القتال في الاسلام وغزوات الرسول ﷺ قبل الفتح الأعظم
مدخل
الفصل الخامس: القتال في الإسلام وغزوات الرسول -ﷺ- قبل الفتح الأعظم
ولابد لنا الآن من كلمة عن القتال في الإسلام، لأنه أهم الأسباب في نمو المجتمع العربي١ وتطوره، ومن أقوى دعائم الدولة الإسلامية الكبرى، فلولا القتال الذي وقع بين المسلمين وبين المشركين من العرب، لما دانت الجزيرة العربية بالولاء والطاعة للرسول -ﷺ- ولظل المجتمع العربي على وضعه الذي تحدثنا عنه قبل الإسلام منحل العرى متفكك الأجزاء تسود بين قبائله المختلفة العداوة والبغضاء، ولظل المجتمع العربي٢ الجديد الذي أسسه الرسول -ﷺ- في المدينة حبيسًا في هذه الدائرة الضيقة لا يتعداها إلى غيرها من المدن والقرى وسائر الجهات.
ومن يتتبع الآيات القرآنية التي تعرضت للقتال يتجلى له أنها تهدف إلى غرضين: أولهما الدفاع عن النفس ورد الظلم والعدوان، وثانيهما الدفاع عن الدعوة إذا وقف أحد في سبيلها بفتنة من آمن، أو بصد من أراد الدخول في الإسلام، أو بمنع الداعي عن تبليغ دعوته.
وفي ذلك يقول الله -﷿- في سورة الحج:
_________________
(١) ١ الإسلامي. ٢ الإسلامي.
[ ٢١٣ ]
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ﴾ ١.
وفي هذه الآيات يظهر السبب الذي من أجله فرض القتال على المسلمين، وهو أنهم ظلموا، وأخرجوا من ديارهم بغير حق ثم تنبه الآيات المؤمنين الذين أذن لهم في القتال إلى ما يجب أن يفعلوه إذا هم انتصروا على عدوهم. وهو أن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر ليكونوا خير دعاية لهذا الدين الحنيف.
ثم ينتقل الله بالمسلمين إلى مرحلة أخرى، فيأمرهم بعد أن ردوا الظلم والعدوان الذي أصابهم من قريش، بأن يقاتلوا كل من يتعرض بسوء أو يبدؤهم بشر، فيقول في سورة البقرة:
﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ، وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾ ٢.
ثم يأمرهم بالقتال لتقرير حرية العقيدة والبعد بها عن الأغراض والأهواء كي يكتمل له الجو الملائم فينضوي تحت لوائها من يشاء دون خوف من اضطهاد
_________________
(١) ١ سورة الحج، الآيات ٣٩-٤٠-٤١. ٢ سورة البقرة، الآيتان ١٩٠-١٩١.
[ ٢١٤ ]
وفتنة، وذلك بقوله في السورة نفسها:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ ١.
وقوله في سورة الأنفال:
﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ ٢.
ثم يأمرهم الله بالجنوح للسلم متى جنح لها أعداؤهم٣ حتى ولو كانوا يريدون به الخداع ويخفون وراءه الأطماع، لأن الغرض هو تأمين الدعوة وألا تكون فتنة، والسلام كفيل ذلك
وفي ذلك يقول الله -﷿- في سورة الأنفال أيضًا:
﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ، وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾ ٤. ويبين الكتاب الكريم أن المسلمين لا سبيل لهم على من يعتزل الفتنة من المشركين، ويترك القتال، ويلقي للمسلمين بالسلام.
أما إذا لم يكن ميلهم للسلام حقيقيًّا، بل كانوا مذبذبين مخادعين، فعلى المسلمين أن يقاتلوهم حتى يستأصلوا الشر ويقطعوا دابر الفتنة، وفي ذلك يقول سبحانه:
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ١٩٣. ٢ سورة الأنفال: الآية ٣٩. ٣ لكن ذلك بشروط مفصلة تفهم من سياق الآيات وفعل النبي -ﷺ- وسيأتي بعض ذلك. ٤ سورة الأنفال، الآيتان ٦١-٦٢.
[ ٢١٥ ]
﴿سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوا أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُبِينًا﴾ ١.
وكان الأمر مقصورًا على قتال قريش ومن يجاريهم ويحالفهم من يهود المدينة، فلما اتحدت قبائل العرب المختلفة على المسلمين أمر الله المسلمين بقتال المشركين من كافة القبائل، فقال سبحانه:
﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ ٢.
وبهذه الآيات التي سقناها من الكتاب الكريم يتبين لنا أن الإسلام لم يشرع القتال للمسلمين إلا للدفاع عن أنفسهم ولتأمين الدعوة من أن تقف الفتنة في طريقها.. وحسبنا برهانًا على تلك الروح الطيبة المسالمة أن الإسلام لا ينهى عن البر والإحسان لمن يخالفوننا في الدين ما داموا هادئين مسالمين: وفي ذلك يقول الله -﷿- في سورة الممتحنة: ﴿لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ ٣.
وأما من الناحية العملية في حياة الرسول -ﷺ- فهي تطبيق دقيق لما أمره الله به
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآية ٩١. ٢ سورة التوبة، الآية ٣٦، وقد نسخت هذه الآية آيات كثيرة من القرآن، فلتراع كتب التفسير في ذلك. ٣ سورة الممتحنة، الآية ٤.
[ ٢١٦ ]
من الهدوء والمسالمة للمسلمين والعدوان على الظالمين المعتدين.. ونحن إذا استقصينا كل مواقف الرسول -ﷺ- مع أعدائه فإنا لا نجد فيها بدءًا بهجوم١ أو عدوانًا، وإنما نراها جميعًا ردًّا للظلم والعدوان فغزوة بدر مثلًا -وهي الغزوة الكبرى الأولى في الإسلام- لم تكن عدوانًا من جانب المسلمين، وإنما كانت لرد الظلم والعدوان السابقين، وهي -في واقع الأمر- دفاع عن النفس والمال والوطن.
ولا غرو فقد أخرج المسلمون من ديارهم بغير حق، إلا أنهم قالوا: ربنا الله، وكان عليهم بعد أن اكتملت لهم أسباب القوة في المدينة أن يثبتوا وجودهم يردوا الظلم الذي أصابهم، ولذا أمرهم الله بالقتال، ووصفهم بأنهم يقاتلون -أي: يقاتلهم غيرهم- ووصفهم كذلك بأنهم ظلموا، لأن العدوان قد أصابهم من قبل.
فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢.
ثم تتابعت غزوات الرسول -ﷺ- وكان المشركون هم الذين يبدءون دائمًا بالشر
_________________
(١) ١ ليس الأمر على إطلاقه هكذا، بل إنه -ﷺ- أغار على بني المصطلق وهم غارّون، ولكن المراد أنه لا يبتدئ أناسًا بالحرب قبل دعوتهم للإسلام، وإعلامهم بما له من حق قتالهم إن لم يدخلوا في الإسلام أو يدفعوا الجزية، بحسب حالهم إن كانوا مشركين أو أهل كتاب. ٢ سورة الحج، الآيتان ٣٩-٤٠.
[ ٢١٧ ]
والعدوان كما وقع في غزوة أحد، وفي غزوة الأحزاب، حتى إذا كان العام السادس الهجري تم صلح الحديبية بين قريش والمسلمين، وأعلنت بهذا الصلح الهدنة بين الفريقين إلى عشر سنوات ما دام كلا الفريقين يحترم العهود والمواثيق، ولكن قريشًا هي التي غدرت وخانت فحاربت قبيلة خزاعة التي كانت حليفة للمسلمين، فكانت هذه الخيانة عدوانًا صريحًا من جانب مشركي قريش لا يصح السكوت عليه
ومن أجل ذلك تجهز الرسول -ﷺ- في عشرة آلاف من المسلمين ليغزو قريشًا في مكة، فسلمت إليه مكة وأذعنت، وكان ذلك في العام الثامن الهجري.
ومثل هذا الموقف العدائي الذي بدأ بالشر والعدوان كان موقف اليهود من الرسول -ﷺ كما تبين لنا فيما تقدم- ذلك بأنهم لم يحترموا العهود والمواثيق التي أبرمها الرسول -ﷺ- معهم، فحاق بهم سوء صنيعهم، حيث كتب الله على فريق منهم الجلاء، وقضى على الفريق الآخر بالهلاك والفناء: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية ١١٧.
[ ٢١٨ ]
غزوة بدر الكبرى
كانت غزوة بدر الكبرى تطبيقًا عمليًّا وضحت به مشروعية القتال في الإسلام وهي الدفاع عن النفس ورد الظلم والعدوان، كما كانت الغزوات التي جاءت بعدها في حياة الرسول -ﷺ- دفاعًا عن النفس وردًّا للظلم وتأمينًا لطريق الدعوة حتى تقف في سبيلها الحواجز، وحتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله.
[ ٢١٩ ]
السرايا قبل بدر: ١
ولقد سبقت هذه الغزوة بعض السرايا التي مهدت الطريق للمسلمين، وأظهرت إخلاصهم لقائدهم، وعودتهم لقاء الأعداء والوقوف أمامهم وجهًا لوجه في معارك صغيرة خاطفة، قويت بها الروح المعنوية للمسلمين، بقدر ما ألقي في قلوب أعدائهم من رعب وفزع.
ومن هذه السرايا سرية حمزة بن عبد المطلب: وكانت هذه السرية مكونة من ثلاثين راكبًا من المهاجرين بقيادة حمزة بن عبد المطلب. وقد اتهجت إلى ساحل البحر الأحمر على الطريق التجاري بين مكة والشام، واعترضت قافلة لقريش كان
_________________
(١) ١ الغالب أنه إذا أطلق لفظ السرية قصد بذلك جماعة المقاتلين التي تخرج لأمر ما يكون عليها أحد الصحابة ممن يولهم النبي -ﷺ- فإذا كان هو قائدها -ﷺ- وخرج مع المقاتلين، صارت غزوة. وهذا الذي عليه الاصطلاح، ولم يشذ من ذلك إلا غزوة مؤتة وغزوة ذات السلاسل، فقد أطلق عليها اسم الغزوة، مع كون النبي -ﷺ- لم يكن فيهما لأهميتهما وعظمهما -وقيل: لكونه -ﷺ- رأى مؤتة مع كونه بالمدينة. وقد قيل في تعريف السرية غير هذا.
[ ٢١٩ ]
يحميها ثلاثمائة راكب، فألقت الرعب في قلوبهم، ومع أنها لم تشتبك معهم في قتال إلا أنها نبهت قريشًا إلى أن المسلمين بدأوا يتحركون لإثبات وجودهم ١.
_________________
(١) ١ ذكر هذه السرية ابن اسحاق كما عند ابن هشام ٢/ ٢٢٣، وابن سعد ٦١٢، والواقدي ١/ ٩، والطبري ٢/ ٤٠٤، و"الدرر" ٩٦، و"البداية" ٢/ ٢٣٤، و"سبل الهدى" ٤/ ٢٥، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٣/ ٨- ٩، و"المواهب اللدنية" ١/ ٢٣٦. وقد اختلف في وقت هذه الغزوة. فقيل في السنة الأولى على رأس سبعة أشهر من الهجرة، في شهر رمضان. وقيل في ربيع الأول سنة اثنتين. وانظر ما يأتي.
[ ٢٢٠ ]
وسرية عبيدة بن الحارث ١:
وكانت مكونة من ستين راكبًا من المهاجرين بقيادة عبيدة بن الحارث، وكان الهدف منها تهديد تجارة قريش بين مكة والشام، وقد وصلت هذه السرية وادي رابغ، فلجأ إليهم رجلان من قريش كانا يكتمان إسلامهما وانضما إلى صفوف المسلمين، ورجع الفريقان دون قتال، ولكن وضح للمشركين بأن الوضع قد تغير وأن الزمن أصبح إلى جانب المسلمين يزيد في بأسهم وقوتهم.
ووقعت بعد ذلك أربع محاولات بقيادة الرسول -ﷺ- وكان الرسول -ﷺ- يخرج في هذه المرات جميعًا على رأس مائتين من أصحابه بقصد التهديد للقرشيين في طريقهم التجاري المعروف بين مكة والشام وإلقاء الرعب في قلوبهم، وقد سميت هذه المحاولات غزوات، وهي تسمية لا تنطبق على الواقع، لأن الغرض منها لم يكن غزوًا، ولأنها كانت أشبه بدوريات استعراضية واستطلاعية، والأساس فيها هو إظهار قوة المسلمين وإلقاء الرعب في قلوب أعدائهم، وهذه
_________________
(١) ١ وقع ذكرها في المراجع السابقة، ومن عدة أوجه، تقتضي ثبوتها كالتي قبلها، وقد اختلفوا في تأخرها عن سرية حمزة، أم هي قبلها على قولين. وثمة من يذكر قبلها غزوة ودّان، كابن إسحاق مثلًا.
[ ٢٢٠ ]
الغزوات هي غزوة بواط، وغزوة ودّان، وغزوة العشيرة، وغزوة بدر الأولى أو غزوة بدر الصغرى١.
ولم يحدث في هذه الغزوات قتال ولكنها تركت آثارًا قوية في نفوس القرشيين الذين أزعجهم أن يروا المسلمين قد اجترأوا على الخروج من يثرب، والوقوف في طريق تجارتهم، وبدأوا يتوقعون من محمد وأصحابه أعظم الأخطار٢.
ووقعت بعد ذلك سرية يقال لها: سرية عبد الله بن جحش٣، ولقد كانت أقل عددًا من جميع السرايا التي سبقتها، ولكنها لها أهمية بالغة من مناحية نتيجتها إذ قتل المسلمون فيها رجلًا من المشركين يسمى عمرو بن الحضرمي، وأسروا رجلين، وكان ذلك في آخر يوم من شهر رجب، فانتهزت قريش الفرصة وأثارت الدعاية السيئة ضد المسلمين وقالت: قاتلوا في الشهر الحرام، وقد رد الله هذه الدعاية السيئة على ذويها بقوله في سورة البقرة:
_________________
(١) ١ انظر المراجع السابقة. و"فتح الباري" ٧/ ٢٩٠. ٢ وكذلك فإنه -ﷺ- في غزوة ودّان أو الأبواء وادع بني ضمرة بقيادة رئيسهم مجدي بن ضمرة. فائدة: ثمة سرية سعد بن أبي وقاص على رأس ثمانية من المهاجرين، لم يذكرها المؤلف، وهي عند ابن إسحاق ٢/ ٢٥١، والبيهقي "الدلائل" ٣/ ٩، وابن سعد ١/ ٢٧٣ ترتيب طبقاته، و"المواهب اللدنية" ١/ ٣٣٨ وغير ذلك. ٣ "سيرة ابن هشام" ٢/ ٢٥٢، و"طبقات ابن سعد" ٢/ ١٠، و"تاريخ الطبري" ٣/ ٢٤ و"مغازي الواقدي" ١/ ١٣ - ١٩، و"الدر" لابن عبد البر ٩٩، و"البداية والنهاية" ٣/ ٢٤٨ و"دلائل النبوة" للبيهقي ٣/ ١٧ وقد أوردها من طرق مرسلة متعددة يقوي بعضها بعضًا. وأخرج الطبري ٣/ ٢٦ بسند موصول ضعيف، أنه -ﷺ- بعث أولًا على رأس السرية أبا عبيدة فبكى أبو عبيدة صبابة للفراق، فأرسل مكانه عبد الله. وهذا الموصول مع ضعفه يقوي تلك المراسيل. فائدة: ثمة غزوتان لم يذكرهما المؤلف كانتا في هذه الأثناء: غزوة طلب كرز بن جابر الفهري، وغزوة الخبط، ذكرهما ابن سعد ١/ ٢٧٤ وغيره.
[ ٢٢١ ]
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنْ اسْتَطَاعُوا﴾ ١.
فسرّي عن الرسول -ﷺ- وعن المسلمين بهذه الآية الكريمة إذ التمست العذر للمسلمين وبينت أن هذا العمل ليس فيه مخالفة لأوامر الدين لأنه كان بسبب الضرورة القاهرة، ولأن الآثام الكثيرة التي ارتكبها المشركون في حق المسلمين تجعل المخالفة التي قام بها المسلمون هينة يسيرة وداخلة في نطاق عفو الله ورحمته.
وبهذه الدوريات الاستطلاعية استطاع المسلمون التعرف على الطرق المحيطة بالمدينة والمؤدية إلى مكة، وخاصة الطرق التجارية التي تعودت قريش أن تسلكها في رحلة الصيف، واستطاع المسلمون كذلك أن يشعروا أعداءهم من المشركين ومن اليهود ومن سائر القبائل العربية بقوتهم، وكان ذلك عاملًا شجع الراغبين في الإسلام على الدخول فيه.
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ٢١٧.
[ ٢٢٢ ]
غزة بدر الكبرى-
غزوة بدر الكبرى ١:
وجاءت بعد ذلك غزوة بدر الكبرى، وهي أول معركة في الإسلام قامت
_________________
(١) ١ "سيرة ابن هشام" ٢/ ٢٥٧، "طبقات ابن سعد" ١/ ٢٧٧ ترتيبها، "دلائل النبوة" لأبي نعيم ١/ ٤٦٩، والمسند ٣٣١٠، و"مجمع الزوائد" ٦/ ٦٩، "الخصائص" ١/ ٥٠١ و"صحيح مسلم" ١٧٧٩، ١٩٠١ و"سنن أبي داود" ٢٦٨١، و"صحيح البخاري" ٣٧٣٦، ٣٧٣٧ و"سنن الترمذي" ١٦٧٧، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٣/ ٢٥، و"تاريخ الطبري" ٣/ ٣١، و"البداية والنهاية" ٣/ ٢٥٦ وغير ذلك مما يطول ذكره.
[ ٢٢٢ ]
بين الحق والباطل، وكان سببها أن قافلة تجارية لقريش بقيادة أبي سفيان كانت قادمة من الشام وفي طريقها إلى مكة، فأراد رسول الله -ﷺ- أن يعترض طريق هذه القافلة ليفجع قريشًا في أموالها كما فجعت قريش المسلمين من قبل في أموالهم وأنفسهم، وخرج الرسول -ﷺ- في ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا١ من أصحابه في اليوم الثامن من رمضان٢ ومعهم سبعون بعيرًا وفرسان.
وحينما علم أبو سفيان بخروج الرسول -ﷺ- وأصحابه فزع كل الفزع، وأرسل إلى قريش يطلب الغوث والنجدة، فثار القرشيون ثورة عصبية، ونفروا سراعًا، وعلى رأسهم سادتهم وكبراؤهم، وكانت عدتهم تسعمائة وخمسين رجلًا٣، ومعهم مائة فرس وسبعمائة بعير، ومضى مشركو قريش في طريقهم لنجدة أبي سفيان وتخليص أموالهم من قبضة المسلمين، وبينما هم في الطريق وصلهم رسول من أبي سفيان يخبرهم بنجاته هو وقافلته، ويطلب إليهم الرجوع، ولكن أبا جهل تحمس للحرب والقتال، وأبى إلا أن يتقدم حتى يصل إلى بدر٤، وصاح قائل: والله لا نرجع حتى نصل إلى بدر ونقيم عليها ثلاثًا، ننحر الجزر ونطعم الطعام ونسقي الخمر، وتعزف علينا القيان٥، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدًا بعدها.
وتردد القوم بين اتباع أبي جهل مخافة أن يتهموا بالجبن والخور، وبين
_________________
(١) ١ أو أكثر من ذلك بقليل، ولعل المرجح أنه خرج معه فيها ثلاثمائة وخمسة، وأربعة عشر لم يحضروها لكن ضرب لهم بسهم المحارب كعثمان بن عفان، وعاصم بن عدي، والحارث بن حاطب، والحارث بن الصمة، وخوّات بن جبير وغيرهم، فلذلك اختلف في العدد، مع أنه صح عند مسلم أنه ثلاثمائة وتسعة عشر. ٢ أو الثاني عشر، وقد بدأ القتال في السابع عشر من رمضان على المشهور. ٣ في "صحيح مسلم" ١٧٦٣ أنهم ألف. ٤ مكان في الجنوب الغربي من المدينة، فيه ماء. ٥ المغنيات.
[ ٢٢٣ ]
الرجوع إلى مكة ما دامت العير قد نجحت وأموالهم قد سلمت، فلم يرجع إلا بنو زهرة الذين اتبعوا مشورة الأخنس بن شريق، وكان سيدًا مطاعًا فيهم، واتبعت سائر قريش رأي أبي جهل ومضوا في طريقهم حتى وصلوا وادي بدر، ونزلوا بالعدوة القصوى عن المدينة.
وحينما علم الرسول -ﷺ- بأن قريشًا خرجوا بجموعهم ليمنعوا عيرهم جمع أصحابه واستشارهم فتكلم أبو بكر ثم عمر بما يؤيد الرسول -ﷺ- ويعضده، ثم تكلم المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله، امض لما أراك الله فنحن معك، والله لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون.
ثم تكلم سعد بن معاذ من الأنصار فقال: لقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك وما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقي بنا عدونا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء. ولعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.
وهنا يجدر بنا أن نقف وقفة إعجاب وتقدير، فإن عظمة الجنود إنما تتركز على أساس من عظمة القائد، ولقد كان الرسول -ﷺ- يقود أصحابه إلى ميدان الجهاد مستضيئًا بهدى القرآن وتعاليم الإسلام التي تعد المجاهدين في سبيل الله إحدى الحسنيين، وتبشر الشهداء بالحياة السعيدة الخالدة حيث، يقول الله -﷿:
﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
[ ٢٢٤ ]
فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ ١.
ومن أجل ذلك نجحت تلك القيادة الرشيدة وسادت حتى علا لواء الإسلام في كل مكان، وانسابت كلمة الحق بين الأمم تحيي موات الأنفس والأرواح والقلوب، وإن في ذلك لعبرة.
ثم مضى رسول الله -ﷺ- وأصحابه في طريقهم وقد أشرق وجه الرسول -ﷺ- بالمسرة لما رأى من قوة إيمان المسلمين وقال لهم: "سيروا وأبشروا فإن الله وعدني إحدى الطائفتين٢، والله لكأني أنظر إلى مصارع القوم". وهكذا ظلوا سائرين حتى نزلوا بعدوة الوادي الدنيا، أي القريبة إلى المدينة، وقد صدق الله وعده، فالتقى المسلمون بإحدى الطائفتين وهي الطائفة القوية ذات الشوكة، مع أنهم كانوا يريدون غير ذات الشوكة، وهي العير، ولكن الله أراد لهم أن يلتقوا بالنفير، وهو الجيش الكبير الذي نفر لإنقاذ العير، وكان ذلك لحكمة جليلة أرادها الله وسجلها في محكم كتابه، حيث قال:
﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ، لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ ٣.
وكان الحباب بن المنذر بن الجموح خبيرًا بهذه الأمكنة التي نزل فيها المسلمون، فلما رأى الموقع الذي استقر فيه المسلمون لم يرق في نظره ولم يطمئن إليه، فقال للرسول -ﷺ: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلًا أنزلكه
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآيتان ١٦٩، ١٧٠. ٢ قافلة أبي سفيان، أو من خرج من مكة لنصرته. ٣ سورة الأنفال، الآيتان ٧، ٨.
[ ٢٢٥ ]
الله فليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه؟ أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال محمد -ﷺ-: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة". فقال الحباب: يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل. فانهض بالناس حتى تأتي أدنى ماء من القوم فننزل، ثم نعور١ ما وراءه من الآبار، ثم نبني عليه حوضًا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم فنشرب ولا يشربون وحينئذٍ فكر الرسول -ﷺ- فاقتنع بهذا الرأي السديد، وأعلن أمام المسلمين أنه قد نزل على رأي الحباب، وأن في ذلك الحكمة والصواب.
وهنا -أيضًا- ينبغي أن نقف وقفة إعجاب وإكبار، فلم يكن الرسول -ﷺ- برأيه ولا راكبًا متن الغرور، بل كان يتشاور مع أصحابه كي يتلمس وجه الخير والرشاد عملًا بقوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ٢. وكان يحترم الرأي الصائب وينفذه ولو تعارض مع رأيه٣، فهل يكون في ذلك للناس عبرة وتبصرة؟ إن القادة والرؤساء كثيرًا ما يعميهم التعصب الممقوت والاستبداد بالرأي فينزلقون إلى الشر، ويجرون وراءهم الأمم والشعوب إلى مهاوي الفناء، ولو استطاع هؤلاء القادة والرؤساء السادرون في عماية الكبرياء والأنانية أن ينتفعوا بهذا الدرس العملي من المربي الأول محمد٤ -ﷺ- وبمثله من الدروس التي ألقاها الزعماء والصالحون على الإنسانية، لتغير مجرى التاريخ في كثير من الأزمنة والعصور.
ولما نفذوا رأي الحباب وبنو الحوض، قال سعد بن معاذ: يا نبي الله نبني لك عريشًا تكون فيه، ونعد عند ركائبك، ثم نلقى عدونا، فإن أعزنا الله
_________________
(١) ١ نخرب ونتلف ونعكر ٢ سورة آل عمران، الآية ١٥٩. ٣ يعني في الأمور الاجتهادية، والغالب أن ذلك لا يكون من اختلاف التعارض، وإنما التنوع. ٤ الرسول الهادي.
[ ٢٢٦ ]
وأظهرنا على عدونا كان ذلك ما أحببنا، وإن كانت الأخرى جلست على ركائبك فلحقت بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلف عنك أقوام يا نبي الله ما نحن بأشد لك حبًّا منهم، ولو ظنوا أنك تلقى حربًا ما تخلفوا عنك، يمنعك الله بهم يناصحونك ويجاهدون معك.
وقد أثنى الرسول -ﷺ- على سعد ودعا له بخير، ولأنه قدر الظروف وعرف أن مكان القائد هو الإشراف والتوجيه فلا ينبغي أن يتعرض للأخطار١، لأن في حياته حياة الأمة وكيانها وكرامتها، ثم بني العريش للنبي -ﷺ- حتى يكون في مأمن من العدو إذا لم يكن النصر في جانب المسلمين، وهكذا الإخلاص والإيثار: إخلاص الجندي الأمين لقائده الأمين، وإيثار المؤمن لنبيه على نفسه.
وبمثل هذا الإخلاص والإيثار مَنَّ الله على المسلمين، ومكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وبدلهم من بعد خوفهم أمنًا، وإن في ذلك لعبرة
_________________
(١) ١ ليس مطلقًا، وها هو -ﷺ- يوم حنين يأتي المشركين بمفرده على بغلته يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وقد جاء في رواية في المسند ذكرها الحافظ أن كثير في "البداية" ٣/ ٢٧٧ أنه -ﷺ- قال: "لا يتقدمن أحد منكم إلى شيء حتى أكون أنا دونه" وهذا وقع عند مسلم من حديث أنس.
[ ٢٢٧ ]
في ميدان المعركة:
وقد بدأت المعركة في اليوم السابع عشر من رمضان، وفي السنة الثانية من الهجرة النبوية، حيث وقف الحق أمام الباطل وجهًا لوجه، والتقى الجمعان فئة قليلة مؤمنة تقاتل في سبيل الله، وفئة كثيرة كافرة تقاتل في سبيل الشيطان
[ ٢٢٧ ]
فانتصر الحق بفضل الله وعلا لواؤه، ولاذ الباطل بالفرار وقد أفل نجمه وطاش سهمه.
وأخذ الرسول -ﷺ- ينظم صفوف المقاتلين من المسلمين، ثم أعلن بدء المعركة بهذه الكلمة القوية المؤمنة: "والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة". ولا ريب أن الكلمة المؤمنة إذا صادفت القلوب المؤمنة كانت كالغيث الهتون يصيب الأرض النقية الطيبة فينبت فيها الخير الكثير فلم يكد المسلمون المؤمنون يسمعون هذه الكلمة من نبيهم -ﷺ- حتى نسوا الدنيا بما فيها من سعادة ونعيم، حتى إن أحدهم -وهو عمير بن الحمام- كان يأكل بعض تمرات فألقاها، لأنه آثر عليها تمر الجنة، وكأنما يراه بعينيه ويلمسه بيديه، وينطلق مسرعًا للقتال لكي يحظى بنعمة الاستشهاد في سبيل الله وهو ينشد بقلبه ولسانه:
ركضًا إلى الله بغير زاد إلا التقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد وكل زاد عرضة النفاد
غير التقى والبر والرشاد١
وظل يقاتلهم ويقتل منهم ما شاء الله أن يقتل حتى قُتل في سبيل الله، فشفى الله صدره بالجهاد وحقق له نعمة الاستشهاد، وهكذا:
تردَّى ثياب الموت حمرًا فما أتى لها الليل إلا وهي من سندس خضر
ولقد تجلى في هذا اليوم وفي هذه المعركة عدل الله وقصاصه من الظالمين،
_________________
(١) ١ أسند ذلك ابن جرير وغيره كما في "البداية" ٣/ ٢٧٧.
[ ٢٢٨ ]
إذ لمسوا نتيجة ظلمهم وجنوا عاقبة غدرهم وإثمهم:
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ ١.
فهذا أُمية بن خلف الجمحي القرشي رأس الكفر والضلال، وداعية الظلم والظلام، وباعث الشر والفتنة في مكة، والعدو الألد للإسلام منذ ظهوره تسلط بظلمه على بلال بن رباح -وكان مملوكًا له- فكان يخرج به وقت الظهيرة في الرمضاء٢ ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى.
فيقابل بلال ذلك الأذى بالصبر الجميل والإيمان العميق، ويتنفس الصعداء من خلال الألم الممض والأسى المرمض، قائلًا: أحد أحد٣.
أجل، هذا هو أُمية بن خلف في مكة وقبل يوم بدر
ثم ها هو ذا الآن في يوم بدر يتنكر له الزمن وتدور عليه الأيام فماذا عسى أن يكون؟ لقد لمس هو والطغاة عاقبة ظلمهم وبغيهم، ونظروا إلى قوتهم فوجدوها متضائلة متخاذلة. وقد كانت إلى الأمس القريب صائلة وجائلة، واستصرخوا آلهتهم المتعددة فلم تسمع ولم تجب، بينما كان المسلمون ينادون إلههم الواحد فيرونه قريبًا ويجدونه سميعًا مجيبًا.
ونظر أُمية بن خلف في صفوف المسلمين فرأى عبده القديم بلال بن رباح يمرح في ربيع الحرية، ويصول ويجول تحت ظلال العزة الإسلامية.
ونظر بلال بن رباح في صفوف المشركين، فرأى أُمية بن خلف وقد ساقه الله
_________________
(١) ١ سورة هود، الآية ١٠٢. ٢ الحر الشديد. ٣ وقد مضى.
[ ٢٢٩ ]
مع جند الباطل حتى أصبح أمامه وجهًا لوجه، فأدرك تمام الإدراك أن هذا اليوم يوم القصاص، وتذكر تاريخ أُمية الملطخ بالخزي والعار، فثارت نفسه وصاح قائلًا: أُمية بن خلف رأس الكفر والضلال لا نجوت إن نجا وحاول أُمية بن خلف أن يتوارى عن الأنظار ويلوذ بالفرار، ولكن القضاء العادل نفذ وحكم الله بأمره، فكان القصاص الرهيب في الدنيا قبل الآخرة، وذهب أُمية بن خلف صريع بغيه وعدوانه، على يدي بلال، ورأى بلال في أُمية ما أطفأ ألمه القديم، وداوى قلبه الكليم، وكان خير عوض عن حقه المهضوم، وإن في ذلك لعبرة.
وعقبة بن أبي معيط عدو الله ورسوله، والنضر بن الحارث عدو الله ورسوله. وأبو جهل عدو الله ورسوله هؤلاء وغيرهم من أئمة الكفر والذين لا أيمان لهم، وقفوا في يوم بدر للقصاص، ورأوا بأعينهم نكال أمرهم وعاقبة بغيهم وظلمهم١، وكانت نهايتهم الأليمة عبرة وعظة سجل التاريخ فيها أن الظلم لا يدوم، وأن موقع البغي وخيم، وأن المكر السيئ لا يحيق إلا بأهله.
_________________
(١) ١ انظر مراجع غزوة بدر السابقة.
[ ٢٣٠ ]
مشهد رهيب:
وهذا مشهد رهيب في ميدان المعركة الكبرى، يتجلى فيه الصراع المرير بين العقيدة والعاطفة. إنه وَلَدٌ مسلمٌ مؤمنٌ يقفُ في صفوف المقاتلين المسلمين وأمامه والده المشرك يقف في صفوف المقاتلين المشركين، أما الوالد فهو عتبة بن ربيعة، وأما الولد فهو أبو حذيفة بن عتبة.. وها هو ذا أبو حذيفة ينظر إلى والده عتبة بعينين تفيضان بالأسى، وتقطران من الحزن واللوعة، إنه يعرف لأبيه فضله، ويقدر له رأيه وعقله، وكان يتمنى أن يفيق أبوه من سكرته، فيترك عبادة الأصنام، ولقد أخذ الولد يتوسل لأبيه ويناديه أن يفيء إلى الحق، ولكن الوالد الجاحد المعاند يظل سادرًا في الغي والضلالة، حتى يسلمه غيه وضلاله إلى
[ ٢٣٠ ]
أسوأ مصير فيسقط صريعًا في صفوف المشركين.
وحينما انجلت المعركة وتم النصر للمسلمين، أمر رسول الله -ﷺ- أن يلقى المشركون في القليب، فلما أُخذ عتبة بن ربيعة وسحب إلى القليب، نظر رسول الله -ﷺ- إلى وجه أبي حذيفة بن عتبة فوجده قد تغير فقال له: "يا أبا حذيفة لعلك قد دخلك من شأن أبيك شيء؟ ".
فقال: لا، والله يا رسول الله، ما شككت في أبي ولا في مصرعه، ولكنني كنت أعرف من أبي حلمًا ورأيًا وفضلًا، فكنت أرجو أن يهديه الله للإسلام، فلما رأيت ما أصابه وذكرت ما مات عليه من الكفر، بعد الذي كنت أرجو له أحزنني ذلك، فدعا له الرسول -ﷺ- بخير وقال له خيرًا.
ولا شك أن هذا الموقف العجيب من الولد نحو أبيه في تلكم المعركة التي قامت بين الحق والباطل، ليأخذ بأيدينا إلى عبرة بالغة ويسلمنا إلى حقيقة رائعة، وهي أن العقيدة إذا امتزجت بالنفوس واطمأنت بها القلوب فلن يخدعها هوًى أو رغبة، ولن تقف في سبيلها أية عاطفة في هذا الوجود.
[ ٢٣١ ]
اللجوء إلى الله:
وحينما اشتدت المعركة وثار الغبار وحمي وطيس القتال، ورأى رسول الله -ﷺ- كثرة عدد المشركين وقلة عدد المسلمين، لجأ -كعادته- إلى الله ليجعل له من هذا الكرب والضيق فرجًا ومخرجًا، وتوجه إلى ربه بهذا الدعاء:
"اللهم هذه قريش قد أتت بخيلائها تحاول أن تكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذي وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد ".
[ ٢٣١ ]
وما زال ماضيًا في دعائه، ورافعًا يديه إلى السماء طالبًا من الله ألا يردهما خاليتين من رحمته، وأبو بكر -﵁- من ورائه يهتف به قائلًا: يا نبي الله، بعض مناشدتك ربك، فإن الله منجز لك ما وعدك.
وهكذا يظل الرسول -ﷺ- مع ربه منيبًا خاشعًا حتى أخذته سِنة من النعاس، فرأى خلالها نصر الله يضيء ويملأ الآفاق، فاستيقظ وهو فرح مستبشر يتلو قول الله تعالى:
﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ١.
وقد ابتدأت معركة بدر صباح يوم الجمعة ١٧ رمضان، من السنة الثانية للهجرة، وانتهت في مسائه بنصرٍ مبين للمسلمين، وهزيمة ساحقة للمشركين فولوا مدبرين بعد أن قتل منهم سبعون، وأُسر منهم مثل هذا العدد، واستشهد من المسلمين أربعة عشر٢، وبقي المسلمون في بدر ثلاثة أيام بعد المعركة، ثم رجعوا بعد ذلك إلى المدينة فرحين بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم
_________________
(١) ١ سورة القمر، الآية ٤٥. ٢ ستة من المهاجرين، وستة من الخزرج، واثنان من الأوس.
[ ٢٣٢ ]
دور الملائكة في يوم بدر:
وكان يوم بدر يوم السماء نزلت فيه الملائكة إلى الأرض، تُثبت الذين آمنوا وتلقي في قلوب الذين كفروا الرعب، وفي ذلك يقول الله -﷿:
﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ، وَمَا
[ ٢٣٢ ]
جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
ويقول: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ٢.
وقصة إمداد الله للمسلمين بالملائكة قصة عجيبة، قوامها قدرة الله -﷿- الذي جعل الأرض جميعًا قبضته والسموات مطويات بيمينه.
وقد اختلف العلماء في الغرض الذي من أجله أمد الله المسلمين بالملائكة فذهب بعضهم إلى أن الملائكة إنما نزلت للقتال، فهي جيش من السماء، أنزله الله لإضعاف شوكة الشرك والطغيان في الأرض.
ويستدلون على ذلك بما يروى من أن رجلًا من المسلمين كان يطارد رجلًا من المشركين في يوم بدر، فسمع صوت ضربة بالسوط فوقه فنظر إلى المشرك قد خر مستلقيًا وشق وجهه، فلما أخبر الرسول -ﷺ- بذلك قال: "ذاك من مدد السماء" ٣.
وما يروى عن أبي داود المازني حيث قال: تبعت رجلًا من المشركين لأضربه يوم بدر فوقع رأسه بين يدي قبل أن يصل إليه سيفي٤.
وهم يقولون: إن الأمر في قوله تعالى:
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآيتان ٩، ١٠. ٢ سورة الأنفال، الآية ١٢. ٣ أخرج القصة مسلم ١٧٦٣، والترمذي ٣٠٨١ وغيرهما من حديث ابن عباس. ٤ أخرجه أحمد في المسند ٥/ ٤٥٠ بسند ضعيف، ولكن يغني عنه ما قبله.
[ ٢٣٣ ]
﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ ١.
هذا الأمر أمر للملائكة بالضرب والقتل. ومعنى ذلك أن الله إنما قضى بإنزالهم للضرب والقتال
ويذهب البعض الآخر إلى أن الملائكة إنما نزلت لتثبيت قلوب المؤمنين وتقوية الروح المعنوية لديهم، وأنهم لم يشتركوا في القتال، وحجتهم في ذلك أن الملك الواحد يكفي لإهلاك أهل الأرض جميعًا٢
هذا الرأي هو الذي تميل إليه النفس، وتؤكده القرائن والدلائل التي لا يتطرق إليها الضعف والوهن٣، وذلك لأمور كثيرة:
أولها: أن الملك الواحد يستطيع إهلاك الكفار جميعًا في لحظة واحدة فلماذا ينزل الله ألفًا من الملائكة٤؟
وثانيها: أن الله لو قدر للملائكة أن تشترك بالفعل في القتال، لما كان هناك
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآية ١٢. ٢ قال القسطلاني في "المواهب اللدنية" ١/ ٣٦٣. قال الشيخ تقي الدين السُّبكي: سُئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي -ﷺ- مع أن جبريل -﵇- قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه. فقلت: ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي -ﷺ- وأصحابه، وتكون الملائكة مددًا على عادة مدد الجيوش، رعاية لصورة الأسباب وسنتها التي أجراها الله تعالى، والله فاعل الجميع انتهى. قلت: وهذا كلام صحيح، والله أعلم. ٣ نعم هو صحيح بنص القرآن، لكن الآخر صحيح صريح أيضًا، فالواجب الأخذب الأمرين، لا سيما وأنه لا تعارض، والقول بأحدهما فقط فيه إبطال للدليل بغير حجة. ٤ وقد تقدم جواب السُّبكي على هذا، من وجه. ومن وجه آخر، فإن هذا فيه رد الأحاديث الصريحة الصحيحة بالهوى والتعنت.
[ ٢٣٤ ]
مزية للمسلمين الذين اشتركوا في هذه الغزوة١، ولما كان هناك داع للأخذ بالأسباب العادية في هذا الوجود، حيث يأمر الله المسلمين بإعداد العدة للقضاء على الكفار، فيقول:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ٢.
وثالثها: أن المعركة حينئذٍ ستكون بين فئتين: فئة قليلة وهم الكفار وفئة كثيرة وهم المسلمون بعد انضمام الملائكة إليهم، إذ يصبحون ألفًا وثلاثمائة. بل إذا نظرنا إلى ما ذكر في سورة آل عمران من أن الملائكة قد زادوا فأصبحوا ثلاثة آلاف، ثم زادوا حتى وصلوا إلى خمسة آلاف حيث يقول سبحانه:
﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ، بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ ٣.
إذا نظرنا إلى ذلك وجدنا أن المسلمين مع الملائكة سيزيدون على خمسة آلاف. وحينئذٍ لا ينبغي أن يقال: إن الفئة القليلة هي التي غلبت الفئة الكثيرة٤.
_________________
(١) بل تبقى لهم المزية، لكونهم أمدوهم كما قال الله تعالى، ولا يمكن أن يقال: إن الفعل للمدد لا للجيش الممدود! ٢ سورة الأنفال، الآية ٦٠. ٣ سورة آل عمران، الآيتان ١٢٤، ١٢٥. ٤ بل يقال: إن العبرة بالشيء المشاهد. ثم لو تأمل المتأمل، لعلم أن الملائكة إنما نزلت لتأييد من كُتب لهم النصر، وهم إنما كُتب لهم النصر، وهم قلة بسبب إيمانهم وصدقهم، فصار تأييد الملائكة لهم ومحاربتهم معهم كالأداة للمنتصر. فليفهم.
[ ٢٣٥ ]
ورابعها: أن الملائكة لو اشتركت في القتال بهذا العدد الضخم ثم انجلت المعركة عن قتل سبعين من المشركين فحسب، لكان هذا موقفًا مخزيًا لملائكة الله، ولا اعتبر ذلك نصرًا للمشركين، وهزيمة للملائكة والمسلمين١.
وبذلك يتبين لنا أن الملائكة لم تنزل لقتال٢، وإنما نزلت لتثبيت القلوب وتقوية الإيمان، ومما يزيد هذا المعنى تأكيدًا وقوة، قول الله تعالى بعد ذلك:
﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلاَّ بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنَّ قُلُوبُكُمْ﴾ ٣.
أي وما جعل الله إمدادكم بالملائكة لشيء من الأشياء إلا للبشرى لكم بأنكم ستنتصرون، ولتسكن وتطمئن بهذا الإمداد قلوبكم، حيث تدركون أن الله معكم، وأنكم أهل لرضاه، فيزاد إيمانكم وجهادكم. ويكون الأمر في قوله تعالى:
﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ .
أمرًا موجهًا إلى المؤمنين لا إلى الملائكة٤، ويكون المعنى: إذ يوحي ربك
_________________
(١) ١ سبحان الله!! فعلى رأي المؤلف، لو بقي واحد من المشركين لكان عيبًا، لأن على الواحد منهم خمسة من الملائكة، وعليه، فما الحيلة في بقاء من كتب الله له أنه سيؤمن بعد بدر. ومن قال بأن الملائكة نزلت لتبيد جميع الكفار، والملائكة كما قال الله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ . وأنا أرد على المؤلف بجنس سؤاله فأقول: أما كان يكفي أن ينزل السكينة في قلوب ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا مثلهم من الملائكة، فلا يتمكن من ذلك إلا خمسة آلاف؟! فيا سبحان الله حين تتيه العقول، ولا تتقيد بالنصوص. ٢ بل نزلت له والله بنص الحديث، وظاهر القرآن. ٣ سورة الأنفال، الآية ٩، وانظر "زاد المسير" ١/ ٤٥٤ لابن الجوزي، وغيره من التفاسير لتعلم ضعف قول المؤلف. ٤ في تفسير الآية اختلاف بين المفسرين، من المخاطب بهذه الآية، لكن حتى لو لم يكن المخاطب الملائكة، فإنها لا تمنع من كون الملائكة نزلت قاتلت، فليعلم هذا.
[ ٢٣٦ ]
إلى الملائكة أني معكم بمعونتي، فثبتوا أيها الملائكة الذين آمنوا وشجعوهم وأخبروهم بأن الله معهم وأنه سيلقي في قلوب الذين كفروا الرعب وإذا كان الأمر كذلك فاضربوا أيها المؤمنون فوق الأعناق، واضربوا منهم كل بنان
وبهذا يتبين لا بما لا يقبل الشك والجدال ١ أن الملائكة إنما نزلت لتثبيت قلوب المؤمنين، ولم تشترك في القتال.
_________________
(١) ١ بل ظهر ضعف قول المؤلف بما لا يقبل الشك والجدال.
[ ٢٣٧ ]
موقف الرسول -ﷺ- من الأسرى:
وقد استشار الرسول -ﷺ- بعد أن أتم الله عليهم النعمة بالنصر، في أمر الأسرى من مشركي قريش، وكان عددهم سبعين أسيرًا فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله قد كذبوك وقاتلوك وأخرجوك فاضرب أعناقهم فهم رءوس الكفر وأئمة الضلالة ووافقه على ذلك جماعة من الصحابة وقال أبو بكر: يا رسول الله: هؤلاء أهلك وقومك وقد أعطاك الله الظفر والنصر عليهم، وإني أرى أن تستبقيهم وتأخذ الفداء منهم، فيكون ما أخذنا منهم قوة لنا على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام فيكونوا لنا عضدًا. ووافق على الرأي كذلك جماعة من الصحابة.
وقد تلطف الرسول -ﷺ- مع صاحبيه الكريمين أبي بكر وعمر يضرب لهما أمثلة من الملائكة والأنبياء. فأما أبو بكر فمثله في الملائكة كمثل ميكال ينزل برضى الله وعفوه عن عباده، ومثله في الأنبياء كمثل إبراهيم كان ألين على قومه من العسل، قدمه قومه إلى النار وطرحوه فيها فما زاد على أن قال:
[ ٢٣٧ ]
﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
وكمثل عيسى إذ يقول: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ٢.
وأما عمر فمثله في الملائكة كمثل جبريل ينزل بالسخط من الله والنقمة على أعداء الله. ومثله في الأنبياء كمثل نوح إذ يقول:
﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا، إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلاَّ فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ ٣.
وكمثل موسى إذ يقول:
﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوْا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة إبراهيم، الآية ٢٦. ٢ سورة المائدة، الآية ١١٨. ٣ سورة نوح الآيتان ٢٦، ٢٧. ٤ سورة يونس، الآية ٨٨. وأما الحديث في استشارته -ﷺ- لأصحابه وقول أبي بكر وعمر، فقد جاء بسياقات مختلفة لكن قريبة المعنى، وعن جماعة من الصحابة منهم: أ- ابن عباس، عند مسلم في صحيحه ص ١٣٨٣ وغيره. ب- ابن مسعود عند أحمد ١/ ٣٨٣، والترمذي ٣٠٨٤، والحاكم ٣/ ٢٢ وصححه، والبيهقي في "الدلائل" ٣/ ١٣٩ وآخرين منهم الطبراني ١٠٢٥٨ والموصلي ٥١٨٧. ج- أنس عند أحمد كما في "البداية" ٣/ ٢٩٧، وهو في المسند ٣/ ٢٤٣، و"مجمع الزوائد" ٦/ ٨٨، وقد وثق الهيثمي رجاله غير علي بن عاصم: قال هو كثير الغلط. د- ابن عمر، وأبو هريرة، عند ابن مردويه كما في "البداية" ٣/ ٢٩٨، وعند الحاكم عن ابن عمر.
[ ٢٣٨ ]
ثم أخذ الرسول -ﷺ- برأي أبي بكر وترك رأي عمر، وقبل الفداء من الأسرى، وقال لأصحابه: "لا يفلتن أحد من أسراكم إلا بفداء". فنزل قوله تعالى:
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ، لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١.
وكان ذلك عتابًا من الله لرسوله وتبيانًا للمنهج القويم الذي كان يجب أن يسير عليه.
وبعد فقد كانت غزوة بدر درسًا عمليًّا تجلت فيه ثمرة الإيمان فنصر الله المسلمين وهم قلة، لأنهم آمنوا بالله وأخلصوا الإيمان، وخذل المشركين وهم كثرة، لأنهم حادوا عن الحق وابتعدوا عن الإيمان.
﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآيتان ٦٧، ٦٨. ٢ سورة الحج، الآية ٤٠.
[ ٢٣٩ ]
غزوة أحد ١
مضى عام كامل على قريش بعد هزيمتهم في عزوة بدر وهم يتوجعون على قتلاهم، ويهيئون أنفسهم ليوم آخر يستردون فيه كرامتهم، ويأخذون بثأرهم ويسترجعون هيبتهم بين قبائل العرب، ويؤمنون طريق تجارتهم إلى الشام حتى لا يتعرض لها المسلمون إذا لاحت لهم فرصة ثانية للانتقام.
وفي خلال هذه الفترة كانت الجزيرة العربية كلها تغلي بالحقد على المسلمين، وتتسمع إلى أنبائهم بمزيد من العجب والدهشة، وتحاول بين الحين والحين أن تنال منهم، حتى تضعف من شوكتهم وتقلل من خطرهم.. ولكن يقظة المسلمين وقوة عزيمتهم أفسدت كل هذه المحاولات.
_________________
(١) ١ وكان بينها وبين غزوة بدر غزوات وسرايا: أ- سرية عمير بن عدي. ب- سرية سالم بن عمير. ج- غزوة بني قينقاع. د- غزوة السويق، وستأتي. هـ- غزوة قرقر: وقيل هي السويق. وسرية قتل كعب بن الأشرف، وقد تقدمت. ز- غزوة غطفان. ح- غزوة بني سليم. وانظرها جميعها في كتابنا "سنن النبي -ﷺ- وأيامه" ١/ ٣٠٢ حتى ١/ ٣٠٨.
[ ٢٤٠ ]
غزوة السويق:
ومن أمثلة ذلك ما فعله أبو سفيان حينما تجهز بمائتي فارس من مكة، وقرر أن يباغت محمدًا -ﷺ- وأصحابه في خلال نشوة النصر التي يعيشون فيها، فقد استطاع أن يصل إلى أطراف المدينة في ظلام الليل وأن يحرق بيتين ويقتل رجلين
[ ٢٤٠ ]
أحدهما من الأنصار والثاني حليف له -وكانا في حرث لهما- ثم ولوا هاربين.
وحينما أحس المسلمون بهم ندب محمد -ﷺ- أصحابه فخرجوا في أثرهم، فألقى أبو سفيان وأصحابه ما معهم من الأمتعة، ليتخففوا من أثقالهم ويستطيعوا النجاة بأنفسهم، وكان أكثرها من السويق، فأخذها المسلمون غنيمة باردة، وسميت هذه الغزوة: غزوة السويق١.
ومن ذلك ما فعلته قبائل بني ثعلبة ومحارب وقبائل بني سليم، إذ كانوا يتجهزون لقتال محمد -ﷺ- وأصحابه، ولكن المسلمين خرجوا للقائهم قبل أن يهاجموهم في المدينة ففروا إلى رءوس الجبال، وكفى الله المؤمنين القتال.
_________________
(١) ١ وتسمى قرقرة الكدر. والقرقرة الأرض الملساء، والكدر: طير في ألوانها كدرة. وقد سميت بذلك أيضًا لكون النبي -ﷺ- ومن معه بلغوا في خروجهم خلف الكفار هذا الموضع، ويقال بل قرقرة الكدر غزوة أخرى. وقد أسندها ابن إسحاق عن عبد الله بن كعب بن مالك، كما في "البداية" ٣/ ٣٤٤. وأسندها ابن سعد ١/ ٣٠٤ من وجوه ترتيب طبقاته. وأسندها البيهقي في "الدلائل" ٣/ ١٦٤ عن ابن شهاب، وعن عروة بن الزبير، وابن إسحاق بسنده الماضي عن عبد الله بن كعب. وسياقاتهم قريبة، وهذه الوجوه يقوي بعضها بعضًا.
[ ٢٤١ ]
استعداد قريش وخروجها للمعركة:
وكانت العير التي جاء بها أبو سفيان من الشام، والتي كانت سببًا في غزوة بدر قد ربحت نحوًا من خمسين ألف دينار فجمعت كلها، وقال أصحابها لأبي سفيان: إن محمدًا قد قتل خيارنا، وإنا رضينا أن نترك ربح أموالنا فيها استعدادًا لحرب محمد وأصحابه. وقد رضي بذلك كل من له فيها نصيب، ثم عبأت قريش قوتها وأرسلت إلى قبائل البدو المحالفة لها لتشترك معها وتعينها، فاجتمع
[ ٢٤١ ]
من ذلك كله ثلاثة آلاف رجل١ ومعهم ما يلزمهم من العدة والسلاح.
وكان العباس بن عبد المطلب عم النبي -ﷺ- واقفًا على ما تدبره قريش للنبي -ﷺ- ومطلعًا على كل صغير وكبيرة من أمرهم، وكان لا يزال مشركًا، ولكن عاطفة القرابة جعلته يرسل كتابًا إلى النبي -ﷺ- قبل أن يفاجئه أعداؤه، فكان هذا الموقف الكريم عملًا جليلًا للعباس يضاف إلى أعماله الجليلة السابقة التي قام بها قبل إسلامه حبًّا في ابن أخيه محمد -﵊.
وخرجت قريش من مكة في شوال من السنة الثالثة للهجرة مع حلفائهم من بني كنانة وأهل تهامة، حتى إذا بلغوا الأبواء ومروا بقبر آمنة بنت وهب، دفعت الحمية بعض الطائشين منهم إلى التفكير في نشبه، لولا أن العقلاء منهم تداركوا هذا الأمر، حتى لا ينبش المسلمون موتاهم إذا تهيأت لهم فرصة الانتقام، ثم تابعت قريش مسيرها حتى نزلت عند بعض السفوح من جبل أحد على بُعد خمسة أميال من المدينة.
_________________
(١) ١ وقيل في بعض الروايات أقل من ذلك.
[ ٢٤٢ ]
موقف الرسول -ﷺ- والمسلمين:
وعلم الرسول -ﷺ- والمسلمون بذلك المكان الذي نزل فيه المشركون، فجمع الرسول -ﷺ- أصحابه واستشارهم وقال: "إن رأيتم أن تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا. فإن أقاموا، أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قتلناهم فيها". فرضي الكبار والشيوخ منهم بهذا الرأي: وقال قائلهم: تقيم بالمدينة يا رسول الله وتتركهم. فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم
[ ٢٤٢ ]
ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم، وإن رجعوا خائبين كما جاءوا.
ولكن الشبان وخصوصًا من لم يشهد بدرًا من المسلمين لم يرضوا بهذا الرأي وقالوا: يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا حتى لا يرو أنا جبنا عنهم وضعفنا، وما زال هؤلاء برسول الله -ﷺ- حتى اتبع رأيهم، لأنهم الأكثرون عددًا والأقوون جلدًا.
فصلى الجمعة في اليوم العاشر من شوال وحثهم في خطبتها على الثبات والصبر، وقال: "لكم النصر ما صبرتم".
ثم عقد الألوية، فأعطى لواء المهاجرين لمصعب بن عمير١، ولواء الخزرج للحباب بن المنذر٢ ولواء الأوس لأسيد بن الحضير.
ثم سار الجيش وكان عدده يقرب من الألف رجل حتى إذا كان بالشوط -وهو بستان بين جبل أحد والمدينة- رجع عبد الله بن أُبي٣ بثلاثمائة من أصحابه، وبقي مع الرسول -ﷺ- سبعمائة رجل من المؤمنين المخلصين، فمضوا في طريقهم حتى وصلوا إلى الشعب من جبل أحد على مقربة من المشركين، ثم جعلوا ظهورهم للجبل ووجوههم للمدينة.
_________________
(١) ١ وقيل: بيد علي بن أبي طالب. ٢ وقيل: بيد سعد بن عبادة. ٣ زعيم المنافقين في المدينة.
[ ٢٤٣ ]
بدء المعركة: ١
كان جيش المشركين يبلغ ثلاثة آلاف -كما ذكرنا من قبل- وكان جيش المسلمين لا يزيد على سبعمائة، وقد رتب رسول الله -ﷺ- الجيش ونظمه تنظيمًا دقيقًا، ووضع خمسين رجلًا من الرماة٢ على شعب في الجبل وراء جيش المسلمين، وقال لهم: "احموا لنا ظهورنا، فإننا نخاف أن يجيئنا من ورائنا، والزموا مكانكم ولا تبرحوه، وإن رأيتمونا نهزمهم حتى ندخل عسكرهم فلا تفارقوا مكانكم، وإن رأيتمونا نقبل فلا تعينونا ولا تدفعوا عنا، وإنما عليكم أن ترشقوا خيلهم بالنبل، فإن الخيل لا تقدم على النبل".
ثم التقى الجمعان، وبدأ القتال أولًا بالمبارزة، فكان النصر في جانب المسلمين، ثم حملت خيالة المشركين على المسلمين ثلاث مرات، وفي كل مرة ينضحهم المسلمون بالنبل فيتقهقرون.
_________________
(١) ١ انظر تفاصيل المعركة في: "البخاري" ٣٨٢٤، و"مسلم" ٢٧٧٦، من حديث زيد بن ثابت. و"البخاري" ٣٨١٧، و"أبا دواد" ٢٦٦٢، من حديث البراء بن عازب. و"البخاري" ٣٨٣٨ من حديث عائشة. و"البخاري" ٣٨٣٧ و"مسلم" ١٨١١، ١٩٠٣ من حديث أنس. و"البخاري" ٣٨٤١ من حديث أبي طلحة. و"البخاري" ٣٨٢٨ و"مسلم" ٢٣٠٦ من حديث سعد بن أبي وقاص. و"البخاري" ٣٨٤٥ و"مسلم" ١٧٩٣ من حديث أبي هريرة. و"سيرة ابن هشام" ٣/ ٥، و"طبقات ابن سعد" ١/ ٣١٠ ترتيب طبقاته، و"المواهب اللدنية" ١/ ٣٩٤، و"مجمع الزوائد" رقم ١٠٠٥٧ وما بعده، و"دلائل النبوة" لأبي نعيم رقم ٤١٤ وما بعده، و"البيهقي" ٣/ ٢٠٣، و"تاريخ الطبري" ٣/ ١٠٣، و"البداية" ٤/ ٩ و"الخصائص" ١/ ٥٣١، وغير ذلك مما يطول ذكره، وقد استوعبت سائر التفاصيل التي ذكرها المؤلف، وما كان من اختلاف أو ضعف ننبه عليه. ٢ وأمّر عليهم عبد الله بن جبير.
[ ٢٤٤ ]
ثم حمي القتال وكان نساء قريش يمشين خلال الصفوف يضربن بالطبول والدفوف، وعلى رأسهن هند بنت عتبة زوج أبي سفيان وهن يقلن:
ويْها بني عبد الدار ويها حماة الأدبار
ضربًا بكل بتار
ويقلن:
إن تقبلوا نعانق ونفرش النمارق
أو تدبروا نفارق فراق غير وامق
فيشتد حماس الرجال إذا سمعوا نشيد النساء. ويتذكرون إخوانهم الذين قتلوا في يوم بدر، فتزداد حميتهم وإقبالهم على القتال، وكان -﵇- كلما سمع نشيد النساء يقول: "اللهم بك أجول، وبك أصول، وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل".
ولم يكن المسلمون بحاجة إلى من ينشد لهم الأشعار ليدفعهم إلى القتال، وإنما كانوا يندفعون بإيمانهم العميق، ويقبلون على الموت في سبيل الله، لأن الله وعدهم إحدى الحسنيين: إما النصر، وإما الشهادة، وفي كل منهما خير وسعادة.
[ ٢٤٥ ]
صور من البطولة والإيمان
صور من البطولة والإيمان
صور من البطولة والإيمان:
وهناك أمثلة كثيرة من البطولة والإيمان في هذه الغزوة، وحسبنا أن نسجل الآن بعضها عسى أن يكون في ذلك ذكرى وتبصرة
[ ٢٤٥ ]
فهذا أبو دجانة يلبس عصابته الحمراء -وكان يسميها عصابة الموت ويمشي بين صفوف المجاهدين مشية الخيلاء، ويراه الرسول -ﷺ- فيقول: إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن.
وقد نزل إلى الميدان بعد أن أخذ السيف من رسول الله -ﷺ- وأخذ ينشد:
أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل
ألا أقوم الدهر في الكيول أضرب بسيف الله والرسول
وهو يقصد بالكيول مؤخرة الصفوف، فكأنه يقول: لن أكون أبدًا إلا في المقدمة ما دمت أضرب بسيف الله والرسول، وقد أعمل سيفه في المشركين فألقى في قلوبهم الرعب، وحينما انكشف ظهر المسلمين في آخر المعركة، وأصبح رسول الله -ﷺ- هدفًا لنبال المشركين تترس عليه أبو دجانة، فظل النبل يقع على ظهره -وهو منحنٍ على جسم الرسول -ﷺ- حتى انجلت المعركة، وهكذا آثر رسول الله على نفسه وأحب رسول الله -ﷺ- أكثر من حبه لنفسه.
وهذا أبو خيثمة، قُتل ابنه في معركة بدر فجاء إلى رسول الله -ﷺ- يقول: لقد أخطأتني وقعة بدر وكنت -والله- عليها حريصًا، حتى ساهمت ابني في الخروج في القرعة فخرج سهمه فرزق الشهادة، وقد رأيت البارحة ابني في النوم في أحسن صورة يسرح في ثمار الجنة وأنهارها ويقول لي: الحق بنا ترافقنا في الجنة، فقد وجدت ما وعدني ربي حقًّا، ثم قال: وقد أصبحت يا رسول الله مشتاقًا إلى مرافقته وقد كبرت سني ورق عظمي، وأحببت لقاء ربي، فادع الله يا رسول الله أن يرزقني الشهادة ومرافقة ابني في الجنة. فدعا الرسول له، فنال نعمة الاستشهاد في هذه المعركة.
[ ٢٤٦ ]
وكان عمرو بن الجموح أعرج شديد العرج، وكان له أربعة أبناء شباب يغزون مع رسول الله -ﷺ- فلما توجه الرسول -ﷺ- إلى أحد، أراد أن يخرج معه فقال له بنوه: إن الله قد جعل لك رخصة فلو قعدت ونحن نكفيك، وقد وضع الله عنك الجهاد، فأتى عمرو رسول الله -ﷺ- فقال: إن بني هؤلاء يمنعوني أن أجاهد معك، ووالله إني لأرجو أن أستشهد فأطأ بعرجتي هذه في الجنة. فقال له رسول الله: "أما أنت فقد وضع الله عنك الجهاد". وقال لبنيه: "وما عليكم أن تدعوه لعل الله -﷿- أن يرزقه الشهادة". فخرج رسول الله -ﷺ- فقتل يوم أحد شهيدًا، وحقق الله له ما طلبه وتمناه.
وكان نعيم بن مالك يقول في ذلك اليوم: "فوالذي نفسي بيده لأدخلن الجنة. فيقول له الرسول -ﷺ-: "بم؟ " أي بأي شيء تستحق دخول الجنة؟ فيقول بأني أحب الله ورسوله، ولا أفر يوم الزحف. فيقول له الرسول -ﷺ: "صدقت " وكتب الله له الشهادة في هذا اليوم ودخل الجنة، وهكذا أقسم على الله فأبره.
وقد حمل المسلمون على لواء المشركين فكان إذا سقط اللواء من يد واحد أخذه من خلفه، فيحمل عليه المسلمون فيقتلونه، فيأخذ اللواء رجل آخر حتى قتل حملة اللواء من المشركين، ولما لم يقدر أحد على الدنو منه ولوا الأدبار، ونساؤهم يبكين ويولولن، وتبعهم المسلمون يجمعون الأسلاب والغنائم.
[ ٢٤٧ ]
الرماة يتسببون في تغيير الوضع:
ولما رأى الرماة الذين أوقفهم الرسول -ﷺ- فوق الجبل ليحموا ظهور المسلمين لما رأوا المسلمين قد بدأوا يجمعون الأسلاب والغنائم، نسوا١ أمر الرسول
_________________
(١) ١ بل لم يتقيدوا بالأوامر، ولفظ البخاري في حديث البراء بن عازب ٣٨١٧: فقال عبد الله بن جبير للرماة "لما انكسر المشركون وفروا عهد النبي -ﷺ- ألا تبرحوا فأبوا، فلما أبوا صرف الله وجوههم فأصيب سبعون قتيلًا " وكذا جاء في غالب الروايات وفي كتاب الله تعالى يصف ذلك: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ ﴾ آل عمران ١٥٢.
[ ٢٤٧ ]
-ﷺ- لهم، فتركوا موقفهم الحصين ونزلوا إلى مكان القتال ليجمعوا ما يستطيعون من تلك الأموال التي خلفها المشركون!.
وقد نصحهم رئيسهم عبد الله بن جبير بألا يتركوا مكانهم حرصًا على أوامر الرسول -ﷺ- فلم يستمع إليه سوى نفر دون العشرة.
وانتهز خالد بن الوليد١ هذه الفرصة، وكان على فرسان مكة٢، فشد برجاله على مكان الرماة فقتل من ثبت منهم، وفاجأ المسلمين من ورائهم وهم مشغولون بدنياهم، فاستولى عليهم الرعب والفزع وسادت الفوضى في صفوفهم، حتى صار يضرب بعضهم بعضًا وانعكست الآية٣، فبعد أن كان المسلمون يقاتلون صفًّا كأنهم بنيان مرصوص، إذا بهم الآن يقاتلون مبعثرين متناكرين دون رئيس يوجههم أو قائد يرعاهم وشاع بين الناس أن محمدًا -ﷺ- قد قتل، فعظمت البلية بين المسلمين، وفرح المشركون.
ولكن المسلمين عرفوا بعد ذلك أن الرسول -ﷺ- لا يزال حيًّا فأحاطوا به يدرءون عنه الأذى والعدوان، ويفتدونه بأنفسهم حتى ضربوا بذلك أروع الأمثال في الإيمان، ولكن الرسول -ﷺ- على الرغم من ذلك أصيبت رباعيته، وشج في جبهته، وجرحت شفته، ودخلت حلقتان من المغفر الذي يستر به وجهه في وجنته، واستمات المسلمون بعد ذلك في القتال ولكن دون جدوى، فاضطروا
_________________
(١) ١ وكان يومها لم يزل مشركًا مع الكفار. ٢ على ميمنة الجيش، أو إحدى فرقه. ٣ لا يحسن استعمال هذا التعبير، وقد درج عليه العلماء والعامة في كلامهم.
[ ٢٤٨ ]
إلى الانسحاب والصمود في الجبل بعد أن قتل منهم سبعون شهيدًا، وقد قتل في هذه الغزوة حمزة بن عبد المطلب، ومثلت به هند زوج أبي سفيان بعد قتله -﵁- فبقرت بطنه وأخرجت كبده فمضغتها بأسنانها ثم لفظتها. وقد حزن الرسول -ﷺ- على عمه أشد الحزن وسجاه ببردته -ﷺ- وصلى عليه ثم دُفن ودُفن معه سائر الشهداء حيث لقوا مصارعهم.
وقد روى ابن إسحاق١ أن رسول الله -ﷺ- قال: "من رجل ينظر إلى ما فعل سعد بن الربيع؟ أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ " فقال رجل من الأنصار: أنا. فنظر فوجده جريحًا في القتلى وبه رمق. فقال له: إن رسول الله -ﷺ- أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات؟ فقال: أنا في الأموات، فأبلغ رسول الله
_________________
(١) ١ وهو عند مالك في "الموطأ" ٢/ ٤٦٦ بسند معضل. وقد قال الزرقاني في شرح "الموطأ" قال ابن عبد البر: هذا الحديث لا أحفظه ولا أعرفه مسندًا وهو محفوظ عند أهل السير، وقد ذكره محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن المازني. وقال الحافظ ابن حجر: وفي الصحيح ما يشهد لبعضه، انتهى. قلت: وانظر الحديث في "أسد الغابة" ٢/ ٢٩٤، و"الاستيعاب" ٢/ ٥٩٠ وغير ذلك. وقد ذكر ابن كثير في "البداية" ٤/ ٣٩ عن الواقدي أن الرجل الذي التمس سعدًا بين القتلى هو محمد بن سلمة، ونقل عن "الاستيعاب" لابن عبد البر أنه أُبي بن كعب. مع أن الذي نقله ابن الأثير أنه أبو سعيد الخدري. ورأيت البيهقي في "الدلائل" ٣/ ٢٨٥ أسند الحكاية عن ابن إسحاق، عن محمد بن عبد الله به. وعند الحاكم سند لابن إسحاق لهذه الحكاية مغاير، ففي "المستدرك" ٣/ ٢٠ سنده عن ابن إسحاق عن عبد الله بن عبد الرحمن عن أبيه فذكره، وهو مع كونه مرسلًا صحيح الإسناد، لكنه مخالف لسند ابن إسحاق في هذه الواقعة. وأما قول ابن عبد البر أنه لم يقف عليه من وجه مسند، فقد وقفت عليه من وجه مسند عند الحاكم ٣/ ٢٠ من حديث زيد بن ثابت، وصحح إسناده الحاكم ولم يتعقبه الذهبي بشيء، ولا في "السير" ١/ ٣١٩، ورجال سنده فيهم من لم أعرفه، كما ذكرت في "الدرك". لكن بكل حال يقوي حصول الحكاية، ويفيد ما لم يعرفه ابن عبد البر. والله أعلم.
[ ٢٤٩ ]
سلامي وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيًّا عن أمته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف.
ثم دفن الشهداء في أماكنهم التي قتلوا فيها، ورجع المسلمون بعد ذلك إلى المدينة يحز في نفوسهم الألم لما أصابهم، ويتطلعون ليوم قريب يشفي الله فيه صدورهم، ويذهب غيظ قلوبهم.
[ ٢٥٠ ]
النتيجة في غزوة أحد:
أجمع المؤرخون على أن غزوة أحد كانت في نهايتها نصرًا للمشركين وهزيمة للمسلمين، ولكن مؤرخًا واحدًا١ خرج على هذا الإجماع واعتبر هذه الغزوة بالنسبة للمسلمين نصرًا لا هزيمة٢، ذلكم هو اللواء الركن الحاج
_________________
(١) ١ في تلقيب الحاج محمود بالمؤرخ، مجازفة، والحاج محمود لم يدع ذلك لنفسه، ولا علمت من وصفه بذلك غير المؤلف، والعجب كل العجب من قوله: المؤرخ الكبير، وما له في التاريخ كتاب واحد، إلا كلامه على غزوات ومعارك يتكلم عليها بحسب فهمه ونظراته العسكرية. ٢ قلت: عادة كثير من المؤرخين أنهم يوردون الواقعة ولا يتكلمون عليها فيقولون مثلًا من حرِّ كلامهم: وكان الغلبة فيها للمسلمين، أو نحو هذا، ولكن يقتصرون على ذكر الواقعة، ولعله لأجل ذلك لم يقف المؤلف ربما على من ذكر ذلك نصرًا. نعم، في كلام بعض المتأخرين ما يفهم منه أنه رأى أُحدًا فيها هزيمة للمسلمين. والرأي عندي أن مرد ذلك بالنظر للمعركة، دون تاليتها التي هي حمراء الأسد، والتي هي على الحقيقة تكملة لغزوة أحد، بدليل قوله -ﷺ-: "لا يخرج معنا إلا من شهد أُحدًا بالأمس" كما سيأتي ذكر ذلك، وأنهم خرجوا للقاء المشركين الذين لما سمعوا بهم رجعوا فارين لمكة بعد أن كانوا عزموا على لقاء المسلمين. فهذه كانت بمثابة الجولة الأخيرة من المعركة. لكن على كل حال لا بأس بإيراد بعض النقول التي مفادها أن ثمة من جعل أُحدًا نصرًا =
[ ٢٥٠ ]
محمود شيت خطاب في كتاب الرسول القائد.
_________________
(١) = ١- قول ابن المرابط من المالكية، فيما نقله عنه القاضي عياض في "الشفاء"، ونقله عنه القاضي القسطلاني في "المواهب اللدنية" ١/ ٤١٠ قال: من قال إن النبي -ﷺ- هزم يستتاب، فإن تاب وإلا قتل إلى آخر كلامه، وذكر الخلاف فيه.
(٢) قول الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٧/ ٣٤٧ هو يتكلم عن بعض فوائد غزوة أحد: أ- فيها تعريف المسلمين سوء عاقبة المعصية ب- وأن عادة الرسل أن تبتلى وتكون لها العاقبة ج- وأن تأخير النصر في بعض المواطن يكون هضمًا للنفس وكسرًا لشماختها، فلما ابتلي المؤمنون صبروا وجزع المنافقون.. انتهى. قلت: فهذا يفهم منه ما كنت قدمته.
(٣) قول معبد بن أبي معبد الخزاعي لأبي سفيان، يخبره بأنه رأى رسول الله -ﷺ- بحمراء الأسد وقد رجع لقتال قريش ومن معها، فإنه قال أبياتًا يصف فيها الرسول -ﷺ- ومن معه: ترى بأسد كرام لا تنابلة عند اللقاء ولا ميل معازيل فظلت عدوًا أظن الأرض مائلة لما سمعوا برئيس غير مخذول "البداية" ٤/ ٥٠ عن ابن إسحاق وغيره. فانظر قوله: غير مخذول.
(٤) وفي شعر كعب بن مالك يصف معركة أحد: فلما تلاقينا ودارت بنا الرحا وليس لأمر الله فينا مدفع ضربناهم حتى تركنا سراتهم كأنهم بالقاع خشب مصرع لدن غدوة حتى استفقنا عشية كأن ذاكرنا حر نار تلفع وراحوا سرعًا موجعين كأنهم جهام هراقت ماءه الريح مقلع ورحنا وأخرانا كأننا أسود على لحم ببيشة ضلع "البداية" ٤/ ٥٤.
(٥) وفي شعر حسان: طاوعوا الشياطين إذ أخزاهم فاستبان الخزي فيهم والفشل "البداية" ٤/ ٦٠ وغير ذلك. وانظر سياقات غزوة حمراء الأسد لا سيما عند ابن سعد ١/ ٣٢٣ ترتيب طبقاته. وعلى كل حال، فإن الله -﵎- قال: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ جاء في التفسير أن القرح للمسلمين كان بأحد، وللمشركين ببدر، فهذه حجة لمن اقتصر في النظر على أحد دون حمراء الأسد. وقال تعالى أيضًا: ﴿إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ﴾ . وانظر آخر تعليق على هذه الغزوة.
[ ٢٥١ ]
وإليكم ما قاله هذا المؤرخ الكبير١:
لا أتفق مع المؤرخين في اعتبار نتيجة غزوة أحد نصرًا للمشركين واندحارًا للمسلمين، لأن مناقشة المعركة عسكريًّا تظهر انتصار المسلمين، على الرغم من خسائرهم الفادحة بالأرواح في هذه المعركة وتبدأ المناقشات من الوجهة العسكرية البحتة لإظهار حقيقة نتائج غزوة أحد.
لقد انتصر المسلمون في ابتداء المعركة حتى استطاعوا طرد المشركين من معسكرهم والإحاطة بنسائهم وأموالهم، وتعفير لوائهم في التراب، ولكن التفاف خالد بن الوليد وراء المسلمين وقطع خط رجعتهم، وهجوم المشركين من الأمام جعل قوات المشركين تطبق من كافة الجوانب على قوات المسلمين، وهذا الموقف في المعركة جعل خسائر المسلمين تتكاثر، ولكن بقي النصر بجانبهم إلى الأخير، لأن نتيجة كل معركة عسكريًّا لا تقاس بعدد الخسائر بالأرواح فقط، بل تقاس بالحصول على هدف القتال الحيوي، وهو القضاء المبرم على العدو ماديًّا ومعنويًّا.
فهل استطاع المشركون القضاء على المسلمين ماديًّا ومعنويًّا؟
إن حركة خالد كانت مباغتة للمسلمين بلا شك، وقيام المشركين بالهجوم المقابل وإطباقهم على قوات المسلمين من كافة الجوانب وهم متفوقون بالعدد إلى خمسة أمثال المسلمين، لا يمكن أن يعد التفاف قوة متفوقة تفوقًا ساحقًا على قوة صغيرة أخرى من جميع جوانبها، ثم نجاة تلك القوة الصغيرة بعد إعطاء خسائر عشرة في المائة نصرًا، ولا يمكن اعتبار فشل القوة الكبيرة في القضاء على القوة الصغيرة ماديًّا ومعنويًّا، في مثل هذا الموقف الحرج للغاية إلا فشلًا
_________________
(١) ١ انظر الحاشية قبل السابقة.
[ ٢٥٢ ]
لها. ولم تستطع قريش أن تؤثر على معنويات المسلمين أيضًا، وإلا لما استطاعوا الخروج لمطاردتها بعد يوم واحد من غزوة أحد١، دون أن تتجرأ قريش على لقائها بعيدًا عن المدينة، وخاصة وأن الرسول -ﷺ- قد خرج للقاء قريش بقوته التي اشتركت فعلًا بمعركة أحد، دون أن يستعين بغيرهم من الناس.
إن نجاة المسلمين من موقفهم الحرج الذي كانوا فيه بأحد نصر عظيم لهم، لأن أول نتائج إطباق المشركين عليهم من كافة الجهات كانت الفناء التام٢.
ونحن نؤيد رأي هذا العالم الجليل ونؤمن به كل الإيمان، ولنا من موقف الرسول -ﷺ- من المسلمين حينما رجعوا من غزوة مؤتة ما يؤكد ذلك. فلقد استطاع خالد بن الوليد أن ينقذ ما بقي من جيش المسلمين من الفناء التام، بما صنع من خطة حربية مكنته من تضليل الأعداء والانسحاب بانتظام، وحينما رجع الجيش إلى المدينة قابلهم المسلمون الذين نظروا نظرة سطحية إلى الموقف وحثوا في وجوههم التراب، وقالوا لهم: يا فرار فررتم من الجهاد في سبيل الله، ولكن الرسول -ﷺ- وقد نظر إلى الموقف من جميع نواحيه- اعتبرهم منتصرين، وحياهم أحسن تحية، فقال: "لا، بل هم الكرار وأنا فئتهم" ٣.
وبعد فإن خير ما نختم به غزوة أحد، هو ذلك الدعاء الذي قاله الرسول -ﷺ- بعد رجوعه من هذه الغزوة، فلقد روى الإمام أحمد٤: لما كان يوم أحد
_________________
(١) ١ وهي المسماة بحمراء الأسد كما مضى. ٢ "الرسول القائد" لمحمود شيت خطاب ص ١١٩-١٢٠. ٣ جاءت هذه الواقعة، وهذا القول من عدة وجوه، وانظر "المسند" ٢/ ٨٦، ١٠٠، ١١١، و"سنن أبي داود" ٢٦٤٧، و"الترمذي" ١٧١٦، وابن سعد ١/ ٤٠٦ ترتيب طبقاته وغير ذلك. ٤ في المسند ٣/ ٤٢٤، وهو عند البزار ١٨٠٠، والطبراني في "الكبير" ٤٥٤٩، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٦/ ١٢٢، وعزاه للأولين فقط، بزيادة في آخره "اللهم توفنا مسلمين وأحينا مسلمين، وألحقنا بالصالحين، غير خزايا ولا مفتونين اللهم قاتل الكفرة الذين يكذبون رسلك ويصدون عن سبيلك، واجعل عليهم رجزك وعذابك، اللهم قاتل لعزة أهل الكتاب، إله الحق". وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح.
[ ٢٥٣ ]
وانكفأ١ المشركون قال رسول الله -ﷺ: "استووا حتى أثني على ربي -﷿" فصاروا خلفه صفوفًا فقال: "اللهم لك الحمد كله، اللهم لا قابض لما بسطت، ولا باسط لما قبضت، ولا هادي لما أضللت، ولا مضل لما هديت، ولا معطي لما منعت، ولا مانع لما أعطيت، ولا مقرب لما باعدت، ولا مبعد لما قربت، اللهم ابسط علينا بركاتك ورحمتك وفضلك ورزقك، اللهم إني أسألك النعيم المقيم الذي لا يحول ولا يزول، اللهم إني عائذ بك من شر ما أعطيتنا وشر ما منعتنا، اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين".
_________________
(١) ١ هذا قول صحابي يصف المشركين فيقول: انكفأ المشركون، والغالب أن هذه اللفظة تطلق على المدحور، وإن كنا لا ننكر أنها تطلق على كل من رجع لموضع أتى منه. فعلى المعنى الأول في الحديث تأييد لقول من قال بعدم انكسار المسلمين.
[ ٢٥٤ ]
غزوة الأحزاب الخندق ١: مقدمات وأسباب
لم يهدأ للمسلمين بال بعد هزيمتهم في غزوة أحد في أواخر العام الثالث الهجري، فلقد عزّ عليهم وروعهم أن ينتصر الباطل على الحق في هذه المعركة، وأن يكون انتصار الباطل الذي يمثله المشركون من قريش، وهزيمة الحق الذي يمثله المسلمون في المدينة٢، أن يكون ذلك بسبب مخالفة بعض المسلمين في هذه الغزوة لأوامر الرسول -ﷺ- وهو القائد الأعلى، وخروجهم على التنظيم الدقيق الذي وضعه لهم وأوصاهم باتباعه.
_________________
(١) ١ كان بين غزوة حمراء الأسد التي بعد أحد، وبين غزوة الخندق جملة غزوات وسرايا هي:
(٢) سرية أبي سلمة المخزومي.
(٣) سرية عبد الله بن أنيس.
(٤) سرية المنذر بن عمرو.
(٥) سرية مرثد بن أبي مرثد.
(٦) غزوة بني النضير.
(٧) غزوة بدر الموعد.
(٨) غزوة ذات الرقاع.
(٩) غزوة دومة الجندل.
(١٠) غزوة المريسيع. وغيرها. انظرها جميعها في كتابنا "سنن النبي -ﷺ- وأيامه" ١/ ٣٢٤-٣٣٨ وما سيأتي. ٢ قال مؤلف الكتاب في الحاشية هنا: كان المسلمون حينئذٍ يعتبرون موقفهم يوم أحد هزيمة، ونحن نعتبره انتصارًا بالرغم مما فيه من خسائر، ولكن تعبيرنا بكلمة هزيمة يعني بالنسبة للانتصار السابق في بدر -راجع غزوة أحد من هذا الكتاب.
[ ٢٥٥ ]
ولقد كان هذا الانتصار المفاجئ الذي ظفر به المشركون مشجعًا لهم على المضي في طريق البغي، والإمعان في عداء الرسول -ﷺ- ومن اتبعه ويتبعه من المسلمين
ولا شك أنه قد جال في نفوسهم أن أصنامهم التي يعبدونها من دون الله قد باركت هذه الغزوة، وأنها ستبارك غيرها من الغزوات، حتى يظهر أمرهم وتعلوا كلمتهم، ولقد جرى ذلك على لسان قائدهم أبي سفيان حينما لمع له سراب البطل فاغتر به، ونادى في ظلمات الجهالة موجهًا خطابه للمسلمين قائلًا: اعل هبل، ناسيًا أن الله أعلى وأجل١.
أما القبائل العربية الأخرى في سائر الجزيرة العربية فكانوا -في جملتهم- يعبدون الأصنام، وقد بلغ بهم الحقد -كذلك- على المسلمين نهايته ومداه، فاتخذ بعضهم من الخيانة والخداع سبيلًا لإطفاء ما تنطوي عليه نفوسهم من الغل والضغينة، ومن ذلك ما وقع من قوم ينتسبون إلى بني الهون وكانوا يسكنون بالحجاز بين مكة والطائف. فلقد جاءوا إلى الرسول -ﷺ- في أوائل السنة الرابعة من الهجرة وقالوا: يا رسول الله: إنا فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإسلام.
وقد استجاب الرسول -ﷺ- لهم، لأنه لم يكن يعلم الغيب، ولم يطلعه الله على ما تنطوي عليه قلوبهم من غدر وخيانة وكفر وضلال، ولأنه كان شديد الحرص على نشر الإسلام وإعلاء كلمته، وظن أن هذا الوفد قد جاء يلتمس النور ويبتغي الخير، فلم يضن عليهم بذلك -وما هو على الخير بضنين- وبعث معهم ستة نفر
_________________
(١) ١ كما صح ذلك في "البخاري" ٣٨١٧ وغيره من حديث البراء بن عازب أن أبا سفيان قال يوم أحد: اعل هبل، فقال النبي -ﷺ-: "أجيبوه"، قالوا: ما نقول؟ قال: "قولوا له: الله أعلى وأجلّ "
[ ٢٥٦ ]
من أصحابه، فكان لهم في تاريخ الإسلام بلاء أي بلاء، وفي ميدان التضحية الاستشهاد صفحة ناصعة بيضاء ذلك بأن هؤلاء القوم من بني الهون قد تحرك الغدر الكامن في نفوسهم، بعد أن خرجوا من المدينة وعاونهم في ذلك جماعة من هذيل، في عدد كبير يبلغ المائتين فقاتل الستة المسلمون قتال الأبطال، حتى قتل ثلاثة منهم واستسلم الثلاثة الباقون، وما كان استسلامهم من خور في العزيمة أو ضعف في العقيدة أو خوف من الموت، ولكنه استسلام الليث الهصور وقع في قبضة الغالب، وأطبقت عليه القوة الطاغية من كل جانب.
وقد قتل هؤلاء الثلاثة بأيدي المشركين بعد ذلك، وكان منهم زيد بن الدثنة وهو الذي قال له المشركون حينما قدموه ليقتلوه: ننشدك الله يا زيد أتحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ فقال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأني جالس في أهلي١.
فأية عظمة تنطوي عليها تلك النفس المؤمنة التي تستقبل الموت في سبيل الله بابتسامة الرضا والطمأنينة. والتي لو خيرت لاختارت القتل على ألا يصاب الرسول -ﷺ- بشوكة تؤذيه!
إنها التربية الإسلامية التي أسست على قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا
_________________
(١) ١ هذه المسماة بغزوة الرجيع، وقد ساق المؤلف القصة على ما رواه ابن إسحاق، وهي في "صحيح البخاري" ٣٨٥٨ مع بعض اختلاف يسير. وانظر "البداية" ٤/ ٦٣ وما ساق الحافظ لهذه الغزوة من الروايات.
[ ٢٥٧ ]
حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِه﴾ ١.
وقول الرسول -ﷺ-: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وأهله والناس أجمعين" ٢.
وكان منهم: خبيب بن عدي، وقد حاولوا أن يردوه عن إسلامه إلى الكفر، فأبى عليهم ذلك، وقدم روحه فداء لدينه.
وقد روي عنه أنه قال حينما علم أن القوم قد أجمعوا أمرهم لصلبه:
إلى الله أشكو غربتي ثم كربتي وما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي
وقد خيروني الكفر، والموت دونه وقد هملت عيناي من غير مجزع
ولست أبالي حين أقتل مسلمًا علي أي جنب كان في الله مصرعي٣
وكان أشد من ذلك عنفًا وقسوة ما أصيب به المسلمون في يوم بئر معونة فقد استشهد منهم في هذا اليوم سبعون، قتلوا غدرًا وغيلة بأيدي قبائل: رعل، وذكوان، والقارة، وقد حزن الرسول -ﷺ- على هؤلاء الشهداء الأبرار، ومكث شهرًا كاملًا يدعو على هؤلاء المعتدين الآثمين، الذين ارتكبوا هذه الجرائم المنكرة٤.
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية ٢٣، ٢٤. ٢ أخرجه البخاري ١٥، ومسلم ٤٤ من حديث أنس بن مالك. ٣ ذكر هذه الأبيات ومعها غيرها ابن إسحاق كما في "البداية" ٤/ ٦٧. على أنه قد صح في "البخاري" ٣٨٥٨ أنه قال: ولست أبالي حين أقتل مسلمًا على أي شق كان في الله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلوٍ ممزعِ ٤ صحت قصتهم عند البخاري ٣٨٦٠، ومسلم ٦٧٧ وغيرهما.
[ ٢٥٨ ]
دور إيجابي لدرء الخطر:
ولم يقف الرسول -ﷺ- أمام أعدائه الذين يتربصون به الدوائر موقفًا سلبيًّا، ولم يكتف بمجرد الدعاء عليهم، ولكنه بدأ دوره الإيجابي في استئصال جذور الشر والقضاء على الفتن كلما اشتعلت نارها. وقد خرج من أجل ذلك في عدة غزوات صغيرة، وهي غزوة ذات الرقاع، وغزوة بدر الأخيرة، وغزوة دومة الجندل.
فأما غزوة ذات الرقاع فقد كان الغرض منها إحباط المحاولة التي قام بها بنو محارب حيث أرادوا غزو المدينة، وكان الغرض منها كذلك تأديب بعض القبائل التي كانت تعتدي على المسلمين بين الحين والحين.. وقد خرج الرسول -ﷺ- حينما علم بتجمع بني ثعلبة وبني محارب واتفاقهم على غزو المدينة، وكان معه أربعمائة١ ما بين راكب وراجل، وولى على المدينة عثمان بن عفان، ولم يزالوا سائرين حتى وصلوا ديار القوم في نجد على مرحلتين من المدينة، وقد أزعجتهم مباغتة الرسول -ﷺ- لهم فخافوا وتفرقوا في رءوس الجبال تاركين نساءهم وأموالهم، وعلى الرغم من ذلك كان الرسول -ﷺ- حذرًا وخائفًا من غدرهم وخيانتهم، فصلى بالمسلمين صلاة الخوف.
وقد ألقى المسلمون الرعب في قلوب أعدائهم ثم رجعوا إلى المدينة سالمين غانمين٢.
_________________
(١) ١ وقيل: سبعمائة. ٢ انظر هذه الغزوة في "طبقات ابن سعد" ٢/ ٦١، و"سيرة ابن هشام" ٣/ ١٥٧، و"أنساب الأشراف" ١/ ١٦٣، و"مغازي الواقدي" ١/ ٣٩٥، و"صحيح مسلم بشرح النووي" ١٢/ ١٧، و"صحيح البخاري" ٥/ ١١٣، و"تاريخ الطبري" ٢/ ٥٥٥، وابن حزم ١٨٢، و"عيون الأثر" ٢/ ٧٢، و"البداية" ٤/ ٨٣، والنويري ١٧/ ١٥٨، و"السيرة الحلبية" ٢/ ٣٥٣، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٣/ ٣٦٩، وغير ذلك.
[ ٢٥٩ ]
وأما غزوة بدر الآخرة: فقد كانت بعد غزوة أحد بعام كامل، وكانت ردًّا على أبي سفيان حيث توعد المسلمين بعد غزوة أحد، وقال: يوم بيوم بدر، والموعد العام المقبل في بدر.
وقد خرج المسلمون في ألف مقاتل ما بين راكب وراجل بقيادة الرسول -ﷺ- وكان خروجهم بنفس الوقت والموعد الذي وقعت فيه غزوة أحد، وإلى نفس المكان الذي توعدهم باللقاء فيه أبو سفيان له دلالته الواضحة على قوة المسلمين وثقتهم.
وأما أبو سفيان وقبيله فقد عاكسهم الحظ ولم يتمكنوا من تجهيز الجيش الذي يثقون به، فأرادوا أن يثبطوا همة المسلمين فأرسلوا رجلًا١ إلى المدينة يقول لهم: إن قريشًا قد جمعت جيشًا لا قبل لكم بمواجهته ولكن زادهم هذا القول إيمانًا على إيمانهم وخرجوا في شجاعة وإقدام حتى وصلوا إلى بدر، وأقاموا فيها ثمانية أيام يتحدون المشركين وينتظرونهم، ولكن المشركين وعلى رأسهم أبو سفيان- آثروا السلامة والعافية، فرجعوا إلى مكة يجللهم العار، وكانوا قد خرجوا وقطعوا من الطريق مرحلتين٢.
وهكذا كانت غزوة بدر الآخرة إعلانًا كريمًا للمسلمين، ووصمة عار في جبين المشركين، وقد محت هذه الغزوة كل أثر سيئ لمعركة أحد داخل المدينة وخارجها على حد سواء.
_________________
(١) ١ هو نعيم بن مسعود الأشجعي. ٢ جاءت قصة هذه الغزوة من وجوه متعددة تقتضي ثبوتها، وانظر "طبقات ابن سعد" ٢/ ٥٩، و"سيرة ابن هشام" ٣/ ١٦٣، و"أنساب الأشراف" ١/ ١٦٣، و"تاريخ الطبري" ٢/ ٥٥٩، و"عيون الأثر" ٢/ ٧٤، و"البداية" ٤/ ٨٧، و"السيرة الحلبية" ٢/ ٣٦٠، و"السيرة الشامية" ٤/ ٤٧٨، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٣/ ٣٨٤، وغير ذلك.
[ ٢٦٠ ]
وإلى هذه الثروة يشير القرآن الكريم في قوله سبحانه:
﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ١.
وأما غزوة دومة الجندل، فقد خرج الرسول -ﷺ- فيها بألف من المسلمين، وكان الغرض منها تأديب القبائل البدوية التي تقطن في منطقة دومة الجندل، وهي على الحدود بين الحجاز والشام.. وقد نجحت هذه الغزوة بإلقاء الرعب والفزع في قلوب هذه القبائل، ففروا من وجه المسلمين ولم يشتبكوا معهم في قتال٢.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآيتان ١٧٣، ١٧٤. ٢ وقد أقام -ﷺ- بدومة الجندل أيامًا، وبث السرايا، وفيها أخذ محمد بن مسلمة وعرض عليه الإسلام فأسلم. كما جاء ذكر هذه الغزوة من وجوه متعددة، وانظر: "طبقات ابن سعد" ٢/ ٦٢، "سيرة ابن هشام" ٣/ ١٦٨، "أنساب الأشراف" ١/ ١٦٤، "تاريخ الطبري" ٢/ ٥٦٤، "مغازي الواقدي" ١/ ٤٠٢، "السيرة" لابن حزم ص ١٨٤، "عيون الأثر" ٢/ ٧٥، و"البداية والنهاية" ٤/ ٩٢، النويري ١٧/ ١٦٢، "السيرة الحلبية" ٢/ ٣٦٢، "دلائل النبوة" للبيهقي ٣/ ٣٨٩، "السيرة الشامية" ٤/ ٤٨٤، "المواهب اللدنية" ١/ ٤٤٤، وغير ذلك.
[ ٢٦١ ]
أصابع اليهود
وفي هذه الظلمات المتكاثفة -من الشر والفتنة- أخذ اليهود يجوسون خلال الديار، وظنوا أنهم وسط هذا الظلام سيحكمون مؤامرتهم على المسلمين ويقضون القضاء الأخير عليهم.
[ ٢٦١ ]
وكان يهود بني النضير قد أخرجوا من ديارهم أمام قوة الحق وغلبته: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ الرُّعْبَ﴾ ١.
وعلى الرغم من أنهم هم الذين بدءوا بالشر، وأن إخراجهم كان جزاءً وفاقًا لما سلف منهم من غدر وخيانة وظلم واستهتار إلا أن هذه النهاية الأليمة قد أفزعتهم، فأخذ سادتهم وكبراؤهم ينتقلون في أرجاء الجزيرة العربية لكي يؤلبوا قبائل العرب على محمد -ﷺ- وأصحابه، ولم يتركوا للكيد إلا وسلكوه، فخرجوا إلى القبائل العربية التي لا تزال تحقد على محمد -ﷺ- وأصحابه وتتربص بهم الدوائر، ومنهم قبيلة غطفان، وقد حرض اليهود رجالها وأخبروهم بمبايعة قريش لهم على الحرب ومنهم: بنو مرة، وبنو أشجع، وبنو سليم، وبنو أسد.
وقد حرض اليهود رجالهم -كذلك- على حرب محمد -ﷺ- والمسلمين، ووجدوا منهم قبولًا وارتياحًا، واستعدادًا للانضواء تحت لواء قريش في سبيل ذلك الهدف الذي عقدوا عليه الآمال، وظنوه يسيرًا قريب المنال.
_________________
(١) ١ سورة الحشر، الآية ٢.
[ ٢٦٢ ]
غزوة الأحزاب "الخندق": ١
وكان من نتيجة تلك الجهود التي بذلها هؤلاء اليهود، أن تجهزت قريش
_________________
(١) ١ جاء ذكر غزوة الخندق وتفاصيلها في غير موضع، على نحو ما ذكر المصنف، إلا في مواضع ننبه عليها فيما سيأتي، وانظر الغزوة في: "صحيح البخاري" ٣٨٧٢، و"مسلم" ١٨٠٤، ١٧٨٨، و"سنن الترمذي" ٣٨٥٥، و"طبقات ابن سعد" ٢/ ٦٥، و"سيرة ابن هشام" ٣/ ١٦٨، و"أنساب الأشراف" ١/ ١٦٥، و"تاريخ الطبري" ٢/ ٥٦٤، و"عيون الأثر" ٢/ ٧٦، و"السيرة" لابن حزم ص ١٨٤، و"البداية" ٤/ ٩٢، والنويري ١٧/ ١٦٦، و"السيرة الحلبية" ٢/ ٤٠١، و"السيرة الشامية" ٤/ ٥١٢، و"دلائل النبوة" لأبي نعيم ٢/ ٤٨٨ وما بعدها، وللبيهقي ٣/ ٣٩٢، و"مجمع الزوائد" ٦/ ١٣٠، و"المواهب اللدنية" ١/ ٤٤٦، و"منتقى القاري" ص ٢٧٦، و"الكامل" لابن الأثير ٢/ ١٢٢، و"الرحيق المختوم" ص ٢٧٥، وغير ذلك.
[ ٢٦٢ ]
وعلى رأسهم أبو سفيان وعددهم أربعة آلاف١، ومعهم ثلاثمائة فرس وألف بعير، وتجهزت غطفان، ويرأسهم عيينة بن حصن، وكان معهم ألف فارس، وتجهزت بنو مرة يرأسهم الحارث بن عوف المري، وتجهزت بنو أشجع يرأسهم أبو مسعود بن رخيلة، وتجهزت بنو سليم يرأسهم سفيان بن عبد شمس، وتجهزت بنو أسد يرأسهم طليحة بن خويلد الأسدي، وعدة الجميع عشرة آلاف جندي، وقائدهم العام أبو سفيان صخر بن حرب، وكان -حينئذٍ- ألد الأعداء للرسول -ﷺ- وللمسلمين..
ثم خرجت هذه الأحزاب -على ما بينها من تنافر وتباعد وعصبية قبلية- ويؤلف بينهم هدف مشترك هو الانتقام من المسلمين، والرغبة في استئصالهم والقضاء على دينهم، وكان ذلك في السنة الخامسة من الهجرة النبوية٢.
_________________
(١) ١ يعني من أهل مكة، وأما الجميع فعشرة آلاف كما سيأتي. ٢ أو الرابعة، على حد قول الزهري والإمامين مالك والبخاري، وقول المؤلف هو قول عامة أصحاب المغازي. وأما جمع البيهقي بين القولين بأن مراد الأولين قبل اكتمال الخمس، ومراد الآخرين بعد الأربع، فهذا مما لا أراه، وهو خلاف المعروف عنهم وممن طريقتهم في التاريخ، ومن محص في اختلافهم لم يقبل جمع البيهقي.
[ ٢٦٣ ]
موقف المسلمين في المدينة من الأحزاب:
وكان المسلمون في المدينة -حينئذٍ- هم المهاجرين الذين خرجوا من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاة الله وجهادًا في سبيله، والأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان، والذين آووا رسول الله ونصروه واتبعوا النور الذي أُنزل معه، كان موقفهم موقفا عصيبًا يحيط به الحرج والضيق ويسود فيه الخوف والرهبة، ولا غرو فهؤلاء هم أحزاب الشر، وأعداء الحق، وأنصار الشيطان يزحفون مسرعين
[ ٢٦٣ ]
إلى المدينة! وهذه هي الجزيرة العربية تتسمع في لهفة إلى أبنائهم، وتترقب باهتمام بالغ نتيجة زحفهم.
إنها تجربة لها ما وراءها من نتائج وآثار، فلو قدر لهؤلاء الأحزاب أن ينتصروا فتلكم الضربة القاصمة التي لا تقوم بعدها للمسلمين قائمة، أما لو قدر لهم أن يرجعوا مجللين بالخزي والعار، وإن يفجعوا فيما علقوه على هذه المحاولة من آمال كبار، فتلك -حينئذٍ- مصيبة الدهر وفضيحة العمر. وهيهات ثم هيهات أن تتجمع لهم مثل هذه الأحزاب، وأن تتوافر لها الظروف والأسباب.
أجل، لقد أدرك المسلمون جميعًا في المدينة عظم الخطب، وفداحة المسئولية، وعرفوا أن الأمر مع المشركين في هذه المرة، إما إلى النصر، وإما إلى القبر، أو كما يقول القائل:
فإما إلى صدَّاحة تطرب الورى وإما إلى نواحة في المآتم١
وقد جمع أعداء الإسلام لأول مرة في تاريخهم مع المسلمين جموعهم وجاءوا في عدة وعديد لم يسبق لها مثيل في حروب العرب جميعًا.
لقد كان عددهم في العام الثاني من الهجرة حينما التقوا مع المسلمين في يوم بدر ألفًا أو أقل من الألف، ثم أصبح عددهم في غزوة أحد في العالم الثالث من الهجرة ثلاثة آلاف، فما بالهم الآن بعد عام واحد من غزوة أحد يصبحون عشرة آلاف؟!
وماذا عسى أن يصنع المسلمون لمقابلة هذه الألوف المؤلفة من الرجال والخيل والإبل والأسلحة والذخيرة؟!
إن الأمر يحتاج إلى مزيد من اليقظة والحذر والشجاعة والإيمان، وإن الواجب يحتم على كل جندي من جنود المسلمين أن يتعاون في إخلاص مع قائده الأعلى
_________________
(١) ١ مع بُعد الشبه.
[ ٢٦٤ ]
ليسيروا جميعًا في منهج سليم، وسبيل قويم، حتى يفرج الله كربهم، ويكشف عنهم هذا الضر والبلاء.
[ ٢٦٥ ]
حفر الخندق:
وكانت هذه الأنباء المثيرة التي ترامت إلى مسامع المهاجرين والأنصار في المدينة حول هذا الجيش الجرار الزاحف عليهم هي كل شيء يشغل تفكير الرسول -ﷺ- والمسلمين، ماذا يصنعون أمام هذه القوة الطاغية التي تسرع نحوهم؟ أيمكثون بالمدينة ويتحصنون في دورها؟ أم يخرجون للقاء العدو مهما احتملوا من المتاعب والآلام، ومهما بذلوا من التضحيات الجسام؟
وجلس رسول الله -ﷺ- يستشير أصحابه ويستطلع أراءهم في هذه المحنة. وكان من عادته -صلوات الله وسلامه عليه- أن يستشير أصحابه فيما يعرض له من مشاكل، فإذا اقتنع بعد هذه المشورة برأي أمضاه متوكلًا على الله، وقدر علمه الله بقوله: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ١.
وهنا، وفي وسط هذا الظلام الذي يخيم على النفوس يطلع سلمان الفارسي -﵁- على الرسول -ﷺ- والمسلمين برأي سديد وفكرة صائبة تشرق لها نفوسهم وتطمئن بها قلوبهم، ذلك أنه أشار عليهم بحفر الخندق في الجهة التي يخشى منها خطر الزحف على المدينة.
وكانت فكرة حفر الخندق فكرة عجيبة لم يعرفها العرب قبل ذلك، وإنما عرفها الفرس في حروبهم، وأخذها عنهم سلمان الفارسي -﵁- وحينما رأى الرسول الكريم -ﷺ- قوة هذا الرأي واقتنع بصوابه، أمر بوضعه موضع التنفيذ
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية ١٥٩.
[ ٢٦٥ ]
وقام يباشر بنفسه هذا العمل الكبير.
ويقع المكان الذي اختاره الرسول -ﷺ- ليحفر فيه هذا الخندق في شمال المدينة من الحرة الشرقية إلى الحرة الغربية١، وهذه هي الجهة التي كانت عورة يمكن أن تؤتى المدينة من قبلها، أما بقية حدودها فمشتبكة بالبيوت والنخيل ولا يتمكن العدو من الحرب في جهتها، وبهذا يتبين لنا أن فكرة الخندق عمل حربي ناجح، وسهم رائش٢ صوبه المسلمون إلى قلب أعدائهم فنفذ إلى الصميم.
وبدأ المسلمون يعملون في حفر الخندق، وكان رسول الله -ﷺ- يعمل معهم بيديه، وكان يتمثل بقول القائل٣:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا
فأنزل سكينة علينا وثبت الأقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا
وكان دائم التشجيع للمسلمين، فإذا رأى ما حل بهم من التعب والجوع يذكرهم بالآخرة، وما أعد للمؤمنين فيها من السعادة والنعيم، قائلًا:
"اللهم إن العيش عيش الآخرة، فارحم الأنصار والمهاجرة".
فيرد عليه المسلمون -وقد امتلأت نفوسهم بالإيمان، ونسوا ما هم فيه من الآلام والمتاعب- قائلين:
_________________
(١) ١ والحرة: أرض من الصخر الأسود. ٢ أي صائب. ٣ القائل هو عبد الله بن رواحة.
[ ٢٦٦ ]
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
وهكذا يتجاوب القائد الأعلى مع جنوده المخلصين، ويتجاوب الجنود المخلصون مع قائدهم الأمين، وهكذا القيادة الرشيدة إنما تثبت أصولها في جوٍّ من الإخلاص والتسامح، ويقوم بنيانها على دعائم من الإخاء والمساواة، ولقد عود الرسول -ﷺ- أصحابه هذا اللون الكريم من المعاملة الكريمة.
ولا يزال المسلمون يذكرون موقف نبيهم في بناء مسجد المدينة وكيف كان يمل بنفسه، ويحمل الأحجار بيديه، وكيف كان هذا العمل الكريم يحفز المسلمين ويقوي من عزائمهم، حتى ليقول بعضهم لبعض:
لئن قعدنا والرسول يعمل لذاك منا العمل المضلل١
وسيظل المسلمون على توالي الأجيال والقرون يذكرون موقف الرسول -ﷺ- من أصحابه، حينما أرادوا أن يصلحوا شاة لطعامهم وهم -حينئذٍ- في سفر، فقال واحد منهم: عليَّ ذبحها، وقال الثاني: وعليَّ سلخها، وقال الثالث: وعليَّ طبخها، فقال الرسول -ﷺ-: "وعلي جمع الحطب"، قالوا: يا رسول الله، إنا نكفيك العمل، قال: "علمت أنكم تكفونني إياه، ولكني أكره أن أتميز عليكم" ٢.
ألا إن هذه المثل العالية من طاعة الجند لقائدهم، ومن إخلاص القائد لجنوده وحسن معاملته لهم وتعاونه معهم تعاونًا كاملًا بعيدًا عن الكبرياء والغرور.
ألا إن ذلك لهو النور الذي يضيء لنا السبيل إذا غشيتنا ظلمات المحن والخطوب.
_________________
(١) ١ تقدم الكلام عليه. ٢ لم أقف عليه.
[ ٢٦٧ ]
وإنه لمن الحق علينا أن نفتح قلوبنا لهذا التاريخ الخالد، وأن نأخذ من عبره وعظاته ما يجنبنا الزلل، ويقينا شر العثرات والسقطات.
[ ٢٦٨ ]
من المعجزات النبوية:
تعالوا فانظروا معي تلك الفيوضات الإلهية، والمنح الربانية التي أفاضها الله ومنحها لرسوله -ﷺ- في تلكم الفترة، التي عمل المسلمون فيها في حفر هذا الخندق.
وقد جرت سنة الله -﷿- بأن يظهر على أيدي أنبيائه من المعجزات ما يثبت به القلوب القلقة، والنفوس الحائرة، ويزيد المؤمنين إيمانًا وتثبيتًا.
ومن ذلك ما رواه الإمام البخاري١، عن جابر -﵁- قال: إنّا في يوم الخندق نحفر، فعرضت لنا كدية٢ شديدة، فجاءوا النبي -ﷺ- وقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: "أنا نازل"، ثم قام وبطنه معصوب بحجر -وكنا قد لبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا- فأخذ النبي -ﷺ- المعول فضرب فعاد كثيبًا أهيل، فقلت: يا رسول الله ائذن لي إلى البيت. فذهبت فقلت لزوجتي: رأيت بالنبي -ﷺ- شيئًا ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة، ثم جئت النبي -ﷺ- والعجين قد انكسر، والبرمة بين الأثافي كادت أن تنضج، فقلت: قم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، قال: كم هو؟ فذكرت له، فقال: كثير طيب، قل لها لا تنزع البرمة ولا الخبز من التنور حتى آتي، فقال: قوموا، فقام المهاجرون
_________________
(١) ١ كتاب المغازي، باب غزوة الخندق ٧/ ٣٩٥ من "فتح الباري". ٢ أي صخرة عظيمة.
[ ٢٦٨ ]
والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحك. جاء النبي -ﷺ- بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟ قلت: نعم. فقال: ادخلوا ولا تضاغطوا فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم ويقرب إلى أصحابه، ولم يزل هكذا حتى شبعوا جميعًا وبقيت بقية، فقال لزوجة جابر: "كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة".
وهناك رواية أخرى يذكرها الإمام البخاري عن جابر -﵁- فيقول: "لما علم النبي -ﷺ- بمقدار الطعام قال للمسلمين جميعًا: "قوموا إلى جابر". فقاموا فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله وقلت: جاءنا بخلق كثير على شاة وصاع من شعير، ودخلت على امرأتي أقول: افتضحت، جاءك رسول الله -ﷺ- بأهل الخندق أجمعين. فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ قلت: نعم فقالت: الله ورسوله أعلم. قال: فكشف عني غمًّا شديدًا. قال: فدخل رسول الله -ﷺ- فقال: "خدمي ودعيني من اللحم". وجعل رسول الله -ﷺ- يثرد ويغرف اللحم ويخمر هذا ويخمر هذا، فما زال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور والقدر أملأ مما كانا، ثم قال رسول الله -ﷺ: " كلي وأهدي". فلم نزل نأكل ونهدي بقية اليوم.
[ ٢٦٩ ]
ألا إن في هذا الحادث العجيب لعبرة!
فهذه الصخرة الكبيرة التي تعترض الجنود المسلمين، وهم يعملون في حفر الخندق فيعجزهم جميعًا أمرها، ما بالها الآن تصير رمادًا يتطاير من ضربة واحدة بمعول الرسول -ﷺ، إنها إذن عناية الله التي يفيضها أبدًا على رسول الله -ﷺ- والتي لا تقف أمامها الحواجز والعقبات، بل يلين لها الحديد وتذوب أمامها الصخور الجلاميد.
[ ٢٦٩ ]
وهكذا الصاع من الشعير تخبزه زوجة جابر، والشاة الصغيرة يذبحونها ليأكل منها النبي -ﷺ- مع نفر قليل من أصحابه فما بالهم الآن يفاجئون برسول الله -ﷺ- ومعه أهل الخندق أجمعون؟ إنهم خمسمائة رجل خماص البطون، وأقل ما يكفيهم في مثل هذه الظروف عشرون صاعًا وعشرون شاة، فكيف يكفيهم صاع واحد من الشعير، وشاة واحدة؟!
إنها إذن عناية الله، ومعجزة خالدة لرسول الله -ﷺ.
وقد أطمأنت بها قلوب المؤمنين، ففرحوا واستبشروا، وصبروا وصابروا وكافحوا وثابروا، وسيظل لنا من ذكراها ما يشد أزرنا، ويقوي عزائمنا، على توالي الأجيال والقرون.
[ ٢٧٠ ]
الأحزاب أمام الخندق
استمر العمل في حفر الخندق ستة أيام متتابعة١، وكان المسلمون يعملون طوال النهار، فإذا جنّ عليهم الليل آووا إلى بيوتهم، وفي هذه الأثناء حصنت جدران المنازل التي تواجه مأتى العدو، وأخليت المساكن التي كانت وراء الخندق، وجيء بالنساء والأطفال إلى هذه المنازل التي حصنت، ووضعت الأحجار إلى جانب الخندق من ناحية المدينة، لتكون سلاحًا يرمى به العدو إذا سولت له نفسه اقتحام الخندق.
وكانت قريش وأحزابها تظن أنها -وقد خرجت في هذه الجموع الغفيرة-
_________________
(١) ١ قال في "الفتح": بأن حفر الخندق استغرق ما يقارب شهرًا. وعن موسى بن عقبة: بقوا قريبًا من عشرين ليلة، وعند الواقدي: بقوا أربعًا وعشرين، وفي "الروضة" للنووي: خمسة عشرة، وأيد ابن القيم في "الزاد" الأوّل وأنهم أقاموا شهرًا.
[ ٢٧٠ ]
ستنتهي من الرسول -ﷺ- والمسلمين في ساعات معدودة، وأن الأمر لا يعدو أن يكون سفرًا عاديًّا، أو رحلة تجارية يرجعون بعدها وقد قضوا على قوة المسلمين، وغنموا منهم عدتهم وعتادهم وكل شيء لديهم، ولكنهم كانوا يبنون الآمال على شفيرٍ هارٍ، ويقدرون فتضحك الأقدار.
ولقد وقفوا أمام الخندق وقفة المشدوه، وتملكهم العجب واشتدت بهم الحيرة، ولا غرو فهذا العمل كان مفاجأة غير منتظرة، وهذا السلاح جديد في نوعه لم يتعوده العرب من قبل في حروبهم.
وكان الرسول -ﷺ- والمسلمون -وعددهم حينئذٍ ثلاثة آلاف- يجعلون الخندق بينهم وبين أعدائهم حدًّا فاصلًا، وينظرون إلى تحركاتهم وتجمعاتهم من الجهة المقابلة، وقد أعدوا لكل احتمال عدته، واتخذ كل جندي أهبته، وكانوا يشددون الحراسة على الأماكن الضعيفة ويتبادلونها، حتى لقد كانت للرسول -ﷺ- نوبته، فكان يخرج إليها أحيانًا في الليل المظلم والبرد القارس.
ولقد عرفت قريش والأحزاب أن الأمد سيطول بهم، وأنهم سيقيمون أمام هذا الخندق ما وسعتهم الإقامة، ولكنهم لن يستطيعوا اقتحامه، وهذه الخيام التي نصبوها قريبًا من الخندق سوف لا تجيدهم فتيلًا إذا فاجأهم ريح عاصف أو سيل جارف. عرفت قريش والأحزاب ذلك كله فتملك نفوسهم همّ بالغ وحزن عظيم، وبدأوا يفكرون ويفكرون ويسيحون في أودية الأوهام والظنون.
[ ٢٧١ ]
موقف رائع لعلي بن أبي طالب
وكان عمرو بن عبد ودّ قد استطاع أن يقتحم فرسه الخندق من ناحية ضيقة فيه، فنادى وهو مقنع بالحديد: من يبارز؟ فقام علي بن أبي طالب فقال: أنا لها يا نبي الله.
[ ٢٧١ ]
فقال له النبي -ﷺ: "إنه عمرو، اجلس".
ثم نادى عمرو: ألا رجل منكم يبرز؟ أين جنتكم التي تزعمون أنه من قتل منكم دخلها؟ أفلا تبرزون إلي رجلًا.
فقام علي فقال: أنا يا رسول الله، فقال له الرسول -ﷺ-: "اجلس" ولكن عمرًا تمادى في غيه، وأخذ يصيح وينشد قائلًا:
ولقد بححت من الندا ء لجمعهم: هل من مبارز؟
وقفت إذا جبن المشجع موقف القرن المناجز
إن الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرائز
فقام علي فقال: يا رسول الله: أنا لها.
فقال له -ﷺ-: "إنه عمرو".
قال: وإن كان عمرًا!
فأذن له رسول الله -ﷺ- فمشى إليه حتى أتاه وهو يقول:
لا تعجلن فقد أتا ك مجيب صوتك غير عاجز
في نية وبصيرة والصدق ينجي كل فائز
ني لأرجو أن أقيم عليك نائحة الجنائز
من ضرب نجلاء يبقى ذكرها عند الهزاهز١.
_________________
(١) ١ "الروض الأنف" للسهيلي ٢/ ١٩١، وقد ذكر ذلك ابن إسحاق، وعنه أسند القصة البيهقي في "الدلائل" ٣/ ٤٣٨، ونقل ابن كثير في "البداية" ٤/ ١٠٦ عن البيهقي.
[ ٢٧٢ ]
فقال له عمرو: من أنت؟ قال: أنا علي. قال: ابن عبد مناف؟
قال: أنا علي بن أبي طالب. فقال: يابن أخي مِن أبناء أعمامك من هو أسن منك، فإني أكره أن أريق دمك.
فقال له علي: لكني والله لا أكره أن أريق دمك.
فغضب ونزل وسل سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو علي مغضبًا، واستقبله علي بدرقته، فضربه عمرو في درقته فقدّها وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجه.
فاندفع علي نحوه في شجاعة وإيمان، وضربه على حبل عاتقه فسقط يتخبط في دمائه، وذهب صريع بغيه وعدوانه.
وسمع الرسول -ﷺ- التكبير، فعرف أن عليًّا قد قتله، ثم أقبل علي نحو رسول الله ووجهه يتهلل.
فقال له عمر بن الخطاب: هلا استلبته درعه، فإنه ليس للعرب درع خير منها؟
فقال: استحييت أن أسلبه درعه وسوءته مكشوفة.
وفي هذا الموقف الرائع يتغنى علي بن أبي طالب بنصر الله له، على هذا العدو الماكر.
ويتحدث بنعمة الله عليه، فيقول:
عبد الحجارة من سفاهة رأيه وعبدت رب محمد بصواب١
_________________
(١) ١ وقبل هذا البيت أبيات.
[ ٢٧٣ ]
فصدرت حين تركته متجندلًا كالجذع بن دكادك وروابي
وعففت عن أثوابه ولو أنني كنت المجندل بزَّني أثوابي
لا تحسبن الله خاذل دينه ونبيه يا معشر الأحزاب
وكان في جيش المسلمين جماعة من المنافقين لا يعلمهم الرسول -ﷺ- وقد وقف هؤلاء المنافقون -كعادتهم من المسلمين- موقف اللؤم والخيانة، ولا ريب أن عمر النفاق قصير، وأساليبه وحيله لا تخفى على العقلاء أمدًا طويلًا، ومهما بالغ المنافقون في ستر حقيقتهم فإنهم لدى الاختبار يخفقون في الميدان، ولا يثبتون أمام الشدائد.
وها هم أولاء في تلكم الغزوة يفزعون حينما يرون الأحزاب، وقد جمعوا جموعهم وتهيئوا للحرب والقتال، وتظلم نفوسهم، فيسخرون من وعود الرسول -ﷺ- لهم بالنصر على أعدائهم، ويقولون: كان محمد يعدنا كنز كسرى وقيصر، فما بالنا لا يأمن أحدنا على نفسه أن يذهب إلى الغائط، وقد سجل الله ذلك القول منهم في تلكم الآية الكريمة:
﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ ١.
ثم يتمادى المنافقون في غدرهم وخيانتهم فينسحبون من صفوف المؤمنين ويثبطون الهمم والعزائم ويقولون: ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ ٢.
ويعتذرون عن رجوعهم بالأعذار الكاذبة التي أظهر الله حقيقتها بقوله:
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآية ١٢. ٢ سورة الأحزاب، الآية ١٣.
[ ٢٧٤ ]
﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا﴾ ١.
ولكن هل تحقق لهؤلاء المنافقين ما كانوا يريدون؟ إنهم أرادوا أن يخفوا حقيقتهم عن الرسول -ﷺ- فكشف الله سترهم، وفضح أمرهم، وأرادوا أن يضعفوا شوكة المسلمين بانسحابهم، فأمد الله المسلمين بقوته، وكانوا يطمعون في الغنائم فأفاءها الله على المؤمنين، وباء المنافقون بالخسران والحرمان.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآية ١٤
[ ٢٧٥ ]
مؤامرة بني قريظة على الرسول ﷺ والمسلمين
مؤامرة بني قريظة على الرسول -ﷺ- والمسملين:
وفي هذه المحنة الشديدة التي أصابت المسملين بتجمع الأحزاب عليهم وانسحاب المنافقين من صفوفهم، انتهز يهود بني قريظة وكانوا يساكنون المسلمين بالمدينة- هذه الفرصة واستجابوا لتحريض بني النضير لهم، فنقضوا العهود التي بينهم وبين المسلمين وانقلبوا عليهم.
وكأنما رأى يهود بني النضير -وعلى رأسهم حيي بن أخطب- أن حصار الأحزاب للمسلمين ووقوفهم أمام الخندق سيطول أمده، وربما انتهى الأمر بفشلهم، وذلك خزي الدهر وعار الأبد.
وعرف هؤلاء اليهود من بني النضير أنه ما دام إخوانهم من يهود بني قريظة لا يزالون على ولائهم لمحمد -ﷺ- فإن الأمر -في أغلب الأحوال- لن ينتهي بالخير الذي يتوقعونه، إذ تصبح هزيمة محمد -ﷺ- والمسلمين بعيدة المنال، ومن يدري إذا انتصر محمد -ﷺ: ماذا يفعل بهم جميعًا؟
[ ٢٧٥ ]
ومن أجل ذلك دبروا أمرهم وأحكموا مكرهم، وتفننوا في أساليب الإغراء والترغيب حتى خدعوا يهود بني قريظة، وأخرجوهم عن الولاء لمحمد -ﷺ- والمسلمين، فبدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر.
ويروي المؤرخون في ذلك: أن حيي بن أخطب زعيم بني النضير أتى كعب بن أسد القرظي زعيم بني قريظة.. فلما سمع به كعب أغلق باب حصنه دونه.
فاستأذن حيي عليه فأبى أن يفتح لها فناداه: ويحك يا كعب، افتح لي يا كعب، افتح لي. قال: ويحك يا حيي إنك امرؤ مشئوم، وإني قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاءً وصدقًا. قال: ويحك افتح لي أكلمك. قال: ما أنا بفاعل. قال: والله ما أغلقت بابك إلا خوفًا على جشيشتك أن آكل معك منها فغضب كعب حينما سمع هذه الكلمة وفتح له، فقال: ويحك يا كعب، جئت بعز الدهر وبحر طام، قال: وما ذاك؟ قال: جئتك بقريش على قادتها وسادتها وبغطفان على قادتها وسادتها، وقد عاهدوني وعاقدوني على ألا يبرحوا حتى نستأصل محمدًا ومن معه.
فقال كعب: جئتني -والله- بذل الدهر. وبجهام١ قد أريق ماؤه، يرعد ويبرق، وليس فيه شيء ويحك يا حيي. فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا وفاءً وصدقًا.
وقد ظل حيي يستميل كعبًا إليه بشتى الحيل والأساليب ويحرك فيه عاطفته الدينية حتى غلبته يهوديته، بل غلبته شقوته فنقض العهد، وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله -ﷺ- من إخاء وولاء، وتبعه في ذلك يهود بني قريظة جميعًا.
_________________
(١) ١ الجهام: السحاب الذي لا ماء فيه.
[ ٢٧٦ ]
ولما انتهى الخبر إلى رسول الله -ﷺ- وإلى المسلمين، بعث سعد بن معاذ وهو -يومئذٍ- سيد الأوس، وسعد بن عبادة وهو -يومئذٍ- سيد الخزرج، ومعهما رجلان، وقال:
"انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنتظروا: أحق ما بلغنا عنهم؟ فإن إن كان حقًّا فالحنوا لي لحنًا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد المسلمين، وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس".
قال: فدخلوا حتى أتوهم فدخلوا معهم حصنهم ودعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف، ولكنهم قابلوهم بالسباب والمشاتمة، ونالوا من رسول الله -ﷺ- وأساءوا، وقالوا: من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد.
فلما رجعوا إلى الرسول -ﷺ- وأخبروه، هاله الآمر وآلمه، ولكنه كان مطمئنًا إلى نصر الله وتأييده، وما دام هؤلاء اليهود من بني قريظة قد بدءوا بالغدر والخيانة فسوف يحيق بهم مكرهم ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ ١.
وقد عظم الكرب واشتد بلاء المسلمين حينما عرفوا ذلك الموقف من هؤلاء اليهود وحينما رأوا أنهم بدءوا فعلًا يقطعون معاونتهم للمسلمين، وحينما وجدوا أن الأحزاب قد انتهزوا فرصة نقض هؤلاء اليهود لعهدهم وبدءوا يستعدون لهجوم عنيف من فوق الوادي، ومن جنبه، ومن جهة الخندق.
أجل لقد عظم الكرب واشتد البلاء بالمسلمين، ومرت بهم لحظات مريرة وأوقات عصيبة، وأخذت الوساوس والظنون تطوف بنفوسهم، وبل تملأ نفوس البعض منهم، حتى لقد خيل إليهم أن الأحزاب عمّا قليل سيدخلون المدينة
_________________
(١) ١ سورة فاطر، الآية ٤٣.
[ ٢٧٧ ]
فيغيب عنها نور الإسلام وتعود إلى عهود الظلام.
وإلى ذلك الموقف الرهيب يشير الله -﷿- بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآيتان ١٠، ١١.
[ ٢٧٨ ]
الخدعة في الحرب:
وفي وسط هذا الشر المطبق والبلاء المحدق، ينبت الله الفرج من الضيق، ويسوق الخير للمسلمين من أيسر طريق، وذلك هو ما قام به نعيم بن مسعود الأشجعي من خدعة محكمة لهؤلاء الأحزاب فرق بها جمعهم، وأفسد عليهم مكرهم.
وكان نعيم بن مسعود -﵁- من قبيلة غطفان، وكان صديقًا لقريش وصديقًا لليهود، وقد شاء الله أن يدخل هذا الرجل في الإسلام في الوقت العصيب الذي أحاط فيه الأعداء بالمسلمين، فجاء إلى الرسول -ﷺ- وقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وقومي لا يعلمون بإسلامي، فمرني بأمرك حتى أساعدك. فقال الرسول: "أنت رجل واحد، وماذا عسى أن تفعل؟ ولكن خذل عنا ما استطعت، فإن الحرب خدعة".
فخرج من عنده وتوجه إلى بني قريظة الذين نقضوا عهدهم مع المسلمين. فلما رأوه أكرموه لصداقته معهم. فقال: يا بني قريظة تعرفون ودي لكم وخوفي عليكم، وإني محدثكم حديثًا فاكتموه عني. قالوا: نعم، فقال: قد رأيتم ما وقع لبني قينقاع وبني النضير من إجلائهم وأخذ أموالهم وديارهم، وإن قريشًا وغطفان
[ ٢٧٨ ]
ليسوا مثلكم، فهم إذا رأوا فرصة انتهزوها وإلا انصرفوا لبلادهم، وأما أنتم فتساكنون الرجل -يريد محمدًا، ﷺ- ولا طاقة لكم بحربه وحدكم، فأرى ألا تدخلوا في هذه الحرب حتى تستيقنوا من قريش وغطفان أنهم لن يتركوكم ويذهبوا إلى بلادهم، وذلك بأن تأخذوا رهائن عندكم سبعين شريفًا منهم..
فاستحسنوا رأيه وأجابوه إلى ذلك.
ثم قام من عندهم وتوجه إلى قريش فاجتمع برؤسائهم وقال: أنتم تعرفون ودي لكم ومحبتي إياكم، وإني محدثكم حديثًا فاكتموه عني. قالوا: نفعل، فقال لهم: إن بني قريظة ندموا على ما فعلوه مع محمد وخافوا منكم أن ترجعوا وتتركوهم معه، فقالوا له: أيرضيك أن نأخذ جمعًا من أشرافهم ونعطيهم لك، وترد جناحنا التي كسرت -يعني: ترجع يهود بني النضير إلى ديارهم- فرضي بذلك منهم، وهاهم أولاء سيرسلون إليكم فاحذروهم ولا تذكروا مما قلت لكم حرفًا ثم أتى غطفان فأخبرهم بمثل ما أخبر به قريشًا، فاضطربت نفوسهم، وأخذ زعماؤهم يتشاورون مع زعماء قريش كي يلتمسوا طريقًا لحل هذه المشكلة، وأرادوا أن يتأكدوا من كلام نعيم، فأرسل أبو سفيان زعيم قريش وفدًا لبني قريظة يدعوهم للقتال غدًا -وكان ليلة سبت- فأجابوا: إننا لا يمكننا أن نقاتل في السبت، وإنه لم يصبنا ما أصابنا من البلاء إلا بالتعدي فيه، ومع ذلك فلا نقاتل حتى تعطونا رهائن منكم، حتى لا تتركونا وتذهبوا إلى بلادكم!!
وحينئذٍ لم يبق لدى قريش وغطفان شك في صدق كلام نعيم بن مسعود، وتحققوا أن اليهود من بني قريظة يريدون لهم الشر والوبال، فتفرقت القلوب وخاف بعضهم بعضًا.
وهكذا نرى أن الخدعة في الحروب هي أمضى سلاح ينال به العدو من
[ ٢٧٩ ]
عدوه، فنتعلم من ذلك كيف نسدد الرمية بهذا السلاح في وقتها المناسب، ونتعلم من ذلك كيف نتقي هذا السلاح الخطير إذا صوبه إلينا أعداؤنا، وذلك إنما يكون بشدة الحيطة والحذر، وإساءة الظن بكل ما يشيعه العدو من أقوال، والتثبت في الشيء إلى أقصى درجة قبل أن يصدر الرأي فيه.
[ ٢٨٠ ]
الفرج بعد الشدة:
"اللهم منزل الكتاب سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم، وانصرنا عليهم".
هذا هو دعاء الرسول، صلى الله عليه وسلم١ توجه به إلى الله حينما حاضر الأعداء، واشتد به وبالمسلمين الكرب والبلاء.
وقد تعود المسلمون أن يسمعوا مثل هذه الضراعة إلى الله من نبيهم -ﷺ- في ظلمات الشدة، ثم لا يلبثوا إلا قليلًا حتى يشرق عليهم فرج الله الذي يجيب المضطر إذا دعاه.
وها هم أولاء يرون عناية الله بهم، إذ يسوق إليهم نعيم بن مسعود فيحبط بخديعته مؤامرة اليهود ويفسد عليهم تدبيرهم.
ثم يرون عناية الله بهم إذ يسوق إلى أعدائهم الرياح العاصفة، والأمطار الغزيرة، والبرد القارس، حتى اقتلعت تلك الرياح والأمطار خيامهم، وكفأت قدورهم، وأدخلت الرعب إلى نفوسهم، وخيل إليهم -وكان الليل حالك الظلام- أن المسلمين قد انتهزوها فرصة ليهاجموهم ويوقعوا بهم، فقاموا يتحسسون
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٧/ ٤٠٦، ومسلم ص: ١٣٦٣ من حديث عبد الله بن أبي أوفى.
[ ٢٨٠ ]
الطريق إلى الفرار، وقام طليحة بن خويلد وقال: إن محمدًا قد بدأكم بالشر. فالنجاة النجاة. وقال أبو سفيان: يا معشر قريش: إنكم وما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع والخف١، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا فيهم ما نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، فارتحلوا فإني مرتحل. وقد بلغ من خوفهم أن أبا سفيان كان يقول لهم: ليتعرف كل منكم أخاه وليمسك بيده حذرًا من أن يدخل بينكم عدو.
وهكذا تم رحيلهم في ظلام الليل، حتى إذا تنفس الصباح نظر المسلمون فوجدوا تلك الغمة الكثيفة وقد أزاحها الله عنهم: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ٢.
وهكذا صدق الله وعده، ونصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده.
_________________
(١) ١ الكراع: يراد به الخيل والبغال والحمير، والخف يراد به الإبل، المؤلف. ٢ سورة الحزاب، الآية ٢٥.
[ ٢٨١ ]
عاقبة الظلم ومصير بني قريظة:
وحينما أتم الله نعمته على المسلمين بهزيمة الأحزاب ورجوعهم خاسرين، كان لا بد للظالم أن يذوق وبال أمره، ويجني عاقبة ظلمه وغدره.
ومن أجل ذلك نادى رسول الله -ﷺ- في نفس اليوم الذي تم فيه رحيل الأحزاب فقال: "لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة" ١ فساروا مسرعين، وكان عددهم ثلاثة آلاف٢.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري ٣٨٩٣، ومسلم ١٧٧٠ من حديث عبد الله بن عمر. ٢ بحسب ما ذكر ابن سعد وغيره، وانظر "المواهب" ١/ ٤٦٢، و"فتح الباري" ٧/ ٤١٠.
[ ٢٨١ ]
وقد تحصن يهود بني قريظة بحصونهم حينما رأوا أنهم قد أحيط بهم، فحاصرهم المسلمون خمسًا وعشرين ليلة١ ولما اشتد الضيق بهم لم يجدوا بدًّا من التسليم والخضوع.
ثم صدر الحكم من سيد الأوس سعد بن معاذ -﵁- وكان يقضي بقتل الرجال وسبي النساء والذرية.
وقد اطمأن الرسول -ﷺ- لهذا الحكم، وقال: "لقد حكمت فيهم بحكم الله يا سعد" ٢.
وقد أمر رسول الله -ﷺ- فحفرت لهم خنادق في سوق المدينة، ثم جيء بهم مكتفين بالحبال فضربت أعناقهم ودفعوا في تلك الخنادق، وكان عددهم نحوًا من ستمائة رجل٣، ثم قسمت أموالهم وأبناؤهم على المسلمين.
وهذا بلا ريب عدل القضاء، وحكم السماء أراده الله لهؤلاء اليهود من بني قريظة جزاءً وفاقًا لظلمهم وبغيهم. أجل، لقد ضربوا أسوأ مثل في الخيانة، فخذلوا المسلمين في أشد أوقات الحرج والضيق، ولولا لطف الله لتمكن الأحزاب من اقتحام المدينة وإفناء المسلمين، فكان جزاؤهم أن أهلكهم الله
_________________
(١) ١ في قول ابن إسحاق، وعند ابن سعد: خمس عشرة ليلة، وعند ابن عقبة: بضع عشرة ليلة، "المواهب اللدنية" ١/ ٤٦٣. ٢ أخرجه البخاري ٣٨٩٥، ومسلم ١٧٦٨ من حديث أبي سعيد الخدري، وأخرجه غيرهما عن غيره. ٣ في "المواهب اللدنية" ١/ ٤٦٧ كانوا بين ستمائة إلى سبعمائة، وقال السُّهيلي: المكثر يقول: ما بين الثمانمائة إلى التسعمائة، وفي حديث جابر عن الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح: أنهم كانوا أربعمائة مقاتل، فيحتمل من طريق الجمع أن الباقين كانوا أتباعًا. انتهى. قلت: نعم، حديث جابر عند الترمذي ١٥٨٢ وقال: حسن صحيح.
[ ٢٨٢ ]
وأراح المسلمين من شرهم. ولا غرو فالظلم لا يدوم ومرتع البغي وخيم.
[ ٢٨٣ ]
من العبر في غزوة الأحزاب
ما أعظم النصر بعد الصبر، وما أجمل الفرج بعد الشدة، وما أجل العبرة التي يجدها المؤمنون حينما يرون الأحزاب وهم في مثل هذه الجموع الحاشدة والعدة الهائلة، يرجعون خاسرين أمام الفئة القليلة المؤمنة دون حرب أو قتال، لقد عرفوا الله فأمدهم بعنايته، وآمنوا به فأيدهم بقوته: ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ١.
ويا لها من عبرة بالغة يجدها المؤمن حينما يرى موقف اليهود من بني النضير وبني قريظة لقد تبددت أحلامهم وآمالهم في القضاء على المسلمين، وانعكست الآية٢ فارتد يهود بني النضير خائبين مع أحزابهم، وانهار الأساس الذي أقاموه بالعرق والدموع والكفاح المرير، وبذلوا في سبيله كل نفيسٍ وغالٍ.
أما يهود بني قريظة الذين كانوا يريدون الموت والفناء للمسلمين فقد قضي عليهم بالموت والفناء، وارتدت سهامهم المسمومة إلى صدورهم، وحاق بهم سيئ مكرهم. ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ ٣.
فيا باغي الشر أقصر، فعلى الباغي تدور الدوائر.
ويا ساعيًا إلى الظلم حسبك، فإنك تظلم نفسك قبل أن تظلم غيرك، وإن عدل القضاء يتعقبك في الدنيا والآخرة: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه، وَمَنْ يَعْمَلْ
_________________
(١) ١ سورة آل عمران، الآية ١٢٦. ٢ قدمنا أن هذا التعبير لا يحسن استعماله. ٣ سورة النحل، الآية ٣٣.
[ ٢٨٣ ]
مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه﴾ ١.
ويا أيها المكروب الذي أظلمت أمامه السبل وأحاطت به الحيرة:
إن الصبر والإيمان والثقة بالله، ذلكم هو المنارة الهادية التي تؤنس المستوحش، وترشد الحائر، وتهدي الضال في دياجير الحياة.
﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ، إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ .
_________________
(١) ١ سورة الزلزلة، الآيتان ٧، ٨.
[ ٢٨٤ ]
اليهود بين التوراة والتلمود وموقف الرسول -ﷺ- منهم
نزلت التوراة على نبي الله موسى بن عمران -﵇- فبلغها للناس كما أنزلها الله سليمة من التحريف، نقية من الزيف والبهتان، وفيها موعظة وتفصيل لكل شيء، وبها من الآداب الاجتماعية والمثل الأخلاقية ما يطهر النفوس ويحيي القلوب، وتسعد في ظلاله الأمم والشعوب. وفي ذلك يقول الله لنبيه موسى بعد رسالته: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ ١.
وعاش قوم موسى مع نبيهم بعد ذلك يعبدون الله ويتمسكون بما جاء في التوراة من هدى ونور، وسموا حينئذٍ باليهود لأنهم هادوا -أي: رجعوا إلى الله- وفي ذلك يقول موسى -﵇: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ ٢، أي: رجعنا إلى الحق وتبنا مما فرط منا من عثرات وأخطاء.
وقد ظلت اليهودية على حقيقتها النقية الصافية حينًا من الزمن، ثم دبت إليها عقارب السوء فعكرت صفاءها، ولوثت طهارتها، وهدمت كل معاني الخير والفضيلة فيها.
ومن العجيب أن يظل كتابهم يسمى بالتوراة بعدما وقع فيه من التغيير والتبديل، وما أصابه من التحريف والتزييف، وأعجب من ذلك كله أن يظل
_________________
(١) ١ سورة الأنعام، الآية ١٤٤. ٢ سورة الأعراف، الآية ١٥٦.
[ ٢٨٥ ]
كتابهم المحرف موضع فخرهم ومناط شرفهم، مع ما يتضمنه من مبادئ تبعد بهم عن كل فضيلة، وتغريهم بالدس والكذب والاختيال والفسق والفجور، والانحلال والجبن والذلة والمسكنة، والغدر والخيانة والانحرافات الدينية والخلقية والاجتماعية، والسرقة والسلب والنهب وعبادة الذهب، فهم يستبيحون ذلك كله ما داموا يحققون لذاتهم ويرضون نهمهم ومطامعهم في جمع المال من أي طريق، وبأية وسيلة١.
ولم يكتف اليهود بما ورد في تلكم التوراة التي وضعوها بأيديهم كما يشاءون. بل أخذوا يفسرونها -وهي الزائفة المحرفة- حسب أهوائهم وشهواتهم وتوسعوا في شرحها وحولوها إلى تعاليم محددة وقد أخذوا هذه التفسيرات من مصدرين أساسيين هما: تلمود أورشليم وكان موجودًا في فلسطين سنة ٢٣٠م، والثاني تلمود بابل وكان موجودًا في بابل سنة ٥٠٠م، وقد زيد عليهما بعد ذلك، وتتوالى الزيادة بتوالي الأزمنة والعصور. وهم يقدسون التلمود ويعتبرونه أهم من التوراة، ويقولون فيه: إن من احتقر أقوال الحاخامات استحق الموت وأنه لا خلاص لمن ترك تعاليم التلمود وتمسك بالتوراة وحدها، لأن أقوال علماء التلمود -كما يزعمون- أفضل ما جاء في شريعة موسى.
_________________
(١) ١ انظر كتاب "بروتوكولات حكماء صهيون والخطر اليهودي" لمحمد خليفة التونسي، المؤلف.
[ ٢٨٦ ]
من تعاليم التلمود
ونرى من واجبنا -الآن- أن نذكر بعض التعاليم التي تضمنها التلمود الذي كان شريعة اليهود، أو دستورهم قبل الإسلام، ولا يزال شريعتهم ودستورهم إلى هذا الوقت الذي نعيش فيه!
[ ٢٨٦ ]
تتميز أرواح اليهود عن باقي الأرواح بأنها جزء من الله كما أن الابن جزء من أبيه، وأرواح اليهود عزيزة عند الله بالنسبة لباقي الأرواح. لأن الأرواح غير اليهودية هي أرواح شيطانية تشبه أرواح الحيوانات.
النعيم مأوى أرواح اليهود ولا يدخل الجنة إلا اليهود، أما الجحيم فمأوى الكفار١ مهما اختلفت أسماء دياناتهم. الإسرائيلي معتبر عند الله أكثر من الملائكة، فإذا ضرب رجل غير إسرائيلي إسرائيليًّا فكأنه ضرب العزة الإلهية ويستحق الموت.
لو لم يخلق اليهود لانعدمت البركة من الأرض.
الفرق بين الإنسان والحيوان كالفرق بين اليهودي وباقي الشعوب.
النطفة المخلوقة منها باقي الشعوب هي نطفة الحصان.
الأجانب كالكلاب، والأعياد المقدسة لم تخلق للأجانب ولا للكلاب بل الكلب أفضل من الأجنبي٢ لأنه مصرح لليهودي في الأعياد أن يعطم الكلب وليس له أن يطعم الأجنبي.
الأمم الخارجة عن دين اليهود أشبه بالحمير، ويعتبر اليهود بيوتهم أشبه بزرائب الحيوانات.
مسموح لليهودي أن يغش غير اليهودي وأن يأخذ منه الربا الفاحش.
قتل غير اليهودي من الأفعال التي يكافئ عليها الله، وإذا لم يتمكن
_________________
(١) ١ يقصدون بالكفار ما عدا اليهود -المؤلف. ٢ المقصود بالأجنبي عندهم: من ليس يهوديًّا -المؤلف.
[ ٢٨٧ ]
اليهودي من قتلهم، فواجب عليه أن يتسبب في هلاكهم في أي وقت وبأية طريقة ممكنة.
نحن١ شعب الله في الأرض، وقد فرقنا لمنفعتنا، ذلك لأن الله سخر لنا الحيوان الإنساني، وأهل كل الأمم والأجناس، سخرهم لنا لأننا نحتاج نوعين من الحيوانات: نوع أخرس كالدواب والأنعام والطيور، ونوع ناطق كالمسيحيين والبوذيين والمسلمين وغيرهم من أمم الشرق والغرب.
وهذا جزء يسير من تعاليم التلمود ومبادئه وهي -كما ترون- تعاليم فاسدة ومبادئ هدامة، تدل كل الدلالة على ما يحمله هؤلاء الناس من عداوة للأمم جميعًا، وحقد ضار على البشرية جمعاء وعلى سائر الأمم في هذا الوجود ما عدا أمة واحدة هي أمة اليهود.
وهكذا ترون تلكم الصفحة من تاريخ اليهود، وهذه النماذج من تعاليمهم ومبادئهم، وإنها لصفحة سوداء مظلمة، وتعاليم هدامة منكرة، توارثوها جيلًا بعد جيل، وقبيلًا في إثر قبيل، وحملوها معهم في تجوالهم ومسيرتهم الطويلة بين أمم العالم.
ولقد هاجر الرسول -ﷺ- إلى يثرب في الثلث الأول من القرن السابع الميلادي حيث كان جماعات منهم يعيشون مع الأوس والخزرج في نفس المدينة، أو على مقربة منها، وهم يهود بني قينقاع، ويهود بني النضير، ويهود بني قريظة.
وكان المنطق السليم والتفكير القويم يحتمان على الرسول -ﷺ- أن يبسط يده إليهم بالمودة والتعاون، فتمت بينه وبينهم تلك المعاهدة التي أشرنا إليها في الفصل الخامس من هذا الكتاب، وهي معاهدة حكيمة قوامها التضامن الكامل
_________________
(١) ١ القائلون هم اليهود.
[ ٢٨٨ ]
بين المسلمين واليهود، والتعاون التام بين الفريقين إذا نزلت شدة بأحدهما أو كليهما.
وكان من الطبيعي -وهذه أخلاقهم، وتلك مبادئهم- ألا يكون هناك مجال لتعاون أو تضامن أو إخلاص من جانبهم، وأن تكون عهودهم ومواثيقهم مرتبطة بمنفعتهم العاجلة كلما لاحت لهم، أو ومضت في سمائهم.
أما الخلق في ذاته والمبادئ في ذاتها فلا وزن لها عندهم، ومن أجل ذلك تراهم يظهرون المودة للرسول -ﷺ- في أول جوار لهم مع المسلمين. فلما بدأت المطامع تدب في نفوسهم من طرق أخرى سارعوا بالغدر والخيانة، ونقضوا العهود والمواثيق. فكان ذلك البغي من جانبهم شؤمًا عليهم وشرًّا ووبالًا حاق بهم.
فيهود بني قينقاع نكثوا أيمانهم ونقضوا عهدهم مع رسول الله -ﷺ- وبدءوا المسلمين بالعدوان.
ومن ذلك أن امرأة من نساء الأنصار قدمت إلى سوق اليهود من بني قينقاع ومعها حلية لكي تعرضها على صائغ منهم، فجلست إلى صائغ في تلك السوق، فجعل اليهود يريدونها على كشف وجهها وهي تأبى، فجاء يهودي من خلفها في غفلة منها فأثبت طرف ثوبها بشوكة إلى ظهرها. فلما قامت انكشفت سوأتها، فضحك اليهود، وصاحت المرأة صيحة هي مزيج من الحزن والندم والخجل والاستغاثة، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، واجتمعت اليهود على المسلم فقتلوه.
وحينئذٍ دعا رسول الله -ﷺ- رؤساءهم وطلب إليهم أن يكفوا عن أذى المسلمين. وأن يحفظوا عهد المودة والسلام حتى لا يصيبهم ما أصاب قريشًا في
[ ٢٨٩ ]
غزوة بدر، ولكنهم استخفوا بوعيده وأجابوه:
لا يغرنك يا محمد أنك لقيت قومًا لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة إنا -والله- لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس١، ثم تظاهروا بالعداوة وتحصنوا في حصونهم فلم يكن هناك بد من مقابلة الشر بمثله، وإلا تعرض مركز المسلمين للتداعي والانهيار.
ويهود بني النضير -أيضًا- نقضوا العهد والميثاق مع المسلمين وبدأ الغدر والعدوان من جانبهم، فهموا بأن يلقوا على الرسول -ﷺ- صخرة، وهو مستند إلى جدار في محلتهم بالقرب من قباء مع نفر من أصحابه، ثم اجتمع الرسول -ﷺ- بالمسجد وعرض الأمر عليهم، فانتهى الرأي إلى اتخاذ الحزم والصرامة معهم، فأرسل الرسول إليهم محمد بن مسلمة وقال له: "اذهب إلى يهود بني النضير وقل لهم: إن رسول الله أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلادي، لقد نقضتم العهد الذي جعلت لكم بما هممتم به من الغدر بي، وقد أجّلتكم عشرًا، فمن رئي بعد ذلك ضربت عنقه" ٢.
ويهود بني قريظة -كذلك- نقضوا العهد مع المسلمين في غزوة الأحزاب٣، وقد كان ذلك في أحرج الظروف وأعنف الأزمات، وفي وقت
_________________
(١) ١ والقصة صحيحة، وانظرها في: "سيرة ابن هشام" ٢/ ٤٢٦، "طبقات ابن سعد" ٢/ ٢٨، "تاريخ الطبري" ٢/ ٤٧٩ "مغازي الواقدي" ١/ ١٧٦، "سيرة ابن حزم" ١٥٤، "عيون الأثر" ٢/ ٣٥٢، "دلائل النبوة" للبيهقي ٣/ ١٧٣، "البداية" ٤/٤، والنويري ١٧/ ٦٧، و"السيرة الحلبية" ٢/ ٢٧٢، و"السيرة الشامية" ٤/ ٢٦٥، وغير ذلك. ٢ انظر: "سيرة ابن هشام" ٣/ ١٩٨، و"البداية" ٤/ ٧٤، وكتب التفسير عند قوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا..﴾ التوبة ٧٤، و"دلائل أبي نعيم" رقم ٤٢٥، و"الخصائص" ١/ ٥٢٦، و"أسباب النزول" للسيوطي ٩٤، و"فتح الباري" ٨/ ٣٢٣. ٣ كما مضى ذكر ذلك.
[ ٢٩٠ ]
تآمرت عناصر الشر فيه ضد المسلمين، وتآلب الطغيان عليهم من كل مكان، وهو الوقت الذي وصفه الله تعالى بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا، هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا، وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا، وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا﴾ ١.
وحسبنا في تصوير مدى حقد اليهود على الإسلام والمسلمين أنهم تناسوا ما تنطوي عليه مبادئ الديانة اليهودية في أساسها من التوحيد، وفضلوا الوثنية على دين محمد -ﷺ- وفي ذلك يروي المؤرخون أن قريشًا قالت لليهود: يا معشر اليهود، إنكم أهل الكتاب الأول، وأصحاب العلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟
قالت اليهود: بل دينكم خير من دينه وأنتم أولى بالحق منه٢.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب، الآيات ٩-١٠-١١-١٢. ٢ أخرج ذلك الطبري في "المعجم الكبير" ١١٦٤٥ من حديث ابن عباس نحوه، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٧/ ٦: فيه يونس بن سليمان الجمال، ولم أعرفه وبقية رجاله ثقات. انتهى. وقال الحافظ ابن كثير في "التفسير" ١/ ٥١٣ روي هذا من غير وجه عن ابن عباس وجماعة من السلف انتهى. قلت: نعم. فقد أخرج هذا سعيد بن منصور، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة مرسلًا. وكذلك عبد الرزاق وابن جرير. وأخرجه عبد بن حميد وابن جرير، عن أبي مالك. وانظر "الدر المنثور" ١/ ٣٠٦-٣٠٧ وما جاء في ذلك. وهذه الطرق جميعها وإن كانت لا تخلو من مقال، فإنها تتقوى ببعضها. وانظر "دلائل النبوة" للبيهقي ٣/ ١٩١-١٩٤.
[ ٢٩١ ]
وإلى ذلك يشير الله -﷿- بقوله:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا﴾ ١.
وقد بلغ من إساءتهم إلى الحق في هذه الناحية أن رجلًا منهم أفزعه ذلك فأنحى عليهم باللائمة وسفه ما قالوه، وهذا الرجل يسمى: إسرائيل ولفنسون، وهو مؤلف كتاب: تاريخ اليهود في جزيرة العرب.
يقول ذلك الرجل اليهودي:
كان من واجب هؤلاء اليهود ألا يتورطوا في مثل هذا الخطأ الفاحش، لأنهم بالتجائهم إلى عبادة الأصنام إنما كانوا يحاربون أنفسهم، ويناقضون تعاليم التوارة التي توصيهم بالنفور من أصحاب الأصنام والوقوف معهم موقف الخصومة.
ويتضح لنا من ذلك مدى الكراهية الشديدة والحقد العنيف الذي تنطوي عليه نفوس اليهود نحو المسلمين، ويا له من حقد بالغ ذلك الذي يدفع أصحابه إلى مخالفة العقائد الموروثة، وتغيير الحقائق المعلومة، وتتضح لنا -كذلك- نفسية اليهود وما عرف من أخلاقهم، وهو أن الغاية عندهم تبرر الوسيلة، فأما الأخلاق والمثل والمعاني الإنسانية إلى غير ذلك، فهذه كلمات لا معنى لها في نظرهم، إن لم توصلهم إلى مآربهم وغاياتهم مهما انحدرت تلك المآرب والغايات.
وحينما اطمأن اليهود وعلى رأسهم حيي بن أخطب، وسلام بن أبي الحقيق،
_________________
(١) ١ سورة النساء، الآيتان ٥١-٥٢.
[ ٢٩٢ ]
وعرفوا أن قريشًا ستؤازرهم من أجل القضاء على محمد -ﷺ- واستئصال دعوته وأخذوا منهم موعدًا قريبًا لتنفيذ ذلك، مضوا في طريق الكيد والخصومة إلى نهايته، وأحكموا أطراف المؤامرة، فخرجوا إلى القبائل العربية التي لا تزال تحقد على محمد -ﷺ- وأصحابه تتربص بهم الدوائر، ومنهم قبيلة غطفان، وقد حرض اليهود رجالها وأخبروهم بمبايعة قريش لهم على الحرب، ومنهم بنو مرة وبنو أشجع، وبنو سليم وبنو أسد. وقد حرض اليهود رجالهم -كذلك- على حرب محمد -ﷺ- والمسلمين، ووجدوا منهم قبولًا وارتياحًا، واستعدادًا للانضواء تحت لواء قريش في سبيل ذلك الهدف الذي عقدوا عليه الآمال، وظنوه يسيرًا قريب المنال.
وقد لقي اليهود جزاء غدرهم، وحل بهم سوء صنيعهم، وجنوا عاقبة خيانتهم خسرانًا ونكالًا أصابهم في أموالهم وأنفسهم، وهم أحرص الناس على المال والحياة.
فأما بنو قينقاع فقد حاصرهم المسلمون في دورهم خمسة عشر يومًا متتابعة لا يخرج منها أحد، ولا يدخل عليهم بطعام أحد، حتى لم يبق لهم إلا النزول على حكم محمد -ﷺ- فانتهى الأمر بإخراجهم من المدينة ولهم النساء والذرية، وللمسلمين الأموال، فذهبوا إلى أذرعات بالشام١.
وأما بنو النضير فقد طردوا -كذلك- من ديارهم، على أن يكون لكل ثلاثة بعير يحملون عليه ما شاءوا من مال، أو طعام أو شراب، وأفاء الله ما بقي من أموالهم على المسلمين، وقد ذهب بعضهم إلى خيبر، وسار الآخرون إلى أذرعات بالشام.
_________________
(١) ١ انظر "البداية" ٣/ ٣-٤ وما قدمته من مصادر هذه الغزوة قبل صفحات.
[ ٢٩٣ ]
وكان جزاء بني قريظة -وهم الذين خذلوا المسلمين في وقت الشدة بانضمامهم إلى المشركين في غزوة الأحزاب -ولولا لطف الله لهلك المسلمون عن آخرهم- كان جزاؤهم أن يقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم.
وقد أسلم أربعة من بني قريظة فنجوا من القتل، وضربت أعناق الباقين١.
وما ظلمهم الله ولكن كانوا لأنفسهم من الظالمين٢.
_________________
(١) ١ وقد تقدم الخلاف في عددهم فيما مضى. ٢ وسيأتي الكلام على يهود خيبر، عند غزوة خيبر، إن شاء الله، وهي الغزوة التي قضت على نفوذ اليهود في الجزيرة العربية -المؤلف.
[ ٢٩٤ ]
بين يهود الأمس ويهود اليوم:
وها هي ذي إسرائيل اليوم تمثل دور اليهود القديم مع المسلمين -دور الخديعة والمكر، والخيانة والغدر، والجبن والخور- فهي تعمل في العلن وفي الخفاء كما كانوا يعملون، وتستعين ببعض الدول الكبرى على العرب والمسلمين، كما استعان بنو النضير بقريش على المسلمين، وتؤلب على العروبة والإسلام الأحزاب، كما فعل اليهود مع المسلمين في غزوة الأحزاب، ومن عجب أن تجد إسرائيل أعوانًا من بعض العرب والمسلمين، وهم أولئك الذين نرى مخازيهم وفضائحهم والذين يحاربون الفدائيين من العرب والمسلمين وجهًا لوجه وهم أهلهم وعشيرتهم، والذين سفكوا الدماء العربية المسلمة -وهم عرب ومسلمون- فكانوا أشد ضررًا وأعظم خطرًا من الإسرائيليين والمستعمرين..
أقول: من عجب أن تجد إسرائيل أعوانًا من العرب والمسلمين، كما وجد اليهود على عهد الرسول -ﷺ- أعوانًا من المنافقين وهم أولئك الذين تحدث الله
[ ٢٩٤ ]
عنهم بقوله:
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ، لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ ١.
ألا إن التاريخ ليعيد نفسه، وما أشبه الليلة بالبارحة، إن اليهود ليسيرون الآن في ضلالهم القديم، وإن الهوان الذي أصابهم على عهد الرسول -ﷺ- لينتظرهم.
وإنه لحق على المسلمين أن يستضيئوا في هذه المحنة بمبادئ الإسلام، وأن ينفذوا تعاليم الدين القويمة وآدابه الحكيمة فيما بينهم، كما نفذها الرسول -ﷺ- وأصحابه، حتى تتحقق للمسلمين الأخوة الكاملة، والإخلاص الشامل. وحينئذٍ يأتي اليوم الموعود، والنصر المبين، ويخرب اليهود بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين.
ولا غرو، فإن الظلم لا يدوم، ومرتع البغي وخيم.
﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الحشر، الآيتان ١١، ١٢. ٢ سورة فاطر، الآية ٤٣.
[ ٢٩٥ ]
غزوة بني المصطلق ١
كانت هذه الغزوة من النتائج المباشرة لغزوة الأحزاب، لأن رجوع الأحزاب خاسرين هو الذي شجع المسلمين على أن يتجهوا لتأديب هؤلاء الأعداء، ويتوغلوا إلى هذه الأعماق البعيدة في الطريق إلى مكة، حتى يصلوا إلى بني المصطلق٢ على مقربة من قريش.
_________________
(١) ١ المُصْطَلِق، بضم الميم، وسكون الصاد، وفتح الطاء، وكسر اللام، مفتعل من الصلق وهو رفع الصوت، وهو لقب لرجل اسمه جذيمة بن سعد. ويقال لها المريسيع أيضًا، بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتانيتين، وكسر السين المهملة، وهو ماء لبني خزاعة، مأخوذ من قولهم: رسعت العين إذا دمعت من فساد بها. وانظر تفاصيل هذه الغزوة في: "صحيح البخاري" ٢٤٠٣، و"مسلم" ١٧٣٠، و"سنن أبي داود" ٢٦٣٣، و"سيرة ابن هشام" ٣/ ٣٠٩، و"طبقات ابن سعد" ٢/ ٦٣، و"مغازي الواقدي" ١/ ٤٠٤، و"تاريخ الطبري" ٢/ ٦٠٤، و"أنساب الأشراف" ١/ ٦٤، و"سيرة ابن حزم" ٢٠٣، و"دلائل النبوة" لأبي نعيم رقم ٤٤٧، والبيهقي ٤/ ٤٤، و"البداية" ٤/ ١٥٦، و"نهاية الأرب" ١٧/ ١٦٤، و"عيون الأثر" ٢/ ١٢٢، و"السيرة الحلبية" ٢/ ٣٦٤، و"السيرة الشامية" ٤/ ٤٨٦، و"منتقى القاري" ص ٢٧٧، و"الكامل" لابن الأثير ٢/ ١٣٠، و"مجمع الزوائد" ٦/ ١٤٢ و"المواهب اللدنية" ١/ ٤٤١ وغير ذلك. وغالب ما ذكره المؤلف فيها صحيح، إلا مواضع ننبه على الخلاف فيها. ٢ قال مؤلف الكتاب: الجمهور من المؤرخين على أن هذه الغزوة وقعت بعد غزوة الأحزاب، ما عدا ابن القيم في كتابه "زاد المعاد"، فقد حسب أنها وقعت قبل غزوة الأحزاب، وأخذ برأيه صاحب كتاب الرسول القائد -يعني محمود شيت خطاب- وصاحب كتاب "فقه السيرة" -يريد الغزالي. ولكن التحقيق هو ما أخذنا به عن جمهور المؤرخين. وصحتنا في ذلك: أن قريشًا لم تكن لتسكت عن هجوم المسلمين على بني المصطلق لولا رجوعها من غزوة الأحزاب خائبة خاسرة، فلو أن هذه الغزوة وقعت قبل غزوة الأحزاب، لما أسرعت قريش إلى نجدة بني المصطلق مهما بذلت من تضحيات =
[ ٢٩٦ ]
وإذا كان جمهور المؤرخين يقللون من الأهمية الحربية لهذه الغزوة١ حيث لم تسفر إلا عند عدد قليل من القتلى، وحيث لم يقع فيها صدام عنيف بين المسلمين وأعدائهم، فإننا -لدى التحقيق والتأمل- نراها من أعظم الغزوات في تاريخ الرسول -ﷺ- وذلك لما تضمنته من عبر وعظات.
وقد كان من خبرها أن رسول الله -ﷺ- بلغه: أن الحارث بن ضرار سيد بني المصطلق يجمع الجموع لحربة، فخرج له -﵇- في جيش كبير بلغ عدده ألف مقاتل بين راكب وراجل، وقد أراد الرسول -ﷺ- أن يهاجمهم قبل أن يهاجموه حتى يلقي الرعب في قلوبهم، وجعل لواء المهاجرين لأبي بكر، ولواء الأنصار لسعد بن عبادة.
ولما وصل المسلمون إلى بني المصطلق وأصبحوا أمامهم وجهًا لوجه، عرض الرسول -ﷺ- الإسلام، فلم يقبلوا، فتراموا بالنبل ساعة، ثم حمل المسلمون عليهم حملة رجل واحد٢، فلم يتركوا لرجل من عدوهم مجالًا للهرب، بل قتلوا منهم عشرة وأسروا باقيهم مع النساء والذرية واستاقوا الإبل والشياه، وكانت
_________________
(١) = انتهى كلام المؤلف. قلت: وقع الخلاف في هذه الغزوة كثيرًا، فقيل سنة أربع، وقيل: خمس، وقيل ست، ورجح الحافظ ابن حجر وجماعة أنها سنة خمس، وهو قول قتادة وعروة. وجزم ابن اسحاق والطبري وخليفة بن خياط وآخرون أنها سنة ست. وأما أنها سنة أربع فرجح جماعة أنه غلط، وانظر "فتح الباري" ٧/ ٣٣٢، وقد رجح أنها وقعت قبل الخندق في شعبان، خلاف قول المؤلف وترجيحه. نعم قد ذكرها الجمهور بعد الخندق. ١ لعله يريد من المتأخرين، وإلا فما علمت من يقلل من أهميتها من المتقدمين. ٢ هذه رواية ابن اسحاق، والذي في صحيح البخاري ومسلم أن عبد الله بن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فكتب إلي أنما كان ذلك في أول الإسلام، وقد أغار رسول الله -ﷺ- على بني المصطلق وهم غارون -أي وهم غافلون- وانظر المراجع السابقة. ومن حاول الجمع بين الروايتين.
[ ٢٩٧ ]
الإبل وألفي بعير، والشياه خمسة آلاف.
وكان من الأسرى بريرة بنت الحارث سيد بني المصطلق، وكان معها من نساء بني المصطلق مائتا أسيرة وزعت على المسلمين.
وقد تزوج الرسول -ﷺ- من بريرة وسماها جويرية، فلما علم المسلمون بزواج الرسول -ﷺ- من بني المصطلق أرادوا أن يكرموا جميع نساء القبيلة من أجل هذه المصاهرة الكريمة فقالوا: هؤلاء أصهار رسول الله -ﷺ- ولا ينبغي أسرهم في أيدينا، ومنوا عليهم بالعتق، فكانت جويرية أيمن امرأة على قومها، كما قالت السيدة عائشة -﵂.
وترتب على هذا التكريم العظيم وهذه المعاملة الحسنة، أن أسلم بنو المصطلق عن آخرهم وأصبحوا قوة تنشر الإسلام وتدافع عنه وتحميه، بعد أن كانوا قوة تناوئ الإسلام وتحاربه وتعاديه.
[ ٢٩٨ ]
آفة النفاق:
وكان يمكن أن تنتهي هذه الغزوة بهذه النتيجة الطيبة المباركة، إلا أن حادثين خطيرين عكرا هذا الصفاء، وأشعلا فتنة عمياء كادت تعصف بالمسلمين وتهددهم بالدمار والانهيار، لولا لطف الله وحكمة رسول الله -ﷺ.
فأما أولهما فهو ما وقع من عبد الله بن أُبيّ زعيم المنافقين، وكان مع المسلمين يتظاهر بالإخلاص والإيمان هو ومن على شاكلته من المنافقين، ويحلفون أغلظ الأيمان يتخذون منها ستارًا يخفون وراءه حقيقتهم، فإذا عصفت الأخطار انكشف هذا الستار وظهر مكرهم وغدرهم.
وقد حدث أن أجيرًا لعمر بن الخطاب اختصم مع رجل من حلفاء الخزرج
[ ٢٩٨ ]
فضربه حتى سال دمه، فاستصرخ الخزرجي بقومه، واستصرخ الأجير بالمهاجرين. يقول الخزرجي: يا معشر الأنصار. ويقول أجير عمر: يا معشر المهاجرين١. فأقبل الذعر بين الفريقين وكادوا يقتتلون لولا أن خرج عليهم رسول الله -ﷺ- فقال: "ما بال دعوى الجاهلية؟ " ثم قال: "دعوها فإنها منتنة". ثم أنهى هذا الخصام بحكمته، فرجع المتخاصمان أخوين متحابين.
فلما وصل نبأ هذا الخصام إلى عبد الله بن أبي غضب، وكان عنده رهط من الخزرج فقال: ما رأيت كاليوم مذلة، أو قد فعلوها؟ نافرونا في ديارنا، والله ما نحن والمهاجرون إلا كما قال الأول: سمِّن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل٢.
ثم التفت إلى من معه وقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم، ثم لم ترضوا بما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم غرضًا للمنايا دون محمد، فأيتمتم أولادكم وقللتم وكثروا، فلا تنفقوا عليهم حتى ينفضوا من عنده.
وقد سمع بعض المسلمين المخلصين٣ هذا الكلام فأسرع إلى الرسول -ﷺ- وأخبره.
وحينما تأكد الرسول -ﷺ- من صدق كلامه غضب وظهر الغضب في وجهه، فقال عمر بن الخطاب: ائذن لي يا رسول الله في قتله، أو مر أحدًا غيري بقلته.
_________________
(١) ١ انظر "سيرة ابن هشام" ٢/ ٢١٧، و"الكامل في التاريخ" ٢/ ١٣١، و"صحيح البخاري" ٨/ ٦٥٢، و"مسلم" ص ١٩٩٨، فقد أخرجا هذه القصة في الصحيح، وانظر ما قدمنا من المصادر لهذه الغزوة. ٢ انظر الحاشية السابقة. ٣ قال المؤلف: هو زيد بن أرقم. قلت: نعم، لكنه أخبر عَمَّهُ، وأخبر عَمُّه النبي -ﷺ- كما صح عند الشيخين.
[ ٢٩٩ ]
فنهاه الرسول -ﷺ- عن ذلك، وقال: "كيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه".
وأراد الرسول -ﷺ- أن يصرف أصحابه عن التفكير في هذا الأمر الخطير والانسياق إلى الخلاف والشقاق، فأذن في الناس بالرحيل.
ولم يكن الوقت مناسبًا، إذ كان الحر شديدًا ويصعب الرحيل فيه، وقد جاء أُسيد بن حضير وسأل رسول الله -ﷺ- عن سبب الارتحال في هذا الوقت؟ فقال: "أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل". قال: أنت -والله يا رسول الله- تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز.
ووصلت هذه الأنباء إلى ابن أُبيّ، فأسرع إلى الرسول -ﷺ- ينفي ما نسب عنه ويحلف بالله ما قاله ولا تكلم به.
ولكن رسول الله -ﷺ- أمضى قراره بالرحيل، وسار في طريق عودته ومعه المسلمون حتى أجهدهم المسير، وأنساهم التعب حديث ابن أُبي، وعادوا بعد ذلك إلى المدينة ومعهم ما حملوا من غنائم بني المصطلق وأسراهم وسبيهم، ومعهم جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد القوم وزعيمهم.
وفي هذه الأثناء نزلت سورة المنافقون تفضح أكاذيب ابن أُبي ومن على شاكلته وتظهر نواياهم الخبيثة للرسول -ﷺ- وأنهم يتظاهرون بالإسلام، وهم في واقع الأمر أبعد الناس عنه، وهم يحلفون الأيمان الكاذبة يتخذونها ستارًا لكذبهم، فيقول سبحانه:
﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ، اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ
[ ٣٠٠ ]
جُنَّةً ١ فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ﴾ ٢.
ثم يتحدث الله -﷿- عن مظهرهم الخادع الذي يختلف مع مخبرهم الخبيث ويحذر رسوله -ﷺ- منهم، ويبين أنهم إذا قيل لهم: تعالوا إلى الحق واطلبوا المغفرة من الله أبوا وأعرضوا واستكبروا، وقد كتب عليهم أن يظلوا يتخبطون في هذا الشقاء والضلال فيقول:
﴿وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ، سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ .
_________________
(١) ١ أي: سترًا ووقاية يخفون وراءها حقيقتهم. ٢ سورة المنافقون، الآيات ١-٢-٣.
[ ٣٠١ ]
مثل رائع من الإيمان:
وكان للناس عجبًا أن يتفجر الهدى والإيمان من صخرة النفاق والطغيان، وأن يخرج من صلب عبد الله بن أبي زعيم المنافقين ولد يسموا بإيمانه إلى مستوى الأبرار والصديقين.
ومن آيات هذا الإيمان الكامل موقفه حينما علم أن هناك تفكيرًا في قتل أبيه بما ظهر من نفاقه وسوء أخلاقه فلقد ذهب -وكان اسمه عبد الله بن عبد الله بن أُبي- إلى رسول الله -ﷺ- وقال: يا رسول الله، بلغني أنك تريد قتل عبد الله ابن أُبي فيما بلغك عنه، فإن كنت فاعلًا فمرني به فأنا أحمل إليك رأسه فوالله
[ ٣٠١ ]
لقد علمت الخزرج ما كان بها من أحد أبر بوالده مني، وإني لأخشى أن تأمر به غيري فيقتله فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل رجلًا مؤمنًا بكافر فأدخل النار١.
ويا له من موقف رائع تتمثل في قوة العقيدة وسمو التفكير، وكيف يتغلبان على العاطفة والوجدان، ويا لها من محنة عصيبة وامتحان رهيب قدرهما الله على هذا الابن البار، فاجتاز المحنة ونجح في الاختبار.
وكانت إجابة الرسول -ﷺ- بعد ذلك هي المثل الأعلى في العفو والصفح الجميل، وهي النبراس الذي يضيء طرق الخير ويهدي إلى سواء السبيل، وهي خير مكافأة لكل مؤمن يرتفع بإخلاصه إلى هذا المستوى الكريم، ذلك بأنه قال له: " إنا لا نقتله، بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا".
وهكذا أحسن الرسول -ﷺ- إلى من أساء إليه، وترفق بهذا الذي ألب أهل المدينة عليه وعلى أصحابه وعفا عنه، فكان رفقه وعفوه أبعد أثرٍ من عقوبته لو أنه أنزلها به، فقد كان عبد الله بن أُبي بعد ذلك يدين بالجميل لرسول الله -ﷺ- وكان إذا جد الجد لا يستطيع أن يرفع رأسه آمرًا أو ناهيًا متحكمًا في أحد من المسلمين، لأنهم جميعًا كانوا يشعرون بأن حياته هبة من محمد -ﷺ- وكان قومه كثيرًا ما يشعرونه بهذه المكرمة التي تفضل بها محمد -ﷺ- عليه.
وقد تحدث الرسول -ﷺ- مع عمر بن الخطاب في شأن عبد الله بن أُبي فقال له: "كيف ترى يا عمر؟ أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته". فقال عمر: لقد -والله- علمت لأمر رسول الله -ﷺ-
_________________
(١) ١ انظر المراجع السابقة التي أوردناها أول الغزوة.
[ ٣٠٢ ]
أعظم بركة من أمري ١.
وأما الحادث الثاني -الذي عكر الصفاء في هذه الغزوة- فهو ما وقع من حديث الإفك عن السيدة عائشة زوج الرسول -ﷺ.
_________________
(١) ١ "سيرة ابن هشام" كما في "البداية" ٤/ ١٥٨ من طريق مرسل، ونقله عنه ابن الأثير ٢/ ١٣٢، وأخرج القصة الطبري من وجه آخر مرسل، يتقوى به، ذكره ابن حجر في "الفتح" ٨/ ٦٤٨ من كتاب التفسير.
[ ٣٠٣ ]
حديث الإفك:
وهو حديث الزور والبهتان في كل زمان ومكان، وقصة السيدة عائشة فيه هي قصة كل مظلوم يُرمى بالشر وهو بريء، وتنطلق حوله شائعات السوء وهو غير مسيء، حتى إذا ضاقت عليه الأرض بما رحبت وضاقت عليه نفسه لجأ إلى ربه بالدعاء، فصعدت دعوته إلى الله لا يصدها حجاب، ولا تغلق دونها أبواب، وجعل الله له من الضيق فرجًا ومخرجًا.
ولا نجد في هذا المجال تعبيرًا أصدق، ولا تصويرًا أبلغ من تعبير السيدة عائشة نفسها وتصويرها لهذا الحادث الرهيب، وهذه المأساة العنيفة، وإليكم ما ذكره الإمام البخاري في صحيحه عن ذلك١..
عن عائشة -﵂- قالت: "كان رسول الله -ﷺ- إذا أراد سفرًا أقرع بين
_________________
(١) ١ "صحيح البخاري" ٢٦٦١، وانظر "فتح الباري" ٨/ ٤٥٢، ٥/ ٢٦٩، وكذلك أخرج الحديث مسلم في صحيحه ص ٢١٢٩ وغيرهما. وانظر قصة الإفك في "سيرة ابن هشام" ٣/ ٢٥٤، و"تاريخ الطبري" ٢/ ٦١٠، و"مغازي الواقدي" ٢/ ٤٢٦، و"الدرر في اختصار المغازي والسير" ص ١٩٠، و"عيون الأثر" ٢/ ٢٨، و"البداية" ٤/ ١٦٠، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٤/ ٦٣، و"المواهب اللدنية" ١/ ٤٤٣، و"منتقى القاري" ص ٢٧٨، و"الكامل في التاريخ" ٢/ ١٣٢، وغير ذلك.
[ ٣٠٣ ]
أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله معه". قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة غزاها١ فخرج سهمي، فخرجت مع رسول الله -ﷺ- بعدما أنزل الحجاب٢ فكنت أُحمل في هودجي وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله من غزوته تلك وقفل٣ ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش٤، فلما قضيت شأني٥ أقبلت إلى رحلي، فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع ظفار٦ قد انقطع فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه٧، وأقبل الرهط، فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم يحسبون أني فيه، وكان النساء إذا ذاك خفافًا لم يغشهن اللحم فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل٨ فيممت منزلي٩ الذي كنت فيه، وظننت أنهم سيفقدونني فيرجعون إليّ، فبينما أنا جالسة في منزلي١٠ غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي من وراء الجيش١١، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني وكان رآني قبل الحجاب،
_________________
(١) ١ تعني غزوة بني المصطلق. ٢ تعني الآيات التي في سورة الأحزاب التي تأمر بالحجاب. ٣ أي رجع. ٤ أي خرجت بعيدة عنه بحيث لا يراها. ٥ تعني قضاء الحاجة. ٦ تعني خرزًا يصنع بمدينة باليمن اسمها ظفار. ٧ أي أخرني طلبه والبحث عنه. ووقع في رواية هنا زيادة: وكنت أظن القوم لو لبثوا شهرًا لم يبعثوا بعيري حتى أكون في هودجي. ٨ أي حركوه للسير. ٩ أي قصدت منزلي. ١٠ تعني المكان الذي كان فيه الهودج. ١١ أي يتأخر عنه فيُلم متاعًا سقط من القافلة، أو بعيرًا تأخر ونحو ذلك.
[ ٣٠٤ ]
فاستيقظت باسترجاعه١ حين عرفني فخمرت بجلبابي. ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها، فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين في نحر الظهيرة٢ وهم نزول، قالت: فهلك من هلك٣، وكان الذي تولى كبره في الإفك عبد الله بن أُبي بن سلول.
ثم تقول عائشة: فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرًا والناس يفيضون في قول أصحاب الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك، ويريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله -ﷺ- اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي، إنما يدخل علي رسول الله -ﷺ- فيسلم ثم يقول: "كيف تيكم؟ " ٤ ثم ينصرف، فذلك يريبني ولا أشعر بالشر حتى خرجت حين نقهت٥، فخرجت مع أم مسطح٦ فأخبرتني بقول أهل الإفك٧ فازددت مرضًا على مرضي، فلما رجعت إلى بيتي دخل علي رسول الله -ﷺ- فسلم ثم قال: "كيف تيكم؟ " فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي.
قالت: وأريد أن أستيقن الخبر من قبلهما.
قالت: فأذن لي رسول الله -ﷺ.
فقلت: لأمي: يا أماه، ماذا يتحدث الناس؟
_________________
(١) ١ أي بقوله: إنا لله وإنا إليه راجعون. ٢ أي نازلين وقت الوغرة، وهي شدة الحر، ونحر الظهيرة أولها. ٣ أي فتكلم من تكلم بكلام يهلك قائله. ٤ إشارة للمؤنث. ٥ أي أثر بي التعب. ٦ بكسر الميم أحد الصحابة، وهو مسطح بن أثاثة، خرجت معها لقضاء الحاجة. ٧ الإفك: الكذب.
[ ٣٠٥ ]
قالت: يا بنية، هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة١عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها٢
قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت أبكي.
قالت: ودعا رسول الله -ﷺ- علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي٣، يسألهما ويستشيرهما في فراق أهله. قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله -ﷺ- بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم لهم في نفسه. فقال: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا.
وأما علي فقال: يار رسول الله، لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير، وسل الجارية تصدقك. وقالت: فدعا رسول الله -ﷺ- بريرة فقال: "أي بريرة، وهل رأيت من شيء يريبك؟ " قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق، ما رأيت عليها أمرًا قط أغمصه -أي أعيبه- قالت: فقام رسول الله من يومه فاستعذر من عبد الله بن أُبي وهو على المنبر فقال: "يا معشر المسلمين، من يعذرني من رجل بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا٤ ما علمت عليه إلا خيرًا، وما يدخل على أهلي إلا معي".
ثم تقول السيدة عائشة: فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت علي امرأة من الأنصار، فأذنت لها. فجعلت تبكي معي، فبينما نحن على ذلك دخل رسول الله -ﷺ- علينا فسلم. ثم جلس، ولم يكن يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء.
_________________
(١) ١ أي جميلة. ٢ أي تكلمن عليها بما يعيبها. ٣ أي أبطأ وتأخر. ٤ يريد صفوان بن المعطل.
[ ٣٠٦ ]
قالت: "فتشهد رسول الله -ﷺ- حين جلس ثم قال: "أما بعد، يا عائشة، إنه بلغني عنك كذا وكذا. فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه. فإن العبد إذا اعترف ثم تاب، تاب الله عليه " قالت عائشة: فلما قضى رسول الله -ﷺ- مقالته قلص دمعي١، حتى ما أحس منه قطرة. فقلت لأبي: أجب رسول الله عني فيما قال، فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله -ﷺ؟ فقلت لأمي: أجيبي رسول الله -ﷺ- فيما قال. قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ. فقلت: والله إني لا أجد لي ولكم مثلًا إلا أبا يوسف حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ ٢.
ثم تحولت واضطجعت على فراشي والله يعلم إني -حينئذٍ- بريئة، وأن الله مبرئي ببراءتي، ولكن -والله- ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيًا يتلى، وإنما كنت أرجو أن يرى رسول الله في النوم رؤيا يبرئني الله بها، فوالله ما رام٣ رسول الله -ﷺ- مجلسًا وخرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء٤ حتى إنه لينحدر منه العرق مثل الجمان٥ وهو في يوم شات، من ثقل القول الذي أنزل عليه
قالت: فسري٦ عن رسول الله وهو يضحك، فكانت أول كلمة أن قال: "يا عائشة: أما والله فقد برأك الله"..
فقالت لي أمي: قومي إليه. فقلت: والله لا أقوم إليه، فإني لا أحمد إلا الله -﷿.
_________________
(١) ١ أي توقف وانقطع. ٢ سورة يوسف، الآية ١٨. ٣ أي ما قصد، تعني أنه لم يترك مجلسه ذلك. ٤ شدة تكون عند نزول الوحي. ٥ الجمان: اللؤلؤ. ٦ أي زال غمه وبان السرور عليه.
[ ٣٠٧ ]
قالت: وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ، لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ، لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ، وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ، وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ، يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ، وَيُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ الآيَاتِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ١.
وهكذا تقص علينا السيدة عائشة -﵂- حديث الإفك، وتصور إحساسها ومشاعرها خلال الأيام العصيبة التي مرت بها منذ سمعت بما يتقوله الأفاكون عليها، إلى أن نزلت الآيات الكريمة ببراءتها، فكانت وسام الشرف الذي وضعته العناية الإلهية في تاريخها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
_________________
(١) ١ سورة النور، الآيات ١١-١٩.
[ ٣٠٨ ]
عمرة الحديبية وعمرة القضاء
كانت عمرة الحديبية مقدمة لعمرة القضاء، كما كانت عمرة القضاء، مكملة لعمرة الحديبية، فهما في واقع الأمر عمرة واحدة بدأت في شهر ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة، فلما وقفت الحوائل في طريقها آثر الرسول -ﷺ- والمسلمون الرجوع دون أن يتموا عمرتهم، واكتفوا بصلح مع قريش يتيح لهم فرصة القضاء، وهذا هو الذي سوغ لنا أن نجعلهما في فصل واحد على ما بينهما من فترة زمنية امتدت إلى عام وقعت في خلاله أحداث لها أهميتها البالغة، في تاريخ الإسلام والمسلمين.
[ ٣٠٩ ]
الحنين إلى مكة:
وكان المسلمون منذ هجرتهم من مكة إلى يثرب يحنون لرؤية وطنهم الذي أخرجوا منه ظلمًا وبغير حق، ويتشوقون لزيارة المسجد الحرام الذي تمتلئ نفوسهم بتقديسه وتعظيمه، وكان بلال بن رباح يتغنى بآثار مكة كلما لج به الشوق إليها فيقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بفج١ وحولي إذخر وجليل
وهل أردن يومًا مياه مجنة؟ وهل يبدون لي شامة وطفيل٢
_________________
(١) ١ فج: موضع خارج مكة. ٢ شامة وطفيل جبلان في مكة، وانظر "سيرة ابن هشام" ٢/ ٥٣ وغيرها.
[ ٣٠٩ ]
فلما سمع الرسول -ﷺ- منه هذا الكلام ورأى أثر الحنين إلى مكة في نفوس المسلمين قال: "اللهم حبب إلينا المدينة كمحبة مكة أو أشد" ١.
وعلى الرغم من الانتصارات التي تمت للمسلمين في كثير من الغزوات والمعارك التي خاضوها ضد قريش وغيرها من القبائل، والتي أشعرت المسلمين بعزتهم وكرامتهم، وألقت الرعب في قلوب أعدائهم، إلا أن قريشًا كانت تحول بين المسلمين وبين دخول مكة لزيارة المسجد الحرام، لأنها لا تراهم يستحقون هذا الشرف ما داموا يجعلون الآلهة إلهًا واحدًا، وما داموا لا يؤمنون بهبل، واللات والعزى، ومناة، ولأنها تخشى أن يدخل المسلمون مكة فيطيب لهم المقام بها، ويصعب إخراجهم منها.
وبينما كان المسلمون مجتمعين في المسجد النبوي ذات صباح إذ طلع عليهم النبي -ﷺ- وأنبأهم بما رآه في نومه من أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين، وأخبرهم أنه يريد أداء العمرة معهم، ففرحوا واستبشروا واستعدوا للخروج منتظرين ما يأمرهم به نبيهم الكريم٢.
_________________
(١) ١ حديث صحيح، أخرجه البخاري ٣/ ٣٠، ومسلم ٤٨٠، وأحمد ٦/ ٥٦، والبيهقي في "السُّنن" ٢/ ٣٣٢، ومالك في "الموطأ" ٨٩١، البغوي في "شرح السُّنة" ٧/ ٣١٧، وغيرهم. ٢ ذكر هذا السبب صاحب "السيرة الحلبية" ٢/ ٦٨٨ ولم أقف عليه من وجه صحيح ولكن من وجوه مرسلة كثيرة وإنما الذي صح عن عمر في البخاري وغيره أنه قال للنبي -ﷺ: ألم تخبرنا أنّا سنأتي البيت ونطوف به، قال: "نعم"، أقلت: العام؟ الحديث. فهو -ﷺ- أخبرهم بأنه يريد العمرة، من دون أن يوقف على الدافع من ذلك. والله أعلم. على أن هذه الرؤيا ذكرها غير واحد، وهي ثابتة في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ﴾ .
[ ٣١٠ ]
خروج الرسول -ﷺ- والمسلمين للعمرة وموقف قريش: ١
وخرج الرسول وفي صحبته المهاجرون والأنصار ومن لحق بهم من العرب، وكانت عدتهم ألفًا وأربعمائة٢،وقد ساقوا الهدي أمامهم ولم يحملوا السلاح إلا السيوف في أغمادها، وذلك لأنهم لا يريدون حربًا أو قتالًا، وإنما يريدون زيارة المسجد الحرام وأداء نسك العمرة، وكان ذلك في أول ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة٣.
وحينما علمت قريش بخروج الرسول -ﷺ- والمسلمين للعمرة، امتلأت نفوسهم بالغيظ والحقد على محمد -ﷺ- وداخلهم همّ عظيم وخوف شديد، لأنهم ظنوا أنها خدعة دبرها محمد -ﷺ- ليتمكن من دخول مكة بعد أن صدهم عن دخول المدينة وصمموا على منعهم والوقوف في سبيلهم، وجهزوا لذلك جيشًا قويًّا على رأسه خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل.
وقد علم الرسول -ﷺ- بذلك، فأراد أن يتجنب الشر والخطر، وأن يبعد
_________________
(١) ١ انظر قصة الحديبية في: "طبقات ابن سعد" ٢/ ٩٥، "سيرة ابن هشام" ٣/ ٢٦٥، "مغازي الواقدي" ١/ ٣٨٣، "صحيح البخاري" ٢٥٨١، و"صحيح مسلم" ٢٥٤٤، وروايات كثيرة لها تجدها في "جامع الأصول" رقم ٦١٠٨ وما بعده، و"تاريخ الطبري" ٢/ ٦٢٠، و"الدرر" لابن عبد البر ١٩١، و"السيرة" لابن حزم ٢٠٧، و"البداية" ٤/ ١٦٤،و"نهاية الأرب" ١٧/ ٢١٧،و"عيون الأثر" ٢/ ١٤٨، و"المواهب اللدنية" ١/ ٤٨٩ و"شرح المواهب" ٤/ ١٦٤، و"السيرة الشامية" ٥/ ٥٥، و"الحلبية" ٢/ ٦٨١، و"دلائل النبوة" للبيهقي ٤/ ٩٠، و"منتقى القاري" ص ٢٧٨، و"الكامل" لابن الأثير ٢/ ١٣٦، و"الرحيق المختوم" ص ٣٠٨، و"مجمع الروائد" ٦/ ١٤٤. ٢ وزيادة، وقيل أقل، وقيل أكثر، وهذا هو المرجح على رأي الحافظ ابن حجر في "الفتح" ٧/ ١٤٤ وغيره. ٣ وهو الصحيح الذي قال به جمهور المحدثين، إلا من شذ.
[ ٣١١ ]
بالمسلمين عن القتال ما داموا لم يتهيئوا له، ولم يخرجوا من أجله، فقال لأصحابه: "هل من رجل أخذ بنا على غير طريقهم؟ " فقال رجل من أسلم: أنا يا رسول الله. فسار بهم في طريق وعرة، ثم خرج بهم إلى سهل مستوٍ يحاذي مكة من أسلفها.. فلما رأى خالد ما فعل المسلمون رجع إلى قريش وأخبرهم الخبر، وبين لهم أن محمدًا لا ينوي شرًّا، وأن سلوكه هو ومن معه من أصحابه يدل على حبهم للسلام، ورغبتهم في تحقيق الغاية التي خرجوا من أجلها، وهي زيارة المسجد الحرام.
[ ٣١٢ ]
حابس الفيل:
وحينما وصل الرسول -ﷺ- إلى ثنية المرار١ بركت القصواء -وهي ناقة الرسول -ﷺ- فزجروها فلم تقم، فقالوا: خلأت القصواء٢، فقال -ﷺ: "ما خلأت وما ذلك لها بخلق٣، ولكن حبسها حابس الفيل٤. والذي نفس محمد بيده: لا تدعوني قريش لخصلة٥ فيها تعظيم لحرمات الله إلا أجبتهم إليها".
ولا شك أن هذه الكلمة من الرسول -ﷺ- تشير إلى معنى كريم فطن إليه المسلمون واطمأنت إليه نفوس الكثير منهم، وهو أن الله لا يريد للمسلمين أن يؤدوا نسك العمرة في هذه المرة، ومن أجل ذلك حبس الناقة عن المضي إلى الكعبة، وبذلك كف أيدي قريش عن المسلمين، كيلا تنتهك حرمات البيت الذي
_________________
(١) ١ بضم الميم، وتخفيف الراء، مكان قرب الحديبية. ٢ القصواء: اسم الناقة، وخلأت: أي حرنت فلم تعد تأتمر بأمر صاحبها. ٣ أي ليس من عادتها وطبعها. ٤ أي حبسها ومنعها من الحركة الذي حبس الفيل ومنعه، وهو الله تعالى، يريد أنه منعها من ذلك لأمر مهم أراده. ٥ أو لخطة، كما في روايات أخرى.
[ ٣١٢ ]
أراد الله أن يكون بعد عامين حرمًا آمنا، وأن يكون مثابة للمسلمين من كل فج يوطدون دعائم أُخوّتهم في ظلاله الوارفة.
[ ٣١٣ ]
تبادل الرسل بين قريش ومحمدًا ﷺ
تبادل الرسل بين قريش ومحمدٍ -ﷺ:
وقد بعثت قريش رسلها إلى محمد -ﷺ- واحدًا بعد الآخر تستطلع أخباره، وترى عن كثب حقيقة الهدف الذي يقصده، وكان أولهم بديل بن ورقاء الخزاعي. وقد أخبره الرسول -ﷺ- بأنه لا يريد بقريش شرًّا، وإنما جاء مع أصحابه لأداء العمرة. فلما رجع بديل إلى قريش وأخبرهم بذلك لم يثقوا به. ومن ناحية أخرى لم يوافقوا على تلبية طلب محمد -ﷺ- وقالوا: أيريد أن يدخل علينا في جنوده معتمرًا وتسمع العرب بأنه قد دخل علينا عنوة، وبيننا وبينه من الحرب ما بيننا، والله لا يكون هذا أبدًا وفينا عين تطرف.
ثم أرسلوا بعد ذلك حليس بن علقمة، فلما رآه رسول الله -ﷺ- قال: "هذا من قوم يعظمون الهدي، فابعثوا الهدي في وجهه حتى يراه"، ففعلوا ذلك واستقبله الناس يلبون.
فلما رأى حليس ذلك رجع وقال: سبحان الله. ما ينبغي لهؤلاء أن يصدوا، أتحج لخم وجذام وحمير ويُمنع عن البيت ابن عبد المطلب؟ هلكت قريش ورب البيت إن القوم أتوا معتمرين
فلما سمعت قريش منه ذلك قالوا له:
اجلس، إنما أنت أعرابي لا علم لك بالمكايد ثم أرسلوا عروة بن مسعود الثقفي سيد أهل الطائف فتوجه إلى رسول الله وقال: يا محمد، قد جمعت أوباش الناس ثم جئت إلى أهلك وعشيرتك لتقضها بهم، إنها قريش قد خرجت
[ ٣١٣ ]
تعاهد الله ألا تدخلوا عليهم عنوة أبدًا، وايم الله لكأني بهؤلاء قد انكشفوا عنك أي تخلوا عن نصرتك.
فنال منه أبو بكر وقال: ويحك!! أنحن ننكشف عنه؟
وكان عروة يتكلم وهو يلمس لحية رسول الله -ﷺ- فكان المغيرة بن شعبة يقرع يده إذا أراد ذلك
ثم رجع عروة وقد رأى موقف أصحاب الرسول من نبيهم -ﷺ- وكيف كانوا يتنافسون على وضوئه يمسحون به أجسامهم، وإذا تكلموا أمامه لا يرفعون أصواتهم، ولا يحدون النظر إليه، فقال لقومه: والله لقد جئت كسرى في ملكه، وقيصر في عظمته فما رأيت ملكًا في قومه مثل محمد في أصحابه، ولقد رأيت قومًا لا يسلمونه لشيء أبدًا، فانظرًا رأيكم واقبلوا ما عرض عليكم، وإني لكم ناصح، وأخشى إن قاتلتموه ألا تنصروا عليه. فقالت قريش: لا تتكلم بهذا ولكننا نرده في هذا العام ويرجع في العام الذي يليه.
وقد استشار الرسول -ﷺ- أصحابه، وانتهى الرأي إلى اختيار عثمان بن عفان رسولًا إلى قريش ومعه عشرة من المسلمين استأذنوا رسول الله -ﷺ- في زيارة أقاربهم، وحمل عثمان رسالة النبي -ﷺ- إلى قريش تفصح عن مقصده والغرض الذي خرج من أجله، ورسالة أخرى إلى المستضعفين من المسلمين يبلغهم فيها أن الحق آتٍ لا ريب فيه وأن نصر الله قريب
وحينما التقى عثمان بقريش، وبلّغهم الرسالة التي حملها إليهم، رفضوا السماح للرسول -ﷺ- بدخول مكة، وسمحوا لعثمان أن يطوف بالبيت، فرفض في حزم وإباء وقال: لا أطوف ورسول الله -ﷺ- ممنوع..
ثم إنهم حبسوه، فشاع عند المسلمين: أن عثمان قد قتل. فقال -﵇-
[ ٣١٤ ]
حينما سمع ذلك: "لا نبرح حتى نناجزهم الحرب ".
[ ٣١٥ ]
بيعة الرضوان:
ثم كانت بيعة الرضوان وهي البيعة الخالدة في تاريخ الإسلام، وقد ﵂ ورضي عن المسلمين بها، وأنزل ذلك في كتابه الكريم حيث قال:
﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ ١.
وقد كشفت هذه البيعة المباركة عن مدى تضامن المسلمين وإخلاصهم وحبهم لنبيهم -ﷺ- وتضحيتهم في سبيل العزة الإسلامية وإعلاء كلمة الحق والدين، ويكفي أن نعلم أن المسلمين كانوا يتسابقون إلى هذه البيعة، ويعاهدون الله وهم يضعون أيديهم في يد الرسول -ﷺ- أن يستقبلوا الموت وهم راضون، حتى يأخذوا بثأر عثمان ويرغموا قريشًا على الخضوع لهم والاستجابة لما يريدون..
وحسبنا -كذلك- أن نعلم أن هذه الروح القوية المؤمنة قد أفزعت قريشًا، وألقت الرعب في قلوبهم في الوقت الذي لم يكن المسلمون فيه قد حملوا معهم عدة الحرب والقتال التي تكفي لمواجهة قريش، وكان من أثر ذلك أن بدأ القرشيون يفكرون من جديد في طريقة يتخلصون بها من هذه المشكلة التي تورطوا فيها بسفههم وعنادهم، فماذا عسى أن يكون؟
_________________
(١) سورة الفتح، الآية ١٨.
[ ٣١٥ ]
صلح الحديبية:
وقد بدأت قريش من جانبها تفتح طريقًا جديدًا يقرب المسافة بين الطرفين، وكان الرسول -ﷺ- على استعداد للتفاهم مع قريش على أساس عادل سليم، لأنه يؤمن بأن السلم في هذا الجو أنفع بكثير من حرب لم تكتمل لها العدة اللازمة، والظروف الملائمة، ومن أجل ذلك فرح واستبشر حينما أرسلت قريش رسولها الأخير، سهيل بن عمرو، وتيمن باسمه وقال لأصحابه: "قد سهل الله لكم من أمركم".
وقد بدأ سهيل كلامه فقال: يا محمد إن الذي حصل ليس من رأي عقلائنا، بل شيء قام به السفهاء منا..
ثم عرض سهيل الشروط التي ترضى عنها قريش وهي:
١- أن توقف الحرب بين المسلمين وبين قريش عشرة أعوام.
٢- أن من جاء إلى المسلمين من قريش يردونه، ومن جاء قريش من المسلمين لا تلزم قريش برده.
٣- أن يرجع النبي -ﷺ- والمسملون من غير عمرة هذا العام، ثم يأتي العام المقبل فيدخلها بأصحابه، بعد أن تخرج منها قريش فيقيمون بها ثلاثة أيام، ليس معهم إلا القوس والسيف في القراب١.
٤- من أراد أن يدخل في عهد محمد دخل فيه، ومن أراد أن يدخل في عهد قريش دخل فيه.
_________________
(١) ١ أي في الغمد.
[ ٣١٦ ]
وهذه الشروط التي تبدو في ظاهرها مجحفة بالمسلمين كانت موضع الرضا والقبول من رسول الله -ﷺ- ومن بعض أصحابه، وقد رأى رسول الله -ﷺ- أساسًا متينًا يمكن أن يُبنى عليه المستقبل العظيم الذي يرجوه للإسلام عمّا قليل من الزمان.
وأما الغالبية العظمى من المسلمين فقد داخلهم منها همٌّ عظيم وقالوا سبحان الله! كيف نرد إليهم من جاءنا مسلمًا، ولا يردون إلينا من جاءهم مرتدًا؟
وقد أجاب رسول الله -ﷺ- عن ذلك فقال: "إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله١ ومن جاءنا منهم فرددناه إليهم فسيجعل الله له فرجًا ومخرجًا".
وأما الشرط الذي يمنع المسلمين من العمرة هذا العام ويؤجلها إلى العام الذي يليه، فقد ظن البعض من المسلمين أنه يخالف الرؤيا التي رآها الرسول -ﷺ- ووعد أصحابه تحقيقها، وهي أنهم سوف يدخلون المسجد الحرام -إن شاء الله- آمنين محلقين رءوسهم ومقصرين، وغفل هؤلاء عن أمر مهم وهو أن رسول الله -ﷺ- لم يحدد زمنًا خاصًّا لدخول المسلمين إلى المسجد الحرام..
ومهما يكن من شيء فقد كتبت شروط الصلح بين الطرفين، وكان الكاتب علي بن أبي طالب، فأملاه -﵇: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: اكتب باسمك اللهم. فأمره الرسول -ﷺ- بذلك، ثم قال: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله، فقال سهيل: لو نعلم أنك رسول الله ما خالفناك اكتب، محمد بن عبد الله. فأمر -﵇- عليًّا بمحو ذلك وكتابة محمد بن عبد الله. فامتنع فمحاها النبي -ﷺ- بيده، وكتبت نسختان: نسخة لقريش ونسخة للمسلمين.
_________________
(١) ١ يعني هو شر أراحنا الله منه.
[ ٣١٧ ]
وقد شاء الله أن يبدأ التطبيق العملي لشروط هذا الصلح من جانب المسلمين منذ اللحظات الأولى لإتمامه وذلك أن أبا جندل بن سهيل جاء إلى المسلمين وهو يتعثر في قيوده، وكان من المسلمين الممنوعين من الهجرة، فانتهز فرصة وجود المسلمين عند الحديبية وهرب إليهم ليحموه.
فقال له الرسول -ﷺ-: "اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا. إنا قد عقدنا العزم بين القوم صلحًا، وأعطيناهم وأعطونا على ذلك عهدًا فلا نغدر بهم ".
وطبق الطرفان شرطًا آخر من شروط هذا الصلح منذ اللحظات الأولى كذلك حيث دخلت قبيلة خزاعة في عهد رسول الله -ﷺ- ودخلت قبيلة بكر في عهد قريش.
ولما انتهى الأمر، أمر -﵇- أصحابه أن يحلقوا رءوسهم وينحروا الهدي ليتحللوا من عمرتهم، فكان ذلك صدمة عنيفة للمسلمين في جملتهم، إذ كانوا مدفوعين بحماس بالغ ضد قريش. وكانوا يرون أن شروط الصلح لا تحقق العدل والإنصاف لرسول الله والمسلمين، ولذلك لم يبادروا بالامتثال لأمر الرسول -ﷺ- فدخل -﵇- على أم سلمة -﵂- وقال لها: "هلك المسلمون، أمرتهم فلم يمتثلوا"، فقالت: يا رسول الله: اعذرهم، فقد حملت نفسك أمرًا عظيمًا في الصلح. ورجع المسلمون من غير فتح، فهم لذلك مكروبون. ولكن اخرج يا رسول الله وابدأهم بما تريد، فإذا رأوك فعلت تبعوك. فتقدم -﵇- إلى هديه فنحره، ودعا بالحلاق فحلق رأسه، فلما رآه المسلمون توثبوا على الهدي فنحروه وحلقوا، ثم رجع المسلمون إلى المدينة وهم مؤمنون بأن الله قد أراد الخير بهم، حيث لم يتعرضوا للحرب والقتال في مثل هذه الظروف القاسية.
[ ٣١٨ ]
استثناء النساء من شروط الصلح:
وقد أراد الله أن تُستثنى النساء من بعض هذه الشروط خوفًا عليهم من الفتنة، لأن المرأة يسهل التأثير عليها وتغيير رأيها إذا تعرضت لعوامل الرغبة أو الرهبة، وكان من ذلك: أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط وهي أخت عثمان لأمه، جاءت إلى المسلمين عقيب صلح الحديبية فارة من المشركين. فطلبها المشركون تنفيذًا للعقد المبرم بينهم وبين الرسول -ﷺ، فقالت: يا رسول الله إني امرأة وإن رجعت إليهم فتنوني في ديني. فلم يشأ الرسول -ﷺ- أن يخالف العهد الذي التزمه، ولكن الله وجه الرسول -ﷺ- في هذه المسألة للطريق الذي يسير عليه، فأنزل هذه الآيات الكريمة:
﴿أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وتنفيذًا لهذا الأمر الإلهي كانت المرأة المهاجرة تستخلف: أنها ما خرجت رغبة بأرض عن أرض، ولا بغضًا في زوج، ولا لالتماس دنيًا، وأنها ما خرجت إلا حبًّا في الله ورسوله، ومتى حلفت لا ترد، بل يعطي لزوجها المشرك ما أنفقه عليها، ويجوز للمسلم أن يتزوجها.
_________________
(١) ١ سورة الممتحنة، الآية ١٠.
[ ٣١٩ ]
مناقشة شروط الصلح:
تبدو هذه الشروط أول الرأي وكأنها مجحفة بحقوق المسلمين، وهذا هو الذي دفع عمر بن الخطاب -﵁- إلى أن يستفسر من الرسول -ﷺ- بطريقة تتجافى عن الأسلوب الرقيق الذي تعوده الرسول -ﷺ- من أصحابه المخلصين، فلقد ذكر الرواة١: أن عمر بن الخطاب حينما تم الصلح بين الرسول -ﷺ- وقريش يوم الحديبية، تألم لقبول الرسول -ﷺ- هذه الشروط ودارت بينه وبين الرسول -ﷺ- مناقشة يرويها عمر فيقول: "أتيت نبي الله -ﷺ- فقلت: يا نبي الله، ألست بنبي الله حقًّا؟ قال: " بلى". قلت: ألسنا على الحق وعدونا على الباطل؟ قال: " بلى"، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذن؟ قال: "إني رسول الله، ولست أعصيه وهو ناصري"، قلت: أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت ونطوف به؟ قال: " بلى، أفأخبرتك أنا نأتيه هذا العام؟ " قلت: لا. قال: "فإنك آتيه ومطوف به "
والحق أن هذه الشروط تعتبر مغنمًا للمسلمين، ونقطة تحول في حياتهم، ومبدأ عهد جديد وضحت فيه قوتهم، إذ أصبحوا يقفون من قريش موقف الند للند، واعترفت لهم قريش بذلك وأصبحت القبائل في سائر الجزيرة العربية لا تتهيب الانضمام إلى المسلمين ما دامت قريش قد التزمت بتأمين من يدخلون في حماية الرسول -ﷺ- وحلفه.
_________________
(١) ١ بسند صحيح عند البخاري ٢٥٨١ وغيره.
[ ٣٢٠ ]
وأما رجوع المسلمين دون أن يؤدوا نسك العمرة في هذا العام، وتأخيرهم إلى العام الذي يليه، فهو حل متوسط ليس فيه ميل إلى أحد الجانبين.
وأما الشروط التي يلزم المسلمين برد من ذهب إليهم مسلمًا من قريش، ولا يلزم قريشًا برد من ارتد عن الإسلام إلى المدينة، فهو شرط في مصلحة المسلمين، لأن من يرتد عن الإسلام يصبح وجوده في صفوف المسلمين كالمرض في الجسم السليم، فالشر في وجوده لا ريب فيه، والتخلص منه خير من بقائه.. وأما من يسلم من قريش فإن رجوعه إليهم بعد إسلامه خير للمسلمين وضرر على القرشيين، ولا غرو، فقد يهدي الله به قومًا آخرين إلى الحق، على أنه مهما طال الزمن، فإن الله سوف يجعل له مخرجًا من دار الكفر إلى دار الإسلام.
وقد كشف المستقبل القريب بعد ذلك على أن هذا الشرط الذي فرحت به قريش قد سبب لها كثيرًا من المتاعب، حتى أرسلت إلى محمد -ﷺ- طالبة إليه أن يبطله، وألا يرد إليهم من جاءه مسلمًا.
وذلك أن أبا بصير بن أسيد الثقفي -﵁- تمكن من الفرار من قريش بعد إسلامه، فلما وصل إلى الرسول -ﷺ- بالمدينة أرسلت قريش في أثره رجلين يطلبان تسليمه، فأمره -﵇- بالرجوع معهما، فقال: يا رسول الله أتردني إلى الكفار يفتنوني في ديني بعد أن خلصني الله منهم؟ فقال: "إن الله جاعل لك ولإخوانك فرجًا". فلم يجد بدًّا من اتباعه. فرجع مع الرجلين، فلما قارب ذا الحليفة عدا على أحدهما فقتله، وهرب الآخر منه ١.
وحينئذٍ رجع أبو بصير إلى المدينة وقال: يا رسول الله وفت ذمتك، أما أنا
_________________
(١) ١ والقصة في البخاري ٢٥٨١ وغيره، وانظر ما قدمنا من المصادر أول الغزوة.
[ ٣٢١ ]
فنجوت، فقال له: اذهب حيث شئت ولا تُقم بالمدينة. فذهب إلى محل بطريق الشام تمر به تجارة قريش فأقام به واجتمع معه عدد من المسلمين الذين فروا -كذلك- من قريش، واجتمع إليهم عدد من الأعراب وقطعوا طريق التجارة على قريش وأثاروا الرعب بينهم.
فأرسلت قريش تستغيث بمحمد -ﷺ- وتطلب منه إبطال هذا الشرط، وتعطيه الحق في إمساك من جاءه مسلمًا، فقبل الرسول -ﷺ- منهم، وأراح الله المسلمين من هذا الشرط الذي كانوا متألمين منه.. وعلموا أن رأي الرسول -ﷺ- أعظم وأفضل من رأيهم.
وبذلك يتبين لنا أن شروط الصلح في حقيقتها نصر للمسلمين وفتح مبين، حتى قال أبو بكر الصديق -﵁: ما كان فتح في الإسلام أعظم من فتح الحديبية.
ولكن الناس قصر رأيهم عمّا كان بين محمد -ﷺ- وربه، والعباد يعجلون، والله لا يعجل لعجلة العباد، حتى تبلغ الأمور ما أراد
وصدق الله العظيم، فلقد سمي صلح الحديبية: فتحًا مبينًا وأنزل في شأنه سورة الفتح، وقال في أولها:
﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا، وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا﴾ .
[ ٣٢٢ ]
عمرة القضاء ١:
ولما استدار العام بعد الحديبية، وأهل شهر ذي القعدة، نادى الرسول -ﷺ- في
_________________
(١) ١ لكونه جاء إليها ليقضي ما فاته من عمرة العام المنصرم.
[ ٣٢٢ ]
المسلمين: أن استعدوا لعمرة القضاء. فلبى المسلمون النداء وساروا إلى مكة وفق صلح الحديبية، والسيوف في قربها، وساقوا الهدي أمامهم وتقدمهم محمد -ﷺ- راكبًا ناقته القصواء، وقلوبهم تكاد تطير من الفرح والسرور، ولا غرو فهم سيدخلون أم القرى، ويطوفون بالبيت العتيق، ويتنسمون عرف هذا الوطن المقدس الأثير لديهم، والعزيز عليهم.
ولما سمع أهل مكة بمقدم الرسول وأصحابه، ورأوا أنهم أصبحوا قاب قوسين أو أدنى من مكة، ترك الكثير منازلهم إلى التلال والجبال المشرفة عليها، وأخذوا ينظرون إلى الرسول وأصحابه، وهم يحيطون به إجلالًا وإكبارًا..
وحينما ظهر للمسلمين البيت الحرام انطلقت ألسنتهم بالدعاء: لبيك اللهم لبيك، حتى إذا بلغوا المسجد الحرام اضطبع١ الرسول -ﷺ- بردائه وأخرج عضده اليمنى، ثم قال: "اللهم ارحم امرأً أراهم اليوم من نفسه قوة" ٢. ثم طاف بالبيت سبعًا، والصحابة يطوفون معه، ثم انتقل إلى الصفا والمروة فسعى بينهما سبعة، ثم نحر الهدي عند المروة وحلق رأسه.
وبذلك أتم فرائض العمرة -كل هذا وعيون قريش تنظر إليهم من فوق أبي قبيس في حسرة بالغة وألم عميق، وأخذ المسلمون يجوسون خلال مكة، والمهاجرون يزورون دورهم ويصحبهم أصحابهم من الأنصار وهم جميعًا فرحون مستبشرون، واثقون من نصر الله الذي وعد به المؤمنين من عباده.
وانقضت الأيام الثلاثة التي سمح للمسلمين بأن يقيموها في مكة عملًا باتفاق
_________________
(١) ١ أي أدخل الرداء من وسطه تحت إبطه الأيمن، ورده على كتفه الأيسر من جهة صدره وظهره، والاضطباع سُنة في الأشواط الثلاثة الأول. ٢ هذا لفظ ابن إسحاق في السيرة، كما في "البداية" ٤/ ٢٢٧، وللحديث شواهد بهذا المعنى يصح بها الخبر.
[ ٣٢٣ ]
الحديبية.. وفي ظهر اليوم الرابع جاء سهيل بن عمرو بطل معاهدة الحديبية من قبل قريش يقول للرسول -ﷺ: ننشدك العهد بأن تخرج من أرضنا عملًا بالاتفاق!
فلم يتردد -ﷺ- في تنفيذ عهده مع قريش، وأذن في المسلمين بالرحيل، فعادوا إلى المدينة سالمين مغتبطين.
ولا شك أن دخول المسلمين مكة، وظهورهم بهذا المظهر الرائع أثر في نفوس الكثير من أبنائها، ولا أدل على ذلك من موقف خالد بن الوليد، وعمرو بن العاص، وحارس الكعبة عثمان بن طلحة، فقد أسلموا وأسلم معهم الكثير، وعلت كلمة المسلمين في الحجاز، وكتب الله للمسلمين عزة ونصرًا، وللإسلام خلودًا وانتشارًا.
[ ٣٢٤ ]
من صلح الحديبية إلى فتح مكة
مدخل
من صلح الحديبية إلى فتح مكة
هذه الفترة من الزمان التي تشمل على اثنين وعشرين شهرًا من حياة الرسول -ﷺ- حيث تبدأ في شهر ذي القعدة من العام السادس، وتنتهي في شهر رمضان من العام الثامن الهجري، تعتبر من أهم الفترات وأخطرها في تاريخ الإسلام والمسلمين، وذلك لما تضمنته من الأحداث الكبرى التي تغيرت بها موازين القوى في الجزيرة العربية، وما يحيط بها من الدول الكبرى التي كانت تملك زمام النفوذ والسلطان في العالم.
وتبدأ هذه الأحداث بغزوة خيبر، حيث تم القضاء فيها على آخر معقل مهم لليهود في الجزيرة العربية، ثم نرى بعد ذلك موقف الرسول -ﷺ- من العالم الخارجي وكيف تطلع إلى تحقيق الهدف الأسمى للرسالة، وهو الهدف الذي تميزت به عن سائر الرسالات السابقة، وأعني به تبليغ الدعوة إلى الناس كافة، فعمد إلى إرسال الكتب للملوك والأمراء خارج الجزيرة يدعوهم إلى الإسلام، ويأمرهم بنبذ ما عداه من سائر الأديان.. والتفسير الطبيعي لهذا العمل هو أن الرسول -ﷺ- بعد أن أمن جانب قريش بصلح الحديبية شعر بالقوة التي تمكنه من أن يرفع صوته حتى يجتاز آفاق الجزيرة إلى الدول الكبرى المجاورة، ثم كانت سرية مؤتة وفيها اصطدم المسلمون بالروم لأول مرة، ومهما كانت نتيجة تلك السرية فإنها تدل على أن وضع المسلمين قد تغير في هذه الفترة عمّا كان عليه من قبل، وأنه قد انتقل من الخوف والضعف إلى الأمن والقوة، وسوف نتحدث الآن عن هذه الأحداث المهمة بشيء من التفصيل.
[ ٣٢٥ ]
غزوة خيبر ١
أقام الرسول -ﷺ- شهرًا واحدًا بالمدينة بعد عودته من الحديبية٢ ثم تحرك بأصحابه الذين بلغ عددهم ألفًا وأربعمائة٣، وهم الذين حضروا صلح الحديبية، ليحول بين قبائل غطفان وبين ما صمموا عليه من الانضمام إلى يهود خيبر وقد استطاع الرسول -ﷺ- أن يلقي الرعب في قلوب غطفان حيث أوهمهم أن القتال موجه ضدهم، فلما تفرقوا عن يهود خيبر ورجعوا إلى ديارهم انتهز الرسول -ﷺ- الفرصة واتجه إلى اليهود في آخر معقل من معاقلهم ليتخلص من خطرهم الذي يلاحقه بين الحين والحين.
وحينما وصل جيش المسلمين إلى خيبر رفعوا أصواتهم بالتكبير والدعاء، فقال -﵇: "أرفقوا بأنفسكم، فإنكم لا تدعون أصمًّا ولا غائبًا، إنكم تدعون سميعًا قريبًا وهو معكم". وقد وصلوها ليلًا وبيتوا أمام حصونها. فلما
_________________
(١) ١ خيبر باللغة العبرية اليهودية: الحصن أو القلعة، وخيبر واحدة كبيرة على بعد ستة وتسعين ميلًا من المدينة في الشمال الشرقي، وهي ذات حصون ومزارع ونخيل. وانظر تفاصيل هذه الغزوة في: "صحيح البخاري" ٣٩٦٠، و"مسلم" ١٨٠٢، و"سنن أبي داود" ١٧٠٢، و"النسائي" ٦/ ٣٠، و"ابن ماجه" ٣١٩٥، و"طبقات ابن سعد" ٢/ ١٠٦، و"سيرة ابن هشام" ٢/ ٢٨٣، و"مغازي الواقدي" ٢/ ٦٣٣، و"تاريخ الطبري" ٣/ ٥، و"أنساب الأشراف" ١/ ١٦٩، و"سيرة ابن حزم" ٢١١، و"عيون الأثر" ٢/ ١٦٨، و"البداية" ٤/ ١٨١، و"شرح المواهب" ٢/ ٢١٧، و"المواهب" ١/ ٥١٧، و"السيرة الشامية" ٥/ ١٨٠ و"الحلبية" ٢/ ٧٢٦، "دلائل النبوة" للبيهقي ٤/ ١٩٤، و"مجمع الزوائد" ٦/ ١٤٧، "منتقى القاري" ص ٢٧٨، وغير ذلك. ٢ وقيل أكثر، كما في "المواهب" ١/ ٥١٧، وما قدمت من المصادر. ٣ ونيفًا، كما رجح الحافظ ابن حجر، وأن من ذكر أنهم كانوا ألفًا وخمسمائة فقد جبر الكسر، ومن قال: ألفًا وأربعمائة ألغاه، وأما قول ابن إسحاق أنهم سبعمائة فاستنباط خاطئ منه.
[ ٣٢٦ ]
أصبح الصباح وغدا عمال خيبر خارجين إلى مزارعهم ورأوا جيش المسلمين صاحوا يقولون: محمد والجيش معه، وولوا الأدبار، فقال رسول الله -ﷺ-: "خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين" ثم انتظم جيش المسلمين، ووقف أمام الحصون بكامل معداته ينتظر أمر قائده.
أما اليهود فقد أشار عليهم سلام بن مشكم بجمع أموالهم وعيالهم في حصن الكتيبة وحشد المقاتلة في حصن نطاة الحصين، ودخل عليهم يحثهم ويحرضهم على القتال والصبر.
وقد أمر النبي -ﷺ- بقطع النخيل المحيط بحصن النطاة، لأن كثرته تحول دون تحركات القوات العسكرية، فخرج اليهود للقائهم واستماتوا في الدفاع عن حصونهم، لأن في هزيمتهم القضاء الأخير على بني إسرائيل في بلاد العرب، وانتهى اليوم الأول ولم ينل أحد من الطرفين نصرًا نهائيًّا، واستؤنف القتال في الغداة واستمر ثلاثة أيام واليهود يحاربون أمام حصونهم، فزعين من الحرب في الميدان، فإذا انهزموا عادوا إليها وأغلقوها دونهم، وفي اليوم السادس، قال رسول الله -ﷺ-: "لأعطين الراية غدًا لرجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله" وأخذ كل من الصحابة يتمنى أن تكون الراية من نصيبه، وفي الغد بعث إلى علي بن أبي طالب وسلمه الراية.
وتقدم علي -﵁- فلما قرب من حصن الناعم خرج إليه أهله، ودارت رحى معركة هائلة قتل فيها قائد الحصن الحارث بن أبي زينب فتولى بعده أخوه مرحب وهو من أبطال اليهود، وخرج يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أني مرحب شاكي السلاح بطلٌ مجرب
[ ٣٢٧ ]
أطعين حينًا وحينًا أضرب إذا الليوث أقبلت تحرب١
إن حماي للحمى لا يقرب يحجم عن صولتي المجرب٢
وقد تقدم له علي بن أبي طالب يريد مبارزته ٣، وكاد مرحب أن يقتله ولكن عليًّا في النهاية سدد إليه ضربة فلقت هامته فوقع قتيلًا، ثم هجم المسلمون على الحصن وفتحوه، ثم سقطت حصونهم الواحد بعد الآخر وطلبوا الصلح، واتفقوا أخيرًا على أن يحقن المسلمون دماء المقاتلين من اليهود ويتركوا الذرية وأن تجلوا اليهود من خيبر وأراضيها بذراريهم ولا يأخذ أحدهم أكثر من ثوب واحد.
وهكذا تم الصلح واستولى المسلمون على خيبر ٤، وجلا عنها اليهود إلى بلاد الشام.
_________________
(١) ١ أي تغضب. ٢ وقد اختلفت الروايات في سرد هذه الأبيات. ٣ وهو يرتجز: أنا الذي سمتني أمي حيدرة كليث غابات كريه المنظرة أكيلكم بالصاع كيل السندرة ٤ وقد استمر الحصار بضعة عشر يومًا، على الصحيح من الروايات ورجح ذلك الحافظ ابن حجر في "الفتح".
[ ٣٢٨ ]
النتيجة في غزوة خيبر:
ظهر نصر الله وتأييده للمسلمين ووضحت شجاعتهم وإيمانهم، فلم يزد قتلاهم عن العشرين، بينما كان القتلى من اليهود يزيدون عن التسعين١.
_________________
(١) ١ وحدهم صاحب "المواهب" ١/ ٥٢٤ بخمسة عشر من المسلمين، وثلاثة وتسعين من اليهود.
[ ٣٢٨ ]
وقد غنم المسلمون في هذه الغزوة ألف رمح وأربعمائة سيف ومائة درع وخمسمائة فرس، وكميات كبيرة من الحاصلات الزراعية والمتاع والماشية.
وكان مما غنمه المسلمون صحفًا من التوراة. وقد سلمها الرسول -ﷺ- إليهم حينما طلبوها منه فضرب بذلك أعظم الأمثال في الصفح والتسامح.
ومن النتائج المباشرة لهذه الغزوة أن أهل فدك ١ وقع الرعب في قلوبهم فبعثوا إلى النبي -ﷺ- وفدًا يعرض عليه طاعتهم، وأن يدفعوا له نصف حاصلاتهم من غير قتال، فوافق الرسول -ﷺ- على ما عرضوه.
وما وقع بعد ذلك في حصار وادي القرى ٢، وقد أُجبروا على التسليم والولاء.
وهكذا ساد سلطان النبي -ﷺ- على جميع اليهود، وانتهى كل ما كان لهم من نفوذ في شبه الجزيرة.
_________________
(١) ١ بلدة يهودية قريبة من خيبر. ٢ موضع قريب من المدينة إلى جهة الشام، وهو آخر حصن لليهود.
[ ٣٢٩ ]
كتب الرسول إلى الملوك والرؤساء
مدخل
كتب الرسول إلى الملوك والرؤساء
تمتاز دعوة محمد -ﷺ- عن غيرها من دعوات الرسل السابقين، بأنها دعوة عالمية لا تقتصر على أناس بعينهم، ولا على زمن بعينه ولكنها تشمل الناس جميعًا، وتعم الأزمنة والعصور منذ أعلن الرسول -ﷺ- دعوته إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولقد كان صلح الحديبية فاتحة عهد جديد، شعر فيه الرسول -ﷺ- والمسلمون بمزيد من الطمأنينة على مستقبل الدعوة الإسلامية، وأخذ الرسول -ﷺ- يتطلع إلى آفاق جديدة يعلن فيها دعوته تحقيقًا لعالمية هذه الدعوة كما أمره -﷿- فأرسل الكتب إلى الملوك والأمراء خارج الجزيرة العربية يدعوهم فيها إلى دين الله تعالى الذي ارتضاه لعباده.
ولقد كانت الكتب التي أرسلها محمد -ﷺ- إلى الملوك والرؤساء متحدة في جوهرها، وإن اختلفت بعض الاختلاف في أسلوبها وذلك لأن الفكرة التي تهدف لها هذه الكتب، واحدة، وهي الدعوة إلى عبادة الله تعالى وتوحيده، ولأن شخص الداعي واحد، وهو محمد -ﷺ.
وقد كان الرسول -ﷺ- ينفذ أمر الله -﷿- حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ١. فالأمر بالتبليغ في هذه الآية مطلق، لا تحده حدود، ولا تحبسه قيود، وإنما يمتد عرضًا إلى جميع الناس ويمتد طولًا إلى جميع الأزمنة، وتأكيدًا فهذا المعنى يقول الرسول -ﷺ: "كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة" ٢.
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية ٦٧. ٢ هو جزء من حديث جابر، عن النبي -ﷺ- قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي ".
[ ٣٣٠ ]
كتاب الرسول -ﷺ- إلى قيصر الروم:
وجه الرسول -ﷺ- دحية الكلبي بكتاب إلى قيصر الروم، وأمره أن يدفعه إلى عظيم بصرى ليوصله إليه، وقد جاء في هذا الكتاب١: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد عبد الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين" ٢.
﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ كما أخرجه البخاري في صحيحه ٢٩٤١، ومسلم ص ١٣٩٣ وغيرهما من حديث ابن عباس. ٢ الأريسيين: الفلاحين، وقيل الخدم والحشم. وقيل: جماعة الروم. ٣ سورة آل عمران، الآية ٦٤.
[ ٣٣١ ]
موقف هرقل من كتاب الرسول:
ولما وصل هذا الكتاب إلى هرقل قال١: انظروا لنا من قومه أحدًا نسأله عنه وكان أبو سفيان بن حرب بالشام مع رجال من قريش في تجارة -فجاءت رسل قيصر لأبي سفيان ودعوه لمقابلة الملك، فأجاب، ولما قدموا عليه في القدس قال لترجمانه: سلهم أيهم أقرب نسبًا بهذا لرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: أنا: لأنه لم يكن في الركب من بني عبد مناف غيره: فقال الملك له:
_________________
(١) ١ هذا تتمة الحديث الصحيح الماضي عن ابن عباس. فإن كان من شيء ليس في الصحيح نبهت عليه.
[ ٣٣١ ]
ادن مني. ثم أمر بأصحابه فجعلوا خلفه. ثم قال لترجمانه: قل لأصحابه: إنما قدمت هذا أمامكم لأسأله عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، وقد جعلتكم من خلفه كيلا تخجلوا من رد كذبه إذا كذب، ثم سأله: كيف نسب هذا الرجل فيكم؟..
قال: هو فينا ذو نسب. قال: هل تكلم بهذا القول أحد منكم قبله؟ قال: لا. فقال الملك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا. قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قال: لا. قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فأجاب أبو سفيان: بل ضعفاؤهم. قال الملك: فهل يزيدون أم ينقصون؟ قال: بل يزيدون. قال: هل يرتد أحد منهم سخطة١ لدينه؟ قال: لا. قال: هل يغدر إذا عاهد؟ قال: لا، ونحن الآن منه في ذمة٢ لا ندري ما هو فاعل فيها. قال الملك لأبي سفيان: فهل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف حربكم وحربه؟ قال: الحرب بيننا وبينه سجال، مرة لنا ومرة علينا. قال: فبِمَ يأمركم؟ قال: يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وينهى عمّا كان يعبد آباؤنا، ويأمر الصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة
وبعد أن انتهى الملك من أسئلته لأبي سفيان وجه إليه الكلام قائلًا إني سألتك عن نسبه، فزعمت أنه فيكم ذو نسب، وكذلك الرسل تُبعث في نسب قومها وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول قبله؟ فزعمت: أن لا، فلو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت: رجل يأتم بقولٍ قيل قبله. وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فزعمت: أن لا، فقلت: ما كان ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فقلت: لا. فلو
_________________
(١) ١ كراهية. ٢ يريد صلح الحديبية.
[ ٣٣٢ ]
كان من آبائه ملك لقلت رجل يطلب ملك أبيه. وسألتك: أأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: ضعفاؤهم. وهؤلاء هم أتباع الرسل. وسألتك: هل يزيدون أم ينقصون؟ فقلت: بل يزيدون. وكذلك الإيمان حتى يتم. وسألتك هل يرتد أحد منهم سخطة لدينه؟ فقلت: لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب. وسألتك: هل قاتلتموه؟ فقلت: نعم، وإن الحرب بينكم وبينه سجال.
وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة. وسألتك: بماذا يأمر؟ فزعمت: أنه يأمر بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت: أن لا. وكذلك الرسل لا تغدر. فعلمت أنه نبي. وقد علمت أنه مبعوث، ولم أظن أنه فيكم، وإن كان ما كلمتني به حقًّا فسيملك موضع قدمي هاتين، ولو أعلم أني أخلص إليه لتكلفت ذلك.
قال أبو سفيان: فعلت أصوات الذين عنده وكثر لغطهم، فلا أدري ما قالوا وأُمر بنا فأخرجنا فلما خرج أبو سفيان مع أصحابه قال: لقد بلغ أمر ابن أبي كبشة١ أن يخافه ملك بني الأصفر.
ولما سار هرقل إلى حمص أذن لعظماء الروم أن يلتقوا به، ثم أمر بالأبواب، فأغلقت، ثم قال: يا معشر الروم، هل لكم في الفلاح والرشد، وأن يثبت ملككم، فتبايعوا هذا النبي؟
فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها مغلقة.
فلما رأى الملك نفرتهم قال: ردوهم علي، فقال لهم: إني قلت مقالتي كي أختبر بها شدتكم على دينكم.
_________________
(١) ١ يعني النبي -ﷺ- وفي سبب هذه التسمية أقوال.
[ ٣٣٣ ]
فسكتوا له ورضوا عنه.. وهذا غلبة حب مُلكه على الإسلام، فذهب بإثمه وإثم رعيته.
وأما الرسول الذي كان يحمل رسالة النبي -ﷺ- وهو دحية الكلبي، فقد رده هرقل ردًّا جميلًا.
وقد أرسل الرسول -ﷺ- كتبًا أخرى إلى أمير بصرى، وإلى أمير دمشق، وإلى كسرى ملك الفرس، وإلى أمير مصر، وإلى ملك الحبشة، ولكننا اكتفينا بذكر كتابه إلى هرقل رعاية للمقام١.
_________________
(١) ١ انظر جميع هذه الكتب في كتابنا "سنن النبي -ﷺ" ١/ ٦٠٧- ٦٣٨.
[ ٣٣٤ ]
سرية مؤتة ١:
كانت هذه السرية في شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة، وكان أعظم ما يلفت النظر فيها أنها موجهة إلى أمير بصرى، وهي إمارة كانت تابعة لدولة الروم، ومعنى ذلك أن المسلمين سوف يلتقون وجهًا لوجه بهذه الدولة الكبرى، التي كانت -حينئذٍ- إحدى دولتين تملكان زمام العالم وتسيطران على أممه وشعوبه، وكان الغرض منها الانتقام للحارث بن عمير الأزدي، وهو الرسول الذي كان يحمل كتاب النبي -ﷺ- إلى هذا الأمير فأساء أنصاره إليه وقتلوه ظلمًا وبغير حق، وخالفوا بذلك أبسط القواعد المعروفة لدى جميع الأمم، وهي
_________________
(١) ١ انظر غزوة مؤتة في: "صحيح البخاري" ٤٠١٣، ٤٠١٧، و"مسلم" ١٧٥٣، ١٧٥٤، و"سنن أبي داود" ٢٧١٩، ٢٧٢٠، و"النسائي" ٤/ ٢٦، و"سيرة ابن هشام" ٤/ ١٥، و"طبقات ابن سعد" ١/ ٤٠٥ ترتيب طبقاته، و"المواهب اللدنية" ١/ ٥٤٩، و"البداية" ٤/ ٢٤١، و"مجمع الزوائد" ٦/ ١٥٦، و"السيرة الحلبية" ٢/ ٧٨٦، و"منتقى القاري" ٢٨٠، وغير ذلك. ومؤتة تقع جنوبي شرقي عمان بالمملكة الأردنية اليوم.
[ ٣٣٤ ]
أن الرسل لا تقتل، لأن في قتلهم إهانة وقتلًا لمن أرسلهم.
ومن هنا يتضح لنا أن هذه السرية من وجهة النظر السياسية ليست سرية انتحارية، وليست تهورًا، ولا إلقاء بالنفس إلى التهلكة، وإنما هي سرية خرجت للتضحية والجهاد، ولتدفع ضريبة الشرف والعزة والكرامة، ولترفع صوت الإسلام، أمام هؤلاء الذين تمادوا في غيهم وضلالهم مهما بذلت من ثمن وتحملت من أعباء.
وكانت هذه الحملة مكونة من ثلاثة آلاف مقاتل، وقد أمر الرسول -ﷺ- عليها زيد بن حارثة، وقال لهم: "إن أصيب فالأمير: جعفر بن أبي طالب، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة".
[ ٣٣٥ ]
خروج الجيش:
خرج الجيش ومعه خالد بن الوليد، وودعه الناس، وسار النبي -ﷺ- معهم إلى خارج المدينة١ يدعو لهم بالنصر ويوصيهم ألا يقتلوا النساء ولا الأطفال ولا المكفوفين، وألا يهدموا المنازل، وألا يقطعوا الأشجار.
لكن العدو قد علم بمسير الجيش، فقام شرحبيل الغساني واستنجد بمن حوله من قبائل العرب المسيحيين- كما أمده هرقل بجيش كبير حتى بلغ عددهم حوالي مائة ألف أو أكثر.
وتقدمت الجيوش الإسلامية حتى إذا وصلوا إلى أرض الشام٢، علموا أخبار
_________________
(١) ١ إلى ثنية الوداع. ٢ لموضع يقال له مُعان، بضم الميم. * حتى قيل بلغوا مائتي ألف.
[ ٣٣٥ ]
تجمعات الأعداء ومدى استعدادهم، فعقد زيد مجلسًا حربيًا للنظر والتشاور، فقال قائل منهم: نكتب إلى رسول الله -ﷺ- فنخبره بكثرة الأعداء، فإما أن يرسل إلينا مددًا. وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، فوقف عبد الله بن رواحة وأخذ يشجع الناس على المضي والتقدم قائلًا: انطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين: إما نصر وإما شهادة. فأثرت كلماته في نفوسهم ودفعتهم إلى التقدم حتى وصلوا مؤتة.
والتقت قوة المسلمين القليلة بعددها، القوية بإيمانها، بقوة الأعداء، واندفع زيد بن حارثة في صدر العدو يصد الهجمات تارة، ويتقدم تارة أخرى، حتى مزقته رماح العدو، فوقع قتيلًا في ميدان الاستشهاد.
ثم انتقلت رياسة الجيش لجعفر بن أبي طالب، كما أوصى النبي -ﷺ- فقاتل حتى أحاط العدو بفرسه فنزل عنها وتقدم راجلًا القوم يحصد الرءوس ويضرب الرقاب، وهو يقول:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
علي إذ لاقيتها ضرابها
وظل هكذا حتى قُطعت يده، فاحتضن الراية بعضديه حتى قتل بعد أن أصيب بأكثر من سبعين جُرحًا، ما بين ضربة بسيف وطعنة برمح.
وعند ذلك انتقلت القيادة لعبد الله بن رواحة فنزل الميدان وهو يقول:
أقسمت يا نفس لتنزلنه ما لي أراك تكرهين الجنة
[ ٣٣٦ ]
وسرعان ما سقط شهيدًا في سبيل الله وهو فرح مستبشر غير مدبر.
وهكذا استشهد هؤلاء الثلاثة في سبيل إعلاء كلمة الحق والدين، فكانوا مثلًا خالدًا من أمثلة البطولة والتضحية والإيمان، وأصبحوا قدوة كريمة على مدى الزمان لكل مؤمن يريد أن يكتب لأمته تاريخًا، ولوطنه خلودًا١.
وبعد استشهاد الأبطال الثلاثة اتفق الناس على تولية خالد بن الوليد، فاستطاع أن يوحد الصفوف ويجمع الشمل، وصار يناوش العدو حتى أقبل الليل فأخذ في تدبير الخطة وتنظيم الجيش من جديد، فجعل الساقة مقدمة والمقدم ساقة، والميمنة ميسرة والميسرة ميمنة.
فلما أصبح الصباح ظن العدو أن مددًا لحق بالمسلمين فلم يهاجموهم، وفرحوا حين سكت المسلمون عن قتالهم وتمنوا أن يعودوا دون اشتباك.
أما خالد فقد آثر المحافظة على المسلمين بالانسحاب، وكانت مهارة بارعة حيث استطاع أن ينقذ الجيش الإسلامي من خطر محقق وعاد إلى المدينة.
وقد بلغ الأسى من نفس رسول الله مقتل القواد الثلاثة مبلغًا كبيرًا.
فعن أسماء بنت عميس -﵂- زوج جعفر بن أبي طالب -﵁- قالت: "دخل رسول الله -ﷺ- يوم أصيب جعفر وأصحابه فقال: "ائتني ببني جعفر"، فأتيته بهم، فضمهم وذرفت عيناه بالدمع. قالت أسماء في لهفة وقد أدركت ما أصابه: يا رسول الله بأبي أنت وأمي ما يبكيك؟ أبلغك عن جعفر وأصحابه شيء؟ قال: " نعم، أصيبوا هذا اليوم"، وفاضت عيناه بالدمع. قالت: فقمت أصيح. واجتمع علي النساء، وجعل رسول الله -ﷺ- يقول لي: "يا أسماء لا تقولي هجرًا ولا تضربي خدًّا".
_________________
(١) ١ بل لدينه عزًّا.
[ ٣٣٧ ]
ثم خرج رسول الله -ﷺ- إلى أهله فقال: "لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعامًا، فإنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم " ١.
وهكذا.. وبمثل هذا البر والوفاء كانت مواساته لأبناء الشهداء.
_________________
(١) ١ حديث أسماء هذا أخرجه ابن إسحاق، وعنه الإمام أحمد في "المسند" ٦/ ٣٧٠، وأورده الهيثمي في "مجمع الزوائد" ٦/ ١٦١، وذكر أن فيه من يجهل حاله. وأورده الحافظ ابن كثير في "البداية" ٤/ ٢٥١ عنهما. قلت: وللحديث هذا شواهد كثيرة يحسن بها ويصح، أوردها ابن كثير عقب هذه الرواية.
[ ٣٣٨ ]
العبرة من غزوة مؤتة:
١- أتيح لنا في هذه الغزوة أن نلمس عن كثب سماحة الإسلام وسمو مبادئه وحرصه على صيانة المجتمع الإنساني من الذلة والهوان، ولا غرو، فهذه الوصية التي وجهها النبي -ﷺ- للجيش وهو ذاهب إلى مؤتة بعدم التعرض للعجزة والمرضى والمنازل والمزارع، وتلك التعاليم التي تميزت بها حروب المسلمين في القرن الأول الهجري -السابع الميلادي- هذه الوصية وتلك التعاليم يتيحان لنا فرصة المقارنة بين هذه الحالة، وبين ما نراه في هذه الأيام التي نعيشها، وما يقع بين سمعنا وبصرنا من غارات وحشية على السُّكان الآمنين في فيتنام، وفي الشرق الأوسط١، وكيف تزهق الأرواح البريئة، وتدمر المساجد، والكنائس، والمصانع والمساكن، فتهدم في لحظات، ما بنته المدينة والحضارة في سنوات.
٢- هذا الإيمان العميق الذي جعل المسلمين يتقدمون لملاقاة جيش يفوق جيشهم، في غير تردد أو خوف من الموت في سبيل الله يحفزنا إلى الجهاد والكفاح وبذل الأرواح فداء للدين والوطن٢، واقتداء بأسلافنا الأماجد الذين حملوا أرواحهم على أكفهم، وألقوا بها في وجه كل من يقف في سبيل الدعوة
_________________
(١) ١ وفي الاتحاد السوفيتي السابق، وأوربا الشرقية بل وفي كل بقاع الأرض. ٢ يعني أرض الإسلام.
[ ٣٣٨ ]
﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ١.
٣- موقف الرسول -ﷺ- من أسر الشهداء، فيه توجيه للمسلمين إلى ما يجب عليهم نحو المحزونين من مواساة لهم وإعداد طعام يبعثون به إليهم، لأنهم قد شغلوا بأنفسهم. أما ما عليه المسلمون الآن من إقامة حفلات أحيطت بإسراف ممقوت، فهذا ليس من السُّنة النبوية في شيء٢.
٤- موقف خالد بن الوليد ومهارته الحربية غيرت الوضع في هذه المعركة، من خوف إلى أمن، ومن هزيمة إلى نصر، لأن إنقاذ الجيش من فناء محقق والنجاة في مثل هذا الظرف العصيب يوم مقامه النصر وزيادة٣.
وحسبنا دليلًا على ذلك ما فعله الرسول -ﷺ- مع الجند المسلمين لدى عودتهم من مؤتة، فلقد قابلهم المسلمون في المدينة يسخرون منهم ويحثون التراب في وجوههم، ويقولون لهم: يا فرار، فررتم من الجهاد في سبيل الله، فأنكر
_________________
(١) ١سورة آل عمران، الآية ١٧١. ٢ وقد نص على كراهته جماعة من العلماء، وصح في "سنن ابن ماجه" أن هذا مثل النياحة المحرمة. ٣ قد اختلف العلماء في نتيجة مؤتة، فرأى جماعة أنها انتهت بالنصر للمسلمين، ورأى آخرون أن خروج المسلمين القلة منها على هذا الوجه نصرًا، وقد ناقش الحافظ ابن كثير هذه القضية فقال ٤/ ٢٤٧: وقال الواقدي: -وساق القصة من عنده، وفيها-: ثم اصطلح المسلمون على خالد بن الوليد فهزم الله العدو وأظهر المسلمين وقال ابن كثير: فهذا السياق فيه فوائد كثيرة ليست عند ابن إسحاق، وفيه مخالفة لما ذكره ابن إسحاق من أن خالدًا إنما حاشى بالقوم حتى تخلصوا من الروم. وموسى بن عقبة والواقدي مصرحان بأنهم هزموا جموع الروم والعرب الذين معهم وهو ظاهر الحديث المتقدم عن أنس مرفوعًا: "ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله، ففتح الله على يديه" رواه البخاري، وهذا هو الذي رجحه ومال إليه البيهقي بعد حكاية القولين انتهى. قلت: والذي قاله ابن سعد أن المسلمين انهزموا شيء لا دليل عليه البتة. وانظر ما يأتي.
[ ٣٣٩ ]
الرسول -ﷺ- عليهم هذه السخرية والاستهزاء، وحياهم تحية طيبة، وقال: بل هم الكرار، وأثنى على خالد في مهارته وحسن حيلته، في إنقاذ الجيش من الهلاك١.
_________________
(١) ١ الحديث في "مسند أحمد" ٢/ ٨٦، ١٠٠-١١١، و"سنن أبي داود" ٢٦٤٧، و"الترمذي" ١٧١٦ وحسنه، وذكره ابن كثير في "البداية" من طرق كثيرة جدًّا، وقد قامت أنه حديث قوي بطرقه وشواهده. ولكن ثمة أمر ذكر الحافظ ابن كثير يجب التنبه له هنا، فقد قال بعد أن ساق هذه الرواية ٤/ ٢٨٤: قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر عن عروة قال: لما أقبل أصحاب مؤتة تلقاهم رسول الله -ﷺ- والمسملون معه فجعلوا -أي الصبيان- يحثون التراب ويقولون: يا فرار فررتم في سبيل الله. فقال رسول الله -ﷺ-: "ليسوا بالفرار، ولكنهم الكرار". قال ابن كثير: هذا مرسل من هذا الوجه وفيه غرابة. وعندي -القائل ابن كثير- أن ابن إسحاق قد وهم في هذا السياق فظن أن هذا جمهور الجيش، وإنما كان هذا للذين فروا حين التقى الجمعان، وأما بقيتهم فلم يفروا بل نصروا، كما أخبر بذلك رسول الله -ﷺ- المسلمين على المنبر في قوله: "ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله ففتح الله على يديه" فما كان المسلمون ليسمون فرارًا بعد ذلك، وإنما تلقوهم إكرامًا وإعظامًا، وإنما كان التأنيب وحثي التراب للذين فروا وتركوهم هناك، وكان فيهم عبد الله بن عمر -﵄- وفي "مسند أحمد" عن ابن عمر قال: كنت في سرية من سرايا رسول الله -ﷺ- فحاص الناس حيصة وكنت فيمن حاص، فقلنا: كيف نصنع وقد فررنا من الزحف وبؤنا بالغضب؟ ثم قلنا: لو دخلنا المدينة فذكر الحديث. -وساقه ابن كثير بروايات متعددة- ثم قال ٤/ ٢٤٩: لعل طائفة منهم فزعوا لما عاينون كثرة جموع الروم، وكانوا على أكثر من أضعاف الأضعاف ، وفي مثل هذا يسوغ الفرار على ما قد تقرر انتهى. - ثم رجع ابن كثير في مواطن عديدة يؤكد ذكر نصر المسلمين من الروايات فأطال، وانظر ٤/ ٢٥٠-٢٥١. قلت: فظهر أنه قال ينصر المسلمين في هذه المعركة جماعة منهم موسى بن عقبة، والواقدي، حيث لم يحكيا غيره، والبيهقي وابن كثير واستدلا له كما مضى، والحاكم كما يفهم من قوله في "الإكليل" الذي نقله القسطلاني في "المواهب" ١/ ٥٥١ وكذا رجح هذا بنفس الطريقة التي قالها ابن كثير العلامة الحلبي في "السيرة الحلبية" ٢/ ٧٨٩.
[ ٣٤٠ ]