تمهيد:
لقد امتدت المرحلة المكية حتى الهجرة إلى المدينة المنورة، ووقعت خلالها أحداث عظام، تقدم أضواء عالية في حركة الدعوة إلى الله تعالى، تظهر العبر والدروس، وتكشف الطبائع والنفوس، وتبين ما في كل موقف من ركيزة ومبدأ مدروس، وتعود أهمية معرفة هذه المرحلة للدعوة إلى أنها تعيش مع المسلمين في مرحلة قلتهم وضعفهم، وتصور كيف عاش المسلمون بالإسلام صادقين مما أدى إلى انتقالهم من الضعف إلى القوة، ومن الهوان إلى العزة والانتصار، وهي أمور يحتاجها المسلمون المعاصرون.
كما أن أحوال الدعوة، ومدى ارتباط المسلمين بالإسلام، يحتاج إلى مراجعة ضرورية لقياس الأحوال على عصر التأسيس الأول؛ ليُعرف الداء، ويظهر الدواء.
وفي المرحلة المكية حدد النبي ﷺ الإسلام بجلاء، ودعا إليه بوضوح، وتلقاه الصحابة منه نقيا صافيا، وعاشوا به، وعملوا له، وتحركوا من أجله؛ لأنهم تحملوه أمانة ومسئولية وحاجة شخصية.
إن المسلمين في كل زمان ومكان عليهم أن يرتبطوا برسول الله ﷺ في أقوالهم، وأعمالهم، وأحوالهم، وكافة شئونهم، وهذا يحتم عليهم ضرورة العودة إلى السيرة النبوية وأحداثها، فهي الصورة العملية التطبيقية لتعاليم الله تعالى، وهي القرآن متحركا في السلوك والطاعة.
إن السيرة النبوية هي الوحي المنزل في صورة تطبيقية؛ ولذا كانت مدارستها تصويرا حيا للإسلام، وكان فهمها هو البداية الصحيحة للعمل بالإسلام.
والمسلم الصادق يدرك تماما أن السيرة النبوية ثقافة روحية، وفهم للدين، وإحاطة بالإسلام ناصعا جميلا.
لهذا ولغيره عقدت هذا الفصل لأطوف مع السيرة، وأتأمل في حركة الدعوة خلال المرحلة المكية لأبرز أهم الركائز المستفادة منها، وذلك فيما يلي:
[ ٥٦٣ ]
الركيزة الأولى: المعرفة الشاملة للمدعوين
من أساسيات النجاح في تبليغ الدعوة على وجهها الصحيح معرفة المدعوين والإحاطة بالواقع النفسي والفكري والاجتماعي لهم؛ لأن ذلك ييسر عملية الدعوة، ويمكِّن القائمين على شئونها من وضع الخطط الملائمة للمدعوين، ومراعاة ما هم عليه من فكر ودين واتجاه.
إن المعرفة بالمدعوين تمكن الدعاة من مخاطبة القوم بلغتهم، والدخول إلى عقولهم من الجوانب المؤثرة التي تدفعهم إلى النظر والتفكير.
إن كل جماعة لها خصائصها النفسية، واتجاهاتها العقلية، ونشاطها العملي، وفي هذه الجوانب توجد مفاتيح الولوج لشخصية الجماعة، ولذاتية الفرد وسط الجماعة.
والمقصود بالجماعة الطائفة من الناس التي تكون مجتمعا متماسكا مترابطا بواسطة انتماءات خاصة؛ كالوطن أو الدين أو التحزب، مما يؤلف بين أفرادها جماعة يشملهم تماسك نفسي، وولاء وجداني.
إن أي جماعة تعيش مدة ما في إطار انتماء معين، تكتسب صفات خاصة، واتجاهات جديدة، وتعيش بشعور واحد، وآمال واحدة.
إن الفرد يكتسب من الجماعة بفعل العدد شعورا بقدرة لا تقهر، بينما الفرد وحده يردع غرائزه ويخضعها لعقله، لشعوره بالمسئولية.
إن الفرد وسط الجماعة يذعن لغرائزه طوعا؛ نظرا لزوال الشعور بالمسئولية ما دامت الجماعة غفلا، وغير مسئولة.
إن الفرد في الجماع تسري إليه بالعدوى المشاعر الجماعية، بطريقة لم يتوصل إلى تفسيرها، وإن كانت موجودة، وتسهل ملاحظتها، وانتقال شعور الجماعة إلى الفرد بالعدوى يُسَهِّل للفرد أن يضحي بمصالحه الشخصية في سبيل الجماعة العامة،
[ ٥٦٤ ]
وهذا استعداد مخالف لطبيعة الفرد، لا يقدر عليه الإنسان إلا إذا كان جزءا من جماعة.
لهذا كان فهم المدعو من أسياسات تكوين الدعاة؛ ليتخيروا المنهج الذي يتبعونه حين الدعوة؛ لأن أملهم النجاح، وتحقيق ما يرجون من غايات.
ولعل الحادثة التالية أوضح دلالة على ما نحن بصدده من تأثير الجماعة، فصاحبها اتخذ موقفا من الدعوة، وكادت تصل إلى أعماقه، ويستسلم لها عندما احتكم إلى طبيعته الخاصة، لكنه لحظه العاثر قدر له أن يضع نفسه مرة أخرى في غمار الجماعة، ويقع تحت تأثيرها، ذلكم هو الوليد بن المغيرة؛ فقد روت كتب السيرة أن النبي ﷺ قام في المسجد يصلي، والوليد قريب منه يسمع قراءته، فلما فطن النبي ﷺ لاستماعه، أعاد قراءة الآية، فانطلق الوليد حتى أتى مجلس قومه من بني مخزوم فقال: "والله لقد سمعت من محمد ﷺ آنفا كلاما ما هو من كلام الإنس ولا من كلام الجن، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثمر، وإن أسفله لمغدق، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه"، ثم انصرف إلى منزله، فقالت قريش: صبأ والله الوليد، ولتصبأن قريش كلها، فأوفدوا إليه أبا جهل يحتال لصرفه عن الإسلام إن كان قد نوى الدخول فيه، وما زال به حتى قام معه إلى مجلس قومه، فقال لهم: تزعمون أن محمدا ﷺ مجنون، فهل رأيتموه يحنق قط؟
تزعمون أنه كاهن، فهل رأيتموه قط يتكهن؟
تزعمون أنه شاعر وما فيكم أعلم بالشعر مني، فهل رأيتموه ينطق بالشعر قط؟
تزعمون أنه كذاب، فهل جربتم عليه كذبا؟
يسألهم ويجيبونه: كلا، في كل سؤال، حتى أعياهم أن يردوا كلامه، فقال أبو جهل: لا يرضى عنك قومك حتى تقول فيه.
فقال: دعني حتى أتفكر.
ثم قال: ما هو إلا سحر يؤثر، أَمَا رأيتموه يفرق بين الرجل وأهله وولده ومواليه؟ فهو ساحر، وهذا هو السحر المبين.
[ ٥٦٥ ]
ومن هنا كان لا بد من تثبيت الإيمان في القلوب، ومنحه القدرة على مغالبة هذه الموانع النفسية، ولا نكتفي بجعله إيمانا عقليا باردا، لا بد أن يتحول اليقين إلى إيمان وجداني، حاكم على القلب، راجح على ما يخالفه من رغب ورهب وأمل وألم، ولن يتهيأ ذلك إلا بأن نتوجه إلى كل منافذ التأثير في الإنسان، وهو وحده، أو وهو في جماعة، لنصل من خلالها إلى ما نريده من جعل الدعوة في قرار مكين، وأن نغير بها النفوس قبل أن نغير بها السلوك.
يقول الدكتور/ محمد رجب البيومي: إذا كان القرآن الكريم قد أوتي الإقناع المنطقي الملزم، فإنه لا يتجه بحديثه إلى الفكر وحده، فيلزمه الحجة، مكتفيا به عن سواه؛ إذ إن فاطر السماوات والأرض يعلم أن المعرفة العلمية وحدها لا تكفي في الجذب والتأثير، فلا بد معها من غزو مناطق الشعور، وبعث كوامن العواطف، حتى يتهيأ السامع إذا سمع، والقارئ إذا تلا، إلى انجذاب نفسي يدفعه إلى أشرف المبادئ وأحكم المثل.
ولو كانت المعرفة وحدها كافية للهداية لكانت كتب العلوم الأرضية المخلصة دليل المهتدي، إذا قرئت ودرست، ولكنك تشاهد الناس يقرءونها مقتنعين، ثم يحيدون عن أكثر ما تهدي إليه؛ إذ إن العلم شيء والسلوك الإنساني شيء آخر؛ لذلك اتجه القرآن إلى التأثير الوجداني بعد الحجة والبرهان؛ ليغزو مناطق الشعور الإنساني بتصويره، كما غزا مناطق التفكير العقلي بحججه، فجاء التصوير البياني في القرآن الكريم آية الآيات في الروعة والإعجاز١.
والإنسان سواء أكان منفردا أم في جماعة يجمع في طبيعته من الملكات المتعددة ما يجعل إهمال بعضها إهدارا لجانب من الطبيعة الإنسانية، خلقه الله تعالى ليقوم بدوره، ويؤدي وظيفته.
_________________
(١) ١ البيان القرآني ص٧٨.
[ ٥٦٦ ]
وحين اتجه علماء الكلام إلى العقل وحده، ماذا كانت الثمرة التي جناها الإسلام من وراء جهودهم الخارقة التي ظلت قرونا وقرونا تبدئ وتعيد، في حجج عقلية باردة، لا تثير وجدانا، ولا تدفع إلى عمل؟!!
إن علينا أن نلتقي بالإنسان في قواه المختلفة، وأن نتعامل معها جميعا، نتعامل مع العقل بما له من قوة الإدراك والتمييز، ونتعامل مع الوجدان باعتباره وعاء الأحاسيس والمشاعر، التي تنشأ عن التأثير بما يسر ويؤلم، ونتعامل مع الإرادة باعتبار ما تتخذه من قرارات هي النتيجة النهائية لاستجابتها أو رفضها للدعوة، ذلك أن الصفات النفسية للإنسان مرتبط بعضها ببعض، ويؤثر بعضها في بعض، والإيمان هو حالة نفسية، مرتبط بالجوانب النفسية كلها، يتأثر بها ويؤثر فيها.
يقول الدكتور/ محمود حب الله: فالعقائد الدينية لا تعتمد على جانب واحد من جوانب الحياة النفسية للإنسان -الوجدانية والإرادية والعقلية- ولكنها تتصل بها كلها اتصالا وثيقا، ولا ترضى نفس المرء ولا تكتمل شخصيته إلا إذا تضامنت شخصيته ونواحيه النفسية كلها، وعملت معا على تقبل كل عقيدة من عقائده، فلا يوجد شيء من التضارب بين قواه المتعددة، حول عقيدة من العقائد، بل انسجام ووئام، فيوجد قبول عقلي، واطمئنان قلبي، والتقاء مع الإرادة، وذلك هو كمال الشخصية وكمال العقيدة١.
ثم يقول: وما دامت العقائد الدينية متصلة بكل من العقل والوجدان والإرادة احتاجت في وسائل نشرها إلى الاعتماد على كل هذه القوى٢.
وما دام هذا شأن من توجه له الدعوة وطبيعته، فلا بد لنا -كي نصل إلى التأثير فيه- أن نلاحظ طبيعته بكل جوانبها؛ لأن الفرد في جماعة يواجه واقعا يحدث
_________________
(١) ١ الحياة الوجدانية والعقيدة الدينية ص٢٦٨، ٢٦٩. ٢ المرجع السابق ص٢٧٤.
[ ٥٦٧ ]
في طبيعته بعض التعديل عنه وهو وحده؛ حيث ينشط جانبه الوجداني، بسبب تفاعل مع الجماعة، واستهوائها له، وسيطرة روحها العامة على ملكاته الخاصة.
وقد سبق أن رأينا أن رسول الله ﷺ بعث إلى العالم كله؛ ولذلك عرفه الله بطبائع الناس، وواقع المجتمعات المختلفة عن طريق القصص القرآني الذي نزل أغلبه في مكة قبل الهجرة.
وقد احتوى القصص القرآني على نماذج من المجتمعات البشرية، ووضح خصائصهم، وحدد أساليب مخاطباتهم؛ حيث نراه يصور الملأ والضعفاء، ويجلي حقيقة المنافقين والمشركين، ويبين دور السفهاء والمترفين بين الناس إلخ.
وبذلك قدم القصص القرآني تحليلا صحيحا للنفوس والعقول للناس أجمعين.
إن الهيكل العام للقصة القرآنية يأخذ صورة واحدة، فهو قائم على دعوة الله يقدمها الرسول إلى قومه، إلى من أرسل إليهم، فيقف المدعوون موقف المعارضة والإنكار، فيأخذ الرسول في محاورتهم، والرد عليهم، ويناقشهم في شبههم ومعارضاتهم، ويبين لهم الصدق بأدلته، ويحدد لهم بطلان ما هم عليه ببراهينه، ويطوف بهم خلال الحوار مع طبيعة النفوس، واتجاهات العقول، وميول الوجدان.
إن القصص القرآني يبرز ملامح أشخاصه ومنهجهم في الجدل والحوار، وموقفهم من الحق، وبذلك يقدم للدعوة والدعاة صورة حقيقية للمدعوين.
وينتهي القصص القرآني دائما ببيان عاقبة المؤمنين، ومصائر الضالين المكذبين.
والواضح من هذا ما رأينا في تنشئة النبي ﷺ فلقد عاشر الرعاة، وعاش مع فئة العمال والأجراء، وتعامل مع التجار وسادة الناس، وكان له مع الملأ مواقف وتصرفات، وانتقل إلى عديد من الأماكن؛ حيث سافر إلى المدينة، وإلى بلاد الشام، وتربَّى في بادية بني سعد.
[ ٥٦٨ ]
ويكفي حياته المكية؛ لأن مكة في ذلك الزمان كانت تحتوي على كافة أنماط المجتمع البشري؛ حيث جعلها الله بوتقة تضم كل ألوان وأطياف البشر؛ لتكون معمل الخبرة والتجربة لرسول الله ﷺ وللدعوة إلى الله تعالى.
إن معرفة المدعوين، والوقوف على المثيرات الوجدانية والعقلية، ضرورة للدعوة، وحتى لا يحدث انفصال بين الداعية والناس.
لقد كان رسول الله ﷺ يحدث كل قوم بلغتهم، وفي كل أمر يهمهم، وحين يقدم لهم الآيات الدالة على صدق الدعوة اختار الأدلة المناسبة، فإن كانوا من أهل الزرع خاطبهم في الأشجار والنبات والثمار، وإن كانوا من أهل البحر خاطبهم بالماء والسفن واللؤلؤ والمرجان وهكذا.
إن خطاب العالم يختلف عن خطاب العامي بالضرورة، كما أن الحديث مع الكبير ليس كالحديث مع الصغير، والقضايا التي تحرك الرجل ليس هي التي تحرك المرأة.
والإنسان كما يتاثر بالجماعة يتأثر بالبيئة والثقافة والتوجه العام للمجتمع، فالإنسان الشرقي يختلف عن الإنسان الغربي، والعربي غير العجمي، ومن ثقافته علمية ليس كمن ثقافته فنية أدبية.. والإنسان في مجتمع مستقر يفكر بطريقة تغاير الإنسان في مجتمع مضطرب قلق.
وهذه نماذج لمدى تنوع الناس، وتعدد بؤر التأثير فيهم، مما يؤكد ضرورة تفاعل الدعاة مع المخاطبين، ومخاطبتهم بما يناسبهم١.
وفي العصر الحديث رأينا مدى تأثير الدعاة في أقوام يتفاعلون معهم، وما كان ذلك إلا بسبب معرفة الدعاة الشاملة بواقع المدعوين وطبائعهم.. الأمر الذي مكنهم من مخاطبتهم الحسنى، ومناقشتهم بالدليل المقنع، والبرهان السديد.
_________________
(١) ١ لقد عاصرت مجموعة من الدعاة أرسلهم الأزهر الشريف -مشكورا- للدعوة في بعض البلدان الإفريقية، لكنهم لعدم معرفة لغة وأحوال الناس ظلوا مدة طويلة يعلمونهم مبادئ اللغة العربية، ولم يتمكنوا من تبليغهم دين الله تعالى.
[ ٥٦٩ ]
الركيزة الثانية: دور الداعية
مدخل
الركيزة الثانية: دور الداعية بين الله والناس
إيصال الإسلام للناس فن لا يقدر عليه الجميع؛ ولذا كان من الضروري إيجاد داعية يملك القدرة على أداء هذه المسئولية.
إن الدعوة تحتاج إلى داعية متصف بصفات عديدة تجعله قادرا على القيام بواجب الدعوة على الوجه الذي يرضي الله ورسوله.
وأول هذه الصفات عراقة الأصل، وشرف المنزلة؛ لأن الناس تعودوا الخضوع لعلية القوم، والاستماع لأصحاب المنزلة فيهم.
وقد علم النظام القبلي أهل مكة أن يكون لكل قبيلة شيخ، ولكل فخذ رئيس يأمر فيطاع، ويحتاج فيعطى؛ ولذلك وجب أن يكون الداعية بين الناس متميزا فيهم بكرم الخلق، وعلو المنزلة، كما كان رسول الله ﷺ، فهو من خير العرب نفسا، ومن خيرهم نسبا، فهو خيار من خيار.
ومن أهم ما يجب أن يتحلى به الدعاة أن ينشئوا نشأة عملية، يعايشون فيها الناس على اختلاف مواطنهم ومذاهبهم وثقافاتهم، كما أكرم الله رسوله ﷺ بمعايشة: بني سعد، والرعاة، والتجار، واليهود، والنصارى، وأهل مكة، الأمر الذي مكنه بعد ذلك من التعامل الجيد مع الناس جميعا.
ومما يجب أن يتحلى به الدعاة مكارم الأخلاق؛ لأن ذلك أدعى للثقة، وأقوى في التصديق.
وهذا هو رسول الله ﷺ اشتهر بين قومه بالصدق والأمانة، وكان الغرباء عن مكة يسألون عن خلق رسول الله، فإذا علموا تميزه بالخلق الكريم أقبلوا عليه.
والداعية وارث النبي ﷺ في مهمته الإرشادية، والقائم مقامه في إبلاغ دين الله، وكان النبي ﷺ يرشد المسلمين إلى ذلك، فقال لأصحابه: "ألا ليبلغ
[ ٥٧٠ ]
الشاهد منكم الغائب"١، وقال: "تسمعون ويسمع منكم، ويسمع ممن يسمع منكم" ٢.
وحتى يتمكن المسلمون من القيام بهذه المهمة قضى الإسلام يتخصيص فئة معينة للقيام بها، فما صح ولا يصح أن تقوم الأمة كلها على تخصص واحد، وتهمل سواه، وقد بين الله تعالى أن على الناس ألا يتجمعوا كافة على غرض واحد، ولو كان هو الجهاد، فقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ ٣.
يقول علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية: ما كان المؤمنون لينفروا جميعا ويتركوا النبي ﷺ وحده فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة يعني عصبة، هي السرايا، فإذا رجعت السرايا وقد أنزل الله بعدهم قرآنا تعلمه القاعدون مع رسول الله ﷺ، وذلك معنى: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ أي: يتعلم القاعدون ما أنزل الله على نبيهم وليعلموا السرايا إذا رجعت إليهم لعلهم يحذرونه٤، ويمثل ذلك فسر مجاهد وقتادة الآية.
وهذا التفسير ينهى عن التجمع الكامل للنفير، ويحث على بقاء جماعة مع النبي ﷺ لمتابعة تعاليم الدعوة، وذلك هام في حد ذاته؛ لأن التفقه للدعوة أمر ضروري، وهذا الوجه في تفسير الآية مقبول٥؛ لأن النبي مصدر العلم، والقعود معه يحقق التفقه والتعليم، من غير سفر أو رحيل.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ج١ ص٣٧ - كتاب العلم- باب ليبلغ الشاهد منكم الغائب. ٢ الفتح الرباني ج١ ص٢٦٤ - كتاب العلم - باب فضل تبليغ الحديث. ٣ سورة التوبة الآية ١٢٢. ٤ تفسير ابن كثير ج٣ ص٨٧. ٥ وهناك توجيهات أخرى للآية، وهي أن تخرج طائفة مع النبي ﷺ أثناء الجهاد قصد النفقة؛ ليعلموا غيرهم بعد الرجوع إليهم في المدينة، أو تعليم المجاهدين إذا التقوا بهم بعد المعركة.
[ ٥٧١ ]
وإن طلب جماعة لعلوم الدعوة فرض كفاية كالجهاد تماما؛ لأنهما معا يؤديان إلى حفظ الدين واضحا من غير تحريف، وإلى حمايته قويا بلا اعتداء، بل إن الدفاع عن الدين بالكلمة أحيانا يكون أجدى من الجلاد عنه بالسيف.
هذا وقد أخذ الشاطبي١ من قوله: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ أن الدعاة المنذرين قائمون مقام النبي ﷺ؛ لأن الله قال له: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ فالإنذار في الآيتين عمل مشترك يقوم به النبي وأتباعه من بعده على وتيرته.
ولئن كانت مهمة النبي في زمنه ﷺ صعبة، فإن مهمة الدعاة اليوم كذلك؛ لأن الهدف واحد وهو مخاطبة القلوب بالحكمة، ومجادلة المخالفين بالحسنى، وما أكثرهم اليوم ككثرتهم أيام النبي ﷺ.
ولئن كان الوحي ينزل بالدين على رسول الله جزءا جزءا، فإن ما نزل منجما قد جمع وحفظ كله ليبقى بجملته مع الدعاة زادا لهم، وأملا لدعوتهم في النصر والبقاء.
ولئن عز الأشخاص المميزون فواجب على الأمة المسلمة أن تتخير وتعلم وتدرب، وكما تبذل جهودا لتخريج الأطباء والمهندسين والضباط، فعليها أن تبذل الكثير لإيجاد الداعية الكفء الذي يفيد الدين والناس جميعا.
والدعاة اليوم هم المبشرون المنذرون، الحاملون صوت النبوة، المكلفون بالوصول بها إلى كل مكان في الوجود.. وقد قدر الله للدعوة أن تظل باقية في كتبها محفوظة بأمره، لكن الذي يجب أن يكون اليوم هو وجود الداعية الكفء الذي يتخذ الرسول أسوته، ويحاول أن يستجمع ما اتصف به على قدر طاقته و﴿لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ .
ولا بد في تكوين الداعية أن يكتسب بعض الصفات الضرورية التي تجعله ذا صلة قوية
_________________
(١) ١ الموافقات ج٤ ص٢٤٥.
[ ٥٧٢ ]
بالله تعالى، الذي يحمل رسالته، ويبلغ دينه، ويعيش مع وحيه ﷾، كما تجعله قوي الصلة بالناس، فهم مجال حركته، ومقياس نجاحه، وأمله كله ينحصر في هدايتهم.
إن الداعية يحتاج إلى هذين الجانبين لأهميتهما له:
[ ٥٧٣ ]
أولا: تقوية صلته بالله
الداعية مرشد إلى الخير، وموجه نحو الهدى، وكل هدفه أن يعرف الناس بربهم الخالق؛ ليفوزوا بسعادة الدنيا والآخرة.
وعليه هو أولا أن يمتن صلته بالله في يقين وقوة، ويجعل إيمانه قائما على تفرغ القلب الكامل لمولاه، والارتباط المطلق به، والتوكل الراسخ عليه، والتسليم التام كل ما يأتي به من غير ارتياب -أو حرج- لتكون الدعوة بذلك نابعة من قوله وفعله،،كل ذلك سهل ميسور.
إن معرفة الله يلمسها من القرآن الكريم، كتاب الدعوة الذي هو دستوره وهاديه، ومن آياته يعلم أن الله واحد، منزه عن الشريك في ذاته وصفاته وأفعاله.
وآيات القرآن واضحة في مفهومها ودلالاتها، انظر قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ﴾ ١.
تراها قد صرحت بوحدانية الله من غير غموض، بل إن القرآن يدافع عن هذه الوحدانية فيدعو إلى ترك ما عداها فيقول: ﴿لا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ ٢، ويتجه بالدليل العقلي لمن يريده فيقول: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ ٣.
_________________
(١) ١ سورة الصافات الآية ٤. ٢ سورة النحل الآية ٥١. ٣ سورة الأنبياء الآية ٢٢.
[ ٥٧٣ ]
ولا تقف الآيات عند الحديث عن وحدانية الذات، بل تتكلم عن كل كمالاتها بإثبات الصفات والآثار، ومن هذه الآيات قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ ١، وقوله ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾ ٢.
فتجد هذه الآيات وغيرها تعرف بأن الله موجود، قديم، حي، باقٍ، عليم، مريد، قادر، سميع، بصير، متكلم، وبإثبات هذه الصفات تنتفي أضدادها، والصفات وإن تشابهت ألفاظها مع مسميات صفات البشر إلا أنها ليست هي في الحقيقة؛ لأن الله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ ٣.
والقرآن الكريم لا يترك الداعية يبحث وحده عن الدليل الدافع إلى الإيمان، بل يوجه نظره إلى الآثار الإلهية في المخلوقات؛ ليتم إيمانه، ويحس طمأنينة خاصة تمر بين جوانبه، فلا يرى بعد ذلك إلا الخير المطلق يسري في داخل النفس وخارجها، والمخلوقات عديدة، والنظر فيها يبين الدقة الإلهية والعناية الربانية، ويؤدي إلى الإيمان المطلوب، فنفس الإنسان المركبة من باطن فيه جهاز هضمي، وآخر للتنفس، ومن ظاهر به حواس وجوارح، هذه النفس بكل أجزائها تقوم بوظيفتها بطريقة تلقائية.
وقد وزعت الأعمال في براعة ودقة على كافة الأجهزة؛ ليقوم كلٌّ بدوره، فالعين ترى، والأذن تسمع، واللسان يتكلم، والرجل تمشي، والأسنان تمضغ، والمعدة تهضم، والرئة تستنشق.
وهذا كله يشير إلى العناية والدقة الموجودة في خلق الله تعالى، وهو الأمر الذي جعل العلماء يرون في القرآن الكريم أدلة خاصة به سموها:
١- أدلة العناية والدقة.
_________________
(١) ١ سورة الحديد الآية ٣. ٢ سورة الرعد الآية ١٦. ٣ سورة الشورى الآية ١١.
[ ٥٧٤ ]
٢- أدلة الحسن والجمال.
٣- أدلة الغاية والقصد.
وهذه أدلة تجعل الإنسان يؤمن بلا تردد رؤيته لها ونظره فيها.
وقد حث الله الإنسان على النظر إلى النفس، فقال تعالى: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ﴾ ١ ليروا فيها دلالة اضحة على وجود الصانع وحكمته وتدبيره، ويكفي أن ينظر الإنسان إلى نفسه ليرى -كما قال الزمخشري- في ابتدائها وتنقلها من حال إلى حال، وفي بواطنها وظواهرها، عجائب الفطر وبدائع الخلق، وحسبك بالقلوب وما ركز فيها من العقول، وخصت به من أصناف المعاني، وبالألسن، والنطق، ومخارج الحروف، وما في تركيبها وترتيبها ولطائفها من الآيات الساطعة، والبينات القاطعة، على حكمة المدبر، دع الأسماع، والأبصار، والأطراف، وسائر الجوارح، وتأتيها لما خلقت له، وما في الأعضاء من المفاصل للانعطاف والتثني، فإنه إذا جسا شيء منها جاء العجز، وإذا استرخى أناخ الذل٢.
وكما يجب النظر إلى النفس، فإن هناك العالم الفسيح المملوء بالآيات البينات والعجائب الرائعة التي يجب النظر فيها، يقول تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ .
إن الداعية وهو يلازم الدعوة عليه أن يفكر في هذا، وفي غيره؛ ليؤمن الإيمان الواجب، ويعلم من غير تردد حق الله الذي آمن به فيؤديه.
وقد حصر الله سبب خلقه للجن والإنس في أداء هذا الحق، فقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ .
_________________
(١) ١ سورة الذاريات الآية ٢١. ٢ تفسير الكشاف ج٤ ص١٦.
[ ٥٧٥ ]
يقول الزمخشري: إن معنى الآية: ما خلقت الجن والإنس إلا لأجل العبادة، ولم أرد من جمعهم لا إياها١؛ ولذا دعيت كل الأمم إلى واجبها، يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وكان النداء الأول في دعوة كل رسول هي: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ لأن الإيمان بالله الخالق والتسليم له يقتضي حتما وبالضرورة أن تكون العبادة له وحده.
إن العبادة هي الحبل الوثيق الذي يربط الإنسان بالله، وليس هناك سبيل سواها، والله قريب من عباده قربا ولا واسطة فيه، والداعية يعلم ذلك فيعبد الله مخلصا له الدين، ويتفرغ بكليته في عبادته؛ ولذلك فعبادته غذاء روحي، ترقَى به ذاته، وتذكره بالسلطان المطلق، وتسمه بحسن الخلق، وكريم المعاملة، وذلك كله سر العبادة وحقيقتها، فمثلا عن الصلاة -كعبادة- قد أمر الله بإقامتها دون مجرد الإتيان بها؛ لأن إقامة الشيء يعني الإتيان به مقوما كاملا، يصدر عن علته، وتصدر عنه آثاره، ومن المعلوم أن الغاية من الصلاة ذكر الله، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ ٢ وآثارها تظهر على المصلي ذاته لأنها: ﴿تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَر﴾ ٣ وهي بالإقامة عبادة حقة، فيها خضوع كامل، ناشئ عن إحساس يقيني بعظمة الرب القادر ﷾، ويتبعها أثرها المراد الذي يظهر في البعد عن كل باطل، والتخلق بكل حسن جميل، وهكذا كل عبادة تعطي للنفس جرعة من الذكر، وجزءا من السعادة.
ولا يرى الداعية من عبادته هذه المنزلة إلا إذا أداها مخلصا كما أمر، فإن القوم جميعا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ ٤، وقد قال لهم الرسول ﷺ: " ﴿إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ "٥؛ ولذلك فهم
_________________
(١) ١ تفسير الكشاف ج٤ ص٢١. ٢ سورة طه الآية ١٤. ٣ سورة العنكبوت الآية ٤٥. ٤ سورة البينة الآية ٥. ٥ سورة الزمر الآية ١١.
[ ٥٧٦ ]
بسبب هذا الإخلاص يشعرون بالمعية الإلهية دائما ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ ١، انظر إليهم تجدهم ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ ٢، لا يفارقون ذكره في لحظة من لحظات الحياة، وكذلك يذكرهم ربهم، ففي الحديث القدسي: "أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه" ٣، وهم في ذكرهم الدائم يتقلبون بين الخوف والرجاء ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ ٤.
والداعية كما هو الواقع يعلم أن العبادة لا تقتصر عن نوعها الخاص الذي رسم الدين إطارها، وحدد شعائرها؛ كالصلاة والصوم والزكاة والحج، بل إنه في كل حياته عابد كما أراد الله بالمعنى العام والخاص معا، فاجتماعياته عبادة يفعلها لله رب العالمين، والسعي في معايشه، والتعاون مع أهله عبادة يؤديها ويلتزم بها؛ لأنها من حقيقة دينه.
والقرآن الكريم يقرن من خرج مجاهدا في سبيل الله بمن خرج سعيا على المعاش فيقول تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ٥.
إن هذا الفهم الأصيل يجعل العابد في علاقة خيرة مع الناس، فيعود المريض، ويطعم الجائع، ويسقي العطشان، ويرفع الأذى من طريق الناس، ويدفع إلى السعي
_________________
(١) ١ سورة المجادلة الآية ٧. ٢ سورة آل عمران الآية ١٩١. ٣ صحيح البخاري ج٩ ص١٣٩. ٤ سورة السجدة الآية ١٦. ٥ سورة المزمل الآية ٢٠.
[ ٥٧٧ ]
والضرب في الأرض، وهكذا، يؤديها الداعية بهذا الفهم وبتلك النية ويسلمها لله رب العالمين.
وعبادة الداعية كما هو المطلوب استغراق كامل في عالم الروح؛ لأنها عنده لذاتها فتربطه تلقائيا بالله، وتبرزه كحقيقته خاضعا لربه، محبا هائما في تعلقه به؛ لأنه بإيمانه أشد حبا لله؛ لأنهم كما عرفهم ربهم بقوله: ﴿أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ ١، والدعاة عباد الله بحق ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَه﴾ لأن الله يحب المتقين، والمحسنين الصابرين.
ومع هذه العاطفة الصادقة من الداعية لا يملك أمام أمر الله إلا السمع والطاعة، ويبحث عن المعروف ليفعله، ويأمر به، وعن المنكر ليجتنبه، وينهى عنه، وبسبب استغراق الداعية في ذكر ربه الحبيب إليه كانت العبادة أعظم علاج لراحة نفسه، ونسيان آلامها، كما أنها أعظم وسائل الشكر تحقق الهدوء التام، ألا تراها كانت علاجا لرسول الله ﷺ يوم أن أكثر القوم من أكاذيبهم ومفترياتهم حتى ضاق صدره بما يقال، فوجهه الله إليها علاجا له فقال: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ، وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ ٢، ووجهه إليها كذلك إذا أحس بالنصر والفوز شكرا ورضًا، فقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ، وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ ٣.
والعبادة بدورها لا تجد عسرا في القيام بمهمتها في الشدة أو الرخاء؛ لأنها تعايش إنسانا منفعلا بها، ومسلما بأنه مخلوق يتصرف كإرادة الخالق ويؤمن أنه ﴿مَا
_________________
(١) ١ سورة البقرة الآية ١٦٥. ٢ سورة الحجر الآيات ٩٧-٩٩. ٣ سورة النصر.
[ ٥٧٨ ]
أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ١.
إن هذا الإيمان الراسخ "من الداعية" الذي استتبع عبادة مخلصة صادقة، وحبا هائما شاملا، يؤدي بصاحبه حتما إلى التوكل الدائم على الله، والاستسلام له بلا تردد؛ لأنه ما دام قد ثبت في نفسه ثبوتا جازما أنه لا فاعل إلا الله، واعتقد فيه تمام العلم وتمام القدرة على كفاية العباد، ثم تمام العناية والرحمة بجملة العباد وآحادهم، وأنه ليس وراء منتهى قدرته وعلمه ورحمته قدرة ولا علم ولا رحمة، فإنه متكل لا محالة على الله، مستمر في انفعاله الروحي الصادق؛ لأن الله معه في كل آنٍ وحال.
ولتمام توكله نجده يسلم أمر رزقه إلى الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِين﴾ ٢، ويترك كل شيء لإرادة الله؛ لأن المسألة هي: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ ٣، ويشكر النعم ويصبر على المكروه: ﴿وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ ٤.
وعلى الجملة، فإن المرء كما يقول الحكيم الترمذي: "من نور الله قلبه بالإيمان قويت معرفته، واستنارت بصيرته بنور اليقين، فاستقام قلبه، واطمأنت نفسه، وسكنت، ووثقت، وأيقنت، وسعدت بربها الخالق، وائتمنته على نفسها، فرضيت به وكيلا، وتركت التدبير عليه، فإن وسوس له عدوه بالرزق والمعايش لم يضطرب قلبه ولم يتحير؛ لأنه قد عرف أن ربه قريب، وأنه لا يغفل ولا ينسى، وأنه رءوف رحيم، وأنه حليم ودود، وأنه رب عفو غفور، وأنه عدل لا يجور، وأنه عزيز لا تمتنع منه الأشياء، وأنه يجير ولا يجار"٥.
_________________
(١) ١ سورة الحديد الآية ٢٢. ٢ سورة الذاريات الآية ٥٨. ٣ سورة يوسف الآية ٦٧. ٤ سورة إبراهيم الآية ١٢. ٥ الرياضة وأدب النفس ص٩٣.
[ ٥٧٩ ]
وبهذه الصلة الصادقة مع الله تكتمل عقيدة الداعية، فيكون خيرا في كافة الجوانب، ويملك القدرة على الدعوة والبلاغ، وحينئذ يمكنه أن يفيض على الناس بما امتلأ به، فكل إناء بما فيه ينضح، والظل في استقامته وامتداده يشبه أصله.
إن داعية متمتعا بهذا اليقين يخدم الدعوة أكثر من آلاف ضعف إيمانهم، وهذلت عقيدتهم؛ لأن هؤلاء الآلاف يضرون ولا يفيدون، وقد أتى الإسلام من قبلهم.
[ ٥٨٠ ]
ثانيا: توثيق ارتباطه بالناس
لا يقف أمر الداعية عند تحسين صلته بالله على نحو ما سبق، فإن ذلك يفيد شخصه أولا وهو مستوى يحتاج إليه كل من أسلم وجهه لله وهو محسن، وإنما على الداعية أن يحسن صلته بالناس، فمعهم تكون دعوته، ولهم ينشرها، وبهم يحقق نصرها وفوزها، وهذه الصلة الاجتماعية ضرورية للداعية؛ لأنه:
أولا: أخ للناس استظهر عليهم بالنصح والتوجيه.
ثانيا: محل الثقة والنظر لما له من صفات ولما ينادي من مبدأ.
ثالثا: رائد الجماعة وزعيمهم؛ ولذلك وجب أن يتحلى بصفات تجعله يعيش وسط الناس في فهم وتقدير، ويتآلف معهم في مودة، ويتجلى بما يضعه في الريادة من غير منازعة وشكوك.
والناس جميعا إخوة، ومردهم جميعا إلى عنصر واحد، وهو آدم أبو البشر أجمعين، وعلى الداعية أن يتيقن ذلك، ويعمل على أساس أنه ليس هناك فرق بين إنسان وإنسان بسبب لونه أو طبيعته أو عنصره، وإنما التفاوت بشيء خارج عن ذات الشخص وعنصره؛ كإيمان، أو عمل، أو إخلاص، وهو تفاوت لا يمس الإنسانية في شيء، وقد وضح الله هذه الحقيقة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الحجرات الآية ١٣.
[ ٥٨٠ ]
يقول الزمخشري: إن معنى الآية: فما منكم من أحد إلا وهو يدلي بما يدلي به الآخر، سواء بسواء، فلا وجه للتفاخر والتفاضل في النسب١، وذلك شيء طبيعي؛ لأن الإنسان خلق مكرما، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ٢، يقول الألوسي: أي جعلناهم قاطبة -برهم وفاجرهم- ذوي كرم أي شرف ومحاسن٣، ولهذه الكرامة الإنسانية جاءت النداءات في القرآن الكريم مصدرة بـ ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾ و﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ تنويها بهذه الصفة العامة التي يأخذ منها أي إنسان بقدر ما يأخذ الآخرون سواء بسواء.
إن هذا الفهم عند الداعية يجعله لا يفرق بين إنسان وإنسان في دعوته، ولا يفرق بينهم بسبب غنى أو حسب أو ما شاكل ذلك، فلا يدعو القوي تاركا الضعيف، أو يخص غنيا مهملا الفقير، أو يقصر دعوته على الرجال دون غيرهم؛ وذلك لأن دعوته عامة للجميع، وهو المكلف بنشر هداية الله بينهم، والكل متحاج إليها، بل إن الضعيف الضال أحوج إليها من سواه؛ ولذلك فالإعراض عنه ليس من صفات الداعية المثالي، ولقد أودع الله للدعاة درسا في هذا الباب بما حدث من النبي ﷺ مع عبد الله ابن أم مكتوم، فرغم أن عبد الله كان أعمى مما جعله لا يتحقق عن عمل النبي ﷺ في مجلسه، فدخل عليه طالبا التعليم، في الوقت الذي كان النبي ﷺ مشغولا فيه بتعليم غيره من صناديد قريش، وكونه أعمى يعطيه العذر في عدم تقدير الوقت المناسب للسؤال، وسبق القرشيين في الحضور يعطي النبي ﷺ عذرا في إمهال عبد الله، خاصة وأن عبد الله أسلم من قبل، والقرشيون لم يسلموا بعد، وفي إسلامهم إسلام غيرهم، رغم ذلك فقد عوتب النبي ﷺ في هذا الموقف
_________________
(١) ١ تفسير الكشاف ج١ ص٥٦٩. ٢ سورة الإسراء الآية ٧٠. ٣ روح المعاني ج١٥ ص١١٧.
[ ٥٨١ ]
حتى لا يقال: إنه أهمل عبد الله لفقره وعماه، واهتم بغيره لجاهه وغناه، ولا يبقى هذا القول بعد ذلك بداية سيئة يهتم فيها الدعاة بالأشياء الظاهرة ويفرقون بين بعض الخلق وبعض بما ليس لهم به سبب، فقال تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى، وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى، أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى، أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى، فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى، وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى، وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى، وَهُوَ يَخْشَى، فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى﴾ ١.
إن النبي ﷺ في هذا الموقف كله كان يعمل للدعوة، ويسعى إلى إسلام القوم وتزكيتهم، باذلا من نفسه جهدا وعملا، كما تفيده التاء في "تصدى"، والقوم الذين تصدى لهم النبي ﷺ هم: عتبة، وشيبة -ولدا ربيعة- وأبو جهل، والعباس بن عبد المطلب، وأمية بن خلف، والوليد بن المغيرة، وهم قادة مكة ورؤساؤها، مما جعل الرسول يرجو من إسلامهم إسلام غيرهم٢؛ ولذلك بقي مستمرا في دعوتهم، فلما جاءه عبد الله ودعاه لم يقطع حديثه معهم، وإنما أعرض عنه، فكان العتاب موعظة ترسي مبدأ إسلاميا؛ هو الحرص على كرامة الإنسان مطلقا، يجب الاتعاظ بها والعمل بموجبها.
_________________
(١) ١ سورة عبس الآيات ١-١٠. ٢ تفسير الكشاف ج٤ ص٢١٨.
[ ٥٨٢ ]
الركيزة الثالثة: صفات الدعاة
مدخل
الركيزة الثالثة: صفات الدعاة
الداعية رائد في مجتمعه، يقود بالحسنى، ويدعو إلى الحق والصواب، وينادي بالخير المطلق للناس أجمعين.
وهذه المهمة التي يقوم بها الدعاة تحتاج إلى شخصية ذات مواصفات معينة، تساعد على القيام بهذه المهمة الخطيرة الشاقة.
إن الدعوة فهم دقيق للإسلام، وتقدير صحيح لمخاطبة الناس، ومهارة فائقة لمواجهة المواقف المفاجئة، وذكاء فريد للبيان والتفصيل، والدفاع عن الحق، وإزاحة الشُّبَه والزيوف.
لهذا وغيره أرى حاجة الدعاة إلى صفات تعينهم في تبليغ دين الله للناس، ويمكن تقسيم هذه الصفات إلى أُطُر رئيسية هي:
أولا: صفات التكامل الذاتي، وأهمها الصدق، والأمانة، والإخلاص، والذكاء.
ثانيا: صفات الترابط والمودة، وأهمها الحلم والتواضع، والقناعة، والكرم.
ثالثا: صفات الريادة والتوجيه، وأهمها المشاركة الوجدانية، والقوة، والشجاعة.
وهذه الصفات تحتاج إلى بيان
[ ٥٨٣ ]
أولا: صفات التكامل الذاتي
يبعث الله رسله بعد بلوغهم سن الأربعين؛ لأنه حد الرشد وبلوغ العقل، يقول الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾؛ لأن كمال الرشد يساعد على تكميل الغير، ونحن هنا نشير إلى أهم الصفات البارزة في الشخصية الكاملة؛ لتكون منارة في تنشئة الدعاة، وتوجيههم نحو النجاح في مهمتهم.
إن تأثير داعية واحد، يتميز بالصفات المنشودة، أفضل من تأثير مئات الدعاة الذين اتخذوا الإمامة والدعوة وظيفة يكفيها حضور الأوقات والانصراف من المسجد.
سمعت مرة أحد العلماء يقول: إني أومن بالواحد فظننته يتحدث عن الإيمان بالله تعالى الواحد الأحد.. ولكنه بين أن مقصده الداعية المثالي ولو كان واحدا؛ لأن الكثرة غير المهيأة لا تفيد مثله.
ومع آمال المؤمنين المخلصين أرجو للدعاة أن يكونوا على مستوى دعوة الله تعالى.
[ ٥٨٣ ]
وأهم صفات الكمال الذاتي ما يلي:
١- الصدق:
والصدق فوق أنه في حد ذاته سلوك سامٍ وصفة راقية، فهو منبع الثقة وأساس التسليم؛ لأن الصادق لا يخالف الواقع، وكل قوله مسلم، لا يحوم حوله شك أو تكذيب.
والصدق في الداعية ضرورة؛ لأن ما يذكره ليس رأيا شخصيا، ولا اجتهادا ذاتيا؛ لأنه مبلغ دعوة الله كما جاءت، ومبين لغوامضها، وناقل كل بيان قيل في شأنها، وكل هذا يحتاج إلى صدق في التبليغ، ودقة في النقل والبيان، حتى يتيقن المدعو من أن كل ما يسمعه من الداعية هو رسالة الله، وأن الدعوة كما بدت من قوله هي هي كما تركها رسول الله ﷺ بلا تزيد أو انتقاص.
ولذلك كان من الحِكَم الخالدة في رسالة الإسلام أن أهم صفة اشتهر بها النبي ﷺ هي صفة "الصادق الأمين"، وقد ذكر النضر بن الحارث بعض أوصافه لقومه فقال لهم: "هو أصدقكم حديثا"١.
ولما سأل هرقل أبا سفيان "ولم يكن قد أسلم بعد" عن محمد قائلا: وهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ أجابه: لا. فقال هرقل: أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله٢.
وهذا القول من هرقل يبين أهمية الصدق؛ لأن دعوة الله لا نعلمها إلا من مبلغها، ومن كذب على الناس جاز أن يكذب على الله، أما من التزم الصدق مع البشر فهو صادق حتما مع الله ﷾.
ولما بدأ النبي ﷺ يجهر بدعوته سأل الناس: "لو أخبرتكم أن خيلا تخرج من سفح الجبل، أكنتم مصدقي؟ " قالوا جميعا: ما جربنا عليك كذبا٣، وإنما
_________________
(١) ١ سيرة النبي ج١ ص٣١٩. ٢ صحيح البخاري ج١ ص٥، ٦ - باب بدء الوحي. ٣ صحيح البخاري ج٦ - كتاب التفسير - باب تبت يدا أبي لهب.
[ ٥٨٤ ]
بدأ معهم بإظهار إقرارهم بصدقه ليوضح لهم أن دعوته لهم هي الحق؛ لأنه لم يعهد فيه الكذب قط.
وقد كثرت التنبيهات والتوجيهات في القرآن الكريم والحديث النبوي لالتزام الصدق في كل شيء، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ .
ويقول النبي ﷺ: "عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، والبر يهدي إلى الجنة" ١، بل يصل الأمر في أهمية الصدق إلى جعله أحد الصفات الأساسية للمسلم؛ لأن الإسلام في حقيقته نبذ للأوهام، وبعد عن الباطل، وهو بذلك يتنافى مع الكذب، ومن افتراه ليس مؤمنا كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ ٢.
وسئل النبي ﷺ: أيكون المؤمن جبانا؟ فقال: "نعم"، فقيل: أيكون المؤمن بخيلا؟ فقال: "نعم"، فقيل له: أيكون المؤمن كذابا؟ فقال: "لا" ٣.
وإن كان هذا شأن المسلم على إطلاقه، فما بالك بالداعية الذي هو في أشد الحاجة إلى أن يتبع، وبغير الثقة في صدقه لا يكون هناك اتباع؟! ألا ترى إخوة سيدنا يوسف ﵇ حينما احتجز أخوهم "بنيامين" عند يوسف ﵇ ذهبوا إلى أبيهم قاصين، ومن أجل أن يثق في قولهم قالوا: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ٤، بل إن رسل الله إلى لوط ﵇ يقولون له: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ ٥، فتجدهم يظهرون صفة الصدق لمحدثهم على وجه التأكيد فيها؛ ليكون ذلك أدعى إلى السماع،
_________________
(١) ١ موطأ مالك ج٤ ص٢٢٧ - ما جاء في الصدق. ٢ سورة النحل الآية ١٠٥. ٣ موطأ مالك ج٤ ص٢٢٨ - ما جاء في الصدق والكذب. ٤ سورة يوسف الآية ٨٢. ٥ سورة الحجر الآية ٦٤.
[ ٥٨٥ ]
وأسرع في الموافقة، لا فرق كما هو مذكور بين الملائكة والبشر؛ لأن الإقناع لا يتم إلا بالأمر الواقع، ويعيش التصديق دائما مع الحق والثبات، ومن أكثر من الدعوة حاجة إلى الإقناع والثبات!!!
صحيح أن الدعوة تحمل في طياتها عناصر الثقة بها، من واقعية في التشخيص ودقة في الإسعاد، لكن هذا لا يعفي الداعية من ضرورة الثقة فيه أيضا؛ لكي تصغى إليه الآذان، وتسمع العقول، وتفكر الأفئدة، وبعدها يكون قد أدى ما عليه.
٢- الأمانة:
ومما يلازم الصدق صفة الأمانة الشاملة لكل ما يقوم الإنسان به تجاه نفسه وتجاه الناس، من قول أو عمل، ومن أكبر الخيانات أن تكذب الحديث؛ حيث يقول ﷺ: "كبرت خيانة أن تحدث أخاك حديثا هو لك به مصدق، وأنت له به كاذب" ١؛ ولذلك أمر الله المسلم بألا يخون في أي جانب من الجوانب؛ حيث قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ ٢، وكما ارتبط الإيمان بالصدق فهو يرتبط بالأمانة، ويجب أن يشتهر الداعية بالأمانة كما اشتهر بالصدق عند الجميع: من أسلم ومن لم يسلم؛ ليتحقق خير كثير للدعوة.
٣- الإخلاص:
يحتاج الدعاة إلى الإخلاص لله تعالى وهم يبلغون دينه..
والمقصود بالإخلاص أن يكون العمل كله لله، لا يداخله غرض آخر، وأن يبحث في كل أقواله وأعماله وأحواله عن مراد الله، وتوجيهه فيما سيقوم به.
وقدوته في ذلك رسول الله ﷺ، الذي عاش عمره للدعوة ولم ينظر لشيء آخر.
عرض عليه كفار مكة المال والملك والسلطان والمرأة ليترك الدعوة، فكان رده واضحا بأنه لن يتركها ولو ملكوا قوى الكون وأعطوها له في يده، وتحت تصرفه.
_________________
(١) ١ البخاري - الأدب المفرد. ٢ سورة الأنفال الآية ٢٧.
[ ٥٨٦ ]
ولصدق إخلاصه ﷺ لدعوة الله تعالى تحمَّل في سبيلها الكثير، فقد أوذي في نفسه، وولده، وسائر جوانب حياته، وظل صابرا محتسبا، راجيا رضوان الله تعالى؛ لذلك وجب على الدعاة أن يعيشوا للدعوة، وبخاصة أن الله تعالى قد يسر لهم أمر المعاش في هذا العصر.
إن الداعية المخلص لرسالته مسئول عن:
- العلم بالدعوة: وذلك لا يتأتى إلا بالقراءة الدائمة والتعلم المستمر، وليجعل للكتاب نصيبا من حياته، يعود إليه أثناء تحضير درسه، وإعداد خطبته.
ومن المعلوم أن الداعية يعرض دعوته جزءا جزءا، وعليه حينئذ أن يعد لكل جزء عدته بالقراءة والفهم والإعداد.
- تخير الوسيلة: وهذا يحتاج إلى النظر في كافة الوسائل الممكنة لتخير المفيد منها، فقد يكون المفيد كتابا، أو حوارا، أو مصاحبة، أو حديثا مطولا.
وله في رسول الله ﷺ أسوة، فلقد دعى خديجة ﵂ بالعمل، ودعا أبا بكر بالكلمة الموجزة، ودعا غيره بالخطبة المطولة، أو برؤية العمل والتطبيق وهكذا.
- تحمل المشاق: يلاقي الدعاة في أعمالهم عديدا من العقبات، بعضها من المدعوين وبعضها من غيرهم، من شياطين الإنس والجن.. وقد عشنا مع رسل الله عليهم صلوات الله وسلامه، ورأينا المعاناة التي قابلتهم أثناء قيامهم بالدعوة إلى الله تعالى.. ومع ذلك لم تلن لهم قناة، ولم تضعف لهم عزيمة، واستمروا على إخلاصهم في الدعوة إلى الله تعالى.
على هذا يجب أن يستمر الدعاة غير مبالين بما يعترضهم من مشاق، محتسبين ذلك لله رب العالمين.
٤- الذكاء والبديهة: يتعرض الدعاة لمواقف تحتاج منهم إلى بديهة متوقدة تمكنهم من إيجاد الحل المناسب لها، في إطار المشروعية الإسلامية، وبسرعة خاطفة، منعا
[ ٥٨٧ ]
لنشر الملل مع المدعوين.
إن الذكاء العادي والذاكرة الضعيفة تضر أكثر مما تفيد في بعض الأحيان، وكثير من العباقرة فقدوا تفوقهم بسبب بطئهم في التفكير، وإيجاد الحلول، ومعالجة المواقف؛ لأن الإنسان قد يكون مثقفا، غزير المادة.. ومع ذلك يرتج عقله، وتخونه ذاكرته، إذا صادف موقفا حساسا مفاجئا.
وقديما قالوا: "إن المرء بأصغريه: قلبه ولسانه".
ذهب غلام مع وفد قومه لتهنئة عمر بن عبد العزيز، ولما وقفوا بين يدي الخليفة اشرأب الغلام للكلام.. فقال عمر: يا غلام، ليتكلم من هو أسن منك.
فقال الغلام: يا أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، فإذا منح الله عبده لسانا لافظا، وقلبا حافظا فقد أجاد له الاختيار، ولو أن الأمور بالسن لكان هاهنا من هو أحق بمجلسك منك.
فقال عمر: صدقت١.
والقلب الحافظ لا يكون إلا من ذاكرة حسنة، وبديهة حاضرة..
وقد درس علماء النفس ظاهرة ضعف الذاكرة، فوجدوها ضارة بالإنسان، وخاصة الإنسان العادي.
يقول "كارل سيشور": إن الرجل العادي لا يستخدم أكثر من عشرة في المائة من قدرته الموروثة في الاستذكار، ويضيع منه تسعون في المائة بإهماله قوانين التذكر الطبيعية٢.
إن العلم هبة إلهية يعطيها للمتقين من عباده، كما يقول تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ .
ويقول الإمام الشافعي:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ونور الله لا يعطى لعاصي
_________________
(١) ١ الشخصية ص٢٢. ٢ التأثير في الجماهير ص٦١.
[ ٥٨٨ ]
وأهل التصوف يشعرون بالإلهام الإشراقي، ويذكرون أن أهل الله يكون الله معهم دائما عونا ونصيرا.
ومع أن الأمر هبة إلهية، فإننا نطالب بالأخذ بالأسباب ومطرد العادة.
أراد النظام أن يوجه ولده إبراهيم للدعوة إلى الله تعالى، فأحضره إلى الخليل بن أحمد، فقام الخليل باختبار ذكائه، والوقوف على درجة بديهته، فأحضر كأسا، وقال له: صف هذا الكأس.
فقال إبراهيم: بمدح أم بذم؟!
فقال الخليل: بمدح.
فقال إبراهيم: تريك القذى، ولا تقبل الأذى، ولا تستر ما وراء.
فقال الخليل: بذم.
فقال إبراهيم: يسرع إليها بالكسر، ولا تقبل الجبر.
وهنا أخذ يعلمه ويوجهه لما رأى فيه من فطنة وذكاء.
ومن هذا الباب أيضا أن الحافظ العراقي لما ذهب إلى شيح بن البابا؛ ليتلقى عنه الحديث، اختبره أولا حيث قال له: من ابن البيع؟
قال الحافظ: الحاكم أبو عبيد الله النيسابوري.
فقال له: من أبو محمد الهلالي؟
قال: سفيان بن عيينة.
قال له: هلم يا بني، وعرف مكانته من الوعي والإدراك، واستعداده للتعلم، وعلمه.
إن مثل هذا الاختبار يتم اليوم في عدد من الدراسات المتخصصة التي تبدأ من وقت مبكر؛ كدور المعلمين والمعلمات، ومعاهد الخدمة الاجتماعية، والمدارس العسكرية المتنوعة، وذلك كله لينجح الطالب بعد تخرجه فيما يوكل إليه من أعمال.
وقد أدرك قدر هذا الاختبار المبكر مع الاختيار أصحاب المذاهب الوضعية
[ ٥٨٩ ]
ورجال الأديان الأخرى، فعملوا به وأخذوا يعدون لباطلهم دعاة فيهم الذكاء والنشاط والإخلاص وغير ذلك من الصفات التي تنتشر بها الأفكار والعقائد.
وإعداد الدعاة إلى الإسلام يجب أن يندرج في هذا الخط الطبيعي؛ حيث يختارون في سن مبكرة، وتختبر مستوياتهم الذهنية وقدراتهم الشخصية؛ ليسهل إعدادهم، ويكونوا بعد تخرجهم على مستوى واجب الدعوة، وأهمية العمل لها.
[ ٥٩٠ ]
ثانيا: صفات الترابط والمودة
تأليف القلوب عملية أساسية في الدعوة إلى الله تعالى؛ ولذلك وجب على الداعية أن يهتم بهذا الجانب الحيوي في نشاطه؛ ليرتبط مع الناس في مودة وإخلاص.
ويعتمد هذا التأليف على ملامح شخصية الداعية؛ ولذا نوصي بضرورة تميزه بالصفات التالية:
١- الحِلْم:
والحلم صفة هامة للداعية تجمع القلوب، وتذيب الإحن، وتعطي له قدرا كبيرا من الصلابة في مواجهة أشد المواقف وأحلكها، وهو أول ما يمتحن به الخلق الحسن؛ لأنه يقرب الغريب، ويذهب العداوة.
وهل يستوي الحلم والتهور؟ أبدا لا يستويان؛ لأن الحلم سيد الأخلاق، والحقيقة أنه: ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ١.
والحلم ليس دليل ضعف أبدا، بل هو الدليل على القوة، والمالك لنفسه عند الغضب هو القوي في الحقيقة، يقول النبي ﷺ: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" ٢.
والإسلام رغم أنه يعطي للنفس حقها في مقابلة السوء بمثله؛ حيث قال تعالى:
_________________
(١) ١ سورة فصلت الآية ٣٤. ٢ موطأ مالك ج٤ ص٩٥ - ما جاء في الغضب.
[ ٥٩٠ ]
﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ .. وهذا شيء طبيعي يتفق مع غريزة الإنسان في الانتقام والانتصار، إلا أن الأسمى من الانتصار هو أن يكون المرء حليما يعفو عند الإساءة، فقال تعالى عقب هذا الجزاء المثلى: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وكون الأجر على الله يختم العفو إلى درجة كبيرة.
ولضرورة هذه الصفة للداعية أمر الله رسوله بها فقال له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ١، وقاله له: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢.
وعلى الدعاة أن يهتموا بالحلم والعفو ليصلوا إلى غرضهم، ولا يجعلوا همهم الغضب والانتقام؛ لأن ذلك ينفر المدعوين منهم ولا يحببهم في استماع الدعوة وتفهمها، يقول الإمام الغزالي: "أما حسن الخلق بعد العلم والورع فضرورة؛ ليتمكن من اللطف والرفق، وهو أصل الباب وأسلمه، والعلم والورع لا يكفيان فيه، فإن الغضب إذا هاج لم يكف مجرد العلم والورع في قمعه ما لم يكن في الطبع قبوله، وعلى التحقيق فلا يتم الورع إلا مع حسن الخلق، ومقدرة صاحبه على ضبط نفسه وقت الشدة والغضب، وبه يصبر الداعي على ما أصابه من دين الله، وإلا فإذا أصيب عرضه أو ماله أو نفسه نسي الدعوة، وغفل عن دين الله، واستغل بنفسه، بل ربما يقدم عليه ابتداء لطلب الجاه والاسم"٣.
يقول الشيخ ابن علوي الحداد: "على الدعاة أن يكونوا على نهاية من: الصبر، والاحتمال، وسعة الصدر، ولين الجانب، وخفض الجناح، وحسن التأليف، وإن دخل عليهم شيء من أذى الجاهلين، عليهم أن يصبروا، ويعرضوا، ويقولوا خيرا؛ لأنهم من عباد الرحمن الذين إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما"٤.
_________________
(١) ١ سورة الأعراف الآية ١٩٩. ٢ سورة المائدة الآية ١٣. ٣ الدعوة التامة ص٩. ٤ الإحياء ج٢ ص٢٩٢.
[ ٥٩١ ]
ويقول ابن تيمية: "ولا بد في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الرفق، ولا بد أن يكون الداعية صبورا على الأذى، فإنه لا بد أن يحصل له أذى، فإن لم يصبر ويحلم كان ما يفسد أكثر مما يصلح"، وينقل ابن تيمية ما قاله القاضي أبو ليلى: "لا يأمر ولا ينهى إلا من كان رفيقا فيما يأمر به، رفيق فيما ينهى عنه، حليما فيما يأمر به، حليما فيما ينهى عنه"١.
ويكفي الدعاة أن يتعلموا من توجيهات القرآن الكريم المؤكدة نحو الحلم والعفو؛ حيث قال تعالى: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢.
٢- التواضع:
والتواضع أحد الصفات الأساسية التي تساعد على المعاشرة الحسنة؛ لأن المتواضع يعيش مقدرا لنفسه وللناس، ومقدرا من الآخرين، ومن هذا المنطلق لا يبدو متعاليا قط، ولا يكون وضيعا أبدا، ويشعر أن المساواة الأصيلة هي الروح المسيطرة، فيألف ويؤلف ويأنس ويؤتنس به.
ويستقر التواضع في النفس بسبب يقينها بأنها والناس جميعا من نفس واحدة، وما انقسمت إلى القبائل والشعوب إلا لأجل التعارف واللقاء والتآلف؛ حفاظا على ما يمليه الإحساس الواقعي بالأصل الواحد، واتباعا لتعاليم الرب الواحد الذي كفل للناس فرصة متكافئة، فلا يتمايزون بخلقتهم أو لونهم أو ثقافتهم، وإنما يكون التمايز تابعا للإيمان والعمل، وحتى مع التميز بالإيمان والعمل فإن الواجب على المؤمن أن يتمسك بالتواضع حتى النهاية لما يحققه من فائدة، انظر ما قاله الله تعالى لتأصيل هذه الحقائق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ ٣.. فالجميع من
_________________
(١) ١ الحسبة في الإسلام ص٢٨١، ٢٨٢. ٢ سورة النور الآية ٢٢. ٣ سورة الحجرات الآية ١٣.
[ ٥٩٢ ]
أصل واحد والتفرق للتعارف، والكريم هو التقي، والذي يحكم بالدرجة الصادقة هو الله العليم الخبير، أما هذا الذي يتعالى حتى ولو بتقواه فلا يعتد به؛ لأنه زكى نفسه مخالفا أمر الله القائل: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ ١.
والداعية الذي جعل همه الدعوة إلى الله، يجد نفسه ملتزما بالتواضع؛ ليتمكن من التماس طريق الله الذي دعا إليه عباده الصالحين؛ ليتحقق له كل ما وعد الله به، من تمتع كامل بالدنيا، ومن تمتع عظيم بالآخرة، فإن الواقع أن: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ ٢.
والتواضع يمكن صاحبه من الاستفادة بكل آيات الذكر والكون؛ لأنها لن تصرفه عن فهمه لتواضعه، كوعد الله القائل: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ ٣، فبين أن عقول المتكبرين وحدهم هي التي لا تفهم ولا تعي، فيجادلون في الحق بعد تبينه، ومهما عرضت لهم الآيات الواضحات -كونية أو قولية- لا يرونها، ذلك حالهم، وحال المتكبرين دائما ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾، وإنما فقدوا كل هذا لأنهم بالتكبر بعدوا عن رحمة الله وحبه ﴿إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ وبفقدهم هذا الحب لا يجدون أي حب من الناس؛ لأن الملائكة تنادي أرواح البشر: أن الله يبغض فلانا فأبغضوه، وسيجدون أنفسهم بعد ذلك في عزلة من الناس، وهذا مما لا يرضاه داعية لنفسه.
فعلى الداعية أن يلتزم التواضع ليقرب من الناس؛ لأن دعوته في حاجة إلى صلة مستمرة بهم، وعليه أن يكون قريبا إلى قلوبهم وأرواحهم، والتواضع هو ضمان ذلك كما بينته الحقائق الدينية التي عاشها النبي ﷺ تطبيقا على نفسه، وتوجيها لمن بعده
_________________
(١) ١ سورة النجم الآية ٣٢. ٢ سورة القصص الآية ٨٣. ٣ سورة الأعراف الآية ١٤٦.
[ ٥٩٣ ]
من المؤمنين، اقرأ هذه الأمر إلى رسول الله ﷺ: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١، والمس منه التوجيه الواجب إلى التواضع؛ لأنه بهذا الخفض يقربهم، ويوجه عقولهم وأرواحهم، وكان النبي ﷺ لا يتعالَى على أحد من أصحابه، بل يجلس معهم ويعرفهم أنه كأحدهم في كافة شئون حياته، وإذا ما مر بصبيان صغار وقف وسلم عليهم، فلقد مر أنس على صبيان فسلم عليهم وقال: كان النبي يفعله٢، بل إنه يوضح لأصحابه تواضعه فيما قام به من عمل، فيقول ﷺ: "ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم"، فلما سأله جابر عن نفسه قال: "وهل من نبي إلا وقد رعاها! " ٣.
وعلى الدعاة أن يلتزموا بالتواضع الكامل حتى يتمكنوا من تأدية دورهم، ويضربوا في هذا المجال صورا عملية كثيرة.
٣- القناعة والزهد:
الزهد الصادق يتبعه قناعة بما أوتي، وعفاف عما في أيدي الناس، ولا تقف النفس الكريمة بصاحبها عند الزهد والقناعة والعفاف، بل إنها تطبعه بطابع السخي المعطي حين يجد الذي يعطيه غير منتظر علم أحد أو شكره؛ لأنه أنفقه لوجه الله، ولا ينتظر ثوابا إلا من الله، وما ذلك إلا لإيمانه بحقائق القرآن الذي يتلوه ويرشده، والتي منها: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ ٤.
إن الداعية في أمس الحاجة إلى نفس زاهدة تؤمن بالزهد، وتعرف فضيلته، وترى أن
_________________
(١) ١ سورة الشعراء الآية ٢١٥. ٢ رياض الصالحين ص١٧٤. ٣ صحيح البخاري ج٤ ص١٩١ - كتاب بدء الخلق - باب يعكفون على أصنام لهم. ٤ سورة البقرة الآية ٢٧٢.
[ ٥٩٤ ]
"هذه الحياة الدنيا ليست دار التمتع الكلي، ولكنها فترة مؤقتة تنبني عليها كل سعادة الآخرة" ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ١، وبذلك فليس الهدف منها التلذذ من الشهوات والمطعم، وليس هو شأن المؤمنين أبدا، أما الكافرون فإنهم ﴿يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ﴾ ٢، وبهذا الزهد لا يكون المؤمن منعما في تصرفه، وفي الوقت نفسه لا يحرم من الدنيا ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ ﴿وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ .
هذه الحقائق ترسخ في نفس الداعية فيعطي بلا حد، ويعلم أن الله سيخلفه ويعوض عليه بالنجاح في دعوته.
٤- الكرم والسخاء:
والكرم والسخاء صفة من أهم صفات الداعية؛ حيث تقرب القلوب النافرة وتمهد العقول للطاعة؛ ولذلك كان من أُولَى الأوامر الأخلاقية للرسول ﷺ ﴿وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ ٣ أي: لا تعطِ مستكثرا ما أعطيت للناس، فنجده ﷺ يعطي عطاء من لا يخشى فاقة، وكان كما وصفه ابن عباس "أجود الناس"٤، ولم يقل ﷺ "لا" عن شيء سئل فيه٥، ولا يكفي في الكرم العطاء المادي وقت وجود المال، فـ"ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غني النفس"٦، بل لا بد من نفس كريمة استجمعت كل خواص الكرم وأصالته في كافة حالاتها.
_________________
(١) ١ سورة الشعراء الآية ٢١٥. ٢ رياض الصالحين ص١٧٤. ٣ سورة المدثر الآية ٦. ٤ صحيح مسلم ج٧ ص٧٣. ٥ صحيح مسلم ج٧ ص٧٣. ٦ صحيح البخاري ج٨ ص١١٨.
[ ٥٩٥ ]
ومن هنا نجد القرآن الكريم يعلم المؤمنين الالتزام بمكارم الأخلاق، غير عابئين بما يعترضهم من عقبات، ويعد الكرم أحد الاسباب التي حببت الناس في رسول الله ﷺ، يقول علي: "كان رسول الله أجود الناس كفا"، ومن المعروف أن الإنسان عبد الإحسان؛ ولذلك يُروى أن رجلا أتى النبي ﷺ وسأله فأعطاه غنما بين جبلين فرجع إلى قومه مسلما وهو يقول لهم: "أسلموا، فإن محمدا يعطي عطاء ما يخشى فيه الفاقة"١.
_________________
(١) ١ الشفا ج١ ص٢٣٨.
[ ٥٩٦ ]
ثالثا: صفات الريادة والتوجيه:
والداعية لا يكتفي بالمودة مع الناس؛ لأنه صاحب رسالة يعمل لنشرها فيهم، ويهديهم بها، وذلك لا يتأتى له إلا إذا تمتع بشخصية مؤثرة فيها قدرة الجذب النفسي، ومنها يقبل التوجيه والريادة، على أن هذه الشخصية لا بد أن تمتلك مجموعة من الصفات ذات التأثير والريادة، ومنها:
١- المشاركة الوجدانية:
وهي صفة هامة للداعية، تجعله يعيش حياة الناس؛ ليشعر بشعورهم، وينفعل مع آرائهم وحياتهم، ويتداخل في تقاليدهم وكافة شئونهم بصدق وفهم وتحليل، ويجب أن تأخذ هذه الصفة عنده شكلا عاما بمعنى تواجدها تلقائيا مع الجميع بلا تفرقة بين غني وفقير، أو رئيس ومرءوس، ورفيع أو وضيع؛ لكي يصل بالدعوة إلى الجميع، فإن المشاركة تضفي إحساسا عمليا له قوته في الوصل والتأثير، ومن المعروف أن المشاركة الوجدانية هي الرباط الحريري الذي يصل القلب بالقلب ويربط العقل بالعقل والجسم بالروح١، وهي التي تنشئ كل التصرفات الحسنة والسلوك القويم، وتأثيرها في الحياة الاجتماعية مؤكد بسبب خلوها من الزيف والتصنع، ولأنها
_________________
(١) ١ الشخصية ص٤٠.
[ ٥٩٦ ]
تظهر مع أول مقتض، ولكل أمر، ولا تحتاج إلى عناء كبير لكي تعرف وتدرك؛ لملازمتها القول والسلوك والعمل.
والداعية بها ينتظره الناس ويقدمونه عليهم، فيأخذون رأيه، وينهجون نهجه ويجعلونه رائدهم، وما استحق ذلك عندهم إلا بعد أن تأكدوا من الصور العملية لهذه الصفة، فهو حبيب يتمنى الخير للجميع، كما يتمناه لنفسه، فيصل الرحم، ويكرم الجار، ويقري الضيف، ويخلص للجميع، ولا يترك أمرا فيه مصلحتهم إلا ويحث عليه ويبعدهم عن سواه، ودائما تلقاه مهتما بالخير والنفع، فيكرر النصيحة، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وتعاونه مع الجميع يلمسه الجميع، في كثرة ووضوح، وهو في هذا لا ينتظر من الناس جزاء أو شكورا، وكل ما يتمناه أن يجعل الأفهام متفتحة لدعوة الله مقبلة على تدبرها واليقين بها.
والداعية يطبق أشكال هذه الصفة عن اقتناع بها؛ لأنها أوامر دينه إليه، وحياة رسوله ﷺ مع الناس، وإذا كانت هذه مصادر دعوته فهو أحق الناس بتطبيقها.
إن الدروس المستفادة من فهمه لحقيقة الإنسانية، ودعوة الإسلام للتعارف، تحتم المشاركة الصادقة، وجدانيا، وعقليا، وحسيا، ليصنعوا جميعا ما يفيدهم وينفعهم، وآيات القرآن تؤكدها وتحث عليها، انظر قوله تعالى حينما يخاطب القوم بصيغة الجماعة، فإنه لا يفرق بين إنسان وإنسان، ولا بين مؤمن ومؤمن، فالخطاب واحد للجميع؛ إذ ينادي: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وهذا يعلم المشاركة، بل إن القرآن يعلم الناس أن يكون دعاؤهم لأنفسهم ولغيرهم؛ إذ يقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، وهو دعاء في سورة الفاتحة يقرؤه المسلم كل يوم داعيا بصيغة الجماعة إيثارا لغيره، وتبرئة لنفسه من الأنانية، ولأنه شيء يحبه الله ورسوله؛ حيث يقول تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ ١، ويقول إخبارا
_________________
(١) ١ سورة محمد الآية ١٩.
[ ٥٩٧ ]
عن سيدنا إبراهيم ﵇: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ ١، وذلك ليس بدعا، فإن القرآن يمتدح المؤمنين الأُوَل؛ لأنهم تركوا أنانية الذات إلى حب الجميع؛ حيث كانوا لا يدعون للأحياء وحدهم؛ بل يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ ٢، ولم يكن بالقول فقط وإنما بالعمل كان إيثارهم كما يفيده قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٣، فترى الأنصاري ساكن المدينة يحب المهاجر إليه من مكة، بكل صفاء، ويؤثره على نفسه خاصة، وسبب ذلك أن وجداناتهم قد آمنت بهذه المشاركة عن اقتناع، فتمكنوا بعد ذلك من تأسيس مجتمعهم على الحب والخير والمشاركة، وكل ما حرصوا عليه هو أن ينمحي الغل من قلوبهم، وأن يوقفوا شح النفس ليصلوا إلى الفلاح، وذلك درس للداعية.
إن الداعية ملتزم بأن يحسن صلته مع الجميع تنفيذا لأمر الله القائل: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ٤.. يبين الزمخشري في تفسيره هذه الطوائف فيذكر أن ذا القربى كل ما بينك وبينه قربى من أخ أو عم أو غيرهما، والجار ذي القربى هو من قرب جواره، والجار الجنب من بعد جواره، وهو أجنبي، والصاحب بالجنب الذي
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم الآية ٤١. ٢ سورة الحشر الآية ١٠. ٣ سورة الحشر الآية ٩. ٤ سورة النساء الآية ٣٦.
[ ٥٩٨ ]
صحبك في أمر ما أو المرأة، وابن السبيل المسافر المنقطع أو الضيف١، ويجب أن تأخذ هذه الصلة الحسنة أشكالها المتعددة، فهي على الخير والبر المأمور بهما في قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ ٢، وهي نصيحة خيرة وتواص به؛ لأنها من صفاتهم ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر﴾ ٣، وهي أمر بالمعروف ونهي عن المنكر، اللذان هما أساس خيريتهم كما أخبر الله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ ٤، وسبب فلاحهم الذين أمروا به في قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ ٥.
ويجد الداعية أمامه كذلك صورة النبي ﷺ وتطبيقاته لهذه الصفة، فلقد كان قبل البعثة كما وصفته زوجته خديجة: "إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتقري الضيف، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق"٦، وكان يشارك قومه أحداثهم الكبرى، فساهم في حرب الفجار، وحلف الفضول، وبناء الكعبة، وعاشر الرعاة والتجار، والأثرياء، والكبار، والصغار، وكان الجميع يذكرونه ويتوددون إليه، فلما بعث ﵊ تضاعفت اهتماماته بالناس كما وصفه الله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٧.
وكان يوالي الناس بالنصح والإرشاد قاصدا نجاتهم وسعادتهم، وكان ﷺ يسبقهم في كل أعمالهم، ألا تراه في يوم "بدر" يترك ابنته مريضة في المدينة ويذهب إلى الحرب لا ليجلس في العريش
_________________
(١) ١ تفسير الكشاف ج١ ص٥٢٦. ٢ سورة المائدة الآية ٢. ٣ سورة العصر الآية ٣. ٤ سورة آل عمران الآية ١١٠. ٥ سورة آل عمران الآية ١٠٤. ٦ صحيح البخاري ج٩ ص٣٨ - كتاب التعبير. ٧ سورة التوبة الآية ١٢٨.
[ ٥٩٩ ]
الذي بناه له الصحابة خلف الصفوف، بل ليكون في الصفوف، يرمي بالحصا، ويناشد الله، وينظم الصف، حتى أشفق عليه الصديق أبو بكر ﵁ فقال له: بعض مناشدتك ربك، فإنه منجز لك ما وعد، وتنتهي المعركة، ويأتيه خبر وفاة ابنته وهو عائد إلى المدينة.
وكان ﷺ يحاول دائما مصلحة الناس ويتصرف وفق ذلك، ومن ذلك ما ذكره ﷺ: "يا سعد، إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه خشية أن يكبه الله في النار" ١، فهو يعطي هذا إنقاذا له من النار ويترك غيره الأحب.
إنه ﷺ في موالاته النصيحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قد ترك للمسلمين عموما وللدعاة على الخصوص ثروة طائلة تمدهم بالدين كله.
وعلى الجملة، فإن هذه المشاركة بكل جوانبها ضرورية لمن وقف نفسه لدعوة الله حتى يأخذ الصدارة، ويتقدم الصفوف، ويكون ثقة القوم وأملهم، ويبعد عن تهمة الحاقد، وينجو من عداوات المعارضين.
٢- القوة والشجاعة:
وهذه صفة أخرى تساعد على الثقة والقيادة، وهي صفة تنبني على تقدير الشخص لنفسه وفهمه لواقع حياته وأتباعه لتعاليم دينه المؤكدة، فبذلك يبعد تلقائيا عن الذل والضعف، وعن الخوف والاضطراب؛ لأنه يثق في المفاهيم التالية:
أولا: المؤمن يجب أن يكتسب من إيمانه الثقة ويشعر بالتفضيل والكرامة؛ لأنه بالإيمان يؤدي ما عليه ويترك ما عدا ذلك لله الذي يصرف كل شيء: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ج١ ص٩١ - كتاب الإيمان- باب تأليف قلب من يخاف على إيمانه. ٢ سورة الرعد الآية ٨.
[ ٦٠٠ ]
ثانيا: الخلق كله بقبضة لخالق ﷾، وبيده وحده النفع والضرر، وكل الخلق خاضع له، وما على المؤمن إلا أن يقصر خوفه على الله، كما قال تعالى: ﴿فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ ١.
ثالثا: الأجل والرزق محددان تماما بحيث ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُون﴾ ٢، ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ ٣، وقد ثبت أن رزق الرجل يكتب بعد نفخ الروح في المضغة كما يكتب أجله وعمله٤.
وما دامت هذه المفاهيم قد ثبتت عند الداعية فما عليه إلا أن يظهر العزة في كل حياته ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ ٥، وهي عزة ناشئة من الإحساس بالكرامة التي أولاها الله للإنسان على العموم، وناشئة من لذة الإيمان وحلاوته عند المؤمن على الخصوص، فإذا ما بعد الإنسان عن العزة فقد بعد عن الإيمان، ولا يقبل من المؤمن قط عذر إذا سار في مسلك ذليل فإنه بذلك يظلم نفسه وسوف يسأل: ﴿فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ ٦، فلن يقبل منه أنه كان ضعيفا في بلده؛ لأن الأرض كلها لله وهي واسعة، وكان عليه أن يهاجر إلى مكان آمن فيه صيانة لكرامته وحماية لعزته التي يجب أن يتمسك بها بكل شدة، ولن ينقص من قدره شيء، وأن الحقيقة في قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٧.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران الآية ١٧٥. ٢ سورة الأعراف الآية ٣٤. ٣ سورة هود الآية ٦. ٤ صحيح مسلم بشرح النووي ج١٦ ص١٩٢ - كتاب القدر. ٥ سورة المنافقون الآية ٨. ٦ سورة النساء الآية ٩٧. ٧ سورة فاطر الآية ٢.
[ ٦٠١ ]
وليس من العزة أن يظلم الإنسان غيره، أو يطغى عليه؛ لأن العزة خلق ممتاز يتمتع بها من يحافظ عليها لنفسه ولغيره، انطلاقا من فهمه لذاته ولدينه وللحياة.
ومن مستلزمات هذه العزة أن يكون صاحبها شجاعا قويا في شخصه ورأيه؛ لتكون خيرة في ذاتها ومقبولة من كافة العقول.
وقد أراد القرآن الكريم أن يبسط هذا المعنى في الأسماع والعقول فحفل به وأكثر من وصف الله بالقوة؛ ليكون ذلك إيماء إلى المؤمنين بأن يكونوا أقوياء، وكذلك وصف بالقوة جبريل ورسله والمؤمنين حتى يتضح شرف القوة ورفعتها.
ومن القوة المطلوبة أن يملك الداعية القدرة على ضبط نفسه والسيطرة عليها، بل إن ذلك هو كل القوة في الواقع؛ لأن النفس خيرا وشرا تتنوع بحسب قواها، وأحسن الناس من يحكم شهوته وغضبه، فيعطي لنفسه العاقلة زمام أمره، ويتصرف بعيدا عن أي انفعال يفسد عليه وجهته مهما كان حقا.
يقول ابن مسكويه*: "شبه القدماء الإنسان وحاله مع الأنفس الثلاثة بإنسان راكب دابة قوية، ويقود كلبا، فإن كان الإنسان من بينهم هو الذي يروض دابته وكلبه، فلا شك في رغد عيشه وحسن أحواله، وإن كانت البهيمة أو السبعية هي الغالبة ساءت الثلاثة"١؛ ولذلك كنت وصية النبي ﷺ للصحابي الذي سأله النصيحة: "لا تغضب" ٢؛ ليكون قويا بحق، فـ "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد من يملك نفسه عند الغضب" ٣.
ومن هنا يقول ابن المبارك أن المقصود من قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ هو جهاد النفس٤؛ ولذلك فالعزيز هو الذي يحكم نفسه ولا يجعلها
_________________
(١) * يرى ابن مسكويه أن النفس الإنسانية لها ثلاث قوى أي هي أنواع ثلاثة بهيمية "شهوية" وغضبية "سبعية" وناطقة "عاقل" وكل منها له قوته وتحاول التغلب على أختيها، ويرى أن النفس الغضبية تترقى لأنها تقبل الأدب، والبهيمية تحكم فقط لأنها لا تقبله، والإنسان يشرف بالناطقة فقط ويشارك الملائكة ويباين البهائم. ١ تهذيب الأخلاق لابن مسكويه ص٥٥. ٢ موطأ مالك ج٤ ص٩٤ - ما جاء في الغضب. ٣ موطأ مالك ج٤ ص٩٥ - ما جاء في الغضب. ٤ ذم الهوى ص٤٠.
[ ٦٠٢ ]
تميل بالغضب الذي يفسد على الإنسان وجهته، ويحول بينه وبين الرشاد؛ ولذا كان من أهم صفات عباد الرحمن أنهم ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا﴾ ١.
إن سيطرة العقل الهادئ يجعل الإنسان واقعيا في الموقف فيبدي الحجة، ويظهر الرأي، ويصل بالإقناع إلى ما يريد.
ومن هذه القوة إعلان الرأي في ثبات لا يعرف التغيير أو التلون؛ بسبب محاباة أو تحامل؛ لأن هدفه نشر دعوته الحقة المؤيدة بالدليل، وهي محفوظة لا تتغير، ولكنها تغير وتصلح وتعلي، فإظهارها على وجهتها وبشكل مرن هو المطلوب، مهما كان الحال أو الموقف أو القوم، ولا عليه ما دام يتجرد في هدفه ويبعد عن الدعوة أي أثر شخصي محتمل، وللداعية أسوة في رسول الله ﷺ، فلقد أعلن كلمة الله وهو وحده وسط قوم كافرين بها ومعارضين لها، ومع ذلك لم يبال بأعمالهم، لجئوا للتهديد والوعيد، فرد عليهم قائلا لعمه: "لن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه" ٢، ولجئوا إلى محاولة إغرائه فكان ينتهز فرصة قربهم منه ويدعوهم إلى الله، وقاطعوه وقومه فذهب إلى غيرهم من القبائل يدعوهم، ولم يحدث أن غير الدعوة مع تغير الظروف واختلافها، بل كان العذاب الشديد يلحق به وببعض المسلمين، ومع ذلك كان يحث عل الصبر وينتظر الأمل، ويواصل دعوته؛ لأنها الحق، ولا بد أن تعلن.
يقول الزمخشري في تفسيره: "إن المعنى: إن تجتهدوا في إقامة العدل حتى لا تجوروا، وتقيموا شهادتكم لوجه الله تعالى كما أمرتم بإقامتها، ولو كانت الشهادة على أنفسكم، أو آبائكم، أو أقاربكم، ولا تمنع الشهادة بسبب فقر أو غنى"٣.
وعلى الجملة، فإن الداعية إذا جمع الصفات السابقة فإنه يكون قد وضع نفسه في
_________________
(١) ١ سورة الفرقان الآية ٦٣. ٢ سيرة النبي ج١ ص٢٧٨. ٣ تفسير الكشاف ج١ ص٥٧٠.
[ ٦٠٣ ]
الطريق المستقيم لدعوته، وحصن نفسه بأخلاق الألفة والريادة، ولا عليه بعد ذلك إلا أن يملك أفقا يمكنه من فهم الواقع ويستطيع به عرض دعوته على وجهها السليم.
[ ٦٠٤ ]
الركيزة الرابعة: الملاءمة بين الدعوة والواقع
مرت الدعوة في مكة بمراحل متعددة تدور بين السرية في الدعوة، والجهر الخاص، والجهر العام، وكان لكل مرحلة ظروفها الذي حتم صورا معينة في أساليب ووسائل الدعوة.
وحين ننظر إلى الدعوة في العصر الحديث، ونتأمل واقع العالم المعاصر، نرى أنفسنا أمام مجموعة من الحقائق، أهمها:
أولا: يموج العالم بموجات عديدة، ومتعارضة في المذهب، والفكر، والسلوك.
فمن الناحية الفكرية والمذهبية، نرى في كل دين أقلية تلتزم به، وأكثرية تدعيه وتطبق ما يعارضه، وتكتفي بمسميات لا مضمون لها.
والذين يتمسكون بدينهم منقسمون إلى جماعات مختلفة كل منها يدعي الحق لنفسه فقط، ويرى أن ما عداه باطل، ولو كان هذا الانقسام في الفروع لهذا الأمر، لكنه كثيرا ما يكون في الأصول مع أنها واحدة لا تتنوع.
ثانيا: تكتفي الدول الإسلامية برموز إسلامية على أساس أنها الإسلام، فتحافظ على الشعائر الدينية؛ كالصلاة، والصوم، والحج، وتنظم الأحوال الشخصية؛ كالزواج، والطلاق، والميراث، وفق شرع الله تعالى، وتترك ما عدا ذلك لقوانين البشر التي وضعها الناس؛ لأنها تتصور أن تطبيق كافة أحكام الشريعة أمر مستحيل، أو يذهبون إلى عدم تقبل الناس لها.
[ ٦٠٤ ]
ثالثا: سيطرت صورة الحياة الغربية القائمة على الفكر الوضعي على الاتجاهات الثقافية والفنية ومختلف جوانب الحياة الاجتماعية، وتقبل الجمهور ذلك وإن خالف تعاليم الإسلام مخالفة ظاهرة.
رابعا: تعمل أجهزة التوجيه والتثقيف بعيدا عن قيم الإسلام غالبا؛ حيث ترى في أجهزة الإعلام الصور الخليعة، والمسلسلات الهابطة، والقصص والأفلام بمحتواها الضار؛ ولذلك أثره السيئ في التوجيه.
خامسا: برزت طبقات في المجتمع الإسلامي تنسلخ عن الإسلام باسم التنوير والتجديد، وأصبح له صوت وأتباع، وهي ترحب بالفكر الوضعي، وتدافع عنه.
سادسا: تمكن الغرب المسيحي القوي والغني من فرض أنماطه الحياتية على العالم الإسلامي الضعيف، ولم يجد المسلمون أمامهم إلا الخضوع للقوة التي تملك المال والصوت، وكل ما يحتاجه الضعفاء.
وكل مخلص لإسلامه يجد نفسه أمام قوة ترقب عمله، وتحاول هدمه بأساليبها ودهائها.
سابعا: يجد الدعاة أنفسهم تحت المراقبة الدقيقة لقوى العالم المختلفة؛ حيث تحلل كلماتهم، وتقرأ كتبهم، وتتابع حركاتهم وأعمالهم، بحيث لو رأوا خطرا في دعوتهم وعملهم، فإن التصدي لهم يأتي سريعا تحت مسميات عديدة تجعلهم في مصاف الذين يعتدون على حرية الآخرين.
ثامنا: أَلِفَ العامة في المجتمع الإسلامي البعد عن تعاليم الإسلام، وجهلوا الإسلام كله، وصار علمهم بالأفلام والأغاني والأزياء والألعاب الرياضية هو اهتمامهم، وهو ثقافتهم.
لقد راعني شباب وجدتهم يعرفون أسماء ومراكز اللاعبين في الأندية الأوربية وغيرها، وفي نفس الوقت لا يعرفون عن الإسلام إلا قليلا، وجدتهم فخورين بهذه المعرفة، غير عابئين بجهلهم أمور دينهم.
[ ٦٠٥ ]
هذا هو الواقع..
بينما الدعوة حقيقة ربانية، حفظها الوحي، وصانتها قلوب قلة مؤمنة، وتحتاج إلى مَن يتحرك بها، ويبلغها للناس بالحسنى وبصورة محببة، وبمنهج يجعلها تفتح العقول والقلوب، بعيدا عن التصادم والعنف والعدوان.
فهل يا ترى:
يطبق الدعاة منهج المرحلة السرية بما فيها من التخير والانتقاء، وترك العلن، والاكتفاء بالاتصالات الفردية، حتى لا يحدث تعارض ومخالفة.
أم يتبع الدعاة منهج الدعوة الجهرية الأولى بما فيها من الدعوة العلنية مع بقاء جمهور المسلمين في صمته، كل في عمله، لا يشعر بمسئوليته المباشرة تجاه الآخرين.
أم نتبع منهج الجهر العام ليقوم كل مسلم بإعلان الإسلام، والدعوة إليه، وتحمل مسئولية تجاه دين الله تعالى؟
إن الأمر ليس بهذه البساطة التي يتصورها بعض الناس؛ لأنه يحتاج إلى دقة النظر، والتأمل في النتائج، وتحليل الموقف؛ لتكون الدعوة إلى الله متلائمة مع الواقع، ولتخذ الدعاة لكل حالة منهجها المناسب.
فهناك حالات تحتاج إلى السرية، وأخرى يناسبها الجهر الخاص، وثالثة تحتاج إلى الجهر العام.
والداعية هو صاحب القرار في ذلك..
وليكن قرار الداعية واضحا وهو يتخير الموضوع والوسيلة والأسلوب..
فمن ناحية اختيار موضوع الدعوة عليه تحديد ما يريد، وليركز على العقيدة؛ لأنها أساس الدعوة، وعليه أن يكون مع العقيدة ملتزما بقول الله تعالى:
﴿وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت الآية ٤٦.
[ ٦٠٦ ]
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ١.
وحين يتكلم في العقيدة، فإن من الأولى أن يبدأ بالأهم ثم المهم بعده، على ضوء ما يراه مناسبا لدينه، ولمن يدعوهم.
إن غرس التوحيد في القلوب هو أساس العقيدة، وبعده يأتي إثبات الرسالة وأركان العقيدة كلها.
وإذا ما اعتقد الإنسان أطاع كل ما يتفق مع عقيدته؛ لأن أساس البناء هو العقيدة.
ولتكن الصورة البيانية الحسنى هي لباس العرض، وأسلوب الدعوة..
وعلى الداعية أن يدرك أن الدعوة السليمة لا تحتاج إلى السب واللعن، وليس منها العدوان، وسوء الخلق.. مع كافة المدعوين.
وحين يختار الوسيلة فعليه أن يجعلها مناسبة للناس، فمع العلماء يكون الكتاب والمحاضرة والندوة..
ومع متوسطي الثقافة تكون الصحيفة والبرامج التوجيهية..
ومع العامة يكون الجدل، والحوار، والمقارنة وهكذا.
ومع الأسلوب عليه أن يعود للقرآن الكريم يأخذ منه، فلقد كان القرآن الكريم يخاطب بأسلوبه الكفار والمنافقين والمؤمنين، ويناقش الملأ والفقراء، ويتحدث إلى الرجال والنساء، والكبار والصغار وهكذا.
ولذلك كانت الملاءمة بين الدعوة والواقع ضرورة أساسية لنجاح الدعوة.
إن العقيدة أساس البناء، وغرسها في القلوب مهمة الدعاة.. وليكن معلوما للجميع أن الشريعة تأتي تابعة للعقيدة الصحيحة بصورة تلقائية.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران الآية ٦٤.
[ ٦٠٧ ]
الركيزة الخامسة: إدراك مسئولية الدعوة
بمراجعة تاريخ الدعوات الإلهية منذ آدم ﵇ إلى محمد ﷺ نلمس ضخامة الجهد المبذول، والمعاناة التي بذلها الأنبياء لأداء الأمانة التي تحملوها في سبيل الله تعالى.
ولذلك نشير إلى ضرورة إدراك هذه الحقيقة؛ ليقوم الجميع بما يجب عليه إزاء الدعوة.
إن الدعوة إلى الله تحتاج إلى إخلاص المسلمين جميعا، وخير للدعوة أن تتكاتف الأمة كلها في هذا المجال.
لقد رأينا رسول الله ﷺ يقوم بالدعوة، ويقوم معه كل من يدخل في الإسلام؛ ولذلك أخذت الدعوة الصورة الجماعية منذ الجهر بها، ولم يحدث مرة أن الرسول ﷺ كان في اتجاه، وكان المسلمون في اتجاه آخر، ورأينا -كذلك- المسلمين وهم يدعون إلى الله في صورة تقرب الناس إليهم، وتعرفهم الإسلام برفق وهدوء، وتدعو إلى الله بالحسنى والخلق الجميل.
ورأينا أصحاب رسول الله ﷺ رغم الضعف والقلة يقومون بالدعوة ويضيفون للإسلام أتباعا مؤمنين صادقين، فلقد أدخل مصعب بن عمير الإسلام في كل بيوت المدينة، وعاش جعفر بن أبي طالب في الحبشة داعيا محبوبا بين غير المسلمين.
وليس من فقه الدعوة أن يخاطب الناس بما ينفرهم من دين الله تعالى، فلقد علمنا الله أن نقول لأهل الكتاب ﴿وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ﴾ ونقول لهم: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدىً أَوْ فِي ضَلالٍ مُبِين﴾ .
[ ٦٠٨ ]
وليس من فقه الدعوة أن يصطدم الدعاة مع المسئولين، عن طريق التشهير، ونشر النقد بصوت مسموع؛ لأن كثيرا من المسئولين يحتاجون إلى النصح الهادئ، والكلمة الصادقة يسمعونها بخلق الإسلام، وسلوك المؤمنين.
وليس من فقه الدعوة أن يتفرق الدعاة إلى شيع وفرق؛ لأن ضرر هذا أكثر من نفعه، وكيف يتصور الدعاة أنهم ينادون للتوحيد، وهم ينقسمون حتى يتخيل الناس أن لكل جماعة دعوة، وأن لكل فريق إله.
إن أصحاب الهوى والغرض أفسدوا ما بين الدعاة والحكام، فانقسم العالم الإسلامي على نفسه، وأصبح صراعه مع ذاته، وخير للإسلام أن يكون الأمر على غير هذا النمط.
إن من فقه الدعوة أن يكون العلماء والأمراء معا في طريق واحد، لغاية واحدة، وبخاصة أنهم جميعا في الأمة الإسلامية يعملون لله ورسوله.
وإني لعلى يقين من أن العلماء إذا تمكنوا من عرض الإسلام بصورته النقية الصحيحة، بعيدا عن التشنجات المذهبية، والعصبية الفكرية، فإنهم سيحققون به ومعه نهضة إسلامية تفيد العالم كله.
إن ملامح الخطاب الديني الإسلامي يقوم على الأسس التالية:
أولا: أن يكون محدد الموضوع، واضح الهدف، في إطار المشروعية الإسلامية.
ثانيا: الالتزام بشرف الوسيلة، وحسن الأسلوب، وجمال الطلب.
ثالثا: مراعاة حق المخاطب في الفهم، والمناقشة، وحرية اتخاذ ما يرى.
رابعا: ضرورة الالتزام بالمرجعية الإسلامية بمصادرها المعروفة في كل جوانب عملية الدعوة.
ولكل هذا كان إدراك مسئولية الدعوة، والوقوف على أبعاد هذه المسئولية ضرورة هامة لنجاح الدعوة إلى الله تعالى.
[ ٦٠٩ ]
الركيزة السادسة: دور المرأة المسلمة في الدعوة
المرأة نصف المجتمع، أكرمها الله تعالى، وجعلها من الرجل، ومعه ﴿بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ فتحقق لها بالإسلام الحقوق التي كانت محرومة منها.
وقد كلف الله تعالى المرأة بالإسلام، وحدد لها دورها في إطار أسرة كريمة، وفي حركة مجتمع طاهر، ولعل ما نشير إليه هنا دورها في حركة الدعوة إلى الله تعالى، فالمرأة هي أم الرسول ﷺ، وهي التي أرضعته، ونشأته وأشرفت على تربيته.
وهي زوجة الرسول، آمنت به، وصدقت برسالته، وأغنته بمالها، ويسرت له الطريق بأمر الله تعالى، فكانت خير عون على تبليغ الرسالة.
لقد كانت خديجة ﵂ بأمر الله خير معين لرسول الله ﷺ تتبع خبره، وتطمئن عليه، وتسعى لتعرف حقيقة ما كان يراه الرسول ﷺ في مبدأ بعثته ﷺ.
ولقد شاركت المرأة العربية في مكة في حركة الدعوة منذ البداية.. وها هي زوجة عمار، تتحمل الأذى في سبيل الله تعالى، وتقبل الموت راضية مرضية؛ لتصير أول شهيدة في الإسلام.
وهناك عدد من السابقات إلى الإسلام، منهن من هاجر إلى الحبشة، ومنهن من هاجرت إلى المدينة، ومنهن من بقيت صامدة في مكة.
وقد اشتركت امرآتان في بيعة العقبة الثانية، وبايعتا رسول الله بيعة الحرب، وصدقتا في بيعتهما، فلقد سقطت أم عمارة جريحة في غزوة أحد، وفي جسدها اثنا عشر جرحًا.
وتلك إشارات تؤكد دور المرأة في حركة الدعوة إلى الله تعالى، ويجب على المسلمين تنشئة بناتهم على الإيمان الصادق، وحب الدعوة إلى الله، ومداومة الأمر
[ ٦١٠ ]
بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ لتكون المرأة هي المدرسة الصالحة لتخريج جيل صالح مؤمن.
والمرأة في العصر الحديث يمكنها أن تؤدي للدعوة خدمات جليلة عن طريق أبنائها وبناتها، ويمكن أن تحيط أسرتها بسياج يحميها من أي فساد في الخلق والسلوك.
ويمكن للمرأة المسلمة أن تحول بيتها إلى مركز للإشعاع والخير لأولدها ولجاراتها وصديقاتها، فتسفيد بأوقات الفراغ في مدارسة فكرة دينية، أو حفظ آية قرآنية، أو قراءة حديث نبوي شريف.
إن المرأة المسلمة يمكنها عن طريق الاشتراك في الجمعيات الخيرية والوطنية من تقديم الإسلام عمليا لأخواتها، وبذلك تكون سببا في تعليم الإسلام للناس.
إن الفراغ عند المرأة كثير، وبدل أن يضيع في متابعة الأفلام، والمسلسلات، والجلوس الطويل أمام التليفزيون، يمكنها أن تحول بيتها إلى مدرسة صغيرة، تتلى فيه آيات الله والحكمة، وذلك فضل يوفق الله من يشاء من عباده له.
إن الإسلام لم يقف حائلا أمام المرأة أبدا، فهي نصف المجتمع، وأمها وأخواتها وبناتها وصديقاتها وجيرانها في حاجة إليها.
ويوم أن تقوم المرأة المسلمة بواجبها فإنها تقدم عملا عظيما للمجتمع وللناس.
ولم يبخل الإسلام على المرأة بعلم أو تعليم، فطلبها العلم فريضة كطلب الرجل له، وقيامها بالتدريس والدعوة أمر مقرر في دين الله تعالى، وها هي السيدة عائشة ﵂ تروي الأحاديث لأصحاب رسول الله ﷺ وأتباعه، وكانت مصدر فتوى للمسلمين، ولقد شاركت في الحياة العامة والأنشطة العملية.
ومن هنا نؤكد على ضرورة اشتراك المرأة المسلمة في حركة الدعوة استنباطا من سيرة رسول الله ﷺ وحركته بالدعوة إلى الله تعالى.
[ ٦١١ ]