تمهيد:
تمهيد: العالم هو أمة الدعوة، فإليه بُعث محمد ﷺ، وأُمر بتبليغ الإسلام إلى الناس أجمعين.
فمن أجاب ودخل في دين الله تعالى صار من أمة الإجابة التي عرفت الحق، وآمنت به، واستقامت على الصراط المستقيم.
والتعريف بهذا العالم ضرورة مهمة؛ لأنه يبين واقعه، وما ساده من انحراف وضلال، ويُظهر المناهج التي دعا بها الرسول ﷺ الأمم كلها على اختلافهم وتنوعهم، ويوضح طريقة المواجهة بين الإسلام ومعارضيه في هذا الزمان السحيق.. وبذلك تستفيد الدعوة، ويأخذ الدعاة الدروس والعبر..
لقد انقسم العالم في هذا الزمان إلى أمم كبرى هي: الفرس، والروم، والعرب، والهنود، وكان لكل منها وضعه ونظامه ودينه، وانضوت بقية الأقاليم تحت سلطان إحدى هذه الأمم، كولايات تابعة لها، تعيش بنظمها، وتتمذهب بمذهبها وهكذا.
وفي هذا الفصل سأتناول هذه الأمم بالدراسة، وأُعرِّف بواقعها، وأهم نظمها، وأديانها، وأخلاقها، وسأعقد لكل أمة مبحثا على أن أعقد مبحثا أخيرا أبين فيه مدى حاجة العالم يومذاك لحمل الإسلام، وكيف تهيأت الظروف العالمية لاستقباله، وبذلك سيكون هذا الفصل مكونا من خمسة مباحث هي:
* المبحث الأول: "واقع العرب".
* المبحث الثاني: "واقع الرومان".
* المبحث الثالث: "واقع الفرس".
* المبحث الرابع: "واقع الهنود".
* المبحث الخامس: "ملاءمة الواقع العالمي للحركة بالإسلام".
وبذلك ينتهي الفصل بتوفيق الله تعالى،،،
[ ٢٧ ]
المبحث الأول: "العرب":
١- جغرافية بلاد العرب:
العرب هم أبناء إسماعيل ﵇، نشئوا في مكة أولا، وبعدها انتشروا في شبه جزيرة العرب١، وهاجروا إلى البلدان المجاورة.
وتنقسم الجزيرة العربية إلى خمسة أقاليم تبعا لجغرافية الأرض وطبيعة المكان؛ ذلك أن جبل السراة بدأ من ثغر اليمن جنوبا، وامتد حتى بلغ أطراف الشام شمالا، فسمي بإقليم "الحجاز" لأنه يحجز إقليم "تهامة" الواقع في غربه على ساحل البحر الأحمر، عن إقليم "نجد" الواقع شرقه.. وتسمى المنطقة الواقعة جنوب جبل السراة بإقليم "اليمن"، والمنطقة الواقعة شرق نجد بإقليم "العروض".
وهذه الأقاليم تتمايز عن بعضها على النحو التالي:
١- تهامة: يشمل الأرض المنخفضة، الساحلية، المحاذية للبحر الأحمر بدءا من ينبع في الشمال، إلى نجران في جنوب السعودية، وسميت تهامة بتهامة لشدة حرها وركود ريحها، كما تسمى "الغور" لانخفاض أرضها بالنسبة لغيرها.
٢- الحجاز: ويتكون من عدد من الوديان التي تتخلل جبال السراة المتدة من الشام شمالا إلى نجران جنوبا، وسميت بالحجاز لأنها تحجز تهامة عن نجد، وفي هذا الإقليم تقع مدينتا "مكة" "والمدينة"، ويرتبط هذه الإقليم بالبحر الأحمر بعدة طرق عرضية كما يرتبط بسائر الجهات.
_________________
(١) ١ يسمي العرب بلادهم بـ"جزيرة العرب" على سبيل التجوز؛ لأن المياه تحيط بها من ثلاث جهات فقط هي: الشرق، والجنوب، والغرب، ويحدها من الشمال بلاد الشام، والعرب يُدخلون في جزيرتهم برية سيناء، وفلسطين، وسوريا.
[ ٢٨ ]
٣- نجد: ويمتد من اليمن جنوبا، وبادية السماوة والعروض والعراق شمالا، والخليج العربي شرقا، والحجاز غربا، وسمي "نجد" لارتفاع أرضه.
٤- اليمن: ويمتد من نجد شمالا، إلى المحيط الهندي جنوبا، والبحر الأحمر غربا إلى حضرموت والشمر وعمار شرقا، وقد أقيم باليمن سد مأرب وقصر غمدان.
٥- العروض: ويشمل: اليمامة، وعمان، والبحرين، والإمارات العربية، وقطر، وسمي بـ"العروض" لاعتراضه بين اليمن، ونجد، والعراق.
وبلاد العرب صحراوية، شحيحة المياه، نادرة الزرع، إلا في بعض المناطق كالطائف واليمن؛ ولذلك اتجه الناس إلى الرعي والتنقل والتجارة؛ طلبا للرزق والمعاش، وساعدهم على ذلك تعدد الطرق المهددة التي تربط الشمال بالجنوب، والشرق بالغرب، بطرق ومسالك عديدة، وكانت الجزيرة قبيل البعثة معبر التجارات المختلفة الآتية: من وإلى الهند، وروما، والحبشة، ومصر، وغيرها.
وتعد مدينة "مكة" حاضرة الجزيرة العربية؛ لوجود الحرم بها، وقد حفظ العرب لمكة حقها، وصانوا حرمتها، وتعارفوا على الأشهر الحرم؛ لينتشر السلام في الحرم ويحج الناس إليه آمنين.
وكان العرب على اختلاف قبائلهم وأديانهم يؤمنون بأن دعوة إبراهيم -﵇- الواردة في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ ١ قد استجيبت، حتى صارت مكة التي دعا لها إبراهيم -﵇- بلدا يأمن فيه الخائف، ويشبع الجائع، وتأتيها الثمرات من كل الآفاق، ويخيب فيها الظالم، ويهلك المعتدي، وقد رأوا
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية ١٢٦.
[ ٢٩ ]
"أبرهة" يهلك أمامهم بجيشه وفيله١، عندما جاء لهدم الكعبة، وصرف الحجيج عنها إلى الـ"قليس" الذين بناه في اليمن ليقصده الناس بدل الكعبة.
وقد سمى العرب مكة بـ"ناسة" لأنها تطرد مَن يظلم فيها، كما سموها "بكة" لأنها تبك أعناق الجبابرة٢.
يقول جصاص بن عمرو بن الحارث لقومه الجراهمة: "لا تستخفوا بحق الحرم، وحرمة البيت، ولا تظلموا مَن دخله، وجاء معظما لحرمته، أو آخر جاء بايعا لسلعته، أو راغبا في جواركم، فإن فعلتم ذلك تخوفت أن تخرجوا منها خروج ذل وصغار"٣.
ومن أقوال سبيعة بنت الأحب بن عيلان توصي ولدها باحترام مكة، وبأهمية تجنب الظلم في الحرم، تقول:
ابني لا تظلم بمكـ ـة لا الصغير ولا الكبير
واحفظ محارمها بنـ ـي ولا يغرنك الغرور
ابني من يظلم بمكـ ـة يلقَ أطراف الشرور
ابني يضرب وجهه ويلح بخديه السعير
ابني قد جربتها فوجدت ظالمها يبور
الله أمنها وما بنيت بعرصتها قصور
والله آمن طيرها والعصم تأمن في ثبير
ولقد غزاها تبع فكسا بنيتها الحبير
وأذل ربي ملكه فيها فأوفى بالنذور
والفيل أهلك جيشه يرمون فيها الصخور
_________________
(١) ١ أخبار مكة للأزرقي ج١ ص١١٣. ٢ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص١٢٦. ٣ عبقرية خالد ص١٧.
[ ٣٠ ]
فاسمع إذا حدثت وافـ ـهم كيف عاقبة الأمور١
إن هذه المرأة العربية تشير في نصيحتها تلك إلى مقام مكة في ضمير أبنائها، والعرب جميعا منذ القديم.
وقد اعتبر العرب مكة حاضرتهم ومقصدهم؛ ولذلك سموها بأم القرى.
وقد ازدادت أهمية "مكة" بعد الإسلام بمبعث محمد ﷺ فيها، وشروق الإسلام من بين جنباتها، وتَوَجُّهِ المسلمين في كافة أنحاء الكون إليها، قاصدين الكعبة في صلواتهم وحجهم.
_________________
(١) ١ السيرة النبوية لابن هشام ج١ ص٢٦، يبور: يهلك، وثبير: اسم جبل بمكة، بنيتها: الكعبة.
[ ٣١ ]
٢- الأوضاع السياسية والاجتماعية والأخلاقية عند العرب:
اختلفت الأقاليم العربية في أنظمتها السياسية، وأوضاعها الاجتماعية والأخلاقية.
ففي إقليم اليمن قامت مملكة "حمير الثانية" التي ضمت إلى سلطانها مناطق كثيرة، وكان مكلها يسمى بملك "سبأ، وذي ريدان، وحضرموت، ويمنات، وعربهم في الجبال، وفي تهامة"١.
وكان هذا الإقليم محل صراع وتنافس بين الفرس والروم خلال القرن السادس الميلادي..
حكمهم "ذونواس" الحميري وكان يهوديا متعصبا، حاول فرض يهوديته على أهل نجران النصارى، فلما أبوا خد لهم أخدودا، وأحرقهم بالنار، وأعمل فيهم السيوف، فاستنجدوا بإمبراطور الروم، فأعانهم بجيش نصراني حبشي بقيادة "أبرهة" قوامه سبعون ألف جندي، فقضى على دولة "حمير" الثانية٢ وسار في اليمنيين بجبروته وطغيانه حتى ملوا من ظلمة وعدوانيته، وبخاصة بعدما بني "القليس" ليصرف العرب إليها، ويهجروا الكعبة الموجودة بمكة، فاستعان اليمنيون بالفرس الذين أسسوا دولة لهم بقيادة "وهرز" الفارسي، وقد استمرت هذه الدولة حتى ظهور الإسلام.
وقد سار ملوك اليمن التابعين للفرس أو للروم على نظام سياسي واحد، قائم على وراثة الحكم بين الأبناء والإخوة، وكان يساعد الملك مجلس من شيوخ
_________________
(١) ١ عصر ما قبل الإسلام ص٧٩. ٢ سيرة النبي ﷺ لابن هشام ج١ ص٣٦.
[ ٣٢ ]
القبائل، يتولون شئون الأقاليم؛ حيث يرأس كل قبيلة شيخها على أن يقدم الأموال التي يكلف بجمعها إلى حاكم اليمن.
وكان المجتمع في اليمن ينقسم إلى طبقات أربع هي:
١- طبقة الجند: وتتكون في أغلبها من جنود الفرس أو الروم.
٢- طبقة الفلاحين: وهم الذين يقومون بالزراعة والرعي.
٣- طبقة الصناع: وهؤلاء يقومون بالصناعات المطلوبة التي يحتاجها الناس.
٤- طبقة التجار: وهم جماعات في المدن والقبائل كثيرو السفر والتنقل.
وقد أدى الثراء المادي في إقليم اليمن إلى تعاون الناس، وإلى قيام حضارة مزدهرة، وإلى بعدهم عن الشحناء والتحارب، كما ساعدهم على الحركة وركوب البحر، والانتقال إلى أقاليم العالم المختلفة، وكانوا دائما حلقة وصل بين العرب وسائر الأمم في الشرق أو الغرب أو الشمال أو الجنوب، وكان لهم نشاطهم الواسع من أقاليم الجزيرة الغربية، وقبيل ظهور الإسلام تأثر اليمنيون بحادثة محاولة أبرهة هدم الكعبة وبناء القليس، وشعروا بأن هذا يتعارض مع مشاعرهم القومية، ويتناقض مع توجه عرب الجزيرة جميعا إلى الكعبة بيت الله تعالى الذي بناه إبراهيم وإسماعيل ﵉.
وقد تبدلت أوضاعهم الاقتصادية بهدم سد مأرب؛ بسبب بغيهم، وظلمهم، وإعراضهم عن الحق والصواب، يقول الله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ، ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ ١ وهكذا انقلبت أوضاعهم، وعاشوا في اضطراب وضجر حتى جاء الإسلام.
_________________
(١) ١ سورة سبأ الآية ١٦، ١٧.
[ ٣٣ ]
وفي شمال الجزيرة العربية؛ حيث قرب قبائلها من الفرس والروم، تأسست مملكتان، هما: مملكة الحيرة في الشرق تابعة للفرس، ويحكمها المناذرة، ومملكة الغساسنة في الغرب تابعة للروم.
وقد اتخذ الفرس والروم هاتين المملكتين حائلا بشريا لكل منهما، يتقي به هجوم الدولة الأخرى.
وقد تشبه ملوك العرب في كل دولة بأسيادهم، وساند كلا منهم جيش كبير مدعوم من الفرس أو من الروم.
وكثيرا ما قامت الحروب بين الغساسنة والمناذرة، وبذلك تحقق للدول الكبرى ما أرادت؛ حيث كان الصدام بين العرب والعرب، ولم يقع صدام بين الفرس والروم بصورة مباشرة.
إلا أن هذا الحال أدى في الوقت نفسه إلى عدم العدوان على داخل الجزيرة العربية؛ حيث لا مطمع لأحد من الفرس أو من الروم فيها؛ لأنها بدت في نظرهم أماكن صحراوية، متباعدة، خالية من الخير والنفع، وتحتاج لجهد كبير من أجل السيطرة عليها.
وأما أقاليم نجد والعروض والحجاز وتهامة، فقد عاشت حياة بدوية، تعتمد على الرحلة والتنقل ما عدا أهل مكة والمدينة والطائف، فقد سكنها أهلها وعاشوا حياتهم بين الحضارة والبداوة، فقد أخذوا الحضارة من الحجاج والزوار والتجار، وتمسكوا ببداوتهم التي ورثوها، وعاشوا نظامهم عليها.
ومن هنا كان لهم شيء من الحضارة، ففي مكة أنشأ "قصي بن كلاب" نظاما سياسيا، فأسس دارا سماها "دار الندوة" وجعل بابها يؤدي إلى الكعبة، وخصصها لاجتماع كل من بلغ أربعين سنة، متمتعا بالحكمة، والفصحاة، وتدبر الأمور من أهل مكة، ولا يستثنى من شرط السن فقط إلا أبناء قصي١.
_________________
(١) ١ أخبار مكة ج١ ص٦١.
[ ٣٤ ]
حمل قصي قومه على دفع ضربية سنوية تسمى بـ"الرفادة".. ينفق منها على الحجيج، ضيوف الله، فهم أحق الناس بالكرم.
وقد اتفق القرشيون فيما بينهم -منذ عهد قصي- على توزيع مناصب المسئولية العامة، على مختلف القبائل، مع استقلال كل قبيلة بشئونها١.
استمر هذا النظام إلى ظهور الإسلام؛ حيث كانت توزع المناصب على النحو التالي:
١- الحجابة والسدانة: والمقصود بها حراسة مفاتيح الكعبة، وكانت في بيت "عبد الدار".
٢- السقاية: وهي الإشراف على بئر زمزم، وكانت في بيت هاشم.
٣- الديات: وتسمى الأشناق، وكانت في بيت "تيم".
٤- السفارة: وتختص بالبت في الصلح، وكانت في بيت "الخطاب".
٥- اللواء: وحامله هو كبير القواد إذا هوجمت مكة، وكان في بني أمية.
٦- الرفادة: وهي الإشراف على جمع الأموال، وكانت لـ"عبد المطلب".
٧- الندوة: وهي الإشراف على دار الندوة، وكانت لأبناء عبد العزى.
٨- الخيمة: وهي حراسة دار الندوة وتولاها بنو مخروم.
٩- الخازنة: وهي إدارة أموال الكعبة وكانت لبني كعب.
١٠- الأزلام: وهي الاستخارة لمعرفة رأي الآلهة في القضايا العامة، وكانت في بني أمية٢.
وقد أرضى هذا التقسيم قبائل مكة، فعاشوا في استقرار وتعاون، واستقلت كل قبيلة بشئونها ونشاطها وحركتها.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص١٣٨. ٢ عصر ما قبل الإسلام ص١٧٨.
[ ٣٥ ]
وظهرت في الجزيرة طبقات اجتماعية متعددة أهمها:
١- الصرحاء: وهؤلاء يتكونون من أبناء القبائل المعروفين بانتسابهم إلى آبائهم الموالين لهم ولقبيلتهم.
٢- العبيد والموالي: وهم الأسرى الذين ملكتهم القبائل، أو الرقيق المشترون، أو الموالي الذين لجئوا إلى القبيلة، أو المحرر من العبيد.
٣- الصعاليك: وهم الأحرار الذين فروا من قبائلهم، واجتمعوا في الصحارى، وكوَّنوا مجتمعات جديدة معارضة لقبائلهم الأولى، وتعتمد على السلب والنهب١.
وأغلب نشاط العرب قائم على الرعي والتجارة، وبخاصة بعد أن نظم هاشم بن عبد مناف رحلتي الشتاء والصيف، وعقد محالفات عدة، ضمنت الأمن للتجار، كما أخذ الأمن "الإيلاف" من القبائل المنتشرة على الطرق في مختلف أرجاء الجزيرة.
وقد استفاد أهل مكة من الحركة التجارية كثيرا؛ لأن التجارة مدرسة تعلم السياسة، والكياسة، وحسن الجوار، وعمق الفهم، فتعلموا من الحيرة القراءة والكتابة، وأخذوا من الروم السياسة، ونقلوا من الفرس ما للسلطة من سيادة وطاعة.
وفي يثرب كثرت الآبار، والأشجار، واعتدل ريحها عن مكة، سكنها اليهود منذ القرون الأولى بعد الميلاد، ونزل عليهم الأوس والخزرج، وكان لكل من اليهود والأوس والخزرج وضع خاص ونظام معين، فاليهود انطووا على أنفسهم واهتموا بالزراعة والتجارة وتحصين المساكن، خاصة وأنهم رأوا قبيلتي الأوس والخزرج في قتال دائم جعلهما يقدمان شبابهما وأموالهما للحروب الطويلة المستمرة بينهما، وأغلب أيام العرب كانت في يثرب.
_________________
(١) ١ الشعراء الصعاليك ص١٠٣-١٠٦ بتصرف.
[ ٣٦ ]
وقد أدت هذه الحروب إلى اضطراب الحياة في المدينة، فاقتصادهم مهلهل، وأفراد القبائل كلهم محاربون، ورؤساء القبائل لا يعدون إلا للحرب، وطالت الأيام بين الأوس والخزرج مما جعلهم ينتظرون الخلاص من هذا التنافس، وقد حاولوا أن يتوجوا "عبد الله بن أبي الخزرجي" ملِكا عليهم يخضع له الجميع، لكنهم فوجئوا بالبعثة المحمدية في مكة فوجهوا أملهم إليها.
وأما الطائف فإنها تتمتع بخصوبة التربة، وجودة المناخ، وحسن الثمر١، وجمال الموقع؛ حيث يمر بها الطريق التجاري القادم من الجنوب، وترتبط بمكة وبالمدينة بأكثر من طريق، وقد نشأت بها صناعات عديدة وإن كانت بدائية، كل هذا جعل أبناء الطائف يتمتعون بما فيها، فعاشوا في رغد ورفاهية، مع تمسكهم ببداوتهم فكانوا يرعون الإبل والغنم ويهتمون بالزراعة، وكانت القبيلة هي النظام السائد فيها؛ حيث يدير شئونها رؤساء القبائل بالتشاور فيما بينهم، وقد قام بالطائف نظام يشبه المزارعة في العصر الحديث؛ إذ تنازل "بنو عامر" وهم البدو المجاورون للطائف عن أرضهم، وسلموها لمن يعمرها ويحييها بالغرس والزراعة، على أن تنقسم الثمار بينهم نصفين٢، وقد اكتسبت الطائف شهرة عظيمة عند ظهور الإسلام.
وأما سكان المناطق الصحراوية في وسط الجزيرة، فهم مجموعة من القبائل الرُّحَل يتولى شئونهم مشايخهم بلا دولة أو جند أو حصون٣.
وعاشت هذه المناطق الجدب والحر وقلة المطر، وكان أهلها دائما في تنقل وراء رعيهم ومعايشهم٤.
وعاش أهل هذه البوادي حياة فقيرة؛ لبعدهم عن رحلات التجارة، وخلو
_________________
(١) ١ مراصد الاطلاع ص٢٦٥. ٢ معجم ما استعجم، البكري ج١ ص٦٥، ٦٦. ٣ العرب قبل الإسلام ص٢٤٠. ٤ الشعراء الصعاليك ص٦٢.
[ ٣٧ ]
مواطنهم من المياه، وقد أدى الفقر الشنيع بهم إلى قتل أولادهم أو بيعهم؛ ليستعينوا بأثمانهم على مطالب الحياة١.
وكان مجال العمل أمام البدو ضيقا جدا؛ لأن الخير فوق رمال الصحراء القاحلة نادر، ومن هنا لم يكن أمامهم إلا أن يعملوا للأغنياء في رعي الإبل، أو في خدمتهم، فإن أبت ذلك نفوسهم تحولوا للغزو والإغارة٢.
وقد وقعت بين قبائل البدو المتناثرة في الجزيرة حروب ومنازعات هي أيامهم، ورغم كثرتها فإن الدم لم يرق فيها كثيرا؛ لأن البدوي لم يكن يرمي إلى سفك الدماء بلا مبرر٣، وكثيرا ما كانت هذه المنازعات بسبب دفاع البدوي عن خلق كريم، أو رد لظلم واضح، وتعتبر "حرب البسوس" وهي أطول حروبهم صورة رائعة لاحترام البدوي لواجب الضيافة المقدس٤ عند العرب ودفاعه عن الأضياف، وقد اشتهر البدوي بالشجاعة والكبرياء منذ القديم، وقد أكسبتهم الصحراء بما فيها من مخاطر صفات جعلتهم أشجع من الحضر٥، وعوَّدتهم الاعتماد على أنفسهم.
وكان لعرب الجزيرة تصرفات أخلاقية راقية، فالوفاء بالوعد صفة بارزة لا تنقض؛ حيث يرون أن الغدر من كبائر الأمور، ذكروا أن الحارث بن عباد مر على عدي بن ربيعة، وهو قاتل أبيه في يوم "قضه" وكان يبحث عنه ليثأر منه لأبيه فلما لقيه وهو لا يعرفه قال له: "دلني على عدي بن ربيعة.
فأجابه عدي: إن دللتك عليه أتؤمنني؟!
قال الحارث: نعم.
_________________
(١) ١ الكامل للمبرد ج٢ ص٢٧٨، ٢٧٩. ٢ الشعراء الصعاليك ص١٤٧. ٣ الدولة الإسلامية وإمبراطورية الروم ص١٨. ٤ سيرة النبي ﷺ لابن هشام ج١ ص٢٠٠. ٥ ابن خلدون المقدمة ج١ ص١٢٥.
[ ٣٨ ]
فقال له عدي: أنا عدي بن ربيعة. فخلاه"١؛ احتراما لكلمته، ووفاء بوعده.
وكانوا أهل حِلْم ولين، ويكفيهم عند الغضب كلمة يقولونها فتهدأ تاثرتهم وهي: "إذا ملكت فاسجح"، وما حروبهم إلا لحماية المنزلة، والمحافظة على المجد والشرف، وكانوا يتحرزون عن سفك الدم بقدر إمكانهم؛ ولذلك ندر عدد القتلى في معاركهم، ففي يوم "شمطة" وهو أول أيام الفجار لم يقتل أحد من قريش، كذلك لم يقتل أحد من بني بكر بن عبد مناف، وفي يوم "الشعب" وكان أهله ثلاثين ألفا، وكان أعداؤهم أضعاف ذلك، في هذا اليوم لا يقتل إلا رجل من كل طرف٢، ولم تكن الحرب تقوم أو تتوقف، إلا بعد أن يجتمع أهل الحل والعقد من القبائل؛ ليقرروا ما يستقر عليه الأمر٣.
وأما سخاؤهم وكرمهم فهو مضرب الأمثال، ويكفي أنهم كانوا يوقدون نارا تسمى "نار القِرَى" توقد لاستدلال الأضياف بها على المنزل، وكانوا يوقدونها على الأماكن المرتفعة لتكون أشهر، وكثيرا ما أوقدوا معها عطرا يطير مع الريح ليهتدي إليها العميان٤.
وقد اشتملت أخلاقهم على صرامة وجدية، والناظر لأسباب حرب الفجار وقيام حلف الفضول، يدرك ذلك.
إن سبب حرب الفجار كان قتل رجل في الحرم٥، الأمر الذي أدى إلى ثورة القبائل وتجمعها في مواجهة من فجر في الأشهر الحرم؛ لتنتقم للقتيل، ولتبقى درسا بعدها لكل من يفكر في هتك حرمة مكة أو التعدي في الأشهر الحرم، وحتى لا يفجر
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب ج١ ص١٣٦. ٢ بلوغ الأرب ج١ ص٧٠، ٢٦٨. ٣ بلوغ الأرب ج١ ص٢٧١. ٤ سيرة النبي ﷺ لابن هشام ج١ ص١٩٩. ٥ سيرة النبي ﷺ لابن هشام ج١ ص١٩٩.
[ ٣٩ ]
أحد بعد ذلك في الحرم ويظلم غيره.
وأيضًا فإن قيام حلف الفضول كان لصيانة حقوق المظلومين الضعفاء وضرورة الانتصار لمن وقع عليه عدوان من أهل مكة، أو من يقصدها من العمار والزوار.
إن حلف الفضول يتميز بنُبْل الهدف، وروعة الطريقة، والتجرد الكريم من الأنانية والذاتية؛ ولذلك مدحه النبي ﷺ بعد ذلك، وقال عنه: "لو دُعيت إليه في الإسلام لأجبت" ١؛ لأنه يلتقي مع غايات الإسلام ومراميه.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ﷺ لابن هشام ج١ ص١٤٤.
[ ٤٠ ]
٣- أوضاع العرب الدينية:
يشير ذلك الحشد الهائل للأصنام التي شيدها العرب وأقاموها حول الكعبة وفي جوفها إلى وجود عقيدة دينية، وانتشار أفكار مقدسة عند العرب جميعا، فلقد وُجد يوم فتح مكة حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما١.
يمثل هذا العدد بكثرته آلهة القرشيين الثابتة عند الكعبة وفي جوفها؛ حيث كان يأتيها أصحابها للطواف حولها بين الحين والحين، وكانت كل قبيلة تعرف صنمها الذي تعبده عند الكعبة، أما ما وراء هذا العدد فهو كثير بعضه أقيم في البيت وبعضه في مكان العمل، والبعض الآخر ينتقل مع قوافل السفر، وكان لأهل كل بيت صنم يعبدونه٢ وينحتون على صورته أصناما صغيرة يصطحبونها معهم في الرحلة والسفر، ويلازمونها حتى يعودوا إلى مكة٣.
وقد اشتهر العرب بتقديسهم لما اتخذ من حجر، أيا كان شكله، فمنهم من اتخذ بيتا، ومنهم من اتخذ صنما، ومن كان يعجز منهم على بناء البيت واتخاذ الصنم ينصب حجرا في مكان يستحسنه، ثم يطوف به ويسميه النُّصُب٤، ومن بيوت العرب المقدسة "يرئام" وكان بيتا لأهل اليمن يعظمونه وينحرون عنده٥، ومنها "رضاء" وكان بيتا لبني ربيعة بن كعب٦.
ومن أصنامهم "هبل" وهو أول صنم أقيم في الكعبة بعد أن أحضره عمرو
_________________
(١) ١ أخبار مكة ج١ ص٧٠. ٢ الأصنام ص٣٣. ٣ الأصنام ص٦. ٤ الأصنام ص٧. ٥ ابن هشام ج١ ص٢٤. ٦ ابن هشام ج١ ص٩٢.
[ ٤١ ]
ابن لحي من "مآب" ونصبه على البئر الذي حفره إبراهيم -﵇- في جوف الكعبة، وأمر الناس بعبادته فعبدوه، وكانوا ينادونه "يا إلهنا"١، وكان من تقديس أهل مكة لـ"هبل" أن أظهروه في المشاكل الكبرى، حتى أنهم هتفوا باسمه لما رأوا أنفسهم انتصروا على المسلمين في يوم أُحُد٢.
ومع أن "هبل" هو أقدم الأصنام فإن قريشا ومَن سكن مكة كانت تعظم "العزى" أكثر من "هبل" وبعدهما "مناة".
وقد أشار الكلبي إلى أن "مناة" أقدم الثلاثة، وهي المنصوبة ناحية البحر عند المشلل والمتمتعة بتعظيم العرب جميعا، وكان الأوس والخرزج أكثر تعظيما له واختصاصا به.
وذكر الكلبي أيضا أن "اللات" أخذت من مناة، وكان تعظيمه عند أهل الطائف أكثر، و"العزى" أحدث الثلاثة، وهي شجرة بوادي نخلة قرب مكة، ولها منزلة خاصة وفريدة عند أهلها؛ فهي أعظم الأصنام عند قريش جميعا، يزورونها، ويهدون إليها، ويذبحون عندها٣.
وقد تقسمت القبائل أصناما عدة، واختصت كل قبيلة بصنم، وعلى سبيل المثال نرى أن هذيلا اتخذت سواعا، وكلبا اتخذت ودا، وأنعم وأهل جرش اتخذت يغوث، وحيوان اتخذت يعوق، وحمير اتخذت نسرا، وطيئ اتخذت الفلس، وبنو الحارث اتخذت ذا الشرى٤.
وهكذا توزعت الأصنام على القبائل، وليس المجال هنا لحصرها، فما هي إلا نماذج نعرف منها دين العرب، ومعتقدها قبل الإسلام.
_________________
(١) ١ أخبار مكة ج١ ص٦٨. ٢ سيرة ابن هشام ج٢ ص٣٧. ٣ الأصنام ص١٣-٢٧. ٤ سيرة النبي ج١ ص٨٣-٩١، الملل والنحل ج٢ ص٢٤٧.
[ ٤٢ ]
وقد عظَّم العرب أصنامهم بأشكال متعددة، فكانوا يسمون أولادهم باسمها فباسم "مناة" سمى تميم بن مر ابنه "زيد مناة بن تميم"، وباسم اللات سمى ثعلبة بن عكابة ابنه "تيم اللات"، وباسم العزى سمى كعب بن سعد ابنه "عبد العزى"، وحمل عوف بن عذرة "ودا" معه إلى دومة الجندول وسمى ابنه "عبد ود".
وكانوا يذبحون ذبائحهم عندها، ويهدون لحومها مَن حضر عند الصنم، ويأتونها بالهدية والزيارة١.
وكانوا يهتمون بالتمسح بها، فإذا أراد أحدهم السفر كان آخر ما يصنع في منزله أن يتمسح بالصنم، وإذا رجع كان تمسحه بالصنم أول ما يفعله، وكانت الحائض لا تقربه، ولا تتمسح به، بل تقف بعيدا عنه حتى ينتهي حيضها٢.
وكانوا يحلقون رءوسهم عنده، ويلقون حوله شعرهم، ومعه كمية من دقيق.
وكانوا يحلفون به، يقول عبد العزى بن وديعة المزني:
إني حلفت يمين صدق برة بمناة عند محل آل الخزرج
ويقول أوس بن حجر:
وباللات والعزى ومن دان دونها وبالله إن الله منهن أكبر٣
وكانوا يصطحبون أصنامهم معهم في الحروب، فنرى العربي في يوم "أحد" يستغيث ويستنصر بـ"هبل"٤، وكان أبو سفيان في هذه الغزوة يحمل اللات والعزى، وكانوا يستهمون عند الصنم، ويضربون الأقداح لديه في شئون كثيرة كالعقل إذا اختلفوا فيمن يتحمله، ولعمل ما: أيفعل أم يترك؟ يقول ابن هشام٥: كانوا إذا
_________________
(١) ١ الأصنام ص١٨، ٥٥، ١٣، ١٦، ٣٤، ٥٩. ٢ أخبار مكة ج١ ص٦٦. ٣ الأصنام ص٤٨، ١٤، ١٧. ٤ تاريخ الرسل والملوك ج١ ص١٣٩٥. ٥ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص١٦٥.
[ ٤٣ ]
أرادو أن يختنوا غلاما، أو ينكحوا منكحا، أو يدفنوا ميتا، أو شكوا في نسب أحدهم ذهبوا به إلى هبل، وأجروا القداح، ونفذوا المراد.
ولقد أشار الأزرقي إلى أن عباة الحجر نشأت في بني إسماعيل بسبب تعلقهم الشديد بالحرم وبمكة، لدرجة أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن إلا احتمل معه من حجارة الحرم تعظيما للحرم، وصبابة بمكة، وبالكعبة، وحيث ما حلوا وضعوا هذا الحجر أمامهم؛ ليبقى رمزا لبيت الله في غيبتهم عن مكة، ويطوفون به كطوافهم بالكعبة، وظلوا على ذلك حتى عبدوا ما استحسنوا من الحجارة١.
ولعل هذه البداية سهلت للعرب تقدير الرمز نيابة عن أصله، وجعلوا ذلك مبدأ ينطبق على كل الأصنام مهما كانت بدايتها، وهو الذي جعلهم يتقبلون ما أتى به عمرو بن لحي من أصنام، حين أحضرها من بلاد الشام لقومه، ونصبها عند الكعبة، وذكر لهم أنها تنزل المطر، وتنصر في الحروب، وأمرهم بعبادتها فعبدوها٢، وهو الذي أمرهم كذلك بعبادة إساف ونائلة، هذين الصنمين اللذين كانا في الأصل رجلا وامرأة فجرا في الكعبة فمسخا حجرين للازدجار والعظة، ولكنهما بتقادم العهد صارا صنمين، فلما أمر "عمرو بن لحي" بعبادتهما عُبدا٣.
وقد كان العرب لهذا المبدأ يستحسون بعض أصنامهم مع علمهم أنها في الأصل صورة لقوم صالحين، معظمين من قومهم السابقين؛ لكنهم مع طول العهد تأولوا وقالوا: ما عظم الأولون هؤلاء إلا وهم يرجون شفاعتهم عند الله، فعبدوا صورهم، وعظموا أمرهم، واشتد كفرهم٤ وما عبدوا الصورة إلا لاعتقادهم أنها رمز يستشفعون به نيابة عن صاحبه.
_________________
(١) ١ أخبار مكة ج١ ص٦٧. ٢ الأصنام ص٨، أخبار مكة ج١ ص١٢٥. ٣ أخبار مكة ج١ ص٤٤، ٦٩. ٤ الأصنام ص٥١، ٥٢.
[ ٤٤ ]
وكان تعلق العربي الشديد بصنمه يشير إلى ارتباط عجيب معه، وتحمس من أجل دوام عبادته، فلقد دخل أبو لهب على أبي أحيحة "وهو سعيد بن العاص بن عبد شمس" وهو في مرضه الذي مات فيه فوجده يبكي فقال له: ما يبكيك؟ أمن الموت تبكي ولا بد منه؟!
قال: لا، ولكني أخاف أن لا تُعبد العزى بعدي.
فقال أبو لهب: والله ما عبدت حياتك لأجلك، ولا تترك عبادتها بعدك لموتك.
فقال أبو أحيحة: الآن علمت أن لي خليفة١.
ويبدو أن العرب كانت تعتقد أن لهذه الأصنام أثرا جعلهم يتمسحون بها ويطلبون نصرها ويرحلون بها، ويرون أن الاصنام احتوت روحها التي صورت في الأصل على شاكلتها، ولولا الروح التي احتوت ما كانت تستحق شيئا٢.
من ذلك ما عرف من "اللات" فإنها كانت في الأصل صخرة يجلس عليها رجل يلت السويق، فلما مات اعتقدوا أن روحه تقمصت الحجر وسكنته، فاتخذوه إلها هو اللات، ومنه ما عرف عن "العزى" فإنها ثلاث شجرات اعتقد العرب أن الجن سكنتها، وأن التأثير فيها للجن الساكن فيها٣.
وعلى الجملة كانت العرب تعتقد أن لكل صنم شيطانا، فمن عبد الصنم قضى الشيطان حوائجه بأمر الله الأكبر، وإلا أصابه الشيطان بنكبة عظيمة٤، وأكد لهم هذا الاعتقاد ما كانت تصدره بيوتهم المقدسة بفعل الريح، أو بفعل الكهنة من أصوات خفية، جعلتهم يصدقون أن الأرواح والشياطين تكلمهم٥.
_________________
(١) ١ الأصنام ص٢٣. ٢ أخبار مكة ج١ ص٤٤، ٦٩. ٣ تاريخ العرب قبل الإسلام ج٥ ص٣٤. ٤ بلوغ الأرب ج٢ ص١٩٧، ١٩٨. ٥ الأصنام ص١٢.
[ ٤٥ ]
ورغم صور تعظيم الأصنام السابقة، وعقيدة العرب فيها، رغم ذلك لم تنشأ طبقة كهنوتية لها مميزاتها وخصائصها، كما حدث في البلاد الأخرى، بل بقي كهنة العرب بين الناس كأحدهم، يقومون بسائر الأعمال، ويشتركون في الحروب.
كذلك لم يحدث صراع من أجل الأصنام رغم تعددها، ولم تحاول قبيلة ما ضم أخرى لتعبد صنمها، بل وجدنا العكس، فالقبيلة تقدس صنمها، وفي نفس الوقت تحترم أصنام الآخرين، ولكنها لا تتقرب إلا إلى صنمها.
كذلك لم تنشأ لدى العرب عاطفة دينية تربطهم بالأصنام ربطا نفسيا، فيه الحماس والاندفاع، ومعه الغيرة والانفعال؛ ولذلك نراهم يتركون أصنامهم في الكعبة يوم قدوم أبرهة، ولا يفكرون إلا في البيت وحده دون معبوداتهم.
ولعل تفسير ذلك هو اعتقادهم أن كل هذه المقدسات من بيوت وأصنام ونُصُب ما هي إلا آلهة صغرى فوقها إله أكبر هو الخالق للجميع، وما عبادة المظاهر الطبيعة المادية إلا لتكون قُربى لله الأكبر؛ لأنه هو المالك لكل الآلهة الصغرى، وهو رب الحرم وحاميه، كانت التلبية السائدة عندهم تشير إلى أن الله هو المالك للأصنام، فهم يقولون فيها: "لبيك الله لبيك، لبيك لا شريك لك، إلا شريكا هو لك، تملكه وما ملك"، وهكذا كانوا يوحدون الله في التلبية، ويدخلون معه آلهتهم، ويجعلون ملكها بيده١.
وأيضا فإنهم يوم قدوم "أبرهة" تركوا مكة، ورحلوا عنها إلى شعاب الجبل المحيطة بها، على أمل أن ينقذ رب الحرم حرمه، ولم ينتظروا معونة من هبل، أو اللات، أو غيرهما، ولم يفكروا في إنقاذها هي نفسها من الهدم والتكسير، يروي ابن هشام أن عبد المطلب لما أمر قريشا بالخروج من مكة أخذ بحلقة باب الكعبة وهو يقول:
_________________
(١) ١ الأصنام ص٧.
[ ٤٦ ]
لا هم إن العبد يمنع رحلة فامنع حلا لك
لا يغلبن صليبهم ومجالهم عدوا مجالك
إن كنت تاركهم وقبلـ ـتنا فأمر ما بدا لك
ولما حدثت المناقشات بين أبرهة وعبد المطلب، وقال أبرهة متسائلا: تسألني عن الإبل، وتترك البيت الذي هو دينك ودين آبائك، أجاب عبد المطلب: أما الإبل فهي لي، وأما البيت فله رب يحميه١، ولم يرد ذكر للأصنام في حوار عبد المطلب وأبرهة.
وقد كان العرب يذبحون وينحرون ويتقربون إلى الأصنام، وهم مع ذلك عارفون بفضل الكعبة ورب الكعبة، يقول أوس بن حجر:
وباللات والعزى ومَن دان دونها وبالله إن الله منهن أكبر٢
يرى "ورنركاس" أن الله هو الإله الذي كان فوق آلهة القبائل جميعا؛ ولهذا ذكره شعراء مختلف القبائل؛ لأنه لا يختص بقبيلة واحدة٣، فهذا أمرؤ القيس في معلقته يقسم بالله فيقول:
فقالت يمين الله ما لك حيلة وما أن أرى عنك الغواية تنجلي
ونراه يذكر الله بالحمد فيقول:
أرى إبلي والحمد لله أصبحت ثقالا إذا ما استلهمتها صعودها
ويقول عبيد بن الأبرص:
حلفت بالله أن الله ذو نعم لمن يشاء وذو عفو وتصفاح٤
ويقول زهير بن أبي سلمى:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج١ ص٥١. ٢ الأصنام ص١٧. ٣ الشعراء الصعاليك ص٣٠٥. ٤ نفس المرجع ص١٩٧، ٢٩٨.
[ ٤٧ ]
وهكذا نراهم يعرفون الله بأنه الخالق، القادر، المدبر، الحكيم، المسخر لكل شيء في الوجود، وقد سجل القرآن الكريم لهم هذه المعرفة بقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ١، وبقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٢، وبقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ ٣، وبقوله: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَتَّقُونَ﴾ ٤، وبقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ٥، فهم يعرفون أن الخالق هو الله، ومسخر الفلك هو الله، ومنزل المطر ومحيي الأرض هو الله، وهو المالك لكل شيء.
وهذه النظرة إلى الله بما فيها من قداسة وسمو، لم تصل إلى التوحيد الخالص بسبب انعدام التعاليم الثابتة، الأمر الذي جعلهم يبحثون عن واسطة تربطهم بهذا الإله الأعلى، ويبدو أن "ابن لحي" كان يتمتع بعقلية فذة استغل بها الوضع القائم، فقدم العرب الأصنام كرمز على شيء آخر عظيم، ولتكون واسطتهم إلى الله فعبدوها وقالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، لدرجة أن بعض الجاهلين كانت أصنامهم على صورة تخيلوها للملائكة؛ لاعتقادهم أن الملائكة ذو منزلة عند الله، فهم أَوْلَى أن يكونوا واسطتهم إليه٦.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت آية ٦١. ٢ سورة العنكبوت آية ٦٣. ٣ سورة المؤمنون الآيتان ٨٤، ٨٥. ٤ سورة المؤمنون الآيتان ٨٦، ٨٧. ٥ سورة لقمان آية ٢٥. ٦ بلوغ الأرب ج٢ ص١٩٧.
[ ٤٨ ]
ومما زاد من ضلال نظرة العرب في الواسطة ما كانوا يسمعون من أصوات تصدر من الأصنام والبيوت، ومن رؤيتهم لخيالات الجن قرب معبوداتهم؛ وبذلك تأكدت فكرتهم عن الواسطة، وبمرور الأيام أصبحت هذه الفكرة عقيدة أساسية وما استبعدوا أن يكون الرسول بشرا إلا لاستحالة اتصال البشر بالله من غير واسطة في نظرهم، وكأنهم كانوا يريدون واسطة بين الرسول والله، من نوع معبوداتهم الموضوعة عند الكعبة وحولها، رغم صغر مساحتها لتكون في رعاية الله الأكبر، وعلى مقربة منه.
وكانت هذه العقيدة وذاك الخلط يعيشان عادة عند العرب، فهم يحجون الكعبة، ويطوفون بها، وبعدها يختمون حجهم بالتقرب للصنم، فيحلقون رءوسهم عنده، ويذبحون عتائرهم أمامه١، ويبدو أن سبب ذلك هو بقايا من مناسك دين إبراهيم -﵇- تقادم بها الزمن فشابتها بعض العبادات المبتدعة، هذه البقايا جعلتهم يعظمون البيت، ويطوفون به، ويحجون، ويعتمرون، ويقفون بعرفة، ويهلون بالحج والعمرة٢.
ولعل في تسمية مكة "أم القرى" على الرغم من وقوعها في وادٍ غير ذي زرع إشارة إلى اهتمام العرب بقداسة الكعبة، أول بيت وضع للناس، وأحد مواريث إبراهيم ﵇.
وقد سخر بعض عقلاء العرب من هذا الخلط فنظروا إلى مسلك أقوامهم مع الأصنام فوجدوه لهوا لا يفيد، وعبثا من غير فكر دقيق، وعندئذ أخذوا يلتمسون الصواب في الدين.
ولقد حكى ابن هشام عن أربعة منهم هم: ورقة بن نوفل، وعبيد الله بن جحش، وعثمان بن الحويرث، وزيد بن عمرو بن نفيل، وأنهم اجتمعوا في عيد لهم
_________________
(١) ١ أخبار مكة ج١ ص٧٣. ٢ الأصنام ص٦.
[ ٤٩ ]
عند صنم من أصنامهم، فقال بعضهم لبعض: تعلموا والله ما قومكم على شيء، لقد أخطئوا دين أبيهم إبراهيم، ما حجر نطيف به لا يسمع، ولا يبصر، ولا يضر، ولا ينفع، ويا قوم التمسوا لأنفسكم، فإنكم والله ما أنتم على شيء١.
وقد وقف "قس بن ساعدة الإيادي" قبيل البعثة بسوق عكاظ، وقال: "أيها الناس، اسمعوا وعوا، فإذا وعيتم فانتفعوا، إنه من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض لعبرا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لن تغور، ليل داج، وسماء ذات أبراج، أقسم قسما، حقا حتما، لئن كان في الأرض ليكونن بعده سخطا، وأن الله عزت قدرته دينا أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه"٢.
وهكذا وصل فكر هؤلاء النفر إلى أن ما عليه قومهم ليس شيئًا يذكر، وأن دين الله الحق هو من نوع ما جاء به إبراهيم فبحثوا عنه، وانتظروا في الوقت نفسه رسولًا يبعثه الله إليهم، وقد انتشر هذا الفكر بين عدد من العرب٣ مع اختلاف طرقهم التي سلكوها بعد ذلك، فمنهم من لم يهتد إلى شيء محدد حتى مات كـ"زيد بن نفيل"، ومنهم من تنصر وقرأ كتب النصرانية كـ"ورقة بن نوفل"، ومنهم من بقي على فكره حتى جاء الإسلام وأسلم كـ"عبيد الله بن جحش"٤.. ومن هؤلاء المفكرين كانت طائفة "الحنفاء" التي عبدت الله على ما بقي من دين إبراهيم، وبحثوا عن كل ما غاب عنها، وهكذا لم يقتصر نشاط العرب الديني على الأصنام والأوثان فقط، بل اتجه مفكروهم إلى الإله الحق كما بدا من الحنفاء.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٢٤٢. ٢ بلوغ الأرب ج٢ ص٢٤٥. ٣ الملل والنحل ج٢ ص٢٥٠-٢٥٣. ٤ ابن هشام ج١ ص٢٤٣-٢٥٠.
[ ٥٠ ]
وكذلك ظهر في العرب عدد من "الحكماء" الذين امتازوا بالخبرة والتجربة، وكانوا مرجع القوم فيما يعرض لهم من مشاكل يقضون لهم فيها، وقد تنوقلت عنهم كلمات قصيرة موجزة، لكنها تحمل المعنى الكبير مما جعلها تخلد بين الناس، ومن أمثالهم:
"مقتل الرجل بين فكيه".
"إن المنبت لا أرضا قطع، ولا ظهرا أبقى".
يقول الشهرستاني عنهم: "ومنهم الحكماء، وهم شرذمة قليلون؛ لأن أكثر حكمهم فلتات الطبع، وخطرات الفكر"١.
وقد اتجه الحكماء أيضا إلى فكرة ضرورة الخالق، وربط المعلول بعلته، ورأوا استحالة وجود هذا الكون بلا موجد له قدير، يقول عامر بن الطرب الحكيم مفكرا في سبب الخلق: "إني ما رأيت شيئا قط خلق نفسه، ولا رأيت موضوعا إلا مصنوعا، ولا جائيا إلا ذاهبا، ولو كان يميت الناس الداء لأحياهم الدواء"٢.
ومن حكماء العرب كذلك "عبد المطلب" جد النبي ﷺ، الذي وصلت به الحكمة إلى سن أمور أقرها الإسلام بعد، فقد منع نكاح المحارم، وقطع يد السارق، ونهى عن قتل الموءودة، وجعل دية القتيل مائة من الإبل، إلا أن الحكمة مهما دقت، فإنها لا تصل إلى الحقيقة بكمالها وأصولها؛ ولذلك كانت حاجة الحكماء وغيرهم إلى وحي يقنعهم ويأخذهم إلى دين الله تعالى ضرورة لا بد منها.
ويبدو أن الفرق بين الحنفاء والحكماء أن الحنفاء بذلوا الجهد كله لمعرفة الدين الحق، الذي كان عليه إبراهيم -﵇- وأهملوا عبادة الأصنام، أما الحكماء فكان تفكيرهم في الخلق والخالق عارضا، وكانوا بمثابة قضاة مجتمعهم، ومع ذلك عبد بعضهم الأصنام مثل أقوامهم..
_________________
(١) ١ الملل والنحل ج٢ ص٦٤. ٢ تمهيد لتاريخ الفلسفة ص١١٠.
[ ٥١ ]
وقد وصل الاضطراب الديني عند بعضهم إلى ابتداع رأي الحمس، وهو اتجاه مبتدع، سببه حماسة العرب تجاه حرمة البيت، ووجوب إبراز هذه الحرمة في منهج عملي، وكان هذا المنهج شديدا، ويحتاج إلى مال كثير، فلقد كانوا يلتزمون بإطعام الحجيج وكسائهم، فلا يأكل من طعام الحمس، ولا يلبس إلا أثوابهم، فإذا لم يجد من ثيابهم طاف عريانا، ولو طاف بثوبه فإنه يخلعه مباشرة ولا يستعمله أبدا؛ وذلك لظنهم أن الحجيج عصوا الله في أثوابهم؛ ولذلك لا يصح الطواف بها.
هذا وقد وجدت عند العرب عقائد أخرى وردت إليهم من أقاليم العالم التي اتصلوا بها خلال التجارة أو الهجرة، ومن هذه العقائد:
المجوسية:
أخذ العرب المجوسية من بلاد فارس، فجعلوا النور والظلمة آلهة تُعبد، وكانوا يتخذون لهما رموزا تقدس، يقول الألوسي: كانت المجوسية في تميم، ومنهم الأقرع بن حابس، كان مجوسيا، وأبو الأسود جد وكيع بن حسان كان مجوسيا١، ويقول في مكان آخر: كانت الزندقة في قريش أخذوها عن الحيرة٢.
وقد ثبت أن النبي ﷺ أخذ الجزية من مجوس هجر٣، ويذكر أبو عبيدة أن النبي ﷺ قَبِلَ الجزية من أهل البحرين وكانوا مجوسا٤.
ومنها أيضا: "عبادة الكواكب": وكانت موجودة في العالم على ندرة أصحابها، وهم الصابئة، وقد نقلها بعض العرب عنهم فعبدت "طيئ" الثريا٥، وعبد لخم وجذام "المشترى"، وعبد أسد "عطارد"، وعبد كنانة "القمر"٦.
_________________
(١) ١ بلوغ الأرب ج٢ ص٢٣٥. ٢ المصدر السابق ج٢ ص٢٢٨. ٣ نيل الأوطار ج٨ ص٦٣. ٤ بلوغ الأرب ج٢ ص٢٣٩. ٥ الأموال ص٣٣. ٦ التاريخ الإسلامي العام ص١٧٧.
[ ٥٢ ]
ومنها: عبادة الحيوان والطيور: وهذه العبادة أتت من قبل الهند، وقد اتخذ بعض العرب أصنامهم على صورة الحيوان والطير.
فصنمهم "نسر" كان على صورة النسر.
وصنمهم "يغوث" كان على صورة الأسد.
ويعوق كان على هيئة الفرس١.
ومن عبادات العرب عبادة الشجر، فلقد رُوي أن النبي ﷺ خرج إلى حنين وقومه حديثو عهد بجاهلية، فلما رأى بعض أصحابه شجرة في الطريق، يقال لها: ذات أنواط، كانت العرب تقدسها، فنادوا وقالوا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ: "سبحان الله! هذا كما قال قوم موسى لموسى ﵇: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والذي نفسي بيده لتركبن سنن من كان قبلكم" ٢.
ومن العرب ظهر بعض الدهريين الذين أنكروا الخالق ويوم القيامة، وقالوا بالطبع المحيي، والدهر المفني٣، وقد أخبر القرآن عنهم بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ ٤، وقد أشارت الآية إلى عقيدة هؤلاء الأفراد الذين جعلوا الدهر إلها يحيي ويميت.
ولقد أدت المحاولات التبشيرية للفرس والروم إلى وجود عدد ليس بالكثير تابعا لإحدى الدولتين، على منهج الولاء السياسي أو الديني، ومن هنا وُجدت
_________________
(١) ١ تفسير الزمخشري ج٤ ص١٦٤. ٢ سنن الترمذي - كتاب الفتن - باب لتركبن سنن من كان قبلكم ج٤ ص٤٧٥. ٣ الملل والنحل ج٢ ص٢٤٥. ٤ سورة الجاثية آية ٢٤.
[ ٥٣ ]
المسيحية في شمال الجزيرة وجنوبها وشرقها.
كما أن اليهود وجدت في جنوب الجزيرة ووسطها، وسكنت "يثرب" بهجرة بعض اليهود إليها، ولم تكن اليهودية دين أمة، وإنما دين جماعة متعصبة من الرجال المغامرين.
وكان اليهود يسكنون عند الميلاد في فلسطين، فلما تعرضوا لاضطهاد الرومان وخاصة على يد "تيطس" الذي دمر لهم "أورشليم" في المرة الثانية، رحلوا إلى البلاد المجاورة؛ كالعراق، ومصر، والجزيرة العربية١، فسكنوا أولا بلاد اليمن حيث الازدهار والغنى، إلا أنهم وقعوا في صراع مع المسيحية، كاد يودي عليهم لولا أن ساعدهم الفرس ضد الروم، فلما اشتد اضطهادهم في اليمن، وانهدم سد مأرب مصدر الغنى، هاجروا إلى يثرب، وأسسوا فيها لأنفسهم المزارع والحصون، وفي يثرب باشروا مناسك دينهم في حرية، ونشطوا في أعمال التجارة والصناعة وغيرها.
وقد أشار ابن قتيبة إلى تهود عدد قليل من العرب؛ حيث وجد أفراد من اليهود العرب في حمير، وبني كنانة، وبني الحارث بن كعب، وكندة٢.
ويبدو أن السبب في عدم انتشار اليهودية هو عنصرية اليهود القائمة على فكرهم الديني، وإيمانهم بأنهم شعب مختار من الله على الخصوص، حسب ما تعلموا من نصوص كتابهم المقدس، فلقد أيقنوا أنهم أعلى من سائر الشعوب، وأن دينهم وقف عليهم كما جاء في سفر التثنية: "أنت شعب مقدس للرب إلهك، إياك قد اختار الرب إلهك؛ لتكون له شعبا أخص من جميع الشعوب، الذين على وجه الأرض"٣، وهذا ما جعلهم يعيشون مستقلين ومنطوين على أنفسهم، ودفعهم كذلك إلى التفوق في كافة الشئون وخاصة الشئون الاقتصادية، كما أسسوا القرى المحصنة ضمانا
_________________
(١) ١ التاريخ الإسلامي العام ص١٥٨. ٢ المعارف ص٣٠٥. ٣ سفر التثنية - الإصحاح السابع فقرة.
[ ٥٤ ]
لمصالحهم، وحفاظا على هذه العنصرية، التي آمنوا بها، وأيضا فإن من طبيعة العربي الاستعلاء، والثقة، والرضى، رغم ما فيه من نقص وحاجة؛ ولذلك أبَى أن يكون تابعا لهؤلاء المتعصبين.
وقد انقسم اليهود إلى طوائف متعددة، أشهرها الفريسيون الذين ينادون بالتمسك بنص التوراة من غير تأويل ويسمون أنفسهم بالأصوليين، والصدوقيون وهم الذين ينكرون الآخرة.
وتؤكد آيات القرآن الكريم وجود اليهود في الجزيرة العربية؛ حيث خاطبتهم الآيات المنزلة، وتحدثت كثيرا عنهم، ويفهم من دلالة الآيات أن اليهود في الجزيرة كانوا من بني إسرائيل لا من العرب؛ حيث كان النداء لهم ببني إسرائيل، يقول تعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ ١، ﴿سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ﴾ ٢، ويذكر الأستاذ دروزة أن اليهودية لم يعتنقها أحد من العرب في يثرب، ويبدو أن من تهود من العرب كانوا أعدادا قليلة لا تُذكر لقلتها، وعدم تأثيرها في الناس، كما أنها لا تستحق نداء باسمها على الخصوص؛ ولذلك فهي مندرجة في نداء الله لبني إسرائيل٣.
هذا..
والمطلع على هذا التنوع في أديان العرب يدرك حكمة الله تعالى في جعل الإسلام ينبع أولا من العرب؛ حيث يمكن مناقشة سائر المذاهب والأديان، ومناقشة أصحابها بسهولة ممكنة، وشمول تام و﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ٤٠. ٢ سورة البقرة آية ٢١١. ٣ سيرة الرسول ص٥١، ٥٢ بتصرف. ٤ سورة الأنعام الآية ١٢٤.
[ ٥٥ ]
المبحث الثاني: الروم:
١- جغرافية الدولة الرومانية:
سكنت الروم غرب أوربا، واتخذت روما١ حاضرة لها، ومدت سلطانها على مساحات شاسعة، شملت سائر البلاد المطلة على البحر الأبيض من جميع جوانبه، وكان الشمال الإفريقي ابتداء من مصر حتى المحيط الأطلسي تحت السيطرة الرومانية، وكانت مصر تمد الإمبراطورية الرومانية بالحبوب والغذاء٢.
أدى الاتساع الكبير للإمبراطورية إلى أخطار كثيرة، قابلت الدولة من جيرانها في عدد من النواحي٣، فمن أطرافها الشرقية عند نهر الفرات أتاها خطر الفرس، ومن حدودها الشمالية الشرقية والشمالية، كان خطر القبائل الجرمانية، ومن حدودها الجنوبية الشرقية على حدود الشام كان خطر القبائل العربية الغازية٤، ولم يسلم من حدودها إلا الجنوبي في إفريقيا؛ حيث كان الأحباش قوة تحمي هذا الجانب.
وأصبح لهذه الأخطار المتعددة أثر كبير في تفكك الدولة الرومانية، وانقسامها إلى شطريها الشرقي والغربي، ذلك أن تجمع هذه الأخطار جعلت الإمبراطور "قسطنطين" سنة ٣٢٣م "والإمبراطور دقلديانوس" سنة ٢٨٤م يشعران بأن روما لم تعد تصلح لأن تكون مركزا لإدارة الإمبراطورية، ومنذ عهدهما بدأ الاتجاه نحو الشرق، وصار غرب البحر الأبيض المتوسط في المرتبة الثانوية٥،
_________________
(١) ١ مراصد الاطلاع ص١٩٦. ٢ المسلمون والجرمان ص١٢، ١٣. ٣ الإمبراطورية البيزنطية ص١، ٢. ٤ الدولة الجرمانية الشرقية ص٣٦. ٥ المسلمون والجرمان ص١٣.
[ ٥٦ ]
وبالفعل فلقد عين "دقلديانوس" قسيسا له مقره "رافتا" بشمالي إيطاليا يشرف على إدارة القسم الغربي.
وتعتبر سنة ٣٩٥م هي بداية الاتصال العلمي بين الشطر الشرقي والشطر الغربي لهذه الإمبراطورية الكبرى؛ إذ صار إمبراطور كل قسم يعمل على حماية ممتلكاته دون اعتبار لوَحْدَة الإمبراطورية١، وأصبح لها عاصمتان هما: "القسطنطينية" عاصمة القسم الشرقي و"روما" عاصمة القسم الغربي، وأخذ الانفصال في تزايد بينهما حتى القرن السابع الميلادي٢.
الأحباش:
الأحباش أمة تابعة للدولة الرومانية، مع شيء من الاستقلال، سكنت شرق إفريقيا وأصبحت حارسة لحدود الدولة الرومانية الجنوبية في القطاع الإفريقي، واشتهرت بقوتها العسكرية التي مكنتها من شن حملات على جيرانها، وسعت بها حدودها التي وصلت شمالا إلى الحدود المتاخمة لجنوب مصر، التي كانت مستعمرة رومانية، وأخضعت لحكمها منطقة نهر "نكازه" "المجرى الأعلى لنهر عطبرة" وقبائل "البجة" ووصلت حدودها الجنوبية إلى الصومال، أما حدها الشرقي فهو البحر الأحمر٣ وحدها الغربي فينتهي عند النيل وسط إفريقيا٤.
وكانت حاضرة الأحباش هي "أكسوم" الواقعة في شمال الحبشة، وقد عرفت دولة الأحباش بالدولة الأكسومية ابتداء من القرن الأول قبل الميلاد حتى القرن السابع الميلادي٥.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص١٩. ٢ الدولة الرومانية الشرقية ص٣٦. ٣ بين الحبشة والعرب ص٢٧، ٢٨. ٤ سيرة النبي ﷺ ص٣٦١. ٥ بين الحبشة والعرب ص١٣، ١٥.
[ ٥٧ ]
وقد كان لدولة الروم نفوذ واسع على الحبشة نظرا لاعتناق الأخيرة المسيحية؛ إذ من المفهوم أن المسيحية كانت تربط الدولة المتنصرة بالدولة الرومانية ربطا قويا، وكانت المسيحية هي الوسيلة المثلى في بسط النفوذ الروماني في أي مكان١.
_________________
(١) ١ نفس المصدر السابق ص٤٤.
[ ٥٨ ]
٢- أوضاع الرومان الاجتماعية والسياسية والأخلاقية:
كان لكل إقليم في الدولة الرومانية بشطريها أوضاع اجتماعية مغايرة لسواها ونظم سياسية تختلف عن غيرها.
فالرومان في دولتهم الشرقية أو الغربية كانوا يعرفون منهج الدولة المنظَّمة، إلا أنهم عاشوا تحت وطأة ظلم بغيض، وطبقية باغية، وكان عامة الشعب عبيدا وخدما للطبقة العليا المتمتعة بكل شيء.
ففي الدولة الرومانية الغربية قامت دويلات عدة، تكونت من القبائل الجرمانية التي نزلت من الشمال في موجات غازية، وكوَّنوا طبقة السلطة، ففي أسبانيا قامت دولة القوط الغربيين التي أسسها الملك "واليا".
وفي إفريقيا قامت دولة "الوندال" بعد انتزاعها من الرومان بالقوة، وتمكن القوط الغربيون من تأسيس مملكة لهم في إيطاليا، وتدعمت في غاليا "فرنسا" مملكة يحكمها الفرنجة البحريون، وبقيام الممالك المذكورة تصدعت الدولة الرومانية الغربية عمليا١، ومع بداية القرن السادس الميلادي تم استقرار هذه الممالك الجديدة في مواطنها من المدة ما بين سنة ٤١٥م إلى سنة ٥٠٧م.
وكان حكم هذه الممالك وراثيا في القبائل الجرمانية، وقد تشبه أمراء هذه الدول بأباطرة الشرق، وحوَّلوا المجتمع إلى طبقات، وكانت طبقة الحكم هم الجرمان والعسكريون؛ حيث تتمتع بكل شيء في الدولة، ولا يقرب منها إلا طبقة صغار الملاك والحرفيين والتجار، أما عامة الشعب فهم الطبقة الدنيا حيث العبيد والأُجَراء والفلاحين والخدم.
_________________
(١) ١ المسلمون والجرمان ص٢٢-٣٨ بتصرف.
[ ٥٩ ]
عاش أفراد الشعب يكرهون حكامهم، وكثيرا ما قامت صراعات بين الحكام والمحكومين في هذا العصر، الذي عرف بـ"عصر الظلام" في أوربا.
وقد زاد الملوك البلاء، فكانوا يسفكون الدم، ويلحقون بالشعب العذاب لأتفه الأسباب، أو من غير سبب أصلا، ويكفي تدليلًا على ذلك أن القوط والبرجنديين أبادوا سنة ٥٣٩م جميع الذكور من سكان "ميلان"، وقد قدر "بروكوبيوس" عددهم بثلاثمائة ألف طفل١.
ورغم أن غالبية المجتمع زُرَّاع، فقد شمل الدمار والتخريب صغار الملاك٢ فسلبت الأرض منهم، وتحولوا إلى عبيد، يرتبطون بالأرض التي يقومون بزراعتها لسادتهم بلا مقابل، وبسبب الحاجة والفقر، اضطروا إلى أكل لحوم البشر، وثمار الحشائش، وورق الشجر.
وقد تدهورت الحالة الاقتصادية تدهورا تامًّا، وزاد من تدهورها أن الدولة الرومانية الشرقية قاطعت التجارة مع دول الجرمان، فضلًا عن أن دول الجرمان نفسها كانت فيما بينها متقطعة الأوصال، وكل منها ينطوي على نفسه، ولا يتعاون مع جيرانه، بل وصلت الفرقة إلى قيام عديد من الحروب بينهم، أما الشمال الإفريقي الذي كان مكانا لمملكة الوندال، فقد اضطرب اقتصاديًّا هو الآخر، عجز عن إنتاج القمح
كعادته، ولم يستطع أن يقف ولو قليلا أمام هجوم "جستنيان" لما كان فيه من ضعف وانهيار.
ولم يسجل تاريخ الجرمان في هذه الدويلات أيَّ نظرة إصلاحية، بل سادها نظام الإقطاع البغيض الذي مزق غرب أوربا تمزيقا كاملا٣.
وفي الدولة الرومانية الشرقية التي اتخذت "القسطنطينية" عاصمة لها، وهي
_________________
(١) ١ المسلمون والجرمان ص٤٨. ٢ الإمبراطورية البيزنطية "بيتز" ص٦. ٣ المسلمون والجرمان ص٢٠-٥٢ بتصرف.
[ ٦٠ ]
المدينة التي ابتناها "قسطنطين" في موقع ممتاز١، واتخذ لها هذا الاسم الديني، المنسوب إليه؛ لتكون في الحقيقة رمزا على مجتمع هذه الدولة، ونظمها الأوتوقراطية٢؛ حيث كانت الهوايات، والنزعات، وكافة الأمور من سياسية واجتماعية، تلبس ثوبا دينيا٣، فإذا ما تعرضت الدولة لهجمات بربرية فإنها في دستورهم أحكام من السماء نزلت على عالم فاسد يستحقها٤، وصار الفرد يعيش بمجموعة من الأوهام، فإذا نزل به مرض فإن ذهابه إلى الطبيب كفر، وكانت جماهير المرضى من جميع أنحاء الإمبراطورية تهرع إلى القسطنطينية؛ لتعالج في كنيسة يوحنا المعمداني٥.
ولقد مزقت الطبقية أوصال هذا المجتمع، ذلك أن طبقته العليا المكونة من الإمبراطور، وأعضاء مجلس الشيوخ، كانت تقرب طبقة ثانية تقل عنها، وتتكون من الملأ، وأغنياء التجار، وأصحاب الحوانيت؛ ليمثلوا وجهة نظرهم ويقبضوا لهم على زمام الأمور، ويسخروا الشعب المتمثل في مجموعات العبيد، والأُجَراء، ورَعَاع المدن٦، وكثيرا ما صدرت قرارات إمبراطورية تجعل من المستأجر رقيقا تابعا، هو وأولاده وزوجته، للمالك يرتبط بالأرض مملوكا لسيده٧، وكان هذا النظام مطبقا في الولايات التابعة للإمبراطورية الشرقية٨.
واتصف البيزنطيون بالخدعة، والخيانة الصريحة، والوحشية، والعنف؛ نتيجة لقلة عددهم أمام عدوهم، ولما رأوه أمام أعينهم من ساستهم، الذين كانوا
_________________
(١) ١ الإمبراطورية البيزنطية "بيتز" ص٨. ٢ مصر البيزنطية ص٢ ٣ الإمبراطورية البيزنطية "بيتز" ص١٧. ٤ الإمبراطورية البيزنطية "أومان" ص١١٦. ٥ الإمبراطورية البيزنطية "بيتز" ص٢١٠. ٦ تاريخ الإمبراطورية الرومانية ص٢٥٤، ٢٥٩، ٢٦٠. ٧ المصدر السابق ص٦٣١. ٨ مصر البيزنطية ص٣٠١، ٣٠٢.
[ ٦١ ]
يقترفون التحريق، والقتل، وقطع الأيدي، وسمل العيون، وجدع الأنوف، بكل سهولة ولأتفه الأسباب١.
وقد شاعت في أبناء القسطنطينية على الأخص صفات الجبن والفسق والخيانة، يقول بعض المؤرخين: إنها لقصة مزعجة من مكايد القسس، والخصيان، والنساء، من دس السم، والمؤامرات، ونكران الجميل، وقتل الإخوة بشكل مستمر٢، ورغم أن تولية الإمبراطور كانت تتم وفق انتخاب يقوم على نظام معين، لكن النظرة المقدسة إليه من الناس جعلته أكثر رسوخا، فهو صفي الإله وخليله، وإذن فالمرشح الناجح هو بالضرورة من اختارته مشيئة الله، بغض النظر عن الطريقة التي اكتسب بها هذا النصر.
إن نجاح الإمبراطور يلزم الناس دينيا بطاعته، وعلى ذلك فالإمبراطور رجل دين، وملكيته أوتوقراطية٣، وقد شهد القرنان الخامس والسادس الميلادي تحول الإمبراطور من رجل مدني إلى رجل يعتمد على الدين، في تأييد نفوذه، ويمثل هذا الاتجاه بوضوح الإمبراطور "جستنيان" سنة ٥١٨م إلى سنة ٥٦٥م.
ومع كل هذا الفساد الإمبراطوري فقد تم إلغاء الانتخاب، صار الإمبراطور يعين من يخلفه في حياته، ويدعي أنه اختيار الله.
ويكفي تصويرا للقسوة التي عامل الأباطرة شعوبهم بها أن نعرف أن الإمبراطور "جستنيان" لما قامت ثورة الزرق "أنصار جستنيوس الأرثوذكسي" والخضر "أتباع انستاسيوس اليعقوبي" وطلبوا إقصاء وزير المالية أخمدها بالقوة، وقتل من الثوار خمسة وثلاثين ألفا في ستة أيام، وذلك في يناير سنة ٥٣٢م٤.
_________________
(١) ١ الإمبراطورية البيزنطية "بيتز" ص٢٥. ٢ الإمبراطورية البيزنطية "أومان" ص١١٧. ٣ الإمبراطورية البيزنطية "بيتز" ص٨٠، ٨١. ٤ الإمبراطورية البيزنطية "بيتز" ص٢٥، ٦٣ بتصرف.
[ ٦٢ ]
وهكذا كثرت الفتن في الإمبراطورية، وكثرت الاضطرابات، وقد لخص أحد الكُتَّاب الإنجليز أسبابها، وذكر أنها تنحصر في الابتداع الديني، واستحداث الضرائب وتغيير القوانين والعادات، مما أدى إلى الظلم العام وانتشار المجاعات١.
وكانت العَلاقة بين الإمبراطوريتين الرومانتيتين سيئة، وزادت انهيارا بقيام الحروب بينهما، وقد وجه "جستنيان" أُولى ضرباته القاصمة إلى دولة الوندال بإفريقيا، واستولى على المدن الكبرى٢ وأخذ بعدها يسلك مسلكا معينا فأكثر من فرض الضرائب، واستعمل القسوة في جمعها، فهجر الأهالي مزارعهم، ومتاجرهم، واحترفوا اللصوصية وقطع الطرق، وشن الغارات على الحاميات البيزنطية٣، فلجأ الإمبراطور إلى قوة أكبر لحكمهم بالأسلوب العسكري، حتى صارت إفريقيا ولاية يديرها قائد عسكري، وله مساعدون عسكريون، وكانت هذه خطوة أنتجت ضررا ضد الدولة، فعندما شعر القائد العسكري بقوته، وبإمكان استغنائه عن الإمبراطورية أعلن استقلال ولايته.
وهكذا أعلن "جوريجوريوس" استقلاله بإفريقيا قبيل الفتح الإسلامي بقليل٤.
أما الأحباش فهم أمة عاشت هدوءا نسبيا، وسادها نظام ملكي مثلته الدولة الأكسومية، التي قامت مزدهرة، قوية منذ القرن الأول قبل الميلاد٥.
وقد ساعدت قوة هذه الدولة على الاستقرار الاجتماعي، وبسط سيطرتها على جيرانها بعدما قامت بحملات حربية عديدة، وعبرت البحر، وكونت مستعمرات حبشية٦ في اليمن، تدر عليهم الأموال والخيرات، وتضمن لهم تجارة آمنة،
_________________
(١) ١ المسلمون والجرمان ص٥٦. ٢ الإمبراطورية البيزنطية "بيتز" ص٣١. ٣ المسلمون والجرمان ص٦٠. ٤ المسلمون والجرمان ص٦١. ٥ بين الحبشة والعرب ص١٧. ٦ المصدر السابق ص٢٦.
[ ٦٣ ]
ومتبادلة مع الجزيرة العربية، والشرق الأقصى، وكان لفتح الأحباش اليمن أن صارت أرض الحبشة متجرا لقريش، يجدون فيها رغدا من الرزق، وأمنا وربحا حسنا١، بل وصلت قوة الدولة الأكسومية غربا حيث النيل٢ تستفيد من مياهه وخيراته، ولقد كان ساحل أرتيريا موطنا هاما للتجارة، ففي موانيه ترسو السفن التجارية لعديد من الجاليات الأجنبية، وقد دلت الآثار على وصول تجار من اليونان ومصر إلى هذه البلاد.
وقد اشتهر ملوك هذه الدولة قبيل الإسلام بالعدل، وبكراهية الظلم، وكان هذا سببا في اختيار المسلمين للحبشة بالذات للهجرة إليها، وقد قال الرسول ﷺ لأصحابه: "لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يُظلم عنده أحد" ٣.
وخضعت الدولة الحبشية للنفوذ الروماني، وبخاصة بعد اعتناقها المسيحية خلال القرن الرابع الميلادي٤؛ حيث كان اعتناق المسيحية هو السبيل الفعال إلى بسط النفود الروماني، ويمكن ملاحظة هذا النفوذ عندما تعرض مسيحيو اليمن للاضطهاد وذَهاب "روس ذو ثعلبان" إلى قيصر الروم يستنصره، فأرسله القيصر إلى ملك الحبشة الذي أعانه بجيش من عنده، قوامه سبعون ألف رجل٥.
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ج١ ص٣٧. ٢ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٣٦١. ٣ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٣٤٣. ٤ بين الحبشة والعرب ص٣٦. ٥ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٣٦.
[ ٦٤ ]
٣- الأوضاع الدينية للرومان:
كانت المسيحية هي دين الدولة الرومانية بقسميها الشرقي والغربي، ودين الولايات التابعة لها كمصر والحبشة وغيرهما، وكانت الأحداث الدينية تتردد سريعا في كل أرجاء الدولة من أقصاها إلى أقصاها.
وقد وضعت الكنيسة لنفسها نظاما معينا تسير عليه، فأقامت رئاساتها في العواصم الثلاث الكبرى لعالم البحر الأبيض حيث توجد كنائس روما والإسكندرية وأنطاكية، على أن يكون لبقية المدن أساقفة ورؤساء تابعون لأحد الكنائس الرئيسية الثلاث١.
وظل الأمر على هذا الوضع حتى تأسست القسطنطينية وأصبحت عاصمة الدولة الرومانية الشرقية، فتحولت كنيستها إلى المرتبة الثانية بعد كنيسة روما، تليها في المرتبة الثالثة كنيسة الإسكندرية وأنطاكية٢.
ولم يكن هذا الوضع الجديد بمحل رضى من رؤساء الكنائس الأخرى، فحل التنافس بينهم، وقد ظهرت أفكار جديدة في الفكر المسيحي شغلت بال العالم المسيحي، وقسمته إلى فرق متنازعة٣.
ذلك أن أفكار "أريوس" الداعية إلى إنكار ألوهية المسيح، وتأسيس فكرة دينية تعتمد على التوحيد، لاقت خلال القرن الرابع الميلادي نجاحا في عديد من الأماكن؛ حيث كانت الكنيسة في "أسيوط" على رأيه، وكثر أنصاره في الإسكندرية وفلسطين ومقدونية٤، وكانت الكنائس الجرمانية التي نشأت في الدولة
_________________
(١) ١ الحضارة البيزنطية ص١٢٤. ٢ الدول الإسلامية وإمبراطورية الروم ص٣٦. ٣ الحضارة البيزنطية ص١٢٥. ٤ محاضرات في النصرانية ص١٢٣.
[ ٦٥ ]
الرومانية الغربية على رأيه كذلك١.
وقد عرف أتباع مذهب "أريوس" بالموحدين، وقد نشط هؤلاء الموحدون في نشر عقيدتهم، حتى أنهم في الإسكندرية وثبوا على "اثناسيوس" بطريريك الإسكندرية، ورأس معارضي "أريوس" والمنادي بألوهية المسيح، وثبوا عليه ليقتلوه فهرب منهم واختفى، وكذلك فعلوا في بيت المقدس مع بطريركها٢.
وفي قرطاجنة تعرض "الاثناسيوسيون" للاضطهاد، ولقي كثير منهم حتفهم، وتحول بعضهم إلى عبيد، وصارت كنائسهم أماكن عبادة للموحدين، وفي بلاد الغال وأسبانيا لجأ الموحدون إلى القسوة في تبشيرهم، معتمدين على سلطان "القوط"٣.
ورغم سيادة أفكار التوحيد فقد استطاع "قسطنطين" بقوته أن يقضي عليها فجمع القسس من جميع الكنائس، وعقد مجمعا في "نيقية سنة ٣٢٥م" ضم ألفين وثمانية وأربعين من الأساقفة المختلفين في آرائهم وعقائهم، وكان من بينهم ثلاثمائة وثمانية عشر أسقفا يقولون بألوهية المسيح، فأخذ الإمبراطور برأيهم، وجعله عقيدة عامة قررها على الناس بقوة الدولة٤، وجعل مخالفته زندقة موجهة ضد الدين يعاقب عليها بالهرطقة٥.
وهكذا انتصرت "الاثناسيوسية" على الأريوسية مما آذن بعلو شأن كنيسة الإسكندرية٦ واختفاء مذهب التوحيد، ولم يظهر في عالم المسيحية بعد ذلك إلا ألوهية المسيح.
_________________
(١) ١ المسلمون والجرمان ص٤١، ٤٢. ٢ محاضرات في النصرانية ص١٣١. ٣ محاضرات في النصرانية ص١٢٣. ٤ محاضرات في النصرانية ص١٢٤، ١٢٥. ٥ الحضارة البيزنطية ص١٣١. ٦ الإمبراطورية البيزنطية "بيتز" ص١٠٠.
[ ٦٦ ]
ولم يكن هذا النصر بداية استقرار في الفكر المسيحي، بل نشأت مسألة أخرى مع بداية القرن الخامس الميلادي، كانت هي السر في الانقسام الكامل للكنائس المسيحية بصورة واضحة.
ذلك أن مجمع "أفسوس" الأول سنة ٤٣١م الذي اجتمع ليقرر رأيه في أفكار "نسطور" القائلة بأن المسيح ليس إلها، ولكنه إنسان ملهم معصوم، لا كسائر الناس١، أيد رأي أسقف القسطنطينية، في تقسيم طبيعة المسيح إلى شقين هما: اللاهوتي، والناسوتي، وأنهما امتزجا وصارا كائنا واحدا.
وكان هذا القرار مبغضا عند كنيسة الإسكندرية وروما وشعب القسطنطينية؛ لأنه يهدد بعزل "مريم" العذراء من أمومتها للقسم اللاهوتي، ويحرمها من لقب "أم الرب"؛ ولذلك نجد هذه الكنائس تتحد ضد هذا القرار، وتجتمع في أفسوس ثانية، وتقرر أن للمسيح طبيعة واحدة، وتسرع في نشر هذا المذهب في أطراف الدولة، وتقوم كنيسة الإسكندرية بإرسال تسعة رهبان إلى الحبشة، يدعون لمذهب الطبيعة الواحدة٢؛ مما جعل كنيسة القسطنطينية تثأر لنفسها بقرار مضاد في مجمع "خلقدونية" سنة ٤٥١م وذلك بمساعدة كنيسة روما، وقد اعتبر هذا المجمع القائلين بالطبيعة الواحدة هراطقة، وقرر وجوب تعذيبهم، ومع الأيام تطور هذا الخلاف إلى منافسة حادة، نشط فيها كل طرف لتقوية مذهبه، واتهام غيره بالهرطقة، الأمر الذي حوَّله إلى خلاف قومي، نادَى كل وطن فيه بالانفصال عن الإمبراطورية٣.
فشلت كل محاولات التوفيق بين الطرفين المتنازعين، كما اعترف بذلك "يوستنياتوس" في مجمع "القسطنطينية الخامس سنة ٥٥٣م".
_________________
(١) ١ محاضرات في النصرانية ص١٣٥. ٢ بين الحبشة والعرب ص٣٦. ٣ الحضارة البيزنطية ص١٣٣.
[ ٦٧ ]
وقد حاول "هرقل" بعد انتهائه من الحروب الفارسية أن يضع حدا لهذا الخلاف، فألف مذهبا جديدا، تخيل من ورائه أنه يرضي الأطراف المتنازعة، سماه بمذهب التوحيد في الإرادة، وهو ينادي بعد النقاش في طبيعة المسيح، حيث الاختلاف والتنازع، مع الإيمان بأن له إرادة واحدة، غير أن هذا المذهب جاء بنتيجة مضادة؛ لأن "هرقل" استعمل القوة في فرضه، وأملى على أمراء الولايات أن يفعلوا ذلك، فأخذ "المقوقس" في مصر يستعمل العنف والتعذيب في فرض هذا المذهب، واتهم القوم "هرقل" وولاته بمحاولة إضلال الشعب المسيحي، وقاموا بحركة مقاومة سرية، وقاد "بنيامين" هذه الحركة في مصر حتى أصبح المصريون يتمنون زوال الإمبراطورية١.
ومع الأيام انتشر هذا النزاع في كل الدولة الرومانية بأجزائها وولاياتها، وقد انتشر مذهب الطبيعة الواحدة في مصر والحبشة، واعتنقه بعض الغساسنة وتعصبوا له.
وانتشر مذهب الطبيعتين في "القسطنطينية" وروما وبلاد الحيرة، وعن طريق الحيرة امتد إلى بعض أطراف الجزيرة العربية الجنوبية٢.
ويجب ملاحظة أن هذه المنازعات لم تقف حائلا دون نشر المسيحية، بل إنها أدت إلى قيام منافسة وتسابق بين الكنائس المختلفة؛ لتتفوق كل على زميلتها في نشر المسيحية بمذهبها في بلاد جديدة، وبذلك يتحقق تفوق سياسي واقتصادي يمكن الدولة من مجابهة الصراع الفارسي والانتصار عليه.
والمسيحية بعد المسيح -﵇- تعتبر دينا توسعيا؛ ولذلك نشط معتنقوها قبل الإسلام في توسيع دائرتها في البلاد الخارجية.
ففي الولايات التابعة للفرس ظهر لها أتباع من الغساسنة، كما أن امتدادها إلى الحبشة تم في القرن الرابع، ووصولها إلى اليمن تم قريبا من هذا التاريخ، وكان
_________________
(١) ١ الدولة الإسلامية وإمبراطورية الروم ص٤٠. ٢ تاريخ العرب قبل الإسلام ج٦ ص٧٥، ٧٩، ٨٢.
[ ٦٨ ]
لانتشارها طرق متعددة لاقت تشجيعا من جميع المسيحيين، وخاصة من الدولة الرومانية الشرقية، وكنائسها المتعددة، ولا غرو فهي دولة "أوتوقراطية" أسست من بدايتها على الدين.
ولم تمنع المنازعات المذهبية تعاون المختلفين في المذهب إذا لزم الأمر؛ حيث نرى "النجاشي" ملك الحبشة يتعاون مع إمبراطور القسطنطينية، ويرسل جيشا إلى اليمن للمحافظة على المسيحية بها، رغم اختلاف الإمبراطور والنجاشي في طبيعة المسيح، ورغم أن نصارى اليمن أنفسهم كانوا على القول بالأريوسية المخالفة لكل من النجاشي والإمبراطور.
وكان لموقع الجزيرة العربية بين الحبشة والدولة الرومانية الشرقية أن تعرضت لمحاولات تبشيرية متعددة أدت إلى اعتناق بعض العرب للمسيحية، وقد وجدت المسيحية بنجران "جنوب الجزيرة" على يد رجل من الشام هو "فيمين" حيث تمكن هو وتلميذه "عبد الله بن الثامر" من نشر المسيحية بهذه المنطقة١، وقد كان فيمين وتلميذه صورتين لمبشري المسيحية الذين انتشروا في الجزيرة يتاجرون ويدعون للمسيحية، وكانوا يعتبرون التجارة مع التبشير كسبا مضاعفا٢.
ويمكن اعتبار حملة "أبرهة" على مكة حملة عسكرية للتبشير بالمسيحية، تمت بعد فشل الوسائل السلمية، وبخاصة بعدما ثبت أن الدولة البيزنطية كانت ترسل تجارها إلى مكة لتتجسس على العرب٣، ومما يساعد على هذا الاعتبار سرعة بناء أبرهة "للقليس" ومضاعفة تحسينها وتجميلها؛ قاصدا بذلك صرف العرب عن كعبتهم وتوجههم إلى القليس للحج والزيارة، التي بناها على هيئة الكعبة،
_________________
(١) ١ التاريخ الإسلامي العام ص٥٠. ٢ أخبار مكة ج١ ص٨٣. ٣ تاريخ العرب قبل الإسلام ج٦ ص٥٨.
[ ٦٩ ]
وصورتها، وقد كتب أبرهة إلى النجاشي بعد بناء القليس قائلًا: "ولن أنتهي حتى أصرف حج العرب إليه ويتركوا الحج إلى بيتهم"١.
ولما تبين استحالة تحقيق هذا الأمل جرد حملته إلى الحجاز لهدم الكعبة، وبذلك لا يجد العرب إلا "القليس"، فيذهبون إليها مضطرين، وبذلك يسهل تنصير أبناء الجزيرة العربية كلها.
وقد بذلت الدولة الرومانية الأموال الضخمة في تأسيس عديد من الكنائس والأديرة داخل الجزيرة العربية، وكانت تجلب الإعانات والأموال لهذه الكنائس من بلاد العراق والشام والروم٢، ومع كل هذه المحاولات التبشيرية فإنه لم يعتنق المسيحية إلا نفر ضئيل من العرب، ويبدو أن السبب ما كان فيها من قصور فكري وتناقض واضطراب لا يتفق مع الفطرة العقلية.
_________________
(١) ١ الفلسفة الشرقية ص١٨٤. ٢ وحدة الدين والفلسفة والعلم ص١٠٥.
[ ٧٠ ]
المبحث الثالث: الفرس
١- الموطن الجغرافي:
والفرس أمة سكنت شرق الجزيرة العربية، واشتركت معها في الحدود الشرقية، ويعتبر الخليج العربي حاجزا طبيعيا بين العرب والفرس.
والفرس امتداد للشعب الإيراني القديم الذي نشأ في الوديان الخصبة بين جبال الهندكوش، وسلسلة جبال بغمان، وانتشر هذا الشعب في منطقة آسيا الوسطى، وانقسم إلى شطرين: شطر سكن في منطقة ما وراء نهر جيحون وهم الإيرانيون الشرقيون، وشطر سكن غرب النهر وهم الإيرانيون الغربيون١.
وقد قامت دولة الفرس في المنطقة الواقعة بين الجزيرة العربية وبلاد الشام ونهر الفرات غربا، وبين نهر جيحون والسند شرقا، وبين بلاد أرمينيا وصحراء سيبريا شمالا، وبين المحيط الهندي جنوبا٢.
وكانت عاصمة الفرس "المدائن" وهي مدينة كبيرة أقيمت على شاطئ نهر دجلة، فتحها المسلمون في عهد عمر بن الخطاب ﵁ في واقعة مشهورة، عرفت باسمها، وقد عرف جزؤها الشرقي بـ"المدائن القصوى" وجزؤها الغربي عرف بالمدائن الدنيا٣.
وقبيل الإسلام وحد الساسانيون فارس تحت حكمهم، وأنهوا إمارات الطوائف التي تقاسمت الدولة، وجعلوا لدولتهم قوة تناوئ دولة الروم الموجودة في شمال غرب الدولة.
_________________
(١) ١ تاريخ بخارى ص٤٤. ٢ العرب قبل الإسلام، زيادة ص٥٥٢. ٣ نفس المصدر ص٥٣٤.
[ ٧١ ]
٢- الأوضاع السياسية والاجتماعية والأخلاقية للفرس:
كان الحكم في الفرس مطلقا قائما على أساس تقديس بيت معين، يستمد حقه من الله، فلقد كان "آل ساسان" يعتقدون أن حقهم في الملك مستمد من الله ونشروا ذلك في الناس، وحتى أن العامة اعتقدوا هذا، وصار جزءا من تدينهم، ومن هنا كان الملك يتوارث للأولاد والحفدة، فإذا لم يجدوا من الأبناء رجلا كبيرا جعلوه لطفل لا يعي، فإن لم يوجد الطفل جعلوه لامرأة، ولقد ملكوا بعد شيرويه أردشير طفلا عمره سبع سنوات، وملكوا بوران بنت كسرى، وملكوا أخرى اسمها "أزرهى دفت"١، ووفقا لهذه النظرية المقدسة تمنع الأكاسرة، وهم ملوك فارس بمزايا لا حد لها، فهم كالآلهة تماما، وفوق القانون وفوق البشر، ولهم تنشد الأناشيد المقدسة، وعندهم تكفر الذنوب، وإشاراتهم أمر لا يستحق إلا السمع والطاعة، وكان لكل واحد منهم حاشية خاصة لها تقاليدها ومظاهرها.
وقد استغل الملوك منزلتهم عند القوم في الإثراء الفاحش الكبير، واعتادوا أن يكتنزوا النقود، ويدخروا الطرائف من الأشياء الغالية، حتى أن "خسرو الثاني" حينما نقل أمواله إلى بناء جديد سنة ٦٠٨م بلغ ما نقله ٤٦٨ مليون مثقال ذهب، وبعد ثلاثة عشر عاما من ملكه بلغت ماليته ٨٠٠ مليون مثقال٢، يقول شاهين مكاريوس: "لم يرد في التاريخ أن مليكا بذخ وتنعم مثل الأكاسرة، الذين كانت تأتيهم الهدايا والجزيات من كل البلدان الواقعة ما بين الشرق الأقصى والشرق الأدنى"٣.
وكانت الولايات العديدة تخضع لكسرى يوجهها كما يريد رغم تباعدها،
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ج٢ ص٤٥-٥٥ بتصرف. ٢ إيران في عهد الساسانية ص١٦٣ وما بعدها. ٣ تاريخ إيران لشاهين مكاريوس ص٢١١.
[ ٧٢ ]
ولعل في طلب "باذان" من عامله في ليمن أن يحضر النبي ﷺ إلى المدائن حيا أو ميتا توضيحا لنوع سطوة كسرى وخضوع الولاة له.
وقد امتاز الفرس بالنشاط وكلفوا بالمدنية، وطلبوا الاستقرار ما وسعتهم الأرض، ومالوا إلى الاشتغال بالفنون والحرف، وأقبلوا على تجارة الحرير في غيرة وجد، وكانوا خلال القرنين الخامس والسادس الميلاديين يسيرون بقوافل الحرير العظيمة عبر الإمبراطورية الساسانية إلى شرق بلاد الإمبراطورية الرومانية١؛ وبسبب ذلك انتشر النشاط الصناعي والزراعي في أنحاء الإمبراطورية، وحقق رخاء ورفاهية في أنحاء الدولة.
وكان المقتضى أن ينتشر العدل بين الرعية تبعا لذلك، إلا أن الوضع أخذ شكلا رهيبا من الطبقية البغيضة، القائمة على النسب والحرف، يصورة صاحب كتاب إيران في عهد الساسانية في إيجاز فيقول: "كان المجتمع الإيراني مؤسسا على أساس النسب والحرف، وكان بين طبقات المجتمع هوة واسعة، لا يقوم عليها جسر، ولا تصل بينها صلة، وكانت الحكومة تحظر على العامة أن يشتري أحد منهم عقارا لأمير أو كبير، وكان من قواعد السياسة الساسانية أن يقتنع كل واحد بمركزه الذي منحه نسبه، ولا يستشرف لما فوقه، ولم يكن لأحد أن يتخذ حرفة غير الحرفة التي خلقه الله لها، وكان ملوك إيران لا يولون وضيعا وظيفة من وظائفهم، وكان العامة كذلك طبقات متميزة بعضها عن بعض تميزا واضحا، وكان لكل واحد مركزا محدد في المجتمع"٢.
ولم تقف إهانة الطبقات الدنيا عند حد إبعادها عن الوظائف العامة، بل فرضت عليها الضرائب الباهظة بلا حساب وضبط؛ حيث كانت تختلف عن سنة إلى أخرى، ومن مكان إلى آخر كَمًّا ونوعًا، الأمر الذي ألحق أفدح الأضرار
_________________
(١) ١ تاريخ بخارى ص٤٥، ٤٦. ٢ إيران في عهد الساسانية ص٤١٨، ٤٢٠، ٤٢٢.
[ ٧٣ ]
بالضعفاء وأصحاب الحرف الصغيرة، مما أدى أخيرا بالمزارعين إلى أن يتركوا أعمالهم، ويلجئوا إلى الأديرة يلتمسون فيها المأوى والاستقرار، وكان أسعد المزارعين حظًّا ذلك الذي سمح له بأن يعمل لسيده بأجر زهيد.
ولم تقف هذه الإهانات الواقعة على الطبقات السافلة في حياتهم المدنية، بل كانت تلازمهم وهم في الجيش، وفي ميدان القتال، يقول المؤرخ "أميال مارسيلينوس": "إن هؤلاء الفلاحين البؤساء كانوا يسيرون خلف الجيوش مشاة كأنه قد كتب عليهم الرق الدائم، ولم يكونوا ينالون إعانة، أو تشجعيا، من راتب، أو أجرة، وكانت علاقة الفلاحين بالملاك أصحاب الأراضي كعلاقة العبيد بالسادة"١.
وقد أدى هذا الوضع الطبقي إلى نتائج بالغة السوء، فانتشر الحقد والبغضاء بين الضعفاء، والكبر والاستعلاء بين الكبراء، وهدد المجتمع بانقسامات خطيرة، سكنت ملامحها نفوس الناس وقلوبهم.
ولعل في هذا الوضع بعض أسباب انتشار واستقرار الإسلام السريع في ربوع الدولة الفارسية حين أتاها؛ لأن مبادئ الإسلام السامية صادفت وضعا ظالما فمحته، وطبقت تعاليمها مكانه، فاستقرت، وما ظهر في فارس من قوة وغنى، فقد كان خاصا بالطبقات الأعلى والحاكمة وحدها، وكل ما دونها فقد عاش في فقر وهوان.
_________________
(١) ١ المرجع السابق ص٣٢٤.
[ ٧٤ ]
٣- أوضاع الفرس الدينية:
كانت المجوسية وهي ديانة الفرس مركبة من عناصر مذاهبهم المتعددة، التي بدأت قبل الميلاد بكثير، واستمرت في تطورها وتشكلها حتى جاء الإسلام، وهي ديانة في الجملة تهتم ببيان أصل المخلوقات وعدد الآلهة، فمنذ القدم والملوك يقدسون إلهين من بين الآلهة الكثيرة، التي يعبدها عامة الشعب، على أساس أن أحدهما أصل الخير، والثاني أصل الشر١. وبعد تطور المجوسية على يد زرادشت نراه يرجع جميع الآلهة الموجودة إلى إلهين اثنين، إله الخير ويسمى "أهورامزدا"، وإله الشر ويسمى "أهريمان"، وهما متضادان، فلقد ورد في كتبهم المقدسة أن "مزدا" قال لـ"أهريمان" ما معناه: "ليس علمنا، ولا شرائعنا، ولا مداركنا، ولا كلماتنا، ولا أفعالنا، ولا حياتنا، أنا وأنت متفقه في شيء، ولذا فنحن أضداد"٢.
والفرس يعتبرون أن أقوال زرادشت وتعاليمه قد أودعت في كتاب "زند أفيستا"، الذي تم جمعه في القرن السادس الميلادي٣، وفي هذا الكتاب سمو خاص، ومواعظ طيبة، مما جعل الفرس يرفعون زرادشت بعد وفاته إلى مرتبة عالية، فزعموا أن وجوده في الدنيا مر بمراحل خيالية خاصة، وأنه بعث رسولا إلى الخلق، ونبيا لكشتاسب الملك وغيره، هذا مع إثباته للأصلين المتضادين النور والظلمة٤، ويظهر من كلام الشهرستاني أن نبوة "زرادشت" صحيحة لأنه يقول: إن زرادشت يدعو إلى أن الباري هو الخالق للظلام والنور ومبدعهما، وهو واحد لا شريك له، ولا ضد، ولا ند له، ويدعي كذلك أن كتابا نزل عليه وهو "زندوفيستا" ومن
_________________
(١) ١ الفلسفة الشرقية ص١٨٤. ٢ وحدة الدين والفلسفة والعلم ص١٠٥. ٣ الفلسفة الشرقية ص١٨٧. ٤ الملل والنحل ج١ ص٢١٧.
[ ٧٥ ]
تعاليمه ضرورة الإيمان بالروح والجسم، والتكليف القائم على الاعتقاد والقول والعمل، وأيضا فأتباع زرادشت يثبتون له معجزات، منها دخول قوائم الفرس في بطنه، وقد بشر "زرادشت" بظهور "الرجل العالم" في آخر الزمان؛ ليزين الكون بالدين والعدل١، وهو يدعو الناس إلى الإيمان باليوم الآخر والبعث والجزاء.
وليس لدينا دليل يمنع أن يكون نبيا ما دامت تعاليمه موحدة في العقيدة ومؤمنة بالبعث، وداعية إلى الخلق الطيب والعمل النافع وغير ذلك، واندراجه تحت الرسل المذكورين في قوله ﴿وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْك﴾ جائز.
ويمكن تفسير ما ينسب إليه من دعوته لإلهين، أحدهما للنور، والآخر للظلام، أنه من وضع أتباعه الذين حرفوا دعوته.
لكن الذي نذكره بعد ذلك أن ديانة الفرس بعد "زرادشت" داخلها فساد كبير، أضاع أغلب معالمها، فلقد جاء "ماني" في القرن الثالث الميلادي، وعمق الأصلين في الوجود، وجعلهما إلهين، مستقلين، أزليين، قديمين.
وقد حكى "محمد بن هارون" المعروف بـ"أبي عيسى الوراق" أن الحكيم "ماني" زعم أن العالم مصنوع مركب من أصلين قديمين أحدهما نور والآخر ظلمة، وأنهما أزليان لم يزالا ولن يزالا٢.
وفي نهاية القرن الخامس الميلادي جاء "مزدك" فأضاف إلى فساد العقيدة على يد "ماني" فسادا أخلاقيا آخر، حين قال بالشيوعية المتطرفة، المنادية بالمساواة في المال والنساء؛ لأنهما في نظره سبب الحرب والقتال، وبإلغائهما تتطهر القلوب من الأحقاد ويعيش الناس في سلام٣، وجاءت المانوية فأوصلت الأصول إلى ثلاثة هي: النار والأرض والماء٤.
_________________
(١) ١ الملل والنحل ج١ ص٢١٧، ٢١٨، ٢١٩. ٢ الملل والنحل ج١ ص٢٢٤. ٣ الفلسفة الشرقية ص١٩٥، ١٩٦. ٤ وحدة الدين ص١١١.
[ ٧٦ ]
ولقد كانت المجوسية في عصر ظهور الإسلام خليطا من كل هذه الآراء، فلقد تناسى الفرس وحدانية زرادشت، وتمسكوا بثنائية المانوية، بل كان العامة منهم يؤلهون بعض القوى الطبيعية، ويقدسون بعض الحيوانات، ويؤمنون أن روح الإنسان بعد الموت تنتظر ثلاثة أيام، وفي فجر اليوم الرابع تهب ريح إما معطرة إن كان صاحب الروح خيرا، أو نتنة إن كان صاحبها شريرا، وبعد ذلك تذهب الروح مع فتاة أو عجوز لتحاكم وتأخذ جزاءها١.
وكان الفرس قبيل ظهور الإسلام يعبدون النار ويقدسونها، مؤمنين بقوتها وشرفها، حتى لا يعذبوا بها في الآخرة، وقد بنوا لها بيوتا للعبادة في كثير من نواحي الدولة، ففي طوس وبخارى وغيرهما أقيمت البيوت، ومن المعلوم أن عبادة النار مع طول الزمن تغيب فلسفتها وأسباب وجودها، وتبقى هي بقداستها أمام العامة والجماهير الغفيرة بعقولها المغيبة، وبذلك يزداد الفساد والضلال كما حصل لعبدة الأوثان من العرب، فإنهم بدءوها تقديرا لأشخاص، ثم تصوروها آلهة، وتناسوا كل ما يتصل بوجودها.
وقد أطلق مسمى "المجوسية" على هذا الخليط الموروث من الأقدمين، ومن زرادشت، وماني، وغيرهم، وصار للمجوسية دولة كبرى تدافع عنها، هي الإمبراطوية الفارسية المنافسة لدولة الروم قبل ظهور الإسلام، وكان الفرس يعظمون ملوكهم ويقدسونهم، ويزعمون أن الله اختار هؤلاء الملوك وأعطاهم ملكه؛ ليكونوا ظله بين الناس، فلهم الطاعة، وليس لأحد قبلهم حق، وبلغ هذا الاعتقاد أشده أيام الأسرة الساسانية٢، التي وجدت قبيل ظهور الإسلام.
_________________
(١) ١ الفلسفة الشرقية ص١٩٥، ١٩٦. ٢ وحدة الدين ص١١١.
[ ٧٧ ]
المبحث الرابع: الهنود
١- الموطن الجغرافي:
والهنود أمة سكنت الجزء الجنوبي من قارة آسيا، وسط مجموعة من الحواجز الطبيعية التي هيأت لها لونا معينا من الحياة المستقرة، وطبعت حضارتها بطابع فريد، وهي أمة تشغل حيزا كبيرا من الأرض؛ حيث إن مساحتها تعادل مساحة دول أوربا مجتمعة باستثناء روسيا١.
ويذكر البيروني أن الهند يحيط بها من الجنوب البحر المعروف باسمها وهو المحيط الهندي، وفي جهاتها الثلاث الأخرى توجد سلسلة جبال مرتفعة٢.
ولمعرفة ما وراء هذه المرتفعات نتطلع على سطحها، فنراه يأخذ شكلا رباعي الأضلاع، ضلعاه الجنوبي الشرقي والجنوبي الغربي يطلان على البحر، ويكونان سواحل الهند وموانيها، أما الضلعان الشمالي الغربي والشمالي الشرقي فبريان يسيران مع الحافة الجنوبية الغربية لمرتفعات وسط آسيا٣، وهذان الضلعان مجموعة من المرتفعات التي تتكون من: جبال آسام، وسلسلة جبال الهملايا، وجبال هندكوش، وجبال سليمان٤، وهذان الضلعان يكونان حدود الهند مع بلوخستان، والتركستان، والصين، وبورما٥.
قامت هذه الحدود الطبيعية المنيعة بدور عازل هام، ساعد على ازدهار
_________________
(١) ١ أديان الهند الكبرى ص١٩. ٢ تحقيق ما للهند من مقولة ص١٥٧. ٣ ملامح الهند والباكستان ص١١. ٤ تاريخ الإسلام في الهند ص٢. ٥ أديان الهند الكبرى ص٢١.
[ ٧٨ ]
الحضارة الهندية وبروزها في طراز فريد، جعل تأثرها بغيرها محدودا، وخاصة في داخل البلاد، أما في الأطراف الشمالية عند الأبواب، فكان التأثير أوضح١.
ونظرا لتغاير السطح الطبيعي للهند فلقد انقسمت البلاد إلى ولايات عديدة واشتهرت بها مدن كثيرة٢.
وأبناء الهند نشيطون منذ القديم؛ حيث انتشرت مجموعات منهم في البلدان حولهم، ووصلوا إلى أقصى شرق آسيا، وأسسوا لأنفسهم مستعمرات لها طابع هندي خاص، وكان من هؤلاء الرجال تجار كبار ورجال ذوو ثقافات عالية، تمكنوا بها من نقل ثقافات الهند إلى المستعمرات التي أسسوها٣.
واستمر هذا النشاط لأبناء الهند حيث توقف في القرن الثامن الميلادي٤.
_________________
(١) ١ ملامح الهند والباكستان ص٥. ٢ تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية ج١ ص٣٣. ٣ ملامح الهند والباكستان ص١٥٤. ٤ يلاحظ أن الحديث هنا عن الهند يشمل شبه القارة الهندية كلها التي تتكون حاليا من دول ثلاث هي: الهند، والباكستان، وباكستان الشرقية.
[ ٧٩ ]
٢- الأوضاع السياسية والاجتماعية والأخلاقية للهنود:
والهنود أمة سادت فيها الطبقات الاجتماعية بكل وضوح، وقد تُنوسي دواعي هذا التقسيم الطبقي بسبب البعد الزمني لوجوده، إلا أن الراجح أنه قام بسبب اختلاف العناصر الهندية، فإن الآريين والتورانيين وفدوا على الهند، واختلطوا بسكانها الأصليين، يؤيد ذلك أن الآريين قوم بيضو اللون، طويلو القامة، والسكان الأصليون سودو اللون، قصيرو القامة، وكلمة طبقة باللغة الهندية هي "فارنا" ومعناها لون١.
وعند استقرار الآريين في البلاد خافوا مغبة الاختلاط بغيرهم، فوضعوا نظام الطبقات، وجعلوا أنفسهم طبقة برهمية عالية.
تليها طبقة الكشترية، فالجيش تقوده الكشترية، والبراهمة يؤيدونه بالدعاء الذي لا يتم النصر إلا به.
وإلى جانب هاتين الطبقتين الآريتين وضع التورانيون في طبقة ثالثة هي طبقة الويشية.
وتأتي بعدهم الطبقة الرابعة والأخيرة وهي طبقة الشودرا التي تنتظم أصحاب المهن الحقيرة والخدم٢.
وكان الهنود يمثلون الطبقات الأربع بجسم إنسان، فالبراهمة يمثلون الرأس والكشتريا يمثلون المنكب واليدين، والويشية تمثل الفخذ، والشودرا تمثل القدم.
ويعتقد الهنود أن الطبقات خلقت من جسم براهما، ومن العضو الذي تمثله كل طبقة؛ حيث يقول متو وهو يعدد خلق برهما للكائنات: "تم خلق البرهمي من
_________________
(١) ١ ملامح الهند والباكستان ص١٤٧. ٢ تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية ج١ ص٩.
[ ٨٠ ]
فمه، والكاشتريا من ذراعه، والويشيا من فخذه، والشودرا من رجله"١.
وقد وردت نصوص دينية تحدد وظيفة كل طبقة، فلقد جاء في الفقه الهندوسي الأكبر وذكره الأستاذ/ أحمد شلبي في "أديان الهند الكبرى": "على البرهمي أن يشتغل بالتعليم والتعليم وإرشاد الناس في دينهم، فكان هو المعلم والكاهن والقاضي، أما كشتريا فعليه أن يقدم القرابين ويحمل السلاح للدفاع عن وطنه وشبعه، أما ويشيا فعليه أن يزرع ويتجر ويجمع المال، أما شودرا فعليه أن يخدم الطوائف الثلاث الشريفة"٢.
والمنبوذون هم طبقة "الشودرا" وهم سلالة العنصر الأصلي من السكان القدامى، ولا يجري في عروقهم الدم الآري أو التوراني ويسمون بـ"زنوج الهند"، وقد حرمهم المجتمع حقوق الإنسان العادي، فليس لهم حقوق كطبقة، ولا منزلة لهم يشتغلون برذالات الأعمال، وهم منفيون، منحطون٣ لدرجة أنه إذا استمع أحدهم خلسة لرجل برهمي وهو يتلو "الفيدا" صب في أذنيه الآنك، وإذا رؤي جالسا معه كوي بالنار، ولا يجوز له أن يتزوج من الطبقات الثلاث الأخرى٤.
يقول مانو: إن الخالق قد ذرأهم" الشودرا" عبيدا، وكل من انتمى إلى هذه الطبقة فمن المحال أن يكون حرا حتى ولو أعتقه سيده، ومن الذي يستطيع أن يحرره من الرق إذا كان الرق طبيعة فيه٥.
ومع هذه المنزلة الوضيعة للشودرا، فقد وجد في المجتمع من هو أدنى منزلة منهم، وهم الوافدون إلى البلاد، الذين ولدوا بعيدا عن براهما، وهؤلاء لا حقوق
_________________
(١) ١ تحقيق ما للهند من مقولة ص٧٦، ٧٧. ٢ أديان الهند الكبرى ص٥٥، ٥٦. ٣ نفس المصدر ص٥٧. ٤ تحقيق ما للهند من مقولة ص٧٧. ٥ روح الإسلام ص١٥.
[ ٨١ ]
لهم مطلقا.
وكان النظام السياسي في الهند ملكيا حيث يرأس الملك الدولة، ويساعده الوزراء ورجال التشريع١، ومع ذلك فالملكية تعتمد على نظام مقدس، فالملك إله في صورة إنسان، وعليه أن يكون عادلا، وخادما لشعبه، ومحافظا على حقوق الطبقات بكل دقة٢.
وقد ازدهرت الهند بهذا النظام السياسي، فنمت حضارتها وفلسفتها، وكثرت المدن المليئة بالحركة والناس، وانتشرت المستشفيات والمدارس وعم الرخاء والعدل وخاصة مع بداية القرن الرابع الميلادي، حيث ظهرت أسرة "كبتا" في الهند.
وقد نعم البراهمة مع هذا النظام المقدس، ونالوا كل حقوقهم وصاروا سادة المجتمع، لهم ما يريدون٣ وهم ملجأ الجميع في كل الحالات.
أما بقية الطبقات فإنها تتمتع بالحقوق التي يسمح بها البراهمة، وليس عليهم إلا الطاعة والخضوع.
وقد أدى تمسك المجتمع بالتعاليم المقدسة في أنظمته الاجتماعية والسياسية إلى ازدهار اجتماعي، تمتع به أهل الطبقات الشريفة، وما عداهم فلا شيء لهم من حقوق كما أدى هذا النظام الطبقي في الهند إلى إذلال طبقة المنبوذين، وحرمهم من كافة حقوقهم، وقد وصل مستواهم أحيانا إلى أقل مستوى الحيوان، وعاشوا حياة بدائية متخلفة، ولم يتقنوا إلا السخرة والطاعة، وفي إطار القداسة البوذية.
_________________
(١) ١ تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية ص٣٢. ٢ أديان الهند الكبرى ص٧٢. ٣ تاريخ المسلمين في شبه القارة الهندية ص٣٣.
[ ٨٢ ]
٣- أوضاع الهند الدينية:
يرجع ظهور الهندوكية إلى أقدم العصور، وهي ديانة معقدة، لا تعرف البساطة في تعاليمها، أو السهولة في مناسكها، أخذت كثيرا من معتقدات الوافدين إلى الهند من أقدم العصور١.
وللهندوكية كتب عدة أهمها "الويدا" وأهميته ترجع إلى تصويره لحياة الآريين، ومعيشتهم، ونظمهم، وعقائدهم.
وقد مرت هذه الديانة بأطوار مختلفة، جعلت تطبيقاتها تأخذ أشكالا متعددة، فمن أشكالها تأليه قوى الطبيعة والكون؛ حيث يتصور مؤلهوها أن للطبيعة روحا وقوة تنفع وتضر، ومع تعدد آلهة الهنود إلا أنهم إذا اتجهوا لإله من هذه الآلهة سموه بـ"رب الأرباب" و"إله الآلهة" وهو إحساس منهم بالوحدانية غير مركز٢.
وللهندوكية سلوك أخلاقي، يقوم على فكرة الجزاء على العمل في الحياة الأولى للروح، أو بعد الحياة الأولى؛ لأن الروح عندهم لا تفنى، بل إنها تنتقل بعد فناء جسد صاحبها إلى جسد آخر، لتأخذ جزاءها، ولتتمتع بشهوات المادة التي لم تنلها من قبل، وتستمر هكذا في تنقلها من جسد إلى جسد، حتى تتغلب على شهواتها وتقنع بما حصلت عليه٣ وحينئذ تمتزج بـ"براهما" في مرحلة تعرف عندهم بـ"الانطلاق" ذلك أنهم يؤمنون أن روح الفرد جاءت من روح العالم، ومآلها إليه٤، فإذا ما وصلت إلى الانطلاق فقد اتحدت مع أصلها الأول، وهذه أشكال صوفية قائمة على إحساس بوحدة الوجود.
_________________
(١) ١ ملامح الهند والباكستان ص١٤٣. ٢ أديان الهند الكبرى ص٤٢، ٤٨. ٣ ملامح الهند والباكستان ص١٤٥. ٤ ملامح الهند والباكستان ص١٤٥.
[ ٨٣ ]
وهكذا نرى أن عبادة الهندوكية انتقلت من البساطة إلى التعقيد، ومن البدائية إلى التفلسف، وكان من أثر هذا التنقل تعدد طوائف الهنادكة تعددا يخطئه العد، وفي الجملة فإن عقائد الخاصة تختلف عن عقائد العامة، حيث اتجه الخاصة إلى لون من التوحيد الغامض المشوش، بينما عاش العامة مع التعدد والتجسيد١، إلا أن العقائد كلها كانت تلتقي عند فكرة الجزاء، وتناسخ الأرواح، والروح الواحدة للهندوكية٢.
وتقوم العقيدة الدينية عند الهنود على أساس النظام الطبقي السابق ذكره؛ لأن المنبوذين لا يسمح لهم باعتناق الهندوكية، ولهم أن تختاروا دينا آخر، مما أدى إلى حوث ثورات عدة ضد هذه النظم، وخاصة نظام الطبقات، وأشهر هذه الثورات ثورتان قام بهما الزعيمان "مهاويرا" و"بوذا" وهما من طبقة "الكشتريا" التي ضجت من ظلم البراهمة، واضعي الهندوسية، وقد قاما بثورتيهما ضد الهندوسية، وأدخلوا بعض التعاليم الجديدة عليها، وأعلنوا ديانتين جديدتين هما: الجينية والبوذية.
فالجينية: - هي مذهب "مهاويرا"- تنكر الإله، وتنادي بالمسالمة، ولا تعترف بالطبقات، إلا أن مبدأ المسألة أدى بأتباع مهاويرا إلى الإقرار بآلهة الهندوس للهندوس، واحترام عبادة البراهمة.
وعلى العموم فالجينية دين يؤمن بالزهد، والتقشف، والفناء، والسلوك السوي، حتى تصل الروح إلى مرتبة "النجاة" التي تشبه مرتبة "الانطلاق"، وكل تعاليمهم المقدسة أتت من خطب "مهاويرا" ومريديه٣، وكان انتشار هذا المذهب ضئيلا في العدد، انحصر في طبقة الكشتريا والمنبوذين.
والبوذية: هي دعوة "بوذا" تلغي نظام الطبقات، وتدعو إلى الصبر، وتحمل الألم، ودعم قوة الذات؛ لتقهر سيطرة الشهوة والهوى وترفع النفس عن عالم
_________________
(١) ١ تحقيق ما للهند من مقولة ص٣٩. ٢ أديان الهند الكبرى ص٥٢. ٣ أديان الهند الكبرى ص١١٣ وما بعدها.
[ ٨٤ ]
المادة، وكانت تنادي بالسلوك القويم حتى يمتزج الهندوسي مع "النرفانا" وهي تؤمن بتناسخ الأرواح، وإمكانية الوصول إلى "النرفانا"١، والاندماج معها كما حدث في الانطلاق والنجاة.
أما فكرة البوذية عن الإله فقد تجاهلته تماما، ولم تتكلم عنه، ولم يشر بوذا إلى ذلك لا نفيا ولا إثباتا، بل كان يدعو إلى اكتشاف الألم، والبحث عن مصدره من أجل إعدامه لنزول الآلام، ويصل الإنسان إلى السعادة٢.
وكان صمت البوذية عن أفكار الألوهية الهندوسية، وقصرها إلغاء نظام الطبقات على من دخل البوذية، وتبسيطها العقائد -سببا في إقبال الناس عليها، وتمسكهم بأخلاقها، مع ولائهم لآلهة الهندوس، وكان هذا الوضع سببا في أن مظاهر البوذية لم تكن خالصة بها، بل كانت خليطا منها ومن الهندوسية، الأمر الذي جعلها محل تقبل في المجتمع الهندي، وسرعان ما اكتسبت تعاليم الهندوسية، وذابت فيها وقبلت من الناحية العملية لا النظرية نظام الطبقات الهندوسي.
وأتى القرن السادس الميلادي على الهند والبوذية تنتشر بثقافاتها وأخلاقها وحضارتها، إلى عديد من الأماكن خارج الهند، فوصلت إلى البنغال والصين شرقا، وكشمير وكوريا شمالا٣، وكان لاعتقاد الهندوس بتناسخ الأرواح أن عبدوا الحيوان، على أساس أن روحا قديمة تقمصته، فعبدوه على أساس أنه جد حقيقي، أو رمزي للأسرة، وأنه معطيهم الخير بلا مقابل٤.
وقد اتخذ العامة منهم الأصنام وجعلوها آلهة لهم٥ يعبدون لها، ويتقربون إليها بقرابين، وهي عندهم تجسيد لشيء قوي وهام، وكانوا يسمون الصنم باسم
_________________
(١) ١ أديان الهند الكبرى ص١٥٦ وما بعدها. ٢ الله ص٦٥. ٣ أديان الهند الكبرى ص٨٤. ٤ الله ص٦١. ٥ الملل والنحل للشهرستاني ج١ ص٢٦٧ وما بعدها.
[ ٨٥ ]
القوة الغائبة عنهم، فصنعوا للشمس صنما، وللقمر آخر، وللنار مثل ذلك وهكذا.
وقد أقاموا في بعض الأحيان بيوتا للأصنام يطوفون حولها، ويسجدون فيها، ويبدو أن هذه الأصنام هي من بقايا آلهة الهندوسية في بدائيتها، وقد بقيت عند العامة وفي عدد قليل من الشعب الهندي.
[ ٨٦ ]
المبحث الخامس: ملاءمة الواقع العالمي للحركة بالإسلام
أولا: شيوع الضلال الديني
المبحث الخامس: ملاءمة الواقع العالمي للحركة بالإسلام
بالنظر إلى أوضاع العالم قبيل مجيء الإسلام -كما ظهرت في المباحث السابقة- نلمس مدى حاجته إلى دين ينقذه من ضلاله وهوانه، وقد تجلت رحمة الله تعالى بالناس؛ فجاء الإسلام بدعوته وعمل عمله في العقول والقلوب، وأخذ في صناعة العالم بمنهج الله تعالى.
ويمكن إجمال أوضاع العالم التي جعلته ملائما لدعوة الإسلام في النقاط التالية:
أولا: شيوع الضلال الديني
يرحم الله عباده، وينزل عليهم كتبه، ويرسل فيهم رسله؛ ليخرجهم من ظلمات الشرك والكفر، إلى أنوار الحق والإيمان.
وجاءت الرسالات تَتْرَى، فكلما احتاج الناس إلى الحق أتاهم رسول من قبل الله تعالى بالهداية والخير.
ودائما تأتي الرسالة في إحدى الحالات التالية:
١- أن تكون الرسالة السابقة خاصة بقوم معينين، وحينئذ يحتاج غيرهم إلى رسالة أخرى.
٢- وإما أن يتطور أتباع الرسالة فكريا أو اجتماعيا، مما يجعل الرسالة السابقة فيه قاصرة بتعاليمها عن ملاءمة التطور الجديد.
٣- وإما أن تختفي معالم الرسالة السابقة، أو أغلبها لطول الزمن، مما يجعل أتباعها يعجزون عن معرفتها لتطبيقها.
٤- وإما أن يقوم نفر من الناس بتحريف الرسالة الموجودة لغاية في أنفسهم، وحينئذ يحتاج الناس إلى رسالة صحيحة خالية من التحريف.
[ ٨٧ ]
وللناس في كل حالة من الحالات المذكورة عذر في عدم الاتباع، وترك ما عندهم من رسالة؛ لأنها تكون قاصرة عن الحق، لا تمثل هدى الله للناس.
فدين إبراهيم -﵇- قبيل ظهور الإسلام لم يبقَ منه إلا بعض رموز لا تمثل شيئا من الحقيقة، وقد رأينا كيف امتلأت الكعبة بالأصنام، وكيف اخترع العرب ألوان الشرك، وابتدعوا صورا عديدة للعبادات، وزعموا أن ذلك من دين إبراهيم ﵇.
ورأينا أهل الكتاب وقد أدخلوا في دين عيسى ﷺ ما ليس منه، وحرفوه وبدلوه وشغلوا أنفسهم بالمجادلات والمحاورات حول الألوهية والمسيح ومريم بما لا يفيد.
ورأينا ما كان عند الهند وفارس من ضلال وفساد جعلهم يعبدون النار والحيوان وكافة مظاهر الطبيعة المخلوقة.
كل هذا يؤكد الضلال الديني في العالم كله، ويؤكد حاجة الناس إلى دين ينقذهم من هذا الضياع الذي هم فيه، وفي رواية سلمان الفارسي عن قصة إسلامه دلالة واضحة على هذا الضلال الذي ساد العالم كله؛ لأنه عايش المجوسية والنصرانية واليهودية في هذا الزمان قبيل ظهور الإسلام.
يروي ابن عباس عن سلمان الفارسي أنه قال: "كنت رجلا فارسيا من أهل أصبهان، من أهل قرية منها يقال لها: "جي"، وكان أبي دهقان قريته، وكنت أحب خلق الله إليه، فلم يزل به حبه إياي حتى حبسني في بيت كما تحبس الجارية، واجتهدت في المجوسية حتى كنت قطن النار الذي يوقدها، لا أتركها تخبو ساعة، وكان لأبي ضيعة عظيمة.
شغل في بنيان له يوما، فقال لي: يا بني، إني قد شغلت في بنياني هذا اليوم عن ضيعتي، فاذهب فاطلع عليها، ودبر شئونها، وأمرني فيها ببعض ما يريد.
[ ٨٨ ]
ثم قال لي: لا تحتبس علي، ولا تغب عني، فإنك إن احتبست علي كنت أهم من ضيعتي، وشغلتني عن كل شيء من أمري.
فخرجت أريد ضيعته، فمررت بكنيسة من كنائس النصارى، فسمعت أصواتهم فيها وهم يصلون، وكنت لا أدري سبب حبس أبي إياي في بيته، فلما مررت بهم وسمعت أصواتهم، دخلت عيلهم أنظر ماذا يصنعون، فلما رأيتهم أعجبتني صلاتهم ورغبت في أمرهم وقلت: هذا والله خير من الدين الذي نحن عليه، فوالله ما تركتهم حتى غربت الشمس، وتركت ضيعة أبي ولم آتها.
فقلت لهم: أين أصل هذا الدين؟
قالوا: بالشام.
ثم رجعت إلى أبي، وقد بعث في طلبي، وقد شغلت عن عمله كله.
فلما جئته قال: أي بني أين كنت؟ ألم أكن عهدت إليك ما عهدت؟
قلت: يا أبتِ مررت بناس يصلون في كنيسة لهم، فأعجبني ما رأيت من دينهم، فوالله ما زالت عندهم حتى غربت الشمس.
قال: أي بني ليس في ذلك الدين خير، ودينك ودين آبائك خير منه.
قلت: كلا والله، وإنه لخير من ديننا.
فخافني، فجعل في رجلي قيد، ثم حبسني في بيته.
وبعثت إلى النصارى وقلت لهم: إذا قدم عليكم من الشام تجار من النصارى فأخبروني بهم، فأقبل عليهم ركب من الشام تجار من النصارى فأخبروني.
فقلت: إذا قضوا حوائجهم، وأرادوا الرجعة إلى بلادهم، فآذنوني بهم.
فلما أرادوا الرجعة إلى بلادهم أخبروني بهم، فألقيت الحديد من رجلي، ثم خرجت معهم حتى قدمت الشام.
فلما قدمتها قلت: من أفضل أهل هذا الدين؟
قالوا: الأسقف في الكنيسة.
[ ٨٩ ]
فجئته فقلت: إني قد رغبت في هذا الدين، وأحببت أن أكون معك أخدمك في كنيستك، وأتعلم منك، وأصلي معك.
قال: ادخل، فدخلت معه، فكان رجل سوء، يأمرهم بالصدقة، ويرغبهم فيها، فإذا جمعوا له منها شيئًا اكتنزه لنفسه، ولم يعطه المساكين، حتى جمع سبع قلال من ذهب وورق، وأبغضته بغضًا شديدًا لما رأيته يصنع، ثم مات فاجتمعت إليه النصارى ليدفنوه.
فقلت لهم: إن هذا كان رجل سوء يأمركم بالصدقة ويرغبكم فيها، فإذا جمعتم له منها أشياء جئتموه بها اكتنزها لنفسه، ولم يعطِ المساكين منها شيئًا.
قالوا: وما علمك بذلك؟
قلت: أنا أدلكم على كنزه.
قالوا: فدلنا عليه.
فأريتهم موضعه فاستخرجوا منه سبع قلال مملوءة ذهبًا وورقًا.
فلما رأوها قالوا: والله لا ندفنه أبدًا، فصلبوه ثم رجموه بالحجارة، ثم جاءوا برجل آخر فجعلوه بمكانه.
يقول سلمان: فما رأيت رجلًا يصلي أفضل منه، ولا أزهد في الدنيا ولا أرغب في الآخرة، ولا أدأب ليلًا ونهارًا منه، فأحببته حبًّا لم أحبه من قبله، فأقمت معه زمانًا ثم حضرته الوفاة، فقلت له: يا فلان، إني كنت معك، وأحببتك حبًّا لم أحبه أحدًا من قبلك، وقد حضرك ما ترى من أمر الله، فإلى مَن توصي بي؟ وما تأمرني؟
قال: أي بني، والله ما أعلم أحدًا اليوم علي ما كنت عليه، لقد هلك الناس وبدلوا وتركوا أكثر ما كانوا عليه إلا رجل بالموصل، وهو فلان، فهو على ما كنت عليه، فالحق به.
فلما مات وغيب لحقت بصاحب الموصل، فقلت له: يا فلان، إن فلانًا أوصاني عند موته أن ألحق بك، وأخبرني أنك على مثل أمره.
[ ٩٠ ]
فقال: أقم عندي، فأقمت عنده، فوجدته خبر رجل "على أمر صاحبه"، فلم يلبث أن مات، فلما حضرته الوفاة، قلت له: يا فلان، إن فلانا أوصاني إليك وقد أمرني باللحوق بك، وقد حضرك من أمر الله ما ترى، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟
قال: أي بني، والله ما أعلم رجلا على مثل ما كنا عليه إلا رجلا بنصيبين، وهو فلان، فالحق به.
قال: فلما مات وغيب، لحقت بصاحب نصيبين، فجئته فأخبرته خبري، وما أمرني به صاحبي.
قال: أقم عندي، فأقمت عنده فوجدته على أمر صاحبيه، فأقمت مع خير رجل، فوالله ما لبث أن نزل به الموت، فلما حضر قلت: يا فلان، إن فلانا كان أوصى بي إلى فلان، ثم أوصى بي فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟
قال: أي بني، والله ما أعلم أحدا بقي على أمرنا آمرك أن تأتيه إلا رجلا بعمورية، فإنه على مثل ما نحن عليه، فإن أحببت فائته، فإنه على مثل أمرنا.
فلما مات وغيب لحقت بصاحب عمورية، فأخبرته خبري.
فقال: أقم عندي، فأقمت مع رجل على أمر أصحابه وهديهم، واكتسبت حتى صارت لي بقيرات وغنيمة.
قال: ثم نزل به أمر الله ﷿.
قال: فلما حضر، قلت له: يا فلان، إني كنت مع فلان، وأنه أوصى بي إلى فلان، وأوصى بي فلان إلى فلان، إلى فلان، وأوصاني بي فلان إليك، فإلى من توصي بي؟ وما تأمرني؟
قال: يا بني، والله ما أعلم أحدا على ما كنا عليه من الناس آمرك أن تأتيه، ولكن قد أظلك زمان نبي، هو مبعوث بدين إبراهيم، يخرج بأرض العرب، مهاجرة
[ ٩١ ]
إلى أرض بين حرتين، بينهما نخل، به علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، بين كتفيه خاتم النبوة، فإن استطعت أن تلحق بتلك البلاد فافعل"١.
ونلحظ من القصة ما كان عليه الفرس والنصارى، وما كان عليه الجميع من ضلال جعلت سلمان ﵁ يترك موطنه، ودين آبائه، وينتقل في العديد من الأماكن باحثا عن الدين الحق، حتى وجده في مبعث المصطفى ﷺ.
ومن رحمة الله بالناس أن جاءهم بالإسلام في وقت تلاقت فيه الأفهام، ونضجت العقول، وتشابهت في التوجه والتفكير، حتى صارت البشرية كيانا فكريا واحدا في مصاحبة دين الله الواحد، الذي جاء مناسبا للناس أجمعين.
وقد ضمن الله دينه من التعاليم ما يجعله صالحا على الزمن كله لا يقصر عن غاية للناس إلى يوم القيامة، وحفظ الله دينه بثبوت الوحي الذي نزل به، وحقق الأسباب الموجبة لهذا الحفظ، الأمر الذي يؤكد استمرار الإسلام بين الناس كما أنزل من عند الله تعالى بلا تحريف أو غموض.
إن الحقيقة التطبيقية تؤكد كفاية الإسلام للناس وعدم حاجتهم لدين جديد، وكل ما عليهم أن يعلموا دينهم، ويعملوا بما جاء به.
_________________
(١) ١ رواه أحمد في المسند - الفتح الرباني - باب المناقب - باب ما جاء في سلمان ج٢٢ ص٢٦١، والحاكم في مستدركه، والطبراني في الكبير بنحوه، يقول الهيثمي: رجال هذه الرواية رجال الصحيح، وقد صرح محمد بن إسحاق بالسماع فانتفت تهمة التدليس، وذكر البخاري في الصحيح أن قصة إسلام سلمان تناولها بضعة عشر سيدا.
[ ٩٢ ]
ثانيا: هوان الإنسان
سيطر على العالم قبيل ظهور الإسلام وضع سيئ، ضيع حقوق الإنسان وحرمه من حريته وكرامته وسائر حقوقه.
ففي كل مجتمع وجد العبيد والمنبوذون والضعفاء الذين يعيشون لخدمة السادة والرؤساء، لدرجة أن الإنسان الضعيف كان يعد جزءا من الأرض يملكه غيره كما يملك الحيوان والمتاع والعقار، وانقسمت المجتمعات جميعا إلى طبقات عديدة يتمتع من خلالها فريق الطبقة العليا بكل شيء، ويحرم الآخرون من أي شيء، ولذلك انتشرت الأحقاد والكراهية بين أبناء الشعب الواحد.
ومن العجيب أن استغلال الإنسان لغيره واستعباده لغاياته وأمانيه لبس ثوبا دينيا، فالطبقات العليا في فارس والهند هي آلهة الناس، وليس على الطبقات الدنيا إلا السمع والطاعة.. وفي الدولة الرومانية بقسميها شغل القياصرة الناس بأمور جدلية حول طبيعة المسيح وأمه، وحول الألوهية وصلة المسيح بالله.. ومع كل هذا الجدل كانت طبقة الكنيسة تملك كل شيء، فهي ظل الله في الأرض، وعليها المحافظة على ما للمسيح من قداسة وتقدير.
وكان الولاة في كافة الأقاليم يرهقون الناس بدفع الضرائب، وتحصيل الإتاوات المختلفة بمسميات كثيرة، ويجبرونهم على ذلك، وإن كان فيما يدفعون معاشهم وحياتهم وحياة أبنائهم.
وهكذا عاش إنسان هذا الزمان مقهورا مظلوما مستعبدا باسم دين العلية الحاكمة.
وقد تذكر بعض الصور الأخلاقية الكريمة هنا، أو هناك، إلا أنها لا تدل على طبيعة العلاقات الاجتماعية بصورة عامة؛ لأنها صور وجدت في حياة الرؤساء والقادة، والطبقات العليا، ولم ير العامة منها شيئا.
وهذا الوضع يفسر سر مسارعة الضعفاء إلى اعتناق الإسلام، والدخول في دين الله تعالى، لما رأوا فيه من عقيدة كاملة، ترضي العقل، وتشبع النفس، وتحقق للجميع الحرية والمساواة، في إطار الأخوة الدينية التي تؤكد على أن الناس سواسية لا يفضل أحدهم أخاه إلا بالتقوى، وجزاء الجميع عند الله تعالى.
[ ٩٣ ]
ثالثا: سهولة التواصل
لم تستمر البشرية على بداوتها الأولى، ولكنها تقدمت تقدما هائلا في المدنية والتحضر المادي.
وقد برز ذلك بوضوح في اكتشاف طرق الاتصال العديدة، التي ربطت العالم كله، وأصبح التجار يرحلون ببضائعهم إلى كل مكان في المعمورة، ويركبون البحر على اتساعه وعمقه، وصار شرق إفريقيا وبلاد الحبشة مرتبطا باليمن والجزيرة العربية، وتمكن تجار مكة من الرحلة بقوافلهم شرقا وغربا وشمالا وجنوبا في يسر وأمان.
ولم تعد المحيطات حاجزا يمنع من التنقل، وإنما ساهمت الصناعات العديدة في تحقيق التواصل، وسهولة الانتقال من مكان إلى مكان.
صحيح أن التواصل لم يكن سلاما كله، فلقد نشأت الحروب، وسيطر الأقوياء على الضعفاء، وتحولت البلاد الصغيرة إلى ولايات تابعة للفرس أو للروم، تستغل خيرها، وتسخر أصحابها لخدمتهم ومصالحهم.
ومع ذلك ففي التواصل كسب مادي، وارتقاء عقلي، ومعرفة عبادات وفكر الآخرين.
وكثيرا ما انتقلت العادات والأفكار والمذاهب مع هؤلاء المسافرين.
وقد حاول القسس والأباطرة الاستفادة بهذه التطورات المدنية، فعقدوا المؤتمرات والمجامع العالمية التي كان يحضرها الآلاف منهم في كنائس مصر، أو في بيت المقدس، أو في الشام، أو في أوربا، بسهولة وأمان.
وهاجر المسلمون إلى الحبشة وكأنها بلد مجاور لمكة..
وظهر في كل إقليم من يتقن المعرفة بالطرق، وقيادة القوافل في الرحلة والحركة.
ولما جاء الإسلام ساهمت هذه الخاصية في نشر الدعوة وتبليغها للناس في كل مكان؛ حيث تمكن الدعاة من الوصول إلى كل مكان قصدوا التبليغ فيه؛ لأن الطريق معروف لهم، ومخاطبة أهل البلاد أمر عادي لسابق إحاطتهم بلغتهم وعاداتهم.
[ ٩٤ ]
وقد ساعد هذا التواصل على سرعة انتقال الأفكار والأخبار؛ ولذلك كان كل فريق يعرف أخبار الآخرين، وكانت العقائد والأديان والمذاهب الخاصة بجماعة ما معلومة لغيرهم من الناس.
فلما بعث محمد ﷺ انتشر خبره في الجزيرة العربية، وفي العالم كله؛ ولذلك جاءت الوفود إلى مكة لاكتشاف أخبار الدعوة الجديدة، فلما رأوا موقف أهل مكة انتظروا نتائج صراعهم مع الدعوة، فلما فتحت مكة دخلت الجزيرة كلها في دين الله تعالى..
[ ٩٥ ]
رابعا: تعدد الصراع
ساد العالم في هذا الزمان صراع عام، فلم تخلُ أمة أو منطقة منه، سواء كان الصراع بين عناصر الأمة الواحدة، أو بينها ويبن غيرها، وأهم ما تميز به هذا العصر هو تكرار الصراع تكررا متلاحقا فمنهزم اليوم ينتصرغدا، وهكذا دواليك من غير توقف، وغالبا ما كان الصراع بسبب سياسي أو اقتصادي أو ديني تبعا لاختلاف البيئات، ففي البيئة العربية لم ينشأ صراع بسبب السلطة خاصة بعد أن وزع "قصي" الأعمال بين القبائل وجعلها فيهم وراثية، وإنما كان صراع العرب بسبب الاقتصاد في أكثر الأحيان.
وفي البيئة الرومانية كان سبب الصراع ينحصر في الدين والسياسة.
وفي الفرس والحبشة كان السبب في الدين.
وفي الهند كان السبب في نظام الطبقات المعروف فيهم.
وقد ساد الصراع الداخلي سائر الأمم، ففي الدولة الرومانية الشرقية قامت ثورات عدة أشهرها ثورة الزرق والخضر أثناء حكم جستنيان سنة ٥٣٢م التي طالبت بإقصاء وزير المالية وإجراء تعديلات كثيرة، وقد قضى جستنيان على هذه الثورة بإراقة دماء كثيرة وصلت إلى قتل خمسة وثلاثين ألفا١.
_________________
(١) ١ الإمبراطورية البيزنطية ص٦٠-٦٣.
[ ٩٥ ]
وفي الرومانية الغربية نشأت دولة جرمانية، وقامت ثورات عدة وحروب كثيرة، من أشهرها في بلاد الغال "فرنسا" حيث ظهر الصراع بين كلوفسي وسيجاريوس، والثورنجيين، والبرجنديين، واللأليمان١، وكان هناك صراع في إيطاليا٢ وبين البربر في شمال إفريقيا٣.
وبين العرب كانت أيامهم كيوم داحس الذي استمر مدة طويلة، وكذلك حرب حالب، ويوم بعاث بين الأوس والخزرج، وقد استمرت إلى قبيل الإسلام.
وفي فارس كان الصراع مستحكما بين أفراد البيت الواحد، بين الأب وبين الابن، ومما ساعد على ازدهار الصراع في الفرس ظهور مذهب "ماني" القائم على الشيوعية المطلقة.
ومع الصراع الإقليمي وُجد الصراع الدولي بين الفرس والروم؛ إذ كانت الحرب مستعرة بينهما على الدوام في أطراف الجزيرة العربية جنوبا في اليمن، وشمالا بين الغساسنة والمناذرة.
إن الصراع بكافة أشكاله وصوره يؤدي حتما إلى تغيرات اجتماعية، سواء كانت هذه التغييرات متجهة إلى التقدم، أو إلى التأخر، وقد سلم علماء الاجتماع بضرورة هذه التغييرات٤، إلا أنها تتجه عندهم في النهاية إلى التطور والتقدم، يقول إيمانول كانت: إن القوة التي تدفع التاريخ إلى التطور هي الصراع، وهيجل يرى أن التعارض هو أهم مؤثر في العلاقات الإنسانية، وأن حركة التطور الاجتماعي ما هي إلا النماء المستمر للأضداد ثم اندماجها في النهاية لإيجاد مرحلة من التطور٥.
_________________
(١) ١ المسلمون والجرمان ص٣٧. ٢ نفس المرجع ص٣٠. ٣ نفس المرجع ص٢٥. ٤ أصول علم الاجتماع ص٢٢٠. ٥ أصول علم الاجتماع ص٨٥.
[ ٩٦ ]
ومن التغييرات التي يمكن أن تحدث بعد أي صراع ظهور قُوَى جديدة، وبروز أفراد يقابلون المخاطر بفهم وشجاعة، كما أن التفتح الذهني يجعل المتصارعين لا يتعصبون لشيء معين، ويبحثون عن أية قيمة إنسانية تخلصهم من هذا الصراع، فإن الطبقة المستضعفة تتمنى الخلاص والهروب مما هي فيه.
وقد استفادت الدعوة الإسلامية من كل هذا؛ لأن القوى الجديدة التي ظهرت كانت ركيزة لانطلاق الدعوة ونشرها، وكان أتباع الدعوة الأول من هذه الفئات الجديدة التي لا تتعصب لمواريث قديمة.
وأيضا فإن الانفتاح الذهني وذوبان التعصب الأعمى يفيدان الدعوة في كثير، فبالذهن الصافي تفهم التعاليم والأفكار، وبذوبان التعصب تتخلص الدعوة من عدو بغيض يقف في طريقها.
إن فكرة البحث عن قيمة راقية، وخلاص للضعفاء، وجدا في الدعوة بغيتهما، فكان الضعفاء هم أتباع الدعوة في العرب وفي كل مكان؛ لأنهم بها يتخلصون من مهانة الرق، وذل الطبقية، وضعة المنبوذين، وبها كذلك لا يتجهون بالتعظيم والتقديس إلى شخص ما، لا ينالهم منه سوى الظلم والجبروت والتعالي، وإنما يتجهون إلى الله الخالق، صاحب النعم كلها، الذي يملك الخلق كله، ويحيط به علما، وإرادة، وقدرة، ويوزع رحمته على جميع الناس، ويأمر في الدعوة بالقيم الراقية، والسلوك الممتاز، ويحث على إقامة أخوة صادقة، ومساواة حقيقية، وعدل في الكسب والعمل.
إن وضعية الضعفاء تتفق لأول وهلة مع روح الدعوة ومبادئها، والمتصارعون يجدون بغيتهم في الدعوة؛ لأنها تهدم سبب صراعهم، وتؤاخي بينهم بالحسنى، وتعوِّدهم على الألفة والخير.
إن صراعات هذا الزمن تميزت عن كل ما سبقها بالشمول والعمق؛ حيث اتنشرت في العالم كله، بشكل مستمر، ومتجدد، كما أنها لامست سائر حياة الناس
[ ٩٧ ]
وعاشت في نفوسهم وأحلامهم؛ ولذلك كانت نهايتها أمنية صادقة على مستوى هذا الشمول وهذا العمق، فلما جاءت الدعوة الإسلامية هادفة إلى تغيير جذري في المجتمع، وإزالة الصراع والآلام من حياة الناس، وتحرير العبيد، والمنبوذين، والأُجَراء من وضعهم البائس، ووضعهم في الإطار النظيف الذي وضعته للناس أجمعين بما فيه من كرامة وحرية ومساواة، لما جاءت هكذا آمن بها الجميع وانتشرت بسرعة عجيبة قوية.
[ ٩٨ ]
خامسا: النضج الفكري
شاهد القرن السادس الميلادي تطورا عقليا في كل أرجاء المعمورة بشكل لم يعهده الناس من قبل حتى كأن البشر قد ترقوا من طفولتهم الذهنية إلى مرحلة بلغ فيها الإنسان أشده -كما يقول الشيخ/ محمد عبده١- ولعل المراد من النضج العقلي المذكور هو وصول الإنسان إلى التفكير الكلي المنظم، الذي يستنتج من المحسوس، ومن القضايا العقلية أشياء أخرى غيرها، وينظر الحياة نظرة فيها الرضى القائم على التحليل والنقد، أو السخط المعتمد على الدليل والمناقشة، ويحاول دائما السمو إلى العلا والتقدم.
إن طفولة الإنسان كانت تقوم على المحسوس فقط، تنبهر بالعجائب، وتندهش بالظواهر الخارقة كعهدها مع الرسالات السابقة؛ لأن الخوارق إليهم كانت حسية، كانوا يؤمنون بعدها خائفين ومندهشين، كما حدث لما أحيا المسيح شابا في مدينة "نايين" فقد أخذ الجميع خوف ومجدوا الله قائلين: قدم قام فينا نبي عظيم وافتقد الله شعبه٢.
ولقد كان عصر الدعوة الإسلامية يوافقه عصر نضج عقلي واضح، ساد العالم كله، وقد تجلى هذا الواقع في نقد ظهر في كل مكان، متجها إلى العقيدة
_________________
(١) ١ رسالة التوحيد ص١٥٥. ٢ إنجيل لوقا - الإصحاح السابع - فقرات ١٤-١٦.
[ ٩٨ ]
الدينية وأوهامها، ولم تجد العلماء مشقة أمام الخوض فيما كان ممنوعا من قبل باسم الحق المقدس لرجال الدين وعقائدهم على اختلاف أممهم وأديانهم.
ففي العالم المسيحي الواسع بدأت الأصوات ترتفع ضد أوضاع لا تتفق مع الطبيعة العقلية، من أمثال المناداة بألوهية المسيح، وتركبه من طبيعتين، مع إصرار هذه الأصوات على مذهب الفطرة القائل ببشرية المسيح، وتكونه من طبيعة إنسانية واحدة، وقد اختار الله ليكون رسولا نبيا، من قبل الإله الواحد، وأحاطه بالخوارق التي لا توجد مع الناس دفعا إلى تصديقه في دعواه، وما دفعهم إلى هذا الرأي إلا عقلهم الذي أبى التصديق بما هو وهم وخيال، ولأن تصور أصحاب مذهب الطبيعتين تصور ينهار أمام النظرة الفاحصة، وقد حدثت لهذه المعارضات أحداث خطيرة في كل العالم المسيحي انعقدت لها مجامع عدة، على النحو الذي سبق ذكره.
ولم يكن المنادون بمذهب التوحيد عددا قليلا، يقول إن البطريق: "إن الذنب ليس على "أريوس"، وهو رأس المنادين بالتوحيد، بل على فئات أخرى سبقته فأخذ هو عنها، ولكن تأثير تلك الفئات لم يكن شديدا كما كان تأثير "أريوس" الذي جعل الكثيرين ينكرون سر الألوهية، حتى انتشر هذا الرأي وعم"١، وهذا دليل على نضج عقلي وجد بين المسيحيين، جعلهم يحاولون إصلاح معتقداتهم.
ومن الملاحظ أن المسيحيين الذين عارضوا الإصلاح احتموا أيضا بعقلهم وحاولوا التدليل على صدق معتقدهم بأدلة جدلية في صورة تشبيه عقلي، وهذه إن دلت فإنها تدل على تقدم ذهني، وفهم إدراكي، فيه نوع من التجريد والعقل، يقول الشهرستاني عنهم: "ولهم في كيفية الاتحاد والتجسد كلام، فمنهم من قال: أشرف على الجسد إشراق النور على الجسم المشف، ومنهم من قال: انطبع فيه انطباع النقش في الشمع، ومنهم من قال: ظهر به ظهور الروحاني بالجسماني،
_________________
(١) ١ محاضرات في النصرانية ص١٢٣.
[ ٩٩ ]
ومنهم من قال: تدرع اللاهوت بالناسوت، ومنهم من قال: مازجت الكلمة جسد المسيح ممازجة اللبن الماء، والماء اللبن"١.
فهذه الأدلة مع ما فيها تدل على تقدم فكري معين، ويكفي أنها من أنصار التعصب المسيحي الذين آمنوا بألوهية المسيح، وحاولوا جعل هذه الألوهية فكرة مستساغة أمام العقل، فأتوا بهذه التشبيهات ليقربوا فكرة اتحاد الألوهية مع الإنسانية.
ولو تركنا عالم المسيحية إلى غيرها لوجدنا أن الهنود قد أيدوا ثورة "بوذا" على الهندوكية في بعض تعالميمها، ومحاولتها تبسيط العقائد، والاهتمام بالأخلاق والعودة إلى الفطرة، كما أن الهنود قبيل مجيء الدعوة الإسلامية كانوا يتجهون لواحد من الآلهة، ويخصونه باسم: "رب الأرباب" و"إله الآلهة"٢، وهذا نوع من التوحيد لم يعهده الهنود من قبل، فلقد كانوا دائمًا يعددون الآلهة، ويقدسون كثيرًا من مظاهر الطبيعة، بلا التفات إلى حقيقتها، أو فهم لمعنى عبادتهم لها، إلا أنهم في هذا العصر بسبب النضوج تمكنوا من تخطي الردة العقلية، والقرب من توحيد الآلهة.
وفي الجزيرة العربية وعلى الرغم من تعمق القوم في تقديس الأصنام، وتعظيم الحجر، فإن النضج الذي اتسم به العصر بدأ يظهر في العرب؛ إذ اتجهوا بعقولهم إلى حياتهم ينظرون فيها، ويضعون لها نظامًا يكفل الأمن والسلام، ويقلل الصراع والشرور؛ ولذلك نظموا نشاطهم خلال السنة فأحاطوا بفصولها، ونظموا التجارة على وفق هذه الفصول، وأقاموا أسواقًا تدور مع أيام السنة، وفي جميع أماكن الجزيرة، وحتى يحققوا أكبر فائدة من هذه الأسواق جعلوها مكانًا للكسب المادي، وتقوية للشعور القومي، وللتسابق اللغوي والأدبي، وكأنها مؤتمرات تمهد لوحدة مقبلة.
وظهرت دقة تنظيم هذه الأسواق في اختيار الأمكنة والأزمنة، فعن الأمكنة وزعوها في ملتقى جميع أبناء الجزيرة، وعن الأزمنة جعلوها في الأشهر الحرم، وبهذه
_________________
(١) ١ الملل والنحل ج١ ص٢٠١. ٢ ملامح الهند والباكستان ص١٤٣.
[ ١٠٠ ]
الدقة ضمنوا لأنفسهم الحركة الآمنة، والقول الجريء، والنقد الحر، وكل هذه أسباب تجعل العقل ينمو باطراد، وخصوا الأسواق الهامة بشهري ذي القعدة وذي الحجة؛ إذ جعلوا سوق "عكاظ" في أول شهر ذي القعدة، و"المجنة" في آخره، وذي المجاز وعرفة في شهر ذي الحجة١؛ ربطا للدنيا بالدين؛ إذ يُقْدِم الحجاج في هذا الوقت من كل صوب قاصدين مكة، والكعبة، فيعيشون هذه الأسواق، ويكتسبون مع شعورهم الديني بعض معاشهم.
ولعل أوضح مظاهر النضج العقلي عند العرب ظاهرة الحنفاء، الذين أخذوا يحللون بعمق وفهم فساد ما عليه الناس، ويبينون الحاجة إلى دين يعرف بالخالق، ويكتشفون الطريق إليه، مدللين على اتجاههم بما وقعت عليه حواسهم من مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لن تغور، وليل داج، ونهار ساج، وقد وصلت هذه الجماعة برجاحة عقلها إلى بعض شريعة إبراهيم ﵇.
وفي الحق لقد وصل النضج الفكري إلى مستوى ممتاز، ناسب ظهور الدعوة الخاتمة بمعجزتها التي جعلها الله تعالى في قرآنه الكريم، الذي نزل للناس، يؤمن بالكلمة ويخاطب العقول، ويهتم بالمعاني والأفكار، وينقل الإنسان من عالم الحس إلى عالم الغيب والإيمان به، مع اشتماله على وسائل تتعدد أمام الفكر، تؤكد وتجادل، وتقرب وتيسر، قاصدة الإقناع العقلي، واليقين النفسي، والثبات مع الروح والوجدان، أكثر من ثباتها مع الانفعالات والأحاسيس.
يقول الشيخ/ رشيد رضا: إن الله جعل نبوة محمد ورسالته قائمة على قواعد العلم والعقل في ثبوتها وفي موضوعها؛ لأن البشر قد بدءوا يدخلون بها في سن الرشد والاستقلال النوعي، الذي لا يخضع عقل صاحبه فيه لاتباع من تصدر منهم أمور مخالفة للنظام الكوني، وإنما جعل الله تعالى حجة نبيه كتابه المعجز للبشر، بهدايته
_________________
(١) ١ أخبار مكة ج١ ص١٢١، ١٢٢ بتصرف.
[ ١٠١ ]
وعلومه، وبإعجازه اللفظي والمعنوي؛ ليربي البشر على الترقي في هذا الاستقلال إلى ما هم مستعدون له من الكمال١.
وقد جعل الله معجزة الإسلام هكذا لتتلاءم مع طبيعة البشر العقلية، ودائما يجعل الله المعجزة من جنس ما تفوق فيه البشر الذين تأتيهم هذه المعجزة، حتى يتمكنوا من تبيان صدق الرسول في دعواه، وينظروا إلى ما جاءهم به، ويعلموا أنه وحي من الله، ودليلهم المعجزة التي يعرفونها يقينا؛ حيث تفوقوا في جنسها ونوعها كما ظهرت لهم.
إن معجزة موسى -﵇- في قوم اشتهروا بالسحر كانت قلب العصا ثعبانا، وإخراج اليد بيضاء من تحت الجناح، ومعجزة عيسى -﵇- إلى قوم اشتهروا بالطب هي إحياء الموتى وإبراء الكمه والأبرص، فكان لزاما أن تأتي معجزه الإسلام على هذه السنة، ما دام العالم كله على وجه العموم في موجة رشيدة من النضج الفكري.
وكان العرب على الخصوص أكثر اهتماما بصناعة اللسان، وعلوم البلاغة والفصاحة٢؛ ولذا كانت المعجزة هي القرآن الكريم مناسبة لهذا النضج، ومراعاة للبلاغة والفصاحة، ليؤمن العرب سراعا بها وينطلقوا حاملين الدعوة إلى كل العالم مقدرين نضجه الذي ساعد على أن تكون الرسالة عامة وخاتمة.
ومع ما في القرآن الكريم من إعجاز لغوي ناسب العرب الذي نزل بلغتهم، فإنه يشتمل على وجوه عدة للإعجاز تناسب كافة الأمم؛ لأن الرسول بعث للعالم كله، ففي القرآن من وجوه الإعجاز الكثير، منها:
- الإعجاز التاريخي بما فيه من بيان لتاريخ السابقين وآثارهم ومللهم ونحلهم؛ ليناسب أهل الحضارات المهتمين بالتاريخ.
_________________
(١) ١ الوحي المحمدي ص٦١. ٢ توضيح العقائد ص١٧٢.
[ ١٠٢ ]
- الإعجاز العلمي، مثل إيراد بعض الإشارات عن الحديد، وألوان الصناعات.
- الإعجاز الفلكي، مثل الحديث عن الشمس والقمر والليل والنهار.
- الإعجاز البيئي، مثل الحديث عن الزراعة، والحيوان، والنهر، والبحر.
- الإعجاز النفسي والاجتماعي.
[ ١٠٣ ]
سادسا: انتظار رسول جديد
سادسا: انتظار رسول الله جديد
كان للنضج الذي ساعد العالم، وكثرة الصراع وتنوعه، وسهولة الاتصال، وتلاقي الأفكار قبيل مجيء الدعوة الإسلامية أن ظهرت موجة من النقد للعقائد يومذاك.
إن النقد على العموم ظاهرة تدل على عدم اكتمال الثقة في العقائد التي يتوجه النقد إليها، ومن هنا صاحب عملية النقد شعور بقرب ظهور نبي من العرب يصلح فساد هذا العالم، ويضع الحقيقة الفاصلة في مسألة العقيدة والسلوك، وكل ما يعتقده الناس في الأصنام، ويطلبونه منها.
وقد وصل هذا الشعور إلى حد الاحتمال المؤكد لدرجة أن اليهود في المدينة "يثرب" كانوا ينتظرون هذا النبي على وجه اليقين، وكثيرا ما ذكروا لجيرانهم من الأوس والخزرج أنهم سيتبعون هذا النبي ﷺ فور ظهوره ليتمكنوا به من سيادة العالم وتملك الناس، وقتل الأوس والخزرج قتل عاد وإرم، والقرآن الكريم يقص ما كان منهم في هذا الشأن بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ٨٩.
[ ١٠٣ ]
فهم كانوا يعرفون مبعث النبي ﷺ، ويعلمون أن زمانه قد حان، فعن محمد بن إسحاق عن عاصم بن قتادة عن أشياخه: أن اليهود في المدينة كانت تقول للأوس والخزرج: قد أظل زمان نبي يخرج بتصديق ما قلنا فنقتلكم معه قتل عاد وإرم١.
يقول ابن عباس: إن اليهود في المدينة كانوا يستفتحون على الأوس والخزرج برسول الله ﷺ قبل مبعثه٢.
ورأي اليهود له قيمته عند جيرانهم قبل البعثة؛ لأنه قد اشتهر عنهم معرفتهم ببعض أسرار الوحي وعلاماته، فلقد رووا أن مشركي مكة لما بعث محمد ﷺ فيهم أرسلوا وفدا منهم يسأل اليهود عن رأيهم في هذا الرسول الذي أتاهم ودعاهم بدعوته، وكان الوفد مكونا من النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط٣، ولم تكن هذه المعرفة خاصة بيهود المدينة وحدهم، فلقد انتشر خبرها في أماكن كثيرة، وصلت إلى أقصى الشمال، لدرجة أن سلمان الفارسي حينما أراد أن يترك المجوسية، ويبحث عن الدين الحق، قال له كاهن عمورية: إنه قد أظل زمان نبي، وهو مبعوث بدين إبراهيم -﵇- يخرج بأرض العرب، مهاجره إلى أرض بين حرتين، بينهما نخل، وبه علامات لا تخفى، يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة، وبين كتفيه خاتم النبوة٤، وليس ذلك بكثير على علماء اليهود والنصارى؛ لأنهم ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ ٥.
جاء في تفسير ابن كثير لهذه الآية أن صفة محمد ﷺ وجدت في التوراة والإنجيل، ولم تزل صفاته موجودة يعرفها العلماء والأحبار٦ من أهل الكتاب.
_________________
(١) ١ الكشاف ج١ ص٢٩٦. ٢ تفسير ابن كثير ج١ ص٢١٣ هامش فتح البيان. ٣ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٣٢٠. ٤ نفس المرجع ج١ ص٢٣٧. ٥ سورة الأعراف من آية ١٥٧. ٦ تفسير ابن كثير ج٤ ص٢٤٨ هامش فتح البيان.
[ ١٠٤ ]
وكما وصل خبر ظهور نبي إلى أقصى الشمال وصل كذلك إلى أقصى الجنوب، فلقد روي الأزرقي أنه لما ذهبت القبائل العربية لتهنئة حمير أفضى سيف بن ذي يزن لعبد المطلب بما علمه من كتبه، من أن نبيا سوف يظهر في العرب يضمن الزعامة لقريش إلى يوم القيامة١.
وهكذا ظهرت ملامح النبوة المحمدية في عقول الناس، وفي كثير من الأماكن، وهذه الملامح في حد ذاتها تمهد للدعوة، وتدعو إلى استماعها بشوق، خاصة وقد وقعت أحداث كثيرة، جعلت الناس يرجون التغيير على يد هذا الرسول المنتظر الذي كاد أن يلمس في طفولته؛ لوضوح صفته في الكتب السابقة، بل إن بحيرى الراهب عرفه وهو صغير، يروي ابن هشام قاصا ما حدث من بحيرى فيذكر أنه أعد طعاما لقافلة قريش، وفيها أبو طالب، ومحمد -وهو صغير- ودعاهم فحضروا جميعا إلا محمدا؛ لصغر سنه، لكن بحيرى أصر على حضوره، فلما حضر أخذ يسأله عن أشياء كثيرة، وأخيرا قال لعمه أبي طالب: ارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده٢، ولا غرابة في تحديد بحيرى للنبي ﷺ في طفولته؛ لأنه ممن يعرف صفته الموجودة في التوراة والإنجيل.
إن عديدا من الرهبان في أديرتهم، والقسس في كنائسهم، كانوا يدركون هذه الحقيقة، ويتحدثون بها لمن يمر بهم، وفي مكة نفسها كان كعب بن لؤي بن غالب يذكر بالنبوة ويبشر بها أهل مكة ويقول لهم: "زينوا حرمكم وعظموه فسيأتي له نبأ عظيم وسيخرج منه نبي كريم"٣.
إن تجمع انتظار رسول الله جديد، مع موجة النقد السائدة ضد العقائد، والمذاهب على يد الحنفاء، وأتباع أريوس "والبوذية"، مع وجود الصراع والتنافس
_________________
(١) ١ أخبار مكة ج١ ص٩٤، ٩٥، ٩٦. ٢ سيرة النبي ج١ ص١٩٤-١٩٦ بتصرف. ٣ بلوغ الأرب ج١ ص٢٧١.
[ ١٠٥ ]
وسرعة الحركة والاتصال، أدى فائدة عظمى للدعوة الإسلامية ساعدت على انتشارها، وما لاحظناه من معارضات للدعوة بعد ظهورها فمنشؤه التعصب، ومحاولة المحافظة على القديم الموروث، وبقايا صراعات قبلية قديمة، كما حدث من الأمويين، فإنهم تأخروا عن الدخول في الإسلام بسبب كون النبي من بني هاشم، لدرجة أن أبا سفيان الأموي حمل المعارضة للنبي في مكة بلا سبب غير التنافس بين الهاشميين والأمويين، وكانت "أم جميلة بنت حرب زوجة أبي لهب" تحمل الحطب، وتضعه أمام بيت النبي ﷺ وفي طريقه، وكانت تقول عنه ﷺ:
مذمما عصينا
وأمره أبينا
ودينه قلينا١
كانت مدفوعة بالعصبية بسبب كونها أختا لأبي سفيان الأموي٢، فدفعها التعصب إلى هذه الحملة على رسول الله ﷺ، وما المانع إذن أن يكون موقف زوجها أبي لهب عم النبي ﷺ من تأثيرها فيه؟!
وكذلك فإن أصحاب المصلحة في مكة عارضوا الدعوة حفاظا على وضعهم.
لكن..
وهل تجدي الحيل الإنسانية أمام الإرادة الإلهية التي قدرت ظهور الدعوة واختارت لها هذا الزمان الذي تميز بالصراع والنضج وانتظار الرسالة؛ لكي تنتشر الدعوة، وتظهر على الأديان كلها بقدرة الله وعلى سنن البشر؟
وهل تمحو الحيل الشيطانية من واقع الحياة وأفكار الناس ما قدره الله في كافة الشئون والأحوال والأعمال؟
إن قدر الله غالب، وقضاءه نافذ، وإرادته شاءت أن تجيء الدعوة إلى الله تعالى في هذا الزمان بما فيه من خصائص وصفات.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج١ ص٣٧٩. ٢ تفسير أبي السعود ج٥ ص٢٩١.
[ ١٠٦ ]