أَوْ يَجُوزُ عَلَيْهِ وَمَا يَمْتَنِعُ أَوْ يَصِحُّ مِنَ الْأَحْوَالِ الْبَشَرِيَّةِ أو يضاف إليه.
في بابين وخمسة وعشرين فضلا
[ ٢ / ٢٢٣ ]
مُقَدِّمَةُ الْقِسْمِ الثَّالِثِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ.. «١»» الْآيَةَ
وَقَالَ تَعَالَى: «مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ.. «٢»»
وَقَالَ: «وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ.. «٣»»
وَقَالَ تَعَالَى: «قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ.. «٤»» الْآيَةَ فَمُحَمَّدٌ ﷺ، وَسَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْبَشَرِ أُرْسِلُوا إِلَى الْبَشَرِ..
وَلَوْلَا ذلك لما أطاق النَّاسُ مُقَاوَمَتَهُمْ»
، وَالْقَبُولَ عَنْهُمْ، وَمُخَاطَبَتَهُمْ.
قَالَ اللَّهُ تعالى: «وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا.. لَجَعَلْناهُ رَجُلًا «٦»» .
_________________
(١) سورة آل عمران آية «١٤٤» .
(٢) سورة المائدة «٧٥» .
(٣) سورة الفرقان آية «٢٠» .
(٤) سورة الكهف آية «١١٠»
(٥) مقاومتهم: أي مقابلتهم فى الأمور الدينوية.
(٦) سورة الانعام آية «٩» .
[ ٢ / ٢٢٤ ]
أي ما كان إلا في صورة البشر الذين يمكنكم مخالطتهم إذ لا تطيقون مقاومة الملك، ومخاطبتهم، وَرُؤْيَتَهُ، إِذَا كَانَ عَلَى صُورَتِهِ..
وَقَالَ تَعَالَى: «قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا «١»» ..
أَيْ لَا يُمْكِنُ فِي سُنَّةِ اللَّهِ إِرْسَالُ الْمَلَكِ إِلَّا لِمَنْ هُوَ مِنْ جِنْسِهِ، أَوْ مَنْ خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَاصْطَفَاهُ وَقَوَّاهُ عَلَى مُقَاوَمَتِهِ كَالْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ.
فَالْأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ ﵈ وَسَائِطُ بَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ خَلْقِهِ، يُبَلِّغُونَهُمْ أوامره ونواهيه ووعده ووعيده، ويعرفوهم بِمَا لَمْ يَعْلَمُوهُ مِنْ أَمْرِهِ وَخَلْقِهِ، وَجَلَالِهِ وَسُلْطَانِهِ وَجَبَرُوتِهِ وَمَلَكُوتِهِ..
فَظَوَاهِرُهُمْ وَأَجْسَادُهُمْ وَبِنْيَتُهُمْ مُتَّصِفَةٌ بأوصاف البشر، طاريء عَلَيْهَا مَا يَطْرَأُ عَلَى الْبَشَرِ مِنَ الْأَعْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ، وَالْمَوْتِ وَالْفَنَاءِ وَنُعُوتِ الْإِنْسَانِيَّةِ..
وَأَرْوَاحُهُمْ وَبَوَاطِنُهُمْ مُتَّصِفَةٌ بِأَعْلَى مِنْ أَوْصَافِ الْبَشَرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَلَأِ الْأَعْلَى، مُتَشَبِّهَةٌ بِصِفَاتِ الْمَلَائِكَةِ سَلِيمَةٌ مِنَ التَّغَيُّرِ والافات..
_________________
(١) سورة الاسراء آية «٩٥» .
[ ٢ / ٢٢٥ ]
لَا يَلْحَقُهَا غَالِبًا عَجْزُ الْبَشَرِيَّةِ، وَلَا ضَعْفُ الْإِنْسَانِيَّةِ.. إِذْ لَوْ كَانَتْ بَوَاطِنُهُمْ خَالِصَةً لِلْبَشَرِيَّةِ كَظَوَاهِرِهِمْ لَمَا أَطَاقُوا الْأَخْذَ عَنِ الْمَلَائِكَةِ، وَرُؤْيَتَهُمْ، وَمُخَاطَبَتَهُمْ، وَمُخَالَّتَهُمْ «١» . كَمَا لَا يُطِيقُهُ غَيْرُهُمْ مِنَ البشر.
ولو كانت أجسادهم وَظَوَاهِرُهُمْ مُتَّسِمَةً بِنُعُوتِ الْمَلَائِكَةِ وَبِخِلَافِ صِفَاتِ الْبَشَرِ لَمَا أَطَاقَ الْبَشَرُ وَمَنْ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ مُخَالَطَتَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى «٢» .
«فَجُعِلُوا مِنْ جِهَةِ الْأَجْسَامِ وَالظَّوَاهِرِ مَعَ الْبَشَرِ، وَمِنْ جِهَةِ الْأَرْوَاحِ وَالْبَوَاطِنِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ.
كَمَا قَالَ ﷺ «٣» «لو كنت متخذا من أمتي خليلا لا تخذت أَبَا بَكْرٍ «٤» خَلِيلًا، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ.. لَكِنْ صاحبكم «٥» خليل الرحمن..
_________________
(١) مخالتهم: بتشديد اللام أي مخالطتهم كما في نسخة مخالاتهم بالفك وهي موادتهم ومصاحبتهم.
(٢) يعني من الاية «وَلَوْ جَعَلْناهُ مَلَكًا لَجَعَلْناهُ رَجُلًا» سورة الأنعام آية «٩» .
(٣) في حديث رواه البخاري وغيره.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٦» رقم «٦» .
(٥) يعني نفسه ﷺ.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وَكَمَا قَالَ «١»: «تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» .
وقال «٢»: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ.. إِنِّي أَظَلُّ «٣» يُطْعِمُنِي رَبِّي ويسقيني» فبواطنهم منزهة عن الافات، مطهرة عن النقائص والإعتلالات..
وهذه جملة لن يكنفي بِمَضْمُونِهَا كُلُّ ذِي هِمَّةٍ.. بَلِ الْأَكْثَرُ يَحْتَاجُ إِلَى بَسْطٍ وَتَفْصِيلٍ عَلَى مَا نَأْتِي بِهِ بعد هذا في البابين بعون الله تعالى وهو حسبي ونعم الوكيل..
_________________
(١) فيما رواه ابن سعد عن الحسن مرسلا.
(٢) كما رواه الشيخان عن ابن عمر وأبي هريرة وأنس وعائشة جوابا لقولهم انك تواصل فكيف تنهانا.
(٣) وفي رواية: «ابيت عند ربي يطعمني ويسقيني» .
[ ٢ / ٢٢٧ ]
الباب الأوّل في ما يَخْتَصُّ بِالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالْكَلَامُ فِي عِصْمَةِ نَبِيِّنَا ﵊ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عليهم أجمعين. وفيه ستة عشر فصلا
[ ٢ / ٢٢٨ ]
تَمْهِيدٌ
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ
إعلم أن الطواريء من التغيرات والافات عَلَى آحَادِ الْبَشَرِ لَا يَخْلُو أَنْ تَطْرَأَ عَلَى جِسْمِهِ، أَوْ عَلَى حَوَاسِّهِ بِغَيْرِ قَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ، كَالْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ، أَوْ تَطْرَأَ بِقَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ.. وَكُلُّهُ فِي الْحَقِيقَةِ عَمَلٌ وَفِعْلٌ.. وَلَكِنْ جَرَى رَسْمُ الْمَشَايِخِ بِتَفْصِيلِهِ إِلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ:
عَقْدٍ بِالْقَلْبٍ.. وَقَوْلٍ بِاللِّسَانِ، وَعَمَلٍ بِالْجَوَارِحِ. وَجَمِيعُ الْبَشَرِ تَطْرَأُ عَلَيْهِمُ الْآفَاتُ وَالتَّغَيُّرَاتُ بِالِاخْتِيَارِ وَبِغَيْرِ الِاخْتِيَارِ فِي هَذِهِ الْوُجُوهِ كُلِّهَا.. وَالنَّبِيُّ ﷺ- وَإِنْ كَانَ مِنَ الْبَشَرِ. وَيَجُوزُ عَلَى جِبِلَّتِهِ مَا يَجُوزُ عَلَى جِبِلَّةِ الْبَشَرِ- فَقَدْ قَامَتِ الْبَرَاهِينُ الْقَاطِعَةُ، وَتَمَّتْ كَلِمَةُ الْإِجْمَاعِ عَلَى خُرُوجِهِ عَنْهُمْ، وَتَنْزِيهِهِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الافات التي تقع على الاختيار.. وعلى غير الِاخْتِيَارِ، كَمَا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا نَأْتِي بِهِ مِنَ التَّفَاصِيلِ.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ فِي حُكْمِ عَقْدِ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ وَقْتِ نُبُوَّتِهِ
اعْلَمْ مَنَحَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ تَوْفِيقَهُ أَنَّ مَا تَعَلَّقَ مِنْهُ بِطَرِيقِ التَّوْحِيدِ وَالْعِلْمِ بِاللَّهِ وَصِفَاتِهِ، وَالْإِيمَانِ بِهِ وَبِمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ، فَعَلَى غَايَةِ الْمَعْرِفَةِ، وَوُضُوحِ الْعِلْمِ وَالْيَقِينِ، وَالِانْتِفَاءِ عَنِ الْجَهْلِ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، أَوِ الشَّكِّ أَوِ الرَّيْبِ فِيهِ، وَالْعِصْمَةِ مِنْ كُلِّ مَا يُضَادُّ الْمَعْرِفَةَ بِذَلِكَ.. وَالْيَقِينَ..
هَذَا مَا وَقَعَ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ.
وَلَا يَصِحُّ بِالْبَرَاهِينِ الْوَاضِحَةِ أَنْ يَكُونَ فِي عُقُودِ الْأَنْبِيَاءِ سِوَاهُ.
وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِقَوْلِ إِبْرَاهِيمَ ﵇: «قَالَ:
بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي.. «١» إِذْ لَمْ يَشُكَّ إِبْرَاهِيمُ فِي إِخْبَارِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِإِحْيَاءِ الْمَوْتَى.. ولكن إرادة طمأنينة القلب،
_________________
(١) سورة البقرة آية «٢٦٠» .
[ ٢ / ٢٣٠ ]
وَتَرْكَ الْمُنَازَعَةِ لِمُشَاهَدَةِ الْإِحْيَاءِ.. فَحَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ الْأَوَّلُ بِوُقُوعِهِ وَأَرَادَ الْعِلْمَ الثَّانِيَ بِكَيْفِيَّتِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ.
الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ إِنَّمَا أَرَادَ اخْتِبَارَ مَنْزِلَتِهِ عِنْدَ رَبِّهِ.. وَعَلِمَ إِجَابَتَهُ «١» دَعَوْتَهُ بِسُؤَالِ ذَلِكَ مِنْ رَبِّهِ..
وَيَكُونُ «٢» قَوْلُهُ تعالى «أَوَلَمْ تُؤْمِنْ «٣»» أَيْ تُصَدِّقْ بِمَنْزِلَتِكَ مِنِّي وَخُلَّتِكَ وَاصْطِفَائِكَ.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ سَأَلَ زِيَادَةَ يَقِينٍ، وَقُوَّةَ طُمَأْنِينَةٍ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَوَّلِ شَكٌّ.. إِذِ الْعُلُومُ الضَّرُورِيَّةُ «٤»، وَالنَّظَرِيَّةُ «٥»، قَدْ تَتَفَاضَلُ فِي قُوَّتِهَا، وَطَرَيَانُ الشُّكُوكِ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ مُمْتَنِعٌ، وَمُجَوَّزٌ «٦» فِي النظريات فأراد الانتقال من النظر أو الخبر إلى المشاهدة والترقي من علم القين إِلَى عَيْنِ الْيَقِينِ.. فَلَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ.
وَلِهَذَا قَالَ سَهْلُ «٧» بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «سَأَلَ كَشْفَ غِطَاءِ الْعِيَانِ، لِيَزْدَادَ بِنُورِ الْيَقِينِ تَمَكُّنًا فِي حاله» .
_________________
(١) وفي نسخة (اجابة دعوته) .
(٢) وفي نسخة (فيكون) .
(٣) سورة البقرة اية (٢٦٠) «وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» .
(٤) العلوم الضرورية: أي البديهية وهي التي لا تحتاج الى برهان ودليل
(٥) النظرية: أي الفكرية. وهي التي تحتاج الى برهان ودليل
(٦) وفي نسخة (ويجوز)
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨» رقم «٦» .
[ ٢ / ٢٣١ ]
الْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنَّهُ لَمَّا احْتَجَّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ رَبَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْ ربه ليصبح احْتِجَاجُهُ عِيَانًا..
الْوَجْهُ الْخَامِسُ قَوْلُ بَعْضِهِمْ: هُوَ سؤال عن طريق الأدب..
المراد: أَقْدِرْنِي عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى.. وَقَوْلُهُ «لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي» عَنْ هَذِهِ الْأُمْنِيَةِ..
الْوَجْهُ السَّادِسُ: أَنَّهُ أَرَى مِنْ نَفْسِهِ الشَّكَّ وَمَا شَكَّ.. لَكِنْ لِيُجَاوَبَ «١» فيزداد قربه «٢» .
وقول نبينا ﷺ: «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ..»
نَفْيٌ «٣» لِأَنْ يكون إبراهيم شك.. وإبعادا لِلْخَوَاطِرِ الضَّعِيفَةِ أَنْ تَظُنَّ هَذَا بِإِبْرَاهِيمَ.. أَيْ نَحْنُ مُوقِنُونَ بِالْبَعْثِ وَإِحْيَاءِ اللَّهِ الْمَوْتَى.. فَلَوْ شَكَّ إِبْرَاهِيمُ لَكُنَّا أَوْلَى بِالشَّكِّ مِنْهُ.. إِمَّا عن طَرِيقِ الْأَدَبِ.. أَوْ أَنْ يُرِيدَ أُمَّتَهُ الَّذِينَ يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الشَّكُّ.. أَوْ عَلَى طَرِيقِ التَّوَاضُعِ وَالْإِشْفَاقِ إِنْ حَمَلَتْ قِصَّةُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى اخْتِبَارِ حاله أو زيادة يقينه..
_________________
(١) وفي نسخة (ليجاب)
(٢) وفي نسخة (قربة)
(٣) هذه اجابة المزني صاحب الشافعي
[ ٢ / ٢٣٢ ]
فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ «١»» الْآيَتَيْنِ.
فَاحْذَرْ- ثَبَّتَ اللَّهُ قَلْبَكَ- أَنْ يَخْطُرَ ببالك ما ذكره فيه بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٢» أَوْ غَيْرِهِ من إثبات شك لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ.. وَأَنَّهُ مِنَ الْبَشَرِ!!
فَمِثْلُ هَذَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ جُمْلَةً..
بَلْ قَدْ قَالَ «٣» ابْنُ عباس: لَمْ يَشُكَّ النَّبِيُّ ﷺ وَلَمْ يَسْأَلْ.
وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ «٤» وَالْحَسَنِ «٥» .
وَحَكَى «٦» قَتَادَةُ «٧»: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: مَا أَشُكُّ «٨» وَلَا أَسْأَلُ.. وَعَامَّةُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى هَذَا.
وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى الْآيَةِ فقيل المراد.. قل يا محمد للشاك إن كنت في شك.. الاية..
_________________
(١) الاية سورة يونس اية (٩٤)
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦»
(٣) فيما رواه ابن أبي حاتم في تفسيره وصحت روايته عنه.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨» رقم «٤» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠» رقم «٨»
(٦) كما رواه ابن جرير.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٢» رقم «٣»
(٨) وفي رواية (لا اشك) .
[ ٢ / ٢٣٣ ]
قَالُوا: وَفِي السُّورَةِ نَفْسِهَا مَا دَلَّ عَلَى هذا التأويل.
قوله «قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي «١»» الْآيَةَ وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالْخِطَابِ الْعَرَبُ وَغَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ.
كَمَا قَالَ «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ «٢»» الْآيَةَ. الْخِطَابُ لَهُ وَالْمُرَادُ غَيْرُهُ.
وَمِثْلُهُ «فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هؤُلاءِ»»
وَنَظِيرُهُ كَثِيرٌ.
قَالَ بَكْرُ «٤» بْنُ الْعَلَاءِ: أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ «وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ «٥»» الْآيَةَ.. وَهُوَ ﷺ كَانَ الْمُكَذَّبَ فِيمَا يَدْعُو إِلَيْهِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِهِ!!.
فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْخِطَابِ غَيْرُهُ..
وَمِثْلُ هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ: «الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيرًا «٦»» .
المأمور ههنا غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ لِيَسْأَلَ النَّبِيَّ، وَالنَّبِيُّ ﷺ هُوَ الخبير المسؤول، لَا الْمُسْتَخْبِرُ السَّائِلُ.
وَقَالَ: إِنَّ هَذَا الشَّكَّ الَّذِي أُمِرَ بِهِ غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ بسؤال
_________________
(١) سورة يونس آية (١٠٤) .
(٢) سورة الزمر آية (٦٥) .
(٣) سورة هود آية (١٠٩) .
(٤) بكر بن العلاء: وهو القاضي بكر بن العلاء من علماء المالكية الاجلاء.
(٥) سورة يونس آية (٩٥) .
(٦) سورة الفرقان آية (٥٩) .
[ ٢ / ٢٣٤ ]
الذين يقرؤون الْكِتَابَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا قَصَّهُ اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِ الْأُمَمِ..
لَا فِيمَا دَعَا إِلَيْهِ مِنَ التوحيد والشريعة
ومثل هذا قوله تعالى: «وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا.. «١»» الاية المراد الْمُشْرِكُونَ وَالْخِطَابُ مُوَاجَهَةٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ قاله القتبي «٢» ..
وَقِيلَ مَعْنَاهُ.. سَلْنَا عَمَّنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ. فَحُذِفَ الْخَافِضُ وَتَمَّ الْكَلَامُ.. ثُمَّ ابْتَدَأَ «أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ.. «٣»»
إِلَى آخِرِ الْآيَةِ عَلَى طَرِيقِ الْإِنْكَارِ.. أَيْ مَا جَعَلْنَا.. حَكَاهُ مَكِّيٌّ «٤» ..
وَقِيلَ: أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْأَلَ الْأَنْبِيَاءَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ عَنْ ذَلِكَ.. فَكَانَ أَشَدَّ يَقِينًا مِنْ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَى السُّؤَالِ.. فَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ لَا أَسْأَلُ قَدِ اكْتَفَيْتُ «٥» قَالَهُ ابْنُ زيد «٦» .
_________________
(١) سورة الزخرف اية (٤٥) .
(٢) القتبي: اختلفت النسخ هنا ففي اكثرها قتبي، وفي بعضها فتيبي والمراد به هنا امام أهل اللغة والتفسير ابن قتيبة بن سعيد بن طريف بن جميل صاحب التاليف الجليلة المشهورة.. وفي بعضها العتبي.. وهو عمدة مذهب مالك فقيه الاندلس محمد بن احمد بن عبد العزيز القرطبي العتبي نسبة لعتبة بن أبي سفيان لانه من مواليه وهو صاحب العتبية المشهورة في مذهب مالك وتسمى المستخرجة وقد رجح البرهان الحلبي الاسم الاول (القتبي)
(٣) سورة الزخرف اية (٤٥) .
(٤) مكي: بن أبي طالب الامام المفسر صاحب التاليف الجليلة، ولد بالقيروان واقام بالاندلس بعد اقامته بمكة ولذا نسب اليها كما تقدم.
(٥) وفي نسخة (قد كفيت) .
(٦) ابن زيد: هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
وقيل: سل امم من أرسلنا.. هل جاؤوهم بِغَيْرِ التَّوْحِيدِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ «١»، وَالسُّدِّيِّ «٢»، والضحاك «٣»، وقتادة «٤»، والمراد بهذا بِهَذَا وَالَّذِي قَبْلَهُ إِعْلَامُهُ ﷺ بِمَا بُعِثَتْ بِهِ الرُّسُلُ وَأَنَّهُ تَعَالَى لَمْ يَأْذَنْ فِي عِبَادَةِ غَيْرِهِ لِأَحَدٍ.. رَدًّا عَلَى مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ فِي قَوْلِهِمْ «إِنَّمَا نَعْبُدُهُمْ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى «٥»» . وَكَذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعَالَى: «وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.. «٦» أي في علمهم بِأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.. وَإِنْ لَمْ يُقِرُّوا بِذَلِكَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ شَكَّهُ فِيمَا ذُكِرَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ.. وَقَدْ يَكُونُ أَيْضًا عَلَى مِثْلِ مَا تَقَدَّمَ.
أَيْ قُلْ يَا مُحَمَّدُ لِمَنِ امْتَرَى فِي ذَلِكَ: لَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ.
بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَوَّلَ الْآيَةِ «أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا. «٧»»
الاية وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ يُخَاطِبُ بذلك غيره..
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٠» رقم «١» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٢» رقم «٣» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٥» رقم «٦» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٢» رقم «٣» .
(٥) الاية سورة الزمر اية (٣) والصحيح: ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى
(٦) الاية سورة الانعام اية (١١٤) .
(٧) الاية سورة الانعام اية (١١٤) .
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وقيل: هو تقرير كقوله «أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ.. «١»» وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ.. مَا كُنْتَ فِي شَكٍّ.. فَاسْأَلْ تَزْدَدْ طُمَأْنِينَةً وَعِلْمًا إِلَى عِلْمِكَ وَيَقِينِكَ.
وَقِيلَ: إِنْ كُنْتَ تشك فيما شرفناك وفضّلناك به فاسألهم عَنْ صِفَتِكَ فِي الْكُتُبِ وَنَشْرِ فَضَائِلِكَ..
وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ «٢»: أَنَّ الْمُرَادَ.. إِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِنْ غَيْرِكَ فِيمَا أَنْزَلْنَا. فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ «حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا «٣»» عَلَى قِرَاءَةِ التَّخْفِيفِ «٤» .
قُلْنَا: الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ مَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ «٥» ﵂..
مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ تَظُنَّ ذَلِكَ الرُّسُلُ بِرَبِّهَا.. وَإِنَّمَا مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ الرُّسُلَ لَمَّا اسْتَيْأَسُوا ظَنُّوا أنّ من وعدهم النصر من أتباعهم
_________________
(١) الاية سورة المائدة اية (١١٦) .
(٢) أبو عبيدة: معمر بن المثنى التميمي، امام أهل اللغة توفي سنة عشر أو احدى عشرة ومائتين وقد قارب المائة.. وكان معاصرا للاصمعي وبينهما منافسة علمية واسعة وجميلة
(٣) الاية سورة يوسف اية (١١٠) .
(٤) وهي قراءة عاصم وحمزة والكسائي وغيرهم.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٤٦» رقم «٥» .
[ ٢ / ٢٣٧ ]
كَذَّبُوهُمْ «١» .. وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ.
وَقِيلَ: إِنَّ ضمير ظَنُّوا عَائِدٌ عَلَى الْأَتْبَاعِ وَالْأُمَمِ لَا عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ «٢»، وَالنَّخَعِيِّ «٣» وَابْنِ جُبَيْرٍ «٤»، وَجَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ..
وَبِهَذَا الْمَعْنَى قرأ مجاهد «٥»: «كذبوا» فَلَا تَشْغَلْ بَالَكَ مِنْ شَاذِّ التَّفْسِيرِ بِسِوَاهُ مِمَّا لَا يَلِيقُ بِمَنْصِبِ الْعُلَمَاءِ، فَكَيْفَ بِالْأَنْبِيَاءِ!! وكذلك ما ورد في حديث السيرة ومبدإ الْوَحْيِ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لِخَدِيجَةَ «٦»: «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي «٧»» لَيْسَ مَعْنَاهُ الشَّكَّ فِيمَا آتَاهُ اللَّهُ بَعْدَ رُؤْيَةِ الْمَلَكِ، ولكن لعله خشي أن لا تحتمل قوته مقاومة
_________________
(١) وفيما نقله المصنف عن عائشة ﵂ نظر، فان المروي عنها في صحيح البخاري ان عروة بن الزبير سألها عن هذه الاية فقال لها وقد تلا الاية أهي كذبوا أم كذبوا- أي بالتشديد او بالتخفيف- فقالت: كذبوا- بالتشديد- فقال: اجل لعمري لقد استيقنوا بذلك وظنوا انهم قد كذبوا. قالت: معاذ الله! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها! .. فقال لها: فما هذه الاية؟ .. قالت: هم اتباع الرسل الذين امنوا بربهم ﷿ وصدقوهم وطال عليهم البلاء واستأخر عنهم النصر حتي استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم فظنث بالرسل أن اتباعهم قد كذبوهم فجاءهم نصر الله عند ذلك.. اهـ. ولا منافاة بين ما نقله المصنف وبين هذه الرواية اذ المعنى واحد في قراءة التشديد والتخفيف
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٦١» رقم «١١» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨٠» رقم «٤٠» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٠» رقم «١» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٦١» رقم «٥» .
(٧) رواه الشيخان.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
الْمَلَكِ وَأَعْبَاءِ الْوَحْيِ.. فَيَنْخَلِعَ قَلْبُهُ، أَوْ تَزْهَقَ نفسه.
هذا عَلَى مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَهُ بَعْدَ لِقَائِهِ الْمَلَكَ أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ قَبْلَ لقائه، واعلام الله تعالى لَهُ بِالنُّبُوَّةِ لِأَوَّلِ مَا عُرِضَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْعَجَائِبِ، وَسَلَّمَ عَلَيْهِ الْحَجَرُ وَالشَّجَرُ، وَبَدَأَتْهُ الْمَنَامَاتُ وَالتَّبَاشِيرُ.
كَمَا رُوِيَ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الحديث: أن ذلك كان أولا في فِي الْمَنَامِ، ثُمَّ أُرِيَ فِي الْيَقَظَةِ مِثْلَ ذَلِكَ تَأْنِيسًا لَهُ ﵇، لِئَلَّا يَفْجَأَهُ الأمر مشاهدة ومشافهة، فلا يحمله لِأَوَّلِ حَالَةٍ بِنْيَةُ الْبَشَرِيَّةِ.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ عائشة «١» ﵂ «٢»: «أول ما بديء بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ «٣» . قَالَتْ.. ثُمَّ حُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ.. وَقَالَتْ إِلَى أَنْ جَاءَهُ الْحَقُّ وهو في غار حراء»
وَعَنِ»
ابْنِ عَبَّاسٍ «٥» مَكَثَ النَّبِيُّ ﷺ بِمَكَّةَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً يَسْمَعُ الصَّوْتَ «٦»، وَيَرَى: الضَّوْءَ «٧» سَبْعَ سِنِينَ، وَلَا يَرَى
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٤٦» رقم «٥»
(٢) وهذا الحديث رواه الشيخان وهو من مرسل الصحابة لانها ﵂ لم تكن معه ﷺ حينئذ.. أو هو متصل اذا سمعته منه ثم حدثت به.
(٣) وروي (الصالحة) .
(٤) فى حديث مسند رواه ابن سعد.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٦) أي صوت الملك.
(٧) أي نور الملك من غير رواية ذاته لان الملائكة انوار مجردة.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
شيئا وثماني سنين يوحى اليه «١» ..
وقد روى «٢» ابن اسحق «٣» عَنْ بَعْضِهِمْ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ:
- وَذَكَرَ جِوَارَهُ بِغَارِ حِرَاءٍ- قَالَ: «فَجَاءَنِي «٤» وَأَنَا نَائِمٌ فَقَالَ اقْرَأْ..
فَقُلْتُ مَا أَقْرَأُ..» وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي غَطِّهِ «٥» له واقرائه له «اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ «٦»» السُّورَةَ قَالَ: فَانْصَرَفَ عَنِّي.. وَهَبَبْتُ مِنْ نَوْمِي «٧» كَأَنَّمَا صُوِّرَتْ فِي قَلْبِي، وَلَمْ يَكُنْ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ شَاعِرٍ أَوْ مَجْنُونٍ، قُلْتُ: لَا تَحَدَّثُ «٨» عَنِّي قُرَيْشٌ بِهَذَا أَبَدًا..
لِأَعْمِدَنَّ إِلَى حَالِقٍ «٩» مِنَ الْجَبَلِ فَلَأَطْرَحَنَّ نَفْسِي مِنْهُ فَلَأَقْتُلَنَّهَا..
فَبَيْنَا أَنَا عَامِدٌ لِذَلِكَ، إِذْ سَمِعْتُ مُنَادِيًا ينادي من السماء: يا محمد..
_________________
(١) قال البرهان الحلبي: هذا على القول المرجوح انه عاش خمسا وستين سنة، والصحيح انه عاش ثلاثا وستين منها بمكة ثلاث عشرة بعد الوحي وبالمدينة عشرة.
(٢) وهذه الرواية لم تخرج.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٣» رقم «٧» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٤٦) رقم (٥)
(٥) الغط: بفتح الغين المعجمة وتشديد الطاء المهملة مصدر بمعنى شدة خنقه وضمه وغمه ليصرفه عن الدنيا ويوقظه لما يلقيه له واستدل به على تأديب المعلم المتعلم منه.
(٦) سورة العلق اية (١) .
(٧) رواية ابن اسحق هذه تدل على ان الوحي اتاه في منامه وكذلك القرآن وقد قسم العلماء النزول الى أقسام منها ما نزل عليه سفرا وحضرا وقل منهم من تعرض الى نزوله يقظة ومناما.
(٨) بفتح الفوقية على انه حذف منه احدى التاءين وأصله مضارع مرفوع تتحدث
(٩) حالق: بالحاء المهملة واللام المكسورة والقاف أي مكان مرتفع منه وقيل انه الجبل المرتفع من قولهم حلق الطائر اذا ارتفع.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ.. فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذَا جِبْرِيلُ عَلَى صُورَةِ رَجُلٍ.. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ..
فَقَدْ بَيَّنَ فِي هَذَا أَنَّ قَوْلَهُ لِمَا قَالَ، وَقَصْدَهُ لِمَا قَصَدَ، إِنَّمَا كَانَ قَبْلَ لقاء جبريل ﵉، وقيل إِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ بِالنُّبُوَّةِ، وَإِظْهَارِهِ وَاصْطِفَائِهِ لَهُ بِالرِّسَالَةِ.
وَمِثْلُهُ حَدِيثُ عَمْرِو «١» بْنِ شُرَحْبِيلَ أَنَّهُ ﷺ «٢» قَالَ لِخَدِيجَةَ «٣»:
«إِنِّي إِذَا خَلَوْتُ وَحْدِي سَمِعْتُ نِدَاءً، وَقَدْ خَشِيتُ وَاللَّهِ أَنْ يَكُونَ هَذَا لِأَمْرٍ «٤»» .
وَمِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ «٥» بْنِ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ «٦» قَالَ لِخَدِيجَةَ «٣»:
«إِنِّي لَأَسْمَعُ صوتا، وأرى ضوآ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي جُنُونٌ وَعَلَى هَذَا يُتَأَوَّلُ- لَوْ صَحَّ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ هَذِهِ الأحاديث- أن
_________________
(١) عمرو بن شرحبيل: تابعي جليل وعابد توفي سنة ثلاث وستين ومائه، وهو ابو ميسرة الهمداني وهناك عمرو بن شرحبيل آخر خزرجي وليس بمراد هنا.
(٢) رواه البيهقي.
(٣) تقدمت ترجمتها في ج ١ ص «٢٦١» رقم «٥» .
(٤) اي لامر يصيا بني مما لم أحط به خبرا فقالت له معاذ الله ما كان الله ليضل بك ذلك انك لتؤدي الامانة وتصل الرحم وتصدق منه الحديث.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٢» .
(٦) رواه الطبراني وابن منيع في مسنده موصولا عن حماد عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
[ ٢ / ٢٤١ ]
الْمَلَكُ يَا ابْنَ عَمِّ فَاثْبُتْ وَأَبْشِرْ. وَآمَنَتْ بِهِ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مُسْتَثْبِتَةٌ بِمَا فَعَلَتْهُ لِنَفْسِهَا، وَمُسْتَظْهِرَةٌ لِإِيمَانِهَا لَا لِلنَّبِيِّ ﷺ.
وَقَوْلُ مَعْمَرٍ «١» فِي فَتْرَةِ الْوَحْيِ «٢»: فَحَزِنَ النَّبِيُّ ﷺ- فيما بلغنا- حزنا غدا منه «٣» مرارا كي يتردّى من شواهق الجبال..
ولا يَقْدَحُ فِي هَذَا الْأَصْلِ لِقَوْلِ مَعْمَرٍ عَنْهُ- فِيمَا بَلَغَنَا- وَلَمْ يُسْنِدْهُ وَلَا ذَكَرَ رُوَاتَهُ، وَلَا مَنْ حَدَّثَ «٤» بِهِ، وَلَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ، وَلَا يُعْرَفُ مِثْلُ هَذَا «٥» إِلَّا مِنْ جِهَةِ النَّبِيِّ ﷺ «٦»، مَعَ «٧» أَنَّهُ قَدْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَوَّلَ الْأَمْرِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ، أَوْ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِمَا أَخْرَجَهُ مِنْ تَكْذِيبِ مَنْ بَلَّغَهُ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: «فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا «٨»» .
وَيُصَحِّحُ مَعْنَى هَذَا التَّأْوِيلِ حَدِيثٌ رَوَاهُ «٩» شَرِيكٌ «١٠» عن
_________________
(١) معمر: بن راشد اليماني.
(٢) كما رواه عنه أحمد والبيهقي.
(٣) وفي نسخة (به) .
(٤) الا ان ابن سيد الناس رواه مسندا مر طريق الدولابي ولم يذكر فيه معمرا بل رواه عن الزهري عن عروة عن عائشة فقال: لم يثبت ورقة ان توفي وفتر الوحي
(٥) وفي نسخة مثل (ذلك) .
(٦) لان مثله لا يقال بالرأي فهو في حكم المرفوع وان كان منقطعا.
(٧) وفي نسخة (على انه) .
(٨) الاية سورة الكهف آية (٦) .
(٩) رواه البزار وأخرج الطبراني نحوه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
(١٠) شريك: بن عبد الله النحفي، الامام الثقة. وقد وثقه ابن معين. وقال غيره: لا بأس به. وقد قيل انه كان سيء الحفظ. توفي سنة سبع وسبعين ومائة. وسنة ثمانون سنة. وله ترجمة في الميزان.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
عبد الله «١» بن محمد بْنِ عَقِيلٍ عَنْ جَابِرِ «٢» بْنِ عَبْدِ اللَّهِ:
أَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَمَّا اجْتَمَعُوا بِدَارِ النَّدْوَةِ «٣» لِلتَّشَاوُرِ فِي شَأْنِ النَّبِيِّ ﷺ، وَاتَّفَقَ رَأْيُهُمْ عَلَى أَنْ يَقُولُوا إِنَّهُ سَاحِرٌ.. اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَتَزَمَّلَ فِي ثِيَابِهِ وَتَدَثَّرَ فيها.. فأتاه جبريل فقال: يا أيها المزمل يا أيها الْمُدَّثِّرِ» .
أَوْ خَافَ أَنَّ الْفَتْرَةَ لِأَمْرٍ أَوْ سَبَبٍ مِنْهُ فَخَشِيَ أَنْ تَكُونَ عُقُوبَةً مِنْ رَبِّهِ، فَفَعَلَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ.. وَلَمْ يَرِدْ بَعْدُ شَرْعٌ بِالنَّهْي عَنْ ذَلِكَ فَيُعْتَرَضَ بِهِ وَنَحْوُ هَذَا فِرَارُ يُونُسَ ﵇ خَشْيَةَ تَكْذِيبِ قَوْمِهِ لَهُ لِمَا وَعَدَهُمْ بِهِ مِنَ الْعَذَابِ.
وَقَوْلُ اللَّهِ فِي يُونُسَ: «فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ «٥»» معناه أن لن نضيّق عليه
_________________
(١) عبد الله بن محمد بن عقيل: ابن أبي طالب بن عبد المطلب. توفي بعد الاربعين ومائة. وهو لين الحديث حتى قيل انه لا يحتج بروايته.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٤» رقم «١» .
(٣) الندوة: بفتح النون وسكون الدال المهملة والندوة بمعنى الاجتماع ومنه النادي ودار الندوة دار كانت بمكة تجتمع فيها قريش للمشاورة والحكومة بناها قصي بن كلاب فكانت ديوان رؤسائهم.
(٤) وهذا مخالف للرواية الصحيحة من ان اجتماعهم بدار الندوة كان وقت الهجرة ونزول (يا ايها المزمل) (يا ايها المدثر) كان في ابتداء الوحي عليه كما في البخاري.. فان صحت هذه الرواية تكون نزلت علية مرتين.
(٥) الاية (٨٧) سورة الانبياء.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
فأستغفر الله كل «١» يوم مئة مَرَّةٍ» - وَفِي طَرِيقٍ «٢» - «فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» .
فَاحْذَرْ أَنْ يَقَعَ بِبَالِكَ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْغَيْنُ وَسْوَسَةً أَوْ رَيْبًا وَقَعَ في قلبه ﷺ، بَلْ أَصْلُ الْغَيْنِ فِي هَذَا مَا يَتَغَشَّى الْقَلْبَ وَيُغَطِّيهِ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ «٣» - وَأَصْلُهُ مِنْ «غَيْنِ السَّمَاءِ» وَهُوَ إِطْبَاقُ الْغَيْمِ عَلَيْهَا
وَقَالَ غَيْرُهُ «وَالْغَيْنُ» شَيْءٌ يُغَشِّي الْقَلْبَ وَلَا يُغَطِّيهِ كُلَّ التَّغْطِيَةِ كَالْغَيْمِ الرَّقِيقِ الَّذِي يَعْرِضُ فِي الْهَوَاءِ فَلَا يَمْنَعُ ضَوْءَ الشَّمْسِ..
وَكَذَلِكَ لَا يُفْهَمُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يُغَانُ عَلَى قَلْبِهِ مئة مرة أو اكثر من سبعين فِي الْيَوْمِ.. إِذْ لَيْسَ يَقْتَضِيهِ لَفْظُهُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، وَهُوَ أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ.. وَإِنَّمَا هَذَا عَدَدٌ لِلِاسْتِغْفَارِ لَا لِلْغَيْنِ. فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهَذَا الْغَيْنِ إِشَارَةً إِلَى غَفَلَاتِ قَلْبِهِ، وَفَتَرَاتِ نَفْسِهِ وَسَهْوِهَا عَنْ مُدَاوَمَةِ الذِّكْرِ، وَمُشَاهَدَةِ الْحَقِّ، بِمَا كَانَ ﷺ دُفِعَ إِلَيْهِ مِنْ مُقَاسَاةِ الْبَشَرِ، وَسِيَاسَةِ الْأُمَّةِ، وَمُعَانَاةِ الْأَهْلِ، وَمُقَاوَمَةِ الولي، والعدو، ومصلحة النفس، وما كلفه مِنْ أَعْبَاءِ أَدَاءِ الرِّسَالَةِ، وَحَمْلِ الْأَمَانَةِ.. وَهُوَ في كل هذا في طاعة ربه،
_________________
(١) وفي نسخة (في كل يوم) .
(٢) أي للبخاري عن أبي هريرة ﵁.
(٣) أبو عبيد: القاسم بن سلام. وفي نسخة (ابو عبيدة) .
[ ٢ / ٢٤٨ ]
وَعِبَادَةِ خَالِقِهِ.. وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ ﷺ أَرْفَعَ الْخَلْقِ عِنْدَ اللَّهِ مَكَانَةً، وَأَعْلَاهُمْ دَرَجَةً، وَأَتَمَّهُمْ بِهِ مَعْرِفَةً، وَكَانَتْ حَالُهُ عند خلوص قلبه، وخلو همه، وتفرده بربه، واقباله بكليته، وَمُقَامِهِ هُنَالِكَ أَرْفَعَ حَالَيْهِ «١» .. رَأَى ﷺ حَالَ فَتْرَتِهِ عَنْهَا، وَشُغْلِهِ بِسِوَاهَا، غَضًّا «٢» مِنْ عَلِيِّ حَالِهِ، وَخَفْضًا مِنْ رَفِيعِ مَقَامِهِ، فَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ مِنْ ذَلِكَ.. هَذَا أَوْلَى وُجُوهِ الْحَدِيثِ وَأَشْهَرِهَا.
وَإِلَى مَعْنَى مَا أَشَرْنَا بِهِ مَالَ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَحَامَ حَوْلَهُ..
فَقَارَبَ وَلَمْ يَرِدْ «٣» .. وَقَدْ قَرَّبْنَا غَامِضَ مَعْنَاهُ.. وَكَشَفْنَا لِلْمُسْتَفِيدِ مُحَيَّاهُ «٤» .. وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ الفترات والفضلات، وَالسَّهْوِ فِي غَيْرِ طَرِيقِ الْبَلَاغِ عَلَى مَا سيأتي..
_________________
(١) اى حالة اشتغاله بالظاهر وحالة كونه مع الله عالم السرائر وكل منهما رفيعة ولكن هذه أرفع.
(٢) غضا: وهو معقول ثان لرأي او حال وغض الطرف ارخاؤه واطرافه ويكون بمعنى النقصان كما يقال غض صوته وهو المراد هنا وكني به عن التنزل عما ذكر.
(٣) اي لم يصل، استعارة من ورد الماء اذا اتاه ليستقي منه.
(٤) محياه: بالضم والفتح والتشديد بمعنى الوجه وفيه استعارة مكنية تخييلية بتشبيهه بحسان مخدرة والكشف للحديث هنا لرفع غينه واظهار محياه تعينه، وفي نسخة (مخباه) بخاء معجمة وتشديد موحدة أي مخفية وأصله الهمز كما في قوله تعالى «الا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء» سورة النمل اية ٢٠ فكأنه ابدل التخفيف مراعاة للسمع.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
إِذْ فِيهِ إِثْبَاتُ الْجَهْلِ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ.. وَالْمَقْصُودُ وعظهم أن لا يتسبهوا فِي أُمُورِهِمْ بِسِمَاتِ الْجَاهِلِينَ.
كَمَا قَالَ: «إِنِّي أعظك» وليس في آية منها دَلِيلٌ عَلَى كَوْنِهِمْ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ الَّتِي نَهَاهُمْ عَنِ الْكَوْنِ عَلَيْهَا.. فَكَيْفَ وَآيَةُ نُوحٍ قبلها «فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» «١» فَحَمْلُ مَا بَعْدَهَا عَلَى مَا قَبْلَهَا أَوْلَى، لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا قَدْ يَحْتَاجُ إِلَى إِذْنٍ، وتجوز إِبَاحَةُ السُّؤَالِ فِيهِ ابْتِدَاءً، فَنَهَاهُ اللَّهُ أَنْ يسأله عما طوى عنه علمه، واكنّه في غَيْبِهِ مِنَ السَّبَبِ الْمُوجِبِ لِهَلَاكِ ابْنِهِ.. ثُمَّ أَكْمَلَ اللَّهُ تَعَالَى نِعْمَتَهُ عَلَيْهِ بِإِعْلَامِهِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ «إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ «١»» حكاه مَعْنَاهُ مَكِّيٌّ «٢» .
كَذَلِكَ أُمِرَ نَبِيُّنَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى بِالْتِزَامِ الصَّبْرِ عَلَى إِعْرَاضِ قَوْمِهِ وَلَا يُحْرَجُ عِنْدَ ذَلِكَ فَيُقَارِبُ حَالَ الْجَاهِلِ بِشِدَّةِ التحسر..
حكاه أبو بكر «٣» بن فورك.. وقيل معنى الخطاب لأمة محمد.
_________________
(١) قالَ يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ «هود آية ٤٦» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٧» رقم «٧» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٩» رقم «٤» .
[ ٢ / ٢٥٢ ]
أي فلا تكونوا من الجاهلين حكاه مَكِّيٌّ «١» وَقَالَ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ.
فَبِهَذَا الفصل وَجَبَ الْقَوْلُ بِعِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْهُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ قَطْعًا.
فَإِنْ قُلْتَ: فَإِذَا قَرَّرْتَ عِصْمَتَهُمْ مِنْ هَذَا وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.. فَمَا مَعْنَى إِذًا وَعِيدِ اللَّهِ لِنَبِيِّنَا ﷺ عَلَى ذَلِكَ إِنْ فَعَلَهُ وَتَحْذِيرِهِ مِنْهُ.
كَقَوْلِهِ «لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ «٢»» الْآيَةَ.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ.. «٣»» الْآيَةَ.
وَقَوْلِهِ تَعَالَى: «إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ.. «٤»» الاية.
وقوله: «لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ «٥»» و«إِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ «٦» .
_________________
(١) تقدم آنفا.
(٢) ولقد أوحي اليك والى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين. الزمر آية «٦٥»
(٣) وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ يونس آية «١٠٦»
(٤) إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا الاسراء آية «٧٥» .
(٥) الحاقة آية «٤٥» .
(٦) إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ الانعام آية «١١٦» .
[ ٢ / ٢٥٣ ]
وقوله: «اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ «١»» .
فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَطَاعَهُمْ.. وَاللَّهُ يَنْهَاهُ عَمَّا يَشَاءُ وَيَأْمُرُهُ بِمَا يَشَاءُ كَمَا قَالَ: «وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ «٢»» الْآيَةَ.
وَمَا كَانَ طَرَدَهُمْ ﷺ، ولا كان من الظالمين.
_________________
(١) «» وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا. الاحزاب اية «١»
(٢) «» بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ. الانعام اية «٥٢»
[ ٢ / ٢٥٦ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي عِصْمَتُهُمْ مِنْ هَذَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ
وَأَمَّا عِصْمَتُهُمْ مِنْ هَذَا الْفَنِّ قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَلِلنَّاسِ فِيهِ خِلَافٌ وَالصَّوَابُ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ قَبْلَ النبوة من الجهل بالله وصفاته والتشكيك «١» فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَدْ تَعَاضَدَتِ الْأَخْبَارُ وَالْآثَارُ عَنِ الْأَنْبِيَاءِ بِتَنْزِيهِهِمْ عَنْ هَذِهِ النَّقِيصَةِ مُنْذُ وُلِدُوا، وَنَشْأَتِهِمْ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ.. بَلْ عَلَى إِشْرَاقِ أَنْوَارِ الْمَعَارِفِ، وَنَفَحَاتِ أَلْطَافِ السَّعَادَةِ، كَمَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي الْبَابِ الثَّانِي مِنَ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا وَلَمْ يَنْقُلْ أحد من أهل الأخبار أن أحدا نبيء «٢» وَاصْطُفِيَ مِمَّنْ عُرِفَ بِكُفْرٍ وَإِشْرَاكٍ قَبْلَ ذَلِكَ. وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْبَابِ النَّقْلُ
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْقُلُوبَ تَنْفِرُ عَمَّنْ «٣» كَانَتْ هَذِهِ سَبِيلُهُ
_________________
(١) وروي (او التشكك) . والاول أولى.
(٢) ويروى (تنبأ) .
(٣) ويروى (عن كل من) .
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وَأَنَا أَقُولُ: إِنَّ قُرَيْشًا قَدْ رَمَتْ نَبِيَّنَا بِكُلِّ مَا افْتَرَتْهُ.. وَعَيَّرَ كُفَّارُ الْأُمَمِ أَنْبِيَاءَهَا «١» بِكُلِّ مَا أَمْكَنَهَا «٢» وَاخْتَلَقَتْهُ مِمَّا نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ.. أَوْ نَقَلَتْهُ إِلَيْنَا الرُّوَاةُ.. وَلَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَعْيِيرًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ بِرَفْضِهِ آلِهَتَهُ، وَتَقْرِيعِهِ بِذَمِّهِ بِتَرْكِ مَا كَانَ قَدْ جَامَعَهُمْ عَلَيْهِ.
وَلَوْ كَانَ هَذَا.. لكانوا بذلك مبادرين وبتلوّنه «٣» فِي مَعْبُودِهِ مُحْتَجِّينَ.. وَلَكَانَ تَوْبِيخُهُمْ لَهُ بِنَهْيِهِمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ قَبْلُ أَفْظَعَ «٤» وَأَقْطَعَ فِي الْحُجَّةِ مِنْ تَوْبِيخِهِ بِنَهْيِهِمْ عَنْ تَرْكِهِمْ آلِهَتَهُمْ وَمَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ..
فَفِي إِطْبَاقِهِمْ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا سَبِيلًا إِلَيْهِ.. إِذْ لَوْ كَانَ لَنُقِلَ وَمَا سَكَتُوا عَنْهُ.. كَمَا لَمْ يَسْكُتُوا عن «٥» تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ وَقَالُوا: «مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها «٦»» كَمَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ.
_________________
(١) وفي نسخة (انبياءهم) .
(٢) وفي نسخة (بكل ما امكنهم) .
(٣) بتلونه: اي تغييره وانتقاله.
(٤) أفظع: بفاء وظاء معجمة أي أشد فظاعة وهي الشناعة والقباحة.
(٥) وفي نسخة (عند) .
(٦) «.. قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ البقرة «١٤٢»
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وَقَدِ اسْتَدَلَّ الْقَاضِي الْقُشَيْرِيُّ «١» عَلَى تَنْزِيهِهِمْ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ «٢»» الْآيَةَ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ.. «٣»» إلى قوله «لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ..»
قال فطهره اللَّهُ فِي الْمِيثَاقِ.. وَبَعِيدٌ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ الميثاق قبل خلقه.. ثم يأخذ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ بِالْإِيمَانِ بِهِ وَنَصْرِهِ قَبْلَ مَوْلِدِهِ بِدُهُورٍ وَيَجُوزُ عَلَيْهِ الشِّرْكُ أَوْ غَيْرُهُ مِنَ الذُّنُوبِ، هَذَا مَا لَا يُجَوِّزُهُ إِلَّا مُلْحِدٌ.. هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ.. وَكَيْفَ يَكُونُ»
ذَلِكَ وَقَدْ أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ «٥»، وَشَقَّ قَلْبَهُ صَغِيرًا، وَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ عَلَقَةً، وَقَالَ: هَذَا حَظُّ الشَّيْطَانِ مِنْكَ، ثُمَّ غَسَلَهُ وَمَلَأَهُ حِكْمَةً وَإِيمَانًا، كَمَا تظاهرت به أخبار المبدأ.. ولا يشبه عليه بقول إبراهيم..
_________________
(١) القشيري: هو الامام عبد الرحيم بن الامام عبد الكريم بن هوارن الاستاذ أبو نصر بن الاستاذ أبي القاسم القشيري صاحب (الرسالة) المجمع على جلالته وعلمه وزهده وامامته، تخرج على امام الحرمين، توفي سنة أربع عشرة وخمسمائة بنيسابور، وله عدة أولاد كما فصله البرهان الحلبي وقال: انه لم يل هو ولا احد من أولاده القضاء. فقول المصنف ﵀ له (القاضي) لا أصل له.
(٢) «.. وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقًا غَلِيظًا الاحزاب آية «٧»
(٣) «.. لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ. آل عمران آية «٨١» .
(٤) وفي نسخة (وكيف ذلك) وفي أخرى (فكيف) .
(٥) كما تقدم عن أنس وفى رواية مسلم.
[ ٢ / ٢٥٩ ]
في الكواكب وَالْقَمَرِ وَالشَّمْسِ هَذَا رَبِّي.
فَإِنَّهُ قَدْ قِيلَ: كَانَ هَذَا فِي سَنِّ الطُّفُولِيَّةِ «١» وَابْتِدَاءِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَقَبْلَ لُزُومِ التَّكْلِيفِ.
وَذَهَبَ مُعْظَمُ الْحُذَّاقِ «٢» من العلماء والمفسرين إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مُبَكِّتًا «٣» لِقَوْمِهِ، وَمُسْتَدِلًّا عَلَيْهِمْ.
وَقِيلَ مَعْنَاهُ: الِاسْتِفْهَامُ الْوَارِدُ مَوْرِدَ الافكار.. وَالْمُرَادُ فَهَذَا رَبِّي!
قَالَ الزَّجَّاجُ «٤»: قَوْلُهُ «هَذَا ربّي» أي على قولكم «٥» .. كما قال «أبن شركائي» «٦»: أَيْ عِنْدَكُمْ.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَعْبُدْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَلَا أَشْرَكَ قَطُّ بِاللَّهِ
_________________
(١) الطفولية: مصدر طفل، ولكن الذي ذكره الراغب وغيره ممن يعتمد عليه من أهل اللغة ان يقال طفل طفولة، فاذا كانت الطفالة مصدرا لا يحتاج لياء النسبة التي تصبر بها الجوامد مصادر فان مثله سماعي كالخصوصية.. الا ان المصنف رحمه الله تعالى ثقة فلعله وقف عليه.
(٢) الحذاق: جمع حاذق وهو من له ذكاء وفهم.
(٣) وفي نسخة (تبكيتا) والتبكيت بالمثناة الفوقية والموحدة وكاف ومثناة تحتية ساكنة وآخره مثناة فوقية وهو اللوم والتقريع يقال بكته اذا غضبه واستقبله بمكروه او غلبه بحجة وكله صحيح هنا.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٨٨» رقم «٨» .
(٥) وفي نسخة (قولهم)
(٦) «.. وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ «القصص اية ٧٤»
[ ٢ / ٢٦٠ ]
طَرْفَةَ عَيْنٍ قَوْلُ اللَّهِ ﷿ عَنْهُ.
«إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما تَعْبُدُونَ «١»»؟ .. ثُمَّ قَالَ:
«أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ أَنْتُمْ وَآباؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعالَمِينَ «٢»» .
وقال: «إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ «٣» أَيْ مِنَ الشِّرْكِ..
وَقَوْلُهُ: «وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ «٤»» .
فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: «لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ «٥»؟
قيل: إنه إن لم يؤيدني بِمَعُونَتِهِ أَكُنْ مِثْلَكُمْ فِي ضَلَالَتِكُمْ وَعِبَادَتِكُمْ عَلَى مَعْنَى الْإِشْفَاقِ وَالْحَذَرِ، وَإِلَّا فَهُوَ مَعْصُومٌ فِي الْأَزَلِ مِنَ الضَّلَالِ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ «وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا «٦»»
ثُمَّ قَالَ بَعْدُ عَنِ الرُّسُلِ: «قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا
_________________
(١) الشعراء اية «٧٠» .
(٢) الشعراء الايات «٧٥، ٧٦، ٧٧» .
(٣) الصافات اية «٨٤» .
(٤) «.. وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنامَ «ابراهيم اية ٣٥» .
(٥) الانعام اية «٧٧» .
(٦) «.. فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ «ابراهيم ايه ١٣» .
[ ٢ / ٢٦١ ]
فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها «١»» .
فَلَا يُشْكِلُ عَلَيْكَ لَفْظَةُ الْعَوْدِ وَأَنَّهَا تَقْتَضِي أَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعُودُونَ إِلَى مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ مِلَّتِهِمْ.
فَقَدْ تَأْتِي هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ لِغَيْرِ مَا لَيْسَ لَهُ ابْتِدَاءٌ، بِمَعْنَى الصَّيْرُورَةِ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْجَهَنَّمِيِّينَ «٢» عَادُوا حُمَمًا «٣»، وَلَمْ يَكُونُوا قَبْلُ كَذَلِكَ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ «٤»:
تِلْكَ الْمَكَارِمُ لَا قَعْبَانِ مِنْ لَبَنٍ شِيبَا بِمَاءٍ فَعَادَا بَعْدُ أَبْوَالَا
وَمَا كانا قَبْلُ كَذَلِكَ..
فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ «وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى «٥»»؟ فليس
_________________
(١) الاعراف اية «٨٩» .
(٢) أي الحديث الذي في حق أهل جهنم المروي في الصحيحين عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁.
(٣) حمما: بضم الحاء المهملة وفتح الميم بزنة صدد أي سوادا كالفحم جمع حمة.
(٤) وهو أمية بن ابي الصلت من قصيدة مدح بها سيف بن ذي يزن ملك اليمن لما ظفر بالحبشة وقد غلبوا على ملكه فغزاهم ونفاهم عن بلاده وذلك بعد مولد النبي ﷺ بسنتين فأتته وفود العرب تهنئه وفيهم قريش وعبد المطلب فأنشده أمية: لا تطلب الثأر الا كابن ذي يزن يتمم البحث للأعداء جوالا فاشرب هنيئا عليك الناج مرتفعا في رأس غمدان دارا منك محلالا والقط بالمسك اذ سالت نعامتهم وسائل اليوم من يرديك اسبالا تلك المكارم لا قعبان من لبن شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
(٥) الضحى اية «٧» .
[ ٢ / ٢٦٢ ]
هُوَ مِنَ الضَّلَالِ الَّذِي هُوَ الْكُفْرُ..
قِيلَ: ضَالًّا عَنِ النُّبُوَّةِ، فَهَدَاكَ إِلَيْهَا.. قَالَهُ الطَّبَرِيُّ «١» .
وَقِيلَ: وَجَدَكَ بَيْنَ أَهْلِ الضَّلَالِ فَعَصَمَكَ مِنْ ذَلِكَ، وَهَدَاكَ لِلْإِيمَانِ وَإِلَى إِرْشَادِهِمْ.
وَنَحْوُهُ عَنِ السُّدِّيِّ «٢» وَغَيْرِ وَاحِدٍ.
وَقِيلَ: ضَالًّا عَنْ شَرِيعَتِكَ أي لا تعرفها «٣» . فهداك إليها.
و«الضلال» ههنا التَّحَيُّرُ. وَلِهَذَا كَانَ ﷺ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فِي طَلَبِ مَا يَتَوَجَّهُ به إلى ربه ويتشرع به حتى هداه الله إِلَى الْإِسْلَامِ قَالَ مَعْنَاهُ الْقُشَيْرِيُّ «٤» .
وَقِيلَ: لَا تَعْرِفُ الْحَقَّ فَهَدَاكَ إِلَيْهِ..
وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تعالى: «وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ
«٥» قاله علي «٦» بن عيسى.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «٢» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٢» رقم «٣» .
(٣) وقد ورد ذلك في قوله تعالى (ان تضل احداهما فتذكر احداهما الآخرى) .
(٤) القشيري: تقدم ذكره انفا.
(٥) « وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا «النساء اية ١١٣» .
(٦) علي بن عيسى: المعروف بالرماني الامام في العربية والكلام شارح الكتاب.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «١» لَمْ تَكُنْ لَهُ ضَلَالَةُ مَعْصِيَةٍ.
وَقِيلَ: «هَدَى» أَيْ بَيَّنَ أَمْرَكَ بِالْبَرَاهِينِ.
وَقِيلَ: وَجَدَكَ ضَالًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَهَدَاكَ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَقِيلَ: الْمَعْنَى: وَجَدَكَ فَهَدَى بِكَ ضالا.
وعن جعفر «٢» بن محمد: ووجدك ضَالًّا عَنْ مَحَبَّتِي لَكَ فِي الْأَزَلِ.
أَيْ لَا تَعْرِفُهَا.. فَمَنَنْتُ عَلَيْكَ بِمَعْرِفَتِي..
وَقَرَأَ الْحَسَنُ «٣» بن علي ووجدك ضال «٤» فَهَدَى.. أَيِ اهْتَدَى بِكَ وَقَالَ ابْنُ عَطَاءٍ «٥»: ووجدك «ضالا» أي مُحِبًّا لِمَعْرِفَتِي..
«وَالضَّالُّ» الْمُحِبُّ كَمَا قَالَ «إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ «٦»» أي محبتك القديمة.. ولم يريدوا ههنا في الدين.. إذ قَالُوا ذَلِكَ فِي نَبِيِّ اللَّهِ لَكَفَرُوا..
وَمِثْلُهُ عِنْدَ هَذَا قَوْلُهُ: «إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ «٧»» أي محبة بيّنة
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٥» رقم «٦» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٩٢» رقم «٢» .
(٤) وهي قراءة شاذة.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٣» رقم «٦» .
(٦) « قالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ «يوسف اية ٩٥» .
(٧) « وَقالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُراوِدُ فَتاها عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَها حُبًّا إِنَّا لَنَراها فِي ضَلالٍ مُبِينٍ» يوسف «٣٠» .
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وَقَالَ الْجُنَيْدُ»
: وَوَجَدَكَ مُتَحَيِّرًا فِي بَيَانِ مَا أنزل إليك، فهداك لبيانه.
لقوله: «وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ.. «٢»» الْآيَةَ.
وَقِيلَ: وَوَجَدَكَ لَمْ يَعْرِفْكَ أَحَدٌ بِالنُّبُوَّةِ حَتَّى أَظْهَرَكَ فَهَدَى بِكَ السُّعَدَاءَ..
وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِيهَا: ضَالًّا عَنِ الْإِيمَانِ.
وَكَذَلِكَ فِي قِصَّةِ مُوسَى ﵇.
قوله «فَعَلْتُها إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ «٣»» أَيْ مِنَ الْمُخْطِئِينَ الْفَاعِلِينَ شَيْئًا بِغَيْرِ قَصْدٍ قَالَهُ ابْنُ عَرَفَةَ «٤» .
وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ «٥»: مَعْنَاهُ مِنَ النّاسين.
_________________
(١) الجنيد: هو أبو القاسم بن محمد الزاهد العابد شيخ وقته ووحيد عصره. وأصله من نهاوند ونشأ بالعراق، وتفقه يأخذه عن الثوري رحمه الله تعالى عنه وسفيان، واخذ الطريقة عن السري السقطي والمحاسبي، وتوفي سنة سبع وتسعين ومائتين، وهو من فقهاء الشافعية كما في طبقات السبكي، ودفن في الشوينزية عند خاله السري ببغداد.
(٢) «.. لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ «النحل اية ٤٤» .
(٣) الشعراء آية «٢٠» .
(٤) ابن عرفة: وهو الحسن العبدري المؤدب المحدث الثقة الذي روى عنه الترمذي وغيره وهو معمر عاش مائة وسبع أو عشر، وتوفي سنة سبع وخمسين ومائتين، وهو المراد هنا لا ابن عرفة الذي هو عبد الله بن ابراهيم بن محمد بن عرفة المعروف بنفطويه.
(٥) الازهري: أبو منصور محمد بن أحمد امام اهل اللغة صاحب التهذيب توفي سنة سبعين وثلاثمائة.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
وَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ: «وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى «١»» أَيْ نَاسِيًّا كَمَا قَالَ تَعَالَى: «أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما «٢» ..» فإن قلت فما معنى قوله «مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ «٣»» ..
فَالْجَوَابُ أَنَّ السَّمَرْقَنْدِيَّ «٤» قَالَ: مَعْنَاهُ: مَا كُنْتَ تَدْرِي قَبْلَ الْوَحْيِ أَنْ تَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَلَا كيف تدعو الخلق إلى الإيمان.
وقال أبو بَكْرٌ «٥» الْقَاضِي نَحْوَهُ.
قَالَ: وَلَا الْإِيمَانَ الَّذِي هُوَ الْفَرَائِضُ وَالْأَحْكَامُ.
قَالَ: فَكَانَ قَبْلُ مُؤْمِنًا بِتَوْحِيدِهِ ثُمَّ نَزَلَتِ الْفَرَائِضُ الَّتِي لَمْ يَكُنْ يَدْرِيهَا قَبْلُ فَزَادَ بِالتَّكْلِيفِ إِيمَانًا وَهُوَ أَحْسَنُ وُجُوهِهِ..
فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ؟ ..
«وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ «٦»» ..
فَاعْلَمْ: أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ «وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ «٧»»
_________________
(١) الضحى اية «٧» .
(٢) «.. فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى.. البقرة اية «٢٨» .
(٣) «.. وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. الشورى اية «٥٢» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥١» رقم «٢» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٣٤» رقم «٤» .
(٦) «.. نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِما أَوْحَيْنا إِلَيْكَ هذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغافِلِينَ» يوسف اية «٣» .
(٧) «إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنا وَرَضُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا وَاطْمَأَنُّوا بِها وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آياتِنا غافِلُونَ» يونس اية «٧» .
[ ٢ / ٢٦٦ ]
بَلْ حَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ «١» الْهَرَوِيُّ: أَنَّ مَعْنَاهُ: لَمِنَ الْغَافِلِينَ عَنْ قِصَّةِ يُوسُفَ.. إِذْ لَمْ تَعْلَمْهَا إِلَّا بِوَحْيِنَا.
وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ «٢» الَّذِي يَرْوِيهِ عُثْمَانُ «٣» بْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدِهِ عَنْ جابر «٤» أن النبي ﷺ قد كَانَ يَشْهَدُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ مَشَاهِدَهُمْ..
فَسَمِعَ مَلَكَيْنِ خَلْفَهُ أَحَدُهُمَا يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: اذْهَبْ حَتَّى تَقُومَ خَلْفَهُ.
فَقَالَ الْآخَرُ.. كَيْفَ أَقُومُ خَلْفَهُ وَعَهْدُهُ باستلام الأصنام.. فلم يشهدهم بعد..
فهذا الحديث أَنْكَرَهُ أَحْمَدُ «٥» بْنُ حَنْبَلٍ جِدًّا.. وَقَالَ: هُوَ مَوْضُوعٌ أَوْ شَبِيهٌ بِالْمَوْضُوعِ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ «٦»: يُقَالُ: إِنَّ عُثْمَانَ «٣» وَهِمَ فِي إِسْنَادِهِ.
وَالْحَدِيثُ بِالْجُمْلَةِ مُنْكَرٌ غَيْرُ مُتَّفَقٌ عَلَى إِسْنَادِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ..
وَالْمَعْرُوفُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خِلَافُهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
مِنْ قَوْلِهِ «بغضت إلى الأصنام» .
_________________
(١) أبو عبد الله الهروي: امام أهل اللغة.
(٢) أخرجه أبو يعلى الموصلي في مسنده.
(٣) عثمان بن أبي شيبة: وهو من المحدثين الا انه ضعيف على ما يأتي لانه نسب له أوهام ولكن ابن معين قال: انه ثقة مأمون. توفي سنة تسع وثلاثين ومائتين.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٤» رقم «١» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٦٥» رقم «١» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٨» رقم «١» .
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «١» الَّذِي رَوَتْهُ أُمُّ أَيْمَنَ «٢» حِينَ كَلَّمَهُ عَمُّهُ وَآلُهُ فِي حُضُورِ بَعْضِ أَعْيَادِهِمْ.. وَعَزَمُوا عَلَيْهِ فِيهِ بَعْدَ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ.. فَخَرَجَ مَعَهُمْ وَرَجَعَ مَرْعُوبًا.. فَقَالَ: «كُلَّمَا دَنَوْتُ مِنْهَا مِنْ صَنَمٍ تَمَثَّلَ لِي شَخْصٌ أَبْيَضُ طَوِيلٌ يَصِيحُ بِي- وَرَاءَكَ- لَا تَمَسَّهُ..» فَمَا شَهِدَ بَعْدُ لَهُمْ عِيدًا.
وَقَوْلُهُ فِي قِصَّةِ بَحِيرَا «٣» حِينَ اسْتَحْلَفَ النَّبِيَّ ﷺ بِاللَّاتِ وَالْعُزَّى.
إِذْ لَقِيَهُ بِالشَّامِ فِي سَفْرَتِهِ مَعَ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ صبي ورأى عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ فَاخْتَبَرَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: «لَا تَسْأَلْنِي بِهِمَا فَوَاللَّهِ مَا أَبْغَضْتُ شَيْئًا قَطُّ بُغْضَهُمَا فَقَالَ لَهُ بَحِيرَا: فَبِاللَّهِ إِلَّا مَا أَخْبَرْتَنِي عَمَّا أَسْأَلُكَ عَنْهُ.. فَقَالَ: سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ..»
- وَكَذَلِكَ الْمَعْرُوفُ مِنْ سِيرَتِهِ ﷺ وَتَوْفِيقِ اللَّهِ لَهُ، أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ يُخَالِفُ الْمُشْرِكِينَ فِي وُقُوفِهِمْ بِمُزْدَلِفَةَ فِي الْحَجِّ.. فَكَانَ يَقِفُ هُوَ بِعَرَفَةَ لِأَنَّهُ كَانَ موقف إبراهيم «٤» ﵇
_________________
(١) رواه ابن سعد عن ابن عباس عن أم أيمن.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٥٨) رقم (٥) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٧١٩) رقم (٢) .
(٤) كما في صحيح البخاري.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
الفصل الثالث معرفة الأنبياء بأمور الدّنيا
قَدْ بَانَ بِمَا قَدَّمْنَاهُ عُقُودُ الْأَنْبِيَاءِ فِي التوحيد، والإيمان، والوحي، وعصمتهم في ذلك على مَا بَيَّنَاهُ.
فَأَمَّا مَا عَدَا هَذَا الْبَابَ مِنْ عُقُودِ قُلُوبِهِمْ، فَجِمَاعُهَا أَنَّهَا مَمْلُوءَةٌ عِلْمًا ويقينا على الجملة.. وأنها احْتَوَتْ مِنَ الْمَعْرِفَةِ وَالْعِلْمِ بِأُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا مالا شَيْءَ فَوْقَهُ..
وَمَنْ طَالَعَ الْأَخْبَارَ، وَاعْتَنَى بِالْحَدِيثِ وَتَأَمَّلَ مَا قُلْنَاهُ وَجَدَهُ.
وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْهُ في حق نبينا ﷺ فِي الْبَابِ الرَّابِعِ- أَوَّلَ قِسْمٍ مِنْ هَذَا الكتاب- ما بينه عَلَى مَا وَرَاءَهُ.. إِلَّا أَنَّ أَحْوَالَهُمْ فِي هذه المعارف تختلف..
- فأما ما يتعلق منها بأمر «١» الدنيا، فلا يشترط في حق
_________________
(١) مثل حادثة تأبير النخل التي رجع فيها ﷺ عن رأي أبداه، ومثل رجوعه لقول الحباب بن المنذر في معركة بدر.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
الْأَنْبِيَاءِ الْعِصْمَةُ مِنْ عَدَمِ مَعْرِفَةِ الْأَنْبِيَاءِ بِبَعْضِهَا، أَوِ اعْتِقَادِهَا عَلَى خِلَافِ مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَلَا وَصْمَ عَلَيْهِمْ فِيهِ.. إِذْ هِمَمُهُمْ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْآخِرَةِ وَأَنْبَائِهَا.. وَأَمْرِ الشَّرِيعَةِ وَقَوَانِينِهَا.. وَأُمُورُ الدُّنْيَا تضادها.
- بخلاف غيرهم من أهل الدنيا الذبن «يَعْلَمُونَ ظاهِرًا مِنَ الْحَياةِ الدُّنْيا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غافِلُونَ «١»» كَمَا سَنُبَيِّنُ هَذَا فِي الْبَابِ الثَّانِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ.. وَلَكِنَّهُ.. لَا يُقَالُ إِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا!!. فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الْغَفْلَةِ وَالْبَلَهِ، - وَهُمُ الْمُنَزَّهُونَ عَنْهُ.
بَلْ قَدْ أُرْسِلُوا إِلَى أَهْلِ الدُّنْيَا، وَقُلِّدُوا سِيَاسَتَهُمْ وَهِدَايَتَهُمْ، وَالنَّظَرَ فِي مَصَالِحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ، وَهَذَا لَا يَكُونُ مَعَ عَدَمِ الْعِلْمِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا بِالْكُلِّيَّةِ، وَأَحْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ وَسِيَرُهُمْ فِي هَذَا الْبَابِ مَعْلُومَةٌ، وَمَعْرِفَتُهُمْ بِذَلِكَ كُلِّهِ مَشْهُورَةٌ..
- وَأَمَّا إِنْ كَانَ هَذَا الْعَقْدُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ فَلَا يَصِحُّ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا الْعِلْمُ بِهِ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ جَهْلُهُ جُمْلَةً..
لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ حَصَلَ عِنْدَهُ ذَلِكَ عَنْ وحي من الله..
_________________
(١) الروم اية (٧) .
[ ٢ / ٢٧٠ ]
فهو ما لَا يَصِحُّ الشَّكُّ مِنْهُ فِيهِ..- عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ- فَكَيْفَ الْجَهْلُ..
بَلْ حَصَلَ لَهُ الْعِلْمُ الْيَقِينُ أَوْ يَكُونُ فَعَلَ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ- عَلَى الْقَوْلِ بِتَجْوِيزِ وُقُوعِ الِاجْتِهَادِ مِنْهُ فِي ذَلِكَ عَلَى قَوْلِ الْمُحَقِّقِينَ-. وَعَلَى مُقْتَضَى حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ «١»: إِنِّي «إِنَّمَا أَقْضِي بَيْنَكُمْ بِرَأْيِي فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهِ شَيْءٌ.» خَرَّجَهُ الثِّقَاتُ «٢» .
وَكَقِصَّةِ أَسْرَى بَدْرٍ «٣»، وَالْإِذْنِ لِلْمُتَخَلِّفِينَ «٤»، عَلَى رَأْيِ بَعْضِهِمْ- فَلَا يَكُونُ أَيْضًا مَا يَعْتَقِدُهُ مِمَّا يُثْمِرُهُ اجْتِهَادُهُ إِلَّا حَقًّا وَصَحِيحًا..
هَذَا هُوَ الْحَقُّ الَّذِي لَا يُلْتَفَتُ إِلَى خِلَافِ مَنْ خَالَفَ فِيهِ مِمَّنْ أَجَازَ عَلَيْهِ الْخَطَأَ فِي الِاجْتِهَادِ.
لَا عَلَى الْقَوْلِ بِتَصْوِيبِ الْمُجْتَهِدِينَ الَّذِي هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ عِنْدَنَا.. وَلَا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ بأن الحق في طرف واحد..
لعصمة النبي ﷺ مِنَ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ فِي الشَّرْعِيَّاتِ.
- وَلِأَنَّ الْقَوْلَ فِي تَخْطِئَةِ الْمُجْتَهِدِينَ إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الشَّرْعِ.
وَنَظَرُ النَّبِيِّ ﷺ وَاجْتِهَادُهُ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهِ شَيْءٌ.. ولم يشرع له قبل.
_________________
(١) تقدمت ترجمتها في ج ١ ص (٢٨٦) رقم (١) .
(٢) أي رواه مسندا من يوثق به كأبي داود وغيره. فهو حديث صحيح.
(٣) كما في صحيح مسلم.
(٤) في غزوة تبوك.
[ ٢ / ٢٧١ ]
هَذَا فِيمَا عَقَدَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ قلبه.
- فأما مالم يَعْقِدْ عَلَيْهِ قَلْبَهُ مِنْ أَمْرِ النَّوَازِلِ الشَّرْعِيَّةِ، فَقَدْ كَانَ لَا يَعْلَمُ مِنْهَا أَوَّلًا إِلَّا ما علمه الله شيئا، حتى استقر علم جملتها عِنْدَهُ إِمَّا بِوَحْيٍ مِنَ اللَّهِ، أَوْ إِذْنٍ أَنْ يَشْرَعَ فِي ذَلِكَ وَيَحْكُمَ بِمَا أَرَاهُ اللَّهُ.
وَقَدْ كَانَ يَنْتَظِرُ الْوَحْيَ فِي كَثِيرٍ منها، ولكنه لم يمت حتى استفرغ عِلْمُ جَمِيعِهَا عِنْدَهُ ﷺ.. وَتَقَرَّرَتْ مَعَارِفُهَا لَدَيْهِ عَلَى التَّحْقِيقِ وَرَفْعِ الشَّكِّ وَالرَّيْبِ، وَانْتِفَاءِ الْجَهْلِ.. وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ الْجَهْلُ بِشَيْءٍ مِنْ تَفَاصِيلِ الشَّرْعِ الَّذِي أُمِرَ بِالدَّعْوَةِ إِلَيْهِ.. إِذْ لَا تَصِحُّ دَعْوَتُهُ إِلَى مَا لَا يَعْلَمُهُ.
- وَأَمَّا مَا تَعَلَّقَ بِعَقْدِهِ من ملكوت السماوات والأرض، وخلق الله، وَتَعْيِيِنِ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى، وَآيَاتِهِ الْكُبْرَى، وَأُمُورِ الْآخِرَةِ، وَأَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَأَحْوَالِ السُّعَدَاءِ وَالْأَشْقِيَاءِ. وَعَلِمَ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ «١» مِمَّا لَمْ يَعْلَمْهُ إِلَّا بِوَحْيٍ.. فَعَلَى مَا تَقَدَّمَ..
مِنْ أَنَّهُ مَعْصُومٌ فِيهِ لَا يَأْخُذُهُ فِيمَا أَعْلَمُ مِنْهُ شَكٌّ وَلَا رَيْبٌ.. بَلْ هُوَ فِيهِ عَلَى غَايَةِ الْيَقِينِ.. لَكِنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ لَهُ الْعِلْمَ بِجَمِيعِ تفاصيل ذلك.
_________________
(١) كما في حديث حذيفة المشهور.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
وَإِنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ مَا ليس عند جميع البشر.
لقوله ﷺ «١»: «إِنِّي لَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي رَبِّي» .
وَلِقَوْلِهِ «٢»: وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ» .
«فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ» «٣» .
وَقَوْلِ مُوسَى لِلْخَضِرِ»
: «هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا» «٥» .
وقوله ﷺ «٦»: «أسألك بأسمائك الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم» وَقَوْلِهِ «٧»: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ به نفسك أو استأثرت بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ.»
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ «٨»» .
قَالَ زَيْدُ «٩» بْنُ أَسْلَمَ وَغَيْرُهُ: حَتَّى يَنْتَهِيَ العلم إلى الله..
_________________
(١) في حديث رواه البيهقي.
(٢) في حديث روي في الصحيحين وهو حديث قدسي.
(٣) «.. جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (السجدة ١٧) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢٣» رقم «١» .
(٥) الكهف اية (٦٦) .
(٦) في حديث صحيح رواه الديلمي عن أنس ﵁ في بعض الادعية المأثورة
(٧) في حديث رواه أحمد في مسنده.
(٨) يوسف اية (٧٦) .
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٥٢) رقم (٢) .
[ ٢ / ٢٧٣ ]
وَهَذَا مَا لَا خَفَاءَ بِهِ، إِذْ مَعْلُومَاتُهُ تعالى لَا يُحَاطُ بِهَا وَلَا مُنْتَهَى لَهَا.
هَذَا حُكْمُ عَقْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي التَّوْحِيدِ وَالشَّرْعِ وَالْمَعَارِفِ وَالْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
الْفَصْلُ الرَّابِعُ الْعِصْمَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى عِصْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَكِفَايَتِهِ مِنْهُ، لَا فِي جِسْمِهِ بِأَنْوَاعِ الْأَذَى، وَلَا عَلَى خَاطِرِهِ بالوساوس.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ «١» بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ «٢»:
«ما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ، وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ.. قَالُوا: وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ .. قَالَ: وَإِيَّايَ..
وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَأَسْلَمَ «٣»» .
زَادَ غَيْرُهُ عَنْ مَنْصُورٍ «٤» «فلا يأمرني إلا بخير..»
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٢١٤) رقم (٢) .
(٢) في حديث رواه مسلم عن سالم بن أبي الجعد عن أبيه عن ابن مسعود، وواه من طريق آخر لعلو سنده فيه وعظم رجاله.
(٣) فأسلم: اما بصيغة الماضي والضمير فيه يعود على الشيطان اي دخل الشيطان في الاسلام واستبعد بعضهم هذا لان الشيطان لا يسلم قط، أو بصيغة المضارع والضمير فيه يعود على النبي ﷺ اي أسلم من شروره.
(٤) منصور: المعتمد من رواة هذا الحديث.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
وعن عائشة «١» بمعناه روي: «فَأَسْلَمُ» بِضَمِّ الْمِيمِ.. أَيْ فَأَسْلَمُ «٢» أَنَا مِنْهُ.
وَصَحَّحَ بَعْضُهُمْ هَذِهِ الرِّوَايَةَ «٣» وَرَجَّحَهَا.
وَرُوِيَ «فَأَسْلَمَ «٤»» يَعْنِي الْقَرِينَ أَنَّهُ انْتَقَلَ مِنْ حَالِ كُفْرِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ فَصَارَ لَا يَأْمُرُ إِلَّا بِخَيْرٍ كَالْمَلَكِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ..
وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ «فَاسْتَسْلَمَ..»
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ. فَإِذَا كَانَ هَذَا حُكْمَ شَيْطَانِهِ وَقَرِينِهِ الْمُسَلَّطِ عَلَى بَنِي آدَمَ «٥» فَكَيْفَ بِمَنْ بَعُدَ مِنْهُ «٦» وَلَمْ يَلْزَمْ صُحْبَتَهُ وَلَا أُقْدِرَ عَلَى الدُّنُوِّ مِنْهُ!! ..
وَقَدْ جَاءَتِ الْآثَارُ بِتَصَدِّي الشَّيَاطِينِ لَهُ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ «٧» رَغْبَةً فِي إِطْفَاءِ نُورِهِ، وَإِمَاتَةِ نفسه، وإدخال شغل عليه، إذ يئسوا
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٤٦) رقم (٥) .
(٢) وفي رواية اي (اسلم منه) .
(٣) وحديث عائشة موجود في مسلم
(٤) ورواية (فاسلم) يشهد لها ما روي: كان شيطان ادم كافرا وشيطاني مسلما كما قال ابن الاثير.. وقد رجح القاضي عياض الفتح وقد قال الخطابي ﵀ ان الفتح هو المختار عندهم، ويؤيد هذا ما أخرجه البيهقي وابن الجوزي في الوفاء عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُمَا أَنَّهُ ﷺ قَالَ: فضلت على ادم بخصلتين، كان شيطاني كافرا فأعانني الله عليه حتى اسلم وكن أزواجي عونا لي، وكان شيطان ادم كافرا، وكانت زوجته عونا على خطيئاته.
(٥) وفي نسخة (على كل أحد من بني آدم) .
(٦) ويروى (عنه) .
(٧) وفي نسخة في (كل موطن) .
[ ٢ / ٢٧٦ ]
مِنْ إِغْوَائِهِ فَانْقَلَبُوا خَاسِرِينَ.. كَتَعَرُّضِهِ لَهُ فِي الصلاة فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ ﷺ وَأَسَرَهُ «١» .
فَفِي الصِّحَاحِ «٢» قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ «٣» عَنْهُ ﷺ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ عَرَضَ «٤» لِي..» قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ «٥» «فِي صُورَةِ هِرٍّ.. فَشَدَّ عَلَيَّ يَقْطَعُ عَلَيَّ الصَّلَاةَ فَأَمْكَنَنِي اللَّهُ مِنْهُ فَذَعَتُّهُ «٦»
وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أُوثِقَهُ إِلَى سَارِيَةٍ حَتَّى تُصْبِحُوا تَنْظُرُونَ إِلَيْهِ فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا..» «٧» الْآيَةَ.. فَرَدَّهُ اللَّهُ خَاسِئًا.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ «٨» عَنْهُ ﷺ «٩»: «إِنَّ عَدُوَّ اللَّهِ إِبْلِيسَ جَاءَنِي بِشِهَابٍ مِنْ نَارٍ لِيَجْعَلَهُ فِي وَجْهِي وَالنَّبِيُّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ» وَذَكَرَ تَعَوُّذَهُ بِاللَّهِ مِنْهُ ولعنه له.. «ثم أردت أن آخذه» «١٠» وذكر
_________________
(١) ويروى (فأسره) .
(٢) أي الاحاديث الصحيحة المروية في البخاري ومسلم وغيرهما.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥» .
(٤) وفي نسخة (تعرض لي) .
(٥) عبد الرزاق: بن همام الامام الحافظ وذلك من زيادته على الصحيحين
(٦) ذعته: أي خنقته خنقا شديدا، او دفعته دفعا عنيفا، او معكته في التراب كالغطس في الماء.
(٧) « لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ سورة ص آية (٣٥)
(٨) أبو الدرداء: هو عويمر واختلف في اسم أبيه على اقوال فقيل عامر وقيل مالك وقيل قيس وقيل ثعلبة وهو أنصاري خزرجي أسلم عقب بدر وتوفي سنة ٣٢ هـ واخرج له أحمد والستة وله مناقب مشهورة.
(٩) رواه البيهقي عن عبد الرحمن بن جيش.
(١٠) وفي نسخة (اردت اخذه) .
[ ٢ / ٢٧٧ ]
نحوه وقال: «لأصبح موثقا بتلاعب بِهِ وِلْدَانُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ..
وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِهِ فِي الْإِسْرَاءِ: وَطَلَبِ عِفْرِيتٍ لَهُ بِشُعْلَةِ نَارٍ فَعَلَّمَهُ جِبْرِيلُ مَا يَتَعَوَّذُ بِهِ مِنْهُ» ذَكَرَهُ فِي الْمُوَطَّأِ وَلَمَّا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَذَاهُ بِمُبَاشَرَتِهِ تَسَبَّبَ بِالتَّوَسُّطِ إِلَى عِدَاهُ كَقَضِيَّتِهِ مَعَ قُرَيْشٍ فِي الِائْتِمَارِ بِقَتْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَصَوُّرِهِ فِي صُورَةِ الشَّيْخِ النَّجْدِيِّ.
- ومرة أخرى في غزوة يوم بَدْرٍ «١» فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ «٢» بْنِ مَالِكٍ وَهُوَ قوله: «وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ..» «٣» الْآيَةَ.
- وَمَرَّةً يُنْذِرُ بِشَأْنِهِ عِنْدَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ.. وكل هذا فقد كفاه أَمْرَهُ، وَعَصَمَهُ ضُرَّهُ وَشَرَّهُ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ «٤»: «إِنَّ عِيسَى ﵇ كُفِيَ مِنْ لَمْسِهِ، فَجَاءَ لِيَطْعَنَ بِيَدِهِ فِي خاصرته حين ولد فطعن في الحجاب «٥»» .
_________________
(١) في حديث رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس كما قاله السيوطي رحمه الله تعالى ولم يورد في الحديث.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٣٠» رقم «٥» .
(٣) «.. وَقالَ لا غالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ.» الانفال (٤٨) .
(٤) في حديث رواه الشيخان عن ابي هريرة.
(٥) الحجاب: قيل هو المشيمية وقيل حجبه الله بحجوب خاص. وقيل ما حجبته امه به والحديث في مسلم (ما من مولود يولد الا نخسه الشيطان فيستهل صارخا من نخسه) قال القرطبي في شرحه أي في اول وقت ولادته يسلط عليه بنخسه الا مريم وابنها ﵉ لدعوة ام مريم.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
وَقَالَ ﷺ حِينَ لُدَّ»
في مرضه «٢»، وفيل لَهُ: خَشِينَا أَنْ يَكُونَ بِكَ ذَاتُ الْجَنْبِ.. فَقَالَ: «إِنَّهَا مِنَ الشَّيْطَانِ وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيُسَلِّطَهُ عَلَيَّ «٣» ..
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ «٤» ..» الاية!! ..
فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: إِنَّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى قوله: «وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ «٥»» ثُمَّ قَالَ: «وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ» أَيْ يَسْتَخِفَّكَ غَضَبٌ يَحْمِلُكَ عَلَى تَرْكِ الْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ..
وقيل: «النزغ» هنا الفساد.
كما قال «مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي «٦» ..»
وَقِيلَ «يَنْزَغَنَّكَ» يُغْرِيَنَّكَ وَيُحَرِّكَنَّكَ «وَالنَّزْغُ» أَدْنَى الْوَسْوَسَةِ «٧»
_________________
(١) لد: أي وضع له دواه بمائع من ماء واجزاء حارة في احد شقي الفم يتغرغر به ثم يشربه.
(٢) في مرضه الذي مات فيه: ولما أرادوا ان يلدوه ﷺ أشار عليهم أن لا تفعلوا فظنوه لكراهة المريض الدواء فلما أفاق قال: لم يبق أحد في البيت لا لد) عقوبة لهم لما تألم..
(٣) وهذا الحديث في الموطأ..
(٤) «.. إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ» الاعراف اية (٢٠٠) .
(٥) «.. خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ» الاعراف (١٩٩)
(٦) «.. إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِما يَشاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ» يوسف (١٠٠) .
(٧) الوسوسة: الصوت الخفي. ويقال لصوت الحلي وسوسة، والعامة تقول وشوشة بدل وسوسة.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
فَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ مَتَى تَحَرَّكَ عَلَيْهِ غَضَبٌ عَلَى عَدُوِّهِ أَوْ رَامَ الشَّيْطَانُ مِنْ إغرائه به وخواطر أدنى وساوسه ما لَمْ يُجْعَلْ لَهُ سَبِيلٌ إِلَيْهِ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْهُ. فَيُكْفَى أَمْرُهُ وَيَكُونُ سَبَبَ تَمَامِ عِصْمَتِهِ إِذْ لَمْ يُسَلَّطْ عَلَيْهِ بِأَكْثَرَ مِنَ التَّعَرُّضِ له.. ولم يجعل له قُدْرَةٌ عَلَيْهِ.
وَقَدْ قِيلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرُ هَذَا..
وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَتَصَوَّرَ لَهُ الشَّيْطَانُ فِي صُورَةِ الْمَلَكِ وَيُلَبِّسَ عَلَيْهِ لَا فِي أَوَّلِ الرِّسَالَةِ وَلَا بَعْدَهَا.. وَالِاعْتِمَادُ فِي ذَلِكَ دَلِيلُ الْمُعْجِزَةِ بَلْ لَا يَشُكُّ النَّبِيُّ أَنَّ مَا يَأْتِيهِ مِنَ اللَّهِ الْمَلَكُ وَرَسُولُهُ حَقِيقَةً.. إِمَّا بِعِلْمٍ ضَرُورِيٍّ يَخْلُقُهُ اللَّهُ لَهُ.. أَوْ بِبُرْهَانٍ يُظْهِرُهُ لَدَيْهِ لِتَتِمَّ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا.. لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ..
فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى «١» أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ «٢»» الْآيَةَ!!
فَاعْلَمْ أَنَّ لِلنَّاسِ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ أَقَاوِيلَ «٣»، مِنْهَا السَّهْلُ وَالْوَعْثُ «٤»، وَالسَّمِينُ، وَالْغَثُّ «٥» .
_________________
(١) التمني: هنا بمعنى التلاوة وذكر الكسائي والفراء انه يقال تمنى اذا حدث نفسه، قال القرطبي وهو المعروف في اللغة.
(٢) : فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» الحج (٥٢)
(٣) أقاويل: جمع اقوال فهو جمع الجمع.
(٤) الوعث: المكان الكثير الرمل الذي يشق المشي فيه ثم استعمل لمعنى الشاق ومنه دعاؤه ﷺ (اللهم اني أعوذ بك من وعثاء السفر)
(٥) الغث: الناقة الهزيلة.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وَأَوْلَى مَا يُقَالُ فِيهَا مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ من المفسرين: أن «التمني» ههنا التِّلَاوَةُ.. وَإِلْقَاءَ الشَّيْطَانِ فِيهَا إِشْغَالُهُ بِخَوَاطِرَ وَأَذْكَارٍ من أمور الدنيا للتّالي، حَتَّى يُدْخِلَ عَلَيْهِ الْوَهْمَ وَالنِّسْيَانَ فِيمَا تَلَاهُ، أَوْ يُدْخِلَ غَيْرَ ذَلِكَ عَلَى أَفْهَامِ السَّامِعِينَ مِنَ التَّحْرِيفِ، وَسُوءِ التَّأْوِيلِ، مَا يُزِيلُهُ اللَّهُ وَيَنْسَخُهُ، وَيَكْشِفُ لَبْسَهُ، وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ.
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ على هذه الاية بعد بِأَشْبَعَ مِنْ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَقَدْ حكي السمرقندي «١» إنكار قول من قال بتسلط الشيطان على ملك سليمان وغلبته.. وَأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَصِحُّ. وَقَدْ ذَكَرْنَا قِصَّةَ سُلَيْمَانَ مُبَيَّنَةً بَعْدَ هَذَا، وَمَنْ قَالَ إِنَّ الْجَسَدَ هُوَ الْوَلَدُ الَّذِي وُلِدَ لَهُ..
وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ «٢» مَكِّيٌّ فِي قِصَّةِ أَيُّوبَ وقوله: «أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ «٣»»: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَأَوَّلَ أَنَّ الشَّيْطَانَ هُوَ الَّذِي أَمْرَضَهُ، وَأَلْقَى الضُّرَّ فِي بَدَنِهِ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِفِعْلِ اللَّهِ وأمره ليبتليهم ويثيبهم «٤» ..
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥١» رقم «٢» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٧» رقم «٧» .
(٣) «.. وَاذْكُرْ عَبْدَنا أَيُّوبَ إِذْ نادى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطانُ بِنُصْبٍ وَعَذابٍ سورة ص اية (٤١) .
(٤) وفي نسخة (ويثبتهم) .
[ ٢ / ٢٨١ ]
قال مكي: وقيل: إن الذي أصابه الشَّيْطَانُ مَا وَسْوَسَ بِهِ إِلَى أَهْلِهِ فَإِنْ قلت: فما معنى قوله تعالى في يوشع «١»: «وَما أَنْسانِيهُ إِلَّا الشَّيْطانُ «٢» ..» وَقَوْلِهِ عَنْ يُوسُفَ: «فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ «٣»» وَقَوْلِ نَبِيِّنَا ﷺ حِينَ نام عن الصَّلَاةِ يَوْمَ الْوَادِي «٤»: «إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ.. وَقَوْلِ مُوسَى ﵇ فِي وَكْزَتِهِ «٥»: «هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ «٦»» !!
فَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ قَدْ يَرِدُ فِي جميع هَذَا عَلَى مَوْرِدِ مُسْتَمِرِّ كَلَامِ الْعَرَبِ فِي وَصْفِهِمْ كُلَّ قَبِيحٍ مِنْ شَخْصٍ أَوْ فِعْلٍ بالشيطان أو فعله.
_________________
(١) يوشع بن نون بن افرائيم بن يوسف بن يعقوب وهو نبي وكان في زمن موسى ﵇، وهو الذي اقام لبني اسرائيل احكام التوراة بعده وقاتل الجبارين وردت له الشمس، وهو فتى موسى المذكور في سورة الكهف.
(٢) «.. أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا» الكهف اية (٦٣) .
(٣) «.. فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ» يوسف (٤٢) .
(٤) كما في الموطأ.. وفي البخاري عن عمران بن حصين: (كنافي سفر مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حتى كنا في اخر الليل. رقدنا رقدة لا أحلى منها عند المسافر فما ايقظنا الا حر الشمس فكبر عمر حتى استيقظ رسول الله ﷺ وكانوا قالوا له لو عرشت بنا يا رسول الله.. فقال: اخاف أن تناموا عن الصلاة فقال بلال: انا اوقظكم فاضطجعوا وأسند بلال ظهره لراحلته فغلبته عيناه فنام حتى طلعت الشمس وقال: ما ألقيت علي نومة مثلها قط، فأمرهم رسول الله ﷺ بالارتحال عن؟؟؟ ثم نزل وتوضأ وصلّى بهم) وفي مصنف عبد الرزاق عن عطاء بن يسار انه كان ببطن تبوك.. ونحوه في دلائل البيهقي، وقيل انه بغزوة مؤتة.
(٥) وفي نسخة (وكزه) .
(٦) «.. إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ» القصص (١٥)
[ ٢ / ٢٨٢ ]
كما قال تعالى: «طَلْعُها كَأَنَّهُ رُؤُسُ الشَّياطِينِ «١»» .
وَقَالَ ﷺ «٢»: «فَلْيُقَاتِلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ» .
وَأَيْضًا «٣» فَإِنَّ قَوْلَ يُوشَعَ لَا يَلْزَمُنَا الْجَوَابُ عَنْهُ، إِذْ لَمْ يَثْبُتْ لَهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ نُبُوَّةٌ مَعَ مُوسَى.
قَالَ الله تعالى: «وَإِذْ قالَ مُوسى لِفَتاهُ «٤»» .
والمروي أنه إنما نبيء بَعْدَ مَوْتِ مُوسَى. وَقِيلَ: قُبَيْلَ «٥» مَوْتِهِ.
وَقَوْلُ مُوسَى كَانَ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ بِدَلِيلِ الْقُرْآنِ وَقِصَّةُ يُوسُفَ قَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ.
وقد قال المفسرون في قوله: «فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ» «٦» قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الَّذِي أَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ أَحَدُ صَاحِبَيِ السِّجْنِ «وَرَبُّهُ» الْمَلِكُ.. أَيْ أَنْسَاهُ أَنْ يَذْكُرَ لِلْمَلِكِ شَأْنَ يُوسُفَ ﵇.
_________________
(١) الصافات. (٦٥) وقد عرض هذا الاشكال على ابي عبيدة معمر بن المثنى في ان العرب لا تعرف رؤوس الشياطين فلم شبه ثمر شجرة الزقوم بشيء لا تعرفه العرب» فقال: ان العرب تشبه القبيح من الشيء او القول او الفعل بشيء قبيح اخر وان لم يروه وذلك مثل قول امرىء القيس: ومسنونة زرق كأنياب اغوال.. مع انهم لم يروا الغول حتما ولا أنيابه، ولكن لما توارد قبحه عنده في قصصهم شبهوا به
(٢) في حديث رواه الشيخان رحمهما الله في المار بين يدي المصلي.
(٣) أيضا: مشتقة من آضي يئيض اذا رجع.
(٤) «.. لا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا.. الكهف (٦٠)
(٥) وفي نسخة (قبل) .
(٦) «.. ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ» يوسف (٤٢) .
[ ٢ / ٢٨٣ ]
وَأَيْضًا.. فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا مِنْ فِعْلِ الشَّيْطَانِ ليس فيه تسلط على يوسف ﵇ وَيُوشَعَ بِوَسَاوِسَ وَنَزْغٍ، وَإِنَّمَا هُوَ بِشَغْلِ خَوَاطِرِهِمَا بأمور أخر، وتذكير هما من أمور هما مَا يُنْسِيهِمَا مَا نَسِيَا.
وَأَمَّا قَوْلُهُ ﷺ: «إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ» فَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ تَسَلُّطِهِ عَلَيْهِ وَلَا وَسْوَسَتِهِ لَهُ.. بَلْ إِنْ كَانَ بِمُقْتَضَى ظَاهِرِهِ فَقَدْ بَيَّنَ أَمْرَ ذَلِكَ الشَّيْطَانِ بِقَوْلِهِ «١»: «إِنَّ الشَّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا فَلَمْ يَزَلْ يُهَدِّئُهُ كَمَا يُهَدَّأُ الصَّبِيُّ حَتَّى نَامَ..»
فَاعْلَمْ أَنَّ تَسَلُّطَ الشَّيْطَانِ فِي ذَلِكَ الْوَادِي إِنَّمَا كَانَ عَلَى بِلَالٍ الْمُوَكَّلِ بِكَلَاءَةِ «٢» الْفَجْرِ. هَذَا إِنْ جَعَلْنَا قَوْلَهُ: «إِنَّ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ» تَنْبِيهًا عَلَى سَبَبِ النَّوْمِ عَنِ الصَّلَاةِ.
وَأَمَّا إِنْ جَعَلْنَاهُ تَنْبِيهًا عَلَى سَبَبِ الرَّحِيلِ عَنِ الْوَادِي، وَعِلَّةً لِتَرْكِ الصَّلَاةِ بِهِ، وَهُوَ دَلِيلُ مَسَاقِ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ «٣»، فَلَا اعْتِرَاضَ بِهِ في هذا الباب لبيانه وارتفاع اشكاله..
_________________
(١) في رواية مالك والبيهقي عن زيد بن أسلم.
(٢) وفي نسخة (بكلاءته) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٧٠» رقم «٧» .
[ ٢ / ٢٨٤ ]
الْفَصْلُ الْخَامِسُ صِدْقُ أَقْوَالِهِ ﷺ في جميع أحواله
وأما أقواله ﷺ، فقد قامت الدَّلَائِلُ «١» الْوَاضِحَةُ بِصِحَّةِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى صِدْقِهِ، وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ فِيمَا كَانَ طَرِيقُهُ الْبَلَاغَ أَنَّهُ مَعْصُومٌ فِيهِ مِنَ الْإِخْبَارِ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَا بِخِلَافِ مَا هُوَ بِهِ لَا قَصْدًا وَلَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا وَلَا غَلَطًا.
أَمَّا تَعَمُّدُ الْخُلْفِ فِي ذَلِكَ فَمُنْتَفٍ بِدَلِيلِ الْمُعْجِزَةِ الْقَائِمَةِ مَقَامَ قَوْلِ اللَّهِ: صَدَقَ فِيمَا قَالَ اتِّفَاقًا، وَبِإِطْبَاقِ أَهْلِ الْمِلَّةِ إِجْمَاعًا.
وَأَمَّا وُقُوعُهُ عَلَى جِهَةِ الْغَلَطِ فِي ذَلِكَ فَبِهَذِهِ السَّبِيلِ عِنْدَ الْأُسْتَاذِ»
أبي إسحق «٣» الإسفرائيني، ومن قال بقوله، ومن جهة الإجماع
_________________
(١) الدلائل: لا يجمع الدليل على دلائل. ولكن الدلالة تجمع على دلائل.
(٢) الاستاذ: كلمه معربة معناها الرئيس في علم او صناعة.
(٣) أبو اسحق الاسفرائيني: هو ابراهيم بن محمد بن ابراهيم بن مهران، واسفرائن بلدة بخراسان. وهو امام جليل متبحر في علوم الدين كلاما وفروعا واصولا، توفي في بنيسابور في يوم عاشوراء سنة ثمان عشرة وأربعمائة.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
فقط. وورود الشرع بانتفاء ذلك وعصمة النبي لَا مِنْ مُقْتَضَى الْمُعْجِزَةِ نَفْسِهَا عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ «١» الْبَاقِلَّانِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ لِاخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي مُقْتَضَى دَلِيلِ الْمُعْجِزَةِ لَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهِ فنخرج عن غرض الكتاب، فلنعتمد مَا وَقَعَ عَلَيْهِ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ.
- أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ خُلْفٌ فِي الْقَوْلِ فِي إِبْلَاغِ الشَّرِيعَةِ وَالْإِعْلَامِ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ رَبِّهِ، وَمَا أَوْحَاهُ إِلَيْهِ مِنْ وَحْيِهِ، لَا عَلَى الْعَمْدِ وَلَا عَلَى غَيْرِ عَمْدٍ، وَلَا فِي حَالَيِ الرِّضَى وَالسَّخَطِ، وَالصِّحَّةِ وَالْمَرَضِ.
وَفِي حَدِيثِ «٢» عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو «٣»: «قُلْتُ يَا رَسُولَ الله..
أأكتب كُلَّ مَا أَسْمَعُ مِنْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ.. قُلْتُ: فِي الرِّضَى وَالْغَضَبِ؟ .. قَالَ نَعَمْ فَإِنِّي لَا أَقُولُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ إِلَّا حَقًّا، وَلْنَزِدْ «٤» مَا أَشَرْنَا إِلَيْهِ مِنْ دَلِيلِ الْمُعْجِزَةِ عَلَيْهِ بَيَانًا.
- فَنَقُولُ: إِذَا قَامَتِ الْمُعْجِزَةُ عَلَى صِدْقِهِ وَأَنَّهُ لَا يَقُولُ إِلَّا حَقًّا، وَلَا يُبَلِّغُ عَنِ اللَّهِ إِلَّا صِدْقًا، وَأَنَّ الْمُعْجِزَةَ قَائِمَةٌ مَقَامَ قَوْلِ اللَّهِ لَهُ:
صَدَقْتَ فِيمَا تَذْكُرُهُ عني.. وهو يقول: «اني رسول الله إليكم
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٨٥» رقم «١» .
(٢) هذا الحديث رواه عنه الامام احمد وأبو داود والحاكم وصححوه.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٢» رقم «١» .
(٤) وفي نسخة (ولنرد) من الورود أي الذكر.
[ ٢ / ٢٨٦ ]
لأبلّغكم ما أرسلت به اليكم وأبيّن لَكُمْ مَا نُزِّلَ عَلَيْكُمْ» .. «وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى «١»» «قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ «٢»» «وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا «٣»» فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُوجَدَ مِنْهُ فِي هَذَا الْبَابِ خَبَرٌ بِخِلَافِ مُخْبَرِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ.
فَلَوْ جَوَّزْنَا عَلَيْهِ الْغَلَطَ وَالسَّهْوَ لَمَا تميّز لنا من غيره، ولاختلط الْحَقُّ بِالْبَاطِلِ.
فَالْمُعْجِزَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى تَصْدِيقِهِ جُمْلَةً وَاحِدَةً مِنْ غَيْرِ خُصُوصٍ..
فَتَنْزِيهُ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ وَاجِبٌ برهانا وإجماعا كما قاله أبو إسحق «٤»
_________________
(١) «.. سورة النجم الايتان (٣ و٤)
(٢) «.. فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا. النساء (١٧٠) .
(٣) «.. وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ» سورة الحشر اية (٧) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨٤» رقم «٢» .
[ ٢ / ٢٨٧ ]
الفصل السّادس دفع بعض الشبهات
وقد توجهت ههنا لبعض الطاعنين سؤالات:
منها ما رُوِيَ «١» أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما قرأ سورة «النجم» وَقَالَ:
«أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ «٢» وَالْعُزَّى «٣» وَمَناةَ «٤» الثَّالِثَةَ الْأُخْرى «٥» ..»
قَالَ: «تِلْكَ الْغَرَانِيقُ «٦» الْعُلَى وَإِنَّ شَفَاعَتَهَا لِتُرْتَجَى» وَيُرْوَى تُرْتَضَى.. وَفِي رِوَايَةٍ: إِنَّ شَفَاعَتَهَا لَتُرْتَجَى وَإِنَّهَا لَمَعَ الْغَرَانِيقِ الْعُلَى وَفِي أُخْرَى وَالْغَرَانِقَةُ العلى، تلك الشفاعة ترتجى.. فلما ختم
_________________
(١) أي فيما أخرجه ابن جرير وابن المنذر وأبو حاتم بسند منقطع عن سعيد بن جبير
(٢) اللات: صنم كان لثقيف بالطائف أو بنخلة.
(٣) العزى: تأنيث الاعز كانت لغطفان تعبدها بعث اليها رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فقطعها.
(٤) مناة: بالقصر ويمد صخرة كانت لهذيل وخزاعة تعبدها وتتقرب بها وتعتكف لديها
(٥) سورة النجم الايتان (١٩ و٢٠) .
(٦) الغرانيق: جمع غرنوق ويقال غرنيق، وهي في الاصل الذكور من طير الماء طويل العنق.. قيل: هو الكركي، ويقال للشاب الممتلىء شبابا وحسنا وبياضا، أريد بها ههنا الاصنام فشبهوها بالطير الذي يعلو في الهواء ويرتفع الى السماء لانها تقربهم الى الله زلفى.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
السورة سجد وسجد الْمُسْلِمُونَ وَالْكُفَّارُ لَمَّا سَمِعُوهُ أَثْنَى عَلَى آلِهَتِهِمْ.
وما وقع في بعض الروايات أن شيطانا أَلْقَاهَا عَلَى لِسَانِهِ. وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَتَمَنَّى أَنْ لَوْ نَزَلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يُقَارِبُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنْ لَا يَنْزِلَ عَلَيْهِ شَيْءٌ يُنَفِّرُهُمْ عَنْهُ- وَذَكَرَ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَأَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ جاءه فَعَرَضَ عَلَيْهِ السُّورَةَ..
فَلَمَّا بَلَغَ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ لَهُ: مَا جِئْتُكَ بِهَاتَيْنِ، فَحَزِنَ لِذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى تَسْلِيَةً لَهُ: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ «١» ..» الاية وقوله: «وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ «٢» .. الاية.
فَاعْلَمْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ أَنَّ لَنَا فِي الْكَلَامِ عَلَى مُشْكَلِ هَذَا الْحَدِيثَ مَأْخَذَيْنِ أَحَدُهُمَا فِي تَوْهِينِ أَصْلِهِ وَالثَّانِي عَلَى تَسْلِيمِهِ..
أَمَّا الْمَأْخَذُ الْأَوَّلُ: فَيَكْفِيكَ أَنَّ هَذَا حَدِيثٌ «٣» لَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الصِّحَّةِ «٤» وَلَا رَوَاهُ ثِقَةٌ بِسَنَدٍ سَلِيمٍ مُتَّصِلٍ «٥» ..
وَإِنَّمَا أُولِعَ بِهِ وَبِمِثْلِهِ المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب
_________________
(١) «.. إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. الحج (٥٢) .
(٢) «.. عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا. الاسراء (٧٣) .
(٣) حديث منكر من جهة الرواية والدراية.
(٤) أي من أصحاب الكتب الستة.
(٥) بل رواه جماعة باسانيد ضعيفة واهية مقطوعة او موضوعة أو مرفوعة.
[ ٢ / ٢٨٩ ]
الْمُتَلَقِّفُونَ «١» مِنَ الصُّحُفِ كُلَّ صَحِيحٍ وَسَقِيمٍ «٢» .
وَصَدَقَ الْقَاضِي بَكْرُ «٣» بْنُ الْعَلَاءِ «٤» الْمَالِكِيُّ حَيْثُ قَالَ: لَقَدْ بُلِيَ النَّاسُ بِبَعْضِ «٥» أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالتَّفْسِيرِ.. وَتَعَلَّقَ بِذَلِكَ الْمُلْحِدُونَ مَعَ ضَعْفِ نَقَلَتِهِ، وَاضْطِرَابِ رِوَايَاتِهِ «٦»، وَانْقِطَاعِ إِسْنَادِهِ «٧»، وَاخْتِلَافِ كَلِمَاتِهِ فَقَائِلٌ يَقُولُ: إِنَّهُ فِي الصَّلَاةِ، وَآخَرُ يَقُولُ. قَالَهَا فِي نَادِي قَوْمِهِ حِينَ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ السُّورَةُ، وَآخَرُ يَقُولُ: قَالَهَا وَقَدْ أَصَابَتْهُ سِنَةٌ وَآخَرُ يَقُولُ بَلْ حَدَّثَ نَفْسَهُ فَسَهَا، وَآخَرُ يَقُولُ: إِنَّ الشَّيْطَانَ قَالَهَا عَلَى لِسَانِهِ.. وَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا عَرَضَهَا عَلَى جِبْرِيلَ قَالَ: مَا هَكَذَا أَقْرَأْتُكَ وَآخَرُ يَقُولُ: بَلْ أَعْلَمَهُمُ الشَّيْطَانُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَهَا فَلَمَّا بَلَغَ النَّبِيُّ ﷺ ذَلِكَ قَالَ:
وَاللَّهِ مَا هَكَذَا أنزلت.
- إلى غير ذلك من اختلاف الرواة.
_________________
(١) وفي نسخة (الملفقون) .
(٢) وان ابا الفتح اليعمري قال في سيرته الكبرى ما لفظه (بلغني عن الحافظ عبد العظيم المنذري انه كان يرد هذا الحديث من جهة الرواة بالكلية) وذكر الحلبي انه قال بعض شيوخي فيما قرأته عليه حين ذكر هذا الكلام انه باطل لا يصح منه شيء لا من جهة النقل ولا من جهة العقل.
(٣) وفي نسخة (أبو بكر) .
(٤) أبو بكر بن العلاء المالكي: وهو المشهور بابن العربي.
(٥) وفي نسخة (ببغض) وفي أخرى (بتقصي) .
(٦) وفي نسخة (روايته) .
(٧) وفي نسخة (أسانيده) .
[ ٢ / ٢٩٠ ]
- وَمَنْ حُكِيَتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْهُ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ «١» وَالتَّابِعِينَ «٢» لَمْ يُسْنِدْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا رَفَعَهَا إِلَى صَاحِبٍ. وَأَكْثَرُ الطُّرُقِ عَنْهُمْ فِيهَا ضَعِيفَةٌ وَاهِيَةٌ.
وَالْمَرْفُوعُ فِيهِ «٣» حَدِيثُ شُعْبَةَ «٤» عَنْ أَبِي بِشْرٍ»
عَنْ سَعِيدِ «٦» بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٧» قَالَ: فِيمَا أَحْسَبُ «٨» - الشَّكُّ فِي الْحَدِيثِ «٩» أن النبي ﷺ كان بِمَكَّةَ- وَذَكَرَ الْقِصَّةَ-.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ «١٠» الْبَزَّارُ: هذا لَا نَعْلَمُهُ يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ يَجُوزُ ذِكْرُهُ إِلَّا هَذَا.. وَلَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ شُعْبَةَ «٤» إِلَّا أُمَيَّةُ «١١» بْنُ خَالِدٍ. وَغَيْرُهُ يُرْسِلُهُ عَنْ سَعِيدِ «٦» بْنِ جبير.. وإنما
_________________
(١) أي المعتبرين كابن جرير وأبي حاتم وابن المنذر.
(٢) أي المعتمدين كالزهري وقتادة وأمثالهما.
(٣) وفي نسخة (فيها) وفي أخرى (منه) .
(٤) شعبة: هو ابن الجراح أحد الائمة الفضلاء.
(٥) أبو بشر: هو جعفر بن أبي وخشية اياس التابعي الثقة توفي سنة خمس وعشرين ومئة واخرج له أصحاب الكتب الستة، وله ترجمة في الميزان.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨» رقم «٤» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٨) أي أظن، ومثله يستعمل للشك فيما فاته.
(٩) أي في متنه واصله لا في سنده.
(١٠) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٥٥» رقم «٤» .
(١١) امية بن خالد: وهو ثقة اخرج له مسلم وغيره وتوفي سنة احدى وثمانين وترجمته في الميزان.
[ ٢ / ٢٩١ ]
يُعْرَفُ عَنِ الْكَلْبِيِّ «١» عَنْ أَبِي صَالِحٍ «٢» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٣» .
فَقَدْ بَيَّنَ لَكَ أَبُو بَكْرٍ ﵀ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مِنْ طَرِيقٍ يَجُوزُ ذِكْرُهُ سِوَى هَذَا، وَفِيهِ مِنَ الضَّعْفِ مَا نَبَّهَ عَلَيْهِ مَعَ وُقُوعِ الشَّكِّ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ الَّذِي لَا يُوثَقُ بِهِ وَلَا حقيقة معه.
أما حديث الكلبي «١» فمما لا تجوز الرواية عَنْهُ «٤» وَلَا ذِكْرُهُ لِقُوَّةِ ضَعْفِهِ وَكَذِبِهِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْبَزَّارُ «٥» ﵀.
- وَالَّذِي مِنْهُ فِي الصَّحِيحِ. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأَ «وَالنَّجْمِ» وَهُوَ بِمَكَّةَ فَسَجَدَ مَعَهُ المسلمون والمشركون والجن والإنس هذا
_________________
(١) الكلبي: نسبة لكلب قبيلة معروفة، وهو أبو النصر محمد بن السائب المفسر النسابة الاخباري الراوي المشهور. والاكثرون على أنه غير ثقة خصوصا اذا روى
(٢) أبو صالح: وهو باذان وهو يروي عن مولاته أم هانىء وعلي كرم الله وجهه، وروى عنه السدي وغيره، اخرج عنه أصحاب السنن الاربعة وقال أبو حاتم: انه لا يحتج به.. وهو لم يسمع من ابن عباس هذا الحديث فالحديث منقطع.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٥٥» رقم «٤» .
(٤) أي عن الكلبي.
(٥) فانه وغيره من المحدثين قالوا: انه كذاب وضاع لا يوثق به وان كان اماما في اللغة والتفسير، وقد قال الجرجاني وابن معين وغيرهما: انه يضع الاحاديث وكذاب لا يحتج به، وروى عن أبي صالح عن ابن عباس، وأبو صالح لم يرو عن ابن عباس. وقال ابن حبان: انه في الدين غير متين وكذبه أظهر من أن يذكر، ولم يسمع من أبي صالح.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
توهينه «١» من طريق النقل.
- أما مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى فَقَدْ قَامَتِ الْحُجَّةُ وَأَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ عَلَى عِصْمَتِهِ ﷺ، وَنَزَاهَتِهِ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الرَّذِيلَةِ إِمَّا مِنْ تَمَنِّيهِ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا مِنْ مَدْحِ آلِهَةٍ غَيْرِ اللَّهِ وَهُوَ كُفْرٌ أَوْ يَتَسَوَّرَ «٢» عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ وَيُشَبِّهَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ حَتَّى يَجْعَلَ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ وَيَعْتَقِدَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ مِنَ الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ مِنْهُ حَتَّى يُنَبِّهَهُ جِبْرِيلُ ﵇ وَذَلِكَ كُلُّهُ مُمْتَنِعٌ فِي حَقِّهِ ﷺ..
أَوْ يَقُولُ ذَلِكَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ عَمْدًا وَذَلِكَ كُفْرٌ..
أَوْ سَهْوًا وَهُوَ مَعْصُومٌ مِنْ هَذَا كُلِّهِ.
وَقَدْ قَرَّرْنَا بِالْبَرَاهِينِ وَالْإِجْمَاعِ عِصْمَتَهُ ﷺ مِنْ جَرَيَانِ الْكُفْرِ عَلَى قَلْبِهِ أَوْ لِسَانِهِ لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا.. أَوْ أَنْ يَتَشَبَّهَ عَلَيْهِ مَا يلقيه الملك مما يُلْقِي الشَّيْطَانُ، أَوْ يَكُونَ لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ سَبِيلٌ، أو
_________________
(١) قد قال الحافظ ابن حجر: قول أبي بكر بن العربي ان طرق هذا الحديث كلها باطلة. وقول عياض في الشفاء انه لم يخرجه أحد من أهل الصحة وليس له سند متصل مع ضعف نقلته واضطراب رواياته وان من نقله من المفسرين وغيرهم لم يسنده أحد منهم ولا يرفعه لصاحب.. لا وجه له.. فان له طرقا متعددة كثيرة متتابعة المخارج وكل ذلك يدل على أن له أصلا، ومن هذه الاسانيد ما هو على شرط الصحيح، وهي وان كانت مراسيل يحتج بها من يحتج بالمرسل كما لك ومن لا يحتج به لاعتضاد بعضها ببعض فتبين بهذا ان المبالغة من المصنف ﵀ غير مرضية. وانظر أيضاص (٢٩٥) لتحليل هذا الموضوع
(٢) يتسور: أصلها التسلق والصعود وجاءت هنا بمعنى التسلط.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
أَنْ يَتَقَوَّلَ عَلَى اللَّهِ لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا مَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ «١» ..» الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: «إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ «٢»» ووجه ثان: هو اسْتِحَالَةُ هَذِهِ الْقِصَّةِ نَظَرًا وَعُرْفًا. وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَوْ كَانَ كَمَا رُوِيَ لَكَانَ بعيد الالتئام، مُتَنَاقِضَ الْأَقْسَامِ، مُمْتَزِجَ الْمَدْحِ بِالذَّمِّ، مُتَخَاذِلَ التَّأْلِيفِ وَالنَّظْمِ، وَلَمَّا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا مَنْ بِحَضْرَتِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَصَنَادِيدِ «٣» الْمُشْرِكِينَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ذَلِكَ.. وَهَذَا لَا يَخْفَى عَلَى أَدْنَى مُتَأَمِّلٍ فَكَيْفَ بِمَنْ رَجَحَ حِلْمُهُ، وَاتَّسَعَ فِي بَابِ الْبَيَانِ وَمَعْرِفَةِ فَصِيحِ الْكَلَامِ عِلْمُهُ!!
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ: أَنَّهُ قَدْ عُلِمَ مِنْ عَادَةِ الْمُنَافِقِينَ، وَمُعَانِدِي الْمُشْرِكِينَ، وَضَعَفَةِ الْقُلُوبِ، والجهلة من المسلمين، نفور هم لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ، وَتَخْلِيطُ الْعَدُوِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ لِأَقَلِّ فِتْنَةٍ، وَتَعْييرُهُمُ الْمُسْلِمِينَ، وَالشَّمَاتَةُ «٤» بِهِمُ الْفَيْنَةَ بَعْدَ الْفَيْنَةِ. وَارْتِدَادُ مَنْ فِي قَلْبِهِ مَرْضٌ مِمَّنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ لِأَدْنَى شُبْهَةٍ..
وَلَمْ يَحْكِ أَحَدٌ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة
_________________
(١) «.. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ.. الحاقة الايتان ٤٤ و٤٥.
(٢) «.. ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا. الاية «٧٥» .
(٣) صناديد: جمع صنديد وهو السيد الشجاع والحليم والجواد والشريف والمراد خواص رؤسائهم.
(٤) وفي نسخة (والشمات) .
[ ٢ / ٢٩٤ ]
الْأَصْلِ.. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَوَجَدَتْ قُرَيْشٌ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ الصَّوْلَةَ «١» وَلَأَقَامَتْ بِهَا الْيَهُودُ عَلَيْهِمُ الْحُجَّةَ، كَمَا فَعَلُوا مُكَابَرَةً فِي قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ، حَتَّى كَانَتْ فِي ذَلِكَ لِبَعْضِ الضُّعَفَاءِ رِدَّةٌ.
وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي قِصَّةِ الْقَضِيَّةِ «٢»، وَلَا فِتْنَةَ أَعْظَمُ مِنْ هَذِهِ الْبَلِيَّةِ لَوْ وُجِدَتْ، ولا تشغيب «٣» المعادي حِينَئِذٍ أَشَدُّ مِنْ هَذِهِ الْحَادِثَةِ لَوْ أَمْكَنَتْ.
فَمَا رُوِيَ عَنْ مُعَانِدٍ فِيهَا كَلِمَةٌ، وَلَا عَنْ مُسْلِمٍ بِسَبَبِهَا بِنْتُ «٤» شَفَةٍ.. فَدَلَّ عَلَى بُطْلِهَا، وَاجْتِثَاثِ «٥» أَصْلِهَا..
- وَلَا شَكَّ فِي إِدْخَالِ بَعْضِ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ أَوِ الْجِنِّ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى بَعْضِ مُغَفَّلِي الْمُحَدِّثِينَ لِيُلَبِّسَ بِهِ عَلَى ضعفاء المسلمين «٦»
_________________
(١) الصولة: الاستطالة والقهر.
(٢) أي قضية الحديبية وانه ﷺ رأى انه دخل هو واصحابة مكة.. وكانت هذه الرؤيا فتنة للناس والقصة في السير وفي شروح البخاري.
(٣) تشغيب: هو تهييج الشر.
(٤) بنت شفه: هي الكلمة شبه اخراجها من الشفة باخراج المولود من بطن امه.
(٥) اجتثاث: هو قلع الشجرة من اصلها.
(٦) وقد قال القرافي في شرح الاربعين للامام الرازي ان الجواب السديد فيه على تسليم صحته مع ان الله تعالى قد عصمه، وان الله أمره بترتيل القرآن وكان يفعل ذلك فتمكن من ترصده من الشياطين في حال سكوته بين الايات من دس ما اختلقه من هذه الكلمات محاكيا صوته ﷺ، وقد سجد من دنا من الكفار معه فظنوها من كلامه ﷺ واشاعوها.. فلم يقدح ذلك عند المسلمين لحفظهم السورة على ما نزلت قبل ذلك ومعرفتهم من حاله ﷺ ما علم من ذم الاوثان.. وحزن
[ ٢ / ٢٩٥ ]
وَوَجْهٌ رَابِعٌ: ذَكَرَ الرُّوَاةُ لِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ أَنَّ فيها نزلت «وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ.. «١» الْآيَتَيْنِ.
وَهَاتَانِ الْآيَتَانِ تَرُدَّانِ الْخَبَرَ الَّذِي رَوَوْهُ.. لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَكَرَ أَنَّهُمْ كَادُوا يَفْتِنُونَهُ حتى يفتري، وأنه لولا أن ثبته لكادير كن إِلَيْهِمْ.
فَمَضْمُونُ هَذَا وَمَفْهُومُهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَصَمَهُ مِنْ أَنْ يَفْتَرِيَ، وَثَبَّتَهُ حَتَّى لَمْ يَرْكَنْ إِلَيْهِمْ قَلِيلًا فَكَيْفَ كَثِيرًا وَهُمْ يَرْوُونَ في أَخْبَارَهُمُ الْوَاهِيَةَ أَنَّهُ زَادَ عَلَى الرُّكُونِ وَالِافْتِرَاءِ بِمَدْحِ آلِهَتِهِمْ. وَأَنَّهُ قَالَ ﷺ: افْتَرَيْتُ عَلَى اللَّهِ وَقُلْتُ مَا لَمْ يَقُلْ.. وَهَذَا ضِدُّ مَفْهُومِ الْآيَةِ وَهِيَ تُضْعِفُ «٢» الْحَدِيثَ لَوْ صَحَّ فَكَيْفَ وَلَا صِحَّةَ لَهُ وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: «وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ، وَما يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ. وَما يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ
«٣»»
_________________
(١) ﷺ من هذه الاشاعة والقاء الشبهة وهو مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ.. الى قوله.. القى الشيطان في امنيته) وقوله (فينسخ الله ما يلقي الشيطان) فالقصة كما قدم ابن حجر لها أصل ثابت في الجملة لكنها ليس فيها ما ينقص من مقامه ﷺ، فابطالها بالكلية كما قاله المصنف رحمه الله تعالى لا ينبغي.
(٢) «.. عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا. الاسراء «٧٣» .
(٣) وعند المحدثين اذا ورد في الحديث ما ينافي القرآن ولم يكن تأويله ولا الجمع بينه وبينه حكم بضعفه وقد علمت أن الحديث رواه مسلم.
(٤) «.. النساء آية (١١٣) وقد استشهد المصنف بها استشهادا لان الاية لم تنزل في هذه الحادثة وانما نزلت في بني ظفر.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
وَقَدْ رُوِيَ «١» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٢»: كُلُّ مَا فِي الْقُرْآنِ «كَادَ» فَهُوَ مَا لَا يَكُونُ «٣» .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «يَكادُ سَنا «٤» بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصارِ «٥»» وَلَمْ يَذْهَبْ وَ«أَكَادُ أُخْفِيهَا» وَلَمْ يَفْعَلْ.
قَالَ الْقُشَيْرِيُّ «٦» الْقَاضِي: وَلَقَدْ طَالَبَهُ «٧» قُرَيْشٌ وَثَقِيفٌ إِذْ مَرَّ بِآلِهَتِهِمْ أَنْ يُقْبِلَ بِوَجْهِهِ إِلَيْهَا وَوَعَدُوهُ الْإِيمَانَ بِهِ إِنْ فَعَلَ فَمَا فَعَلَ، وَلَا كَانَ «٨» لِيَفْعَلَ..
قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ «٩»: مَا قارب الرسول ولا ركن.
_________________
(١) الراوي له ابن أبي حاتم وغيره.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٢» رقم «٦» .
(٣) وفي نسخة (لا يكون) بحذف (ما) و(فهو) .
(٤) سنا: بالقصر الضوء وبالمد العلو والشرف.
(٥) النور آية «٤٣» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧٠» رقم «٥» .
(٧) ويروي (ولقد طالبته) .
(٨) وفي نسخة (وما) .
(٩) ابن الانباري: هو الامام الحافظ أبو بكر محمد بن القاسم بن بشار النحوي كان من أعلم الناس بالادب والنحو ولد سنة احدى وسبعين ومائتين، روى عنه الدارقطني وابن حيوة والبزار وغيرهم، كان صدوقا دينا من أهل السنة. صنف التصانيف الكثيرة وصنف في القرآن والغريب والمشكل والوقف والابتداء، روي عنه انه قال: احفظ ثلاثة عشر صندوقا، وقيل: انه كان يحفظ مائة وعشرين تفسيرا بأسانيدها، وقيل انه يحفظ ثلاثمائة شاهد في القرآن، وقد أملى كتاب غريب الحديث قيل انه خمس وأربعون الف ورقة، وكتاب شرح الكافي وهو نحو الف ورقة، وكتاب الاضداد وهو كبير جدا، وكتاب الجاهليات وهو سبعمائة ورقة، وكان رأسا في نحو الكوفيين توفي ليلة عيد النحر ببغداد سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
وَقَدْ ذُكِرَتْ «١» فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ تَفَاسِيرُ أُخَرُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نَصِّ اللَّهِ عَلَى عِصْمَةِ رَسُولِهِ تَرُدُّ سِفْسَافَهَا «٢» .
فَلَمْ يَبْقَ فِي الْآيَةِ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَنَّ عَلَى رسوله بعصمته وتثبيته بما كَادَهُ بِهِ الْكُفَّارُ وَرَامُوا مِنْ فِتْنَتِهِ.
وَمُرَادُنَا مِنْ ذَلِكَ تَنْزِيهُهُ وَعِصْمَتُهُ ﷺ وَهُوَ مَفْهُومُ الْآيَةِ.
- وَأَمَّا الْمَأْخَذُ الثَّانِي فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَسْلِيمِ الْحَدِيثِ لَوْ صَحَّ.. وَقَدْ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ صِحَّتِهِ. وَلَكِنْ عَلَى كل حال فقد أجاب عن ذَلِكَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا الْغَثُّ وَالسَّمِينُ..
فَمِنْهَا مَا رَوَى قَتَادَةُ «٣» وَمُقَاتِلٌ «٤» أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَصَابَتْهُ سِنَةٌ «٥» عِنْدَ قِرَاءَتِهِ هَذِهِ السُّورَةَ فَجَرَى هَذَا الْكَلَامُ عَلَى لِسَانِهِ بِحُكْمِ النَّوْمِ.
- وَهَذَا لَا يَصِحُّ إِذْ لَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِثْلُهُ فِي حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِهِ، وَلَا يَخْلُقُهُ اللَّهُ عَلَى لِسَانِهِ، وَلَا يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عليه في
_________________
(١) وفي نسخة (ذكر) .
(٢) سفسافها: أي رديئها. وأصله ما يطير من غبار الدقيق اذا نخل والتراب اذا أثير.. وفي الحديث (ان الله يحب معالي الامور ويبغض سفسافها) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٢» رقم «٣» .
(٤) مقاتل: هو ابن حبان الخراساني العابد المفسر الثقة، روى عنه أصحاب السنن وغيرهم. توفى قبل خمسين ومئة.. ولهم مقاتل آخر وهو مقاتل بن سليمان، وهو محدث مفسر الا انه اتهم بالكذب.. والظاهر هنا انه الاول.
(٥) سنة: وهو فتور مع أوائل النوم قبل الاستغراق فيه المانع عن الحس والادراك وهي قريبة من النعاس وليسا بمعنى..
[ ٢ / ٢٩٨ ]
نَوْمٍ وَلَا يَقَظَةٍ لِعِصْمَتِهِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جَمِيعِ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ..
وَفِي قَوْلِ الْكَلْبِيِّ «١»: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَدَّثَ نَفْسَهُ فَقَالَ ذَلِكَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ.
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ «٢» عَنْ أَبِي بَكْرِ «٣» بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ:
وَسَهَا.. فَلَمَّا أُخْبِرَ «٤» بِذَلِكَ قَالَ: إِنَّمَا ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ..
وَكُلُّ هَذَا لَا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَهُ النَّبِيُّ ﷺ لَا سَهْوًا وَلَا قَصْدًا وَلَا يَتَقَوَّلَهُ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ.
وَقِيلَ: لَعَلَّ النَّبِيَّ ﷺ قاله أَثْنَاءِ تِلَاوَتِهِ عَلَى تَقْدِيرِ التَّقْرِيرِ وَالتَّوْبِيخِ لِلْكُفَّارِ.. كقول إبراهيم ﵇ «هذا رَبِّي «٥»» عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ وَكَقَوْلِهِ «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا «٦»» بعد
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٢٩٢» رقم «١» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٥١» رقم «٤» .
(٣) أبو بكر بن عبد الرحمن: وفي نسخة (أبو عبد الرحمن) وكلاهما صحيح، وهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي التابعي الامام احد الفقهاء السبعة على قول، وهو من سادات قريش ويسمى (الراهب) لزهده. قيل: اسمه أبو بكر وكنيته (أبو عبد الرحمن) . وقال النووي: اسمه محمد وكنيته أبو عبد الرحمن والصحيح أن اسمه كنيته، وتوفي سنة أربع وتسعين.. وقيل غير ذلك.
(٤) وفي نسخة (أحس) .
(٥) «.. فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قالَ هذا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ. الانعام «٧٦» .
(٦) الاية: قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ. الانبياء «٦٣» .
[ ٢ / ٢٩٩ ]
السكت وبيان الفصل بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى تِلَاوَتِهِ وَهَذَا ممكن مع بيان الفصل وَقَرِينَةٍ تَدُلُّ عَلَى الْمُرَادِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْمَتْلُوِّ.
وَهُوَ أَحَدُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ «١» .. وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَقَدْ كَانَ الْكَلَامُ قَبْلُ فِيهَا غَيْرَ مَمْنُوعٍ..
وَالَّذِي يَظْهَرُ وَيَتَرَجَّحُ «٢» فِي تَأْوِيلِهِ عِنْدَهُ «٣» وَعِنْدَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ- عَلَى تَسْلِيمِهِ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ كَمَا أَمَرَهُ رَبُّهُ يُرَتِّلُ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا «٤»، وَيُفَصِّلُ الْآيَ تَفْصِيلًا فِي قِرَاءَتِهِ «٥»، كَمَا رَوَاهُ الثِّقَاتُ «٦» عَنْهُ- فَيُمْكِنُ تَرَصُّدُ الشَّيْطَانِ لِتِلْكَ السَّكَتَاتِ وَدَسُّهُ فِيهَا مَا اخْتَلَقَهُ مِنْ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، مُحَاكِيًا نَغْمَةَ النَّبِيِّ ﷺ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ مَنْ دَنَا إِلَيْهِ مِنَ الْكُفَّارِ فَظَنُّوهَا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَشَاعُوهَا.. وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ بِحِفْظِ السُّورَةِ قَبْلَ ذَلِكَ عَلَى مَا أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَتَحَقُّقِهِمْ مِنْ حَالِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَمِّ الْأَوْثَانِ وَعَيْبِهَا ما عرف منه.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٨٥» رقم «١» .
(٢) كما اختاره القرافي.
(٣) أي عند القاضي أبي بكر.
(٤) والترتيل قراءة القرآن بتؤده.
(٥) وفي نسخة (في تلاوته) .
(٦) كما قالت عائشة ﵂ وقد سئلت عن قراءته ﵊ (لو أراد سامع أن يعد حروفه عدها) لتأنيه فيها وتجويد حروفها وبيان حركاتها ومدها.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
وَقَدْ حَكَى مُوسَى «١» بْنُ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ نَحْوَ هَذَا وَقَالَ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَسْمَعُوهَا، وَإِنَّمَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ ذَلِكَ فِي أَسْمَاعِ الْمُشْرِكِينَ وَقُلُوبِهِمْ، وَيَكُونُ مَا رُوِيَ مِنْ حُزْنِ النَّبِيِّ ﷺ لِهَذِهِ الْإِشَاعَةِ وَالشُّبْهَةِ وَسَبَبِ هَذِهِ الْفِتْنَةِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ «٢» ..» الْآيَةَ فَمَعْنَى «تَمَنَّى» تَلَا «٣» .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ «٤»» أَيْ تِلَاوَةً وَقَوْلُهُ: «فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ «٥» أَيْ يُذْهِبُهُ وَيُزِيلُ اللَّبْسَ بِهِ، وَيُحْكِمُ آيَاتِهِ.
وَقِيلَ: مَعْنَى الْآيَةِ هُوَ مَا يَقَعُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مِنَ السَّهْوِ إِذَا قرأ
_________________
(١) موسى بن عقبة: وفي بعض النسخ (محمد بن عقبة) وهذا خطا صريح. وقال الحافظ الحلبي انه مما لا شك فيه هو موسى بن عقبة ابن عباس مولى آل الزبير، وقيل مولى ام خالد روى عنه خلق كثير وهو ثبت ثقة توفي سنة احدى او اثنين واربعين ومائة، وأخرج له الستة ومغازيه من أصح المغازي كما قاله الامام مالك وقد ألف كتابا في مغازي النبي ﷺ. ومحمد بن عقبة أخو موسى. ولعقبة أولاد كلهم فقهاء محدثون لكل واحد منهم حلقة فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وترجمتهم مشهورة.
(٢) «.. إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. الحج (٥٢) .
(٣) وقد قال الشاعر: تمنى كتاب الله أول ليلة تمنى داود الزبور على رسل
(٤) الاية: وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتابَ إِلَّا أَمانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ» البقرة «٧٨»
(٥) الاية.. الحج «٥٢» .
[ ٢ / ٣٠١ ]
فَيَنْتَبِهُ لِذَلِكَ، وَيَرْجِعُ عَنْهُ، وَهَذَا نَحْوُ قَوْلِ الْكَلْبِيِّ «١» فِي الْآيَةِ أَنَّهُ حَدَّثَ نَفْسَهُ وَقَالَ «إِذَا تَمَنَّى» أَيْ حَدَّثَ نَفْسَهُ.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ «٢» بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ نَحْوُهُ
وَهَذَا السَّهْوُ فِي الْقِرَاءَةِ إِنَّمَا يَصِحُّ فِيمَا لَيْسَ طَرِيقُهُ تَغْيِيرَ الْمَعَانِي، وَتَبْدِيلَ الْأَلْفَاظِ، وَزِيَادَةَ مَا لَيْسَ مِنَ الْقُرْآنِ، بَلِ السَّهْوُ عَنْ إِسْقَاطِ آيَةٍ مِنْهُ أَوْ كَلِمَةٍ وَلَكِنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى هَذَا السَّهْوِ بَلْ يُنَبَّهُ عَلَيْهِ، وَيُذَكَّرُ بِهِ لِلْحِينِ، عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي حُكْمِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ السَّهْوِ وَمَا لَا يَجُوزُ وَمِمَّا يَظْهَرُ فِي تَأْوِيلِهِ أَيْضًا أَنَّ مُجَاهِدًا «٣» رَوَى هَذِهِ الْقِصَّةَ «وَالْغَرَانِقَةُ الْعُلَى» فَإِنْ سَلَّمْنَا الْقِصَّةَ قُلْنَا لَا يَبْعُدُ أَنَّ هَذَا كَانَ قُرْآنًا وَالْمُرَادُ بِالْغَرَانِقَةِ الْعُلَى وَأَنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى «الْمَلَائِكَةُ» عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ.
وَبِهَذَا فَسَرَّ الْكَلْبِيُّ «١» «الْغَرَانِقَةَ» أَنَّهَا الْمَلَائِكَةُ.. وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ كانوا يعتقدون أنّ الْأَوْثَانَ وَالْمَلَائِكَةَ بَنَاتِ اللَّهِ.
كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ بِقَوْلِهِ: «أَلَكُمُ الذَّكَرُ
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٢٩٢» رقم «١» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٩٩» رقم «٣» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٠» رقم «١» .
[ ٢ / ٣٠٢ ]
وَلَهُ الْأُنْثى «١» فَأَنْكَرَ اللَّهُ كُلَّ هَذَا مِنْ قَوْلِهِمْ، وَرَجَاءُ الشَّفَاعَةِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ صَحِيحٌ.. فَلَمَّا تَأَوَّلَهُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الذِّكْرِ آلِهَتَهُمْ، وَلَبَّسَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ ذَلِكَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِهِمْ وَأَلْقَاهُ إِلَيْهِمْ نَسَخَ اللَّهُ مَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ وَأَحْكَمَ آيَاتِهِ، وَرَفَعَ تِلَاوَةَ تِلْكَ اللَّفْظَتَيْنِ اللَّتَيْنِ وَجَدَ الشَّيْطَانُ بِهِمَا سَبِيلًا لِلْإِلْبَاسِ.. كَمَا نُسِخَ كَثِيرٌ مِنَ الْقُرْآنِ وَرُفِعَتْ تِلَاوَتُهُ.. وَكَانَ فِي إِنْزَالِ اللَّهِ تَعَالَى لِذَلِكَ حِكْمَةٌ وَفِي نَسْخِهِ حِكْمَةٌ «لِيُضِلَّ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ، وما يضلّ به إلّا الفاسقين «٢»» لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ.. وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ، وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ «٣»» الْآيَةَ.
وَقِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لما قرأ هذه السورة ذِكْرَ اللَّاتِ وَالْعُزَّى، وَمَنَاةَ الثَّالِثَةِ الْأُخْرَى، خَافَ الْكُفَّارُ أَنْ يَأْتِيَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَمِّهَا فَسَبَقُوا إِلَى مَدْحِهَا بِتِلْكَ الْكَلِمَتَيْنِ لِيُخَلِّطُوا فِي تِلَاوَةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَيُشَنِّعُوا عَلَيْهِ على عادتهم
_________________
(١) «.. النجم آية «٢١»
(٢) الصواب: يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ» سورة البقرة
(٣) «.. لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي.. الحج الايتان «٥٣ و٥٤» .
[ ٢ / ٣٠٣ ]
وَقَوْلِهِمْ «لَا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ «١»» وَنُسِبَ هَذَا الْفِعْلُ إِلَى الشَّيْطَانِ لِحَمْلِهِ لَهُمْ عَلَيْهِ وَأَشَاعُوا ذَلِكَ وَأَذَاعُوهُ.. وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَهُ فَحَزِنَ لِذَلِكَ مِنْ كَذِبِهِمْ وَافْتِرَائِهِمْ عَلَيْهِ.. فَسَلَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ: «وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ «٢» ..» الْآيَةَ وَبَيَّنَ لِلنَّاسِ الْحَقَّ مِنْ ذَلِكَ مِنَ الْبَاطِلِ وَحَفِظَ الْقُرْآنَ وَأَحْكَمَ آيَاتِهِ، وَدَفَعَ مَا لَبَّسَ بِهِ الْعَدُوُّ.. كَمَا ضَمِنَهُ تَعَالَى مِنْ قَوْلِهِ: «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ «٣»» .
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ مِنْ «٤» قِصَّةِ يُونُسَ ﵇ أنه وَعَدَ قَوْمَهُ الْعَذابَ عَنْ رَبِّهِ، فَلَمَّا تَابُوا كُشِفَ عَنْهُمُ الْعَذَابُ فَقَالَ:
لَا أَرْجِعُ إِلَيْهِمْ كَذَّابًا أَبَدًا فَذَهَبَ مُغَاضِبًا.
فَاعْلَمْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ أَنْ «٥» لَيْسَ فِي خَبَرٍ مِنَ الْأَخْبَارِ الْوَارِدَةِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّ يُونُسَ ﵇ قَالَ لَهُمْ: إِنَّ اللَّهَ مُهْلِكُكُمْ وَإِنَّمَا فِيهِ أنه دعا عليهم بالهلاك.. والدعاء ليس بخير يُطْلَبُ صِدْقُهُ مِنْ كَذِبِهِ، لَكِنَّهُ قَالَ لَهُمْ: إن العذاب مصبّحكم وقت كذا وكذا..
_________________
(١) سورة فصلت آية ٢٦٧» .
(٢) «.. وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. الْحَجِّ: ٥٢.
(٣) سورة الحجر آية «٩» .
(٤) وفي نسخة (في) .
(٥) وفي نسخة (انه) .
[ ٢ / ٣٠٤ ]
فَكَانَ ذَلِكَ كَمَا قَالَ.. ثُمَّ رَفَعَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمُ الْعَذَابَ وَتَدَارَكَهُمْ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ «١»» الْآيَةَ..
وَرُوِيَ فِي الْأَخْبَارِ. أَنَّهُمْ رَأَوْا دَلَائِلَ الْعَذَابِ وَمَخَايِلَهُ «٢» ..
قَالَهُ «٣» ابْنُ مَسْعُودٍ «٤» .
وَقَالَ سَعِيدُ «٥» بْنُ جُبَيْرٍ: غَشَّاهُمُ الْعَذَابُ كَمَا يُغَشِّي الثَّوْبُ «٦» الْقَبْرَ. فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا مَعْنَى مَا رُوِيَ «٧» أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ «٨» بْنَ أَبِي سَرْحٍ كَانَ يكتب لرسول الله ﷺ.. ثُمَّ ارْتَدَّ مُشْرِكًا وَصَارَ إِلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ: إِنِّي كُنْتُ أصرّف محمدا حيث أريد.. كان
_________________
(١) «.. فَلَوْلا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ يونس «٩٨» .
(٢) مخايله: جمع مخيلة وهي المظنة من خاله بمعنى ظنه.
(٣) رواه عنه ابن مردويه مرفوعا وابن أبي حاتم موقوفا.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢١٤» رقم «٢» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨» رقم «٤» .
(٦) وفي نسخة (كما يغشي النوء القمر) .
(٧) رواه ابن جبير عن عكرمة مولى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
(٨) عبد الله بن أبي سرح: وهو عبد الله بن سعد بن أبي سرح بن الحارث العامري القرشي الصحابي كاتب النبي ﷺ، اسلم قبل الفتح وهاجر ثم ارتد واسلم بعد ذلك وحسن اسلامه كما تقدم وولي في خلافة عثمان فلما قتل اعتزل الناس والتزم العبادة ودعا الله تعالى أن يتوفاه بعد الصلاة فمات بعد تسليمه من صلاة الصبح كما ذكره السهيلي.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
يُمْلِي عَلَيَّ «عَزِيزٌ حَكِيمٌ» فَأَقُولُ أَوْ «عَلِيمٌ حَكِيمٌ»؟ فَيَقُولُ نَعَمْ كُلٌّ صَوَابٌ.
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «١» فَيَقُولُ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ اكْتُبْ كَذَا فَيَقُولُ:
أَكْتُبُ كَذَا؟ فَيَقُولُ اكْتُبْ كَيْفَ شِئْتَ. وَيَقُولُ اكْتُبْ «عَلِيمًا حَكِيمًا» فَيَقُولُ أَكْتُبُ «سَمِيعًا بَصِيرًا»؟ فَيَقُولُ لَهُ اكْتُبْ كَيْفَ شِئْتَ.
وَفِي الصَّحِيحِ «٢» عَنْ أَنَسٍ «٣» ﵁: أَنَّ نَصْرَانِيًّا «٤» كَانَ يَكْتُبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ بعد ما أَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ «٥»، وَكَانَ يَقُولُ:
مَا يَدْرِي مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كَتَبْتُ لَهُ.
فَاعْلَمْ ثَبَّتَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ عَلَى الْحَقِّ، وَلَا جَعَلَ لِلشَّيْطَانِ وَتَلْبِيسَهُ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ إِلَيْنَا سَبِيلًا، أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحِكَايَةِ أَوَّلًا لَا تُوقِعُ فِي قَلْبِ مُؤْمِنٍ رَيْبًا.. إِذْ هِيَ حِكَايَةٌ عَمَّنِ ارْتَدَّ وَكَفَرَ بِاللَّهِ.
وَنَحْنُ «٦» لَا نَقْبَلُ خَبَرَ الْمُسْلِمِ المتّهم فكيف بكافر افترى هو ومثله
_________________
(١) أي في رواية اخرى لهذا الحديث رواها السدي.
(٢) أي في الحديث الذي رواه البخاري والصحيح اذا اطلق أريد به صحيح البخاري
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١» .
(٤) قال البرهان: لا أعرفه باسمه.. وفي مسلم انه رجل من بني النجار.
(٥) ومات مرتدا فدفنوه فلفظته الارض فقالوا: هذا من فعل محمد فحفروا واعمقوا فلفظته ثانيا. وفعلوه ثالثا فلفظته.. فتركوه..
(٦) أي علماء الدين او الحديث.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
على الله ورسوله مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا.
وَالْعَجَبُ لِسَلِيمِ الْعَقْلِ يَشْغَلُ بِمِثْلِ هَذِهِ الْحِكَايَةِ سِرَّهُ، وَقَدْ صَدَرَتْ مِنْ عَدُوٍّ كَافِرٍ مُبْغِضٍ لِلدِّينِ.. مُفْتَرٍ على الله ورسوله..
ولم يرد عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَا ذَكَرَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ شَاهَدَ مَا قَالَهُ وَافْتَرَاهُ على نبي الله، «وإِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ «١»» .
وَمَا وَقَعَ مِنْ ذِكْرِهَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ «٢» ﵁ وَظَاهِرِ حِكَايَتِهَا. فَلَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ شَاهَدَهَا، وَلَعَلَّهُ حَكَى مَا سَمِعَ..
وَقَدْ عَلَّلَ الْبَزَّارُ «٣» حَدِيثَهُ ذَلِكَ وَقَالَ: رَوَاهُ ثَابِتٌ «٤» عَنْهُ وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ.. ورواه حميد «٥» عن أنس «٢»، قال: وأظن حميدا إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ ثَابِتٍ «٤» .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ وَفَّقَهُ اللَّهُ: وَلِهَذَا- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- لَمْ يُخَرِّجْ أَهْلُ الصَّحِيحِ حَدِيثَ ثَابِتٍ «٤» وَلَا حُمَيْدٍ «٦» .
_________________
(١) «.. وصوابها: إِنَّما يَفْتَرِي.. النحل (١٠٥) .
(٢) تقدم آنفا.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٥٥» رقم «٤» .
(٤) أحد الرواة.
(٥) حميد: بن عبد الرحمن وكان له طول في يديه توفي وهو قائم يصلي سنة اثنين وأربعين ومائة ووثقوه وقيل انه مدلس، اخرج له الستة.. ولا يخفى ان حديثه الذي رواه المصنف رواه البخاري.
(٦) بل روى حديثه البخاري ورد المصنف له غير صحيح، والذي ينبغي له ان يقول: ان من قاله كذب وافترى ولا يقدح في أصل القصة وصحتها فانها مروية في الصحيحين
[ ٢ / ٣٠٧ ]
والصحيح حديث عبد الله «١» بن عزيز بْنِ رَفِيعٍ عَنْ أَنَسٍ «٢» ﵁، الَّذِي خَرَّجَهُ أَهْلُ الصِّحَّةِ، وَذَكَرْنَاهُ وَلَيْسَ فِيهِ عَنْ أَنَسٍ «٢» قَوْلُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ إِلَّا مِنْ حِكَايَتِهِ عَنِ الْمُرْتَدِّ النَّصْرَانِيِّ..
وَلَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً لَمَا كَانَ فِيهَا قَدْحٌ، وَلَا تَوْهِيمٌ «٣» لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ، وَلَا جَوَازٌ لِلنِّسْيَانِ وَالْغَلَطِ عَلَيْهِ، وَالتَّحْرِيفِ فِيمَا بَلَّغَهُ، وَلَا طَعْنٌ فِي نَظْمِ الْقُرْآنِ وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.. إِذْ لَيْسَ فِيهِ- لَوْ صَحَّ- أَكْثَرُ مِنْ أن الكاتب قال له: «عليم حكيم» أو كتبه فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ كَذَلِكَ هُوَ.. فَسَبَقَهُ لِسَانُهُ أَوْ قَلَمُهُ لِكَلِمَةٍ أَوْ كَلِمَتَيْنِ مِمَّا نَزَلَ عَلَى الرَّسُولِ قَبْلَ إِظْهَارِ الرَّسُولِ لَهَا.. إِذْ كَانَ مَا تَقَدَّمَ مِمَّا أَمْلَاهُ الرَّسُولُ يَدُلُّ عَلَيْهَا، وَيَقْتَضِي وُقُوعَهَا بِقُوَّةِ قُدْرَةِ الْكَاتِبِ عَلَى الْكَلَامِ، وَمَعْرِفَتِهِ بِهِ، وَجَوْدَةِ حِسِّهِ وَفِطْنَتِهِ، كَمَا يَتَّفِقُ ذَلِكَ لِلْعَارِفِ إِذَا سَمِعَ الْبَيْتَ أَنْ يَسْبِقَ إِلَى قَافِيَّتِهِ، أَوْ مُبْتَدَأَ الْكَلَامِ الْحَسَنِ إِلَى مَا يَتِمُّ به.. ولا يتفق ذلك في جملة الكلام
_________________
(١) عبد الله بن عزيز بن رفيع: تابعي جليل ثقة روى عن ابن عباس وابن عمرو عنه شعبة وأبو بكر بن عياش توفي سنة ثلاث ومائة وأخرج له الائمة الستة.
(٢) تقدم ذكره.
(٣) وفي نسخة (توهين) .
[ ٢ / ٣٠٨ ]
كَمَا لَا يَتَّفِقُ ذَلِكَ فِي آيَةٍ وَلَا سُورَةٍ.. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ إن صح «كل صواب» فقد يكون هذا فيما فِيهِ مِنْ مَقَاطِعِ الْآيِ «١» وَجْهَانِ وَقِرَاءَتَانِ أُنْزِلَتَا جَمِيعًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فأملى إحداهما، وَتَوَصَّلَ الْكَاتِبُ بِفِطْنَتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِمُقْتَضَى الْكَلَامِ إِلَى الْأُخْرَى، فَذَكَرَهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ، فَصَوَّبَهَا لَهُ النَّبِيُّ ﷺ، ثُمَّ أَحْكَمَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ مَا أَحْكَمَ، وَنَسَخَ مَا نَسَخَ، كَمَا قَدْ وُجِدَ ذَلِكَ في بعض مقاطيع الْآيِ، مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: «إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ، وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ «٢»» وَهَذِهِ قِرَاءَةُ الْجُمْهُورِ «٣»
وَقَدْ قَرَأَ جَمَاعَةٌ «٤» «فَإِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» وَلَيْسَتْ مِنَ الْمُصْحَفِ وَكَذَلِكَ كَلِمَاتٌ جَاءَتْ عَلَى وَجْهَيْنِ فِي غَيْرِ الْمَقَاطِعِ قرأ بهما معا الْجُمْهُورُ، وَثَبَتَتَا فِي الْمُصْحَفِ مِثْلَ: «وَانْظُرْ إِلَى العظام كيف ننشرها «٥» .. وَنُنْشِزُهَا «٦»، «وَيَقْضِي «٧» الْحَقَّ» «وَيَقُصُّ الْحَقَّ «٨»» وَكُلُّ هَذَا لا يوجب ريبا، ولا يسبب
_________________
(١) وفي نسخة (الايات) .
(٢) سورة المائدة آية (١٨) .
(٣) وهي القراءة المتواترة.
(٤) وهي قراءة شاذة.
(٥) ننشرها: من النشر أي نحييها وهي قراءة أبي عمرو وغيره.
(٦) ننشزها: أي نحركها ونرفع بعضها على بعض من النشز وهو المكان المرتفع.
(٧) يقضي الحق: وهي قراءة أبي عمرو وغيره.
(٨) وهي قراءة نافع وغيره أي يتبع الحق.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
لِلنَّبِيِّ ﷺ غَلَطًا وَلَا وَهْمًا.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا يَكْتُبُهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى النَّاسِ غَيْرَ الْقُرْآنِ فَيَصِفُ الله ويسمّيه في ذلك كيف شاء..
[ ٢ / ٣١٠ ]
الفصل السّابع حالته ﷺ في أخبار الدّنيا
هَذَا الْقَوْلُ فِيمَا طَرِيقُهُ الْبَلَاغُ.. وَأَمَّا مَا ليس سبيله سبيل البلاغ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي لَا مُسْتَنَدَ لَهَا إِلَى الْأَحْكَامِ، وَلَا أَخْبَارِ الْمَعَادِ، وَلَا تُضَافُ إِلَى وَحْيٍ، بَلْ فِي أُمُورِ «١» الدُّنْيَا وَأَحْوَالِ نَفْسِهِ.
فَالَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ تَنْزِيهُ النَّبِيِّ ﷺ عن أَنْ يَقَعَ خَبَرُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِخِلَافِ مُخْبَرِهِ، لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا وَلَا غَلَطًا وَأَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنْ ذَلِكَ فِي حَالِ رضاه، وفي حال سَخَطِهِ، وَجَدِّهِ، وَمَزْحِهِ «٢»، وَصِحَّتِهِ، وَمَرَضِهِ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ اتِّفَاقُ السَّلَفِ وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَيْهِ.
وَذَلِكَ أَنَّا نَعْلَمُ مِنْ دِينِ الصَّحَابَةِ وَعَادَتِهِمْ مُبَادَرَتَهُمْ إِلَى تَصْدِيقِ جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَالثِّقَةِ بِجَمِيعِ أَخْبَارِهِ فِي أَيِّ باب كانت وعن «٣» أي
_________________
(١) وفي نسخة (أحوال) .
(٢) وكان ﷺ يمزح ولا يقول الا حقا كقوله للعجوز (لا تدخل الجنة عجوز) . وقوله للاعرابي (أحملك على ابن الناقة) . وقوله للمرأة (وهل زوجك في عينيه بياض) .
(٣) وفي نسخة (وفي أي شيء) .
[ ٢ / ٣١١ ]
شَيْءٍ وَقَعَتْ، وَأَنَّهُ «١» لَمْ يَكُنْ لَهُمْ تَوَقُّفٌ وَلَا تَرَدُّدٌ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا اسْتِثْبَاتٍ عَنْ حَالِهِ عِنْدَ ذَلِكَ.. هَلْ وَقَعَ فِيهَا سَهْوٌ أَمْ لَا وَلَمَّا احْتَجَّ ابْنُ أَبِي «٢» الْحُقَيْقِ الْيَهُودِيُّ «٣» عَلَى عُمَرَ «٤» حِينَ أَجْلَاهُمْ مِنْ خَيْبَرَ بِإِقْرَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لهم، وَاحْتَجَّ عَلَيْهِ عُمَرُ ﵁ بِقَوْلِهِ ﷺ، كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ؟! فَقَالَ الْيَهُودِيُّ:
كَانَتْ هَزِيلَةً «٥» مِنْ أَبِي الْقَاسِمِ.. فَقَالَ لَهُ عُمَرُ «٦»: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ وَأَيْضًا فَإِنَّ أَخْبَارَهُ وَآثَارَهُ، وَسِيَرَهُ وَشَمَائِلَهُ، مُعْتَنًى بِهَا مُسْتَقْصًى تَفَاصِيلُهَا.. وَلَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنْهَا اسْتِدْرَاكُهُ ﷺ لِغَلَطٍ فِي قَوْلٍ قَالَهُ، أَوِ اعْتِرَافُهُ بِوَهْمٍ فِي شَيْءٍ أَخْبَرَ بِهِ.. وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لَنُقِلَ كَمَا نُقِلَ «٧» مِنْ قِصَّتِهِ «٨» ﵇ ورجوعه ﷺ عَمَّا أَشَارَ بِهِ عَلَى الْأَنْصَارِ فِي تَلْقِيحِ النَّخْلِ.. وَكَانَ ذَلِكَ رأيا لا خبرا..
_________________
(١) وفي نسخة (وانهم) .
(٢) ابن أبي الحقيق: من يهود بني خيبر وليس هو كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق زوج صفية بنت حبي بن أخطب ام المؤمنين ﵂ لأن هذا قتل في زمنه ﷺ.
(٣) هذا الحديث رواه البخاري في حديث اجلاء يهود خيبر عن ابن عمر. ورواه مسلم أيضا.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(٥) هزيلة: تصغير هزلة وهي المرة من الهزل ضد الجد كما في النهاية.
(٦) تقدم ذكره.
(٧) فيما رواه مسلم عن طلحة وأنس وغيرهما.
(٨) وفي نسخة (من قصة رجوعه ﵊) .
[ ٢ / ٣١٢ ]
وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ هذا الباب.
كقوله «١»: «وَاللَّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا فَعَلْتُ الَّذِي حَلَفْتُ عَلَيْهِ وَكَفَّرْتُ عَنْ يَمِينِي» .
وَقَوْلِهِ «٢»: «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ» .. الْحَدِيثَ «٣» .
وَقَوْلِهِ «٤»: «اسْقِ «٥» يَا زُبَيْرُ «٦» حَتَّى يَبْلُغَ الْمَاءُ «٧» الْجَدْرَ «٨»» ..
كَمَا سَنُبَيِّنُ كُلَّ مَا فِي هذا الحديث مِنْ مُشْكِلِ مَا فِي هَذَا الْبَابِ وَالَّذِي بَعْدَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَعَ أَشْبَاهِهِمَا «٩» .
- وَأَيْضًا فَإِنَّ الْكَذِبَ مَتَى عُرِفَ مِنْ أَحَدٍ فِي شَيْءٍ مِنَ الْأَخْبَارِ بِخِلَافِ مَا هُوَ عَلَى أي وجه كان، استريب بخبره، واتّهم
_________________
(١) ﵊ في حديث رواه الشيخان عن أبي موسى الاشعري رضي الله تعالى عنه في غزوة تبوك لما سأله ﷺ بعض الصحابة أن يحملهم فقال: (والله ما عندي ما احملكم عليه) فأتي بعد ذلك بإبل فأعطاها السائل وقال: ما أنا حملتكم ولكن الله تعالى حملكم) ثم قال: والله لا أحلف الحديث.
(٢) في حديث رواه الشيخان عن ام سلمة ﵂.
(٣) وتمامه (ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، فمن اقتطعت له من حق أخيه شيئا فكأنما اقتطع له قطعة من النار) .
(٤) فيما رواه الائمة الستة عن الزبير.
(٥) أسق: بفتح الهمزة.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٩١» رقم «٥» .
(٧) الجدر: بفتح الجيم وكسرها وسكون الدال المهملة وبالراء لفة في الجدار والمراد ههنا أصل الحائط كما ذكره النووي. وفي نسخة الجدر بضمتين وهو جمع الجدار..
(٨) وكان رجل من الانصار تخاصم مع الزبير بسبب ماء السقي.. وحكم بينهما الرسول ﷺ فقال الرجل ان كان ابن عمتك.. فتلون وجه النبي ﷺ وقال: الحديث.. وفي هذا الرجل نزل قوله تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ) .
(٩) ويروي (اشباهها) .
[ ٢ / ٣١٣ ]
فِي حَدِيثِهِ، وَلَمْ يَقَعْ قَوْلُهُ فِي النُّفُوسِ مَوْقِعًا..
وَلِهَذَا تَرَكَ الْمُحَدِّثُونَ وَالْعُلَمَاءُ الْحَدِيثَ عَمَّنْ عُرِفَ بِالْوَهْمِ وَالْغَفْلَةِ، وَسُوءِ الْحِفْظِ، وَكَثْرَةِ الْغَلَطِ مَعَ ثِقَتِهِ «١» ..
- وَأَيْضًا فَإِنَّ تَعَمُّدَ الْكَذِبِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا مَعْصِيَةٌ..
وَالْإِكْثَارَ مِنْهُ كَبِيرَةٌ بِإِجْمَاعٍ، مسقط المروءة، وَكُلُّ هَذَا مِمَّا يُنَزَّهُ عَنْهُ مَنْصِبُ النُّبُوَّةِ..
والمرة الواحدة منه فيما يستبشع ويستشنع مما يخلّ بصاحبها ويزري بقائلها لا حقة بِذَلِكَ..
وَأَمَّا فِيمَا لَا يَقَعُ هَذَا الْمَوْقِعَ، فَإِنْ عَدَدْنَاهَا مِنَ الصَّغَائِرِ فَهَلْ تَجْرِي عَلَى حُكْمِهَا فِي الْخِلَافِ فِيهَا؟!. مُخْتَلَفٌ فِيهِ..
وَالصَّوَابُ تنزيه النبوة عن قليله وكثيره، وسهوه وَعَمْدِهِ..
إِذْ عُمْدَةُ النُّبُوَّةِ الْبَلَاغُ وَالْإِعْلَامُ وَالتَّبْيِينُ، وَتَصْدِيقُ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ، وَتَجْوِيزُ شَيْءٍ مِنْ هَذَا قَادِحٌ في ذلك ومشكك فيه مناقض للمعجزة..
_________________
(١) وقد حكي ان البخاري قصد رجلا في مكان بعيد لاخذ حديث عنه فلما وصله بعد السفر الطويل وجده آخذا بذيله وهو يشير الى دابته النافرة تحديبا لها وموهما اياها ان في حجره شعيرا ولم يكن به ذلك فرجع عنه البخاري ولم يأخذ منه حديثا لانه رآه يكذب على دابة.
[ ٢ / ٣١٤ ]
فَلْنَقْطَعْ عَنْ «١» يَقِينٍ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ خُلْفٌ «٢» فِي الْقَوْلِ فِي وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ لَا بِقَصْدٍ وَلَا بِغَيْرِ قَصْدٍ، وَلَا نتسامح «٣» مع من تسامح في تجويز ذلك عليهم حال السهو فيما «٤» لَيْسَ طَرِيقُهُ الْبَلَاغَ.. نَعَمْ «٥» وَبِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِمُ الْكَذِبُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَلَا الِاتِّسَامُ بِهِ فِي أُمُورِهِمْ، وَأَحْوَالِ دُنْيَاهُمْ.. لِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يزري ويريب بهم، وَيُنَفِّرُ الْقُلُوبَ عَنْ تَصْدِيقِهِمْ بَعْدُ.
وَانْظُرْ أَحْوَالَ عَصْرِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهَا مِنَ الْأُمَمِ، وَسُؤَالِهِمْ عَنْ حَالِهِ فِي صِدْقِ لِسَانِهِ، وَمَا عُرِفُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَاعْتَرَفُوا بِهِ مِمَّا عُرِفَ، وَاتَّفَقَ النَّقْلُ «٦» عَلَى عِصْمَةِ نَبِيِّنَا ﷺ مِنْهُ قَبْلُ وَبَعْدُ، وَقَدْ ذَكَرْنَا مِنَ الْآثَارِ فِيهِ فِي الْبَابِ الثَّانِي أَوَّلَ الْكِتَابِ مَا يبين لك صحة ما أشرنا «٧» اليه..
***
_________________
(١) وفي نسخة (على) .
(٢) وفي نسخة (تخلف)
(٣) وفي نسخة (لا يتسامح) بالمبني للمجهول.
(٤) وفي نسخة (مما) .
(٥) جواب سؤال تقديره: هل هذا شامل لما قبل النبوة؟.
(٦) ويروى (واتفق أهل النقل)
(٧) ومن جملته قَوْلُهُ تَعَالَى: (قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يقولون فانهم لا يكذبونك) بالتشديد والتخفيف أي لا ينسبونك الى الكذب.
[ ٢ / ٣١٥ ]
الْفَصْلُ الثَّامِنُ رَدُّ بَعْضِ الِاعْتِرَاضَاتِ
فَإِنْ قُلْتَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ «١» السَّهْوِ الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ الْفَقِيهُ أبو إسحق «٢» إبراهيم بن جعفر..
قال أبو هريرة «٣» ﵁: «صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ صَلَاةَ الْعَصْرِ «٤» فَسَلَّمَ فِي رَكْعَتَيْنِ.. فَقَامَ ذُو اليدين «٥» فقال: يا رسول
_________________
(١) هذا الحديث رواه الشيخان ومالك والترمذي وغيرهم، ولم يرده المصنف ﵀ من طريق الصحيحين بل من طريق غيرهما.. وأخرجه المصنف من الموطأ لان بينه وبين مالك سبعة اشخاص. وكذلك في مسلم ولكن الموطأ مقدم عند المغاربة. ولو أخرجه من النسائي كان يقع له أعلى من الموطأ عن أبي هريرة.
(٢) هو ابراهيم بن جعفر المكنى بأبي اسحاق اشتهر في التضلع بالفقه، وهو عالم مشهور تقي ورع
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥» .
(٤) وقيل الظهر كما في رواية مسلم.
(٥) ذو اليدين: وسمي به لان في يديه او في احداهما طولا.. ووهم هنا الزهري مع سعة علمه فقال: ذو الشمالين ولا يصح لان ذا الشمالين استشهد ببدر وذو اليدين شهد قصة أبي هريرة واسلام أبي هريرة بعد خيبر.. وقد تأخر موته حتى روى عنه متأخر والتابعين كمطير. والقول بأنهما واحد لا يصح لان ذا الشمالين خزاعي وذا اليدين سلمي
[ ٢ / ٣١٦ ]
أقصرت «١» الصلاة أم نسيت؟. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ.»
وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: «ما قصرت الصلاة وما نسيت-» الحديث بقصته فأخبر بِنَفْيِ الْحَالَتَيْنِ وَأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَقَدْ كَانَ أَحَدُ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ ذُو الْيَدَيْنِ «٢» . «قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ..»
فَاعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ أَجْوِبَةً بَعْضُهَا بِصَدَدِ الْإِنْصَافِ، وَمِنْهَا مَا هُوَ بِنِيَّةِ «٣» التَّعَسُّفِ «٤» وَالِاعْتِسَافِ..
وَهَا أَنَا أَقُولُ: أَمَّا على القول الأول.. بتجويز الوهم والغلط مما لَيْسَ طَرِيقُهُ مِنَ الْقَوْلِ الْبَلَاغُ وَهُوَ الَّذِي زَيَّفْنَاهُ «٥» مِنَ الْقَوْلَيْنِ.
فَلَا اعْتِرَاضَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَشِبْهِهِ..
وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَمْنَعُ السَّهْوَ والنسيان فِي أَفْعَالِهِ جُمْلَةً وَيَرَى أَنَّهُ فِي مِثْلِ هَذَا عَامِدٌ لِصُورَةِ النِّسْيَانِ لِيَسُنَّ، فَهُوَ صَادِقٌ فِي خَبَرِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْسَ وَلَا قَصُرَتْ، وَلَكِنَّهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَعَمَّدَ هَذَا الْفِعْلَ في هذه الصورة ليسنه لِمَنِ اعْتَرَاهُ مِثْلُهُ.. وَهُوَ قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ،
_________________
(١) اقصرت: روي بفتح القاف بمعنى النقص، وروي بضم القاف من القصر ضد الاتمام وقال النووي كلاهما صحيح.. والثاني أشهر واصح.
(٢) تقدم ذكره آنفا.
(٣) وفي نسخة (بتيه) .
(٤) التعسف هو الخروج عن الجادة وركوب الامر بالمنقة وفي معناه الاعتساف وانما جمع بينهما للمبالغة.
(٥) أي ضعفناه.
[ ٢ / ٣١٧ ]
نذكره «١» فِي مَوْضِعِهِ.. وَأَمَّا عَلَى إِحَالَةِ السَّهْوِ عَلَيْهِ.. فِي الْأَقْوَالِ وَتَجْوِيزِ السَّهْوِ عَلَيْهِ فِيمَا لَيْسَ طَرِيقُهُ الْقَوْلَ كَمَا سَنَذْكُرُهُ «٢» فَفِيهِ أَجْوِبَةٌ:
مِنْهَا: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ عَنِ اعْتِقَادِهِ وَضَمِيرِهِ، - أَمَّا إِنْكَارُ الْقَصْرِ فَحَقٌّ وَصِدْقٌ بَاطِنًا وَظَاهِرًا، وَأَمَّا النِّسْيَانُ فَأَخْبَرَ ﷺ عَنِ اعْتِقَادِهِ وَأَنَّهُ لَمْ ينس في ظنه فكأنه قصد الخبر بهذا عَنْ ظَنِّهِ وَإِنْ لَمْ يَنْطِقْ بِهِ، وَهَذَا «٣» صِدْقٌ أَيْضًا.
وَوَجْهٌ ثَانٍ: «أَنَّ قَوْلَهُ «وَلَمْ أَنْسَ» رَاجِعٌ إِلَى السَّلَامِ أَيْ إِنِّي سَلَّمْتُ قَصْدًا وَسَهَوْتُ عَنِ الْعَدَدِ.. أَيْ لَمْ أَسْهُ فِي نَفْسِ السَّلَامِ..
وَهَذَا مُحْتَمَلٌ.. وَفِيهِ بُعْدٌ» ..
وجه ثالث: (وهو أبعدها.. مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُهُمْ وَإِنِ احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ مِنْ قَوْلِهِ، كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ.. أَيْ لَمْ يَجْتَمِعِ الْقَصْرُ وَالنِّسْيَانُ بَلْ كَانَ أَحَدُهُمَا.. وَمَفْهُومُ اللَّفْظِ خِلَافُهُ مَعَ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الصَّحِيحَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ «مَا قَصُرَتِ الصَّلَاةُ وَمَا «٤» نَسِيتُ») .
- هَذَا مَا رَأَيْتُ فِيهِ لِأَئِمَّتِنَا.. وَكُلٌّ مِنْ هذه الوجوه محتمل
_________________
(١) وفي نسخة (ونذكره) .
(٢) أي على القول الاصح.
(٣) ويروى (وهو) .
(٤) وفي نسخة (ولا نسيت) .
[ ٢ / ٣١٨ ]
لِلَّفْظِ «١» عَلَى بُعْدِ بَعْضِهَا «٢»، وَتَعَسُّفِ الْآخَرِ «٣» مِنْهَا
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْفَضْلِ «٤» وَفَّقَهُ اللَّهُ: وَالَّذِي أَقُولُ وَيَظْهَرُ لِي أَنَّهُ أَقْرَبُ مِنْ هَذِهِ الوجوه كلها أن قوله: «لَمْ أَنْسَ» إِنْكَارٌ لِلَّفْظِ الَّذِي نَفَاهُ عَنْ نفسه وأنكره على غيره بقوله «٥»: «بِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيتُ آيَةَ كَذَا وكذا، ولكنه نسّي «٦» .» وبقوله في في بعض «٧» رواية، الحديث الاخر: «لست أنسى ولكن «٨» أنسّى» ..
فَلَمَّا قَالَ لَهُ السَّائِلُ.. أَقْصُرَتِ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيتَ.. أَنْكَرَ قَصْرَهَا كَمَا كَانَ وَنِسْيَانُهُ هُوَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ.. وَأَنَّهُ إِنْ كَانَ جَرَى شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ نَسِيَ حَتَّى سَأَلَ غَيْرَهُ، فَتَحَقَّقَ أَنَّهُ نَسِيَ وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِيُسَنَّ.
فَقَوْلُهُ عَلَى هَذَا «لَمْ أَنْسَ» «وَلَمْ تَقْصُرْ»، «وَكُلُّ «٩» ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ»، صِدْقٌ وَحَقٌّ، لَمْ تَقْصُرْ، وَلَمْ يَنْسَ حَقِيقَةً، وَلَكِنَّهُ نُسِّيَ.
_________________
(١) وفي نسخة (اللفظ) .
(٢) وهو الوجه الثاني.
(٣) وهو الوجه الثالث.
(٤) أبو الفضل المصنف.
(٥) فيما رواه الشيخان عن ابن مسعود ﵄.
(٦) ولأبي عبيد (بئسما لاحدكم أن يقول نسيت آية كيت وكيت، ليس هو نسي ولكنه نسي) . ولكن ظاهر الحديث يخص النسيان بأي القرآن فلا يعم سائر الاقوال والافعال.
(٧) وفي نسخة (في رواية الحديث الاخر) بدون (بعض) .
(٨) وفي نسخة (ولكني) .
(٩) وفي نسخة (اذ كل ذلك) .
[ ٢ / ٣١٩ ]
وَوَجْهٌ آخَرُ اسْتَثَرْتُهُ «١» مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الْمَشَايِخِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ:
إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْهُو وَلَا يَنْسَى وَلِذَلِكَ نَفَى عَنْ نَفْسِهِ النِّسْيَانَ قَالَ: لِأَنَّ النِّسْيَانَ غفلة وآفة، والسهو إنما هو شغل «٢» .. قَالَ:
فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَسْهُو فِي صِلَاتِهِ وَلَا يَغْفَلُ عَنْهَا.. وَكَانَ يَشْغَلُهُ عَنْ حَرَكَاتِ الصَّلَاةِ مَا فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا بِهَا لَا غَفْلَةً عَنْهَا..
فَهَذَا إِنْ تَحَقَّقَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى.. لَمْ يَكُنْ فِي قوله «ما قصرت» و«ما نَسِيتُ» خُلْفٌ فِي قَوْلٍ.
وَعِنْدِي أَنَّ قَوْلَهُ: «مَا قَصُرَتِ الصَّلَاةُ وَمَا نَسِيتُ» بِمَعْنَى التَّرْكِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ وَجْهَيِ النِّسْيَانِ أَرَادَ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنِّي لَمْ أُسَلِّمْ مِنْ رَكْعَتَيْنِ تَارِكًا لِإِكْمَالِ الصَّلَاةِ. وَلَكِنِّي نَسِيتُ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي.. وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ.
قَوْلُهُ ﷺ في الحديث الصحيح: «إني لا أنسى أو أنسى لأسنّ» والله الموفق «٣» للصواب. أما قصة كلمات إبراهيم المذكورة «٤» أنها
_________________
(١) استثرته: أي استخرجته ومنه قوله تعالى (فأثرن به نقعا) وأصله استثار الغبار حركه حتى يضطرب.
(٢) ولذا قال تعالى (فلا تنسى) أي باختيارك (الا ما شاء الله) بان ينسيك من غير تقصير منك.
(٣) هذه الجملة ساقطة من بعض النسخ وموجودة في أخرى.
(٤) وفي نسخة (الواردة في الحديث) أي الصحيح الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عَنْهُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ (انه لم يكذب ابراهيم الا ثلاث كذبات) الخ.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
كِذْبَاتُهُ الثَّلَاثُ الْمَنْصُوصَةُ فِي الْقُرْآنِ مِنْهَا اثْنَتَانِ قوله «إِنِّي سَقِيمٌ «١»» «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا «٢»» وَقَوْلُهُ «٣» لِلْمَلِكِ عَنْ زَوْجَتِهِ إِنَّهَا أُخْتِي.
فَاعْلَمْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا خَارِجَةٌ عَنِ الْكَذِبِ، لَا فِي الْقَصْدِ وَلَا فِي غَيْرِهِ.. وَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي بَابِ الْمَعَارِيضِ «٤» الَّتِي فِيهَا مَنْدُوحَةٌ «٥» عَنِ الْكَذِبِ «٦» .. أَمَّا قَوْلُهُ «إِنِّي سَقِيمٌ «٧»»
فَقَالَ الْحَسَنُ «٨» وَغَيْرُهُ: مَعْنَاهُ «سَأَسْقَمُ» أَيْ إِنَّ كُلَّ مَخْلُوقٍ مُعَرَّضٌ لِذَلِكَ فَاعْتَذَرَ لِقَوْمِهِ مِنَ الْخُرُوجِ مَعَهُمْ إِلَى عِيدِهِمْ بِهَذَا.
وَقِيلَ: «بَلْ سَقِيمٌ بِمَا قُدِّرَ عَلَيَّ مِنَ الْمَوْتِ» .
وَقِيلَ: «سَقِيمُ الْقَلْبِ بِمَا أُشَاهِدُهُ «٩» مِنْ كُفْرِكُمْ وَعِنَادِكُمْ» .
وَقِيلَ: بَلْ كَانَتِ الْحُمَّى تَأْخُذُهُ عِنْدَ طُلُوعِ نجم معلوم.. فلما
_________________
(١) «.. فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ. الصافات آية رقم «٨٩» .
(٢) «.. قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ. الانبياء (٦٣) .
(٣) وهذه الذي ذكرت في الحديث.
(٤) معاريض: جمع معراض وهو من التعرض خلاف التصريح. وهو نوع من الكناية كالتورية بأن يتكلم ما يوهم خلاف مراده
(٥) مندوحة: أي سعة من ندح أي توسع وهي بكسر الميم
(٦) وفي الحديث الذي رواه البخاري في الادب المفرد مسندا موقوفا (أي في معاريض الكلام مندوحة عن الكذب) واخرجه الطبراني والبيهقي من طريق آخر عن قتادة مرفوعا. وحسنه العراقي.
(٧) الصافات آية رقم «٨٩» .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ «٦٠» رقم «٨» .
(٩) وفي نسخة بما (شاهدته) .
[ ٢ / ٣٢١ ]
رَآهُ اعْتَذَرَ بِعَادَتِهِ» . وَكُلُّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ كذب.. بل خَبَرٌ صَحِيحٌ صِدْقٌ..
وَقِيلَ: «بَلْ عَرَّضَ بِسَقَمِ حُجَّتِهِ عَلَيْهِمْ، وَضَعْفِ مَا أَرَادَ بَيَانَهُ لَهُمْ، مِنْ جِهَةِ النُّجُومِ الَّتِي كَانُوا يَشْتَغِلُونَ بِهَا، وأنه أثناء نظره في ذلك» .. وقيل: «اسْتِقَامَةِ حُجَّتِهِ عَلَيْهِمْ فِي حَالِ سَقَمٍ وَمَرَضٍ»، مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَشُكَّ هُوَ، وَلَا ضَعُفَ إِيمَانُهُ.. وَلَكِنَّهُ ضَعُفَ فِي اسْتِدْلَالِهِ عَلَيْهِمْ.. وَسَقِمَ نَظَرُهُ.. كَمَا يُقَالُ: (حُجَّةٌ سَقِيمَةٌ) (وَنَظَرٌ مَعْلُولٌ) .. حَتَّى أَلْهَمَهُ اللَّهُ بِاسْتِدْلَالِهِ وَصِحَّةِ حُجَّتِهِ عَلَيْهِمْ بِالْكَوَاكِبِ وَالشَّمْسِ، وَالْقَمَرِ، مَا نَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدَّمْنَا بَيَانَهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا «١»» الاية..
فإن عَلَّقَ خَبَرَهُ بِشَرْطِ نُطْقِهِ كَأَنَّهُ قَالَ: إِنْ كَانَ يَنْطِقُ فَهُوَ فِعْلُهُ..
عَلَى طَرِيقِ التَّبْكِيتِ لِقَوْمِهِ.. وَهَذَا صِدْقٌ أَيْضًا وَلَا خُلْفَ فِيهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «أُخْتِي» .. فَقَدْ بَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ «٢» وَقَالَ:
فَإِنَّكِ أُخْتِي فِي الْإِسْلَامِ.. وَهُوَ صِدْقٌ.
والله تعالى يقول: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ «٣»» .
_________________
(١) «.. قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ. الانبياء آية «٦٣»
(٢) الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁.
(٣) «.. فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ» . الحجرات آية «١٠»
[ ٢ / ٣٢٢ ]
فَإِنْ قُلْتَ: فَهَذَا النَّبِيُّ ﷺ قَدْ سَمَّاهَا كِذْبَاتٍ.
وَقَالَ: «لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ إِلَّا ثَلَاثَ كِذْبَاتٍ «١»»
وَقَالَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ «٢» وَيَذْكُرُ كِذْبَاتِهِ..
فَمَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَمْ يَتَكَلَّمْ بِكَلَامٍ صُورَتُهُ صُورَةُ الْكَذِبِ وَإِنْ كَانَ حَقًّا فِي الْبَاطِنِ إِلَّا هَذِهِ الْكَلِمَاتِ. وَلَمَّا كَانَ مَفْهُومُ ظَاهِرِهَا خِلَافَ بَاطِنِهَا أَشْفَقَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ بمؤاخذته «٣» بِهَا.
وَأَمَّا الْحَدِيثُ «٤»: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا.»
فَلَيْسَ فِيهِ خُلْفٌ فِي الْقَوْلِ.. إِنَّمَا هُوَ سَتْرُ مَقْصِدِهِ لِئَلَّا يَأْخُذَ عَدُوُّهُ حِذْرَهُ.. وَكَتَمَ وَجْهَ ذَهَابِهِ بِذِكْرِ السُّؤَالِ عَنْ مَوْضِعٍ آخَرَ.
وَالْبَحْثِ عَنْ أَخْبَارِهِ وَالتَّعْرِيضِ بِذِكْرِهِ. لَا أَنَّهُ يَقُولُ: تَجَهَّزُوا إِلَى غَزْوَةِ كَذَا، أَوْ وِجْهَتُنَا إِلَى مَوْضِعِ كَذَا خِلَافَ مَقْصِدِهِ، فَهَذَا لَمْ يكن.
_________________
(١) وفي مسلم: «اثنتين في ذات الله وواحدة في شأن سارة» .
(٢) يشير الى ما في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ أنهم يأتون ابراهيم ﵊ ويقولون: انت نبي الله وخليله اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ أَلَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ فَيَقُولُ: إِنَّ رَبِّي قَدْ غَضِبَ اليوم غضبا لم يغضب قبله ولا بعده مثله واني قد كنت كذبت ثلاث كذبات (ويذكرهن) اذهبوا الى غيري، الحديث:
(٣) وفي نسخة (من مؤاخذته) .
(٤) الحديث الذي رواه الشيخان عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه وفي نسخة (وكذلك الحديث) .
[ ٢ / ٣٢٣ ]
والأول ليس فيه خبر يدخله الخلف.
وَالْأَوَّلُ لَيْسَ فِيهِ خَبَرٌ يَدْخُلُهُ الْخُلْفُ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِ مُوسَى ﵇ وَقَدْ سُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ «١»؟ .. فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ.. فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ! الْحَدِيثَ وَفِيهِ قَالَ بَلْ عَبْدٌ «٢» لَنَا بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ أَعْلَمُ مِنْكَ.
وَهَذَا خبر قد أنبأ الله أنه ليس كذلك، فاعلم أنه وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ بَعْضِ طُرُقِهِ الصَّحِيحَةِ عَنِ ابْنِ «٣» عَبَّاسٍ.
«هَلْ تَعْلَمُ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْكَ؟»
فَإِذَا كَانَ جَوَابُهُ عَلَى عِلْمِهِ فَهُوَ خَبَرُ حَقٍّ وَصِدْقٍ لَا خُلْفَ فِيهِ وَلَا شُبْهَةَ.
وَعَلَى الطَّرِيقِ الْآخَرِ فَمَحْمَلُهُ عَلَى ظَنِّهِ وَمُعْتَقَدِهِ، كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ لِأَنَّ حَالَهُ فِي النُّبُوَّةِ وَالِاصْطِفَاءِ يَقْتَضِي ذَلِكَ، فَيَكُونُ إِخْبَارُهُ بِذَلِكَ أَيْضًا عَنِ اعْتِقَادِهِ وَحُسْبَانِهِ صِدْقًا لَا خُلْفَ فِيهِ.
وَقَدْ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ: «أَنَا أعلم» بما تقتضيه وظائف النبوة من
_________________
(١) الحديث مروي في الصحيح عن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه. ورواه الشيخان
(٢) والعبودية أعلى مراتب الاصطفاء لقوله تعالى (سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ) . الاسراء آية (١) وذكر الخفاجي بيتين للقاضي عياض ﵀. ومما زادني شرفا وتيها وكدت بأخمصي اطأ الثريا دخولي تحت قولك يا عبادي وجعلك خير خلقك لي نبيا
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
[ ٢ / ٣٢٤ ]
عُلُومِ التَّوْحِيدِ، وَأُمُورِ الشَّرِيعَةِ، وَسِيَاسَةِ الْأُمَّةِ، وَيَكُونُ الْخَضِرُ «١» أَعْلَمَ مِنْهُ بِأُمُورٍ أُخَرَ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إِلَّا بِإِعْلَامِ اللَّهِ مِنْ عُلُومِ غَيْبِهِ، كَالْقَصَصِ الْمَذْكُورَةِ فِي خَبَرِهِمَا. فَكَانَ مُوسَى أَعْلَمَ عَلَى الْجُمْلَةِ بِمَا تَقَدَّمَ، وَهَذَا أَعْلَمُ عَلَى الْخُصُوصِ بِمَا أُعْلِمَ.. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ:
قَوْلُهُ تعالى «وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا «٢»» .
وعتب «٣» الله عَلَيْهِ- فِيمَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ- إِنْكَارُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ.. كَمَا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ «لَا عِلْمَ لَنا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنا «٤»» أَوْ لِأَنَّهُ لَمْ يَرْضَ قَوْلَهُ شَرْعًا.. وَذَلِكَ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ فِيهِ من لم يبلغ كما له فِي تَزْكِيَةِ نَفْسِهِ، وَعُلُوِّ دَرَجَتِهِ مِنْ أُمَّتِهِ، فَيَهْلِكَ لِمَا تَضَمَّنَهُ مِنْ مَدْحِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ، وَيُورِثُهُ ذَلِكَ مِنَ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَالتَّعَاطِي وَالدَّعْوَى، وَإِنْ نُزِّهَ عَنْ هَذِهِ الرَّذَائِلِ الْأَنْبِيَاءُ فَغَيْرُهُمْ بِمَدْرَجَةِ سَبِيلِهَا، وَدَرْكِ لَيْلِهَا، إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ الله.
فالتحفظ منها أولى لنفسه، وليقتدى به،
ولهذا قَالَ ﷺ تَحَفُّظًا مِنْ مِثْلِ هَذَا مِمَّا قَدْ عُلِمَ بِهِ «٥»: «أَنَا سيد
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢٣» رقم «١» .
(٢) «.. فَوَجَدا عَبْدًا مِنْ عِبادِنا آتَيْناهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنا وَعَلَّمْناهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا الكهف «٦» .
(٣) عتب: بفتح العين المهملة وسكون التاء المثناة الفوقية.
(٤) «.. إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ البقرة «٣٢» .
(٥) ورواية الصحيحين «أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر» .
[ ٢ / ٣٢٥ ]
وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ» وَهَذَا الْحَدِيثُ إِحْدَى حُجَجِ الْقَائِلِينَ بِنُبُوَّةِ الْخَضِرِ لِقَوْلِهِ فِيهِ: «أَنَا أَعْلَمُ مِنْ مُوسَى» وَلَا يَكُونُ الْوَلِيُّ أَعْلَمَ من مِنَ النَّبِيِّ.
وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ فَيَتَفَاضَلُونَ فِي الْمَعَارِفِ..
وَبِقَوْلِهِ «وَما فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي «١»» .
- فَدَلَّ أَنَّهُ يوحي.. وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيٍّ قَالَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَهُ بِأَمْرِ نَبِيٍّ آخَرَ.. وَهَذَا يَضْعُفُ لِأَنَّهُ مَا عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ مُوسَى نَبِيٌّ غَيْرُهُ إِلَّا أَخَاهُ هَارُونَ. وَمَا نَقَلَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ شَيْئًا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ..
- وَإِذَا جَعَلْنَا «أَعْلَمَ مِنْكَ» لَيْسَ عَلَى الْعُمُومِ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْخُصُوصِ، وَفِي قَضَايَا مُعَيَّنَةٍ، لَمْ يَحْتَجْ إِلَى إِثْبَاتِ نُبُوَّةِ الْخَضِرِ.
- وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ: كَانَ مُوسَى أَعْلَمَ مِنَ الْخَضِرِ فِيمَا أَخَذَ عَنِ اللَّهِ، وَالْخَضِرُ أَعْلَمُ فِيمَا دُفِعَ إِلَيْهِ من موسى..
وقال آخر إنما ألجىء موسى إلى الخضر للتأديب لا للتعليم..
***
_________________
(١) «.. ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا» الكهف آية رقم «٨٢» .
[ ٢ / ٣٢٦ ]
الفصل التاسع عصمتهم في الأعمال من الفواحش والموبقات
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْجَوَارِحِ مِنَ الْأَعْمَالِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْ جُمْلَتِهَا الْقَوْلُ بِاللِّسَانِ فِيمَا عَدَا الخبر الذي وقع فيه الكلام، ولا الاعتقاد بالقلب فيما عدا التوحيد بما قَدَّمْنَاهُ مِنْ مَعَارِفِهِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِ.
- فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْفَوَاحِشِ وَالْكَبَائِرِ الْمُوبِقَاتِ.
- وَمُسْتَنَدُ الْجُمْهُورِ فِي ذَلِكَ الْإِجْمَاعُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ «١» .
وَمَنَعَهَا غَيْرُهُ بِدَلِيلِ الْعَقْلِ مَعَ الْإِجْمَاعِ.. وَهُوَ قَوْلُ الْكَافَّةِ..
واختاره الأستاذ أبو إسحق «٢» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٨٥» رقم «١» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨٤» رقم «٢» .
[ ٢ / ٣٢٧ ]
- وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ كِتْمَانِ «١» الرِّسَالَةِ وَالتَّقْصِيرِ فِي التَّبْلِيغِ.
لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي الْعِصْمَةَ مِنْهُ الْمُعْجِزَةُ مَعَ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذلك من الكافة.
والجمهور قائل بِأَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ مُعْتَصِمُونَ بِاخْتِيَارِهِمْ وَكَسْبِهِمْ.. إِلَّا حُسَيْنًا «٢» النَّجَّارَ فَإِنَّهُ قَالَ: لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى الْمَعَاصِي أَصْلًا.
- وَأَمَّا الصَّغَائِرُ.. فَجَوَّزَهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَغَيْرُهُمْ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي جَعْفَرٍ «٣» الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْمُتَكَلِّمِينَ.
وَسَنُورِدُ بَعْدَ هَذَا مَا احْتَجُّوا بِهِ وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى إِلَى الْوَقْفِ.. وَقَالُوا: الْعَقْلُ لَا يُحِيلُ وُقُوعَهَا مِنْهُمْ.. وَلَمْ يَأْتِ فِي الشَّرْعِ قَاطِعٌ بِأَحَدِ الوجهين.
_________________
(١) وفي نسخة (عن كتم الرسالة) .
(٢) حسين النجار: وفي نسخة «حسن النجار» وهو حسن بن محمد النجار الذي تنسب له الطائفة النجارية، وهم فرقة من المبتدعة الضالة، وافقوا أهل السنة في بعض أصولهم ووافقوا القدرية في نفي الرؤية، ووافقوا المعتزلة فى بعض المسائل ولهم مقالات كفروا بها، والمشهور منهم ثلاث فرق. البرغوثية والزعفرانية والمستدركة.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «٢» .
[ ٢ / ٣٢٨ ]
وذهبت طائفة أخرى من المحققين من الفقهاء وَالْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الصَّغَائِرِ كَعِصْمَتِهِمْ مِنَ الْكَبَائِرِ.. قَالُوا: «لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي الصَّغَائِرِ وَتَعْيِينِهَا مِنَ الْكَبَائِرِ وَإِشْكَالِ ذَلِكَ» .
وَقَوْلِ ابْنِ «١» عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ: «إِنَّ كُلَّ مَا عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ وَأَنَّهُ إِنَّمَا سُمِّيَ مِنْهَا الصَّغِيرُ بِالْإِضَافَةِ «٢» إِلَى مَا هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ وَمُخَالَفَةُ الباري في أي أَمْرٍ كَانَ يَجِبُ كَوْنُهُ كَبِيرَةً.
قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ «٣» عَبْدُ الْوَهَّابِ: «لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ فِي مَعَاصِي اللَّهِ صَغِيرَةً إِلَّا عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا تُغْتَفَرُ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، وَلَا يَكُونُ لَهَا حُكْمٌ مَعَ ذَلِكَ. بِخِلَافِ الْكَبَائِرِ إِذَا لَمْ يُتَبْ مِنْهَا فَلَا يُحْبِطُهَا «٤» شَيْءٌ، وَالْمَشِيئَةُ فِي الْعَفْوِ عَنْهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى «وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي «٥» بَكْرٍ وَجَمَاعَةِ أَئِمَّةِ الأشعرية وكثير من أئمة الفقهاء.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٢) وفي نسخة (باضافة) .
(٣) القاضي ابو محمد عبد الوهاب: المالكي البغدادي الاديب لعلامة وهو من شعراء اليتيمة وقصيدته الميمية التي منها: ولو ان أهل العلم صانوه صانهم ولو عظموه في النفوس لعظما وله تصانيف في مذهبه جليلة كالتلقين والمعونة. وارتحل الى مصر وتوفي بها ودفن بالقرافة بجانب الشافعي في عام اثنين وأربعمائة رابع عشر صفر.
(٤) يحبطها: يمحوها.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٨٥» رقم «٥» .
[ ٢ / ٣٢٩ ]
وقال بعض أئمتنا: «لا يَجِبُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَخْتَلِفَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ تَكْرَارِ الصَّغَائِرِ وَكَثْرَتِهَا، إِذْ يُلْحِقُهَا ذَلِكَ بِالْكَبَائِرِ، وَلَا فِي صَغِيرَةٍ أَدَّتْ إِلَى إِزَالَةِ الْحِشْمَةِ، وَأَسْقَطَتِ الْمُرُوءَةَ وَأَوْجَبَتِ الْإِزْرَاءَ وَالْخَسَاسَةَ، فَهَذَا أَيْضًا مِمَّا يُعْصَمُ عَنْهُ الْأَنْبِيَاءُ إِجْمَاعًا..
لِأَنَّ مثل هذا يحط منصب الْمُتَّسِمَ «١» بِهِ، وَيُزْرِي بِصَاحِبِهِ، وَيُنَفِّرُ الْقُلُوبَ عَنْهُ.
وَالْأَنْبِيَاءُ مُنَزَّهُونَ عَنْ ذَلِكَ، بَلْ يَلْحَقُ بِهَذَا مَا كَانَ مِنْ قَبِيلِ الْمُبَاحِ فَأَدَّى إِلَى «٢» مِثْلِهِ لِخُرُوجِهِ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ عَنِ اسْمِ الْمُبَاحِ إِلَى الْحَظْرِ» . وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى عِصْمَتِهِمْ مِنْ مُوَاقَعَةِ الْمَكْرُوهِ قَصْدًا
وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ عَلَى عِصْمَتِهِمْ مِنَ الصَّغَائِرِ بِالْمَصِيرِ إِلَى امْتِثَالِ أَفْعَالِهِمْ، وَاتِّبَاعِ آثَارِهِمْ وَسِيَرِهِمْ مُطْلَقًا، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ «٣»، وَالشَّافِعِيِّ «٤»، وَأَبِي حَنِيفَةَ «٥»، مِنْ غَيْرِ الْتِزَامِ قَرِينَةٍ.. بَلْ مُطْلَقًا عِنْدَ بَعْضِهِمْ.. وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي حكم ذلك «٦» .
_________________
(١) المتسم به: أي المتصف به.
(٢) من باب سد الذرائع عند الامام مالك، فان عنده ما ادى الى منهي عنه منهي عنه وان كان مباحا.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٧» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٥» رقم «٨» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٩٩» رقم «٦» .
(٦) فقال الغزالي انه يستحب اتباعه في الامور الجبلية كغيرها، وذهب اليه كثير من الفقهاء والمحدثين. وقال غيرهم انه مباح احسن من غيره. وفي قول ضعيف انه واجب
[ ٢ / ٣٣٠ ]
وَحَكَى ابْنُ خُوَيْزَ «١» مِنْدَاذْ وَأَبُو الْفَرَجِ «٢» عَنْ مَالِكٍ «٣» .
الْتِزَامَ ذَلِكَ وُجُوبًا.. وَهُوَ قَوْلُ الْأَبْهَرِيِّ «٤» وَابْنِ الْقَصَّارِ «٥» وَأَكْثَرِ أَصْحَابِنَا.. وَقَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَابْنِ سُرَيْجٍ «٦» وَالْإِصْطَخْرِيِّ «٧»، وَابْنِ خَيْرَانَ «٨» مِنَ الشافعية.
_________________
(١) ابن خويز منداذ: أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عبد الله، وقيل: أبو بكر تلميذ الابهري، من أئمة المالكية والاصول، وله تصانيف في مذهبه وعلم الخلاف الا أن اقواله مرجوحة عندهم، كقوله: ان العبيد لا يدخلون في الخطاب، وان خبر الواحد موجب العلم. توفي في حدود الاربعمائه. وهو من أهل البصرة كما في التمهيد لابن عبد البر
(٢) ابو الفرج: عمر بن محمد بن عمر الليثي المالكي صاحب كتاب الحاوي في فقه مالك توفي سنة ثلاثين او احدى وثلاثين وثلثمائة.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤١» رقم «٤» .
(٤) الابهري: نسبة لبلدة عظيمة بين قزوين وزنجان ولهم اخرى باصبهان، والابهري من علماء المالكية اثنان: أبو بكر محمد بن عبد الله بن صالح، والاخر ابو سعيد عبد الرحمن بن يزيد بن عبد السلام فمحمد الابهري من علماء المالكية من أهل طليطلة ويلقب بأبي تمام وهو المراد هنا.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٤١» رقم «١» .
(٦) ابن سريج: ابو العباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي الشافعي، حامل لواء المذهب صاحب التصانيف الجليلة. كانوا يفضلونه على جميع أصحاب الشافعي، ويلقب بالباز الاشهب، تولى قضاء شيراز، وتوفي في جمادى الاولى سنة ست وثلاثمائة
(٧) الاصطخري: أبو سعيد الحسن بن أحمد بن زيد بن عيسى الامام المشهور عند الشافعية وكذا تصانيفه، توفي سنة أربع وثمانين وثلاثمائة على أحد الاقوال وترجمته مفصلة في الطبقات والميزان وغيرهما.
(٨) ابن خيران: ابو الحسين بن صالح بن خيران البغدادي الامام الزاهد الجليل قدره صاحب التصانيف المفيدة في فقه الشافعية. طلبه الوزير ابن الفرات ليوليه القضاء فلم يجبه فسمر بابه عليه اياما فلم يجب فأفرج عنه ثم قال: انما فعلت ذلك به ليعلم ان ما في بلدنا مثله. توفي رحمه الله تعالى سنة عشرين وثلاثمائة.
[ ٢ / ٣٣١ ]
وأكثر الشافعية على أن ذلك ندب..
وذهبت طَائِفَةٌ إِلَى الْإِبَاحَةِ وَقَيَّدَ بَعْضُهُمُ الِاتِّبَاعَ فِيمَا كَانَ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَعُلِمَ بِهِ مَقْصِدُ الْقُرْبَةِ.
وَمَنْ قَالَ بِالْإِبَاحَةِ فِي أَفْعَالِهِ لَمْ يُقَيِّدْ.. قَالَ: «فَلَوْ جَوَّزْنَا عَلَيْهِمُ الصَّغَائِرَ لَمْ يُمْكِنِ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ إِذْ لَيْسَ كل فعل من أفعاله يتميز مقصده به مِنَ الْقُرْبَةِ أَوِ الْإِبَاحَةِ أَوِ الْحَظْرِ أَوِ الْمَعْصِيَةِ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْمَرَ الْمَرْءُ بِامْتِثَالِ أَمْرٍ لَعَلَّهُ مَعْصِيَةٌ لَا سِيَّمَا عَلَى مَنْ يَرَى مِنَ الْأُصُولِيِّينَ تَقْدِيمَ الْفِعْلِ عَلَى الْقَوْلِ إذا تعارضا.
ونزيد هَذَا حُجَّةً بِأَنْ نَقُولَ: مَنْ جَوَّزَ الصَّغَائِرَ وَمَنْ نَفَاهَا عَنْ نَبِيِّنَا ﷺ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى مُنْكَرٍ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَأَنَّهُ مَتَى رَأَى شَيْئًا فَسَكَتَ عَنْهُ ﷺ دَلَّ عَلَى جَوَازِهِ.. فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا حَالَهُ فِي حَقِّ غَيْرِهِ ثُمَّ يَجُوزُ وُقُوعُهُ مِنْهُ فِي نَفْسِهِ؟!
- وَعَلَى هَذَا الْمَأْخَذِ تَجِبُ عصمته من مواقعة المكروه كما قيل..
وإذ الخطر أَوِ النَّدْبُ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِفِعْلِهِ يُنَافِي الزَّجْرَ وَالنَّهْيَ عَنْ فِعْلِ الْمَكْرُوهِ.
- وَأَيْضًا فَقَدْ عُلِمَ من دين «١» الصحابة قطعا الاقتداء بأفعال
_________________
(١) دين: هنا معناها العادة.
[ ٢ / ٣٣٢ ]
النَّبِيَّ ﷺ كيف توجهت، وفي كُلِّ فَنٍّ كَالِاقْتِدَاءِ بِأَقْوَالِهِ.. فَقَدْ نَبَذُوا خَوَاتِيمَهُمْ حِينَ نَبَذَ خَاتَمَهُ «١» .. وَخَلَعُوا نِعَالَهُمْ حِينَ خَلَعَ «٢» .. وَاحْتِجَاجُهُمْ «٣» بِرُؤْيَةِ ابْنِ عُمَرَ «٤» إِيَّاهُ جَالِسًا لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ مُسْتَقْبِلًا بَيْتَ الْمَقْدِسِ.. وَاحْتَجَّ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي غَيْرِ شَيْءٍ «٥» مِمَّا بَابُهُ الْعِبَادَةُ أَوِ الْعَادَةُ بِقَوْلِهِ «٦»: «رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَفْعَلُهُ» وَقَالَ «٧»: «هَلَّا خَبَّرْتِيهَا أَنِّي أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ» ..
وَقَالَتْ عَائِشَةُ «٨» مُحْتَجَّةً «٩»: «كنت أفعله أنا ورسول ﷺ وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الَّذِي أُخْبِرَ بمثل هذا عنه فقال «١٠»: «يحلّ الله لرسوله ما يشاء» .
_________________
(١) وهو اشارة الى حديث رواه الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
(٢) اشارة لحديث رواه احمد وابو داود والحاكم عن أبي سعيد الخدري.
(٣) حديث رواه الشيخان عن ابن عمر ﵄ استدلوا به على انه يجوز استقبال القبلة واستدبارها بالبول والغائط.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١» .
(٥) في غير شيء: أي في اشياء كثيرة.
(٦) أي بقول ابن عمر.
(٧) اشارة الى حديث في الموطأ عن عطاه بن يسار ان رجلا قبل امرأته وهو صائم في رمضان فخاف وأرسل امرأته تسأل أمهات المؤمنين فسألت أم سلمة فقالت: أن رسول الله ﷺ فعله فأتته فأخبرته بما قالت فقال لسنا كرسول الله صلّى الله فأتتها وأخبرتها بما قال زوجها فوجدت عندها رسول الله ﷺ فقال: ما لهذه المرأة فأخبرته أم سلمة فقال لها رسول الله ﷺ ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك فقالت أم سلمة قد أخبرتها فذهبت الى زوجها فأخبرته فزاده ذلك بشرا الى آخره فقال: «اني لاتقاكم لله وأعلمكم بحدوده» .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٩) لجوازه وعدم افساده الصوم.
(١٠) أي الصحابي المخبر بذلك.
[ ٢ / ٣٣٣ ]
وَقَالَ: «إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ» . وَالْآثَارُ في هذا أعظم من أن يحيط بها. لَكِنَّهُ يُعْلَمُ مِنْ مَجْمُوعِهَا عَلَى الْقَطْعِ اتِّبَاعُهُمْ أَفْعَالَهُ وَاقْتِدَاؤُهُمْ بِهَا وَلَوْ جَوَّزُوا عَلَيْهِ الْمُخَالَفَةَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا لَمَا اتَّسَقَ هَذَا، وَلَنُقِلَ عَنْهُمْ، وَظَهَرَ بَحْثُهُمْ عَنْ ذَلِكَ. وَلَمَا أَنْكَرَ ﷺ عَلَى الْآخَرِ قَوْلَهُ وَاعْتِذَارُهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ.
- وَأَمَّا الْمُبَاحَاتُ «١» فَجَائِزٌ وُقُوعُهَا مِنْهُمْ إِذْ لَيْسَ فِيهَا قَدْحٌ.
بَلْ هِيَ مَأْذُونٌ فِيهَا وَأَيْدِيهِمْ «٢» كَأَيْدِي غَيْرِهِمْ مُسَلَّطَةٌ عَلَيْهَا.
- إِلَّا أَنَّهُمْ بِمَا خُصُّوا بِهِ مِنْ رَفِيعِ المنزلة، وبما شرحت لَهُ صُدُورُهُمْ مِنْ أَنْوَارِ «٣» الْمَعْرِفَةِ، وَاصْطُفُوا بِهِ من تعلق بالهم بِاللَّهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ.. لَا يَأْخُذُونَ مِنَ الْمُبَاحَاتِ إِلَّا الضَّرُورَاتِ مِمَّا يَتَقَوَّوْنَ بِهِ عَلَى سُلُوكِ طَرِيقِهِمْ وَصَلَاحِ دِينِهِمْ وَضَرُورَةِ دُنْيَاهُمْ.
وَمَا أُخِذَ عَلَى هَذِهِ السَّبِيلِ الْتَحَقَ طَاعَةً وَصَارَ قُرْبَةً كَمَا بَيَّنَّا مِنْهُ- أَوَّلَ الْكِتَابِ طَرَفًا فِي خِصَالِ نَبِيِّنَا ﷺ.
فَبَانَ لَكَ عَظِيمُ فَضْلِ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَى سَائِرِ أَنْبِيَائِهِ ﵈، بِأَنْ جَعَلَ أَفْعَالَهَمْ قُرُبَاتٍ وَطَاعَاتٍ بَعِيدَةً عَنْ وَجْهِ الْمُخَالَفَةِ وَرَسْمِ المعصية.
_________________
(١) المباح هو ما يجوز فعله وتركه من غير ترجيح لجانب لتوسعهم فيه مأخوذ من باحة الدار أي عرصتها.
(٢) اليد مجاز عن الكسب والتصرف لانها الة الفعل غالبا لقوله بيده الملك أي له وبقبضته التصرف فيه.
(٣) وفي نسخة (انواع) .
[ ٢ / ٣٣٤ ]
الفصل العاشر عصمتهم من المعاصي قبل النبوّة
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي عِصْمَتِهِمْ مِنَ الْمَعَاصِي قَبْلَ النُّبُوَّةِ فَمَنَعَهَا قَوْمٌ وَجَوَّزَهَا آخَرُونَ.
وَالصَّحِيحُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَنْزِيهُهُمْ مَنْ كُلِّ عَيْبٍ وَعِصْمَتُهُمْ مِنْ كُلِّ مَا يُوجِبُ الرَّيْبَ.. فَكَيْفَ وَالْمَسْأَلَةُ تَصَوُّرُهَا كَالْمُمْتَنِعِ.. فَإِنَّ الْمَعَاصِي وَالنَّوَاهِي إِنَّمَا تَكُونُ بَعْدَ تَقَرُّرِ الشَّرْعِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَالِ نَبِيِّنَا ﷺ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ..
هَلْ كَانَ مُتَّبِعًا لِشَرْعٍ قَبْلَهُ، أَمْ لَا؟؟ فَقَالَ جَمَاعَةٌ لَمْ يَكُنْ مُتَّبِعًا لِشَيْءٍ.. وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ.
فَالْمَعَاصِي عَلَى هَذَا الْقَوْلِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ، وَلَا مُعْتَبَرَةٍ فِي حَقِّهِ حِينَئِذٍ، إِذِ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ إِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بالأوامر والنواهي،
[ ٢ / ٣٣٥ ]
وَتَقَرُّرِ «١» الشَّرِيعَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفَتْ حُجَجُ الْقَائِلِينَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ عَلَيْهَا..
فَذَهَبَ سَيْفُ السُّنَّةِ وَمُقْتَدَى فِرَقِ الْأُمَّةِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ «٢» إِلَى أَنَّ طَرِيقَ الْعِلْمِ بِذَلِكَ النَّقْلُ، وَمَوَارِدُ الْخَبَرِ مِنْ طَرِيقِ السَّمْعِ..
وَحُجَّتُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ لَنُقِلَ، وَلَمَا أَمْكَنَ كَتْمُهُ وَسَتْرُهُ فِي الْعَادَةِ..
إِذْ كَانَ مِنْ مُهِمِّ أَمْرِهِ وَأَوْلَى مَا اهْتُبِلَ «٣» بِهِ مِنْ سِيرَتِهِ، وَلَفَخَرَ بِهِ أَهْلُ تِلْكَ الشريعة ولا حتجوا بِهِ عَلَيْهِ.. وَلَمْ يُؤْثَرْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ جُمْلَةً.. وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى امْتِنَاعِ ذَلِكَ عَقْلًا.. قَالُوا:
لِأَنَّهُ يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَتْبُوعًا مَنْ عُرِفَ تَابِعًا وَبَنَوْا «٤» هَذَا عَلَى التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ «٥»، وَهِيَ طَرِيقَةٌ غَيْرُ سَدِيدَةٍ.
وَاسْتِنَادُ ذَلِكَ إِلَى النَّقْلِ- كَمَا تَقَدَّمَ لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ- أَوْلَى وَأَظْهَرُ وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى: «بِالْوَقْفِ فِي أَمْرِهِ ﷺ وَتَرْكِ قَطْعِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ فِي ذَلِكَ إِذْ لَمْ يُحِلْ أحد الوجهين منها العقل ولا
_________________
(١) أي تحققها وظهورها
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٨٥» رقم «١» . وانما مدحه المؤلف اشارة الى ترجيح هذا المذهب وان لا ينبغي العدول عنه وهو أيضا على مذهبه لأنه مالكي لا شافعي كما قد يتوهم من اشعريته.
(٣) اهتبل: بهاء وتاء مثناة فوقية موحدة ومبني للمجهول من الاهتبال وهو شدة الاعتناء.
(٤) (وبنوا) في بعض النسخ غير موجودة.
(٥) أي على التحسين والتقبيح العقليين وهو مذهب المعتزلة وهو عبارة عن تعلق المدح والذم عاجلا والثواب والعقاب آجلا. وأهل السنة يقولون: لا يعرف حسن امر او قبحه الا من جهة الشرع اذ لا دخل للعقل فيه.
[ ٢ / ٣٣٦ ]
استبان عندها فِي أَحَدِهِمَا طَرِيقُ النَّقْلِ.. وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي الْمَعَالِي «١»
وَقَالَتْ فِرْقَةٌ ثَالِثَةٌ: «إِنَّهُ كَانَ عَامِلًا بشرح مَنْ قَبْلَهُ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا- هَلْ يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الشَّرْعُ أَمْ لَا؟. فَوَقَفَ بَعْضُهُمْ عَنْ تَعْيِينِهِ وَأَحْجَمَ وَجَسَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى التَّعْيِينِ وَصَمَّمَ» .
ثُمَّ اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْمُعَيَّنَةُ فِيمَنْ كَانَ يَتْبَعُ فَقِيلَ: نُوحٌ «٢» وَقِيلَ:
إِبْرَاهِيمُ «٣» . وَقِيلَ: مُوسَى «٤» . وَقِيلَ: عِيسَى «٥» صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. فَهَذِهِ جُمْلَةُ الْمَذَاهِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
وَالْأَظْهَرُ فِيهَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ «٦» وَأَبْعَدُهَا مَذَاهِبُ الْمُعَيَّنِينَ.. إِذْ لَوْ كَانَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ لَنُقِلَ كَمَا قدمناه، وَلَمْ يَخْفَ جُمْلَةً.. وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي أَنَّ عِيسَى آخِرُ الْأَنْبِيَاءِ فَلَزِمَتْ شَرِيعَتُهُ مَنْ جَاءَ بَعْدَهَا.. إِذْ لَمْ يَثْبُتْ عُمُومُ دَعْوَةِ عِيسَى «٧» .. بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِنَبِيٍّ دَعْوَةٌ عَامَّةٌ إِلَّا لِنَبِيِّنَا ﷺ، ولا حجة
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧٥» رقم «٣» .
(٢) لانه اول الرسل اصحاب الدعوة العامة في الجملة كما في البخاري.
(٣) لانه أفضل الرسل غير النبي ﷺ بالاتفاق وأبو الانبياء وعليهم الصلاة والسلام.
(٤) لان كتابه أجل الكتب قبل القرآن.
(٥) لانه اقرب الرسل زمانا اليه ﷺ.
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٨٢» رقم «١» .
(٧) لقوله تعالى (وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) . سورة الصف آية رقم (٦) .
[ ٢ / ٣٣٧ ]
أيضا للاخرين «١» فِي قَوْلِهِ: «أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا «٢»» وَلَا لِلْآخَرِينَ «٣» فِي قَوْلِهِ تَعَالَى «شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحًا «٤»» فمجمل «٥» هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى اتِّبَاعِهِمْ فِي التَّوْحِيدِ.
كَقَوْلِهِ تَعَالَى: «أُولئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُداهُمُ اقْتَدِهْ «٦»»، وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ مَنْ لَمْ يبعث، ولم تكن له شريعته تَخُصُّهُ، كَيُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ- عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ لَيْسَ بِرَسُولٍ-..
وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى جَمَاعَةً مِنْهُمْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ شَرَائِعُهُمْ مُخْتَلِفَةٌ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا فَدَلَّ أَنَّ الْمُرَادَ مَا اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وَعِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى..
وَبَعْدَ هَذَا فَهَلْ يَلْزَمُ مَنْ قَالَ بِمَنْعِ الِاتِّبَاعِ هَذَا الْقَوْلُ فِي سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ غَيْرِ نَبِيِّنَا ﷺ أو يخالفون بينهم؟ ..
أَمَّا مَنْ مَنَعَ الِاتِّبَاعَ عَقْلًا فَيَطَّرِدُ أَصْلُهُ في كل رسول بلا مرية..
_________________
(١) القائلين باتباعه لشريعة ابراهيم ﵇.
(٢) «.. ثُمَّ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ» النمل آية (١٢٣) .
(٣) القائلين بانه ﷺ كان على شريعة نوح.
(٤) «.. شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ» الشورى آية (١٣)
(٥) وفي نسخة (مجمل) .
(٦) «.. قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرى لِلْعالَمِينَ» الانعام آية (٩٠) .
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وأما من قال إِلَى النَّقْلِ فَأَيْنَمَا تُصُوِّرَ لَهُ وَتُقُرِّرَ اتَّبَعَهُ وَمَنْ قَالَ بِالْوَقْفِ فَعَلَى أَصْلِهِ..
وَمَنْ قَالَ بوجوب الاتباع لمن قبله يلتزمه بمساق صحبته في كل نبي «١» ..
_________________
(١) وفي نسخة (في كل شيء) .
[ ٢ / ٣٣٩ ]
الفصل الحادي عشر السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ فِي الْأَفْعَالِ
هَذَا حُكْمُ مَا تَكُونُ الْمُخَالَفَةُ فِيهِ مِنَ الْأَعْمَالِ عَنْ قَصْدٍ، وَهُوَ مَا يُسَمَّى مَعْصِيَةً وَيَدْخُلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ.. وَأَمَّا مَا يَكُونُ بِغَيْرِ قَصْدٍ وَتَعَمُّدٍ، كَالسَّهْوِ، وَالنِّسْيَانِ فِي الْوَظَائِفِ الشَّرْعِيَّةِ، مِمَّا تَقَرَّرَ الشَّرْعُ بِعَدَمِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِهِ، وَتَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَيْهِ.. فَأَحْوَالُ الْأَنْبِيَاءِ فِي تَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ وَكَوْنِهِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ لَهُمْ مَعَ أُمَمِهِمْ سَوَاءٌ.
ثُمَّ ذَلِكَ عَلَى نَوْعَيْنِ:
- مَا طَرِيقُهُ الْبَلَاغُ وَتَقْرِيرُ الشَّرْعِ وَتَعَلُّقُ الْأَحْكَامِ وَتَعْلِيمُ الْأُمَّةِ بِالْفِعْلِ وَأَخْذُهُمْ بِاتِّبَاعِهِ فِيهِ.
- وَمَا هُوَ خَارِجٌ عَنْ هَذَا مِمَّا يَخْتَصُّ بِنَفْسِهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ: فَحُكْمُهُ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ حُكْمُ السَّهْوِ فِي الْقَوْلِ فِي هَذَا الْبَابِ.. وَقَدْ ذَكَرْنَا الِاتِّفَاقَ عَلَى امْتِنَاعِ ذَلِكَ فِي حَقِّ
[ ٢ / ٣٤٠ ]
النَّبِيِّ ﷺ وَعِصْمَتَهُ مِنْ جَوَازِهِ عَلَيْهِ قَصْدًا أَوْ سَهْوًا، فَكَذَلِكَ قَالُوا: الْأَفْعَالُ فِي هَذَا الْبَابِ لَا يَجُوزُ طُرُوُّ الْمُخَالَفَةِ فِيهَا، لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا، لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الْقَوْلِ مِنْ جِهَةِ التَّبْلِيغِ وَالْأَدَاءِ.. وَطُرُوُّ هَذِهِ الْعَوَارِضِ عَلَيْهَا يُوجِبُ التَّشْكِيكَ، وَيُسَبِّبُ الْمَطَاعِنَ..
وَاعْتَذَرُوا عَنْ أَحَادِيثِ السَّهْوِ «١» بِتَوْجِيهَاتٍ نَذْكُرُهَا بَعْدَ هذا.
وإلى هذا مال أبو اسحق «٢» وَذَهَبَ الْأَكْثَرُ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إِلَى أَنَّ الْمُخَالَفَةَ فِي الْأَفْعَالِ الْبَلَاغِيَّةِ، وَالْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، سَهْوًا وعن غير قصد منه، جائز عَلَيْهِ كَمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَحَادِيثِ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ «٣» وَفَرَّقُوا بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ الْأَقْوَالِ الْبَلَاغِيَّةِ لِقِيَامِ الْمُعْجِزَةِ عَلَى الصِّدْقِ فِي الْقَوْلِ.. وَمُخَالَفَةُ ذلك تناقضها، فأما السَّهْوُ فِي الْأَفْعَالِ فَغَيْرُ مُنَاقِضٍ لَهَا وَلَا قَادِحٍ فِي النُّبُوَّةِ.. بَلْ غَلَطَاتُ الْفِعْلِ، وَغَفَلَاتُ الْقَلْبِ مِنْ سِمَاتِ الْبَشَرِ، كَمَا قَالَ ﷺ «٤» «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» نَعَمْ «٥» .. بَلْ حالة النسيان والسهو
_________________
(١) الثابتة في صلاته ﷺ.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨٤» رقم «٢» .
(٣) الذي ذكر في الصحيحين.
(٤) في حديث رواه الشيخان عن ابن مسعود.
(٥) العرب كثيرا ما تزيد (نعم) في كلامهم اذا القي لمصغ له وكأنه جواب سؤال مقدر كقول جحدر: نعم وارى الهلاك كما تراه.
[ ٢ / ٣٤١ ]
هُنَا فِي حَقِّهِ ﷺ سَبَبُ إِفَادَةِ عِلْمٍ وَتَقْرِيرِ شَرْعٍ، كَمَا قَالَ ﷺ «١» «إِنِّي لَأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ» بَلْ قَدْ رُوِيَ: «لَسْتُ أَنْسَى ولكن أنسّى لأسن»
وهذه الحالة زيادة له فِي التَّبْلِيغِ، وَتَمَامٌ عَلَيْهِ فِي النِّعْمَةِ.. بَعِيدَةٌ عن سمات النقص «٢»، وأغراض الطَّعْنِ.
فَإِنَّ الْقَائِلِينَ بِتَجْوِيزِ ذَلِكَ يَشْتَرِطُونَ أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقَرُّ عَلَى السَّهْوِ وَالْغَلَطِ.. بَلْ يُنَبَّهُونَ عَلَيْهِ، وَيَعْرِفُونَ حُكْمَهُ بِالْفَوْرِ- عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ- وَهُوَ الصَّحِيحُ «٣» .. وَقَبْلَ انْقِرَاضِهِمْ- عَلَى قَوْلِ الاخرين- أما مَا لَيْسَ طَرِيقُهُ الْبَلَاغَ، وَلَا بَيَانَ الْأَحْكَامِ مِنْ أَفْعَالِهِ ﷺ. وَمَا يختص به من أمور دينية، وأذكار قلبية، مِمَّا لَمْ يَفْعَلْهُ لِيُتَّبَعَ فِيهِ فَالْأَكْثَرُ مِنْ طَبَقَاتِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى جَوَازِ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ عَلَيْهِ فِيهَا، وَلُحُوقِ الْفَتَرَاتِ «٤» وَالْغَفَلَاتِ بِقَلْبِهِ، وَذَلِكَ بِمَا كُلِّفَهُ مِنْ مُقَاسَاةِ الْخَلْقِ، وَسِيَاسَاتِ الْأُمَّةِ، ومعاناة «٥» الأهل،
_________________
(١) فى حديث رواه في الموطأ.
(٢) ولهذا قال بعض المشايخ الحنفية أن هذه السجدة سجدة سهو للامة وسجد شكر له ﷺ ومدح في حقه وان لم يمدح بها سواه.
(٣) عند أئمة الاصول.
(٤) الفترات: جمع فترة وهي كما قال الراغب سكون بعد حدة، ولين بعد شدة وضعف بعد قوة.
(٥) معاناة: من العناية أو العناء وهو الاشتغال بهم.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
وَمُلَاحَظَةِ الْأَعْدَاءِ.. وَلَكِنْ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ التَّكْرَارِ، وَلَا الِاتِّصَالِ.. بَلْ عَلَى سَبِيلِ النُّدُورِ.
كَمَا قَالَ ﷺ «١»: «إِنَّهُ لَيُغَانُ عَلَى قَلْبِي فَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ..»
وَلَيْسَ فِي هَذَا شَيْءٌ يَحُطُّ مِنْ رُتْبَتِهِ، وَيُنَاقِضُ مُعْجِزَتَهُ.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ: إِلَى مَنْعِ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ وَالْغَفَلَاتِ وَالْفَتَرَاتِ فِي حَقِّهِ ﷺ جُمْلَةً.. وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةِ الْمُتَصَوِّفَةِ «٢» . وَأَصْحَابِ عِلْمِ الْقُلُوبِ وَالْمَقَامَاتِ «٣» . وَلَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَذَاهِبُ نَذْكُرُهَا بعد هذا إن شاء الله..
_________________
(١) في حديث تقدم.
(٢) المتصوفة: هذه الصيغة يراد بها احيانا تكلف الشيء ولكنها هنا للمبالغة كالمتوحد
(٣) المقامات: المراتب التي يقطعها الانسان في اخلاص قلبه وسيره الى الله.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
الفصل الثاني عشر الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورِ فِيهَا السَّهْوُ مِنْهُ ﷺ
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي الْفُصُولِ قَبْلَ هَذَا مَا يَجُوزُ فِيهِ عَلَيْهِ السَّهْوُ ﷺ وَمَا يَمْتَنِعُ.. وَأَحَلْنَاهُ «١» فِي الْأَخْبَارِ جُمْلَةً وَفِي الْأَقْوَالِ الدِّينِيَّةِ قَطْعًا وَأَجَزْنَا وُقُوعَهُ فِي الْأَفْعَالِ الدِّينِيَّةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي رَتَّبْنَاهُ وَأَشَرْنَا إِلَى مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ ونحن نبسط القول فيه.
والصحيح من الأحاديث الوارة في سهوه «٢» ﷺ ثلاثة «٣» أحاديث.
أولها: حديث ذو الْيَدَيْنِ «٤» فِي السَّلَامِ مِنَ اثْنَتَيْنِ «٥» .
الثَّانِي: حَدِيثُ ابن بحينة «٦» في القيام من اثنتين.
_________________
(١) احلناه: جعلناه محالا.
(٢) في الصلاة.
(٣) وقال المصنف في الاكمال: احاديث السهو كثيرة، الصحيح منها خمسة
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٣١٦» رقم «٥» .
(٥) وقد تقدم الحديث عنه.
(٦) ابن بحينة: عبد الله بن بحينه، وبحينة أمه، وقيل بحينة زوجة مالك والد عبد الله الازدي وعبد الله هذا حليف بني المطلب اسلم هو وابوه، ولهما صحبة. وأنكر الحافظ الدمياطي صحبه مالك والد عبد الله وأن يكون له رواية واسلام، وانما ذلك لعبد الله، وفي تجريد الذهبي: «مالك بن بحينة أبو عبد الله روى عنه حديث.» وصوابه عبد الله الازدي وأمه بحينة قريشية. وبحينة أم عبد الله زوج مالك لا ام مالك.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
الثَّالِثُ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ «١» ﵁ «٢» أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى انظهر خَمْسًا «٣» ..
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مَبْنِيَّةٌ عَلَى السَّهْوِ فِي الْفِعْلِ الَّذِي قَرَّرْنَاهُ..
وَحِكْمَةُ اللَّهِ فِيهِ لِيُسْتَنَّ بِهِ، إِذِ الْبَلَاغُ بِالْفِعْلِ أَجْلَى مِنْهُ بِالْقَوْلِ، وَأَرْفَعُ لِلِاحْتِمَالِ.. وَشَرْطُهُ أَنَّهُ لَا يُقَرُّ عَلَى السَّهْوِ بَلْ يَشْعَرُ بِهِ لِيَرْتَفِعَ الِالْتِبَاسُ وَتَظْهَرَ فائدة الحكمة كما قدمناه..
وأنّ النِّسْيَانَ وَالسَّهْوَ فِي الْفِعْلِ فِي حَقِّهِ ﷺ غَيْرُ مُضَادٍّ لِلْمُعْجِزَةِ، وَلَا قَادِحٍ فِي التَّصْدِيقِ..
وَقَدْ قَالَ ﷺ «٤»: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ، فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي» .
وَقَالَ «٥»: «رَحِمَ اللَّهُ فُلَانًا «٦» لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا «٧» وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أسقطتهن» ويروى «أنسيتهن» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢١٤» رقم «٢» .
(٢) الذي رواه عنه الشيخان مسندا.
(٣) .. فقيل له: أزيد في الصلاة؟! .. فقال: وما ذاك؟ قالوا: صليت خمسا. فسجد بعد ما سلم » وليس قوله (بعد ما سلم) في رواية البخاري.
(٤) فى الحديث الذي تقدم بيانه.
(٥) في حديث رواه الشيخان عن عائشة.
(٦) كناية عن علم لم يرد التصريح باسمه. وهذا الرجل هو عباد بن بشر الصحابي. وقيل: هو عبد الله بن يزيد الانصاري ﵁.
(٧) كذا وكذا كناية عن عدد. والعدد هنا مجهول، وللفقهاء خلاف في مقداره كما لو قال علي كذا وكذا درهما لفلان. فبعضهم قال: يلزمه احد وعشرون وبعضهم قال: درهمان
[ ٢ / ٣٤٥ ]
وَقَالَ ﷺ «١»: إِنِّي لَأَنْسَى- أَوْ أُنَسَّى- لِأَسُنَّ.
قِيلَ: هَذَا اللَّفْظُ «٢» شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي. وَقَدْ رُوِيَ إِنِّي لَا أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ.
وَذَهَبَ ابْنُ نَافِعٍ «٣» وَعِيسَى «٤» بن دينار إنه ليس بشك، وأن مَعْنَاهُ التَّقْسِيمُ، أَيْ أَنْسَى أَنَا أَوْ يُنْسِينِي اللَّهُ..
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ «٥» الْبَاجِيُّ: «يَحْتَمِلُ ما قالاه وأن يُرِيدَ أَنِّي أَنْسَى فِي الْيَقَظَةِ وَأُنَسَّى فِي النَّوْمِ «٦» .. أَوْ أَنْسَى عَلَى سَبِيلِ عَادَةِ الْبَشَرِ من الذهول عن الشيء والسهو، أو أنسّى مَعَ إِقْبَالِي عَلَيْهِ وَتَفَرُّغِي لَهُ. فَأَضَافَ أَحَدَ النِّسْيَانَيْنِ إِلَى نَفْسِهِ إِذْ كَانَ لَهُ بَعْضُ السَّبَبِ فِيهِ، وَنَفَى الْآخَرَ عَنْ نَفْسِهِ إِذْ هُوَ فِيهِ كَالْمُضْطَرِّ» .
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الْمَعَانِي «٧» وَالْكَلَامُ عَلَى الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَسْهُو فِي الصلاة ولا ينسى «٨» .. لأن النسيان
_________________
(١) وقد تقدم ان الحديث في الموطأ.
(٢) اي لفظ (أو أنس) .
(٣) ابن نافع: عبد الله بن الصايغ المالكي وليس هو قانع بقاف ونون.. وهو مع اشهب يقال لهما (القرينان) كما يقال لمطرف وابن الماجشون (الاخوان) كما قاله ابن مرزوق
(٤) عيسى بن دينار: الفقيه الزاهد العابد الطليطلي الذي تفقه به أهل الاندلس، واخذ الفقه عن ابن القاسم، وتوفي بطليطلة سنة اثنتي عشرة ومائتين.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٠١» رقم «٣» .
(٦) وهو قول بعيد لانه ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه.
(٧) الذين تقيدوا ببيان معاني الحديث وشرحه كالبفوي والخطابي.
(٨) بناء على قول من فرق بين السهو والنسيان.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
ذُهُولٌ وَغَفْلَةٌ وَآفَةٌ قَالَ «١»: وَالنَّبِيُّ ﷺ مُنَزَّهٌ عَنْهَا، وَالسَّهْوُ شُغْلٌ..
فَكَانَ ﷺ يَسْهُو فِي صِلَاتِهِ، وَيُشْغِلُهُ عَنْ حَرَكَاتِ الصَّلَاةِ مَا فِي الصَّلَاةِ شُغْلًا بِهَا لَا غَفْلَةً عَنْهَا.
وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ «٢» فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى «٣»: «إِنِّي لَا أَنْسَى» وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ «٤» إِلَى مَنْعِ هَذَا كُلِّهِ عَنْهُ. وَقَالُوا: «إِنَّ سَهْوَهُ ﵇ كَانَ عَمْدًا وَقَصْدًا لِيَسُنَّ» .. وَهَذَا قَوْلٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ مُتَنَاقِضُ الْمَقَاصِدِ «٥» لَا يُحْلَى «٦» مِنْهُ بِطَائِلٍ.. لِأَنَّهُ
كَيْفَ يَكُونُ مُتَعَمِّدًا سَاهِيًا فِي حَالٍ؟! وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي قَوْلِهِمْ إِنَّهُ أُمِرَ بِتَعَمُّدِ صُورَةِ النِّسْيَانِ لِيَسُنَّ لِقَوْلِهِ إِنِّي لَأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى» ..
وَقَدْ «٧» أَثْبَتَ أَحَدَ الْوَصْفَيْنِ وَنَفَى مُنَاقَضَةَ التَّعَمُّدِ وَالْقَصْدِ وَقَالَ:
«إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ.»
وَقَدْ مَالَ إِلَى هَذَا عَظِيمٌ مِنَ المحققين من أئمتنا وهو أبو «٨» المظفر
_________________
(١) وفي نسخة (قالوا) .
(٢) ﷺ.
(٣) لهذا الحديث.
(٤) منهم الصوفية كما صرح به في آخر الفصل الذي قبل هذا.
(٥) لانه لو فعل ذلك في صلاته عمدا بطلت صلاته فكيف يسن بما لا يجوز.
(٦) يحلى: يقال ما حليت وما حلوت منه بطائل اي ظفرت والطائل الفائدة
(٧) وفي نسخة (فقد) .
(٨) أبو المظفر الاسفرائيني، كذا في الشرح الجديد بناء على أن أبا المظفر هو أبو اسحق ابراهيم وان المصنف رحمه الله تعالى كناه بذلك بغير كنيته المشهورة وقد تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨٤» رقم «٢»
[ ٢ / ٣٤٧ ]
الإسفرائيني وَلَمْ يَرْتَضِهِ غَيْرُهُ مِنْهُمْ.. وَلَا أَرْتَضِيهِ. وَلَا حُجَّةَ لِهَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ فِي قَوْلِهِ «إِنِّي لَا أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى» .. إِذْ لَيْسَ فِيهِ نَفْيُ حُكْمِ النِّسْيَانِ بِالْجُمْلَةِ وَإِنَّمَا فِيهِ نَفْيُ لَفْظِهِ.. وَكَرَاهَةُ لَقَبِهِ
كَقَوْلِهِ «١»: «بِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نسيت آية كذا ولكنه نُسِّيَ «٢»» .. أَوْ نَفْيُ الْغَفْلَةِ وَقِلَّةِ الِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الصَّلَاةِ عَنْ قَلْبِهِ لَكِنْ شُغِلَ بِهَا عَنْهَا «٣» وَنَسِيَ بَعْضَهَا بِبَعْضِهَا كَمَا تَرَكَ الصَّلَاةَ «٤» يَوْمَ الْخَنْدَقِ «٥» حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا وَشُغِلَ «٦» بِالتَّحَرُّزِ مِنَ الْعَدُوِّ عَنْهَا فَشُغِلَ بِطَاعَةٍ عَنْ طَاعَةٍ «٧»
وَقِيلَ «٨»: «إِنَّ الَّذِي تُرِكَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ أَرْبَعُ صَلَوَاتٍ الظهر والعصر والمغرب والعشاء «٩»» .
_________________
(١) ﷺ في حديث مشهور.
(٢) نسي بالتشديد.. ورواه مسلم مخففا مع ضم النون. ومعناه نسيه الله.
(٣) وقيل: ان هذه المرتبة لا تليق بارباب التمكين.
(٤) كما ثبت ذلك في الصحيحين.
(٥) وتسمى الغزوة غزوة الاحزاب وسميت بالخندق لان سلمان أشار بحفره حول المدينة ليمنعها من المشركين وخندق تعريب كنده وهي الحفرة. وحدثت الغزوة سنة أربع أو خمس من الهجرة.
(٦) ولم تكن صلاة الخوف قد شرعت بعد.
(٧) ولم يكن ﷺ ساهيا في هذه الحالة وانما بدأ بدرء المفسدة عن جلب المصلحة.
(٨) القائل له ابن مسعود كما رواه الترمذي والنسائي.
(٩) والصحيح على ما في الصحيحين انها صلاة العصر، وفي الموطأ انه ﷺ فاتته صلاتان الظهر والعصر. وقال النووي: «يجمع بين الروايات بالخندق كانت في أيام وتعدد تركه للصلاة فيها» . وقيل: «ان تأخرها كان نسيانا كما في رواية عند أحمد» ولكنها ضعيفة.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
وَبِهِ احْتَجَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ فِي الْخَوْفِ إِذَا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَدَائِهَا إِلَى وَقْتِ الْأَمْنِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّامِيِّينَ «١» وَالصَّحِيحُ أَنَّ حُكْمَ صَلَاةِ الْخَوْفِ كَانَ بَعْدَ هَذَا فَهُوَ نَاسِخٌ لَهُ «٢» ..
فَإِنْ قُلْتَ فَمَا تَقُولُ فِي نَوْمِهِ ﷺ «٣» عَنِ الصَّلَاةِ «٤» يَوْمَ الْوَادِي «٥» وَقَدْ قَالَ «٦»: «إِنَّ عَيْنِي تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» .
فَاعْلَمْ أَنَّ لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ أَجْوِبَةً..
مِنْهَا: أَنَّ الْمُرَادَ بأن هذا حكم قلبه عند نومه وغيبته «٧» فِي غَالِبِ الْأَوْقَاتِ.. وَقَدْ يَنْدُرُ مِنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ.. كَمَا يَنْدُرُ مِنْ غَيْرِهِ خِلَافُ عَادَتِهِ.
وَيُصَحِّحُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ ﷺ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ «٨» «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أرواحنا» وقول بلال «٩»: «مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ.
وَلَكِنْ مِثْلُ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ مِنْهُ لِأَمْرٍ يُرِيدُهُ اللَّهُ مِنْ إِثْبَاتِ حُكْمٍ وَتَأْسِيسِ سُنَّةٍ وَإِظْهَارِ شرع.
_________________
(١) وهم يروون ان صلاة الخوف كانت مشروعة قبل ذلك.
(٢) وهو مذهب أبي حنيفة والجمهور.
(٣) كما رواه البخاري وغيره.
(٤) الصلاة هي صلاة الصبح.
(٥) الوادي بطريق مكة، وقيل ببطن تبوك.. وكان بلال موكلا بايقاظ القوم فنام. وقد تقدم الحديث.
(٦) كما في الصحيحين عن عائشة ﵂.
(٧) وفي نسخة (وعينيه) فتكون معطوفة على (قلبه) .
(٨) أي في حديث الوادي.
(٩) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٥٣» رقم «٦» .
[ ٢ / ٣٤٩ ]
وكما قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «١»: «لَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَيْقَظَنَا وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لِمَنْ بَعْدَكُمْ» .
الثَّانِي: أَنَّ قَلْبَهُ لَا يَسْتَغْرِقُهُ النَّوْمُ حَتَّى يَكُونَ مِنْهُ الْحَدَثُ فِيهِ لِمَا رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ مَحْرُوسًا، وَأَنَّهُ كَانَ يَنَامُ حَتَّى يَنْفُخَ وَحَتَّى يُسْمَعَ غَطِيطُهُ «٢»، ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ.
وحديث ابن عباس «٣» المذكور «٤» فيه وضوؤه عِنْدَ قِيَامِهِ مِنَ النَّوْمِ فِيهِ نَوْمُهُ مَعَ أهله «٥» فلا يمكن الاحتجاج به على وضوءه بِمُجَرَّدِ النُّوَّمِ.. إِذْ لَعَلَّ ذَلِكَ لِمُلَامَسَةِ الْأَهْلِ.. أَوْ لِحَدَثٍ آخَرَ.
فَكَيْفَ وَفِي آخِرِ الْحَدِيثِ نَفْسِهِ.. ثُمَّ نَامَ حَتَّى سَمِعْتُ غَطِيطَهُ.. ثُمَّ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
وَقِيلَ: «لَا يَنَامُ قَلْبُهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ في النوم» ..
وليس قصة الوادي إلا نوم عينيه عَنْ رُؤْيَةِ الشَّمْسِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ فِعْلِ القلب.
_________________
(١) الوارد في النوم عن الصلاة.
(٢) الغطيط: كالخطيط وهو اخراج النائم صوتا متواليا مع نفسه.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٤) روي في الصحيحين.
(٥) وهي في هذا الحديث زوجه ميمونة بنت الحارث خالة ابن عباس رضي الله تعالى عنهم وأهل معناه في الاصل الاقارب والاتباع ثم اطلق على الزوجة اطلاقا صار به حقيقة عرفية.
[ ٢ / ٣٥٠ ]
وَقَدْ قَالَ ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إِلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا» .
فَإِنْ قِيلَ فَلَوْلَا عَادَتُهُ مِنَ اسْتِغْرَاقِ النَّوْمِ لَمَا قَالَ لِبِلَالٍ «اكْلَأْ «١» لَنَا الصُّبْحَ» .
فَقِيلَ فِي الْجَوَابِ: «إِنَّهُ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ ﷺ التَّغْلِيسُ «٢» بِالصُّبْحِ.
وَمُرَاعَاةُ أَوَّلِ الْفَجْرِ لَا تَصِحُّ مِمَّنْ نَامَتْ عَيْنُهُ إِذْ هُوَ ظَاهِرٌ يُدْرَكُ بالجوارح الظاهرة فَوَكَّلَ بِلَالًا بِمُرَاعَاةِ أَوَّلِهِ لِيُعْلِمَهُ بِذَلِكَ كَمَا لَوْ شُغِلَ بِشُغْلٍ غَيْرِ النَّوْمِ عَنْ مُرَاعَاتِهِ» ..
فَإِنْ قِيلَ: «فَمَا مَعْنَى نَهْيِهِ ﷺ عَنِ الْقَوْلِ «نَسِيتُ» وَقَدْ قَالَ ﷺ «إِنِّي أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي.» !! وَقَالَ:
لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْتُ أُنْسِيتُهَا؟.
فَاعْلَمْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا تَعَارُضَ فِي هَذِهِ الْأَلْفَاظِ..
أَمَّا نَهْيُهُ عَنْ أَنْ يُقَالَ: نَسِيتُ آيَةَ كذا فمحمول على ما نسخ فعله «٣» مِنَ الْقُرْآنِ.. أَيْ إِنَّ الْغَفْلَةَ فِي هَذَا لَمْ تَكُنْ مِنْهُ.. وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اضْطَرَّهُ إليها ليمحو ما يشاء ويثبت..
_________________
(١) إكلأ: من الكلأة وهي المراقبة والحفظ.
(٢) التغليس: من الغلسة وهي ظلمة تخالط أفول ضوء الفجر في آخر الليل.
(٣) وفي نسخة (حفظه) . أي لفظه وتلاوته. وفي نسخة اخرى (نقله) .
[ ٢ / ٣٥١ ]
وَمَا كَانَ مِنْ سَهْوٍ أَوْ غَفْلَةٍ مِنْ قِبَلِهِ تَذَكَّرَهَا صَلَحَ أَنْ يُقَالَ فِيهِ أَنْسَى..
وقد قيل: «إن هذا مِنْهُ ﷺ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ أَنْ يُضِيفَ الْفِعْلَ إِلَى خَالِقِهِ، وَالْآخَرَ عَلَى طَرِيقِ الْجَوَازِ لِاكْتِسَابِ الْعَبْدِ فِيهِ، وَإِسْقَاطُهُ ﷺ لِمَا أَسْقَطَ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ جَائِزٌ عَلَيْهِ بَعْدَ بَلَاغِ مَا أُمِرَ بِبَلَاغِهِ، وَتَوْصِيلِهِ إِلَى عِبَادِهِ، ثُمَّ يَسْتَذْكِرُهَا «١» مِنْ أُمَّتِهِ، أَوْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ، إِلَّا مَا قَضَى اللَّهُ نَسْخَهُ وَمَحْوَهُ مِنَ الْقُلُوبِ وَتَرْكَ اسْتِذْكَارِهِ. وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَنْسَى النَّبِيُّ ﷺ مَا هَذَا سَبِيلُهُ كَرَّةً، وَيَجُوزُ أَنْ يُنَسِّيَهُ مِنْهُ قَبْلَ الْبَلَاغِ مَا لَا يُغَيِّرُ نَظْمًا وَلَا يُخَلِّطُ حُكْمًا «٢» مِمَّا لَا يُدْخِلُ خَلَلًا فِي الْخَبَرِ ثُمَّ يُذَكِّرُهُ إِيَّاهُ.. وَيَسْتَحِيلُ دَوَامُ نِسْيَانِهِ لَهُ لَحِفْظِ الله كتابه «٣» وتكليفه بلاغه «٤» ..
_________________
(١) وفي نسخة (يتذكرها.) وفي أخرى (يستدركها) .
(٢) كحرام بحلال.
(٣) لقوله تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ) .
(٤) لقوله تعالى (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك.)
[ ٢ / ٣٥٢ ]
الفصل الثالث عشر الردّ على من أجاز عليهم من الصّغائر
فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ أَجَازَ عَلَيْهِمُ الصَّغَائِرَ وَالْكَلَامِ عَلَى مَا احْتَجُّوا بِهِ فِي ذَلِكَ. اعْلَمْ أَنَّ الْمُجَوِّزِينَ لِلصَّغَائِرِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَمَنْ شَايَعَهُمْ «١» عَلَى ذَلِكَ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ «٢» احْتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بِظَوَاهِرَ كَثِيرَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ.. إِنِ الْتَزَمُوا ظَوَاهِرَهَا أَفْضَتْ «٣» بِهِمْ إلى تجويز الكبائر وخرق الإجماع، وما لَا يَقُولُ بِهِ مُسْلِمٌ.
فَكَيْفَ وَكُلُّ مَا احتجو بِهِ مِمَّا اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَاهُ وَتَقَابَلَتِ «٤» الاحتمالات في مقتضاه، وجاءت أقاويل «٥» فيها
_________________
(١) وفي نسخة (تابعهم) .
(٢) المتكلمين: من علم الكلام وهو العلم الباحث عن العقائد الدينية، وسمي علم الكلام اما لان الكلام من اجل مباحثه أو لكثرة دوران الكلام فيه بين السلف وغيرهم أو لانهم تعرضوا لصفة الكلام بالنسبة لله تعالى، أو لان لديهم من الحجج القوية ما يعجب والعربي اذا اعجب بالكلام قال: «هذا هو الكلام. أي لا كلام غيره» .
(٣) أفضت: من الافضاء وهو الادخال وأصل معناه من الفضاء ثم شاع فيما ذكر.
(٤) أي تخالفت وتعارضت.
(٥) اقاويل: جمع أقوال وأقوال جمع قول.
[ ٢ / ٣٥٣ ]
للسلف بخلاف ما التزموا مِنْ ذَلِكَ. فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَذْهَبُهُمْ إِجْمَاعًا وَكَانَ الْخِلَافُ فِيمَا احْتَجُّوا بِهِ قَدِيمًا، وَقَامَتِ الدَّلَالَةُ «١» عَلَى خَطَأِ قَوْلِهِمْ، وَصِحَّةِ غَيْرِهِ، وَجَبَ تَرْكُهُ وَالْمَصِيرُ إِلَى مَا صَحَّ.
وَهَا نَحْنُ نَأْخُذُ فِي النَّظَرِ فِيهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ: فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى لِنَبِيِّنَا ﷺ: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «٢» وقوله: «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ «٣»» .
وَقَوْلُهُ: «وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ «٤»» .
وَقَوْلُهُ: «عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ «٥»» .
وَقَوْلُهُ: «لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ «٦»» .
وقوله: «عَبَسَ وَتَوَلَّى أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى «٧»» الْآيَةَ.
وَمَا قَصَّ مِنْ قَصَصِ غَيْرِهِ مِنَ الأنبياء.
كقوله: «وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى «٨»» .
_________________
(١) وفي نسخة (الادلة) وفي اخرى (الدلائل) .
(٢) «.. وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا.» الفتح آية «٢٠»
(٣) (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْواكُمْ) . سورة محمد آية «١٩»
(٤) سورة الانشراح آية «٢ و٣» .
(٥) «.. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ» التوبة آية «٤٣»
(٦) سورة الانفال آية «٦٨» .
(٧) سورة عبس آية «٢ و٣»
(٨) سورة طه آية (١٢١) .
[ ٢ / ٣٥٤ ]
وَقَوْلِهِ: «فَلَمَّا آتاهُما صالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ فِيما آتاهُما.. «١»»
وقوله عنه: «رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا.. «٢»» الاية.
وَقَوْلِهِ عَنْ يُونُسَ: «سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ.. «٣»» .
وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ قِصَّةِ دَاوُدَ وَقَوْلِهِ: «وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ راكِعًا وَأَنابَ «٤»» إلى قوله «ماب» .
وقوله: «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها.. «٥»» .
وَمَا قَصَّ مِنْ قِصَّتِهِ مَعَ إِخْوَتِهِ.
وَقَوْلِهِ عَنْ مُوسَى: «فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ، قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ «٦»»
وقوله النَّبِيِّ ﷺ فِي دُعَائِهِ «٧»: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ..» وَنَحْوِهِ مِنْ أَدْعِيَتِهِ ﷺ وَذِكْرِ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْمَوْقِفِ ذُنُوبَهُمْ- فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ «٨» -
وَقَوْلِهِ: «إِنَّهُ ليغان على قلبي فأستغفر الله «٩»» .
_________________
(١) «.. فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ» الاعراف آية «١٩»
(٢) «.. قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ» الاعراف آية «٢٣» .
(٣) الانبياء آية «٨٧» .
(٤) ص آية ٢٤ و٢٥ «فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وَحُسْنَ مَآبٍ» .
(٥) يوسف آية «٢٤» .
(٦) «.. إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ» القصص آية «١٥»
(٧) وهو من دعاء طويل رواه الشيخان.
(٨) وحديث الشفاعة مشهور طويل رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
(٩) تقدم شرح الحديث.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «١»: «إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي الْيَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ «٢» مَرَّةً» .
وَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ: «وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي «٣»» الْآيَةَ.
وَقَدْ كَانَ قَالَ اللَّهُ لَهُ: «وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ «٤»» .
وَقَالَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: «وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ «٥» .
وقوله عن موسى: «تُبْتُ إِلَيْكَ «٦»» .
وقوله: «وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ «٧»» .
إِلَى مَا أَشْبَهَ هَذِهِ الظَّوَاهِرَ..
فَأَمَّا احْتِجَاجُهُمْ بِقَوْلِهِ: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «٨»» فَهَذَا قَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُفَسِّرُونَ.
فَقِيلَ: «الْمُرَادُ ما كان قبل النبوة وبعدها» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥» .
(٢) وروي مائة مرة فالعدد ليس على ظاهره وانما المراد الكثرة.
(٣) «.. أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ» هود اية «٤٧» .
(٤) هود آية «٣٧» .
(٥) الشعراء آية «٨٢» .
(٦) «.. فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ» الاعراف آية «١٤٣»
(٧) «.. وَأَلْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنابَ» ص آية «٣٤» .
(٨) الفتح آية «٢»
[ ٢ / ٣٥٦ ]
وَقِيلَ: «الْمُرَادُ مَا وَقَعَ لَكَ مِنْ ذَنْبٍ وَمَا لَمْ يَقَعْ.. أَعْلَمَهُ أَنَّهُ مَغْفُورٌ لَهُ» .
وَقِيلَ: («الْمُتَقَدِّمُ» مَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَالْمُتَأَخِّرُ عِصْمَتُكَ بَعْدَهَا) حَكَاهُ أَحْمَدُ «١» بْنُ نَصْرٍ.
وَقِيلَ: «المراد بذلك أمته ﷺ» .
وَقِيلَ: «الْمُرَادُ مَا كَانَ عَنْ سَهْوٍ وَغَفْلَةٍ وَتَأْوِيلٍ» حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ «٢» وَاخْتَارَهُ الْقُشَيْرِيُّ «٣» .
وَقِيلَ: («مَا تَقَدَّمَ» لِأَبِيكَ آدَمَ «وَمَا تَأَخَّرَ» مِنْ ذُنُوبِ أُمَّتِكَ) حَكَاهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ «٤» وَالسُّلَمِيُّ «٥» عَنِ ابْنِ عَطَاءٍ «٦» وَبِمِثْلِهِ وَالَّذِي قَبْلَهُ يُتَأَوَّلُ قَوْلُهُ: «وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وللمؤمنين والمؤمنات»
قَالَ مَكِّيٌّ «٧» «: مُخَاطَبَةُ النَّبِيِّ ﷺ ههنا هِيَ مُخَاطَبَةٌ لِأُمَّتِهِ» ..
وَقِيلَ: (إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أُمِرَ أَنْ يَقُولَ: «وَما أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلا بِكُمْ «٨»» سرّ بذلك الكفار) .
_________________
(١) احمد بن نصر: الخزاعي الزاهد الشهيد قتله الواثق في محنة خلق القرآن سنة احدى وثلاثين ومائتين.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «١» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧٠» رقم «٥» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥١» رقم «٢» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦١» رقم «٤» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٣» رقم «٦» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٧» رقم «٧» .
(٨) «.. إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَّ وَما أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ» الاحقاف آيه «٩»
[ ٢ / ٣٥٧ ]
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: «لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ «١»» الْآيَةَ.
وَبِمَآلِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى بَعْدَهَا «٢» قَالَهُ «٣» ابْنُ عَبَّاسٍ «٤» فَمَقْصِدُ الْآيَةِ إِنَّكَ مَغْفُورٌ لَكَ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِذَنْبٍ أَنْ لَوْ كَانَ «٥»
قال بعضهم: «المغفرة ههنا تَبْرِئَةٌ مِنَ الْعُيُوبِ»
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ «٦»»
فَقِيلَ: «مَا سَلَفَ مِنْ ذَنْبِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ» وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ زَيْدٍ «٧» وَالْحَسَنِ «٨» وَمَعْنَى قَوْلِ قَتَادَةَ «٩» .
وَقِيلَ: «مَعْنَاهُ أَنَّهُ حُفِظَ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ مِنْهَا وَعُصِمَ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَأَثْقَلَتْ ظَهْرَهُ «١٠»» حَكَى مَعْنَاهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ «١١» .
وَقِيلَ: «الْمُرَادُ بِذَلِكَ مَا أَثْقَلَ ظهره من أعباء الرسالة حتى
_________________
(١) الفتح اية «٢» .
(٢) أي قوله تعالى «لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ جَنَّاتٍ.. الاية» .
(٣) وهو قول قتادة والحسن وغيرهما.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٥) أي وجد فهي تامة.
(٦) الانشراح آية «٢ و٣» .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٢٤٦» رقم «٣» .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠» رقم «٨» .
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٢» رقم «٣» .
(١٠) وفي نسخة (ظهرك) .
(١١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥١» رقم «٢» .
[ ٢ / ٣٥٨ ]
بَلَّغَهَا» حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ «١» وَالسُّلَمِيُّ «٢» .
وَقِيلَ: «حَطَطْنَا عَنْكَ ثقل الْجَاهِلِيَّةِ» حَكَاهُ مَكِّيٌّ «٣» .
وَقِيلَ: «ثِقَلُ شُغْلِ سِرِّكَ وَحَيْرَتِكَ وَطَلَبِ شَرِيعَتِكَ حَتَّى شَرَعْنَا ذَلِكَ لَكَ» حكى معناه القشيري «٤» .
وقيل: «معناه.. خَفَّفْنَا عَلَيْكَ مَا حُمِّلْتَ بِحِفْظِنَا لِمَا اسْتُحْفِظْتَ وَحُفِظَ عَلَيْكَ» .
- وَمَعْنَى «أَنْقَضَ ظَهْرَكَ» أَيْ كَادَ يَنْقُضُهُ «٥» فَيَكُونُ الْمَعْنَى عَلَى مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ لما قبل النبوة.. اهتمام النبي بِأُمُورٍ فَعَلَهَا قَبْلَ نُبُوَّتِهِ، وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ فَعَدَّهَا أَوْزَارًا وَثَقُلَتْ عَلَيْهِ وَأَشْفَقَ مِنْهَا.
- أَوْ يَكُونُ «الْوَضْعُ» عِصْمَةَ اللَّهِ لَهُ وَكِفَايَتَهُ مِنْ ذُنُوبٍ لَوْ كَانَتْ لَأَنْقَضَتْ ظَهْرَهُ.
- أَوْ يَكُونُ مِنْ ثِقَلِ الرِّسَالَةِ.
- أَوْ مَا ثَقُلَ عَلَيْهِ وَشَغَلَ قَلْبَهُ مِنْ أُمُورِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِعْلَامِ الله
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦١» رقم «٣» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦١» رقم «٤» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٧» رقم «٧» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧٠» رقم «٥» .
(٥) ينقضه: أي يعيبه ويثقله.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
تَعَالَى لَهُ بِحِفْظِ مَا اسْتَحْفَظَهُ مِنْ وَحْيِهِ..
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ «١»» .
فَأَمْرٌ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فِيهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى نَهْيٌ فَيُعَدُّ معصية..
ولا عده الله تعالى مَعْصِيَةً.. بَلْ لَمْ يَعُدَّهُ أَهْلُ الْعِلْمِ مُعَاتَبَةً وَغَلَّطُوا مَنْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ.
قَالَ نِفْطَوَيْهِ «٢»: «وَقَدْ حَاشَاهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ.. بَلْ كَانَ مُخَيَّرًا فِي أَمْرَيْنِ.
قَالُوا: «وَقَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يَفْعَلَ مَا شَاءَ «٣» فِيمَا لَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ فِيهِ وَحْيٌ.. فَكَيْفَ وَقَدْ قَالَ الله تعالى: «فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ «٤»» فَلَمَّا أَذِنَ لَهُمْ أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِمَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مِنْ سِرِّهِمْ.. أَنَّهُ لَوْ لَمْ يأذن لَقَعَدُوا وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيمَا فَعَلَ.
وليس «عفا» هنا بمعنى غفر.. بل قال النبي ﷺ «٥»:
_________________
(١) «.. حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكاذِبِينَ» التوبة آية «٤٣» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٨٠» رقم «٤» .
(٣) مما يرى انه مناسب، لانه اذن له في الاجتهاد كما تقرر في الاصول.
(٤) «.. وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» النور اية «٦٢» .
(٥) في حديث رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن علي كرم الله وجهه والمصنف ﵀ رواه بهذا اللفظ أما ما رواه هؤلاء فهو «قد عفوت لكم زكاة الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقيقة..» ومثل المصنف ﵀ لا يقرع له بالعصا. فاندفع قول من قال: لم أقف على هذه الرواية» .
[ ٢ / ٣٦٠ ]
«عَفَا اللَّهُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الْخَيْلِ وَالرَّقِيقِ» وَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ قَطُّ. أَيْ لَمْ يُلْزِمْكُمْ ذَلِكَ وَنَحْوُهُ لِلْقُشَيْرِيِّ «١» قَالَ: «وَإِنَّمَا يَقُولُ «الْعَفْوُ» لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ ذَنْبٍ مَنْ لَمْ يعرف كلام العرب قال: وَمَعْنَى «عَفَا» اللَّهُ عَنْكَ» أَيْ لَمْ يُلْزِمْكَ ذنبا» .
قال الداودي «٢»: «روي أنها كانت تكرمه» .
قال مَكِّيٌّ «٣»: «هُوَ اسْتِفْتَاحُ كَلَامٍ مِثْلَ- أَصْلَحَكَ اللَّهُ- وَأَعَزَّكَ» وَحَكَى السَّمَرْقَنْدِيُّ «٤»: «أَنَّ مَعْنَاهُ- عَافَاكَ اللَّهُ-..»
وأما قوله في أسارى بدر «٥»: «ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى «٦»» الايتين. فَلَيْسَ فِيهِ إِلْزَامُ ذَنْبٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ..
بَلْ فِيهِ بَيَانُ مَا خُصَّ بِهِ وَفُضِّلَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ. فَكَأَنَّهُ قال: ما كان هذا لنبي غيرك
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧٠» رقم «٥» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٢٠٦» رقم «٣» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٧» رقم «٧» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥١» رقم «٢» .
(٥) بدر: مكان معروف على طريق المدينة وسميت بدرا من اسم رجل من قريش حفر فيها بئرا فسميت باسمه.
(٦) «.. حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» . الانفال اية «٦٧» .
[ ٢ / ٣٦١ ]
كَمَا قَالَ ﷺ «١»: «أُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ «٢» .. وَلَمْ تَحِلَّ لِنَبِيٍّ قَبْلِي» .
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: «تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا. «٣»»
الْآيَةَ. قِيلَ: الْمَعْنَى الْخِطَابُ لِمَنْ أَرَادَ ذَلِكَ منهم، وتجرّد غرضه لعرض الدُّنْيَا وَحْدَهُ وَالِاسْتِكْثَارِ مِنْهَا. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا النَّبِيَّ ﷺ وَلَا عِلْيَةَ «٤» أَصْحَابِهِ بَلْ قَدْ رُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ «٥»: «أَنَّهَا نَزَلَتْ حِينَ انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ وَاشْتَغَلَ النَّاسُ بِالسَّلْبِ «٦» وَجَمْعِ الْغَنَائِمِ عَنِ الْقِتَالِ حَتَّى خَشِيَ عُمَرُ «٧» أَنْ يَعْطِفَ عَلَيْهِمُ الْعَدُوُّ» .
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: «لَوْلا كِتابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ» «٨» .
فَاخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَى الْآيَةِ..
فَقِيلَ: مَعْنَاهَا «٩»: «لَوْلَا أَنَّهُ سَبَقَ مِنِّي أَنْ لَا أُعِذِّبَ أَحَدًا إِلَّا بَعْدَ النَّهْيِ لَعَذَّبْتُكُمْ.. فَهَذَا يَنْفِي أن يكون أمر الأسرى معصية» .
_________________
(١) في الحديث الصحيح.
(٢) وروي (المغانم) .
(٣) «.. وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ» . الانفال اية (٦٧)
(٤) علية: بكسر العين المهملة وسكون اللام وفتح التحتية جمع علي كصبي يجمع على صبية أي أشرافهم ورؤساؤهم.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٥» رقم «٦» .
(٦) السلب: بسين مهملة ولام مفتوحتين ما يسلب أي يؤخذ من القتيل من لباسه وما معه. وقد بينه الفقهاء واختلفوا فيمن يستحقه ممن له حق في الغنيمة أو القاتل مطلقا أو أن شرط له الامام.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١١٣) رقم (٤)
(٨) «.. لَمَسَّكُمْ فِيما أَخَذْتُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ» الانفال اية (٦٨) .
(٩) كما نقل الطبري ما قاله مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بن أبي طالب.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
وَقِيلَ الْمَعْنَى: «لَوْلَا إِيمَانُكُمْ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ الْكِتَابُ السَّابِقُ فَاسْتَوْجَبْتُمْ بِهِ الصَّفْحَ لَعُوقِبْتُمْ عَلَى الْغَنَائِمِ «١»» .
ويزداد هَذَا الْقَوْلُ تَفْسِيرًا وَبَيَانًا.
بِأَنْ يُقَالَ: «لَوْلَا مَا كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ بِالْقُرْآنِ وَكُنْتُمْ مِمَّنْ أُحِلَّتُ لَهُمُ الْغَنَائِمُ لَعُوقِبْتُمْ كَمَا عُوقِبَ مَنْ تَعَدَّى» .
وَقِيلَ: «لَوْلَا أَنَّهُ سَبَقَ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ أَنَّهَا حَلَالٌ لَكُمْ لَعُوقِبْتُمْ فَهَذَا كُلُّهُ يَنْفِي الذَّنْبَ وَالْمَعْصِيَةَ.. لِأَنَّ مَنْ فَعَلَ مَا أُحِلُّ لَهُ لَمْ يَعْصِ» .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّبًا «٢»» .
وَقِيلَ: بَلْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ خُيِّرَ فِي ذَلِكَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ «٣» ﵁ قَالَ: «جَاءَ جِبْرِيلُ ﵇ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ فَقَالَ: خَيِّرْ أَصْحَابَكَ في الأسارى إن شاؤوا القتل وإن شاؤوا الفداء على أن يقتل فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ مِثْلُهُمْ.. فَقَالُوا: الْفِدَاءَ وَيُقْتَلُ مِنَّا «٤» ..»
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَاهُ، وَأَنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا إِلَّا مَا أُذِنَ لَهُمْ فيه.. لكن بَعْضَهُمْ مَالَ إِلَى أَضْعَفِ الْوَجْهَيْنِ مِمَّا كَانَ الأصلح غيره
_________________
(١) وهذا حكاه ابن عطية في تفسيره.
(٢) «.. وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . الانفال اية (٦٩) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٥٤) رقم (٤) .
(٤) رغبة في الشهادة.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
مِنَ الْإِثْخَانِ وَالْقَتْلِ فَعُوتِبُوا عَلَى ذَلِكَ، وَبُيِّنَ لَهُمْ ضَعْفُ اخْتِيَارِهِمْ وَتَصْوِيبُ اخْتِيَارِ غَيْرِهِمْ، وَكُلُّهُمْ غَيْرُ عُصَاةٍ وَلَا مُذْنِبِينَ.
وَإِلَى نَحْوِ هَذَا أَشَارَ الطَّبَرِيُّ «١» . وَقَوْلُهُ ﷺ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ «٢»:
«لَوْ نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ عَذَابٌ مَا نَجَا مِنْهُ إِلَّا عُمَرُ «٣»» إِشَارَةً إِلَى هَذَا مِنْ تَصْوِيبِ رَأْيِهِ وَرَأْيِ مَنْ أَخَذَ بِمَأْخَذِهِ فِي إِعْزَازِ الدِّينِ، وَإِظْهَارِ كَلِمَتِهِ، وَإِبَادَةِ عَدُوِّهِ، وَأَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةَ لَوِ اسْتَوْجَبَتْ عَذَابًا نَجَا مِنْهُ عُمَرُ «٣» وَمِثْلُهُ «٤» - وَعَيَّنَ عُمَرَ- لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَشَارَ بِقَتْلِهِمْ «٥» وَلَكِنَّ اللَّهَ لَمْ يُقَدِّرْ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ عَذَابًا لِحِلِّهِ لَهُمْ فِيمَا سَبَقَ.
وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ «٦» وَالْخَبَرُ بِهَذَا لَا يَثْبُتُ، وَلَوْ ثَبَتَ لَمَا جَازَ أَنْ يُظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَكَمَ بِمَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَا دَلِيلَ مِنْ نَصٍّ، وَلَا جُعِلَ الْأَمْرُ فِيهِ إِلَيْهِ وَقَدْ نَزَّهَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ.
وَقَالَ الْقَاضِي بَكْرُ «٧» بْنُ الْعَلَاءِ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ تَأْوِيلَهُ وَافَقَ مَا كَتَبَهُ لَهُ مِنْ إِحْلَالِ الْغَنَائِمِ وَالْفِدَاءِ وقد
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٨٢) رقم (٢) .
(٢) وفي نسخة (في هذه القصة) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١١٣) رقم (٤) .
(٤) ومثل عمر في رأيه وهو سعد بن معاذ ﵁.
(٥) كما في صحيح مسلم عند ما سأله رسول الله ﷺ ما ترى يا ابن الخطاب؟ فقال: ما أرى رأي أبي بكر ولكن أرى ان نختار ضرب أعناقهم الحديث
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٢١٦) رقم (٣) .
(٧) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٢٣٤) رقم (٤) .
[ ٢ / ٣٦٤ ]
كَانَ قَبْلَ هَذَا فَادَوْا فِي سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ «١» بْنِ جَحْشٍ الَّتِي قُتِلَ فِيهَا ابْنُ الحضرمي «٢» والحكم بْنِ كَيْسَانَ «٣» وَصَاحِبِهِ «٤» فَمَا عَتَبَ اللَّهُ ذَلِكَ عليم.. وَذَلِكَ قَبْلَ بَدْرٍ بِأَزْيَدَ مِنْ عَامٍ «٥» .
فَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شَأْنِ الْأَسْرَى كَانَ عَلَى تَأْوِيلٍ وَبَصِيرَةٍ. وَعَلَى مَا تَقَدَّمَ قَبْلُ مِثْلُهُ.. فَلَمْ يُنْكِرْهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ.. لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَرَادَ لِعِظَمِ أَمْرِ بَدْرٍ، وَكَثْرَةِ أَسْرَاهَا- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- إِظْهَارَ نِعْمَتِهِ، وَتَأْكِيدَ مِنَّتِهِ بتعريفهم ما كتبه في فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ مِنْ حِلِّ ذَلِكَ لَهُمْ، لَا عَلَى وَجْهِ عِتَابٍ وَإِنْكَارٍ وَتَذْنِيبٍ.. هَذَا معنى كلامه.
وأما قوله: «عَبَسَ وَتَوَلَّى «٦» ..» الْآيَاتِ فَلَيْسَ فِيهِ إِثْبَاتُ ذَنْبٍ لَهُ ﷺ، بَلْ إِعْلَامُ اللَّهِ أَنَّ ذلك المتصدّى «٧» له ممن لا يتزكى
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٦٤٣) رقم (٢) .
(٢) عمرو بن الحضرمي كان مع المشركين ضد سرية المسلمين بقيادة سيدنا عبد الله ابن جحش وقد قتله الصحابي وافد بن عبد الله بسهم رماه به.
(٣) الحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة المخزومي أسر في هذه السرية أسره المقداد بعد قتل ابن الحضرمي فأراد عبد الله بن جحش قتله فقال المقداد دعه يقدم به عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فلما قدم أسلم وحسن اسلامه وقتل ببئر معونة.
(٤) وهو عثمان بن عبد الله أسر ومات كافرا.
(٥) وهذا سهو لان غزوة بدر بعد هذه السرية بثلاثة أشهر فقط.
(٦) سورة عبس اية «١» .
(٧) المتعدي: أي بصيغة اسم المفعول ونائب فاعله قوله له. أي المتعرض له بالتوجه والاقبال وأصل التعدي مقالة الشيء كما يقابله الصدى وهو الصوت الراجع اليه من جبل ونحوه وفي التعبير به نكتة وهي أن كلام هؤلاء لا عبرة به.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
وَأَنَّ الصَّوَابَ وَالْأَوْلَى كَانَ- لَوْ «١» كُشِفَ لَكَ «٢» حَالُ الرَّجُلَيْنِ- الْإِقْبَالُ عَلَى الْأَعْمَى «٣» .
وَفِعْلُ النَّبِيِّ ﷺ لِمَا فَعَلَ، وَتَصَدِّيهِ لذاك الْكَافِرِ، كَانَ طَاعَةً لِلَّهِ، وَتَبْلِيغًا عَنْهُ، وَاسْتِئْلَافًا لَهُ، كَمَا شَرَعَهُ اللَّهُ لَهُ، لَا مَعْصِيَةً ومخالفة لَهُ.
- وَمَا قَصَّهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ إِعْلَامٌ بِحَالِ الرَّجُلَيْنِ، وَتَوْهِينِ أَمْرِ الْكَافِرِ عِنْدَهُ، وَالْإِشَارَةِ إِلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: «وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى» .
وَقِيلَ: (أَرَادَ «بِعَبَسَ» «وَتَوَلَّى» الْكَافِرَ الَّذِي كَانَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ قَالَهُ: أَبُو تَمَّامٍ «٤») .
وَأَمَّا قِصَّةُ آدَمَ ﵇ وقوله تعالى: «فَأَكَلا مِنْها «٥»»
_________________
(١) وفي نسخة ما لو كشف.
(٢) وفي نسخة له.
(٣) وهو عبد الله بن أم مكتوم أسلم قديما بمكة قبل الهجرة وكان مع النبي ﷺ بمكة والمدينة وكان فقد البصر.
(٤) أبو تمام: حبيب بن أوس الطائي.. ولد بقرية جاسم من اعمال حوران ثم ذهب الى مصر وصار يعمل في مسجد عمرو بن العاص ساقيا للماء ومستمعا لحلقات العلم والادب حتي نبغ في الشعر وكان حاضر البديهة سريع البادرة درس العلوم وتعمق فيها فظهر اثر ذلك على شعره حتى قيل عنه (أبو تمام والمتنبي حكيمان والشاعر البحتري) . وهو اظهر من هز عمود الشعر.. وله اختيار جميل من أشعار العرب سماه (الحماسة) قيل عنه أن أبا تمام في اختياره اشعر منه في اشعاره) والمصنف ينقل عن عالم من علماء طليطلة يسمى الابهري ويلقب بأبي تمام والاكثر انه المقصود هنا لا الشاعر الاديب
(٥) «فَبَدَتْ لَهُما سَوْآتُهُما وَطَفِقا يَخْصِفانِ عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ.. سورة طه اية (١٢١)
[ ٢ / ٣٦٦ ]
بَعْدَ قَوْلِهِ: «وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونا مِنَ الظَّالِمِينَ «١»»
وقوله: «أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ «٢»» وَتَصْرِيحُهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِالْمَعْصِيَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى «٣»» أَيْ جَهِلَ. وَقِيلَ: (أَخْطَأَ) . فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ بِعُذْرِهِ بِقَوْلِهِ: «وَلَقَدْ عَهِدْنا إِلى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا «٤»»
قَالَ ابْنُ زَيْدٍ «٥»: «نَسِيَ عَدَاوَةَ إِبْلِيسَ لَهُ، وَمَا عَهِدَ اللَّهُ إِلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ» .
بِقَوْلِهِ: «إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ «٦» ..» الاية.
قيل: «نَسِيَ ذَلِكَ بِمَا أَظْهَرَ لَهُمَا» .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ «٧»: (إِنَّمَا سُمِّيَ الْإِنْسَانُ إِنْسَانًا لِأَنَّهُ عُهِدَ إِلَيْهِ فَنَسِيَ) .
وَقِيلَ: «لَمْ يَقْصِدِ الْمُخَالَفَةَ اسْتِحْلَالًا لَهَا، وَلَكِنَّهُمَا اغْتَرَّا بِحَلِفِ إِبْلِيسَ لَهُمَا «إِنِّي لَكُما لَمِنَ النَّاصِحِينَ «٨»» وتوهما أن
_________________
(١) سورة البقرة الاية «٣٥»
(٢) سورة الاعراف الاية «٢٢»
(٣) سورة طه الاية «١٢١»
(٤) سورة طه الاية «١١٥»
(٥) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٢٤٦» رقم «٣» .
(٦) سورة طه الاية «١١٧»
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٨) سورة الاعراف الاية «٢١»
[ ٢ / ٣٦٧ ]
أَحَدًا لَا يَحْلِفُ بِاللَّهِ حَانِثًا. وَقَدْ رُوِيَ عُذْرُ آدَمَ بِمِثْلِ هَذَا فِي بَعْضِ الْآثَارِ
وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ «١»: «حَلَفَ بِاللَّهِ لَهُمَا حَتَّى غرّهما.. والمؤمن يخدع «٢» .
وقيل: (نسي ولم يَنْوِ الْمُخَالَفَةَ فَلِذَلِكَ قَالَ: «وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا «٣»» أَيْ قَصْدًا لِلْمُخَالَفَةِ) ..
وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أن «العزم» هنا الحزم وَالصَّبْرُ.
وَقِيلَ: «كَانَ عِنْدَ أَكْلِهِ سَكْرَانَ وَهَذَا فِيهِ ضَعْفٌ «٣»» .
لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَصَفَ خَمْرَ الْجَنَّةِ أَنَّهَا لَا تُسْكِرُ «٤» .. فَإِذَا كَانَ نَاسِيًا لَمْ تَكُنْ مَعْصِيَةً، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ مُلَبَّسًا عَلَيْهِ غَالِطًا إِذِ الِاتِّفَاقُ عَلَى خُرُوجِ النَّاسِي والساهي عن حكم التكليف.
وقال الشَّيْخُ أَبُو بَكْرِ «٥» بْنُ فُورَكٍ وَغَيْرُهُ: (إِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَدَلِيلُ ذلك قوله: «وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى «٦»» فذكر أن
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨» رقم «٤» .
(٢) كما قيل: «ان الكريم اذا خادعته انخدعا» .
(٣) لان خمر الاخرة لا تسكر كخمور الدنيا وهذا القول في غاية الضعف والاولى تركه الا انه قول سعيد بن المسيب كما نقله عنه البغوي. ولكن ما ذكره غير مسلم به.
(٤) لقوله تعالى (لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون) فسر بأنها لا تنزف عقولهم، من نزف عقله اذا ذهب.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٩» رقم «٤» .
(٦) سورة طه الاية «١٢٢»
[ ٢ / ٣٦٨ ]
الِاجْتِبَاءَ وَالْهِدَايَةَ كَانَا بَعْدَ الْعِصْيَانِ) .
وَقِيلَ: «بَلْ أَكَلَهَا مُتَأَوِّلًا، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهَا الشَّجَرَةُ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا.. لِأَنَّهُ تَأَوَّلَ نَهْيَ اللَّهِ عَنْ شَجَرَةٍ مَخْصُوصَةٍ لَا عَلَى الْجِنْسِ» .
وَلِهَذَا قِيلَ: «إِنَّمَا كَانَتِ التَّوْبَةُ مِنْ تَرْكِ التَّحَفُّظِ لَا مِنَ الْمُخَالَفَةِ»
وَقِيلَ: «تَأَوَّلَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَنْهَهُ عَنْهَا نَهْيَ تَحْرِيمٍ» .
فَإِنْ قِيلَ: (فَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى «وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى «١»» .
وقال: «فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى «٢»» .
وقوله في حديث الشفاعة «٣»: «- ويذكر ذنبه- وإني نُهِيتُ عَنْ أَكْلِ الشَّجَرَةِ فَعَصَيْتُ» . فَسَيَأْتِي الْجَوَابُ عَنْهُ وَعَنْ أَشْبَاهِهِ مُجْمَلًا آخِرَ الْفَصْلِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَأَمَّا قِصَّةُ يُونُسَ «٤»: فَقَدْ مَضَى الْكَلَامُ عَلَى بَعْضِهَا آنِفًا «٥»، وَلَيْسَ فِي قِصَّةِ يُونُسَ نَصٌّ عَلَى ذَنْبٍ وَإِنَّمَا فِيهَا (أَبَقَ) (وذهب مغاضبا) وقد تكلمنا عليه..
_________________
(١) سورة طه آية «١٢١»
(٢) سورة طه آية «١٢٢»
(٣) وقد تقدم الحديث.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٢٦٥) رقم (٣) .
(٥) آنفا: أي قريبا من قوله استأنفت الشيء اذا بدأته، وآتف اسم فاعل منه بمعنى قريب.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
وقيل: (إنما نقم الله خُرُوجَهُ عَنْ قَوْمِهِ فَارًّا مِنْ نُزُولِ الْعَذَابِ)
وَقِيلَ: «بَلْ. لَمَّا وَعَدَهُمُ الْعَذَابَ، ثُمَّ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ:
وَاللَّهِ لَا أَلْقَاهُمْ بِوَجْهِ كَذَّابٍ أَبَدًا» .
وَقِيلَ: «بَلْ كَانُوا يَقْتُلُونَ مَنْ كَذَبَ فَخَافَ ذَلِكَ» .
وَقِيلَ: «ضَعُفَ عَنْ حَمْلِ أَعْبَاءِ الرِّسَالَةِ.»
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ أَنَّهُ لَمْ يَكْذِبْهُمْ «١» .. وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ فِيهِ نَصٌّ عَلَى مَعْصِيَةٍ إِلَّا عَلَى قَوْلٍ مَرْغُوبٍ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ: «أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ
«٢» ْمَشْحُونِ «٣» قَالَ الْمُفَسِّرُونَ:
تَبَاعَدَ «٤» .
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ «٥»» «٥» «فَالظُّلْمُ» وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ «٦» فَهَذَا اعتراف منه عند بعضهم بذنبه..
_________________
(١) بل صدق لهم وقد شاهدوا صدق كلامه باثار العذاب ومقدمة العقاب فامنوا فارتفع الحجاب كما اخبر الله تعالى عنه بقوله: «فلولا كانت قرية آمنت فنفعها ايمانها الا قوم يونس آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي..»
(٢) الفلك: يكون مفردا وجمعا ومعناه السفينة والمشحون بمعنى المملوء.
(٣) الصافات آية «١٤٠» .
(٤) تفسير أبق بتباعد مذهب المبرد.
(٥) الاية
(٦) حتى قيل عن وضع حب غير ربه في صدره وقلبه هو ظالم لنفسه ومنه قول العارف ابن الفارض: عليك بها صرفا وان شئت مزجها فعدلك عن ظلم الحبيب هو الظلم بل عد الصوفية رضي الله تعالى عنهم الغفلة عن الله تعالى وارادة ما سواء ظلما وشركا وقد قال الله تعالى (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) سورة لقمان آية «١٣» . وقال العارف ابن الفارض أيضا. ولو خطرت لي في سواك ارادة على خاطري سهوا حكمت بردتي
[ ٢ / ٣٧٠ ]
فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لِخُرُوجِهِ عَنْ قَوْمِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ رَبِّهِ أَوْ لِضَعْفِهِ عَمَّا حُمِّلَهُ، أَوْ لِدُعَائِهِ بِالْعَذَابِ عَلَى قَوْمِهِ.
وَقَدْ دَعَا نُوحٌ هلاك قَوْمِهِ فَلَمْ يُؤَاخَذْ.
وَقَالَ الْوَاسِطِيُّ «١» فِي مَعْنَاهُ: «نَزَّهَ رَبَّهُ عَنِ الظُّلْمِ، وَأَضَافَ الظُّلْمَ إِلَى نَفْسِهِ اعْتِرَافًا وَاسْتِحْقَاقًا» .
وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ آدَمَ وحواء: «رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا «٢»» إِذْ كَانَا السَّبَبُ فِي وَضْعِهِمَا فِي غَيْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي أُنْزِلَا فِيهِ وَإِخْرَاجِهِمَا مِنَ الْجَنَّةِ، وإنزالهما إلى الأرض.
وأما قصة داوود «٣» ﵇: فَلَا يَجِبُ «٤» أَنْ يُلْتَفَتَ إِلَى ما سطره فيه الإخباريون عن أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ بَدَّلُوا وَغَيَّرُوا، وَنَقَلَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ.. وَلَمْ يَنُصَّ اللَّهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ. وَالَّذِي نص الله عليه
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٩١) رقم (٤) .
(٢) سورة الاعراف اية (٢٣) .
(٣) وذلك قولهم: ان داود ﷺ كتب الى أيوب قائد جيشه ان ابعث (أورياء) اي زوج المرأة الحسناء التي راها داود وهو يصلي في محرابه فتعلق قلبه بها فأمر بتقديم زوجها الى وجه العدو قبل التابوت وكان من يتقدم على التابوت لا يجوز له ان يرجع حتى يفتح على يديه أو يستشهد فقدمه ففتح على يديه فكتب له ثانيا ابعثه لموضع كذا مرة بعد مرة حتى قتل فتزوج امرأته.
(٤) الاحسن أن يقال فلا يجوز أو لا يصح او فيجب أن لا يلتفت.
[ ٢ / ٣٧١ ]
قوله: «وَظَنَّ داوُدُ أَنَّما فَتَنَّاهُ «١» ..» إلى قوله: «وحسن ماب» وقوله فيه: «أوّاب» فمعنى (فتناه) اختبرناه و«أواب»
قال قتادة «٢»: «مطيع» .. وهذا التفسير أولى.
قال ابْنُ عَبَّاسٍ «٣» وَابْنُ مَسْعُودٍ «٤»: «مَا زَادَ دَاوُدُ أَنْ قَالَ لِلرَّجُلِ: انْزِلْ لِي عَنِ امْرَأَتِكَ وأكفلينها فَعَاتَبَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ وَنَبَّهَهُ عَلَيْهِ وَأَنْكَرَ علة شُغْلَهُ بِالدُّنْيَا» . وَهَذَا الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَوَّلَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِهِ.
وَقِيلَ: «خَطَبَهَا عَلَى خِطْبَتِهِ «٥»» وَقِيلَ: «بَلْ أَحَبَّ بِقَلْبِهِ أَنْ يُسْتَشْهَدَ «٦»» .
وَحَكَى السَّمَرْقَنْدِيُّ «٧»: «أَنَّ ذَنْبَهُ الَّذِي اسْتَغْفَرَ مِنْهُ قَوْلُهُ لأحد الخصمين «٨»: «لقد ظلمتك «٩»» فظلّمه «١٠» بقول
_________________
(١) سورة ص اية «٢٤- ٢٥» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٦٢) رقم (٣) .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٥٢) رقم (٦) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٢١٤) رقم (٢) .
(٥) خطبته: بكسر الخاء المعجمة وهي طلب الزوجة وهي من الخطابة بالضم، وكان داود ﵇ لم يعلم بخطبته فلا ذنب أصلا.
(٦) ليتزوج بامرأته لانه صرح به وباشر أسبابه كما مر وهو ميل قلبي لا يؤخذ به.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٥١) رقم (٢) .
(٨) أي اللكين اللذين أتياه في صورة رجلين متخاصمين له.
(٩) بسؤال نعجتك الى نعاجه.
(١٠) فظلمه: بتشديد اللام أي نسبه للظلم.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
خصمه «١» وقيل لَمَّا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ، وَظَنَّ مِنَ الْفِتْنَةِ بِمَا بُسِطَ لَهُ مِنَ الْمُلْكِ وَالدُّنْيَا، وَإِلَى نَفْيِ مَا أُضِيفَ فِي الْأَخْبَارِ إِلَى دَاوُدَ ذَهَبَ أَحْمَدُ بْنُ نَصْرٍ «٢» وَأَبُو تَمَّامٍ «٣» وَغَيْرُهُمَا من المحققين.
قال الدَّاوُدِيُّ «٤»: «لَيْسَ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ وَأُورِيَا خَبَرٌ يَثْبُتُ، وَلَا يُظَنُّ بِنَبِيٍّ مَحَبَّةُ قَتْلِ مُسْلِمٍ» .
وَقِيلَ: «إِنَّ الْخَصْمَيْنِ اللَّذَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَيْهِ رَجُلَانِ فِي نِتَاجِ «٥» غَنَمٍ عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ» .
وَأَمَّا قصة يوسف وإخوته فليس على يوسف منها تَعَقُّبٌ، وَأَمَّا إِخْوَتُهُ، فَلَمْ تَثْبُتْ نُبُوَّتُهُمْ فَيَلْزَمُ الْكَلَامُ عَلَى أَفْعَالِهِمْ.. وَذِكْرُ الْأَسْبَاطِ وَعَدُّهُمْ فِي القرآن عند ذكر الأنبياء.
_________________
(١) أي بمجرد قوله من غير كشف لحال خصمه وتثبت في أمره وهو خلاف الاولى. وقد قال ابن العربي: «انه لا يجوز في ملة من الملل فما قاله السمرقندي لا يجدي هنا» فأجيب عنه: «فانه انما قاله لانه رأى خصمه مسلما له مقالته ولم ينكر عليه فظنه رضي بما قاله وكلام الله مبني على غاية الايجاز فكأنه قال تمهل وعلم بسكوته رضاه او هو بتقدير ان كان كما تقول فقد ظلمك.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣٥٧) رقم (١) .
(٣) ابو تمام: قال البرهان: أبو تمام حبيب بن اوس الشاعر المعروف، ولكن لم تر من عده من علماء الحديث والتفسير فهو غلط من اشتراط الاسم، وقد نقل المصنف رحمه الله تعالى في هذا الكتاب كثيرا عن الأبهري من علمه المالكية من أهل طليطلة وهو ملقب بابي تمام وهو المراد هنا ويؤيده قوله بعد ذلك (وغيرهم من المحققين) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٢١٦) رقم (٣) .
(٥) وفي نسخة (نعاج) .
[ ٢ / ٣٧٣ ]
قال المفسرون: «يريد من نبىء مِنْ أَبْنَاءِ الْأَسْبَاطِ» .
وَقَدْ قِيلَ: «إِنَّهُمْ كَانُوا حِينَ فَعَلُوا بِيُوسُفَ مَا فَعَلُوهُ صِغَارَ الْأَسْنَانِ وَلِهَذَا لَمْ يُمَيِّزُوا يُوسُفَ حِينَ اجْتَمَعُوا بِهِ، ولهذا قالوا:
«أَرْسِلْهُ مَعَنا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ «١» .» وإن ثبتت لهم نبوة فبعد هذا الفعل- وَاللَّهُ أَعْلَمُ-.
وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ: «وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْلا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ «٢»» .
فعلى مذهب كَثِيرٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ أَنَّ هَمَّ النَّفْسِ لا يؤاخذ به وليست سَيِّئَةً.
لِقَوْلِهِ ﷺ عَنْ رَبِّهِ «٣»: «إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ..» فَلَا مَعْصِيَةَ فِي هَمِّهِ إذن.
وَأَمَّا عَلَى مَذْهَبِ الْمُحَقِّقِينَ «٤» مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ: فَإِنَّ الْهَمَّ إِذَا وُطِّنَتْ عَلَيْهِ النَّفْسُ سَيِّئَةٌ.. وأما مالم تُوَطَّنْ عَلَيْهِ النَّفْسُ مِنْ هُمُومِهَا وَخَوَاطِرهَا فَهُوَ المعفو عنه.. وهذا هُوَ الْحَقُّ.
فَيَكُونُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ هَمُّ يوسف من هذا.
_________________
(١) سورة يوسف آية (٢) .
(٢) سورة يوسف آية (٢٤) .
(٣) أي في الحديث القدسي الذي رواه مسلم في صحيحه وهو حديث طويل.
(٤) كأبي بكر الباقلاني والذين رأوا تعارض النصوص فدققوا النظر في التوفيق فيها
[ ٢ / ٣٧٤ ]
ويكون قوله: «وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي «١» ..» الْآيَةَ.. أَيْ مَا أُبَرِّئُهَا مِنْ هَذَا الْهَمِّ.
أَوْ يَكُونُ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى طَرِيقِ التَّوَاضُعِ والاعتراف بمخالفة النفس لما زكّي قبل وبرىء.. فَكَيْفَ وَقَدْ حَكَى أَبُو حَاتِمٍ «٢» عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ «٣» أَنَّ يُوسُفَ لَمْ يَهُمَّ وَأَنَّ الْكَلَامَ فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ.
أَيْ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ.. وَلَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ لَهَمَّ بِهَا.
ولقد قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الْمَرْأَةِ «وَلَقَدْ راوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ «٤»» .
وقد قال تعالى: «كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ «٥»»
وَقَالَ تَعَالَى: «وَغَلَّقَتِ الْأَبْوابَ وَقالَتْ هَيْتَ لَكَ،» قالَ مَعاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوايَ «٦»» الْآيَةَ.
قِيلَ: فِي «رَبِّي» اللَّهُ وَقِيلَ: الْمَلِكُ.
وَقِيلَ: «هَمَّ بِهَا» أَيْ بِزَجْرِهَا وَوَعْظِهَا وَقِيلَ: «همّ بها»
_________________
(١) سورة يوسف آية (٥٣) .
(٢) ابو حاتم: قيل: ولعله ابن أبي حاتم- وأبو حاتم الرازي هو الامام الحافظ الجليل محمد بن ادريس بن المنذر الحنظلي احد الاعلام في التفسير والحديث، ولد سنة خمس وتسعين ومائة وتوفي في شعبان سنة سبع وسبعين ومائتين.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص (٢٣٧) رقم (٢) .
(٤) سورة يوسف آية (٣٢) .
(٥) سورة يوسف آية (٢٤) .
(٦) سورة يوسف آية (٢٣) .
[ ٢ / ٣٧٥ ]
أَيْ غَمَّهَا «١» امْتِنَاعُهُ عَنْهَا وَقِيلَ: «هَمَّ بِهَا» نَظَرَ إِلَيْهَا وَقِيلَ: هَمَّ بِضَرْبِهَا وَدَفْعِهَا وَقِيلَ: «هَذَا كُلُّهُ كَانَ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ» .
وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ: «مَا زَالَ النِّسَاءُ يَمِلْنَ إِلَى يُوسُفَ مَيْلَ شَهْوَةٍ حَتَّى نَبَّأَهُ اللَّهُ فَأَلْقَى عَلَيْهِ هَيْبَةَ النُّبُوَّةِ فَشَغَلَتْ هَيْبَتُهُ كُلَّ مَنْ رَآهُ عَنْ حُسْنِهِ» .
وَأَمَّا خَبَرُ مُوسَى ﷺ مَعَ قَتِيلِهِ «٢» الَّذِي وَكَزَهُ «٣» .. وَقَدْ نَصَّ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ مِنْ عَدُوِّهِ.
وَقِيلَ: «كَانَ مِنَ الْقِبْطِ «٤» الَّذِينَ عَلَى دِينِ فِرْعَوْنَ،، وَدَلِيلُ السُّورَةِ فِي هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ قَبْلَ «٥» نُبُوَّةِ مُوسَى» .
وَقَالَ قَتَادَةُ «٦»: «وَكَزَهُ بِالْعَصَا وَلَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَهُ، فَعَلَى هَذَا لَا مَعْصِيَةَ فِي ذلك» .
_________________
(١) أي عن معاملتها بما أرادته فهو من الهم بمعنى الغم والباء للتعدية بمعنى أهمها اذا أوقعها في هم وحزن وهو بعيد وان كان فيه مشاكلة وتجنيس. للتعقيد المعنوي فيه، وقيل انه بعيد من اللغة لانه متعد بنفسه يقال: همه الامر اذا أحزنه.
(٢) وهو رجل كافر كان طباخ فرعون لعنه الله تعالى وكان يسخر الناس لحمل الحطب لمطبخ فرعون فسخر رجلا من بني اسرائيل فاستغاث منه بموسى ﵇ وكان موسى قويا في جسمه فنهاه عن تسخيره فلم ينته فضربه بيده لدفع ظلمه فمات.
(٣) الوكز واللكز بمعنى واحد وهو الدفع.
(٤) القبط بكسر القاف هم نبط مصر وقوم فرعون وهم جيل من الناس معروفون
(٥) فانه لما قتله فر خائفا فكان ما كان له مع شعيب ﵇ وتزوج ابنته ثم تنبا لما فارقه كما قصه الله تعالى وقبل النبوة لم يكن معصوما من الخطأ فصدر عنه مثل هذا وان لم يكن معصية لانه لم يعذبه بالة جارحة فهو خطأ شبه عمد ولم يكن ثمة شرع
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٦٢) رقم (٣) .
[ ٢ / ٣٧٦ ]
وقوله: «هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ «١»» وقوله: «ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي «٢»» .
قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ «٣»: «قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ أَنْ يَقْتُلَ حَتَّى يُؤْمَرَ» .
وَقَالَ النَّقَّاشُ «٤»: (لَمْ يَقْتُلْهُ عَنْ عَمْدٍ مُرِيدًا لِلْقَتْلِ، وَإِنَّمَا وَكَزَهُ وَكْزَةً يُرِيدُ بِهَا دَفْعَ ظُلْمِهِ) .
قَالَ «٥» وَقَدْ قِيلَ: (إِنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَهُوَ مُقْتَضَى التِّلَاوَةِ) وَقَوْلُهُ تعالى في قصته: «وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا «٦»» أَيِ ابْتَلَيْنَاكَ ابْتِلَاءً بَعْدَ ابْتِلَاءٍ.
قِيلَ: «فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ وَمَا جَرَى لَهُ «٧» مَعَ فِرْعَوْنَ.
_________________
(١) القصص آية (١٥) .
(٢) القصص آية (١٦) .
(٣) ابن جريج: هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج أبو الوليد او أبو خالد القرشي مولاهم احد الفقهاء الاعلام.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص () رقم () .
(٥) أي النقاش
(٦) سورة طه آية (٤٠) .
(٧) وذلك ان فرعون لعنه الله تعالى رأى رؤيا هالته فعبرها المعبرون والكهان بمولود من بني اسرائيل يكون على يديه زوال ملكه ودينه فأمر القوابل بان كل ذكر ولد منهم يأتونه به ويذبحونه ففعلوا ذلك حتى وقع في بني اسرائيل موتان عظيمان فقال له القبط نخشى فناء بني اسرائيل فلا يبقى لنا خدم فتحتاج الى استخدامنا فأمر ان يقتل الذكور منهم سنة ويتركون سنة فولد هارون في سنة العفو ثم ولد موسى في سنة الذبح فخافت عليه أمه فأوحي اليها وحي الهام وقيل وحيا جاءها فيه جبريل ﵇ وإن لم تكن نبية لان الملك كان يراه غير الانبياء كمريم ﵍ ثم ارتفع ذلك بعد مجيء
[ ٢ / ٣٧٧ ]
وَقِيلَ: «إِلْقَاؤُهُ فِي التَّابُوتِ «١» وَالْيَمِّ «٢»» وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَخْلَصْنَاكَ إِخْلَاصًا «٣» قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ «٤» وَمُجَاهِدٌ «٥» مِنْ قَوْلِهِمْ: «فَتَنْتَ الْفِضَّةَ فِي النَّارِ» إِذَا خَلَّصْتَهَا. وَأَصْلُ «الْفِتْنَةِ مَعْنًى» الِاخْتِبَارُ وَإِظْهَارُ مَا بَطَنَ إِلَّا أَنَّهُ اسْتُعْمِلَ فِي عُرْفِ الشرع في اختيار أَدَّى إِلَى مَا يُكْرَهُ.
وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ «٦» مِنْ أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ جَاءَهُ فَلَطَمَ عَيْنَهُ فَفَقَأَهَا..
الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ ما يحكم على موسى ﵇ بالتعدي وفعل ما لا يجب.. إِذْ هُوَ ظَاهِرُ الْأَمْرِ، بَيِّنُ الْوَجْهِ، جَائِزُ الْفِعْلِ، لِأَنَّ مُوسَى دَافَعَ عَنْ نَفْسِهِ مَنْ أَتَاهُ لِإِتْلَافِهَا.. وَقَدْ تُصُوِّرَ لَهُ فِي صُورَةِ آدَمِيٍّ، وَلَا يُمْكِنُ أَنَّهُ عَلِمَ حِينَئِذٍ أَنَّهُ ملك
_________________
(١) النبي ﷺ وضعته أمه في صندوق وألقته في النيل فدخل بيت فرعون فالنقطه ال فرعون واستوهبته امرأته آسية وكان له معه ما اشتهر من ذلك وهو المراد بالفتون أي ما وقع له من الشدائد حتى نبأه الله واتخذه كليما وصفيا وسمته اسية حين اتخذته وليدا موسى ومعناه ماء شجر بالقبطية لانه وجد في صندوق ملقى في الماء.
(٢) التابوت: أي الصندوق التي اتخذته له أمه من خشب والذي صنعه لها حزقيل وهو مؤمن آل فرعون.
(٣) اليم: البحر والمراد به النيل.
(٤) أي ابتليناه بأمور شاهدتها قدرة الله تعالى ولطفه حتى صار صفوة له خالصا من كل أمر لا يليق برسله ﵈ فقربه واصطفاه لان الفتنة أصل معناها أن يذاب الذهب حتى يصفى.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٥٨) رقم (٤) .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٧٠) رقم (١) .
(٧) الذي رواه الشيخان عن أبي هريرة ﵁ كما قاله السيوطي رحمه الله تعالى
[ ٢ / ٣٧٨ ]
الْمَوْتِ، فَدَافَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ مُدَافَعَةً. أَدَّتْ إِلَى ذَهَابِ عَيْنِ تِلْكَ الصُّورَةِ الَّتِي تُصُوِّرَ لَهُ فِيهَا الْمَلَكُ، امْتِحَانًا مِنَ اللَّهِ، فَلَمَّا جَاءَهُ بَعْدُ وَأَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ رَسُولُهُ إِلَيْهِ استسلم.
وللمتقدمين وللمتأخرين عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ أَجْوِبَةٌ. هَذَا أَسَدُّهَا عِنْدِي، وَهُوَ تَأْوِيلُ شَيْخِنَا الْإِمَامِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ «١» الْمَازِرِيِّ.
وَقَدْ تَأَوَّلَهُ قَدِيمًا ابْنُ عَائِشَةَ «٢» وَغَيْرُهُ عَلَى صَكِّهِ «٣» وَلَطْمِهِ بِالْحُجَّةِ وَفَقْءِ عَيْنِ حُجَّتِهِ، وَهُوَ كَلَامٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي هَذَا الْبَابِ فِي اللغة ومعروف.
وَأَمَّا قِصَّةُ سُلَيْمَانَ وَمَا حَكَى فِيهَا أَهْلُ التَّفَاسِيرِ مِنْ ذَنْبِهِ وَقَوْلُهُ: «وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمانَ «٤»» فمعناه ابتليناه، وابتلاؤه
_________________
(١) أبو عبد الله المازري: امام الرحلة الفقيه المحدث البارع في سائر العلوم وهو مالكي المذهب واسمه أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي شارح المحصول، وله شرح مسلم الذي بنى عليه المصنف رحمه الله تعالى شرحه المسمى بالاكمال، وله تاليف كثيرة مفيدة جليلة وهو منسوب الى مازر بفتح الزاي وكسرها توفي في ثامن ربيع الاول من سنة ست وثلاثين وخمسمائة وعمره ثلاث وثمانون سنة رحمه الله تعالى.
(٢) ابن عائشة: هو عبيد الله بن محمد بن حفص بن عمر بن موسى بن عبد الله بن معمر القرشي التميمي البصري المعروف بالعيشي نسبة لعيشة وهي لغة فى عائشة، أو من تفسيرات النسب لانه من ولد عائشة بنت طلحة بن عبد الله وهو احد العلماء الاشراف المحدثين المحتشمين وهو ثقة روى عنه البغوي وخلق كثير، توفي سنة مائتين وثمان وعشرين، فهو متقدم على المازري بزمان كثير فلذا قال المصنف رحمه الله تعالى (قديما)
(٣) اصل الصك واللطم الضرب بالوجه او بشيء عريض وجاء بمعنى مطلق الضرب
(٤) سورة ص اية (٣٤) .
[ ٢ / ٣٧٩ ]
مَا حُكِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «١» أنه قال: (لأطوفن الليلة على مئة «٢» امْرَأَةٍ أَوْ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ «٣» كُلُّهُنَّ يَأْتِينَ بِفَارِسٍ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ «٤»: قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَمْ يَقُلْ.. فَلَمْ تحمل منهن إِلَّا امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ جَاءَتْ بِشَقِّ رُجُلٍ قَالَ النبي ﷺ: «والذي نفسي بِيَدِهِ.
لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ») .
قَالَ أَصْحَابُ الْمَعَانِي «٥»: «وَالشِّقُّ» هُوَ الْجَسَدُ «٦» الَّذِي أُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّهِ حِينَ عُرِضَ عَلَيْهِ.. وَهِيَ عُقُوبَتُهُ وَمِحْنَتُهُ.
وَقِيلَ: «بَلْ مَاتَ فَأُلْقِيَ عَلَى كُرْسِيِّهِ مَيِّتًا» .
وَقِيلَ: «ذَنْبُهُ حِرْصُهُ عَلَى ذَلِكَ وَتَمَنِّيهِ «٧» ..»
وَقِيلَ: «لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ لِمَا اسْتَغْرَقَهُ مِنَ الْحِرْصِ وَغَلَبَ عَلَيْهِ من التمني» .
_________________
(١) الحديث صحيح روي في الصحيحين وغيرهما.
(٢) وفي عدد النساء خلاف في الروايات.
(٣) كان قد تزوج بهن وكان ذلك جائزا في شريعته.
(٤) أي ملك كان معه أو قرينة أو رجل كان يصحبه وقيل هو خاطره وهو بعيد وقيل هو آصف بن برخيا بفتح الموحدة وسكون الراء المهملة وكسر الخاء المعجمة ومثناة تحتية تليها الف.
(٥) والمراد باصحاب المعاني الذين يفسرون الحديث ويقفون على معانيه.
(٦) وهو ولده الذي ولد ميتا.
(٧) على ان يرزقه الله مائة ولد يجاهدون في سبيل الله وليس مثله ذنبا حقيقيا كما توهموه.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
وقيل: عقوبته أن سلب «١» ملكه وذنبه أنه أَحَبَّ بِقَلْبِهِ أَنْ يَكُونَ الْحَقُّ لِأَخْتَانِهِ «٢» عَلَى خصمهم.
وَلَا يَصِحُّ مَا نَقَلَهُ الْأَخْبَارِيُّونَ مِنْ تَشَبُّهِ الشَّيْطَانِ بِهِ وَتَسَلُّطِهِ عَلَى مُلْكِهِ وَتَصَرُّفِهِ فِي أُمَّتِهِ بِالْجَوْرِ، فِي حُكْمِهِ لِأَنَّ الشَّيَاطِينَ لَا يُسَلَّطُونَ عَلَى مِثْلِ هَذَا، وَقَدْ عُصِمَ الْأَنْبِيَاءُ مِنْ مِثْلِهِ «٣» .
وَإِنْ سُئِلَ لِمَ لَمْ يَقُلْ سليمان في القصة المذكور إن شاء الله؟؟
فعنه «٤» أجوبة «٥»: أحدهما: مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ نَسِيَ أَنْ يَقُولَهَا، وَذَلِكَ لِيَنْفُذَ مُرَادَ «٦» اللَّهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ صَاحِبَهُ «٧» وَشُغِلَ عَنْهُ.
وَقَوْلُهُ: «وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي «٨»»
_________________
(١) أي حكمه في رعيته وفي هذا امتحان من الله تعالى لأرباب الجاه.
(٢) أختانه: جمع ختن بزته جبل وهو الصهر أو كل ما يكون من قبل المرأة كالأب والاخ وذلك كما قيل انه كانت له امرأة يقال لها جرادة وكان مغرما بحبها فقالت له: إن فلانا من أهلي له حق عند آخر وأنا أحب أن تحكم له اذا جاءك فأجابها ﵇ لذلك ولكنه لم يفعل فعاقبه الله تعالى على مجرد الميل فكان ما كان من زوال ملكه عقوبة على هذا الميل.
(٣) قال السيوطي ﵀ «ما قال المصنف أنه من خرافات الاخباريين أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح عن ابن عباس موقوفا لكنه مأخوذ من الاسرائيليات» وفيه نظر لان اول كلامه ينافي آخره.
(٤) وفي نسخة (ففيه) .
(٥) وفي نسخة (جوابان) وهو الصحيح لانه لم يذكر غيرهما.
(٦) وفي نسخة «أمر» .
(٧) أي الذي قال له قل ان شاء الله تعالى.
(٨) سورة ص آية «٣٥» .
[ ٢ / ٣٨١ ]
لَمْ يَفْعَلْ هَذَا سُلَيْمَانُ غَيْرَةً «١» عَلَى الدُّنْيَا، وَلَا نَفَاسَةً «٢» بِهَا، وَلَكِنْ مَقْصِدُهُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْمُفَسِّرُونَ أَنْ لَا يُسَلَّطَ عَلَيْهِ أَحَدٌ كَمَا سُلِّطَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ الَّذِي سَلَبَهُ إِيَّاهُ مُدَّةَ امْتِحَانِهِ- عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ ذَلِكَ «٣» - وَقِيلَ: بَلْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِنَ اللَّهِ فَضِيلَةٌ، وَخَاصَّةٌ يَخْتَصُّ بِهَا، كَاخْتِصَاصِ «٤» غَيْرِهِ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ بِخَوَاصَّ «٥» مِنْهُ.
وَقِيلَ: «لِيَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا وَحُجَّةً عَلَى نُبُوَّتِهِ كَإِلَانَةِ الْحَدِيدِ لِأَبِيهِ، وَإِحْيَاءِ الْمَوْتَى لِعِيسَى، وَاخْتِصَاصِ مُحَمَّدٍ ﷺ بِالشَّفَاعَةِ، وَنَحْوِ هَذَا» ..
وَأَمَّا قِصَّةُ نُوحٍ ﵇ فَظَاهِرَةُ الْعُذْرِ، وَأَنَّهُ أَخَذَ فِيهَا بِالتَّأْوِيلِ، وَظَاهِرِ اللفظ لقوله تعالى «وأهلك «٦»» فَطَلَبَ مُقْتَضَى هَذَا اللَّفْظِ، وَأَرَادَ عِلْمَ مَا طوي عنه مِنْ ذَلِكَ لَا أَنَّهُ شَكَّ فِي وَعْدِ الله.
_________________
(١) غيرة: بفتح الغين المعجمة وتكسر في لغة وهي محبة أمر يأبى ان يكون لغيره
(٢) نفاسة: بفتح النون رغبة.
(٣) وهم الذين اخذوا هذا من الاسرائيليات. وفي صحة الاسرائيليات كلام للمحدثين
(٤) أي كَاخْتِصَاصِ غَيْرِهِ مِنْ أَنْبِيَاءِ اللَّهِ وَرُسُلِهِ بِخَوَاصَّ كالخلة لابراهيم وكالتكليم لموسى وكالمحبة لمحمد ﷺ ونحو ذلك وما خص الله به نبيا من الانبياء دون غيره لا ينافي الافضلية لانه قد يكون في المفضول ما ليس في الفاضل.
(٥) وقد تقرر انه لم يكن لنبي من الانبياء معجزة وخاصة الا لنبينا ﷺ مثلها وأعظم منها كما فصله الامام الخيضري فى الخصائص وهو من أجل ما ألف في هذا الباب.
(٦) «حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ» . سورة هود آية «٤٠»
[ ٢ / ٣٨٢ ]
فَبَيَّنَ «١» اللَّهُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ الَّذِينَ وَعَدَهُ بِنَجَاتِهِمْ لِكُفْرِهِ، وَعَمَلِهِ، الَّذِي هُوَ غَيْرُ صَالِحٍ، وَقَدْ أَعْلَمَهُ أَنَّهُ مُغْرِقُ الَّذِينَ ظَلَمُوا، وَنَهَاهُ عَنْ مُخَاطَبَتِهِ فِيهِمْ، فَأُوخِذَ بِهَذَا التَّأْوِيلِ، وَعَتَبَ عَلَيْهِ، وَأَشْفَقَ هُوَ مِنْ إِقْدَامِهِ عَلَى رَبِّهِ لِسُؤَالِهِ مَا لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي السُّؤَالِ فِيهِ.
وَكَانَ نُوحٌ- فِيمَا حَكَاهُ النقاش «٢» - لا يعلم بكفرابنه وَقِيلَ فِي الْآيَةِ: غَيْرُ هَذَا.. وَكُلُّ هَذَا لَا يَقْضِي عَلَى نُوحٍ بِمَعْصِيَةٍ سِوَى مَا ذكرناه من تأويله وإقدامه بالسؤال فيمن «٣» لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِيهِ وَلَا نُهِيَ عَنْهُ..
وَمَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ «٤» مِنْ أَنَّ نَبِيًّا قَرَصَتْهُ «٥» نَمْلَةٌ فَحَرَقَ قَرْيَةَ «٦» النَّمْلِ فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ: أَنْ «٧» قَرَصَتْكَ نَمْلَةٌ أَحْرَقْتَ أُمَّةً مِنَ الأمم تسبّح «٨»؟!!.
_________________
(١) بين لا تتعدى (بعلى) فلعله ضمن بين معنى نبه أو بنى أو هو تحريف من الناسخ
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٩٠» رقم «١» .
(٣) وفي نسخة (فيما)
(٤) كما رواه الشيخان وأبو داود والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
(٥) وفي رواية البخاري (لدغته) .
(٦) قرية: أصله محل الاجتماع مطلقا من قرى الماء في الحوض اذا جمعه فهو حقيقة لغوية ويقال لمقر الانسان وطن وبلد. ومقر الابل عطن، وللاسد عرين وغابة، وللظباء كماس، والمذئب والضبع وجاء وللطائر والزنبور عش ووكر، ولليربوع والنمل قرية
(٧) أن: بفتح الهمزة وسكون النون أي لان.
(٨) وذلك لقوله تعالى: «وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ» سورة الأنعام آية «٢٨» «وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ» سورة الاسراء آية «٤٤»
[ ٢ / ٣٨٣ ]
فَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا الَّذِي أَتَى مَعْصِيَةً بَلْ فَعَلَ مَا رَآهُ مَصْلَحَةً وَصَوَابًا بِقَتْلِ مَنْ يُؤْذِي جِنْسُهُ وَيَمْنَعُ الْمَنْفَعَةَ بما أَبَاحَ اللَّهُ.
أَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ كان نازلا تحت الشجرة. فلما آذته انملة تحول برحله عَنْهَا مَخَافَةَ تَكْرَارِ الْأَذَى عَلَيْهِ..
وَلَيْسَ فِيمَا أوحى الله إليه ما يوجب عليه مَعْصِيَةً.. بَلْ نَدَبَهُ إِلَى احْتِمَالِ الصَّبْرِ، وَتَرْكِ التَّشَفِّي.
كَمَا قَالَ تَعَالَى: «وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ «١»» إِذْ ظَاهِرُ فِعْلِهِ إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ أَنَّهَا آذَتْهُ هُوَ فِي خَاصَّتِهِ فَكَانَ انتقساما لِنَفْسِهِ، وَقَطْعَ مَضَرَّةٍ يَتَوَقَّعُهَا مِنْ بَقِيَّةِ النَّمْلِ هناك، ولم يأت في كل هذا أمرا نُهِيَ عَنْهُ فَيُعَصَّى بِهِ، وَلَا نَصَّ فِيمَا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ وَلَا بِالتَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ مِنْهُ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ-
فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ ﵇ «٢»: مَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا أَلَمَّ بِذَنْبٍ أَوْ كَادَ، إِلَّا يَحْيَى بْنَ زكريا أو كما قال «٣» ﵇ فَالْجَوَابُ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ ذُنُوبِ الْأَنْبِيَاءِ الَّتِي وَقَعَتْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ وَعَنْ سَهْوٍ وغفلة.
_________________
(١) سورة النحل آية «١٢٦»
(٢) وهذا الحديث رواه الامام احمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعا بلفظ (ما من احد الا وقد اخطأ او هم بخطيئة) وسنده ضعيف، وأخرجه البزار عن ابن عمر مرفوعا كما قاله السيوطي في (مناهل الصفا) .. ويقول الخفاجي: ومتابعته تقويه في الجملة فلا عبرة بمن أنكره.
(٣) اشارة الى انه وقع فيه روايات مختلفة كما قال الخفاجي عن تقويه بالمتابعة.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
الفصل الرابع عشر حالة الانبياء في خوفهم واستغفارهم
فَإِنْ قُلْتَ: فَإِذَا نَفَيْتَ عَنْهُمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ الذُّنُوبَ وَالْمَعَاصِي بِمَا ذَكَرْتَهُ مِنَ اخْتِلَافِ الْمُفَسِّرِينَ وَتَأْوِيلِ الْمُحَقِّقِينَ.. فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: «وَعَصى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوى «١»» وَمَا تَكَرَّرَ فِي الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنَ اعْتِرَافِ الْأَنْبِيَاءِ بِذُنُوبِهِمْ، وَتَوْبَتِهِمْ، وَاسْتِغْفَارِهِمْ، وَبُكَائِهِمْ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُمْ، وَإِشْفَاقِهِمْ؟؟!!
وَهَلْ يُشْفَقُ وَيُتَابُ وَيُسْتَغْفَرُ مِنْ لَا شَيْءَ؟!!
فَاعْلَمْ وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ دَرَجَةَ الْأَنْبِيَاءِ فِي الرِّفْعَةِ وَالْعُلُوِّ، وَالْمَعْرِفَةِ بِاللَّهِ وَسُنَّتِهِ فِي عِبَادِهِ، وَعِظَمِ سُلْطَانِهِ وَقُوَّةِ بَطْشِهِ، مِمَّا يَحْمِلُهُمْ عَلَى الْخَوْفِ مِنْهُ ﷻ، وَالْإِشْفَاقِ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ بِمَا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ غَيْرُهُمْ، وَأَنَّهُمْ فِي تَصَرُّفِهِمْ بِأُمُورٍ لَمْ يُنْهَوْا عَنْهَا، ولا
_________________
(١) سورة طه آية «١٢١» .
[ ٢ / ٣٨٥ ]
أُمِرُوا بِهَا، ثُمَّ وُوخِذُوا «١» عَلَيْهَا، وَعُوتِبُوا بِسَبَبِهَا، وَحُذِّرُوا «٢» مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ بِهَا.. وَأَتَوْهَا عَلَى وَجْهِ التَّأْوِيلِ، أَوِ السَّهْوِ، أَوْ تَزَيُّدٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا الْمُبَاحَةِ، خَائِفُونَ وَجِلُونَ.
وَهِيَ ذُنُوبٌ بِالْإِضَافَةِ إِلَى عَلِيِّ مَنْصِبِهِمْ. وَمَعَاصٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَمَالِ طَاعَتِهِمْ.
لَا أَنَّهَا كَذُنُوبِ غَيْرِهِمْ وَمَعَاصِيهِمْ. فَإِنَّ الذنب مأخوذ «٣» من الشيء الدنيء الرَّذْلِ «٤»، وَمِنْهُ «ذَنَبُ «٥» كُلِّ شَيْءٍ» أَيْ آخِرُهُ وأذناب الناس رذّا لهم «٦» فَكَأَنَّ «٧» هَذِهِ أَدْنَى أَفْعَالِهِمْ وَأَسْوَأُ مَا يَجْرِي مِنْ أَحْوَالِهِمْ، لِتَطْهِيرِهِمْ، وَتَنْزِيهِهِمْ، وَعِمَارَةِ بَوَاطِنِهِمْ وَظَوَاهِرِهِمْ بِالْعَمَلِ الصَّالِحِ، وَالْكَلِمِ الطَّيِّبِ، وَالذِّكْرِ الظَّاهِرِ وَالْخَفِيِّ، وَالْخَشْيَةِ لِلَّهِ وَإِعْظَامِهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ..
وَغَيْرُهُمْ يَتَلَوَّثُ مِنَ الْكَبَائِرِ وَالْقَبَائِحِ وَالْفَوَاحِشِ مَا تَكُونُ
_________________
(١) وفي نسخة «أو خذوا» أي لامهم الله عليها مع أنها مباحة جائزة.
(٢) وفي نسخة «أحذروا» بتشديد الذال المعجمة على بناء المجهول أي خوفوا
(٣) الأخذ هنا هو الاشتقاق البعيد وهو معنى قولهم دائرة الأخذ أوسع من دائرة الاشتقاق.
(٤) الرذل: بفتح الراء المهملة وسكون الذال المعجمة أي المذموم الرديء.
(٥) ذنب: بفتحتين وهو الذنب المعروف.
(٦) رذلهم: بضم أوله وتخفيف ثانيه جمع رذل وهو جمع على فعال جاء في كلمات معدودات أي أرذلهم.
(٧) وفي نسخة (فكانت) . وفي نسخة (فكأن) بتشديد النون.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
بالإضافة إلى «١» هَذِهِ الْهَنَاتِ «٢» فِي حَقِّهِ كَالْحَسَنَاتِ.
كَمَا قِيلَ «٣»: «حَسَنَاتُ الْأَبْرَارِ، سَيِّئَاتُ الْمُقَرَّبِينَ» .
أَيْ يَرَوْنَهَا بِالْإِضَافَةِ إِلَى عَلِيِّ أَحْوَالِهِمْ كَالسَّيِّئَاتِ وَكَذَلِكَ «الْعِصْيَانُ» التَّرْكُ وَالْمُخَالَفَةُ، فَعَلَى مُقْتَضَى اللَّفْظَةِ كَيْفَمَا كَانَتْ مِنْ سَهْوٍ، أَوْ تَأْوِيلٍ، فَهِيَ مُخَالَفَةٌ وَتَرْكٌ. وَقَوْلُهُ: «غوى» أي أَنَّ تِلْكَ الشَّجَرَةَ هِيَ الَّتِي نُهِيَ عَنْهَا.. «وَالْغَيُّ» الْجَهْلُ وَقِيلَ:
أَخْطَأَ مَا طَلَبَ مِنَ الْخُلُودِ إِذْ أَكَلَهَا.. وَخَابَتْ أُمْنِيَّتُهُ «٤» .
وَهَذَا يُوسُفُ ﵇ قد ووخذ «٥» بِقَوْلِهِ لِأَحَدِ صَاحِبَيِ السِّجْنِ «٦»: «اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ، فَأَنْساهُ الشَّيْطانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ «٧»» .
قِيلَ: «أُنْسِيَ يُوسُفُ ذِكْرَ اللَّهِ» .
وَقِيلَ: «أُنْسِيَ صاحبه أن يذكره لسيده الملك» .
_________________
(١) وفي نسخة (إليه) .
(٢) الهنات: جمع هنة وهي خصلة السوء. قال لبيد: «أكرمت عرضي أن ينال بنحوه إن البريء من الهنات سعيد» وما في بعض النسخ من الهيئات جمع هيئة باء ساكنة وهمزة تحريف من الناسخ
(٣) وهو من كلام أبي سعيد الخراز من كبار مشايخ الصوفية.
(٤) أمنيته: بضم الهمزة وكسر النون وتشديد الياء وهي ما يتمنى وجمعها أماني بالتشديد والتخفيف.
(٥) وفي نسخة «أوخذ» .
(٦) وفي نسخة «بقوله لصاحب السجن» .
(٧) سورة يوسف آية ٤٢
[ ٢ / ٣٨٧ ]
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ «١»: «لَوْلَا كَلِمَةُ يُوسُفَ مَا لَبِثَ فِي السِّجْنِ مَا لَبِثَ» قَالَ ابْنُ دِينَارٍ «٢»: لَمَّا قَالَ ذَلِكَ يُوسُفُ قِيلَ لَهُ: اتَّخَذْتَ «٣» مِنْ دُونِي وَكِيلًا!! .. لَأُطِيلَنَّ حَبْسَكَ.. فَقَالَ: يَا رَبِّ أَنْسَى قَلْبِي كَثْرَةُ «٤» الْبَلْوَى.
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: «يُؤَاخَذُ الْأَنْبِيَاءُ بِمَثَاقِيلِ «٥» الذَّرِّ «٦» لِمَكَانَتِهِمْ عِنْدَهُ وَيُجَاوِزُ عَنْ سَائِرِ الْخَلْقِ لِقِلَّةِ مُبَالَاتِهِ «٧» بِهِمْ فِي أَضْعَافِ مَا أَتَوْا به
_________________
(١) في حديث رواه ابن جرير والطبراني عن ابن عباس. وابن مردويه عن أبي هريرة.. وأبو الشيخ عن أبي الحسن مرسلا. وكذا عن عكرمه. فهو حديث صحيح
(٢) ابن دينار: مالك، أبو يحيي البصري، أحد الأعلام، الزاهد الثقة، أخرج له الأربعة وعلق له البخاري، وتوفي سنة مائة واثنين وثلاثين، واسمه محمد بن ابراهيم، وله ترجمة في الميزان، وهذا رواه الامام البغوي عنه في تفسيره، وأخرجه ابن أبي حاتم عن أنس مرفوعا.
(٣) بهمزة الاستفهام الانكاري مقررا أو مقدرا.
(٤) أي كثرة المصائب وهي تبدأ من حين ألقي في الجب إلى أن دخل السجن، فهذا ذنب عد عليه وعوقب به مع أنه ليس بمعصية شرعية لكن على مقامه يقتضي أن لا يذكر في الشدة غير الله ولا يعول على مخلوق وقد قال الخليل لجبريل ﵉ حين ألقي في النار وقال له ألك حاجة قال أما إليك فلا، حسبي من سؤالي علمه بحالي.
(٥) المثاقيل: جمع مثقال وهو في العرف الدينار وليس بمراد هنا. بل هو وزن كل شيء ومقداره.
(٦) الذر: جمع ذرة وهي أصغر النمل ويقال للهباء الذي يرى في شعاع الشمس ولا زنة له أصلا.
(٧) مبالاته: قال ابن فارس: اشتبه علي اشتقاق (لا أبالي) حتى رأيت قول ليلى الاخيلية: تبالي رواياهم وهبالة بعد ما وردن وحول الماء بالحم يرتمى وقد قالوا فيه التبالي المبادرة للاستقاء عند قلة الماء فيستقي أحدهم وينتظره غيره فمعنى (لا أبالي) لا أبادر له ولا أنتظره لعدم اعتدادي به.. اهـ.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
مِنْ سُوءِ الْأَدَبِ. وَقَدْ قَالَ الْمُحْتَجُّ لِلْفِرْقَةِ «١» الْأُولَى. عَلَى سِيَاقِ مَا قُلْنَاهُ.. إِذَا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ يُؤَاخَذُونَ بِهَذَا مِمَّا لَا يُؤَاخَذُ بِهِ غَيْرُهُمْ مِنَ السَّهْوِ وَالنِّسْيَانِ وَمَا ذَكَرْتَهُ وَحَالُهُمْ أرفع فحالهم «٢» إذن فِي هَذَا أَسْوَأُ «٣» حَالًا مِنْ غَيْرِهِمْ.
فَاعْلَمْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ: أَنَّا لَا نُثْبِتُ لَكَ الْمُؤَاخَذَةَ فِي هَذَا عَلَى حَدِّ مُؤَاخَذَةِ غَيْرِهِمْ.. بَلْ نَقُولُ: «إِنَّهُمْ يُؤَاخَذُونَ بِذَلِكَ فِي الدُّنْيَا لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي دَرَجَاتِهِمْ، وَيُبْتَلُونَ بِذَلِكَ لِيَكُونَ اسْتِشْعَارُهُمْ «٤» لَهُ سَبَبًا لِمَنْمَاةِ «٥» رُتَبِهِمْ كَمَا قَالَ: «ثُمَّ اجْتَباهُ رَبُّهُ فَتابَ عَلَيْهِ وَهَدى «٦»» .
وقال لداود: «فَغَفَرْنا لَهُ ذلِكَ «٧»» الْآيَةَ وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِ مُوسَى: «تُبْتُ إِلَيْكَ «٨»» «إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ «٩»» .
وَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ فِتْنَةِ سُلَيْمَانَ وَإِنَابَتِهِ: «فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ. إلى
_________________
(١) القائلين بأن الأنبياء معصومون من جميع الذنوب، وأن السهو والنسيان لا يؤاخذون به كغيرهم.
(٢) وفي بعض النسخ (وحالهم) .
(٣) وفي نسخة (أشق) .
(٤) الاستشعار: طلب الشعور، والمراد به مقاساته.. أو هو من الشعار وهو اللباس الملاصق للبدن. وفي نسخة (استغفارهم) .
(٥) منماه: مصدر ميمي يعني النمو وهو الزيادة.
(٦) آية: ١٢٢ سورة طه.
(٧) آية: ٢٥ سورة ص.
(٨) آية: ١٤٣ سورة الأعراف.
(٩) آية: ١٤٤ سورة الأعراف.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
وَحُسْنُ مَآبٍ «١»» وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ: «زَلَّاتُ الْأَنْبِيَاءِ فِي الظَّاهِرِ زَلَّاتٌ وَفِي الْحَقِيقَةِ كَرَامَاتٌ وَزُلَفٌ «٢» . وَأَشَارَ إِلَى نَحْوٍ مِمَّا قَدَّمْنَاهُ.
وَأَيْضًا فَلْيُنَبَّهْ غَيْرُهُمْ مِنَ البشر منهم، أو ممن ليس من دَرَجَتِهِمْ بِمُؤَاخَذَتِهِمْ بِذَلِكَ فَيَسْتَشْعِرُوا الْحَذَرَ وَيَعْتَقِدُوا الْمُحَاسَبَةَ لِيَلْتَزِمُوا الشُّكْرَ عَلَى النِّعَمِ، وَيُعِدُّوا الصَّبْرَ عَلَى الْمِحَنِ «٣» بِمُلَاحَظَةِ مَا وَقَعَ بِأَهْلِ هَذَا النِّصَابِ «٤» الرَّفِيعِ الْمَعْصُومِ. فَكَيْفَ بِمَنْ سِوَاهُمْ.
وَلِهَذَا قَالَ صَالِحٌ «٥» الْمُرِّيُّ: «ذِكْرُ دَاوُدَ بَسْطَةٌ «٦» لِلتَّوَّابِينَ» .
قَالَ ابْنُ عَطَاءٍ «٧»: «لَمْ يَكُنْ مَا نَصَّ اللَّهُ تعالى من قصة صاحب «٨»
_________________
(١) آية: ٤٠ سورة ص.
(٢) زلف: بضم الزاي وفتح اللام جمع زلفة أي قرب من الله تعالى بإعلاء مقاماتهم عنده.
(٣) المحن: جمع محنة وهي البلية التي يمتحن الله تعالى بها صبره ورضاه كما قيل: لله در النائبات فإنها صدأ اللئام وصيقل الأحرار والمحنة كالفتنة بتصفية المعادن من غشها فنقلت لما ذكر وصارت فيه حقيقة
(٤) النصاب: المقام.
(٥) صالح المري: نسبة الى مرة قبيلة وهو ابن بشير الواعظ الزاهد توفي سنة اثنين وسبعين ومائة كما قال ابن ماكولا.
(٦) بسطة: أي توسعة لمن يتوب ويكثر التوبة والاستغفار.
(٧) إبن عطاء: أبو العباس محمد بن سهل بن عطاء الاربلي شيخ الصوفيه، وله في فهم القرآن لسان اختص به.. توفي سنة تسع أو إحدى عشرة وثلاثمائة. تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٣» رقم «٣» .
(٨) يونس ابن متى نبي الله ﷺ.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
الْحُوتِ نَقْصًا «١» لَهُ، وَلَكِنِ اسْتِزَادَةً «٢» مِنْ نَبِيِّنَا ﷺ، وَأَيْضًا.
فَيُقَالُ لَهُمْ: فَإِنَّكُمْ وَمَنْ وَافَقَكُمْ تَقُولُونَ بِغُفْرَانِ الصَّغَائِرِ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ، وَلَا خِلَافَ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْكَبَائِرِ..
فَمَا جَوَّزْتُمْ مِنْ وُقُوعِ الصَّغَائِرِ عَلَيْهِمْ هِيَ مَغْفُورَةٌ عَلَى هَذَا، فَمَا مَعْنَى الْمُؤَاخَذَةِ بها إذن عِنْدَكُمْ!! .. وَخَوْفِ الْأَنْبِيَاءِ وَتَوْبَتِهِمْ مِنْهَا وَهِيَ مَغْفُورَةٌ لَوْ كَانَتْ!! ..
فَمَا أَجَابُوا بِهِ فَهُوَ جَوَابُنَا عن المؤاخذة بأفعال السَّهْوِ وَالتَّأْوِيلِ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ كَثْرَةَ اسْتِغْفَارِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَوْبَتِهِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى وَجْهِ مُلَازِمَةِ الْخُضُوعِ وَالْعُبُودِيَّةِ وَالِاعْتِرَافِ بِالتَّقْصِيرِ شُكْرًا لِلَّهِ عَلَى نِعَمِهِ.
كَمَا قَالَ ﷺ «٣» وَقَدْ أَمِنَ من المؤاخذة بما تقدم وما تأخر «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا..» !!
وَقَالَ «٤»: «إِنِّي أَخْشَاكُمْ لله وأعلمكم بما أتقي» .
_________________
(١) أي تضيعا له بكونه ولى مغاضبا ولم يصبر حتى يأذن الله تعالى فيما أراد.
(٢) أي طلب منه أن يزيد صبره على قومه وقيل المراد انه زيادة في علمه بما جرى للأنبياء عليهم الصلاة والسلام طلبها من ربه والصحيح الأول لأنه المناسب لقوله تعالى: «ولا تكن كصاحب الحوت» أي في ضجره وفراق قومه حتى كان ما ذكره الله تعالى في قصته.
(٣) والحديث قد تقدم. والمذكور في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة.
(٤) في الحديث الذي رواه البخاري كما تقدم.
[ ٢ / ٣٩١ ]
قَالَ الْحَارِثُ بْنُ أَسَدٍ «١»: «خَوْفُ الْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاءِ خَوْفُ إِعْظَامٍ وَتَعَبُّدٍ لِلَّهِ لِأَنَّهُمْ آمِنُونَ» .
وَقِيلَ «٢»: فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُقْتَدَى بِهِمْ وَتَسْتَنَّ بِهِمْ أُمَمُهُمْ.
كَمَا قَالَ ﷺ «٣» «لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ مَعْنًى آخَرَ لَطِيفًا أَشَارَ إِلَيْهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ، وَهُوَ اسْتِدْعَاءُ مَحَبَّةِ اللَّهِ «٤» .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ «٥»» .
فَإِحْدَاثُ «٦» الرُّسُلِ وَالْأَنْبِيَاءِ الِاسْتِغْفَارَ وَالتَّوْبَةَ وَالْإِنَابَةَ وَالْأَوْبَةَ فِي كُلِّ حِينٍ اسْتِدْعَاءٌ لِمَحَبَّةِ اللَّهِ وَالِاسْتِغْفَارُ فِيهِ مَعْنَى التَّوْبَةِ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ بَعْدَ أَنْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ: «لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ «٧» .»
الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: «فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا «٨»» .
_________________
(١) الحارث بن أسد: المشهور بالمحاسبي لكثرة ما كان يحاسب نفسه ولزهده. وهو العالم الرباني الذي فاق أهل عصره في علم الظاهر والباطن.. وقد مات أبوه وخلف له مالا عظيما لم يأخذ منه شيئا مع احتياجه لأن أباه كان قدريا.. وقال: لا يتوارث أهل ملتين، ترجمته مفصلة في الميزان.. توفي سنة ثلاثة وأربعين ومائتين.
(٢) وفي نسخة (وقد) .
(٣) رواه أحمد والشيخان والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أنس وروى الحاكم عن أبي ذر وزاد: «لما ساغ لكم الطعام والشراب» . ورواه الطبراني والحاكم والبيهقي عن أبي الدرداء. وزاد «لخرجتم الى الصعدات- بضمتين الطرفات- تجأرون الى الله تعالى لا تدرون تنجون أو لا تنجون» .
(٤) لما في الحديث: «إن الله يفرح بتوبة عنده المؤمن»، والفرح في حقه بمعنى الرضا عنه.
(٥) آية ٢٢٢ سورة البقرة.
(٦) أحداث: تجديد.
(٧) آية: ١١٧ سورة التوبة.
(٨) آية ٣ سورة النصر.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
الفصل الخامس عشر فائدة مامرّ من الفصول التي بحثت مسألة العصمة
قد استبان لك أيها الناظر بما «١» قَرَّرْنَاهُ مَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ عِصْمَتِهِ ﷺ عَنِ الْجَهْلِ بِاللَّهِ، وَصِفَاتِهِ، أَوْ كَوْنِهِ عَلَى حَالَةِ تُنَافِي الْعِلْمَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ جُمْلَةً بَعْدِ النُّبُوَّةِ عَقْلًا وإجماعا، وقبلها سماعا ونقلا، ولا بشي مما قرره مِنْ أُمُورِ الشَّرْعِ، وَأَدَّاهُ عَنْ رَبِّهِ مِنَ الْوَحْيِ قَطْعًا وَعَقْلًا وَشَرْعًا، وَعِصْمَتِهِ عَنِ الْكَذِبِ، وَخُلْفِ الْقَوْلِ، مُنْذُ نَبَّأَهُ اللَّهُ، وَأَرْسَلَهُ قَصْدًا أَوْ غَيْرَ قَصْدٍ، وَاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ عَلَيْهِ شَرْعًا وإِجْمَاعًا وَنَظَرًا وَبُرْهَانًا، وَتَنْزِيهِهِ عَنْهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ قَطْعًا، وَتَنْزِيهِهِ عَنِ الْكَبَائِرِ إِجْمَاعًا «٢» وَعَنِ الصَّغَائِرِ تَحْقِيقًا، وَعَنِ اسْتِدَامَةِ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ، وَاسْتِمْرَارِ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ عَلَيْهِ فِيمَا شَرَعَهُ لِلْأُمَّةِ، وَعِصْمَتِهِ فِي كل حالاته من رضا، وغضب، وجد، ومزح،
_________________
(١) وفي نسخة (ما) .
(٢) ولا ينافي الاجماع تجويز الحشوية له كما قيل لعدم الاعتداد بخلافهم.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
فَيَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تَتَلَقَّاهُ بِالْيَمِينِ «١»، وَتَشُدَّ عَلَيْهِ يَدَ الضَّنِينِ «٢»، وَتُقَدِّرَ «٣» هَذِهِ الْفُصُولَ حَقَّ قَدْرِهَا، وَتَعْلَمَ عَظِيمَ فَائِدَتِهَا وَخَطَرِهَا، فَإِنَّ مَنْ يَجْهَلُ مَا يَجِبُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، أو يجوز، أَوْ يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ، وَلَا يَعْرِفُ صُوَرَ أَحْكَامِهِ، لَا يَأْمَنُ أَنْ يَعْتَقِدَ فِي بَعْضِهَا خِلَافَ مَا هِيَ عَلَيْهِ، وَلَا يُنَزِّهُهُ عَمًّا لَا يَجِبُ «٤» أَنْ يُضَافَ إِلَيْهِ، فَيَهْلِكَ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي، وَيَسْقُطَ فِي هُوَّةِ «٥» الدَّرْكِ «٦» الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ.. إِذْ ظَنَّ الْبَاطِلَ بِهِ وَاعْتِقَادُ مَا لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ يُحِلُّ بِصَاحِبِهِ دَارَ البوار، ولهذا احْتَاطَ ﵇ عَلَى الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ رَأَيَاهُ لَيْلًا وَهُوَ مُعْتَكِفٌ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ صَفِيَّةَ «٧» .. فقال لهما: «إنها صفية» .. ثم قال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدم وإني
_________________
(١) أي بالقبول واليمن والبركة والعرب تقول لما تمدح به اخذه بيمينه كما قال الشماخ: اذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين
(٢) الضنين: بضاد معجمة ونونين كالبخيل وزنا ومعنى من الضنة وهي شدة البخل والمعنى: أي البخيل الممسك للشيء الثمين وهذا نظير ما يقال عضوا عليه بالنواجذ من قبيل الاستعارة التمثيلية.. والضنين فيه مع اليمين مراعاة النظير.
(٣) تقدر: بكسر الدال المهملة من القدر وهو المنزلة الرفيعة كما في قوله تعالى: (وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ)
(٤) وفي بعض النسخ (عما لا يجوز) وهو الاحسن.
(٥) هوة: بضم الهاء وتشديد الواو الوهدة العميقة.
(٦) الدرك: بفتحتين وقد تسكن الراء وهو ما ينزل به الى الاسفل ضد الدرج.
(٧) صفية: بنت حيي بن الاخطب بن سعيه وكانت تحت أبي الحقيق اليهودي فلما قتله النبي ﷺ واسلمت فتزوجها ﵊.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَيْئًا فَتَهْلِكَا «١»» ..
- هَذِهِ أَكْرَمَكَ اللَّهُ إِحْدَى فَوَائِدِ مَا تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْفُصُولِ.
وَلَعَلَّ جَاهِلًا لَا يَعْلَمُ بِجَهْلِهِ.. إِذَا سَمِعَ شَيْئًا مِنْهَا يَرَى أَنَّ الْكَلَامَ فِيهَا جُمْلَةً مِنْ فُضُولِ الْعِلْمِ، وَأَنَّ السُّكُوتَ أَوْلَى..
وَقَدِ اسْتَبَانَ لَكَ أَنَّهُ مُتَعَيَّنٌ لِلْفَائِدَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا وَفَائِدَةٌ ثَانِيَةٌ يُضْطَرُّ إِلَيْهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَيُبْتَنَى «٢» عَلَيْهَا مَسَائِلُ لَا تَنْعَدُّ «٣» مِنَ الْفِقْهِ، وَيَتَخَلَّصُ بِهَا مِنْ تشغيب «٤» مُخْتَلِفِي الْفُقَهَاءِ فِي عِدَّةٍ مِنْهَا، وَهِيَ:
- الْحُكْمُ فِي أَقْوَالِ النَّبِيِّ ﷺ، وَأَفْعَالِهِ، وَهُوَ بَابٌ عَظِيمٌ، وَأَصْلٌ كَبِيرٌ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَلَا بُدَّ مِنْ بِنَائِهِ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَخْبَارِهِ وَبَلَاغِهِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ السَّهْوُ فِيهِ، وَعِصْمَتُهُ مِنَ الْمُخَالَفَةِ فِي أَفْعَالِهِ عَمْدًا، وَبِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي وُقُوعِ الصَّغَائِرِ وَقَعَ خِلَافٌ «٥» فِي امْتِثَالِ الْفِعْلِ بُسِطَ بَيَانُهُ فِي كُتُبِ ذَلِكَ الْعِلْمِ، فَلَا نُطَوِّلُ بِهِ..
وَفَائِدَةٌ ثَالِثَةٌ: يَحْتَاجُ إِلَيْهَا الْحَاكِمُ «٦» وَالْمُفْتِي فِيمَنْ أَضَافَ إِلَى
_________________
(١) والحديث في الصحيحين عن صفية.
(٢) وفي نسخة (وينبني) .
(٣) تنعد: لغة في تعد ولكنها ضعيفة.
(٤) تشغيب: في الخصومة تفعيل من الشغب بفتح الغين المعجمة وسكونها وهو تهييج الشر والصياح.
(٥) وفي نسخة (اختلاف) .
(٦) أي القاضي.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
النَّبِيِّ ﷺ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ وَوَصَفَهُ بِهَا فَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ مَا يَجُوزُ، وَمَا يَمْتَنِعُ عَلَيْهِ، وَمَا وَقَعَ الْإِجْمَاعُ فِيهِ، وَالْخِلَافُ كَيْفَ يُصَمِّمُ فِي الْفُتْيَا فِي ذَلِكَ!! وَمِنْ أَيْنَ يَدْرِي هَلْ مَا قاله فيه نقص أو مدح!!. فإما أن يجترىء عَلَى سَفْكِ دَمِ مُسْلِمٍ حَرَامٍ، أَوْ يُسْقِطَ حقا ويضيّع حُرْمَةً لِلنَّبِيِّ ﷺ «١» .. وَبِسَبِيلِ هَذَا مَا قَدِ اخْتَلَفَ أَرْبَابُ الْأُصُولِ وَأَئِمَّةُ العلماء والمحققين في عصمة الملائكة..
_________________
(١) وقد قال صاحب العقائد العضدية: (لا تكفر احدا من أهل القبلة الا بما فيه نفي الصانع المختار، او بما فيه شرك، أو انكار النبوة، او انكار ما علم من الدين بالضرورة أو انكار مجمع عليه قطعا، أو استحلال محرم.. واما غير ذلك فالقائل به مبتدع وليس بكافر.. وقد قال ﵊: «من كفر مسلما بغير حق فقد كفر») .
[ ٢ / ٣٩٦ ]
الفصل السّادس عشر عصمة الملائكة
فِي الْقَوْلِ فِي عِصْمَةِ الْمَلَائِكَةِ: أَجْمَعَ «١» الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْمَلَائِكَةَ «٢» مُؤْمِنُونَ فُضَلَاءُ، وَاتَّفَقَ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ أَنَّ حُكْمَ الْمُرْسَلِينَ مِنْهُمْ حُكْمُ النَّبِيِّينَ سَوَاءً فِي الْعِصْمَةِ، مِمَّا ذَكَرْنَا عِصْمَتَهُمْ مِنْهُ، وَأَنَّهُمْ فِي حُقُوقِ الْأَنْبِيَاءِ، وَالتَّبْلِيغِ إِلَيْهِمْ، كَالْأَنْبِيَاءِ مَعَ الْأُمَمِ..
وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ الْمُرْسَلِينَ مِنْهُمْ، فَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى عِصْمَةِ جَمِيعِهِمْ عَنِ الْمَعَاصِي «٣»، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ «٤»» وبقوله: «وَما مِنَّا إِلَّا لَهُ
_________________
(١) وفي نسخة (اتفق) .
(٢) الملائكة: جمع ملك والتاء لتأنيث الجمع وفي اشتقاق الملك خلاف لاهل اللغة المشهورين من أنه من الالوكة وهي الرسالة لانهم رسل الله يرسلهم لما يرى وأصله مألك ثم أخرت بدليل جمعه على ملائكة.
(٣) لان الله تعالى لم يخلق فيهم شهوة ولا داعية لها.
(٤) سورة التحريم آية «٦» .
[ ٢ / ٣٩٧ ]
مَقامٌ مَعْلُومٌ، وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ «١» وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ «٢»»
وَبِقَوْلِهِ: «وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لَا يَفْتُرُونَ» «٣» .
وَبِقَوْلِهِ: «إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ «٤»» الاية وبقوله: «كِرامٍ بَرَرَةٍ «٥»» و: «لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ «٦»» وَنَحْوِهِ مِنَ السَّمْعِيَّاتِ «٧» .
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ: إِلَى أَنَّ هَذَا خُصُوصٌ «٨» لِلْمُرْسَلِينَ مِنْهُمْ وَالْمُقَرَّبِينَ وَاحْتَجُّوا بِأَشْيَاءَ ذَكَرَهَا أَهْلُ الْأَخْبَارِ وَالتَّفَاسِيرِ نَحْنُ نَذْكُرُهَا إِنْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ بَعْدُ، وَنُبَيِّنُ الْوَجْهَ فِيهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَالصَّوَابُ: عِصْمَةُ جَمِيعِهِمْ، وَتَنْزِيهُ نِصَابِهِمُ «٩» الرَّفِيعِ عَنْ جَمِيعِ مَا يَحُطُّ مِنْ رُتْبَتِهِمْ وَمَنْزِلَتِهِمْ عَنْ جَلِيلِ مِقْدَارِهِمْ. وَرَأَيْتُ بَعْضَ شيوخنا أشار «١٠» بأن «١١» لَا حَاجَةَ بِالْفَقِيهِ إِلَى الْكَلَامِ فِي عِصْمَتِهِمْ «١٢» .
_________________
(١) أي الواقفون صفوفا كصفوف الصلاة في المقام المعين لنا.
(٢) سورة الصافات آية «١٦٥- ١٦٦» .
(٣) سورة الانبياء آية «١٩- ٢٠» .
(٤) سورة الأعراف آية «٢٠٦» ..
(٥) سورة عبس آية «١٦» .
(٦) سورة الواقعة آية «٧٩» .
(٧) السمعيات: أي ما هو مسموع من القرآن أو السنة.
(٨) وفي نسخة (مخصوص) .
(٩) أي تبرئة ساحة منصبهم وقدرهم.
(١٠) أشار: أى قال وهي تطلق بهذا المعنى كثيرا.
(١١) وفي نسخة (إلى أن) .
(١٢) لأننالم نؤمر باتباعهم، ولأن الكلام فيهم أمر مشكل لا يتكلم فيه إلا بدليل قطعي
[ ٢ / ٣٩٨ ]
وَأَنَا أَقُولُ إِنَّ لِلْكَلَامِ فِي ذَلِكَ مَا لِلْكَلَامِ فِي عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ مِنَ الْفَوَائِدِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا سِوَى فَائِدَةِ الْكَلَامِ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، فهي ساقطة ههنا «١» .
فَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ مَنْ لَمْ يُوجِبْ عِصْمَةَ جَمِيعِهِمْ «٢» قِصَّةُ هَارُوتَ وَمَارُوتَ «٣» وَمَا ذَكَرَ فِيهَا أَهْلُ الْأَخْبَارِ وَنَقَلَةُ الْمُفَسِّرِينَ، وَمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ «٤» وَابْنِ عَبَّاسٍ «٥» فِي خَبَرِهِمَا وَابْتِلَائِهِمَا.
فَاعْلَمْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ- أَنَّ هَذِهِ الْأَخْبَارَ لَمْ يُرْوَ مِنْهَا شَيْءٌ لَا سَقِيمٌ وَلَا صَحِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «٦» . وَلَيْسَ هُوَ شَيْئًا يُؤْخَذُ بِقِيَاسٍ.. وَالَّذِي مِنْهُ فِي الْقُرْآنِ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مَعْنَاهُ، وَأَنْكَرَ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ السَّلَفِ كَمَا سنذكره.
_________________
(١) أي في حق الملائكة عليهم الصلاة والسلام.
(٢) وقال بوجوب عصمة الرسل منهم فقط.
(٣) هاروت وماروت علمان للمكين ببابل ممنوعان من الصرف للعلمية والعجمة. ولو كانا عربيين من الهرت والمرت صرفا.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٤» رقم «٤» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٦) وهذا الذي ذكره من إنه لم يرد فيه حديث ضعيف ولا صحيح ردوه كما نقله السيوطي في مناهل الصفا في نخريج أحاديث الشفا بأنه ورد من طرق كثيرة منها ما في مسند أحمد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعا، ورواه ابن حبان والبيهقي وابن جرير وابن حميد في مسنده، وابن أبي الدنيا وغيرهم من طرق عديدة.. وقال ابن حجر في شرح البخاري إن له طرقا تفيد العلم بصحته.. وكذا في حواشي البرهان الحلبي وذكره مسندا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.. وقد جمع الجلال السيوطي طرق هذا الحديث في تأويل مستقل فبلغت نيفا وعشرين طريقا.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ مِنْ كُتُبِ الْيَهُودِ وَافْتِرَائِهِمْ، كَمَا نَصَّهُ اللَّهُ أَوَّلَ الْآيَاتِ مِنَ افْتِرَائِهِمْ بِذَلِكَ عَلَى سُلَيْمَانَ وَتَكْفِيرِهِمْ إِيَّاهُ.
وَقَدِ انْطَوَتِ الْقِصَّةُ على شنع «١» عظيمة. وها نحن نحبر «٢» فِي ذَلِكَ مَا يَكْشِفُ غِطَاءَ هَذِهِ الْإِشْكَالَاتِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَاخْتُلِفَ أَوَّلًا فِي هَارُوتَ وَمَارُوتَ.. هَلْ هُمَا مَلَكَانِ أَوْ إِنْسِيَّانِ وَهَلْ هُمَا الْمُرَادُ بِالْمَلَكَيْنِ أَمْ لَا.. وَهَلِ الْقِرَاءَةُ «مَلَكَيْنِ» «٣» أَوْ «مَلِكَيْنِ» «٤» .
وَهَلْ مَا فِي قَوْلِهِ «وَما أُنْزِلَ «٥»» و«ما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ «٦»» نَافِيَةٌ أَوْ مُوجِبَةٌ..
فَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ: «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى امْتَحَنَ النَّاسَ بِالْمَلَكَيْنِ لِتَعْلِيمِ السِّحْرِ وَتَبْيِينِهِ.. وَأَنَّ عَمَلَهُ «٧» كُفْرٌ.. فَمَنْ تَعَلَّمَهُ كَفَرَ وَمَنْ تركه آمن «٨»» .
_________________
(١) شنع: بضم الشين المعجمة وفتح النون وعين مهملة جمع شنعة أي قبيحة شائعة. من شنع عليه أي أشاع قبائحه.
(٢) أي تحرر تحريرا حسنا من صبره بمهملتين بينهما موحدة إذا حسنه وزينه وفيه تورية لأنه يقال حبره إذا كتب بالحبر ففيه إيهام لمعنى نكتبه لنبينه.
(٣) القراءة بالفتح قراءة السبعة.
(٤) بالكسر قراءة شاذة منقولة عن الحسن البصري وغيره.
(٥) سورة البقرة آية «١٠٢» .
(٦) سورة البقرة آية «١٠٢»
(٧) وفي نسخة (علمه) .
(٨) وهو مذهب مالك وعزاه المصنف في شرح مسلم الى احمد بن حنبل أيضا فهو عندهما كافر يقتل ولا يستتاب كالزنديق عنده، وعند الشافعي كبيرة ان لم يكن فيه ما يقتضي الكفر فلا يقتل وتقبل توبته.. فان قتل بكفره قتل قصاصا عنده.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «إِنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ «١»» وَتَعْلِيمُهُمَا النَّاسَ لَهُ تَعْلِيمُ إِنْذَارٍ.. أَيْ يَقُولَانِ لِمَنْ جَاءَ يَطْلُبُ تَعَلُّمَهُ لَا تَفْعَلُوا «٢» كَذَا فَإِنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، وَلَا تَتَخَيَّلُوا «٣» بِكَذَا فَإِنَّهُ سِحْرٌ. فَلَا تَكْفُرُوا.
فَعَلَى هَذَا: فِعْلُ الْمَلَكَيْنِ طَاعَةٌ، وَتَصَرُّفُهُمَا فِيمَا أُمِرَا بِهِ لَيْسَ بِمَعْصِيَةٍ.. وَهِيَ لِغَيْرِهِمَا فِتْنَةٌ.
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ «٤» عَنْ خَالِدِ «٥» بْنِ أَبِي عِمْرَانَ: أَنَّهُ ذُكِرَ عِنْدَهُ هَارُوتُ وَمَارُوتُ، وَأَنَّهُمَا يُعَلِّمَانِ السِّحْرَ فَقَالَ: نَحْنُ نُنَزِّهُهُمَا عَنْ هَذَا.. فَقَرَأَ بَعْضُهُمْ «وَما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ «٦»» فَقَالَ خَالِدٌ:
لَمْ يُنْزَلْ عَلَيْهِمَا) .
فَهَذَا خَالِدٌ عَلَى جَلَالَتِهِ وَعِلْمِهِ نَزَّهَهُمَا عَنْ تَعْلِيمِ السِّحْرِ الذي قد ذكره غَيْرُهُ أَنَّهُمَا «٧» مَأْذُونٌ لَهُمَا فِي تَعْلِيمِهِ بِشَرِيطَةِ أَنْ يُبَيِّنَا أَنَّهُ كُفْرٌ، وَأَنَّهُ امْتِحَانٌ مِنَ اللَّهِ وَابْتِلَاءٌ.. فَكَيْفَ لَا يُنَزِّهُهُمَا عَنْ كَبَائِرِ «٨»
_________________
(١) الاية ١٠٢ سورة البقرة وهي دليل مالك.
(٢) وفي نسخة (لا تفعل)
(٣) وفي نسخة (لا تتحيلوا) من الحيلة وهو الاحسن ويؤيده تعديها بالباء.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٣٢» رقم «١» .
(٥) خالد بن أبي عمران: التجيبي التونسي قاضي افريقيا ومحدثها. توفي سنة مائة وتسعة وثلاثين.. أخرج له اصحاب السنن ووثقوه، وهو مستجاب الدعوة. وله تفسير
(٦) الاية ١٠٢ سورة البقرة.
(٧) وفي نسخة (انه) .
(٨) كشرب الخمر وقتل النفس والزنا.
[ ٢ / ٤٠١ ]
الْمَعَاصِي وَالْكُفْرِ الْمَذْكُورَةِ فِي تِلْكَ الْأَخْبَارِ.
وَقَوْلُ خَالِدٍ: «لَمْ يُنْزَلْ» يُرِيدُ أَنَّ مَا «نَافِيَةٌ» وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ «١» .
قَالَ مَكِّيٌّ «٢»: «وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ.. وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ- يُرِيدُ بِالسِّحْرِ الَّذِي افتعلته عليه الشياطين واتبعتهم فِي ذَلِكَ الْيَهُودُ» .
وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ. قَالَ مَكِّيٌّ «٢»: «هُمَا جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ.
ادَّعَى الْيَهُودُ عَلَيْهِمَا الْمَجِيءَ بِهِ كَمَا ادَّعَوْا عَلَى سُلَيْمَانَ فَأَكْذَبَهُمُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ.. «وَلكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ. بِبابِلَ هارُوتَ وَمارُوتَ «٣»» قِيلَ: «هُمَا رَجُلَانِ تَعلَّمَاهُ» .
قَالَ الْحَسَنُ «٤»: «هَارُوتُ وَمَارُوتُ عِلْجَانِ «٥» مِنْ أَهْلِ بابل وقرأ «وما أنزل على الملكين «٦» بِكَسْرِ اللَّامِ، وَتَكُونُ «مَا» إِيجَابًا عَلَى هَذَا.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٧» رقم «٧» .
(٣) الاية ١٠٢ سورة البقرة.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠» رقم «٨» .
(٥) عنجان: مثنى علج وهو الغليظ من كفار العجم. من قولهم هو مستعلج الوجه أي غليظة.
(٦) وهي قراءة شاذة كما تقدم.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وَكَذَلِكَ قِرَاءَةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «١» بْنِ أَبْزَى بِكَسْرِ اللام، ولكنه قال: «الملكان هنا داوود وَسُلَيْمَانُ» .. وَتَكُونُ «مَا» نَفْيًا «٢» عَلَى مَا تَقَدَّمَ..
وَقِيلَ: كَانَا مَلِكَيْنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَمَسَخَهُمَا اللَّهُ.. حَكَاهُ السَّمَرْقَنْدِيُّ «٣»، وَالْقِرَاءَةُ بِكَسْرِ اللَّامِ شَاذَّةٌ فَمَحْمَلُ الْآيَةِ عَلَى تَقْدِيرِ أَبِي مُحَمَّدٍ مَكِّيٍّ حَسَنٌ.. يُنَزِّهُ الْمَلَائِكَةَ، وَيُذْهِبُ الرِّجْسَ عَنْهُمْ..
وَيُطَهِّرُهُمْ تطهيرا..
وقد وصفهم الله بأنهم «مطهّرون «٤»» و«كِرامٍ بَرَرَةٍ «٥»» و«لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ «٦»» .
وَمِمَّا يَذْكُرُونَهُ: قِصَّةُ إِبْلِيسَ وَأَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَرَئِيسًا فِيهِمْ، وَمِنْ خُزَّانِ الْجَنَّةِ.. إِلَى آخِرِ مَا حَكَوْهُ وَأَنَّهُ اسْتَثْنَاهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ بِقَوْلِهِ: «فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ «٧»» .
_________________
(١) عبد الرحمن بن ابزي: صحابي كما جزم به النووي والذهبي واختلف في أبيه فقيل انه صحابي أدرك النبي ﷺ وصلّى خلفه، وقيل «انه تابعي لم يدركه» . وأبزي أي أوسع خطوه.. وقد اخرج له الستة وغيرهم كأحمد في مسنده. وهو خزاعي.
(٢) ولا يجوز ان تكون موصوله لعصمتها كما تقدم.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥١» رقم «٢» .
(٤) على قول انهم الملائكة في (لا يمسه الا المطهرون) .
(٥) سورة عبس اية «١٦» .
(٦) سورة التحريم اية «٦» .
(٧) سورة البقرة اية «٢٤» .
[ ٢ / ٤٠٣ ]
وَهَذَا أَيْضًا لَمْ يُتَّفَقْ عَلَيْهِ.. بَلِ الْأَكْثَرُ ينفون ذلك، وأنه أبو الجن كما آدَمَ أَبُو الْإِنْسِ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ «١» وَقَتَادَةَ «٢»، وَابْنِ زَيْدٍ «٣» وَقَالَ شَهْرُ «٤» بْنُ حَوْشَبٍ: «كَانَ مِنَ الْجِنِّ الَّذِينَ طَرَدَتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ فِي الْأَرْضِ حِينَ أَفْسَدُوا.. وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ «٥» شَائِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ سَائِغٌ» .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ» ومما رووه في الْأَخْبَارِ «٦»: «أَنَّ خَلْقًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَصَوُا اللَّهَ فَحُرِّقُوا «٧»، وَأُمِرُوا أَنْ يَسْجُدُوا لِآدَمَ فَأَبَوْا فَحُرِّقُوا، ثُمَّ آخَرُونَ كَذَلِكَ، حَتَّى سَجَدَ لَهُ مَنْ ذَكَرَ اللَّهُ إِلَّا إِبْلِيسَ.. فِي أَخْبَارٍ لَا أَصْلَ لَهَا تَرُدُّهَا صِحَاحُ الْأَخْبَارِ.. فَلَا يُشْتَغَلُ بها والله أعلم.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠» رقم «٨» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٢» رقم «٣» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٢٤٦» رقم «٣» .
(٤) شهر بن حوشب: بزمة فكر. وهو ممن رووا عنه ووثقوه، وضعفه بعضهم وتوفي سنة احدى عشرة ومائة.. وقيل في تاريخ موته غير ذلك، وله ترجمة في الميزان
(٥) ويسمى الاستثناء المنقطع.
(٦) كما رواه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وابن أبي حاتم عن يحيى بن كثير.
(٧) وفي نسخة (فحرفوا) اي طردوا وصرفوا عن مقامهم.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
الباب الثّاني في ما يخصتهم الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَيَطْرَأُ عَلَيْهِمْ مِنَ الْعَوَارِضِ الْبَشَرِيَّةِ
وفيه تسعة فصول
[ ٢ / ٤٠٥ ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ حَالَةُ الْأَنْبِيَاءِ بِالنِّسْبَةِ لِلْعَوَارِضِ الْبَشَرِيَّةِ
قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ ﷺ وَسَائِرَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ مِنَ الْبَشَرِ..
وَأَنَّ جِسْمَهُ وَظَاهِرَهُ خَالِصٌ لِلْبَشَرِ يَجُوزُ عَلَيْهِ مِنَ الْآفَاتِ وَالتَّغْيِيرَاتِ وَالْآلَامِ وَالْأَسْقَامِ وَتَجَرُّعِ كَأْسِ الْحِمَامِ مَا يَجُوزُ عَلَى الْبَشَرِ. وَهَذَا كُلُّهُ لَيْسَ بِنَقِيصَةٍ فِيهِ.. لِأَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا يُسَمَّى نَاقِصًا بِالْإِضَافَةِ إلى ما هو أتم فيه وأكمل من نوعه وقد كتب الله عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الدَّارِ فِيهَا يَحْيَوْنَ، وَفِيهَا يَمُوتُونَ، وَمِنْهَا يُخْرَجُونَ.
وَخَلَقَ جَمِيعَ الْبَشَرِ بِمَدْرَجَةِ «١» الْغِيَرِ «٢» .
فَقَدْ مَرِضَ ﷺ. وَاشْتَكَى وَأَصَابَهُ الْحَرُّ وَالْقَرُّ، وَأَدْرَكَهُ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَلَحِقَهُ الْغَضَبُ وَالضَّجَرُ، وَنَالَهُ الْإِعْيَاءُ وَالتَّعَبُ، وَمَسَّهُ الضَّعْفُ وَالْكِبَرُ، وَسَقَطَ فَجُحِشَ «٣» شِقُّهُ» وَشَجَّهُ الْكُفَّارُ «٤»
_________________
(١) مدرجة: اسم مكان بمعنى الطريق.
(٢) الغير: حوادث الدهر المتغيرة.
(٣) جحش: أي خدش. وقال الخليل هو كالخدش أو أكثر.
(٤) والذي شجه هو ابن قميئة والفعل للواحد وأسنده للكل.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
وَكَسَرُوا رُبَاعِيَّتَهُ «١»، وَسُقِيَ السُّمُّ «٢»، وَسُحِرَ «٣»، وَتَدَاوَى «٤» وَاحْتَجَمَ «٥»، وَتَنَشَّرَ «٦» وَتَعَوَّذَ، ثُمَّ قَضَى نَحْبَهُ فَتُوُفِّيَ ﷺ، وَلَحِقَ بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى، وَتَخَلَّصَ مِنْ دَارِ الِامْتِحَانِ «٧» وَالْبَلْوَى.
وَهَذِهِ سِمَاتُ الْبَشَرِ الَّتِي لَا مَحِيصَ عَنْهَا. وَأَصَابَ غَيْرَهُ مِنَ الأنبياء ما هو أعظم فَقُتِّلُوا قَتْلًا «٨»، وَرُمُوا فِي النَّارِ «٩»، وَنُشِرُوا بِالْمَنَاشِيرِ «١٠»، وَمِنْهُمْ مَنْ وَقَاهُ اللَّهُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ، وَمِنْهُمْ مَنْ عَصَمَهُ كَمَا عُصِمَ «١١» بَعْدُ «١٢» نبينا «١٣» من الناس.
_________________
(١) الرباعية: هي السن التي بين الثنية والناب.
(٢) وذلك بعد خيبر اهدت له زينب بنت الحارث اليهودية شاة مسمومة واكثرت السم في الذراع لما كانت علمت من محبته لها. وقد مات في هذه الحادثة بشر بن البراء فقد أكل منها.
(٣) الساحر هو لبيد بن الاعصم وكان ذلك في مرجعه من الحديبية سنة سبع. وقد أخبره جبريل عن مكان السحر فاستخرجه.
(٤) كما في مسند ابن أبي شيبة عن ابن مسعود عند ما لدغنه عقرب في اصبعه ﷺ فوضع عليها ماء وملحا.
(٥) في كنفه لما أكل من الشاة المسمومة.
(٦) تنشر: بمعنى الرقية والتعوذ والتحقيق ان النشرة ما يقرأ عليه ادعية وتعاويذ ثم يغسل بها من به مرض ونحوه وسميت نشرة لنشر الماء فيها.
(٧) وفي نسخة (المحن) .
(٨) كما وقع ليحيى ﵇.
(٩) كما وقع للخليل ﷺ.
(١٠) كما وقع لزكريا ﵊.
(١١) وفي نسخة (عصموا) .
(١٢) وفي نسخة (بعض) .
(١٣) وفي نسخة (الانبياء) .
[ ٢ / ٤٠٧ ]
فَلَئِنْ لَمْ يَكْفِ نَبِيَّنَا رَبُّهُ يَدَ ابْنِ قميئة «١» يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَا حَجَبَهُ عَنْ عُيُونِ عِدَاهُ عِنْدَ دَعْوَتِهِ أَهْلَ الطَّائِفِ فَلَقَدْ أَخَذَ عَلَى عُيُونِ قُرَيْشٍ عِنْدَ خُرُوجِهِ إِلَى ثَوْرٍ «٢»، وَأَمْسَكَ عَنْهُ سَيْفَ غَوْرَثٍ «٣»، وَحَجَرَ أَبِي جَهْلٍ «٤»، وَفَرَسَ سُرَاقَةَ «٥» .
وَلَئِنْ لَمْ يَقِهِ مِنْ سِحْرِ ابْنِ الْأَعْصَمِ «٦»، فَلَقَدْ وَقَاهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ سُمِّ الْيَهُودِيَّةِ..
وَهَكَذَا سَائِرُ أَنْبِيَائِهِ، مُبْتَلًى وَمُعَافًى، وَذَلِكَ مِنْ تَمَامِ حِكْمَتِهِ لِيُظْهِرَ شَرَفَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَقَامَاتِ، وَيُبَيِّنُ أَمْرَهُمْ، وَيُتِمُّ كَلِمَتَهُ فِيهِمْ، وليحقق بامتحانهم بشربتهم، ويرتفع «٧» الالتباس عن أهل الضعف
_________________
(١) ابن قمئة: قمئة بكسر القاف وسكون الميم فهمزة وقيل بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة ياء فيه على وزن سفينة وهو من قميء بمعنى ذليل وصغير، وهو عبد الله بن قمئة الذي جرح وجهه الشريف ﷺ لما رماه وقال له: خذها وأنا ابن قمئة. فقال لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ. أقماك الله. أي أذلك، فرماه الله من شاهق جبل معروف لما انصرف فتقطع قطعا. وقصته في السير.
(٢) ثور: جبل معروف على يمين مكة.
(٣) غورث: بن الحارث الفطفاني الاعرابي كما في البخاري أنه ﵊ نزل بمكان كثير العضاة فعلق سيفه بشجرة ونام في ظلها فجاء غورث فاخترطه وقال للنبي ﵊ من يمنعك مني فقال الله فسقط السيف من يده، وقد أسلم بعد ذلك وتقدمت ترجمته في ج ص «٦٨١» رقم «٧» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٧٠» رقم «٣» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٣٠» رقم «٥» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٢٤» رقم «٤» .
(٧) وفي نسخة (ويرفع) .
[ ٢ / ٤٠٨ ]
فِيهِمْ لِئَلَّا يَضِلُّوا بِمَا يَظْهَرُ مِنَ الْعَجَائِبِ على أيديهم، ضلال «١» النصارى بعيسى بن مريم، وليكون في محنتهم تَسْلِيَةٌ لِأُمَمِهِمْ وَوُفُورٌ لِأُجُورِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ.. تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ إِلَيْهِمْ.
قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ: «وهذه الطواريء والتغييرات الْمَذْكُورَةُ إِنَّمَا تَخْتَصُّ بِأَجْسَامِهِمُ الْبَشَرِيَّةِ الْمَقْصُودِ بِهَا مُقَاوَمَةُ الْبَشَرِ وَمُعَانَاةُ بَنِي آدَمَ لِمُشَاكَلَةِ الْجِنْسِ.
وَأَمَّا بَوَاطِنُهُمْ فَمُنَزَّهَةٌ غَالِبًا عَنْ ذَلِكَ مَعْصُومَةٌ مِنْهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَلَأِ «٢» الْأَعْلَى وَالْمَلَائِكَةِ لِأَخْذِهَا عَنْهُمْ.. وَتَلَقِّيهَا الْوَحْيَ مِنْهُمْ» قَالَ:
وَقَدْ قَالَ ﷺ «٣»: «إِنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي» .
وَقَالَ «٤»: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ.. إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي..» وَقَالَ «٥»: «لَسْتُ أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى لِيُسْتَنَّ بِي» .
فَأَخْبَرَ أَنَّ سِرَّهُ وَبَاطِنَهُ وَرُوحَهُ بِخِلَافِ جِسْمِهِ وَظَاهِرِهِ وَأَنَّ الْآفَاتِ الَّتِي تَحِلُّ ظَاهِرَهُ مِنْ ضَعْفٍ وَجُوعٍ وَسَهَرٍ وَنَوْمٍ، لَا يَحِلُّ مِنْهَا شَيْءٌ بَاطِنَهُ بِخِلَافِ غيره من البشر في حكم الباطن.
_________________
(١) وقد الفت كتب كثيرة عن ضلالهم.
(٢) وفي نسخة (بالرفيق) .
(٣) والحديث تقدم.
(٤) في حديث رواه البخاري في وصاله الصوم ونهي غيره عنه.
(٥) وقد تقدم الحديث.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
لِأَنَّ غَيْرَهُ إِذَا نَامَ اسْتَغْرَقَ النَّوْمُ جِسْمَهُ وَقَلْبَهُ، وَهُوَ ﷺ فِي نَوْمِهِ حَاضِرُ الْقَلْبِ كَمَا هُوَ فِي يَقَظَتِهِ.. حَتَّى قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْآثَارِ أَنَّهُ كان محروسا من الحدث في نومه ليكون قَلْبِهِ يَقْظَانَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ إِذَا جَاعَ ضَعُفَ لِذَلِكَ جِسْمُهُ، وَخَارَتْ قُوَّتُهُ، فَبَطَلَتْ بِالْكُلِّيَّةِ جُمْلَتُهُ.. وَهُوَ ﷺ قد أخبر أنه لا يعتر به ذلك، وأنه بخلافهم.
لقوله: «إني لست كهيئكم.. إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي» .
وَكَذَلِكَ أَقُولُ: «إِنَّهُ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، مِنْ وَصَبٍ «١» ومرض، وسحر «٢» وغضب، لم يجر على باطنه ما يخلّ بِهِ، وَلَا فَاضَ مِنْهُ عَلَى لِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ مَا لَا يَلِيقُ بِهِ، كَمَا يَعْتَرِي «٣» غَيْرَهُ مِنَ الْبَشَرِ مِمَّا نَأْخُذُ بَعْدُ فِي بَيَانِهِ» ..
_________________
(١) الوصب: الالم الدائم او التعب.
(٢) وفي نسخة (وضجر) .
(٣) وفي نسخة (كما يتعرض لغيره) .
[ ٢ / ٤١٠ ]
الْفَصْلُ الثَّانِي حَالَتُهُمْ بِالنِّسْبَةِ لِلسِّحْرِ
فَإِنْ قُلْتَ: فَقَدْ جَاءَتِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ «١» أَنَّهُ ﷺ سحر
فعن عَائِشَةَ «٢» ﵂ قَالَتْ «٣»: «سُحِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ» .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: «حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ» الْحَدِيثَ.
وَإِذَا كَانَ هَذَا مِنَ الْتِبَاسِ الْأَمْرِ عَلَى الْمَسْحُورِ فَكَيْفَ حَالُ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ؟!
وَكَيْفَ جَازَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَعْصُومٌ؟!.
فَاعْلَمْ: وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ أَنَّ هَذَا الحديث صحيح، متفق عليه
_________________
(١) كما في حديث رواه البخاري.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٣) كما في الصحيحين.
[ ٢ / ٤١١ ]
وقد طعنت فيه الملحدة، وتذرعت «١» بِهِ لِسُخْفِ عُقُولِهَا، وَتَلْبِيسِهَا عَلَى أَمْثَالِهَا، إِلَى التَّشْكِيكِ فِي الشَّرْعِ..
وَقَدْ نَزَّهَ اللَّهُ الشَّرْعَ وَالنَّبِيَّ عَمَّا يُدْخِلُ فِي أَمْرِهِ لَبْسًا وَإِنَّمَا السِّحْرُ مَرَضٌ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَعَارِضٌ «٢» مِنَ الْعِلَلِ يَجُوزُ عَلَيْهِ كَأَنْوَاعِ الْأَمْرَاضِ «٣» مِمَّا لَا يُنْكَرُ وَلَا يَقْدَحُ فِي نُبُوَّتِهِ..
وَأَمَّا مَا وَرَدَ من أَنَّهُ كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وَلَا يَفْعَلُهُ فَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُدْخِلُ عَلَيْهِ دَاخِلَةً فِي شَيْءٍ مِنْ تَبْلِيغِهِ أَوْ شَرِيعَتِهِ، أَوْ يَقْدَحُ فِي صِدْقِهِ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى عِصْمَتِهِ مِنْ هَذَا.
وَإِنَّمَا هَذَا فِيمَا يَجُوزُ طُرُوُّهُ عَلَيْهِ فِي أَمْرِ «٤» دُنْيَاهُ الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ بِسَبَبِهَا، وَلَا فُضِّلَ مِنْ أجلها، وهو فيها عرضة لِلْآفَاتِ كَسَائِرِ الْبَشَرِ، فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنْ يُخَيَّلَ إليه من أمورها مالا حَقِيقَةَ لَهُ ثُمَّ يَنْجَلِي عَنْهُ كَمَا كَانَ..
وَأَيْضًا فَقَدْ فَسَّرَ هَذَا الْفَصْلَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ
_________________
(١) تذرعت وتوسلت.
(٢) عارض: هو عند الاطباء ما يزول بسرعة من الامراض. وعند الحكماء المتكلمين ما لا يقوم بنفسه.
(٣) فالسحر بهذا له حقيقة مؤثرة ينشأ عنه تغيرات وامراض وهو مذهب الجمهور ويشهد له القرآن والسنة خلافا لمن قال انه تخيل لا حقيقة له. واليه ذهب ابن حزم وغيره. والسحر اذا لم تكن له حقيقة سمي شعبذة.
(٤) وفي نسخة (امور) . وفي أخرى (من امور) .
[ ٢ / ٤١٢ ]
مِنْ قَوْلِهِ: «حَتَّى يُخَيَّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي أهله ولا يأتيهن» .
وقال سفيان «١»: «هذا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ «٢»» ..
وَلَمْ يَأْتِ فِي خَبَرٍ مِنْهَا أَنَّهُ نُقِلَ عَنْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلٌ بِخِلَافِ مَا كَانَ أَخْبَرَ أَنَّهُ فعله ولم يفعله، وإنما كانت خواطر وتخييلات.
وَقَدْ قِيلَ: «إِنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يَتَخَيَّلُ الشَّيْءَ أَنَّهُ فَعَلَهُ وَمَا فَعَلَهُ لَكِنَّهُ تَخْيِيلٌ لَا يَعْتَقِدُ صِحَّتَهُ، فَتَكُونُ اعْتِقَادَاتُهُ كُلُّهَا عَلَى السَّدَادِ وَأَقْوَالُهُ عَلَى الصِّحَّةِ» .
هَذَا مَا وقفت عليه من الأجوبة لأئمتنا عن «٣» هذا الحديث مع ما أوضحنا مِنْ مَعْنَى كَلَامِهِمْ، وَزِدْنَاهُ بَيَانًا مِنْ تَلْوِيحَاتِهِمْ «٤» وَكُلُّ وَجْهٍ مِنْهَا مُقْنِعٌ، لَكِنَّهُ قَدْ ظَهَرَ لي في الحديث تأويل أجلى وأبعد عن مَطَاعِنِ ذَوِي الْأَضَالِيلِ، يُسْتَفَادُ مِنْ نَفْسِ الْحَدِيثِ وَهُوَ أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ «٥» قَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ «٦» عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ «٧» وَعُرْوَةَ «٨» بْنِ الزُّبَيْرِ وقال فيه عنهما، سحر يهودي بني زريق
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٩١» رقم «٥» .
(٢) ولذا قالت عائشة ﵂ حتى يخيل.. و(حتى) حرف غابة. فلا غاية بعدها.
(٣) وفي نسخة (في) .
(٤) تلويحات: هي الاشارات بغير تصريح.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٧٩» رقم «٥» .
(٦) في مصنفه عن الزهري عن ابن المسيب.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٥٢» رقم «٣» .
(٨) عروة بن الزبير بن العوام تابعي ثقة كثير الحديث كان نقيا عالما ثقا مأمونا ولد لست خلون من خلافة عثمان وتوفي في سنة أربع وتسعين من الهجرة.
[ ٢ / ٤١٣ ]
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَجَعَلُوهُ «١» فِي بِئْرٍ «٢» حَتَّى كَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْكِرَ بَصَرَهُ.. ثُمَّ دَلَّهُ اللَّهُ عَلَى مَا صَنَعُوا فَاسْتَخْرَجَهُ «٣» مِنَ الْبِئْرِ.
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنِ الْوَاقِدِيِّ «٤»، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ «٥» بْنِ كَعْبٍ، وَعُمَرَ «٦» بْنِ الْحَكَمِ.
وَذُكِرَ: عَنْ عَطَاءٍ «٧» الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ يَحْيَى «٨» بْنِ يَعْمُرَ: حُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَائِشَةَ سَنَةً فَبَيْنَا هُوَ نَائِمٌ أَتَاهُ مَلَكَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِهِ وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيْهِ. الْحَدِيثَ
قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ «٩»: حُبِسَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ عَائِشَةَ خَاصَّةً سَنَةً حَتَّى أَنْكَرَ بَصَرَهُ.
وَرَوَى «١٠» مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ «١١» عَنِ ابْنِ عباس «١٢» مرض رسول
_________________
(١) أي السحر.
(٢) بئر ذروان.
(٣) كما في رواية. وقيل انه ﷺ امر بدفنه ولم يخرجه من البئر
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٥» رقم «٣» .
(٥) عبد الرحمن بن كعب بن مالك السلمي يروي عن أبيه وعائشة وعنه الزهري وهشام بن عروة. ثقة مكثر اخرج له اصحاب الكتب الستة توفي في خلافة سليمان بن عبد الملك.
(٦) عمر بن الحكم: تابعي جليل مات سنة سبع عشرة ومائة وله ثمانون سنة
(٧) عطاء الخراساني بن أبي مسلم: من أكابر التابعين روى عنه الاوزاعي ومالك وشعبه. قال ابن جابر. كنا نغزو معه وكان يحيي الليل صلاة الى نومة السحر. اخرج له الأئمة الستة مات سنة خمس وثلاثين ومائة
(٨) يحيى بن يعمر: قاضي مرو. يروي عن عائشة وابن عباس مقرىء ثقة. مات سنة تسع وعشرين ومائه
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٧٩» رقم «٥» .
(١٠) رواه البيهقي بسند ضعيف.
(١١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٥» رقم «٢» .
(١٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
[ ٢ / ٤١٤ ]
اللَّهِ ﷺ فَحُبِسَ عَنِ النِّسَاءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَهَبَطَ عَلَيْهِ مَلَكَانِ..
وَذَكَرَ الْقِصَّةَ.
- فَقَدِ اسْتَبَانَ لَكَ مِنْ مَضْمُونِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ السِّحْرَ إِنَّمَا تَسَلَّطَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَجَوَارِحِهِ، لَا عَلَى قَلْبِهِ. وَاعْتِقَادِهِ وَعَقْلِهِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَثَّرَ فِي بَصَرِهِ وَحَبَسَهُ عَنْ وَطْءِ نِسَائِهِ وَطَعَامِهِ، وَأَضْعَفَ جِسْمَهُ وَأَمْرَضَهُ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ: يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَأْتِي أَهْلَهُ وَلَا يَأْتِيهِنَّ أَيْ يَظْهَرُ لَهُ مِنْ نَشَاطِهِ وَمُتَقَدَّمِ عَادَتِهِ الْقُدْرَةُ عَلَى النِّسَاءِ، فَإِذَا دَنَا مِنْهُنَّ أَصَابَتْهُ أَخْذَةُ السِّحْرِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى إِتْيَانِهِنَّ كَمَا يَعْتَرِي مَنْ أُخِذَ وَاعْتُرِضَ «١» وَلَعَلَّهُ لِمِثْلِ هَذَا أَشَارَ سُفْيَانُ «٢» بِقَوْلِهِ:
وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ، وَيَكُونُ قَوْلُ عَائِشَةَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى: «إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيْءَ وَمَا فَعَلَهُ» مِنْ بَابِ مَا اخْتَلَّ مِنْ بَصَرِهِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ فَيَظُنُّ أَنَّهُ رَأَى شَخْصًا مِنْ بَعْضِ أَزْوَاجِهِ أَوْ شَاهَدَ فِعْلًا مِنْ غَيْرِهِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى مَا يُخَيَّلُ إِلَيْهِ لِمَا أَصَابَهُ فِي بَصَرِهِ وَضَعْفِ نَظَرِهِ لَا لِشَيْءٍ طَرَأَ عَلَيْهِ فِي مَيْزِهِ «٣» .
وَإِذَا كَانَ هَذَا لَمْ يَكُنْ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ إِصَابَةِ السِّحْرِ لَهُ وَتَأْثِيرِهِ فِيهِ مَا يُدْخِلُ لَبْسًا، وَلَا يَجِدُ بِهِ الْمُلْحِدُ المعترض أنسا..
_________________
(١) اعترض: أي اصابه العارض.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٩١» رقم «٥»
(٣) ميزه: تمييزه.
[ ٢ / ٤١٥ ]
الفصل الثالث أحواله في أمور الدّنيا
هذا حَالُهُ فِي جِسْمِهِ، فَأَمَّا أَحْوَالُهُ فِي أُمُورِ الدنيا فنحن نسبرها «١» على أسلوبها «٢» الْمُتَقَدِّمِ بِالْعَقْدِ «٣» وَالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ.
أَمَّا الْعَقْدُ مِنْهَا: فَقَدْ يَعْتَقِدُ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا الشَّيْءَ عَلَى وَجْهٍ وَيَظْهَرُ خِلَافُهُ، أَوْ يَكُونُ مِنْهُ عَلَى شك أو ظن، بخلاف أمور الشرع.
قال رافع «٤» بن خديج «٥» قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المدينة وهم يؤبّر «٦» النخل فقال: ما تصنعون؟ قالوا: كما نَصْنَعُهُ..
قَالَ: لَعَلَّكُمْ لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خيرا فتركوه فنقصت. فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ.. فَقَالَ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ.. إذا أمرتكم بشيء من دينكم
_________________
(١) نسبرها: نختبرها.
(٢) ويروى (اسلوبنا) .
(٣) العقد: الاعتقاد.
(٤) رافع بن خديج: أنصاري شهد أحدا. اخرج له الستة وتوفي سنة أربع وتسعين من الهجرة.
(٥) كما رواه مسلم.
(٦) أي يلقحونها وهو ان يؤخذ من طلع النخلة الذكر ويوضع على طلع غيرها حين ينشق فتلقح.
[ ٢ / ٤١٦ ]
فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأي فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ.
وَفِي رِوَايَةِ «١» أَنَسٍ «٢»: أَنْتُمْ أَعْلَمُ بِأَمْرِ دُنْيَاكُمْ. وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «٣» إِنَّمَا ظَنَنْتُ ظَنًّا فَلَا تُؤَاخِذُونِي بِالظَّنِّ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ «٤» عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ الْخَرْصِ «٥»: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «٦»: «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ.. فَمَا حَدَّثْتُكُمْ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَمَا قُلْتُ فِيهِ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي فَإِنَّمَا أنا بشر، أخطىء وَأُصِيبُ وَهَذَا عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ فِيمَا قَالَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا، وَظَنِّهِ مِنْ أَحْوَالِهَا، لَا مَا قَالَهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي شَرْعٍ شَرَعَهُ، وَسُنَّةٍ سَنَّهَا.
وَكَمَا حَكَى ابْنُ إِسْحَاقَ «٧»: أَنَّهُ ﷺ لَمَّا نَزَلَ بِأَدْنَى مِيَاهِ بَدْرٍ قَالَ لَهُ الْحُبَابُ «٨» بْنُ الْمُنْذِرِ: أَهَذَا مَنْزِلٌ أَنْزَلَكَهُ اللَّهُ لَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَقَدَّمَهُ.. أَمْ هُوَ الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ؟ قَالَ: لَا.. بَلْ هو
_________________
(١) لمسلم عن أنس.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١» .
(٣) رواه مسلم عن طلحة رضي الله تعالى عنه في هذه القصة.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٦» .
(٥) الخرص: هو الحذر والتخمين لما على النخل والكرم من الرطب والعنب.
(٦) كما رواه البزار بسند حسن.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٢» رقم «٢» .
(٨) الحباب بن المنذر: بن جموج بن زيد بن جز بن حرام بن غنم بن كعب بن سلمة الخزرجي الانصاري الصحابي الذي يقال له: ذو الرأي. توفي كهلا في خلافة عمر رضي الله تعالى عنه.
[ ٢ / ٤١٧ ]
الرَّأْيُ وَالْحَرْبُ وَالْمَكِيدَةُ.. قَالَ: فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَنْزِلٍ.. انْهَضْ حَتَّى نَأْتِيَ أَدْنَى مَاءٍ مِنَ الْقَوْمِ فَنَنْزِلَهُ، ثُمَّ نُغَوِّرَ مَا وَرَاءَهُ مِنَ الْقَلْبِ «١» . فَنَشْرَبَ وَلَا يَشْرَبُونَ. فَقَالَ: «أَشَرْتَ بِالرَّأْيِ» وَفَعَلَ مَا قَالَهُ.
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: «وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ «٢»» . وأراد مصالحة بعض عدوه على ثلث تمر الْمَدِينَةِ «٣» فَاسْتَشَارَ الْأَنْصَارَ «٤» .
فَلَمَّا أَخْبَرُوهُ بِرَأْيِهِمْ رَجَعَ عَنْهُ. فَمِثْلُ هَذَا وَأَشْبَاهِهِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا الَّتِي لَا مَدْخَلَ فِيهَا لِعِلْمِ دِيَانَةٍ، وَلَا اعتقادها، ولا تعليمها يجوز عليه فيها مَا ذَكَرْنَاهُ.. إِذْ لَيْسَ فِي هَذَا كُلِّهِ نَقِيصَةٌ وَلَا مَحَطَّةٌ، وَإِنَّمَا هِيَ أُمُورٌ اعْتِيَادِيَّةٌ يَعْرِفُهَا مَنْ جَرَّبَهَا وَجَعَلَهَا هَمَّهُ. وَشَغَلَ نَفْسَهُ بِهَا وَالنَّبِيُّ ﷺ مَشْحُونُ الْقَلْبِ بِمَعْرِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ، مَلْآنُ الْجَوَانِحِ «٥» بِعُلُومِ الشَّرِيعَةِ، قصيد الْبَالِ بِمَصَالِحِ الْأُمَّةِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ.
وَلَكِنْ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ وَيَجُوزُ فِي النادر.
وفيما سَبِيلُهُ التَّدْقِيقُ فِي حِرَاسَةِ الدُّنْيَا وَاسْتِثْمَارِهَا، لَا في الكثير المؤذن بالعلة، والغفلة.
_________________
(١) القلب: جمع قليب وهو البئر الذي لم تبن أطرافه بالحجارة.
(٢) الاية ١٥٩ آل عمران.
(٣) وذلك في غزوة الخندق.
(٤) المستشار منهم سعد بن معاذ وسعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهم.
(٥) الجوانح: جمع جانحة وهي الضلوع التي تلي الصدر.
[ ٢ / ٤١٨ ]
وَقَدْ تَوَاتَرَ «١» بِالنَّقْلِ عَنْهُ ﷺ مِنَ الْمَعْرِفَةِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا وَدَقَائِقِ مَصَالِحِهَا، وَسِيَاسَةِ فِرَقِ أَهْلِهَا مَا هُوَ مُعْجِزٌ فِي الْبَشَرِ مِمَّا قَدْ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي بَابِ معجزاته من هذا الكتاب.
_________________
(١) أي تواترا معنويا على الجملة لا في مادة بخصوصها كتواتر كرم حاتم وشجاعة علي كرم الله وجهه.
[ ٢ / ٤١٩ ]
الْفَصْلُ الرَّابِعُ أَحْكَامُ الْبَشَرِ الْجَارِيَةُ عَلَى يَدَيْهِ
وأما ما يعتقده من أُمُورِ أَحْكَامِ الْبَشَرِ الْجَارِيَةِ عَلَى يَدَيْهِ وَقَضَايَاهُمْ، وَمَعْرِفَةِ الْمُحِقِّ مِنَ الْمُبْطِلِ وَعِلْمِ الْمُصْلِحِ مِنَ الْمُفْسِدِ فَبِهَذِهِ السَّبِيلِ.
لِقَوْلِهِ ﷺ «١» «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ.. وَإِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَلْحَنَ «٢» بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَأَقْضِيَ لَهُ عَلَى نَحْوٍ مِمَّا أَسْمَعُ.. فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قطعة من النار.»
عن أُمِّ سَلَمَةَ «٣» قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «٤»: الْحَدِيثَ وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ «٥» عَنْ عُرْوَةَ «٦» «فَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَنْ يَكُونَ أَبْلَغَ
_________________
(١) في حديث رواه الشيخان مسندا وابو داود عنه واختاره المصنف لعلو سنده كما مر.
(٢) الحن: افصح واقدر على اظهار حجته.
(٣) تقدمت ترجمتها في ج ١ ص «٢٨٦» رقم «١» .
(٤) كما رواه الشيخان ورواية المصنف عن أبي داود لعلو سنده.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٥١» رقم «٤» .
(٦) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٤١٣» رقم «٨» .
[ ٢ / ٤٢٠ ]
مِنْ بَعْضٍ فَأَحْسِبُ أَنَّهُ صَادِقٌ فَأَقْضِيَ لَهُ» .
ويجري أَحْكَامُهُ ﷺ عَلَى الظَّاهِرِ وموجب غلبات الظن، بشهادة الشاهدين وَيَمِينِ الْحَالِفِ وَمُرَاعَاةِ الْأَشْبَهِ «١»، وَمَعْرِفَةِ الْعِفَاصِ «٢» وَالْوِكَاءِ «٣» مَعَ مُقْتَضَى حِكْمَةِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ.
فَإِنَّهُ تَعَالَى- لَوْ شَاءَ- لَأَطْلَعَهُ عَلَى سَرَائِرِ عِبَادِهِ ومخبئات «٤» ضَمَائِرِ أُمَّتِهِ فَتَوَلَّى الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ بِمُجَرَّدِ يَقِينِهِ وَعِلْمِهِ.. دُونَ حَاجَةٍ إِلَى اعْتِرَافٍ أَوْ بَيِّنَةٍ، أَوْ يَمِينٍ، أَوْ شُبْهَةٍ.. وَلَكِنْ لَمَّا أَمَرَ اللَّهُ أُمَّتَهُ بِاتِّبَاعِهِ وَالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَحْوَالِهِ، وَقَضَايَاهُ، وَسَيَرِهِ..
وَكَانَ هَذَا لَوْ كَانَ مما يخص بِعِلْمِهِ وَيُؤْثِرُهُ اللَّهُ بِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْأُمَّةِ سَبِيلٌ إِلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا قَامَتْ حُجَّةٌ بِقَضِيَّةٍ مِنْ قَضَايَاهُ لِأَحَدٍ فِي شَرِيعَتِهِ، لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ مَا أُطْلِعَ عَلَيْهِ هُوَ فِي تِلْكَ الْقَضِيَّةِ بِحُكْمِهِ هو إذن فِي ذَلِكَ بِالْمَكْنُونِ مِنْ إِعْلَامِ اللَّهِ لَهُ بِمَا أَطْلَعَهُ عَلَيْهِ مِنْ سَرَائِرِهِمْ.. وَهَذَا مَا لَا تَعْلَمُهُ الْأُمَّةُ.
فَأَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى أَحْكَامَهُ عَلَى ظَوَاهِرِهِمُ الَّتِي يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ هُوَ
_________________
(١) الاشبه: ما هو اكثر شبها بالحق.
(٢) العقاص: وعاء من جلد ونحوه يؤخذ فيه ما التقط.
(٣) الوكاء: ما يربط به.
(٤) وهي جمع مخبأة اسم مفعول شدد الباء أي مكنونه غير ظاهرة.
[ ٢ / ٤٢١ ]
وَغَيْرُهُ مِنَ الْبَشَرِ لِيَتِمَّ اقْتِدَاءُ أُمَّتِهِ بِهِ في تعيين «١» قضاياه وتنزيل أحكامه.. ويأتوا مَا أَتَوْا مِنْ ذَلِكَ عَلَى عِلْمٍ وَيَقِينٍ مِنْ سُنَّتِهِ إِذِ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ أَوْقَعُ مِنْهُ بالقول وأرفع لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ وَتَأْوِيلِ الْمُتَأَوِّلِ، وَكَانَ حُكْمُهُ عَلَى الظاهر أحلى فِي الْبَيَانِ، وَأَوْضَحَ فِي وُجُوهِ الْأَحْكَامِ، وَأَكْثَرَ فَائِدَةً لِمُوجِبَاتِ التَّشَاجُرِ وَالْخِصَامِ وَلِيَقْتَدِيَ بِذَلِكَ كُلِّهِ حُكَّامُ أُمَّتِهِ، وَيُسْتَوْثَقَ بِمَا يُؤْثَرُ عَنْهُ، وَيَنْضَبِطُ قَانُونُ شَرِيعَتِهِ.. وَطَيُّ ذَلِكَ عَنْهُ مَنْ عِلْمِ الْغَيْبِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ عَالَمُ الْغَيْبِ «فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ «٢»» فَيُعْلِمُهُ مِنْهُ بِمَا شَاءَ وَيَسْتَأْثِرُ بِمَا شَاءَ، وَلَا يَقْدَحُ هَذَا فِي نُبُوَّتِهِ ولا يفصم «٣» عروة «٤» من عصمته.
_________________
(١) وفي نسخة (يقين) .
(٢) الاية ٢٦ سورة الجن.
(٣) بفصم: بالفاء والصاد المهملة يكسر من غير اباتة.
(٤) العروة: ما يدخل فيه الزر وما يعقد به شبه عصمته وحفظه بلباس ساتر له عرى وأزرار تمسكه بطريق الاستعارة المكنية التخييلية لان العصمة جهات يتمسك بها.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
الفصل الخامس أخباره الدّنيوية
وَأَمَّا أَقْوَالُهُ الدُّنْيَوِيَّةُ مِنْ أَخْبَارِهِ عَنْ أَحْوَالِهِ وَأَحْوَالِ غَيْرِهِ وَمَا يَفْعَلُهُ أَوْ فَعَلَهُ فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْخُلْفَ فِيهَا مُمْتَنِعٌ عَلَيْهِ فِي كُلِّ حَالٍ، وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ مِنْ عَمْدٍ أَوْ سَهْوٍ أَوْ صِحَّةٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ رِضًى أَوْ غَضَبٍ، وَأَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنْهُ ﷺ.
هَذَا فِيمَا طَرِيقُهُ الْخَبَرُ الْمَحْضُ «١» مِمَّا يَدْخُلُهُ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ.
- فَأَمَّا الْمَعَارِيضُ «٢» الْمُوهِمُ ظَاهِرُهَا خِلَافَ بَاطِنِهَا فَجَائِزٌ وُرُودُهَا مِنْهُ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ لَا سِيَّمَا لِقَصْدِ الْمَصْلَحَةِ..
كَتَوْرِيَتِهِ «٣» عَنْ وَجْهِ مَغَازِيهِ لِئَلَّا يَأْخُذَ الْعَدُوُّ حذره..
_________________
(١) المحض: الصريح الذي ليس من قبيل التوراة.
(٢) المعاريض: جمع معراض من التعريض خلاف الصريح.
(٣) التوراة: هي لفظة لها معنيان احدهما قريب غير مقصود والاخر بعيد وهو المقصود. وهي تفعله من الوراء كأنه يستر شيئا وراءه.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
وَكَمَا رُوِيَ مِنْ مُمَازَحَتِهِ وَدُعَابَتِهِ لِبَسْطِ أُمَّتِهِ وَتَطْيِيبِ قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ صَحَابَتِهِ «١» وَتَأْكِيدًا فِي تَحَبُّبِهِمْ وَمَسَرَّةِ نُفُوسِهِمْ..
كَقَوْلِهِ «٢»: «لَأَحْمِلَنَّكِ عَلَى ابْنِ النَّاقَةِ» .
وَقَوْلِهِ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْهُ عَنْ زَوْجِهَا «٣» «أَهُوَ الَّذِي بِعَيْنِهِ بَيَاضٌ..»
وَهَذَا كُلُّهُ صِدْقٌ، لِأَنَّ كُلَّ جَمَلٍ ابْنُ نَاقَةٍ، وَكُلَّ إِنْسَانٍ بِعَيْنِهِ بَيَاضٌ وَقَدْ قَالَ ﷺ «٤»: «إِنِّي لَأَمْزَحُ وَلَا أَقُولُ إِلَّا حَقًّا «٥» ..»
هَذَا كُلُّهُ فِيمَا بَابُهُ الْخَبَرُ.
- فَأَمَّا مَا بَابُهُ غَيْرُ الْخَبَرِ مِمَّا صُورَتُهُ صُورَةُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي الْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ، فَلَا يَصِحُّ مِنْهُ أَيْضًا وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْمُرَ أَحَدًا بِشَيْءٍ، أَوْ يَنْهَى أَحَدًا عَنْ شَيْءٍ، وَهُوَ يُبْطِنُ خِلَافَهُ.
وَقَدْ قَالَ ﷺ «٦»: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خائنة الأعين.»
_________________
(١) وفي نسخة (من أصحابه) .
(٢) ﷺ في حديث رواه ابو داود والترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه وصححاه.
(٣) والحديث رواه ابن أبي حاتم وغيره.
(٤) في حديث رواه احمد والترمذي والطبراني عن ابن عمر وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم بسند حسن.
(٥) ولفظ الحديث انهم قالوا: يا رسول الله انك تداعبنا.. فقال: اني اذا داعبتكم لا أقول الا حقا،» فالنهي عنه في قوله: «لا تمار أخاك ولا تمازحه» . وفي قول عمر رضي الله تعالى عنه: «من مزح استخف به» وقول ابن العاصي: «يا بني لا تمازح الشريف فيحقد عليك، ولا الدنيء فيجترىء عليك» . محمول على الكثرة منه في غير محله وعلى غير سنته ﷺ.
(٦) هذا من حديث رواه الحاكم والنسائي وابو داود.
[ ٢ / ٤٢٤ ]
فَكَيْفَ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ قَلْبٍ.
فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى فِي قِصَّةِ زَيْدٍ «١»: «وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ «٢»» الاية
فَاعْلَمْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ، وَلَا تَسْتَرِبْ فِي تَنْزِيهِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ هَذَا الظَّاهِرِ وَأَنْ يَأْمُرَ زَيْدًا بِإِمْسَاكِهَا وَهُوَ يُحِبُّ تَطْلِيقَهُ إِيَّاهَا كَمَا ذُكِرَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ..
وَأَصَحُّ مَا فِي هَذَا مَا حَكَاهُ «٣» أَهْلُ التَّفْسِيرِ عَنْ عَلِيِّ «٤» بْنِ حُسَيْنٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ أَعْلَمَ نَبِيَّهُ أَنَّ زَيْنَبَ سَتَكُونُ مِنْ أَزْوَاجِهِ..
فَلَمَّا شَكَاهَا إِلَيْهِ زَيْدٌ.. قَالَ لَهُ: أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ.
وأخفى منه فِي نَفْسِهِ مَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْ أَنَّهُ سَيَتَزَوَّجُهَا «٥» مِمَّا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَمُظْهِرُهُ بِتَمَامِ التزويج وطلاق زيد لها «٦» .
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١١٢» رقم «٥» .
(٢) «.. وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ إِذا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا» آية ٣٧ من سورة الاحزاب.
(٣) وفي نسخة (رواه) .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٣٣» رقم «٤» .
(٥) وفي نسخة (سيزوجها الله له) .
(٦) كما قال تعالى: (لكيلا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ) الاية.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
وَرَوَى نَحْوَهُ عَمْرُو «١» بْنُ فَائِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ «٢» قَالَ: «نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ يُعْلِمُهُ أَنَّ اللَّهَ يُزَوِّجُهُ زَيْنَبَ «٣» بِنْتَ جَحْشٍ، فَذَلِكَ الَّذِي أَخْفَى فِي نَفْسِهِ» .
وَيُصَحِّحُ هَذَا قَوْلُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى بعد هذا «وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا «٤»» أَيْ لَا بُدَّ لَكَ أَنْ تَتَزَوَّجَهَا.. وَيُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُبْدِ مِنْ أَمْرِهِ مَعَهَا غَيْرَ زَوَاجِهِ لَهَا، فَدَلَّ أَنَّهُ الَّذِي أَخْفَاهُ ﷺ مِمَّا كَانَ أَعْلَمَهُ بِهِ تَعَالَى.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْقِصَّةِ: «مَا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ.. سُنَّةَ اللَّهِ.. «٥»» الْآيَةَ فَدَلَّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَرَجٌ في الأمر.
_________________
(١) عمرو بن فائد: وفي الاكمال انه بالفاء والقاف، وذكره الذهبي فقال: عمرو بن قائد الاسواري. وقال القرطبي وغيره انه ضعيف متروك الحديث معتزلي قدري لا يفهم الحديث، وهو بصري يكني ابا علي. قال البرهان: «وهو فى النسخ التي وقفت عليها بالقاف» وفيه نظر.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥١» رقم «٤» .
(٣) زينب بنت جحش: وقيدها ببنت جحش ليخرج غيرها، فان من أمهات المؤمنين زينب أخرى هي بنت خزيمة أم المساكين وقد تقدمت ترجمتها في ج ١ ص «٥٦٦» رقم «٥» .
(٤) الاية: ٢٧ سورة الاحزاب.
(٥) «.. فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا» الاية: ٣٨ سورة الاحزاب.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
قَالَ الطَّبَرِيُّ «١»: «مَا كَانَ اللَّهُ لِيُؤَثِّمَ نَبِيَّهُ فِيمَا أَحَلَّ لَهُ مِثَالَ فِعْلِهِ لِمَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ» .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ «٢»» أَيْ مِنَ النَّبِيِّينَ فِيمَا أَحَلَّ لَهُمْ..
وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ «٣» قَتَادَةَ «٤» مِنْ وُقُوعِهَا مِنْ قَلْبِ النَّبِيِّ ﷺ عند ما أَعْجَبَتْهُ، وَمَحَبَّتِهِ طَلَاقَ زَيْدٍ لَهَا لَكَانَ فِيهِ أَعْظَمُ الْحَرَجِ وَمَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ مدعينيه لِمَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ زَهْرَةِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.. وَلَكَانَ هَذَا نَفْسَ الْحَسَدِ الْمَذْمُومِ الَّذِي لَا يَرْضَاهُ، وَلَا يَتَّسِمُ بِهِ الْأَتْقِيَاءُ.. فَكَيْفَ سَيِّدُ الْأَنْبِيَاءِ!!!
قَالَ الْقُشَيْرِيُّ «٥»: «وَهَذَا إِقْدَامٌ عَظِيمٌ مِنْ قَائِلِهِ وَقِلَّةُ مَعْرِفَةٍ بِحَقِّ النَّبِيِّ ﷺ وَبِفَضْلِهِ وَكَيْفَ يُقَالُ: رَآهَا فَأَعْجَبَتْهُ، وهي بنت عمته «٦»، وَلَمْ يَزَلْ يَرَاهَا مُنْذُ وُلِدَتْ، وَلَا كَانَ النِّسَاءُ يَحْتَجِبْنَ مِنْهُ ﷺ.. وهو زوّجها لزيد.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٢» رقم «٢» .
(٢) الاية: ٣٨ سورة الاحزاب.
(٣) عبد بن حميد عن قتادة.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٢» رقم «٣» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧٠» رقم «٥» .
(٦) لانها بنت أميمة بنت عبد المطلب.
[ ٢ / ٤٢٧ ]
- وإنما جعل الله طلاق زيد لها، وتزوج النَّبِيِّ ﷺ إِيَّاهَا لِإِزَالَةِ حُرْمَةِ التَّبَنِّي وَإِبْطَالِ سُنَّتِهِ..
كَمَا قَالَ: «مَا كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ «١»» .
وَقَالَ: «لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ «٢»» . وَنَحْوُهُ لِابْنِ «٣» فُورَكٍ.
وَقَالَ أَبُو اللَّيْثِ «٤» السَّمَرْقَنْدِيُّ: فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْفَائِدَةُ فِي أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ لِزَيْدٍ بِإِمْسَاكِهَا؟ فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ أَعْلَمَ نَبِيَّهُ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ، فَنَهَاهُ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ طَلَاقِهَا إِذْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَهُمَا أُلْفَةٌ وَأَخْفَى فِي نَفْسِهِ مَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ.. فَلَمَّا طَلَّقَهَا زَيْدٌ خَشِيَ قَوْلَ النَّاسِ: يَتَزَوَّجُ امْرَأَةَ ابْنِهِ فَأَمَرَهُ اللَّهُ بِزَوَاجِهَا لِيُبَاحَ مِثْلُ ذَلِكَ لِأُمَّتِهِ..
كَمَا قَالَ تَعَالَى: «لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْواجِ أَدْعِيائِهِمْ «٥» .»
وَقَدْ قِيلَ: كَانَ أَمْرُهُ لِزَيْدٍ بِإِمْسَاكِهَا قَمْعًا للشهوة وردا للنفس عن هواها «٦» ..
_________________
(١) الاية ٤٠ سورة الاحزاب.
(٢) الاية ٣٧ سورة الاحزاب.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٩» رقم «٤» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥١» رقم «٢» .
(٥) الاية: ٣٧ سورة الاحزاب.
(٦) وحاشاه ﷺ عن مثله.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
وَهَذَا إِذَا جَوَّزْنَا عَلَيْهِ أَنَّهُ رَآهَا فَجْأَةً وَاسْتَحْسَنَهَا وَمِثْلُ هَذَا لَا نُكْرَةَ فِيهِ لِمَا طبع عليه ابن آدم من استحسانه الحسن، ونظرة الفجأة مَعْفُوٌّ عَنْهَا ثُمَّ قَمَعَ نَفْسَهُ عَنْهَا وَأَمَرَ زيدا بإمساكها..
وإنما تنكر تلك الزيادات التي فِي الْقِصَّةِ.
وَالتَّعْوِيلُ وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ علي «١» بن الحسين وحكاه السمرقندي «٢» وهو قول ابن عطاء «٣» وَاسْتَحْسَنَهُ الْقَاضِي الْقُشَيْرِيُّ «٤»
وَعَلَيْهِ عَوَّلَ أَبُو بَكْرِ «٥» بْنُ فُورَكٍ وَقَالَ: إِنَّهُ مَعْنَى ذَلِكَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ التَّفْسِيرِ.. قَالَ.. وَالنَّبِيُّ ﷺ مُنَزَّهٌ عَنِ اسْتِعْمَالِ النِّفَاقِ فِي ذَلِكَ وَإِظْهَارِ خِلَافِ مَا فِي نَفْسِهِ.. وَقَدْ نَزَّهَهُ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: «مَا كانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيما فَرَضَ اللَّهُ لَهُ «٦»»
قال: «وَمَنْ ظَنَّ ذَلِكَ بِالنَّبِيِّ ﷺ فَقَدْ أَخْطَأَ.
قَالَ: وَلَيْسَ مَعْنَى الْخَشْيَةِ هُنَا الْخَوْفَ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ «٧» الِاسْتِحْيَاءُ..
أَيْ يَسْتَحْيِي مِنْهُمْ أَنْ يَقُولُوا: تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ.. وَأَنَّ خشيته
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٤٤» رقم «٤» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥١» رقم «٢» .
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٣» رقم «٦» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧٠» رقم «٥» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٩» رقم «٤» .
(٦) الاية: ٣٨ سورة الاحزاب.
(٧) وفي نسخة (معناها) .
[ ٢ / ٤٢٩ ]
ﷺ مِنَ النَّاسِ كَانَتْ مِنْ إِرْجَافِ الْمُنَافِقِينَ وَالْيَهُودِ، وَتَشْغِيبِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ بِقَوْلِهِمْ: تَزَوَّجَ زَوْجَةَ ابْنِهِ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ نِكَاحِ حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ كَمَا كَانَ.. فَعَتَبَهُ اللَّهُ على هذا ونزهه عن الإلتفات إِلَيْهِمْ فِيمَا أَحَلَّهُ لَهُ.. كَمَا عَتَبَهُ عَلَى مُرَاعَاةِ رِضَى أَزْوَاجِهِ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ: «لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ «١» ..» الاية
كذلك قوله له ههنا «وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ «٢»»
وَقَدْ رُوِيَ «٣» عَنِ الْحَسَنِ «٤» وَعَائِشَةَ «٥»: لَوْ كَتَمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا لكتم هَذِهِ الْآيَةَ لِمَا فِيهَا مِنْ عَتَبِهِ وَإِبْدَاءِ ما أخفاه.
_________________
(١) «.. تَبْتَغِي مَرْضاتَ أَزْواجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» الاية ١ سورة التحريم.
(٢) الاية ٣ سورة الاحزاب.
(٣) رواه الترمذي وصححه.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٠» رقم «٨» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٤٦» رقم «٥» .
[ ٢ / ٤٣٠ ]
الْفَصْلُ السَّادِسُ حَدِيثُ الْوَصِيَّةِ
فَإِنْ قُلْتَ قَدْ تَقَرَّرَتْ عِصْمَتُهُ ﷺ فِي أَقْوَالِهِ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ فِيهَا خُلْفٌ وَلَا اضْطِرَابٌ فِي عَمْدٍ وَلَا سَهْوٍ، وَلَا صِحَّةٍ وَلَا مَرَضٍ، وَلَا جد ولا مزح، وَلَا رِضًى وَلَا غَضَبٍ. وَلَكِنْ مَا مَعْنَى الْحَدِيثِ «١» فِي وَصِيَّتِهِ ﷺ.
فعن ابْنِ عَبَّاسٍ «٢» قَالَ: لَمَّا احْتُضِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «هَلُمُّوا أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ» .. فَقَالَ بَعْضُهُمْ «٣»: «إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ غَلَبَهُ الْوَجَعُ» الْحَدِيثَ
وَفِي رِوَايَةٍ: «آتُونِي أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أبدا»
_________________
(١) الذي روي عنه ﷺ في الصحيحين.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٢» رقم «٢» .
(٣) هو عمر رضي الله تعالى عنه كما سيأتي.
[ ٢ / ٤٣١ ]
فتنازعوا.. فقالوا «١»: «ماله؟ أهجر؟ إستفهموا «٢» فَقَالَ: «دَعُونِي فَإِنَّ الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ» .
وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ يَهْجُرُ «٣» .
وَفِي رِوَايَةٍ: هَجَرَ وَيُرْوَى: أَهْجُرٌ؟ وَيُرْوَى: أَهُجْرًا؟ ..
وَفِيهِ فَقَالَ عُمَرُ «٤»: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَدِ اشْتَدَّ بِهِ الْوَجَعُ وَعِنْدَنَا كِتَابُ اللَّهِ حَسْبُنَا، وَكَثُرَ اللَّغَطُ «٥» فَقَالَ: قُومُوا عَنِّي «٦» .
وَفِي رِوَايَةٍ وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَاخْتَصَمُوا فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كِتَابًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عمر «٤» قال أئمتنا في هذا الْحَدِيثِ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ غَيْرُ مَعْصُومٍ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَمَا يَكُونُ مِنْ عَوَارِضِهَا مِنْ شِدَّةِ وَجَعٍ وَغَشْيٍ «٧» وَنَحْوِهِ مِمَّا يَطْرَأُ عَلَى جِسْمِهِ.
- مَعْصُومٌ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ مِنَ الْقَوْلِ أَثْنَاءَ ذَلِكَ مَا يَطْعَنُ فِي
_________________
(١) كما في البخاري.
(٢) استفهموا: بكسر الهاء أي استخبروا القائل بمنعه او النبي ﷺ عما أراده أفعله أولى أم تركه.
(٣) يهجر: الهجر هو الهذيان.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(٥) اللغط: بفتحتين هو ارتفاع الاصوات واختلافها حتى لا تكاد تفهم.
(٦) وقال ابن عباس: ان الرزية كل الرزية ما حال بين رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ ان يكتب لاختلافهم ولفظهم.
(٧) غشي: بفتح فسكون هو اغماء خفيف.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
مُعْجِزَتِهِ وَيُؤَدِّي إِلَى فَسَادٍ فِي شَرِيعَتِهِ مِنْ هذيان أو اختلال في كَلَامٍ.
- وَعَلَى هَذَا لَا يَصِحُّ ظَاهِرُ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى فِي الْحَدِيثِ «هَجَرَ» إِذْ مَعْنَاهُ هَذَى، يُقَالُ: «هَجَرَ هُجْرًا» إِذَا هَذَى، «وَأَهْجَرَ هُجْرًا» إِذَا أَفْحَشَ. «وَأَهْجَرَ» تَعْدِيَةُ «هَجَرَ» ..
وَإِنَّمَا الْأَصَحُّ وَالْأَوْلَى أَهَجَرَ؟ عَلَى طَرِيقِ الْإِنْكَارِ عَلَى مَنْ قَالَ:
لَا يَكْتُبُ..
وَهَكَذَا رِوَايَتُنَا فِيهِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ «١» مِنْ رِوَايَةِ جَمِيعِ الرُّوَاةِ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ «٢» الْمُتَقَدِّمِ.
وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ «٣» بن سلام عن ابن عُيَيْنَةَ «٤» وَكَذَا ضَبَطَهُ الْأَصِيلِيُّ «٥» بِخَطِّهِ فِي كِتَابِهِ «٦»، وَغَيْرُهُ مِنْ هَذِهِ الطُّرُقِ.
وَكَذَا رَوَيْنَاهُ عَنْ مسلم «٧» في حديث «٨» شفيان وغيره وقد
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٨» رقم «٣» .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٥١» رقم «٤» .
(٣) محمد بن سلام: هو الامام الحافظ الذي روى عنه البخاري وغيره، وتوفي سنة خمس وعشرين وثمانمائة. وسلام بتخفيف اللام عند الاكثر كما قاله الذهبي والمزي وغيرهما، وجوز بعضهم تشديدها أيضا.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٩١» رقم «٥» .
(٥) عبد الله بن ابراهيم ابو محمد الأموي المعروف بالأصيلي عالم بالحديث والفقه من أهل أصيله في المغرب رحل في طلب العلم فطاف في الأندلس والمشرق ومات بقرطبة سنة ٣٩٢ هـ له كتاب «الدلائل على أمهات المسائل» في اختلاف مالك والشافعي وأبي حنيفة
(٦) كنايه: أي صحيح البخاري الذي رواه وضبطه بقلمه.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٨» رقم «٢» .
(٨) كما رواه البخاري
[ ٢ / ٤٣٣ ]
تُحْمَلُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مَنْ رَوَاهُ «هَجَرَ»؟ عَلَى حَذْفِ أَلِفِ الِاسْتِفْهَامِ وَالتَّقْدِيرُ «أَهَجَرَ» .. أَوْ أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُ الْقَائِلِ هَجَرَ أَوْ أَهَجَرَ دَهْشَةً مِنْ قَائِلِ ذَلِكَ.. وَحَيْرَةً لِعَظِيمِ مَا شَاهَدَ مِنْ حَالِ الرَّسُولِ ﷺ وشدّة وجعه والمقام الَّذِي اخْتُلِفَ فِيهِ عَلَيْهِ، وَالْأَمْرُ الَّذِي هَمَّ بِالْكِتَابِ فِيهِ، حَتَّى لَمْ يَضْبِطْ هَذَا الْقَائِلُ لَفْظَهُ وَأَجْرَى «الْهُجْرَ» مَجْرَى شِدَّةِ الْوَجَعِ.. لَا أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ الْهُجْرُ..
كَمَا حملهم الإشفاق على حراسته والله يقول: «وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ «١»» وَنَحْوِ هَذَا.
وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ «أَهُجْرًا» وَهِيَ رواية أبي إسحق «٢» المستملى في الصحيح حَدِيثِ ابْنِ جُبَيْرٍ «٣» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «٤» مِنْ رِوَايَةِ قُتَيْبَةَ «٥» . فَقَدْ يَكُونُ هَذَا رَاجِعًا إِلَى الْمُخْتَلِفِينَ عِنْدَهُ ﷺ، وَمُخَاطَبَةً لَهُمْ مِنْ بَعْضِهِمْ.. أَيْ جِئْتُمْ بِاخْتِلَافِكُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَبَيْنَ يديه هجرا ومنكرا من القول!!.
_________________
(١) الاية: ٦٧ سورة المائدة.
(٢) ابو اسحق المستملي: احد رواة الصحيح. وفي نسخة (السلمي) ولم يبينوه والمعروف انما هو الاول.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٨» رقم «٤» .
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٥٢) رقم (٦) .
(٥) قتيبة: ابن سعيد احد شيوخ البخاري.
[ ٢ / ٤٣٤ ]
و«الهجر» بِضَمِّ الْهَاءِ الْفُحْشُ فِي الْمَنْطِقِ وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ وَكَيْفَ اخْتَلَفُوا بعد أمره ﷺ أَنْ يَأْتُوهُ بِالْكِتَابِ.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَوَامِرُ النَّبِيِّ ﷺ يُفْهَمُ إِيجَابُهَا مِنْ ندبها من إباحتها بقرائن.
فلعل قَدْ ظَهَرَ مِنْ قَرَائِنِ قَوْلِهِ ﷺ لِبَعْضِهِمْ مَا فَهِمُوا أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ مِنْهُ عَزْمَةٌ بَلْ أَمْرٌ رَدَّهُ إِلَى اخْتِيَارِهِمْ. وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَفْهَمْ ذَلِكَ فَقَالَ: اسْتَفْهِمُوهُ.. فلما اختلفوا كفّ عنه إذ لَمْ يَكُنْ عَزْمَةً وَلِمَا رَأَوْهُ مِنْ صَوَابِ رَأْيِ عُمَرَ «١» .
ثُمَّ هَؤُلَاءِ قَالُوا: «وَيَكُونُ امْتِنَاعُ عُمَرَ «١» إِمَّا إِشْفَاقًا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ تَكْلِيفِهِ فِي تِلْكَ الْحَالِ إِمْلَاءَ الْكِتَابِ. وَأَنْ تَدْخُلَ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ مِنْ ذَلِكَ كَمَا قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ اشتد عليه الْوَجَعُ..
وَقِيلَ: (خَشِيَ عُمَرُ «١» أَنْ يَكْتُبَ أُمُورًا يَعْجِزُونَ عَنْهَا فَيَحْصَلُونَ فِي الْحَرَجِ بِالْمُخَالَفَةِ.. وَرَأَى أنّ الأرفق بِالْأُمَّةِ فِي تِلْكَ الْأُمُورِ سَعَةُ الِاجْتِهَادِ، وَحُكْمُ النظر، وطلب الصواب، فيكون المصيب والمخطيء مأجورا وقد علم عمر «١» تقرّر الشرع،
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
[ ٢ / ٤٣٥ ]
وَتَأْسِيسَ الْمِلَّةِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ «١»» وَقَوْلُهُ «٢» ﷺ: «أُوصِيكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَعِتْرَتِي «٣»» .
وَقَوْلُ عُمَرَ «٤»: «حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ» رَدٌّ عَلَى مَنْ نَازَعَهُ لَا عَلَى أَمْرِ النَّبِيِّ ﷺ.
وَقَدْ قِيلَ: «إِنَّ عُمَرَ «٤» خَشِيَ تَطَرُّقَ الْمُنَافِقِينَ وَمَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ لِمَا كُتِبَ فِي ذَلِكَ الْكِتَابِ في الخلوة، وأن يتقولوا في ذلك الأوقاويل.. كَادِّعَاءِ الرَّافِضَةِ الْوَصِيَّةَ «٥» وَغَيْرِ ذَلِكَ..
وَقِيلَ: «إِنَّهُ كَانَ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ لهم على طريق المشورة «٦» والاختيار، وهل يَتَّفِقُونَ عَلَى ذَلِكَ أَمْ يَخْتَلِفُونَ.. فَلَمَّا اخْتَلَفُوا تَرَكَهُ» ..
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: «إِنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أن النبي ﷺ كان مُجِيبًا فِي هَذَا الْكِتَابِ لِمَا طُلِبَ مِنْهُ، لا أنه ابتدأ بالأمر به.. بل
_________________
(١) الاية: ٣ سورة المائدة.
(٢) حديث صحيح رواه مسلم.
(٣) عترته: أهل بيته الذين تحرم عليهم الزكاة.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١١٣» رقم «٤» .
(٥) أي أن النبي ﷺ أوصى لعلي كرم الله وجهه وتسمينهم له الوصي لذلك وان بعض الصحابة كتب ذلك.
(٦) المشورة: بفتح الميم وضم الشين المعجمة وسكون الواو بزنة مثوبة في الافصح ويجوز سكون الشين المعجمة وفتح الواو. وهي من شرت العسل: اذا اجتنيته.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
اقْتَضَاهُ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَأَجَابَ رَغْبَتَهُمْ، وَكَرِهَ ذَلِكَ غَيْرُهُمْ لِلْعِلَلِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا» .
وَاسْتَدَلَّ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ بِقَوْلِ الْعَبَّاسِ «١» لَعَلِيٍّ «٢»: (انْطَلِقْ بِنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِينَا عَلِمْنَاهُ، وَكَرَاهَةِ عَلِيٍّ «٢» هَذَا وَقَوْلِهِ: «وَاللَّهِ لَا أَفْعَلُ» الْحَدِيثَ «٣» .
وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: «دَعُونِي فَإِنَّ الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ» .. أَيِ الَّذِي أَنَا فِيهِ خَيْرٌ مِنْ إِرْسَالِ الْأَمْرِ، وَتَرْكِكُمْ وَكِتَابَ «٤» اللَّهِ وَأَنْ تَدَعُونِي مِمَّا طَلَبْتُمْ..
وَذُكِرَ أَنَّ الَّذِي «طُلِبَ» كِتَابَةُ أمر الخلافة بعده وتعيين ذلك
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (١٨١) رقم (١) .
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٥٤) رقم (٤) .
(٣) رواه البخاري مسندا.
(٤) منصوب على انه مفعول معه أي مصاحبين بكتاب الله والتمسك به فاياكم أن تختلفوا فتهلكوا كمن كان قبلكم من الامم وتفشلوا ان تنازعتم فيه.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
الفصل السّابع دراسته أَحَادِيثَ أُخْرَى
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا وَجْهُ حَدِيثِهِ
عن أبي هريرة «١» قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «٢»:
«اللَّهُمَّ إِنَّمَا مُحَمَّدٌ بَشَرٌ، يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ وَإِنِّي قَدِ اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لن نخلفنيه.. فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ آذَيْتُهُ.. أَوْ سَبَبْتُهُ، أَوْ جَلَدْتُهُ فاجعلها له كفارة وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.»
وَفِي رِوَايَةٍ «٣»: «فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ دَعْوَةً»
وَفِي رِوَايَةٍ: «لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ» .
وَفِي رِوَايَةٍ: «فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَبْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ أَوْ جلدته فاجعلها له زكاة وصلاة» . وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَلْعَنَ النَّبِيُّ ﷺ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ!!، وَيَسُبُّ من لا يستحق «٤» السبّ!! ويجلد
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص (٣١) رقم (٥) .
(٢) رواه مسلم.
(٣) عن أنس وليست عن أبي هريرة.
(٤) لقوله في رواية (ليس لها بأهل) .
[ ٢ / ٤٣٨ ]
مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الْجَلْدَ!! أَوْ يَفْعَلُ مِثْلَ ذلك عند الغضب وهو معصوم من هَذَا كُلِّهِ!!.
فَاعْلَمْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَكَ.. أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ أَوَّلًا «لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ» أَيْ عِنْدَكَ يَا رَبِّ فِي بَاطِنِ أَمْرِهِ فَإِنَّ حُكْمَهُ ﷺ عَلَى الظَّاهِرِ كَمَا قَالَ.
وَلِلْحِكْمَةِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَحَكَمَ ﷺ بِجَلْدِهِ أَوْ أَدَّبَهُ بِسَبِّهِ أَوْ لَعْنِهِ بِمَا اقْتَضَاهُ عنده حال ظاهره، ثم دعا له ﷺ لِشَفَقَتِهِ عَلَى أُمَّتِهِ وَرَأْفَتِهِ، وَرَحْمَتِهِ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّتِي وَصَفَهُ اللَّهُ بِهَا، وَحَذَّرَهُ أَنْ يَتَقَبَّلَ اللَّهُ فِيمَنْ دَعَا عَلَيْهِ دعوته أن يجعل دعاءه وفعله له رحمة وهو مَعْنَى قَوْلِهِ «لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ» .. لَا أَنَّهُ ﷺ يَحْمِلُهُ الْغَضَبُ وَيَسْتَفِزُّهُ الضَّجَرُ لِأَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ هَذَا بِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ مِنْ مُسْلِمٍ.
وَهَذَا مَعْنًى صَحِيحٌ. وَلَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ: «أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ» أَنَّ الْغَضَبَ حَمَلَهُ عَلَى مَا لَا يَجِبُ.. بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذَا أَنَّ الغضب لله حمله على ما لا يجب.. بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهَذَا أَنَّ الْغَضَبَ لِلَّهِ حَمَلَهُ عَلَى مُعَاقَبَتِهِ بِلَعْنِهِ أَوْ سَبِّهِ وَأَنَّهُ مِمَّا كَانَ يَحْتَمِلُ، وَيَجُوزُ عَفْوُهُ عَنْهُ أَوْ كَانَ مِمَّا خُيِّرَ بَيْنَ الْمُعَاقَبَةِ فِيهِ وَالْعَفْوِ عَنْهُ.
- وَقَدْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْإِشْفَاقِ وَتَعْلِيمِ أُمَّتِهِ الْخَوْفَ وَالْحَذَرَ مِنْ تَعَدِّي حُدُودِ اللَّهِ.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
- وَقَدْ يُحْمَلُ مَا وَرَدَ مِنْ دُعَائِهِ هُنَا، وَمِنْ دَعَوَاتِهِ عَلَى غَيْرِ وَاحِدٍ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ، عَلَى غَيْرِ الْعَقْدِ وَالْقَصْدِ، بَلْ بِمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ «١» .. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا الْإِجَابَةَ كَقَوْلِهِ «٢»: «تَرِبَتْ «٣» يَمِينُكَ» «وَلَا أَشْبَعَ اللَّهُ بطنك «٤»» و«٥» عقرى «٦» حَلْقَى «٧»» وَغَيْرِهَا مِنْ دَعَوَاتِهِ.
وَقَدْ وَرَدَ فِي صِفَتِهِ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ «٨» أَنَّهُ ﷺ لم يكن فحاشا.
_________________
(١) أي بما جرت به عادة العرب في محاوراتهم يدعون على مخاطبهم بنحو قاتله الله وويل أمه ولا أب له لمن قصد مدحه وتحسين فعله وهو مشهور في غير لسان العرب أيضا
(٢) في حديث رواه الشيخان.
(٣) قال في النهاية: «ترب الرجل اذا افتقر كأنه التصق بالتراب وأترب اذا استغنى اما على همزة السلب او على معنى صار ماله كالتراب كثرة» .
(٤) قاله ﷺ لمعاوية ﵁ فيما رواه مسلم عن ابن عباس ولفظه: «كنت مع الصبيان فجاء رسول الله ﷺ فتواريت خلف الباب فقال اذهب فادع لي معاوية قال: فجئته وقلت هو يأكل فقال ثانيا اذهب فادعه فجئته وقلت هو يأكل فأمرني فجئنه وقلت هو يأكل فقال ﷺ: «لا أشبع الله بطنه» قال البيهقي في الدلائل: «فما شبع بطنه أبدا» .
(٥) وهذا قاله ﷺ لصفية بنت حيي أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها فى حجة الوداع وهو في البخاري بسنده عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ للحج فلما كانت ليلة النفر حاضت صفية فقال ﷺ ما أراها ألا حاسبتكم: الخ» .
(٦) عترى: دعاء عليها من العقر وهو عرقبة الدواب وألفه للتأنيث كسكرى. أو من العقرة وهو رفع الصوت.
(٧) خالقى: دعاء عليها وهو وجع في حلقها. وقيل معناه دعاء الاستئصال كما يستأصل الحالق الشعر.
(٨) وبعضها في صحيح البخاري.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
وَقَالَ «١» أَنَسٌ «٢»: «لَمْ يَكُنْ سَبَّابًا وَلَا فَاحِشًا وَلَا لَعَّانًا» ..
وَكَانَ يَقُولُ لِأَحَدِنَا عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ «٣»: «مَا لَهُ تَرِبَ جَبِينُهُ «٤»» فَيَكُونُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى ثُمَّ أَشْفَقَ ﷺ مِنْ مُوَافَقَةِ أَمْثَالِهَا إِجَابَةً فَعَاهَدَ رَبَّهُ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ أَنْ يَجْعَلَ ذلك للمقول له زَكَاةً وَرَحْمَةً وَقُرْبَةً.
- وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ إِشْفَاقًا على المدعو عليه وتأنيا لَهُ لِئَلَّا يَلْحَقَهُ مِنَ اسْتِشْعَارِ الْخَوْفِ وَالْحَذَرِ مِنْ لَعْنِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَقَبُّلِ دُعَائِهِ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ.
- وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سُؤَالًا مِنْهُ لِرَبِّهِ لِمَنْ جَلَدَهُ أَوْ سَبَّهُ عَلَى حَقٍّ وَبِوَجْهٍ صَحِيحٍ أن يجعل ذلك كَفَّارَةً لِمَا أَصَابَهُ وَتَمْحِيَةً لِمَا اجْتَرَمَ، وَأَنْ تَكُونَ عُقُوبَتُهُ لَهُ فِي الدُّنْيَا سَبَبَ الْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ.
كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ «٥» . «وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ لَهُ كَفَّارَةٌ» ..
فَإِنْ قُلْتَ: «فَمَا مَعْنَى حَدِيثِ «٦» الزُّبَيْرِ «٧» وَقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ
_________________
(١) فيما رواه البخاري.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «؟؟ ٤» رقم «١»
(٣) المعتبة: مصدر ميمي من العتاب وهو بالتاء المثناة من فوق مفتوحة ومكسورة من عتب عليه عند الغضب اذا لامه.
(٤) وفي نسخة (يمينه) .
(٥) الذي رواه الشيخان عن عبادة بن الصامت ﵁.
(٦) الحديث رواه البخاري.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥٩١» رقم «٥» .
[ ٢ / ٤٤١ ]
له حِينَ تَخَاصُمِهِ مَعَ الْأَنْصَارِيِّ فِي شِرَاجِ «١» الْحَرَّةِ «٢» اسق يا زبير حتى يبلغ الماء الكعبين فقال له الأنصاري: أن كان يا رسول الله ابن عمتك! فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسْ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَدْرَ «٣»» الْحَدِيثَ..
فَالْجَوَابُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُنَزَّهٌ أَنْ يَقَعَ بِنَفْسِ مُسْلِمٍ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أَمْرٌ يُرِيبُ.. وَلَكِنَّهُ ﷺ نَدَبَ الزُّبَيْرَ أَوَّلًا إِلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِ حَقِّهِ عَلَى طَرِيقِ التَّوَسُّطِ وَالصُّلْحِ، فَلَمَّا لَمْ يَرْضَ بِذَلِكَ الْآخَرُ، وَلَجَّ، وَقَالَ مَا لَا يَجِبُ، اسْتَوْفَى النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ.
وَلِهَذَا تَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ «٤» عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ: بَابٌ إِذَا أَشَارَ الْإِمَامُ بِالصُّلْحِ فَأَبَى حَكَمَ عَلَيْهِ بِالْحُكْمِ وَذَكَرَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ فَاسْتَوْعَى «٥» رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ.
وَقَدْ جَعَلَ الْمُسْلِمُونَ هَذَا الحديث أصلا في قضيته وفيه الاقتداء
_________________
(١) شراج: بكسر الشين المعجمة وراء مهملة وألف بعدها جيم مسيل صغير في السهل كالقناة جمع شرجة أو شرج.
(٢) الحرة: بفتح الحاء وتشديد الراء المهملتين أرض صلبة تعلوها حجارة سود وهي مكان معروف بطيبة كان فيها وقعة يزيد المشهورة.
(٣) الجدر: بفتح الجيم وسكون الدال وبالراء المهملتين بمعنى الجدار وروي بضم الجيم جمع جدار وروي بفتح الجيم وكسرها وذال معجمة من جذر الحساب وجذر كل شيء أصله والمراد به الحائط.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٥٨» رقم «٣» .
(٥) استوعى: استكمل.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
بِهِ ﷺ فِي كُلِّ مَا فَعَلَهُ فِي حَالِ غَضَبِهِ وَرِضَاهُ، وَأَنَّهُ وَإِنْ نَهَى أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ، فَإِنَّهُ فِي حُكْمِهِ فِي حَالِ الْغَضَبِ وَالرِّضَى سَوَاءٌ لِكَوْنِهِ فِيهِمَا مَعْصُومًا.
وَغَضَبُ النَّبِيِّ ﷺ فِي هَذَا إِنَّمَا كَانَ لِلَّهِ تَعَالَى لَا لِنَفْسِهِ كَمَا جَاءَ فِي الحديث الصحيح.
وَكَذَلِكَ الْحَدِيثُ «١» فِي إِقَادَتِهِ «٢» عُكَاشَةَ «٣» مِنْ نَفْسِهِ لم يكن لتعمّد حَمَلَهُ الْغَضَبُ عَلَيْهِ.. بَلْ وَقَعَ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ أَنَّ عُكَاشَةَ قَالَ لَهُ: «وَضَرَبْتَنِي بِالْقَضِيبِ فَلَا أَدْرِي أَعَمْدًا أَمْ أَرَدْتَ ضَرْبَ النَّاقَةِ» فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «أُعِيذُكَ بِاللَّهِ يَا عُكَاشَةُ أَنْ يَتَعَمَّدَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ»
وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِهِ «٤» الْآخَرِ مَعَ الْأَعْرَابِيِّ حِينَ طَلَبَ ﵇ الِاقْتِصَاصَ مِنْهُ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ: «قَدْ عَفَوْتُ عَنْكَ» وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قَدْ ضَرَبَهُ بِالسَّوْطِ لِتَعَلُّقِهِ بِزِمَامِ نَاقَتِهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى وَالنَّبِيُّ ﷺ يَنْهَاهُ وَيَقُولُ لَهُ: «تُدْرِكُ حَاجَتَكَ» وَهُوَ يَأْبَى.. فَضَرَبَهُ بَعْدَ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ.
وَهَذَا مِنْهُ ﷺ لِمَنْ لَمْ يقف عند نهيه صواب، وموضع أدب،
_________________
(١) الذي رواه ابو نعيم في الحلية. ولم يقل انه موضوع. بينما ذكره ابن الجوزي في الموضوعات.
(٢) اقادته: الافادة في الاصل سوق الدابة ثم استعمل في الاقتصاص بالنفس وغيرها لان الجاني يقاد ليستوفى منه غالبا فأريد به لازم معناه فصار حقيقة فيه.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٤» رقم «٥» .
(٤) هذا الحديث لا يعرف من رواه، ويحتمل انه حديث عكاشة نفسه.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
لكنه ﵇ أَشْفَقَ إِذْ كَانَ حَقَّ نَفْسِهِ مِنَ الْأَمْرِ حَتَّى عَفَا عَنْهُ
وَأَمَّا حَدِيثُ سَوَادِ «١» بْنِ عَمْرٍو أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وأنا متخلق «٢» فقال: وَرْسٌ «٣» وَرْسٌ حُطَّ «٤» حُطَّ وَغَشِيَنِي «٥» بِقَضِيبٍ فِي يَدِهِ فِي بَطْنِي فَأَوْجَعَنِي.. قُلْتُ: الْقَصَاصُ يَا رسول الله.. فكشف لي عن بطنه، إنما ضَرَبَهُ ﷺ لِمُنْكَرٍ رَآهُ بِهِ وَلَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ بِضَرْبِهِ بِالْقَضِيبِ إِلَّا تَنْبِيهَهُ، فَلَمَّا كَانَ مِنْهُ إِيجَاعٌ لَمْ يَقْصِدْهُ طلب التحلل منه على ما قدمناه.
_________________
(١) سواد بن عمرو: انصاري صحابي، وليس هو سواد بن غزية الا انه وقع نقل مثل هذه القصة عنه وأنه ﷺ طعنه بالعصا في خاصرته لكن لا على هذا الوجه كما يأتي اذ ان سواد بن غزية حدث معه ذلك قبل معركة بدر. وقال ابن الملقن في شرح البخاري بعد ما نقل ما في الشفاء: هذا لم يدرك النبي ﷺ فانه صاحب ابن وهب.. فان ثبت هذا فلعله صحابي آخر وافق اسمه واسم أبيه. لكن القصة معروفة بسواد بن عمرو.. وذكر ابن عبد البر رحمه الله تعالى انه سوادة بزيادة الهاء
(٢) متخلق: متضمخ بالخلوق وهو نوع من الطيب يخلط بالزعفران. ولونه بين الحمرة والصفرة، وهو منهي عنه في بعض الاحاديث للرجال.
(٣) ورس: الورس نبت أصفر باليمن يصبغ به ويتعطر وهو منهي عنه كالخلوق نهي تحريم.
(٤) حط: كرد فأصله احطط كاردود.
(٥) غشيني: بمعنى ضربني.
[ ٢ / ٤٤٤ ]
الفصل الثامن أفعاله الدّنيويّة
قال القاضي رحمه الله تعالى: وَأَمَّا أَفْعَالُهُ ﷺ الدُّنْيَوِيَّةُ فَحُكْمُهُ فِيهَا مِنْ تَوَقِّي الْمَعَاصِي وَالْمَكْرُوهَاتِ مَا قَدَّمْنَاهُ، وَمِنْ جَوَازِ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ فِي بَعْضِهَا مَا ذَكَرْنَاهُ، وَكُلُّهُ غَيْرُ قَادِحٍ فِي النُّبُوَّةِ بَلْ إِنَّ هَذَا فِيهَا عَلَى النُّدُورِ، إِذْ عَامَّةُ أَفْعَالِهِ عَلَى السَّدَادِ وَالصَّوَابِ، بَلْ أَكْثَرُهَا أَوْ كُلُّهَا جَارِيَةٌ مَجْرَى الْعِبَادَاتِ وَالْقُرَبِ عَلَى مَا بَيَّنَّا. إِذْ كَانَ ﷺ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا لِنَفْسِهِ إِلَّا ضَرُورَتَهُ وَمَا يُقِيمُ رَمَقَ جِسْمِهِ، وَفِيهِ مَصْلَحَةُ ذَاتِهِ التي يَعْبُدُ رَبَّهُ، وَيُقِيمُ شَرِيعَتَهُ، وَيَسُوسُ أُمَّتَهُ، وَمَا كَانَ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ فَبَيْنَ مَعْرُوفٍ يَصْنَعُهُ، أَوْ بِرٍّ يُوَسِّعُهُ، أَوْ كَلَامٍ حَسَنٍ يَقُولُهُ أَوْ يُسْمِعُهُ، أَوْ تَأَلُّفِ شَارِدٍ، أَوْ قَهْرِ مُعَانِدٍ، أَوْ مُدَارَاةِ حَاسِدٍ، وكل هذا لا حق بصالح أعماله، منتظم في وظائف عباداته.
[ ٢ / ٤٤٥ ]
وَقَدْ كَانَ يُخَالِفُ فِي أَفْعَالِهِ الدُّنْيَوِيَّةِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَيُعِدُّ لِلْأُمُورِ أَشْبَاهَهَا، فَيَرْكَبُ فِي تَصَرُّفِهِ لِمَا قَرُبَ الْحِمَارَ وَفِي أَسْفَارِهِ الرَّاحِلَةَ، وَيَرْكَبُ الْبَغْلَةَ فِي مَعَارِكَ الْحَرْبِ دَلِيلًا عَلَى الثَّبَاتِ وَيَرْكَبُ الْخَيْلَ وَيُعِدُّهَا لِيَوْمِ الْفَزَعِ وَإِجَابَةِ الصَّارِخِ.. وَكَذَلِكَ فِي لِبَاسِهِ وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ بِحَسَبِ اعْتِبَارِ مَصَالِحِهِ وَمَصَالِحِ أُمَّتِهِ.
وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ الْفِعْلَ من أُمُورِ الدُّنْيَا مُسَاعَدَةً لِأُمَّتِهِ وَسِيَاسَةً وَكَرَاهِيَةً لِخِلَافِهَا.. وإن كان قديرى غَيْرَهُ خَيْرًا مِنْهُ، كَمَا يَتْرُكُ الْفِعْلَ لِهَذَا، وَقَدْ يَرَى فِعْلَهُ خَيْرًا مِنْهُ.. وَقَدْ يَفْعَلُ هَذَا فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ مِمَّا لَهُ الْخِيَرَةُ فِي أَحَدِ وَجْهَيْهِ.. كَخُرُوجِهِ مِنَ الْمَدِينَةِ لِأُحُدٍ وَكَانَ مَذْهَبُهُ التَّحَصُّنَ بِهَا. وَتَرْكِهِ قَتْلَ الْمُنَافِقِينَ وَهُوَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَمْرِهِمْ مُؤَالَفَةً لِغَيْرِهِمْ، ورعاية للمؤمنين من قرابته، وَكَرَاهَةً لِأَنْ يَقُولَ النَّاسُ: «إِنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ» كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ «١» .
وَتَرْكِهِ بِنَاءَ الكعبه على قواعد إبراهيم، مراعاة القلوب قريش، وتعظيمهم لتغيّرها، وحذارا مِنْ نِفَارِ قُلُوبِهِمْ لِذَلِكَ، وَتَحْرِيكِ مُتَقَدِّمِ عَدَاوَتِهِمْ للدين وأهله.
_________________
(١) رواه البخاري في عبد الله بن أبي بن سلول.
[ ٢ / ٤٤٦ ]
فَقَالَ لِعَائِشَةَ «١» فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «٢»: «لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَأَتْمَمْتُ الْبَيْتَ عَلَى قَوَاعِدِ إِبْرَاهِيمَ» .
وكان يفعل الْفِعْلَ ثُمَّ يَتْرُكُهُ لِكَوْنِ غَيْرِهِ خَيْرًا مِنْهُ، كَانْتِقَالِهِ مِنْ أَدْنَى مِيَاهِ بِدْرٍ إِلَى أَقْرَبِهَا لِلْعَدُوِّ مِنْ قُرَيْشٍ.
وَكَقَوْلِهِ «٣»: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمري ما استدبرت اسقت الْهَدْيَ «٤»» .
وَيَبْسُطُ وَجْهَهُ لِلْكَافِرِ وَالْعَدُوِّ رَجَاءَ اسْتِئْلَافِهِ وبصبر لِلْجَاهِلِ وَيَقُولُ «٥»: «إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنِ اتَّقَاهُ النَّاسُ لِشَرِّهِ..» وَيَبْذُلُ لَهُ الرَّغَائِبَ «٦» لِيُحَبِّبَ إِلَيْهِ شَرِيعَتَهُ وَدِينَ رَبِّهِ..
وَيَتَوَلَّى فِي مَنْزِلِهِ مَا يَتَوَلَّى الْخَادِمُ مِنْ مِهْنَتِهِ، وَيَتَسَمَّتُ «٧» فِي ملاءته «٨»
_________________
(١) تقدمت ترجمتها في ج ١ ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٢) الذي رواه الشيخان وغيرهما.
(٣) ﷺ في حجة الوداع كما رواه الشيخان.
(٤) وذلك انه ﷺ كان محرما بالحج مفردا وقد ساق الهدي بينما كان الصحابة متمتعين فأصابهم شىء من الذم عند ما رأوا أنفسهم خلاف رسول الله ﷺ متمتعين فلما شعر ﵊ بكراهيتهم لتمتعهم قال الحديث.. «أي وددت أني مثلكم متمتعا لو لم بمعني سوق الهدي والنية»، والامران جائزان.. وفي أيهما أفضل خلاف في كتب الفقه.
(٥) كما في حديث رواه الشيخان عن عائشة ﵂.
(٦) الرغائب: جمع رغيبة وهي ما يرغب فيه من العطايا.
(٧) يتسمت: من السمت وهي الهيئة أي يتخذ هيئة حسنة
(٨) وفي نسخة في (ملائه) أي في جمع من الناس.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
حتى لا يبدو منه شيء من أطرافه، وحتى كأن على رؤوس جُلَسَائِهِ الطَّيْرَ. وَيَتَحَدَّثُ مَعَ جُلَسَائِهِ بِحَدِيثِ أَوَّلِهِمْ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ، وَيَضْحَكُ «١» مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ.
وَقَدْ وَسِعَ النَّاسَ بِشْرُهُ وَعَدْلُهُ. لَا يَسْتَفِزُّهُ الْغَضَبُ، وَلَا يُقَصِّرُ عَنِ الْحَقِّ، وَلَا يُبْطِنُ عَلَى جُلَسَائِهِ.
يَقُولُ: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ «٢»» .
فَإِنْ قُلْتَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ «٣» لِعَائِشَةَ «٤» ﵂ فِي الدَّاخِلِ عَلَيْهِ «٥»: «بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ» .. فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ وَضَحِكَ مَعَهُ، فَلَمَّا خرج سَأَلَتْهُ عَنْ ذَلِكَ قَالَ: «إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ مَنِ اتَّقَاهُ النَّاسُ لِشَرِّهِ» . وَكَيْفَ جَازَ أَنْ يُظْهِرَ لَهُ خِلَافَ مَا يُبْطِنُ، وَيَقُولُ فِي ظَهْرِهِ مَا قَالَ؟.
فَالْجَوَابُ أَنَّ فِعْلَهُ ﷺ كَانَ اسْتِئْلَافًا لِمِثْلِهِ. وتطبيقا لِنَفْسِهِ لِيَتَمَكَّنَ إِيمَانُهُ، وَيَدْخُلَ فِي الْإِسْلَامِ بِسَبَبِهِ أَتْبَاعُهُ، وَيَرَاهُ مِثْلُهُ فَيَنْجَذِبَ بِذَلِكَ إِلَى الْإِسْلَامِ، ومثل هذا على هذا الوجه قد
_________________
(١) وضحكه ﷺ هو التبسم.
(٢) أي لا ينبغي له ان يغمز ويشير بطرف عينيه لاحد أن يفعل شيئا اخفاه ولم يتكلم به والحادثة كانت عند الفتح بسبب ابن أبي سرح الذي كان مهدر الدم ثم جاء ليبايع النبي ﷺ.
(٣) في الحديث الذي رواه الشيخان وغيرهما.
(٤) تقدمت ترجمتها في ج ١ ص «١٤٦» رقم «٥» .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٠١» رقم «٧» .
[ ٢ / ٤٤٨ ]
خَرَجَ مِنْ حَدِّ مُدَارَاةِ الدُّنْيَا إِلَى السِّيَاسَةِ الدينية، وقد كان يَسْتَأْلِفُهُمْ بِأَمْوَالِ اللَّهِ الْعَرِيضَةِ فَكَيْفَ بِالْكَلِمَةِ اللَّيِّنَةِ.
قَالَ صَفْوَانُ «١»: «لَقَدْ أَعْطَانِي وَهُوَ أَبْغَضُ الْخَلْقِ إِلَيَّ، فَمَا زَالَ يُعْطِينِي حَتَّى صَارَ أَحَبَّ الْخَلْقِ إِلَيَّ» .
وَقَوْلُهُ فِيهِ: «بِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ هُوَ» غَيْرُ غِيبَةٍ، بَلْ هُوَ تَعْرِيفُ مَا عَلِمَهُ مِنْهُ لِمَنْ لَمْ يَعْلَمْ لِيَحْذَرَ حَالَهُ وَيُحْتَرَزَ مِنْهُ، وَلَا يُوثَقَ بِجَانِبِهِ كُلَّ الثِّقَةِ، لا سِيَّمَا وَكَانَ مُطَاعًا مَتْبُوعًا.
وَمِثْلُ هَذَا إِذَا كَانَ لِضَرُورَةٍ وَدَفْعِ مَضَرَّةٍ لَمْ يَكُنْ بِغِيبَةٍ، بَلْ كَانَ جَائِزًا، بَلْ وَاجِبًا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ كَعَادَةِ الْمُحَدِّثِينَ فِي تَجْرِيحِ الرُّوَاةِ، وَالْمُزَكِّينَ فِي الشُّهُودِ «٢» .
فَإِنْ قِيلَ فَمَا مَعْنَى الْمُعْضِلِ «٣» الْوَارِدِ فِي حَدِيثِ «٤» بِريرَةَ «٥» مِنْ قَوْلِهِ ﷺ لِعَائِشَةَ «٦» وَقَدْ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ موالي بريرة أبوا بيعها إلا
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢٣٢» رقم «٥» .
(٢) وقد جمع بعضهم الصور التي تجوز فيها الغيبة في قوله: القدح ليس بغيبة في ستة متظلم ومعرف ومحذر ولمظهر فسقا ومستفت ومن طلب الاعانة في ازالة منكر
(٣) المعضل: اسم فاعل من أعضل أي أشكل.
(٤) الذي رواه الشيخان.
(٥) تقدمت ترجمتها في ج ١ ص «١٨٧» رقم «٣» .
(٦) تقدمت ترجمتها في ج ١ ص «١٤٦» رقم «٥» .
[ ٢ / ٤٤٩ ]
أن يكون لهم الولاء «١»، فقال لها ﷺ: «اشْتَرِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ» .. فَفَعَلَتْ ثُمَّ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ.. كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ»، وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ أَمَرَهَا بِالشَّرْطِ لَهُمْ.. وَعَلَيْهِ بَاعُوا، وَلَوْلَاهُ- وَاللَّهُ أَعْلَمُ- لَمَا بَاعُوهَا مِنْ عَائِشَةَ كَمَا لَمْ يَبِيعُوهَا قَبْلُ حَتَّى شَرَطُوا ذَلِكَ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَبْطَلَهُ ﷺ، وَهُوَ قَدْ حَرَّمَ الْغِشَّ وَالْخَدِيعَةَ!!
فَاعْلَمْ أَكْرَمَكَ اللَّهُ.. أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مُنَزَّهٌ عَمَّا يَقَعُ فِي بَالِ الْجَاهِلِ مِنْ هَذَا، وَلِتَنْزِيهِ النَّبِيِّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ مَا قَدْ أَنْكَرَ قَوْمٌ هَذِهِ الزِّيَادَةَ قوله: «إشترطي لهم الولاء» إذ ليس فِي أَكْثَرِ طُرُقِ الْحَدِيثِ «٢» .
وَمَعَ ثَبَاتِهَا «٣» فَلَا اعْتِرَاضَ بِهَا، إِذْ يَقَعُ «لَهُمْ» بِمَعْنَى «عَلَيْهِمْ» .
قال الله تعالى: «أُولئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ «٤»» وقال: «وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها «٥»» .. فَعَلَى هَذَا اشْتَرِطِي عَلَيْهِمُ الْوَلَاءَ لَكِ وَيَكُونُ قِيَامُ النَّبِيِّ ﷺ وَوَعْظُهُ لما سلف لهم مِنْ شَرْطِ الْوَلَاءِ لِأَنْفُسِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَوَجْهٌ ثَانٍ أَنَّ قَوْلَهُ ﷺ «إشترطي لهم الولاء» ليس على
_________________
(١) الولاء: أي ولاء العتاقة.
(٢) هذا ما ذكره الخطابي.
(٣) وهذا ما عليه الاكثر ورواه الثقات من طرق متعددة صحيحة فلا وجه لانكارها
(٤) الاية: ٢٥ سورة الرعد.
(٥) الاية: ٧ سورة الاسراء.
[ ٢ / ٤٥٠ ]
مَعْنَى الْأَمْرِ، لَكِنْ عَلَى مَعْنَى التَّسْوِيَةِ وَالْإِعْلَامُ، بِأَنَّ شَرْطَهُ لَهُمْ لَا يَنْفَعُهُمْ بَعْدَ بَيَانِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ قَبْلُ أَنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ..
فَكَأَنَّهُ قَالَ: «اشْتَرِطِي أولا تَشْتَرِطِي، فَإِنَّهُ شَرْطٌ غَيْرُ نَافِعٍ» . وَإِلَى هَذَا ذهب الداوودي «١» وَغَيْرُهُ.
وَتَوْبِيخُ النَّبِيِّ ﷺ لَهُمْ وَتَقْرِيعُهُمْ عَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِمْ بِهِ قَبْلَ هَذَا.
الْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ «اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلَاءَ» أَيْ أَظْهِرِي لَهُمْ حكمه، وبيّني عندهم سنته أن الْوَلَاءَ إِنَّمَا هُوَ لِمَنْ أَعْتَقَ ثُمَّ بَعُدَ هَذَا قَامَ هُوَ ﷺ مُبَيِّنًا ذَلِكَ، وَمُوَبِّخًا عَلَى مُخَالَفَةِ مَا تَقَدَّمَ منه.
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا مَعْنَى فِعْلِ يُوسُفَ ﵇ بِأَخِيهِ إِذْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِهِ وَأَخَذَهُ بِاسْمِ سَرِقَتِهَا، وَمَا جَرَى عَلَى إِخْوَتِهِ في ذلك وقوله «إنكم لسارقون» وَلَمْ يَسْرِقُوا؟.
فَاعْلَمْ: أَكْرَمَكَ اللَّهُ، أَنَّ الْآيَةَ تدلّ على أن فعل يوسف كان من أَمْرِ اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: «كَذلِكَ كِدْنا لِيُوسُفَ مَا كانَ لِيَأْخُذَ أَخاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ «٢»» فإذا كان كذلك فلا
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٢١٩» رقم «٣» .
(٢) الاية ٧٦ سورة يوسف.
[ ٢ / ٤٥١ ]
اعْتِرَاضَ بِهِ، كَانَ فِيهِ مَا فِيهِ «١» وَأَيْضًا فَإِنَّ يُوسُفَ كَانَ أَعْلَمَ أَخَاهُ بِأَنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ.. فَكَانَ مَا جَرَى عَلَيْهِ بَعْدَ هَذَا مِنْ وَفْقِهِ «٢» وَرَغْبَتِهِ، وَعَلَى يَقِينٍ مِنْ عُقْبَى الْخَيْرِ لَهُ بِهِ، وَإِزَاحَةِ السُّوءِ وَالْمَضَرَّةِ عَنْهُ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: «أَيَّتُهَا الْعِيرُ «٣» إِنَّكُمْ لَسارِقُونَ» «٤»، فَلَيْسَ مِنْ قَوْلِ يُوسُفَ فَيَلْزَمُ عَلَيْهِ جَوَابٌ يَحِلُّ شُبَهَهُ، وَلَعَلَّ قَائِلَهُ إِنْ حُسِّنَ لَهُ التَّأْوِيلُ كَائِنًا مَنْ كَانَ، ظَنَّ عَلَى صُورَةِ الْحَالِ ذَلِكَ.
وَقَدْ قِيلَ «: قَالَ ذَلِكَ لِفِعْلِهِمْ قَبْلُ بِيُوسُفَ وَبَيْعِهِمْ لَهُ» .
وَقِيلَ: غَيْرُ هَذَا. وَلَا يَلْزَمُ أَنْ نُقَوِّلَ الْأَنْبِيَاءَ مَا لَمْ يَأْتِ أَنَّهُمْ قَالُوهُ حَتَّى يُطْلَبَ الْخَلَاصُ مِنْهُ، ولا يلزم الاعتذار عن زلات غيرهم..
_________________
(١) وبه استدل من الائمة من ذهب الى جواز الحيل كأبي حنيفة وأصحابه خلافا للشافعية.
(٢) وفقه: أي اتفاقه.
(٣) العير: الدواب والابل من عار بمعنى ذهب وجاء
(٤) سورة يوسف آية: «٧٠» .
[ ٢ / ٤٥٢ ]
الفصل التاسع حكمة المرض والابتلاء لهم
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْحِكْمَةُ فِي إِجْرَاءِ الْأَمْرَاضِ وَشِدَّتِهَا عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى جَمِيعِهِمُ السَّلَامُ؟!.
وَمَا الْوَجْهُ فِيمَا ابْتَلَاهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْبَلَاءِ، وَامْتِحَانِهِمْ بِمَا امْتُحِنُوا بِهِ كَأَيُّوبَ، وَيَعْقُوبَ، وَدَانْيَالَ، وَيَحْيَى، وَزَكَرِيَّا، وَعِيسَى، وَإِبْرَاهِيمَ، وَيُوسُفَ وَغَيْرِهِمْ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَهُمْ خِيرَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ وَأَحِبَّاؤُهُ وَأَصْفِيَاؤُهُ؟!
فَاعْلَمْ- وَفَّقَنَا اللَّهُ وَإِيَّاكَ- أَنَّ أَفْعَالَ اللَّهِ تَعَالَى كُلَّهَا عَدْلٌ، وَكَلِمَاتِهِ جَمِيعَهَا صِدْقٌ، «لَا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ «١»»، يَبْتَلِي عباده كما قال لهم «لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ «٢»» .. و«لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا «٣»» .. و«وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا «٤»»
_________________
(١) الاية: ١١٥ سورة الانعام.
(٢) الاية: ١٤ سورة يونس.
(٣) الاية: ٢ سورة الملك.
(٤) الاية: ١٤٠ سورة آل عمران.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
و. «لَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ «١»» و.. «وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ «٢»» ..
فَامْتِحَانُهُ إِيَّاهُمْ بِضُرُوبِ الْمِحَنِ زِيَادَةٌ فِي مَكَانَتِهِمْ «ورفعة في فِي دَرَجَاتِهِمْ، وَأَسْبَابٌ لِاسْتِخْرَاجِ حَالَاتِ الصَّبْرِ وَالرِّضَى، وَالشُّكْرِ وَالتَّسْلِيمِ، وَالتَّوَكُّلِ وَالتَّفْوِيضِ، وَالدُّعَاءِ وَالتَّضَرُّعِ مِنْهُمْ، وَتَأْكِيدٌ لِبَصَائِرِهِمْ فِي رَحْمَةِ الْمُمْتَحَنِينَ وَالشَّفَقَةِ عَلَى المبتلين، وتذكرة لغيرهم وموعظة لسواهم، ليتاسسوا فِي الْبَلَاءِ بِهِمْ، وَيَتَسَلَّوْا فِي الْمِحَنِ بِمَا جَرَى عَلَيْهِمْ، وَيَقْتَدُوا بِهِمْ فِي الصَّبْرِ، وَمَحْوٌ لِهِنَاتٍ «٣» فَرَطَتْ مِنْهُمْ، أَوْ غَفَلَاتٍ سَلَفَتْ لَهُمْ لِيَلْقَوُا اللَّهَ طَيِّبِينَ مُهَذَّبِينَ، وَلِيَكُونَ أَجْرُهُمْ أَكْمَلَ وثوابهم أوفر وأجزل.
عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ «٤» عَنْ أَبِيهِ قَالَ «٥»: «قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ:
أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بلاء؟ قال: الأنبياء، ثم الأمثل «٦» فالأمثل،
_________________
(١) الاية: ١٤٢ سورة آل عمران.
(٢) الاية: ٣١ سورة محمد ﷺ.
(٣) هنات: جمع عنه وهي الهفوة الصغيرة.
(٤) مصعب بن ابي وقاص ثقة نزل بالكوفة وتوفي سنة ثلاث عشر ومئة وأخرج له الستة. وأبوه سعد أحد العشرة المبشرين بالجنة.
(٥) الحديث رواه الترمذي.
(٦) الامثل: الافضل.
[ ٢ / ٤٥٤ ]
يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ.»
وَكَمَا قَالَ تَعَالَى: «وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ «١»» الْآيَاتِ الثَّلَاثَ.
وَعَنْ «٢» أَبِي هُرَيْرَةَ «٣»: «مَا يَزَالُ الْبَلَاءُ بِالْمُؤْمِنِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ»
وَعَنْ «٤» أَنَسٍ «٥» عَنْهُ ﷺ: «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الْخَيْرَ عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا. وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدِهِ الشَّرَّ أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،»
وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ «٦» «إِذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا بتلاه لِيَسْمَعَ تَضَرُّعَهُ.»
وَحَكَى السَّمَرْقَنْدِيُّ «٧»: «أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ أَكْرَمَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى كَانَ بَلَاؤُهُ أَشَدَّ، كَيْ يَتَبَيَّنَ فَضْلُهُ، وَيَسْتَوْجِبَ الثَّوَابَ»
كَمَا رُوِيَ عَنْ لُقْمَانَ «٨» أَنَّهُ قَالَ: «يَا بُنَيَّ.. الذهب والفضة
_________________
(١) الاية: ١٤٦ سورة آل عمران.
(٢) في حديث رواه الترمذي وحسنه.
(٣) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥» .
(٤) في حديث رواه الترمذي أيضا وحسنه.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١» .
(٦) رواه الديلمي عن أبي هريرة ﵁.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٥١» رقم «٢» .
(٨) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٨٧» رقم «٦» .
[ ٢ / ٤٥٥ ]
يُخْتَبَرَانِ بِالنَّارِ وَالْمُؤْمِنُ يُخْتَبَرُ بِالْبَلَاءِ»
وَقَدْ حُكِيَ: «أَنَّ ابْتِلَاءَ يَعْقُوبَ بِيُوسُفَ كَانَ سَبَبُهُ الْتِفَاتَهُ في صلاته إِلَيْهِ وَيُوسُفُ نَائِمٌ مَحَبَّةً لَهُ «١»»
وَقِيلَ: «بَلِ اجْتَمَعَ يَوْمًا هُوَ وَابْنُهُ يُوسُفُ عَلَى أَكْلِ حَمَلٍ «٢» مَشْوِيٍّ وَهُمَا يَضْحَكَانِ، وَكَانَ لَهُمْ جَارٌ يَتِيمٌ فَشَمَّ رِيحَهُ وَاشْتَهَاهُ وَبَكَى.. وَبَكَتْ لَهُ جَدَّةٌ لَهُ عَجُوزٌ لِبُكَائِهِ وَبَيْنَهُمَا جِدَارٌ، وَلَا عِلْمَ عِنْدَ يَعْقُوبَ وَابْنِهِ، فَعُوقِبَ يَعْقُوبُ بِالْبُكَاءِ أَسَفًا عَلَى يُوسُفَ إِلَى أَنْ سَالَتْ حَدَقَتَاهُ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ، فَلَمَّا عَلِمَ بِذَلِكَ بَقِيَّةَ حَيَاتِهِ يَأْمُرُ مُنَادِيًا يُنَادِي عَلَى سَطْحِهِ: ألا من كان مفطرا فليتغدّ عِنْدَ آلِ يَعْقُوبَ «٣» .» وَعُوقِبَ يُوسُفُ بِالْمِحْنَةِ الَّتِي نَصَّ اللَّهُ عَلَيْهَا وَرُوِيَ عَنِ اللَّيْثِ «٤» أَنَّ سَبَبَ بَلَاءِ أَيُّوبَ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَ أَهْلِ
_________________
(١) وهذا رواه القرطبي في تفسيره غير مسند.
(٢) الحمل: بفتح الحاء والسين المهملتين الصغير من الضأن لسنة او أقل.
(٣) وقد ذكره هذه القصة الدميري في (حياة الحيوان) وقال: لا ينبغي له ذكره فانه لا صحة له وان رواه الطبراني عن أنس عن شيخه ابن الجهم الباهلي، وهو ضعيف الرواية جدا.. ورواه البيهقي في شعب الايمان.. ومما يدل على عدم صحته ان قوله سالت حدقتاه لا أصل له. وانه مع قوله (لا علم لهما) كيف يصح ان يعاقبا على ما لم يعلما.. كما ان قوله (ابيضت عيناه) بعد قوله (سالت حدقتاه) كلام متناقض وجعله تفسيرا للسيلان تعسف بارد.. والصحيح أنه لم يعم لان العمى لا يجوز على الانبياء عليهم الصلاة والسلام.
(٤) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «١٠٢» رقم «٥» .
[ ٢ / ٤٥٦ ]
قربته عَلَى مَلِكِهِمْ، فَكَلَّمُوهُ فِي ظُلْمِهِ وَأَغْلَظُوا لَهُ إِلَّا أَيُّوبَ فَإِنَّهُ رَفَقَ بِهِ مَخَافَةً عَلَى زَرْعِهِ، فَعَاقَبَهُ اللَّهُ بِبَلَائِهِ «١» .
- وَمِحْنَةُ سُلَيْمَانَ لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ نِيَّتِهِ فِي كَوْنِ الْحَقِّ فِي جَنْبَةِ «٢» أَصْهَارِهِ «٣»، أَوْ لِلْعَمَلِ بِالْمَعْصِيَةِ فِي دَارِهِ وَلَا عِلْمَ عِنْدَهُ.
- وَهَذِهِ فَائِدَةُ شِدَّةِ الْمَرَضِ وَالْوَجَعِ بِالنَّبِيِّ ﷺ
قَالَتْ «٤» عَائِشَةُ «٥»: «مَا رَأَيْتُ الْوَجَعَ عَلَى أَحَدٍ أَشَدَّ مِنْهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ.
وَعَنْ «٦» عَبْدِ اللَّهِ «٧»: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فِي مَرَضِهِ يُوعَكُ وَعْكًا شديدا فقلت: إنك لتوعك وَعْكًا شَدِيدًا قَالَ: أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يوعك رجلان منكم.. قلت ذلك أنّ لك الأجر مرتين!!.
قال: أجل.. ذلك كذلك..
_________________
(١) وهذا لا ينبغي مطلقا في حق الانبياء عليهم الصلاة والسلام. فليت المصنف رحمه الله تعالى تركه.. كما ذكر الخفاجي.
(٢) جنبة: بفتح الجيم والنون وبسكونها أيضا وموحدة بمعنى الجانب. والناحية وفي نسخة (جهته) وفي أخرى (ختة) بنقطة فوق وهو تحريف من الناسخ.
(٣) الصهر: الختن وأهل بيت المرأة يقال لهم أصهار وكل محرم كذلك.
(٤) في حديث رواه الشيخان.
(٥) تقدمت ترجمتها في ج ١ ص «١٤٩» رقم «٥» .
(٦) رواه الشيخان.
(٧) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢١٤» رقم «٢» .
[ ٢ / ٤٥٧ ]
وَفِي حَدِيثِ «١» أَبِي سَعِيدٍ «٢» أَنَّ رَجُلًا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «وَاللَّهِ مَا أُطِيقُ أَضَعُ يَدِي عَلَيْكَ مِنْ شِدَّةِ حُمَّاكَ» .. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ يُضَاعَفُ لَنَا الْبَلَاءُ.. إِنْ كَانَ النَّبِيُّ لَيُبْتَلَى بِالْقَمْلِ «٣» حَتَّى يَقْتُلَهُ، وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ وَإِنْ كانوا ليفرحون بالبلاء كما يفرحون «٤» بِالرَّخَاءِ.»
وَعَنْ أَنَسٍ «٥» عَنْهُ ﷺ «٦»: «إِنَّ عِظَمَ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاءِ.. وَإِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرِّضَى وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السَّخَطُ» .
وَقَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: «مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ «٧»» إِنَّ الْمُسْلِمَ يُجْزَى بِمَصَائِبِ الدُّنْيَا فَتَكُونُ لَهُ كَفَّارَةً «٨» ..
وَرُوِيَ «٩» هَذَا عَنْ عَائِشَةَ «١٠» وَأُبَيٍّ «١١» وَمُجَاهِدٍ «١٢» .
_________________
(١) رواه ابن ماجه والحاكم.
(٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٦٣» رقم «١» .
(٣) القمل: بفتح فسكون أو بضم فتشديد وهو معروف.
(٤) وفي نسخة (تفرحون) .
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٤٧» رقم «١» .
(٦) رواه الترمذي وحسنه.
(٧) الاية: ١٢٣ سورة النساء.
(٨) وهذا التفسير مروي عن أبي بكر ﵁.
(٩) رواه الحاكم.
(١٠) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «١٤٦» رقم «٥» .
(١١) تقدمت ترجمته في ج ٢ ص «٣٢» رقم «٦» .
(١٢) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٧٠» رقم «١» .
[ ٢ / ٤٥٨ ]
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ «١» عَنْهُ ﷺ «٢»: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُصِبْ «٣» مِنْهُ..»
وَقَالَ «٤» فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ: «مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إِلَّا يُكَفِّرُ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا» .
وَقَالَ «٥» فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ: «مَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ نَصَبٍ «٦» ولا وصب «٧» وَلَا هَمٍّ وَلَا حَزَنٍ وَلَا أَذًى وَلَا غَمٍّ حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ.»
وَفِي حَدِيثِ «٨» ابْنِ مَسْعُودٍ «٩»: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى إِلَّا حَاتَّ «١٠» اللَّهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا يُحَتُّ وَرَقُ الشَّجَرِ.»
وَحِكْمَةٌ أُخْرَى أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِي الْأَمْرَاضِ لِأَجْسَامِهِمْ وتعاقب الأوجاع عليها وشدتها عند مماتهم.
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥» .
(٢) رواه البخاري.
(٣) ويروى (يصب) بالبناء للمفعول. واختلف في أي الروايتين أصح فقال ابن الجوزي: «أن الاصح البناء للفاعل» وقال ابن حجر: «ان الاصح البناء للمفعول اذ فيها أدب مع الله بعدم نسبة المصائب اليه» . وأما الاولى ففيها تسليم وتوكيل الامور كلها اليه.
(٤) في حديث رواه الشيخان.
(٥) في حديث رواه الشيخان.
(٦) النصب: التعب.
(٧) الوصب: الوجع.
(٨) رواه الشيخان.
(٩) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٢١٤» رقم «٢» .
(١٠) حات: وحت بمعنى ازال.
[ ٢ / ٤٥٩ ]
لِتَضْعُفَ قُوَى نُفُوسِهِمْ فَيَسْهُلَ خُرُوجُهَا عِنْدَ قَبْضِهِمْ وتخفّ عليهم موتة النَّزْعِ وَشِدَّةُ السَّكَرَاتِ بِتَقَدُّمِ الْمَرَضِ وَضَعْفِ الْجِسْمِ وَالنَّفْسِ لِذَلِكَ. خِلَافُ مَوْتِ الْفُجْأَةِ وَأَخْذِهِ كَمَا يُشَاهَدُ مِنَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمَوْتَى فِي الشِّدَّةِ وَاللِّينِ، وَالصُّعُوبَةِ وَالسُّهُولَةِ..
وَقَدْ قَالَ ﷺ «١»: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ خَامَةِ «٢» الزَّرْعِ تُفَيِّئُهَا «٣» الرِّيحُ هَكَذَا وَهَكَذَا» .
وَفِي «٤» رِوَايَةِ أَبِي هريرة «٥» مِنْ حَيْثُ أَتَتْهَا الرِّيحُ تَكْفِؤُهَا «٦» فَإِذَا سَكَنَتِ اعتدلت، وكذلك المؤمن يكفؤ بِالْبَلَاءِ، وَمَثَلُ الْكَافِرِ كَمَثَلِ الْأَرْزَةِ «٧» صَمَّاءَ مُعْتَدِلَةً حتى يقصمه الله معناه أن المؤمن مرزّأ مُصَابٌ بِالْبَلَاءِ وَالْأَمْرَاضِ، رَاضٍ بِتَصْرِيفِهِ بَيْنَ أَقْدَارِ اللَّهِ تَعَالَى، مُنْطَاعٌ «٨» لِذَلِكَ، لَيِّنُ الْجَانِبِ بِرِضَاهُ وقلة سخطه كطاعة خامة الزرع وانقيادها للرباح، وتمايلها لهبوبها، وترنحها
_________________
(١) في حديث رواه الشيخان عن كعب بن مالك وجابر رضي الله تعالى عنهما.
(٢) خامة: بخاء معجمة وميم العود اللين الذي ليس بغليظ والقصبة الطرية.
(٣) تفيئها: بضم التاء الفوقية وكسر الفاء يليها مثناة تحتية ساكنة ثم همزة والمشهور تسديد الياء التحتية وروى بياء تحتية في أوله أي تميعها.
(٤) صحيح مسلم.
(٥) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣١» رقم «٥» .
(٦) تكفؤها: أي تميلها أيضا.
(٧) الارزة: هو شجر الارز المعروف ويكثر في الجبال.
(٨) منطاع: منقاد.. والفعل يقبل المطاوعة.
[ ٢ / ٤٦٠ ]
مِنْ حَيْثُ مَا أَتَتْهَا، فَإِذَا أَزَاحَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِ رِيَاحَ الْبَلَايَا وَاعْتَدَلَ صَحِيحًا كَمَا اعْتَدَلَتْ خَامَةُ الزَّرْعِ عِنْدَ سُكُونِ رِيَاحِ الْجَوِّ رَجَعَ إِلَى شُكْرِ رَبِّهِ وَمَعْرِفَةِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ بِرَفْعِ بَلَائِهِ مُنْتَظِرًا رَحْمَتَهُ وَثَوَابَهُ عَلَيْهِ. فَإِذَا كَانَ بِهَذِهِ السَّبِيلِ لَمْ يَصْعُبْ عَلَيْهِ مَرَضُ الْمَوْتِ وَلَا نُزُولُهُ، وَلَا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ سَكَرَاتُهُ ونزعه لعادته بما تقدّمه من الالام، ومعرفة ماله فِيهَا مِنَ الْأَجْرِ وَتَوْطِينِهِ نَفْسَهُ عَلَى الْمَصَائِبِ وَرِقَّتِهَا وَضَعْفِهَا بِتَوَالِي الْمَرَضِ أَوْ شِدَّتِهِ.
وَالْكَافِرُ بِخِلَافِ هَذَا، مُعَافًى فِي غَالِبِ حَالِهِ، مُمَتَّعٌ بِصِحَّةِ جِسْمِهِ، كَالْأَرْزَةِ الصَّمَّاءِ حَتَّى إِذَا أَرَادَ اللَّهُ هَلَاكَهُ قَصَمَهُ لِحِينِهِ عَلَى غِرَّةٍ «١» وَأَخَذَهُ بَغْتَةً مِنْ غَيْرِ لُطْفٍ وَلَا رِفْقٍ، فَكَانَ مَوْتُهُ أَشُدَّ عَلَيْهِ حَسْرَةً، وَمُقَاسَاةُ نَزْعِهِ مَعَ قُوَّةِ نَفْسِهِ وَصِحَّةِ جِسْمِهِ أَشَدَّ أَلَمًا وَعَذَابًا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ كَانْجِعَافِ «٢» الْأَرْزَةِ.
وَكَمَا قَالَ تعالى: «فَأَخَذْناهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ «٣»»
وَكَذَلِكَ عَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى فِي أَعْدَائِهِ. كَمَا قَالَ تَعَالَى: «فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِبًا، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ «٤» .» الْآيَةَ فَفَجَأَ جَمِيعَهُمْ بِالْمَوْتِ عَلَى حَالِ عُتُوٍّ
_________________
(١) غرة: الغفلة.
(٢) انجعاف: هو انفعال من الجعف وهو القلع بشدة.
(٣) الاية: ٩٥ سورة الاعراف.
(٤) الاية: ٤٠ سورة العنكبوت.
[ ٢ / ٤٦١ ]
وَغَفْلَةٍ، وَصَبَّحَهُمْ بِهِ عَلَى غَيْرِ اسْتِعْدَادٍ بَغْتَةً.
وَلِهَذَا ذُكِرَ عَنِ السَّلَفِ «أَنَّهُمْ كَانُوا يَكْرَهُونَ مَوْتَ الْفُجْأَةِ» وَمِنْهُ فِي حَدِيثِ إِبْرَاهِيمَ «١»: «كَانُوا يَكْرَهُونَ أَخْذَةً كَأَخْذَةِ الْأَسَفِ» أَيِ الْغَضَبِ يُرِيدُ مَوْتَ الْفُجْأَةِ «٢» .
وَحِكْمَةٌ ثَالِثَةٌ: أَنَّ الْأَمْرَاضَ نَذِيرُ الْمَمَاتِ، وَبِقَدْرِ شِدَّتِهَا شِدَّةُ الْخَوْفِ مِنْ نُزُولِ الْمَوْتِ، فَيَسْتَعِدُّ مَنْ أَصَابَتْهُ وَعَلِمَ تَعَاهُدَهَا لَهُ لِلِقَاءِ رَبِّهِ وَيُعْرِضُ عَنْ دَارِ الدُّنْيَا الْكَثِيرَةِ الْأَنْكَادِ «٣»، وَيَكُونُ قَلْبُهُ مُعَلَّقًا بِالْمَعَادِ، فَيَتَنَصَّلُ مِنْ كُلِّ مَا يَخْشَى تِبَاعَتَهُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ وَقِبَلِ الْعِبَادِ، وَيُؤَدِّي الْحُقُوقَ إِلَى أَهْلِهَا وَيَنْظُرُ فِيمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ وَصِيَّةٍ فِيمَنْ يَخْلُفُهُ أَوْ أَمْرٍ يَعْهَدُهُ.
وَهَذَا نَبِيُّنَا ﷺ الْمَغْفُورُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، قَدْ طَلَبَ التَّنَصُّلَ «٤» فِي مَرَضِهِ مِمَّنْ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ مَالٌ أَوْ حَقٌّ فِي بَدَنٍ. وَأَقَادَ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَمْكَنَ مِنَ الْقِصَاصِ مِنْهُ عَلَى مَا وَرَدَ فِي حَدِيثِ «٥»
_________________
(١) تقدمت ترجمته في ج ١ ص «٣٦١» رقم «١١» .
(٢) ولكنه ليس على اطلاقه اذ هو راحة للمؤمن وعذاب للكافر.
(٣) الانكاد: جمع نكد وهو ما يغم المرء ويسوؤه.
(٤) في خطبة خطبها قبل مرضه بأيام.
(٥) من انه ﷺ ضرب أعرابيا بقضيبه، فلما خطب الناس وقال: من كان له علي حق فليطلبه فقام الاعرابي وقال: يا رسول الله القصاص، فلما كشف له عن بطنه الشريف التزمه وقبله وقال: «انما اردت هذا» .
[ ٢ / ٤٦٢ ]
الْفَضْلِ «١» وَحَدِيثِ الْوَفَاةِ، وَأَوْصَى بِالثَّقَلَيْنِ بَعْدَهُ: كِتَابِ اللَّهِ وَعِتْرَتِهِ وَبِالْأَنْصَارِ عَيْبَتِهِ «٢»، وَدَعَا إِلَى كَتْبِ كِتَابٍ لِئَلَّا تَضِلَّ أُمَّتُهُ بَعْدَهُ، إِمَّا فِي النَّصِّ عَلَى الْخِلَافَةِ، أَوِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ، ثُمَّ رَأَى الْإِمْسَاكَ عَنْهُ أَفْضَلَ وَخَيْرًا.. وَهَكَذَا سِيرَةُ عِبَادِ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَوْلِيَائِهِ الْمُتَّقِينَ وَهَذَا كُلُّهُ يُحْرَمُهُ غَالِبًا الْكُفَّارُ لِإِمْلَاءِ اللَّهِ لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا، وَلِيَسْتَدْرِجَهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: «مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ، فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلا إِلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ «٣»
وَلِذَلِكَ قَالَ ﷺ «٤» فِي رَجُلٍ مَاتَ فُجْأَةً: «سُبْحَانَ اللَّهِ كَأَنَّهُ عَلَى غَضَبٍ.. الْمَحْرُومُ مَنْ حُرِمَ وَصِيَّتُهُ..»
وَقَالَ «٥» «مَوْتُ الفجأة راحة للمؤمن وأخذة أسف للكافر أو «٦» الفاجر» .
_________________
(١) الفضل بن عباس الهاشمي القرشي من شجعان الصحابة ووجوههم، كان أمن ولد العباس ثبت يوم جنين، وأردفه رسول الله ﷺ وراءه في حجة الوداع فلقب «ردف رسول الله» وخرج بعد وفاة النبي ﷺ مجاهدا إلى الشام فاستشهد في وقعة اجنادين «بفلسطين» وقيل مات بناصية الاردن في طاعون عمواس له (٢٤) حديثا توفي سنة (١٣) هـ.
(٢) عيبته: بعين مهملة مفتوحة وياء ساكنة وموحدة وهو ما يجعل المرء فيه نفيس متاعه. لانهم موضع سره وأمانته ومحل رعايته وعنايته وحراسته ووقايته كعيبة الثياب التي يضع فيها الشخص متاعه النفيس.
(٣) الاية: ٤٩ و٥٠ سورة يس.
(٤) في حديث تقدم وروي عن أنس رضي الله تعالى عنه.
(٥) في حديث صحيح رواه أحمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
(٦) الشك من الراوي. وجوز بعضهم كونه من الحديث.
[ ٢ / ٤٦٣ ]
وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي الْمُؤْمِنَ وَهُوَ غَالِبًا مُسْتَعِدٌّ لَهُ مُنْتَظِرٌ لِحُلُولِهِ، فَهَانَ أَمْرُهُ عَلَيْهِ كَيْفَمَا جَاءَ. وَأَفْضَى إِلَى رَاحَتِهِ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَأَذَاهَا.
كَمَا قَالَ ﷺ «١»: «مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ» .
وَتَأْتِي الْكَافِرَ وَالْفَاجِرَ مَنِيَّتُهُ عَلَى غَيْرِ اسْتِعْدَادٍ وَلَا أُهْبَةٍ وَلَا مُقَدِّمَاتٍ مُنْذِرَةٍ مُزْعِجَةٍ، بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ «٢» فلا يستطيعون ردها ولا هم ينظرون.. فَكَانَ الْمَوْتُ أَشَدَّ شَيْءٍ عَلَيْهِ، وَفِرَاقُ الدُّنْيَا أَفْظَعَ أَمْرٍ صَدَمَهُ وَأَكْرَهَ شَيْءٍ لَهُ..
وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ ﷺ بِقَوْلِهِ «٣»: «مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لقاءه» .
_________________
(١) في حديث رواه الشيخان عن أبي قتادة ﵁ في جنازة مرت به فقال تقسيما للموتى عند موتهم.
(٢) تبهتهم: تدهشهم.
(٣) في حديث رواه الشيخان عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه.
[ ٢ / ٤٦٤ ]