، أفما ترون ما بكم؟
فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب فظنوه بسبب الريح، أو بغيره، ولم يصدقوا الرجل في مقالته، واستمروا على ظنهم أن رسول الله ﷺ لم يخرج لرؤيتهم رجلا على فراش رسول الله ﷺ وكانوا ينظرون في الفراش بين الفينة والفينة فيجدون شخصًا مسجًا ببرد رسول الله، فيظنونه نائمًا ولذلك استمروا في مكانهم.
فلما جاء الصباح، وقام علي من نومه وخرج عليهم، علموا أنهم قد خدعوا، وقال بعضهم لبعض: لقد صدقنا الذي حدثنا٢.
ونلاحظ دقة التخطيط وحسن الاختيار في مبيت علي ﵁ مكان رسول الله، فلقد اختار رسول الله ﷺ ابن أخيه لينام مكانه لما في مبيته من تضحية، والموت فيها وارد، وما دام الأمر هكذا فلتكن التضحية بالأهل والأقارب أما في صحبة الهجرة فلقد اختار الرسول ﷺ أبا بكر ﵁ ليعلم الجميع أن غاية رسول الله ﷺ تبليغ رسالته التي كلف بها، ولو كان يقصد الزعامة لأخذ نفرًا من قبيلته مثل علي بن أبي طالب، أو حمزة بن عبد المطلب أو غيرهما.
ومن قدر الله أن الرجال الذين أحاطوا ببيت النبي ﷺ انصرفوا عن اقتحامه وبقوا خارج الدار حتى الصباح، ولم يتعجل أهل مكة خبر مقتل محمد مع أن
_________________
(١) ١ تهذيب السيرة ص١١٢. ٢ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٤٨٣ بتصرف.
[ ٧١ ]
رجالهم جاءوا واستعدوا لتحقيق هذه الغاية.
يذكر السهيلي أن الرجال حينما هموا بالدخول لقتل رسول الله ﷺ، سمعوا صياح امرأة من داخل الدار، فقال بعضهم لبعض: والله إنها لسبة في العرب أن يتحدث الناس عنا أنا تسورنا الحيطان على بنات العم، وهتكنا ستر حرمتنا١.
وهكذا جرى قدر الله، وخرج الرسول ﷺ ليلا إلى دار أبي بكر، وصرف الله أهل مكة عن حراسة الطرق المؤدية إلى بيت رسول الله ﷺ ظنًا منهم أنهم أحكموا الخطة، ولن يتمكن محمد ﷺ من الخروج من بيته ورجالهم يحيطون به.
ووصل محمد ﷺ إلى بيت أبي بكر فاصطحبه وذهبا سويًا إلى الغار.
٣- الوصول إلى غار ثور:
خرج رسول الله ﷺ من داره ليلا وذهب مسرعًا إلى دار أبي بكر فوجده مستعدًا للرحيل، فخرجا سويًا من خوخة في ظهر بيت أبي بكر، وسارا معًا في نفس الليلة إلى الغار المتفق على الاختباء فيه، وعندما وصلا إلى الغار طلب أبو بكر من رسول الله ﷺ أن ينتظر حتى يدخل هو الغار ينظر ما فيه، وذلك من باب الحرص على سلامة رسول الله ﷺ فلربما كان في الغار حيوان مؤذ، يتصدى له أبو بكر فداء لرسول الله ﷺ.
عن ابن أبي مليكة أن النبي ﷺ لما خرج هو وأبو بكر إلى ثور فجعل أبو بكر يكون أمام النبي ﷺ مرة، وخلفه مرة، فسأله النبي ﷺ عن ذلك فقال: إذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك، وإذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من خلفك حتى انتهيا إلى الغار من ثور، قال أبو بكر: قف كما أنت حتى أدخل يدي فأحسه، وأقصه، فإذا كانت فيه دابة أصابتني قبلك. قال نافع٢: فبلغني أنه كان في الغار جحر فألقم أبو بكر رجله ذلك الجحر تخوفًا أن تخرج منه دابة، أو شيء يؤذي رسول الله ﷺ.
وفي الوصول للغار نلحظ الأعمال التالية:
- فلقد خرج الرسول ﷺ وأبو بكر من الخوخة خلف البيت ليبتعدا عن أعين
_________________
(١) ١ الروض الأنف ج١ ص٢٢٩. ٢ هو نافع بن عمر الجمحي الراوي عن ابن أبي مليكة.
[ ٧٢ ]
القرشيين الذين يعملون على قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم١ ومن المحتمل اهتمامهم بمراقبة بيت أبي بكر في هذه اللية الحاسمة.
- التحرك السريع ليلا فلقد وصل النبي وأبو بكر إلى الغار في نفس الليلة التي خرج فيها الرسول من بيته، مع أن جبل ثور يقع جنوب مكة بخمسة أميال، والطريق إليه وعر وشاق.
- الاتجاه نحو الجنوب جهة اليمن مع أن المدينة جهة الشمال؛ لأن القرشيين عندما يدركون هرب رسول الله ﷺ سيبحثون عنه في كل أنحاء مكة، وبخاصة جهة المدينة المنورة التي هاجر إليها المسلمون.
يقول المباركفوري: ولما كان النبي ﷺ يعلم أن قريشًا ستجد في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي، المتجه شمالا، فقد سلك الطريق الذي يضاده تمامًا، وهو الطريق الواقع جنوب مكة، والمتجه نحو اليمن نعم سلك النبي ﷺ هذا الطريق وسار فيه نحو خمسة أميال حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثور، وهو جبل شامخ، وعر الطريق، صعب المرتقى، ذو أحجار كثيرة٢.
- المكث في الغار ثلاثة أيام، وهي المدة التي سوف ينشط فيها القرشيون للبحث عن رسول الله ﷺ، وفيها سيجندون الرجال، ويبحثون في كافة الجهات، ومن المنتظر أنهم بعد ثلاثة أيام سيصابون بالإحباط، ويهدءون.
- أمر الرسول ﷺ مولى أبي بكر عامر بن فهيرة أن يرعى غنمه بالنهار، ويسير بها حيث سار الرسول وصاحبه لتنمحي آثارهما، فلا يستطيع أحد اقتفاء أثرهما، وقد قام عامر بن فهيرة بما كلف به خير قيام.
٤- البقاء في الغار:
استقر الرسول ﷺ وصاحبه أبو بكر في الغار، ونشط المكيون في البحث عن محمد ﷺ بعدما فر منهم، ورصدوا لمن يأتي به حيًا، أو ميتًا مائة من الإبل، ولم
_________________
(١) ١ الخوخة وهي فتحة ضيقة كانت في ظهر بيت أبي بكر تجهد من يخرج منها، ويحتاج الخارج منها إلى مساعدة وعون. ٢ الرحيق المختوم ص١٦٤ طبع ونشر دار السلام، الرياض سنة ١٩٩٣م.
[ ٧٣ ]
يقصروا في السعي فلقد أحضروا رجالا يقتفون الأثر، يقودونهم إلى الناحية التي سار فيها محمد ﷺ وتتبع الدليل أثر الرسول وأبي بكر، فوجد أنهما أخذا طريق اليمن، وساروا فيه حتى وصلوا إلى غار ثور وتوقفوا، فأخذ القرشيون يفتشون في جبل ثور حتى وصلوا إلى الغار، ونظروا فيه فوجدوا على بابه نسيج العنكبوت، وحمامتين مع بيضهما في عشهما، فقالوا: لو دخل محمد هاهنا لانهدم بيت العنكبوت ولضاع عش الحمامة وانكسر بيضها!!
ونظر أبو بكر فرأى رجلا مواجهًا للغار فقال: يا رسول الله إنه ليرانا.
فقال رسول الله ﷺ: "كلا إن الملائكة تسترنا بأجنحتها".
فجلس الرجل وبال جهة الغار، فقال رسول الله ﷺ: لو كان يرانا ما فعل ذلك١.
واشتد خوف أبي بكر ﵁ وقال للنبي ﷺ لو نظر أحدهم تحت أقدامه لرآنا!! فقال له النبي ﷺ: "اسكت يا أبا بكر، ما بلك باثنين الله ثالثهما" ٢.
واستمر الرسول في الغار ثلاثة أيام بعيدًا عن الناس إلا أن التخطيط الذي وضعه الرسول ﷺ للهجرة جعله يحيط بكل ما يدور بين المكيين، ويسهل له وصول كل ما يحتاجه من سبل الحياة وأخبار الناس.
- فلقد أمر أبو بكر ابنه عبد الله أن يتسمع ما يقوله الناس في النهار على أن يأتي رسول الله ﷺ في المساء بما كان في ذلك اليوم من خبر.
- وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما بالطعام والشراب بما يصلحهما إذا أمست.
- وكان عامر بن فهيرة مولى أبي بكر يرعى الغنم بالنهار على أن يأتي بالغنم الغار ليلا ليسقيهما لبنًا، وليعفو أثر عبد الله وأسماء.
وبعد أن مكث رسول الله ﷺ وأبو بكر في الغار ثلاثة أيام سكن الناس، وشعروا أن محمدًا فر بعيدًا عن مكة، فأتاهما عبد الله بن أريقط الذي استأجره الرسول دليلا
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد باب الهجرة ج٦ ص٦٦، ٦٧. ٢ صحيح البخاري كتاب المناقب باب الهجرة ج٦ ص٢٢١.
[ ٧٤ ]
للهجرة ومعه بعيراهما وثالث له، وأتتهما أسماء بزاد السفر الذي لم تجعل له حبلا يعلق به، فشقت نطاقها نصفين جعلت أحدهما حبلا للزاد فسميت بذات النطاقين لذلك١.
٥- في الطريق إلى المدينة:
خرج رسول الله ﷺ من الغار بعد ثلاثة أيام، وقادهما الدليل إلى حيث يقصدون بكل أمان وصدق، وسيطر الحذر على الركب الكريم في مسيرته، وبرزت مواقف عديدة صنعها القدر الإلهي، وأبقاها عبرة، وعظة للناس، وأهم هذه المواقف ما يلي:
- استفاد الرسول ﷺ في الهجرة بخبرة رجل مشرك هو عبد الله بن أريقط، وأستأجره ليكون الدليل لمعرفته بالطرق ومساراتها، وهذا أمر جائز شرعًا لتعين الرجل لذلك العمل وعدم وجود أحد من المسلمين للقيام بهذا الدور، وأيضًا فإن في اختيار رجل مشرك لقيادة الرحلة من الأمور التي تعمي على أهل مكة طريق الهجرة لأنهم لا يتصورون مشركًا يقود محمدًا وصحبه في الطريق.
- لم يسلك الركب الطريق إلى المدينة بعد الخروج من الغار وإنما أمعن في الاتجاه إلى الجنوب، ثم اتجه غربًا نحو الساحل حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس اتجه شمالا على مقربة من شاطئ البحر الأحمر.
- إن الطرق بين مكة والمدينة وعرة، موحشة، لا يرى فيها المسافر ما يخفف عناء السفر من زرع وماء، وأساسها طريقان:
أحدهما شرقي محاذ لبلاد نجد.
والآخر: غربي محاذ لساحل البحر الأحمر.
وقد اختار الدليل الطريق الثاني. بيد أنه لم يسلك جادة هذه الطريق طوال الرحلة بل كان يلتوي هنا وهناك تفاديًا من أن يلحقهم من يقفوا أثرهم من القرشيين ممن كان يطمع في الحصول على الجائزة التي قررتها قريش لمن يأتي بالرسول ﷺ.
وقد وصف ابن هشام الطريق الذي سلكه الرسول ﷺ وصحبه من جبل ثور إلى المدينة لإظهار مدى التخفي والاستتار الذي سلكه الدليل بركب الهجرة، فقال: إن
_________________
(١) ١ السيرة النبوية لابن هشام ج١ ص٤٨٥، ٤٨٦ بتصرف وقد أورد البخاري قصة الهجرة في حديث طويل رواه عن عائشة ﵂. انظر كتاب المناقب من صحيح البخاري ج٦٩ ص٢٠٦-٢١٠ ط الأوقاف.
[ ٧٥ ]
عبد الله بن أريقط سلك بهما أسفل مكة، ثم مضى بهما إلى الساحل، حتى عارض الطريق أسفل عسفان١، التي تبعد عن مكة بستة وثلاثين ميلا، ثم سلك بهما الدليل على أسفل أمج٢ ثم استجاز بهما الدليل حتى عارض الطريق بعد أن جاوز قديد، ثم سلك الخرار٣، وهو واد يقع في نحو منتصف الطريق بين مكة والمدينة، ثم أخذ بهما الحداجد٤، وتقع في أرض مستوية صلبة، ثم هبط بهما العَرِج٥. ثم هبط وادي العتيق الذي يؤدي إلى المدينة٦.
كان أبو بكر ﵁ خير صديق يصاحب رسول الله ﷺ في الهجرة، فلقد قام بحراسته وخدمته ومساعدته خير قيام.
يروي البراء بن عازب حديث الهجرة فيقول ﵁: ابتاع أبو بكر من عازب رحلا فحملته معه، فسأله عازب عن مسير رسول الله ﷺ.
قال له أبو بكر: أخذ علينا بالرصد، فخرجنا ليلا، فأحثثنا ليلتنا ويومنا حتى قام قائم الظهيرة، ثم رفعت لنا صخرة، فأتيناها ولها شيء من ظل، ففرشت لرسول الله ﷺ فروة معي، ثم اضطجع عليها النبي ﷺ، فانطلقت أنفض ما حوله فإذا أنا براع قد أقبل في غنيمة، يريد من الصخرة مثل الذي أردنا.
فسألته: لمن أنت يا غلام؟
فقال: أنا لفلان.
فقلت له: هل في غنمك من لبن؟
قال: نعم.
_________________
(١) ١ بضم أوله وسكون ثانيه ثم فاء وآخره نون وهي قرية صغيرة قريبة من ساحل البحر الأحمر على حد تهامة على طريق المدينة، يكثر بها النخيل والمزارع، وسميت عسفان لتعسف الطريق، ويسمى الطريق بين عسفان وملل الساحل. ٢ أمج بفتح الهمزة والجيم بلد صغير بين مكة والمدينة. ٣ بفتح الخاء وتشديد الراء: موضع بالحجاز قرب الجحفة. معجم ما استعجم للبكري ج٢ ص٤٩٢. ٤ جمع حدجد وهي الأرض المستوية الصلبة، ويجوز أن يكون جمع حدجد وهي البئر القديمة، ويظن ياقوت الحموي في معجمه أنها آبار قديمة. ٥ بفتح أوله وسكون ثانيه وجيم: منزل بطريق مكة على طريق الحاج. ٦ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٤٩١ بتصرف.
[ ٧٦ ]
قلت له: هل أنت حالب؟
قال: نعم.
فأخذ شاة من غنمه فقلت له: انفض الضرع.
فحلب كثبة من لبن، ومعي إداوة من ماء عليها خرقة قد روأتها لرسول الله ﷺ فصببت على اللبن حتى برد أسفله، ثم أتيت به النبي ﷺ، فقلت: اشرب يا رسول الله، فشرب رسول الله ﷺ حتى رضيت.
ثم قلت: قد آن الرحيل يا رسول الله.
قال: "بلى". فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحد منهم غير سراقة بن مالك بن جعشم على فرس له.
فقلت: هذا الطلب قد لحقنا يا رسول الله.
فقال: "لا تحزن إن الله معنا" ١.
والحديث واضح الدلالة في دور أبي بكر خلال رحلة الهجرة، فلقد كان ﵁ يبحث لرسول الله عن ظل عند الظهيرة يأوى إليه، ويسوي له المكان، وكان يقوم بحراسة النبي ﷺ، ويراقب له الطرق، وكان يعد له الطعام، ويبرد له الشراب، ويسقيه اللبن، وكان دائم الخوف على رسول الله ﷺ لأنه كان يلتفت كثيرًا والرسول يقول له: "لا تحزن إن الله معنا"، وكان أبو بكر شيخًا معروفًا للعرب، مصدقًا لديهم يقابله أحدهم ويسأله: من هذا الرجل الذي معك؟
فيرد أبو بكر: هذا الرجل يهديني الطريق. فيظن السائل أنه طريق المدينة، بينما هو طريق الإسلام والرجل هو رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
لقد قام أبو بكر ﵁ بدوره خير قيام مع رسول الله ﷺ أثناء الهجرة، وكان حبه لرسول الله ﷺ يملك عليه جوارحه وحياته كلها، خطب رسول الله ﷺ الناس مرة وقال: "إن من أمن الناس عليَّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت
متخذًا خليلا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوة الإسلام ومودته"٣.
يذكر عمر بن الخطاب ليلة الهجرة فيقول: والذي نفسي بيده لتلك الليلة لأبي بكر خير من آل عمر٤.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المناقب، باب الهجرة ج٦ ص٢١٩، ٢٢٠. ٢ صحيح البخاري كتاب المناقب ج٦ ص٢١٥ ط الأوقاف. ٣ صحيح البخاري كتاب فضائل الصحابة ج٦ ص٧٩ ط الأوقاف. ٤ سيرة ابن كثير ج٢ ص٢٣٧.
[ ٧٧ ]
ثالثًا: عناية الله بنبيه في الهجرة
امتدت رعاية الله لنبيه ﷺ في كل أعمال الهجرة.
فلقد أعمى الله عقول وأبصار من أحاطوا ببيت رسول الله ﷺ ليلة الهجرة حتى خرج ﷺ وألقى على رأسهم التراب، ولم يشعروا به.
وهدى الله رسوله ﷺ إلى وضع تنظيم يتحرك فيه كل من اشترك في أعمال الهجرة وفق إمكانياته، وبصورة لا تعطي القرشيين أي خبر عن الهجرة.
وخلق الله في برهة وجيزة عند باب الغار ما يصرفهم عن الدخول فيه، الأمر الذي جعل كفار مكة لا يتصورون أن أحدًا دخل الغار من مدة طويلة.
وبعدما خرج رسول الله ﷺ من الغار، وأخذ طريقه إلى المدينة تجلت عناية الله، وبرزت المعونة الإلهية للرسول، وصاحبه في صور عديدة منها:
١- رد سراقة بن مالك:
رصدت قريش مائة من الإبل لمن يأتي برسول الله ﷺ أو بأبي بكر حيًا أو ميتًا، وتلك ثروة يلهث وراءها الشباب والرجال في مكة وبخاصة إذا أتت من عمل يصون قوميتهم، ويحافظ على آلهتهم كما يتصورون.
ومن أكبر الذين اجتهدوا في نيل هذه الجائزة سراقة بن مالك وكان له في هذا المجال قصة يرويها البخاري في صحيحه بسنده عن سراقة بن مالك.
يقول سراقة بن مالك: جاءنا رسل كفار قريش يجعلون في رسول الله ﷺ وأبي بكر دية كل واحد منهما لمن قتله أو أسره.
[ ٧٨ ]
فبينما أنا جالس في مجلس من مجالس قومي بني مدلج، إذ أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جلوس، فقال: يا سراقة، إني قد رأيت آنفًا أسودة بالساحل، أراها محمدًا وأصحابه.
قال سراقة: فعرفت أنهم هم.
فقلت له: إنهم ليسوا هم، ولكنك رأيت فلانًا وفلانًا، انطلقوا بأعيننا.
ثم لبثت في المجلس ساعة، ثم قمت، فدخلت، فأمرت جاريتي أن تخرج بفرسي، وهي من وراء أكمة فتحبسها عليّ، وأخذت رمحي، فخرجت به من ظهر البيت، فحططت بزجة الأرض، وخفضت عاليه حتى أتيت فرسي فركبتها، فرفعتها تقرب بي، حتى دنوت منهم فعثرت بي فرسي، فخررت عنها فقمت، فأهويت يدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام فاستقسمت بها: أضرهم أم لا؟
فخرج الذي أكره، فركبت فرسي وعصيت الأزلام، تقرب بي، حتى إذا سمعت قراءة رسول الله ﷺ وهو لا يلتفت، وأبو بكر يكثر الالتفات ساخت يدي فرسي في الأرض، حتى بلغتا الركبتين، فخررت عنها ثم زجرتها فنهضت، فلم تكد تخرج يديها، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء مثل الدخان، فاستقسمت بالأزلام فخرج الذي أكره، فناديتهم بالأمان فوقفوا، فركبت فرسي حتى جئتهم.
ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله ﷺ فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني، ولم يسألاني إلا أنه ﷺ قال: "أخف عنا". فسألته أن يكتب لي كتاب أمن فأمر عامر بن فهيرة فكتب الأمان في رقعة من أديم١.
٢- شاة أم معبد الخزاعية:
في أثناء رحلة الهجرة مر الرسول وصحبه بخيمة أم معبد، وهي امرأة بدوية كريمة تطعم وتسقي من يأتيها، واسمها عاتكة بنت خالد الخزاعية، تكنى باسم ولدها معبد.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المناقب ج٦ ص٢١٠، ٢١١، ط الأوقاف.
[ ٧٩ ]
وقف رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ أمام خيمة أم معبد وسألاها: "هل عندك شيء".
فقالت: والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى، والشاة عازب، والسنة سنة شهباء.
فنظر رسول الله ﷺ إلى شاة في كسر الخيمة، فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد "؟.
قالت: شاة خلفها الجهد عن الغنم.
فقال ﷺ: "هل بها من لبن"؟.
قالت: هي أجهد من ذلك.
فقال ﷺ: "أتأذنين لي أن أحلبها"؟.
قالت: نعم بأبي وأمي، إن رأيت بها حلبًا فاحلبها.
فمسح رسول الله ﷺ بيده ضرعها، وسمى الله ودعا، فتفاجت عليه ودرت، فدعا بإناء لها يربض الرهط، فحلب فيه حتى علته الرغوة، فسقاها، فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا، ثم شرب، وحلب فيه ثانيًا حتى ملأ الإناء، ثم ارتحلوا.
فما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزًا عجافًا يتساوكن هزالا، فلما رأى اللبن عجب فقال: من أين لك هذا؟ والشاء عازب ولا حلوبة في البيت؟
فقالت: لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، ومن حاله كذا وكذا.
قال لها: إني والله أراه صاحب قريش الذي تطلبه، صفيه لي يا أم معبد، فوصفته بصفته الرائعة، بكلام دقيق كأن السامع ينظر إليه، وهو أمامه.
فقال أبو معبد: والله هذا صاحب قريش الذي ذكروا من أمره ما ذكروا، لقد هممت أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا١.
٣- إسلام أبي بريدة:
في أثناء رحلة الهجرة، وفي الطريق على مقربة من المدينة المنورة لقي الرسول ﷺ أبا بريدة ونفرًا من قومه؛ جاءوا يطلبون النبي وأبا بكر ليفوزوا بالمكافأة التي رصدتها
_________________
(١) ١ زاد المعاد في هدي خير العباد ج٣ ص٥٥-٧٥ مؤسسة الرسالة سنة ١٩٧٩.
[ ٨٠ ]
قريش للقضاء عليهما.
كلم أبو بريدة رسول الله ﷺ فعلم صدقه وأمانته وأسلم لوقته، وتبعه سبعون رجلا من قومه، ثم خلع أبو بريدة عمامته، وعقدها برمح رسول الله ﷺ فاتخذها رسول الله ﷺ عمامة له، وبذلك يعد أبو بريدة والمؤمنون معه من أوائل الأنصار الذين اتبعوا الرسول ﷺ بعد الهجرة.
وبإيمان هؤلاء القوم صار للمسلمين قوة في الطريق١، وبدأ المسلمون في تكوين المجتمع القوي المتماسك.
٤- تأمين الزاد:
ومر ﷺ وصاحبه في الطريق على راع فاستسقياه اللبن، فاعتذر بأنه لا لبن في شائه، إلا شاة جف لبنها قريبًا، وهنا ظهرت معجزته ﷺ فلقد مسح ضرعها ودعا فرزقهم الله الكثير من اللبن، وكانت هذه آية كافية لتحويل قلب الراعي من الكفر إلى الإيمان، وتوسم فيه ﷺ الكثير من الخير، فأخبره بأنه رسول الله، وطلب الراعي أن يسير معه فطلب منه ﷺ أن يتمهل حتى يسمع بظهور أمره ﷺ وحينذاك يلحق بالمدينة، ويهاجر إلى رسول الله ﷺ.
عن قيس بن النعمان قال: لما انطلق النبي ﷺ وأبو بكر مستخفين مرا بعبد يرعى غنمًا، فاستسقياه من اللبن، فقال: ما عندي شاة تحلب غير أن هاهنا عناقا حملت أول الشتاء، وقد أخدجت وما بقي لها لبن.
فقال ﷺ: "ادع بها". فدعا بها، فاعتقلها النبي ﷺ ومسح ضرعها، ودعا حتى أنزلت.
وجاء أبو بكر ﵁ بمجن، فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الراعي، ثم حلب فشرب.
فقال الراعي: بالله من أنت، فوالله ما رأيت مثلك قط.
قال ﷺ: "أوتراك تكتم عليّ حتى أخبرك"؟.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع للمقروي ج١ ص٤٢.
[ ٨١ ]
قال: نعم.
قال ﷺ: "فإني محمد رسول الله".
فقال: أنت الذي تزعم قريش أنه صابئ.
قال ﷺ: "إنهم ليقولون ذلك".
قال: فأشهد أنك نبي، وأشهد أن ما جئت به حق، وأنه لا يفعل ما فعلت إلا نبي، وأنا متبعك.
قال ﷺ: "لا تستطيع ذلك يومك، فإذا بلغك أني قد ظهرت فأتنا " ١.
٥- التبشير بالعودة إلى مكة:
ترك رسول الله ﷺ مكة وهي أحب البلاد إلى نفسه، ولذا رأيناه ﷺ حينما ابتعد عن مكة نظر إليها، وودعها بكلمات تؤكد حبه لها، فعن عبد الله بن عدي عن الحمراء أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفًا على الحزورة وهو يقول: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" ٢.
وعن عبد الله بن عباس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ وهو ينظر إلى مكة ليلة الهجرة: "ما أطيبك من بلد، وأحبك إليّ، ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك" ٣.
وقد كانت عناية الله تعالى برسوله إذ نزل عليه خلال رحلة الهجرة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ ٤.
يقول ابن عباس: والمعاد هي مكة، وفي الآية بشرى لرسول الله ﷺ في أنه سيعود إلى مكة ساعة أن يسلم أهلها، وتكون دار إسلام٥.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية لابن كثير ج٣ ص١٩٤. ٢ سنن الترمذي بشرحه تحفة الأحوذي ج١٠ ص٤٢٦ والحزورة مكان مرتفع في مكة. ٣ سنن الترمذي بشرحه تحفة الأحوذي ج١٠ ص٤٢٧. ٤ سورة القصص: ٨٥. ٥ صحيح البخاري كتاب التفسير ج٧ ص٣٦٥ ط الأوقاف.
[ ٨٢ ]
رابعًا: الوصول إلى المدينة
سار ركب الهجرة تحفه عناية الله تعالى حتى وصل إلى قباء في يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من العام الأول للهجرة.
وكان أهل المدينة منذ أن عملوا بخروج النبي ﷺ من مكة يغدون كل غداة، ينتظرونه عند الحرة، حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما طال انتظارهم إلى بيوتهم، وإذا بيهودي يقف على أحد المرتفعات حول المدينة ليرى أمرًا بعينه، فإذا به يبصر رسول الله ﷺ وأصحابه في ثياب بيض، فلم يملك اليهودي نفسه، فأخذ يصيح بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرونه١.
يقول ابن القيم: وسمعت الرجة والتكبير في ديار بني عمرو بن عوف، وكبر المسلمون فرحًا بقدوم رسول الله ﷺ، وخرجوا للقائه ﷺ والترحيب به، فأحاطوا به يملأهم الحب، وتغشاهم السكينة، والوحي ينزل عليه بقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ ٢.
يقول عروة بن الزبير: فتلقوا رسول الله ﷺ، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف، فقام أبو بكر للناس، وجلس رسول الله ﷺ، صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله ﷺ يحيي أبا بكر ظنًا منهم أنه رسول الله ﷺ، حتى أصابت الشمس رسول الله ﷺ، فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله ﷺ عند ذلك٣.
وكانت المدينة كلها قد زحفت لاستقبال ركب الهجرة الميمون، وكان يومًا مشهودًا لم تشهد المدينة مثله في تاريخها.
ونزل رسول الله ﷺ بقباء على كلثوم بن الهدم٤ ومكث علي بن أبي طالب
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب ج١ ص٢١٥ ط الوقاف. ٢ سورة التحريم: ٤. ٣ سيرة النبي ج١ ص٤٩٤. ٤ وقيل نزل على سعد بن خيثمة والجمهور على ما ذكرته.
[ ٨٣ ]
بمكة ثلاثًا، حتى أدى عن رسول الله ﷺ الودائع التي كانت عنده للناس، ثم هاجر ماشيًا على قدميه حتى لحقهما بقباء ونزل على كلثوم بن الهدم مع رسول الله أيضًا.
وأقام رسول الله ﷺ بقباء أربعة أيام: الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس مسجد قباء وصلى فيه، وكان موضع المسجد مربدًا لكلثوم بن الهدم، وقيل بل هو مكان كان يملكه بنو عمرو بن عوف وهو الأولى، وقد صلى الرسول ﷺ الجمعة فيهم، وعلى كل فإن المكان اختيار الله تعالى١.
وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة، فلما كان اليوم الخامس٢ -يوم الجمعة- ركب ﷺ ناقته وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى أخواله بني النجار فجاءوا متقلدين سيوفهم وسار معهم نحو المدينة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف، فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانوا مائة رجل.
وهذه أول جمعة يقيمها رسول الله ﷺ في الإسلام بعد هجرته في ديار بني سالم بن عوف، وألقى فيهم رسول الله ﷺ خطبة الجمعة، وعرفهم بالله، وحثهم على التقوى، وذكرهم بنعيم الله في الآخرة.
يورد ابن كثير هذه الخطبة بنصها، وفيها يقول ﷺ: "الحمد لله أحمده، وأستعينه، وأستغفره، وأستهديه، وأومن به، ولا أكفره، وأعادي من يكفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله بالهدى ودين الحق والنور والموعظة، على فترة من الرسل، وقلة من العلم، وضلالة من الناس، وانقطاع من الزمان، ودنو من الساعة، وقرب من الأجل، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى وفرط وضل ضلالا بعيدًا.
أوصيكم بتقوى الله فإنه خير ما أوصى به المسلم أن يحضه على الآخرة، وأن يأمره بتقوى الله، فاحذروا ما حذركم الله من نفسه، ولا أفضل من ذلك نصيحة،
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٣ ص٣٨١. ٢ اختلفت الروايات في المدة التي مكثها الرسول ﷺ في قباء والمكثرون يرونها أربعة وعشرين يومًا والمقلون يرونها أربعة أيام، وهو الأولى.
[ ٨٤ ]
ولا أفضل من ذلك ذكرى، وإنه تقوى لمن عمل به على وجل، ومخافة، وعون صدق على ما تبتغون من أمر الآخرة، ومن يصلح الذي بينه وبين الله من أمر السر والعلانية لا ينوي بذلك إلا وجه الله يكن له ذكرًا في عاجل أمره، وذخرًا فيما بعد الموت، حين يفتقر المرء إلى ما قدم، وما كان من سوى ذلك ﴿تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ ١.
والذي صدق قوله، وأنجز وعده، لا خلف لذلك فإنه يقول سبحانه: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ ٢.
واتقوا الله في عاجل أمركم، وآجله، في السر، والعلانية فإنه: ﴿ذَلِكَ أَمْرُ اللَّهِ أَنْزَلَهُ إِلَيْكُمْ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا﴾ ٣.
﴿يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٤.
إن تقوى الله توقي مقته، وتوقي عقوبته، وتوقي سخطه وإن تقوى الله تبيض الوجوه، وترضي الرب، وترفع الدرجة.
خذوا بحظكم، ولا تفرطوا في جنب الله، قد علمكم الله كتابه، ونهج لكم سبيله، ليعلم الذين صدقوا، وليعلم الكاذبين، فأحسنوا كما أحسن الله إليكم، وعادوا أعداءه، وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وسماكم المسلمين ليهلك من هلك عن بينه، ويحيى من حيي عن بينه، ولا قوة إلا بالله، فأكثروا ذكر الله، واعملوا لما بعد الموت، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله يكفه الله ما بينه وبين الناس.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ٣٠. ٢ سورة ق: ٢٩. ٣ سورة الطلاق: ٥. ٤ سورة الأحزاب: ٧١.
[ ٨٥ ]
إن الله يقضي على الناس، ولا يقضون عليه، ويملك من الناس ولا يملكون منه، الله أكبر ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"١.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص٢١٣. هذا وقد تحدث الفقهاء عن حكم هجرة المسلم من ديار الكفر إلى ديار الإسلام بعد فتح مكة، وذهبوا إلى أن المسلمين أنواع ثلاثة، ولكل نوع حكمه الشرعي. النوع الأول: مسلم قادر على الهجرة من ديار الشرك، حيث لا يمكنه إظهار دينه فيها، ولا أداء واجباته إذا أقام بين غير المسلمين، فالهجرة عليه واجبة، ويكون عاصيًا بتركها، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: ٩٧]، وهذا الوعيد الشديد لا يكون إلا في ارتكاب المحرم وترك الواجب وحينئذ لا يحل له البقاء إلا إذا كان مضطرًا. ومن أدلة السنة المشرفة ما أخرجه النسائي بسند صحيح من حديث عبد الله بن واقد السعدي قال: "وفدنا على رسول الله ﷺ فدخل أصحابي فقضى حاجتهم، وكنت آخرهم دخولا فقال ﷺ: "ما حاجتك"؟. قلت: يا رسول الله، متى تنقطع الهجرة؟ قال رسول الله ﷺ: "لا تنقطع الهجرة ما قوتل الكفار". النوع الثاني: مسلم يوجد بين المشركين، وهو عاجز عن الهجرة، لعذر كالأسر أو المرض أو الإكراه على الإقامة، فهؤلاء ومن في حكمهم تجوز لهم الإقامة بين المشركين، ولا تجب عليهم الهجرة، فإن تحامل أحدهم على نفسه وتكلف الهجرة كانت له أجر ومثوبة. ودليل ذلك قوله سبحانه: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ . النوع الثالث: المسلم فيغير بلاد الإسلام، يكون قادرًا على الهجرة، لكنه يمكنه إظهار دينه، وأداء واجباته مع إقامته بين الكفار، فهذا لا تجب عليه الهجرة لتمكنه من دعوة الكفار وهو آمن من غدرهم، وراحته النفسية والمادية مصانة بينهم، ودليل ذلك أن المسلم مكلف بالدعوة لدينه قولا، وعملا، وإقامته حينئذ دعوة عملية، وكذا ترغيب المولى ﷿ المؤمنين في الهجرة وحثهم عليها في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ
[ ٨٦ ]
_________________
(١) مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ . وقد ذكر الشافعية: أن المسلم إذا قدر على إظهار دينه في دار الحرب، وأمكنه الاعتزال في مكان خاص يمتنع فيه من الكفار فإنه تحرم عليه الهجرة؛ لأن مكان اعتزاله وتحصنه صار دار الإسلام لامتناعه، فلو هاجر لعاد ذلك المكان بسبب هجرته إلى حوزة الكفار، وهذا أمر لا يجوز؛ لأن كل مكان قدر أهله على الامتناع فيه من الكفار صار دار إسلام. ولتأييد ما ذهب إليه الشافعية ينقل الإمام النووي قول الماوردي في كتابه الحاوي فيقول: فإن كان يرجو ظهور الإسلام هناك بمقامه فالأفضل أن يقيم، وإن قدر على الامتناع والاعتزال وجب عليه المقام بها لأن موضعه دار إسلام، فلو هاجر لصار دار حرب، فيحرم ذلك، ثم إن قدر على مجاراة الكفار ودعوتهم إلى الله، لزمته الإقامة وإلا فلا. ويستأنس النووي لما ذهب إليه الشافعية بما كان عليه والد الأنبياء وإمام الحنفاء إبراهيم ﵇ حيث كان مؤمنًا وحده يعلم الناس الخير، والناس كلهم حوله كفار، فامتدحه رب العزة بقوله سبحانه: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ . والناظر في أوضاع العالم المعاصرة يرى أن ديار الكفر الآن أكثر أمنًا من غيرها، لما تتضمنه من نظم تسمح بقدر وافر من حرية الحركة، والكلمة، والتدين، والاعتقاد، في الوقت الذي نرى فيه الاستبداد، والظلم، والاضطهاد يوجه ضد المسلمين فيما يعرف بالعالم الثالث، وبلاد الإسلام جزء منه. إن دار الإسلام في العصر الحديث ليست على وجهها المطلوب لما يوجد فيها من فسق، وعري، وفن، وانحلال وهي بذلك تشبه ما هو موجود في بلاد غير المسلمين والدعاة في البلاد الإسلامية الآن محاطون بالرقابة والقيود أكثر من غيرها من البلاد. ولهذا نرى رجحان مذهب الإمام الشافعي.
[ ٨٧ ]
النقطة الرابعة: وقفات مع الهجرة
تمت هجرة المسلمين إلى المدينة، وترك المسلمون ديارهم من أجل الله ورسوله، وتحملوا مشقة السفر، ووعثاء الطريق، وابتعدوا بذلك عن أهل مكة، ولم يكن ذلك أمرًا سهلا على نفوسهم، ولا ميسرًا أمامهم، فلقد وقف القرشيون ضد ذوي الشأن منهم فمنعوا البعض من الهجرة، واعتدوا على آخرين، وبذلك فإني أركز على بعض الوقفات لأبين مدى التضحيات التي بذلها جيل العظمة الإسلامية.
١- دقة الطاعة:
التزم أصحاب النبي ﷺ بأوامره لهم، وكان ذلك واضحًا في كل من انتظر مع رسول الله ﷺ في مكة، ولقد رأينا كيف قام عليّ ﵁ بالمبيت على فراش رسول الله ﷺ وعرض نفسه للموت، وكيف كان أبو بكر ﵁ في كل مراحل الهجرة.
ورأينا أبناء أبي بكر ومولاه وهم يعملون خارج الغار لتأمين السلامة للرسول وصاحبه، ولم يأبهوا لعدوان قرشي يلحق بهم، ولم يتأثروا بأي أذى يقع عليهم.
يروي ابن إسحاق عن أسماء بنت أبي بكر أنها قالت: لما خرج رسول الله ﷺ وأبو بكر ﵁ إلى الغار أتانا نفر من قريش، فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟
قلت: لا أدري والله أين أبي؟
فرفع أبو جهل يده، وكان فاحشًا خبيثًا، فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي١.
وقد استمر أبناء أبي بكر في بيته حتى علموا بوجهة رسول الله ﷺ وأبي بكر من شاعر سمعاه يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم بعد
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ج١ ص٤٨٧.
[ ٨٨ ]
هما نزلا بالبر ثم تروحا فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد
قالت أسماء بنت أبي بكر ﵂: فلما سمعنا قوله عرفنا حيث توجه رسول الله ﷺ، وأن وجهته إلى المدينة، فرحلنا إليها حين جاءنا أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
٢- حسن التصرف:
كان أبو بكر يملك خمسة آلاف درهم، حملها إليه ابنه عبد الله في الغار، وجاء أبوه قحافة إلى بناته مغضبًا وهو يقول: والله إني لآراه قد فجعكم بماله مع نفسه، فقالت أسماء بنت أبي بكر: كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا، وأخذت أحجارًا فوضعتها في كوة في البيت، كان أبي يضع ماله فيها، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدك على هذه المال، قالت: فوضع يده عليه ثم قال: لا بأس إن كان ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم.
تقول أسماء: ولا والله ما ترك لنا شيئًا ولكني أردت أن أسكن الشيخ بذلك٢.
٣- تحمل الأذى:
كان من أول المهاجرين أبو سلمة، خرج وزوجته وابنه، فلما أجمع على الخروج قال له أصهاره: هذه نفسك غلبتنا عليها، أرأيت صاحبتنا هذه؟ علام نتركك تسير بها في البلاد؟ فأخذوا منه زوجته، وغضب آل أبي سلمة لرجلهم، فقالوا، لا نترك ابننا معها، إذا نزعتموها من صاحبنا، وتجاذبوا الغلام بينهم فخلعوا يده، وذهبوا به.
وانطلق أبو سلمة وحده إلى المدينة، وكانت أم سلمة بعد ذهاب زوجها، وضياع ابنها، تخرج كل غداة بالأبطح تبكي حتى تمسي، ومضى على ذلك نحو سنة، فرق لها أحد ذويها، وقال: ألا تخرجون هذه المسكينة؟ فرقتم بينها وبين زوجها، وولدها.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ج١ ص٤٨٧، ٤٨٩. ٢ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٤٨٨ وكان قحافة والد أبي بكر أعمى لا يبصر، ولم يكن أسلم يومذاك.
[ ٨٩ ]
فقالوا لها: الحقي بزوجك إن شئت، فاسترجعت ابنها من عصبته، وخرجت تريد المدينة، وليس معها أحد من خلق الله، حتى إذا كانت بالتنعيم لقيها عثمان بن طلحة، وبعد أن عرف حالها شيعها حتى أقدمها إلى المدينة، فلما نظر إلى قباء قال: زوجك في هذه القرية فادخليها على بركة الله، ثم انصرف راجعًا إلى مكة١.
٤- التضحية بالمال:
لما أراد صهيب الهجرة قال له كفار قريش: أتيتنا صعلوكًا حقيرًا، فكثر مالك عندنا، وبلغت الذي بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك؟ لا والله لا يكون ذلك.
فقال لهم صهيب: أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟
قالوا: نعم.
قال: فإني قد جعلت لكم مالي.
فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "ربح صهيب، ربح صهيب" ٢.
٥- كيد قريش بالمهاجرين:
تواعد عمر بن الخطاب، وعياش بن أبي ربيعة، وهشام بن العاصي بن وائل موضعًا يصبحون عنده، ثم يهاجرون إلى المدينة، فاجتمع عمر وعياش وحبس عنهما هشام.
ولما قدما المدينة، ونزلا بقباء، قدم أبو جهل، وأخوه الحارث إلى عياش -وأم الثلاثة واحدة- فقالا له: إن أمك قد نذرت أن لا يمس رأسها مشط، ولا تستظل بشمس حتى تراك فرق لها.
فقال له عمر: يا عياش إن القوم يريدون فتنتك عن دينك فاحذرهم، فوالله لو أذى أمك القمل لامتشطت، ولو قد اشتد عليها حر مكة لاستظلت، فأبى عياش إلا الخروج معهما ليبر قسم أمه.
فقال له عمر: أما قد فعلت فخذ ناقتي هذه فإنها ناقة نجيبة ذلول، فالزم
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ج١ ص٤٦٨-٤٧٠. ٢ المصدر السابق ج١ ص٤٧٧.
[ ٩٠ ]
ظهرها فإن رابك من القوم ريب فانج عليها، فخرج عليها معهما.
حتى إذا كانوا ببعض الطريق قال له أبو جهل: يابن أخي والله لقد استغلظت بعيري هذا، أفلا تعقبني على ناقتك هذه؟
قال: بلى.
فأناخ وأناخا ليتحول عليها أبو جهل، فلما استووا بالأرض عدوا عليه فأوثقاه وربطاه، ثم دخلا به مكة نهارًا موثقًا.
وقالا: يا أهل مكة، هكذا افعلوا بسفهائكم كما فعلنا بسفيهنا هذا١.
٦- الاستيلاء على الدور:
كان آخر من بقي ممن هاجر عبد الله بن جحش، وكان قد كف بصره، فلما أجمع على الهجرة كرهت امرأته ذلك، وجعلت تشير عليه أن يهاجر إلى غير المدينة، فهاجر بأهله وماله مكتتمًا من قريش حتى قدم المدينة على رسول الله ﷺ، فوثب أبو سفيان بن حرب على داره فباعها وملكها لغيره.
مر بها بعد ذلك أبو جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والعباس بن عبد المطلب، وحويطب بن عبد العزى، وفيها أهب معطونة فذرفت عينا عتبة وتمثل ببيت من شعر:
وكل دار وإن طالت سلامتها يومًا سيدركها النكباء والحوب
فأقبل أبو جهل على العباس وقال: هذا ما أدخلتم علينا٢.
هذه الوقفات السريعة مع المهاجرين تبين مدى الجهود التي بذلوها في سبيل الله تعالى.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٤٧٤-٤٧٦، مجمع الزوائد ج٦ ص٧٧. ٢ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٦ ص٨١.
[ ٩١ ]
المبحث الثاني: الاستقرار في المدينة
مدخل
المبحث الثاني: الاستقرار في المدينة
مكث رسول الله ﷺ في قباء حتى صلى الجمعة في بني سالم بن عوف، وبعدها واصل رحلته إلى المدينة التي نورت بهجرته ﷺ إليها.
وقد حزن بنو عوف لفراق رسول الله ﷺ لأنهم تصوروه هاجر إليهم وما تركهم إلا ضجرًا فسألوه: أتتركنا ملالا منا يا رسول الله؟ أم إلى من هم خير منا؟
فقال لهم ﷺ: "إني أمرت بقرية تأكل القرى يقولون: يثرب وهي المدينة تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد" ١.
وإنما كانت المدينة هكذا لأنها تغزو غيرها، وتنتصر، وتكون حاضرة لسائر المدن والقرى وقد تحقق ذلك بتأسيس دولة الإسلام الكبرى.
وفي هذا تأكيد لبني عوف أنه ﷺ ما تركهم ضجرًا أو سآمة.
وكان يوم وصوله ﷺ إليها يومًا سعيدًا مشرقًا، امتلأت فيه قلوب الناس بالحب، وعمهم الفرح، وأخذ رسول الله ﷺ يؤسس لنفسه، وللمسلمين ما يحقق لهم الاستقرار والأمن في هذا المجتمع الجديد، وفي هذا المبحث سنتناول الأمور التالية:
أولا: الترحيب بقدوم الرسول ﷺ.
ثانيًا: تأسيس المسجد النبوي.
ثالثًا: هجرة أهل الرسول ﷺ.
رابعًا: تأمين سكن النبي ﷺ وزوجاته.
وهي أمور تحتاج لتفصيل نورده فيما يلي:
_________________
(١) ١ صحيح البخاري، كتاب الحج باب فضل المدينة ج٣ ص٢٧٤.
[ ٩٢ ]
أولا: الترحيب بقدوم رسول الله ﷺ
لما صلى رسول الله ﷺ الجمعة في بني عمرو بن عوف أرسل إلى أخواله بني النجار فجاءوا متقلدين السيوف، وتقاطر الأنصار جميعًا خلفهم، حتى اجتمعوا حول رسول الله ﷺ مرحبين به، فركب الرسول ﷺ ناقته، والناس عن يمينه وشماله وخلفه، منهم الراكب ومنهم الماشي يهللون ويكبرون.
اجتمع بنو عمرو بن عوف وقالوا: يا رسول الله أخرجت ملالا لنا، أم تريد دارًا خيرًا من دارنا؟
فقال ﷺ: "أمرت بقرية تأكل القرى، فخلوها، فإنها مأمورة".
فخرج رسول الله ﷺ من قباء يريد المدينة فوجد الناس قد ملئوا الطرق ومعهم الخدم والصبيان وهم يقولون: الله أكبر، جاءنا محمد، جاءنا رسول الله.
يقول أنس بن مالك: إني لأسعى مع الغلمان يقولون: محمد جاء فننطلق فلا نرى شيئًا حتى أقبل رسول الله ﷺ وصاحبه أبو بكر فكنا في بعض جرار المدينة، فبعث لنا رسول الله ﷺ رجلا من أهل البادية ليؤذن بهما الأنصار، فخرج الأنصار واستقبلهما زهاء خمسمائة منهم، حتى انتهوا إليها فقالت الأنصار: انطلقا آمنين مطاعين، فأقبل رسول الله ﷺ وصاحبه بين أظهرهم، وخرج أهل المدينة حتى إن العوائق فوق البيوت يتراءينه ويقلن: أيهم هو؟ أيهم هو؟ فما رأينا منظرًا شبيهًا به يومئذ١.
وعن عائشة ﵂ قالت: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة جعل النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع٢
_________________
(١) ١ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢٠ ص٢٩١. ٢ رحمة الله للعالمين ج١ ص١٠٦، والحرار بكسر الحاء وفتح الراء جمع حرة وهي الأرض الصلبة السوداء، والعوائق جمع عائق وهي الفتاة التي بلغت ولم تتزوج.
[ ٩٣ ]
وعن البراء ﵁ قال: ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم١.
ويقول أنس: ما رأيت يومًا قط أنور ولا أحسن من يوم دخل رسول الله ﷺ وأبو بكر المدينة٢.
وقد تجلى الترحيب العام برسول الله ﷺ من كافة قبائل المدينة، وكان كل منهم يتمنى أن ينزل الرسول ﷺ عنده، ويعده بالعدة، والعدد، والثروة، والطاعة، وكان الرسول ﷺ يعرفهم بأنه سيترك الناقة تبرك حيث يريد الله لها.
ويقول لهم: "دعوها فإنها مأمورة" ٣.
ولما علم الأنصار بذلك لم يتعرضوا للناقة، وكل منهم يدعو الله أن يكون بيته هو المكان المختار لنزول رسول الله ﷺ.
فسار رسول الله ﷺ راكبًا ناقته، حتى إذا أتت دار بني عدي بن النجار قامت إليه وجوههم تأمل في نزوله عندها، ثم إن ناقته ﷺ لما أتت موضع مسجده بركت وهو عليها وأخذه الذي كان يأخذه عند الوحي ثم وثبت فسارت غير بعيد ورسول الله ﷺ واضع لها زمامها لا يثنيها به، ثم التفتت خلفها فرجعت إلى مبركها أول مرة، فبركت فيه ثم تحلحلت، وأرزمت ووضعت جرانها، وجعل جبار بن صخر ينخسها رجاء أن تقوم فتنزل في دار بني سلمة فلم تفعل، فنزل رسول الله ﷺ عنها وقال: هنا المنزل إن شاء الله وقرأ قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ﴾ ٤.
وجاء أبو أيوب فقال له رسول الله ﷺ: "أي بيوت أهلنا أقرب"؟.
فقال أبو أيوب: أنا يا نبي الله هذه داري وهذا بابي، وقد حططنا رحلك فيها
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المناقب باب مقدم النبي ﷺ المدينة ج٦ ص٢٢٢. ٢ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢٠ ص٢٩٠. ٣ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٦ ص٧٩. ٤ سورة "المؤمنون": ٢٩.
[ ٩٤ ]
قال ﷺ: "فانطلق فهيئ لنا مقيلا". فذهب فهيأ لهما مقيلا١.
يروي الطبراني عن عبد الله بن الزبير أنه كان هناك عريش يرشونه، ويعمرونه ويتبردون فيه، حتى نزل فيه رسول الله ﷺ عن راحلته فأوى على الظل فنزل فيه فأتاه أبو أيوب فقال: يا رسول الله منزلي أقرب المنازل إليه أأنقل رحلك إليه.
قال ﷺ: "نعم". فذهب برحله إلى المنزل.
فأتاه آخر فقال: يا رسول الله انزل عليّ.
فقال ﷺ: "المرء مع رحله حيث كان".
فنزل رسول الله ﷺ في منزل أبي أيوب وقر قراره، واطمأنت داره، ونزل معه زيد بن حارثة٢.
يقول عبد الله بن سلام ﵁: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة انجفل الناس إليه فجئت لأنظر إليه، فلما تبينت وجهه علمت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول شيء سمعته يتكلم به أن قال: "يا أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا الأرحام، وصلوا والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام" ٣.
ويقول أبو أيوب ﵁: لما نزل رسول الله ﷺ في بيتي، كان في السفل، وأنا وأم أيوب في العلو.
فقلت له: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي، إني لأكره وأعظم أن أكون فوقك وتكون تحتي، فاظهر أنت فكن في العلو وننزل نحن فنكون في السفل.
فقال ﷺ: "إن أرفق بنا وبمن يغشانا أن نكون في سفل البيت".
يقول أبو أيوب فكان رسول الله ﷺ في سفله، وكنا فوقه في المسكن، وكنا نحرص على تحقيق ما يرضيه ويريحه.
حدث مرة أن انكسرت جرة لنا فيها ماء، فقمت أنا وأم أيوب بقطيفة لنا ما لنا لحاف غيرها، ننشف بها الماء، تخوفًا أن تقطر على رسول الله ﷺ منه شيء فيؤذيه،
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المناقب، باب الهجرة ج٦ ص٢١٦. ٢ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٦ ص٧٩. ٣ سبل الهدى والرشاد ج٣ ص٣٩١، سنن الترمذي.
[ ٩٥ ]
ويقال إن أبا أيوب بعد هذه الحادثة ألح على رسول الله ﷺ حتى أسكنه العلو١.
وقد تكفل أهل المدينة بخدمة رسول الله ﷺ، وتجهيز طعامه وشرابه، وتحقيق كل ما يحتاج إليه، يهدونه لرسول الله ﷺ حبًا، وتقديرًا.
ولقد كان أبو أيوب يصنع له الطعام، ويقدمه، وينتظر فضله ليأكله.
يقول زيد بن ثابت: لقد كنا في بني مالك بن النجار، ما من ليلة إلا على باب رسول الله ﷺ من بيت أبي أيوب ثلاث، أو أربع جفان، وما كانت تخطئه.
جفنة سعد بن عبادة، وجفنة أسعد بن زرارة كل ليلة٢.
وكان الأنصار يتحرون الطعام الذي يحبه رسول الله ﷺ لإعداده له فبرغم أنه ﷺ لم يعب طعامًا، ولم يأمر بطعام، فإنهم لاحظوا إقبال رسول الله ﷺ على نوع من المرق يسمى "الطفيشل" وعلى الهريس ولذلك كانوا يكثرون له ﷺ منهما.
وكان ﷺ لا يأكل وحده، وإنما كان يطعم معه من أصحابه عددًا يتراوح بين خمسة إلى ستة عشر رجلا، حسب كمية الطعام المهدى إليه.
وهكذا عاشت المدينة حياة البهجة، والسرور، وقدرت الخير الذي وفد عليها وأقبلوا على الإسلام فهمًا وعلمًا، وتطبيقًا، وشعروا أن رسول الله ﷺ جاءهم بخيري الدنيا والآخرة، فسعدوا بهجرته، وأنزلوه فيهم منزلة الروح والعقل، وجعلوا حبه فوق حبهم لأنفسهم، فهو وهم معه برسالته يعيشون الإسلام نقيًا واضحًا.
وفي نفس الوقت تقوقع الكفار والمنافقون واليهود في المدينة، وأدركوا أن دولتهم قد انهارت، ولا سلطان لهم في المدينة بعد اليوم، وعبر بعضهم عما في قلبه من حقد وغضب، ومن ذلك أن رسول الله ﷺ رغب في أن ينزل على سيد الخزرج عبد الله بن أبي بن سلول فقال له عبد الله: اذهب إلى الذين دعوك فانزل إليهم ورفض أن ينزله عنده كراهية له.
ولم يأبه النبي ﷺ بهذه المعارضة من أهل الشرك والنفاق فهي معارضة ضعيفة خائفة وأنى تلك المعارضة مما كان يراه في مكة!!
ولقد اعتذر الأنصار لرسول الله ﷺ عن موقف أبي، وبينوا له أن سببه ضياع المجد الذي كان يأمل فيه٣.
ومن الملاحظ أن رسول الله ﷺ لم يطلب من أحد أن ينزل عليه إلا ابن أبي، ولعلها حكمة قدرها الله تعالى لرسوله ليعلم طبائع الناس، وبخاصة هؤلاء الذين أضيروا بظهور الإسلام.
_________________
(١) ١ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢٠ ص٢٩٣. ٢ إمتاع الأسماع ج١ ص٤٧. ٣ كان الأوس والخزرج يتفاوضون في جعل عبد الله بن أبي ملكًا عليهم، وكادوا أن يملكوه، فلما أسلموا وهاجر النبي ﷺ إلى المدينة ضاعت المملكة على ابن أبي فعاش بحقده منافقًا.
[ ٩٦ ]
ثانيًا: تأمين سكن النبي ﷺ وزوجاته
أقام رسول الله ﷺ في بيت أبي أيوب الأنصاري سبعة أشهر حتى أقام بيوتًا لزوجاته ﵅.
وقد أسس النبي ﷺ تسعة بيوت حول المسجد في الجهة الجنوبية والشرقية والشمالية.
وقد أخذ النبي ﷺ في تأسيسها بعد الهجرة، واحدًا بعد الآخر فبنى أولا بيتًا لسودة بنت زمعة، كما بنى بيتًا ثانيًا لعائشة بنت أبي بكر ﵄، فهما زوجتاه حين الهجرة وبعد ذلك كان ﷺ كلما أحدث أهلا بنى بيتًا، واستمر هكذا حتى بنى سائر البيوت، وعددها تسعة.
والأرض التي أقيمت فيها البيوت كانت مملوكة لحارثة بن النعمان الخزرجي ﵁ وكان يتنازل لرسول الله ﷺ عن الأرض بقدر الحاجة، فكلما بنى النبي بزوجة تنازل الحارث لرسول الله عن أرض لإقامة بيت لها فيه!!
وأول البيوت تأسيسا هو بيت سودة وثانيها هو بيت عائشة الذي يلي الروضة مباشرة من جهة الشرق، وفيه دفن رسول الله ﷺ وهو الذي يعرف الآن بالحضرة النبوية وقد أقيم فوقها قبة خضراء بعد وفاته ﷺ وبعدها كان بيت سودة بنت زمعة ﵂ ملاصقًا لبيت عائشة من جهة الشرق، وقد بنى النبي ﷺ بيتًا لابنته
[ ٩٧ ]
فاطمة حين تزوجها ابن عمها علي ﵁ في شمال بيت عائشة عن يسار المصلى إلى القبلة في الروضة الشريفة، أي أنه كان خلف بيت عائشة، وقد اتخذ النبي ﷺ طريقًا إلى بيت فاطمة يعرف بخوخة علي حيث كان يأتي بابها كل يوم، ويأخذ بعضادتيه ويقول: "الصلاة، ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ " ١.
يقول عمر بن علي بن الحسين ﵁: كان في بيت فاطمة كوة إلى بيت عائشة ﵂، فكان رسول الله ﷺ إذا خرج اطلع من الكوة إلى فاطمة وعلي يعلم خبرهم٢.
وقد توزعت بيوت أزواج النبي ﷺ حول مسجده فلقد أقيم بيت زينب بنت خديجة الهلالية شرق بيت فاطمة وشمال بيت سودة ﵅.
كما أقيم بيت زينب بنت خزيمة، وزينب بنت جحش إلى الشرق من بيت سودة وزينب الهلالية وأقيم بيت حفصة بنت عمر أمام بيت عائشة من جهة الجنوب وقد أقيمت الحجر الباقية خلف المسجد من الجهة الشمالية، والشمالية الغربية المواجهة للقبلة وتعرف هذه البيوت ببيوت النبي، أو بيوت أزواج النبي، أو حجر النبي ﷺ.
وكان البيت مكونًا من حجرة وفناء، حيث حوائط الحجرة من جريد النخل المغطى من الخارج بالشعر والوبر، والمطين من الداخل، وللحجرة باب يفتح على الموجود أمامها وللبيت باب مرتبط بالخارج.
وقد بلغت مساحة كل واحدة من الحجرة والفناء ثمانية أذرع طولا، وعرضًا، وبذلك بلغ الطول ستة عشر ذراعًا أني أن مجموعهما معًا كان مائة وثمانية وعشرين ذراعًا.
ويبدو أن مساحة البيوت لم تكن واحدة لأن خمسة منها كان مكونًا من فناء فقط.
يقول عمران بن أنس: ترك النبي ﷺ أربعة أبيات بلبن، لها حجر من جريد وخمسة أبيات مطينة لا حجر لها، على أبوابها مسوح الشعر، أي أنها لم تكن على
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب آية ٣٢. ٢ رحلة المحبين إلى سيد المرسلين ص١٦٢.
[ ٩٨ ]
مساحة واحدة١.
يروي ابن سعد في طبقاته: أن حوائط بيوت النبي ﷺ كانت مكونة من جريد مطين بالطين، وسقفها من الجريد، وأبوابها من خشب العرعر الذي كان ينبت في بلاد العرب وللباب حلقة من ساج٢.
وقد استدل بعض العلماء بما ورد من أن الصحابة كانوا ينقرون باب النبي ﷺ بأظافرهم على أن الأبواب لم تكن بها حلقة، إلا أن الظاهر من قوله بأظافرهم أن الصحابة ﵃ كانوا يفعلون ذلك تأدبًا مع رسول الله ﷺ مخافة إزعاجه إذا ضربوا بأيديهم على الحلقة.
وكانت الحجرة متوسطة الارتفاع، ينال الواقف فيها السقف بيده، وكانت بسيطة الفرش.
وقد أعد النبي ﷺ مكانًا خلف بيت فاطمة من جهة الشمال وجعله لمبيت الفقراء وهو المعروف بمكان الصفة.
أمر الوليد بن عبد الملك واليه على المدينة عمر بن عبد العزيز بهدم حجر أزواج النبي ﷺ وضمها للمسجد فبكى أبناء الصحابة وقالوا: ليتها تركت ولم تهدم حتى يطلع الناس على البناء، ويروا ما رضي الله لنبيه ﷺ، ومفاتيح خزائن الدنيا بيده٣.
ولعل في هدم الحجرات أسبابًا من أهمها عدم الحاجة إليها، وللاستفادة بها في توسعة المسجد، وحتى لا يتخذها المسلمون مزارًا يعبد، ولذلك لم يؤثر عن أحد من التابعين إنكارا، ولم يحدث أن عارض عمر بن عبد العزيز الأمر إليه بالهدم وهو من هو؟ إنه عمر بن عبد العزيز، وكفى!! لقد رضي بالهدم، ولم ينكر.
وعن عبد الله بن زيد الهذلي قال: رأيت بيوت أزواج النبي ﷺ، حين هدمها عمر بن عبد العزيز والي المدينة بأمر الوليد، كانت بيوتًا باللبن وبها حجر من جريد مطرورة بالطين، عددها تسعة بيوت، وهي ما بين بيت عائشة ﵂
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٣ ص٥٠٧. ٢ طبقات ابن سعد ج١ ص٤٩٩. ٣ سبل الهدى والرشاد ج٣ ص٥٠٧.
[ ٩٩ ]
إلى الباب الذي يلي باب النبي ﷺ.
ورأيت بيت أم سلمة وحجرتها من لبن فسألت ابن ابنها: من بناها؟
فقال: لما غزا رسول الله ﷺ غزوة دومة الجندل بنت أم سلمة حجرتها بلبن، فلما قدم رسول الله ﷺ نظر إلى اللبن فدخل عليها فقال: ما هذا البناء؟
فقالت: أردت يا رسول الله أن أكف أبصار الناس.
فقال: "يا أم سلمة إن شر ما ذهب فيه مال المسلمين البنيان" ١.
وعن الحسن البصري قال: كنت أدخل بيوت أزواج النبي ﷺ، في خلافة عثمان بن عفان، فأتناول سقفها بيدي٢.
وقد كان الحسن صغيرًا آنذاك فإنه ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وليس له عند المحدثين سماع من عثمان مما يدل على انخفاض السقف٣.
ثم إن هذا الارتفاع لحجراته ﷺ وهو أن الواقف يتناول سقفها بيده، هو الذي تثبته النصوص، ولقد سبق أنه ﷺ جعل ارتفاع مسجده على هذه الوتيرة، وما كان ليجعل حجراته أعلى من المسجد، وقد قال ﷺ في شأن البنيان: "النفقة كلها في سبيل الله إلا البناء فلا خير فيه" ٤.
وقد بقيت أمهات المؤمنين، بعد وفاة رسول الله ﷺ كل في حجرتها على هيئتها التي بنيت عليها ما عدا عائشة ﵂ فإنها لما أذنت بدفن عمر بن الخطاب ﵁ بجوار أبيها أقامت جدارًا داخليًا قسم بيتها إلى قسمين هما:
القسم الأول: هو الفناء، ويضم القسم الجنوبي من البيت وفيه دفن النبي ﷺ وأبو بكر، وعمر ﵄.
القسم الثاني: وهو الحجرة ويقع شمال القسم الأول، وهو الذي اتخذته عائشة ﵂ بيتًا لها.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج١ ص٤٩٩. ٢ طبقات ابن سعد ١/ ٥٠٠. ٣ التهذيب ٢/ ٢٦٣ رقم ٤٨٨. ٤ سنن الترمذي كتاب صفة القيامة باب ٤٠ ج٤ ص٦٥٠ وقال حسن غريب.
[ ١٠٠ ]
واستمر الحال على هذا الوضع حتى هدمت البيوت جميعا في عهد الوليد بن عبد الملك.
صفحة إسكانر؟؟؟؟؟؟؟؟
[ ١٠١ ]
ثالثًا: هجرة آل النبي ﷺ
لما استقر المقام برسول الله ﷺ في المدينة ونزل عند أبي أيوب الأنصاري ﵁ كلف عبد الله بن أريقط الدؤلي، دليله في رحلة الهجرة أن يقوم برحلة ثانية يأتي فيها بأهله وأهل أبي بكر، وأرسل معه زيد بن حارثة، وأبا رافع مولى رسول الله ﷺ وزودهم بجملين، وخمسمائة درهم، ليشتروا بها إبلا من "قديد"١.
وكان رسول الله ﷺ قد اختبر عبد الله بن أريقط وعلم أمانته، وخبرته، ولذلك اختاره ليأتي بأهله، وهي ولا شك مهمة أسهل من مهمته الأولى.
فذهب ابن أريقط ومن معه، وجاءوا بمن كلفوا بالإتيان بهم وهم:
١- سودة بنت زمعة زوج النبي ﷺ وكان قد دخل بها في مكة.
٢- عائشة بنت أبي بكر زوج رسول الله ﷺ التي لم يدخل بها إلا بعد أن بنى لها بيتًا في المدينة.
٣- أم رومان زوج أبي بكر، وأم عائشة ﵂.
٤- فاطمة بنت رسول الله ﷺ.
٥- أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم٢.
٦- أسماء بنت أبي بكر وزوج الزبير بن العوام.
٧- عبد الله بن أبي بكر.
٨- أسامة بن زيد.
٩- أيمن بن زيد أخو أسامة.
١٠- أم أيمن، حاضنة النبي ﷺ وأم أسامة وأيمن.
_________________
(١) ١ قديد تصغير قد وهو موضع قرب مكة ينسب إلى أحد الخزاعيين. ٢ هذا وقد توفي أولاد النبي ﷺ الذكور قبل الهجرة، وأما بناته فقد هاجرت رقية مع زوجها عثمان بن عفان ﵁ وكانت وفاتها بالمدينة حين رجوع المسلمين من بدر، وبقيت زينب ﵂ مع زوجها بمكة أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس بن أمية حيث لم ينزل تحريم بقاء المسلمة عند المشرك بعد، وقد تمت هجرتها إلى أبيها بعد غزوة بدر.
[ ١٠٢ ]
١١- أم أبي بكر رضي الله عنها١.
وكانت عائشة تركب جملا مع أمها، فشرد بهما، فأخذت أم رومان تقول واعروساه! وابنتاه!.
تقول عائشة ﵂: فسمعت قائلا يقول: أرسلي خطامه، فأرسلته، فوقف بإذن الله تعالى، وسلمنا الله ﷿ وسرنا حتى نزلنا بـ"السنح"٢، وذهب كل إلى وليه، وأقامت سودة وأبناء النبي ﷺ في دار أبي أيوب، أما عائشة فقد ذهبت للإقامة مع أبيها، ولم يدخل بها ﷺ إلا بعد إقامة بيتها بعد أن انتهى من بناء بيت سودة رضي الله عنها٣.
تقول عائشة ﵂: وبنى بي رسول الله ﷺ في بيتي هذا، الذي أنا فيه، وهو الذي توفي فيه، ودفن فيه صلى الله عليه وسلم٤.
وقد تصادف أن طلحة بن عبد الله ﵁ خرج يريد الهجرة فتقابل مع آل النبي ﷺ خارج مكة فهاجر معهم وصحبهم حتى وصلوا جميعًا إلى المدينة المنورة.
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزائد ج٩ ص٣٦٦. ٢ السنح بضم أوله وسكون ثانيه، وهو أحد ضواحي المدينة كان به منزل أبي بكر الصديق ﵁ وبين السنح وبين منزل النبي ﷺ ميل واحد. ٣ البداية والنهاية ج٣ ص٢٢١. ٤ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٣٦٧.
[ ١٠٣ ]
رابعًا: إقامة المسجد النبوي
استقر مقام النبي ﷺ عند أبي أيوب قريبًا من المكان الذي بركت فيه الناقة، وكان مبرك الناقة مربدًا لبني النجار دفن المشركون في جزء منه، وفي جزء آخر نخل وشجر، والباقي خراب يملؤه ماء السيول والأمطار.
أرسل رسول الله ﷺ لبني النجار وقال لهم: ثامنوني على حائطكم هذا. فقالوا: والله لا نطلب ثمنه إلا من الله تعالى.
وكان المربد مملوكًا لغلامين يتيمين من بني النجار هما: سهل وسهيل أبناء رافع بن أبي عمرو، وكانا في حجر أسعد بن زرارة، فدعاهما الرسول وساومهما على شراء المربد ليتخذه مسجدًا.
فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله ﷺ.
فأبى النبي ﷺ أن يقبله منهما هبة، واستمر معهما حتى ابتاعه ليكون مسجدًا فلما اشتراه النبي ﷺ أمر بالنخل فقطع، وبالقبور فنبشت، وبالعظام فغيبت، وبالخرب فسويت، وبما فيه من مياه فجففت، وبذلك أصبح المكان جاهزًا للبناء فيه.
أخذ الصحابة في البناء، ومعهم رسول الله ﷺ، وكان ﷺ ينقل معهم اللبن ويقول:
اللهم إن الأجر أجر الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة١
وأدى اشتراك رسول الله ﷺ في العمل جميع الصحابة إلى بذل الجهد، وتحمل مشاق العمل بنفس راضية.
رأى الصحابة رسول الله ﷺ يضع رداءه ويحمل اللبن، حتى أن صدره اغبر من التراب فوضعوا أرديتهم وأكسيتهم وجعلوا يرتجزون ويعملون ويقولون:
لئن قعدنا والني يعمل ذاك إذا العمل المضلل
وفي أثناء العمل رأى الصحابة عثمان بن مظعون ﵁ يحمل لبنة، ويبعدها عن
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المناقب باب مقدم النبي المدينة ج٦ ص٢٢٧.
[ ١٠٤ ]
ثوبه، فإذا وضعها نفض كمه، ونظر إلى ثوبه فإذا أصابه غبار نفضه، فنظر إليه علي ابن أبي طالب وقال:
لا يستوي من يعمر المساجدا يدأب فيها قائمًا وقاعدا
ومن يرى عن الغبار عائدا
فسمع عمار بن ياسر مقالة علي، فأخذ يرددها، وهو لا يدري من يعني بها علي ﵁ فسمعه عثمان بن مظعون فظن أنه يعرض به فقال له: يابن سمية ما أعرفني بمن تعرض.
وكان مع عثمان جريدة فقال لعمار: لتكفن أو لأعرضن بها وجهك.
فسمعه رسول الله ﷺ فغضب وقال: "إن عمار بن ياسر جلدة ما بين عيني وأنفي، ووضع يده بين عينيه"، فكف الناس عن عمار إلا أنهم قالوا له: إن النبي غضب فيك، ونخاف أن ينزل فينا قرآن.
فقال عمار: أنا أرضيه كما غضب.
فذهب عمار إلى رسول الله ﷺ وقال له: ما لي ولأصحابك؟.
فقال ﷺ: "ما لك ولهم"؟.
قال عمار: يريدون قتلي يحملون لبنة لبنة، ويحملون علي لبنتين لبنتين.
فأخذ النبي بيده وطاف به المسجد، وأخذ يمسح جلد رأسه بيديه من التراب وهو ﷺ يقول: "يابن سمية ليسوا بالذين يقتلونك، تقتلك الفئة الباغية تدعوهم إلى الجنة، ويدعونك إلى النار".
فقال عمار: أعوذ بالله من الفتن١.
يروي البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري أن أصحاب النبي ﷺ كانوا يحملون لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، فرآه النبي ﷺ فجعل ينفض التراب ويقول: "ويح عمار تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" ٢.
_________________
(١) ١ سبيل الهدى والرشاد ج٣ ص٤٨٧، ٤٨٨. ٢ صحيح البخاري كتاب الصلاة، باب الحدث في المسجد ج١ ص٣٠٢.
[ ١٠٥ ]
وكان الرسول يعلم ذلك مما يؤكد أن قول عمار لرسول الله ﷺ إن أصحابك يريدون قتلي هي من الدعابة مع رسول الله ليذهب عنه الغضب.
وقد حاول الصحابة أن يستريح رسول الله ﷺ عن العمل فأبى، يقول أسامة بن زيد: إن رسول الله ﷺ خرج ومعه حجر يحمله على كتفه فلقيه أسيد بن حضير فقال أسيد: يا رسول الله أعطينيه.
فأبى رسول الله ﷺ وقال: "اذهب فاحتمل غيره فإنك لست بأفقر إلى الله مني" ١.
وكان رسول الله ﷺ يكل الأعمال التي تحتاج لخبرة إلى من يملك هذه الخبرة، فلقد جاء طلق بن علي، وهو رجل من بني حنيفة، يحسن عجين الطين، فلما رآه النبي ﷺ قال لأصحابه: "إن هذا الحنفي لصاحب طين، قربوا الحنفي من الطين، فإنه أحسنكم له سبكًا، وأشدكم منكبًا" ٢.
وكانت سعة المسجد حين بناه النبي ﷺ أول مرة سبعين ذراعًا، في ستين أو يزيد، وجعل جدره من خشب، ولم يسطح، فلما اشتكى الصحابة الحر والمطر، جعل ﷺ جدره من الخشب، والسواري من جذوع النخل، وظللوه بالخوص والجذوع، فكان الظل ثم طينوه بالطين فانقطع المطر، وأبقوا وسط المسجد رحبة بلا سقف.
وقبلة المسجد كانت أولا إلى بيت المقدس جهة الشمال، وأسسوا له ثلاثة أبواب في مؤخرته هي:
أ- باب أبي بكر جنوب المسجد وهو الآن جهة القبلة بعدما حولت إلى مكة وصار بعد التوسعة العثمانية جزءا داخل المسجد.
ب- باب عاتكة وهو باب الرحمة ويقع غرب المسجد داخل توسعة الملك فهد.
ج- باب النبي وهو الباب الذي كان يدخل منه النبي ﷺ ويعرف بباب عثمان.
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٣ ص٤٨٩. ٢ الإصابة في معرفة الصحابة ج٣ ص٥٣٨.
[ ١٠٦ ]
وقد قام النبي ﷺ ببناء المسجد ليكون موضعًا للصلاة، ومكانًا لاجتماعه ﷺ مع أصحابه، ومقر الحكم والإدارة، ومنطلق الدعوة والإرشاد.
وبعد فتح خيبر أعاد النبي ﷺ بناء المسجد مرة ثانية وزاد مساحته لأن أبعاده في البناء الثاني صارت مائة ذراع في مائة ذراع وقد قام عثمان بن عفان بشراء المساحة الجديدة وأهداها لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم١.
ولم يغال النبي ﷺ في بناء المسجد، ولا في زخرفته، بل كان القصد وترك الغلو، فبنى المسجد باللبن، وسقف بالجريد، وكانت أعمدته سيقان النخل، وقوائم الباب من الحجارة.
واتخذ النبي ﷺ لنفسه منبرًا هو جذع نخلة حن يوم اتخذ النبي ﷺ منبرًا من الخشب مكونًا من ثلاث درجات.
واستمر المسجد على ما تركه رسول الله ﷺ إلى أن كانت خلافة عمر فزاد مساحته وبناه باللبن والجريد فلما كان عثمان زاد فيه مساحة كبيرة، وبنى عمده وجدره بالحجارة المنقوشة، وسقفه بالساج.
يروي البخاري بسنده عن ابن عمر أن مسجد رسول الله ﷺ كانت سواريه على عهد رسول الله ﷺ من جذوع النخل، وأعلاه مظلل بجريد النخل.
ثم إنها نخرت في خلافة أبي بكر فبناه بجذوع النخل ولم يزد فيه وزاد فيه عمر وبناه بمواده في عهد رسول الله ﷺ باللبن، والجريد، وأعاد عمده خشبًا.
ثم إنها نخرت في خلافة عثمان فزاد فيه زيادة كبيرة، وبنى جدره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من حجارة منقوشة، وسقفه بالساج، ونقل إليه الحصباء من العقيق٢.
وأخذ الخلفاء والسلاطين يهتمون بالمسجد النبوي بناء، ومساحة، حتى كانت الدولة السعودية الثالثة، فتوسع المسجد مرتين، الأولى في عهد الملك سعود بن
_________________
(١) ١ سبل الهدى والرشاد ج٣ ص٤٩١. ٢ السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة ص١٢٥.
[ ١٠٧ ]
عبد العزيز، والثانية في عهد أخيه الملك فهد بن عبد العزيز حتى بلغت مساحة المسجد مساحة المدينة كلها في عهد رسول الله ﷺ.
وقد قام المسجد النبوي بمهام خطيرة، ففيه بدأ رسول الله ﷺ يؤم المسلمين، ويلتقي بهم، وكان ﷺ يلتقي بالوفود، والغرباء بداخله.
وقد أدرك المسلمون أهمية المسجد النبوي لما فيه من كثرة البركة، وعظم الخير كما علمهم رسول الله ﷺ.
فعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى" ١.
وعن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام" ٢.
وعن عبد الله بن زيد ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على حوضي" ٣.
والمسلمون في كل عصر، ومن كل مصر يشدون رحالهم إلى مسجد رسول الله ﷺ ويتشرفون بالسلام على رسول الله ﷺ تعاودهم الذكريات الخالدة، ويعيشون حياة المصطفى ﷺ.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي باب فضل المساجد الثلاثة ج٣ ص٥٤١ ط الشعب. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي باب فضل المساجد الثلاثة ج٣ ص٥٣٧ ط الشعب. ٣ صحيح البخاري كتاب الحج باب حدثنا مسدد ج٣ ص٢٨٤.
[ ١٠٨ ]
المبحث الثالث: تنظيم الحياة الاجتماعية في المدينة
مدخل
المبحث الثالث: تنظيم الحياة الاجتماعية في المدينة
استقر رسول الله ﷺ في المدينة بعدما هاجر إليها المسلمون من مكة ومن الجزيرة العربية، وأصبح الرسول ﷺ أمام حال يختلف تمامًا عن الحال في مكة.
وجد النبي ﷺ أمامه مجتمعًا يسلم أمره إليه، مع اختلاف عناصره، وتنوع مذاهبه واتجاهاته، وتباين طبقاته المادية والثقافية.
وجد النبي ﷺ أمامه المهاجرين بعدما تركوا ديارهم وأموالهم وأهاليهم، وجاءوا بإيمانهم وثقتهم في الله فقط، ولم يكن عندهم تصور معين يعيشون فيه، أو عمل يتوقعونه، إنما جاءوا بفقرهم يرجون فضل الله ورحمته، ويعبدون أنفسهم لله تعالى، وينصرون دعوته بصدق وإخلاص فهم كما قال الله عنهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ ١.
ومع المهاجرين كان الأنصار وهم من آمن بالإسلام، وبايع رسول الله ﷺ وأغلبهم من الأوس والخزرج، وهؤلاء لم يخرجوا من ديارهم، وعاشوا مع أموالهم وأقربائهم وأعمالهم التي تعودوا عليها، وكل ما جد عليهم أنهم جعلوا الإيمان في قلوبهم يقينًا صادقًا، وأحبوا به كل مؤمن وبخاصة من هاجر إليهم، ورحبوا بهم، وأنزلوهم منزلة الروح والعقل، وتنازلوا عن كل خصيصة لهم وفيهم نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الحشر: ٨. ٢ سورة الحشر: ٩.
[ ١٠٩ ]
ووجد رسول الله ﷺ مع المسلمين اليهود بقبائلهم، وقد تفرقوا، وسكنوا ظاهرًا، وأسلموا أمورهم مؤقتًا لرسول الله بسبب شعروهم بالضعف والخوف.
ومعهم كان المشركون الذين سلكوا مسلك اليهود، فاستسلموا ظاهرًا مع امتلاء قلوبهم بالحقد والحسد.
وتذبذب المنافقون بين هؤلاء وهؤلاء، وقد أخفوا الكراهية للإسلام، والمسلمين أمام هذا الوضع الجديد كان من الضروري تنظيم العلاقات بين سكان المدينة لتتكون منهم لأول مرة في تاريخ المدينة دولة تملك الأرض والشعب والقيادة الواحدة والتعاليم الواحدة التي تحكم الأفراد جميعًا.
إن سكان المدينة هم الشعب، ومعهم كان رسول الله ﷺ هو قائد الناس، يتلقى وحي الله، ويعلمه للناس، ويشكل به الحياة علمًا وفهمًا وسلوكًا، ويظهر الإسلام للعالم عقيدة وشريعة وخلقًا.
وابتدأ النبي ﷺ بتنظيم الحياة الاجتماعية بين الناس على أساس تحديد الحقوق والواجبات للجميع، وقد اشتمل هذا التنظيم على ما يلي:
[ ١١٠ ]
١- تنظيم الإخاء بين المسلمين:
آخى الرسول ﷺ بين المهاجرين والأنصار، إذ قال لهم: "تآخوا في الله أخوين أخوين"، ليتحقق الترابط، والتكافل فيما بينهم.
ولم تكن المؤاخاة بين المهاجرين والأنصاري فقط، وإنما كانت تتم أحيانًا بين مهاجر ومهاجر، فلقد آخى النبي ﷺ بينه وبين علي بن أبي طالب، وآخى بين عبد الله بن الزبير وعبد الله بن مسعود، وآخى بين عمه حمزة وبين زيد بن حارثة وكل هؤلاء مهاجرون١.
وابتدأت المؤاخاة في مسجد رسول الله ﷺ عند أول مجيئه ﷺ وكانت تتجدد كلما ظهر مسلم جديد، أو جاء المدينة مؤمن مهاجر.
_________________
(١) ١ السيرة النبوية لابن هشام ج١ ص٥٠٥.
[ ١١٠ ]
يورد ابن إسحاق صورًا لهذه المؤاخاة، ويحدد أشخاصها وعنه نقل غيره من المحدثين والعلماء.
يقول ابن إسحاق: وآخى النبي ﷺ بين أصحابه من المهاجرين والأنصار فقال: تآخوا في الله أخوين أخوين، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب فقال: هذا أخى فكان رسول الله ﷺ سيد المرسلين، وإمام المتقين، ورسول رب العالمين، الذي ليس له خطير ولا نظير من العباد وعلي بن أبي طالب ﵁ أخوين.
وكان حمزة بن عبد المطلب أسد الله، وأسد رسوله ﷺ، وعم رسول الله ﷺ وزيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ أخوين، وإليه أوصى حمزة يوم أحد حين حضر القتال إن حدث به حادث الموت.
وجعفر بن أبي طالب ذو الجناحين، الطيار في الجنة، ومعاذ بن جبل، أخو بني سلمة أخوين، مع أن جعفر بن أبي طالب كان يومئذ غائبًا بأرض الحبشة.
وكان أبو بكر الصديق ﵁، ابن أبي قحافة، وخارجة بن زهير، أخو بلحارث بن الخزرج أخوين.
وعمر بن الخطاب ﵁ وعتبان بن مالك، أخو بني سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج أخوين.
وأبو عبيدة بن عبد الله بن الجراح، واسمه عامر بن عبد الله، وسعد بن معاذ بن النعمان، أخو بني عبد الأشهل أخوين.
وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع أخو بلحارث بن الخزرج أخوين، والزبير بن العوام، وسلامة بن سلامة بن وقش، أخو بني عبد الأشهل أخوين، وعثمان بن عفان، وأوس بن ثابت بن المنذر، أخو بني النجار أخوين.
وطلحة بن عبيد الله، وكعب بن مالك، أخو بني سلمه أخوين.
وسعد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي بن كعب، أخو بني النجار أخوين.
ومصعب بن عمير بن هشام، وأبو أيوب خالد بن زيد، أخو بني النجار أخوين، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة وعباد بن بشر بن وقش أخو بني عبد الأشهل أخوين،
[ ١١١ ]
وعمار بن ياسر حليف بني مخزوم، وحذيفة بن اليمان، أخو بني عبد الدار حليف بني عبد الأشهل أخوين.
وثابت بن قيس بن الشماس، أخو بلحارث بن الخزرج، خطيب رسول الله ﷺ وعمار بن ياسر أخوين.
وأبو ذر، وهو برير بن جنادة الغفاري، والمنذر بن عمرو، أخو بني سعد بن كعب بن الخزرج أخوين.
وكان حاطب بن أبي بلتعة، حليف بني أسد بن عبد العزى وعويم بن ساعدة أخو بني عمرو بن عوف أخوين.
وسلمان الفارسي، وأبو الدرداء عويمر بن ثعلبة، أخو بلحارث بن الخزرج أخوين، وبلال، مولى أبي بكر ﵄، ومؤذن رسول الله ﷺ وأبو رويحة عبد الله بن عبد الرحمن الخثعمي أخوين.
فهؤلاء من سمي لنا، ممن كان رسول الله آخى بينهم من أصحابه١.
ولقد برز خلق الأنصار العظيم، وهم يؤثرون إخوانهم المهاجرين على أنفسهم وقد تجردوا من شح النفس، وملئوا قلوبهم بحب الله ورسوله، فكانوا قدوة مثالية في عالم الإيثار الرائع، والإنسانية النبيلة حتى إنهم قبلوا أخوة جعفر بن أبي طالب لمعاذ بن جبل رغم اغتراب جعفر وجعلوا له حق المشاركة والعطاء والولاء.
تورد كتب السنة نماذج لهؤلاء الصفوة من أتباع رسول الله ﷺ حيث نقرأ عن أبي هريرة ﵁ قال: قالت الأنصار للنبي ﷺ: أقسم بيننا وبين إخوتنا النخيل قال: ﷺ: "لا".
فقالوا: تكفونا المئونة ونشرككم في الثمرة.
قالوا: سمعنا وأطعنا٢.
روى عبد الرحمن بن زيد بن أسلم أن رسول الله ﷺ قال للأنصار: إن
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٥٠٤، ٥٠٧. ٢ صحيح البخاري ك المناقب. ب مناقب الأنصار ج٦ ص١٤٧ ط الأوقاف.
[ ١١٢ ]
إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم.
فقالوا: أموالنا بيننا قطائع.
فقال ﷺ: "أو غير ذلك"؟
قالوا: وما ذاك يا رسول الله.
قال ﷺ: "هم قوم لا يعرفون العمل، فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر".
قالوا: نعم١.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: دعا النبي ﷺ الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين فقالوا: لا إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها.
قال ﷺ: "أما لا فاصبروا حتى تلقوني، فإنه سيصيبكم بعدي أثرة" ٢.
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال المهاجرون: يا رسول الله ما رأينا مثل قوم قدمنا عليهم أحسن مواساة في قليل، ولا أحسن بذلا من كثير، لقد كفونا المئونة، وأشركونا في المهنأ، حتى لقد خشينا أن يذهبوا بالأجر كله.
قال: "لا ما أثنيتم عليهم، ودعوتهم الله لهم" ٣.
وقد سجلت السنة موقف أنصاري بلغ في الإيثار مبلغًا يستجلب تمام رضى الله ﷾، لقد بات الرجل طاويًا وزوجته كذلك، وفوق ذلك نوما صبيانهما دون عشاء، وآثرا ضيف رسول الله ﷺ من المهاجرين بما كان عندهم من طعام.
والعظيم في الأمر أن الأنصاري يطلب هذا وتوافقه زوجته، والأم على أطفالها جد حانية، ولا تؤثر بطعامها عليهم أحدًا إلا أن صنيع الإيمان في قلوب الأنصار غير الطبائع إلى أسمى ما يتصوره عقل يفهم أو يخطر ببال مفكر أريب ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص٢٢٨. ٢ صحيح البخاري ك المناقب ب مناقب الأنصار ج٦ ص١٥٢. ٣ البداية والنهاية ج٣ ص٢٢٨. ٤ الحشر: ٩.
[ ١١٣ ]
سبحان الله!!
والله لا يحدث هذا إلا بسبب صدق الإيمان.
ومحال أن يتم إلا لله ﷾.
عن أبي هريرة ﵁ أن رجلا أتى النبي ﷺ فبعث إلى نسائه فقلن: ما معنا إلا الماء، فقال رسول الله ﷺ: "من يضيف هذا"؟
فقال رجل من الأنصار: أنا. فانطلق به إلى امرأته فقال لها: أكرمي ضيف رسول الله ﷺ.
فقالت: ما عندنا إلا قوت صبياني.
فقال: هيئي طعامك، وأصبحي سراجك، ونومي صبيانك، إذا أرادوا عشاء، فهيأت الأم طعامها، وأصبحت سراجها، ونومت صبيانها، ثم قامت كأنها تصلح سراجها فأطفأته، فجعلا يريانه أنهما يأكلان بصوت يصدرونه، وباتا طاويين فلما أصبح غدا الأنصاري إلى رسول الله ﷺ فقال له ﷺ: "ضحك الله الليلة -أو عجب- من فعالكما" ١.
فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ .
ولم يكن المهاجرون أقل مروءة، وإخلاصًا، وحبًا من الأنصار، لأنهم بعدما استقروا، وعرفوا طرق العمل، وأتتهم الدنيا ردوا لإخوانهم الأنصار ما أخذوه منهم.
- عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ لما فرغ من قتال أهل خيبر، وانصرف إلى المدينة رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم، التي كانوا منحوهم إياها من ثمارهم٢.
- يقول أنس: فرد رسول الله ﷺ إلى أمي عذاقها الذي أخذته من أم أيمن وأعطى رسول الله ﷺ أم أيمن مكانه من حائطه٣.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب مناقب الأنصار باب ويؤثرون على أنفسهم ج٦ ص١٥٤ ط الأوقاف. ٢ صحيح البخاري كتاب الهبة باب فضل المدينة ج٤ ص٣٤٧. ٣ تكملة الحديث السابق.
[ ١١٤ ]
- قال أنس: وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله ما كان أهله أعطوه، أو بعضه، وكان النبي ﷺ قد أعطاه أم أيمن، فأتيت النبي ﷺ فأعطانيهن فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وقالت: والله لا نعطيكهن، قد أعطانيهن.
فقال نبي الله ﷺ: "يا أم أيمن اتركيه، ولك كذا وكذا".
وتقول: كلا والذي لا إله إلا هو.
فجعل ﷺ يقول كذا ثم كذا حتى أعطاها عشرة أمثاله، أو قريبًا من عشرة أمثاله حتى رضيت١.
بل إن بعض المهاجرين ما قبل أن يكون عبثًا على أخيه الأنصاري، نعم هو لا يجيد الزراعة، ولكنه يمكن أن يعمل في التجارة، وفعلا ذهب إلى السوق وتاجر، وإذا كانت الأيام الأولى أيام تعلم، وتعليم، واستعداد، وجهاد، فإن في الوقت سعة بجانب ذلك للذهاب إلى السوق ليعمل في تجارة يتكسب من ورائها ولو قليلا بدلا من الاعتماد على أخيه مهما كان سخيًا غنيًا.
- قال عبد الرحمن بن عوف ﵁: لما قدمنا المدينة آخى رسول الله ﷺ بيني وبين سعد بن الربيع فقال سعد بن الربيع: إني أكثر الأنصار مالا، فأقسم لك نصف مالي، وانظر أي زوجتي هويت نزلت لك عنها، فإذا حلت تزوجها!
فقال له عبد الرحمن: لا حاجة لي في ذلك، هل من سوق فيه تجارة؟
قال: سوق بني قينقاع.
قال: فغدا إليه عبد الرحمن فأتى بأقط وسمن ثم تابع الغدو.
فما لبث أن جاء عبد الرحمن إلى رسول الله ﷺ وعليه أثر صفرة من زعفران فقال رسول الله ﷺ: "أتزوجت".
قال: نعم.
قال: "ومن"؟.
ال: امرأة من الأنصار.
قال: "كم سقت"؟.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ك الهبة، ب فضل المنحة ج٤ ص٣٤٥ ط الأوقاف.
[ ١١٥ ]
قال: زنة نواة من ذهب، أو نواة من ذهب.
فقال له النبي ﷺ: "أولم ولو بشاة" ١.
يتحدث الرسول ﷺ عن فضل الأنصار والمهاجرين فيما يرويه الإمام البخاري بسنده عن عبد الله بن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول ثلة يدخلون الجنة لفقراء المهاجرين الذين تتقى بهم المكاره، إذا أمروا سمعوا وأطاعوا، وإن كانت منهم حاجة إلى السلطان لم تقض حتى يموت وهو في صدره، وإن الله يدعو يوم القيامة الجنة فتأتي بزخرفها وزينتها، فيقول: أي عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وقتلوا وأوذوا في سبيلي، وجاهدوا في سبيلي ادخلوا الجنة فيدخلونها بغير عذاب ولا حساب، وتأتي الملائكة فيسجدون ويقولون: ربنا نحن نسبح لك الليل والنهار، ونقدس لك. من هؤلاء الذين آثرتهم علينا"؟
فيقول الله: هؤلاء عبادي الذين قاتلوا في سبيلي وأوذوا في سبيلي فتدخل الملائكة عليهم من كل باب وهم يقولون: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ "٢.
- وعن أنس بن مالك ﵁ قال: مر أبو بكر والعباس ﵄ بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، وذلك في مرض رسول الله ﷺ الأخير.
فقال: ما يبكيكم؟
قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا.
فدخل على النبي ﷺ فأخبره بذلك.
فخرج النبي ﷺ وقد عصب رأسه بحاشية برد، فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشى -بطانتي- وعيبتي -خاصتي- وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزا عن مسيئهم" ٣.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ك المناقب، ب إخاء النبي بين المهاجرين والأنصار ج٦ ص١٤٦ ط الوقاف. ٢ السيرة النبوية في ضوء الكتاب والسنة ص١٣٩. ٣ صحيح البخاري ك المناقب ج٦ ص١٥٥ ط الأوقاف.
[ ١١٦ ]
- وعن أنس قال: إن النبي ﷺ رأى صبيانًا ونساء مقبلين من عرس فقام النبي ﷺ منتصبًا لهم فقال: "اللهم أنتم من أحب الناس إليّ، اللهم أنتم من أحب الناس إليّ، اللهم أنتم من أحب الناس إليّ" ١.
لقد صهرت هذه الأخوة المسلمين في بوتقة واحدة، وربطتهم بحبل الله المتين، وخلصت نفوسهم من شهوات النفس، وأزاحت من حياتهم وساوس الهوى والشيطان، وشعر كل مسلم بأخوته للآخرين بلا فرق بين حر ومولى، أو غني وفقير، أو كبير وصغير، أو مهاجر وأنصاري وصار الجميع جنودًا لله تعالى، يضحون بكل ما يملكون في صدق وإخلاص.
لقد أقاموا بجهدهم وجهادهم دولة الإسلام الأولى، في سموها ورفعتها، وربانيتها، وأصبحوا مثالا يفتخر المسلمون بهم في كل مكان، وصدق قول الله فيهم: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ ٢.
والآية تقدم صورة كريمة، رائعة لهذا الجيل المتفرد في حياة الأمة الإسلامية الذي اتصف وتميز بالحقائق التالية:
١- جعلوا حياتهم لله تعالى، فساروا بأمره واتبعوا منهجه، وكانوا بحق خير معية لرسول الله ﷺ وخير جند لله تعالى.
٢ عاشت آمالهم وأحلامهم وأعمالهم كلها بفضل الله ورضوانه محفوظة في الدنيا.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب النكاح ج٦ ص١٤٨. ٢ سورة الفتح: ٢٩.
[ ١١٧ ]
بالنصر والتوفيق، وفي الآخرة بالجنة والنعيم.
٣- كانوا عبادًا لله مخلصين، تراهم دائمًا راكعين ساجدين خاشعين، وتبرز في وجوههم سمة الخشوع والعبادة، وتنمحي من حياتهم علامات الاستعلاء والكبر.
٤- علاقتهم بالآخرين أساسها الإيمان، فهم مع المؤمنين رحماء، ومع الكفار أشداء، ولو كانوا آباءهم وإخوانهم.
٥- أكرم الله هذا الجيل العظيم بتنزيل مثله في التوراة والإنجيل، فجعلهم صورة وضيئة في التوراة، وصورهم في الإنجيل بالزرع النامي القوي الضخم المستقيم الذي يعجب زارعه، وهو رسول الله ﷺ.
ولك أن تتخيل أثر هذه الآية على أصحاب رسول الله ﷺ، وهم يتلقون هذا التكريم الإلهي الذي يوضح مقامهم عند الله وعند الناس، ويستمر مع الناس ما دامت تلاوة القرآن الكريم، وما دامت الحياة.
[ ١١٨ ]
٢- وضع الميثاق العام لسكان المدينة:
لم يكتف النبي ﷺ بتحقيق الإخاء بين المسلمين، وإنما وضع ميثاقًا لكل سكان المدينة، يوضح ما لهم، وما عليهم، ويعرفهم بمصدر الحكم والتوجيه، ويجدد لهم وسائل التعامل داخل المدينة وخارجها، حتى عد بعضهم هذا الميثاق بأنه أول دستور إسلامي شرعه الله تعالى لحكم دولة الإسلام في المدينة.
ويلاحظ أن هذا الميثاق أعلنه رسول الله ﷺ بعدما أوحى الله تعالى إليه به، ولم يشاورا أحدًا من سكان المدينة فيه، فهو تشريع خالص من الله تعالى، ملزم لسكان المدينة جميعًا.
وقد روى ابن إسحاق نص هذه الميثاق، وعنه روى العلماء والمؤرخون، وسوف أورد هذا الميثاق مقسمًا على فقرات، ومع كل فقرة أضع رقمًا مسلسلا، تسهيلا للفهم وتحديدًا لمبادئ الميثاق وذلك فيما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم
١- هذا كتاب محمد النبي رسول الله، وبين المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب ومن تبعه، فلحق بهم وجاهد معهم.
٢- إنهم أمة واحدة من دون الناس.
٣- المهاجرون من قريش على ربعتهم "حالهم"، يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم "أسيرهم" بالعروف والقسط بين المؤمنين.
٤- وبنو عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٥- وبنو الحارث بن الخزرج على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالقسط والمعروف بين المؤمنين.
٦- وبنو ساعدة على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
[ ١١٩ ]
٧- وبنو جشم على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدى عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٨- وبنو النجار على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
٩- وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
١٠- وبنو النبيت على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
١١- وبنو الأوس على ربعتهم، يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين.
١٢- وأن المؤمنين لا يتركون مفرحًا "مثقلا بدين" بينهم إلا أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل.
١٣- وأن لا يخالف مؤمن مولى مؤمن دونه.
١٤- وأن المؤمنين المتقين أيديهم على كل من بغى منهم، أو ابتغى دسيعة أو إثمًا أو عدوانًا أو فسادًا بين المؤمنين، وأن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم.
١٥- ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر مؤمن كافرًا على مؤمن.
١٦- وأن ذمة الله واحدة، يجبر عليهم أدناهم، وأن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس.
١٧- وأنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرًا عليهم.
١٨- وأن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله، إلا على سواء وعدل بينهم.
١٩- وأن كل غازية "غزاة" غزت معنا، يعقب بعضها بعضًا.
٢٠- وأن المؤمنين يبئ "يتعادل" بعضهم عن بعض، بما نال دماءهم في
[ ١٢٠ ]
سبيل الله.
٢١- وأن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه.
٢٢- وأن لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسًا، ولا يحول "يحجز" دونه على مؤمن.
٢٣- وأنه من اعتبط "قتل" مؤمنًا قتلا عن بينة فإنه قود "قصاص" به، إلا أن يرضى ولى المقتول بالعفو، وأن المؤمنين عليه كافة لا يحل لهم إلا القيام عليه.
٢٤- وأنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا "قاتلا" أو يؤويه، وأن من نصره فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه عدل "فداء" ولا صرف "توبة".
٢٥- وأن أهل المدينة مهما اختلفوا في شيء فإن مرده إلى الله وإلى محمد.
٢٦- وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين.
٢٧- وأن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم أو أثم، فإنه لا يوتغ "يهلك" إلا نفسه وأهل بيته.
٢٨- وأن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بن عوف.
٢٩- وأن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف.
٣٠- وأن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.
٣١- وأن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف.
٣٢- وأن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف.
٣٣- وأن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم أو أثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته.
٣٤- وأن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.
٣٥- وأن لبني الشطبية مثل ما ليهود بني عوف، وأن البر دون الإثم "الخبث".
٣٦- وأن موالي ثعلبة كأنفسهم.
[ ١٢١ ]
٣٧- وأن بطانة يهود "اليهود خارج المدينة" كأنفسهم.
٣٨- وأنه لا يخرج منهم أحد "خارج المدينة" إلا بإذن محمد.
٣٩- وأنه لا ينحجز "يمنع" على ثأر جرح، وأنه من فتك فبنفسه وأهل بيته، إلا من ظلم، وأن الله على أبر هذا.
٤٠- وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وأن بينهم النصح والنصيحة، والبر دون الإثم.
٤١- وأنه لا يأثم امرؤ بخليفة، وأن النصر للمظلوم.
٤٢- وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين م داموا محاربين.
٤٣- وأن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة.
٤٤- وأن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم.
٤٥- وأنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها.
٤٦- وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث "أمر منكر" أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله وإلى محمد رسول الله، وأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره.
٤٧- وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها.
٤٨- وأن بينهم النصر من دهم يثرب.
٤٩- وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه، ويلبسونه "يشتركون فيه" فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين.
٥٠- على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قَبِلَهم.
٥١- وأن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وأن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه وأن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره.
٥٢- وأنه لا يحول دون هذا الكتاب ظالم أو آثم، وأنه من خرج من المدينة
[ ١٢٢ ]
فهو آمن ومن قعد بالمدينة فهو آمن إلا من ظلم أو أثم، وأن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله١.
وهذه الوثيقة تؤكد أن رسول الله ﷺ هو رئيس الدولة، وهو المرجع في التفسير والحكم والتنفيذ، وهو ﷺ المسئول عن تحقيق أمن المدينة وسلامة المقيمين فيها، وهو ﷺ المصدر الوحيد الذي يتلقى الوحي الإلهي، ويبلغه لهم وللناس أجمعين.
وهذه الوثيقة تبين أن مواطني الدولة الإسلامية هم المسلمون وغيرهم، وأن الجميع مسئولون عن ضمان الحقوق داخل المدينة، وعدم التعامل مع المجرمين، وترك التعاون مع المعتدين داخل المدينة أو خارجها، بحيث لا يخرج أحد من المدينة إلى مكة إلا بإذن رسول الله ﷺ ولا يأوى أحد إلا بإذنه ﷺ كذلك.
وتنظم الوثيقة العلاقة بين قبائل المدينة جميعًا، وفي إطار قبول الجميع لحكم الله ورسوله ﷺ الذي يضمن لكل دينه وكرامته وحريته.
وبوضع هذا الميثاق، وإحاطة جميع القبائل به يكون قد تم تحديد مسار الجميع، ومعرفة كل فرد في المدينة لما له، وما عليه، وبهذا الميثاق بدأت الملامح السياسية لدولة المدينة تترسخ، وتخضع لحكم تشريع واحد هو الإسلام، ويقودها إمام واحد هو رسول الله ﷺ والكل فيها مواطنون يتمتعون بحقوق المواطنة، وعليهم واجباتها.
وبذلك تم تنظيم المجتمع في المدينة، وأصبح الطريق مفتوحًا لنشر دعوة الله في كل مكان، وبكل الوسائل الممكنة، ولذلك بدأ رسول الله ﷺ جهاد الدعوة بالسرايا والغزوات، وهذا ما سيتضمنه مبحث حركة الرسول بالدعوة في المدينة الذي سيأتي بعد الانتهاء من سيرته ﷺ.
_________________
(١) ١ السيرة النبوية لابن هشام ج١ من ص٥٠١ إلى ٥٠٤.
[ ١٢٣ ]
المبحث الرابع: الحياة الأسرية لرسول الله ﷺ في المدينة المنورة
أولا: التعريف بأمهات المؤمنين المتفق عليهن
المبحث الرابع: الحياة الأسرية لرسول الله ﷺ في المدينة المنورة
استقر رسول الله ﷺ في المدينة، وأحضر أبناءه، وزوجته سودة من مكة، وتمت هجرة المؤمنين جميعًا وصارت الأمة مهيأة لانطلاقة الإسلام الكبرى، وتعددت مهمات النبي ﷺ، فهو في بيته مع زوجاته، وأبنائه، زوجًا، وأبًا، وموجهًا، ومع سائر الناس داعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا.
وقد وفى رسول الله ﷺ بكل ما كلف به، حتى صار الأسوة الكاملة في كل مجال يحتاج له الناس، وفي هذا المبحث سأتناول الجانب الأسري لرسول الله ﷺ فهو ألصق بسيرته ﷺ مع رد الافتراءات الموجهة ضد رسول الله ﷺ في تعدد زوجاته وذلك فيما يلي:
أولا: التعريف بأمهات المؤمنين المتفق عليهن
أجمع المؤرخون وعلماء السيرة أن رسول الله ﷺ تزوج إحدى عشرة امرأة، مات عن تسعة منهن، واختلفوا فيما فوق هذا العدد.
وسأورد تعريفًا موجزًا بأمهات المؤمنين المتفق على أنهن زوجات رسول الله ﷺ ثم أجمل أسماء المختلف فيهن زواجا أو خطبة أو غير ذلك فيما يلي:
الزوجة الأولى: خديجة بنت خويلد ﵂
هي خديجة بنت خويلد القرشية من بني أسد بن عبد العزى، تلتقي مع رسول الله في جده "قصي" تزوجها النبي ﷺ قبل الإسلام مع أنها تكبره بخمسة عشر عامًا١.
وكانت خديجة ﵂ خير معاشر لرسول الله ﷺ، وكانت له نعم الزوجة يصور ذلك رسول الله ﷺ وهو يقول عنها: "ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس
_________________
(١) ١ انظر الكتاب الثاني من السلسلة ص٢٣٧.
[ ١٢٤ ]
ورزقني الله أولادها، وحرمني أولاد الناس" ١.
يقول ابن إسحاق: كانت وفاة خديجة، وأبي طالب، في عام واحد، وتوفيت وهي بنت خمس وستين سنة، ودفنت في الحجون، ونزل رسول الله ﷺ حفرتها، ولم تكن شرعت صلاة الجنازة بعد٢.
الزوجة الثانية: سودة بنت زمعة ﵂
تزوجها النبي ﷺ بعد موت خديجة ﵂، وكانت قبله زوجًا لابن عمها السكران بن عمرو، من السابقين إلى الإسلام الذين هاجروا إلى الحبشة الهجرة الثانية، جاء إلى مكة مع زوجته فتوفي بها ودفن بالحجون.
والحكمة في زواجه ﷺ منها صيانتها من الشرك؛ لأنها لو عادت لقومها واحتاجت لهم لأهانوها، وعذبوها، وفتنوها في دينها، ولذلك صانها النبي ﷺ بالزواج وكفلها.
توفيت سودة ﵂ في آخر خلافة عمر بن الخطاب ﵁ ودفنت بالبقيع.
الزوجة الثالثة: عائشة بنت أبي بكر ﵂
عقد النبي ﷺ عليها في مكة قبل الهجرة وهي بنت ست سنوات، ودخل بها وهي بنت تسع سنوات، في شوال من السنة الأولى من الهجرة، وفي زواج النبي ﷺ من عائشة تكريم لأول أصحابه، وأعلاهم قدرًا، وأحبهم إلى قلبه ﷺ.
وكان لعائشة منزلة في قلب رسول الله ﷺ، يقول ﷺ: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ٣.
تقول عائشة: كان رسول الله ﷺ ليتفقد يقول: "أين أنا اليوم؟! أين أنا غدًا"؟، استبطاء ليوم عائشة: فلما كان يومي قبضه الله بين سحري ونحري٤.
ولم ينس الرسول ﷺ لأبي بكر سبقه للإسلام، ونصره لدين الله تعالى، وإعانته
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٣٦١. ٢ صفوة الصفوة لابن الجوزي ج٢ ص٩. ٣ صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضل عائشة ج١٥ ص٢١١. ٤ صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضل عائشة ج١٥ ص٢٠٧، ٢٠٨.
[ ١٢٥ ]
للمستضعفين، ولذا صاهره وتزوج ابنته عائشة رضي الله عنها١ بأمر الله تعالى.
توفيت ﵂ سنة سبع وخمسين من الهجرة، وصلى عليها أبو هريرة، ودفنت بالبقيع وعمرها ثمان وستون سنة.
الزوجة الرابعة: حفصة بنت عمر ﵂
تزوج الرسول ﷺ حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂ في شهر شعبان على رأس ثلاثين شهرًا من الهجرة.
كانت حفصة زوجة لـ"خنيس بن حذاقة السهمي" الصحابي الجليل، الذي شهد بدرًا وأحدًا، وتوفي بالمدينة بعد أحد مباشرة بجرح أصابه فيها فلما انقضت عدتها فكر أبوها في تزويجها، يقول أبوها عمر ﵁: فلقيت عثمان بن عفان ﵁ فعرضت عليه حفصة، فقال: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر.
قال: سأنظر في أمري.
فلبثت ليالي ثم قال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا.
قال عمر: فلقيت أبا بكر، فقلت له: إن شئت أنكحتك حفصة بنت عمر، فصمت أبو بكر، فلم يرجع إليّ شيئًا، فكنت عليه أوجد مني على عثمان.
فلبثت ليالي، ثم خطبها رسول الله ﷺ فأنكحتها إياه.
فلقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليّ حين عرضت عليّ حفصة فلم أرجع إليك؟
قلت: نعم.
قال: فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك إلا أن النبي ﷺ قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله ﷺ، ولو تركها لقبلتها٢.
نعم إن رسول الله ﷺ تزوج السيدة عائشة في السنة الأولى من الهجرة، فكان هذا قرة عين لصاحبه أبي بكر، وخير مكافأة له في الدنيا على صدقه وإخلاصه.
_________________
(١) ١ انظر صحيح البخاري كتاب المناقب باب تزويج النبي عائشة ج٦ ص٢٠٢. ٢ صحيح البخاري كتاب المغازي باب حدثنا أبو اليمان ج٦ ص٢٦٢، وانظر الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢٢ ص١٢٩، ١٣٠.
[ ١٢٦ ]
فلما توفي زوج السيدة حفصة بنت عمر ﵂ رأى رسول الله ﷺ أن يساوي بين عمر وبين أبي بكر في تشريفهما بمصاهرته، ولم يكن في الإمكان أن يكافئهما في هذه الحياة بشرف أعلى من هذا، فتزوج حفصة في السنة الثالثة.
فما أجل سياسته ﷺ!!
وما عظم وفائه للأوفياء له.
ويقابل ذلك إكرامه لعثمان ﵁، ولعلي بن أبي طالب ﵁، بتزويجهما ببناته "رقية وأم كلثوم وفاطمة ﵅".
وهؤلاء الأربعة أعظم أصحابه في حياته، وخلفاؤه في أمته ونشر دعوته بعد وفاته ﷺ وهم أفضل الصحابة على الإطلاق١.
توفيت حفصة ﵂ سنة خمس وأربعين من الهجرة في خلافة معاوية وصلى عليها مروان بن الحكم ودفنت بالبقيع وعمرها ثلاث وستون سنة.
الزوجة الخامسة: زينب بنت خزيمة ﵂
تزوج الرسول ﷺ زينب بنت خزيمة بن الحارث ﵂، وهي المعروفة في الجاهلية بأم المساكين، وكانت قبله زوجة للصحابي "عبيدة بن الحارث" الذي استشهد يوم بدر، وكان دخوله ﷺ بها في رمضان من السنة الرابعة من الهجرة، وقد توفيت بعد زواجها من رسول الله ﷺ بثمانية أشهر ودفنت بالبقيع، ولم يمت من أزواجه ﷺ في حياته إلا هي وخديجة ﵄ وكان عمر زينب يوم وفاتها ثلاثين عامًا٢.
الزوجة السادسة: أم سلمة ﵂
تزوج النبي ﷺ أم سلمة وهي هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية، تزوجت أولا ابن عمها "عبد الله بن عبد الأسد المخزومي" من السابقين إلى الإسلام، وهو ابن عمة رسول الله ﷺ وأخوه من الرضاع، شهد بدرًا واستشهد يوم أحد.
وكان زوجها يحبها قالت له مرة: بلغني أنه ليس امرأة يموت زوجها وهما من
_________________
(١) ١ منتقى النقول ص٤٥٠. ٢ الطبقات الكبرى ج٨ ص١١٦.
[ ١٢٧ ]
أهل الجنة ثم لم تتزوج بعده إلا جمع الله بينهما في الجنة، وكذلك إذا ماتت المرأة وبقي الرجل بعدها، فتعال أعاهدك أن لا تتزوج بعدي ولا أتزوج بعدك.
قال: أتعطيني؟
قالت: ما سألتك إلا لأعطيك.
قال: فإذا أنا مت فتزوجي، ثم قال: اللهم أرزق أم سلمة بعدي رجلا خيرًا مني لا يحزنها ولا يؤذيها، فلما مات أبو سلمة قلت: من هذا الذي هو خير لي من أبي سلمة فلبثت ما لبثت فجاء رسول الله ﷺ فخطبني ثم تزوجني١.
وكانت أم سلمة وضيئة جميلة، تقول السيدة عائشة عنها: لما تزوجها النبي ﷺ حزنت حزنًا شديدًا لما ذكر لي من جمالها فذكرت ذلك لحفصة فقالت: ما هي كما يقال فتلطفت حتى رأيتها فرأيتها والله أضعاف ما وصفت لي، فذكرت ذلك لحفصة فقالت: نعم ولكني كنت غيرى٢.
وأبلت أم سلمة بلاء حسنًا في الهجرة، وعزاها النبي ﷺ في زوجها وقال لها: "سلي الله أن يؤجرك في مصيبتك، ويخلفك خيرًا".
فقالت: ومن يكون خيرًا من أبي سلمة؟
فلم ير صلوات الله وسلامه عليه عزاء ولا كافلا لها ولأولادها ترضاه غيره صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله فخطبها.
ولما خطبها لنفسه اعتذرت بأنها مسنة وأم أيتام وذات غيرة٣.
فأجابها ﷺ بأنه أكبر منها سنا، وبأن الغيرة يذهبها الله تعالى، وبأن الأيتام إلى الله ورسوله، وكان زواجه ﷺ بها في شهر شوال من السنة الرابعة من الهجرة٤.
وتوفيت أم سلمة سنة ثلاث وستين من الهجرة في خلافة يزيد بن معاوية ﵁ وصلى عليها والي المدينة مروان بن الحكم، وهي آخر من مات من زوجات النبي ﷺ.
_________________
(١) ١ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢٢ ص١٣١. ٢ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢٢ ص١٣٢. ٣ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٣٩٤. ٤ الطبقات الكبرى قسم النساء ج٨ ص٩١.
[ ١٢٨ ]
الزوجة السابعة: زينب بنت جحش ﵂
تزوجها النبي ﷺ بعد زواجه من أم سلمة، سنة ست من الهجرة، وكان اسمها "برة" فسماها النبي ﷺ بـ"زينب".
وقد أمر الله رسوله بتزوجها بعدما كان يخشى ﷺ قالة الناس؛ لأنه ﷺ هو الذي زوجها لمولاه زيد بن حارثة رغم معارضتها، وقد تعود الناس أن لا يتزوج السيد مطلقة مولاه، وحتى لا يتحدث الأفاكون عن طلاقها من زيد، وزواجها من رسول الله ﷺ لجمالها وحسنها.
تحكي زينب ﵂ قصتها فتقول:
خطبني عدة من قريش، فأرسلت أختي حمنة إلى رسول الله ﷺ تستشيره.
فقال لها رسول الله ﷺ: "أين هي ممن يعلمها كتاب ربها، وسنة نبيها"؟.
قالت: ومن هو يا رسول الله؟
قال: زيد بن حارثة.
فغضبت حمنة غضبًا شديدًا وقالت: يا رسول الله ﷺ تزوج بنت عمك مولاك؟ وجاءتني فأعلمتني فغضبت أشد من غضبها وقلت أشد من قولها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ ١.
فأرسلت إلى رسول الله ﷺ فقلت: إني أستغفر الله، وأطيع الله ورسوله، افعل ما رأيت يا رسول الله.
فزوجني زيدًا، وكنت أرنى عليه، فشكاني إلى رسول الله ﷺ فعاتبني رسول الله ﷺ ثم عدت، فأخذته بلساني، فشكاني إلى رسول الله ﷺ واستأذنه في فراقي.
فقال رسول الله ﷺ: "أمسك عليك زوجك واتق الله".
فقال يا رسول الله: أنا أطلقها.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ٣٦.
[ ١٢٩ ]
تقول زينب: فطلقني.
فلما انقضت عدتي لم أعلم إلا ورسول الله ﷺ قد دخل عليّ، وأنا مكشوفة الشعر، فقلت: إنه أمر من السماء يا رسول الله ﷺ بلا خطبة ولا شهادة.
فقال ﷺ: " الله هو المزوج وجبريل هو الشاهد" ١.
وقد بين القرآن الكريم قصة زواج زينب فقال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ ٢.
والمراد بالذي أنعم الله عليه، وأنعمت عليه مولى رسول الله ﷺ "زيد بن حارثة" ﵁، الذي زوجه النبي ﷺ من زينب، وكانت لذلك رافضة لما كانت تتمتع به من حسب، وجمال، ودين إلا أنها أطاعت رسول الله، وتزوجته.
وتمضي الأيام، ويفكر زيد في طلاق زينب لما رآه من استعلائها، ويأتي لرسول الله يستأذنه في ذلك، فينهاه لعلمه بأمر الله تعالى في هذا الشأن، إلا أن زيدًا طلق زينب، وأمر الله تعالى رسوله بالزواج من زينب.
والحكمة واضحة في الآية ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ .
ذلك أن العرب كانوا يعدون الابن بالتبني مثل الابن الأصلي، في تحريم زوجته إذا دخل بها على والده، ولذلك زوج الله نبيه بزينب، قطعًا لهذه العادة التي لا سند لها في شرع الله تعالى.
وقد قطع النبي ﷺ بزواجه من زينب عادة جاهلية أخرى، وهي استعلاء السادة عن الزواج بزوجات مواليهم كبرًا وفسادًا.
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٣٩٦. ٢ سورة الأحزاب: ٣٧.
[ ١٣٠ ]
كما بين للمؤمنين قضية عقدية هامة، وهي أنه لا خيار لمؤمن ولا مؤمنة بعد قضاء الله وحكمه كما تفيد الآيات.
وقد توفيت زينب سنة عشرين للهجرة في عهد الخليفة عمر بن الخطاب ﵁ وقد صلى عليها عمر ﵁ ودفنت بالبقيع١.
الزوجة الثامنة: جويرية بنت الحارث ﵂
كانت جويرية من سبايا بني المصطلق، جاءت للنبي ﷺ تستعين به في كتابتها، فأدى ﷺ عنها كتابتها وتزوجها بعد ذلك، وكان قومها جميعًا سبايا عند الصحابة، وبعد أن تزوجها رسول الله ﷺ قال الصحابة: أصهار رسول الله ﷺ يسترقون فأرسلوا ما بأيديهم من السبايا وأعتقوهم فصاروا جميعًا أحرارًا.
تقول عائشة: فلا نعلم امرأة كانت أكثر بركة على قومها من جويرية.
وقد توفيت جويرية بالمدينة سنة ست وخمسين من الهجرة وصلى عليها والي المدينة مروان بن الحكم ودفنت بالبقيع وكان عمرها يوم وفاتها خمسًا وستين سنة٢.
الزواجة التاسعة: أم حبيبة ﵂
هي رملة بنت أبي سفيان من السابقات للإسلام، هاجرت مع زوجها عبد الله بن جحش إلى الحبشة، وهناك ارتد عبد الله عن الإسلام وتنصر وثبتت هي على الإسلام، فأرسل النبي ﷺ إلى النجاشي يخطبها له، فزوجه إياها، وأصدقها أربعمائة دينار.
تقول أم المؤمنين رملة بنت أبي سفيان: فارقت عبد الله بن جحش فما شعرت إلا بجارية يقال لها أبرهة كانت تقوم على ثياب النجاشي تأتيني وتقول: إن الملك يقول لك إن رسول الله ﷺ كتب إليّ أن أزوجكه.
قالت: بشرك الله بخير.
قالت: يقول لك الملك وكلي من يزوجك، فأرسلت إلى خالد بن سعيد بن العاص فوكلته وأعطت أبرهة سوارين من فضة وخدمتين كانتا في رجلي وخواتيم
_________________
(١) ١ انظر بغية الرائد باب مناقب زينب ج٩ ص٣٩٨. ٢ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد باب مناقب صفية ج٩ ص٤٠٣.
[ ١٣١ ]
فضة سرورًا بما بشرتها، فلما كان العشي أمر النجاشي جعفر بن أبي طالب والمسلمين فحضروا فخطب النجاشي فقال: الحمد لله الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار، وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وأنه الذي بشر به عيسى ابن مريم ﷺ أما بعد فإن رسول الله كتب إليّ أن أزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان فأجبت إلى ما دعا إليه رسول الله وقد أصدقتها أربع مائة دينار، ثم سكب الدنانير بين يدي القوم.
فتكلم خالد بن سعيد فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه وأستنصره وأشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، أما بعد فقد أجبت إلى ما دعا إليه رسول الله وزوجته أم حبيبة بنت أبي سفيان فبارك الله رسول الله، ودفع الدنانير إلى خالد بن سعيد بن العاص فقبضها ثم أرادوا أن يقوموا فقال النجاشي: اجلسوا فإن سنة الأنبياء إذا تزوجوا أن يؤكل طعام على التزويج، فدعا بطعام فأكلوا ثم تفرقوا١.
وقد حضرت أم حبيبة ﵂ إلى زوجها رسول الله ﷺ سنة سبع من الهجرة في المدينة المنورة وتوفيت زمن أخيها معاوية سنة أربع وأربعين من الهجرة، ودفنت بالبقيع٢.
الزوجة العاشرة: صفية بنت حيي بن أخطب ﵂
تزوج رسول الله ﷺ صفية بنت حيي بن أخطب، سيد بني النضير، وكانت من أجمل نساء العالمين، ولم تبلغ سبع عشرة سنة.
وقد صارت له من سبي خيبر أمة فأعتقها، وجعل عتقها صداقها، فصار ذلك سنة للأمة إلى يوم القيامة أن يعتق الرجل أمته، ويجعل عتقها صداقها فتصير زوجة حرة بذلك.
قال أنس: لما جمع "ﷺ" بني خيبر جاءه دحية الكلبي فقال: يا رسول الله أعطني جارية من السبي.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٨، ٩٧، ٩٨. ٢ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد باب مناقب أم حبيبة ج٩ ص٤٠٢.
[ ١٣٢ ]
فقال ﷺ: "اذهب فخذ جارية فذهب وأخذ صفية بنت حيي".
فجاء رجل وقال: يا رسول الله إنها سيدة قريظة والنضير، وإنها لا تصلح إلا لك نظرًا لما قد كانت فيه.
قال ﷺ: "ادعو دحية إليّ بها".
فجاء دحية بها، فلما جاءت نظر إليها ﷺ وقال لدحية الكلبي: "خذ جارية من السبي غيرها"، ثم أعتقها وتزوجها.
يقول الحجاج: إن رسول الله ﷺ خيرها بين أن يعتقها وتكون زوجته أو تلحق بأهلها، فاختارت أن يعتقها وتكون زوجته١.
ويقول ابن شهاب: كانت مما أفاء الله عليه ﷺ، فحجبها وأولم عليها بتمر وسويق وقسم لها٢.
وعن ابن عمر قال: كان بعيني صفية خضرة، فقال لها النبي ﷺ: "ما هذه الخضرة بعينيك"؟
قالت: قلت لزوجي إني رأيت فيما يرى النائم كأن قمرًا وقع في حجري، فلطمني وقال: أتريدين ملك يثرب؟ أتريدين ملك يثرب؟
قالت: وما كان أبغض إليّ من رسول الله ﷺ قتل أبي، وزوجي.
فما زال يعتذر إليّ ويقول: "يا صفية إن أباك ألب عليَّ العرب، وفعل وفعل حتى ذهب ذلك من نفسي" ٣.
وعن وحشي بن حرب: أن النبي ﷺ لما أفاء الله عليه صفية، قال لأصحابه: "ما تقولون في هذه الجارية"؟
قالوا نقول: إنك أولى الناس بها وأحقهم.
قال ﷺ: "فإني أعتقها وأستنكحها، وجعلت عتقها مهرها".
فقال رجل: يا رسول الله الوليمة.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ك النكاح بباب من جعل عتق الجارية صداقها ج٨ ص١٣٥. ٢ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٤٠٤. ٣ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد باب مناقب صفية ج٩ ص٤٠٤.
[ ١٣٣ ]
قال ﷺ: "الوليمة حق، والثانية معروف، والثالثة، فخر وحرج" ١.
وعن صفية قالت: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وما من أحد أكره إليّ منه فقال: "إن قومك صنعوا كذا وكذا". فما قمت من مقعدي ومن الناس أحد أحب إليّ منه صلى الله عليه وسلم٢.
وفي رواية عن السيدة صفية ﵂ قالت: ما رأيت قط أحسن خلقًا من رسول الله ﷺ، لقد رأيته ركب بي من خيبر على عجز ناقته ليلا، فجعلت أنعس فيضرب رأسي مؤخرة الرحل، فيمس بيده ويقول: "يا هذه مهلا يا بنت حيي".
حتى إذا جاء الصهباء قال: "أما إني أعتذر إليك يا صفية مما صنعت بقومك إنهم قالوا لي كذا وكذا" ٣.
وكانت صفية حليمة، عاقلة، فاضلة، ماتت سنة خمسين في رمضان، وقيل سنة اثنتين وخمسين في خلافة معاوية ودفنت بالبقيع.
الزوجة الحادية عشرة: ميمونة بنت الحارث ﵂
ثم تزوج ﷺ بعد صفية بنت حيي: ميمونة بنت الحارث الهلالية، زوجه إياها العباس عمه، وكانت خالة ابن عباس ﵁.
وكانت في الجاهلية عند "مسعود بن عمرو بن عمير الثقفي" ففارقها وخلف عليها "أبا رهم بن عبد العزى" فتوفي عنها، فتزوجها رسول الله ﷺ في شوال سنة سبع بمكة في عمرة القضاء بعدما أحل.
وبنى بها بسرف حيث تزوج بها، وقد ماتت سنة إحدى وستين في خلافة يزيد بن معاوية، وقد بلغت ثمانين سنة، وهي آخر من تزوج صلى الله عليه وسلم٤.
وهي التي وهبت نفسها للنبي، يقول السهيلي: لما جاءها الخاطب، وكانت على بعير رمت بنفسها من على البعير، وقالت: البعير وما عليه لرسول الله صلى الله عليه وسلم٥.
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٤٠٦. ٢ المرجع السابق ج٩ ص٤٠٦. ٣ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٤٠٤-٤٠٦. ٤ الطبقات الكبرى ج٨ ص١٣٢ إلى ١٣٤. ٥ الروض الأنف ج٤ ص٧٨ وفيها نزل قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ .
[ ١٣٤ ]
أجمع المؤرخون، وكتَّاب السيرة على تزوج النبي ﷺ بأحدى عشرة امرأة، هن أمهات المؤمنين المذكورات:
ست منهن قرشيات وهن: خديجة، وعائشة، وحفصة، وأم حبيبة، وأم سلمة، وسودة بنت زمعة ﵅.
وأربع عربيات وهن: زينب بنت جحش من بني خزيمة، وميمونة بنت الحارث الهلالية، وزينب بنت خزيمة من بني صعصعة، وجويرية بنت الحارث من بني المصطلق.
ومن غير العربيات، صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير.
وقد توفي ﷺ عن تسع لوفاة خديجة وزينب بنت خزيمة في حياته وكان يقسم لثمان، بعد أن تنازلت سودة عن ليلتها لعائشة ﵅، وأول أزواجه لحوقًا به زينب بنت جحش، وآخرهن وفاة أم سلمة ﵅ جميعًا.
وكان للنبي ﷺ سريتان اختلفت الروايات حول زواج الرسول بهما وهما:
الأولى: مارية بنت شمعون القبطية المصرية، أهداها له صاحب الإسكندرية واسمه جريج بن مينا، وكانت جميلة، بيضاء، أعجب بها الرسول ﷺ، وأحبها وحظيت عنده، ولا سيما بعدما وضعت إبراهيم ولده.
ولما ولدت له إبراهيم غار نساء رسول الله ﷺ، واشتدت عليهن الغيرة حين صارت بذلك أم ولد حرة فقال رسول الله ﷺ: "أعتقها ولدها".
وماتت في المحرم سنة خمس عشرة فصلى عليها عمر ودفنها بالبقيع رحمها الله١.
الثانية: ريحانة بنت زيد القرظية نسبت لبني قريظة لتزوجها واحدًا منهم وليست منهم لأنها عربية وكانت في سبي بني قريظة، وقد سباها النبي ﷺ في شوال سنة أربع، وتوفيت سنة عشر، وصلى عليها عمر بن الخطاب، ودفنها بالبقيع٢ وقيل بل أعتقها النبي ﷺ وفرض عليها الحجاب وتزوجها.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٨ ص١١٢. ٢ انظر الطبقات الكبرى ج٨ ص١٢٩ إلى ١٣٢.
[ ١٣٥ ]
ثانيًا: الزوجات المختلف فيهن
اختلف المؤرخون، وعلماء السير في أخريات خطبهن النبي ﷺ أو تزوج بهن غير المتفق عليهن وهن:
الأولى: أم شريك الواهبة نفسها له ﷺ طلقها قبل أن يدخل بها، فلم تتزوج حتى ماتت.
الثانية: خولة بنت الهذيل بن هبيرة، تزوجها ﷺ فهلكت قبل أن تصل إليه.
الثالثة: عمرة بنت يزيد الكلابية، طلقها، وأمر أسامة بن زيد فمتعها ثلاثة أثواب.
الرابعة: أسماء بنت النعمان الكندية، تزوجها فلما دعاها قالت: أعوذ بالله منك، فقال: "عذت بمعاذ"، ثم سرحها إلى أهلها، وكانت تسمي نفسها الشقية.
الخامسة: مليكة بنت كعب، ومنهم من ينكر تزويجها.
السادسة: فاطمة بنت الضحاك، تزوجها ثم فارقها ﷺ، وقيل: إن أباها قال إنها لم تصدع قط، فقال ﷺ: "لا حاجة لي بها".
السابعة: العالية بنت ظبيان بن عمرو، تزوجها ﷺ وكانت عنده ما شاء الله ثم طلقها.
الثامنة: قتيلة بنت قيس أخت الأشعث بن قيس الكندي، زوجه إياها أخوها في سنة عشر، ثم انصرف إلى حضرموت فحملها، فقبض ﷺ قبل قدومه عليه.
التاسعة: سنا بنت الصلت بن حبيب السلمية، تزوجها ﷺ، وماتت قبل أن يدخل بها، وعند ابن إسحاق أنه ﷺ طلقها قبل أن يدخل بها.
العاشرة: شراف بنت خليفة أخت دحية الكلبي، تزوجها ﷺ فماتت قبل دخوله ﷺ بها.
الحادية عشرة: ليلى بنت الحطيم أخت قيس، تزوجها ﷺ، وكانت غيورًا فاستقالته فأقالها، فأكلها الذئب.
الثانية عشرة: امرأة من بني غفار تزوجها ﷺ، فأمرها فنزعت ثيابها، فرأى بكشحها بياضًا، فقال: "الحقي بأهلك"، ولم يأخذ مما آتاها شيئًا١.
_________________
(١) ١ زاد المعاد، والطبقات.
[ ١٣٦ ]
ثالثًا: من خطبها أو وهبت نفسها ولم يتزوجها ﷺ
هناك بعض النسوة ذكر المؤرخون أن رسول الله ﷺ خطبهن، أو وهبن أنفسهن لرسول الله ﷺ ولم يدخل بهن، وهن:
الأولى: امرأة من بني مرة بن عوف خطبها ﷺ إلى أبيها، فقال أبوها: إن بها برصًا -وهو كاذب- فرجع فوجد البرص بها.
الثانية: امرأة قرشية يقال لها سودة خطبها ﷺ وكانت مصبية، فقالت: أخاف أن يضجوا ويبكوا عند رأسك، فدعا لها وتركها.
الثالثة: صفية بنت بشامة، وكان أصابها في سبي، فخيرها بين نفسه الكريمة وبين زوجها، فاختارت زوجها.
الرابعة: أم هانئ فاختة بنت أبي طالب أخت علي ﵁، خطبها ﷺ، فقالت: إني مصبية واعتذرت إليه فعذرها.
الخامسة: ضباعة بنت عامر بن قرط، خطبها إلى ابنها سلمة بن هاشم فقال: حتى أستأمرها، فقيل للنبي ﷺ: إنها قد كبرت، فلما عاد ابنها -وقد أذنت له- سكت عنها ﷺ فلم ينكحها.
السادسة: أمامة بنت حمزة بن عبد المطلب، عرضت عليه ﷺ فقال: هي ابنة أخي من الرضاعة١.
_________________
(١) ١ انظر زاد المعاد والطبقات الكبرى ففيهما تفصيل وتوضيح.
[ ١٣٧ ]
المبحث الخامس: رد ما يقال عن تعدد زوجاته ﷺ
يمكن تقسيم حياة النبي الأسرية إلى فترات أربع عاشها النبي ﷺ بدءًا بزواجه من خديجة ﵂ أولى زوجاته، وانتهاء بميمونة ﵂ آخر زوجاته حتى وفاته ﷺ وهي:
الفترة الأولى: بدأت حين تزوج النبي ﷺ السيدة خديجة ﵂ وعمره خمس وعشرون سنة، واستمرت حتى وفاة خديجة ﵂، وعمره ﷺ خمسون سنة، وهذه الفترة هي مرحلة شباب النبي ﷺ ومدتها خمس وعشرون سنة.
الفترة الثانية: بدأت بوفاة السيدة خديجة وعمره ﷺ خمسون سنة حيث تزوج ﷺ السيدة سودة بنت زمعة، وعاش معها أربع سنوات، انتهت بعد الهجرة بعام واحد، وكان عمره ﷺ أربعًا وخمسين سنة.
الفترة الثالثة: امتدت ست سنوات، منذ أن كان عمر النبي ﷺ أربعًا وخمسين سنة، إلى أن بلغ ستين سنة، وفيها تزوج النبي ﷺ عددًا من أمهات المؤمنين توفي عن تسعة منهن، وكانت ميمونة آخر من تزوجهن ﷺ.
الفترة الرابعة: وتمتد من بلوغ النبي ﷺ سن الستين إلى أن توفي ﷺ عندما بلغ ثلاثًا وستين سنة، وفي هذه الفترة لم يتزوج النبي ﷺ أحدًا حيث حرم الله تعالى عليه الزواج فيها، وأمره أن لا يستبدل بإحدى زوجاته غيرها.
وحين ندقق النظر في تعدد زوجات النبي ﷺ، وبخاصة في المراحل العمرية المذكورة لرسول الله ﷺ نلحظ الآتي:
أولا: أن النبي ﷺ تزوج خديجة ﵂، وكانت تكبره بخمس عشرة سنة وعاش معها حتى لقيت ربها وعمرها خمسة وستون عامًا وكان عمر النبي ﷺ وقتها خمسين عامًا.
ثانيًا: استمر رسول الله ﷺ مع زوجة واحدة حتى بلغ سنه أربعًا وخمسين سنة؛ لأنه تزوج سودة بنت زمعة الأرملة المسنة بعد وفاة خديجة، ولم يدخل بسواها إلا
[ ١٣٨ ]
بعد أربع سنوات من الدخول بسودة، وذلك بعد تمام الهجرة إلى المدينة المنورة.
ثالثًا: فترة التعدد كانت ستة أعوام، بعدما بلغ عمر رسول الله أربعًا وخمسين، ودخل في سن الكبر والشيخوخة، وهي الأعوام التي امتلأت بنزول القرآن، وبيان الأحكام الشرعية وبناء الدولة المسلمة، والحركة بالإسلام وسط الناس والقيام بالسرايا والغزوات، والاتصال بالعالم الخارجي، واستقبال الوفود من كل جهة، وإرسال الرسائل، وتبليغ الدعوة عمليا إلى العالم كله.
رابعًا: أن زوجات النبي ﷺ كن ثيبات، سبق لهن الزواج قبل رسول الله ﷺ إلا عائشة ﵂، فقد عقد عليها بأمر الله تعالى، وسنها ست سنوات، ولم يدخل بها النبي ﷺ إلا بعد الهجرة بسنة تقريبًا، وعمرها تسع سنوات ﵂.
خامسًا: لم يعترض أحد من اليهود، أو من المنافقين أو من كفار مكة على زواج النبي ﷺ مع أنهم كانوا يتربصون به الدوائر، ولو وجدوا في زواج الرسول ﷺ لعبًا، أو هوى، أو مطعنًا لأذاعوه، ونشروه في العالمين، لكنهم مع عداوتهم لرسول الله لم يتكلموا في زواجه ﷺ بل شهدوا له بالعفة والطهر.
وهذه الملاحظات: تؤكد لنا حقيقة واضحة، وهي أن رسول الله ﷺ لم يكن شهوانيًا أبدًا كما يدعي بعض أعداء الإسلام؛ لأنه لو كان شهوانيًا لاختار بكرًا، صغيرة وجميلة في زواجه الأول، ولتزوج معها غيرها وبخاصة أن المجتمع الجاهلي كان يعدد الزوجات بلا حد معين، وكان النبي ﷺ قبل الرسالة يملك الوقت الذي يمكنه من إشباع شهوته، بدل أن يضيعه في الخلاء والبعد عن الناس.
ولو كان النبي ﷺ شهوانيًا لأوثر عنه اتصاله بالغواني والبغايا، وكان لهن يومذاك دور معروفة، وكان المجتمع يقر هذا العمل لمن يريده.
لكنه ﷺ لم يكن كذلك وإنما عاش طاهرًا عفيفًا، لم يتهم بريبة، ولم يرم بخطيئة، وعاش صادقًا أمينًا.
وبعد موت خديجة ﵂ تزوج سودة ﵂ في مكة، وهي الأرملة العجوز، وعاش معها وحدها أربع سنوات، وهو رسول الله ﷺ، ولو رغب في
[ ١٣٩ ]
أي فتاة عذراء وجميلة ومسلمة لسعدت به، ولرحب به قومها جميعًا، لكنه ﷺ تزوج سودة لتعلم الدنيا كلها أن الغاية لم تكن أبدًا إشباع شهوة، أو التمتع المجرد بالأنثى، أو الانغماس في الملذات الحسية.
يقول الأستاذ عباس العقاد: قال لنا بعض المستشرقين: إن تسع زوجات لمحمد لدليل على فرط الميول الجنسية.
قلنا له: إنك لا تصف السيد المسيح بأنه قاصر جنسيًا لأنه لم يتزوج قط، فلا ينبغي أن تصف محمدًا بأنه مفرط جنسيًا لأنه جمع بين تسع نساء.
ونحن قبل كل شيء، لا نرى ضيرًا على الرجل العظيم أن يتزوج ويتمتع لأن الفطرة لا عيب فيه.
فحب المرأة لا معابة فيه ما دام في إطاره المشروع، وفي حده المباح.
وإنما المعابة أن يطغى هذا الحب حتى يخرج عن حده، وحتى يشغل المرء عن غرضه، وحتى يكلفه شططًا في طلابه، فهو عند ذلك مسح للفطرة المستقيمة، يعاب كما يعاب الجور في جميع الطباع!!
فمن الذي يعلم حقيقة ما صنع النبي في حياته، ثم يقع في روعه أن المرأة شغلته عن عمل كبير، أو عن عمل صغير؟! لم يوجد هذا بعد!!
مَن مِن بناة التاريخ قد بنى في حياته، وبعد مماته، تاريخًا أعظم من تاريخ الدعوة المحمدية، والدولة الإسلامية؟!!
ومن ذا الذي يقول عن تراث محمد ﷺ: هذا عمل رجل مشغول بالنساء؟
عم شغلته المرأة؟
ومتى شغلته؟
وكيف شغلته؟
لم يتحدث أحد من المؤرخين أن محمدًا شغل بالمرأة عن رسالته، ومسئوليته.
ومن ذا الذي تفرغ لعمل ما فبلغ فيه شأو محمد في مسعاه؟ ولو كان تخصصه في جزئية صغيرة من تاريخ محمد ﷺ الشامل؟
[ ١٤٠ ]
إن عظمة محمد ﷺ قد أتاحت له أن يعطي الدعوة حقها، ويعطي المرأة حقها، فالعظمة حينئذ رجحان يذكر، وليست بنقص ينكر.
وهذا الاستيفاء السليم لكل واجباته ﷺ كمال في الرجولة، وفي الأداء، وفي السلوك.
ورسالة محمد إذن هي الرسالة التي يفهمها أناس خلقوا للحياة، ولم يخلقوا نابذين لها، ولا منبوذين منها.
وشريعته إذا هي الشريعة المطلوبة لعامة الناس في كافة العصور لما يتمتعون فيها من حلال مشروع.
وأعجب شيء أن يقال عن النبي ﷺ: إنه استسلم للذات الحس، وقد أوشك أن يطلق نساءه أو يخيرهن في الطلاق؛ لأنهن طلبن إليه المزيد من النفقة، وهو لا يستطيعها.
نساء محمد يشكون قلة النفقة والزينة، ولو شاء لأغدق عليهن النعمة، وأغرقهن في الحرير والذهب وأطايب الملذات.
أهذا فعل رجل يستسلم للذات حسه؟
أما كان يسيرًا عليه أن يفرض لنفسه ولأهله من الأنفال والغنائم ما يرضيهن، ولا يغضب المسلمين، وهم موقنون أن إرادة الرسول من إرادة الله؟
وماذا كلفه الاحتفاظ بالنساء، حتى يقال: إنه كان يفرط في ميله إلى النساء؟
هل كلفه أن يخالف ما يحمد من سننه؟!!
أو هل دفعه إلى نقض العظمة ويخالف ما يحمد من سيرته؟!!
وهل ألجأه أن يترخص فيما يرضاه أتباعه، ولا ينكرونه عليه؟!!
لم يكلفه شيئًا من ذلك، ولم يشغله عن جليل أعماله، وصغيرها، ولم نر فيه ﷺ رجلا تغلبه لذات الحس كما يزعم المشهرون، بل رأيناه رجلا يغلب تلك الملذات في طعامه، ومعيشته، وفي ميله إلى نسائه، فيحفظها بما يملك منها، ولا يأذن لها أن تسومه ضريبة مفروضة عليه، ولو كانت هذه الضريبة بسيطة قد ينالها أصغر المسلمين، ولا شك
[ ١٤١ ]
في قدرة النبي عليها لو أراد.
ويزيد في غرابة اتهام النبي بالإفراط الجنسي أن الرجل الذي توهموه ذلك التوهم لم يكن مجهولا قبل زواجه.
ولا بعد زواجه، حتى تتخبط فيه الظنون ذلك التخبط الذريع.
فمحمد كان معروفًا بين الشباب قبل قيامه بالدعوة الدينية كأشهر ما يعرف فتى من قريش وأهل مكة.
كان معروفًا من صباه إلى كهولته فلم يعرف عنه أنه استسلم للذات الحس في ريعان صباه، ولم يسمع عنه أنه لها كما يلهو الفتيان، حين كانت الجاهلية تبيح ما لا يباح، بل عرف بالطهر والأمانة، واشتهر بالجد والرصانة، وقام بالدعوة بعدها، فلم يقل أحد من شانئيه والناعين عليه والمنقبين وراءه أهون الهنات.
لم يقل أحد: تعالوا يا قوم فانظروا هذا الفتى، الذي كان من شأنه مع النساء كيت، وكيت، يدعوكم اليوم إلى الطهارة، والعفة، ونبذ الشهوات.
كلا لم يقل أحد هذا قط من شانئيه، وهم عديد لا يحصى، ولو كان لقوله موضع لجرى على لسان ألف قائل١.
وهناك من يعترض على تعدد زوجات النبي ﷺ لمجرد التعدد في ذاته، ويرون ذلك غير لائق بعظماء الرجال.
والذين يقولون ذلك ضعيفو العقول بسطاء التفكير؛ لأنهم إن كانوا من الإباحيين الذين يعيشون بين الخليلات، والعاشقات، والصاحبات، فهؤلاء لا يصح الالتفات إليهم؛ لأن اعتراضهم لا مقياس له، ولا معقولية فيه، ولأن الزواج عندهم لا قيمة له وحديثهم هراء لا مصداقية فيه، ولا معنى له.
وإن كانوا أصحاب دين يقول بالتعدد، فهم قوم يحرمون على غيرهم ما أباحه دينهم، ولذلك فإهمالهم أمر عادي، واعتراضهم مردود عليهم، وعليهم أن يناقشوا أنفسهم ودينهم في إباحة التعدد.
_________________
(١) ١ عبقرية محمد ص١٣٦-١٤٠ بتصرف.
[ ١٤٢ ]
وإن كانوا من أهل الكتاب "يهود أو نصارى"، فإن الحقيقة يجب أن تتضح وهي أن العهد القديم يذكر أن عددًا من الأنبياء عددوا أزواجهم حيث لا عيب في الزواج والتعدد.
إن فرط الرجولة ليس عيبًا في الرجل، بل هو كمال وقوة إذا ظهر ضمن الإطار الذي حدده الله تعالى، وحافظ على حقوق سائر الأطراف، وكان عامل خير للمجتمع، وتقدمه١.
وإن كان العيب في التعدد تكثير النسل، والمساهمة في الانفجار السكاني -كما يقولون- فإن الله تعالى قدر لرسوله ﷺ أن يموت وليس له من الأبناء إلا فاطمة ﵂ فلقد توفاهم الله تعالى جميعًا في حياة النبي ﷺ ما عدا فاطمة ﵂.
وإن تصور البعض أن التعدد يضر بالمرأة، فهو معارض بما يحققه التعدد للمرأة من فوائد عديدة٢.
والخلاصة هي تأكيد حقيقة براءة النبي ﷺ من كل زيف أشاعه أعداؤه حول زواجه ﷺ.
_________________
(١) ١ الإسلام للأستاذ سعيد حوى ص١٥٧. ٢ والأمثلة على فوائد التعدد للمرأة عديدة منها: - أن تكون الزوجة عقيمًا والرجل يريد الولد، فإن من الخير لها أن يتزوج ثانية عليها، وتبقى في رعايته. - أن تكون مريضة يرعاها زوجها، ومن الخير لها أن يتزوج أخرى وتبقى هي في عصمته. - أن يملك الرجل طاقة "أي شبقًا" ويحتاج لأكثر من زوجة فزواجه أفضل من ارتكابه الحرام. - وحينما تكثر النساء عقب الحروب فإن التعدد هو العلاج لذلك، وإلا فسد المجتمع كله. إن التعدد في هذه الحالات أكرم للمرأة لتعيش في كنف رجل يرعى حقوقها، بدل أن تضيع في معترك الحياة الضروس، وهو أكرم للمجتمع حفاظًا على الطهر والفضيلة، وضمانًا، لحقوق كل فرد فيه، وهو أكرم للرجل ليصل ما بينه وبين الناس بذرية صالحة، وأسرة كريمة حانية.
[ ١٤٣ ]
المبحث السادس: الحكم العامة في تعدد زوجات النبي ﷺ
ينطوي زواج النبي ﷺ على حكم بليغة تعم زوجاته جميعًا، وتظهر مع كل واحدة منهن على حدة، مما يجعل ذلك التعدد ضرورة لا بد منها من عدة زوايا.
أولا: محمد رسول الله، وخاتم الرسل، والرسالة بصورة عامة اختيار إلهي محض، يختص بها الله بعض عباده، ويحيطهم بعنايته، ويصنعهم لنفسه، وذلك أمر يؤكد أن زواجه، وسائر حياته وحي من الله تعالى، وحينئذ يكون التسليم بتعدد زوجات النبي ﷺ مسألة إيمانية محضة.
فالرسول ﷺ تزوج بأمر الله تعالى له، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا، تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ ١.
لقد أحل الله لرسوله أن يتزوج بما يشاء، وأن يملك بيمينه ما يشاء، وعلى الإنسان العاقل أن يسلم بفعل رسول الله في الزواج، لأنه قدر رباني، وأمر إلهي، ولن يضيع الله رسوله أبدًا، ولن يأمره بسوء أبدًا.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية ٥٠-٥١.
[ ١٤٤ ]
ففي الآيات يحل الله للنبي أنواع النساء المذكورات فيها، ولو كن فوق الأربع، مما هو محرم على غيره، وهذه الأنواع هي: الأزواج اللواتي أمهرهن، وما ملكت يمينه إطلاقًا من الفيء، وبنات أعمامه، وبنات عماته، وبنات خاله، وبنات خالاته، ممن هاجرن معه، دون غيرهن ممن لم يهاجرن إكرامًا للمهاجرات، وأيما امرأة وهبت نفسها للنبي بلا مهر، ولا ولي، إن أراد النبي نكاحها نكحها.
وقد جعل الله هذه الخصوصية للنبي ﷺ، أما سائر المسلمين فهم خاضعون لما بينه الله، وفرضه عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم، ذلك كي لا يكون على النبي حرج في استبقاء أزواجه، وفي الاستجابة للظروف الخاصة بشخصه.
ثم ترك الخيار له ﷺ في أن يضم إلى عصمته من شاء، ممن يعرضن أنفسهن عليه، أو يؤجل ذلك، ومن أرجأهن فله أن يعود إليهن حين يشاء، وله أن يباشر من نسائه من يريد، ويرجئ من يريد، ثم يعود يقول الله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَلَا يَحْزَنَّ وَيَرْضَيْنَ بِمَا آتَيْتَهُنَّ كُلُّهُنَّ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ ١ فأوامر الله وتوجيهاته تراعي الظروف الخاصة المحيطة بشخص الرسول ﷺ، والرغبات الموجهة إليه، والحرص على شرف الاتصال به، مما يعلمه الله ويدبره بعلمه وحلمه ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا﴾ .
وعند وصول عمره ﷺ إلى الستين منعه ربه من الزواج، حيث نزل عليه قول الله تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ رَقِيبًا﴾ ٢.
والآية تحرم على رسول الله ﷺ صراحة أن يتزوج أحدًا غير نسائه اللواتي في
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ٥١. ٢ سورة الأحزاب: ٥٢.
[ ١٤٥ ]
عصمته، لا من ناحية العدد، ولكن هن بذواتهن لا يستبدل بهن غيرهن، ولم يعرف أن رسول الله قد زاد عليهن بعد هذا التحريم الذي تضمنته الآية.
إذن أمر زواج النبي ﷺ توجيه إلهي محض، وكان هذا كاف في الموضوع لأصحاب العقول السليمة لولا فلتات الهوى، وأمراض النفس، واعتراض قلوب وعقول لا تعطي الرسالة حقها، ولا تقدر للرسول ما يجب أن يكون له.
ثانيًا: يريد الله تعالى في تجمع هذا العدد من الزوجات المتنوع أصلا، وسنًا، وحضارة، أن يتعلم الناس وبخاصة النساء أن الإسلام يصنع وحدة خالصة من المؤمنين، لا تتأثر بالعوامل المادية، أو العنصرية أو الثقافية، فزوجات النبي ﷺ منهن العربية، والقرشية، واليهودية، والنصرانية، والمصرية، ومنهم من كان أبوها مهاجرًا، ومن كان أبوها كافرًا، ومنهن الجميلة، ومنهم الغنية، والفقيرة.
أراد الله تعالى أن يحيط هذا الجمع بتوجيهات نبيه ﷺ لتظهر من بينهن الأسوة والقدوة لسائر المؤمنات وبخاصة من ينلن الحظوة الدنيوية في بيت الخلافة والزعامة والرئاسة وحتى تتصور مسلمة ما أن علو المكانة يؤدي بها إلى الترفع والاستعلاء على الناس.
لهذا التجمع في بيت النبوة جاءت الأوامر الإلهية.
- يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا، وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١.
فلقد اختار النبي ﷺ لأهل بيته جميعًا عيشة الكفاف والتقشف، يمر الشهر والشهران لا يوقد في بيته ﷺ نار، استعلاء على متاع الدنيا، ورغبة خالصة فيما عند الله لكن نساء النبي ﷺ كن من البشر، ورغبن في المتعة الدنيوية، كما يتمتع البشر،
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآيتين ٢٨، ٢٩.
[ ١٤٦ ]
وبخاصة أن الله أفاء على رسوله بالسعة، والرخاء، وقد تمتع بها سائر الناس، فراجعن الرسول في شأن النفقة، فحزن الرسول لذلك، وتألم كثيرًا واحتجب عن أصحابه، ولم يؤذن لهم بالدخول لإعلان أسفه وغضبه.
يروي البخاري في صحيحه بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ أنه قال: أقبل أبو بكر ﵁ يستأذن على رسول الله ﷺ والناس ببابه جلوس، فاستأذن فلم يؤذن له.
ثم أذن بعد ذلك لأبي بكر، وعمر ﵁ فدخلا، والنبي ﷺ جالس، وحوله نساؤه، وهو ﷺ ساكت.
فقال عمر ﵁ لأكلمن النبي ﷺ لعله يضحك، فقال عمر ﵁: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد -امرأة عمر- سألتني النفقة آنفًا فوجأت عنقها! فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه.
وقال ﷺ: "هن حولي يسألنني النفقة".
فقام أبو بكر ﵁ إلى عائشة ليضربها.
وقام عمر إلى حفصة كذلك.
كلاهما يقولان: تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده؟
فنهاهما الرسول ﷺ.
فقلن: والله لا نسأل رسول الله ﷺ بعد هذا المجلس ما ليس عنده.
وأنزل الله ﷿ آيتي الخيار المذكورتين، فبدأ ﷺ بعائشة ﵂، فقال: $"إني أذكر لك أمرًا ما أحب أن تعجلي فيه حتى تستأمري أبويك".
قالت: وما هو؟
قال: فتلا عليها الآيات.
قالت عائشة ﵂: أفيك أستأمر أبوي؟ بل أختار الله تعالى ورسوله، أسألك ألا تذكر لامرأة من نسائك ما اخترت فقال ﷺ: "إن الله تعالى لم يبعثني معنفًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا، لا تسألني امرأة منهن عما اخترت إلا أخبرتها" ١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري. ك التفسير. باب ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ ج٧ ص٣٧٥، ٣٧٦.
[ ١٤٧ ]
وفي رواية البخاري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ أخبرته أن رسول الله ﷺ جاءها حين أمره الله تعالى أن يخير أزواجه، فبدأ بي رسول الله ﷺ، فقال: "إني ذاكر لك أمرًا، فلا عليك أن تسعجلي حتى تستأمري أبويك"، وقد علم أن أبوي، لم يكونا يأمراني بفراقه ثم تلا عليّ الآيات.
فقلت له: أفي هذا أستأمر أبوي؟ فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة١.
لقد جاء القرآن الكريم ليحدد القيم الأساسية في تصور الإسلام للحياة. هذه القيم التي ينبغي أن تجد ترجمتها الحية في بيت النبي ﷺ وحياته الخاصة، وأن تتحقق في أدق صوره، وأوضحها في هذا البيت الذي كان وسيبقى منارة للمسلمين حتى يرث الله الأرض ومن عليها.
ونزلت آيتا التخيير تحددان الطريق، فإما الحياة الدنيا وزينتها، وإما الله ورسوله والدار الآخرة، فالقلب الواحد لا يسع تصورين للحياة، وما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه.
ونحب أن نقف أمام هذا الحادث نتدبر بعض العبر٢:
١- إنه يحدد التصور الإسلامي الواضح للقيم، ويرسم الطريق الشعوري للإحساس بالدنيا والآخرة، ويحسم في القلب المسلم كل أرجحة، وكل لجلجة، بين قيم الدنيا وقيم الآخرة، بين الاتجاه إلى الأرض والاتجاه إلى السماء، ويخلص هذا القلب من كل وشيجة غريبة تحول بينه وبين التجرد لله؛ لأن الخلوص يجب أن يكون له ﷾ وحده دوه سواه.
٢- يصور لنا هذا الحادث حقيقة حياة رسول الله ﷺ والذين عاشوا معه واتصلوا به، وأجمل ما في هذه الحقيقة أن تلك الحياة كانت حياة إنسان، وحياة ناس من البشر، لم يتجردوا من بشريتهم ومشاعرهم، وسماتهم الإنسانية مع كل تلك العظمة الفريدة البالغة التي ارتفعوا إليها، ومع هذا الخلوص لله والتجرد مما عداه، فالمشاعر
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ك النكاح ج٧ ص٣٧٦ ط الأوقاف. ٢ انظر في ظلال القرآن ج٥ ص٢٨٥٥ بتصرف يسير.
[ ١٤٨ ]
الإنسانية، والعواطف البشرية، لم تمت في تلك النفوس، ولكنها ارتفعت وصفت من الأوشاب، ثم بقيت لها طبيعتها البشرية الحلوة، ولم تعوق هذه النفوس عن الارتفاع إلى أقصى درجات الكمال المقدر للإنسان.
وكثيرًا ما نخطئ نحن حين نتصور للنبي ﷺ، ولصحابته رضوان الله عليهم صورة نجردهم فيها من كل المشاعر، والعواطف البشرية حاسبين أننا نرفعهم بهذا، وننزههم عما نعده نحن نقصًا وضعفًا.
وهذا الخطأ يقطع الصلة البشرية بيننا وبينهم، وتبقى شخوصهم في حسنا في رقي عال بين تلك الهالات، أقرب إلى الأطياف التي لا تلمس، ولا تتماسك في الأيدي! ونشعر بهم كما لو كانوا خلقًا آخر غيرنا ملائكة، أو خلقًا مثلهم، مجردين من مشاعر البشر، وعواطفهم على كل حال.
ومع شفافية هذه الصورة الخيالية فإنها تبعدهم عن محيطنا، فلا نعود نتأسى بهم أو نتأثر، يأسًا من إمكان التشبه بهم، أو الاقتداء العلمي بهم في الحياة؛ لأن صورتهم تختلف في أذهاننا عن الواقع الموجود.
ونفقد بذلك التجاوب الحي بيننا وبين هذه الشخصيات العظيمة لأن التجاوب إنما يقع نتيجة لشعورنا بأنهم بشر حقيقيون عاشوا بعواطف ومشاعر وانفعالات حقيقية من نوع المشاعر والعواطف والانفعالات التي نعانيها نحن، ولكنهم ارتقوا بها، وطهروها من الشوائب التي تخالج مشاعرنا.
٣- اختار الله تعالى رسله من البشر لا من الملائكة، ولا من أي خلق آخر غير البشر، كي تبقى الصلة الحقيقية بين حياة الرسل وحياة أتباعهم قائمة، وكي يحس أتباعهم أن قلوبهم كانت تعمرها عواطف ومشاعر من جنس مشاعر البشر وعواطفهم وإن صفت، ورقت، وارتفعت، يحبونهم حب الإنسان للإنسان، ويطمعون في تقليدهم تقليد الإنسان الصغير للإنسان الكبير، ويتعلمون منهم تعلم التلميذ من أستاذه، وبذلك يكونون أتباعًا مخلصين.
٤- وفي هذه الحادثة نقف أمام الرغبة الطبيعية في نفوس نساء النبي ﷺ في
[ ١٤٩ ]
المتاع، كما نقف أمام صورة الحياة البيتية للنبي ﷺ ونسائه ﵅، وهن أزواج يراجعن زوجهن في أمر النفقة! فيؤذيه هذا، ولكنه لا يقبل من أبي بكر ﵁ وعمر ﵁ أن يضربا عائشة، وحفصة على هذه المراجعة، فالمسألة مسألة مشاعر وميول بشرية تصفى وترفع، ولكنها لا تخمد ولا تكبت!
ويظل الأمر كذلك حتى يأتيه أمر الله بتخيير نسائه، فيخترن الله ورسوله والدار الآخرة، اختيارًا لا إكراه فيه، ولا كبت، ولا ضغط، فيفرح رسول الله ﷺ بارتفاع قلوب أزواجه إلى هذا الأفق السامي الوضيء.
٥- ونقف كذلك أمام تلك العاطفة البشرية الحلوة، في قلب رسول الله ﷺ وهو يحب عائشة حبًا ظاهرًا، ويحب لها أن ترتفع إلى مستوى القيم التي يريدها الله له، ولها، ولأهل بيته، فيبدأ بها في التخيير، ويريد أن يساعدها على الارتفاع والتجرد، فيطلب إليها ألا تعجل في الأمر حتى تستشير أبويها، وقد علم أنهما لم يكونا يأمرانها بفراقه كما قالت.
وهذه العاطفة الحلوة في قلب النبي ﷺ لا تخطئ عائشة ﵂ في إدراكها، فتسر بها وتحفل بتسجيلها في حديثها، ومن خلال هذا الحديث يبدو النبي ﷺ إنسانًا يحب زوجه الصغير، ويحب لها أن ترتفع إلى أفقه الذي يعيش فيه، وتبقى معه على هذا الأفق، تشاركه الشعور بالقيم الأصيلة في حسه، والتي يريها ربه له، ولأهل بيته.
كذلك تبدو عائشة ﵂ إنسانة، يسرها أن تكون مكينة في قلب زوجها، فتسجل بفرح حرصه عليها، وحبه لها، ورغبته في أن تستعين بأبويها على اختيار الأفق الأعلى، فتبقى معه على هذا الأفق الوضيء، ثم نلمح مشاعرها الأنثوية كذلك، وهي تطلب إليه ألا يخبر أزواجه الأخريات أنها اختارته حين يخيرهن!
وما في هذا المطلب من رغبة في أن يظهر تفردها في هذا الاختيار، وميزتها على بقية نسائه، أو على بعضهن في هذا المقام!
وهنا نلمح عظمة النبوة من جانب آخر في رد رسول الله ﷺ وهو يقول لها:
[ ١٥٠ ]
"إن الله تعالى لم يبعثني معنفًا، ولكن بعثني معلمًا ميسرًا، لا تسألني واحدة منهن عما اخترتِ إلا أخبرتها".
فهو لا يود أن يحجب عن إحدى نسائه ما قد يعينها على الخير، ولا يمتحنها امتحان التعمية والتعسير، بل يقدم العون لكل من تريد العون، كي ترتفع على نفسها وتتخلص من جواذب الأرض، ومغريات المتاع.
ومن هذه الأوامر نزل الله تعالى في سورة الأحزاب: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا، يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلا مَعْرُوفًا﴾ ١.
وهذه الآيات تحمل نساء النبي ﷺ مسئولية الريادة، والقيادة، وهي مسئولية ضخمة، عليهن العمل لها، والقيام بلوازمها، فإن أخطأت خطأ ضوعفت العقوبة، وإن استقامت، وأطاعت، يضاعف لها الأجر كذلك، وعليهن أن يطعن الله ورسوله فيما يوجه إليهن، وإلى المسلمات من تشريع.
ينهاهن حين يخاطبن الأغراب من الرجال، أن يكون في نبراتهن ذلك الخضوع اللين، الذي يثير شهوات الرجال، ويحرك غرائزهم، ويغري مرضى القلوب، ويهيج رغائبهم.
ونهاهن من قبل عن النبرة اللينة، واللهجة الخاضعة، وأمرهن مع هذه أن يكون حديثهن في أمور معروفة، غير منكرة، فإن موضوع الحديث قد يطمع مثل لهجة الحديث، فلا ينبغي أن يكون بين المرأة والرجل الغريب لحن، ولا إيماء، ولا هذر، ولا هزل، ولا دعابة، ولا مزاح، حتى لا يكون مدخلا إلى شيء آخر وراءه من قريب، أو من بعيد.
وأمرهن الله أيضًا بالمكث في البيت لا يخرجن إلا لضرورة.
كما نهاهن عن تبرج الجاهلية إذا خرجن.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ٣١، ٣٢.
[ ١٥١ ]
وأمرهن بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وطاعة الله ورسوله ليعشن في طهارة دائمة، وعفة نقية تتلاءم مع بيت النبوة يقول الله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ ١.
إن بيت النبوة هو موطن نزول الوحي، وعلى أمهات المؤمنين أن يعرفن ذلك، ويتأهلن له، وليذكرن ما ينزل الوحي به في بيوتهن من قرآن، أو من سنة، ليأخذ من يأتي بعدهم منهن.
ثالثًا: لقد جاء الإسلام بنظم كاملة تحتاج إليها النسوة في حياتهن العامة، والخاصة، ولا بد لهذه النظم أن تعرف، وتهضم، لتنتقل إلى الأجيال القادمة واضحة بينة، ولقد قامت أمهات المؤمنين بتبليغ الإسلام بصورة حسنة، وبخاصة لأخواتهن المؤمنات، وإذا تأملنا في مرويات أمهات المؤمنين، والفتاوى التي نقلنها إلى غيرهن، لعلمنا ضرورة تعدد زوجات النبي ﷺ لتيمكن من تحمل هذه المسئولية التي كلفوا بها في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفًا خَبِيرًا﴾ ٢.
لقد كان الصحابة، والتابعون يقصدون أمهات المؤمنين لأخذ حديث، أو تصحيح آية، أو معرفة حكم شرعي عرفنه من رسول الله ﷺ، وكان البعض يقصد أزواج النبي ﷺ لمعرفتهن أحواله ﷺ وعبادته، ومعيشته كهؤلاء النفر الذين جاءوا إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ فلما أخبروا كأنهم تقالوها.
فقالوا: وأين نحن من النبي ﷺ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
قال أحدهم: أما أنا فإنني أصلي الليل أبدًا.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ٣٣. ٢ سورة الأحزاب: ٣٤.
[ ١٥٢ ]
وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر.
وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا.
فجاء رسول الله ﷺ فقال: "أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء تلك سنتي فمن رغب عن سنتي فليس مني" ١.
يروي الترمذي بسنده قول أبي موسى الأشعري: ما أشكل علينا أصحاب رسول الله ﷺ حديث قط فسألنا عائشة إلا وجدنا عندها منه علمًا٢.
رابعًا: كان زواج النبي ﷺ المتعدد حلا لا بد منه في بعض الحالات.
فأم سلمة المخزومية: بنت سيد بن مخزوم، المهاجرة إلى الحبشة، وإلى المدينة، وقد استشهد زوجها، وليس لها أحد، بعدما أصرت على ترك قومها، وهاجرت إلى رسول الله ﷺ وكانت شديدة التقدير، والتعلق بزوجها أبي سلمة فلما مات خطبها أبو بكر، وطلبها عمر فرفضت لأنها لم تجدهما خيرًا من أبي سلمة.
فهل تبقي وحدها أرملة؟ وهي التي تحملت من أجل الإسلام ما تحملت.
إنه ليس هناك حل أبر، وأكرم من ضم رسول الله ﷺ لها إلى نسائه، وقد رضيت به عوضًا.
ورملة بنت أبي سفيان: زعيم قريش أسلمت، وهجرت أباها وقومها، وهاجرت إلى الحبشة، مع زوجها، ثم تنصر زوجها، وارتد عن الإسلام، ومات كافرًا، وثبتت هي على إسلامها، وظلت مقيمة في الحبشة.
أهذه تترك؟ ولمن؟
هل تترك لتعود لقومها مع كفرهم؟
أتترك للعزلة والشماتة؟
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب النكاح باب الترغيب في النكاح ج٨ ص١٢٥ ط الأوقاف. ٢ سنن الترمذي بشرح تحفة الأحوذي ج١٠ ص٢٥٨ والحديث حسن غريب.
[ ١٥٣ ]
أليست مكافأتها في مكانتها أن تكون زوجة رسول الله ﷺ؟! وتعيش مكرمة عزيزة أما من أمهات المؤمنين؟!
وكم سيكون لهذا أثره في نفس أبيها!! الذي لم يسلم بعد.
وزينب بنت جحش التي زوجها رسول الله ﷺ من متبناه ومولاه زيد، ولم تستقم حياتهما فافترقا، وأراد الله أن يهدم قاعدة التبني عند العرب، التي لا تقوم على أساس معقول، فهدمها بشكل جذري، يوم أن أمر رسول الله ﷺ أن يتزوج زينب مطلقة متبناه زيد.
وجويرية بنت الحارث: بنت سيد قومها، وقومها من أعز بيوت العرب شرفًا، ومنزلة، وقد أسر رجالهم، وسبي نساؤهم، فلما تزوجها رسول الله ﷺ قال الناس: أصهار رسول الله ﷺ ففرجوا عنهم، وأعتقوا كل من له علاقة بها.
وصفية بنت حيي: كان أبوها ملك اليهود تقريبًا، وزوجها كذلك من خير ساداتهم، وقد هلك أبوها وأخوها وزوجها، وكان من سنته ﷺ الرحمة بعزيز قوم ذل، فضمها إلى نسائه رحمة بها، بدل أن تكون لرجل عادي من الصحابة، لا يتكافأ معها منزلة، ونسبًا، فأعتقها النبي ﷺ، وتزوجها، واستل ما بفؤادها من حقد كان يمكن أن يعذبها مدى الحياة.
خامسًا: على المسلمين جميعًا أن يتعلموا من معاملة رسول الله ﷺ لزوجاته حسن العشرة، ولين المعاملة، والمحافظة على دين الله تعالى في السر والعلن، وأن يلتمسوا صورة التعامل مع زوجات رسول الله ﷺ، ليكون منهجًا متبعًا على طول الزمن، ومع امتداد العمران، واختلاف الثقافات والحضارات.
[ ١٥٤ ]
المبحث السابع: حسن عشرة النبي ﷺ لزوجاته رضوان الله عليهم
عامل الرسول ﷺ نساءه معاملة كريمة، قائمة على حسن العشرة، ومكارم الأخلاق، ورفعة السلوك، وفي هذا المبحث أورد أهم جوانب هذه المعاملة.
أولا: كان رسول الله ﷺ يتحدث عن زوجاته، ويعلي شأنهن، ويقدر لهن منزلتهن.
يقول ﷺ عن خديجة بنت خويلد: "خير نسائها مريم بنت عمران، خير نسائها خديجة " ١.
ويقول لعائشة ﵂: "أريتك في المنام ثلاث ليال جاءني بك الملك في سرقة من حرير، فيقول: هذه امرأتك فأكشف عن وجهك، فإذا أنت هي، فأقول إن يك هذا من عند الله يمضه"٢.
ويقول ﷺ: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ٣.
ويقول ﷺ عن زينب: "إنها أطولكن يدًا". لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق٤.
ويقول لزينب: "المزوج الله والشاهد جبريل" ٥.
وليس ذلك بغريب على رسول الله ﷺ فلقد أعلى الله شأنهن جميعًا، وجعلهن أمهات للمؤمنين بقوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلَى أَوْلِيَائِكُمْ مَعْرُوفًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا﴾ ٦.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضل خديجة ج١٥ ص١٩٨. ٢ صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضل عائشة ج١٥ ص٢٠٢. ٣ صحيح مسلم كتاب الفضائل باب فضل عائشة ج١٥ ص٢١١. ٤ الفتح الرباني لترتيب مسند أحمد الشيباني ج٢٢ ص١٣٤. ٥ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٣٩٦. ٦ سورة الأحزاب: ٦.
[ ١٥٥ ]
فزوجات النبي ﷺ أمهات للمؤمنين جميعًا، على طول الزمن، لهن ما للأمهات من الرعاية، والتقدير، وحسن المعاشرة، وعدم الزواج بهن بعد رسول الله ﷺ، وملازمة الأدب وحسن الخلق في التعامل معهن.
كما نبه المسلمين على ضرورة التمسك بآداب الدخول في البيوت حين التعامل مع زوجات النبي ﷺ فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾ ١.
والآيات تنظم علاقة المسلمين ببيوت النبي ﷺ، وبنسائه أمهات المؤمنين في حياته، وبعد وفاته كذلك، ويواجه حالة كانت واقعة وهي أن بعض المسلمين كانوا إذا دعوا إلى طعام عند رسول الله ﷺ يستأنسون الحديث فيجلسون بعد الطعام، فأمر الله تعالى بالانتشار بعد الطعام منعًا لإيذاء رسول الله ﷺ.
ثانيًا: كان رسول الله ﷺ يعدل بين زوجاته، ويسوي بينهن كما أمر الله تعالى، وفي إطار وسعه ﷺ، ولم يفرق الرسول ﷺ في حسن معاملته، بين زوجاته أبدا، برغم تفاوتهن في جوانب عديدة، في الجمال، وفي السن، وما كان يبعده عن العدل شيء ما، فجعل لكل واحدة منهن ليلة، وإذا زار واحدة في غير ليلتها زارهن جميعًا، ومع مراعاته للعدل الدقيق، كان يستغفر الله في ميله القلبي لبعضهن ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك".
وكان ﷺ يقرع بينهن إذا أراد السفر، فأيتهن خرجت القرعة عليها اصطحبها.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ٥٣.
[ ١٥٦ ]
تقول أم سلمة: لما تزوجني رسول الله ﷺ أقام عندي ثلاثًا، وقال: "إنه ليس بك هوان على أهلك، إن شئت سبعت لك، وإن سبعت لك سبعت لنسائي" ١.
ثالثًا: كان ﷺ يقدر لزوجاته حقوقهن الأساسية، ويصونها لهن، لم يتزوج واحدة إلا برضاها، وكان يشاورهن، ويناقشهن ويصبر عليهن.
وقد رأينا موقفه ﷺ من النسوة اللاتي رفضن الزواج منه.
وكان ﷺ يستشير زوجاته في المواقف الصعبة وينزل على رأيهن.
في يوم الحديبية أمر المسلمين بأن يحلقوا، وينحروا، بعد الصلح ليتحللوا فبقوا واجمين، فدخل على زوجه أم سلمة، وهو متأثر يقول: "هلك المسلمون أمرتهم بالحلق فلم يحلقوا، وأمرتهم بالذبح فلم يذبحوا! ".
فقالت: يا رسول الله اخرج ولا تكلم أحدًا منهم، حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك.
فخرج ﷺ فلم يكلم أحدًا منهم، حتى فعل ذلك.
فلما رأى المسلمون ما صنع النبي ﷺ انزاح عنهم الذهول، فقاموا عجلين، ينحرون هديهم، ويحلق بعضهم بعضًا، حتى كاد بعضهم يقتل الآخر٢.
وهكذا كان رسول الله ﷺ يشاور زوجاته، ويأخذ برأيهن في الأمور العامة والخاصة، وكن ﵅ نعم الشريكات لزوجهن رسول الله ﷺ وبذلك نعمن بالحياة مع رسول الله ﷺ رغم ما كان في حياتهن من تقشف.
رابعًا: كان النبي ﷺ يحرص أن يكون جميلا، أنيقًا، نظيفًا، في صورته الجسدية، وفي سلوكه العملي، وفي سائر معاملاته معهن.
كان ﷺ ضاحكًا بسامًا٣.
_________________
(١) ١ من السنة أن من تزوج البكر يبقى عندها سبعًا، وإذا تزوج الثيب يبقى عندها ثلاثًا. ٢ إمتاع الأسماع ج١ ص٢٩٤. ٣ رواه ابن عساكر. انظر منتقى النقول ص٢٩٨.
[ ١٥٧ ]
وكان أفكه الناس مع نسائه١.
وكان ﷺ يقول: "اغسلوا ثيابكم، وخذوا من شعوركم، وتنظفوا" ٢.
ويقول ﷺ: "إذا جامع أحدكم أهله فليصدقها، ثم إذا قضى حاجته قبل أن تقضي حاجتها فلا يعجلها، حتى تقضي حاجتها" ٣.
ويقول ﷺ: "خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي" ٤.
إن رسول الله ﷺ لم يستنكف داخل بيته أن يقوم بحاجته، وأن يخدم نفسه، بل كان يقوم أحيانًا بحاجة أهله، ويخصف نعله، ويرقع ثوبه، ويقول ﷺ: "خدمتك زوجتك صدقة".
خامسًا: كان ﷺ يترفق معهن في الحديث، ويداعبهن، ويلاعبهن، فقد لاعب عائشة ﵂ فسبقها فلما غضبت لاعبها وتراخى لها فسبقته، وقالت: هذه بتلك٥، وهو ﷺ القائل لعائشة: "إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت عليّ غضبى". فقالت له: ومن أين تعرف ذلك؟
قال ﷺ: "أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولين: لا ورب محمد، وإذا كنت عليّ عضبى قلت: لا ورب إبراهيم".
قالت: أجل والله يا رسول الله ما أهجر إلا اسمك٦.
سادسًا: وكان ﷺ يعرف ما جبلوا عليه كسائر النسوة، من غيره وتنافس وحب الاستئثار بالرجل، ولذلك لم يندهش لبعض تصرفاتهن، فيرفق بهن، ويصبر عليهن.
حدث مرة أن ذبح ﷺ شاة وقال: "أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة".
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص١٩. ٢ فيض القدير ج٢ ص١٩. ٣ فيض القدير ج١ ص٣٢٥. ٤ المرجع السابق ج٣ ص٤٦٦. ٥ صحيح مسلم بشرح النووي كتاب فضل عائشة ج١٥ ص٢٠٣. ٦ صحيح مسلم كتاب الفضائل: باب فضل عائشة ج١٥ ص٢٠٣.
[ ١٥٨ ]
فغارت عائشة وقالت: خديجة خديجة.
فما زاد ﷺ إلا أن قال لها: "إني رزقت حبها" ١.
وقالت عائشة ﵂ لفاطمة بنت رسول الله: إن رسول الله لم يرزق بكرًا غيري: فبكت فاطمة، وذهبت تشكو لأبيها ﷺ.
فقال لها: "قولي لها إن أمي تزوجت أبي وكان بكرًا، ولم يتزوج عليها" ٢.
وكان ﷺ يعمل على إرضاء زوجاته، وتهدئة خواطرهن بالمعروف يقول أنس بن مالك: بلغ صفية أن حفصة قالت: بنت يهودي فبكت، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي فقال: "ما يبكيك"؟.
قالت: قالت لي حفصة: إني بنت يهودي.
فقال لها النبي ﷺ: "إنك لابنة نبي، وإن عمك نبي، وإنك لتحت نبي، ففيم تفخر عليك". ثم قال لحفصة: "اتقي الله يا حفصة" ٣.
وكان يقابل بعض تصرفاتهن بالصمت لينتهوا منه، ويعلموا ما في تصرفهن من حق أو خطأ في رفق وهدوء، بعيدًا عن الانفعال والغضب.
يروي الإمام مسلم بسنده عن السيدة عائشة ﵂ أنها قالت: أرسل أزواج رسول الله ﷺ فاطمة بنت رسول الله ﷺ إلى أبيها ﷺ فاستأذنت عليه، وهو مضجع معي في مرطي، فأذن لها.
فقالت: يا رسول الله إن أزواجك أرسلنني إليك، يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، وأنا ساكتة.
فقال لها رسول الله ﷺ: "أي بنية ألستِ تحبين ما أحب"؟.
فقالت: بلى.
قال: "فأحبي هذه".
_________________
(١) ١ صحيح البخاري. ك المناقب. باب فضل خديجة ج١٥ ص١٩٩. ٢ الإسلام ص١٧٥. ٣ سنن الترمذي بشرح تحفة الأحوذي أبواب المناقب ج١٠ ص٢٦٨.
[ ١٥٩ ]
فقامت فاطمة حين سمعت ذلك من رسول الله ﷺ فرجعت إلى أزواج النبي ﷺ وأخبرتهن بالذي قالت، وبالذي قال لها رسول الله ﷺ.
فقلن لها: ما نراك أغنيت عنا من شيء، فارجعي إلى أبيك ﷺ فقولي له: إن أزواجك ينشدنك العدل في ابنة أبي قحافة.
فقالت فاطمة: والله لا أكلمه فيها أبدًا.
فأرسل أزواج النبي ﷺ زينب بنت جحش ﵂، زوج النبي ﷺ وهي التي كانت تسامي عائشة في المنزلة عند رسول الله ﷺ.
تقول عائشة: لم أر امرأة قط خيرًا في الدين من زينب، وأتقى لله، وأصدق حديثًا، وأوصل للرحم، وأعظم صدقة، وأشد ابتذالا لنفسها في العمل الذي تتصدق به، وتتقرب به إلى الله تعالى، ما عدا سورة من حدة كانت فيها تسرع منها الفينة.
فاستأذنت زينب على رسول الله ﷺ وهو مع عائشة في مرطها، على الحالة التي دخلت فاطمة عليها، وهو بها، فأذن لها رسول الله ﷺ.
فقالت يا رسول الله: إن أزواجك أرسلنني إليك يسألنك العدل في ابنة أبي قحافة، فلم يتكلم رسول الله ﷺ.
تقول عائشة: ثم إن زينب وقعت بي، فاستطالت عليّ، وأنا أرقب رسول الله ﷺ، وأرقب طرفه هل يأذن لي فيها، فلن تبرح زينب حتى عرفت أن رسول الله ﷺ لا يكره أن أنتصر، فلما وقعت بها لم أنشبها، حتى أنحيت عليها.
فقال رسول الله ﷺ وتبسم: "إنها ابنة أبي بكر" ١.
وهو يدل على رفق رسول الله ﷺ بزوجاته، وصبره عليهن، فبرغم أنهم تجمعن، وأرسلن إليه يطلبن العدل، وفي هذا تحامل منهن على رسول الله ﷺ رغم ذلك كان ﷺ يبتسم، ويصمت، ويترك لهن تقدير الموقف، ولم يأخذ واحدة منهن بالظنة أو يصدق ما يشاع عن إحداهن من سوء، فلقد أشاع المنافقون الإفك حول عائشة ﵂، واتهموها زورًا بما ليس فيها ومع ذلك لم يتغير رسول الله ﷺ ولم يغاضب عائشة، وإنما بقي
_________________
(١) ١ صحيح مسلم باب فضائل عائشة ج١٥ ص٢٠٥.
[ ١٦٠ ]
صامتًا صابرًا، مع شدة ألم الإفك في نفسه، وذلك أكبر برهان على حسن معاملة رسول الله ﷺ لزوجاته، وأخذه لهن بالرفق والأناة.
إن سلامة العرض، والمحافظة على الشرف والفضيلة من السمات التي يحافظ عليها العرب، ويدافعون عنها بكل غال لديهم، ومع ذلك الوضع الخطير يحافظ رسول الله ﷺ على هدوئه، ويترفق بعائشة ﵂، ويستمر ذلك الحال شهرًا كاملا، ولا يتعرض لها بنقد أو تأنيب أو مقاطعة أو بنظرة عاتبة.
تروي السيدة عائشة ﵂ حادثة الإفك كما عايشتها فتقول: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه، فأيتهن خرج سهمها، خرج بها رسول الله ﷺ معه، فأقرع بيننا في غزوة غزاها، فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ، بعدما أنزل الحجاب، فكنت أحمل في هودجي، وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك، وقفل، فلما دنونا من المدينة قافلين، آذن ليلة بالرحيل، فقمت حتى آذنوا بالرحيل فمشيت، حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري، فإذا عقد لي من جزع ظفار قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني ابتغاؤه.
وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني، فاحتملوا هودجي، فرحلوه على بعيري، الذي كنت أركب عليه، وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا، لم يهبلن الطعام ولم يغشهن اللحم، إنما كن يأكلن العلقة من الطعام، فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه، وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي، بعدما استمر الجيش، فجئت منازلهم، وليس بها داع، ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت به، وظننت أنهم سيفتقدوني فيرجعون إليّ، فبينا أنا جالسة في منزلي، غلبتني عيني، فنمت.
وكان صفوان بن المعطل السلمى ثم الذكواني من وراء الجيش، فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم، فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب، فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني، فخمرت وجهي بجلبابي، والله ما تكلمنا بكلمة،
[ ١٦١ ]
ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة، حتى أتينا الجيش، موغرين في نحر الظهيرة، وهم نزول، فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبي بن سلول.
فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرًا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك، لا أشعر بشيء من ذلك.
وكان يريبني في وجعي، أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل عليّ رسول الله فيسلم، ثم يقول: "كيف تيكم"، ثم ينصرف، فذلك يريبني، ولا أشعر بشيء.
ثم خرجت، حين نقهت، فخرجت مع أم مِسطح فلما فرغنا من شأننا عدنا إلى بيتي، وعنده عثرت أم مِسطح في مرطها فقالت: تعس مِسطح.
فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين رجلا شهد بدرًا؟
فقالت: أي هنتاه، أولم تسمعي ما قال؟
قلت: وما قال؟
فأخبرتني، بقول أهل الإفك فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلم ثم قال: "كيف تيكم".
فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ وأريد أن أستيقن الخبر من قِبَلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ فقلت لأمي: يا أمتاه ماذا يتحدث الناس؟
قالت: يا بنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها لها ضرائر إلا كثرن عليها.
فقلت: سبحان الله! أوقد تحدث الناس بهذا؟
فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرفأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، ثم أصبحت أبكي.
ودعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب، وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله.
[ ١٦٢ ]
فأما أسامة، فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه، وقال: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا.
وأما عليّ فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك.
فدعا رسول الله ﷺ بريرة وقال لها: "أي بريرة! هل رأيت من شيء يريبك"؟.
قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، ما رأيت عليها أمرًا قط، أغمصه غير أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن، فتأكله.
فقام رسول الله ﷺ من يومه، فاستعذر من عبد الله بن أبي، وهو على المنبر، فقال: "يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل، قد بلغني عنه، أذاه في أهلي؟ والله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلا، ما علمت عليه إلا خيرًا، وما يدخل على أهلي إلا معي".
فبكيت يومي ذلك كله، لا يرفأ لي دمع، ولا أكتحل بنوم، وأصبح أبواي عندي، وقد بكيت ليلتين ويومًا، لا يرفأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي، فبينما أبواي جالسان عندي، وأنا أبكي، استأذنت عليّ امرأة من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي معي.
فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله ﷺ علينا فسلم ثم جلس، ولم يجلس عندي منذ ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا، لا يوحى إليه في شأني بشيء.
فتشهد رسول الله ﷺ حين جلس ثم قال: "أما بعد يا عائشة، إنه بلغني عنك كذا وكذا، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله، وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف، ثم تاب تاب الله عليه".
فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص دمعي، حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول الله ﷺ عني فيما قال.
فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ.
فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ، فيما قال.
[ ١٦٣ ]
قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ.
فقلت وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ من القرآن كثيرًا: إني والله، لقد علمت، لقد سمعتم هذا الحديث، حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إني برئية لا تصدقوني، ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقوني، فوالله لا أجد لي ولكم مثلا، إلا أبا يوسف حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ثم تحولت، واضطجعت على فراشي، والله يعلم أني حينئذ بريئة، وأعلم أن الله مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيًا يتلى، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج أحد من أهل البيت، حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء، حتى إنه ليتحدر منه من العرق مثل الجمان وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي أنزل عليه.
فسري عن رسول الله ﷺ، وهو يضحك، فكانت أول كلمه تكلم بها أن قال: "يا عائشة أما الله فقد برأك".
فقالت لي أمي: قومي إليه.
فقلت: والله لا أقوم إليه فإني لا أحمد إلا الله عز وجل١.
وفي قصة الإفك نزل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ، لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب المغازي باب حديث الإفك ج٦ ص٣٤٠-٣٤٨ ط الأوقاف.
[ ١٦٤ ]
وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، يَعِظُكُمَ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ، وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ١.
والآيات واضحة الدلالة على براءة السيدة عائشة ﵂، وتعيين الأفاكين في عدد قليل، هم العصبة، وتوجيه المسلمين إلى المنهج القويم، الذي يجب اتباعه في مثل هذه الحالات، مع ملاحظة أن إبطال الإفك كان في كلمة واحدة أطلقت على كل ما جرى مسمى "الإفك"، وبقية الآيات دروس تربوية وإيمانية لمجتمع يجب أن يدوم على خيريته وعظمته التي صنعها الإسلام، ويجب أن تستمر به.
وأهم هذه الدروس ما يلي الدرس الأول:
إن رسول الله ﷺ عاش شهرًا قبل نزول الآيات بالبراءة، والإشاعة الكاذبة تملأ الدنيا، والهمس يدور بين أهل المدينة جميعًا، وأخذ ﷺ يبحث عن الحقيقة التي ترد هذا الزيف المتكاثر فاستبين آراء أصحابه، وسأل أسامة بن زيد، وعلي بن أبي طالب، كما سأل بريرة مولاته.
وقد أجابه كل من سأله إجابة تؤكد علو مقام السيدة عائشة وطهارتها، ولم يزد أحد عن ذلك إلا عليًا ﵁ فإنه حاول أن يسري عن رسول الله ﷺ، ويبعده عن الحزن، فنصحه بالزواج، فالنساء كثير، حتى لا يتأثر بما يشاع مع تقديره لمقام عائشة ﵂.
_________________
(١) ١ سورة النور: الآيات من ١١ إلى ٢١.
[ ١٦٥ ]
الدرس الثاني:
إن حادثة الإفك قدر إلهي أراده الله تعالى لتحقيق الخير للمسلمين، به يعرفون عدوهم، ويعلمون المنافقين من بينهم، ولتبقى البراءة آيات قرآنية تعلي مكانة أم المؤمنين عائشة على الزمن كله.
فإذا علم أن هذا الإفك أشيع بين الناس بعد غزوة الأحزاب، لظهر أنه كان جزءًا من مؤامرة شاملة خطط لها أعداء الإسلام وروجها المنافقون من أجل تقويض المجتمع الإسلامي، وتشويه صورة القيادة المحمدية.
ومن هنا كان إثبات براءة السيدة عائشة ﵂، وظهور طهارة بيت النبوة في قرآن يتلى، ويبقى ثابتًا على طول الزمن من المبادئ الهامة التي لا بد منها لصيانة المجتمع من الشائعات، وبخاصة تلك التي تتصل بالريادة المؤمنة التي يتأسى بها سائر الناس ولتبق القيادة المسلمة في كل آن مثالا عاليًا للطهارة، والخلق الكريم.
الدرس الثالث:
في إطار الآيات التي تتحدث عن الإفك جاءت توجيهات تحدد أهمية تعاون المجتمع في رد البهتان والزيف، حتى لا يروجه البعض وهو لا يدري.
فلا يصح في المجتمع المسلم أن ينتشر الإفك فيه وبخاصة ما يتعلق بالعرض والشرف، والواجب على كل من يسمع إفكًا أن لا يكرره، وعليه أن يستعيذ بالله منه، ولا يشيعه، تطبيقًا لقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ ١.
ولا يجوز في المجتمع المسلم أن يسمع أحد أفراده عن إخوانه أمرًا، ويصدقه بلا برهان يثبته، أو دليل يؤكده.
ولا يصح لمسلم أن يضع نفسه فوق إخوانه، أو يتميز عنهم، وواجب على المسلم أن يقيس الأمر على نفسه وعلى أهله، وأن يضع نفسه مكان من دار الإفك
_________________
(١) ١ سورة الحجرات: ٦.
[ ١٦٦ ]
حولهم، فإن استبعد على نفسه ما يسمعه فمن الأولى أن يستبعده على غيره، وبخاصة من هم أفضل منه في الكرم، والخلق.
يروي المؤرخون أن أبا أيوب خالد بن زيد قالت له امرأته أم أيوب: يا أبا أيوب أما تسمع ما يقوله الناس في عائشة؟
قال: بلى وذلك الكذب، أكنت يا أم أيوب فاعلة ذلك؟
قالت: لا والله ما كنت لأفعله.
قال: فعائشة والله خير منك١.
الدرس الرابع:
إن كرامة المجتمع المسلم يجب أن تصان من دعايات السور ولذلك نزلت الآيات لعظة المسلمين حتى لا يقعوا في مثل هذا الأمر مرة أخرى، ولا يكونوا فريسة تويجهات الشيطان من الإنس أو الجن التي تحاول جر المجتمع الإسلامي إلى الهاوية، وعلى المسلمين في مثل هذه المواقف أن لا يتعجلوا في الحكم، وأن لا يتحدثوا إلا بعد معرفة الحقيقة الصادقة، حتى لا يؤذوا أنفسهم، وغيرهم بجهالة ويصبحوا نادمين.
إن من تسرع في الإفك، وخاض فيه بلا بينة أخطأ كثيرًا ويكفي لظهور خطأ هؤلاء أن نعلم أن صفوان بن المعطل كان حصورًا لا يأتي النساء٢ ومع ذلك قيل ما قيل فيه!!
الدرس الخامس:
الله عليم بعباده محيط بأخبارهم وأحوالهم، ولذلك أنزل عقوبته على هؤلاء الأفاكين على قدر مساهمتهم في الإفك، وعذاب الله الأليم نازل بهم في الدنيا والآخرة.
وأيضًا: فإن رحمة الله تلحق بعباده المؤمنين في الدنيا والآخرة فيقبل توبة المسيء، ويغفر لمن استغفر، ويزكي عباده الصالحين.
والدرس الهام والأخير:
هو بروز خلق رسول الله ﷺ الحليم، الرءوف، الرحيم، بالمؤمنين جميعًا،
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج٢ ص٣٠٢. ٢ سيرة ابن هشام ج٢ ص٢٢٤.
[ ١٦٧ ]
وبخاصة بأمهات المؤمنين.
فبرغم ما كان فيه من عناء يزلزل الجبال في أيام حادثة الإفك كان يسأل عن عائشة ﵂، ويطمئن عليها، ويقول لها: "كيف تيكم"؟.
وستر عنها حديث الناس حتى لا تؤذى، ولم يرض بإثارتها، ومناقشتها، وكان يذكرها بالتوبة، والاستغفار إن كان وقع منها شيء ويستمر الرسول ﷺ هكذا شهرًا كاملا حتى تنزل عليه آيات البراءة، فيخبر عائشة ﵂، وهو ﷺ أسعد منها بها.
ويتحول جو الصمت، والحزن، في بيت النبوة إلى سرور، وفرح، وتنقلب المدينة كلها حديثًا عن طهارة أم المؤمنين عائشة وبراءتها مما أثير حولها.
تقول أم رومان لعائشة: قومي اشكري رسول الله.
فترد عائشة ﵂: إنما أشكر الله الذي برأني من فوق سبع سماوات١ وتستمر البراءة قرآنًا يحفظ في الصدور، ويتلى على الألسنة، شاهدًا على طهارة هذا البيت العظيم.
هذا..
وقد وقعت حادثة الإفك أثناء الرجوع من غزوة بني المصطلق سنة ست من الهجرة.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري، كتاب المغازي باب حديث الإفك ج٦ ص٣٤٨.
[ ١٦٨ ]
المبحث الثامن: أبناء النبي ﷺ
وهب الله لنبيه ﷺ عددًا من الأبناء والبنات كلهم من خديجة ﵂ ما عدا إبراهيم فإنه من مارية القبطية.
وقد مات أبناء النبي ﷺ في حياته، ما عدا فاطمة ﵂ فإنها توفيت بعد رسول الله ﷺ بستة أشهر على الصحيح، وأبناؤه ﷺ هم على ترتيب ميلادهم:
الأول: القاسم ﵁
وهو أول أبنائه مولدًا، وبه كان يكنى رسول الله ﷺ على عادة العرب، وقد ولد القاسم، ومات بمكة قبل البعثة، وعاش سبعة عشر شهرًا فقط.
الثانية: زينب ﵂
وهي المولد الثاني لرسول الله ﷺ، وأكبر بناته، ولدت قبل النبوة في مكة، وتزوجت ابن خالتها أبا العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس فهو ابن أخت خديجة ﵂، وأمه هالة بنت خويلد، وكانت خديجة تحبه لما كان يتميز به، فهو من رجال مكة المعدودين، مالا وأمانة وتجارة، وقد رغبت خديجة ﵂ في تزويجه زينب، فسألت رسول الله ﷺ أن يزوجها له وكان رسول الله ﷺ لا يخالف طلبًا لخديجة وذلك قبل أن ينزل عليه الوحي فزوجه، وكانت خديجة تعد أبا العاص بمنزلة ولدها، فلما أكرم الله رسوله ﷺ بنبوته آمنت به خديجة وبناته، فصدقته وشهدن أن ما جاء به الحق، ودن بدينه، وثبت أبو العاص على شركه.
وكان رسول الله ﷺ قد زوج عتبة، وعتيبة ابنا أبي لهب رقية وأم كلثوم فلما بادى قريشًا بأمر الله تعالى وبالعداوة، قالوا للأزواج: إنكم قد فرغتم محمد من همه، فردوا عليه بناته، فاشغلوه بهن، فأطاعهم أبناء أبي لهب، فلما مشوا إلى أبي العاص وقالوا له: فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة من قريش شئت، قال لهم: لا والله لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش، وكان رسول الله ﷺ يثني عليه في مصاهرته خيرًا.
[ ١٦٩ ]
وكان رسول الله ﷺ لا يحل بمكة ولا يحرم، وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله ﷺ حين أسلمت وبين أبي العاص بن الربيع، لبقائه على شركه، فقال رسول الله لزينب إنه لا يحل لك فأقامت معه على إسلامها، وهو على شركه حتى هاجر رسول الله ﷺ وتركها معه، وكانت قد رزقت منه بولد سمته عليًا، وبنتًا أسمتها أمامة.
وقد تأخر إسلام زوجها العاص، ووقع أسيرًا في يد المسلمين يوم بدر؛ لأنه كان في صف الكفار يومها، وفدت زينب زوجها بقلادة ذهبية، أهدتها لها أمها خديجة ﵂، يوم زواجها، فلما رأى رسول الله ﷺ القلادة تذكر خديجة وابنته زينب ﵂، فرق قلبه ودمعت عيناه، فعفا عن أبي العاص، ومن عليه بالحرية، وأرسله إلى مكة، ومعه قلادة خديجة ﵂، واشترط عليه أن يسمح لزينب بالهجرة على أن يلحق بها إذا أسلم.
يقول ابن إسحاق: كان في الأسرى يوم بدر أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس ختن رسول الله ﷺ وزوج ابنته زينب، وكان أبو العاص من رجال مكة المعدودين مالا وأمانة، وهو ابن أخت خديجة، وكانت تعده بمنزلة ولدها، فسألت خديجة رسول الله ﷺ أن يزوجه زينب وذلك قبل الإسلام، وكان رسول الله لا يخالفها فلما أكرم الله نبيه ﷺ بالنبوة، وآمنت به خديجة ﵂ ودخلت بناته في الإسلام وصدقنه وشهدن أن ما جاء به هو الحق، ودن بدينه، وثبت أبو العاص على شركه، فمشت قريش إلى أبي العاص بن الربيع فقالوا: فارق صاحبتك ونحن نزوجك أي امرأة شئت.
فقال: لا -هاء الله- إذا لا أفارق صاحبتي، وما أحب أن لي بامرأتي امرأة من قريش فكان رسول الله ﷺ يثني على صهره خيرًا.
وكان الإسلام قد فرق بين زينب بنت رسول الله ﷺ وبين أبي العاص بن الربيع إلا أن رسول الله ﷺ لم يفرق بينهما بالطلاق، فأقامت معه على إسلامها وهو على شركه، حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة وهي مقيمة معه بمكة، فلما سارت قريش إلى بدر سار فيهم أبو العاص بن الربيع، فأصيب في الأسارى يوم بدر، فلما بعث أهل مكة في فداء الأسرى، بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ في فداء أبي العاص، وبعثت فيه
[ ١٧٠ ]
بقلادة لها كانت أمها خديجة قد أدخلتها بها على أبي العاص حين تزوجها، فلما رآها رسول الله ﷺ رق لها رقة شديدة، وقال: "إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها وتردوا عليها مالها فافعلوا".
قالوا: نعم يا رسول الله ﷺ، فأطلقوه وردوا عليها الذي لها.
قال: وكان رسول الله ﷺ قد أخذ عليه العهد مشافهة، ووعده أبو العاص سرًا أن يخلي سبيل زينب إليه كما شرط عليه في إطلاقه فلما خرج أبو العاص إلى مكة، وخلى سبيله بعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة ورجلا من الأنصار وقال لهما: "كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فتصحبانها فتأتياني بها". فخرجا مكانهما، وذلك بعد بدر بشهر أو نحوه فلما قدم أبو العاص مكة أمر زينب باللحوق بأبيها، فخرجت جهرة فتحدث بذلك رجال من قريش وكبر عليهم أن تخرج زينب علانية فخرجوا في طلبها حتى أدركوها بذي طوى فكان أول من سبق إليها هبار بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى، فروعها بالرمح وهي في هودجها، وكانت حاملا فلما ريعت طرحت ذا بطنها، وبرك حموها "أخو زوجها" كنانة، ونثر كنانته، ثم قال: والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهمًا، وأتى أبو سفيان في جلة من قريش فقال: أيها الرجل كف عنا نبلك حتى نكلمك فكف فأقبل أبو سفيان حتى وقف عليه فقال: إنك لم تصب، خرجت بالمرأة على رءوس الناس علانية، وقد عرفت مصيبتنا ونكبتنا، وما دخل علينا من محمد فيظن الناس إذا خرجت بابنته إليه علانية على رءوس الناس من بين أظهرنا، أن ذلك على ذل أصابنا عن مصيبتنا التي كانت، وأن ذلك منا ضعف ووهن، ولعمري ما لنا بحبسها عن أبيها من حاجة، وما لنا في ذلك من ثأر، ولكن ارجع بالمرأة، حتى إذا هدأت الأصوات، وتحدث الناس أن قد رددناها، فسلها سرًا، وألحقها بأبيها، ففعل، فأقامت ليالي، حتى إذا هدأت الأصوات خرج بها ليلا حتى أسلمها إلى زيد بن حارثة وصاحبه بها على رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
ولما أسلم أبو العاص وهاجر إلى رسول الله ﷺ في المدينة رد زينب إليه بنكاحها الأول
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٦٥٤.
[ ١٧١ ]
وكان إسلام أبي العاص وهجرته ﵁ سنة ست، يروى ابن سعد ذلك فيقول: خرج أبو العاص بن الربيع في عير إلى الشام فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في سبعين ومائة راكب فلقوا العير بناحية العيص في جمادى الأولى سنة ست من الهجرة فأخذوها وما فيها من الأثقال وأسروا ناسًا ممن كان في العير منهم أبو العاص بن الربيع، فلم يعد أن جاء المدينة فدخل على زينب بنت رسول الله ﷺ بسحر وهي امرأته فاستجارها فأجارته، فلما صلى رسول الله الفجر قامت على بابها فنادت بأعلى صوتها: إني قد أجرت أبا العاص بن الربيع.
فقال رسول الله ﷺ: "أيها الناس هل سمعتم ما سمعت"؟.
قالوا: نعم.
قال: "فوالذي نفسي بيده ما علمت بشيء مما كان حتى سمعت الذي سمعتم، المؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم أدناهم وقد أجرنا من أجارت".
فلما انصرف النبي ﷺ إلى منزله دخلت عليه زينب فسألته أن يرد على أبي العاص ما أخذ منه ففعل، وأمرها أن لا يقربها فإنها لا تحل له ما دام مشركا، ورجع أبو العاص إلى مكة فأدى إلى كل ذي حق حقه، ثم أسلم ورجع إلى النبي ﷺ مسلمًا مهاجرًا في المحرم سنة سبع من الهجرة فرد عليه رسول الله ﷺ زينب بذلك النكاح الأول١.
وقد ظلت زينب ﵂ وجعة بسبب سقطها حتى لقيت ربها سنة ثمان من الهجرة، وقد صلى عليها عمر بن الخطاب ﵁، ودفنت بالبقيع رضي الله عنها٢.
الثالثة: رقية ﵂
هي الثالثة في ترتيب أولاد النبي ﷺ، خطبها ابن عمها "عتبة بن أبي لهب" إلا أنه تخلى عنها، ولم يدخل بها، وطلقها بعد بعثة رسول الله ﷺ، نزولا على رغبة أبيه أبي لهب، وأمه أم جميل، فتزوجها عثمان بن عفان ﵁، وولدت له ولدًا أسموه "عبد الله" مات صغيرًا.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٨ ص٣٣. ٢ سيرة النبي ج١ ص٦٥٤، ٦٥٥.
[ ١٧٢ ]
وهاجرت ﵂ مع زوجها عثمان ﵁ إلى الحبشة الهجرة الأولى، وعادت معه إلى مكة ثم هاجرت إلى المدينة المنورة بعد هجرة رسول الله إليها ومرضت بعد الهجرة واستمرت مريضة حتى وافاها أجلها، عند رجوع المسلمين من غزوة بدر في رمضان سنة اثنين من الهجرة، وبسبب ذلك لم يشترك عثمان ﵁ في بدر، وبقي مع زوجته رقية يمرضها، ويرعاها بأمر رسول الله ﷺ، وقد ضرب رسول الله ﷺ له سهمه، وأجره.
وعند عودة النبي ﷺ إلى المدينة بعد "بدر" كان عثمان ﵁، راجعًا من البقيع بعد أن واراها مثواها الأخير رضي الله عنها١.
الرابع: أم كلثوم ﵂
خطبها ابن عمها "عتيبة بن أبي لهب" إلا أنه تخلى عنها، وتركها بعد مبعث النبي ﷺ إرضاء لأبيه وأمه، هاجرت إلى المدينة مع أختها فاطمة ﵂، وعاشت مع أبيها في بيته، وبعد وفاة رقية تزوجها عثمان بن عفان ﵁ في شهر ربيع الأول سنة ثلاث من الهجرة ولذلك عرف عثمان بن عفان بـ"ذي النورين" ولم تنجب منه، واستمرت في كنفه حتى ماتت ﵂ سنة تسع من الهجرة، ودفنت بالبقيع٢.
الخامسة: فاطمة ﵂
هي أصغر بناته ﷺ، وكان لها دور بارز في الهجرة النبوية، تزوجها علي بن أبي طالب بأمر من الله تعالى، وولدت له: الحسن والحسين ومحسن وأم كلثوم، وزينب، وهي من النساء الكاملات اللاتي أحبهم رسول الله ﷺ.
وكانت خديجة ﵂ إذا ولدت ولدًا دفعته إلى من يرضعه، فلما ولدت فاطمة لم يرضعها غيرها، فحظيت بعناية أبيها وأمها منذ صغرها٣.
أمر الله رسول الله ﷺ أن يزوج ابنته فاطمة ﵂ ابن عمه علي بن أبي طالب ﵁، ولذلك توقف ﷺ عن تزويجها لغيره من كبار الصحابة، بعدما ذكروها لأنفسهم، يقول أنس بن مالك ﵁: إن عمر بن الخطاب ﵁، أتى أبا بكر ﵁ فقال:
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد باب ما جاء في رقية ج٩ ص٣٤٧. ٢ المرجع السابق باب ما جاء في أم كلثوم ج٩ ص٣٤٨. ٣ الطبقات الكبرى ج٨ ص٢١.
[ ١٧٣ ]
يا أبا بكر ما يمنعك أن تتزوج فاطمة بنت رسول الله ﷺ؟
قال أبو بكر ﵁: لا يزوجني.
قال عمر: إذا لم يزوجك، فمن يزوج، وإنك من أكرم الناس عليه، وأقدمهم في الإسلام. فانطلق أبو بكر ﵁ إلى بيت عائشة ﵂.
فقال: يا عائشة إذا رأيت من رسول الله ﷺ طيب نفس، وإقبالا عليك، فاذكري له أني ذكرت فاطمة، فلعل الله -﷿- أن ييسرها لي.
فجاء رسول الله ﷺ، فرأت عائشة منه طيب نفس وإقبالا، فقالت: يا رسول الله إن أبا بكر ذكر فاطمة، وأمرني أن أذكرها.
قال ﷺ: حتى ينزل القضاء.
فرجع إليها أبو بكر فقالت: يا أبتاه، وددت أني لم أذكر الذي ذكرت.
فلقي أبو بكر عمر فذكر أبو بكر لعمر ما أخبرته عائشة.
فانطلق عمر إلى حفصة، فقال: يا حفصة إذا رأيت من رسول الله ﷺ إقبالا -يعني عليك- فاذكريني له واذكري فاطمة لعل الله أن ييسرها لي.
فلقي رسول الله ﷺ حفصة، فرأت طيب نفس ورأت منه إقبالا، فذكرت له فاطمة ﵂.
فقال ﷺ: حتى ينزل القضاء.
فانطلق عمر ﵁ إلى علي بن أبي طالب ﵁ فقال: ما يمنعك من فاطمة؟
فقال علي ﵁: أخشى أن لا يزوجني.
قال عمر ﵁: فإن لم يزوجك فمن يزوج وأنت أقرب خلق الله إليه؟
فانطلق علي إلى رسول الله ﷺ مباشرة ولم يكن له مثل عائشة، ولا مثل حفصة، فلقي رسول الله ﷺ، فقال: إني أريد أن أتزوج فاطمة.
قال ﷺ: "فافعل".
قال علي: ما عندي إلا درعي الخطمية.
قال ﷺ: "فاجمع ما قدرت عليه وأتني به"، فأتى علي باثنتي عشرة أوقية، أربع مئة وثمانين درهمًا فأتى بها رسول الله ﷺ فزوجه فاطمة ﵂، فقبض ثلاث قبضات
[ ١٧٤ ]
فدفعها إلى أم أيمن وقال لها: "اجعلي منها قبضة في الطيب". أحسبه قال: "والباقي فيما يصلح المرأة من المتاع"، فلما فرغت أم أيمن من الجهاز، وأدخلتهم بيتًا قال ﷺ: "يا علي لا تحدثن إلى أهلك شيئًا حتى آتيك". فأتاهم رسول الله ﷺ فإذا فاطمة متقنعة، وعلي قاعد، وأم أيمن في البيت، فقال: "يا أم أيمن ائتيني بقدح من ماء".
فأتته بقعب فيه ماء، فشرب منه، ثم مج فيه، ثم ناوله فاطمة، فشربت، وأخذ منه فضرب جبينها، وبين كتفيها وصدرها.
ثم دفعه إلى علي فقال: "يا علي اشرب". ثم أخذ منه فضرب به جبينه وبين كتفيه ثم قال: "أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرم تطهيرًا". فخرج رسول الله ﷺ وأم أيمن وقال: "يا علي أهلك" ١.
وكان لفاطمة منزلة خاصة عند أبيها ﷺ.
يروي الترمذي بسنده عن بريدة أنه قال: كان أحب النساء إلى رسول الله ﷺ فاطمة ومن الرجال علي٢ يقول إبراهيم بن سعيد يقصد من أهل بيته.
وعن عائشة ﵂: وكانت فاطمة ﵂ إذا دخلت على رسول الله ﷺ قام إليها، فقبلها، وأجلسها في مجلسه وكان النبي ﷺ إذا دخل عليها قامت له فقبلته، وأجلسته في مجلسها٣.
ثم إن علي بن أبي طالب ﵁ خطب بنت أبي جهل على فاطمة، فأتت فاطمة أباها، غاضبة تقول له: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكحًا ابنة أبي جهل٤.
فجمع رسول الله ﷺ الناس ثم خطبهم. وقال: "إن فاطمة مني، وأني أتخوف أن تفتن في دينها"، ثم ذكر صهرًا له من بني عبد شمس، هو زوج زينب، فأثنى عليه في
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٨ ص١٩، ٢٠. ٢ سنن الترمذي ج٥ ص٦٩٨. ٣ تحفة الأحوذي بشرح سنن الترمذي، باب ما جاء في فضل فاطمة ج١٠ ص٢٥٣ وهو حديث حسن غريب. ٤ صحيح مسلم بشرح النووي. فضائل فاطمة ج١٦ ص٤.
[ ١٧٥ ]
مصاهرته إياه١ وقال عنه: "حدثني فصدقني ووعدني فوفى لي وإني لست أحرم حلالا ولا أحلل حرامًا، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله في مكان واحد أبدًا" ٢.
وقال ﷺ: "إن فاطمة بنت محمد مضغة مني، وإنما أكره أن يفتنوها" ٣.
وقال ﷺ: "ابنتي مضغة مني، يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها" ٤.
فترك علي ﵁ ما شرع فيه٥.
وقد بشرها رسول الله ﷺ أنها سيدة نساء العالمين، كما جاء في صحيح مسلم، عن عائشة ﵂ قالت: أقبلت فاطمة تمشي، كأن مشيها مشية رسول الله ﷺ فقال ﷺ: "مرحبًا يا بنتي". ثم أجلسها عن يمينه، ثم أسر إليها حديثًا، فبكت، ثم أسر إليها حديثًا، فضحكت.
تقول عائشة: ما رأيت كاليوم أقرب فرحًا من حزن؟ فسألتها عما قال ﷺ؟
فقالت: ما كانت لأفشي على رسول الله ﷺ سره.
تقول عائشة: فلما قبض ﷺ سألتها.
فأخبرتني أنه ﷺ قال: "إن جبريل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة، وإنه عارضني العام مرتين، وما أراه إلا قد حضر أجلي، وإنك أول أهل بيتي لحوقًا بي، ونعم السلف أنا لك"، فبكيت لذلك.
ثم إنه ﷺ سارني فقال: "ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين"؟. فضحكت لذلك٦.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي. فضائل فاطمة ج١٦ ص٤. ٢ الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان باب تفضيل فاطمة ج٦ ص٢٧٩. ٣ صحيح مسلم فضائل فاطمة ج١٦ ص٣. ٤ صحيح مسلم فضائل فاطمة ج١٦ ص٤. ٥ ترجع معارضة النبي ﷺ لزواج علي ﵁ على ابنته فاطمة لتأذيه من ذلك، والمسلم مأمور بعدم إيذاء النبي ﷺ وأيضًا فإن رسول الله خاف على فاطمة من الفتنة بسبب الغيرة، ويقال: إن النبي ﷺ قد اشترط على علي حين زواجه بعدم الزواج على فاطمة، ولعل في إعلان النبي ﷺ معارضته على المنبر ليتعلم الناس كيفية التعامل مع رسول الله ﷺ وعدم فعل شيء يؤذيه ويدل قوله ﷺ: "وإني لست أحرم حلالا أو أحل حرامًا أن عليًا لو تزوج لجاز". ٦ صحيح مسلم بشرح النووي. فضائل فاطمة ج١٦ ص٥.
[ ١٧٦ ]
وعن ابن عباس قال: صلى رسول الله ﷺ صلاة العصر، فلما كان في الركعة الرابعة أقبل الحسن والحسين، حتى ركبا على ظهر رسول الله ﷺ، فلما سلم وضعهما بين يديه وأقبل الحسن فحمل رسول الله الحسن على عاتقه الأيمن والحسين على عاتقه الأيسر ثم قال: "أيها الناس ألا أخبركم بخير الناس جدًا وجدة؟
ألا أخبركم بخير الناس عمًا وعمة؟
ألا أخبركم بخير الناس خالا وخالة؟
ألا أخبركم بخير الناس أبًا وأمًا؟
هما الحسن والحسين، جدهما رسول الله ﷺ، وجدتهما خديجة بنت خويلد، وأمهما فاطمة بنت رسول الله ﷺ، وأبوهما علي بن أبي طالب ﵁، وخالهما القاسم بن رسول الله ﷺ وخالاتهما زينب، ورقية، وأم كلثوم، بنات رسول الله ﷺ.
جدهما في الجنة، وأبوهما في الجنة، وأمهما في الجنة، وعمهما في الجنة، وعمتهما في الجنة، وخالاتهما في الجنة، وهما في الجنة، ومن أحبهما في الجنة" ١.
وقد عاشت فاطمة ﵁ في كنف زوجها علي بن أبي طالب ﵁ حتى لقيت ربها بعد وفاة رسول الله ﷺ بخمسة أشهر، ودفنت بالبقيع.
السادس: عبد الله ﵁
ولد عبد الله في مكة بعد البعثة، وهو أول أبنائه الذكور الذين ولدوا بعد ظهور الإسلام، سماه النبي ﷺ باسم أبيه عبد الله، وكناه بالطاهر، والطيب، والمطهر، والمطيب، وقد سمي، وكني بذلك لأنه ولد بعد النبوة.
ونظرًا لكثرة أسماء عبد الله، وجدنا من يقول: إن هذه الأسماء لأولاد آخرين لرسول الله ﷺ من خديجة ﵂، حتى تصور أحدهم أن خديجة ﵂ ولدت مرتين توأمًا ففي المرة الأولى ولدت الطيب، والمطيب، وفي المرة الثانية ولدت الطاهر، والمطهر٢.
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٢٩٥. ٢ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد باب أولاد النبي ﷺ ج٩ ص٤٣٩.
[ ١٧٧ ]
إلا أن هذه أقوال غير مشهورة، ولم يجمع عليها، والمجمع عليه أنه ﷺ أنجب عبد الله بعد البعثة وقد مات صغيرًا في مكة بعد أخيه القاسم بوقت قصير، ودفن بالحجون.
السابع: إبراهيم ﵁
ولد إبراهيم بالمدينة في شهر ذي الحجة سنة ثمان من الهجرة، وهو الوحيد من غير خديجة، فأمه مارية القبطية، وأخواله مصريون.
وقد عق عنه النبي ﷺ في يوم سبوعه، وتوفي وعمره ستة عشر شهرًا في ربيع١ الأول سنة عشر، ودفن بالبقيع بعد أن صلى عليه رسول الله ﷺ.
وقد سر النبي ﷺ بولادة إبراهيم، وسماه باسم جده إبراهيم ﵇، ودفعه إلى ظئر ترضعه، وحزن لموته كذلك٢. يروي الإمام مسلم بسنده عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "ولد لي الليلة غلام فسميته باسم أبي إبراهيم". ثم دفعه إلى أم سيف، امرأة قين يقال له أبو سيف، فانطلق يأتيه، واتبعته، فانتهينا إلى أبي سيف، وهو ينفخ بكيره، وقد امتلأ البيت دخانًا، فأسرعت المشي بين يدي رسول الله ﷺ فقلت: يا أبا سيف، أمسك جاء رسول الله ﷺ فأمسك فدعا النبي ﷺ بالصبي فضمه إليه وقال: ما شاء الله أن يقول.
يقول أنس: لقد رأيته وهو يكيد بنفسه بين يدي رسول الله ﷺ فدمعت عينا رسول الله ﷺ فقال: "تدمع العين، ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، والله يا إبراهيم إنا بك لمحزونون" ٣.
وقد حدث أن انكسفت الشمس يوم موت إبراهيم، فقال الناس: كسفت الشمس لموت إبراهيم.
فخطب النبي ﷺ وقال: "إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله ﷿ لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته" ٤.
وقد ظهر حب رسول الله ﷺ لأولاده، وحسن رعايته لهم، ولذلك أنزل
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي، باب رحمته ﷺ ج٥ ص١٧٤ الشعب. ٢ المرجع السابق ج٥ ص١٧٢. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي ج٥ ص١٧٢ ط الشعب. ٤ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد باب فضل إبراهيم ج٩ ص٢٥٦.
[ ١٧٨ ]
خديجة ﵂ منزلة، تليق بها، حيث رزقه الله منها الولد.
وحينما غارت عائشة ﵂ من كثرة ذكر النبي لخديجة ﵂ وقالت: هل كانت إلا امرأة عجوزًا رزقك الله خير منها قال لها: "ما أبدلني الله خيرًا منها، آمنت بي إذ كفر الناس، وصدقتني إذ كذبني الناس، وواستني بمالها إذ حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد ولم أرزق من أحد سواها" ١.
وكان ﷺ يحب الأطفال عمومًا، ويحسن إليهم ويرق لهم.
وقد رأينا ما كان منه ﷺ مع أولاده جميعًا، وكان يحبهن، ويحب أبناءهن كحبه لهن.
يروي مسلم أن الناس كانوا إذا رأوا أول الثمر، جاءوا به إلى رسول الله ﷺ، فإذا أخذه قال: "اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا". ثم يدعو أصغر وليد له، فيعطيه ذلك الثمر٢.
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص٣٦١. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي. باب فضل المدينة ج٩ ص١٤٦.
[ ١٧٩ ]
المبحث التاسع: الحياة الشخصية لرسول الله ﷺ في المدينة
أولا: أكله
المبحث التاسع: الحياة الشخصية لرسول الله ﷺ في المدينة
النبي ﷺ هو قدوة المسلمين على الزمن كله، وطريق الناس لتحقيق سعادتهم في الدنيا والآخرة، وكافة أنشطته تشريع متبع إلا ما بين أنه خاص به ﷺ.
ولذلك كانت الحاجة إلى تحديد ملامح حياته الشخصية ﷺ إبرازًا لسيرته ﵁ وتحديدًا لمعالم الصورة الإسلامية التي يتمناها كل مخلص، تنفيذًا لقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ١.
ومن صور حياته الشخصية نذكر ما يلي:
أولا: أكله ﷺ
كان ﷺ يبدأ طعامه بالتسمية، ويأكل بيمينه، ويأكل مما يليه، وكان يعلم ذلك من يأكل معه، فعن عمر بن أبي سلمة ﵁ أنه قال: كنت غلامًا في حجر النبي ﷺ وكانت يدي تطيش في الصحفة، فقال لي ﷺ: "يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك"، فما زالت تلك طعمتي بعد٢.
وكان ﷺ يقول: "إن الله يرضى لكم ثلاثًا ويكره لكم ثلاثًا فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا، ولا تفرقوا، ويكره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" ٣.
وكان ﷺ إذا دعي لطعام أجاب فإذا انتهى من الطعام قال: "أكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة الأطهار وذكركم الله فيمن عنده" ٤.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ٢١. ٢ صحيح مسلم، كتاب الأشربة باب آداب الطعام ج٤ ص٧٠٥ الشعب. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي. ك إجابة الدعوة ج٣ ص٧٠٣ الشعب. ٤ صحيح مسلم بشرح النووي إجابة الدعوة ج٣ ص٦٠١.
[ ١٨٠ ]
وعند أبي داود أن النبي ﷺ أكل عند سعد بن عبادة ثم قال: "أفطر عندكم الصائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلت عليكم الملائكة" ١.
وكان ﷺ لا يحبس نفسه على نوع واحد من الأغذية، وكان لا يجمع بين حارين، ولا باردين، ولا سهلين، ولا قابضين، ولا غليظين، ولم يأكل طعامًا قط في حال شدة حرارته، ولا شيئًا من الأطعمة العفنة٢.
ولم يكن ﷺ يملأ بطنه بالطعام، وينصح أصحابه بذلك، ويقول لهم ﷺ: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرًا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه" ٣.
وكان ﷺ يأكل على الأرض، ويجلس على الأرض٤.
يقول أنس بن مالك: ما أكل نبي الله ﷺ على خوان، ولا سكرجة، ولا خبز مرقق، فقلت لقتادة: فعلام كانوا يأكلون؟
قال: على السفر؟ ٥.
وكان ﷺ يأكل التمر وترًا، وكان لا يجمع بين التمر والنوى في طبق واحد، ولا يجمع النوى في كفه، بل يسقط النوى على ظهر كفه ثم يلقيها، وأحيانًا كان يرفع النوى، بأصبعيه ثم يلقيها٦.
وكان ﷺ يحب أكل التمر بعد غليه بالسمن، وخلطه باللبن، وهو المعروف بـ"الحيس"، وكان هو الطعام الذي صنعه يوم بنى بـ"صفية بنت حيي".
وكان ﷺ يحب الزبد بالتمر٧.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود. كتاب الأطعمة باب ما يقول الرجل إذا طعم ج٢ ص٣٣٠. ٢ زاد المعاد ج١ ص١٤٧. ٣ سنن الترمذي كتاب الزهد باب كراهية كثرة الأكل ج٤ ص٥٩٠. ٤ زاد المعاد ج١ ص١٤٧. ٥ صحيح البخاري بشرح فتح الباري. كتاب الأطعمة ج٩ ص٥٣٠، الخوان: المرتقع المعد للأكل مثل الخوان "الترابيرة" والسكرجة أوان معدة للمشهيات، والسفر ما يمد ويبسط على الأرض، كالمفرش وهذا من تواضعه ﷺ. ٦ صحيح مسلم بشرح النووي. ك الأطعمة. ب وضع النووي ج٤ ص٧٣٤ الشعب. ٧ صحيح مسلم بشرح النووي. كتاب الأطعمة. باب وضع النووي ج٤ ص٧٣٤.
[ ١٨١ ]
وكان ﵁ يأكل البطيخ بالرطب، ويأكل القثاء بالرطب كذلك١.
وكان ﷺ يحب الحلواء والعسل٢.
وكان ﷺ يأكل زيت الزيتون، ويحث عليه، ويقول: كلوا الزيت، وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة.
وكان يأكل الدجاج، ويحب الدباء٣ وهو القرع ويسمى اليقطين، وكان ﷺ يحب الثريد، ويفضله على سائر الطعام، كما يفهم من ثنائه على أم المؤمنين عائشة يقول ﷺ: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام" ٤.
والثريد خبز مبلل بمرق، وعليه اللحم، وهو الذي يعرف بـ"الفتة".
وكان ﷺ يكتفي بالطعام القليل، ولم يكن همه الأكل والشبع.
وكان ﷺ يبيت الليالي المتتابعة خاويًا، وأهله لا يجدون عشاء، وكان أكثر خبزهم الشعير.
عن عروة عن عائشة أنها كانت تقول: والله يابن أخي، إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار.
قلت يا خالة: فما كان يعيشكم؟
قالت: الأسودان، التمر، والماء. إلا أنه قد كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار وكانت لهم منائح، فكانوا يمنحون رسول الله ﷺ من أبياتهم، فيسقيناه٥.
وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ ذات يوم وجبريل ﵇ على الصفا.
فقال رسول الله ﷺ: "يا جبريل، والذي بعثك بالحق ما أمسى لآل محمد سفه من دقيق، ولا كف من سويق". فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدة من السماء أفزعته
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب الأطعمة باب أكل الرطب بالقثاء ج٩ ص٥٦٤. ٢ صحيح البخاري كتاب الأطعمة باب الحلواء والعسل ج٩ ص٣٦. ٣ صحيح البخاري ك الأطعمة باب الدباء ج٩ ص٣٧. ٤ صحيح مسلم بشرح النووي كتاب فضائل عائشة ج٥ ص٣٠٢ الشعب. ٥ صحيح البخاري كتاب الرقاق باب عيسى النبي وأصحابه ج١٠ ص١٤٦.
[ ١٨٢ ]
فقال رسول الله ﷺ: "هل أمر الله القيامة أن تقوم"؟.
قال جبريل: لا، ولكن أمر إسرافيل، فنزل إليك حين سمع كلامك.
فأتاه إسرافيل فقال: إن الله سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك أن تكون جبال تهامة زمردًا، وياقوتًا، وذهبًا، وفضة، فإن شئت نبيًا ملكًا وإن شئت نبيًا عبدًا، فأومأ إليه جبريل أن تواضع.
فقال ﷺ: "بل نبيًا عبدًا ثلاثًا" ١.
وكان ﷺ إذا رفع الطعام من بين يديه يقول: "الحمد لله حمدًا كثيرًا، طيبًا، مباركًا، غير مكفي، ولا مودع، ولا مستغنى عنه ربنا ﷿".
وكان ﷺ يقول إذا فرغ من طعامه: "اللهم لك الحمد، أطعمت وسقيت، وأشبعت ورويت، فلك الحمد" ٢.
وكان ﷺ يقول: "الحمد لله الذي يُطعِم ولا يُطعَم، من علينا فهدانا، وأطعمنا وسقانا، وكل بلاء حسن أبلانا، الحمد الله الذي أطعم من الطعام، وسقى من الشراب وكسا من العري، وهدى من الضلالة، وبصر من العمى، وفضل على كثير ممن خلق تفضيلا، الحمد لله رب العالمين".
وربما قال: "الحمد لله الذي أطعم وسقى، وسوغه" ٣.
ويقول ﷺ: "إن الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة أو يشرب الشربة فيحمده عليها" ٤.
ولم يعب ﷺ طعامًا قط إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه٥.
_________________
(١) ١ منتقى النقول ص٤٠٢. ٢ بغية الرائد ج٥ ص٣٠. ٣ زاد المعاد ج١ ص١٤٨، ١٤٩. ٤ سنن الترمذي باب ما جاء في الحمد على الطعام إذا فرغ منه ج٤ ص٢٦٥. ٥ صحيح البخاري كتاب الأطعمة باب ما عاب النبي ﷺ طعامًا ج٩ ص٣٠.
[ ١٨٣ ]
ثانيًا: شرابه ﷺ
لم يكن من عادة النبي ﷺ الشرب على الطعام، وكان يشرب العسل الممزوج بالماء، تقول عائشة ﵂: كان أحب شراب النبي ﷺ الحلو البارد١، وكان الصحابة يأتون بالماء لرسول الله ﷺ من بئر عرس مرة، ومن السقيا مرة.
وكان ﷺ يشرب اللبن ويقول: "اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه" ٢.
وكان رسول الله ﷺ يتنفس في الإناء ثلاثًا، ويقول: "إنه أبرأ، وأروى، وأمرأ" ٢.
وكان النبي ﷺ يشرب واقفًا، وقاعدًا، يقول ميسرة: رأيت عليًا يشرب قائمًا، فقلت له: أتشرب قائمًا؟
فقال: إن شربت قائمًا فقد رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائمًا، وإن شربت قاعدًا فقد رأيت رسول الله ﷺ يشرب قاعدًا٤.
هذا وقد روى مسلم بسنده عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ نهى عن الشرب قائمًا٥ وقد تصور البعض من هذا النهي حرمة الشرب قائمًا، وهذا تصور مردود؛ لأن النبي ﷺ شرب قائمًا، وقاعدًا، وهذا يدل على الجواز؛ لأنه فعله لبيان الجواز، وأقصى ما يفيده النهي أنه خلاف الأولى.
_________________
(١) ١ سنن الترمذي باب أي الشراب كان أحب إلى رسول الله ج٤ ص٣٠٧. ٢ سنن أبي داود ج٢ ص٣٠٤. ٣ صحيح مسلم ك الأشربة ج٤ ص٧١١ الشعب. ٤ سنن أبي داود باب في الشرب قائمًا ج٢ ص٣٠٢ ط الحلبي. ٥ صحيح البخاري كتاب الأشربة باب الشرب قائمًا ج٩ ص٩٦.
[ ١٨٤ ]
ثالثًا: نومه ﷺ
كان ﷺ ينام، إذا دعته الحاجة إلى النوم، ينام على شقه الأيمن، ذاكرًا الله حتى تغلبه عيناه، وكان يضطجع على الوسادة، ويضع يده تحت خده أحيانًا.
وكان ﷺ ينام بعينه ولا ينام قلبه١.
_________________
(١) ١ الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج٨ ص٧٨.
[ ١٨٤ ]
ومن تدبر صفة نومه ويقظته ﷺ وجده أعدل نوم وأنفعه للبدن، فإنه كان ينام على الفراش تارة، وعلى الأرض تارة، وعلى السرير تارة، وكان له بساط ينام عليه بعد أن يثنيه ثنيتين، وكانت وسادته جلدًا حشوها ليف، وإنه كان ينام أول الليل ويستيقظ النصف الثاني لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا، نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا، أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ .
فيحمد الله تعالى ويكبره، ويدعوه، ويستاك، ثم يقوم إلى وضوءه، ثم يقف للصلاة بين يدي ربه ﷿ خاشعًا، راهبًا، متدبرًا.
وقد حدد الله ﷿ أوقات النوم في اليوم والليلة التي يجب فيها الاستئذان إذ قال ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ١.
وكان من هدي النبي ﷺ النوم وقت القيلولة٢.
- عن أنس ﵁ قال: إن أم سليم كانت تبسط للنبي ﷺ نطعًا٣ فيقيل عندها على ذلك النطع٤.
- وعن أنس قال: قال ﷺ: "قيلوا فإن الشياطين لا تقيل" ٥.
ورسول الله ﷺ بذلك يخبرنا بأن هذا وقت لا تهدأ فيه الشياطين، بل تزداد ثورة في وقت الظهيرة، لأنها خلقت من نار السموم، فمن المستحب أن ننام، ونريح جسدنا في وقت القيلولة، حتى نستعد لقيام الليل، وكان هذا دأبه، وعمله، ﷺ حتى
_________________
(١) ١ سورة النور: ٥٨. ٢ القيلولة: وقت الظهيرة. ٣ نطعًا: بساط من الجلد. ٤ صحيح مسلم بشرح النووي. ك الفضائل ج٥ ص١٨٤ الشعب. ٥ قال الألباني في الجامع: رواه الطبراني وأبو نعيم بسند حسن. حديث رقم ٤٤٣١.
[ ١٨٥ ]
لقي ربه، وكان ﷺ ينام غالبًا على قفاه.
- يقول الشافعي ﵁: النوم على أربعة أنحاء:
نوم على القفا، وهو نوم الأنبياء ﵈، يتفكرون في خلق السماوات والأرض ونوم على اليمين وهو نوم العلماء والعباد.
ونوم على الشمال وهو نوم الملوك ليهضم طعامهم.
ونوم على الوجه وهو نوم الشياطين.
وقد نهى النبي ﷺ أن ينام الرجل على وجهه، فعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: مر النبي ﷺ برجل مضطجع على بطنه، فقال: "هذه ضجعة لا يحبها الله ﷿" ١.
- وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان إذا سكت المؤذن بالأولى من صلاة الفجر قام فركع ركعتين خفيفتين قبل صلاة الفجر بعد أن يستبين الفجر ثم اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن للإقامة٢.
ورؤي النبي ﷺ مستلقيًا على ظهره واضعًا إحدى رجليه على الأخرى٣.
وفي ذلك إباحة الاستلقاء على الظهر ووضع إحدى الرجلين على الأخرى للراحة، ولكن هذه ليست نومة النبي ﷺ المستديمة ولكنه ﷺ نام بها، ويمكن فعلها في أوقات الراحة، وفي غيرها لمن أراد بعدما أباحها ﷺ.
وكان رسول الله ﷺ يدعو ربه قبل نومه.
- عن البراء بن عازب ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه نام على شقه الأيمن ثم قال: "اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك آمنت بكتابك الذي أنزلت ونبيك الذي أرسلت" ٤.
قال النووي في زاد المعاد:
_________________
(١) ١ سنن الترمذي باب ما جاء في كراهية الاضطجاع على البطن ج٥ ص٩٧. ٢ صحيح البخاري كتاب الأذان باب من انتظر الإقامة ج٢ ص١٤. ٣ صحيح البخاري كتاب الصلاة باب الاستلقاء في المسجد ج١ ص٣١٧. ٤ صحيح البخاري كتاب الدعوات ج١٠ ص٨٨.
[ ١٨٦ ]
معنى وضع رأسه على كفه، أي: وضع راحته مع أصابعه اليمنى تحت شقه الأيمن من وجهه، فالكف للراحة مع الأصابع، وسميت به لأنها تكف الأذى عن البدن وتريح صاحبها لوضعها تحت خده الأيمن.
- عن أبي ذر ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا أخذ مضطجعه من الليل قال: "اللهم باسمك أموت وأحيا".
فإذا استيقظ قال: "الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور" ١.
وكان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه يقول: "اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك، وفوضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك لا ملجأ ولا منجا منك إلا إليك، آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيك الذي أرسلت" ٢.
- عن عائشة ﵂ قالت:
كان النبي ﷺ إذا أوى إلى فراشه كل ليلة جمع كفيه فنفث فيهما، وقرأ فيهما سورة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ .
وسورة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ .
وسورة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ .
ثم مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما رأسه، ووجهه، وما أقبل من جسده يصنع ذلك ثلاث مرات٣.
- عن جبلة بن حارثة أن النبي ﷺ قال: "إذا أويت إلى فراشك فاقرأ ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ حتى تمر بآخرها فإنها براءة من الشرك" ٤.
- عن أنس أن رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه قال: "باسمك اللهم
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب الدعوات باب وضع اليد تحت الخد اليمنى ج١٠ ص٨٧. ٢ صحيح البخاري كتاب الدعوات باب ما يقول إذا نام ج١ ص٨٨. ٣ سنن الترمذي باب ما يقرأ من القرآن عند المنام ج٥ ص٤٧٣ والحديث حسن صحيح غريب. ٤ المرجع السابق ج٥ ص٤٧٤.
[ ١٨٧ ]
أموت وأحيا"، وإذا قام من نومه، قال: "الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور" ١.
- عن سهيل قال: كان أبو صالح يأمرنا إذا أراد أحدنا أن ينام، أن يضطجع على شقه الأيمن، ثم يقول: اللهم رب السماوات السبع، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى، منزل التوراة، والإنجيل، والفرقان، أعوذ بك من شر كل شيء أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقض عنا الدين، وأغننا من الفقر٢.
وكان النبي ﷺ إذا قام من الليل يقول: "اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق، والجنة حق، والنار حق، والساعة حق، والنبيون حق، ومحمد حق، اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وبك آمنت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت، أو لا إله غيرك" ٣.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري كتاب الدعوات ج١٠ ص٨٧. ٢ صحيح مسلم كتاب الدعاء ج١٧ ص٣٥. ٣ صحيح البخاري كتاب الدعوات باب الدعاء بالليل ج١٠ ص٨٩.
[ ١٨٨ ]
رابعًا: سماحته ﷺ
كان رسول الله ﷺ يتجاوب مع جلسائه، ويتساهل معهم، ويشاركهم الحال والقال، فإذا تحدثوا بأمر شاركهم في حديثهم ما لم يكن إثمًا.
فعن خارجة بن زيد ﵁ أن نفرًا دخلوا على أبيه زيد بن ثابت ﵁ فقالوا: حدثنا ببعض حديث النبي ﷺ.
فقال: وما أحدثكم؟ كنت جاره ﷺ فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إليّفآتيه، فأكتب الوحي، فكنا إذا ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، كل هذا أحدثكم عنه ﷺ.
وروى الإمام أحمد عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ طويل الصمت، قليل الضحك، وكان أصحابه يذكرون عنده الشعر وأشياء من أمورهم في الجاهلية فيضحكون، وربما تبسم معهم١.
وروى مسلم عن سماك بن حرب قال: قلت لجابر بن سمرة ﵁: أكنت تجالس رسول الله ﷺ؟
فقال جابر: نعم كثيرًا! كان رسول الله ﷺ لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون، ويبتسم صلى الله عليه وسلم٢.
يقول عبد الله بن زيد: ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم٣. ويقول عبد الله بن الحارث: ما كان ضحك رسول الله إلا تبسمًا٤.
وكان ﷺ يمزح مع أصحابه، لإدخال السرور عليهم، ليباسطهم، وليهتدوا بهديه، ويتخلقوا بخلقه، فلو أنه ﷺ ترك الطلاقة مع أصحابه، والمباسطة معهم، ولزم العبوس، والانقباض، لألزم الصحابة أنفسهم بذلك، وكذلك التابعون من بعدهم، فمزح ﷺ ليمزحوا، ولكنه ﷺ بين لهم أنه لا يقول في مزاحه إلا حقا، فلا يأتي بباطل ولا بعبث أو بلعب.
وفي الصحيحين عن أنس ﵁ قال: إن كان النبي ﷺ ليخالطنا -أي ليلاطفنا ويمازحنا- حتى يقول لأخ لي:
"يا أبا عمير ما فعل النغير"٥.
يروي الإمام أحمد بسنده عن أنس ﵁ أن رجلً من أهل البادية كان اسمه
_________________
(١) ١ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد باب في حسن خلقه ﷺ ج٨ ص٥٧٨. ٢ صحيح مسلم بشرح النووي. ك الفضائل. باب تبسمه ﷺ ج١٥ ص١٧٦. ٣ سنن الترمذي باب في بشاشة النبي ﷺ ج٥ ص٦٠١ والحديث حسن غريب. ٤ سنن الترمذي باب في بشاشة النبي ﷺ ج٥ ص٦٠١. ٥ سنن الترمذي باب في المزاح ج٤ ص٣٥٧.
[ ١٨٩ ]
زاهرًا، وكان يهدي إلى النبي ﷺ هدية من البادية، فيجهزه النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج إلى البادية إثابة على هداياه، وكان النبي ﷺ يحبه، ويداعبه، ويقول: "إن زاهرًا باديتنا ونحن حاضروه". وكان زاهر رجلا دميما، فأتاه النبي ﷺ يومًا وهو يبيع متاعه، فاحتضنه من خلفه، وهو لا يبصره.
فقال زاهر: من هذا؟ أرسلني!!
فالتفت زاهر فعرف أنه النبي ﷺ فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه.
فجعل النبي ﷺ يقول: "من يشتري هذا العبد"؟.
فقال: يا رسول الله إذا والله تجدني كاسدًا.
فقال النبي ﷺ: "لكنك عند الله لست بكاسد أنت عند الله غال" ١.
ومن جملة ما ورد في مزاحه ﷺ، ما ورد عن أنس ﵁: أن رجلا أتى النبي ﷺ يستحمله -أي يطلب منه دابة- فقال له ﷺ: "إني حاملك على ولد الناقة". فقال: يا رسول الله ﷺ ما أصنع بولد الناقة؟
فقال ﷺ: "وهل يلد الإبل إلا النوق"؟ ٢.
وجاءت امرأة فقالت: يا رسول الله ﷺ احملني على بعير.
فقال ﷺ: "احملها على ابن بعير".
فقالت: ما أصنع به؟ وما يحملني يا رسول الله؟
فقال ﷺ: "وهل يجيء بعير إلا ابن بعير".
وروى ابن بكار عن زيد بن أسلم أن امرأة يقال لها أم أيمن الحبشية، جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن زوجي يدعوك.
فقال: "من هو؟ أهو الذي بعينيه بياض".
فقالت: ما بعينيه بياض.
_________________
(١) ١ الفتح الربابي لتحقيق مسند الإمام أحمد الشيباني ج٢٢ ص٢٣٩. ٢ سنن الترمذي باب في المزاح ج٤ ص٣٥٧.
[ ١٩٠ ]
فقال ﷺ: "بلى بعينيه بياض".
فقالت: لا والله.
فقال ﷺ: "ما من أحد إلا بعينيه بياض". يريد البياض المحيط بالحدقة.
ومن ذلك ممازحته للمرأة العجوز التي جاءته ترغب في الجنة، يروي الترمذي بسنده عن الحسن البصري ﵁ قال: أتت عجوز النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ﷺ ادع الله أن يدخلني الجنة.
فقال ﷺ: "يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز". فولت وهي تبكي.
فقال ﷺ: "أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز" ١. والله تعالى يقول ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا، عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ ٢.
وكان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يبتسم في وجوه أصحابه حين يلقاهم، وفي حديثه إليهم، تلطفًا بهم، ومؤانسة لهم.
يقول جرير بن عبد الله ﵁: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم٣.
وروى الترمذي وغيره عن هند بن أبي هالة في حديثه يصف النبي ﷺ قال فيه: جل ضحكه التبسم، يفتر عن مثل حب الغمام، والمعنى أنه ﷺ كان يضحك ضحكًا حسنًا، كاشفًا عن سن مثل حب الغمام -وهو البرد- في البياض والصفاء والبريق٤.
وعن عبد الله بن الحارث ﵁ قال: ما كان ضحك رسول الله ﷺ إلا تبسمًا وكان ﷺ يضحك أحيانًا حتى تبدو نواجذه٥.
_________________
(١) ١ سنن الترمذي. ٢ سورة الواقعة: ٣٥-٣٧. ٣ الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج٨ ص٧٨. ٤ سنن الترمذي. ٥ الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج٨ ص٧٨.
[ ١٩١ ]
وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: "إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا، رجل يخرج منها زحفًا، فيقول: يا رب قد أخذ الناس المنازل، فيقال له: انطلق فادخل الجنة، فيذهب ليدخل فيجد الناس قد أخذوا المنازل، فيرجع فيقول: يا رب قد أخذ الناس المنازل، فيقال له: أتذكر الزمان الذي كنت فيه؟
فيقول: نعم.
فيقال له: تمن. قال: فيتمنى، فيقال له: فإن لك ما تمنيت وعشرة أضعاف الدنيا.
فيقول: أتسخر بي وأنت الملك"، فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه" ١.
وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ: "إني لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار وآخر أهل الجنة دخولا الجنة، يؤتي برجل فيقول: سلوا عن صغار ذنوبه واخبئوا كبارها، فيقال له: عملت كذا وكذا يوم كذا وكذا، عملت كذا وكذا في يوم كذا وكذا، فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة، فيقول يا رب لقد عملت أشياء ما أراها هاهنا". يقول أبو ذر: فلقد رأيت رسول الله ﷺ ضحك حتى بدت نواجذه٢.
وأخرج الإمام أحمد عن أم سلمة ﵂، أن أبا بكر ﵁ خرج إلى بصرى ومعه النعيمان وسويبط بن حرملة ﵄ وكلاهما بدري، وكان سويبط على الزاد، فقال له النعيمان: أطعمني.
فقال سويبط: حتى يجيء أبو بكر.
وكان النعيمان ضحاكًا، مزاحًا، فذهب إلى أناس جلبوا ظهرًا -أي إبلا- فقال لهم النعيمان: أتبتاعون -أي تشترون- مني غلامًا -أي عبدًا- عربيًا فتيًا، فارهًا؟
_________________
(١) ١ سنن الترمذي كتاب صفة جهنم ج ٤ ص٧١٢. ٢ سنن الترمذي كتاب صفة جهنم ج ٤ ص٧١٣.
[ ١٩٢ ]
قالوا: نعم.
قال: إنه ذو لسان، ولعله يقول: أنا حر، فإن كنتم تاركيه لذلك، فدعوني لا تفسدوه علي.
فقالوا: بل نبتاعه، فابتاعوه بعشر قلائص -أي نوق شابة- فأقبل ليسوقها وقال لهم: دونكم هو هذا.
فقال سويبط: هو -أي النعيمان- كاذب، أنا رجل حر.
فقالوا قد أخبرنا خبرك، فطرحوا الحبل في رقبته، فذهبوا به فجاء أبو بكر فأخبر، فذهب هو وأصحابه إليهم، فردوا القلائص وأخذوه، ثم أخبروا النبي ﷺ بذلك فضحك هو وأصحابه حولا أي كلما تذكروا هذه الفعلة١.
ومن ذلك ضحكه ﷺ من الأمر العجيب يبلغه.
روى الإمام أحمد في مسنده عن عائشة ﵂ قالت: جاءت سلمى امرأة أبي رافع مولى رسول الله ﷺ تستأذن رسول الله ﷺ على أبي رافع وقالت: إنه ليضربني.
فقال ﷺ: "ما لك وما لها"؟.
قال: تؤذيني يا رسول الله.
قال: "بما آذيتيه يا سلمى"؟.
قالت: ما آذيته بشيء، ولكنه أحدث وهو يصلي، فقلت له: يا أبا رافع إن رسول الله ﷺ قد أمر المسلمين إذا خرج من أحدهم ريح أن يتوضأ، فقام يضربني، فجعل رسول الله ﷺ يضحك ويقول: "يا أبا رافع لم تأمرك إلا بخير" ٢.
وسئل ابن عمر ﵁: هل كان أصحاب النبي ﷺ يضحكون؟
فقال: نعم وإن الإيمان في قلوبهم أمثال الجبال.
وقد صنع خلق رسول الله ﷺ مع أصحابه ترابطًا معهم تميز بالحب والتقدير.
_________________
(١) ١ مسند أحمد. ٢ مسند أحمد.
[ ١٩٣ ]
والتعظيم، وكانوا رضوان الله عليهم كالفراش يتجمع حول النور تعلقًا وعشقًا.
إن هذا الحب من أصحاب رسول الله ﷺ نابع من قوة إيمانهم، وصدق يقينهم الذي أودع في قلوبهم توقير صاحب الرسالة التي أخرجتهم من الظلمات إلى النور، فأقروا بما له ﷺ من فضل عليهم.
يؤكد هذا الحب كريم خلقه ﷺ وعظمته، فقد استطاع ﷺ بالحب أن يجمع القلوب من حوله، وإن يملأها بالصدق، ولو كان بغير هذا الخلق لانفضوا من حوله يقول الله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ ١.
لقد رأينا كثيرًا من الرؤساء والملوك تنهال عليهم الأسنة، وتنالهم الأقلام ويتعرضون لحملات ضاربة من النقد والتجريح، والاتهام والإشاعات، بمجرد بعدهم عن سلطانهم وانتقال القوة إلى غيرهم وذلك لأنهم لم يعملوا بالإقناع والحب ولم ينشروا بين الناس قيم العدل والتسامح والتكريم، وإنما اغتروا بالقوة والجاه، وأهملوا حقوق الناس، ولجئوا إلى البطش والإرهاب، فلما ذهبوا ذهب كل شيء معهم.
أما محمد ﷺ فقد ملأ الدنيا بالخير، وأقنع العقول بالحق، وفاض خلقه على الناس فتعلموا بالسماحة، والرضى، والحب، والكرم ودخلوا في الإسلام راضين وسعداء، ويكفي ما في قلوب الملايين من أتباعه ﷺ من حب صادق، وإخلاص كبير.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٥٩.
[ ١٩٤ ]
المبحث العاشر: قيامه ﷺ بمهام الرسالة
بجانب أعمال الرسول ﷺ مع أهله وأولاده وأصحابه، نراه ﷺ يعيش حياته كلها لدين الله تعالى، متوكلا على الله ﷾ في كل أعماله.
فلقد عاش ﷺ، قائدًا للجماعة، ومبلغًا للرسالة، ومجاهدًا في سبيل الله تعالى، ومصدر الفتوى والتعليم للأمة كلها، ولا غرابة في هذا فلقد أدى ﷺ بذلك الأمانة وبلغ الرسالة، وجاهد في الله حق الجهاد، واستمر على ذلك حتى تمت النعمة، وكمل الدين، وأصبح الإسلام دين العالمين.
لقد كان ﷺ حركة دائمة في كل حياته بعد الهجرة كما كان قبلها، ولقد أنجز في وقت قصير ما كان يحتاج لمدة طويلة، فهيأ للمهاجرين معيشتهم، وربط المسلمين جميعًا برباط الحب، والمودة، والتآلف.
ونظم الحياة الاجتماعية لمواطني المدينة مسلمين وغير مسلمين، وحدد لكل طائفة ما لها وما عليها، واستسلم الجميع لحكم الله تعالى، وارتضوا أن يكون الرسول ﷺ هو الحاكم فيهم.
أقام النبي ﷺ المسجد النبوي ليجتمع المسلمون فيه للعبادة، ولأداء كافة الأنشطة التي لا بد منها للحركة بالدعوة إلى الله تعالى، من تعليم وتنظيم، وإعداد إلخ.
وأخذ الوحي ينزل عليه بكافة التشريعات الدينية، ويوضح أمامه الأخلاق النبيلة وأصبح المسلمون بما تمتعوا به قوة وضاءة في أفق الحياة، تعمل الخير وتنشره بين الناس، وتواصل الدعوة إلى دين الله تعالى.
وتتابع نزول القرآن الكريم تبعًا للأحداث والوقائع والمناسبات، وتربية لأمة أراد الله لها أن تكون خير ما أخرج للناس.
وكان ﷺ يتابع الناس بالتوجيه والإرشاد، ويبين لهم الوحي، ويوجههم به حتى كمل الدين، وتم نزول القرآن وتعاظمت السنة خلال المرحلة المدنية.
وكان من الواضح أن الإسلام أخذ يزداد أتباعه كل يوم، وصارت حقيقته بادية
[ ١٩٥ ]
أما غير المسلمين الأمر الذي أدى إلى زيادة حقد القرشيين على المسلمين في المدينة.
ولم يكن عجبًا أن يبدأ العدوان القرشي على المسلمين بعد نجاح الهجرة، الأمر الذي أدى إلى بدء الجهاد القتالي ضد أعداء الإسلام واستمرت الحركة بالدعوة حتى تم الإسلام، وكمل الدين، ونزل قول الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ١.
لم تكن مدة الرسالة المدنية طويلة لكنها رغم قصرها امتلأت بالحوادث العديدة، والمواقف الشاقة، والمواجهات المتنوعة، حتى أن العقل يندهش حين ينظر في المرحلة المدنية، ويرى ما حدث فيها.
لقد استمرت المرحلة المدنية عشر سنوات بدأت بالهجرة وانتهت بوفاة رسول الله ﷺ وخلالها عاش المسلمون بالإسلام، وتحركوا به في العالمين.
لقد قام رسول الله ﷺ خلال هذه السنوات العشر بكل ما كلف به على خير وجه أراده الله تعالى.
تلقى القرآن الكريم من جبريل ﵇ ونقله كما تلقاه إلى أصحابه الذين اهتموا به حفظًا وفهمًا واتباعًا.
وبين لهم بسنته ﷺ القرآن الكريم حتى صار الإسلام معلومًا، مفصلا، كاملا، شاملا.
وربى رسول الله ﷺ الأمة على منهج الله تعالى، وبطريقة تتلاءم مع الواقع، وتلتقي مع الخصائص البشرية للإنسان.
وحول ﷺ معايب الجاهلية إلى محاسن دينية بعد أن تسامى بها، وهذب حركتها وطهر غايتها، وضبط حركتها ووجهتها بتعاليم الله حتى صارت عونًا للمحتاج، وانتصارًا للعدل، والحرية، والكرامة.
وعرف الناس حقوقهم وواجباتهم، فقاموا بما عليهم، ونالوا ما لهم حتى ظهرت أمة الإسلام بحضارتها تباهي الدنيا بحقيقتها الرائعة التي حافظت على حقوق الفقراء والضعفاء
_________________
(١) ١ سورة المائدة: ٣.
[ ١٩٦ ]
قبل الأغنياء والأقوياء وأنصفت أصحاب الحقوق من المعتدين، وحررت مسارات الحياة من أي غلو، أو عدوان، أو إهمال، أو تفريط.
إن أمة الإسلام التي رباها رسول الله ﷺ هي النموذج الأسوة فقد بلغت الأوج وتميزت بكرم الخلق، وحسن المعاملة ونبل الهدف، مع التخلص التام من عنصرية الجاهلية، وعدوانية الظلم والضلال، والبعد المطلق عن الأنانية، والأثرة، والكبرياء والتعالي.
لقد حققت أمة الإسلام في مدة وجيزة ما يعجز عن تحقيقه الآخرون في مئات السنين.
لقد أوجدت على أرض الواقع العدل العام، وأسست قوة الخير والسلام، وحققت عمليًا التوازن الدقيق بين المسئولية والجزاء، والتناغم الجميل بين الحقوق والواجبات، كل ذلك وغيره بتعاليم الله تعالى التي قدمت الإسلام هدية لإسعاد العالمين.
لقد شهد الواقع بما قام به رسول الله ﷺ حيث دخل الناس في الإسلام، وزالت دولة الفرس والروم، ولم يتمكن أحد من الأعداء أن يتهم محمدا ﷺ بأنه ظلم إنسانًا، أو ضيع حقوقًا، أو هان ضعيفًا، أو فرط في إصلاح.
لقد حرك ﷺ أناسًا نائمين، ووضع في قلوبهم سر الحركة والنشاط، حتى صنع منهم الأمة الإسلامية العظيمة التي تصون حقوق رعاياها، وتحسن تعاملها مع غيرها.
والمسلمون اليوم عليهم أن يعودوا للسيرة الذاتية لرسول الله ﷺ ليتشبهوا بها، ويقتدوا بمسلكها لأن هذا الاقتداء واجب شرعًا، وبخاصة أن رسول الله ﷺ مع أنه صناعة ربانية فقد نشأ وتربى، وعاش كسائر البشر.
رأيناه ﷺ يتيمًا، فقيرًا، عالة وشاهدناه يتاجر ويعمل للناس راعيًا. ووقفنا على حياته ﷺ مع زوجاته وأبنائه، وإخوانه، وعلمنا كيف نومه وأكله وشربه، كل ذلك عشناه معه وتأكدنا من صدق روايته مما يؤكد أن الاتباع والاقتداء أمر سهل ممكن لمن أراد أن يكون إنسانًا كاملا يعمل للدنيا وللآخرة معًا، يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب: ٢١.
[ ١٩٧ ]