كانت حياة الرسول -ﷺ- في هذه الدنيا كالشجرة الطيبة التي ثبتت أصولها، وانبسطت ظلالها، وآتت ثمارها المباركة في وقت وحين، بل كالمشكاة النيِّرة التي يتألق ضوؤها ذات اليمين وذات الشمال وفي كل مجال، ويهدي الله بها من يشاء من عباده.
فلما قضى الله على رسوله -ﷺ- أن يلحق بالرفيق الأعلى ويوضع جسده الطاهر في باطن الأرض، رجع الناس بسيرته نورًا يسعى بين أيديهم وبأيمانهم. وسوف يظل هذا النور هداية للناس ورشادًا، ما دامت السموات والأرض وما بقي الوجود كله.
وإنه لحق علينا -نحن المسلمين- أن ننتفع بهذا النور المبين، وأن نحسن استغلاله، بدل أن تعشى أبصارنا فيلتوي بنا القصد ويضيع منا الطريق. بيد أن بعض المسلمين قد عشيت أبصارهم بهذا النور، إذ فُتنوا بحبهم للنبي -ﷺ- فضلوا عن الحق وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، ذلك أنهم قد بالغوا في تقديس النبي -ﷺ- مبالغة أنستهم أنه بشر، وأنه خُلِق من طين كما خلق سائر البشر، فقالوا عنه: إنه خلق من نور، وقالوا عنه: أنه أول خلق الله واستدلوا على ذلك
[ ٤١٣ ]
بروايات موضوعة١ لا تمت إلى الحق بأي سبب، وغفلوا عن الآيات الواضحة الصريحة التي ذكرها الله -﷿- في محكم كتابه، والتي يتبين منها حقيقته البشرية التي أكدها الله وأمر رسوله -ﷺ- أن يعلنها للناس في مثل قوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ﴾ ٢، ثم زاد تأكيدها في آية أخرى تشير إلى أن محمدًا خُلِق من نفس الطينة التي خلق منها سائر البشر، وذلك حيث يقول: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٣.
ولقد ذكر بعض المفسرين في تفسيرهم لقول الله ﷿: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ، يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ ٤.
ذكر بعض المفسرين أن المقصود بالنور في الآية الكريمة هو محمد ﷺ. ومن هنا ساغ لبعض ضعفاء العقول أن يقول إنَّ محمدًا خلق من نور؛ جهلًا منهم: بما يفهم من الآية، إذ لا شك أن النور الذي جاء في الآية الكريمة، هو النور المعنوي الذي يضيء للناس طريق الحق، وليس النور الحسي الذي تراه العين، والذي يضيء كما تضيء المصابيح وكما تضيء الكواكب.
فالواقع الذي تطمئن إليه النفوس، وتنهض به الحجة، أن محمدًا -ﷺ- نور؛ لأنه أضاء للناس طريق الخير بما آتاه الله من العلم والحكمة، ولكنه مخلوق من التراب الذي خلق منه سائر البشر. وليس يضيره في قليل أو كثير أن يكون
_________________
(١) ١ أو صحيحة، لكن أولوها خلاف معناها الصريح. ٢ سورة فصلت، الآية ٦. ٣ سورة التوبة، الآية ١٢٨. ٤ سورة المائدة، الآية ١٦.
[ ٤١٤ ]
مخلوقًا من التراب، ما دام الله قد اصطفاه واختاره لرسالته الكبرى، التي أضاءت المشارق والمغارب، وملأت العالم كله بالهدى والرشاد.
والواقع الذي تطمئن إليه النفوس، وتنهض به الحجة أن محمدًا -ﷺ- أول خلق الله منزلةً وأعلاهم قدرًا. وليس أول خلق الله وجودًا وأقدمهم مولدًا، ذلك أنه بالتسلسل الزمني كان خاتم الأنبياء والمرسلين. فهو مكمل للبناء العظيم الذي أقامه الأنبياء لإسعاد البشر منذ وجود آدم أبي البشر.
ولا يستقيم مع المنطق السليم أن يكون محمد صلوات الله وسلامه عليه من أبناء آدم، ثم يوجد قبل أبيه.
ولا يستقيم مع المنطق السليم -كذلك- أن تكون الأفضلية بين الناس بقدم البلاد، وإلا لكان الآباء أبدًا أفضل من الأبناء. وكان الأجداد على توالي العصور أفضل من الآباء والأحفاد.
وإذا كان من واجبنا -كمسلمين- أن نقدر نبينا العظيم -ﷺ- حق قدره، فإنه الحق علينا -كذلك- ألا نُسيء الفهم ونتجاوز الحد، فنبعد نبينا -ﷺ- عن منزلته وقدره، فما أبعد الفرق بين التقدير والتقديس، وبين الحب والعبادة.
وقديمًا كفر اليهود لأنهم قدَّسوا العزيز وهو نبي، فقالوا عنه إنه ابن الله، كما كفر النصارى لأنهم قدسوا المسيح وهو نبي فقالوا عنه إنه ابن الله.
﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ ١.
والآن فلنفتح عيوننا على أقباس من معجزات الرسول -ﷺ- وشمائله، عسى أن
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية ٣٠، وانظر الخلاف في قصة عزير في كتب التفسير.
[ ٤١٥ ]
يجعل الله لنا منها هدىً ونورًا وموعظة وشفاء لما في الصدور.
فأما معجزات الرسول -ﷺ- فقد روت كتب الحديث والسيرة منها الكثير. وأولها:القرآن الكريم وهو أعظم المعجزات وأقواها، دلالةً على تفضيل النبي -ﷺ- على جميع الرسل، وذلك من أجل خلوده وبقائه وإعجاز آياته، فهو في واقع الأمر معجزات متعددة متواترة. وهو الذي تحدى به الرسول -ﷺ- بلاغة العرب وفصاحتهم على توالي العصور، والذي لم ينقطع إعجازه بعد أن لحق الرسول -ﷺ- بالرفيق الأعلى، بل يزداد وضوح هذا الإعجاز كلما استنارت عقول الناس وكشفت لهم أسراره وعجائبه. بل تحدى به الإنس والجن، وأخبر بأنهم لن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله في قوله سبحانه:
﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ١.
وقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ ٢.
ومن المعجزات الثابتة للرسول -ﷺ- حنين الجذع. وقد ثبت ذلك في الصحيحين وغيرهما٣، وذلك أن الرسول كان يخطب يوم الجمعة على جذع نخلة، فلما كثُر الناس بني له منبر
_________________
(١) ١ سورة الإسراء، الآية ٨٨. ٢ سورة البقرة، الآيتان ٢٣-٢٤. ٣ فتح الباري ٦/ ٦٠١، ودلائل النبوة للبيهقي ٦/ ٦٦، ومسند أحمد ٥/ ٣٣٠، ومصنف ابن أبي شيبة ١١/ ٤٨٥، ثم ١١٧٩٧، ودلائل النبوة لأبي نعيم ٣٠٣ وما بعده، وسنن ابن ماجه ١/ ٢٢٣، ومجمع الزوائد ١/ ١٨٢، وسنن الدارمي ٣٦، والخصائص للسيوطي ٢/ ٣٠٧، وغير ذلك وقد جاءت هذه الحادثة عن جماعة من الصحابة.
[ ٤١٦ ]
فلما تحوَّل الرسول -ﷺ- عن الجذع سمع له حنين كحنين الواله؛ حزنًا على فراق الرسول وشوقًا إليه، وما زال يحن حتى نزل الرسول -ﷺ- عن المنبر ومشى إليه فاحتضنه فسكت.
ومنها معجزة انشقاق القمر، وقد رواها ابن عباس -﵄- حيث قال: اجتمع المشركون على عهد الرسول -ﷺ- وفيهم: الوليد بن المغيرة وأبو جهل والعاص بن وائل، والعاص بن هاشم، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب، وربيعة بن الأسود والنضر بن الحارث ونظراؤهم في التوغل في الكفر والعناد، وقالوا للنبي -ﷺ: إن كنت صادقًا فشق لنا القمر فرقتين: نصفًا على أبي قبيس ونصفًا على قعيقعان١.
فقال لهم النبي -ﷺ: "إن فعلت تؤمنوا" قالوا نعم.
وكانت ليلة البدر، فسأل رسول الله -ﷺ- ربه -﷿- أن يعطيه ما سألوا، فأمسى القمر نصفين كما سألوا. فقال ﷺ: "اشهدوا". فقالوا: سحركم ابن أبي كبشة، فسلوا المسافرين فلو كانوا رأوا ما رأيتم فهو صدق، فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، وإن لم يكونوا رأوا ما رأيتم فهو سحر.
فسألوا المسافرين، وقد قدموا من كل وجه، فقالوا: رأيناه.
فقال الكفار: هذا سحر مستمر يريدون أنه سحر شامل لم يقتصر على أهل مكة وحده بل شمل الناس جميعًا٢.
_________________
(١) ١ أسماء لجبلين الأول في مكة، والآخر في الأهواز. ٢ أخرجه أبو نعيم في دلائل النبوة رقم ٢٠٩ عن ابن عباس، وسنده ضعيف كما في الفتح ٨/ ١٨٠، لكن صح عند مسلم ٨/ ١٣٣، والترمذي ٢١٨٣ من حديث ابن عمر أن القمر انشق على عهد رسول الله -ﷺ- فقال رسول الله -ﷺ: " اشهدوا". وقد أخرجه الشيخان عن ابن مسعود وعند الطبراني، وأبي نعيم في الدلائل، رقم ٢٠٧ عن =
[ ٤١٧ ]
وقد نزل في ذلك قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ، وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ، وَكَذَّبُوا وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ وَكُلُّ أَمْرٍ مُسْتَقِرٌّ﴾ ١.
ومنها معجزة نبع الماء من بين أصابعه، ومعجزة تكثير الطعام القليل ببركته، ومعجزة الإسراء والمعراج، ومعجزة شق الصدر. وقد أشرنا إلى الكثير من ذلك في ثنايا الكتاب٢.
وأما عن شمائله صلوات الله وسلامه عليه فهي الخلق العظيم الذي وصفه الله
_________________
(١) = ابن مسعود قال: انشق القمر فرأيته فرقتين. علقه البخاري في صحيحه بسياق يؤيد رواية ابن عباس. وكان أخرجه هو ومسلم مختصرًا. وانظر فتح الباري ٨/ ١٨٣ فقد ذكر لحديث ابن عباس رواية أخرى بسياق آخر من وجه ضعيف وعزاه لجماعة منهم ابن منده في المعرفة ١/ ٦٥. وأخرج الشيخان عن أنس أن رسول الله -ﷺ- سأله أهل مكة أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر. والحاصل أن معجزة انشقاق القمر ثابتة لا مرية فيها. وانظر جامع الأصول رقم ٨٩٣٣ وما بعده. ١ سورة القمر، الآيات ١-٢-٣. ٢ نعم، تكلم وتكلمنا معه على حادثتي الإسراء والمعراج، وشق الصدر، وأما نبع الماء وتكثير الطعام فلم يعرج المؤلف عليهما من قبل، وهما صحيحتان، ووقعتا في أكثر من مرة، وانظر كذلك في مسألة تكثير الطعام دلائل النبوة للبيهقي ٦/ ٨٣ وما بعدها، فقد ذكر تكثير الطعام في مواضع، منها: أ- عند أبي طلحة الأنصاري لمَّا دعاه للطعام. ب- عند أبي أيوب الأنصاري. ج- في خيمة أم معبد، وقد مضى ذلك في سياق الهجرة. وغير ذلك. وانظر في هذا أيضًا صحيح البخاري ٣٣٧، ومسلم ٦٨١، ٦٨٢. وأما نبع الماء فقد تكرر أيضًا في أكثر من مرة. فصح عند البخاري ١٦٧، ومسلم ٢٢٧٩ عن أنس، وعندهما كذلك ٣٣٨٣، ١٨٥٦ عن جابر وذلك في الحديبية، وكذلك عن البراء بن عازب عند البخاري ٣٣٨٤، وفي الباب أحاديث كثيرة.
[ ٤١٨ ]
﷿ في قوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
أجل لقد أدَّب الله رسوله -ﷺ- فأحسن تأديبه، ومنحه من كمال الخلق وجميل الصفات ما لم يمنحه لأحد من العالمين. وأمره بأن يكون رمزًا للخير والبر فقال له: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ ٢.
وقال له في آية أخرى ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ ٣.
وقال: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ ٤.
وقد تواترت الأخبار على حسن امتثال الرسول -ﷺ- لما أمره الله به من هذه الصفات الكريمة فما من حليم إلا عُرِفت له بعض الزلات والهفوات ولكن النبي محمدا صلوات الله وسلامه عليه لم يكن يزداد على كثرة الإيذاء إلا صبرًا وحلمًا.
قالت عائشة ﵂: ما خُيِّر ﵇ في أمرين قط إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا. فإن كان إثما كان أبعد الناس منه، وما انتقم لنفسه إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله٥. ولما فعل المشركون به ما فعلوا في يوم أحد قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"٦. وفيما يروى عن أنس -﵁- أنه قال: كنت مع النبي -ﷺ- وعليه برد غليظ الحاشية، فجذبه أعرابي بردائه
_________________
(١) ١ سورة نون، الآية ٥. ٢ سورة الأعراف، الآية ١٩٩. ٣ سورة الأحقاف، الآية ٣٥. ٤ سورة النحل، الآية ١٢٧. ٥ أخرج الحديث البخاري ٣٣٦٧، ومسلم ٢٣٢٧، ومالك في الموطأ ٩٠٣، وأبو داود ٤٧٨٥ وغيرهم ٦ كما صح ذلك ومضى في مصادر غزوة أحد.
[ ٤١٩ ]
جذبة شديدة حتى أثرت حاشية البرد في صفحة عنقه ثم قال: يا محمد، احمل لي على بعيري هذين من مال الله عندك فإنك لا تحمل لي من مالك ولا مال أبيك فسكت النبي -ﷺ- ثم قال: "المال مال الله وأنا عبده".. ثم قال: "ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي" قال: لا، قال: لم؟ قال لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة. فضحك ﵇ ثم أمر أن يُحمل له على بعير شعير وعلى الآخر تمر١.
ولما أسر المسلمون ثمامة بن أثال الحنفي، وكان من عظماء بني حنيفة وجيء به إلى رسول الله -ﷺ- عامله أكرم معاملة وعرض عليه الإسلام فأبى، فأطلق سراحه وهو القادر حينئذ على أن يقتله أو ينكل به، ولما رأى ثمامة هذه المعاملة وهذه المكارم، وجد من العقل أن يفيء إلى الرشد، وألا يمعن في اتباع الهوى ويترك دينًا عماده المحامد، فرجع إلى رسول الله -ﷺ- وقد أشرق الحق في نفسه وخالطت بشاشة الإيمان قلبه. وخاطب الرسول -ﷺ- قائلًا: يا محمدُ، والله ما كان على الأرض من وجه أبغض علي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي، والله ما كان على الأرض من دين أبغض إلي من دينك، فقد أصبح أحب الدين كله إلي، والله ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك، فقد أصبح أحب البلاد إلي٢.
_________________
(١) ١ أخرج أبو داود ٤٧٧٥ في الأدب، والنسائي ٨/ ٣٣ من حديث أبي هريرة نحو هذه الواقعة، وفي سند الحديث ضعف. لكن صح عند البخاري ٥٤٧٢ وغيره من حديث أنس قال: كنت أمشي مع النبي -ﷺ- وعليه برد نجراني غليظ، فأدركه أعرابي فجبذه جبذة شديدة، حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله -ﷺ- قد أثرت بها الحاشية. من شدة جذبته، قال: يا محمدُ، مُر لي من مال الله الذي عندك. فالتفت له رسول الله -ﷺ- ثم أمر له بعطاء. ٢ صحيح البخاري ٤٦٢، وسيرة ابن هشام ٤/ ٢١٥، وأسد الغابة ١/ ٢٨٢، ومعرفة الصحابة لأبي نعيم ٣/ ٢٩٠، والإصابة لابن حجر ١/ ٤١١ وغير ذلك.
[ ٤٢٠ ]
وقد سُرَّ الرسول -ﷺ- كثيرًا بإسلامه لأنه سيد قومه وكلمته فيهم ناقدة وكان إسلامه خيرًا وبركةً على قومه وأساسًا لهدايتهم بعد ذلك إلى الإسلام.
وكان صلوات الله وسلامه عليه أشد الناس حياءً، وأكثرهم عن العورات إغضاءً.
قالت عائشة: كان ﵇ إذا بلغه عن أحد ما يكرهه لم يقل ما بال فلان يقول كذا وكذا بل يقول: ما بال أقوام يصنعون أو يقولون كذا١. فكان ينهى عن الشيء ولا يسمي فاعله.
وكان ﵇ يُؤلف الناس ولا ينفرهم، ويكرم كريم كل قوم ويوليه عليهم ويتفقد أصحابه، ويعطي كل جلسائه نصيبًا حتى لا يحسب جليسه أن أحدًا أكرم عليه منه، من جالسه أو قاربه لحاجة صابره حتى يكون هو المتصرف عنه، ومن سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول. وقد وسع الناس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا وصاروا عنده في الحق سواء، وكان دائم البشر سهل الخلق لين الجانب، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخَّاب ولا فحَّاش ولا سبَّاب. قال سبحانه.
﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ ٢. وقال: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ قال العراقي في المغني عن حمل الأسفار ٣/ ١٤٢، رواه أبو داود بسند رجاله رجال الصحيح. ٢ سورة آل عمران، الآية ١٥٩. ٣ سورة فصلت، الآية ٣٤.
[ ٤٢١ ]
وكان ﵇ يجيب من دعاه ويقبل الهدية مهما كانت ويكافئ عليها بمثلها أو بأحسن منها، وكان يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويلاعب صبيانهم ويجالسهم في حجره، ويعود المرضى في أقصى المدينة، ويقبل عذر المعتذر، وكان يبدأ من لقيه بالسلام ويبدأ أصحابه بالمصافحة، ولم يُر قط مادًا رجليه بين أصحابه،حتى يضيق بها على أحد، وكان يُكرم من يدخل عليه ولا يدعوهم بأسمائهم تكرمةً لهم١.
وأما الشفقة والرحمة بجميع الخلق فقد وصفه الله بها في قوله: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ ٢، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ٣.
وقد روي أن أعرابيًا جاءه يطلب منه شيئًا، فأعطاه ثم قال: "أأحسنت إليك؟ " قال الأعرابي: لا، ولا أجملت.
فغضب المسلمون وقاموا إليه. فأشار إليهم أن كُفوا.. ثم قام ودخل منزله وأرسل إليه وزاده شيئًا ثم قال: "أأحسنت إليك؟ " فقال: نعم فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا. فقال ﵇: "إنك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي من ذلك شيء، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يدي حتى يذهب ما في صدورهم عليك"، قال: نعم. فلما كان الغد أو العشي جاء، فقال ﵊: " إن هذا الأعرابي قال ما قال، فزدناه، فزعم أنه رضي، أكذلك؟ " قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرًا. فقال ﵇: "مثلي ومثل هذا مثل رجل له ناقة شردت عليه فاتبعها الناس فلم يزيدوها إلا نفورًا، فناداهم صاحبها: خَلُّوا
_________________
(١) ١ وكل ذلك صح من أوجه كثيرة وانظر الشمائل ١/ ٢١١ للترمذي، وما بعدها. ٢ سورة التوبة، الآية ١٢٨. ٣ سورة الأنبياء، الآية ١٠٧.
[ ٤٢٢ ]
بيني وبين ناقتي، فإني أرفق بها منكم وأعمل فتوجه لها بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض فردها، حتى جاءت واستناخت، وشدَّ عليها رحلها واستوى عليها، وإني لو تركتكم حيثُ قال الرجل ما قال فقتلتموه دخل النار"١.
وأما تواضعه ﵇ مع ما أكرمه الله به من النبوة ورفعة الدرجة والمكانة. فقد كان أشد الناس تواضعًا وأبعدهم عن الكبرياء والغرور، ولا غرو فقد خيَّره الله أن يكون نبيًا ملكًا أو نبيًّا عبدًا، فاختار أن يكون نبيًّا عبدًا.
وقد روي أن رسول الله ﷺ خرج يوما متوكئا على عصاه فقاموا، فقال: "لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا" ٢. وقال: "إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد" ٣. وكان يقول: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم إنما أنا عبد الله ورسوله" ٤.
وأما عن زهده فقد نظر إلى الدنيا على أنها وسيلة وممر، ونظر إلى الآخرة
_________________
(١) ١ لم أقف عليه من وجه صحيح، وانظر الشفا للقاضي عياض ١/ ٢٥٣ ومناهل الصفا للحمزاوي ٢. على أنه يوجد في الأحاديث الصحيحة ما يغني عن مضمونه. ٢ أخرجه ابن أبي شيبة ٨/ ٥٨٥ وأبو داود ٥٢٣٠، والقاضي عياض في الشفاء ١/ ١٣٠، والسمعاني في أدب الإملاء ٣٤، والطبراني في الكبير ٨/ ٣٣٤، وابن حبان في المجروحين ٣/ ١٥٩ وآخرون منهم أحمد في المسند ٥/ ٢٥٣ وغيرهما ولكن يغني عنه ما أخرجه مسلم ١/ ٣٠٩ عن جابر قال: اشتكى رسول الله -ﷺ- فصلينا خلفه وهو قاعد الحديث وفيه: "إن كدتم لتفعلوا فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا ". وفي الباب غير حديث جابر أيضًا. ٣ جاء الحديث من أوجه يصح بها، وانظر: اتحاف السادة المتقين ٥/ ٢١٤، ٧/ ١١٦، ٨/ ٣٩٣، والزهد لابن المبارك ص ٥٥٣، والكامل لابن عدي ٥/ ١٩٧١، وتاريخ أصفهان ٢/ ٢٧٣، وغير ذلك. ٤ صحيح البخاري ٦٤٤٢ من حديث ابن عباس.
[ ٤٢٣ ]
على أنها غاية ومستقر. وقد استجاب عن رضا وإيمان لما أمره الله به في قوله:
﴿وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ ١.
وكانت عائشة -﵂- تقول: ما شبع ﵇ ثلاثة أيام تباعًا من خبز حتى مضى لسبيله٢.
وتقول: ما ترك ﵇ دينارًا ولا درهمًا ولا شاةً ولا بعيرًا.
وقد مات وما في بيتي شيء يأكله ذو كبد إلا شطر شعير في ردف لي٣.
وروي عن الرسول -ﷺ- أنه قال: "عُرض علي أن تجعل لي بطحاء مكة ذهبًا فقلت: لا يارب. أجوع يومًا وأشبع يومًا، فأما اليوم الذي أجوع فيه فأتضرع إليك وأدعوك، وأما اليوم الذي أشبع فيه فأحمدك وأثني عليك" ٤.
وقالت عائشة: إنَّا كنا -لآل محمد- لنمكث شهرًا ما نستوقد نارًا. إن هو إلا التمر والماء٥.
وقالت عائشة: لم يمتلئ جوف النبي -ﷺ- شبعًا، وإن كان ليظل جائعًا حتى كنت أبكي؛ رحمةً له مما أرى به، وأمسح بيدي على بطنه مما أرى به من الجوع وأقول له: نفسي لك الفداء لو تبلّغت من الدنيا ما يقوتك!!
_________________
(١) ١ سورة الحجر، الآية ٨٨. ٢ أخرجه البخاري ٥١٠٠، ومسلم ٢٩٧٠ وغيرهما. ٣ شطره الأول أخرجه مسلم ١٦٣٥، وأبو داود ٢٨٦٣، والنسائي ٦/ ٢٤٠ وابن ماجه ٢٦٩٥ وغيرهم. والباقي وقع في بعض طرقه وانظر إتحاف السادة ٧/ ٢١١. ٤ أخرجه الترمذي في سننه ١١٣٤٨ وقال: حديث حسن. ٥ أخرجه البخاري ٥١٠٠ ومسلم ١٦٣٥ وغيرهما.
[ ٤٢٤ ]
فيقول: "يا عائشةُ، مالي وللدنيا؟ إخواني من أولي العزم من الرسل صبروا على ما هو أشد من هذا فمضوا على حالهم فقدموا على ربهم فأكرمهم مآبهم وأجزل ثوابهم. فأجدني أستحي إن ترفهت في معيشتي أن يقصر بي غدًا دونهم، وما من شيء أحب إلي من اللحوق بإخوتي وأخلائي" ١.
وكانت عبادته لربه على قدر علمه بما أعد الله من ثواب للمؤمنين المخلصين من عباده، وما أعدَّ من عقاب للمذنبين الضالين، ولذا كان يقول: "والله لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله تعالى" ٢.
وهكذا كان خلق الرسول -ﷺ- تنفيذًا علميًا لما وصاه الله به في كتابه العزيز، وهي الوصايا التي ذكرنا طرفًا منها والتي تنتظمها تلك الكلمة الجامعة المأثورة عنه حيث قال: "أوصاني ربي بتسع أوصيكم بها: أوصاني بالإخلاص في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، القصد في الغنى والفقر، وأن أعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من قطعني، وأن يكون صمتي فكرًا، ونطقي ذكرًا، ونظري عبرًا" ٣.
_________________
(١) ١ انظر جامع الأصول ٤/ ١٢١ رقم ٢٧٩٢ وما بعده من الأحاديث الكثيرة في ذكر ما كان عليه ﷺ من الزهد، والتقلل من الدنيا. وانظر كذلك شمائل الرسول ١/ ٢١١ للترمذي، وغيره من الكتب وفصولها في ذلك نجد العجب العجاب. ٢ بهذا التمام أخرجه الترمذي ٢٣١٣، وابن ماجه ٤١٩٠ وأحمد في المسند ٥/ ١٧٣، وقال الترمذي: حديث حسن. وكان أخرجه عن أبي ذر. وأول الحديث عند البخاري ٤٣٤٥ وغيره من حديث أبي هريرة. ٣ هكذا هو في العقد الفريد ٢/ ٤١٧. وقد جاءت كل خصلة من هذه الخصال في غير حديث، فمعناه صحيح.
[ ٤٢٥ ]