مدخل
الفصل الأول: بين يدي السيرة النبوية
بين يدي السيرة النبوية مقدمات وتمهيدات يتحتم علينا أن نطالعها عن كثب، حتى يتسنى لنا أن نسير على الدرب ونعيش في الجو الذي عاش فيه الرسول -صلوات الله وسلامه عليه- منذ نعومة أظفاره إلى أن اختاره الله إلى جواره..، وإذا كنا سنقتصر الآن على بعض هذه المقدمات؛ فلأن ذلك منطق الظروف وحكم الضرورة، وقديمًا قيل: ما لا يدرك كله لا يترك كله١.
وفي مقدمة هذه المقدمات البيت العتيق؛ لأنه هو البيت الذي رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل -﵉- وتوارث العرب تعظيمه على توالي الأجيال.
ثم نتحدث بعد ذلك عن العرب المستعربة في مكة حتى ننتهي إلى قصي وهو الجد الرابع للرسول -ﷺ- لنرى أثره في قريش، وكيف جمع كلمتهم وقوَّى وحدتهم، وأسس دار الندوة، وجمع في يديه كل الوظائف الدينية والسياسية، ثم ورَّثها بعد ذلك لأبنائه وأحفاده.
ونتحدث كذلك عن قصة الذبيحين، وهما: إسماعيل -﵇- وعبد الله بن
_________________
(١) ١ وكان أحسن لو قال: وفي القواعد الفقهية: "ما لا يدرك كله، لا يترك جلّه".
[ ١٤ ]
عبد المطلب والد الرسول -ﷺ- وعن الوثنية وانتشارها في الجزيرة العربية، وعن المجتمع العربي قبيل الإسلام، حتى نتبين الأثر العظيم الذي أحدثه الإسلام في البيئة العربية من القوة والنمو والازدهار..
وأخيرًا نتحدث عن اليهودية والمسيحية في بلاد العرب. وهما الديانتان السماويتان السابقتان على الإسلام، لنرى مدى ما أصابهما من تحريف وما وقع بينهما من صراع. وكيف كانت الوثنية تناصبهما العداء بين الحين والحين، حتى أدى هذا الخلاف إلى مزيد من الفوضى والاضطراب، وكان هذا الجو الذي شاعت فيه الفتن والقلاقل، وفسدت العقائد، جوًّا مناسبًا لظهور دين جديد، تعلو فيه كلمة الحق والتوحيد، ويخرج الله به الناس من الظلمات إلى النور..
[ ١٥ ]
البيت العتيق
مدخل
١- البيت العتيق:
هو ذلك البيت العظيم الذي أسس على التقوى من أول يوم١، والذي جعله الله مثابة للناس وأمنًا، وطهره للطائفين والعاكفين والركع السجود. والذي كان ولا يزال مهوى القلوب، وملتقى الشعور، ومنار الهدى والرشاد.
وهو ذلك المسجد التالد الخالد٢ الذي أفنى جداره الأيام والقرون، وطوى
_________________
(١) ١ كذا قال، وكان أحسن لو أطلق غير هذا الوصف؛ لأن قوله تعالى في القرآن الكريم: ﴿ لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾، جاء في الحديث في سنن الترمذي رقم ٣/ ٢١١ أنه المسجد النبوي في المدينة، وبهذا قال جمهور العلماء. وقال طائفة: "هو مسجد قباء". وانظر تفسير القرطبي ٨/ ٢٥٩ - ٢٦٠. ٢ يريد إلى قيام الساعة، وإلا فالمسجد لا يبقى بعدها على الأرض لا هو ولا غيره من المساجد المقدسة. قال تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ..﴾ .
[ ١٥ ]
ركنه الليالي والعصور، والذي حماه الله من أصحاب الفيل بالطير الأبابيل١، وسيظل يحميه ويرعاه، ويهيئ له من يدافعون عن حرمه وحماه جيلًا بعد جيل، وقبيلًا في إثر قبيل، إلى أن تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ويقوم الناس لرب العالمين.
_________________
(١) ١ أي الجماعات، وستأتي القصة في موضعها.
[ ١٦ ]
بدء بنائه ومحاولات تجديده:
وتختلف الروايات حول بدء هذا البيت العتيق حتى إن بعض الرواة يرجعون به إلى الزمن الغابر البعيد، قبل أن يخلق آدم أبو البشر فيقولون: إن الملائكة -﵈- هم الذين تولوا بناءه١، ويذهب آخرون إلى أن آدم -﵇- هو أول من بناه، ويروون في ذلك حديثًا بسند يتصل إلى الرسول -ﷺ- أنه قال: "بعث الله جبريل إلى آدم وحواء فقال لهما: ابنيا لي بيتًا. فخط لهما جبريل، فجعل آدم يحفر وحواء تنقل التراب، فلما بناه أوحى الله إليه أن يطوف به، وقيل له: أنت أول الناس وهذا أول بيت، ثم تناسخت القرون حتى حجَّه نوح، ثم تناسخت القرون حتى رفع إبراهيم القواعد منه" ٢.
على أن هاتين الروايتين -أعني بناء الملائكة وبناء آدم البيت- موضع خلاف بين العلماء والمؤرخين.
_________________
(١) ١ وهي مجرد أقاويل ليس فيها شيء منسوب للنبي -ﷺ- كما سيأتي. ٢ أخرجه البيهقي كما في "البداية والنهاية" ٢/ ٢٩٩ من طريق ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي الخير، عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعًا. ثم قال: قال البيهقي: "تفرد به ابن لهيعة هكذا مرفوعًا". قلت -القائل ابن كثير-: وابن لهيعة ضعيف، ووقفه على عبد الله بن عمرو أقوى وأثبت، والله أعلم.
[ ١٦ ]
والقول الراجح أنهما غير ثابتتين١، وأنهما على فرض صحتهما ليستا بناء كاملًا للبيت وإنما هو مجرد تأسيس ٢، ولكن الذي لا شك فيه أن إبراهيم وإسماعيل -﵉- هما اللذان رفعا قواعد البيت الحرام، وفي ذلك يقول الله -﷿- في محكم كتابه: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ ٣.
ثم انتقل أمر المسجد الحرام إلى الجراهمة الذين صاهرهم إسماعيل، وظل في أيديهم قرابة ألف عام، ثم آل أمر البيت بعد ذلك إلى قبيلة خزاعة التي أصبحت صاحبة السيادة والسلطان في مكة.
واستمر المسجد الحرام في أيديهم أكثر من قرنين من الزمان، وكثيرًا ما كانت
_________________
(١) ١ قال الحافظ ابن كثير في "البداية والنهاية" ١/ ١٦٣ في قصة بناء البيت العتيق: لم يجئ في خبر صحيح عن معصوم أن البيت كان مبنيًّا قبل الخليل إبراهيم ﵇. ومن تمسك في هذا بقوله تعالى: ﴿مَكَانَ الْبَيْتِ﴾، فليس بناهض ولا ظاهر؛ لأن المراد مكانه المقدر في علم الله، المقرر في قدرته، المعظم عند الأنبياء موضعه من لدن آدم إلى زمان إبراهيم، وقد ذكرنا أن آدم نصب عليه -على الموضع- قبة، وأن الملائكة قالوا: قد طفنا قبلك بهذا البيت، وأن السفينة طافت به أربعين يومًا، ونحو ذلك. ولكن كل هذه الأخبار عن بني إسرائيل. وقد قررنا أنها لا تصدق ولا تكذب فلا يحتج بها، فأما إن ردها الحق فهي مردودة، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾ ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾، أي الحجر الذي كان يقف عليه قائمًا لما ارتفع البناء عن قامته، فوضع له ولده هذا الحجر المشهور ليرتفع عليه إلى آخر ما قال ابن كثير. وقد رجع ابن كثير في "البداية" "٢/ ٢٩٨ - ٢٩٩" فذكروا روايات بني إسرائيل في ذلك، وأعاد التأكيد أنه لا يصح إلا أن البيت من بناء إبراهيم ﵇. ٢ أو بيان للموضع وحدوده فقط. ٣ سورة البقرة، الآية ١٢٧.
[ ١٧ ]
السيول تطغى على مكة وتدمر في هذا المسجد، حتى أعاد بناءه قصي بن كلاب الذي طرد الخزاعيين من مكة وجعل للمسجد سقفًا لأول مرة في تاريخه، وبنى حول المسجد بيوتًا تطل عليه، ثم أشرفت قريش على الكعبة بعد قصي، فأصابها حريق١، فأعادوا بناءها وأقاموا بداخل البناء ستة أعمدة ليعتمد السقف عليها.
_________________
(١) ١ في "السيرة الحلبية" "١/ ٢٢٩" وغيرها، أن سبب الحريق امرأة بخرت الكعبة، فطارت شرارة فعلقت بثوب الكعبة فأحرقتها، وقيل غير ذلك. وجميع هذه الأقوال المتقدمة ليس فيها شيء متيقن، لكنه مذكور في تاريخ الأزرقي، والسيرة الحلبية، وسيرة ابن هشام ١/ ١١٦ وغير ذلك من الكتب، وسيأتي تفصيل في هذا.
[ ١٨ ]
عام الفيل والطير الأبابيل:
ولا بد لنا ونحن نطالع تاريخ المسجد الحرام أن نقف عند هذا العام الخالد في تاريخ العرب -وهو عام الفيل- وقفة طويلة لما تجلى فيه من نصر الله للعرب على الأحباش الظالمين.
ولما ظهر فيه من الآية الكبرى التي حمى الله بها بيته المحرم من عدوان الطغاة وطغيان المعتدين، حيث جعل ﴿كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ ١.
ويذكر الرواة في ذلك أن الأحباش -وكانوا يدينون بالمسيحية- أرادوا أن ينشروا هذا الدين في جزيرة العرب بعد أن استولوا على اليمن، وخصوصًا لما رأوه من تقديس العرب لمكة وللمسجد الحرام وتقديمهم القرابين والنذور والهدايا والهبات إلى سدنة المسجد والقائمين بأمره..
_________________
(١) ١ سورة الفيل ٢ - ٣ - ٤ - ٥.
[ ١٨ ]
وقد بدأ القائد الحبشي في بلاد اليمن -ويسمى أبرهة الأشرم- ببناء كنيسة سماها القُلَّيْس وبذل لها ما استطاعه من العناية. حتى إنه نقل إليها من قصر بلقيس أعمدة من الرخام المجزع، والحجارة المنقوشة بالذهب، ونصب فيها صلبانًا من الذهب والفضة، ومنابر من العاج والأبنوس، ودعا الناس إلى الحج إليها١.
فغضب العرب وثار رجل من بني مالك بن كنانة وأقسم ليعبثن بهذه الكنيسة، وقدم إلى اليمن ودخل الكنيسة كأنه متعبد حتى إذا جاء الليل وخلا المكان قام يعبث بأثاث الكنيسة ويلطخ جدرانها بالقاذورات٢، ولما علم أبرهة في الصباح بما أصاب كنيسته وعرف أن أعرابيًّا كان يبيت بها وأنه المتهم بالعبث ببنائه المقدس، أقسم ليهدمن الكعبة، وجهز لذلك العدة والعديد٣ والبأس الشديد..
وأقبل جيش الحبشة من اليمن فأشرف على مكة بعد أن تخطى إليها التلال والنجاد، والهضاب والوهاد، والصحراء القاسية المترامية، وبعد أن كاد يضل في شعاب الجزيرة الشائكة ومسالكها المشتبكة، ثم استقر بمكان قريب من مكة
_________________
(١) ١ "سيرة ابن هشام" ١/ ٤٤، "دلائل النبوة" للبيهقي ١/ ١١٧، "الروض الأنف" للسهيلي ١/ ٦٣، "البداية والنهاية" ١/ ١٧٠، "المواهب اللدنية" ١/ ١٠١ وغير ذلك. وقال السهيلي في "الروض الأنف": سميت القلَّيْس لارتفاع بنائها وعلوها، ومنه القلانس لأنها في أعلى الرءوس ٢ وفي أكثر الروايات أنه قعد فقضى حاجته، فأحدث وبال، وهذا القول مروي عن ابن عباس وغيره، وذكره من قدمنا ذكرهم، وهو الذي عليه الأكثر. وقيل: أجّجت فتية من العرب نارًا قرب الكنيسة، فحملتها الريح، وكان في عمارة القليس خشب مموه فأحرقته، وهذا القول منقول عن مجاهد. وقيل إن نفيلًا الخثعمي كان يتعرض لأبرهة بالمكروه، ثم إنه جاء ليلة بعذره فلطخ بها قبلة الكنيسة، وألقى فيها جيفًا. ٣ فقيل: إنه بلغ عددهم ستين ألفًا.
[ ١٩ ]
يقال له: "المغمس"١ وأرسل قائد الجيش رسولًا من قبله إلى مكة يدعى "حناطة الحميري"٢ فقال له: سل عن سيد أهل هذه البلاد وشريفها، ثم قل له: إن الملك لم يأت لحربكم، وإنما جاء لهدم هذا البيت. فإن لم تعرضوا لنا دونه بحرب، فلا حاجة له في دمائكم، فإنه هو لم يرد الحرب فأت إليّ به.
فلما دخل حناطة مكة سأل عن سيد قريش وشريفها، فقيل له: عبد المطلب بن هاشم، فجاءه فأخبره بما أمره به أبرهة، فقال له عبد المطلب: "والله ما نريد حربه، وما لنا بذلك منه طاقة، هذا بيت الله الحرام، وبيت خليله إبراهيم -﵇- فإن يمنعه منه فهو بيته وحرمه، وإن يخل بينه وبينه فوالله ما عندنا دفع عنه". فقال حناطة: فانطلق معي إليه، فإنه قد أمرني بذلك.
فانطلق معه عبد المطلب ومعه بعض بنيه حتى أتى المعسكر ووقف بباب أبرهة، فقيل لأبرهة: إن عبد المطلب ببابك، فقال: من هو عبد المطلب؟ قيل: إنه سيد قريش وصاحب عيش٣ مكة، وهو الذي يطعم الناس في السهل والوحوش في رءوس الجبال. فأذن له أبرهة.
وكان عبد المطلب وسيمًا جميلًا شديد الهيبة والوقار. فلما رآه أبرهة، أجلَّه
_________________
(١) ١ بضم الميم، وفتح الغين المعجمة، وكسر الميم الثانية وتشديدها، وهذا الموقع يبعد عن مكة نحو ستة أميال، كما في "دلائل النبوة" ١/ ١١٨. ٢ سيرة ابن هشام ١/ ٥٠، والبداية ١/ ١٧٠ وغيرها، وأنه أرسل حناطة بعد أن كان بعث من المغمس رجلًا من الحبشة، يقال له الأسود، على خيل حتى انتهى إلى مكة، فساق أموالًا وإبلًا من تهامة وغيرهم، فيها مائتي بعير لعبد المطلب جد النبي -ﷺ- وكان يومها كبير قريش وسيدها. كما ذكر ذلك ابن هشام والبغوي واليعمري والدميري وغيرهم وقد قيل في عدد الإبل غير هذا، كما سيأتي بعد. ٣ عند ابن هشام "عير" ١/ ٥١، وكذلك في "تاريخ الطبري" ٢/ ١٢٠، وفي نسخة من ابن إسحاق عين بالنون، وكذلك جاء في "البداية" ١/ ١٧٢.
[ ٢٠ ]
وأعظمه وأكرمه عن أن يجلسه تحته، وكره أن تراه الحبشة يجلس معه على سرير ملكه.
فنزل أبرهة عن سريره فجلس على بساطه وأجلسه معه عليه إلى جنبه، ثم قال لترجمانه: سله عن حاجته: فسأل الترجمان؟ فقال: حاجتي أن يرد علي الملك مائتي بعير أصابها لي. فلما قال له ذلك، قال أبرهة لترجمانه: قد كنت أعجبتني حين رأيتك، ثم قد زهدت فيك حين كلمتني، أتكلمني في مائتي بعير أصبتها لك وتترك بيتًا، هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه، لا تكلمني فيه؟
فقال له عبد المطلب: "إني أنا رب الإبل، وإن للبيت ربا سيمنعه ويحميه".
فرد أبرهة قائلًا: ما كان ليمتنع مني.
فأجابه: أنت وذلك.. فرد أبرهة على عبد المطلب المائتي بعير التي أصابها.. وانطلق عبد المطلب إلى قريش فأخبرهم الخبر١، ثم تعلق بحلقة الكعبة وأستارها في ضراعة الخائف الوجل وإنابة العائذ المستغيث، وأخذ يقول:
لا همّ إن العبد يمـ نع رحله فامنع رحالك٢
_________________
(١) ١ وهذا هو المشهور الذي عليه أكثر كتب السيرة. وقال ابن إسحاق: وكان فيما يزعم بعض أهل العلم، أنه ذهب مع عبد المطلب إلى أبرهة يعمر بن نفاثة بن عدي سيد بني بكر، وخويلد بن واثلة سيد هذيل، فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت فأبى عليهم. قال ابن إسحاق: والله أعلم أكان ذلك أم لا. "سيرة ابن هشام" ١/ ٥٢، و"البداية والنهاية" ١/ ١٧٢. ٢ في أكثر المصادر "حلالك" بكسر الحاء المهملة، والحلال جمع حلة وهي جماعة البيوت. فكأنه أراد البيت وما حوله. وقوله "لا همّ" أصلها: "اللهم" والعرب تحذف الألف واللام.
[ ٢١ ]
وانصر على آل الصليب وعابديه اليوم آلك١
لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبدًا٢ محالك٣
هم جردوا لك جمعهم والفيل كي يسبوا٤ عيالك
عَمَدُوا حِماك بكيدهم جهلًا وما رقبوا جلالك
إن كنت تاركهم وقبـ ـلتنا فأمر ما بدا لك
.. ثم طاف بالبيت منشدًا والناس معه يرددون:
يا رب لا أرجو لهم سواكا رب فامنع منهم حماكا
امنعهموا أن يخربوا قراكا إن عدوّ البيت من عاداكا٥
وهكذا لجأ عبد المطلب ولجأت معه قريش إلى الله يطلبون عونه وحمايته، ثم خرجوا من مكة لكي يتحرزوا في شعف الجبال والشعاب، وينتظرون عدل الله مع هؤلاء الطغاة الظالمين..
وتحرك بعد ذلك جيش الأحباش مدلًا بعظمته وكبريائه، يتقدمه الفيلة بشكلها المهيب المخيف الذي لم تألفه العرب في حروبها، وكان عددهم ثلاثة عشر فيلًا
_________________
(١) ١ هذا البيت زاده السهيلي في "الروض" ١/ ٧٠ وقال: لم يقع في الأصل. ٢ في سائر النسخ التي وقفت عليها "غدوًا" بالغين المعجمة، أي غدًا، وهو اليوم الذي يأتي بعد يومك. قالوا: ولم يرد عبد المطلب الغد بعينه، ولكن أراد قرب الزمان. ٣ المحال، بكسر الميم القوة والشدة. ٤ يسرقوا، وهذا البيت والذي بعده لم يقع في السيرة لابن هشام، ولا عند من نقل عنه ووقع في بعض الروايات اختلاف، وذكر بيوت لم تذكر هنا. ٥ "سبل الهدى والرشاد" للصالحي ١/ ٢٥٤.
[ ٢٢ ]
توجهت جميعها في طريقها إلى الكعبة ما عدا الفيل الأكبر منها فإنه ظل جامدًا في مكانه، فإذا وجهوه إلى اليمن أسرع وهرول، وإذا وجهوه إلى الكعبة وقف ولم يتحول، وكأن الله قد ألهم ذلك الحيوان الأعجم بما تخبئه الحدثان، وما ينتظر ذلك الجيش المعتدي من خسف ونكال وهوان
وما كان مثل هذا الجيش القوي ليغلب أو يتراجع لولا قدرة القوي القاهر التي تجلت في هذه الآية الكبرى الباقية على الدهر، إذ أرسل الله إليهم طيرًا من البحر أمثال الخطاطيف، مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها: حجر في منقاره وحجران في رجليه -أمثال الحمص والعدس- لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك وليس كلهم أصابت١.
وذعر الأحباش واستولى عليهم الرعب والذهول فخرجوا هاربين يبتدرون الطريق الذي منه جاءوا ويسألوا عن الطريق إلى اليمن، فقال أعرابي٢ رآهم في هذه الحيرة، بعدما أنزل الله عليهم من نقمته:
أين المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب ليس الغالب
_________________
(١) ١ "سيرة ابن هشام" ١/ ٥٤، و"الروض الأنف" ١/ ٢٧، و"دلائل النبوة" لأبي نعيم ١/ ١٤٩، و"دلائل النبوة" للبيهقي ١/ ١٢٢- ١٢٣، و"البداية والنهاية" ١/ ١٧٣، و"المواهب اللدنية" ١/ ١٠٣. وقال السهيلي في "الروض الأنف" ١/ ٧٢: وذكر النقاش أن الطير كانت أنيابها كأنياب السبع، وأكفها كأكف الكلاب. وذكر البيهقي أن ابن عباس قال: أصغر الحجارة كرأس الإنسان، وكبارها كالإبل! قال السهيلي: وهذا الذي ذكره البرقي، ذكر ابن إسحاق في رواية يونس عنه. وفي تفسير النقاش أن السيل احتمل جثثهم، فألقاها في البحر. قلت: وسيأتي بعض ذلك. ٢ هو نفيل بن حبيب، فيما ذكر ابن إسحاق وغيره. وسيذكره المؤلف، انظر الحاشية الرابعة الآتية.
[ ٢٣ ]
وجعلوا يتساقطون بكل طريق، ويهلكون بكل مهلك، وأصيب أبرهة في جسده، وخرجوا به معهم يسقط أنملة أنملة، وكلما سقطت أنملة خرج وراءها الدم والقيح الكثير، حتى قدموا به صنعاء وهو مثل فرخ الطير، فما مات حتى انصدع صدره عن قلبه فيما يقولون١.
_________________
(١) ١ انتهى إلى هنا النقل من سيرة ابن هشام، ومن ذكرنا القصة عندهم. أقول: ومع شهرة هذه الحكاية هكذا، فإنها لم تأت من طريق متصل يعتمد عليه ويصح به النقل. على هذا التفصيل، وإن كان الأصل صحيحًا بلا ريب بدليل القرآن. وقد جاءت روايات أصح نقلًا من هذه الرواية أذكرها مع الكلام على أسانيدها: أ- عن ابن عباس قال: "أقبل أصحاب الفيل، حتى إذا دنوا من مكة استقبلهم عبد المطلب، فقال لملكهم: ما جاء بك إلينا، ألا بعثت إلينا فنأتيك بكل شيء أردت. فقال: أخبرت بهذا البيت الذي لا يدخله إلا آمن، فجئت أضيف أهله. فقال: إنا نأتيك بكل شيء تريد، فارجع. فأبى إلا أن يدخله، وانطلق يسير نحوه، وتخلف عبد المطلب فقام على جبل فقال: لا أشهد مهلك هذا البيت وأهله ثم قال: اللهم إن لكل إله حلالًا فامنع حلالك لا يغلبن محالهم أبدًا محالك اللهم إن فعلت فأمر ما بدا لك فأقبلت مثل السحابة من نحو البحر، حتى أظلتهم طيرًا أبابيل التي قال الله، ﷿: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ فجعل الفيل يعج عجًّا: ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ . أخرجه الحاكم ١/ ٥٣٥، والبيهقي ١/ ١٢٢ عنه، ورجاله ثقات إلا قابوس بن أبي ظبيان فهو لين الحديث، لكن يمكن تحسينه بشواهده. وابن عباس، وإن لم يكن حاضرًا الواقعة، لكن من كان في مثل عمله يعتمد عليه في انتقاء الروايات. ب- عن عبيد بن عمير قال: "لما أراد الله -﷿- أن يهلك أصحاب الفيل، بعث عليهم طيرًا، نشأت من البحر، كأنها الخطاطيف، بلق، كل طير منها معه ثلاثة أحجار مجزعة، في منقاره حجر، وحجران في رجليه، ثم جاءت حتى صفت على رءوسهم، ثم صاحت وألقت ما في أرجلها ومناقيرها، فما من حجر وقع منها على رجل إلا خرج من الجانب الآخر " أخرجه البيهقي في "الدلائل" ١/ ١٢٣ - ١٢٤ وابن أبي حاتم -كما في البداية =
[ ٢٤ ]
وإلى هذا الحادث العجيب يشير الله تعالى بقوله في سورة الفيل:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ، أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ، تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ .
وبذلك يتبين لنا مدى الخطأ الذي وقع فيه بعض العلماء الذين أنكروا الطير والحجارة، وقالوا إن الله -﷿- يريد بالطير الرياح المتجمعة، وبالحجارة ذرات التراب التي حملت ميكروب الجدري، فإنه لم يعهد في لغة العرب أن يقال عن الرياح: إنها طير أبابيل أي جماعات من الطير، ولا ينبغي أن يقال ذلك إلا بطريق مجازي بعيد، ولا يصح أن يلجأ إلى مثل هذا المجاز ما دامت الحقيقة غير مستحيلة على قدرة الله١، وكذلك الذرات من التراب، لا يقبل في لغة العرب أن يقال عنها حجارة من سجيل، أي من طين مطبوخ بالنار وهو الآجر.
_________________
(١) = "١/ ١٧٤" وغيرها- بسند حسن عن عبيد بن عمير، وكان أدرك زمن النبي -ﷺ- ولم يشهد الواقعة. ج- عن عثمان بن المغيرة بن الأخنس قال: "كان من حديث أصحاب الفيل أن أبرهة الأشرم الحبشي كان ملك اليمن، وأن ابن ابنته أكشوم خرج حاجًّا، فلما انصرف من مكة نزل بكنيسة بنجران، فغدا عليها أناس من أهل مكة فأخذوا ما فيها من الحلي، وأخذوا متاع أكشوم، فانصرف إلى جده الحبشي مغضبًا فذكر نحو حديث ابن إسحاق المتقدم غير أنه قال: فأخذ مائة ناقة لعبد المطلب". وهذا شاهد مرسل حسن، وأخرجه أبو نعيم في "الدلائل" ١/ ١٤٥-١٤٨ وقال: رويت قصة أصحاب الفيل من وجوه، وسياق عثمان أتمها وأحسنها شرحًا. وهذه الروايات الثلاث تؤيد رواية ابن إسحاق وتقويها. وثمة روايات أخرى. ١ ولأنه لا يجوز العدول عن ظاهر الكلام لمعنى مجازي إلا بقرينة، فكيف إذا كانت القرينة تمنع من ذلك؛ لأن المقام مقام إعجاز.
[ ٢٥ ]
وإذا كانت الريح قد حملت ميكروب الجدري فلماذا هلك الأحباش وحدهم، ولم يهلك معهم العرب؟.
وإذا كان حادث الفيل قد وقع عام ميلاد الرسول -ﷺ- فمن المعقول١ أن "سورة الفيل" قد نزلت على الرسول -ﷺ- في وقت كان يعيش فيه من أهل مكة أناس رأوا حادث الفيل بأعينهم، وبعضهم من أعداء الرسول -ﷺ- فلو لم تكن الطيور طيورًا حقيقية والحجارة حجارة حقيقية لظهر من العرب من يسارع إلى تكذيب هذه السورة، ويعلن ذلك على رءوس الأشهاد وينتهزها فرصة في الكيد لمحمد -ﷺ- والطعن عليه.
ولكن الواقع أن "سورة الفيل" قد نزلت، فتلقاها العرب بالقبول؛ لأنها تقرر حقيقة معروفة عندهم لا شك فيها ولا يجرؤ أحد على إنكارها.
وعلى هذا، فالطير الأبابيل، هي الطيور الحقيقية المعروفة لدى العرب، ولعلها غارات جوية وقعت في هذا العالم قبل الأوان، ولم يصنعها إنسان ليبطش بأخيه الإنسان، ولكن صنعها القهار ليكبح بها جماح الظلم والعدوان.
ولقد سجل العرب في شعرهم هذا الحادث العجيب، وتغنوا به أمام العصور والأجيال، ومن ذلك قول نفيل بن حبيب٢ يصور ما وقع للأحباش في ذلك اليوم:
_________________
(١) ١ بل من المؤكد، وحتى لو لم يبق أحد ممن عاين الواقعة، كان يمكن أن يجابه بالتكذيب من أبناء من شهد؛ لأن هذا من غير شك يكون راسخًا عندهم عن طريق التواتر. والعرب ناقشت وراجعت النبي -ﷺ- فيما ليس لهم به علم، أفلا يراجعوا له فيما علموا، وانظر الآتي. ٢ الماضي ذكره، انظر قبل قليل.
[ ٢٦ ]
ألا حييت عنا يا رُدَينَا١ نعمناكم مع الإصباح عينا
حمدت الله إذا أبصرت طيرًا وخِفْتُ حجارة تلقى علينا٢
وقول أمية بن أبي الصلت:
إن آيات ربنا ثاقبات لا يماري فيهن إلا الكفورُ
حبس الفيل بالمغمس حتى ظل يحبو كأنه معقورُ٣
وقول عبد الله بن قيس من قصيدة طويلة يذكر فيها قصة الفيل والطير والحجارة:
كاده الأشرم الذي جاء بالفيل فولى وجشيه مهزوم
واستهلت عليهم الطير بالجندل حتى كأنه مرجوم ٤
_________________
(١) ١ ردين، مرخم ردينة، وهو اسم امرأة. ٢ وهذا يؤيد ما تقدم من أن الطير والحجارة كانت حقيقية، إذ يمتنع أو يستبعد أن يقع التشبيه المجازي بعينه لواصفين، لا سيما إذا كان ذلك من بعيد المجاز، وما لم يؤلف عند العرب. وقد ذكر ابن إسحاق بين البيتين، ثلاثة أبيات هي: أتانا قابس منكم عشاء فلم يقدر لقابسكم لدينا ردينة لو رأيت ولا يرينهْ لدى جنب المحصب ما رأينا إذًا لعذرتني وحمدت أمري ولم تأسي على ما فات بينا وكذلك جاءت هذه الأبيات في تاريخ الطبري وغيره. ٣ زاد ابن هشام "١/ ٦٢" بينهما بيتًا، وبعدهما أبياتًا، ومما زاد بينهما: ثم يجلو النهار رب رحيم بمهاة شعاعها منثور ٤ قال السهيلي في "الروض" ١/ ٨١ قوله: "حتى كأنه مرجوم"، وهو قد رجم، كيف شبهه، وهل يجوز أن يقال في مقتول: كأنه كالمقتول. فنقول: لما ذكر استهلال الطير، وجعلها كالسحاب يستهل بالمطر، والمطر ليس برجم، =
[ ٢٧ ]
وهكذا حمى الله بيته المحرم من عدوان الظالمين؛ لأنه البيت العتيق الذي كان مصدر الهدى والنور منذ رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل -﵉- فلما تغيرت الأحوال وعبد العرب الأصنام، وتركوا النور، وتخبطوا في الظلام، شاء الله ألا يطول عليهم الأمد في الظلام، وأراد بهم الخير فحمى هذا البيت من عدوان الأحباش ليعود إليه مجده التليد، ويتلألأ النور فيه من جديد، على يدي محمد بن عبد الله -ﷺ- نبي الإسلام الذي ولد في هذا العام١، ثم بعثه الله بعد ذلك هداية ورحمة للعالمين.
_________________
(١) = وإنما الرجم بالأكف ونحوها، شبهه بالمرجوم الذي يرجمه الآدميون، أو من يعقل ويتعمد الرجم من عدو ونحوه، فعند ذلك يكون المقتول بالحجارة مرجومًا على الحقيقة. ولما لم يكن جيش الحبشة كذلك، وإنما أمطروا حجارة، فمن ثم قال كأنه مرجوم، انتهى. قلت: فأفاد التشبيه معنيين: الأول: أن الطيور كانت متعمدة للرمي، كما يتعمد الراجم الرجم، وهذا من الإعجاز. الثاني: شدة النكال الحاصل بالمقتول حتى كأنه رجم، وأصابته الحجارة الكثيرة في كل موضع، عبارة عن كثرة ما سقط عليهم من الحجارة. ١ كونه -ﷺ- ولد عام الفيل، جاء من طرق متعددة: عند أبي نعيم في "الدلائل" ١/ ١٤٤، وابن إسحاق في "السيرة" ١/ ١٥٩، والترمذي في سننه "٣٦٢٣" وقال: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن إسحاق، والحاكم في "المستدرك" "٢/ ٦٠٣" وقال: صحيح على شرط مسلم، والبزار والطبراني كما في "مجمع الزوائد" ١/ ١٩٦، وابن سعد في "الطبقات" ١/ ١٠١. ومجموع هذه الروايات يقتضي صحة ذلك.
[ ٢٨ ]
بقية الأخبار عن عمارة البيت العتيق:
وقبيل البعثة النبوية، وحينما كان الرسول -ﷺ- في الخامسة والثلاثين من عمره
[ ٢٨ ]
أصاب الكعبة سيل جارف صدع جدرانها، فهدمتها قريش بعد تردد، ثم أعادت بناءها، حتى إذا وصلوا إلى مكان الحجر الأسود اختلفوا وكادت تنشب بينهم حرب طاحنة لولا أنهم احتكموا إلى أول داخل من باب الصفا، فكان هذا الداخل محمد بن عبد الله -ﷺ- وهو المعروف لديهم بالأمين. فاستبشروا به وحكموه فيما شجر بينهم.
فرأى بحكمته أن يضع الحجر في ثوب، ثم طلب إلى رؤساء القبائل المتنازعة أن يرفعوه، ثم وضعه بيده في مكانه١.
_________________
(١) ١ مختصر من سيرة ابن هشام ١/ ٢٠٤- ٢٠٩، و"الروض الأنف" ١/ ٢٢٥، و"المواهب اللدنية" ١/ ١٩٣، وغير ذلك. ولم يسند ابن إسحاق هذه الرواية بإسناد معتبر، فتارة يقول: حدثني بعض من يروي الحديث، ومرة يقول: حُدِّثنا، وثالثة يقول: زعم بعض أهل الرواية. وأنا أنقل هنا أصح ما جاء في ذلك من الروايات المسندة: أ- عن جابر قال: لما بُنيت الكعبة، كان العباس والنبي -ﷺ- ينقلان من الحجارة فقال العباس: اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة، فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء، فقال: "إزاري إزاري" فقام فشد عليه إزاره. أخرجه أحمد ١/ ٣٨٠، والبخاري رقم "١٨٥٢"، ومسلم "٣/ ١٢١" وغيرهم. وجابر وإن لم يشهد الواقعة، فلعله سمع ذلك من العباس أو ممن يثق به. ب- عن عبد الله بن السائب قال: كنت فيمن بنى البيت، وأخذت حجرًا فسويته ووضعته إلى جنب البيت، وإن قريشًا اختلفوا في الحجر حين أرادوا وضعه، حتى كاد أن يكون بينهم قتال بالسيوف، فقالوا: اجعلوا بينكم أول رجل يدخل من الباب. فدخل رسول الله -ﷺ- وكانوا يسمونه الأمين -في الجاهلية- فقالوا: قد دخل الأمين، يا محمد قد رضينا بك. فدعا بثوب فبسطه -فذكر مثل ما عند ابن إسحاق. أخرجه أحمد، كما في "المجمع" ٣/ ٢٩٢، والحاكم في "المستدرك" ١/ ٤٥٨، وأبو نعيم في "الدلائل" ص١٧٥، وغيرهم بسند رجاله ثقات، لكن هلال بن خباب أحد رواته تغير حفظه في آخر أمره. ج- عن علي بن أبي طالب: -وذكر حديثًا طويلًا فيه جميع ما جاء عند عبد الله بن السائب- =
[ ٢٩ ]
وبذلك انتهى النزاع والخصام وحل الصفاء والوئام.
وكانت الوثنية قد تسربت إلى مكة في عهد الخزاعيين، وكانت الأصنام تحيط ببيت الله المحرم على عدد قبائل العرب، فلما فتح النبي -ﷺ- مكة في العام الثامن الهجري، طهر الكعبة من الأصنام، وأعلن فيها كلمة التوحيد ومبادئ الإسلام.
ثم توالت الأحداث بعد ذلك على المسلمين، فأصيب المسجد الحرام في عهد يزيد بن معاوية على يدي الحصين بن نمير الذي رمى الكعبة بالمنجنيق حتى تناثرت حجارتها واشتعلت فيها النيران.
ولما مات يزيد وانفك الحصار عن مكة، بدأ عبد الله بن الزبير في بناء الكعبة من جديد١.
_________________
(١) = أخرجه الحاكم في "المستدرك" ١/ ٤٥٨، والبيهقي في "دلائل النبوة" ٢/ ٥٦ ورجاله ثقات. وبهذا تكون القصة ثبتت. وانظر "فتح الباري" ٣/ ٤٤١-٤٤٢ فإنه ذكر الاختلاف في وقت حصول هذا البناء فقال: فقال مجاهد: كان ذلك قبل المبعث بخمس عشرة سنة، وكذا رواه ابن عبد البر من طريق محمد بن جبير بن مطعم، وبه جزم موسى بن عقبة في مغازيه. والقول الأول: وأنه كان للنبي -ﷺ- خمس وثلاثون -أو هو قبل المبعث بخمس سنين- هو الأشهر، وبه جزم ابن إسحاق، ويمكن أن يجمع بينهما بأن هدم الكعبة كان أولًا، ثم تم البناء في الوقت الآخر. ١ هذه الرواية لابن سعد، كما في "فتح الباري" ٣/ ٤٤٥. وقد صح في البخاري "١٥٨٦" عن يزيد بن رومان قال: "شهدت ابن الزبير حين هدمه -للبيت- وبناه، وأدخل فيه الحجر وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنة الإبل". وفي لفظ لمسلم: "لما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية حين غزاه أهل الشام، فكان من أمره ما كان ". وروى الفاكهي في كتاب مكة من طرق أبي أويسة، عن يزيد بن رومان وغيره: "لما أحرق أهل الشام الكعبة ورموها بالمنجنيق، وهت الكعبة". ونحو هذا جاءت روايات متعددة مذكورة في "الفتح" ٣/ ٤٤٥، وذكر ابن حجر الخلاف في وقت البناء هل كان سنة أربع أو خمس وستين، ثم قال: ويمكن الجمع بين الروايتين، بأن ابتدأ البناء سنة أربع، وانتهى سنة خمس -أي وستين- فامتد أمده إلى الموسم ليشنع بذلك على بني أمية. قلت: وكان سبقه لهذا الجمع ابن الجوزي في "المنتظم" ص١٥٥٣ في حوادث سنة خمس وستين.
[ ٣٠ ]
يقول العلامة تقي الدين الفاسي في كتابه "شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام":
وأما بناء ابن الزبير للكعبة فهو ثابت مشهور، وسبب ذلك توهن الكعبة من حجارة المنجنيق، التي أصابتها حين حوصر ابن الزبير في مكة في أوائل سنة أربع وستين من الهجرة، لمعاندته يزيد بن معاوية وما أصابها مع ذلك من الحريق بسبب النار التي أوقدها بعض أصحاب ابن الزبير في خيمة له، فطارت الرياح بلهب تلك النار فأحرقت كسوة الكعبة والسياج الذي بني في الكعبة حين عمرتها قريش، فضعفت جدران الكعبة حتى إنها لينقض من أعلاها إلى أسفلها، ويقع الحمام عليها فتتناثر حجارتها١..
ولما زال الحصار عن ابن الزبير لإدبار الحصين بن نمير من مكة بعد أن بلغه موت يزيد بن معاوية رأى ابن الزبير أن يهدم الكعبة ويبنيها، فوافقه على ذلك نفر قليل، وكره ذلك نفر كثير منهم ابن عباس٢ ﵄.
ولما أجمع على هدمها خرج كثير من أهل مكة إلى منى مخافة أن يصيبهم عذاب، وأمر ابن الزبير جماعة من الحبشة فهدمتها، رجاء أن يكون فيهم الحبشي الذي أخبر الرسول -ﷺ- عنه أنه يهدمها فهدمت الكعبة أجمع حتى بلغت الأرض..
وقد اختلفت الأخبار فيمن وضع الحجر الأسود في موضعه من الكعبة حين
_________________
(١) ١ أخرج هذه الرواية في قصة الحريق الفاكهي عن عثمان بن ساج كما في "الفتح" ٣/ ٤٤٥، لكن في القصة أيضًا أن سبب الحريق هو الحصين بن نمير وجيشه. ٢ "البداية والنهاية" ٨/ ٢٧١ نقلًا عن الواقدي، و"فتح الباري" ٣/ ٤٤٨ ونسبه للفاكهي وجزم بذلك.
[ ٣١ ]
بناها ابن الزبير فقيل: وضعه عبد الله بن الزبير بنفسه، وقيل: وضعه عباد بن عبد الله بن الزبير١.
ولما قتل عبد الله بن الزبير بيد الحجاج بن يوسف الثقفي أرسل الحجاج إلى الخليفة عبد الملك بن مروان يخبره بأن ابن الزبير حين بنى الكعبة زاد فيها ما ليس منها -أي وسعها بعض الشيء- وأحدث فيها بابًا آخر لم يكن فيها أيام الجاهلية٢، ويستأذنه في ردِّ ذلك إلى ما كان عليه فأذن له عبد الملك في ذلك٣..
_________________
(١) ١ "شفاء الغرام" ١/ ٩٨. ٢ لم يحدث ابن الزبير ذلك من تلقاء نفسه، ولكن سمع في ذلك خبرًا صحيحًا عن خالته أم المؤمنين عائشة، عن النبي -ﷺ- أنه قال لعائشة: "لولا حدثان قومك بكفر، لنقضت الكعبة، ولأدخلت فيها الحِجْر، فإن قومك قصرت بهم النفقة ولجعلت لها بابًا شرقيًّا وبابًا غربيًّا، يدخل الناس من أحدهما ويخرجون من الآخر ". وقد سمع هذا الحديث من عائشة جماعة كثيرون منهم: أ- عبد الله بن محمد بن أبي بكر. ب- الأسود بن يزيد. ج- عروة بن الزبير. وغيرهم، صح جميع ذلك في "صحيح البخاري" ١٥٨٣-١٥٨٤-١٥٨٥-١٥٨٦، و"مسلم" ٣/ ٢١٢ وغيرهما. ٣ قال الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٣/ ٤٤٨: وذكر الأزرقي، أن سليمان بن عبد الملك هم بنقض ما فعله الحجاج، ثم ترك ذلك لما ظهر له أنه فعله بأمر أبيه عبد الملك. ولم أقف في شيء من التواريخ على أن أحدًا من الخلفاء ولا من دونهم غير من الكعبة شيئًا مما صنعه الحجاج إلى الآن -سيأتي ذكر وقت كلامه- إلا في الميزاب والباب والعتبة، وكذلك وقع الترميم في جدارها غير مرة، وفي سقفها، وفي سلم سطحها، وجدد فيه الرخام، فذكر الأزرقي عن ابن جريج أن أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك. ووقع في جدارها الشامي ترميم في شهور سنة سبعين ومائتين، ثم في شهور سنة اثنتين وأربعين وخمسمائة، ثم في شهور سنة تسع عشرة وستمائة، ثم في سنة ثمانين وستمائة، ثم في شهور سنة أربع عشرة وثمانمائة وقد ترادفت الأخبار الآن في وقتنا هذا في سنة اثنتين وعشرين أن جهة الميزاب فيها ما يحتاج إلى ترميم ثم ذكر بعض ما رآه هو، وأن سقفها نقض سنة سبع وعشرين على يدي بعض الجند، فجدد لها سقف ورخم السطح، ثم نقض سنة ثلاث وأربعين وجدِّد
[ ٣٢ ]
وفي أوائل القرن الحادي عشر الهجري والسابع عشر الميلادي أصيبت الكعبة بسيول جارفة وأمطار شديدة صدعت جدرانها حتى أخذت حجارتها تتساقط وحتى فزع الناس واضطربوا، فأرسل والي مصر -حينئذٍ- واسمه محمد باشا الألباني جماعة من المهندسين والبنائين المصريين فهدموا بقية الجدران وبنوا الكعبة من جديد.
وربطوا الحجر الأسود بسوار متين من الفضة حتى لا يتآكل على مر السنين وهذا البناء هو القائم الآن في مكة المكرمة، وهو الذي أسهمت فيه مصر بالحظ الأوفر وهو يبلغ من الارتفاع خمسة عشر مترًا، وطول جداره الشمالي ٩.٩٢ مترًا والجنوبي ١٠.٢٥ مترًا والشرقي ١١.٨٨ مترًا والغربي ١٢.٢٥ مترًا.
ويوجد الباب بالجدار الشرقي ويرتفع عن الأرض بمقدار مترين، وعتبة الباب ومصراعاه مصفحة بصفائح من الفضة المطلية بالذهب، ويلاصق جدران الكعبة من الخارج بناء من الرخام -يسمى الشاذروان- وقد أقيم لتقوية الجدران، وفي الركن الجنوبي الشرقي يوجد الحجر الأسود، وهو الذي يبدأ منه الطواف ويرتفع عن الأرض مترًا ونصف متر.
[ ٣٣ ]
الحجر الأسود:
ويقتضينا الحديث عن المسجد الحرام أن نخصص كلمة عن الحجر الأسود وأن نلقي الأضواء على ما ورد فيه من آثار، سائلين الله أن يكشف لنا طريق الحق، وأن يجنبنا شر الزلل.
[ ٣٣ ]
ولقد وردت آثار كثيرة في فضل هذا الحجر، وفيها ما يدل على أنه من الجنة، ولا بد لنا أن نقف أمام هذه الروايات وقفة الفاحص المتأمل، حتى يمكن أن يظهر الحق أمامنا وحتى يكون حكمنا متمشيًّا مع روح العدل والإنصاف، فلقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: سمعت رسول الله -ﷺ- يقول: "إن الحجر والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة طمس الله نورهما، ولولا أن الله طمس نورهما، لأضاءا ما بين المشرق والمغرب" ١.
وفي رواية أخرى٢: "لأضاءا ما بين المشرق والمغرب ولأبرآ من استلمهما من الخرس والجذام والبرص".
وروي عن ابن عباس -﵄- أن رسول الله -ﷺ- قال: "نزل الحجر الأسود من الجنة وهو أشد بياضًا من اللبن فسوَّدته خطايا بني آدم" ٣.
ويذكر العلامة تقي الدين الفاسي رواية أخرى عن ابن عباس تتعارض مع
_________________
(١) ١ أخرجه أحمد في "المسند" ٢/ ٢١٣، والترمذي ٨٧٨، وابن خزيمة في صحيحه ٢٧٣٢ وابن حبان كذلك ٣٧١٠، والحاكم في "المستدرك" ١/ ٤٥٦، والبيهقي في "السنن الكبرى" ٥/ ٧٥، وعبد الرزاق ٨٩٢١ وجماعة. وقد اختلف العلماء فيه، فصححته طائفة، وضعفته أخرى، وقالت ثالثة: الصحيح أنه موقوف على عبد الله بن عمرو كأبي حاتم مثلًا في "العلل" رقم ٨٩٩ لولده. فأما قول ضعفه مطلقًا فليس بجيد لمجيئه من عدة طرق ضعيفة تقتضي التحسين. وكذا التصحيح، ليس بجيد فالحديث لا يبلغ ذلك، ولكن بقيت علة الوقف قائمة. فإن كان ابن عمرو لم يأخذ ذلك عن أهل الكتاب، فمثل هذا لا يقال بالرأي، فيرجع لحكم الرفع، وإلا فلا. ٢ أخرجها البيهقي في "السنن الكبرى" ٥/ ٧٥ من وجهين، اجتماعهما قوي، وله شاهد عن ابن عباس عند الطبراني بسند حسن كما قال المنذري في "الترغيب" ٢/ ١٩٤. ٣ أخرجه الترمذي ٨٧٧ وقال: حسن صحيح، وابن خزيمة في صحيحه ٢٧٣٣- ٢٧٣٤، وغيرهما، ولفظ ابن خزيمة: "أشد بياضًا من الثلج". وهو حديث حسن باجتماع طرقه، صحيح باجتماع شواهده.
[ ٣٤ ]
الرواية السابقة المذكورة عن ابن عباس نفسه إذ يقول: "وإنما غيره الله بالسواد؛ لئلا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة وإنه لياقوتة بيضاء" ١.
وهذه الروايات وأمثالها تحمل في طياتها ما يهدمها٢. إذا يعارض بعضها بعضًا، ثم هي في ذاتها لا تقوم على أساس ولا تستهدف غرضًا سليمًا٣، فأما تعارضها فلأن الروايتين المذكورتين عن ابن عباس تفيد إحداهما أن الحجر كان أشد بياضًا من اللبن ثم اسود بذنوب بني آدم وخطاياهم.
وأما الثانية فإنها تفيد أنه اسود قبل أن يطوف به أحد٤، أي أن الذنوب والخطايا لم تغير بياضه إلى سواد، وإنما أراد الله ذلك حتى لا ينظر أهل الدنيا إلى زينة الجنة حينما يرون الحجر وهو ياقوتة بيضاء.
وأما أنها لا تقوم على أساس، ولا تستهدف غرضًا سليمًا، فلأن قيمة هذا لا تزداد إذا كان من أحجار الجنة ولا تنقص إذا كان من أحجار الأرض، ذلك بأن قيمة الشيء إنما تكون في الجوهر لا في العَرَض، وفي اللباب دون القشور٥.
_________________
(١) ١ هذه الرواية أخرجها الجندي في "فضائل مكة" بسند ضعيف، كما ذكر ابن حجر، ونقل ذلك عنه الزبيدي في "إتحاف السادة المتقين" ٤/ ٣٤٤. ثم إنه لا تعارض مؤكد بين الروايتين كما ذكر المؤلف وإنما فيه بيان الحكمة التي لأجلها قضى الله تعالى أن تغيره الخطايا وتسوده. ثم على فرض وجود تعارض -وهو غير موجود- فلا عبرة به؛ لأن من شرط المعارض أن يساوي معارضه في الصحة، لا أن يكون أحدهما صحيحًا والآخر واهيًا، فعندئذٍ لا تعارض. ٢ كذا قال، وقد عرفت ضعف ما قاله. ٣ هذا من أعجب العجب، وكيف لا يكون حديث فيه بيان فضل الحجر، وعظم أثر الذنوب، وبعث الشوق الكامن لزيارة المقدسات يستهدف غرضًا سليمًا!!. ٤ لا أدري من أين استفاد ذلك، وجملة ما فيه أنه غيّره، من غير ذكر وقت التغيير. ٥ هكذا يضل العقل إذا سمح للخيال أن يطلق الأسماء والصفات، ويسمى ما يريد قشرًا، ويسمى آخر لبًّا. ثم كيف يجرؤ مسلم بعد ثبوت النص على رده بمزاعم وافتراضات =
[ ٣٥ ]
فالذهب وسط التبر هو الذهب وسط التراب، والحصى بين اللآلئ الغالية هو الحصى بين الرمال السافية.
والكعبة المشرفة قد بنيت من أحجار الأرض ومع ذلك فهي بيت الله الذي يشع بالهدى والنور، ويسمو على ما في الجنة من بيوت وقصور١، ثم ما هي الحكمة في أن ينزل الله من الجنة ياقوتتين مضيئتين ثم يطمس نورهما؟ إنهما إذن يفقدان خاصيتهما الكريمة وينزلان إلى مستوى الحصى والتراب، أو ما كان الأجدر أن يظلا ياقوتتين مضيئتين ليكونا آية الله الخالدة على الزمن، والمنارة الهادية التي تجلو غواشي الشك وتبدد ظلمات الحيرة٢؟ ثم ما هي العلاقة بين
_________________
(١) = ولا ينقضي عجبي من رد المؤلف لهذه الروايات جميعها، بهذه السفاسف التي اعتمدها، ولم ينطق بها أحد من علماء المسلمين لمخالفتها قواعد العلم وحكمة التشريع. إلا ما جاء عن بعض الملاحدة كما يقال الحافظ ابن حجر حين قال: وقد طعن بعض الملاحدة فقال: كيف سودته الخطايا، ولم تبيضه الطاعات. فأجيب بأن الله تعالى أجرى عادته أن السواد يصبغ ولا ينصبغ وبات في ذلك عظة ظاهرة هي تأثير الذنوب في الحجارة، فالقلوب أولى "إتحاف السادة المتقين" ٤/ ٣٤٤. أقول: فهل هذه الموعظة البليغة من القشور. وهل الإعجاز في نزول حجر من السماء إلى الأرض يختص بالكعبة من القشور. ثم ما هذه أضحوكة الجوهر والعرض، على أنها تخالف قول المؤلف؛ لأن المشتغلين بالفلسفة يقدمون الجوهر على العرض، والجوهر هنا أصل الحجر، والعرض ما ينبعث منه، فقصة الجوهر والعرض ترد على المؤلف ولا تؤيده. وما أرى له هنا مثلًا إلا كقول القائل: "فخر عليهم السقف من تحتهم"، فقلنا له: حجة ولا قرآن. ١ وهنا نسأله، هل جاء على هذا بنص صريح صحيح، وإن صح، فما علاقة سمو الكعبة المشرفة، بأن لا يكون فيها حجر من الجنة!!. ٢ هذه حكمة يجهلها من لم يعرف مقاصد الشريعة، واسمع هذا النقل الآتي: وقد صح في صحيح البخاري وغيره "١٠٥٢" من حديث ابن عباس في صلاة الكسوف، باب صلاة الكسوف جماعة: قال رسول الله -ﷺ-: "إني رأيت الجنة، فتناولت عنقودًا، ولو أصبته لأكلتم ما بقيت الدنيا "، الحديث قال الحافظ ابن حجر في الشرح ٢/ ٥٤١: وصح عند مسلم عن جابر: "ولقد مددت يدي وأنا أريد أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليه ثم بدا لي أن لا أفعل"، ثم قال ابن حجر يعدد الأقوال في حكمة ذلك: وقيل: لأنه لو رآه الناس لكان من إيمانهم بالشهادة لا بالغيب، فيخشى أن يقع رفع التوبة، فلا ينفع نفس إيمانها بعد ذلك قلت: فهذه حكمة من تلك الحكم فافهم ولا تغلط ولا تغالط.
[ ٣٦ ]
الياقوت المضيء والإبراء من الخرس والجذام والبرص١؟ وإذا قيل: إن الحجر كان أشد بياضًا من اللبن ثم سودته خطايا الناس وذنوبهم، فلماذا لم يره أحد من الناس في زمن بياضه٢؟ ولماذا لا يزداد سواده على توالي الأزمنة والعصور٣؟
كل هذه الخواطر التي تجول في النفس تجعلنا ننظر إلى مثل هذه الروايات في حيطة وحذر، ونشك في نسبتها إلى رسول الله -ﷺ- ولا سيما أنه لم يذكر شيء منها في الصحيحين ٤، وحينما ذكر الترمذي الحديث المروي عن عبد الله بن عمرو، قال عنه: إنه حديث غريب٥.
_________________
(١) ١ هاتان صفتان، كما يقال: فلان طويل، شعره أسود، فما علاقة الصفتين!. ٢ هل كان ينتظر المؤلف أن يأتيه سند صحيح من لدن إبراهيم ﵇!. ومن يطلب الأسانيد عليه أن يحتج بها، لا أن يطعن بها بالواهيات والمزاعم. وإذا كان صح السند عن المعصوم بأنه كان أشد بياضًا من الثلج، فأي حاجة تبقى بعد لواحد من الناس أن يسأل عن صحة ذلك، ومن رآه!!. ٣ وهل كشفت في كل عصر من العصور عليه فعلمت أن سواده لم يزد. وهل ثمة لون من الألوان، لا سيما الأسود ليس له حد يقف عنده، حتى إذا تجاوزه صار إلى لون آخر. ٤ وغالب ما ذكر المؤلف ليس في الصحيحين، أفنشك به؟!. وصاحب الصحيح لم يدع أن ما ليس عندهما ليس بصحيح، بل نصًّا على وجود أحاديث كثيرة صحيحة ليست عندهما، وهو قول كل علماء الإسلام. ٥ وقد قدمنا الخلاف في حديث ابن عمرو، في الرواية الأولى، وأما الرواية الأخرى فقوية، وحديث ابن عباس حسن صحيح، كما نص الترمذي نفسه إن كان المؤلف يقنع بكلام الترمذي. ثم ليس كل حديث قال فيه الترمذي غريب يعني أنه مردود، وغاية مراد أهل الاصطلاح من قولهم "غريب" يعني أنه جاء من طريق واحدة. مع أن هذا الحديث جاء من أكثر من طريق، كما نجد ذلك في "سنن البيهقي الكبرى" ٥/ ٧٥ لوحدها.
[ ٣٧ ]
ولا بد لنا إذن أن نتلمس السبيل إلى رواية أخرى لا يتطرق إليها مثل هذا الضعف والوهن١.
ولقد ذكر ابن الأثير في تاريخه٢: أن إبراهيم -﵇- حينما أمره الله ببناء البيت الحرام قال لولده إسماعيل: لقد أمرك الله أن تعينني على بنائه، قال: إذن أفعل. فقام معه، فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة ثم قال إبراهيم لإسماعيل: ائتني بحجر حسن أضعه على الركن ليكون للناس علمًا، فأخذ حجرًا من جبل أبي قبيس٣.
_________________
(١) ١ المظنونين. ٢ ص ١/ ٦٠-٦١ عند باب "ذكر عمارة البيت الحرام بمكة". وكان ابن الأثير يقول: وقال السدي -أحد التابعين: الذي دله على موضع البيت جبريل، فسار إبراهيم إلى مكة، فلما وصلها وجد إسماعيل يصلح نبلًا له وراء زمزم فقال له: يا إسماعيل إن الله قد أمرني أن أبني له بيتًا. قال إسماعيل: فأطع ربك. فقال إبراهيم: قد أمرك أن تعينني وقد جاءت هذه الواقعة في "صحيح البخاري" ٣١٨٤ في آخر حديث ابن عباس الطويل في قصة إبراهيم من كتاب الأنبياء. ٣ الذي في تاريخ ابن الأثير هنا: "ليكون للناس علمًا، فناداه أبو قبيس: إن لك عندي وديعة. وقيل: بل جبريل أخره بالحجر الأسود، فأخذه ووضعه ". وهذا رواية منقطعة أولًا. ثم لا تنافي كون الحجر الأسود من الجنة، لأنه لا يمنع أن يكون نزل من الجنة قبل بناء الكعبة، وحل في جبل أبي قبيس، ثم أخذ وقت البناء. ثم إنه فات المؤلف ما كان أورد ابن الأثير عن ابن عباس فيما مضى من نزول الحجر الأسود من الجنة مع آدم إلى الأرض، وأنه كان يومها أشد بياضًا من الثلج، ونزل معه كذلك غيره كعصا موسى مثلًا ١/ ٢٤ عند فصل "ذكر الموضع الذي أهبط فيه آدم وحواء إلى الأرض"=
[ ٣٨ ]
وقيل: إن جبريل أخبره بحجر هو "الحجر الأسود". فأخذه ووضعه في موضعه، فلما ارتفع البنيان كان إبراهيم يقف على حجر وإسماعيل يناوله، وهذا الحجر هو مقام إبراهيم، وهكذا تعاون إبراهيم وإسماعيل حتى رفعا قواعد البيت وأتما بناءه.
ومن هذه الرواية الهادئة وما يؤيدها من روايات ذكرتها أمهات الكتب التاريخية يتبين لنا أن الحجر الأسود لم ينزل من الجنة، وإنما هو من أحجار جبل أبي قبيس١، وقد أراد الله أن يوضع في ركن من أركان بيته المحرم ليكون علمًا، أي علامة يبدأ منها الطواف وينتهي إليها.
فلما أذن إبراهيم في الناس بالحج كان الحجر الأسود موضع بدء الطواف ونهايته، وكان الطائفون يبدأون باستلامه وكأنهم يسجلون أنفسهم في هذا السجل الخالد٢، ويقترن ذلك في نفوسهم بأجل الذكريات عن النبي الكريم، فيزداد
_________________
(١) = وقد أخرج ابن سعد في طبقاته ١/ ٣٥ في باب "ذكر من ولد رسول الله -ﷺ- من الأنبياء" عن ابن عباس نزول آدم، وأنه نزل معه العصا لموسى والحجر الأسود وغيرهما وفيه: "فلما حج آدم وضع الحجر الأسود على أبي قبيس، فكان يضيء لأهل مكة في ليالي الظلم كما يضيء القمر ليلة البدر". فهذا يؤيد ما ذكرناه، على أن جميع ما نقلناه في هذه الحاشية لا يصح من قبل الإسناد، لكننا نرد عليه بروايات هي مثل رواياته أو أحسن بقليل. ثم نذكر بأن جميع هذه الروايات كما ترى غير متعارضة. فالعجب كل العجب ممن اضطرنا لنسود كل هذه الصفحات، لدفع هذه التحليلات الفاسدة. ١ فانظر لقلة اطلاعه. ٢ وقد ورد في ذلك حديث عن ابن عباس قال: قال رسول الله -ﷺ: "ليبعثن الله هذا الركن -يعني الحجر- يوم القيامة، له عينان يبصر بهما، ولسان ينطق به، يشهد لمن استلمه بحق". أخرجه الترمذي ١/ ١١٣، وابن خزيمة وصححه ٢٧٣٥، وأحمد في "المسند" ١/ ٢٦٦، وهو حديث جيد قوي الإسناد، وقد حسنه الترمذي. وهذه أيضًا خاصة من خواص ذلك الحجر، الذي ما زال المؤلف يستخف بثبوت أوصافه!!.
[ ٣٩ ]
حبهم لهذا الحجر المبارك، وينتقل ذلك من قبيل إلى قبيل ومن جيل إلى جيل.
وقد فرض الله الحج على كل مسلم مستطيع وجعله الركن الخامس من أركان الإسلام، وجعل من أركان الحج الطواف ببيت الله الحرام، وجعل من شروط الطواف أن يكون الحجر نقطة البدء ونقطة النهاية في المطاف، ومن السنن المأثورة عن النبي -ﷺ- استلامه وتقبيله ١.
بيد أن بعض المسلمين على طول الزمن وبعد العهد بالرسول -﵊- قد تغير تفكيرهم فأصبحوا يغالون في تعظيم هذا الحجر حتى لقد خيل إليهم أن الحج لا ينفع إلا بتقبيله ووضع الجباه عليه، وقد رأيت بنفسي فريقًا منهم يطوفون بالبيت حتى إذا جاءوا أمام الحجر الأسود لم يكتفوا بالإشارة إليه كما هو المطلوب عند الزحام، بل سلكوا من أجل الوصول إليه سبيلًا يوقظ الفتنة ويزري بالكرامة، فترى الرجل منهم يدفع نفسه نحو الحجر مزاحمًا بل مهاجمًا، وكأنه في حرب مع إخوانه الطائفين، وقد تكون معه أخته أو ذات رحمه، فيدفعها بعنف وقسوة حتى يرتطم وجهها ورأسها بالحجر، ثم يقول لها: "حجي، حجي" وكأنه يرى أن الحج لا ينفع ولا يتم إلا بهذه الطريقة٢.
وبمثل هذه التصرفات ينفتح المجال أمام الخرافات والأباطيل التي لا تعتمد
_________________
(١) ١ سنية ذلك متفق عليها بين البخاري ٢/ ٢١٠ ومسلم ٢/ ٢٢٥، وغيرهما من حديث جابر، وابن عمر، وابن عباس، وعمر بن الخطاب وغيرهم. وسيأتي بعض ذلك. ٢ نعم لا ينبغي للمسلم أن يصل إلى هذا الحد، فإنه عند الزحام تكفيه الإشارة، ولذلك بوب البخاري في صحيحه: "باب من أشار إلى الركن إذا أتى عليه". وأورد حديث ابن عباس: "طاف النبي -ﷺ- على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه" رقم ١٦١٢.
[ ٤٠ ]
على أساس ولا ينهض بها دليل١.
أجل -لقد كان رسول الله ﷺ يستلم الحجر ويقبله أحيانًا ولكن ليس ذلك شرطًا في صحة الطواف ولا في صحة الحج والعمرة٢، وإنما هو لحكمة يعلمها الله وإن خفيت علينا، وهي الحكمة التي خفيت من قبل على عمر بن الخطاب -﵁- حينما قبل هذا الحجر، ثم قال: "والله إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أن رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك"٣.
ويعجبني قول بعض الشعراء حينما منعه الزحام عن تقبيل الحجر واستلامه فاكتفى بالإشارة إليه ثم أنشد:
أقول وقد زوحمت عن لثم أسود من البيت إن تحجب فما السر يحجب
فإنك مني في المحل الذي به مكان سواد العين أو أنت أقرب
ولقد تعرض الحجر الأسود لأحداث كثيرة، ولولا أن الله قدر له الحفظ والبقاء لعصفت به الكوارث، وتبدد بين ركام الحوادث. فعندما وقعت الفتنة بين عبد الله بن الزبير وبين الأمويين أعاد عبد الله بناء الكعبة بعد تصدعها على يدي
_________________
(١) ١ إلا عند من يعتمد في ذلك على ما في "صحيح البخاري" ١٦١١ وغيره عن ابن عمر أنه سأله رجل عن استلام الحجر فقال ابن عمر: "رأيت رسول الله -ﷺ- يستلمه ويقبله. قال الرجل: أرأيت إن زحمت، أرأيت إن غلبت. قال ابن عمر: اجعل "أرايت باليمن". وقال الحافظ ابن حجر في "الشرح" ٣/ ٤٧٦: والظاهر أن ابن عمر لم ير الزحام عذرًا في ترك الاستلام، وقد روى سعيد بن منصور من طريق القاسم بن محمد قال: رأيت ابن عمر يزاحم على الركن حتى يدمي انتهى. وعلى كل حال فإنه يسع المسلم ما وسع نبيه -ﷺ- من جواز الترك للاستلام، وقد كان ابن عباس وغيره من الصحابة يكرهون المزاحمة، وقال ابن عباس: لا يؤذي ولا يؤذى. ٢ بدليل تركه لذلك كما في الحديث الماضي عن ابن عباس. ٣ رواه البخاري ١٦١٠ وغيره.
[ ٤١ ]
الحصين بن نمير، وصب طوقًا من الفضة حول الحجر ليثبته في موضعه، ولكن الفضة تزلزلت بعض الوقت وتعلقت حول الحجر حتى خشي الناس عليه أن يسقط من مكانه. فلما ذهب الرشيد إلى الحج، أمره بالحجارة التي بينها الحجر الأسود فثقبت بالماس من فوقها ومن تحتها.
ويذكر التاريخ: أن عدو الله أبا طاهر القرمطي وفد إلى مكة سنة ٣١٧هـ وفعل فيها هو أصحابه أمورًا منكرة، ومنها: أن بعضهم ضرب الحجر الأسود بدبوس فكسره ثم قلعه من موضعه وذهب به إلى البحرين، وبقي موضعه خاليًا كالعين المفقوءة، يذكر الناس بما أقدم عليه هؤلاء الآثمون من الذنب والخطيئة، ويضع الناس فيه أيديهم كما كانوا يلمسونه في حال وجوده، وبذل كثير من الولاة والحكام المسلمين محاولات عنيفة لاسترداده، ولكن لم يتم ذلك إلا -في سنة ٣٣٩هـ. وقال القرامطة عند رده: "أخذناه بقدرة الله، ورددناه بمشيئة الله"١.
والقرامطة -كما عرف من تاريخهم- جماعة من أصحاب المذاهب الهدامة والعقائد الفاسدة٢ وقد أرادوا بخلع الحجر إحداث فتنة بين المسلمين تؤدي إلى ما يريدونه لأنفسهم من النفوذ والسلطان، فلما وجدوا أنهم سيكونون وقودًا لتلك الفتنة أرغموا على رده إلى موضعه، وستروا أغراضهم السيئة بقولهم: "أخذناه بقدرة الله، ورددناه بمشيئة الله".
أما من ناحية التشهير بالمسلمين عن طريق هذا الحجر، فإنه لم يخل عصر من العصور من محاولات يقوم بها الملاحدة للنيل من مبادئ الإسلام وتعاليمه،
_________________
(١) ١ ذكر هذه الحادثة ابن الجوزي في "المنتظم" ص٣٨١١ في حوادث سنة ٣١٧ هجرية، وذكر أنه قلع مع الحجر باب البيت، وقبة زمزم، وفعل قتلًا وسلبًا أخزاه الله: وكذلك ذكر هذه الواقعة ابن كثير في "البداية" ١١/ ١٦٠-١٦١ مع مزيد تفصيل. ٢ وقد ذكر ابن كثير من ذلك أشياء في "البداية" ١١/ ١٦٢ فيها كفر صريح.
[ ٤٢ ]
ويرون في الحجر الأسود نقطة ضعف يمكن أن ينفذوا منها إلى أغراضهم الخبيثة أجل، إنهم يقولون: إن الحجر الأسود بقية من بقايا الوثنية، وإن وجوده بالبيت الحرام وتقبيل الناس له وتضرعهم إلى جواره إحياء لعبادة الأصنام.. ونحن نقول لهم: ليأت لنا هؤلاء بمسلم واحد يعرف مبادئ الإسلام يؤمن بأن هذا الحجر ينفع أو يضر، أو يشفع لمذنب أو يستجيب لداع، فإن لم يفعلوا -ولن يفعلوا- فليقفوا عند حدهم، وليعلموا أن تعاليم الإسلام ومبادئه قد استمدت قوتها من الحجة والبرهان، وليس فيها ما ينأى عن الحكمة ويستعصي على الفهم، وأن هذا الحجر الماثل في ركن الكعبة إنما هو نقطة يبدأ منها الطواف وينتهي إليها، وأن تقبيله واستلامه ليس تقديسًا ولا عبادة، وإنما هو تسجيل عملي لبدء الطواف وانتهائه والحجر الأسود -بعد ذلك- أثر تليد يحمل إلى الإجيال -عبر القرون- ذكرى إبراهيم وإسماعيل -﵉- وهي ذكرى خالدة تعتز بها النفوس، ويقوى في ظلها الإيمان
[ ٤٣ ]
العرب في مكة
العرب المستعربة في مكة
٢- العرب المستعربة في مكة
يرجع العرب في أصلهم إلى الجنس السامي وهو الجنس الذي تفرع عنه الكلدانيون والآشوريون والكنعانيون وسائر الأمم السامية، التي سكنت بين النهرين وفلسطين وما يحيط من بادية وحاضرة.
وسموا عربًا نسبة إلى: يعرب بن قحطان جد العرب العاربة، فإنه أول من نطق باللغة العربية الفصحى، وأخذها عنه أهل اليمن.
ويقسم المؤرخون العرب إلى: بائدة، وعاربة، ومستعربة.
فالعرب البائدة هم الذين بادوا ومحيت آثارهم كعاد وثمود..
والعرب العاربة هم الشعب القحطاني الذي يسمى -كذلك- عرب الجنوب، إذ كانوا يسكون في بلاد اليمن، وسموا عربًا عاربة لتأصلهم في العروبة حيث لم يختلطوا بمصاهرة الأعاجم، وليس من شأننا أن نفصل الكلام حول هذين القسمين من العرب.
وأما العرب المستعربة فهم الذين سنتحدث الآن عنهم ونلقي بعض الأضواء على أحوالهم السياسية والدينية والاجتماعية.
ويقال للعرب المستعربة الإسماعيلية، لأنهم يرجعون في نسبهم إلى إسماعيل -﵇- فهم عرب من جهة الأمهات لا من جهة الآباء، لأن أباهم إسماعيل
[ ٤٤ ]
غير عربي ولكنه تزوج من جرهم العربية. وقد ثبت لدى العلماء أن عدنان وهو الجد العشرون للرسول محمد -ﷺ- يمتد نسبه إلى إسماعيل بن إبراهيم ﵉.
ويكاد يجمع المؤرخون على أن إبراهيم -﵇- قد نشأ في بلاد العراق بين قوم يتخذون الأصنام آلهة من دون الله، ولما أذن الله له أن يدعو الناس للحق، بدأ بأبيه آزر، فدعاه إلى التوحيد وبين له ما في الوثنية من فساد وضلال، وقد سجل القرآن الكريم قصة إبراهيم وجهاده في سبيل القضاء على الوثنية في سور كثيرة ومنها ما جاء في سورة الأنعام: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ ١، وما جاء في سورة مريم: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا، إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا، يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنْ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا، يَا أَبَتِ لا تَعْبُدْ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا، يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا، قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْراهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ واهْجُرْنِي مَلِيًّا﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.
وقد عاش إبراهيم مدة طويلة دون أن يرزقه الله بولد من زوجته سارة. وكانت سارة حزينة من أجل ذلك، فحملتها شفقتها على زوجها إبراهيم وحبها له أن تهب له جاريتها "هاجر". وقالت له: "إني حرمت من الولد، فعسى الله أن يرزقك منها غلامًا تقر به عينك" ٣. وقد حقق الله آمال إبراهيم وزوجته سارة، فحملت هاجر وولدت إسماعيل، وكان أبوه إبراهيم في السادسة والثمانين من
_________________
(١) ١ الآية ٧٤. ٢ الآيات ٤١ - ٤٢ - ٤٣ - ٤٤ - ٤٥- ٤٦. ٣ "البداية والنهاية" ١/ ١٥٣ وذكر أن هذا من قول أهل الكتاب.
[ ٤٥ ]
عمره. فاشتدت غيرة سارة، وتلك طبيعة النساء ولم تطق رؤية هاجر وطفلها إسماعيل، فصارحت إبراهيم -﵇- بما تجده في نفسها، وطلبت إليه: أن يأخذ هاجر وطفلها إلى أرض بعيدة عنها حتى لا تراهما. فتردد إبراهيم في الأمر شفقة منه على ابنه الصغير، ولكن الله أوحى إليه أن ينفذ رغبة سارة، فأخذ هاجر وطفلها بأمر من الله وانتقل إلى شبه الجزيرة العربية حتى وصل بها إلى المكان الذي نبعت فيه بئر زمزم، وكان واديًا مجدبًا لا زرع فيه ولا ثمر. ولما هم بالرحيل قالت له هاجر: إلى من تكلنا؟ قال: إلى الله، وأستودعكما إياه.
فقالت: الله أمرك بهذا؟.
قال: نعم.
قالت: إذن لا يضيعنا.
ثم انصرف إبراهيم من عندهما وهو يقول: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنْ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنْ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ ١.
وبقيت هاجر مع طفلها فنصبت لنفسها عريشًا وكان معها شيء من الطعام والشارب قد تركه معها زوجها إبراهيم، ولما نفد ما لديهما من الماء عطش إسماعيل عطشًا شديدًا، فجعلت أمه تبحث له عن ماء وأخذت تتردد بين الصفا والمروة سبع مرات لم تجد شيئًا فرجعت آسفة حزينة.
ولكن حزنها لم يلبث أن انقلب سرورًا واطمئنانًا حين رأت الماء ينبع من
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم، الآية ٣٧.
[ ٤٦ ]
تحت أقدام إسماعيل. فشربا وحمدا الله وأقاما بهذا المكان، وسمي ذلك المنبع العظيم الذي أكرم الله به هاجر وإسماعيل بئر زمزم١.
وكان بنو جرهم بواد قريب من مكة، فلما تفجر ماء زمزم، لزمت الطير الوادي حين رأت الماء. فلما رأت جرهم الطير لزمت الوادي، قالوا: ما لزمته إلا وفيه ماء. فجاءوا إلى هاجر وقالوا: لو شئت فكنا معك فآنسناك، والماء ماؤك، فكانوا معها حتى شب إسماعيل وماتت هاجر، فتزوج إسماعيل منهم.
ويذكر المؤرخون: أن إسماعيل تعلم العربية منهم هو وأولاده، وقد رزق إسماعيل باثني عشر ولدًا٢، وهم وذريتهم "العرب المستعربة".
_________________
(١) ١ "سبل الهدى والرشاد" ١/ ١٧٥ للصالحي، وغيره. وقد صحت هذه الواقعة في "صحيح البخاري" ٣١٨٤ من كتاب الأنبياء، من حديث ابن عباس، وفي الحديث أنها رأت الملك يبحث بعقبه أو بجناحه الأرض حتى ظهر الماء. ثم ذكر قصة إتيانه أهل بيت جرهم مقبلين من كداء، واستئذانهم لأم إسماعيل في النزول عندها، وبقائهم ثم تزوج إسماعيل امرأة منهم. ٢ "المنتظم" ١/ ١٩١ نقلًا عن ابن إسحاق.
[ ٤٧ ]
الجراهمة والخزاعيون في مكة:
وقد عاش بنو إسماعيل في مكة فترة طويلة يتمتعون بالمجد والسلطان، وكان إلى جوارهم أخوالهم الجراهمة، ولكن الزمن الدوار قضى على بني إسماعيل بالتخلف والضعف١، فانتزع أخوالهم السلطة من أيديهم. غير أنهم لم يبلغوا
_________________
(١) ١ ولم أر في ذلك شيئًا يعتمد، لكن عبارة ابن إسحاق في السيرة كما عند ابن هشام ١/ ١١٨: ثم نشر الله ولد إسماعيل بمكة، وأخوالهم من جرهم ولاة البيت والحكام بمكة، لا ينازعهم ولد إسماعيل في ذلك لخئولتهم وقرابتهم وإعظامًا للحرمة أن يكون بها بغي أو قتال، فلما ضاقت مكة على ولد إسماعيل انتشروا في البلاد فلا يحاربون قومًا إلا أظهرهم الله عليهم بدينهم فوطئوهم. ثم إن جرهمًا بغوا بمكة، واستحلوا
[ ٤٧ ]
أمدًا طويلًا حتى طغوا واستحلوا حرمة البيت وظلموا من دخل مكة من الحجاج وغيرهم، وأكلوا مال الكعبة الذي يهدى إليها، وظهر فيهم الفسق والفساد حتى إنهم كانوا يأتون الفحشاء والمنكر في جوف الكعبة، وكان ذلك السبب المباشر في ضعفهم وضياعهم، فأخرجهم الخزاعيون من مكة ١، وأصبحوا كما قال شاعرهم ٢:
كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا أنيس ولم يسمر بمكة سامر
بلى: نحن كنا أهلها فأبادنا ٣ صروف الليالي، والجدود العواثر
وكان الخزاعيون قد هاجروا من اليمن واستقروا في مكة إلى جوار الجراهمة، فلما رأوا ما حل بهم من فساد وضعف وانحلال، انتهزوا هذه الفرصة واستولوا على النفوذ والسلطان في أوائل القرن الثالث الميلادي، وقد ظلوا سادة مكة زهاء مائتي سنة، ثم أدركهم داء الأمم وقلب الدهر لهم ظهر المجن، واستطاع زعيم قرشي من بني إسماعيل أن يحاربهم وينتصر عليهم ويعيد نفوذ أجداده القديم وسلطانهم على هذه البلاد، وهذا الزعيم هو: قصي بن كلاب، وهو الجد الرابع للرسول ﷺ.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ١/ ١١٩. ٢ هو عمرو بن الحارث بن عروة بن مضاض. ٣ في السيرة: "فأزالنا"، وهو أصح. والقصيدة عنده تقع في ستة عشرة بيتًا.
[ ٤٨ ]
قصي بن كلاب وأثره في قريش:
ومنذ رجعت السلطة والنفوذ إلى قصي، بدأ عهد جديد في النمو والازدهار لبني إسماعيل بعد أن ظلوا أمدًا طويلًا في ضعف وركود يكاد يشبه الموت، وكان
[ ٤٨ ]
أول خطوة خطاها قصي: أن جمع أفراد قريش المبعثرين في نواحٍ متعددة إلى وادي مكة. فاستحق بذلك لقب "المجمع"، وجعل لكل بطن حيًّا خاصًّا على مقربة من الكعبة.
وكان الناس قبل ذلك لا يجرؤون على البناء بجوار الكعبة مبالغة في تقديسها؛ ولكن قصيًّا كانت حجته في ذلك أن يقيم على مقربة من البيت حماة له يتعهدونه بالصيانة ويدفعون عنه الخطر.
ولم يترك بين الكعبة والبيوت التي بنتها بطون قريش إلا بمقدار ما يسمح بالطواف، وقد أنشأت هذه البطون أحياء حصينة حول الكعبة من نواحيها الأربع.. وابتنى قصي لنفسه قصرًا جعل بابه يؤدي مباشرة إلى الكعبة. وكان هذا القصير يسمى دار الندوة، وكان قصي يتولى رئاسة هذه الدار، وقد جعل من اختصاصها البت في كل الشئون العامة من تجارية وحربية وغيرها بعد مناقشتها، وكان لا يسمح بدخول هذه الدار إلا لمن بلغ عمرهم الأربعين سنة إلا إذا كان من سلالة قصي، وكان حكيمًا ومفوهًا. وكان القرشيون إذا أرادوا دخول الحرب يتلقون اللواء من يدي قصي، ومعنى ذلك أن هو القائد الأعلى في هذا المجال وكانت عملية الزواج تتم في دار الندوة، فكان لا يتزوج رجل أو امرأة إلا من تلك الدار.
وقد استطاع قصي بأعماله أن ينمي في نفوس الناس صفة الكرم وحسن الضيافة فحمل الناس وشجعهم على دفع ضريبة سنوية تسمى: الرفادة، كان يقصد منها المعاونة على إطعام الحجاج الفقراء وغيرهم ممن يهبطون مكة في أيام منى فجرى الأمر على ذلك في الجاهلية والإسلام، حيث لا يزال الولاة والملوك يعدون مثل هذا الطعام في كل عام.
[ ٤٩ ]
وكان قصي يضم إلى جوار ذلك كله "السقاية"، والمقصود بالسقاية: تدبير الماء وحمله من آبار مكة المجاورة بالمزاود "القِرَب" ووضعه في أحواض لسقاية الحجاج، وكذلك كانت لقصي "الحجابة" "السدانة"، ويقصد بها حفظ مفاتيح الكعبة لا يفتحها إلا هو، ولا تقام شعائر دينية إلا بإذنه.
وهكذا يتبين لنا أن قصيًّا جمع في شخصه كل الوظائف الرئيسية -دينية كانت أم سياسية- فكان بذلك يعتبر وكأنه ملك العرب ورئيسهم الديني الأعلى، وقد أضفى ذلك على قبيلة قريش مجدًا وجاهًا عظيمين.
وقد توارث أبناء قصي هذا المجد والسلطان، حتى جاء من أحفاده عبد المطلب بن هاشم وهو الجد الأول لمحمد بن عبد الله -ﷺ- فكانت السلطات -حينئذٍ- موزعة على عشرة من أشراف قريش، وكانت هذه المناصب تتوارث في أكبر الأبناء، وهذه المناصب هي:
١- الحجابة أو السدانة: والمقصود بها حراسة مفاتيح الكعبة، وكانت وظيفة دينية مهمة وضعت في يد بني عبد الدار بن قصي، ولما أسلمت مكة بعد الفتح ظلت السدانة في يد عثمان بن طلحة من بني عبد الدار، وقد قال لهم رسول الله -ﷺ-: "خذوها تالدة خالدة إلى يوم القيامة لا ينزعها منكم إلا ظالم" ١.
٢- السقاية: ويقصد بها الإشراف على بئر زمزم المقدسة وسقاية الحجاج،
_________________
(١) ١ جاء هذا من طرق كثيرة ذكرها الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٨/ ١٩. يقتضي مجموعها قوة الخبر، وانظر "معجم الطبراني الكبير" ١١/ ١٢٠، "مجمع الزوائد" ٣/ ٢٨٥، "الدرر المنثور" ٢/ ١٧٥، "طبقات ابن سعد" ٢/ ١/ ٩٩، "كنز العمال" ٣٤٧٦٦ وغير ذلك.
[ ٥٠ ]
وهذه وضعت في بيت هاشم وكانت في يد العباس بن عبد المطلب وقت فتح مكة.
٣- الديات: وكان صاحبها إذا احتمل شيئًا فسأل فيه قريشًا أجابوه، وكانت في يد تيم بن مرة، وعند ظهور الإسلام كان يقوم بها عبد الله بن أبي قحافة "أبو بكر"، في أيام الرسول ﷺ.
٤- السفارة: وكان صاحبها ذا حق مطلق في البت في شئون الصلح بعد الحرب، أو الخلافات التي تقوم بين قريش والقبائل الأخرى، أو بينهم وبين الأجانب، وكان يقوم على هذا المنصب عمر بن الخطاب.
٥- اللواء: وكان صاحبه يعتبر كبير القواد ويسير أمام الركب في أسفارهم للقتال أو التجارة، وكان اللواء في بني أمية وصاحبه منهم في أول الإسلام: أبو سفيان بن حرب.
٦- الرفادة: وهي الإشراف على الضريبة التي تخصص لإطعام الفقراء، وكانت قريش تخرجها في كل موسم إلى صاحب الرفادة فيصنع منها طعامًا لفقراء الحجاج -مقيمين أو مسافرين- لأن الدولة كانت تعتبرهم ضيوف الله، وكانت الرفادة لعبد المطلب، ثم نقلت إلى أبي طالب ثم أخذها العباس وظلت في أولاده.
[ ٥١ ]
٧- الندوة: وكان رئيس دار الندوة يعتبر رئيس الجمعية الوطنية، وكبير مستشاري الدولة، ولا تصدر قريش عن أمر إلا بموافقته، وكان الأسود بن عبد العزى بن قصي هو القائم على هذا المنصب في أيام الرسول ﷺ.
٨- الخيمة: ويقصد بها حراسة قاعة المجلس، وكان هذا المنصب يبيح لصاحبه الحق في دعوة الجمعية، وحشد الجنود وكان يتولى هذا المنصب خالد بن الوليد على عهد الرسول ﷺ.
٩- الخازنة: وكانت في بني حسن بن كعب ويقوم عليها الحارث بن قيس.
١٠- الأزلام: وهي التي يشرف صاحبها على السهام، وكان العرب يستقسمون بها لمعرفة رأي الآلهة، وكان القائم عليها صفوان بن أمية.
وكان العرف يقضي بأن أكبر أصحاب المناصب العشرة سنًّا هو الذي يتولى الرياسة ويلقب بسيد القوم، وكان على عهد الرسول -ﷺ-: العباس بن عبد المطلب١.
_________________
(١) ١ "تاريخ الطبري" ١/ ١٨٤، "سيرة ابن هشام" ١/ ١٣٠ وما بعدها.
[ ٥٢ ]
قصة الذبيحين:
ولم يكن من قبيل المصادفة ما وقع لإسماعيل ﵇ حين هم أبوه إبراهيم -﵇- بذبحه تقربًا إلى الله وامتثالًا لأمره، ثم كتب الله له النجاة
[ ٥٢ ]
وفداه بذبح عظيم، وما وقع بعد ذلك لعبد الله بن عبد المطلب وهو من سلالة إسماعيل وأبنائه، حينما هم أبوه عبد المطلب بذبحه وفاء لنذره وتقربًا لآلهته، ثم كتب الله له النجاة وفداه بمائة من الإبل، لم يكن ذلك من قبيل المصادفة، ولكنه تدبير وتقدير من المدبر المقدر، وحكمة قضى بها العليم الحكيم، ولعل هذه الحكمة هي التي جعلت رسول الله -ﷺ- يتحدث عن نفسه بعد البعثة، فيقول: "أنا ابن الذبيحين" ١.
_________________
(١) ١ قوله ﷺ: "أنا ابن الذبيحين"، الغالب على كلام أهل العلم أنه ضعيف، وإن كانوا يحتجون به في جملة ما يحتجون على أن الذبيح هو إسماعيل لا إسحاق. فقد قال الزيلعي وابن حجر في تخريج "الكشاف": "لم نجده بهذا اللفظ" "كشف الخفاء" ١/ ١٩٩، وفي "فتح الباري" ١٢/ ٣٧٨ من كتاب: التعبير، باب "رؤيا إبراهيم" قال ابن حجر: "رويناه في الخلعيات من حديث معاوية". قلت: حديث معاوية قد رواه الحاكم فقال ٢/ ٥٥٤: حدثنا أبو بكر محمد الشافعي، ثنا عبيد بن حاتم، ثنا إسماعيل بن عبيد، ثنا عبد الرحيم الخطابي، ثنا عبد الله بن محمد العتبي، ثنا عبد الله بن سعيد الصنابحي، قال: حضرنا مجلس معاوية بن أبي سفيان، فتذاكر القوم إسماعيل وإسحاق، فقال بعضهم: الذبيح إسماعيل، وقال بعضهم الذبيح إسحاق. فقال معاوية: سقطتم على الخبير، كنا عند رسول الله -ﷺ- فأتاه أعرابي فقال يا رسول الله خلفت البلاد يابسة، والماء يابسًا، هلك العيال وضاع المال، فعد علي بما أفاء الله عليك يابن الذبيحين. فتبسم رسول الله -ﷺ- ولم ينكر عليه. فقلنا: يا أمير المؤمنين، وما الذبيحان؟ قال: إن عبد المطلب لما أمر بحفر زمزم نذر لله إن سهل الله أمرها أن ينحر بعض ولده، فأخرجهم فأسهم بينهم، فخرج السهم لعبد الله، فأراد ذبحه، فمنعه أخواله من بني مخزوم وقالوا: أرضِ ربك وافد بنذرك. قال: ففداه بمائة ناقة، فهو الذبيح، وإسماعيل الثاني. انتهى -ولم يصححه الحاكم- وقال الذهبي في التلخيص: سنده واهٍ. وقلت في "الدرك بتخريج المستدرك" منذ سنين: إسماعيل ثقة يغرب، والخطابي أخشى أن يكون المتروك، وقد عزاه السيوطي في "الدر المنثور" ٥/ ٥٢٩ لابن جرير، والآمدي في مغازيه، والخلعي في فوائده ولابن مردويه وقال: بسند ضعيف. وقد ذكر الحاكم فيما بعد بعض ما يدل على ضعف الحديث عنده، فقال ٢/ ٥٥٩: =
[ ٥٣ ]
فمن هما الذبيحان اللذان قصدهما رسول الله -ﷺ- في هذا الحديث؟
أما الذبيح الأول: فهو إسماعيل -﵇- وهو أبو العرب المستعربة -كما قدمنا- والجد الأكبر لرسول الله -ﷺ- وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في قوله ﷾ عن إبراهيم ﵇:
_________________
(١) = كنت أرى مشايخ الحديث قبلنا وفي سائر المدن التي طلبنا الحديث فيها، وهم لا يختلفون أن الذبيح إسماعيل، وقاعدتهم قول النبي، ﷺ: "أنا ابن الذبيحين "، إذ لا خلاف أنه من ولد إسماعيل، وأن الذبيح الآخر أبوه الأدنى عبد الله بن عبد المطلب. والآن أجد مصنفي هذه الأدلة يختارون قول من قال: إنه إسحاق، انتهى. والحديث هذا أورده ابن كثير في تفسيره ٤/ ١٨ من سورة "الصافات"، وعزاه لابن جرير من طريق إسماعيل بن عبيد، عن عمر بن عبد الرحيم الخطابي عن عبد الله بن محمد العتبي، عن أبيه، عن عبد الله بن سعيد، عن الصنابحي.. فذكره فاختلف السند عنده في ثلاثة أشياء -وقال ابن كثير: هذا حديث غريب جدًّا. ورواه الأموي في مغازيه، حدثنا بعض أصحابنا، أخبرنا إسماعيل بن عبيد، حدثنا عمرو بن عبد الرحمن، حدثنا عبيد الله بن محمد العتبي، حدثنا عبد الله بن سعيد حدثنا الصنابحي فذكره، فخالف في السند من وجهين. وفي تاريخ ابن عساكر ٦/ ٢٠٥ في ترجمة إبراهيم ﵇: وقد ذهب جماعة إلى أن الذبيح إسماعيل، وسياق القرآن يدل عليه، ويدل عليه قوله -ﷺ-: "أنا ابن الذبيحين" -ولم يسنده- واستدل بهذا الحديث صاحب "المواهب اللدنية" ١/ ١١٠، مع أنه لم يصححه. وقد ذكر القرطبي في تفسيره ١٥/ ١١٣ من سورة "الصافات" حديث معاوية المتقدم وقال: لا حجة فيه، لأن سنده لا يثبت، على ما ذكرناه في كتاب "الأعلام في معرفة مولد المصطفى ﵊" ولأن العرب تجعل العم أبا. والحاصل أن الحديث هذا لا يثبت، لكن ظاهر القرآن يدل على أن الذبيح إسماعيل كما سيأتي، وانظر الخلاف في "تاريخ الطبري" ١/ ٢٥٠ وما بعدها، "زاد المعاد" ١/ ١٢١ وما بعدها، "حواشي الضعفاء الكبير" للعقيلي ٣/ ٩٤ وما بعدها، "فتح الباري" ١٢/ ٣٧٨، "تفسير ابن كثير" ٤/ ١٨، "تفسير القرطبي" ١٥/ ١١١ وما بعدها، وغير ذلك.
[ ٥٤ ]
﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ الصَّالِحِينَ، فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ، فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّابِرِينَ، فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ، وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ، قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ، وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ، وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخِرِينَ، سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ، كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ، إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ، وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ﴾ ١.
فهذه الآيات الكريمة تشير في وضوح إلى أن هناك بشارتين لإبراهيم أولاهما: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيم﴾ .
وثانيتهما: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ﴾ .
ومحنة الذبح التي ابتلي بها إبراهيم جاءت بعد البشارة الأولى التي كانت بالغلام الأول هو إسماعيل.
وبعد أن سرد الله قصة إبراهيم مع ابنه، وكيف فداه الله بذبح عظيم تقرب به إبراهيم إلى ربه شكرًا على نجاة ولده، عاد فأخبر عن البشارة الثانية بالولد الثاني لإبراهيم وهو إسحاق الذي رزقت به السيدة سارة بعد ولادة السيدة هاجر لإسماعيل٢.
وأما الذبيح الثاني: فهو عبد الله بن عبد المطلب والد الرسول ﷺ.
_________________
(١) ١ سورة الصافات، الآيات ١٠١- ١١٢. ٢ وانظر رد القرطبي ١٥/ ١١٣ وغيره ممن يرى أن الذبيح إسحاقُ على هذا التأويل، وملخص قوله أنه بشره بالنبوة، بعد أن كان بشره بالولادة، فجعل البشارة الأولى لإسحاق أيضًا.
[ ٥٥ ]
قال ابن إسحاق في "السيرة"١ ما ملخصه: كان عبد المطلب فيما يزعمون، نذر حين لقي من قريش ما لقي عند حفر زمزم، لئن ولد له عشرة نفر، ثم بلغوا معه حتى يمنعوه ليذبحن أحدهم عند الكعبة. فلما تكامل بنوه عشرة، وعرف أنهم سيمنعونه، جمعهم ثم أخبرهم بنذره ودعاهم إلى الوفاء، فأطاعوا وقالوا: كيف نصنع.
فقال: ليأخذ كل رجل منكم قدحًا، ثم يكتب فيه اسمه ثم ائتوني، ففعلوا. فدخل بالأقداح على هبل الصنم في جوف الكعبة. فاستقسم بالأقداح، فخرج القدح على ابنه عبد الله -والد النبي ﷺ- وكان أصغر ولده، وأحبهم إليه. ومع ذلك فقد خرج عبد المطلب بولده ليذبحه، فقامت إليه قريش فمنعته، وكذلك إخوته أبناء عبد المطلب، وقالوا: لئن فعلت هذا لا يزال الرجل يأتي بولده فيذبحه، فما بقاء الناس على هذا.
-وذكر ابن يونس عن ابن اسحاق أن العباس هو الذي اجتذب عبد الله- ثم أشاروا عليه بأن يذهب لعرافة تفتيه في أمره، فخرجوا إلى سجاح -امرأة كانت تزعم أن لها تابعًا يخبرها الأخبار- فقالت: كم الدية فيكم؟
قالوا: عشر من الإبل.
قالت: فارجعوا إلى بلادكم، ثم قربوا صاحبكم، وقربوا عشرًا من الإبل ثم اضربوا عليها وعليه بالقداح، فإن خرجت على صاحبكم فزيدوا من الإبل حتى يرضى ربكم، وإن خرجت على الإبل فانحروها عنه، فقد رضي ربكم ونجا صاحبكم.
_________________
(١) ١ "سيرة ابن هشام" ١/ ١٥٥ وما بعدها، و"البداية والنهاية" ٢/ ٢٤٨، و"المواهب اللدنية" ١/ ١٠٩ وغير ذلك.
[ ٥٦ ]
فخرجوا حتى قدموا مكة، فقربوا عبد الله وعشرًا من الإبل ثم ضربوا القداح فخرج القداح على عبد الله، فزادوا عشرًا، ثم ضربوا، فخرج عليه كذلك، وما زال القدح يخرج عليه حتى بلغت الإبل مائة، فخرج عندها القدح على الإبل.
فعلوا ذلك ثلاث مرات، كل مرة يخرج القدح على الإبل، فقالوا: قد رضي ربك يا عبد المطلب ١.
_________________
(١) ١ وقد أخرج ابن جرير بسند حسن عن ابن عباس أن امرأة سألته أنها نذرت ذبح ولدها عند الكعبة، فأمرها بذبح مائة من الإبل، وذكر لها هذه القصة عن عبد المطلب. ثم إنها سألت ابن عمر، فلم يفتها بشيء بل توقف "البداية والنهاية" ٢/ ٢٤٩.
[ ٥٧ ]
المجتمع العربي قبل ظهور الإسلام
مدخل
المجتمع العربي قبل ظهور الإسلام:
كان أهل مكة يحجون إلى الأصنام ويقدمون لها القرابين. وكان لا يجوز أن تقتلع أشجار من حماها، ولا يصاد صيدها، ولا يراق دم آدمي فيها، تعظيمًا لشأنها وتقديها لها، حتى إن بعض العرب كانوا يضيفون إليها أسماءهم، فكان "عبد العزى" من الأسماء الشائعة عندهم والمحبوبة لديهم.
وكانت الكعبة في ذلك العصر الجاهلي مقر الوثنية، إذ كانت تحيط بها الأصنام من كل جانب، وكان أعظمها عندهم هبل وهو تمثال من العقيق الأحمر على شكر إنسان مكسور اليد اليمنى، وقد أدركته قريش وهو على هذا الوضع فصنعت له يدًّا من ذهب.
أما عقيدتهم في تلك الأصنام، فكانوا فريقين: فبعضهم كان يعبدها على أنها تشفع لهم عند الله وتقربهم إليه.
ويقولون إذا سئلوا عن الخالق الرازق؟ إنه هو الله. وإذا سئلوا عن الأصنام؟
[ ٥٧ ]
يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ ١.
وبعضهم كان يعبدها على أنها هي الآلهة التي تضر وتنفع وتعطي وتمنع، وهؤلاء هم عامتهم وضعفاء العقول منهم، وهم الذين أخبر الله عنهم أنهم عجبوا من محمد -ﷺ- لأنه جعل الآلهة إلهًا واحدًا.. وذلك في قوله حكاية عنهم: ﴿أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ ٢.
وكان هناك قوم في اليمن يعبدون الشمس، وهم الذين ذكر الله قصتهم في القرآن الكريم مع سليمان -﵇- في قوله تعالى حكاية عن الهدهد: ﴿فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ، إِنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ، وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمْ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنْ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ﴾ ٣.
كما كان هناك طائفة من العرب يعبدون النار وهم المجوس، وقد انتقلت إليهم هذه الديانة من الفرس الذين كانوا يجاورونهم، وكذلك كانت توجد اليهودية في يثرب وخيبر، والمسيحية في الحيرة وغسان.
وهكذا كانت توجد في شبه الجزيرة العربية أديان مختلفة إلا أن الوثنية كانت
_________________
(١) ١ سورة الزمر، الآية ٣. ٢ سورة ص، الآية ٥. ٣ سورة النمل، الآيات ٢٢ -٢٣-٢٤. ولكن لا يمكن التأكيد بكون هذه الطائفة بقيت لزمن النبي -ﷺ- من خلال هذه الحادثة، لأن ملكتهم بلقيس قد أسلمت مع سليمان لله رب العالمين. نعم، يمكن فهم ذلك من الأحاديث الكثيرة التي جاء فيها النهي عن الصلاة عند شروق الشمس واستوائها في وسط السماء وغروبها، فإن كثيرًا من العلماء قالوا: لأن هذه الأوقات هي أوقات صلاة عباد الشمس.
[ ٥٨ ]
هي السائدة، إذ كانت تدين بها الغالبية العظمى والأكثرية الساحقة، حتى ليمكننا أن نقول عن العرب حينئذٍ غير مبالغين: إنهم كانوا قوما وثنيين!!.
ومن الإنصاف أن نقول: إن أهل مكة لم يستسلموا لعبادة الأصنام بسهولة، ولكنها وجدت مقاومة ومعارضة لم تلبث أن انهارت بقوة الحاكم وشدته، ومهد لذلك فسق جرهم وخروجها عن سبيل الحق، ومما يشير إلى هذه المقاومة ويدل على أن العرب كانوا قبل خزاعة يدينون بالتوحيد وما ورد في الشعر الجاهلي من نعي على عمرو بن لحي الخزاعي، وأسف على ما جلبه إلى مكة من الخطايا والآثام.. فيقول قائلهم:
يا عمرو إنك أحدثت آلهة شتى بمكة حول البيت أنصابا
وكان للبيت رب واحد أبدًا فقد جعلت له في الناس أربابا
لتعرفن بأن الله في مهل سيصطفي دونكم للبيت حجابا.
ومن الإنصاف لهذا العصر -كذلك- أن نقول: إن هناك أفرادًا قلائل قد استطاعوا بين هذه الظلمات المتكاثفة أن يصلوا إلى طريق الحق ويهتدوا إلى فساد عبادة الأصنام بعقولهم، ويدركوا أن هناك إلهًا واحدًا لا شريك له ولا معقب لحكمه، وهؤلاء هم الحنفاء "أي الذين مالوا عن الباطل واتبعوا الدين الصحيح" ومنهم زيد بن عمرو بن نفيل، وهو ابن عم عمر بن الخطاب. ويذكرون عنه أنه ترك عبادة الأصنام وصار يطوف ببلاد العرب وما جاورها يبحث عن دين إبراهيم -﵇- حتى هداه الله إلى الحق وهو الذي قال بعد أن ترك عبادة الأصنام ١:
_________________
(١) ١ "سيرة ابن هشام" ١/ ٢٤٢ وما بعدها.
[ ٥٩ ]
أرب واحد أم ألف رب أدين إذا تقسمت الأمور؟
تركت اللات والعزى جميعًا كذلك يفعل الرجل البصير
فلا العزى أدين ولا ابنتيها ولا صنمي بني عمرو أزور
ولكن أعبد الرحمن ربي ليغفر ذنبي الرب الغفور
وقد شاء الله أن يموت زيد قبل البعثة النبوية بقليل.
ومنهم أمية بن أبي الصلت الذي كان يقول:
هاج للقلب من هواه أذكار وليال خلالهن نهار
وجبال شوامخ راسيات وعيون مياههن غزار
ونجوم تلوح في كل فج مشرقات وفي الدجى أقمار
والذي قد ذكرت دل الله نفوسًا لها هدى واعتبار
ومهما كان الأمر فهم قلة ضئيلة ضاقت نفوسهم بالوثنية الفاسدة فانطلقوا إلى الآفاق الرحبة الفسيحة يلتمسون الهدى، ويرجون الحق لذاته، فأدركتهم رحمة الله وصاحبتهم عنايته ورعايته. وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء
[ ٦٠ ]
المجتمع العربي قبيل ظهور الإسلام:
والحديث عن المجتمع العربي في الفترة التي سبقت ظهور الإسلام حديث لا يكتنفه الغموض الذي كان يكتنف العصور القديمة، لأن الأضواء كلها قد تسلطت على تاريخ العرب بعد ظهور الدين الإسلامي، فتكشفت كل الحقائق عن الفترة.
[ ٦٠ ]
السابقة التي جاء الإسلام على أثرها.. ولا بد لنا في هذه المناسبة من الإشارة إلى أن بعض الكتاب المسلمين قد انقادوا -أحيانًا إلى العاطفة، فنظروا إلى ذلك العصر الذي سبق الإسلام في شبه الجزيرة العربية نظرة غير محايدة، وذلك أنهم أغمضوا الأعين عن الصفات الحسنة والخلال الكريمة التي كانت تسود -حينئذٍ- في المجتمع العربي ولم يتعرضوا لها إلا بقدر يسير، ثم أفاضوا في ذكر المثالب والعيوب والنقائص الخلقية التي كانت موجودة لدى بعض القبائل، ونسبوها لجميع القبائل!!.
ومن الإنصاف أن نذكر الأمور على حقيقتها بعيدة عن الغلو والإسراف غير متأثرة بعاطفة أو متحيزة لغرض، وحينئذٍ يجري التاريخ في سننه المرسوم، ويؤمن به الأعداء والأصدقاء، ولا يجد خصوم الحق مجالًا ينفذون منه إلى أهدافهم الخبيثة من التغيير والتحريف، أو التشويه والتزييف.
ولقد كان النظام القبلي سائدًا في المجتمع العربي قبل الإسلام: فكان شيخ القبيلة هو الحاكم الأعلى لقبيلته، وصاحب السلطان المطلق فيها، وكأن أوامره المستمدة من العرف القائم بينهم تقوم مقام القانون وهذا النظام القبلي كان يدعو إلى التنافس بين القبائل على النفوذ المادي والأدبي، فكانت كل قبيلة تجتهد في أن تكمل نفسها وتبسط نفوذها ولو على أنقاض غيرها من القبائل، ومن هنا كانت تسود العداوة والبغضاء بين القبائل المختلفة وتثور الحروب وتنشب المعارك لأوهى الأسباب بينهم، ولكن كان أفراد القبيلة يتناصرون فيما بينهم. ويدافع كل فرد عن أخيه مهما نأى عن الحق وتشبث بالباطل، ومن أقوالهم: "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا "١.
_________________
(١) ١ وقد جاء الإسلام بهذه القاعدة أيضًا لكن على غير المفهوم الجاهلي الظاهر، ولذلك سأل الصحابة النبي -ﷺ- عن ذلك فقالوا: ننصره مظلومًا، فكيف ننصره ظالما؟ قال: "تردوه عن غيه" أي: ظلمه. وانظر هذا الحديث في "صحيح البخاري" ٣/ ١٦٨، ٩/ ٢٨، و"سنن الترمذي" ٢٢٨٢، و"مسند أحمد" ٣/ ٩٩ و"سنن البيهقي الكبرى" ٦/ ٩٤، و"حلية الأولياء" ٣/ ٩٤، و"زاد المسير" ٢/ ٢٧٧، و"صحيح ابن حبان" ١٨٤٧، وغير ذلك.
[ ٦١ ]
وكما يقول عنهم أحد شعرائهم مفتخرًا بقومه وعصبيتهم القبلية:
قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم طاروا إليه زرافات ووحدانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم في النائبات على ما قال برهانا
وقد أدى ذلك إلى تفكك المجتمع العربي وعدم الترابط بين أجزائه وهو تفكك كان ينذر بالانحلال وسوء المآل.. على أن التفكك وعدم الترابط بين القبائل كان يزول في بعض الفترات إذا ما تعرض العرب للغزو والعدوان الأجنبي.. حينئذٍ يقوم شيوخ القبائل، وينسون ما بينهم من نزاع وأطماع، وتنمحي على الفور عصبيتهم القبلية وتنتقل إلى دائرة أوسع فتصبح عصبية عربية، تحقيقًا للمثل العربي القائل: أنا وأخي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب.. ويظلون هكذا متماسكين متعاونين حتى تنجاب الغمة ويزول الخطر الأجنبي. فيعودون إلى سيرتهم الأولى من التفرق والضعف والانحلال.
ومن ذلك ما وقع في يوم "ذي قار" ١ في أواخر القرن السادس الميلادي حينما حاول كسرى ملك الفرس أن يستدرج النعمان بن المنذر إلى لقائه -بعد أن
_________________
(١) ١ "الكامل في التاريخ" ١/ ٢٨٥. وقد قال أعشى بكر يصف الواقعة: وجند كسرى غداة الحنو صبحهم منا عطاريف ترجو الموت وانصرفوا لقوا ململمة شهباء يقدمها للموت لا عاجز فيها ولا خرف فيها فوارس محمود لقاؤهم مثل الأسنة لا ميل ولا كشف لما رأونا كشفنا عن جماجمنا ليعلموا أننا بكر فينصرفوا -في قصيدة طويلة-.
[ ٦٢ ]
نشبت الخصومة- ثم قبض عليه وحبسه حتى مات، فلقد أدى ذلك إلى ثورة عاصفة بين القبائل العربية في كل شبر من الوطن العربي وكان الوطن العربي حينئذٍ يشمل شبه الجزيرة العربية إلى مشارف العراق والشام - وكان معنى هذه الثورة العربية على ملك الفرس التضامن التام والوحدة الشاملة بين العرب، فتناسوا ما شجر بينهم من خلاف واجتمعوا تحت راية العروبة، والتقوا بكسرى في حرب عنيفة انتهت بتغلبهم عليه وهزيمة الفرس أمامهم، وكان هذا النصر ولا يزال أساسًا لفخرهم على توالي الأزمنة والعصور.
ولما كانت المرأة شطر المجتمع والرجل شطره الآخر، فإن العلاقة بين الرجل والمرأة توضح لنا إلى حد كبير قيمة المجتمع ودرجة رقيه أو انحطاطه، ذلك بأن المرأة هي الأم وهي الأخت وهي البنت، وهي بذلك جزء لا ينفصل عن المجتمع، بل يتحرك أبدًا بحركته ويسكن بسكونه كما يزدهر بازدهاره ويذبل بذبوله.
ولقد زعم بعض المؤرخين أن العرب كانوا يكرهون المرأة ويحتقرونها! واستدلوا على ذلك بعادة وأد البنات التي كان موجودة لديهم، والتي أشار الله -﷿- إليها في قوله:
﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنْ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ ١.
وفي قوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ، بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ ٢.
والواقع أن هذه العادة لم تكن منتشرة بين العرب، ولكنها كانت موجودة في
_________________
(١) ١ سورة النحل، الآيتان ٥٨ - ٥٩. ٢ سورة التكوير، الآيتان ٩ - ١٠.
[ ٦٣ ]
بني تميم وبني أسد، وهما قبيلتان اثنتان من ثلاثمائة وستين قبيلة، ومعنى ذلك أن الأكثرية الساحقة من العرب لم تكن فيها هذه العادة القبيحة.
والقرآن الكريم حينما يذكر هذه العادة فإنما يقصد هذا العدد القليل من القبائل وهو في نفس الوقت يحذر سائر القبائل الأخرى، حتى لا تتأثر بها وتجاريها في هذا الشر والفساد.
على أننا نؤمن بأن وأد هذه القبائل للبنات لم ينشأ عن بغض أو احتقار وإنما نشأ عن غيرتهم الشديدة على المرأة وخوفهم أن تنزلق إلى الشر بعد البلوغ فيلحقهم العار والصغار، ومن أجل ذلك كانت تسود وجوههم حينما يبشرون بالأنثى وتحيط بهم الهموم والأحزان.
وحينما نتصفح الأدب العربي الجاهلي نراه حافلًا بتقدير الرجل للمرأة وحبه لها، ذلك بأنه كان يتحدث عنها باهتمام في أشعاره وخطبه، ويخطابها دائمًا بما يدل على التعظيم والإجلال فيسميها: ربة البيت، وهي تسمية تنبئ عن تقدير وتكريم، ويقول في ذلك قائلهم:
يا ربة البيت قومي غير صاغرة ضمي إليك رحال القوم والقربا
وكان يخاطبها بالكنية فيقول لها: يا أم فلان، ولا يذكرها باسمها المجرد بل كان الولد يستشير ابنته إذا أراد أن يزوجها، فلا يرغمها على ما تكره وإنما ينفذ لها ما تحب وترغب.
ومن ذلك ما وقع من أوس بن حارثة الطائي، فلقد جاءه الحارث بن عوف المري خاطبًا إحدى بناته. فاستشار الكبرى والوسطى، فرفضتا. فاستشار الصغرى فرضيت فزوجها.
[ ٦٤ ]
وكان الرجل يرتبط مع المرأة بعقد زواج بعد رضائها ورضاء أوليائها، وبعد أن يتفقوا على مهر معين، وكانوا يعددون الزوجات ولم يكن هناك حد معروف لعددهن، وكانوا يطلقون، فإذا أراد الرجل أن يطلق زوجته يقول لها: الحقي بأهلك، أوما يماثل هذه الكلمة، وفي بعض الأحيان يكون للمرأة الحق في أن تطلق نفسها، وكان يعرف طلاق المرأة لنفسها، بأن تحول باب بيتها المصنوع من الشعر أو الوبر أو الجلد إلى جهة مقابلة لجهته الأصلية، ولكن الغالبية من العرب كانت تجعل حق الطلاق للرجل.
على أنه كانت توجد بين العرب في تلك الحقبة من الزمان عادات سيئة وأنكحة فاسدة.
ومنها نكاح البغايا، وهو نكاح يبيح للمرأة أن تتزوج بأكثر من واحد. وقد يصل عدد أزوجاها إلى عشرة ويكونون معروفين لديها ولدى بعضهم البعض، فإذا ولدت طفلًا من هذا النكاح وأرادوا معرفة أبيه كي ينسب إليه، جاء القائف وجمع الأزواج كلهم ونظر في أقدامهم، ثم قارنها بأقدام الطفل الوليد، فيعرف الوالد وينسب إليه ولده.
ونكاح الاستبضاع، وهو أن يقول الرجل لامرأته -أحيانًا- اذهبي إلى فلان فاستبضعي منه، ويمتنع عن القرب منها حتى تحمل من هذا الأجنبي فيعود إلى الاتصال بها. وكانوا يفعلون ذلك رغبة في تحسين نسلهم. فيختار الرجل لزوجته شخصًا قويًا نابه الذكر حتى يكون الولد مشابهًا له ١.
_________________
(١) ١ ومن ذلك نكاح الشغار، وهو أن يتزوج الرجل بنت الرجل أو أخته، على أن يزوجه الآخر ابنته أو أخته.
[ ٦٥ ]
ومن ذلك يتبين لنا أن رباط الزواج المقدس كان موجودًا لدى العرب في العصر الجاهلي.
وأما ما كان يخالف ذلك من أنحكة فاسدة وعادات شاذة فلا يعتد به، كما يتبين لنا أن عادة وأد البنات لم تكن موجودة إلا في قبيلتين اثنتين من ثلاثمائة وستين قبيلة، وهي قلة نادرة ضئيلة، وكان أصحاب هذه العادات السيئة الشاذة لا يحترمون، بل يوصمون دائمًا بالعار والصغار.
وحينما جاء الإسلام نظر إلى هذا الأساس الموجود لدى العرب، فأزال اللبنات الضعيفة منه وأبقى اللبنات القوية، ثم دعمها وأقام عليها بناءه الشامخ العظيم
[ ٦٦ ]
اليهودية والمسيحية في بلاد العرب قبل الاسلام
مدخل
٣- اليهودية والمسيحية في بلاد العرب قبل الإسلام
كانت الوثنية هي الديانة السائدة في بلاد العرب قبيل الإسلام -كما قدمنا- وكانت تعيش إلى جوارها بعض الديانات الأخرى كاليهودية والنصرانية والمجوسية إلى غير ذلك، ولكننا آثرنا أن نتحدث في هذا الفصل عن اليهودية والمسيحية دون غيرهما لأنهما الديانتان السماويتان السابقتان على الإسلام. ولولا ما نشب بينهما من خلاف، وما شابهما من فساد واضطراب، وما وقع فيهما من تزييف وتحريف طغى على الجوهر الأصيل ومسخ الحقيقة فصير للإله ولدًا، وجعل النبي إلهًا، والإله الواحد ثلاثة -لولا ذلك كله لاتحدت الديانتان في دين واحد لتلتقيا بعد ذلك بالإسلام الحنيف وتنضويا تحت لوائه.
وأثرنا أن نتحدث عنهما لأنهما بحكم وجودهما قبل الإسلام في جزية العرب كان لا بد أن يقع بينهما وبين الوثنية عداوة وخصام وصراع وصدام. وقد وضح ذلك في موقف اليهود من قبيلتي الأوس والخزرج بدافع من العصبية الدينية، حيث كانوا يوقدون نيران الفتنة بين القبيلتين من حين إلى آخر، وفي موقف المسيحيين في اليمن من الوثنيين في مكة ومحاولة الأحباش "المسيحيين" هدم الكعبة وكانت حينئذٍ مقرًا لعبادة الأصنام والأوثان.
وسوف يتبين لنا -الآن- كيف دخلت هاتان الديانتان إلى بلاد العرب. كما
[ ٦٧ ]
سيتبين لنا مدى ما طرأ على هاتين الديانتين من تغيير وتبديل أفسدهما وقضى على جوهرهما الأصيل.
[ ٦٨ ]
اليهودية في بلاد العرب:
يرجع اليهود في نسبهم إلى إسرائيل وهو يعقوب -﵇- ولذا يسمون بالإسرائيليين أو بني إسرائيل. ويسمون -كذلك- باليهود نسبة إلى يهوذا أحد أولاد يعقوب، أو لأنهم بعد أن أضلهم السامري عن الحق هادوا إلى الله أي رجعوا إليه وتابوا وطلبوا من الله أن يغفر لهم١.
ويذكر المؤرخون عن أبناء يعقوب أنهم كانوا يترددون على مصر طلبًا للتجارة أحيانًا، وطلبًا للقوت أحيانًا أخرى، وحينما أجدبت بلادهم في فلسطين ولّوا وجوههم شطر مصر يلتمسون الغوث والعون، وكان أخوهم يوسف -﵇- قد استقر به المقام في مصر بعد أن أنجاه الله من مكرهم وكيدهم، ومكن الله له فيها حتى أصبح أمينًا على خزائنها، وأخيرًا تعرفوا عليه وطلب إليهم أن يأتوه بأهلهم أجمعين. وحينئذٍ هاجر يعقوب مع أولاده إلى مصر وكان عددهم مع ذريتهم ستة وستين، وقد هيأ لهم يوسف المكان الطيب، وأجريت عليهم الأرزاق الوفيرة، وعاشوا بها عيشًا رغدًا إلى أمد معلوم، ثم كتب الله عليهم الجلاء عن مصر بعد أن اضطهدهم فرعون فخرجوا منها سنة ١٢٢٠ ق. م. تحت قيادة سيدنا موسى -﵇- وقطعوا شبه جزيرة سيناء إلى أرض كنعان. وقد أسسوا بها مملكة عظيمة. وكان من ملوكهم داود وسليمان، عليهما السلام٢.
_________________
(١) ١ ويؤيد هذه النسبة قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾، وقد ذكر الذين هادوا في القرآن في عشرة مواضع. ٢ انظر هذه القصة مستوفاة في "الكامل في التاريخ" لابن الأثير ١/ ٨٠-١١٠، وغيره.
[ ٦٨ ]
وقد انقسم اليهود على أنفسهم بعد وفاة سليمان -﵇- وكانت لهم مملكتان في فلسطين إحداهما مملكة يهوذا بالجنوب وعاصمتها أورشليم. والأخرى مملكة إسرائيل بالشمال وكانت عاصمتها السامرة وهي التي قامت على أنقاضها نابلس، وفي حوالي سنة ٧٠م -وكان الرومان هم أصحاب النفوذ والسلطان- اضطهد الرومان اليهود واشتد بهم التعذيب فاضطروا إلى الهجرة وهاموا على وجوههم في صحراء بلاد العرب حتى استقروا في أماكن متفرقة من بلاد الحجاز.
وقد ذهب إلى هذا الرأي ورجحه مؤرخ عراقي معاصر. وذلك حيث يقول١: إن ما ورد في روايات أهل الأخبار من هجرة بعض اليهود إلى أطراف يثرب وأعالي الحجاز على أثر ظهور الروم على بلاد الشام وفتكهم بالعبرانيين وتنكيلهم بهم. يستند إلى أساس تاريخي صحيح، فالذي نعرفه أن فتح الرومان لفلسطين أدى إلى هجرة عدد كبير من اليهود إلى الخارج، فمن المعقول أن يكون يهود الحجاز من نسل أولئك المهاجرين ومنهم بنو قينقاع وبنو النضير وبنو قريظة.
وأما عن مساكن اليهود فبعضها كان بداخل المدينة، وبعضها كان قريبًا منها، وبعضها كان بعيدًا عنها.
فبنو قينقاع كانوا يسكنون داخل المدينة في محلة خاصة بهم، وبنو النضير كانت مساكنهم بالعالية بوادي بطحان على بعد ثلاثة أميال من المدينة، وكان مكانًا عامرًا بالزروع والنخيل. وبنو قريظة كانوا يسكنون بمنطقة مهزور وهي تقع على بعد قليل من جنوب المدينة.
_________________
(١) ١ "تاريخ العرب قبل الإسلام" ١/ ١٠ للدكتور كمال علي.
[ ٦٩ ]
ومن بين اليهود الذين كانوا يسكنون المدينة وضواحيها بطون صغيرة كبني عكرمة وبني ثعلبة وبني محمر وبني زعورا وبني عوف وبني بهدل وبني القصيص وغيرهم. وكانت هذه البطون الصغيرة تابعة في سياستها لبني قينقاع وبني النضير وبني قريظة١.
وأما يهود خيبر فكانوا يسكنون في واحة كبيرة في الشمال الشرقي للمدينة وبينها وبين المدينة ستة وتسعون ميلًا. وكانت ذات حصون قوية، وبها مزارع وبساتين ونخيل كثيرة.
وكان اليهود يشتغلون بالتجارة وقد برعوا فيها حتى كانت تجارة الشعير والقمح والتمر والخمر تكاد تكون وقفًا عليهم، وكذا صناعة الصياغة وصناعة الدروع وآلات الحرب والقتال، وكانت معظم معاملاتهم مع غيرهم تقوم على المراهنات وتعاطي الربا، مما جعلهم يتحكمون في الأسواق ويحتكرونها لمصلحتهم ومنفعتهم٢.
وكان يقيم على مقربة منهم قبيلتان من العرب الذي هاجروا من بلاد اليمن على أثر انهدام سد مأرب وهما قبيلتا الأوس والخزرج.
وكان النزاع دائمًا بين العرب واليهود لأن اليهود يحاولون الاستيلاء على الأرض المجاورة للمدينة والاستئثار بزراعتها، ولكن الأوس والخزرج يحولون بينهم وبين هذا الغرض مما أثار حقد اليهود ومؤامراتهم على هاتين القبيلتين ولكن كانت الغلبة دائمًا للعرب على الرغم مما عرض لهم من تفرق الكلمة وتشقق الوحدة.
_________________
(١) ١ "بنو إسرائيل في القرآن والسنة" ١/ ٧٧ للدكتور محمد الطنطاوي. ٢ المرجع السابق، وثمة في السيرة نصوص كثيرة تؤيد هذا.
[ ٧٠ ]
ولم تكن المحاولات اليهودية مقصورة على الحجاز بل كان بالجنوب دعاية يهودية قوية نشأ عنها اعتناق كثير من القبائل لليهودية منهم بنو كنانة وكندة وبنو الحارث بن كعب.
وقد شاعت اليهودية في حمير وكان من أكبر المتحمسين لنشرها ذو نواس الحميري الذي اضطهد المسيحيين في نجران، مما أدى إلى الصدام بين اليهودية والمسيحية ومما ساعد في النهاية على تدخل الأحباش -المسيحيين- واستيلائهم على بلاد اليمن.
واليهودية في حقيقتها الأولى دين سماوي مستمد من التوراة التي نزلت على نبي الله موسى بن عمران وفيها موعظة وتفصيل لكل شيء. وبها من الآداب الاجتماعية والمثل الأخلاقية ما يطهر النفوس ويحيي القلوب، وتسعد في ظلاله الأمم والشعوب. وفي ذلك يقول الله لنبيه موسى -﵇- بعد رسالته: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ١.
واليهودية -كما نزلت على موسى- ديانة توحيد. تتصف فيها الذات الإلهية بصفات الوحدانية الكمال والتجرد من النقص ومخالفة الحوادث في كل شيء. أو بعبارة أخرى هي والإسلام سواء، ولكن في عصر تدوينهم للتوراة بعد فقدها طرأت على فكرة الألوهية انتكاسة كبيرة، فتصوروا الله تعالى في صورة مجسمة ووصفوه بكثير من صفات النقص والضعف والغفلة والجهل. فيقولون: إن الرب حزن لأنه خلق الإنسان في الأرض وتأسف في قلبه، وإنه نزل لينظر المدينة
_________________
(١) ١ سورة الأعراف، الآية ١٤٤.
[ ٧١ ]
والبرج، وإنه نزل ذات ليلة وتصارع مع يعقوب فلم يقدر عليه١.
ثم اعتقد بنو إسرائيل بعد ذلك بتعدد الآلهة فكانوا يرون أن إلههم خاص بشعب بني إسرائيل ويختلف عن آلهة الشعوب الأخرى، وأنهم هم أولاده وأحباؤه٢. بل اعتقدت بعض فرقهم بوجود ابن لله كما اتخذت بعض الفرق الأخرى أحبارها أربابًا من دون الله، وتنكر بعض فرق اليهود للبعث ويعتقدون أن عقاب العصاة وثواب المتقين يقع في حياتهم، وتذهب بعض فرقهم -كذلك- إلى أن الصالحين من الأموات هم الذين سيبعثون إلى الدنيا مرة ثانية ليشتركوا مع المسيح الذي سيبعث في آخر الزمان لينقذ الناس من الضلال ويدخلون جميعًا في ديانة موسى٣.
ولم يكتف اليهود بما ورد في تلكم التوراة التي وضعوها بأيديهم كما يشاءون، بل أخذوا يفسرونها -وهي الزائفة المحرفة- حسب أهوائهم وشهواتهم وتوسعوا في شرحها وحولوها إلى تعاليم محددة.
وقد أخذوا هذه التفسيرات من مصدرين أساسيين هما: تلمود أورشليم وكان موجودًا في فلسطين سنة ٢٣٠م.
والثاني: تلمود بابل وكان موجودًا في بابل سنة ٥٠ م.
وقد زيد عليهما بعد ذلك، وتتوالى الزيادة بتوالي الأزمنة والعصور، وهم يقدسون التلمود ويعتبرونه أهم من التوراة، ويقولون فيه: إن من احتقر أقوال الحاخامات استحق الموت وإنه لا خلاص لمن ترك تعاليم التلمود وتمسك
_________________
(١) ١ سفر التكوين، الإصحاح ٦/ ١١. ٢ كما ذكر الله ﵎ ذلك عنهم في القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية ١٨ قال: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ﴾ . ٣ انظر "محمد نبي الإسلام في التوراة والإنجيل والقرآن" ص١٤٥ للطهطاوي.
[ ٧٢ ]
بالتوراة وحدها لأن أقوال علماء التلمود كما يزعمون أفضل مما جاءت به شريعة موسى.
ومما يدعو إلى العجب والغرابة ويدل على السفه والغواية والحمق والاضطراب أنهم ينسبون إلى الأنبياء والمرسلين أعمالًا قبيحة تتنافى مع وضعهم الديني، فينسبون إلى موسى -﵇- أنه أوصى قومه ليلة خروجهم من مصر أن يسرقوا من المصريين حليهم وأمتعتهم ففعلوا١. وينسبون إلى هارون أخي موسى أنه صنع عجلًا وعبده مع بني إسرائيل٢. وينسبون إلى إبراهيم -﵇- أنه قدم امرأته سارة إلى فرعون حتى ينال الخير بسببها٣.
وواضح أن تلك الأكاذيب يراد بها أن تتوجه الأنظار إلى أحبار اليهود وأن يكون الإيمان بهم أقوى من الإيمان بالرسل والأنبياء. وهي نزعة مادية خبيثة تكمن وراءها أغراض خسيسة. وهذه الأغراض يكشف عنها التلمود وما جاء فيه من القبائح والرذائل، وما يهدف إليه من سيادة اليهود على العالم كله؛ لأن أرواحهم تتميز عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله٤، ولأنهم أساس الخير والبركة على وجه الأرض وأن الفرق بينهم وبين غيرهم من الأمم هو كالفرق بين الإنسان والحيوان، إلى غير ذلك من المبادئ الهدامة التي تدل على ما يحمله هؤلاء الناس من عداوة وحقد ضار على البشرية جمعاء وعلى سائر الأمم في هذا الوجود.
_________________
(١) ١ سفر الخروج، إصحاح ١٢ عدد ٣٥. ٢ سفر الخروج، إصحاح ٣٢. ٣ سفر التكوين، إصحاح ١٢. ٤ بزعمهم.
[ ٧٣ ]
المسيحية في بلاد العرب
ولد السيد المسيح -﵇- في بيت لحم على مقربة من بيت المقدس. وقد فزع قومه لولادته من مريم وهي البتول الطاهرة النقية ولم تزف إلى زوج حتى ينسب ولدها إليه. وقالوا: ﴿يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا، يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ ١، ولكن الله أنطقه وهو في المهد ليبرئ أمه من هذا الاتهام الكاذب فقال: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا، وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا، وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا﴾ ٢.
ولما خشيت الأم على نفسها وعلى ولدها من أشرار قومها، أخذته وذهبت به إلى مصر مع ابن عمها يوسف النجار فأقاموا بها اثنتي عشرة سنة ثم عادوا إلى الشام٣.
وقد تلقى الوحي على جبل الزيتون هناك وكان عمره -حينئذ- ثلاثين سنة، وظل يدعو الناس إلى توحيد وحسن المعاملة، والرفق بالضعفاء وتجنب زخارف الدنيا، وإلى العمل للآخرة رجاء ثواب الله. إلى أن بلغ ثلاثًا وثلاثين سنة وثلاثة شهور فرفعه الله إليه٤، ولا ريب أن رفعه رفع مكانة ومنزلة، وفريق آخر يقولون إنه رفع بروحه وجسده٥.
_________________
(١) ١ سورة مريم، الآية ٢٧. ٢ سورة مريم، الآيات: ٢٧-٢٨- ٢٩-٣٠. ٣ "الكامل في التاريخ" ١/ ١٨٧، و"البداية والنهاية" ٢/ ٧٥. ٤ وقيل غير ذلك، وفي ذلك حديث مسند غريب عن فاطمة، رواه الحاكم، ويعقوب بن سفيان في تاريخه، وأنكره ابن عساكر، كما ذكر الحافظ ابن كثير في "البداية" ٢/ ٩٥. ٥ هو رفع بالروح والجسد، ورفع مكانة ومنزلة.
[ ٧٤ ]
والجميع ١ متفقون على أنه لم يقتل ولم يصلب كما يزعم اليهود، وكما يزعم النصارى بعد أن حرفوا الإنجيل وزيفوه. والقرآن الكريم صريح في ذلك حيث يقول سبحانه عن اليهود:
﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا، بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ ٢.
ومن أجل تحريفهم للإنجيل تعددت الأناجيل لديهم والمشهور منها خمسة:
إنجيل برنابا وهو إنجيل لا تعترف به الكنيسة حاليًا لأنه أقرب إلى الحق وتكاد تعاليمه تتفق مع تعاليم الإسلام. والأربعة الأخرى هي: إنجيل متى، وإنجيل مرقص، وإنجيل لوقا، وإنجيل يوحنا. وهي الأناجيل المعتمدة لدى الكنيسة ٣.
ويمتاز إنجيل برنابا بالدقة والحكمة وسمو العبارة. وقد خالف هذا الإنجيل سائر الأناجيل الأخرى التي يدين بها المسيحيون في أربعة أمور:
أولها: أنه لم يعتبر المسيح ابن الله ولم يعتبره إلهًا وإنما اعتبره نبيًّا.
وثانيها: أنه يعتبر الذبيح هو إسماعيل وليس إسحاق، وهو يخالف بذلك التوراة وسائر الأناجيل ويوافق القرآن الكريم.
_________________
(١) ١ لا أدري من أراد بالجميع، فالنصارى يقولون: قتل وصلب ثم قالم من بين الأموات، واليهود يقولون: قتل وصلب ولم يقم. ٢ سورة النساء، الآيتان ١٥٧ - ١٥٨، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ﴾ . ٣ مع أن فيها اختلافًا وزيادة ونقصًا، كما قرره بعض الباحثين في أيامنا، وذكره الحافظ ابن كثير في "البداية" ٢/ ١٠٠ وغيره. كشيخه ابن تيمية في كتابه القول الصحيح فيمن بدل دين المسيح.
[ ٧٥ ]
وثالثها: أنه ذكر محمدًا باللفظ الصريح المتكرر وقال إنه رسول الله.
ورابعها: أنه بين أن المسيح -﵇- لم يصلب ولكن شبه لهم. فألقى الله شبهه على يهوذا الإسخريوطي.
وفي ذلك يقول برنابا: إن صوت يهوذا ووجهه وشخصه بلغت من الشبه بيسوع أن اعتقد تلاميذه والمؤمنون به كافة أنه يسوع المسيح.
وهكذا يخالف إنجيل برنابا بقية الأناجيل في هذه الأمور الجوهرية وفي خصائص المسيحية التي عرفت بها. ذلك بأن المسيحية قد عرفت بالتثليث بنبوة المسيح وألوهيته. وكان هذا شعارها الذي به تعرف وعلامتها التي بها تتميز.
ومن أجل ذلك أحدث ظهور هذا الإنجيل رجة فكرية عنيفة، ورفضته الكنيسة رفضًا نهائيًا. ولم يعد من الأناجيل المعتمدة لدى الكنيسة المسيحية١.
وقد اختلف المؤرخون في مبدأ دخول المسيحية في بلاد العرب، ولكن المرجح أنها دخلت ببطء شديد وأنها دخلت عن طريق الاتصالات التجارية بين بلاد العرب والبلاد المجاورة لهم، وأن ذلك بدأ منذ أوائل القرن الرابع الميلادي وأنها انتشرت في بلاد العرب بعد انتهاء هذا القرن. وكانت الحيرة أهم مراكز المسيحية في بلاد العرب. وكان أهم سكانها هم الطائفة المعروفة بالعبادة. ثم دخلت النصرانية إلى بلاد اليمن على أيدي الأحباش الذين استعمروها وحاولوا أن ينشروا المسيحية فيها فبنوا بها كنيسة كبرى في صنعاء، وأرادوا أن يجعلوها مركزًا للديانة المسيحية، وحاولوا هدم الكعبة في عام الفيل، ولكن محاولتهم باءت بالفشل الذريع، كما أشرنا إلى ذلك لدى كلامنا عن البيت العتيق.
_________________
(١) ١ "محاضرات في النصرانية" ص ٦٧ لمحمد أبو زهرة.
[ ٧٦ ]
ولقد كان يوجد في الجزيرة العربية إلى جوار الوثنية واليهودية والمسيحية جماعات قليلة من المجوس وهم عبدة النار، والصابئون وهم عبدة الكواكب. ولقد ظلت هذه الديانات موجودة إلى أن جاء الإسلام وفيه الحجج الواضحة على تلك الديانات الباطنة والعقائد الفاسدة التي يصطدم بعضها ببعض، والتي تصطدم جميعًا بهذا الدين الحنيف، فأحق الله به الحق وأبطل الباطل: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾
[ ٧٧ ]