تمهيد:
نزل الوحي على رسول الله ﷺ أولا تعليما وتهيئة، وبعد مرور سنة أشهر نزل جبريل ﵇ بأول سورة المدثر لنقل محمد ﷺ من مرحلة النبوة إلى مرحلة الرسالة، كما هو واضح من قوله تعالى: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ فهو أمر بالقيام بأمر الدعوة بما يعنيه من الثبات، والإخلاص، والملازمة، والاستقامة، والشمول، وحسن الطلب والتوجيه؛ لأن القيام يشمل ذلك كله١.
وبهذا الأمر "قُمْ" أخذ النبي ﷺ يتحرك بالدعوة؛ لإيصالها إلى البشر أجمعين، بطريقة منهجية تراعي أحوال الناس، وبالحركة الممكنة، وبقدر ما تسمح به الأحوال.
وقد اقتضت منهجية الحركة بالدعوة أن تمر بعدد من المراحل في مكة؛ حيث تغاير التوجيه والبلاغ في صورته وأسلوبه، في كل مرحلة عن سابقتها، وعن ما يلحق بها.
وهذا التغاير بين مراحل الدعوة ضرورة واقعية ليتعامل الرسول ﷺ والدعاة معه، ومن بعده، مع الواقع بما يناسبه، وبما يحقق الغاية المقصودة منه.
إن هدف الدعوة معروف منذ اللحظة الأولى، لكن تحقيق هذا الهدف يحتاج إلى وسائل عديدة تتعامل مع واقع الحياة والأحياء، ويحتاج كذلك إلى أسلوب يلتقي مع أفهام المخاطبين، ويتلاءم مع أفكارهم وثقافاتهم..
إن ثبات الغاية وتغيير الأسلوب والوسيلة مسألة تعطي الدعوة الحيوية والمرونة والتجديد.
ومن المعلوم أن جمود الوسيلة لا يتفق مع تطور الحياة، وتقدم المدنية، وطبائع الناس، كما أن جمود الأسلوب تخلف يؤدي إلى وضع الأفكار في قوالب غامضة تضر الفكرة، وتعجز عن إيصالها إلى عديد من الناس.
_________________
(١) ١ بصائر ذوي التمييز ص٣٠٧-٣١٣ بتصرف.
[ ٤١٩ ]
وقد تحرك الرسول ﷺ بالدعوة إلى الإسلام بوسائل متعددة وأساليب كثيرة، من خلال تعامله مع عديد من البشر، في بيئات مختلفة، وبين أُطُر مذهبية كثيرة.
وفي هذا الفصل سيكون الحديث عن حركة النبي ﷺ بالدعوة في الفترة المكية؛ ولذلك رأيت أن أقسمه على عدد من المراحل؛ لتميز كل منها بخصائص معينة، لا توجد في غيرها.
ومن خلال تناولي للفترة المكية بمراحلها أجدني أتعامل مع مصطلحات عديدة من أهمها مصطلحات المنهج والوسيلة والأسلوب.
وحتى لاتتدخل المعاني، أرى أهمية تحديد مفاهيم هذه المصطلحات، وبعدها سأتناول مراحل الدعوة في الفترة المكية ليشمل الحديث كل مرحلة بمنهجها ووسائلها وأساليبها، وبذلك يتضح الأمر، ويفهم المقصود.
وبذلك سيتكون هذا الفصل من المباحث التالية:
المبحث الأول: تحديد مفاهيم الحركة بالدعوة.
المبحث الثاني: حركة الرسول ﷺ بالدعوة في المرحلة السرية.
المبحث الثالث: الوسائل والأساليب خلال المرحلة السرية.
المبحث الرابع: المسلمون خلال المرحلة السرية.
المبحث الخامس: المرحلة الأولى للجهر بالدعوة.
المبحث السادس: مرحلة الجهر العام بالدعوة.
المبحث السابع: الحركة بالدعوة خلال مرحلة الجهر العام.
المبحث الثامن: توافق الأسلوب مع الموضوع.
المبحث التاسع: مواجهة عدوان الكفار.
المبحث العاشر: استمرار الحركة بالدعوة.
المبحث الحادي عشر: المسلمون في نهاية المرحلة المكية.
وذلك فيما يلي..
[ ٤٢٠ ]
المبحث الأول: تحديد مفاهيم الحركة بالدعوة
أولا: منهج الدعوة
المبحث الأول: تحديد مفاهيم الحركة بالدعوة
يختلط الأمر على من يقرأ في الدعوة الإسلامية حين يرى استعمال كلمات مكان كلمات أخرى ظنا من المؤلف أنها متحدة المعنى، مع أنها ليست بمعنى واحد، كوضع كلمة المنهج مكان كلمة الأسلوب، واستعمال الأسلوب في موضع الوسيلة.. وهكذا، الأمر الذي من أجله أعقد هذا المبحث لتحديد مفاهيم الحركة بالدعوة الإسلامية، وبخاصة أن كل مصطلح بدأ في أن يكون علما على علم خاص من علوم الدعوة العديدة، التي يحتاجها الدعاة إلى الله تعالى في العصر الحديث.
وأرى أن تحديد مفاهيم مصطلحات الدعوة له أهميته في دراسة عصر النبي ﷺ لتعرف القضايا، وتحدد معاني المصطلحات، وتفهم بوجه يحقق الاستفادة الدقيقة بها، ولتكون الأسوة برسول الله ﷺ حيث يريد الله تعالى.
أولا: منهج الدعوة
تعتمد الدعوة على منهج يحدد مسائلها، ويوضح طرقها، ويعرف وسائلها، ويضع القواعد العلمية التي تقنع المدعو، وتحقق الغايات المقصودة من بعثة النبي محمد ﷺ بكل ما فيها من خير، وأمن، وسعادة، للناس أجمعين، في الدنيا، وفي الآخرة.
إن المنهج نظرية متكاملة تتناول كافة جوانب عملية الدعوة، بها تتحدد مهام كل جانب، وطريقة قيامه بدوره في الدعوة إلى الله تعالى.
إن الدعوة إلى الله تعالى تقوم على عدة جوانب، هي:
أ- مضمون فكري هو الإسلام بما حوي من عقيدة وشريعة وأخلاق.
ب- أسلوب يحتوي على الفكرة، ويتحرك بها، ويوصلها لمن يستقبلها من الناس، وقد يكون الأسلوب قولا، أو عملا، أو حالة معبرة، أو غير ذلك.
[ ٤٢١ ]
ج- أدوات تحمل الأسلوب بمضمونه ومحتواه.
د- شخصية عاقلة تجمع الأجزاء المذكورة في صورة حسنة لتصل بها إلى المدعوين؛ رجاء إيمانهم وهدايتهم.
هـ- أناس يتوجه إليهم الدعاة بالفكرة واضحة مقنعة، بأسلوب مناسب، وأدوات ملائمة؛ رجاء تحقيق ما تريده الدعوة منهم.
إن هذه الجوانب علوم للدعوة إلى الله، ويجب أن يهتم العلماء بها، بوضع القواعد، وإعداد الدراسات التي يحتاجها كل علم منها.
ومنهج الدعوة هو الخطة الكلية والنظام العام الذي يحدد الإطار لكل هذه الجوانب، ولكل هذه العلوم لتترابط وتتكامل.
إن منهج الدعوة بصورة عامة هو النظام الذي يجمع كافة جزئيات عملية الدعوة، وينسق بينها لتتكامل وتحقق للدعوة ما يراد منها على وجه صحيح.
وقد بيَّن العلماء أن المنهج كمصطلح علمي يدل على ما ذكرت..
تقول اللغة: إن المنهج يعني الخطة المرسومة، والنظام الموضوع والمحدد للسير عليه، واتباعه لتحقيق هدف معين، والوصول إلى غاية محددة١.
وعلماء التفسير والمحدثون يذهبون في معنى المنهج إلى ما ذكرناه، ويرون أن المنهج هو الطريق الواضح البيِّن٢.
يقول الدكتور/ أحمد بدر وهو يتحدث عن مفهوم مناهج العلوم: إن المنهج هو الطريق المؤدي إلى الكشف عن الحقيقة في العلوم، وبواسطة طائفة من القواعد العامة التي تهيمن على سير العقل، وتحدد عملياته حتى يصل إلى نتيجة معلومة٣.
_________________
(١) ١ مناهج الدعوة إلى الله، د/ جلال البشار ص٢٩، وهذا المعنى استنباط من كتب اللغة وهي تبين معنى نهج ومنهج، المدخل إلى علم الدعوة، د/ محمد البيانوتي ص٤٥. ٢ انظر معنى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ في: تفسير الطبري، والرازي، وفي كتب السنة عند شرح قوله ﷺ: "ثم تكون خلافة على منهاج النبوة" فتح الباري ج١ ص١٠، والفتح الرباني ج٢٣ ص١٠. ٣ أصول البحث ومناهجه ص١٥.
[ ٤٢٢ ]
إن المنهج خطة كاملة، ونظرية تامة، تحدد الدعوة ومسارها، وطرق الإقناع بها، وأسلوب الخطاب لها، وتحقيق أهدافها في كافة جوانب الحياة.
وعلى هذا فمنهج الدعوة كمصطلح، أو كعلم خاص، يشتمل على نظرية شاملة للدعوة بكل جوانبها، وحيئذ لا يصح إطلاق مسمى المنهج على الأسلوب، أو على الوسيلة، أو على الموضوع، أو غير ذلك، إلا على وجه المجاز من باب تسمية الجزء باسم الكل، ومع وجود قرينة تمنع من إرادة حقيقة المفهوم.
ومنهج الدعوة رباني كله، ويمكن أخذه من تعاليم الله تعالى من كافة جوانبه؛ لأن الجوانب الثابتة كموضوع الدعوة وغايتها ثابتة مفصلة.
أما الجوانب غير الثابتة كالوسائل والأساليب وصفات القائم بالدعوة وأحوال المدعوين، فإن تعاليم الله تعالى تضع الأسس والشروط مع ترك التفاصيل للاجتهاد والبحث.
ومنهج الدعوة ليس هو الحركة بالدعوة؛ لأن الحركة تعني الصورة العملية التي تظهر حين يقوم الرسل والدعاة بتبليغ دين الله للناس، والمنهج أعم من ذلك.
[ ٤٢٣ ]
ثانيا: المضمون الفكري للحركة
الإسلام هو الموضوع التي تتحرك به الدعوة، وهو المضمون الفكري الذي يحتويه الأسلوب، ويحركه بوسائله وأدواته.
والإسلام أساسه العقيدة؛ ولذلك تدور حركة الدعوة مع تبليغ العقيدة، وتثبيتها في القلوب، وربطها بكافة أنشطة الإنسان..
إن العقيدة الإسلامية تتمثل في "شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله".. وهذه الشهادة تتكون من شطرين:
الشطر الأول: وهو شهادة أن لا إله إلا الله، وبه تتحدد للإنسان عبوديته لله المعبود؛ ليقر له بالوحدانية المطلقة، ويتجهله وحده ﷾ بالعبادة كلها، ويحصر
[ ٤٢٣ ]
التلقي منه ﷾.
فليس عبدا لله من لا يعتقد بوحدانيته ﷾، بكل اليقين والإخلاص.
وليس عبدا لله وحده من يخضع، ويخشع، ويتجه بالعبادة لغير الله تعالى!!
وليس عبدا لله من يرتضي لنفسه مصدرا غير الله، يأخذ منه النظام والتشريع!!
وليس عبدا لله من يعلن العبودية ظاهرا، وعند حاجته للإعلان فقط، ويخالف لوازمها عند العمل والتطبيق!!
ويؤكد الشطر الثاني: وهو أشهد أن محمدا رسول الله، وأن محمدا هو طريق التلقي الوحيد عن الله تعالى، فهو رسول الله ﷺ الذي نزل عليه بالوحي، وبلغه للناس؛ ليمدهم بكل ما يحتاجون إليه في حياتهم، وينظم لهم جميع أعمالهم وأنشطتهم.
وليس مؤمنا من لا يضع الرسول ﷺ في موضعه الواجب.
وليس مسلما من يهمل ما جاء به رسول الله ﷺ، ويعمل بما جاء من عند غيره!!..
إن العقيدة الإلهية تقوم على كلمة الشهادة بركنيها؛ لأن الشهادة تشمل الإسلام كله؛ ولذلك كان اهتمام الرسول ﷺ بها منذ البداية..
يقول سيد قطب: والقلب المؤمن المسلم يتمثل هذه القاعدة بشطريها، بصدق وإخلاص، وبذلك يكون مؤمنا؛ لأن كل ما بعدهما من مقومات الإيمان، وأركان الإسلام، يتحقق بهما، فالإيمان بملائكة الله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر، خيره وشره، يقوم على هذه القاعدة.
وكذلك الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، يعتمد عليها.
ثم الحدود، والتعازير، والحل، والحرمة، والمعاملات، والتشريعات، والتوجيهات الإسلامية، إنما تقوم كلها على قاعدة العبودية لله وحده، كما أن المرجع فيها كلها هو ما بلغه لنا رسول الله ﷺ عن ربه.
[ ٤٢٤ ]
والمجتمع المسلم هو الذي تتمثل فيه تلك القاعدة ومقتضياتها جميعا تمثلا علميا وعمليا؛ لأنه بغير تمثل تلك القاعدة ومقتضياتها فيه لا يكون المجتمع مسلما.
ومن ثم تصبح شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله قاعدة لتصور كامل، تقوم عليه حياة الأمة المسلمة بحذافيرها، لا تقوم هذه الحياة قبل أن تقوم هذه القاعدة، كما أنها لا تكون حياة إسلامية إذا قامت على غير هذه القاعدة، أو قامت على قاعدة أخرى معها، أو عدة قواعد أجنبية بعيدة عنها١.
يقول الله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ ٢.
ويقول سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ ٣.
ويقول سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ وَلَوْلا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ٤.
ويقول سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ٥.
من هذه الآيات وغيرها كثير في القرآن الكريم تعرف وحدانية الله تعالى، وتتحدد واجبات العبودية، وتتأكد ضرورة حصر الأخذ والتلقي من الله تعالى.
_________________
(١) ١ معالم في الطريق ص١٥٥، ١١٦. ٢ سورة النحل آية ٥١. ٣ سورة الأنعام الآيتان ١٦٢، ١٦٣. ٤ سورة الشورى آية ٢١. ٥ سورة الحشر آية ٧.
[ ٤٢٥ ]
لقد ركز رسول الله ﷺ دعوته في مكة على تثبيت العقيدة في القلوب؛ ليعيش الناس الإسلام كله بعدما تمتلئ قلوبهم بالإيمان.
إن المجتمع المسلم والفرد المسلم يجعل الإسلام دستور الحياة على أساس إيماني خالص، ويعيشه بكماله وتمامه، على أساس أنه متطلب إيماني، نابع من عقيدة "لا إله إلا الله" التي هيمنت على قلبه وعقله وعواطفه، وأصبحت هي الموجِّه الوحيد لسلوكه عن طواعية واختيار.
إن مقتضى شهادة التوحيد يشمل أركان الإيمان، وسائر العبادات، والتوجيهات التشريعية والأخلاقية وغيرها١.
إن مقتضى هذا التوحيد يشمل الحياة كلها؛ ولذلك كان البدء بتعليم العقيدة، وكان الجهد المبذول في تثبيتها ضخما ليتلاءم مع أهميتها، ودورها في تطبيق الإسلام كله.
إن مقتضى التوحيد يؤدي إلى إيجاد الفرد المسلم، والمجتمع المسلم في عالم الواقع، وبذلك يتحول الكون كله عابدا لله تعالى، ويصير الناس ربانيين، مخلصين، صالحين، أعمالهم كلها لله، يتحرون بها طاعة الله، والامتثال لأمره، واجتناب نواهيه.
وأمانيهم كسب رضى الله، ومن أجلها يتحرون مناط الرضى، ويركزون على عوامل القربى؛ ليتمتعوا برحمة الله، ورضوانه، وحبه.
وتجارتهم الرئيسية مع الله، وأغلى أرباحهم ينتظرونها يوم أن يتجلى الله عليهم بعزته، وهم في النعيم، فيرونه، ويسعدون بلقياه، ويعيشون في الجنات خالدين لهم فيها ما يشاءون.
إن النطق بالشهادة يعبر عن حقيقة اليقين، ويؤدي إلى التمسك بلوازمها ومقتضياتها، ويوجد المؤمن السعيد، ويحقق المجتمع العظيم، في عالم الناس.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب لا إله إلا الله، للأستاذ/ محمد قطب، العقيدة أولا، للدكتور/ الشريف الهجاري.
[ ٤٢٦ ]
ولقد صنع رسول الله ﷺ بالشهادة مجتمعا متحررا من سلطان الشهوة، وسلطان الطغاة، مجتمعا قائما على العدل، وتقرير كرامة الإنسان، مجتمعا طاهر الخلق، زكي الروح، يقظ الضمير، متآلفا، متحابا، يوالي الفردُ الفردَ أخاه، ويعمل للجماعة كما يعمل لنفسه.
ولقد صنع رسول الله ﷺ هذا المجتمع السعيد؛ لأن أفراده أقاموا هذا الدين "أولا" في قلوبهم وضمائرهم، وطبقوه "ثانيا" في حياتهم وأعمالهم، وبعد ذلك كانوا رجالا يحبون لغيرهم ما يحبونه لأنفسهم، ويحافظون على حقوق الآخرين قبل أن ينالوا حقهم.
إن هذا المضمون هو الإسلام كله، وهو الجزء الرئيسي في منهج الدعوة؛ لأن غاية المنهج هو خدمة الإسلام، وتبليغه للناس، وتحقيقه في عالم التطبيق والسلوك.
[ ٤٢٧ ]
ثالثا: أسلوب الدعوة
الفكرة في حقيقتها معلومات عقلية لا تظهر للناس إلا في قوالب لغوية، يؤلفها حامل الفكرة أو تؤلف له، ويتمكن بواسطتها من إيصال فكرته ومعارفه لغيره.
كما أن المستمع والمتلقي يفهم الفكرة، ويتصورها ويتجاوب معها من خلال الكلمات التي سمعها أو قرأها.
والقوالب اللغوية الحاملة للمضمون هي الأساليب البيانية.
والأسلوب أحد أركان منهج الدعوة، ويعرفه العلماء بأنه المحتوى البياني الذي يحمله الطريق لتصل الدعوة إلى المدعوين، وقد يكون هذا المحتوى قولا منطوقا أو مكتوبا أو صورة أو عملا وهكذا..
وللأسلوب أهميته في إيصال المضمون للناس؛ لأن الإنسان لا يستوعب الفكرة، ولا يفهمها جيدا، إلا إذا وصلت إليه بأسلوب مفهوم، مرتب على قواعد علوم اللغة والبلاغة التي لا بد منها لدقة المعنى، والتاثر به؛ ولذلك دعا الرسل
[ ٤٢٧ ]
﵈ بلسان المدعوين، ووجب تبليغ الدين على نحو بيِّن ومفهوم دقيق.
إن الخطاب الديني يتجه إلى الإنسان، ويعيش مع طاقاته العقلية والوجدانية والسلوكية ووجب لذلك أن يتنوع مع دقة المعنى، وجمال العبارة، وحلاوة الأسلوب على نمط القرآن الكريم الذي شهد له أعداؤه، وقالوا عنه: إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة١.
إن أسلوب القرآن الكريم يتضمن الإقناع العقلي، والتأثير الوجداني، والجذب الروحي؛ لأنه يخاطب في الإنسان شعوره ومشاعره، ويتحدث مع عقله وعواطفه، ويأخذ بالألباب والأرواح.
لقد كان كفار مكة -وعلى رأسهم قادتهم- يتأثرون بالقرآن حين سماعه؛ ولذلك كانوا يأتون سرا لسماع محمد ﷺ في الليل إعجابا بأسلوب القرآن الكريم.
ويرى ابن هشام عن ابن إسحاق أن محمد بن شهاب الزهري قال: إن أبا سفيان بن حرب، وأبا جهل بن هشام، والأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي، حليف بني زهرة، خرجوا ليلة ليستمعوا من رسول الله ﷺ وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فتلاوموا.
وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا، فلو رآكم بعض سفهائكم لأوقعتم في نفسه شيئا، ثم انصرفوا.
حتى إذا كانت الليلة الثانية، عاد كل رجل منهم إلى مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض مثل ما قالوا أول مرة، ثم انصرفوا.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ﷺ لابن هشام ج١ ص٢٩٣.
[ ٤٢٨ ]
حتى إذا كانت الليلة الثالثة أخذ كل رجل منهم مجلسه، فباتوا يستمعون له، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق، فقال بعضهم لبعض: لا نبرح حتى نتعاهد ألا نعود، فتعاهدوا على ذلك، ثم تفرقوا.
فلما أصبح الأخنس بن شريق أخذ عصاه، وخرج حتى أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني يا أبا حنظلة عن رأيك فيما سمعت من محمد؟
فقال: يا أبا ثعلبة، والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يراد بها، وسمعت أشياء ما عرفت معناها، ولا ما يراد بها.
قال الأخنس: وأنا والذي حلفت به كذلك.
ثم خرج من عنده حتى أتى أبا جهل، فدخل عليه بيته، فقال: يا أبا الحكم، ما رأيك فيما سمعت عن محمد؟
فقال: تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وكنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك مثل هذه، والله لا نؤمن به أبدا، ولا نصدقه.
فقام عنه الأخنس وتركه١.
لقد كان لأسلوب القرآن الكريم التأثير العظيم في عقول من يفهمه، ووجدان من يسمعه، حتى رأينا كفار مكة يتخفون للتمتع بالاستماع إليه، وما صدهم عن الإيمان إلا التعصب والحقد والحسد.
إن كثيرا من أهل الكتاب دخلوا في الإسلام بسماعهم القرآن الكريم، يقول تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ ٢، وما ذلك إلا لما
_________________
(١) ١ سيرة النبي ﷺ لابن هشام ج١ ص٣١٥. ٢ سورة المائدة آية ٨٣.
[ ٤٢٩ ]
فيه من أصالة الموضوع، وبساطة المعنى، وجمال الأسلوب، ولما فيهم من سلامة الفطرة، وصدق التوجه، واتباع الحق، والتسليم بالدليل، وشأن القرآن الكريم دائما أن يزداد به الإيمان، وتخشع القلوب، وتذرف العيون، يقول تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ١.
ويقول سبحانه: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ ٢. ويصف الله تعالى تأثير القرآن الكريم في النفوس المؤمنة، ويبين ما يصيب القلوب من خشية ولين، وما يظهر على جلودهم من قشعريرة واضطراب، يقول تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ ٣.
وحتى يقوم الأسلوب بدوره أرسل الله الرسل ﵈ بلغة أقوامهم ليتضح المعنى، ويعرف المطلوب، يقول الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٤.
والأساليب تتنوع مراعاة لحال المدعوين؛ لأن من الناس طائفة ذات نفوس مشرقة، وعقول ذكية، وإدارك سريع، وهؤلاء تكفيهم الإشارة، ويناسبهم الإيجاز،
_________________
(١) ١ سورة الأنفال آية ٢. ٢ سورة مريم آية ٥٨. ٣ سورة الزمر آية ٢٣. ٤ سورة إبراهيم آية ٤.
[ ٤٣٠ ]
وترضيهم الكلمات القليلة ذات الدلالات الموجزة، والمعاني الدقيقة.
ومن الناس طائفة ذات عقول متوسطة، ونفوس خاملة، وطباع لا تتحرك إلا إذا استثيرت وانفعلت، وهؤلاء يناسبهم بسط الكلام، وتكرار العبارة، وسوق المعنى بأكثر من طريق.
ومن الناس طائفة ذات عقل وفهم، لكنها محبة للجدل والحوار، كثيرة السؤال والاعتراض، مرة لتفهم، وأخرى لتظهر ذاتها في حوار ونقاش١.
وقد أدى تنوع الناس إلى تنوع الأساليب، مع أن المعنى والمضمون واحد.
ولذلك رأى العلماء أن الأسلوب بصورة عامة يتنوع إلى ثلاث صور كلية وبعدها تأتي الأساليب الفرعية العديدة، المناسبة للمدعوين، تعبيرا عن إحدى هذه الصور الكلية.
والصورة الكلية للأسلوب ثلاثة، أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ ٢، وبيانها فيما يلي:
الصورة الأولى: الحكمة
وهي مشتقة من الإحكام والإتقان، ومرجعها إلى العلم الدقيق، والحقيقة المجردة، الخالية من الإطناب والتكرار.
وتطلق الحكمة على مسميات عديدة كالعقل، والفهم، والنبوة، والحديث، وعلى بعض أساليب الدعوة.
والحكمة في أساليب الدعوة تعني اللفظ المحكم، الدقيق، الدال على معناه المقصود بلفظ موجز، وعبارة جميلة.. يقول أبو السعود: "الحكمة هي الدليل الموضح
_________________
(١) ١ انظر: تفسير الرازي ج٥ ص٥١٥ بتصرف. ٢ سورة النحل آية ١٢٥.
[ ٤٣١ ]
للحق، المزيل للشبهة، المتجه إلى العقل مباشرة، من غير إثارة وجدان، أو تهييج انفعال"١.
ويقول الإمام النووي: الحكمة عبارة عن العلم المتصف بالإحكام، المشتمل على المعرفة بالله ﵎، المصحوب بنفاذ البصيرة، وتهذيب النفس، وتحقيق الحق، والعمل به، والصد عن اتباع الهوى والباطل، والحكيم من له ذلك، قال أبو بكر بن دريد: كل كلمة وعظتك وزجرتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح، فهي حكمة٢.
ويقول ابن القيم: الحكمة جامع مانع؛ لأنه يشمل الإتقان والإحكام للأقوال، وتنزيل جميع الأمور في مواضعها المناسبة، وفي أوقاتها الملائمة للإفادة بها٣.
الصورة الثانية: الموعظة الحسنة
والوعظ يعني: النصح، والإرشاد، ومخاطبة الوجدان، وإثارة العواطف، ومن خلال التنوع البياني الذي يعرض المعنى بأساليب مختلفة، مع التذكير بالعواقب، والترغيب في الفعل، والتخويف من الترك.
والوعظ يشمل الوصية الخيرة، والأمر بالحسنى..
وعلى الجملة، فإن الموعظة عبارة عن مجموعة من العبر النافعة، والخطابات المقنعة، والإرشادات المعبرة.
وإنما وصفت الموعظة بأنها حسنة للإشارة إلى أن الموعظة تعني النصح الخير، وتدور حول فعل المعروف، وترك المنكر، وتحاول إقناع العقل، وإرضاء العاطفة، وإن لا لم تكن حسنة.
_________________
(١) ١ تفسير أبي السعود ج٢ ص٢٠٠. ٢ تربية النبي لأصحابه ص٣١٩. ٣ نفس المرجع السابق ص٣٢٠.
[ ٤٣٢ ]
الصورة الثالثة: المجادلة بالتي هي أحسن
المجادلة أدلة كلامية يوردها الداعي ليلزم الخصم ويفحمه، ويجعله يؤمن بالمدعي، واتصفت المجادلة بالحسنى إبعادا لها عن مفهوم المجادلة الاصطلاحية الذي يعرف المجادلة المنطقية، والمكابرة، والمعاندة، بأنها ليست لإظهار الصواب، بل لإلزام الخصم، والتعالي، وإثبات الذات، ذلك أن حملة الدعوة يقصدون إظهار الصواب دائما والوقوف على الحق باستمرار، وإقناع الخصم بالحسنى.
يقول صاحب مختار الصحاح: "جادل مجادلة جدالا إذا خاصم بما يشغل عن ظهور الحق، ووضوح الصواب، هذا أصله ثم استعمل على لسان حملة الشرع في مقابلة الأدلة لظهور أرجحها، وهو محمود حسن إن كان للوقوف على الحق، وإلا فمذموم"١.
ويقول الرازي: الجدل المذموم محمود على الجدل في تقرير الباطل، وطلب المال، والجاه، والجدل الممدوح محمول على الجدل في تقرير الحق، ودعوة الخلق إلى سبيل الله، والذب عن دين الله تعالى٢.
وهكذا قيد الله الجدل بالذي هو أحسن حتى يكون هادفا، ومقنعا، ومناقشا لشبه المدعوين.
والفرق بين الجدل والموعظة: أن المجادلة منازعة بين طرفين متعارضين، والخصم فيها ليس صامتا، وإنما يناقش ويرد بما رسخ في نفسه من أوهام وشُبَه.
بخلاف الموعظة، فإن المدعو بها يستمع إليها، ويستثار بها، وينفعل معها، بلا ضرورة المنازعة الكلامية..
وقد أمر الله رسوله أن يدعو الناس بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالحسنى؛ لتعم الفائدة سائر الخلائق المختلفين: مكانا، وزمانا، وفكرا، وطبيعة.
_________________
(١) ١ مختار الصحاح مادة "جدل". ٢ مفاتيح الغيب ج٢ ص٢٥٢.
[ ٤٣٣ ]
وقد بين الرازي تنوع الناس، وذكر أنهم بالنسبة لكمال الطبع طرفان وواسطة.
فالطائفة الأولى التي تتجه إليها الحكمة هي طرف الكمال.
والطائفة الثالثة المجادلة هي طرف النقصان.
والطائفة الثانية صاحبة الموعظة هي الواسطة، وهم الذين لم يبلغوا في الكمال إلى حد الحكماء المحققين، كما لم يبلغوا في النقصان والرذالة إلى حد المشاغبين المخاصمين، بل هم أقوام بقوا على الفطرة الأصلية والسلامة الخلقية، ويقول: إن معنى الآية: ادعُ الأقوياء الكاملين إلى الدين بالحكمة، وهي البراهين القطعية اليقينية، وعوام الخلق بالموعظة الحسنة، وهي الدلائل اليقينية الإقناعية، والتكلم مع المشاغبين بالجدل على الطريق الأحسن الأكمل١.
وتقسيم الناس إلى هذه الطوائف الثلاث تقسيم يتفق مع الواقع البشري؛ لأن من الناس من يريد التعمق ويكره السطحية، ولا يهدأ له بال إلا باليقين الحقيقي القائم على الفكر والتدبر، ومنهم من يستهويه موضوع مثير، وفطرة طيبة، فيقف أمام اللفظة الجميلة، والمثل النادر، والقصة الشيقة، والتكرار المؤكد، ويسهر لمنظر بائس ورؤية مسكين، ومنهم من يَهْوَى اللحج ويعشقه، وينازع ويجادل.
لكن ليس معنى هذا التقسيم أن كل طائفة تغاير الأخرى تماما، وتتمايز تمايزا كليا؛ إذ من الناس من يجمع في طبعه أكثر من صفة؛ ولذا كان تنوع الأسلوب ضرورة لمخاطبة كافة الناس، ولإرضاء كافة عناصر الإنسان.
جاء في الظلال: والدعوة بالحكمة تراعي أحوال المخاطبين وظروفهم، والقدر المختار في كل مرة حتى لا يثقل عليهم، ولا يشق عليهم بالتكاليف قبل استعداد النفوس لها، والطريقة التي يخاطبهم بها، والتنوع في هذه الطريقة حسب مقتضياتها.
_________________
(١) ١ مفاتيح الغيب ج٥ ص٥٣٦، ٥٣٧.
[ ٤٣٤ ]
والدعوة بالموعظة الحسنة تدخل إلى القلوب برفق، وتعمق المشاعر بلطف، لا بالزجر والتأنيب في غير موجب، ولا بفضح الأخطاء التي تقع عن جهل، أو حسن نية، فإن الرفق في الموعظة كثيرا ما يهدي القلوب الشاردة، ويؤلف القلوب النافرة، ويأتي بخبر أكثر من الزجر والتأنيب والتوبيخ.
والدعوة بالجدل بالتي هي أحسن تكون بلا تحامل على المخالف، ولا ترذيل له وتقبيح، حتى يطمئن إلى الداعي، ويشعر أن ليس هدفه الغلبة في الجدل، فالنفس البشرية لها كبرياؤها وعنادها، وهي لا تنزل عن الرأي الذي تدافع عنه إلا بالرفق حتى لا تسرع بالهزيمة، والجدل بالحسنى هو الذي يطامن من هذه الكبرياء الحساسة١.
ويلاحظ:
أن كلا من صور الأسلوب الثلاث لا تنحصر في شكل بياني محدد؛ لأن الصورة الواحدة تظهر في صورة فرعية عديدة، فمن الحكمة: الإيجاز، والإشارة، والتأكيد المجرد.
ومن الموعظة: الاستفهام، وضرب المثال، والتشبيه، وإيراد القَصَص، والتأثير الصوتي.
ومن الجدل: المحادثة، وحلقات النقاش، وعقد الاجتماعات، والمناظرات.
ولذلك اعتبرت هذه الصور الثلاث أصولا للأساليب تتفرع منها صور عديدة قابلة للزيادة كلما تقدم الناس، وتطورت العلوم، وتنوعت الحضارات.
وهكذا..
يكون الأسلوب، ويكون دوره مع البلاغ والدعوة..
_________________
(١) ١ في ظلال القرآن ج٤ ص٢٢٠٢.
[ ٤٣٥ ]
رابعا: وسائل الدعوة
وسائل الدعوة عديدة، ووظيفتها حمل الأسلوب بمضمونه، وتوصيله إلى المدعوين.
ويخلط كثير من الناس بين الوسيلة والأسلوب، ويرون المقالة والخطبة والدرس وسائل للدعوة، مع أنها تشتمل على أساليب تنقل الفكرة إلى المستمعين بواسطة الاتصال الشفهي الذي هو الوسيلة.
ويرجع سبب الخلط إلى تداخل النظرة إلى هذه الموضوعات؛ لأنها تكون وسائل أو أساليب باعتبار الجانب المنظور إليه.
إن الخطابة والكتابة وغيرها قد تكون وسائل للدعوة، إذا نظر إليها من ناحية هيكلها العام، وشكلها الفني، وتكون أساليب إذا نظر إلى الكلمات المنقولة من خلالهما، المتضمنة للمعاني المقصودة.
إن الأسلوب الواحد تنقله الوسائل العديدة، كما أن الأسلوب يوجد في عالم الواقع بعد إعداده، بينما الوسيلة توجد قبل الإعداد أو بعده، وتظهر أهميتها وقت استخدامها، فالخطابة وسيلة، والخطبة أسلوب وهكذا.
إن القرآن الكريم أسلوب للدعوة، ينقل إلى الناس بوسائل عديدة مثل: المشافهة، والكتابة، وآلة تكبير الصوت وهكذا.
وأيضا فإن القرآن الكريم وهو أسلوب للدعوة موجود قبل عملية توصيله للناس، وقد تتعطل الوسيلة وتنتهي ولا يتعطل القرآن الكريم؛ لأنه محفوظ بأمر الله تعالى.
ولهذا كانت أهمية التمييز بين الوسيلة والأسلوب..
وأهم أساليب الدعوة ما يلي:
[ ٤٣٦ ]
أولا: وسائل المواجهة "المشافهة"
يعتمد هذا اللون من الاتصال على المواجهة المباشرة بين الداعي والمدعو؛ حيث تنقل الرسالة بواسطة هذه الوسيلة.
والاتصال المواجهي أقدم أنواع الوسائل، وأكثرها تأثيرا، وهو يشمل الاتصال الذي يتم بين فرد وفرد، أو بين فرد وجماعة، أو بين جماعة وجماعة، ما دام كل منها يتم بصورة شفوية مباشرة.
ومن صور الاتصال المواجهي ما يلي:
أ- المحادثة البسيطة: وتكون بين عدد قليل من الناس بينهم معرفة سابقة حيث؛ يتحدث كل منهم مع الآخر سائلا أو مجيبا؛ كأفراد الأسرة، والجيران، وزملاء الدراسة والعمل وهكذا.
ب- المناقشة: وهي فن من فنون التربية والدعوة، وتتم مشافهة بين عدد من الأشخاص؛ حيث يعرض كل منهم رأيه من الموضوع محل النقاش، وتختلف المناقشة عن المناظرة؛ لأن المتناقشين يسيرون في اتجاه واحد، بينما المتناظرون يسيرون في خطوط متعارضة، كما أن المناقشة تتم أحيانا بلا إعداد، بينما المناظرة تقوم على الإعداد دائما.
ج- الخطبة: بكافة أنواعها، لها دورها في الحضارات القديمة وما زال لها هذا الدور، وتتميز الخطبة بتأثيرها الواضح؛ لأنها تخاطب العواطف والوجدان، وتدور حول موضوعها، وتقدم العديد من البراهين، في صور بيانية مؤثرة.
والخطبة تلقى من جانب واحد فقط هو الخطيب؛ ولذلك وجب على من يقوم بالخطبة أن يهتم بجوانبها الفنية وقواعدها العلمية؛ لكي يحقق الهدف الذي يرجوه من وراء عمله.
د- الندوة: وتقوم على الاتصال المباشر إلا أنها تختلف عن الخطبة بأن الاتصال فيها يتم بمشاركة عدد من الاتجاهات تدور حول موضوع واحد.
[ ٤٣٧ ]
وتحتاج الندوة إلى جمهور مثقف متمكن من المتابعة، والمشاركة في الحوار؛ لأن بعض الندوات يفتح فيها للجمهور باب التعليق ليساهموا بآرائهم مع المتحدثين الأساسيين في الندوة.
هـ- المحاضرة: وهي لون من الاتصال المواجهي يعتمد على التحليل العلمي، والبراهين القوية، وهي وسط بين الخطبة والندوة؛ لأنها تأخذ من الخطبة أن المتحدث فيها واحد، والمستمع جمهور عريض، وتأخذ من الندوة فتح باب المناقشة حول موضوع المحاضرة.
والدرس الديني: وهو لون من الاتصال الديني يتم في المساجد غالبا، وهو اتصال يتسع الموضوع فيه، ويفتح المجال أمام المستمع للسؤال والمناقشة، وله أثره الكبير في نشر الدين، والتعريف بقضاياه.
٢- الوسائل المكتوبة والمطبوعة:
استعمل الإنسان هذا النوع قديما ولكن بصورة بدائية، فحينما اخترعت الكتابة كان الإنسان يكتب على الجلد وورق الشجر وورق البردي وما شاكل ذلك، وبهذه الطريقة استفاد الإنسان منذ القديم بالكتابة؛ حيث ضمنها ما أراد من آراء وأخبار، وأوصلها إلى غيره، أو تركها للأجيال المتعاقبة من بعده.
وهذه الوسيلة هي التي عرَّفت الناس حديثا بالحضارات القديمة، وما وقع لها من حروب وأحداث، وما كان فيها من ممالك ودول.
وفي عام ١٤٥٤م تمكن الإنسان من اختراع المطبعة، الأمر الذي ساعد على إعطاء صور عديدة للرسالة الواحدة، وفي أشكال متعددة؛ إذ يمكن إبراز الرسالة في شكل كتاب، أو في نشره، أو في صحيفة، أو في خريطة، وهكذا.
وتتميز الوسائل المطبوعة بما يلي:
أ- تقوم على الرأي المدروس؛ لأن المصدر لا يكتب رسالته إلا بعد بحث وتأمل، ويحاول أن يصوغها في قالب بياني مشوق، دال على معناه، بيسر وسهولة.
[ ٤٣٨ ]
ب- تسمح للقارئ بتكرار قراءتها، والتحكم في ظروف التعرض لها مكانا وزمانا، وبذلك يتمكن من فهمها، واستيعاب المراد منها؛ ولهذا نادى بعض الباحثين بأن تقدم الرسائل المعقدة في صورة مطبوعة لتحقيق الهدف منها.
ج- تتمكن الرسالة المطبوعة من الوصول إلى الجماهير المتخصصة، والصغيرة الحجم؛ لقلة تكلفتها إذا قورنت بالوسائل الأخرى.
د- تساعد الرسالة المطبوعة على الإقناع؛ لأنها لا تخترق السمع، ولا تفاجئ العين، وإنما يقدم المتلقي عليها مختارا راضيا مما يجعله جزءا من موضوعها فيتخيل، ويفسر، ويرضى أو يرفض، وتلك هي مراحل الاقتناع.
هـ- تؤدي الرسالة المطبوعة إلى الفهم الدقيق الهادئ؛ لأن القارئ يمكنه أن يقرأها عددا من المرات، ويمكنه أن يجزئ قراءتها، وله أن يتأكد من صدق ما جاء فيها بالبحث والتحري والتأمل.
وقد أدى التطور بالوسائل المطبوعة إلى قيام مؤسسات ضخمة ساعدت على اتساع النشر، وضخامة التوزيع، مما جعلها بحق وسيلة للاتصال الجماهيري.
٣- الوسائل المسموعة:
ويقصد بها الوسائل التي توصل الكلمة إلى الجماهير العريضة عبر المسافات البعيدة وهي الراديو، تلك الوسيلة العجيبة التي تحمل الكلمة المذاعة بمختلف أشكالها وفنونها إلى أي مكان في العالم في ثوانٍ قليلة.
وتتميز هذه الوسيلة بما يلي:
أ- يتميز الراديو بقدرته على اختراق أي مكان في الكرة الأرضية في زمن وجيز بلا عائق أو حاجز.
ب- يتميز الراديو بقدرته على مخاطبة كافة الفئات مهما اختلفت ثقافتهم وأعمارهم وأجناسهم.
[ ٤٣٩ ]
ج- لا يحتاج الراديو إلى التفرغ التام من المتلقي؛ لأن من الممكن الاستماع إلى الراديو خلال الاشتغال بعمل آخر، يقول إيريك بارنو: "إن الراديو هو الوسيلة الوحيدة التي لا تستحوذ على العين؛ أي: أنه يمكن أن يخدم جمهورا نشطا أثناء تناوله الطعام، وقيامه بالعمل المنزلي، وأثناء نهوضه من النوم، واستحمامه وأثناء أداء متطلباته، وهكذا"١.
د- تتميز الرسالة المرسلة بالراديو باشتمالها على المؤثرات الصوتية، والحوار البناء، وهذا يجذب المستمع ويربطه بالرسالة الإعلامية.
هـ- يتميز الراديو بنقل رسائله فور وقوعها؛ ولذلك فهو الوسيلة الأساسية في وقت الأزمات، وحين وقوع حروب وصراعات.
والتكرار في الرسالة الإعلامية بواسطة الراديو تكون مقبولة غير مملة؛ لأنها تتخذ صورا متعددة، كل منها له جاذبيته الخاصة للمستمع.
وقد أدى التطور الحضاري إلى قيام الراديو بالترفيه بجانب قيامه بالخبر والتثقيف.
٤- الوسائل المسموعة المرئية:
وتجمع هذه الوسيلة أهم العناصر المؤثرة في المستمع، وهي: الصوت، والحركة، والصورة، وبذلك تتمكن من جذب أكثر من حاسة لدى الجمهور، ولولا ما في هذه الوسيلة من صور غير مشروعة، وبرامج مثيرة للشهوة، لقلنا: إنها أعظم وسيلة إعلامية معاصرة، وأكثرها فائدة للدعوة إلى الله تعالى.
والأمل معلق بالمسلمين أن يستفيدوا بكافة الوسائل، ووضعها في الأطر الشرعية؛ لتكون طريقا لإيصال الإسلام كما نزل من عند الله إلى كل مكان في العالم أداء للأمانة، وتحقيقا للذات، وتأسيسا
لحضارتهم الذي يعمل الإسلام لتحقيقها.
_________________
(١) ١ الأسس العلمية لنظريات الإعلام ص٣٦٤.
[ ٤٤٠ ]
وليس من المقبول في عالم اليوم أن يعيش المسلمون -وهم مسلمون- تابعين لغيرهم مقلدين، وهم يملكون الأصالة والحياة.
إن الرؤية تدفع المشاهد إلى التنوع، وتقدم الحدث نابضا بالحركة والحيوية.
خامسا: الداعي والمدعو
الداعي والمدعو هما طرفان في العملية الدعوية؛ لأن الداعي هو حامل الدعوة ومبلغها، والمدعوون هم غاية الدعوة، والمقصودون بعملية الدعوة كلها، وعلى الداعي أن يتصف ببعض المزايا التي تمكنه من القيام بواجباته، ومنها أن يتعامل مع المدعوين بما يناسب واقعهم وأحوالهم، ويؤدي إلى اقتناعهم بما يعرض لهم، وهذه تحتاج إلى دراسات عديدة، وسوف نذكر بعضها -بإذن الله تعالى- حين نستنبط أهم ركائر الدعوة المستفادة من المرحلة المكية.
والرسول ﷺ هو إمام الدعاة ورائدهم، وهو أسوة الدعاة على الزمن كله١.
إن تحديد المفاهيم المتصلة بحركة الدعوة النبوية عمل أرجو من ورائه متابعة حركة النبي ﷺ بالدعوة إلى الله تعالى؛ لنستفيد بها، ونضع كل جانب في موضعه، ونحن نتحرك بالدعوة اقتداء برسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ انظر: الإعلام في القرآن الكريم ص٢١٤ وما بعدها.
[ ٤٤١ ]
المبحث الثاني: حركة الرسول ﷺ بالدعوة خلال المرحلة السرية
مدخل
المبحث الثاني: حركة الرسول ﷺ بالدعوة خلال المرحلة السرية
في مرحلة النبوة التي استمرت ستة أشهر أَلِفَ النبي ﷺ ملاقاة جبريل ﵇، وتهيأت نفسه للمحافظة على ما يوحى إليه، والقيام بما يكلف به، والقدرة على تبليغه، والدعوة إليه.
وهنا نزل عليه جبريل ﵇ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ ١ حيث كلفه بالنهوض، وبذل الجهد، والإنذار، والدعوة، والقيام بواجبات الرسالة، وبذلك بدأ النبي ﷺ أولى مراحل الدعوة التي استمرت حتى نزل قول الله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ ٢، وبلغت مدتها عامين ونصفا لتبدأ مرحلة الجهر بالدعوة بعد ثلاث سنوات من بداية الوحي٣، وقد عرفت هذه المرحلة بـ"مرحلة الدعوة السرية".
ومفهوم السرية التي وصفت بها الدعوة لا يعني الكتمان؛ لأن الدعوة بطبيعتها تعني تبليغ الغير أمرا ليتبعه، مع ترغيبه في الاتباع، وتخويفه من الترك، كما تفيد الدعوة الطلب المتكرر، والنصح المؤكد، وإظهار الخير، والمصلحة للمدعوين، بأساليب متعددة، وبوسائل مختلفة.
إن أبا بكر رضي لله عنه من السابقين الأول إلى الإسلام، ومع ذلك سمع قبل إسلامه من قريش أعداء الإسلام حديثهم عن الدعوة، مما يؤكد أن الدعوة لم تكن سرا مكتوما، ويروي ابن كثير أن أبا بكر الصديق ﵁ لقي رسول الله ﷺ فقال:
_________________
(١) ١ سورة المدثر الآيتان ١، ٢. ٢ سورة الحجر آية ٩٤. ٣ السيرة النبوية ج١ ص٢٦٢، وبذلك تكون فترة تهيئة النبي للرسالة ستة أشهر.
[ ٤٤٢ ]
أحق ما تقول قريش يا محمد: من تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك آباءنا؟ فقال رسول الله ﷺ: "بلى، إني رسول الله ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته، وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته"، وقرأ عليه القرآن، فلم يقر، ولم ينكر، فأسلم وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد، وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق١.
ولهذا فإن وصف الدعوة بالسرية خلال هذه المرحلة كان للسرية النسبية التي ظهرت خلال الحركة بالدعوة.
ومن ملامح الحركة بالدعوة خلال هذه المرحلة ما يلي:
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج١ ص٢٦.
[ ٤٤٣ ]
أولا: اقتصار الدعوة على العقيدة:
دعا النبي ﷺ إلى الإيمان بالله تعالى، والإيمان بالرسول، والإيمان باليوم الآخر، والإيمان بهذه الأركان لا يتم إلا بترك الشرك، ونبذ عبادة الأصنام.
يقول ﷺ لعلي بن أبي طالب ﵁: "أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته، وأن تكفر باللات والعزى".
ويقول لأبي بكر ﵁: "إني رسول الله ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى ترك عبادة غيره".
وكان ﷺ يخرج متخفيا لعبادة الله مع علي في شعاب مكة، لا يعلم أحد عنهما شيئا إلا الله تعالى، وذات يوم عثر عليهما أبو طالب، وهما يصليان.
فقال أبو طالب لرسول الله ﷺ: يابن أخي! ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟ قال: "أي عم، هذا دين الله، ودين ملائكته، ودين رسله، ودين أبينا إبراهيم ﵇، بعثني الله به رسولا إلى العباد، وأنت أي عم، أحق من بذلت له النصيحة، ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه، وأعانني عليه".
[ ٤٤٣ ]
فقال أبو طالب: أي ابن أخي، إني لا أستطيع أن أفارق دين آبائي وما كانوا عليه، ولكن والله لا يخلص إليك بشيء تكرهه ما بقيت.
وذكروا أنه قال لعلي: أي بني، ما هذا الدين الذي أنت عليه؟
فقال علي ﵁: يا أبتِ، آمنت بالله وبرسوله الله، وصدقته بما جاء به، وصليت معه لله، واتبعته.
فذكروا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه١.
فنجده ﷺ في حواره مع عمه يورد الكلمات الموجزة، الجامعة للمعاني الكثيرة، مع التركيز على القضايا المسلمة عند العرب، والانطلاق منها إلى ضرورة الإيمان بالله تعالى.
فالعرب جميعا يعرفون الله تعالى، ويسلمون له بالقدرة، ومع ذلك يشركون معه في العبادة آلهة آخرى ويعتزون بأبيهم إبراهيم وإسماعيل ﵉.. ولذلك وضح النبي ﷺ لعمه أنه يدعو لدين الله، ودين إبراهيم ﵇، ودين الأنبياء السابقين.
ولم يغب عن رسول الله ﷺ مخاطبة عمه بالحسنى فيقول له: "أي عم، أنت أحق من بذلت له النصيحة، ورجوت له الهداية".
ومع أن أبا طالب لم يستجب للدعوة إلا أنه طمأن محمدا ﷺ على حمايته، ولم يعترض علي إيمان ابنه علي ﵁.
وكان مجرد إعلان الصحابي "أي صحابي" الإيمان بدعوة رسول الله ﷺ بداية لتبدل حياته كلها، ليظهر جديدا في كل شيء، ويتغير تغيرا تاما، وتلك إحدى العجائب التي صنعها محمد ﷺ في الذين آمنوا بدعوته.
يقول سيد قطب: ولقد كنت وأنا أراجع سيرة الجماعة المسلمة الأولى أقف أمام شعور هذه الجماعة بوجود الله سبحانه، وحضوره في قلوبهم وفي حياتهم،
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ج١ ص٢٤٧.
[ ٤٤٤ ]
فلا أكاد أدرك كيف تم هذا؟
كيف أصبحت حقيقة الألوهية حاضرة في قلوبهم وفي حياتهم على هذا النحو العجيب؟
كيف امتلأت قلوبهم وحياتهم بهذه الحقيقة هذا الامتلاء؟
كيف أصبحت هذه الحقيقة تأخذ عليهم الفجاج والمسالك والاتجاهات والآفاق؛ بحيث تواجههم حيثما اتجهوا، وتكون معهم أينما كانوا، وكيفما كانوا؟
كنت أدرك طبيعة وجود هذه الحقيقة، وحضورها في قلوبهم وفي حياتهم، ولكني لم أكن أدرك كيف تم هذا!
عدت إلى القرآن أقرؤه على ضوء موضوعه الأصيل، وعرفت منهج القرآن في تجلية حقيقة الألوهية، وتعبيد الناس لها وحدها، بعد معرفتها، وهنا فقط أدركت كيف تم هذا كله.
أدركت سر الصناعة، عرفت أين صنع ذلك الجيل المتفرد في تاريخ البشرية وكيف صنع! إنهم صناعة قرآنية، صنعوا في هذا المنهج الرباني على يدي رسول الله ﷺ الذي غرس في نفوسهم معرفة أن الله هو الأول والآخر، والله هو الظاهر والباطن، والله هو الخالق والرازق، والله هو المسيطر والمدبر، والله هو الرافع والخافض، والله هو المعز والمذل، والله هو القابض والباسط، والله هو المحيي والمميت، والله هو النافع والضار، والله هو المنتقم الجبار، والله هو الغفور الودود، والله هو العلي الكبير، والله هو القريب المجيب، والله هو الذي يحول بين المرء وقلبه، والله هو الذي يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء، والله هو العليم بذات الصدور، وهو معهم أينما كانوا، وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو، وهو الذي ينزل الغيب من بعد ما قنطوا وينشر رحمته، وهو الذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل، ويخرج الحي من الميت، ويخرج الميت من الحي، ولا ملجأ من الله إلا إليه، وما لهم من دونه من وال، وكلهم آتيه يوم القيامة فردا.
[ ٤٤٥ ]
وهكذا..
وهكذا..
جعلت هذه الحقيقة تملأ على الناس حياتهم، وتواجههم في كل درب، وتتراءى لهم في كل صوب، وتأخذ على أنفسهم أقطارها، وتعايشهم، وتساكنهم بالليل والنهار، وبالغدو والأسحار، وحين يستغشون ثيابهم، وحين تهجس سرائرهم، وحين يستخفون من الناس، بل حين يستخفون من نفوسهم التي بين جنوبهم١، حتى خرجت منهم أناس يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم، ويتيقنون بأن الدار الآخرة هي الحياة الصحيحة، ويعيشون العبادة والعبودية في خواطر النفس، وهمسات الروح، وقول اللسان، وعمل الجوارح.
ولا عجب بعد أن كانوا هكذا، فلقد تتلمذوا في مدرسة النبوة، وتكونوا بمنهج الله، وكانوا الجماعة الإسلامية الأولى.
_________________
(١) ١ مقومات التصور الإسلامي ص١٩٠، ١٩١.
[ ٤٤٦ ]
ثانيا: قيام الدعوة على الاتصال الفردي ١:
قام الرسول ﷺ بتوجيه الدعوة إلى الناس بصورة فردية، فلقد ثبت أنه ﷺ دعا السابقين إلى الإسلام كلا على حدة، وأحيانا كانت الدعوة تبدأ بسؤال موجه من الصحابي إلى رسول الله ﷺ، وأحيانا آمن البعض اقتناعا بما كان يسمع ويرى.
وخديجة ﵂ أول من دخلت في الإسلام، آمنت بالرسالة قبل أن يطلب الرسول ﷺ منها أن تؤمن؛ لأنها كانت تبشر بالرسالة، وتنتظرها،
_________________
(١) ١ يسمى علماء الإعلام الاتصال الفردي بالاتصال الشخصي ويذكرون أنه الاتصال المباشر الذي يتم مواجهة بين فردين أو بين فرد وجماعة صغيرة بين أعضائها علاقة ما. وهو يتم عادة بطريقة تلقائية كالتحية والرد عليها، وإجابة سؤال، والتحادث حول أمر ما. ونمط هذا الاتصال المواجهة، والاحتكاك المباشر، ورد الفعل فيه يكون واضحا. ويتميز هذا النوع بأنه يتم في اتجاهين بصورة مباشرة مما يؤدي إلى فهم كل طرف للآخر، وهذا يساعد على الفهم، وسرعة القضاء على المعوقات التي تظهر أثناء العملية.
[ ٤٤٦ ]
فلما جاء جبريل بالوحي صدقت بما كانت تتوقعه، وأخذت تعبد الله كما يتعبد رسول الله ﷺ.. فلما تعلم الرسول الوضوء والصلاة وعاد لخديجة، توضأت كوضوئه، وصلت بصلاته، فلما رآهما علي بن أبي طالب ﵁ يصليان سألهما علي: ما هذا؟
قال له رسول الله ﷺ: "هذا دين الله الذي اصطفى لنفسه، وبعث به رسله، فأدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وإلى عبادته، وأن تكفر باللات والعزى".
فقال علي: هذا أمر لم أسمع به قبل اليوم، فلست بقاضٍ أمرا حتى أحدث به أبا طالب.
فكره رسول الله ﷺ أن يفشي عليه سره قبل أن يستعلن أمره، فقال له: "يا علي، إذ لم تسلم فاكتم"، فمكث علي تلك الليلة، ثم إن الله أوقع في قلب علي الإسلام، فأصبح غاديا إلى رسول الله ﷺ حتى جاءه فقال: ماذا عرضت علي يا محمد؟
فقال له رسول الله ﷺ: "تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك، وتكفر باللات والعزى، وتبرأ من الأنداد"، ففعل علي وأسلم، ومكث يأتيه على خوف من أبي طالب، وكتم علي إسلامه ولم يظهره١.
وكان سن علي ﵁ يوم أسلم عشر سنوات، كان من فضل الله على عليٍّ ﵁ في إسلامه أن جعله ﷾ ينشأ في حجر رسول الله صلى الله عليه سلم قبل الإسلام، يكفله ﷺ ويربيه كأنه ابنه.
وأسلم زيد بن حارثة مولى رسول الله ﷺ وصلى بصلاة رسول الله ﷺ وأخذ يحفظ القرآن معه.
وأراد الله بأبي بكر خيرا، فسمع عن دعوة محمد ﷺ، فجاء إليه مسرعا يسأله قائلا: أحق ما تقول قريش يا محمد من تركك آلهتنا، وتسفيهك عقولنا، وتكفيرك آباءنا؟
_________________
(١) ١ حياة الصحابة ج١ ص٤٨.
[ ٤٤٧ ]
فقال رسول الله ﷺ: "بلى، إني رسول الله ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته، وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته"، وقرأ عليه القرآن، فأسلم، وكفر بالأصنام، وخلع الأنداد، وأقر بحق الإسلام، ورجع أبو بكر وهو مؤمن مصدق١.
وهكذا أسلم أبو بكر وعلي وزيد ﵃، وهم أول من دخل في الإسلام بعد خديجة، والعلماء مختلفون في أسبق الثلاثة إلى الإسلام، فمنهم من قال: أولهم أبو بكر، ومنهم من قال: أولهم علي، ومنهم من قال: أولهم زيد بن حارثة.
والأولى بالصحة أن أولهم علي بن أبي طالب؛ لقول النبي ﷺ لفاطمة: "أما ترضين أني زوجتك أقدم أمتي سلما، وأكثرهم علما، وأعظمهم حلما" ٢.
يجمع أبو حنيفة الآراء المذكورة، ويؤكد صحتها جميعا، ويرى أن أول من أسلم من النساء خديجة، وأول من آمن من العبيد الأرقاء زيد بن حارثة، وأول من آمن من الصبيان علي بن أبي طالب، وأول من آمن من الرجال الأحرار الكبار أبو بكر ﵃ جميعا٣.
ويروي ابن عساكر عن سعد بن أبي وقاص ومحمد بن الحنفية أن أبا بكر لم يكن أول المسلمين إسلاما، بل أفضلهم، وأكثرهم فائدة للدعوة إلى الإسلام٤.
وعلى الجملة، فإن إسلام هؤلاء السابقين إلى الإسلام تم بالدعوة الفردية..
_________________
(١) ١ المرجع السابق ج١ ص٤٦. ٢ بغية الرائد في تحقيق مجمع الزوائد ج٩ ص١٢٣. ٣ البداية والنهاية ج٣ ص٢٩. ٤ المرجع السابق ج٣ ص٣١.
[ ٤٤٨ ]
ثالثا: تخير المدعوين:
لم يكن التوجه إلى الأفراد يتم مع جميع الأفراد بصورة مطلقة، وإنما كان ﷺ يتخير من يدعوهم، وهم المتصفون بالهدوء، وقلة الحديث، والتسامح، وحب الخير؛ لأن هؤلاء الأشخاص إن أسلموا لن يجاهروا بإسلامهم، ولن يظهروه لصناديد مكة وشيوخها، ولن يتحدثوا عنه إلا مع أفراد على نمطهم وصفاتهم، وإن لم يسلموا، فالصمت ديدنهم، ولن يحاولوا إيذاء محمد ﷺ بالتحدث عنه، والتكلم فيما دعاهم إليه.. ولذلك نرى المسلمين الأُوَل كانوا من أمثال أبي بكر الصديق، وعثمان بن عفان، وعبد الرحمن بن عوف، أما عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، فقد تم عرض الإسلام عليهم في مرحلة تالية.
وهكذا بقيت الدعوة منحصرة بين أفراد معينين، ولم يصل إلى أهل مكة إلا معارف قليلة عن الدعوة لا تحرك فيهم ساكنا، ولا تثير غضبهم، ولا تهيج مشاعرهم.
إن هذا التخير والاصطفاء للمدعوين إجراء حكيم قام به النبي ﷺ؛ لضمان بداية سليمة وموفقة للدعوة؛ حيث كان ﷺ يركز على المعرفة الشخصية "لقابليات" الأفراد من جهة، ومدى استعدادهم للتجاوب مع الدعوة والانخراط في موكبها من جهة أخرى، حتى لا يتسرب إليها من ليس في مستواها، ممن لا يصلحون طليعة قيادية يؤسس عليها صرح الدعوة في هذه المرحلة١.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ج١ ص٢٨٨، ٢٨٩.
[ ٤٤٩ ]
رابعا: تجنب ضلالات القوم:
أخذ النبي ﷺ يدعو ويعلم أصحابه العقيدة المطلوبة منهم، مع تجنب الحديث عن آلهة القوم وضلالهم مع الأصنام، لم يذم الآلهة، ولم ينقد عبدتها، وإنما اكتفى بعرض أركان العقيدة، وبيَّن مدى أحقيتها في ذاتها، وأخذ يظهر للناس ما في أنفسهم، وفي الكون من دلالات على وحدانية الله واستحقاقه وحده للعبادة.
والآيات التي نزلت في هذه المرحلة شاهدة على مدى ابتعاد النبي ﷺ عن نقد ضلالات القوم، والاكتفاء بتربية المسلمين، وتقوية إيمانهم، ومن هذه الآيات: أوائل سورة المزمل، وأوائل سورة القلم، وهي آيات تحدد منهج التربية الإيمانية،
[ ٤٤٩ ]
وبناء عقيدة قوية متصلة بالله تعالى عن طريق قيام الليل، وقراءة القرآن؛ حيث يتعود المسلم بالقرآن، وقيام الليل على يقظة القلب، وقوة التأمل، وتربية الإرادة.. وبذلك يتحول العبد إلى طاقة قوية، تستفيد بما في الليل من فوائد، وتستعد لما في النهار من عمل، كل ذلك في عبودية ذاكرة، وقلب مخبت منيب.
وتؤكد الآيات عظمة رسول الله ﷺ وهي تتحدث عن كمال عقله وكرم خلقه وعلو شأنه في الدنيا وفي الآخرة، يقول تعالى: ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ، وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ، فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة القلم الآيات ١-٥.
[ ٤٥٠ ]
خامسا: دعوة الأقربين الذين يعاشرهم ﷺ
بدأ الرسول ﷺ يعرض الإسلام على الناس المختارين، وكان في تخيره لمن يدعوهم يكتفي بالأقرب إليه الذي يعايشه ويعاشره، فدعا علي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وأخذ يطبق تعاليم الوحي مع هؤلاء الأقربين تاركا الآخرين لوقت يقدره الله تعالى.. يقول يحيى بن عفيف: جئت زمن الجاهلية إلى مكة، فنزلت على العباس بن عبد المطلب، فلما طلعت الشمس، وحلقت في السماء، وأنا أنظر إلى الكعبة، أقبل شاب فرمى ببصره إلى السماء، ثم استقبل الكعبة، فقام مستقبلها، فلم يلبث حتى جاء غلام فقام عن يمينه، فلم يلبث حتى جاءت امرأة فقامت خلفهما، فركع الشاب فركع الغلام والمرأة، فرفع الشاب فرفع الغلام والمرأة، فخر الشاب ساجدا فسجدا معه.
فقلت: يا عباس، أمر عظيم!
فقال العباس: أتدري من هذا؟
فقلت: لا.
[ ٤٥٠ ]
فقال العباس: هذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب ابن أخي.
قال: أتدري من الغلام؟
قلت: لا.
قال: هذا علي بن أبي طالب ﵁.
قال: أتدري من هذه المرأة التي خلفهما؟
قلت: لا.
قال: هذه خديجة بن خويلد زوجة ابن أخي، وقد حدثني محمد أن ربك رب السماء والأرض، أمره بهذا الذي تراه عليه، وايم الله، ما أعلم على ظهر الأرض كلها أحدا على هذا الدين غير هؤلاء الثلاثة١.
وبقيت الدعوة منحصرة في هذا العدد القليل حتى أسلم أبو بكر ﵁ فأظهر الإسلام، ودعا أصحابه إليه ملتزما بأهمية التخير في الدعوة كما تعلم من رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص٢٥.
[ ٤٥١ ]
سادسا: إسلام الضعفاء فقط
كان السابقون إلى الإسلام من الضعفاء الفقراء الذين لا جاه لهم في مكة ولا سطوة، وهذا أمر جعل أشراف مكة لا يهتمون بالإسلام أول أمره؛ استهانة بقلة أتباعه، وهوانهم بين الناس، ويروي البخاري بسنده عن همام قال: سمعت عمارا يقول: رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر١.
والعبيد هم: زيد بن حارثة، وبلال بن رباح، وعامر بن فهيرة، وأبو فكيهة مولى صفوان بن أمية، وعبيد بن زيد الحبشي، والمرأتان هما: خديجة، وأم أيمن، نظر أهل مكة إلى هؤلاء الضعفاء، فاستصغروا شأنهم، وتصوروهم ظاهرة عارضة، لا تلبث أن تنتهي وتزول.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - كتاب المناقب - باب فضل أبي بكر ج٦ ص٨١.
[ ٤٥١ ]
وساعدهم على هذه النظرة أن العبيد من هؤلاء الضعفاء لم يقصروا في أعمالهم، ولم يرتكبوا خيانة لسادتهم، مع أنهم لم يسلموا.
وقد قضى الله تعالى بأن يكون أتباع الدعوة الأول من الضعفاء الفقراء؛ لتنمو الدعوة على سنة البشر في التطور والتقدم، وليعلم المسلمون دائما حاجتهم الملحة للصبر والتحمل، ومواجهة الطغيان بالعفو والتسامح.
إن هؤلاء الضعفاء هم القوة العملية في مجتمعهم، فمنهم العمال والأجراء والعبيد، ولا بد أن يعملوا ليعيشوا، فليس معهم المال الذي يدفعهم إلى الترفه والكسل، وتلك خاصية أفادت الدعوة الإسلامية لأنهم لما آمنوا بها وضعوا طاقتهم واستعدادهم في خدمتها، ولذلك هاجروا بها، وواصلوا الدعوة إليها، وتحملوا في سبيلها الكثير، فقدموا بذلك النماذج الرائدة للمسلمين بعدهم، ولو كانوا من المترفين المنعمين ما تحملوا أذى، وما صبروا على مشقة، ولعجزوا عن أداء ما كلفوا به.
وأحب أن أبين قضية لها أهميتها، وهي أن ضعف هؤلاء كانت في الجانب المادي فقط، أما في الجانب المعنوي فكانوا هم الأقوياء، وهم العقلاء، فقد دخلوا في الإسلام مخالفين أسيادهم، ولم يعبئوا بأي أذى ينالهم، وتحملوا -صابرين- كل ما أصابهم من ظلم وعدوان، وصل أحيانا إلى حد القتل والفناء.
[ ٤٥٢ ]
سابعا: قصور الدعوة على أهل مكة ومن يأتيه
اكتفى الرسول ﷺ بالدعوة خلال هذه المرحلة على أفراد من الأقربين إليه في مكة، ولم يخرج عن هذا الإطار في دعوته، اللهم إلا مع من قصد رسول الله ﷺ من خارج مكة، وجاء يبحث عن دين الله تعالى.
ولذلك بقيت الدعوة في نطاق محدود، لم يؤمن بتعاليمها أحد خارج مكة، ولم ينشغل كفار مكة بتتبعها، ولم يحدث صدام بين المؤمنين وغيرهم.
واستمر الأمر هكذا حتى قويت هذه الجماعة الأولى، وأسلم أبو بكر ﵁ فأعلن الأمر، وجاهر به، بعد إصرار منه على ذلك.
[ ٤٥٢ ]
وكان ﷺ حريصا في هذه المرحلة على عدم إثارة كفار مكة منعا للتصادم معهم، فكان إذا جاءه من يسلم بدعوته، وهو من غير مكة يأمره بكتم إسلامه، والامتثال لأمر الله، والعمل به بعيدا عن الناس، وهذا من الحكمة في الدعوة؛ لأن كفار مكة لو بدءوا يعملون ضد المسلمين في هذه المرحلة لتمكنوا منهم لقلة عددهم وضعف وجودهم، وهذا قدر أراده الله للمؤمنين في هذه المرحلة لينصر دينه بهم.
يروي ابن سعد بسنده عن شداد بن عبد الله: أن أبا أمامة سأل عمرو بن عبسة: بأي شيء تدعي أنك ربع الإسلام؟
قال: إني كنت في الجاهلية أرى الناس على ضلالة ولا أرى الأوثان بشيء، ثم سمعت عن رجل يخبر أخبارا بمكة، ويحدث بأحاديث، فركت راحلتي، حتى قدمت مكة، فإذا أنا برسول الله ﷺ مستخفيا، وإذا قومه عليه جرآء.
فتلطفت حتى دخلت عليه فقلت: من أنت؟
قال: "أنا نبي".
فقلت: وما نبي؟
قال: "رسول الله".
قلت: الله أرسلك؟
قال: "نعم".
قلت: فبأي شيء؟
قال: "بأن يوحد الله ولا يشرك به شيء، وتكسر الأوثان، وتوصل الأرحام".
فقلت له: من معك على هذا؟
قال: "حر وعبد" يقصد: أبا بكر، وبلال بن رباح.
فقلت له: إني متبعك.
[ ٤٥٣ ]
قال: "إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت، فالحق بي".
فرجعت إلى أهلي وخرج النبي ﷺ مهاجرا إلى المدينة وقد أسلمت، فجعلت أتخبر الأخبار حتى جاء ركبه من يثرب فقلت: ما فعل هذا الرجل المكي الذي أتاكم؟ فقالوا: أراد قومه قتله فلم يستطيعوا ذاك، وحيل بينهم وبينه، وتركت الناس إليه سراعا، فركبت راحلتي، حتى قدمت عليه المدينة.
فدخلت عليه فقلت: يا رسول الله، أتعرفني؟
قال: "نعم، ألست الذي أتيتني بمكة؟ ".
فقلت: بلى يا رسول الله، علمني مما علمك الله وأجهله.
"ثم ذكر الحديث بطوله، وفيه تفصيل مواقيت الصلاة والوضوء وغير ذلك"١.
وهكذا وجه النبي ﷺ هذا الصحابي الجليل إلى عدم البقاء في مكة والرجوع إلى قومه، وملازمة الصمت والسكوت، حتى يظهر أمر الإسلام، وبعدها يتمكن من الحركة والجهر والدعوة، في ظلال حفظ الله، ونصر إخوانه له.
ويبدو أن عمرو بن عبسة ﵁ كان من الحنفاء، الذين أظهروا فساد آلهة القوم، وأخذوا في البحث عن الدين الحق؛ ولذلك كان توجيهه إلى التخفي أمرا ضروريا في هذه المرحلة من مراحل الدعوة؛ لأن الحنفاء تعودوا نقد ما عليه الناس، واحتقار آلهتم، من غير تقديم دعوة جديدة، تتضمن معالم دين صحيح، فلو استمر عمرو بن عبسة في النقد مع إسلامه، فإنه يمثل خطورة لأهل مكة تشعل غضبهم في هذه المرحلة التي لا تتحمل هذا.
يخبر شهر بن حوشب عن عمرو بن عبسة قال: رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية، وذلك أنها باطل، فلقيت رجلا من أهل الكتاب من أهل تيماء فقلت: إني امرؤ ممن يعبد الحجارة، فينزل الحي ليس معهم إله.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٤ ص٢١٦.
[ ٤٥٤ ]
يخرج الرجل منهم فيأتي بأربعة أحجار، فينصب ثلاثة لقدره، ويجعل أحسنها إلها يعبده.
ثم لعله يجد ما هو أحسن منه، قبل أن يرتحل، فيتركه، ويأخذ غيره إذا نزل منزلا سواه.
فرأيت أنه إله باطل، لا ينفع، ولا يضر، فدلني على خير من هذا.
فقال: يخرج من مكة رجل يرغب عن آلهة قومه، ويدعو إلى غيرها، فإذا رأيت ذلك فاتبعه، فإنه يأتي بأفضل الدين، فلم تكن لي همة منذ قال لي ذلك إلا مكة فآتي فاسأل: هل حدث فيها حدث؟ فيقال: لا، ثم قدمت مرة فسألت، فقالوا: حدث فيها رجل يرغب عن آلهة قومه ويدعو إلى غيرها، فرجعت إلى أهلي، فشددت راحلتي، ثم قدمت منزلي الذي كنت أنزله بمكة، فسألت عنه فوجدته مستخفيا، ووجدت قريشا عليه أشداء، فتلطفت حتى دخلت عليه فسألته.
فقلت: أي شيء أنت؟
قال: "نبي".
قلت: ومن أرسلك؟
قال: "الله".
قلت: وبِمَ أرسلك؟
قال: "بعبادة الله وحده لا شريك له، ويحقن الدماء، ويكسر الأوثان، وصلة الرحم، وأمان السبيل".
فقلت: نعم ما أرسلت به، قد آمنت بك، وصدقتك، أتأمرني أمكث معك أو أنصرف؟
فقالت: "ألا ترى كراهة الناس ما جئت به؟ فلا تستطيع أن تمكث، كن في أهلك، فإذا سمعت بي قد خرجت مخرجا فاتبعني" ١.. وساق الحديث السابق بطوله، وبألفاظ متقاربة.
_________________
(١) ١ الطبقات ج٤ ص٢١٧.
[ ٤٥٥ ]
ثامنا: التخفي في العبادة والتوجيه
أخذ ﷺ يتخفى عن أعين أهل مكة وهو يوجه أتباعه، ويطبق معهم تعاليم الإسلام.
وقد اختار ﷺ للتخفي أماكن لا تكتشف بسهولة، ومن ذلك الشعاب البعيدة عن بيوت أهل مكة، وكان ﷺ يخرج إلى الشعاب، ومعه علي بن أبي طالب وزيد بن حارثة للصلاة فيها بعيدا عن أعين الناس١.
يقول ابن إسحاق: وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله ﷺ كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من أبيه أبي طالب، ومن جميع أعمامه، وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا، فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا٢. ولما كثر عدد المسلمين كانوا يذهبون إلى الشعاب فرادى أو مثنى؛ محافظة على السرية، وعدم التصادم.
ومن طرق التخفي اتخاذ دار الأرقم بن أبي الأرقم مكانا يجتمع فيه المسلمون مع رسول الله ﷺ للتعلم والعمل.. وكان اختيار دار الأرقم ملائما للتخفي والاستتارة لعدة أسباب:
أ- تقع دار الأرقم عند الصفا، وهو مكان يتجه إليه كثير من أبناء مكة، وتوجه المسلمين إلى هذا المكان أمر عادي لا يثير تساؤلا، ولا يوقعهم في شبهة.
ب- لم يتوقع أحد من أهل مكة أن يجتمع محمد ﷺ مع أصحابه في دار الأرقم، ولا يمكن لهم أن يتصوروا ذلك؛ لأن الأرقم من بني مخزوم، وهي قبيلة تنافس بني هاشم في السلم والحرب، ولا يتصور أن تنشأ دعوة هاشمية في دار مخزومية.
ج- أسلم الأرقم وهو صغير لم يبلغ السادسة عشرة، وصبي في هذا العمر لا يجرؤ أن يجعل بيته مكانا لتجمع المسلمين، فلقد جرت عادة القرشيين أن يكون اجتماعهم في بيوت كبار القوم وأغنيائهم وشيوخهم.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ج١ ص١٧. ٢ سيرة النبي ﷺ ج١ ص٢٤٦.
[ ٤٥٦ ]
د- إسلام الأرقم نفسه كان سرا على قبيلته، وعلى غيرهم، ولا يمكن تصور بيته حينئذ مكانا لاجتماع المسلمين؛ لأن صاحبه لم يدخل في الإسلام في نظرهم.
والحكمة في بدء الدعوة بالاستخفاء عديدة، منها:
١- التريث ريثما تتكون لبنات قوية المزج، شديدة التماسك، في جو بعيد عن إثارة المعوقات في طريق سير الدعوة؛ لأن هذه اللبنات هي القوة الدافعة التي سيعتمد عليها بناء المجتمع الإيماني الجديد، في مواجهة قوى الظلم والبغي المتربصة بهذا الدين، في صبر لا يعرف الوهن، وجهاد لا يعرف اليأس.
٢- ضرورة المسالمة في البداية؛ لأن مهاجمة هذا المجتمع الغارق في شروره ومواجهته بضلاله، وساق الدعوة لم يستوِ بعد، يؤذن بتحريك دوافع المقاومة للدعوة في نفوس المستكبرين، والدعوة لا تزال في أول خطواتها، فتتعثر في سيرها، وهي لا تزال وليدة طرية.
لذلك آثر النبي ﷺ الاستسرار بدعوته، وتبليغ رسالته؛ حرصا منه أن يكون سيرها مطردا، وئيدا، هادئا، تسير إلى القلوب بخطا ثابتة، حتى تتمكن من الإعلان عن نفسها في الوقت المناسب١، بعد أن يؤمن بها عدد من الناس يضحون في سبيلها بالغالي والنفيس، مما يضمن استمرارها وبقاءها.
٣- إتاحة الفرصة للدعوة حتى تصل إلى مسامع العرب في مواسمهم ومحافلهم وأسواقهم ومضارب منازلهم، فأتت هذه الخطوة أكلها؛ حيث أقبل إلى مكة فريق منهم، يتحسس أخبارها، ويتعرف مكانها في خفية وحذر، حتى إذا بلغوا مأمنها في مقرها "دار الأرقم" أسلموا لله تعالى، واتبعوا رسوله ﷺ، واهتدوا بهديه، وآمنوا بما جاء به من الحق٢.
_________________
(١) ١ محمد صادق عرجون، محمد رسول الله ﷺ ج١ ص٦٠٥. ٢ منهج النبي ﷺ ص١٤٩.
[ ٤٥٧ ]
٤- المساهمة في تكوين قاعدة إيمانية صُلْبة، ومثالية في هدوء وأناة؛ لتقوم بدورها في المراحل التالية، ولتقدم أسوة راقية لمن بعدهم في الخلق والسلوك وأداء الواجب.
[ ٤٥٨ ]
تاسعا: حمل المسلمين مسئولية الدعوة:
قام الرسول ﷺ بأمر الدعوة إلى الله تعالى، وتبعه نفر قليل، فأخذ يعلمهم بتعاليم الله التي ينزل بها الوحي، وأخذ المسلمون يعيشون حياة جديدة طيبة، وتكون منهم أناس ربانيون خرج حظ الشيطان من نفوسهم، وتابع الرسول ﷺ تغذيتهم بالقرآن وتقويتهم بالإيمان حتى صاروا -بحق- عبيدا لله، لا يريدون في الأرض علوا ولا فسادا.. ورأوا أن أعظم العمل هو الدعوة لدين الله والعمل به.. ولذلك رأينا أبا بكر ﵁ لم يكتفِ بإسلامه متخفيا، وإنما أظهر إسلامه، ودعا إلى الله، وإلى رسوله، فأسلم بدعوته:
عثمان بن عفان.
والزبير بن العوام.
وعبد الرحمن بن عوف.
وسعد بن أبي وقاص.
وطلحة بن عبد الله بن عثمان رضوان الله عليهم أجمعين.
فلما أسلم هؤلاء الخمسة، قدم بهم أبو بكر إلى رسول الله ﷺ، فصلوا معه، وصدقوا برسالته، وبلغ عدد المسلمين بهم ثمانية١..
وفي اليوم التالي جاء أبو بكر بنفر آخرين أسلموا بدعوته أيضا، وهم: عثمان بن مظعون، وأبو عبيدة بن الجراح، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم بن أبي الأرقم.
ويرجع نجاح أبي بكر في الدعوة إلى عدة أسباب:
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري ج١ ص٣١٧.
[ ٤٥٨ ]
أ- بساطة الدعوة إلى التوحيد، كما هو ظاهر من قول رسول الله ﷺ لأبي بكر: "وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق، أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته".. وفي قوله ﷺ دلالة على أن الله واحد، وحقه أن يعبد وحده، ونبذ ما عداه من آلهة وشركاء.
وقد صدق أبو بكر بما سمع من رسول الله ﷺ، وآمن به بلا تردد أو مراجعة، يقول النبي ﷺ: "ما دعوت أحدا إلى الإسلام إلا كانت له عنه كبوة وتردد ونظر، إلا أبا بكر ما تردد فيه" ١.
ب- اشتهار أبي بكر ﵁ في مكة بحسن الخلق، وسَعَة الأفق، وتنوع الثقافة، ودقة الأمانة، يقول ابن كثير: وكان أبو بكر رجلا مؤلفا لقومه، محبا سهلا، وكان أنسب قريش لقريش، وأعلم قريش بما كان فيها من خير وشر، وكان رجلا تاجرا ذا خلق، ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه، لغير واحد من الأمر؛ لعلمه، وتجارته، وحسن مجالسته، فجعل يدعو إلى الإسلام من وثق به من قومه ممن يغشاه، ويجلس إليه٢.
ج- الاقتداء برسول الله ﷺ في الاصطفاء، وتخير من يدعوهم، كما هو واضح من الصحابة الذي آمنوا بدعوته لهم.
وعلى مثال أبي بكر ﵁ كان سائر الصحابة الذين دخلوا في الإسلام، فكان الواحد منهم إذا توسم الخير في إنسان دعاه برفق إلى الإسلام، فإن استجاب وجهه إلى دار الأرقم، وإن لا تركه وانصرف عنه، يروي ابن سعد في الطبقات قصة إسلام عمار بن ياسر، وصهيب بن سنان، ومجيئهما إلى دار الأرقم، والتقائهما عند الباب، والحوار الذي دار بينهما، فيقول: قال عمار بن ياسر: لقيت صهيب بن
_________________
(١) ١ دلائل النبوة للبيهقي ج٢ ص١٦٤. ٢ البداية والنهاية ج٣ ص٢٩.
[ ٤٥٩ ]
سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله ﷺ فيها، فقلت له: ما تريد؟
قال لي: ما تريد أنت؟
فقلت: أردت أن أدخل على محمد فأسمع كلامه.
قال: وأنا أريد ذلك.
فدخلنا عليه، فعرض علينا الإسلام، ثم مكثنا يوما على ذلك حتى أمسينا، ثم خرجنا ونحن مستخفون١.
وكان مجيئهما إلى دار الأرقم بتوجيه بعض الصحابة الذين وثقوا من إيمانهم.
وكان ﷺ ينظم الذين أسلموا في جماعات صغيرة؛ لتلتقي كل مجموعة في بيت أحدهم، يقرءون كلام الله، ويتعاهدون الإسلام بالفهم والتطبيق، وكان رسول الله ﷺ يرسل إلى هذه المجموعات أحد القراء ليحفظهم القرآن الكريم الذي نزل، يروي ابن سعد أن عمر بن الخطاب لما ذهب إلى أخته مغاضبا وجد عندها خباب بن الأرت، وكان يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن مع زوجها٢.
وإذا كان أحد المسلمين يقرأ ويكتب فإن الرسول ﷺ يرسل له القرآن مكتوبا ليقرأه على إخوانه.
وكان المسلمون الأوائل حريصين على حماية الإسلام، وحماية رسول الله ﷺ، من ذلك ما فعله نعيم بن عبد الله النجام، وكان مستخفيا بإسلامه، فإنه لما رأى عمر بن الخطاب متوشحا سيفه شك في أمره وارتاب في مقصده، مما دفعه إلى سؤاله فقال: أين تريد يا عمر؟
فقال: أريد محمدا، هذا الصابئ الذي فرق أمر قريش، وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها، فأقتله.
_________________
(١) ١ ابن سعد، الطبقات ج٣ ص٢٢٧. ٢ صحيح مسلم.
[ ٤٦٠ ]
فقال نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا، أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟!
قال: وأي أهل بيتي؟
قال: خنتك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب١.
ومن أعمال الصحابة التي بذلوها لحماية رسول الله ﷺ مراقبة الغرباء القادمين إلى مكة، ومعرفة مقاصدهم، ومساعدتهم في الوصول إلى رسول الله ﷺ إن رغبوا في ذلك في إطار من السرية المطلوبة..
يروي البخاري بسنده أن أبا ذر ﵁ قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس رسول الله ﷺ وكان لا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل، فرآه علي ﵁ فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء حتى أصبح، ثم قام، واحتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظل ذلك اليوم، ولا يراه النبي ﷺ حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به علي ﵁ فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله؟
فأقامه، فذهب به معه، لا يسأل أي واحد منهما صاحبه عن شيء.
حتى إذا كان اليوم الثالث، فعاد علي ﵁ على مثل ذلك، فأقام معه، ثم قال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟
قال أبو ذر: إن أعطيتني عهدا وميثاقا لترشدني فعلت.
ففعل.
فأخبره.
وقال علي له: إنه حق، وهو رسول الله ﷺ، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني، حتى تدخل مدخلي، ففعل، فانطلق يقفوه، حتى دخل على النبي ﷺ ودخل معه، فسمع
_________________
(١) ١ ابن هشام، السيرة ج١ ص٣٦٦.
[ ٤٦١ ]
من قوله، وأسلم مكانه١.
وبهذا الحذر كان تصرف الصحابة حبا لرسول الله ﷺ ومحافظة عليه ﵃ أجمعين.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الجامع الصحيح - كتاب مناقب الأنصار - باب إسلام أبي ذر ج٦ ص١٨٢.
[ ٤٦٢ ]
المبحث الثالث: الوسائل والأساليب خلال المرحلة السرية
قام الرسول ﷺ وأصحابه بدعوة الناس عن طريق الاتصال الشخصي والمواجهة المباشرة، وهذه الوسيلة تحتاج إلى معرفة مسبقة بين الداعي والمدعو؛ ليتمكن الداعي من تخير الوقت المناسب والحالة المناسبة والأسلوب المناسب، كما يتمكن المدعو من السؤال والاعتراض والرد بهدوء وتعقل.
وبمراجعة عدد المسلمين في المرحلة السرية، ومعرفة طرق إسلامهم، نرى اتصال الدعاة بهم مباشرة على نحو ما سبق ذكره.
وأما أسلوب الدعوة، فقد قام على عرض الأدلة الدقيقة المحكمة، على صورة سؤال أو إجابة، من ذلك ما روي في قصة إسلام عمرو بن عبسة السلمي ﵁السابق ذكرها- حيث رأينا أن عمرًا كان يبحث عن دين خال من الخرافات والأكاذيب الموجودة في حياة العرب، ولم يرتضِ لنفسه أن يتخير حجرا، ويجعله إلها، فلما سمع برسول الله جاءه، وأخذ في سؤاله حتى تيقن من صدقه، وآمن به، وكان يقول ﵁: لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام١.
ويبدو أن النبي ﷺ لم يخبره بكل من أسلموا؛ حفاظا على سلامتهم، وسلامة إيمانهم؛ ولذلك قال: لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام.
وعلى هذا يمكن فهم التضارب الذي ظهر على ألسنة الصحابة، وهم يعدون السابقين إلى الإسلام؛ لأن كلا روى حسب علمه، وسط جو الاستخفاء والسرية المذكور، يعضد ذلك ما قاله كل من أبي ذر وسعد بن أبي وقاص من أنه ثلث الإسلام٢.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم. ٢ صحيح البخاري.
[ ٤٦٣ ]
المبحث الرابع: المسلمون خلال المرحلة السرية
استمرت مرحلة الدعوة السرية سنتين ونصفا، ودخل في الإسلام ستون مسلما ومسلمة من كافة طبقات وقبائل المجتمع المكي، حتى أنه لا تخلو عشيرة مكية من شخص أو أكثر أسلموا من بينها.
وقد ورد ذكرهم بالتفصيل في كتب السيرة١، وهم:
أولا: بنو هشام
١- علي بن أبي طالب.
٢- جعفر بن أبي طالب.
٣- أم الفضل بنت الحارث.
٤- أسماء بن عميس "زوج جعفر".
٥- خديجة بنت خويلد.
ثانيا: بنو أمية
٦- عثمان بن عفان.
٧- خالد بن سعيد.
٨- أمينة بنت خالد "زوج خالد".
٩- حاطب بن عمرو.
١٠- عبد الله بن جحش.
١١- أبو أحمد بن جحش.
١٢- امرأته فاطمة.
ثالثا: بنو مخزوم
١٣- أبو سلمة بن عبد الأسد.
١٤- عياش بن أبي ربيعة.
١٥- عمار بن ياسر "حليف".
١٦- أسماء زوجة عياش.
١٧- ياسر بن عامر "حليف".
١٨- سمية بنت خياط "زوج ياسر".
١٩- الأرقم بن أبي الأرقم.
رابعا: بنو تيم
٢٠- أبو بكر الصديق.
٢١- طلحة بن عبيد الله.
٢٢- عامر بن فهيرة "مولى".
٢٣- بلال بن رباح "مولى".
خامسا: بنو عدي
٢٤- سعيد بن زيد.
٢٥- فاطمة بنت الخطاب.
٢٦- عامر بن أبي ربيعة "حليف".
٢٧- نعيم بن عبد الله.
٢٨- واقد بن عبد الله "حليف".
_________________
(١) ١ المنهج الحركي للسيرة النبوية ج١ ص٢٤-٢٧.
[ ٤٦٤ ]
٢٩- خالد بن البكير "حليف".
٣٠- عامر بن البكير "حليف".
٣١- إياس بن البكير "حليف".
سادسا: بنو زهرة
٣٢- سعد بن أبي وقاص.
٣٣- عبد الرحمن بن عوف.
٣٤- عمير بن أبي وقاص.
٣٥- عبد الله بن مسعود "حليف".
٣٦- المطلب بن أزهر.
٣٧- خباب بن الأرت "حليف".
سابعا: بنو سهم
٣٨- خنيس بن حذافة.
٣٩- حفصة بن عمر "زوجة".
ثامنا: بنو جمح
٤٠- حاطب بن الحارث.
٤١- امرأته فاطمة.
٤٢- خطاب بن الحارث.
٤٣- امرأته فكيهة.
٤٤- السائب بن عثمان.
تاسعا: بنو أسد
٤٥- الزبير بن العوام.
عاشرا: بنو عامر:
٤٦- أبو عبيدة بن الجراح.
٤٧- سليط بن عمرو.
حادي عشر: قبائل متفرقة:
٤٨- صهيب بن سنان "رومي".
٤٩- مسعود بن ربيعة.
٥٠- معمر بن حبيب.
٥١- زيد بن حارثة.
٥٢- عمرو بن عبسة "سلمي".
٥٣- عثمان بن مظعون.
٥٤- قدامة بن مظعون.
٥٥- عبد الله بن مظعون.
٥٦- رملة زوجته.
وهؤلاء السابقون إلى الإسلام نماذج فريدة، عاشوا أحرج فترات البناء الإسلامي، وواجهوا أصعب المواقف، وكانوا بحق أمثلة عالية في الفداء والتضحية والإخلاص والعبودية لله رب العالمين.
[ ٤٦٥ ]
لقد خلعوا أنفسهم من مجتمعهم الجاهلي، وكوَّنوا جماعة الدعوة الأولى، التي تميزت بخصائصها وصفاتها؛ إذ كان إيمانها يعني الخلوص التام من كل شرك، والالتزام المطلق لأمر الله تعالى، فلا مهادنة في عقيدة، ولا ضعف في القيام بواجب مع تحمل أي ضغط، والصبر على أي أذى، وكان دخول أحدهم في الإسلام يعني البراءة التامة من الشرك وأهله، والبعد عن موالاة غير المؤمنين ولو كان من أقرب الناس إليه.
وكان المسلم يحب أخاه المسلم، لا يحبه إلا الله، ويلتزم بكل لوازم هذه المحبة من النصرة والنصيحة والمودة وحسن الأخلاق.
إن الإيمان كان يعني عند هؤلاء هجرا كليا عن كافة صور الجاهلية، وانتقال المؤمن إلى منهج الإسلام بكماله وتمامه، وذلك هو الإيمان في الحقيقة.
وقد قام هؤلاء المسلمون بواجبهم إزاء الدعوة إلى الله تعالى؛ إذ حملوا الإسلام إلى زوجاتهم وأبنائهم وأهليهم، وإلى كل من يعاشرونهم، وله معهم ثقة، ولهم به معرفة، وبواسطة هؤلاء الصحابة دخل الإسلام بيوتهم، وأسلم عدد من الزوجات والأبناء.
وساعد هؤلاء الصحابة في تبليغ الإسلام حسن الاتباع، وسلامة التطبيق، والتخلق بأخلاق الإسلام؛ لأن ذلك يعد في ذاته دعوة عملية.
وساعدهم كذلك أنهم تيقنوا أن الإيمان يعني العلم والعمل معا، فلم يقصروا في تعلم، ولم يتهاونوا في تطبيق، وكان إيمانهم قائما على اليقين التام، والاقتناع الصادق، فلما تعرضوا للابتلاء لم يتأثروا، ولم يضعفوا.
لقد كانوا قوة انتصروا لدينهم وارتفعوا به إلى مصاف العلا، فكانوا بحق خير أمة أخرجت للناس، واستحقوا أن يضعهم الرسول ﷺ فوق الصحابة أجمعين، فعندما اختلف أحدهم وهو عبد الرحمن بن عوف مع خالد بن الوليد بعد إسلامه قال الرسول ﷺ: "يا خالد، دع عنك أصحابي، فوالله لو كان لك أُحُد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي ولا روحته" ١.
_________________
(١) ١ السيرة النبوية لابن هشام ج٤ ص٧٤.
[ ٤٦٦ ]
فبالرغم من أن خالدًا من أصحاب رسول الله ﷺ، وبالرغم من أنه من الذين أسلموا، وأنفقوا قبل الفتح، بالرغم من ذلك كله، فلقد قيل له هذا القول حين اختلف مع عبد الرحمن بن عوف ﵁، أحد أفراد الطليعة السابقة، والنواة الصُّلْبة التي قام البناء الإسلامي على أكتافها..
ولا ننسى أبدا أن من هؤلاء بين النسوة خديجة ﵂، إحدى الكاملات في الدنيا، وأسماء بنت عميس، وأم الفضل بنت الحارث، وغيرهن اللاتي كن النموذج الأعلى للنساء في التاريخ.
[ ٤٦٧ ]
المبحث الخامس: المرحلة الأولي للجهر بالدعوة جهر رسول الله ﷺ
مدخل
المبحث الخامس: المرحلة الأولى للجهر بالدعوة "جهر رسول الله ﷺ"
لم تبقَ الدعوة سرا مجهولا على أهل مكة، فلقد علموا كثيرا عن محمد ﷺ ودعوته لدين جديد، ولم يتحركوا لذلك، ولم يكترثوا به؛ لأن معلوماتهم عن الإسلام كانت عامة وبسيطة، جعلت الدعوة في نظرهم أقل خطورة على معتقداتهم من الحنفاء الذين يجاهرون ببطلان عبادة الأصنام والأوثان.
ومما يدل على علمهم بالدعوة أن أحد تجار مكة جاء إلي أبي طالب فرأى محمدا ﷺ يصلي، وخلفه علي وخديجة، وعلم أنهم بذلك يعبدون الله الذي يدعو إليه محمد ﷺ.
وسبق ذكرم علم أبي طالب بإيمان علي بالإسلام، ودعوة رسول الله ﷺ له ليسلم. ومع اتساع موجة المعرفة بدعوة محمد ﷺ بقي أهل مكة على إهمالهم شأن محمد ومن معه فسكتوا عن دعوته، ولم يتصوروا خطورة على أديانهم وأوضاعهم.
وكان صمت أهل مكة عن المسلمين في هذه الفترة فضلا من الله؛ حيث تكونت النواة الصلبة التي يقوم عليها البناء، ونشأ جيل القمة الذي حمل مسئولية الإسلام مع رسول الله ﷺ وبعده، ويكفي أن نعرف أن تسعة من هؤلاء، هم المبشرون بالجنة، وعاشرهم هو عمر بن الخطاب ﵁، وأن الرسول ﷺ اتخذ منهم أهل الشورى الستة، ومات ﷺ وهو عنهم راضٍ.
بعد هذا مراحل الجهر بالدعوة التي تعددت تبعا لاعتبارات مختلفة..
وقد رأيت بعض العلماء يعدها ثلاثا باعتبار نوعية المدعوين، فهناك الجهر للأقربين، وهناك جهر لأهل مكة، وهناك جهر ثالث للناس أجمعين١.. لكن هذا
_________________
(١) ١ انظر: الدعوة الإسلامية في عهدها المكي ص٣٠٤-٣٣٥.
[ ٤٦٨ ]
التقسيم لم يلاحظ تداخل صور الجهر بالدعوة؛ لأن الرسول ﷺ وهو يجهر بالدعوة كان يدعو أقرباءه الأدنين وأهل مكة، وكلهم أقرباؤه.. وأيضا كان يدعو من يأتي مكة من خارجها.. كما أن الرسول ﷺ أعلن من أول الدعوة أنها للناس أجمعين.
وهناك من يقسم المرحلة الجهرية إلى مرحلتين باعتبار الشخص الذي جهر بالدعوة، ويرى هؤلاء أن الرسول ﷺ هو الذي جهر بالدعوة للناس في المرحلة الأولى.. وأن عمر بن الخطاب ﵁ وحمزة بن عبد المطلب ﵁ هما اللذان جهرا بالدعوة بعد المرحلة الأولى بعامين١، وكان جهرهما بداية المرحلة الجهرية الثانية.
وأرى أن هذا التقسيم أكثر صوابا من التقسيم الأول؛ ولذلك سأتناول المرحلة الأولى هنا على أساس هذا التقسيم.
ويلاحظ هنا أن مراحل الدعوة تقسيم منهجي لتسهيل المعرفة بالسيرة النبوية؛ لأن المراحل كانت تتداخل أحيانا، ففي المرحلة السرية جهر أبو بكر بالدعوة، ومع جهر الرسول ﷺ كان الصحابة يباشرون الدعوة أيضا.
وتعد المرحلة الجهرية الأولى وسطا بين المرحلة السرية ومرحلة الجهر العام؛ لأن المرحلة الجهرية الأولى قام بالجهر خلالها رسول الله ﷺ مع المحافظة على سرية أماكن التجمع والحركة للمسلمين، الأمر الذي يجعل هذه المرحلة انتقالا من طبيعة المرحلة السرية إلى طبيعة الجهر العام.
وتبدأ مرحلة جهر الرسول ﷺ بالدعوة بنزول قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ، إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئينَ﴾ ٢، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ، وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ انظر: المنهج الحركي للسيرة ج١ ص٣٧، ٧٨. ٢ سورة الحجر آية ٩٤، ٩٥. ٣ سورة الشعراء آية ٢١٤، ٢١٥.
[ ٤٦٩ ]
والآيات تأمر رسول الله ﷺ بالجهر بالدعوة، وترك المشركين في غيهم، وعدم إثارتهم، مع التركيز على دعوة الأقربين، وتقوية العلاقة الطيبة مع المؤمنين.
وكانت هذه المرحلة جهرية لرسول الله ﷺ فقط؛ حيث أمره الله تعالى بالجهر، أما أصحاب النبي ﷺ المؤمنين فقد ظلوا على صمتهم واستخفائهم؛ لأن الأمر بالجهر جاء مقترنا بالدعوة إلى الصبر والتحمل وتجنب المشركين والبعد عن كل ما يؤدي إلى التصادم معهم.
ولأن حركة الصحابة كانت سرية بقي مكان تجمعهم في دار الأرقم سرا لا يعلمه كفار مكة إلا يوم أسلم عمر بن الخطاب، وكانوا يخفون من أسلم حفاظا عليهم؛ ولذلك استمروا يؤدون مناسكهم وصلواتهم في الشعاب، ولم يتجمعوا عند الكعبة إلا بعد إسلام عمر.
رغب المسلمون مرة في إسماع القرآن الكريم أهل مكة عساهم يتأثرون ببلاغته ومعانيه، فاجتمعوا لتدبير هذا الأمر، فقالوا: والله ما سمعت قريش هذا القرآن يجهر لها به قط، فمن رجل يسمعهموه؟
فقال عبد الله بن مسعود: أنا.
قالوا: إنا نخشاهم عليك، إنما نريد رجلا له عشيرة يمنعونه من القوم إن أرادوه.
قال: دعوني فإن الله سيمنعني.
فغدا ابن مسعود حتى أتى المقام في الضحى، وقريش في أنديتها، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ رافعا بها صوته ﴿الرَّحْمَنُ، عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ .
فتأملوه فجعلوا يقولون: ماذا قال ابن أم عبد؟
ثم قالوا: إنه ليتلو بعض ما جاء به محمد، فقاموا إليه، فجعلوا يضربونه في وجهه، وجعل يقرأ حتى بلغ منها ما شاء الله أن يبلغ.
ثم انصرف إلى أصحابه وقد أثروا في وجهه، فقالوا له: هذا الذي خشينا عليك.
[ ٤٧٠ ]
فقال: ما كان أعداء الله أهون عليَّ منهم الآن، ولئن شئتم لأغادينهم بمثلها غدا.
قالوا: لا، حسبك قد أسمعتهم ما يكرهون١.
إن استضعاف المشركين لمن أسلم، وإيذاء من يظهر منهم، كان سببا في التدرج بالجهر بالدعوة؛ ولذلك اتخذ الجهر مرحلتين.
إن موضوع الدعوة تحدد بدقة منذ اللحظة الأولى، وهو الدعوة إلى وحدانية الله، وقصر العبادة له ﷾، وكل ما جد في شأن الدعوة كان مع الوسائل والأساليب؛ ولذا سأتناول في هذا المبحث الملامح التالية:
_________________
(١) ١ السيرة النبوية لابن هشام ج١ ص٣١٤.
[ ٤٧١ ]
أولا: ظهور الجماعة المؤمنة
أولا: ظهور الجماعات المؤمنة:
ظهرت الجماعة الإسلامية الأولى في مكة، وخرجت للعلن بعد أن جهر الرسول ﷺ بالدعوة، وصارت تمثل كيانا له دينه ومرجعيته وعلمه وذاتيته.
إن العقيدة التي صدق بها هؤلاء السابقون الإسلام، وهي الدين الذي آمنوا به، وهي القاعدة التي طهرتهم، وصهرتهم نظريا وعمليا، وجعلتهم يكونون المجتمع الإيماني على قاعدة نظرية معرفية تختم العمل والتطبيق.
إن التوحيد هو الحقيقة الكبرى في الكون، فالخلق تعالى واحد، والكون بسننه ونواميسه واحد، والإنسان في جوهره وغايته ووجوده واحد، والكون بكامله يتجه إلى الله ﷿ اتجاها واحدا بالعبادة والطاعة: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ ١، وينبغي للإنسان أن يتجه إلى نفس الغاية والهدف، وإلا حصل التصادم والتمزق والضياع في مسيرة الحياة.
ولذلك نص القرآن المكي على قاعدة الوجود الكبرى، وغاية الوجود الإنساني في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ٢؛ حيث
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية ٨٣. ٢ سورة الذاريات آية ٥٦.
[ ٤٧١ ]
ترسم الآية الإطار العام للعقيدة، والدائرة الشاملة للحياة البشرية، وجعل كل الأعمال الظاهرة والباطنة عبادة الله تعالى.
ولم يكن صدفة أن يبدأ رسول الله ﷺ بتربية المجموعة الأولى على تجريد التوحيد، فرسخ في قلوبهم المعرفة الحقة بالله تعالى التي تقتضي الاستسلام التام له، والطاعة المطلقة له، وعدم التقديم بين يديه، والرضا والتسليم بقضائه وقدره١.
ومرجعية هذه الجماعة هي الوحي الإلهي، والرسول ﷺ بينهم يعلمهم ويبين لهم طرق العمل به، والهداية بمنهجه..
وقد تعلمت هذه الجماعة من القرآن الكريم الذي نزل عليهم أن هناك سننا أرادها الله تعالى لمسيرة الحياة والأحياء، لا بد من تقبلها والتعامل معها.. ومن أهمها:
أ- الابتلاء والتمحيص:
ابتلاء المؤمنين بالأذى والاضطهاد سُنَّة إلهية في الناس؛ ليظهر الطيب والخبيث؛ ولذلك قال ورقة بن نوفل للنبي ﷺ: "ما جاء رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي"٢، ويقول الله تعالى: ﴿الم، أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ، وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ ٣.
وعلى هؤلاء المسلمين ومن يأتي بعدهم ضرورة تحمل الابتلاء، والصبر على الأذى؛ تمييزا لهم، وإظهارا لصلابتهم، يقول الله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ
_________________
(١) ١ منهج النبي ﷺ ص٣٢. ٢ صحيح البخاري - كتاب بدء الوحي ج١ ص٣. ٣ سورة العنكبوت الآيات ١-٣.
[ ٤٧٢ ]
الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ١، ليبين دور الابتلاء في إظهار صلابة الرجال، وبروز مزايا المؤمن الصادق، ويقول سبحانه: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ ٢.. إنه ابتلاء يبرز الإيمان، ويمحص الصادقين.
ب- التغيير يبدأ من الباطن:
الإنسان عقل وجسد، وباطن وظاهر، وتعاليم الإسلام شاملة لعناصر الإنسان جميعا؛ ولذلك نرى الدعوة قد بدأت بالجزء الهام في الإنسان وهو الباطن أساس التغيير، يقول الله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ ٣، وإذا تغير الباطن تغير الظاهر، ودائما تأتي النتائج تبعا لأسبابها.
ج- أهمية الإعداد للنجاح:
يعتمد النجاح في أي مجال على مقدمات لا بد منها، ومن هذه المقدمات الاستعداد للعمل، وإعداد العدة المكافئة له حتى لا يضيع المسلم في بيداء الحياة وصخبها، وهذا الإعداد متنوع تبعا للعمل المطلوب والغاية المقصودة؛ ولذلك يقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية ١٧٩. ٢ سورة آل عمران آية ١٥٤. ٣ سورة الرعد آية ١١. ٤ سورة الأنفال آية ٦٠.
[ ٤٧٣ ]
إن سنة النصر لا تتخلف متى استوفت الشروط والإعداد، وأهمها الاستقامة على منهج الله بطاعة أمره، واتباع رسوله ﷺ، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ ١، وقال جل ذكره: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ ٢.
وجاءت عوامل النصر جلية واضحة في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ ٣.
ولكن إذا تخلفت هذه الأسباب تخلف النصر بطبيعة الحال، وربما حلت الهزيمة؛ لأن سنن الله تعالى لا تحابي ولا تجامل أحدا من الخلق، ولا تجاري أهواء البشر، وإنما تساير أعمالهم، وإن الذين يرثون الكتاب وراثة بالاسم، وشهادة الميلاد، ولا يترجمون ما فيه من الأوامر والنواهي عملا سلوكيا ثم يقولون: سيغفر لنا! لا يستجيب الله ﷿ لهم، حتى يعودوا إلى العمل بما أمرهم الله به في كتابه المنزل٤.
_________________
(١) ١ سورة محمد آية ٧. ٢ سورة الصافات الآيات ١٧١-١٧٣. ٣ سورة الأنفال آية ٤٥، ٤٦. ٤ حول التفسير الإسلامي للتاريخ ص١٠٢.
[ ٤٧٤ ]
ثانيا: مواجهة الرسول قومه بالدعوة
بعد أن أمر الله تعالى رسوله ﷺ بالجهر بالدعوة، وأن ينذر عشيرته القريبة منه، على أن يبدأ بالأقرب إليه، أخذ ﷺ يعد للأمر عدته، ورأى أن أفضل وسيلة لذلك هي المواجهة المباشرة سواء بصورة فردية أو جماعية أو عامة
يروي ابن الأثير أن رسول الله ﷺ قال لعلي: "يا علي، إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، فضقت ذرعا، وعلمت أني متى أبادرهم بهذا الأمر أرى منهم ما أكره" ١.
_________________
(١) ١ الكامل ج٢ ص٦١.
[ ٤٧٤ ]
ولما مرض ﷺ وجاءته عماته يعدنه، قال لهن: "ما اشتكيت شيئا، ولكن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين".
فقلن له: فادعهم ولا تدعُ أبا لهب فيهم، فإنه غير مجيبك.
فنراه ﷺ يخبر عليا وعماته بدعوته بصورة فردية..
ومرة يجمع أعمامه ونفرا من بني المطلب بن عبد مناف، حيث دعاهم إلى طعام، وبلغهم بدعوة الله تعالى مرتين؛ لأنه لم يتمكن من الحديث في المرة الأولى بسبب مقاطعة أبي لهب له، ودعاهم في المرة الثانية.
جاء في الكامل لابن الأثير أنه لما أنزل الله على رسوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ اشتد ذلك عليه ﷺ وضاق به ذرعا، فجلس في بيته كالمريض، فأتته عماته يعدنه، فقال: "ما اشتكيت شيئا، ولكن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين"، فقلن له: فادعهم ولا تدعُ أبا لهب فيهم فإنه غير مجبيك، فدعاهم ﷺ.
فحضروا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا خمسة وأربعين رجلا.
فبادره أبو لهب وقال: هؤلاء هم عمومتك، وبنو عمك، فتكلم ودع الصباة، واعلم أنه ليس لقومك في العرب قاطبة طاقة، وأن أحق من أخذك فحسبك بنو أبيك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب لك بطون قريش، وتمدهم العرب، فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشر مما جئتهم به.
فسكت رسول الله ﷺ ولم يتكلم في ذلك المجلس.
ثم دعاهم ثانية وقال: "الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدا، أو النار أبدا".
فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقنا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامضِ
[ ٤٧٥ ]
لما أمرت به، فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.
فقال أبو لهب: هذه والله السوءة! خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم.
فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا١.
فقالت له أخته صفية -عمة رسول اللهﷺ رضي الله تعالى عنها: أي أخي، أيحسن بك خذلان ابن أخيك، فوالله ما زال الناس يخبرون أنه يخرج من بني عبد المطلب نبي، فهو هو.
قال أبو لهب: وهذا والله الباطل والأماني وكلام النساء في الحجال، إذا قامت بطون قريش، وقامت معها العرب، فما قوتنا بهم، فوالله ما نحن عندهم إلا أكلة رأس.
فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا٢.
وهكذا دعا النبي ﷺ عشيرته الأقربين في جو أسرى خالص، قائم على المودة وروح القرابة.. ودار نقاش في إطار هذا التجمع.
كما وجه لهم دعوة عامة بأن نادى عليهم جميعا من فوق الصفا، فلما تجمعوا دعاهم إلى الله تعالى.
يروي المؤرخون أنه ﷺ لما نزل عليه قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ النبي ﷺ على الصفا، فجعل ينادي: "يا بني فهر، يا بني عدي " لبطون قريش حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش فقال: "أرايتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟ ".
قالوا: نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا.
قال: إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
_________________
(١) ١ الكامل لابن الأثير ج٢ ص٦١. ٢ الدعوة الإسلامية في عهدها المكي ص٣١٥.
[ ٤٧٦ ]
فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا؟ فنزل قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ، مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ ١ ٢.
كما أن عددا من أصحاب النبي ﷺ مَنَّ الله عليه بالإسلام، وهداه إلى الحق بإحدى طرق الهداية، فمنهم من أسلم بعدما رأى من رسول الله ﷺ معجزة بهرته، أو موقفا حركه، أو دعوة من الرسول ﷺ استجيبت، كما حدث مع عبد الله بن مسعود، وخالد بن سعيد بن العاص، وعمر بن الخطاب، وأم أبي بكر ﵃.
يقول عبد الله بن مسعود: كنت غلاما يافعا، أرى غنما لعقبة بن أبي معيط بمكة، فأتى عليَّ رسول الله ﷺ، وأبو بكر ﵁ وقد فرا من المشركين، فقالا: أعندك يا غلام لبن تسقينا؟
قلت: إني مؤتمن، ولست بساقيكما.
فقال رسول الله ﷺ: "هل عندك من جذعة لم ينز عليهما الفحل بعد؟ ".
قلت: نعم! فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر، وأخذ رسول الله ﷺ الضرع، ودعا فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر متقعرة، فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر، ثم سقياني، ثم قال للضرع: "أقلص" فقلص.
فلما كان بعد أتيت رسول الله ﷺ فقلت علمني من هذا القول الطيب؛ يعني: القرآن الكريم.
فقال له ﷺ: "إنك غلام معلم"، يقول ابن مسعود: فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد٣.
_________________
(١) ١ سورة المسد آية ١، ٢. ٢ فتح الباري ج١ ص١١٨-١٢٠. ٣ البداية والنهاية ج٣ ص٣٢.
[ ٤٧٧ ]
وأما خالد بن سعيد بن العاص، فلقد رأى في المنام أنه وقف به على شفير النار فذكر من سعتها ما الله أعلم، ويرى في النوم كأن آتٍ أتاه، يدفعه فيها، ويرى رسول الله ﷺ آخذا بحقويه، لا يقع، ففزغ من نومه، فقال: أحلف بالله، إن هذه لرؤيا حق، فلقي أبا بكر بن أبي قحافة فذكر ذلك له، فقال: أريد بك خير، هذا رسول الله ﷺ فاتبعه، فإنك ستتبعه وتدخل معه في الإسلام، والإسلام يحجزك أن تدخل فيها، وأبوك واقع فيها، فلقي رسول الله ﷺ وهو بأجياد، فقال: يا رسول الله، يا محمد إِلَمَ تدعو؟
قال: "أدعوك إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يضر، ولا يبصر ولا ينفع، ولا يدري من عبده ممن لا يعبده".
قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، فسر رسول الله ﷺ بإسلامه، وتغيب خالد وعلم أبوه بإسلامه، فأرسل في طلبه فأتي به، فأنبه وضربه بمقرعة في يده حتى كسرها على رأسه، وقال: والله لأمنعنك القوت.
فقال خالد: إن منعتي فإن الله يرزقني ما أعيش به، وانصرف إلى رسول الله ﷺ، فكان يكرمه ويكون معه١.
وهكذا تكاثر المسلمون، وأخذ عددهم يزداد يوما بعد يوم لدرجة أن أبا بكر الصديق ﵁ أخذ يلح على رسول الله ﷺ بإظهار الإسلام، وتوسيع دائرة التحرك به، وإعداد المؤمنين لتحمل ما يصيبهم من الضرر والأذى.
ورؤية أبي بكر في المجاهرة والمواجهة لها ما يبررها، فلقد أحس من كفار قريش قلقا من زيادة عدد المسلمين دفعهم لتشديد الأذى، والتعنت مع كل من يسلم.
ومن المعلوم أن الطغاة يضاعفون عدوانهم كلما رأوا من خصومهم خنوعا
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص٣٢.
[ ٤٧٨ ]
واستسلاما، فأراد أبو بكر ﵁ أن يبرز لهم من نفسه قوة، فمنعهم من العدوان وخوفهم من أذى المسلمين.
وفي هذه الحالات تبرز أهمية المواجهة؛ لأنها تحد من غلواء المعتدي، وتظهر رجالا يتحمسون للحق، ويدخلون في الإسلام، فينتصر الإسلام بهم.
وقد أراد الله تعالى إظهار الإسلام كطلب أبي بكر ﵁، الأمر الذي أدى في النهاية إلى انتصار المسلمين، وخزي الكافرين.
إن المسلمين الأول لم يكونوا على مستوى واحد من المواجهة، فمنهم من كان تحميه قبيلته، ومنهم المتميز بالجرأة والصلابة وقوة الشكيمة والقدرة على المواجهة.. ولذلك ألح أبو بكر ﵁ على رسول الله ﷺ في الظهور.
فقال له رسول الله ﷺ: "يا أبا بكر، إنا قليل".
فلم يزل أبو بكر يلح على رسول الله ﷺ، حتى أذن له ﷺ، فأظهره ﵁ وحده، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كل رجل في عشيرته.
وقام أبو بكر في الناس خطيبا ورسول الله ﷺ جالس فكان أول خطيب دعا إلى الله وإلى رسوله ﷺ.
وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوا من وجدوه في المسجد ضربا شديدا، ووطئ أبو بكر وضرب ضربا شديدا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين، ويحرفهما لوجهه، ونزل على بطن أبي بكر حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وجاء بنو تيم يتعادون، فأجلت المشركين عن أبي بكر، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب، حتى أدخلوه منزله، ولا يشكون في موته.
ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر، فجعل أبو قحافة وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله ﷺ؟
[ ٤٧٩ ]
فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، ثم قاموا وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئًا، أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه وجعل يقول: ما فعل رسول الله ﷺ؟
فقالت: والله ما لي علم بصاحبك.
فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل.
فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله؟
فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك!!
قالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر ضريعًا دنفًا، فدنت أم جميل وأعلنت بالصياح، وقالت: والله إن قوما نالوا هذا منك لأهل فسق وكفر، وإني لأرجو أن ينتقم الله لك منهم.
قال: فما فعل رسول الله ﷺ؟
قالت: هذه أمك تسمع.
قال: لا شيء عليك منها.
قالت: سالم صالح.
قال: أين هو؟
قالت: في دار ابن الأرقم.
قال: فإن الله عليَّ أن لا أذوق طعاما، ولا أشرب شرابا، حتى أرى رسول الله ﷺ، فأمهلتاه حتى إذا هدأت الرجل، وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله ﷺ، فأكب عليه رسول الله ﷺ فقبله، وأكب عليه المسلمون، ورق له رسول الله ﷺ رقة شديدة، فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها، وأنت مبارك
فادعها إلى الله، وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار، فدعا
[ ٤٨٠ ]
لها رسول الله ﷺ ودعاها إلى الله فأسلمت، وأقاموا مع رسول الله ﷺ في الدار شهرا١.
وأراد الله للمسلمين قوة، فجعل من اشتداد أذى قريش للمسلمين سببا في إسلام حمزة عم رسول الله وعمر بن الخطاب ﵁، وهما من فتيان مكة، اللذين اشتهر بالشجاعة والبأس، وكان القرشيون يهابانهما لقوتهما.
يسوق ابن إسحاق قصة إسلام حمزة فيقول: إن أبا جهل مر برسول الله ﷺ عند الصفا، فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله ﷺ، ومولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك، ثم انصرف عنه فعمد إلى نادٍ من قريش عند الكعبة، فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب ﵁ أن أقبل متوشحا قوسه، راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى في قريش، وأشد شكيمة، فلما مر بالمولاة، وقد رجع رسول الله ﷺ إلى بيته، قالت له: يا أبا عمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام، وجده هاهنا جالسا فأذاه وسبه، وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه، ولم يكلمه محمد ﷺ.
فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى، ولم يقف على أحد، معدا لأبي جهل إذا لقيه أن يوقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم، فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه، رفع القوس فضربه بها، فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشمته وأنا على دينه أقول ما يقول؟ فرد ذلك عليَّ إن استطعت، فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة، فإني والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا، واستمر حمزة ﵁ على
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص٣٠.
[ ٤٨١ ]
إسلامه، وعلى ما تابع عليه رسول الله ﷺ من قوله، فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله ﷺ قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه١.
وزاد غير ابن إسحاق أن حمزة لما أسلم كان منفعلا مندفعا، وأدركه الندم على تسرعه، يقول حمزة ﵁: أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي، وبت من الشك في أمر عظيم، لا أكتحل بنوم، ثم أتيت الكعبة، وتضرعت إلى الله سبحانه أن يشرح صدري للحق، ويذهب عني الريب، فلما استتممت دعائي انزاح عني الباطل، وامتلأ قلبي يقينا، فغدوت إلى رسول الله ﷺ، فأخبرته بما كان من أمري، فدعا لي بأن يثبتني الله٢.
وأسلم عمر بن الخطاب ﵁ أيضا في وسط التشدد والاضطهاد للمسلمين، يروي ابن إسحاق بسنده قصة إسلام عمر فيقول: وكان إسلام عمر فيما بلغني أن أخته فاطمة بنت الخطاب، زوجة سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قد أسلمت، وأسلم بعلها سعيد بن زيد، وهما مستخفيان بإسلامهما من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحام، رجل من قومه، من بني عدي بن كعب قد أسلم، وكان أيضا يستخفي بإسلامه فرقا من قومه، وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن، فخرج عمر يوما متوشحا سيفه يريد رسول الله ﷺ ورهطا من أصحابه، قد ذكروا له، أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين، ما بين رجال ونساء، ومع رسول الله ﷺ عمه حمزة بن عبد المطلب، وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق، وعلي بن أبي طالب، في رجال من المسلمين ﵃، ممن كان أقام مع رسول الله ﷺ بمكة، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ﷺ لابن هشام ج١ ص٢٩١. ٢ سيرة النبي ﷺ لابن هشام ج١ ص٢٩٢.
[ ٤٨٢ ]
فلقيه نعيم بن عبد الله، فقال له: أين تريد يا عمر؟
فقال: أريد محمدا هذا الصابئ، الذي فرق أمر قريش، سفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها، فأقتله.
فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدا! أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم؟
قال: وأي أهل بيتي؟
قال: خنتك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما، وتابعا محمدا على دينه، فعليك بهما.
قال: فرجع عمر عامدا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة، فيها ﴿طَه﴾ يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر، تغيب خباب في مخدع لهم، أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما.
فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟
قالا له: ما سمعت شيئا.
قال: بلى والله أخبرت أنكما تابعتما محمدا على دينه، وبطش بختنه سعيد بن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها.
فلما فعل ذلك قالت له أخته وختنه: نعم، قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك.
لما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع، فارعوى، وراجع نفسه، وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرءون آنفا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد! وكان عمر كاتبا.
فلما قال ذلك، قالت له أخته: إنا نخشاك عليها.
[ ٤٨٣ ]
قال: لا تخافي، وحلف لها بآلهته ليردنها إذا قرأها إليها.
فلما قال ذلك، طمعت في إسلامه، فقالت له: يا أخي، إنك نجس، على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة، وفيها ﴿طَه﴾ فقرأها، فلما قرأ منها صدرا، قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه!
فلما سمع ذلك خباب خرج إليه، فقال له: يا عمر، والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته ﷺ أمس وهو يقول: "اللهم أيد الإسلام بأبي الحكم بن هشام، أو بعمر بن الخطاب"، فالله الله يا عمر.
فقال له عند ذلك عمر: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم.
فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا، معه فيه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله ﷺ وأصحابه، فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته، قام رجل من أصحاب رسول الله ﷺ، فنظر من خلل الباب فرآه متوشحا السيف، فرجع إلى رسول الله ﷺ وهو فزع، فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحا السيف.
فقال حمزة بن عبد المطلب: فائذن له، فإن كان جاء يريد خيرا بذلناه له، وإن كان جاء يريد شرا قتلناه بسيفه.
فقال رسول الله ﷺ: "ائذن له".
فأذن له الرجل، ونهض إليه رسول الله ﷺ حتى لقيه في الحجرة، فأخذ حجزته، أو بمجمع ردائه، ثم جبذه به جبذة شديدة، وقال: "ما جاء بك يابن الخطاب؟ فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة".
فقال عمر: يا رسول الله، جئتك لأومن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله، فكبر رسول الله ﷺ تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله ﷺ أن عمر قد أسلم١.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ﷺ لابن هشام ج١ ص٣٤٣-٣٤٦.
[ ٤٨٤ ]
وبإسلام حمزة ﵁ وعمر ﵁ بدأت مرحلة الجهر العام بالدعوة؛ لأنهما لم يرتضيا لدينهما هذا الاستتار ما دام هو الحق.
وقد سأل عمر عن أكثر الناس قولا، وأفشاهم للحديث، وعلم أنه جميل بن معمر الجمحي فأتي إليه، وأخبره بأنه أسلم، فصاح جميل بأعلى صوته: إن ابن الخطاب صبأ.
وذهب إلى أبي جهل وأخبره بإسلامه.
وأراد كفار مكة قتل عمر فأجاره العاص بن وائل السهمي، يروي البخاري بسنده أنه بينما كان عمر بن الخطاب في الدار خائفا إذ جاءه العاص بن وائل السهمي أبو عمرو، وعليه حلة سبرة، وقميص مكفوف بحرير، وهو من بني سهم وهم خلفاؤنا في الجاهلية، فقال له: ما لك يا عمر؟
قال عمر: زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت.
قال: لا سبيل إليك، وبعد أن قالها أمنت.
فخرج العاص، فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟
فقالوا: هذا ابن الخطاب الذي قد صبأ.
قال: لا سبيل إليه، فكر الناس١.
وكان إسلام عمر بن الخطاب بعد إسلام حمزة بن عبد المطلب بثلاثة أيام، وبذلك بدأت مرحلة الجهر العام بالدعوة إلى الله تعالى..
لقد تم الانتقال إلى هذه المرحلة في وقت كان كفار مكة يخططون للقضاء على الإسلام والمسلمين بعدما شعروا بخطورة الإسلام على وضعيتهم في مكة.
- هل كان يتصور كفار مكة أن ينقلب حمزة عليهم بهذه الصورة المفاجئة؟!!
- وهل توقعوا أن يتبعه عمر، ويعلن إسلامه بعده بثلاثة أيام فقط؟!
_________________
(١) ١ المنهج الحركي ج١ ص٨١.
[ ٤٨٥ ]
- وهل ظنوا مرة أن يجير العاص بن وائل عمر وينقذه منهم، وقد كادوا أن يفتكوا به؟!!
- وهل دار بخلدهم أسرار هذه المواقف المفاجئة، وفي هذا الوقت بالذات؟!!
لم يفكروا في شيء من ذلك، ولم يتوقعوه؛ لأنهم لم يتصوروا القدر الإلهي، ونصره لعباده المؤمنين.
إن عقول البشر جميعا تعجز عن تصور أي شيء من هذه القضايا، ولا تقدر على اكتشاف شيء من أسرارها، وكل ما تصوره أهل مكة عن محمد ﷺ ودعوته وعن المؤمنين به عكس ما حدث؛ لأن المواجهة وقتها تصاعدت وتضخمت، والتخطيط لقتل محمد ومن معه أمر موجود.
لكن إرادة الله غالبة، وقدرته لا حدود لها، ففي وسط الضعف تبرز قوة، ومن ثنايا الجبروت والطغيان يأتي العدل والحق، والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
[ ٤٨٦ ]
المبحث السادس: مرحلة الجهر العام بالدعوة
أكرم الله تعالى المسلمين في مكة بإسلام حمزة بن عبد المطلب ﵁ وعمر بن الخطاب ﵁، فلقد أعز الله بهما الإسلام، وقوي المسلمون، يقول صهيب بن سنان ﵁: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به١.
ويقول عبد الله بن مسعود ﵁: ما زلنا أعزة منذ أن أسلم عمر٢، يروي ابن إسحاق أنه لما أسلم عمر نزل جبريل وقال: يا محمد، استبشر أهل السماء بإسلام عمر، وهو الفاروق؛ لأنه كان سببا في التفريق بين عهدين؛ لأنه لما أسلم قال لرسول الله ﷺ: ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟
قال ﷺ: "بلى".
قال عمر: ففيمَ الاستخفاء؟! ٣
وأصر عمر ﵁ على أن يخرج المسلمون من دار الأرقم جهارا، معلنين إسلامهم، فخرجوا في صفين في أول الصف الأول عمر، وفي أول الثاني حمزة وهم يهللون، ويكبرون، ولهم دوي كدوي الرحى، حتى دخلوا المسجد الحرام بهذه الصورة الجهرية الجماعية؛ ولذلك قال ﷺ: "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه" ٤.
والفرق واضح بين إظهار أبي بكر للإسلام وبين إظهاره بعد إسلام عمر؛ لأن إظهار أبي بكر كان فرديا، وأما بعد إسلام عمر فكان إظهارا جماعيا قام به المسلمون
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ج٣ ص٢٦٩. ٢ المرجع السابق ص١٨. ٣ مناقب عمر لابن الجوزي ص١٨. ٤ الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان ج٦ ص٢٥٢.
[ ٤٨٧ ]
وخرجوا من دار الأرقم يهللون ويكبرون.
وهكذا..
بدأت مرحلة الجهر العام بالدعوة، يصدع بها رسول الله ﷺ وصحابته رضوان الله عليهم، وينادون بها قولا وعملا، في بيوتهم وفي كل مكان وعند البيت.
لقد حاول أبو بكر ﵁ إظهار الدعوة بالبيت قبل ذلك فأوذي إيذاءً شديدًا١، فلما أسلم حمزة وعمر حقق المسلمون ما تمناه أبو بكر قبل ذلك.
وشعر كفار مكة بخطورة الإسلام لما رأوا من قوة أتباعه، وكثرة معتنقيه، وشدة إخلاصهم لما يؤمنون به، وحينئذ شددوا في الاضطهاد والأذى.
والفرق بين الجهر الأول والجهر الثاني؛ أن الجهر الأول كان خاصا بالدعوة يقوم به رسول الله ﷺ علانية، بينما الجهر الثاني صار عاما يقوم به الرسول ﷺ وأصحابه القادرون على التبليغ، كما أن السرية ظلت ملازمة لتحرك المسلمين في المرحلة الأولى وهم يتعلمون الإسلام من رسول الله ﷺ في دار الأرقم وفي الشعب أو في الأماكن النائية، أما في المرحلة الثانية فقد أخذ المسلمون يظهرون مناسكهم في الأماكن العامة، عند الكعبة، وفي أماكن العمل، وصاروا يجتهدون في إبراز الإسلام في عملهم ونسكهم وخلقهم.
ولهذا..
كانت الحركة بالدعوة في المرحلة الأولى أشبه بحركة المرحلة السرية، أما مرحلة الجهر العام فكان لها طابعها الخاص في الدعوة إلى الله تعالى.
_________________
(١) ١ انظر ص٤٧٣ وما بعدها.
[ ٤٨٨ ]
المبحث السابع: الحركة بالدعوة خلال مرحلة الجهر العام
المسألة الأولى: تنوع وسائل الدعوة
المبحث السابع: الحركة بالدعوة خلال مرحلة الجهر العام
أدى تغير صورة الجهر العام عن المراحل السابقة إلى أن أخذ طابع الحركة بالدعوة صورا عديدة، منها القديم، وفيها الجديد.
فمع ثبات المضمون الفكري للدعوة إلا أن بقية الجوانب قد تغيرت..
فلقد تنوعت الوسائل، وأصبحت شاملة لكل وسيلة ممكنة، وتغيرت الأساليب، وصارت ملائمة للمدعوين مع تعدد مذاهبهم وأماكنهم ولهجاتهم.
وقد اضطر رسول الله ﷺ والمسلمون معه إلى مواجهة الاضطهاد الذي يقع عليهم من أهل مكة بما أمكنهم في إطار ما هم فيه من قلة وضعف.
وذلك سيتناول هذا المبحث المسائل التالية:
المسألة الأولى: تنوع وسائل الدعوة
لم تعد وسائل الدعوة قاصرة على الاتصالات الشخصية، والمواجهة المباشرة وإنما رأيناها ظهرت في صور عديدة ومختلفة، ومن أهمها:
أولا: الاتصال بصوره المختلفة:
يرى علماء الاتصال في العصر الحديث أن صورة الاتصال التي يتم بها التوجيه والدعوة تنحصر في ثلاث صور رئيسية هي:
أ- الاتصال الشخصي:
وهو الذي يحدث بين فرد وفرد، أو بين فرد وعدد قليل، وهذا الاتصال يتم بصورة تلقائية، لما بين أفراد هذا الاتصال من معرفة مسبقة وتلاقٍ عادي، كالرجل وبنيه، والإنسان وجاره، والعامل وزملائه، والطالب وإخوانه، وهكذا
[ ٤٨٩ ]
ويتميز هذا اللون بأنه اتصال هادئ، يقوم على الثقة، وتبادل الرأي في وضوح وبساطة، ورد الفعل واضح عند الطرفين؛ لأنه يتم مباشرة بين الأطراف من غير واسطة، وبلا سابق إعداد، وفي موضوعات شتى، والدعاة إلى الله تعالى يستفيدون بهذا الاتصال، ويجعلونه طريقا لدعوتهم التي يبرزونها لمعاشرتهم بالقول، أو بالعمل، أو بالتأمل والتفكير المشترك..
وهذا الاتصال يفيد في نطاق المجتمع الصغير والبدائي، كالأسرة، ورفاق المسجد، والقرية، وجماعة العمل، وفريق اللعب، وهكذا..
ب- الاتصال الجمعي:
وهو الاتصال الذي يتم بين القائم به وبين جماعة من الناس، بعد إعداد وتنظيم يشمل المكان والزمان والموضوع.
ويتميز هذا النوع بأنه يتم مواجهة وبطريقة مباشرة؛ لأن الإعداد والتنظيم يجمع أفرادا تقاربت ثقافتهم واهتماماتهم ونشاطهم العام، وكل هذا يساعد على وضوح الرؤية، ومعرفة مدى استجابة الجماعة لتوجيهات القائم بالاتصال.. ومن أمثلة هذا الاتصال تجمع الناس لخطبة الجمعة، أو لسماع درس، أو لمناقشة قضية مثارة، أو لحل مشكلة تهم المجتمعين.
ج- الاتصال الجماهيري:
وهم الاتصال الذي يتم بين القائم بالاتصال وبين جمهور عريض غير محدد، وبطريقة غير مباشرة، ويتميز هذا الاتصال بسعته، وسرعة انتشاره، وبتخطيه
للحواجز المادية، ووصوله لكل الناس في مختلف أحوالهم وأماكنهم وأعمالهم، ومن صور هذا الاتصال: النشرات التعليمية، والكتب المؤلفة، وتوجيهات الصحف، وبرامج الإذاعة المسموعة والمرئية، وأشرطة التسجيل، وهكذا..
ومع تميز هذا الاتصال بالسعة والتنوع، فإنه يحتاج لبذل مالي وعملي في إعداد رسائله، ومعرفة مدى استجابة الناس لما يطلب منهم، والوقوف المباشر على تساؤلاتهم
[ ٤٩٠ ]
واستفساراتهم، والتأكد من وصول الأفكار إليهم على الصورة المطلوبة.
تلك هي صور الاتصال الممكنة، التي تحدث عنها علماء الإعلام في العصر الحديث، وقد أحاطوها بهالة تفيد أنها من مستحدثات العصر، ومخترعات الحضارة الحديثة، برغم ذلك نقول وبكل وضوح: إن رسول الله ﷺ استخدم هذه الصور الثلاث وهو يدعو الناس خلال مرحلة الجهر بالدعوة..
فبالنسبة للصورة الأولى: نرى أنه ﷺ استخدم وسيلة الاتصال الشخصي مع أهل بيته وأقربائه وأصحابه الذين أسلموا؛ حيث كان يلتقي بهم بصورة تلقائية عددا من المرات، في اليوم الواحد، وكان ﷺ يسائلهم عن أحوالهم، ويجيب لهم عما يعن لهم، ويؤمهم في الصلاة، ويبلغهم ما نزل من وحي، ويقرأ عليهم القرآن الكريم، ويحثهم على الصبر والتحمل، ويشد من أزرهم.
وكان ﷺ يقابل غير المسلمين المعروفين له، يدعوهم إلى الله تعالى، ويدور عليهم في بيوتهم، وأماكن تواجدهم في مكة أو حولها، وكان كلما قابله واحد يعرفه في الطريق، أو عند البيت، حرا أو عبدا، ضعيفا أو قويا، غنيا أو فقيرا، إلا ويعرض عليه دعوة الله تعالى، ويطلب منه الدخول في دين الله تعالى.
وكان ﷺ يتبع الناس في مجالسهم، ومحافلهم، وفي المواسم والأسواق؛ ليدعوهم إلى الله تعالى بالحسنى، وبالخلق الكريم.
وكان ﷺ يشرك من يدعوه في تناول قضية الدعوة من أجل إقناعه بالحسنى، وذلك أمر مهم في حركة الدعوة؛ لأن الدعوة ليست تسلطا واستعلاء، وليست احتقارا لعقل الناس، وليست استهانة بقدراتهم على التصور والحكم السليم.
انظر إليه ﷺ وهو يدعو الحصين والد عمران؛ حيث تراه يستدرجه إلى الحق، ويضعه أمام اعتراف صريح بالإيمان، فقد أخرج ابن خزيمة عن عمران بن خالد بن طليق بن عمران بن حصين قال: حدثني أبي عن أبيه عن جده: أن قريشا جاءت إلى الحصين -وكانت تعظمه-
[ ٤٩١ ]
فقالوا له: كلم لنا هذا الرجل، فإنه يذكر آلهتنا ويسبهم، فجاءوا معه حتى جلسوا قريبا من باب النبي ﷺ.
فقال النبي ﷺ: "أوسعوا للشيخ"، وعمران وأصحابه متوافرون.
فقال حصين: ما هذا الذي بلغنا عنك: إنك تشتم آلهتنا، وتذكرهم، وقد كان أبوك حصينة وخيرا؟
فقال ﷺ: "يا حصين! إن أبي وأباك في النار، يا حصين! كم تعبد من إله؟ ".
قال: سبعا في الأرض وواحدا في السماء.
قال ﷺ: "فإذا أصابك الضر مَن تدعو؟ ".
قال: الذي في السماء.
قال ﷺ: "فإذا هلك المال من تدعو؟ ".
قال: الذي في السماء.
قال ﷺ: "فيستجيب لك وحده، وتشركه معهم، أرضيته في الشكر، أم تخاف أن يغلب عليك؟ ".
قال: ولا واحدة من هاتين، وقد علمت أني لم أكلم مثله.
قال ﷺ: "يا حصين! أسلم تسلم".
قال: إن لي قوما وعشيرة فماذا أقول؟
قال ﷺ: "قل: اللهم أستهديك لأرشد أمري، وزدني علما ينفعني".
فقالها حصين فلم يقم حتى أسلم، فقام إليه عمران فقبل رأسه ويديه ورجليه، فلما رأى ذلك النبي ﷺ بكى وقال: بكيت من صنيع عمران، دخل حصين وهو كافر، فلم يقم إليه عمران، ولم يلتفت ناحيته، فلما أسلم قضى حقه فدخلني من ذلك الرقة، فلما أراد حصين أن يخرج قال ﷺ لأصحابه: "قوموا فشيعوه إلى منزله"، فلما خرج من سدة الباب رأته قريش فقالوا: صبأ وتفرقوا عنه١.
ونراه ﷺ يعيش مع واقع حصين، ويسائله فيها إلى أن تحقق لدعوته ما يريد.
_________________
(١) ١ حياة الصحابة ج١ ص٥٥.
[ ٤٩٢ ]
إن الدعوة في حد ذاتها تقدير للإنسان، وتوجيه أمين للفكر والعقل، وإيقاظ للفطرة وللإنسانية السليمة، وبذلك يتم الإيمان بالاقتناع والفهم، ويرتبط المسلم بدينه حبا وولاء وطاعة.
وبالنسبة لصورة الاتصال الثانية: وهي الاتصال الجمعي نرى أنه ﷺ استفاد بها، فلقد كان ﷺ يتخير الجماعة القليلة العدد، المتفقة اتجاها، الموحدة اهتماما، ويعد لهم اجتماعا منظما، في جو من الود والمحبة لما بين الرسول ﷺ، وبين هذا الجمع من صلات القربى والمعاشرة والقومية وغير ذلك.. كما حدث بعد أن أمر بالجهر بالدعوة، فإن ﷺ أمر عليا ابن عمه، بأن يعد طعاما وشرابا لأعمامه وعماته، وقد تكرر هذا التجمع بين الرسول ﷺ وبين أعمامه وعماته، ومن خلال هذا الاتصال اتضحت مواقف كل طرف، وظهر خط كل فرد فقد أعلن أبو لهب عصيانه، وتصديه للدعوة، وأعلن أبو طالب وقوفه مع الرسول ﷺ وحمايته له غير أنه سيستمر على دين أبيه، ومن هذا القبيل أن رسول الله ﷺ كان يعرض الإسلام على من يعرفهم، ولو كانوا أعداء، فلقد اجتمع عند ظهر الكعبة مع صناديد مكة، وهم: عتبة وشيبة ابني ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، ورجل من بني عبد الدار، وأبو البختري أخا بني الأسد، والأسود بن عبد المطلب بن أسد، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، وأمية بن خلف، والعاص بن وائل، ونبيها ومنبها ابني الحاج السهميين١.
والاتصال الجمعي: وسيلة تحتاج إلى الإعداد الجيد؛ لأن الرسول أو الداعية يعرف مقدما الهدف الذي من أجله كان تنظيم هذا الاتصال؛ ولذلك لزم إعداد الموضوع، وعرضه بطريقة مقنعة ترضي المستمعين.
وعلى منظم هذا الاتصال أن يتوقع المعارضات العديدة لموضوعه؛ ليستعد بالشرح والتفصيل، وتفنيد المزاعم التي قد تظهر في اجتماعه، انظر إلى رسول الله
_________________
(١) ١ انظر ص٤٧١.
[ ٤٩٣ ]
ﷺ وهو يدعو أبا جهل ومعه المغيرة بن شعبة.. يقول المغيرة: إن أول يوم عرفت فيه رسول الله ﷺ أني كنت أمشي أنا وأبو جهل بن هشام في بعض أزقة مكة؛ إذ لقينا رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ لأبي جهل: "يا أبا الحكم، هلم إلى الله ورسوله، أدعوك إلى الله".
فقال أبو جهل: يا محمد، هل أنت منته عن سب آلهتنا؟.. هل تريد إلا أن تشهد أنك قد بلغت؟.. فنحن نشهد أن قد بلغت، فوالله لو أني أعلم أن ما تقول حق لاتبعتك.
فانصرف رسول الله ﷺ وأقبل على أبي جهل فقال: والله إني لأعلم أن ما يقول حق ولكن يمنعني شيء، إن بني قصي قالوا: فينا الحجابة، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا السقاية، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا الندوة، فقلنا: نعم، ثم قالوا: فينا اللواء، فقلنا: نعم، ثم أطعموا وأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب قالوا: منا نبي، والله لا أفعل١.
وبالنسبة للصورة الثالثة:
وهي التي تعرف بالاتصال الجماهيري، فقد استعملها النبي ﷺ، ورجا من ورائها أن يصل الإسلام إلى الجماهير الغفيرة من الناس.
لما جهر الرسول ﷺ بالدعوة، ورغب في دعوة أهل مكة جميعا استعان بهذه الوسيلة الجماهيرية، فصعد على الصفا، وأخذ ينادي في الناس فعم وخص، ونادى بطون قريش بطنا بطنا، فجعل الواحد منهم إذا لم يجد وقتا، أرسل من يعرف له الخبر.. وهكذا تواجدت مكة كلها عند الصفا٢.
وخرج ﷺ عند المروة بعد نزول قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ثم قال: "يا آل فهر"، فجاءته قريش، فقال أبو لهب بن عبد المطلب: هذه فهر عندك
_________________
(١) ١ حياة الصحابة ج١ ص٦٥. ٢ انظر ص٤٧٤.
[ ٤٩٤ ]
فقل، فقال: "يا آل غالب"، فرجع بنو محارب وبنو الحارث ابنا فهر، فقال: "يا آل لؤي بن غالب"، فرجع بنو تميم الأدرم بن غالب، فقال: "يا آل كعب بن لؤي"، فرجع بنو عامر بن لؤي، فقال: "يا آل مرة بن كعب"، فرجع بنو عدي بن كعب وبنو سهم وبنو جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي، فقال: "يا آل كلاب بن مرة"، فرجع بنو مخزوم بن يقظة بن مرة وبنو تيم بن مرة، فقال، "يا آل قصي"، فرجع بنو زهرة بن كلاب، فقال: "يا آل عبد مناف"، فرجع بنو عبد الدار بن قصي بنو أسد بن عبد العزى بن قصي وبنو عبد بن قصي، فقال رسول الله ﷺ: "إن الله أمرني أن أنذر عشيرتي الأقربين، وأنتم الأقربون من قريش، وإني لا أملك لكم من الله حظا، ولا من الآخرة نصيبا، إلا أن تقولوا: "لا إله إلا الله" فأشهد بها لكم عند ربكم، وتدين لكم العرب، وتذل لكم بها العجم"، فقال أبو لهب: تبا لك فلهذا دعوتنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ ١.
ووصلت الدعوة إلى كل أهل مكة.. ولذلك عدت هذه الطريقة اتصالا جماهيريا.
وكان ﷺ يوجه أصحابه إلى هذه الطريقة ويقول لهم: "ليبلغ الشاهد منكم الغائب".
_________________
(١) ١ حياة الصحابة ج١ ص٧٢.
[ ٤٩٥ ]
ثانيا: الدعوة بالحوار والمفاوضة
دعا الرسول ﷺ بهذه الوسيلة أملا في إسلام من يفاوضهم ويحاورهم.
وهذه الوسيلة تختلف عن الاتصال الجمعي في أنها قد تكون تلقائية، وقد تكون بإعداد وتوجيه من المدعوين لا من رسول الله ﷺ، وحينئذ يأتي الرسول أو الداعية للمفاوضة، وهو لا يعرف موضوعها، وكل ما في ذهنه، وكل ما يأمله هو عرض الدعوة، وإيمان الناس بها.
وكان رسول الله ﷺ يؤمل في المفاوضات، ويرجو أن تكون سببا في إسلام أهل مكة..
يروي ابن كثير صورا لهذه المفاوضات، ومنها أن أشراف مكة اجتمعوا عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه، وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه، فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا، وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره شيء، وكان حريصا، يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا: يا محمد إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، وما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك١.
ثم عرضوا أن يحققوا له المال، أو الْمُلْك، أو الشرف، أو الزوجة الجميلة، إن كان هو ما يعمل له.. فأجابهم ﷺ: "ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل عليَّ كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالة ربي،
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص٥٠.
[ ٤٩٦ ]
ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم".
فقالوا: يا محمد، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادا، ولا أقل مالا، ولا أشد عيشا منا١، وحاجتنا شديدة إلى المال والماء والعطاء، وأخذوا يطلبون أمورا حسية تأتيهم على وجه خارق للعادة..
فمرة يقولون: سل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليجر فيها أنهارا كأنها الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيما يبعث لنا منهم قصى بن كلاب، فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عما تقول: أحق هو أم باطل؟ فإن فعلت ما سألناك، وصدقوك صدقناك، وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول٢.
ومرة ثانية يقولون: سل ربك أن يبعث لنا ملَكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لنا جنانا، وكنوزا، وقصورا من ذهب، وفضة، ويغنيك عما نراك تبتغي، فإنا نراك تقوم في الأسواق، وتلتمس المعاش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم٣.
ومرة ثالثة يقولون: أسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل.
واستمر أهل مكة في هذه العروض لا يقصدون من ورائها سوى السخرية، وإضاعة الوقت، والرسول يقول لهم في كل مرة: "ما بهذا جئت، إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم" ٤.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص٥٠. ٢ البداية والنهاية ج٣ ص٥١. ٣ البداية والنهاية ج٣ ص٥١. ٤ البداية والنهاية ج٣ ص٥٠، ٥١.
[ ٤٩٧ ]
ورغم مقصد أهل مكة من هذا الحوار، إلا أنه يعتمد على أسلوب بياني له فوائده.. فهم يعرضون قضيتهم ومزاعمهم مع شبههم ووجه نظرهم، والرسول ﷺ يسمع ويرد عليهم في حلم ورفق بما يرد طلبهم، ويحدد لهم ما يدعوهم إليه.
إن وسيلة المفاوضة تتميز بإظهار مراد كل طرف منها، ونظرته إلى الطرف الثاني، ومنهجه في العرض والرد.. ولذلك اتخذها الرسول ﷺ وسيلة لعرض الإسلام.
ويبدو أن هذه المفاوضات تعددت مع النبي ﷺ، وقام بها غير واحد من القرشيين، وكلها تتجه وجهة معينة، فقريش تبرز ما حل بها بسبب الدعوة، وتحاول صرف النبي ﷺ عنها بإغرائه بكافة ألوان الإغراء، مع تهديده، وتخويفه، إن لم يتفق معهم، والنبي ﷺ يرد بالوحي المنزل عليه، ويقرأ عليهم من القرآن ما يناسب المقام؛ ليبين حقيقة الدين الإلهي، في أنه منزل من الله، وحقيقة القرآن العربي المبين، وحقيقة الرسول الداعية، مع إنذارهم بالويل والثبور إن لم يؤمنوا بالإسلام، وتذكيرهم بما حل بمن سبقهم، وهم على علم به.
لقد قام الرسول ﷺ خلال هذه اللقاءات بالدعوة إلى دينه؛ حيث كان يسمع لمقالة القوم وشبههم ومزاعمهم، ثم يكر بالنقض والرد.
إنه رسول يحمل رسالة، وكتاب ربه معه يهدي به من ضلال، وينقذه من خبال، وإذا كان الله يطلب من عباده أن يستقيموا ويستغفروا، فمحمد الرسول عبد بشر، وهو أول من يستقيم لربه ويستغفر، إنه لا يحتاج لمال، ولا لملك، ولا لجاه، فقد استبان له الطريق، ووضحت أمامه معالم الهدى، وتيقن من كل ما نزل عليه.
إنه ﷺ متمسك برسالته، ومستمر في الدعوة لها بالحسنى، واللين، والحجة، والبرهان، والبصيرة، والوضوح.
[ ٤٩٨ ]
وهكذا كانت المفاوضات وسيلة للدعوة إلى الله تعالى، يقول الإمام ابن كثير: "اعترض المشركون على رسول الله وتعنتوا في أسئلتهم له؛ حيث طلبوا أنواعا من الآيات وخوارق العادات على وجه العناد، لا على وجه الطلب والإرشاد، وكان الرسول يسمع منهم، ويرد عليهم، بالرفق واللين، ويبين لهم خطأ جدلهم وعنتهم"١.
ثالثا: الدعوة بالانتقال إلى القبائل ودعوتهم:
وكان رسول الله يذهب إلى قبائل العرب وبطونهم، يدعوهم إلى الله بالحكمة واللين، وكان ينتهز المواسم والأسواق، ويذهب إلى القبائل في اجتماعهم ويدعوهم، يقول الزهري: كان رسول الله ﷺ في تلك السنين يعرض دعوته على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم شريف كل قوم، لا يسألهم من ذلك إلا أن يؤووه ويسمعوا له ويقول: "لا أكره أحدا منكم على شيء، من رضي بالذي أدعوكم إليه فذلك، ومن كرهه لم أكرهه".. فلم يقبل أحد منهم، وما بات أحد من تلك القبائل إلا قال: قوم الرجل أعرف به، أترون أن رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه، ولفظوه٢.
وقد ذكر الواقدي البطون والأفراد الذين ذهب إليهم رسول الله ﷺ ودعاهم إلى الإسلام، وعدهم واحدا واحدا، موضحا مواقفهم.
وأهم هذه الانتقالات من أجل الدعوة ذهاب النبي ﷺ إلى الطائف لدعوة بني ثقيف إلى الإسلام؛ حيث عرض عليهم أن يأوي إليهم ويكون معهم إذا أسلموا، لكنهم ردوه ردا قبيحا، وسلطوا عليه سفاءهم وأطفالهم، فرموه بالحجارة، وطردوه من ديارهم وحيدا لا يجد لنفسه نصيرا من الناس، ولا مأوى في ديارهم٣.
_________________
(١) ١ انظر: البداية والنهاية ج٣ ص٤٩-٥٣. ٢ المرجع السابق ج٣ ص١٤٠. ٣ انظر ص٣٦٢.
[ ٤٩٩ ]
فاتجه إلى الله قائلا: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟! إلى بعيد يتجهمني! أم إلى عدو ملكته أمري؟!
إن لم يكن بك غضب عليَّ فلا أبالي، غير أن عافيتك هي أوسع لي! أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أم الدنيا والآخرة، أن يحل عليَّ غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك" ١.
وكان نصر الله مع رسوله في هذه الشدة فاستجاب له الدعاء، فآمن به "عداس"، ولما اتجه إلى مكة أجاره "المطعم بن عدي"، فدخل مكة في جواره٢.
إن الانتقال بالفكرة برهان على أهميتها، واهتمام صاحبها بها، وهذا في حد ذاته يدفع العقلاء إلى الاستماع والمعرفة والفهم.
وهكذا استعمل رسول الله ﷺ وسيلة الانتقال من أجل الدعوة وتبليغ الرسالة لما لها من أهمية في مباشرة التوجيه، ومعرفة موقف المدعوين، والرد على تساؤلاتهم واستفساراتهم، وكان النبي لا يفرق بين قوم وقوم، ولا بين مكان ومكان، بل كان يتجه كلما أمكنه ذلك.. ولعل ذهابه إلى الطائف سيرا على قدمه ذهابا ورجوعا دليل على ذلك، وعلى مدى ما تحمله الرسول للدعوة بهذه الوسيلة.
رابعا: الدعوة بمقابلة الوفود:
استقبال الوفود لإحاطتهم بالأمور التي وفدوا من أجلها أسلوب انتشر بعد صلح الحديبية لكثرة الوافدين، حتى ظن كثير من الناس أن هذه الوسيلة لم تظهر قبل صلح الحديبية.
_________________
(١) ١ الكامل ج١ ص٣٤٥. ٢ انظر ص٣٧٦، ٣٧٨.
[ ٥٠٠ ]
لكن ذلك ليس صحيحا، فلقد ظهرت هذه الوسيلة قبل الهجرة..
وأهمية هذه الوسيلة تبرز في أنها تبلغ قوما جاءوا يبحثون عن الحقيقة، ولديهم رغبة في الاستماع إليها، كما أن هؤلاء الوافدين لا يثقون فيما لديهم من مذهب أو خبر، ويريدون أن يسمعوا الحقيقة من مصدرها، وبخاصة أن أهل مكة وأعداء الدعوة أخذوا في ترويج الإشاعات، ونشر الأكاذيب حول محمد ودعوته.. ولذا جاءت الوفود للرسول نفسه بعيدا عن قالة السوء، ومروجي الإشاعات، وناقلي الأخبار الكاذبة.
ومجيء الوفد دليل على رجحان عقل أصحابه ومن وراءهم، فهم من أجل الوصول للحق والصواب جاءوا متحملين للمشاق، باذلين من وقتهم وجهدهم ومالهم الكثير في سبيله.
إن الغالبية العظمى للوفود التي وفدت على رسول الله ﷺ، في مكة أو في المدينة، كانت خيرا لأصحابها؛ إذ دخلوا في الإسلام بعد أن عرفوه، وعلموا حقيقته.
وأول وفد جاء للنبي ﷺ وهو في مكة وفد نصارى الحبشة؛ حيث قدم على رسول الله ﷺ عشرون رجلا أو قريبا من ذلك فكلموه، وسألوه، وتحدثوا معه "ورجال من قريش يرقبونهم"، لما فرغوا من أسئلتهم واستفسارتهم، استمعوا لرسول الله يحدثهم فيما أرادوا، ويدعوهم إلى الإسلام، ويقرأ عليه القرآن، حتى فاضت أعينهم من الدمع، وآمنوا، وصدقوا، ودخلوا في دين الله تعالى، فلما قاموا من عنده ﷺ، اعترضهم أبو جهل ونفر من قريش، وقالوا لهم: خيبكم الله من ركب، بعثكم من وراءكم من أهل دينكم، ترتادون لهم، فتأتوهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم، وصدقتموه فيما قال لكم، ما نعلم ركبا أحمق منكم.
فردوا عليهم: لا نجاهلكم، سلام عليكم، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا نألوا أنفسنا خيرا١.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص٨٢.
[ ٥٠١ ]
ومن أشهر الوفود التي قدمت إلى مكة وفد الأوس والخزرج الذين جاءوا إلى رسول الله وقابلوه عددا من المرات وبايعوه بيعتين عند شعب العقبة، تعرفان بيعة العقبة الصغرى، وبيعة العقبة الكبرى؛ حيث اتفق النبي ﷺ في البيعة الثانية على أن يهاجر والمسلمين إلى المدينة، على أن يمنعه أهلها بما يمنعون به نساءهم وأبناءهم وأموالهم، واختار منهم اثني عشر نقيبا، تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس، يكونون على قومهم بما بايعوا عليه١.
ويعد وفد الأنصار هذا من أكثر الوفود تأثيرا في مسار حركة الدعوة، فيه نشأت قوة الإسلام في المدينة، وكانت الهجرة، وكانت الدولة الإسلامية.
إن استقبال الباحث عن الحقيقة يحتاج لداعية كفء يفهم قضيته، ويعرف طرق عرضها الحسن، ويجيد التعامل مع الوافد ذي الثقافة المعينة، والبيئة
الخاصة، والتقاليد المتنوعة.
ولقد كان رسول الله ﷺ بمعونة الله له يتعامل مع الوفد بطريقة حكيمة حسنة تؤدي إلى النتائج التي يرجوها المخلصون، والبحث عن الحقيقة موجود دائما، وتصورات العقول يشوبها الشك كثيرا وهي تريد الوصول لليقين، والمشكلة تكمن في وجود أشخاص يتعاملون مع الواقع، ويطوعون القضايا، ويوجهونها نحو الصواب، ويجيدون فهم الدعوة، وحسن عرضها على الأفهام.
ولقد كان ﷺ نموذجا عاليا في الاستفادة بهذه الوسيلة؛ لأن القبائل كانت تتخير أعلم أبنائها وأعقلهم، ويحددون له الهدف المقصود، وكان الرسول ﷺ يقابلهم وهو يرجوهم للإيمان.
لا بد من معرفة دوافع الوفد للحضور، وكشف خصائص أفراده، ومعرفة من وراءه؛ ولذلك فالاستماع لأفراده ابتداء ضرورة لا بد منها، وكان ﷺ يستمع للوفد ويجيب على تساؤلات أعضائه، ويكرم وفادتهم، ويقدم لهم النصح
_________________
(١) ١ انظر تفصيلات وفود الأنصار من ص١٤٩ إلى ص١٧٠.
[ ٥٠٢ ]
ويدعوهم بالحسنى والهدوء؛ ولذلك كان أعضاء الوفود يتأثرون بكرم الخلق، ويندهشون لجلاء الحق، ويؤمنون بدين الله رب العالمين.
خامسا: الدعوة بإرسال الرسائل والدعاة
من الوسائل التي دعا بها رسول الله ﷺ في مرحلة ما قبل الهجرة إرسال الدعاة والرسائل، وبخاصة إلى الأماكن البعيدة.
ومن الرسائل ما كتبه النبي ﷺ وأرسله إلى النجاشي وحمله عمرو بن أمية الضمري وجاء فيه: "من محمد رسول الله، إلى النجاشي الأصحم ملك الحبشة، سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الملك، القدوس، المؤمن، المهيمن، وأشهد أن عيسى روح الله، وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة، الطيبة، الحصينة، فحملت بعيسى ﵇، فخلقه من روحه ونفخته، كما خلق آدم بيده ونفخته، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني، فتؤمن بي، والذي جاءني، فإني رسول الله، وقد بعثت إليك ابن عمي جعفرا، ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاءوك فأقرهم، ودع التجبر فإني أدعوك وجنودك إلى الله ﷿، وقد بلغت ونصحت، فاقبلوا نصيحتي، والسلام على من اتبع الهدى" ١.
وقد أسلم النجاشي الأصحم، وأرسل إلى النبي يخبره بذلك، ويعرفه أنه لا يملك إلا نفسه، وهو النجاشي الذي أكرم وفادة المسلمين إليه، وصلى عليه رسول الله ﷺ حينما علم بوفاته.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص٨٣، وفي المرجع تفصيلات واسعة عن أعمال مصعب في المدينة.
[ ٥٠٣ ]
وكما أرسل النبي ﷺ رسائله خلال هذه المرحلة بعث بعض الدعاة متميزين بالخصائص التي تؤهلهم للدعوة، ومن هؤلاء "مصعب بن عمير"، فلقد أرسله النبي ﷺ إلى المدينة عقب بيعة العقبة الأولى، وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين.. فنزل مصعب على "أسعد بن زرارة" فكان يصلي بمن أسلم، ويدعو إلى الله تعالى، وسمي ﵁ في المدينة بالقارئ والمقرئ.
وبسبب مصعب دخل الإسلام كل بيوت المدينة، وعلى يديه أسلم زعيما الأوس والخزرج، وخيرة رجال الأنصار.
ولما هاجر المسلمون إلى الحبشة الهجرة الثانية كان معهم جعفر بن أبي طالب أميرا مقدما عليهم، ومتحدثا نيابة عنهم، وقد قام جعفر بدوره كداعية مسلم، يفهم دينه، ويوضحه بالحسنى والحكمة، ذلك أن قريشا أرسلت وفدا من قبلها إلى النجاشي ليعيد المهاجرين إلى ديارهم.
حاول أعضاء وفد قريش إحداث وقيعة بين النجاشي وبين المسلمين المهاجرين إلى الحبشة، إلا أنها قوبلت بحكمة جعفر الداعية.
يروي ابن إسحاق بروايته عن أبي موسى قال: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى أرض النجاشي، فبلغ ذلك قريشا، فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، وجمعوا للنجاشي هدية، وقدما على النجاشي، فأتياه بالهدية فقبلها، وسجدا له، ثم قال عمرو بن العاص: إن ناسا من أرضنا رغبوا عن ديننا، وهم في أرضك.
قال النجاشي: في أرضي؟!
قالا: نعم..
فبعث النجاشي إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلم منكم أحد، أنا خطيبكم اليوم، فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلسه، وعمرو عن يمينه، وعمارة عن يساره، والقسيسون جلوس سماطين، وقد قال له عمرو وعمارة: إنهم لا يسجدون لك.
[ ٥٠٤ ]
فلما انتهينا بدأنا من عنده من الرهبان قائلين: اسجدوا للملك.
فقال جعفر: إنا لا نسجد إلا لله ﷿.
فلما انتهينا إلى النجاشي قال: ما منعك أن تسجد؟!
قال جعفر: لا نسجد إلا لله.
فقال له النجاشي: وما ذاك؟
قال جعفر: "إن الله بعث فينا رسولا، وهو الذي بشر به عيسى ابن مريم ﵇ من بعده اسمه أحمد، فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئا، ونقيم الصلاة، ونؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر".
فأعجب النجاشي بقول جعفر.
فقال عمرو بن العاص: أصلح الله الملك، إنهم يخالفونك في عيسى ابن مريم!
فقال النجاشي لجعفر: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟
قال جعفر: يقول بقول الله فيه: "هو روح الله وكلمته، أخرجه من العذراء البتول التي لم يقربها بشر، ولم يفرضها ولد".
فتناول النجاشي عودا من الأرض ورفعه وقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد هؤلاء على ما تقولون في ابن مريم ولا وزن هذه.. مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، فأنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى، امكثوا في أرضي ما شئتم، ثم رد هدية قريش١.
وتعد الهجرة إلى الحبشة عملا إسلاميا رائدا، يدخل في إطار التبليغ العام للدعوة؛ لأن الإسلام بهذه الهجرة وصل إلى خارج الجزيرة العربية، وبدأ انتشاره عمليا في العالم.
ويخطئ من يتصور الهجرة إلى الحبشة فرارا من الأذى؛ لأنها كانت في الأصل هجرة للدعوة إلى الله تعالى، وفي نفس الوقت راحة من عدوان قريش.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص٧٠.
[ ٥٠٥ ]
يدل على أنها كانت هجرة للدعوة إلى الله في الأساس أن أغلب الذين هاجروا كانوا من ذوي القوة والمنعة في مكة، ولهم من عصبتهم من يدافعون عنهم وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب، وله من أبيه وقومه قوة ومنعة، وفي نفس الوقت بقي الموالي والمستضعفون ولم يهاجروا، وبقوا في مكة صابرين محتسبين.
وأيضا فلقد هاجر نسوة من أشراف مكة، والنسوة لا يتعرضن للأذى كما هو عُرْف العرب في الجاهلية..
ويلاحظ أن هذه الهجرة ضمت رجالا من اليمن كذلك.
وهؤلاء لا صلة لهم بما يجري في مكة؛ لأنهم ليسوا منهم، وعلى رأس هؤلاء اليمنيين أبو موسى الأشعري، الذي هاجر إلى الحبشة مع المهاجرين إليها.
ولو كانت الهجرة إلى الحبشة هروبا وفرارا فقط ما حاول أهل مكة أن يستعيدوا هؤلاء المهاجرين الفارين؛ لأنهم بفرارهم قد تخلصوا منهم، ولو كانت الهجرة فرارا وخوفا لعاد المهاجرون عقب الهجرة إلى المدينة مباشرة بعد زوال سبب الخوف، ولكنهم لم يرجعوا إلى المدينة إلا في العام السابع بعد الهجرة.
إن الهجرة إلى الحبشة كانت دعوة ناجحة، وكان أفرادها خير ممثلين للإسلام، وخير دعاة إليه، وبذلك حملوا رسالة النبي ﷺ إلى النجاشي، وسلموها إليه بمجرد وصولهم إلى بلاده.
وهكذا كان دعاة الإسلام الذين أرسلهم رسول الله وهو في مكة إلى المدينة وإلى الحبشة، كانوا قوة في الحق، وصبرا على البلاء، وحكمة في الدعوة، وأفقا واسعا، ودقة عالية في فهم الموقف، والتعامل معه بما يفيد الدعوة، ويؤدي إلى الإيمان..
لم يعرف مصعب ﵁ الانفعال في مواجهة التعنت والإيذاء، وإنما كان رقة في السلوك، وسموا في الأخلاق، وصبرا جميلا في عرض قضيته على الناس.
ولم يفقد جعفر ﵁ رباطة جأشه حينما رأى وفد قريش يجلسون مع النجاشي، ويوجهون له الأسئلة في تحد واستفزاز، وإنما كان متخلقا بخلق الإسلام،
[ ٥٠٦ ]
يرد بما علمه الله، ويجيب وفق ما سمع من رسول الله، واثقا في علو الحق وانتصاره، وقد كان له ما تمنى.
إن الدعوة في المجتمعات غير الإسلامية تحتاج إلى مثل هذه النماذج الرائدة من الدعاة المخلصين.
تلك هي أهم الوسائل التي دعا بها النبي ﷺ خلال مرحلة الجهر بالدعوة في مكة، ويلاحظ أن وسائل المرحلة السرية لم تهمل، وإنما كانت وسائل مستمرة لمواقف تحتاجها، وهكذا سائر الوسائل تكون مع حركة الدعوة على طول الزمن.
سادسا: الدعوة بالعمل والتطبيق
حافظ الرسول ﷺ على تطبيق ما يدعو إليه، والالتزام به على وجه دقيق، وبذلك قدم دعوته للناس بمنهج عملي.
ولذا كان من أوائل الذين عذبوا وأذوا، وحين دعا المؤمنين إلى الصبر والتحمل كان من أوائل الصابرين، وبقي ﷺ مع قومه محاصرا في الشعب حتى أتاهم الفرج، وحين عرض عليه قومُه الملك والمال والجاه رفض عرضهم، وبين لهم أنه رسول الله إليهم، وإلى الناس كافة، يحمل لهم دين الله تعالى١.
واستمر يقيم في مكة مع كفارها في الوقت الذي وجه أصحابه رضوان الله عليهم بالهجرة إلى الحبشة حيث الأمن والهدوء.
لقد كان رسول الله ﷺ مثالا عمليا في التأسي والقدوة؛ ولذلك جعله الله تعالى مناط الأسوة والاتباع، يقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ انظر ٣٤٢ وما بعدها. ٢ سورة الأحزاب آية ٢١.
[ ٥٠٧ ]
إن حياة الرسول العملية كانت دعوة حكيمة ناجحة؛ لأن النفوس تتأثر بالأعمال أكثر من تأثيرها بالأقوال؛ لأن دلالة العمل على الصدق أوضح من دلالة القول المجرد، فلربما كان القول لكسب شخصي، أو لغاية قاصرة، أما عمل الرسول والدعاة فهو دليل على إيمانهم اليقيني بما يدعون إليه، وينادون به.
سابعا: الاستفادة من عادات المجتمع الجاهلي
أقام المجتمع القرشي قبل الإسلام عادة جاهلية، وحافظ عليها، وهي عادة الحماية والجوار، ومعناها أن الضعيف إذا لجأ لقوي أجاره، وأعلن حمايته، وحينئذ لا يجرؤ أحد على التعدي عليه، وإن لا قامت الحرب.
ولذلك كان المجير قوي الشكيمة، عزيزا في قومه، متمكنا من حماية من يجير.
وهذه العادة لا صلة لها بفكر المستجير أو ثقافته؛ ولذلك استفاد منها رسول الله ﷺ وهو يتحرك بالدعوة في مكة.
وقد عاش الرسول ﷺ في حماية عمه أبي طالب، يقول ابن إسحاق: "وحدب على رسول الله ﷺ عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه، ومضى رسول الله ﷺ على أمر الله مظهرا لأمره لا يرده عنه شيء، فلما رأت قريش أن رسول الله لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه، من فراقهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه فلم يسلمه لهم"١..
وقد حاول كفار مكة عدة مرات صرف أبي طالب عن حماية محمد فلم يتمكنوا، وكان لحماية أبي طالب أثر فعال في خدمة الدعوة؛ حيث بقي رسول الله يدعو إلى دين الله تعالى وهو يقيم في مكة.
ومن صور الحماية والجوار التي استفاد بها المسلمون ما روته السيدة عائشة ﵂، قالت: "لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار، بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون خرج
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ج١ ص٢٨٤.
[ ٥٠٨ ]
أبو بكر مهاجرا إلى أرض الحبشة، حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه الدغنة وهو سيد القارة فقال: أين تريد يا أبا بكر؟
فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأنا أريد أن أسيح في الأرض، فأعبد ربي.
فقال ابن الدغنة: إن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، فإنك تكسب المعدوم، وتحمل الكل، وتقري الضعيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك.
فرجع أبو بكر، وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن إبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟!
فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة وقالوا لابن الدغنة: فاؤمر أبا بكر، فليعبد ربه في داره، فليصل فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا.
فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر.
فطفق أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وبرز فكان يصلي فيه، ويقرأ القرآن، فتتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، وقد جاوز ذلك، وابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقرآن فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن أبناءنا ونساءنا، فانهه، فإن أحب على أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبَى إلا أن يعلن فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفر ذمتك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان.
[ ٥٠٩ ]
قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إليَّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني خفرت في رجل عقدت له.
فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله"١.
ومن صور الإجارة ما سبق ذكره حين عودة النبي ﷺ من الطائف، فلقد دخل مكة في جوار المطعم بن عدي على نحو ما سبق ذكره٢.
ومن المعلوم أن الاستفادة بالواقع الاجتماعي في نجاح الدعوة أمر مباح ما دام لا يمس جوهر الدعوة بصورة ما.. أما إذا أدى إلى أي مساس ضار بالدعوة فإنه لا يجوز؛ ولذلك صاح الرسول ﷺ في وجه عمه باكيا حينما طلب منه أن يبقي الدعوة على نفسه، قال له: "يا عم! والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر، ما تركته حتى يظهره الله، أو أهلك فيه" ٣.
وكما فعل أبو بكر ﵁، فإنه رد جوار ابن الدغنة حين وجده قيدا عليه في الدعوة، واكتفى بحماية الله له.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري - باب الكفالة - باب جوار أبي بكر ج٤ ص١٣٠، ط. الأوقاف. ٢ انظر ص ٣٧٦. ٣ سيرة ابن هشام ج١ ص٢٦٥.
[ ٥١٠ ]
المسألة الثانية: أساليب الدعوة من خلال البلاغة القرآنية
تنتقل الأفكار والمعلومات من طرف إلى آخر بواسطة ألفاظ وجمل، تملك قوة التأثير والإقناع، وتحقق الغاية من إطلاقها منطوقة أو مكتوبة أو مصورة.
والبلاغة بفنونها المختلفة هي المورد الفياض الذي يقدم للدعوة أسلوبها المؤثر ومقولتها السديدة.
[ ٥١٠ ]
والقرآن الكريم هو الذروة الأعلى في البلاغة العربية، وهو الأسلوب الذي اتبعه النبي ﷺ في عرض دعوته، وتبليغ دين الله تعالى؛ ولذلك حين نبحث في أساليب الدعوة في عصر الرسالة نجد أنفسنا تلقائيا أمام القرآن الكريم نستنطقه فيطلعنا على أسلوب رسول الله في الدعوة، وسنتهديه فيهدينا.
ومن هنا ندرك أن القرآن الكريم هو دستور الدعوة موضوعا، ووسيلة، وأسلوبا، وغاية..
والقرآن الكريم يقدم الفصاحة العالية البليغة، في أسلوبه، ونسقه، ويصور المعنى المقصود تصويرا حركيا؛ حيث يجسد المعنى، ويقدمه مشخصا، ظاهرا؛ حيث نجده يفضل الكلمة المصورة للمعنى أكمل تصوير؛ ليشعرك به أتم شعور وأقواه، وخذ لذلك أمثلة:
كلمة "يسكن" في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ﴾ ١ لما في السكون من الهدوء والثبات، كأنها على الأرض.
وكلمة "تسوروا" في قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ ٢ لدلالة الكلمة على المفاجأة والمخالفة والاستعلاء.
وكلمة "يطوقون" في الآية الكريمة: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ ٣ لأن الطوق يعم ويشمل ما بداخله في إحكام.
وكلمة "يسفك" في آية: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ ٤ لأن السفك
_________________
(١) ١ سورة الشورى آية ٣٣. ٢ سورة ص آية ٢١. ٣ سورة آل عمران آية ١٨٠. ٤ سورة البقرة آية ٣٠.
[ ٥١١ ]
يشير إلى كثرة إسالة الدم والعدوان.
وكلمة "انفجر" في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ ١ لما فيها من المفاجأة والانطلاق والكثرة والدهشة.
وكلمة "يخرون" في الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا، وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ ٢ لدلالة يخرون على الاقتناع والخضوع وقوة الإيمان.
ومن بلاغة القرآن الكريم وتعمقه في التصوير الحركي، نراه يعبر عن المعنى المعقول بألفاظ تدل على محسوسات، تبين أثر ما يوحيه هذا النوع من الألفاظ في النفس، ذلك أن تصوير الأمر المعنوي في صورة الشيء المحسوس يزيده تمكنا من النفس، وتأثيرا في الوجدان، ويكفي أن نقرأ قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ﴾ ٤، لترى قدرة كلمة "ختم" في تصوير امتناع دخول الحق قلوب هؤلاء الناس، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾ ٥ لترى قيمة كلمتي "الظلمات والنور" في إثارة العاطفة وتصوير الحق والباطل، وتلمس من كلمة "يخرجونهم" ففيها دلالة على تصوير
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ٦٠. ٢ سورة الإسراء آيات ١٠٧، ١٠٨. ٣ سورة البقرة آية ٧. ٤ سورة الجاثية آية ٢٣. ٥ سورة البقرة آية ٢٥٧.
[ ٥١٢ ]
الإخراج بصورة حسية مع أنه مع المعنويات التي يدركها العقل المجرد.
وقوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ ١ لترى قيمة هذه الصفات التي تكاد تخرجهم عن دائرة البشر إلى عالم لا يسمع ولا يتكلم ولا يرى؛ بسبب عتوهم وكفرهم.
وقوله سبحانه: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ ٢ فكلمات "ينقضون ويقطعون ويوصل" تصور الأمور المعنوية في صور المحس الملموس، وفي القرآن من أمثال ذلك عدد ضخم.
وقد يأتي القرآن الكريم بكلمتين فيهما سر الإيحاء ومصدره، كالجمع بين الناس والحجارة، في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ ٣، فهذا الجمع يوحي إلى النفس بالمشاكلة بينهما والتشابه.
وقد تكون العبارة بجملتها هي الموحية، كما نجد ذلك في قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ ٤ أولا تجد هذه الثيات من النار، موحية لك بما يقاسيه هؤلاء القوم من عذاب أليم، فقد خلقت الثياب يتقي بها اللابس الحر والقر، فماذا يكون الحال إذا قدت الثياب من النيران؟!!
ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَا عِبَادِ فَاتَّقُونِ﴾ ٥، فإن الظلة إنما تكون ليتقى بها وهج الشمس، فكيف إذا كانت الظلة نفسها من النيران؟!!
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية ١٨. ٢ سورة البقرة آية ٢٧. ٣ سورة البقرة آية ٢٤. ٤ سورة الحج آية ١٩. ٥ سورة الزمر آية ١٦.
[ ٥١٣ ]
يقول السيوطي في الإتقان: المعنى الواحد قد يخبر عنه بألفاظ بعضها أحسن من بعض، وكذلك كل واحد من جزأي الجملة قد يعبر عنه بأفصح ما يلائم الجزء الآخر، ولا بد من استحضار معاني الجمل، واستحضار جميع ما يلائمها من الألفاظ ثم استعمال وأفصحها، واستحضار هذا متعذر على البشر، في أكثر الأحوال، وذلك ميسر حاصل في علم الله، فلذلك كان القرآن الكريم أحسن الحديث وأفصحه، وإن كان مشتملا على الفصيح والأفصح، والمليح والأملح؛ ولذلك أمثلة منها قوله تعالى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ ١، من جهة أن الثمر لا يشعر بمصيره إلى حال يجنى فيها، ومن جهة مؤاخاة الفواصل.
ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ﴾ أحسن من التعبير بـ"تقرأ" لثقله بالهمزة.
ومنها: ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ أحسن من "لا شك فيه" لثقل الإدغام، وهذا كثر ذكر الريب.
ومنها: ﴿وَلا تَهِنُوا﴾ أحسن من "ولا تضعفوا" لخفته.
ومنها: ﴿وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أحسن من "ضعف" لأن الفتحة أخف من الضمة.
ومنها: "أمن" أخف من "صدق"؛ ولذا كان ذكر الإيمان أكثر من ذكر التصديق.
ومنها: ﴿آثَرَكَ اللَّهُ﴾ أخف من "فضلك".
ومنها: "آتَى" أخف من "أعطى".
ومنها: "أنذر" أخف من "خوف".
_________________
(١) ١ سورة الرحمن آية ٥٤.
[ ٥١٤ ]
ومنها: ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أخف من "أفضل لكم"، والمصدر في نحو: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾، ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ أخف من "مخلوق" و"الغائب" و"نكح" أخف من "تزوج"؛ لأن فعل أخف من تفعل؛ ولهذا كان ذكر النكاح فيه أكثر.
ولأجل التخفيف والاختصار استعمل لفظ: الرحمة، والغضب، والرضا، والحب، والمقت، في أوصاف الله تعالى مع أنه لا يوصف بها حقيقة؛ لأنه لو عبر عن ذلك بألفاظ الحقيقة لطال الكلام، كأن يقال: يعامله معاملة المحب، والماقت، فالمجاز في مثل هذا أفضل من الحقيقة؛ لخفته، واختصاره، وابتنائه على التشبيه البليغ، فإن قوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ أحسن من "فلما عاملونا معلمة المغضب" أو "فلما آتوا إلينا بما يأتيه المغضب"١. اهـ.
ولم يزد مرور الزمن بألفاظ القرآن إلا حفظا لإشراقها، وسياجا لجلالها، ولم تهن لفظة، ولم تتخل عن نصيبها، في مكانها من الحسن، وقد يقال: إن كلمة الغائظ من قوله سبحانه: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ٢ قد أصابها الزمن، فجعلها مما تنفر النفس من استعمالها، ولكنا إذا تأملنا الموقف، وأنه موقف تشريع وترتيب أحكام، وجدنا أن القرآن عبر أكرم تعبير عن المعنى، وصاغه في كتابة بارعة، فمعنى الغائط في اللغة المكان المنخفض، وكان يمضون إليك في تلك الحالة، فتأمل أي كناية تستطيع استخدامها مكان هذه الكتابة القرآنية البارعة، وإن شئت أن تتبين ذلك فضع مكانها كلمة تبرزتم، أو تبولتم، لترى ما يثور في النفس من صور ترسمها هاتان الكلمتان، ومن ذلك كله ترى كيف كان موقع هذه الكناية
_________________
(١) ١ الإتقان ج٢ ص١٢٥. ٢ سورة المائدة آية ٦.
[ ٥١٥ ]
يوم نزل القرآن، وأنها لا تزال إلى يوم الناس هذا أسمى ما يمكن أن يستخدم، في هذا الموضع التشريعي الصريح.
وتأتي الفاصلة في القرآن مستقرة في قرارها، مطمئنة في موضعها، غير نافرة ولا قلقة، يتعلق معناها بمعنى الآية كلها تعلقا تاما؛ بحيث لو طرحت لاختل المعنى واضطرب الفهم، فهي تؤدي في مكانها جزءا من معنى الآية، ينقص ويختل بنقصانها.
وقد يشتد تمكن الفاصلة في مكانها، حتى لتوحي الآيات بها قبل نطقها، كما رُوي عن زيد بن ثابت أنه قال: أملى عليَّ رسول الله ﷺ هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ، ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾، وهنا قال معاذ بن جبل: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، فضحك رسول الله ﷺ، فقال له معاذ: ممَّ ضحكت يا رسول الله؟ قال: "بها ختمت" ١.
وحتى ليأبى قبولها، والاطمئنان إليها، من له ذوق سليم، إذا غيرت وأبدل بها سواها، كما حكي أن أعرابيا سمع قارئا يقرأ: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، ولم يكن يقرأ القرآن وختم بأن الله غفور رحيم، فقال الأعرابي: إن كان هذا كلام الله فلا، الحكيم لا يذكر الغفران عند الزلل؛ لأنه إغراء عليه٢، والآية إنما ختمت بقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ .
وخذ الآيات التي تنتهي بوصفه تعالى بالعلم، أو بالقدرة، أو بالحلم، أو
_________________
(١) ١ الإتقان ج١ ص١٠٤. ٢ المرجع السابق ج١ ص١٠١.
[ ٥١٦ ]
بالغفران، نجد المناسبة في ذلك الختم واضحة جلية، واقرأ: قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ١ فهو يعلم بما يجري في المشرق والمغرب.
وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ ٢ السميع لنجوانا، والعليم بما تضمره أفئدتنا من الإخلاص لك.
وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ، فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣ فهو سميع بما تم من وصية، وعليم بمن يبدلها.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٤ فالمجيء بالساعة في مثل لمح البصر أو أقرب يستدعي القدرة الفائقة.
وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٥ فإحياء الموتى يحتاج كذلك إلى قدرة خارقة.
وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٦ فمالك السماوات والأرض -لا ريب- يقدر على كل شيء.
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية ١١٥. ٢ سورة البقرة الآية ١٢٧. ٣ سورة البقرة الآيتان ١٨٠، ١٨١. ٤ سورة النحل الآية ٧٧. ٥ سورة الحج الآية ٦. ٦ سورة آل عمران الآية ١٨٩.
[ ٥١٧ ]
وقد تجتمع فواصل متنوعة، في إطار غاية واحدة، لحكمة يريدها الله تعالى من هذا التنوع في هذا التنوع، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ، يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ، وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ، وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ ١، فإن الموضوع عرض لإثبات أدلة وجود الله وقدرته ووحدانيته، ومع ذلك تنوعت الفواصل؛ حيث ختمت آية بـ"يتفكرون" لما أن الاستدلال بإثبات الزرع والثمر على وجود الله وقدرته، ويحتاج إلى فضل تأمل، يرشد إلى أن حدوث هذا النوع يحتاج إلى إله قادر يحدثه، فناسب ذلك ختم الآية بما ختمت به، وانتهت الثانية بـ"يعقلون" لما أن تسخير الليل والنهار لخدمة الإنسان؛ ليرتاح ليلا، ويعمل نهارا، وتسخير الشمس، والقمر، والنجوم، فتشرق وتغرب في دقة ونظام تامين، يحتاج إلى عقل يهدي إلى أن ذلك لا بد أن يكون بيد خالق مدبر، فختمت الآية بـ"يعقلون"، وختمت الآية الأخيرة بـ"يذكرون" لأن الموقف فيها يستدعي تذكر ألوان مختلفة بثها الله في الأرض، للموازنة بين أنواعها، بل الموازنة بين أصناف نوع منها، فلا يلهيهم صنف عن سواه، ولا يشغلهم نوع عن غيره، وهذه الموازنة تقضي إلى الإيمان بقدرة الله، خالق هذه الأنواع المختلفة المتباينة.
_________________
(١) ١ سورة النحل الآيات ١٠-١٣.
[ ٥١٨ ]
هذا..
وقد أبرز القرآن الكريم مع فصاحة الكلمة، وبلاغة الآيات، ودقة الفواصل، وروعة التعبير -صورا تعد قمة في الفصاحة والبلاغة، وتجعل القارئ أو المستمع أمام صورة حسية بارزة، تصورها الكلمات، وتقدمها للعقل في هيئة جميلة، مقبولة، بعيدة عن التجريد العقلي الخالي من الإثارة والتوضيح.
إن الأسلوب التصويري يختلف عن الأسلوب التجريدي في أن التجريد يضع المعنى في صورة معنوية تحتاج لإدراكها إلى عقل واعٍ، وفهم عالم، أما التصوير الحسي فإنها تقدم المعنى في صورة متحركة تلتقي مع الحس، وتثير الوجدان، وتوجد في النفس انفعالا يدفعها إلى معايشة الحدث ومتابعته والتأثر به.
ومن أهم ما قدمه القرآن الكريم في مجال الأسلوب التصويري ما يلي:
١- التصوير بالألفاظ والعبارات:
ألفاظ القرآن الكريم كلها مختارة ومقدرة لتحتل مكانها في الجملة بحيث لا يغني عنها سواها، ولتنهض بدورها في تأدية المعنى على أكمل وجه، وأتم بيان، وأبلغ صيغة.
والقرآن الكريم لم يبتكر ألفاظا كانت مجهولة قبله، بل الجديد في لغة القرآن أنه في كل شأن يتناوله من شئون القول يتخير له أشرف الموارد، وأمسها رحما بالمعنى المراد، وأجمعها للشوارد، وأقبلها للامتزاج، ويضع كل مثقال ذرة في موضعها الذي هو أحق بها، وهي أحق به، بحيث لا يجد المعنى في لفظه إلا مرآته الناصعة، وصورته الكاملة، ولا يجد اللفظ في معناه إلا وطنه الأمين، وقراره المكين.
وقد مر بنا منذ قليل عدد من الأمثلة على كلمات قرآنية وضعت في موضعها، ورأينا كيف أنها صورت معناها، وقدمته جليا واضحا شاملا لكل جوانبه وعناصره.
كما شاهدنا تميز الكلمة في موضعها عن سواها المشتمل على نفس المعنى..
[ ٥١٩ ]
وكما بدت البلاغة القرآنية في الكلمة الواحدة، والجملة المركبة، فإنها تتحقق كذلك في الآيات الكثيرة وهي تتحدث عن موضوع ما.. ومن أمثلة ذلك النوع نقرأ قوله تعالى: ﴿فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ، أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ، فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ، أَنْ لا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ﴾ ١ وهذه الآيات جزء من قصة أصحاب الجنة التي ذكرها القرآن الكريم بيانا لعاقبة البخل؛ ترهيبا منه، وحثا على البذل، ونقف عند الكلمات ﴿فَتَنَادَوْا﴾ و﴿مُصْبِحِينَ﴾ و﴿فَانْطَلَقُوا﴾ و﴿يَتَخَافَتُونَ﴾ فنجدها تصور حركة أصحاب الجنة وهم يتنادون مبكرين قبل أن يستيقظ الفقراء، ثم وهم ينطلقون إلى جنتهم لا يصرفهم شيء عما اعتزموه، ثم وهم يبالغون من التكتم زيادة في الحيطة، ويتخافتون ويسرون بالكلام، وهذا التصوير الذي قامت به الكلمات يثير الخيال، ويجعله يتابع حركتهم، ويستثير في النفس حبها للاستطلاع، ويستولي على مشاعر السامع، فلا يستطيع التحول عن متابعتهم فيرى نهاية أمرهم، ومن ثم يستقر في وجدانه الدرس القيم الذي سيقت القصة من أجله.
ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى، لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى، الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى، وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى، الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى﴾ ٢ والآيات الكريمة تخوف من البخل وعاقبته؛ ولذا نقف عند الكلمات ﴿نَارًا﴾ و﴿تَلَظَّى﴾ و﴿الْأَشْقَى﴾ و﴿وَتَوَلَّى﴾ و﴿وَسَيُجَنَّبُهَا﴾ ففيها من القدرة على التصوير ما يجعلها أبلغ في الترهيب، فالمنذر به ﴿نَارًا﴾ ومن ذا الذي لا يفزع من النار، ويعمل ما يقي نفسه شرها، ثم هي نار ﴿تَلَظَّى﴾ أي: تتسعر، ويشتد لهيبها، ثم
_________________
(١) ١ سورة القلم الآيات ٢١-٢٤. ٢ سورة الليل الآيات ١٤-١٨.
[ ٥٢٠ ]
اختيار صيغة المضارع للمبالغة في تأثير التصوير باستحضار المشهد، كأنه واقع وقت التكلم، وما يلقيه المشهد في الحس من الفزع والخوف.
ولو عبر بألفاظ أخرى لا تستطيع هذا التصوير مثل "عذابا شديدا" لما كان له مثل هذا الأثر المناسب للمقام.
وقوله: ﴿الْأَشْقَى﴾ الذي يجعل المستحق لهذا العذاب في قمة الشقاء، وتلك إضافة جديدة تزيد التعبير قدرة على الترهيب، ثم لنتأمل قوله: ﴿وَتَوَلَّى﴾ الذي يصور المكذب في عدم استجابته للدعوة وعناده كأنه يذهب بعيدا عن الدعوة مبالغة في وصفه بالكفر الذي استحق به العذاب.
أما قوله تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ فإنه يصور الأتقى وقد أبعد عن مصدر الخطر، فلم يكتفِ بالوعد بعد تعذيبه، بل أخبر بأنه سيكون بعيدا عن النار زيادة في الاطمئنان، وحثا على البعد عن أسباب الشقاء.
وهكذا يبدو أثر التصوير بالكلمات في تقوية المعاني وزيادة تأثيرها في النفوس تحقيقا لما يرمي إليه الداعية ترهيبا أو ترغيبا.
٢- التصوير بالتشبيه:
أسلوب التشبيه من الأساليب القوية في التأثير لما تملكه من عناصر الحركة والتوضيح، يقول الإمام عبد القاهر الجرجاني: إن التشبيه يفتح إلى القلب طريقا متصلا بالعين.
وعلى ذلك فهو تحريك للعين والقلب والحواس، ومثاله قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ، كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ، فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ ١ وقد جاءت هذه الآيات بعد آيات صورت مصير المؤمنين والكافرين بعد استقرارهم في الجنة والنار.
_________________
(١) ١ سورة المدثر الآيات ٤٩-٥١.
[ ٥٢١ ]
وقد بدأت الآيات باستفهام إنكاري عن سبب إعراضهم عن الإيمان مع وجود كل دواعي الاستجابة ليقوا أنفسهم هذا المصير الذي ينتظرهم.
والقرآن يصورهم في نفورهم من الدعوة، والإسراع في إبعاد أنفسهم عنها إسراعا يمضون فيه على غير هدى، بالحمر المستنفرة التي تبالغ في الهرب، وتحث نفسها عليه، فرارا من أسد هصور، يبغي اللحاق بها لافتراسها، فكم توحي هذه الصورة بالعجب من أمرهم، والسخرية منهم! ثم ما أعظم ما أبرزته هذه الصورة من أحوالهم، فهم في فرارهم هذا من الدعوة لا يلجئون إلى مأمن من الخطر، بل يفرون على غير هدى ولا بصيرة، ثم إبراز ما في نفوسهم من كراهيتهم العميقة للدعوة في تلك الصورة البالغة التي تحملهم على المبالغة في البعد عنها، وعدم الاستماع إليها فضلا عن تدبرها.
وإذا كنا نركز هنا على أثر التصوير في إبراز المعاني، فإن ذلك لا يمنعنا من الإشارة إلى عوامل أخرى تضمنتها الصورة، وضاعفت ما بها من تأثير، فاختيار لفظ "الحمر" وما يوحي به من دناءة وخسة مبالغة في السخرية بهم، ثم اختيار لفظ "قسورة" من بين أسماء الأسد؛ لما يوحي به من القسر والعنف مبالغة في سبب فرارهم، وذلك إشارة إلى ما في نفوسهم من مشاعر عدائية، تحثهم على الفرار من الدعوة، وهكذا يبرز التشبيه المعاني ويثبتها في النفوس، ويوحي بما يحقق الهدف منه، ويتضح هذا بجلاء إذا حاولنا أن نعبر عن هذا المعنى بأسلوب غير أسلوب التشبيه، كأن نقول مثلا: فما لهم يعرضون عن الدعوة كل هذا الإعراض، أو هذا الإعراض الشديد؟!!
٣- التصوير بضرب المثل:
يطلق المثل ويراد به: القول السائر الذي يمثل مضربه بمورده، وحيث لم يكن ذلك إلا قولا بديعا، فيه غرابة، صيرته جديرا بالتسيير في البلاد، وخليقا بالقبول استعير لكل حال أو صفة أو قصة، لها شأن عجيب، وخطر غريب، من غير أن
[ ٥٢٢ ]
يلاحظ بينها وبين شيء آخر تشبيه١.
ويطلق بالمعنى الأول على الاستعارة التمثيلية التي اشتهرت وصارت مثلا، وهي كثيرة في القرآن الكريم، ومن المعنى الثاني قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ ٢ أي: الوصف الذي له شأن عظيم وخطر جليل، وقوله: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ ٣ أي: قصتها العجيبة الشأن.
هذا وأسلوب المثل له خطره بين فنون القول وقدرته على التأثير التي يستمدها من خصائصه المميزة:
أولها: ما يعبر عنه السيوطي في الإتقان بقوله: "ضرب الأمثال يستفاد منه أمور كثيرة، منها: تقريب المراد للعقل وتصويره بصورة المحسوس، فإن الأمثال تصور المعاني بصورة الأشخاص؛ لأنها أثبت في الأذهان لاستعانة الذهن فيها بالحواس، ومن ثم كان الغرض من المثل تشبيه الخفي بالجلي والغائب بالمشاهد"٤.
ويقول عنه صاحب الكشاف: "ولضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء المثل والنظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خبيئات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق، حتى يريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في محضر المتيقن، والغائب كأنه مشاهد وفيه تبكيت للخصم الألد، وقمع لسورة الجامح الأبي"٥.
وثانيها: أن للأمثال قدرة على الاستحواذ على المشاعر، وإيقاظ النفوس، وتحديد نشاطها، فالإنسان يميل بطبيعته إلى الاستشهاد بالأمثال لما يرى فيها من جمال
_________________
(١) ١ تفسير أبي السعود ج١ ص٤٠. ٢ سورة النحل الآية ٦٠. ٣ سورة الرعد الآية ٣٥. ٤ الإتقان في علوم القرآن ج٢ ص١٣١. ٥ تفسير الكشاف ج١ ص١٩٥.
[ ٥٢٣ ]
حكمتها ورشاقة لفظها، وإصابتها المعنى، وطرافتها التي تتجدد ولا تبلى، مما نرى أثره في وجوه السامعين لها، وإقبالهم عليها، وتسليمهم بحكمها.
وثالثها: أن المثال وسيلة من وسائل الإقناع، فإن المورد للمثل إنما هو في الحقيقة يقيس الأمر الذي يدعيه على أمر معروف عند من يخاطبه، ومسلم لديه، ومن ثم لزم التسوية بينهما في الحكم، وتحقق الإلزام به.
تلك أهم عوامل التأثير في أسلوب ضرب المثل، ولنورد بعض النماذج لها.
يريد القرآن الكريم أن يبين للمشركين تفاهة ما يعبدونه من دون الله وعجزهم المزري، فلا يعبر عن ذلك بوصفهم بالعجز والتفاهة، بل يصوره في هذا المثل المؤثر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ١.
وأي عجز أبلغ من عجز من يزعمونهم آلهة عن خلق أتفه المخلوقات وأحقرها وهو الذبابة، ولو اجتمعوا، وتعاونوا في ذلك، إنهم يعجزون عما هو أيسر من الخلق، وهو استنقاذ ما يسلبه منهم ذلك المخلوق الضعيف.
أبعد هذه دليل على الجهل والضلال؟! وهكذا يتركهم القرآن الكريم هم وآلهتهم سخرية الساخرين، وحديث المتندرين.
٤- التصوير القصصي:
القرآن في قصصه لا يعمد إلى الحشد من الحوادث والمواقف، فيصوره في تتابع ليأتي عليه كله، بل إن القصص القرآني مرتبط بالغرض الديني فهو يسوق القصة في مقام يقتضيها، ولهدف محدد يرمي إليه، ومن ثم يختار من الحوادث والمواقف ما يحتاجه المقام ويصيب به الهدف المقصود، حيث نرى القصة تركز مرة على الزمن
_________________
(١) ١ سورة الحج الآية ٧٣.
[ ٥٢٤ ]
وأخرى على المكان، وثالثة على الأشخاص، ورابعة على الأحداث، وخامسة على الحوار وهكذا تبعا لما يقتضيه مقام إيراد القصة.
ولهذا نرى القصة الواحدة تكرر مرات عديدة في مقامات مختلفة، ويختار منها في كل مقام ما يناسب الغرض المذكور من أجله، وربما كان الاستثناء الوحيد من هذه القاعدة هو قصة يوسف ﵇؛ إذ ذكرت تامة كاملة مرة واحدة.
ولنأخذ للتصوير القرآني للمشاهد والمواقف، وما يلابسها من نزعات وعواطف، مثالا من قصة مريم ﵍ في السورة المسماة باسمها.
والغرض الذي سيقت له القصة هو بيان الحق في شأن عيسى ﵇ وولادته من غير أب، ونفي ما نسجه النصارى حوله من دعاوى زائفة، رتبوا عليها ادعاء ألوهيته، أو أنه ابن الإله، إلى آخر ما قالوه.
وقد اختار القرآن الكريم في هذه المقام من المشاهد ما يفي بهذا الغرض، معقبا عليه بتقرير الهدف من القصة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ١.
أما المشاهد التي اختارها القرآن الكريم فهي مرتبة على النحو التالي: تبدأ بمشهد يمثل مريم بعد أن بلغت مبلغ النساء، وقد انتحت مكانا بعيدا واتخذت حجابا يسترها عن أعين الناس لشأن من شئونها، يقتضي ألا يرها أحد، ويفاجئها الملَك وهي في خلوتها فينتابها الفزع، ويدور بينهما حوار ينتهي باستسلامها لأمر الله ويحدث الحمل.
﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ
_________________
(١) ١ سورة مريم الآيات ٣٤-٣٦.
[ ٥٢٥ ]
إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا، قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا، قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ ١.
المشهد الثاني: يصورها وقد حملت بابنها، وخافت أن يطلع أهلها على ما بها، فآثرت البعد عنهم ورحلت إلى مكان بعيد، وهناك تعاني آلاما لا قبل لها بها، فهي تعلم أنها تؤدي دورا اصطفاها الله له، ولكنها تدرك كذلك أن أحدا لن يصدقها فيما ستذكره من تفسير لحملها بهذا الوليد بلا أب، ثم تجتمع عليها الآلام الجسدية والنفسية عند الوضع فتكاد مقاومتها تنهار، وتتمنى لو ماتت قبل أن تتعرض لكل ذلك، ولكن الرحمن يفرج عنها ذلك كله في لحظة ويبرئ جراحها، وترى من الآيات ما يملؤها ثقة به تستهين معها بكل شيء.
﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا، فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا، فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا، فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ ٢.
المشهد الثالث: يمثلها وقد عادت تحمل ابنها إلى قومها، فيواجهونها بما هو متوقع منهم، بالتأنيب والسخرية، ويقفونها موقف المسئول عن جريمة ارتكبتها، ولكن المعجزة الإلهية تنهي الموقف كله، وينطق الله الوليد ليخبر القوم بالحقيقة.
_________________
(١) ١ سورة مريم الآيات ١٦-٢١. ٢ سورة مريم الآيات ٢٢-٢٦.
[ ٥٢٦ ]
﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا، فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ ١.
وتنتهي المشاهد عند هذا الحد، فقد استوفى الغرض المسوقة له القصة ما يحتاجه من بيان، ولم يبقَ إلا أن يعقب القرآن عليها بما يبلور مغزاها ويقرر ما دلت عليه.
والمشاهد كما نرى تنقلنا إلى مسرح الأحداث وتعرضها علينا بعد أن منحتها الحياة، وجعلتها تجري تحت أبصارنا وبصائرنا.
ولنلق نظرة على قدر النص على تصوير المشاعر التي صاحبت هذه الأحداث وجعلتنا نشارك أصحابها انفعالهم ونتجاوب معهم.
فها هي ذي مريم -تلك الفتاة العذراء الطاهرة- تريد الخلوة فتحطاط ألا يراها إنسان، وتتخذ الحجاب، ولكنها تفاجأ بشاب وسيم أمامها، ولنا أن نتخيل أزاء ما أصابها من ذعر وفزع، وماذا تملك وهي فتاة لا حول لها ولا طول، وماذا تفعل؟ فلنستمع إلى القرآن يعبر عن فزعها في قوله: ﴿قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ .
وعندما يجيبها الملَك الكريم موضحا مهمته لا يجدي ذلك في طمأنتها ونزع الشك من نفسها، فقد تكون خدعة دبرها ذلك الذي اقتحم عليها خلوتها فنراها
_________________
(١) ١ سورة مريم الآيات ٢٧-٣٣.
[ ٥٢٧ ]
لا تستسلم له، بل تعمد إلى الاستيثاق من الأمر فتسأله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾؟
وعندما يقضي أمر الله وتحمل استجابة بقضائه، وترحل بعيدا عن قومها تنتابها الهواجس، وتتداعى عليها الهموم، كيف ستواجه قومها، وهم أهل عبادة وطهر وغيرة على الشرف والعرض؟
وكيف ستفسر لهم ما حدث؟
ثم يضاف إلى آلامها النفسية آلام جسدية مما يصاحب الوضع فتخور مقاومتها، وتهن عزيمتها، ولنستمع إلى القرآن يعبر عن ذلك بقوله على لسانها: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ .
ولكن تطورا مفاجئا يبدل كل شيء، وينهي أزمتها، ويبرئ جراحها المادية والمعنوية، فترى من آيات الله ما يرد إليها يقينها، ويملؤها ثقة تواجه بها العالم، وتتحدى الدنيا، فإذا بها تعود غير مكترثة لشيء تحمل ابنها في اعتزاز وفخر، مؤمنة بأن الله الذي رأت فضله وقدرته لن يتخلى عنها مصدقة بوعده، ملتزمة بأمره، وعندما تبدأ محاكمتها أمام قومها بالسخرية اللاذعة، والتوبيخ المهين، لا يحرك ذلك ساكنا فيها، ولا تهتز ثقتها في الله، ولا تزيد عن أن تشير إلى ابنها ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ إنه الاطمئنان القلبي لنصر الله ورعايته.
ولكن قومها معذورون، فهي تحدثهم بما لم يعهدوه، فلا تقنعهم إجابتها، بل يرون فيها تهكما بهم، واحتقارا لهم، فيردون عليها وهم في ذروة انفعالهم منكرين ذلك عليها: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾؟!.
تلك قدرة التصوير على إبراز المشاعر والتعبير عن أعمق الانفعالات تجعلنا نشارك أبطال القصة مشاعرهم، فنحس نحو مريم بالإشفاق عليها، والتعاطف معها في
[ ٥٢٨ ]
محنتها، والإعظام لشأنها، والإعجاب بقوة يقينها، ونتمنى لو كنا هناك لندفع عنها الأذى ونرده على لائميها.
ونلحظ أن أسلوب القصة القرآنية يتضمن التشويق، وتصوير المشهد، ويمزج الجوانب الدينية بجوانب القصة، ويبرز الحوار الحسن، ويكرر بلا ملل أو سآمة.
٥- التشويق والإثارة في الأسلوب:
يتضمن أسلوب القرآن الكريم الإثارة والتشويق بعدة طرق؛ فمرة يفصل بعد إجمال، ويبين بعد إبهام؛ لأن النفس مع الإجمال والإبهام تتشوق إلى معرفة ما وراء ذلك، وتتنبه لما يأتي عساه يكون شارحا موضحا، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ ١ هكذا عبر عن جزائهم في إجمال بأن مصيرهم الجنة، ثم فصل ما في الجنة من ألوان النعيم، فيقول ذاكرا أحوالهم فيها: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا، وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا﴾ ٢.
ومثل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾ ٣ هكذا يعبر في إجمال، ثم يفصل بعض هذا الملك الكبير والنعيم فيقول سبحانه: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا، إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة الإنسان الآية ١٢. ٢ سورة الإنسان الآيات ١٣-١٤. ٣ سورة الإنسان الآية ٢٠. ٤ سورة الإنسان الآيات ٢١-٢٢.
[ ٥٢٩ ]
ومثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ١ فقد بيَّن أن مساعي الناس في الدنيا متنوعة، ثم فصل ذلك بقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى، وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى، وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ ٢.
ومثال الإبهام ثم التوضيح قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾ ٣ فقد ذكر لفظ ﴿مَثَلًا﴾ مبهما ثم فسره بما جاء بعده ليثير النفس إلى معرفة المراد ويشوقها إليه.
ومرة بأسلوب التهييج، ومثاله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٤ فحاشى لله أن يكون الرسول ﷺ ممن لا يتقون الله حتى يؤمر بها، أو أن يكون مطيعا للكافرين فينهى عن طاعتهم، ولكنه أسلوب الإلهاب والتهييج الذي يراد به الحث على زيادة التمسك والتصلب والثبات على ما هو عليه، ويكون فضل هذه الطريقة في التعبير على قولنا: استمر في التقوى أو ازدد منها، وازدد تمسكا بعدم طاعة الكافرين والمنافقين، هي أنها تفيد مع ذلك الإلهاب والتهييج، وتثير الشعور والوجدان، فتكون النفس أحسن تلقيا وأكثر تمسكا بما هو كائن؛ ولذلك نجد هذا الفن من فنون القول مستعملا في المعاني الهامة التي هي أصول في هذا الدين٥.
_________________
(١) ١ سورة الليل الآية ٤. ٢ سورة الليل الآيات ٥-١٠. ٣ سورة التحريم الآية ١٠. ٤ سورة الأحزاب الآية ١. ٥ من أسرار التعبير القرآني.
[ ٥٣٠ ]
٦- التأثير الصوتي من خلال الترتيل:
يقول الدكتور محمد دراز: أول ما يلاقيك ويسترعي انتباهك من أسلوب القرآن خاصية تأليفه الصوتي في صورته وجوهره، دع القارئ المجود يقرأ القرآن يرتله حق ترتيله، نازلا بنفسه على هوى القرآن، لا نازلا بالقرآن على هوى نفسه، ثم انتبذ مكانا قصيا، لا تسمع فيه جرس حروفه، ولكن تسمع حركاتها، وسكناتها، ومداتها، وغناتها، واتصالها، وسكتاتها، ثم ألق بسمعك إلى هذه المجموعة الصوتية وقد جردت تجريدا، وأرسلت ساذجة في الهواء، فستجد نفسك منها بإزاء لحن غريب لا تجده في كلام آخر، ستجد اتساقا وائتلافا يسترعي من سمعك ما تسترعيه الموسيقى والشعر على أنه ليس بأنغام ولا بأوزان.
ثم يقول: وهذا الجمال التوقيعي في لغة القرآن لا يخفى على أحد ممن يسمع القرآن، حتى الذين لا يعرفون لغة العرب١.
وقد تحدثنا من قبل عن الألفاظ المصورة بجرسها الخاص، حتى أنها لتكاد ترسم صورة للمعنى بنغمها المميز من أمثال: الصاعقة، والصرصر، وغيرها.
ثم هو في بناء جمله يعمد إلى لون من التوافق تكاد تكون به متوافقة في الوزن، فلنقرأ قوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى، وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى، وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى، إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ ٢ فنجد ذلك الإيقاع المميز الذي يشيع في هذه الجمل، فيجعلها كأنها مضبوطة بتفاعيل، وأوزان متحدة.
وثمة سمة أخرى للتعبير القرآني هي ذلك التشاكل الواقع بين الحروف في أواخر الآي يطلق عليه العلماء الفواصل، وهي تمد التعبير بميزة صوتية أخرى تزيد تأثيره، بجانب وظيفتها المعنوية؛ إذ تساعد على تلاوته مرتلا مجودا، بأنغام آسرة،
_________________
(١) ١ النبأ العظيم ص١٠١، ١٠٢. ٢ سورة الليل الآيات ١-٤.
[ ٥٣١ ]
ذات إيقاع يتناسب مع الموقف، واتجاه التي تصاحبه؛ ولهذا نرى القرآن الكريم ينتقل من فاصلة إلى أخرى تبعا للموقف، وما يتطلبه من إيقاع يتناسب معه.
ولنقرأ قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ، وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ، وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ، وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ، وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ، وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ ١ فنراه يستخدم قافية الراء الساكنة التي يوحي إيقاعها بالحزم والجد الذي يستوجبه سياق هذه الأوامر إلى نبيه الكريم بعد انقطاع الوحي عنه.
فإذا انتقل إلى غرض آخر تغيرت الفاصلة بأخرى ذات إيقاع مغاير: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ، فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ، عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ ٢ فهو هنا يذكر باليوم الآخر وما فيه من أهوال، فيختار الألفاظ المتسمة بالشدة والقافية الموحية بالرهبة العميقة.
ومثل هذا نجده في قصة مريم، فقد التزم في القافية الياء المشددة: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ ٣ إلى آخر القصة، فإذا انتهت وانتقل إلى تقرير مغزى القصة وبيَّن العبرة من ذكرها نقرأ قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ، مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ ٤ فتتغير القافية كما ترى، وكأنما هذه
_________________
(١) ١ سورة المدثر الآيات ١-٧. ٢ سورة المدثر الآيات ٨-١٠. ٣ سورة مريم الآيتان ١٦، ١٧. ٤ سورة مريم الآيات ٣٤-٣٦.
[ ٥٣٢ ]
الآيات الأخيرة تصدر حكما مستمدا منها، ولهجة الحكم تقضي أسلوبا موسيقيا غير أسلوب الاستعراض، وتقضي إيقاعا رصينا قويا بدل إيقاع القصة الرضي المسترسل، وكأنما لهذا السبب كان التغيير١.
وهكذا يستخدم القرآن الكريم الخصائص الصوتية كوسيلة للتأثير كما سبق أن بينا، فيختار لكل مقام ما تستوجبه البلاغة في التعبير عنه.
٧- إظهار عوامل الطاعة:
يعمل أسلوب القرآن الكريم على إبراز عوامل الطاعة في النفس البشرية، ويورد لذلك عديدا من ألوان الترغيب والترهيب٢.
ويحيط الإنسان بمدى علم الله وقدرته، ويدعو دائما إلى النظر في الآيات الكونية والإنسانية.
_________________
(١) ١ التصوير الفني في القرآن ص٩٠، ٩١. ٢ سوف نفصل هذا الجانب في الجزء التالي بإذن الله تعالى.
[ ٥٣٣ ]
المبحث الثامن: توافق الأسلوب والموضوع
حين نعيش مع أسلوب الدعوة في عصر الرسالة نلحظ دقة التوافق بين الأسلوب والموضوع.
الدعوة إلى العقيدة: إذا كان الموضوع دعوة إلى العقيدة نرى الأسلوب يتجه إلى قدرات الإنسان المختلفة بالإقناع والدليل.
فمرة يتجه إلى العقل، فيجادله ليكشف له عن زيف ما هو عليه من عقيدة فاسدة، وأنها متهافتة لا تقوم على أساس ولا يقرها منطق سليم، وليسوق له بعد ذلك الأدلة القاطعة على صحة العقيدة الجديدة، وشهادة المنطق لها، واطمئنانه إليها، وهو في جدله ذاك يسوقه في أسلوب تجتمع له جوانب الإقناع العقلي، والتأثير الوجداني، مما يجعله جديرا بأن يطلق عليه المنطق الوجداني كما سبق.
فقد جادل المشركين، وركز في جدله على إثبات عجز هؤلاء الشركاء المزعومين، وعرض ذلك في أساليب متعددة.
مرة بالتلطف والاستدراج، وإشراكهم في استنباط النتائج، والوصول إلى الحق، كما فعل إبراهيم ﵇ في إبطال عبادة الكواكب، وكيف استعرضها إبراهيم ﵇ واحد واحدا؛ ليثبت عدم أحقيتها للألوهية، حتى إذا انتهى منها جميعا صدع بالحق الذي يريده قائلا: ﴿يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ١.
ومرة بأسلوب المواجهة الصريحة، التي تقطع كل حجة، وتنهي كل جدل، كما في تلك التجربة العملية التي قام بها إبراهيم؛ ليثبت لقومه أن أصنامهم عاجزة، لا عن النفع والضر فقط، بل عاجزة أيضا عن أن تدفع عن نفسها، وذلك عندما
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآيات ٧٨، ٧٩.
[ ٥٣٤ ]
حطمها وجعلها جذاذا متناثرا تطؤه الأقدام.
ومرة بأسلوب التقرير الذي يجبرهم على النطق بالحق الذي لا يدفع: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ، قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ ١.
ومرة بالسخرية منهم وتصويرهم في صورة العاجز عن أتفه الأمور، كما رأينا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ ٢.
ومرة بمطالبتهم بالدليل على دعواهم حتى إذا عجزوا كان ذلك قاطعا في بطلانها؛ لأنها لا تعتمد على دليل.
ومرة يحثهم على تدبر ما في الكون من دلائل على وحدانية الله، وهو في هذا المجال يعرض عليهم صفحات ناطقة من كتاب الكون الدالة على ألوهية الله ووحدانيته، فليس عليهم إلا أن يعملوا عقولهم ويتدبروا، وستبدو الحقيقة لبصائرهم جلية لا تحتاج إلى دليل.
ويتجه القرآن الكريم إلى الوجدان كذلك باعتباره وعاء الشعور الإنساني ومجمع غرائزه ونزعاته وحوافز إرادته؛ حيث نراه:
_________________
(١) ١ سورة يونس الآيتان ٣٤، ٣٥. ٢ سورة الحج الآية ٧٣.
[ ٥٣٥ ]
- يثير غريزة حب الذات بالترغيب، فالإنسان مجبول على حب الخير لنفسه والسعي لما يحققه، فيعده بالخير في الدنيا والآخرة، ويعرض عليه صورا وألوانا منه، مستخدما كل وسائل التأثير، من تصوير معجب، وتأكيد قوي، وتشويق يثير الكوامن، فيريه الجنة كأنه يرى مباهجها، ويستروح نسماتها، ويزين له ما يصنعه الإيمان في القلوب من شعور بالمن وشعور بالرضا إلى آخر تلك المعاني التي تلمس الوجدان وتفتح مغاليق القلوب.
- يثير غريزة الخوف بالترهيب مما سيترتب على عدم الاستجابة من ويل وبلاء في الدنيا والآخرة أيضا، فيعرض عليه صور العذاب في الآخرة، ويذكره بما أصاب الأمم السابقة في الدنيا عندما تولت عن دعوة الله، في أساليب تجعله يرى مصارع القوم، ويسمع أناتهم، مما يهز القلوب، ويزلزل النفوس لتنقاد وتلين.
- يثير غريزة التدين في الإنسان التي تدفعه إلى البحث عن الحق، فيلقنه إياه، في أسلوب أخاذ يحثه فيه على النظر في آيات الله، ويعرض عليه من ذلك ما يمتع الحس والعقل معا.
- كما يثير فيه مشاعر الهيبة والإجلال لله، بما يعرضه عليه من صفات جلاله، وعظائم آياته الدالة على قدرته، كما يثير مشاعر الحب لله، ورجاء فضله، والتودد إليه، والتوكل عليه، والثقة في رعايته وحمايته، بما يعرضه من ألوان نعمه، وعميم فضله، وسابغ رحمته، فهو الرحمن، الرحيم، الودود، الغني، الباسط، الجواد، أسبغ نعمه على الناس ظاهرة وباطنة.
تلك المعاني التي تمثل رباطا روحيا محكما يشد الإنسان إلى ربه، يكررها القرآن ويؤكدها حتى تستقر في النفوس فترقق العواطف وتلين القلوب وتجذبها نحو الحق جل وعلا.
كما يستجيش القرآن شعور الكرامة الإنسانية، فيربأ به أن يذل لمخلوق مثله، وأن يعنو وجهه لما لا يملك لنفسه شيئا، ويزكي فيه شعور الاعتزاز بما فضل به
[ ٥٣٦ ]
على سائر خلقه، من اصطفائه للخلافة في الأرض وحمل الأمانة، وتلك المنزلة العالية لا يصح أن يهدرها الإنسان فيسجد لحجر، أو يطلب العون من جماد.
هذه الغرائز وتلك المشاعر التي يتجه إليها القرآن ليجد الحق طريقه إلى القلوب من خلالها، يختار في التعامل معها منا يناسبها من الأساليب المؤثرة التي تؤجج أوارها، وتزكي حميتها.
الدعوة إلى العبادة:
إذا كانت الدعوة إلى العبادة نرى القرآن الكريم يتجه إلى غريزة حب الذات بالترغيب، فيعرض ألوانا مما تحققه العبادات للمسلم في الدنيا، فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وعند حديثه عن الحج يشير إلى أنه فريضة ليشهد المؤمنون منافع لهم، والزكاة تطهر المال، وتزكي النفوس، وتحقق الخير للمجتمع كله، وتربط بين الغني والفقير برباط الحب والإخاء، ثم يسوق ألوانا من الجزاء في الدنيا بمضاعفة الخير، وتحقيق الجزاء الأوفَى في الآخرة، ويعرض ذلك في صورة آسرة تدفع النفوس دفعا للطاعة.
ويتوجه إلى غريزة الخوف بالترهيب، فيوعد المقصرين بكل ألوان العذاب.
ويتوجه إلى غريزة الملكية فيقلل من حدتها، كما في تسميته الصدقة قرضا فهي لن تضيع بل تتضاعف، ويؤكد أن ما ينفقه المسلم اليوم سيضاعفه له الله غدا، ويذكر بأن المال الذي في يد الأغنياء إنما هو مال الله جعلهم مستخلفين فيه، فهو يطالبهم بإعطاء الفقراء بعض ما أعطاهم من مال.
ويتوجه إلى النفس الإنسانية فيعالج أدواءها من بخل وشح وحب للجاه والاستعلاء والمن والأذى.
كل ذلك لاحظه الإسلام في دعوته للعبادات؛ لأن طبيعة الموضوع تقتضيه، وساقه في أساليب زاخرة بألوان من وسائل التأثير.
الدعوة إلى المعاملات: إذا كانت الدعوة إلى المعاملات نرى القرآن يتجه إلى الألفاظ فيختار أدقها وأحكمها في الدلالة على المعنى المراد، ويكون استعماله للألفاظ استعمالا
[ ٥٣٧ ]
حقيقيا، فإذا أطلق لفظا إطلاقا مجازيا لغرض ما، كان ذلك واضح المأخذ قريبا، شديد الظهور، كما في تسميته المرضعة أُمًّا، والمشاركة للطفل في الرضاعة من الأم أختا.
وفي الصياغة القرآنية تقصد الآيات إلى تقرير الحقائق الدينية، والأحكام الشرعية دون مبالغة، أو تجوز، فلا يستعمل الخيال في أصول المعاني المرادة، وإنما يكون التعبير الحقيقي المفصل الواضح، إذا كان المقام يستدعي التفصيل أو المجمل الجامع إذا كان المقام له.
ويؤثر غالبا المعاني الوجدانية لبعث الثقة فيها؛ لأنها حكم الله العليم بما يصلح الناس، أو التذكير برقابة الله واطلاعه على الأعمال أو التحذير من مخالفتها، وإثارة شعور التقوى في النفس، أو الترغيب في الطاعة، والوعد بجزيل الأجر، وحسن المثوبة، كما يستخدم وسائل التأثير الأخرى؛ كالتوكيد، وتكرير صفات الله في الفواصل، أو إثارة الشعور الأخلاقي في النفس، وباللمسات الوجدانية التي توحي بها الألفاظ والتعبيرات.
وهكذا..
ويتوافق أسلوب القرآن الكريم مع الموضوع الذي يدعو إليه، بدقة بليغة تحقق المقصود من الأسلوب.
[ ٥٣٨ ]
المبحث التاسع: مواجهة عدوان الكفار
مدخل
المبحث التاسع: مواجهة عدوان الكفار
تيقن كفار مكة أن دعوة محمد ﷺ تختلف عن ما سبقها من أفكار الحنفاء وأمثالهم من ناحية: تحديد موضوعها، وثباتها، وسمو أهدافها وكان أكثر ما أثار انتباهم ازدياد قوة المسلمين يوما بعد يوم، وشدة تواصل المؤمنين وترابطهم، وقوة حب المسلمين لله ورسوله، وعظمة اعتزاز المسلمين بدينهم، وتمسكهم بتطبيق تعاليمه بصدق وإخلاص.
وصل كفار مكة إلى هذا الفهم، وبدءوا في التحرك لمواجهته، وقد أخذ توجهم يزداد عنفا شيئا فشيئا من أجل الوصول إلى إطفاء نور الحق، والقضاء على الدين الوليد.
بدءوا -أولا- بإغراء النبي ﷺ بالمال والجاه والسلطان وبكل ما يريد شريطة أن يترك دعوته١، لكنه ﷺ رد عليهم بتمسكه بدعوة الله، وحذرهم من عاقبة كفرهم، ونفذ معهم أمر الله في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ ٢.
وحاولوا -ثانيا- مساومة رسول الله ﷺ ليجمع شيئا من دينهم وشيئا من دعوته ليلتقي الفريقان في منتصف الطريق، وبذلك لا تضار آلهتهم؛ لأنها ستعبد مع الله تعالى، فرد عليهم رسول الله ﷺ بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ، لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ، وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ انظر صفحة ٣٤٥. ٢ سورة فصلت آية ١٣. ٣ سورة الكافرون.
[ ٥٣٩ ]
وطلبوا منه ثالثا أن يُبقي أمره لنفسه، وعلى آل بيته، فأبَى عليهم ذلك، وعرفهم أنه رسول الله تعالى لهم، وللعالم كله.
عندئذ أخذوا في صد الناس عنه بنشر الإشاعات الكاذبة عن رسول الله ﷺ، فاتهموه بالسحر، والكذب، والسفه، واتهموا القرآن بالاختلاق، والنقل من الأساطير، واتهموا المسلمين بالضعف وعدم التعقل، يحكي الله تعالى حملتهم هذه فيقول سبحانه: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا، قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا، وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا، أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ ١.
فلما يئسوا من محاولاتهم لرسول الله ﷺ ذهبوا إلى عمه عددا من المرات.
مرة يطلبون منه أن يكف ابن أخيه عن دعوته؛ لأنها -في نظرهم- فرقت جمعهم، وعابت آلهتهم، وأساءت إلى آبائهم.
ومرة يحاولون أن يستبدلوا به فتى منهم، للقيام بقتله بعد تملكه، فلما لم يستجب لهم أبو طالب ذهبوا إليه مهددين، فكلم أبو طالب محمدا ﷺ في الأمر، فرد عليه بأنه مستمر على دعوته، ولن يتركها بحال.
يصور ابن إسحاق ذلك فيقول: "ومضى رسول الله ﷺ فيما هو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه، ثم اشتد الأمر بينه وبينهم، حتى تباعد الرجال، وتضاغنوا وأكثرت قريش ذكر رسول الله ﷺ بينها فتذامروا فيه، وحض بعضهم بعضا عليه. ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له: يا أبا طالب، إن لك سنا وشرفا ومنزلة فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على
_________________
(١) ١ سورة الفرقان الآيات ٥-٨.
[ ٥٤٠ ]
هذا من شتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك، حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا عنه.
فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم، ولم يطب نفسا بتسليم رسول الله ﷺ لهم، ولا لأحد منهم، فبعث إلى رسول الله ﷺ فقال له: يابن أخي، إن قومك قد جاءوني، فقالوا لي كذا وكذا، للذي كانوا قالوا له، فابقِ عليَّ وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق، فظن رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله ومسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه.
فقال رسول الله ﷺ: "يا عم، والله لو ضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته".
ثم استعبر رسول الله ﷺ، فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يابن أخي، فأقبل عليه رسول الله ﷺ، فقال: اذهب يابن أخي فقل ما أحببت، فوالله لا أسلمك لشيء أبدا"١.
وحينئذ تأكدوا من فشلهم في تحريض عمه أبي طالب، وتجريده ﷺ من الحماية والمساندة، فوضعوا خطه متعددة الأطراف لإرهاب الرسول والمؤمنين، ومنع الناس من الاقتراب من رسول الله، والاستماع لدعوته، ومجمل هذه الخطة يتضح في النقاط التالية:
١- قيام كل قبيلة بتعذيب واضطهاد من أسلم من أبنائهم أو من عبيدهم.
- من ذلك أن أبا جهل كان إذا سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة، أنبه وأخزاه وأوعده بإبلاغ الخسارة الفادحة في المال والجاه، وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به٢.
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج١ ص٢٦٥، ٢٦٦. ٢ سيرة النبي ج١ ص٣٢٠.
[ ٥٤١ ]
- ولما علمت أم مصعب بن عمير بإسلامه أجاعته، وأخرجته من بيته، وكان من أنعم الناس عيشا، فتخشف جلده تخشف الحية١.
- وكان أمية بن خلف الجمحي يضع حبلا في عنق مولاه بلال، ثم يسلمه إلى الصبيان يطوفون به جبال مكة، وكان أمية يشده شدا ثم يضربه بالعصا، وكان يلجئه إلى الجلوس في حر الشمس، كما كان يكرهه على الجوع، وأشد من ذلك كله أنه كان يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول: لا والله لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى. فيقول بلال وهو في ذلك: أحد، أحد، حتى مر أبو بكر يوما وهو يصنعون ذلك به، فاشتراه بغلام أسود، وقيل: بسبع أواق أو بخمس من الفضة وأعتقه٢.
- وكان عمار بن ياسر ﵁ مولى لبني مخزوم، أسلم هو وأبوه وأمه، فكان المشركون -وعلى رأسهم أبو جهل- يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء فيعذبونهم بحرها. ومر بهم النبي ﷺ وهم يعذبون فقال لهم: "صبرا آل ياسر! فإن موعدكم الجنة"، فمات ياسر في العذاب، وطعن أبو جهل سمية -أم عمار- في قلبها بحربة فماتت، وهي أول شهيدة في الإسلام، وشددوا على عمار بالحر تارة، وبوضع الصخر على صدره تارة أخرى، وبالتغريق ثالثة، وقالوا: لا نتركك حتى تسب محمدا، أو تقول في اللات والعزى خيرا، فوافقهم على ذلك مكرها، وجاء باكيا معتذرا إلى النبي ﷺ، فأنزل الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ رحمة للعالمين ص٥٨. ٢ سيرة ابن هشام ج١ ص٣١٧، ٣١٨. ٣ سورة النحل آية ١٠٦.
[ ٥٤٢ ]
- وكان أبو فكيهة -واسمه أفلح- مولى لبني عبد الدار، فكانوا يشدون برجله الحبل ثم يجرونه على الأرض١.
- وكان خباب بن الأرت مولى لأم أنمار بنت سباع الخزاعية، فكان المشركون يذيقونه أنواعا من التنكيل، يأخذون بشعر رأسه فيجذبونه جذبا، ويلوون عنقه تلوية عنيفة ويضجعونه مرات عديدة على فهام ملتهبة، ويضعون عليه حجرا، حتى لا يستطيع أن يقوم٢.
- وكانت زنيرة والنهدية وابنتها وأم عبيس إماء أسلمن، وكان المشركون يسومونهن من العذاب أمثال ما ذكرنا.
- وأسلمت جارية لبني مؤمل -وهم حي من بني عدي- فكان عمر بن الخطاب- وهو يومئذ مشرك- يضربها، وإذا مل قال: إني لم أتركك إلا ملالة٣.
- وكان المشركون يلفون بعض الصحابة في إهاب الإبل والبقر، ثم يلقونه في حر الرمضاء، ويلبسون بعضا أخر درعا من الحديد ثم يلقونه على صخرة ملتهبة٤.
- وقائمة التعذيب طويلة شملت أغلب من أسلم في مكة بعد الجهر بالدعوة، يروي ابن كثير بسنده عن ابن جبير أنه قال: قلت لعبد الله بن عباس: "أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟
قال: نعم والله! إنهم كانوا يضربون أحدهم، ويجيعونه، ويبطشون به حتى ما يقدر أن يستوي جالسا" من شدة الضرر الذي به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له:اللات والعزى إلهان من دون الله، فيقول: نعم! افتداء منهم بما يبلغون من جهدهم٥.
_________________
(١) ١ رحمة العالمين ج١ ص٥٧. ٢ تلقيح فهوم أهل الأثر ص١٠٦. ٣ سيرة ابن هشام ج١ ص٣١٩. ٤ رحمة للعالمين ج١ ص٥٨. ٥ البداية والنهاية ج٣ ص٥٩.
[ ٥٤٣ ]
٢- إعداد فريق من شباب الكفر ممن يجيد فن التعامل مع الناس؛ ليمروا على القبائل في مواسمهم؛ ليقولوا في رسول الله ما شاءوا من قول سيئ، ووشاية كاذبة.
٣- تكليف جماعة من أبنائهم لملاحقة رسول الله ﷺ عند البيت، وشتمه، ووصفه بكل صفة منفرة، وإحاطته بالسخرية، والاستهزاء حتى تسقط مهابته في نظر الناس، فعن عمرو بن العاص ﵁ أن عروة بن الزبير سأله عن أكثر ما رأى من قريش إيذاء لرسول الله ﷺ.
قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يوما في الحجر، فذكروا رسول الله ﷺ، فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صبرنا منه على أمر عظيم.
فبينا هم في ذلك إذ طلع رسول الله ﷺ فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مر بهم طائفا بالبيت، فلما مر بهم غمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله ﷺ، ثم مضى، فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها، فعرفت ذلك في وجه رسول الله ﷺ، ثم مر بهم ثالثة فغمزوه بمثلها، فوقف، ثم قال: "أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح"، فأخذت القوم كلمته حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى أن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه بأحسن ما يجد من القول فيقول: انصرف يا أبا القاسم، فوالله ما كنت جهولا، فانصرف رسول الله ﷺ، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه.
فبينما هم في ذلك طلع عليهم رسول الله ﷺ فوثبوا إليه وثبة رجل واحد وأحاطوا به، يقولون له: أنت تقول كذا وكذا، لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم.
[ ٥٤٤ ]
فيقول لهم رسول الله ﷺ: "نعم أنا الذي أقول ذلك".
فرأيت رجلا منهم يأخذ بمجمع ردائه ﷺ، فقام أبو بكر ﵁ دونه، وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشا نالوا منه قط١.
وقد سبق أن ذكرنا ما كان منهم مع رسول الله ﷺ في قصة إسلام حمزة رضي الله عنه٢.
٤- التعنت في مواجهة رسول الله، وطلبهم أمورا خارقة للعادة، دليلا على صدقه، وهم مع ذلك عازمون على الكفر، مهما جاءهم من الخوارق؛ ولذلك قال الله تعالى لرسول الله ﷺ ليصرفه عن مواجهتهم: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ، وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ، وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ ٣.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ ٤.
لقد رأى أهل مكة العديد من المعجزات الخارقة للعادة وعلى رأسها القرآن الكريم، ومع ذلك لم يؤمنوا، فلما طلبوا خوارق جديدة لم يستجب الله لهم رحمة بهم؛ لأنه ﷾ لو أوجدها لهم، واستمروا على كفرهم لعذبهم عذابا شديدا.
_________________
(١) ١ سيرة النبي لابن هشام ج١ ص٢٩٨، ٢٩٩. ٢ انظر صفحة ٤٨١. ٣ سورة الأنعام الآيات ١٠٩-١١١. ٤ سورة يونس الآيات ٩٦، ٩٧.
[ ٥٤٥ ]
يروي ابن كثير أن ابن عباس قال: قالت قريش للنبي ﷺ: ادعُ لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا، ونؤمن بك.
قال ﷺ: "وتفعلوا؟ ".
قالوا: نعم.
فدعا الرسول ﷺ ربه فأتاه جبريل.
فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول لك: إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا، فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذابا لا أعذابه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة، قال: "بل التوبة والرحمة" ١.
وقد واجه رسول الله ﷺ هذا العدوان بطرق عديدة أهمها:
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص٥٢.
[ ٥٤٦ ]
أولا: تقوية إيمان المعذبين
أخذ رسول الله ﷺ في تقوية إيمان المعذبين، وعرفهم أن المؤمنين دائما في بلاء، وأنهم بإيمانهم يعملون للآخرة قبل الأولى، يقول ابن إسحاق: وكانت بنو مخزوم يخرجون بعمار بن ياسر، وبأبيه وأمه، وكانوا أهل أول بيت في الإسلام إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء مكة، فيمر بهم رسول الله ﷺ فيقول فيما بلغني: "صبرا آل ياسر، موعدكم الجنة"، فأما أمه فقتلوها، وهي تأبى إلا الإسلام١، وكان يقول لهم ﷺ: "أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأولياء، ثم الأمثل فالأمثل، يُبتلى الرجل على قدر دينه" ٢.
وكان المسلمون يرون في رسول الله ﷺ المثل والقدرة، فهو أسبقهم إلى العدو، وأولهم في التضحية، وأفضلهم في الشرف والنيل والطهر؛ ولذلك صدقوا في كل ما عاهدوا الله عليه.
ولقد كانت آيات القرآن الكريم تنزل عليهم تؤملهم في النصر وتحدد لهم معالم الطريق
_________________
(١) ١ السير النبوية ج١ ص٣١٩. ٢ فيض القدير ج١ ص٥١٩.
[ ٥٤٦ ]
يقول الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ، إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ، وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ، فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حَتَّى حِينٍ، وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ، أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ، فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ﴾ ١.
وكان الرسول ﷺ حريصا على تعريف المسلمين بمدى العبء الواجب تحمله، يروي البخاري بسنده أن خباب بن الأرت جاء إلى النبي ﷺ وهو متوسد برده، وهو في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدة، فقلت: ألا تدعو الله، فقعد، وهو محمر وجهه، فقال: "لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط حديد ما دون عظامه من لحم وعصب ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه" ٢.
وبهذا التوجيه النبوي للجماعة المؤمنة الأولى ظهرت قوية صامدة محتسبة..
وعليها وعلى أمثالها وجدت الأمة الإسلامية، وتحقق للإسلام والمسلمين الكرامة والحرية.
_________________
(١) ١ سورة الصافات الآيات ١٧١-١٧٧. ٢ الرحيق المختوم ص١١٧.
[ ٥٤٧ ]
ثانيا: تحرير الأرقاء:
كان أغلب من يعذب هم الأرقاء الذين أسلموا عند سادتهم؛ ولذا هدى الله أبا بكر ﵁ إلى تحرير من استطاع تحريره، وبارك رسول الله ﷺ فعله.
من ذلك أن أبا بكر ﵁ مر على بلال ﵁ وهو يعذب، فقال لأمية بن خلف: ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟
قال له: أنت الذي أفسدته فأنقذه مما ترى.
فقال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه، وأقوى، على دينك، أعطيكه به
[ ٥٤٧ ]
فقال أبو بكر: هو لك، فأعطاه أبو بكر الصديق ﵁ غلامه ذلك وأخذ بلالا فأعتقه، ثم أعتق معه على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب، بلال سابعهم، وهم: عامر بن فهيرة -شهد بدرا" وأحدا" وقتل يوم بئر معونة شهيدا- وأم عبيس، وزنيرة، وقد أصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كذبوا وبيت الله ما تضر اللات والعزى وما تنفعان، فرد الله بصرها، وأعتق النهدية وبنتها وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها، وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدا.
فقال أبو بكر ﵁: حل يا أم فلان.
فقالت: حل، أنت أفسدتهما فأعتقهما.
قال: فبكم هما؟
قالت: بكذا وكذا.
قال: قد أخذتهما وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها.
قالتا: أونفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها.
قال: وذلك إن شئتما.
ومر بجارية من بني مؤمل "حي من بني عدي بن كعب" وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب ﵁ يعذبها لتترك الإسلام، وهو يؤمئذ مشرك، وكان يضربها، حتى إذا مل قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا ملالة، فتقول: كذلك فعل الله بك، فابتاعها أبو بكر فأعتقها١.
وقد عاتب أبو قحافة والد أبي بكر ولده فيما فعله؛ لأنه رأى أن أبا بكر ينفق ماله في تحرير الضعفاء الذين لا ينفعونه، ولا يدفعون ضرا عنه "كما يتصور"..
وهنا قال له أبو بكر: يا أبتِ، إني لم أفعل ذلك إلا الله.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص٥٢.
[ ٥٤٨ ]
فنزل فيه قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى، وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى، فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى، إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى، وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الليل الآيات ٥-٧، ١٩-٢١.
[ ٥٤٩ ]
ثالثا: هجرة المسلمين إلى الحبشة
شقت الدعوة مسيرتها الصعبة بين كفار مكة، وأخذ الأذى يلاحق كل من أسلم، ورأى رسول الله ﷺ بعد سنين من الجهر بالدعوة أن الكفار ماضون في عنفهم وعنتهم، وصدهم الناس عن سبيل الله.. ولذلك أمر رسول الله ﷺ أصحابه بالهجرة إلى الحبشة، لما فيها من موطن آمن، ووجود ملك لا يظلم أحدا..
روي عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ بعث أصحابه إلى النجاشي، وكانوا نحو ثمانين رجلا وامرأة، وذلك في رجب سنة خمس من النبوة.
تقول أم مسلمة: لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا النجاشي خير جار، وأمنا على ديننا كما وعدنا الله، لا نؤذى، ولا نسمع شيئا نكرهه، وأقمنا في خير دار مع خير جار.
وعاش المهاجرون بالحبشة مدة سمعوا خلالها أن صلحا أبرمه الرسول ﷺ وأهل مكة فجاءوا إلى مكة عائدين فلما اكتشفوا أن شيئا لم يحدث عادوا مرة ثانية إلى الحبشة، وظل المهاجرون في الحبشة إلى أن هاجر الرسول ﷺ إلى المدينة فقدموا إليها بعد فتح خيبر.
هذه الكوكبة السابقة إلى الهجرة كان لها فضل السبق في إيصال الإسلام إلى خارج الجزيرة، والدعوة إليه بعملهم وسلوكهم.. وبهذا السبق تميزوا عن المهاجرين إلى المدينة.. يروي البخاري بسنده عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: بلغنا مبعث النبي ﷺ ونحن باليمن فخرجنا مهاجرين إليه.
[ ٥٤٩ ]
أنا وأخوان لي أنا أصغرهم، أحدهم أبو بردة، والثاني أبو رهم في ثلاثة وخمسين أو اثنين وخمسين رجلا من قومي فركبنا سفينة، فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر أبي طالب، فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا إلى النبي ﷺ حين افتتح خيبر، وكان أناس من الناس يقولون لنا: سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس، وهي ممن قدم معنا على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة، وقد كانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر، فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال عمر حين رأى أسماء: من هذه؟
قالت حفصة: أسماء بنت عميس.
قال عمر: الحبشية هذه؟! البحيرية هذه؟!
قالت أسماء: نعم.
قال: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحق برسول الله ﷺ منكم، فغضبت وقالت: كلا والله، كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم، وكنا في دار، أو في أرض البعداء، وذلك في الله وفي رسوله ﷺ، وايم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ذلك للنبي ﷺ، وأسأله والله لا أكذب، ولا أزيغ، ولا أزيد عليه، فلما جاء النبي ﷺ قالت: يا نبي الله، إن عمر قال كذا وكذا.
قال ﷺ: "فما قلت له؟ ".
قالت: قلت له كذا وكذا.
قال ﷺ: "ليس بأحق بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان".
قالت: فلقد رأيت أبا موسى وأصحاب السفينة يأتون أرسالا يسألون عن هذا الحديث، ما من الدنيا شيء هم به أفرح، ولا أعظم في أنفسهم مما قال لهم النبي ﷺ، قال أبو بردة: قالت أسماء: فلقد رأيت أبا موسى وأنه ليستعيد هذا الحديث مني١.
_________________
(١) ١ فتح الباري ج٩ ص٢٤-٢٧.
[ ٥٥٠ ]
وقد سر رسول الله ﷺ سرورا بالغا بعودة مهاجري الحبشة بعد هذه الفترة الطويلة وأمر الإسلام يعلو، وسلطانه يمتد شمال شبه الجزيرة وجنوبها، وعندما نزلوا بالمدينة قام الحبيب المحبوب ﷺ يرحب بعودتهم، ويعلن فرحه بهم، وذلك فيما يرويه الحاكم بسند صحيح عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: لما قدم جعفر بن أبي طالب من أرض الحبشة قال رسول الله ﷺ: "ما أدري بأيهما أفرح: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر؟! " ١.
إن الهجرة إلى الحبشة كانت مؤقتة، يلجأ إليها المسلمون، يكتشفون بها معالم الناس، ويتعرفون على مذاهب وعادات الأقوام؛ ولذلك عاد المهاجرون إلى المدينة موطن الإسلام ومستقره، وقاعدة انطلاقه إلى العالم كله.
_________________
(١) ١ المستدرك ج٢ ص٦٢٤.
[ ٥٥١ ]
رابعا: انتهاء المقاطعة
لم تقف المواجهة بين كفار مكة وبين المسلمين عند الهجرة إلى الحبشة، بل أخذت تزداد عنفا وشدة؛ لأن كفار مكة فشلوا في رد المهاجرين إليهم، واعتقالهم بعدما كانوا يتصورونه أمرا سهلا.
وحينئذ رأى كفار مكة ضرورة القيام بعمل حاسم للقضاء على محمد ودعوته، فلما تصدى لهم بنو هاشم، وبنو المطلب، وتحصنوا بشعبهم، اتفقوا على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب، بصورة تامة، لا يجالسونهم، ولا يبيعونهم، ولا يشترون منهم، ولا يزوجونهم، ولا يتزوجون منهم، واستمرت المقاطعة ثلاث سنوات حتى اشتد الأمر ببني هاشم، وبني المطلب، حتى أكلوا ورق الشجر، وكان يسمع للأطفال بكاء من شدة الجوع.
واستمر الأمر على ذلك حتى أذن الله له بالانتهاء، يروي ابن كثير ذلك بقوله: "وجمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسول الله ﷺ علانية، فلما رأى أبو طالب عمل القوم جمع بني المطلب وبني هاشم وأمرهم أن يدخلوا رسول الله ﷺ شعبهم،
[ ٥٥١ ]
وأمرهم أن يمنعوه ممن أرادوا قتله، فاجتمع على ذلك مسلمهم وكافرهم، فمنهم من فعل ذلك حمية، ومنهم من فعله إيمانا ويقينا.
فلما عرفت قريش أن القوم قد منعوا رسول الله ﷺ، وأجمعوا على ذلك اجتمع المشركون من قريش فأجمعوا أمرهم ألا يجالسوهم ولا يبايعوهم، ولا يدخلوا بيوتهم، حتى يسلموا رسول الله ﷺ للقتل، وكتبوا في مكرهم صحيفة، وعهودا، ومواثيق، لا يقبلون من بني هاشم صلحا أبدا، ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموه للقتل، فلبث بنو هاشم وبنو المطلب في شعبهم ثلاث سنين، واشتد عليهم البلاء والجهد، وقطعوا عنهم الأسواق، ولم يتركوا طعاما يقدم مكة، ولم يجدوا بيعا إلا بادروهم إليه، فاشتروه، يريدون بذلك أن يدركوا سفك دم رسول الله ﷺ. فكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول ﷺ فاضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد مكرا واغتيالا له، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه، أو أخوته، أو بني عمه؛ ليضطجع على فراش رسول الله ﷺ، ويأمر رسول الله ﷺ أن يأتي بعض فرشهم فينام عليه.
فلما كان رأس ثلاث سنين تلاوم رجال من بني عبد مناف، ومن قصي، ورجال من سواهم من قريش قد ولدتهم نساء من بني هاشم، ورأوا أنهم قد قطعوا الرحم، واستخفوا بالحق، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغد، والبراءة منه، وبعث الله على صحيفتهم الأرضة فلحست كل ما كان فيها من عهد وميثاق.
ويقال: إنها كانت معلقة في سقف البيت فلم تترك اسما لله فيها إلا لحسته، وبقي ما كان فيها من ظلم، وشرك، وقطيعة رحم.
وأطلع الله ﷿ رسوله على الذي صنع بصحيفتهم، فذكر ذلك رسول الله ﷺ لأبي طالب.
فقال أبو طالب: لا والثواقب ما كذبني، فانطلق يمشي بعصابته من بني المطلب حتى
[ ٥٥٢ ]
أتى المسجد، وهو حافل من قريش، فلما رأوه عامدا لجماعتهم أنكروا ذلك وظنوا أنهم خرجوا من شدة البلاء، فأتوهم ليعطوهم رسول الله ﷺ، فتكلم أبو طالب فقال: قد حدثت أمور بينكم لم نذكرها لكم، فائتوا بصحيفتكم التي تعاهدتم عليها فلعله أن يكون بيننا وبينكم صلح، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا في الصحيفة قبل أن يأتوا بها، فأتوا بصحيفتهم معجبين بها لا يشكون أن رسول الله ﷺ مدفوعا إليهم فوضعوها بينهم، وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا، وترجعوا إلى أمر يجمع قومكم، فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد، جعلتموه خطرا لهلكة قومكم وعشيرتكم.
فقال أبو طالب: إنما أتيتكم لأعطيكم أمرا لكم فيه نصف، وإن ابن أخي أخبرني -ولم يكذبني- أن الله بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم، ومحا كل اسم هو له فيها، وترك فيها غدركم، وقطيعتكم إيانا، وتظاهركم علينا بالظلم، فإن كان الحديث الذي قال ابن أخي كما قال فأفيقوا، فو الله لا نسلمه أبدا، حتى يموت من عندنا آخرنا، وإن كان الذي قال باطلا دفعناه إليكم فقتلتموه أو استحييتم.
قالوا: قد رضينا بالذي تقول ففتحوا الصحيفة فوجدوا الصادق المصدوق ﷺ قد أخبر خبرها، فلما رأتها قريش كالذي قال أبو طالب قالوا: والله إن هذا سحر من صاحبكم فارتكسوا، وعادوا بشر ما كانوا عليه من كفرهم، والشدة على رسول الله ﷺ والقيام على رهطه بما تعاهدوا عليه"١.
ثم إنه قام في نقض الصحيفة نفر من قريش، ولم يبل فيها أحد أحسن من بلاء وهشام بن عمرو بن الحارث بن حبيب بن نصر بن مالك بن عامر بن لؤي، وذلك أنه كان ابن أخي نضلة بن هشام بنت عبد مناف لأمه، وكان هشام لبني هاشم واصلا، وكان ذا شرف في قومه فكان فيما بلغني يأتي بالبعير، وبنو هاشم وبنو المطلب في الشعب ليلا قد أوقره طعاما، حتى إذا بلغ به فم الشعب خلع خطامه في رأسه ثم ضرب على جنبيه فدخل الشعب عليهم، ثم يأتي به قد أوقره برا فيفعل به مثل ذلك.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص٨٤، ٨٥، وتذكر رواية أخرى: أن الأرضة أكلت كل ما في الصحيفة ما عدا اسم الله تعالى.
[ ٥٥٣ ]
ثم إنه مشى إلى زهير بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير، أقد رضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء، وأخوالك حيث علمت، لا يباعون ولا يبتاع منهم، ولا ينكحون ولا ينكح إليهم؟
أما إني أحلف بالله لو كانوا أخوال أبي الحكم بن هشام ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه ما أجابك إليه أبدا.
فقال: ويحك يا هشام فماذا أصنع إنما أنا رجل واحد؟! والله لو كان معي رجل آخر لقمت في نقضها.
قال: قد وجدت رجلا.
قال: من هو؟
قال: أنا.
قال له زهير: ابغنا ثالثا، فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له: يا مطعم أقد رضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد على ذلك، موافق لقريش فيه، أما والله لئن تخلصتم من هذه لتجدنهم إليها منكم سراعا.
قال: ابغنا ثالثا.
قال: قد فعلت.
قال: من هو؟
قال: زهير بن بني أمية.
قال: ابغنا رابعا، فذهب إلى أبي البحتري بن هشام فقال نحو ما قال لمطعم بن عدي فقال: وهل تجد أحدا يعين على هذا؟
قال: نعم.
قال: من؟
قال: زهير بن أبي أمية والمطعم بن عدي وأنا معك.
قال: ابغنا خامسا.
[ ٥٥٤ ]
فذهب إلى زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم، فقال له: وهل على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟
قال: نعم، ثم سمى القوم، فاتعدوا عنه الحجون ليلا بأعلى مكة فاجتمعوا هنالك وأجمعوا أمرهم، وتعاقدوا على القيام في الصحيفة حتى ينقضوها.
وقام زهير بن أبي أمية فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس، فقال: يأهل مكة، أنأكل الطعام ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى لا يبتاعون، ولا يبتاع منهم، والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة.
قال أبو جهل وكان في ناحية المسجد: والله لا تشق.
قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت.
قال أبو البختري: صدق زمعة لا نرضى ما كتب فيها ولا نقر به.
قال المطعم بن عدي: صدقتما وكذب من قال غير ذلك، نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها.
وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك.
قال أبو جهل: هذا أمر قد قضي بليل، تشوور فيه بغير هذا المكان.
وقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها فوجد الأرضة قد أكلتها إلا "باسمك اللهم"١.
وهكذا انتهت هذه الفترة القاسية التي مر بها المسلمون في مكة، وجاء الفرج من عند الله تعالى، وانتهت هذه المقاطعة الظالمة.
وشاءت إرادة الله تعالى بوفاة أبي طالب عم رسول الله ﷺ وزوجته خديجة ﵂ في عام واحد، عرف بعام الحزن، فكان أن سرى الله تعالى عن رسول الله ﷺ برحلة الإسراء والمعراج، وبذلك تجلت معالم الدعوة العالمية في لقاء رسول الله ﷺ بإخوانه الرسل وبما أوحي إليه.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ج٣ ص٩٦.
[ ٥٥٥ ]
المبحث العاشر: استمرار الحركة بالدعوة
في خلال مرحلة الاضطهاد والمواجهة كان الرسول يتحرك بالدعوة في اتجاهات متعددة، باذلا ما أمكنه من جهد وفكر وتوجيه.
فقد عرض الإسلام على القبائل، وعلى جميع الوافدين إلى مكة في مواسم الحج والتجارة، وواجه كفار مكة بدعوتهم إلى الله، وتلاوة القرآن الكريم عليهم، وأبدى لهم ما بدعوته من صدق وحق.. وبين لهم أن ما منعهم من الإسلام إلا الجحود والتعصب، يدل على ذلك أقوال وأفعال نطق بها الكفار.
يقول أبو جهل: يا محمد، إنا لا نكذبك، ولكن نكذب ما جئت به، فأنزل الله: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ ١.
وغمزه الكفار يوما ثلاث مرات، فقال لهم في الثالثة: "يا معشر قريش، جئتكم بالذبح"، فأخذتهم تلك الكلمة، حتى أن أشدهم عداوة يرفؤه بأحسن ما يجد عنده، ولما ألقوا عليه سلا جذور وهو ساجد دعا عليهم، فذهب عنهم الضحك، وساورهم الهم والقلق، وأيقنوا أنهم هالكون.
ودعا على عتيبة بن أبي لهب فلم يزل على يقين من لقاء ما دعا به عليه، حتى أنه حتى رأى الأسد قال: قتلني والله محمد وهو بمكة.
وكان أبي بن خلف يتوعده بالقتل، فقال: "بل أنا أقتلك إن شاء الله"، فلما طعن أبيا في عنقه يوم أحد -وكان خدش غير كبير- قال: إن محمدا قال: أنا أقتلك، فوالله لو بصق علي لقتلني.
وقال سعد بن معاذ -وهو بمكة- لأمية بن خلف: لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنهم -أي المسلمين- قاتلوك"، ففزع فزعا شديدا، وعهد ألا يخرج عن
_________________
(١) ١ سورة الأنعام الآية ٣٣.
[ ٥٥٦ ]
مكة، ولما ألجأه أبو جهل للخروج يوم بدر اشترى أجود بعير بمكة ليمكنه من الفرار فقالت له امرأته: يا أبا صفوان، أنسيت ما قال لك أخوك اليثربي؟ قال: لا والله ما أريد أن أجوز معهم إلا قريبا.
وكان ﷺ يعيش مع المسلمين يمدهم بالوحي، ويعلمهم الإسلام، ويملأ قلوبهم باليقين، ويعمل على سلامتهم، وتحقيق الخير لهم بكل ما أمكنه. من ذلك لما اكتشف المشركون بعض الصحابة في شعاب مكة، وهم يصلون مستخفين ناكروهم واصطدموا معهم، أمر النبي ﷺ أصحابه بالاجتماع في دار الأرقم؛ لكي يعبدوا الله بعيدا عن أنظار قريش، ويتعلموا ما ينزل من القرآن الكريم١.
وحين أسلم بعض الغرباء؛ كعمرو بن عبسة، وأبي ذر الغفاري، أمرهم النبي ﷺ بالرجوع إلى قومهم؛ لينشروا الإسلام في قبائلهم من ناحية، وليحافظوا على أنفسهم من كفار قريش الذين يفتنون الضعيف، والغريب الذي لا ناصر له٢.
حرص ﷺ على متابعة شئون أصحابه بتقوية هممهم وتثبيتهم عند حلول الشدائد والمحن بهم، فكان يزور الذين يعذبون منهم في أماكن تعذبيهم، فيواسيهم بالصبر والثبات، ويبشرهم بالجنة، كما في قوله لآل ياسر وهم يعذبون: "صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة" ٣، وهو ﷺ هو الذي وجه أبا بكر الصديق لشراء العبيد وإعتاقهم حسبة لله تعالى.
وكان ﵊ يقوم بزيارة منتظمة لأبي بكر ﵁ كما جاء في حديث عائشة ﵂: "لم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشيا".
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ج١ ص٢٧٥. ٢ صحيح البخاري - كتاب المناقب الأنصار - باب إسلام أبي ذر ج٤ ص٢٤١. ٣ أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه ج٣ ص٣٨٨.
[ ٥٥٧ ]
وكان رسول الله ﷺ يتعامل مع الواقع في حركته للدعوة وهو في مكة، وجعل حركته محاطة بالسرية ليحقق ما يريد؛ ولذلك لم يوجه دعوته لعمر بن الخطاب لشدته ولم يطلب من عمه حمزة الإيمان لقوته، وإنما تركهما وأمثالهما ليتأثرا بأسلوب مناسب لهما، رغم أن الخير للدعوة كان في إيمان عمر وحمزة ﵄.
لقد كان ﷺ يدور على الناس في منازلهم ومساكنهم، ويستفيد بالمواسم والأعياد، ويقابل المفكرين والشعراء ليقنعهم بدين الله تعالى.
وكان ﷺ يحتاط لدعوته ولنفسه وهو يتحرك بالإسلام، فلقد خرج ﷺ إلى الطائف راجلا ليلا مع مولاه زيد، حتى لا يعلم أحد من قريش بوجهته، فيعملون على معاكسته١.
وعندما كان يتصل بالقبائل في مواسم الحج لطلب النصرة، كان كثيرا ما يخرج في ظلام الليل٢، ولا يعلن ذلك لأحد.
وعندما التقى ﵊ بوفد الأنصار في السنة الثالثة عشرة من البعثة لمبايعته على الحماية والنصرة، اتخذ سلسلة من التدابير الأمنية حتى لا يعلم به أحد من أهل مكة.
فكان أول إجراء أمني اتخذه هو ضبط الموعد مكانا وزمانا بدقة متناهية، فكان المكان: "شعب العقبة الأيمن".
والزمان: أوسط أيام التشريق؛ حيث يكون الناس في زحمة الانشغال بتهيئة أنفسهم للعودة إلى ديارهم وأولادهم.
والوقت: نهاية الثلث الأول من الليل؛ حيث يستسلم الناس للنوم٣.
وثاني إجراء: هو الكتمان الصارم للأمر، وخروج المجتمعين مثنى وأفرادا
_________________
(١) ١ الرحيق المختوم ص١٤٨. ٢ تاريخ إسلام ج١ ص١٢٩. ٣ سيرة ابن هشام ج٢ ص٤٩.
[ ٥٥٨ ]
مستخفين، دون انتصار غائب، أو إيقاظ نائم١.
وثالث إجراء: حضوره بعد اكتمال العدد ومعه عمه العباس، ووضعه ﵊ حراسة قوية وأمينة في مداخل الشعب٢؛ حيث كلف أبا بكر بالوقوف على فم الطريق، وكلف عليا بالوقوف على فم الشعب.
ورابع إجراء: هو طلبه ﵊ من كل متكلم أن يوجز في كلامه٣، وأن يخفض صوته، حتى لا يطول اللقاء ولا يشعر به أحد.
وبعد ذلك قام ﷺ باختيار اثني عشر نقيبا -تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس- لتحمل المسئولية وقال لهم: أنتم على قومكم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم، وأنا كفيل على قومي.. قالوا: نعم.
وبهذا الاختيار بدأت ملامح القيادة الجديدة في المدينة المنورة وبدأت أنظار المسلمين تتجه نحوها ليعيشوا عصر التمكين والقوة، وليؤدوا واجبهم مع دين الله تعالى.
ولسوف نرى في تخطيط النبي ﷺ للهجرة مدى الحرص الذي بذله ﷺ ليصل إلى الغاية، وبالهجرة تبدأ مرحلة جديدة في مسار الدعوة إلى الله تعالى.
وسوف نوضح ذلك في الجزء التالي بعون الله تعالى..
_________________
(١) ١ الطبقات ج١ ص٢٢١. ٢ منهج النبي ﷺ في حماية الدعوة ص٤١٧. ٣ السيرة النبوية لابن كثير ج٢ ص٢٠٢.
[ ٥٥٩ ]
المبحث الحادي عشر: المسلمون في نهاية المرحلة المكية
اتسع نطاق الإسلام، وكثر عدد الداخلين فيه، ووصل خبره إلى قبائل العرب جميعًا، وانتقل المسلمون بالإسلام إلى خارج الجزيرة العربية.
وأصبح عدد المسلمين كثيرًا، فلقد هاجر منهم إلى الحبشة ما يقرب من مائة، وهاجر منهم إلى المدينة ما يقرب من خمسمائة صحابي وصحابية، بالإضافة إلى عدد غير قليل آمن سرًّا في مكة، وفي غيرها، وهم المؤمنون والمؤمنات المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ﴾ .
لقد أدى هذا الانتشار الواسع للإسلام إلى ضرورة الهجرة من مكة؛ لأن كفار مكة أخذوا يبذلون جهدهم لصد الناس عن الإسلام بوسائل عديدة، ولم يعد مقبولًا أن يبقى المسلمون مستسلمين للطغاة وحقهم واضح، في الوقت الذي أخذ الناس فيه ينظرون إلى ما بين المسلمين وأهل مكة؛ ليبنوا عليه موقفًا، ويتخذوا قرارهم في الإيمان.
الأمر الذي دعا إلى ضرورة وجود دولة للإسلام ترفع رايته، وتحمي أتباعه، وهو الذي أراده الله تعالى، وحققه بالهجرة إلى المدينة المنورة.
[ ٥٦٠ ]