الفصل الرابع: الهجرة النبوية وتأسيس الدولة الإسلامية
هجرة المسلمين إلى المدينة:
أصبح الرسول -ﷺ- والمسلمون بعد بيعة العقبة الثانية يشعرون بأن قوة جديدة تقف إلى جانبهم، وأن أرضًا طيبة تتهيأ لاستقبالهم، وأخذ الأوس والخزرج -بعد رجوعهم إلى يثرب- يبشرون بالدعوة الإسلامية بين أهليهم وذويهم، فتقع من نفوسهم موقع الرضا والقبول، ويمدون أيديهم لتأكيد البيعة التي التزم بها إخوانهم الذين سبقوهم إلى لقاء محمد -ﷺ.
وهكذا أشرقت يثرب بنور الحق وانتشرت فيها مبادئ الإسلام وأصبحت مكانًا مناسبًا يأمن فيه المسلمون على أنفسهم من أذى المعتدين وطغيان الظالمين.
أما مكة فقد اشتد فيها الأذى بالمسلمين والتضييق عليهم، حتى أصبح عيشهم فيها جحيمًا لا يطاق. ومن أجل ذلك أمر الرسول -ﷺ- أصحابه بالهجرة إلى المدينة، فصاروا يتسللون ويخرجون من مكة في ظلام الكتمان والخفاء، يحذرون قريشًا ويخشون خطرها ويرجون ألا تحول بينهم وبين الانتقال من هذا
[ ١٧٠ ]
الوسط الخبيث، وتلك البيئة الفاسدة، إلى جوٍّ المدينة الطاهر الجميل.
وأول من خرج، أبو سلمة المخزومي زوج أم سلمة رضي الله عنهما١، ثم تتابع المهاجرون بعد أبي سلمة، فرارًا بدينهم ليتمكنوا من عبادة الله الذي امتزج حبه بنفوسهم. ولم يبق منهم إلا أبو بكر وعلي، وقليلون من المستضعفين الذين لم تمكنهم أحوالهم من الهجرة.
وقد كان بقاء أبي بكر وعلي بأمر من رسول الله -ﷺ- ذلك أن أبا بكر أراد الهجرة. فقال له الرسول -ﷺ-: "علي رسلك فإني أرجو أن يؤذن لي".
فقال أبو بكر: وهل ترجو ذلك يا رسول الله، بأبي أنت؟ قال: "نعم".
فحبس أبو بكر نفسه، انتظارًا لرسول الله -ﷺ- ليكون في شرف صحبته، وجهز راحلتين عنده استعدادًا لذلك اليوم الموعود٢.
ولا شك أن هجرة المسلمين من مكة إلى المدينة كانت مبعث سعادة نفسية كبرى لهم، لأنهم تنفسوا الصعداء، وشعروا بالحرية التي لم يكونوا يألفونها، وأخذوا يعبدون الله وينشرون دينه في جوٍّ بعيد عن الضغط والإرهاب والظلم والعدوان.
كما كانت ضربة قاضية على المشركين في مكة، إذا خاب أملهم وأفلت
_________________
(١) ١ أسند ذلك ابن إسحاق عن أم سلمة كما في "سيرة ابن هشام" ٢/ ١١٢ وغيره. وأما ما أسنده ابن سعد وغيره عن البراء: "أول من قدم علينا مصعب بن عمير" فذلك كان قبل العقبة الثانية، ومراد ابن إسحاق فيما أسنده بعد العقبة الثانية. ٢ أخرجه البخاري في صحيحه، كما في "فتح الباري" ٤/ ٤٧٥، وغيره. وانظر سياق روايات الهجرة في: "ترتيب طبقات ابن سعد" ١/ ٢٤٧ وما بعدها، "سيرة ابن هشام" ٢/ ١١٢ وما بعدها، "المواهب اللدنية" ١/ ٢٨٤ وما بعدها، "الدلائل" للبيهقي ٢/ ٤٥٨ وما بعدها، "البداية" ٣/ ١٦٨ وما بعدها، وغير ذلك كثير.
[ ١٧١ ]
المسلمون من قبضتهم، وأصبحوا يتوقعون منهم خطرًا كبيرًا لا ريب فيه.
[ ١٧٢ ]
المؤامرة الكبرى:
وكانت دار قصي بن كلاب هي ندوة قريش يجتمعون فيها للنظر فيما يعنيهم من الأمور وما يصادفهم من المشكلات، ولا شك أن أمر محمد بن عبد الله -ﷺ- قد أصبح شغلهم الشاغل ومشكلتهم الكبرى، وعلى الأخص بعدما تم من بيعتي العقبة وظهور الإسلام في المدينة.
ومن أجل ذلك فإن قريشًا قد اجتمعوا بدار الندوة، ليتشاورا فيما يصنعون بمحمد بن عبد الله -ﷺ- بعد أن عظم أمره واشتد خطره.
قال قائل منهم: نخرجه من أرضنا وننفيه إلى مكان بعيد كي نستريح منه فرفض هذا الرأي، لأنهم قالوا: إذا خرج إلى مكان آخر اجتمعت حوله الجموع، لما يرونه من حلاوة منطقه وعذوبة لفظه.
وقال آخر: نوثقه ونحبسه حتى يدركه ما أدرك الشعراء قبله من الموت؛ فرفض هذا الرأي كذلك، لأنهم قالوا: لئن حبستموه كما تقولون ليظهرن أمره وليبلغن أصحابه، وليوشك هؤلاء أن يثبوا عليكم ليخلصوا محمدًا من أيديكم ثم يكاثروكم به حتى يغلبوكم على أمركم
وأخيرًا قال أبو جهل بن هشام:
والله إن لي فيه رأيًا ما أراكم قد وقعتم عليه بعد.
قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟
قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابًّا جلدًا نسيبًا وسيطًا، ثم نعطي كل
[ ١٧٢ ]
واحد منهم سيفًا صارمًا، ثم يعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إن فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعًا، ويرضون بالدية فنعطيها لهم.
وقد وقع هذا الرأي في نفوسهم موقع الرضا والقبول، فوافقوا عليه وتهيئوا للإسراع في تنفيذه١.
وهذا هو مكرهم، ولكن الله الذي يكتب ما يبيتون ويعلم ما يفعلون لم يتخل عن رسوله -ﷺ- فأوحى إليه بما دبره له الأعداء في ندوتهم، وأمره بالهجرة من مكة إلى المدينة، ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون.
﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ٢.
ومما تقدم يتبين لنا أن أسباب الهجرة تتلخص فيما يأتي:
١- شدة إيذاء المشركين من قريش للرسول -ﷺ- وللمسلمين. وقد بلغ هذا الأذى نهايته في الفترة الأخيرة، أي بعد وفاة السيدة خديجة -﵂- ووفاة أبي طالب، عم الرسول -ﷺ.
_________________
(١) ١ أخرج القصة هذه ابن إسحاق عن جماعة لا يتهمهم، عن عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد وغيره، عن ابن عباس كما في "سيرة ابن هشام" ٢/ ١٢٤، وفي قصته أن إبليس حضر ذلك المجلس بصورة شيخ كبير من أهل نجد، وأنه كان له القول الفصل في نقض الاقتراحات الأولى. وأخرج القصة البيهقي عن ابن إسحاق ٢/ ٤٦٦. وأخرجها ابن سعد ١/ ١٧٤، و"المواهب" ١/ ٢٨٥، و"مجمع الزوائد" ٦/ ٥٢ وما بعدها، وغير ذلك. ٢ سورة الأنفال، الآية ٣٠. وقد جاء ذكر هذا فيما تقدم، وفي أحاديث أخرى كثيرة.
[ ١٧٣ ]
٢- بيعتا العقبة، وفي هاتين البيعتين وضح للرسول -ﷺ- أن الأوس والخزرج مخلصون له وللإسلام، وأنهم سيدافعون عنه وينصرونه، وأن المدينة قد أصبحت بعد إسلام الكثيرين من الأوس والخزرج مكانًا طيبًا يمكن أن تنمو فيه الدعوة الإسلامية وتترعرع.
٣- المؤامرة الكبرى، وهي تلك المؤامرة التي اتفق المشركون فيها على قتل رسول الله -ﷺ- والتخلص منه ليخلو الجو لهم، ويرجع المجد والسلطان لآلهتهم المزعومة، وعقائدهم الفاسدة.
[ ١٧٤ ]
بدء الهجرة النبوية:
وتتحدث السيدة عائشة -﵂- عن يوم الهجرة النبوية فتقول١:
كان لا يخطئ رسول الله -ﷺ- أن يأتي أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة، وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن الله فيه لرسوله -ﷺ- في الهجرة والخروج من مكة. ومن بين ظهري قومه أتانا رسول الله -ﷺ- بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها. قالت: فلما رآه أبو بكر قال: ما جاء رسول الله -ﷺ- في هذه
_________________
(١) ١ في لفظ للبخاري، وقد أخرج البخاري حديث الهجرة هذا في مواضع كثيرة: في الفضائل، باب هجرة النبي -ﷺ. وفي المساجد، باب المسجد يكون في الطريق من غير ضرر بالناس. وفي البيوع، باب إذا اشترى متاعًا أو دابة وفي الإجارة، باب استئجار المشركين عند الضرورة وباب إذا استأجر أجيرًا ليعمل له بعد ثلاثة أيام، أو بعد شهر.. وفي الكفاية، باب جوار أبي بكر.. وفي المغازي، باب غزوة الرجيع وفي اللباس، باب التصنع
[ ١٧٤ ]
الساعة المتأخرة إلا لأمر حدث. قالت: فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره، فجلس رسول الله -ﷺ- وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله -ﷺ: "أخرج عني من عندك"، قال: يا رسول الله إنما هما ابنتاي، وما ذاك فداك أبي وأمي؟ قال: "إن الله أذن لي في الخروج والهجرة". قالت: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: "الصحبة".
قالت: فوالله ما شعرت قط -قبل ذلك اليوم- أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يومئذٍ يبكي.
وقد بكى أبو بكر -﵁- من فرط السرور؛ لأنه أدرك مدى النعمة التي مَنّ الله بها عليه، إذ شرفه بصحبة الرسول -ﷺ- في هذا الوقت العصيب.
وفي تلك الرحلة الخالدة التي ستكون حدًّا فاصلًا بين الحق والباطل وسيتقرر بها مصير الإسلام والمسلمين.
وكان أبو بكر قد جهز راحلتين له وللرسول -ﷺ- ثم استأجر دليلًا خبيرًا بطرق الصحراء واسمه: عبد الله بن أريقط، وعلى الرغم من أن هذا الرجل كان كافرًا إلا أنهما وثقا من أمانته وإخلاصه، فواعده غار ثور بعد ثلاث ليال.
وكانت الليلة التي خرج فيها رسول الله -ﷺ- من مكة في العشر الأواخر من شهر صفر. وفي السنة الثالثة عشرة من البعثة النبوية، وكان المشركون قد ترصدوا للرسول -ﷺ- في تلك الليلة، وأحاطوا بداره لكي ينفذوا مؤامرتهم الغادرة.
وقد أمر رسول الله -ﷺ- علي بن أبي طالب -﵁- أن يبيت في مكانه وسجّاه ببردته، فكان المشركون إذا نظروا من ثقب الباب وجدوا شبحًا نائمًا وعليه بردة الرسول -ﷺ- فيعتقدون أنه محمد فيطمئنون، ثم خرج محمد
[ ١٧٥ ]
-صلوات الله وسلامه عليه- على المشركين وهو يقرأ: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ﴾ ١. فألقى الله النوم عليهم فلم يره أحد منهم٢ ثم تقابل الرسول -ﷺ- مع أبي بكر وسارا حتى بلغا غار ثور فاختبآ فيه ثلاث ليال حتى ينقطع الطلب عنهما، وتيأس قريش من مطاردتهما.
_________________
(١) ١ سورة يس، الآية ٩. ٢ "سيرة ابن هشام" ٢/ ١٢٧، و"مسند أحمد" كما في "البداية" بسند حسن ٣/ ١٨١.
[ ١٧٦ ]
في غار ثور:
وصل رسول الله -ﷺ- إلى غار ثور ومعه صاحبه الوفي الأمين أبو بكر الصديق -﵁- وقد سبق أبو بكر رسول الله إلى دخول الغار ليستبرئه.
فلما اطمأن إلى سلامته من الهوام والحشرات، نادى الرسول -ﷺ- بالدخول ومكثا في ذلك الغار الموحش ثلاث ليال.
وكان عبد الله بن أبي بكر قد عرف من أبيه حين الهجرة من مكة أنه سيلجأ مع النبي -ﷺ- إلى غار ثور فكان إذا جن الليل ينطلق إلى الغار فيقص على رسول الله -ﷺ- وعلى أبيه ما رأى من مشركي قريش وما سمع من تدبيرهم، ثم يأتي عامر بن فهيرة مولى أبي بكر بأغنامه فينال الرسول -ﷺ- وأبو بكر من ألبانها ولحومها ما يشاءان، ثم يعود عبد الله بن أبي بكر، ويعود عامر بالقطيع وراءه ليعفي على أثره، ويعود اللاجئان إلى عزلتهما بالغار يؤنسهما الإيمان وتحيط بهما عناية الرحمن.
وقد فزع مشركو قريش لهجرة رسول الله -ﷺ- وخروجه من مكة أشد الفزع، فطاردوه في كل مكان وقعدوا له كل مرصد، وتتبعوا آثاره وآثار صاحبه حتى
[ ١٧٦ ]
انتهى بهم المطاف إلى مقربة من غار ثور. وقد ساورهم الشك في أن يكون محمد -ﷺ- وصاحبه قد لجآ إلى ذلك الغار، فأخذوا يتشاورون فيما بينهم ويتساءلون، وكان على مقربة من الغار راعٍ
فلما رآه المشركون سألوه: هل رأيت محمدًا وأبا بكر؟ وهل تعرف أين ذهبا؟
وأجاب الراعي: قد يكونان بالغار وإن لم أر أحدًا أمّه.
وسمع الرسول -ﷺ- وأبو بكر هذا الحديث، وسمعا وقع أقدام المشركين وهم يتقدمون نحو الغار، فاستولى الخوف الشديد على أبي بكر الصديق حتى تصبب عرقًا وقال: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موضع قدمه لرآنا.
ولكن الرسول -ﷺ- كان يطمئنه ويقول له: "يا أبا بكر ما ظنك في رجلين الله ثالثهما، يا أبا بكر لا تحزن إن الله معنا".
ثم تقدم واحد منهم نحو الغار، ودار حوله وأمعن النظر فيه، فلم يلبث أن عاد أدراجه. وسأله أصحابه: ماذا رأيت بالغار؟ فقال: إن العنكبوت عليه من قبل ميلاد محمد، وقد رأيت حمامتين وحشيتين على فم الغار فعرفت أن ليس فيه أحد، فاعتقد المشركون أن الغار مهجور ورجعوا خائبين١.
وهكذا تتجلى عناية الله ورعايته للرسول -ﷺ- في كل خطوة من خطواته، وفي ذلك يقول الله -﷿:
_________________
(١) ١ انظر روايات الهجرة عند ابن كثير في "البداية" ٣/ ١٧٧ وما بعدها، "ترتيب طبقات ابن سعد" ١/ ٢٤٩ وما بعدها، "سيرة ابن هشام" ٢/ ١٢٥ وما بعدها، "جامع الأصول" ٩/ ٤٨٩ وما بعدها، "دلائل النبوة" للبيهقي ٢/ ٤٧١ لأبي نعيم ٢/ ٣٢٥ وما بعدها، "المواهب اللدنية" ١/ ٢٨٦ وما بعدها، "مجمع الزوائد" ٦/ ٥٢ وما بعدها، وغير ذلك.
[ ١٧٧ ]
﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وإذا كان القرآن الكريم لم يشر إلى نسيج العنكبوت، ولا إلى وجود حمامتين وحشيتين عند الغار، فإن كتب الحديث النبوي قد أشارت إلى شيء من ذلك، فقد ذكر أحمد في مسنده عن ابن عباس -﵄: أن أهل مكة لما اقتفوا أثر الرسول -ﷺ- بعد خروجه من مكة وصلوا إلى جبل ثور، فصعدوا فيه فمروا بالغار فرأوا على بابه نسيج العنكبوت فقالوا: لو دخل هنا أحد لم يكن نسيج العنكبوت على بابه٢.
على أننا يمكن أن نستشف من قوله سبحانه: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ أي أيده بعنايته، ومن قوله: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ أن نسيج العنكبوت ووجود الحمامتين الوحشيتين وإخفاء هذه الأشياء لمحمد -ﷺ- وصاحبه عن عيون الأعداء إنما هو أثر من عناية الله ورمز لجنود الله، إن جنود الله هي القوى التي يمتلئ بها الكون ويسخرها الله -إذا شاء- للقضاء على الظالمين، أو إعانة الضعفاء أو إغاثة الملهوفين، وقد يتمثل ذلك في إنسان أو حيوان أو طائر، أو أي كائن صغير أو كبير.
_________________
(١) ١ سورة التوبة، الآية ٤٠. ٢ "المسند" ٢/ ٢٧٩، وقد حسن الحافظ ابن كثير سند الحديث في "البداية" ٣/ ١٨١ وكذلك وقع ذكر العنكبوت والحمامتين، في حديث عن أنس بن مالك، وزيد بن أرقم، والمغيرة بن شعبة، عند البيهقي في "الدلائل" ٢/ ٤٨٢، وابن سعد ١/ ٢٢٩ وأبي نعيم رقم ٢٢٩، وابن عساكر كما عند ابن كثير في "السيرة" ٣/ ١٨١، وقال: هذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه، قلت: وهو ضعيف وقد جاء ذكر نسج العنكبوت من مرسل الحسن، كما في "البداية" ٣/ ١٨١ وحسنه الحافظ في الشواهد. وفي الباب أكثر مما ذكرت، وفيما تقدم كفاية.
[ ١٧٨ ]
ومن عجب أن المفسرين حينما يفسرون قوله سبحانه: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ يقولون عنها: إنها الملائكة التي نزلت في يوم بدر وفي يوم حنين١، ولا شك أن الآية تتحدث عن الغار وما وقع فيه من رعاية إلهية لمحمد -ﷺ- وصاحبه وكل الأفعال الواردة في الآية الكريمة من إنزال السكينة وتأييد الرسول -ﷺ- بالجنود وجعل كلمة الذين كفروا هي السفلى وكلمة الله هي العليا..
كل ذلك إنما تتعلق به الظروف التي اختصها الله بالذكر في هذه الآية وأعني بها ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ﴾، و﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ﴾، و﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ هذا القول، أحد قولين، كما ذكر ذلك ابن الجوزي في "زاد المسير" ٤/ ٤٤١ وغيره. وقال: والثاني: لما كان في الغار. فليس هو محصور قولهم بيوم الأحزاب أو بدر أو حنين، كما ذكر المؤلف. وأما قوله أن المراد بالجنود النسيج والحمامتان، لا الملائكة، وعجبه من المفسرين. فالعجب منه هو، كيف سوغ لنفسه مخالفة جميع هؤلاء المفسرين. ثم إن مجرد رؤية العنكبوت أو الحمامة ليس يدفع الرائي للرجوع وعدم الدخول في الغار، إلا بما يقذف في قلبه من ذلك. وهذا من عمل الملائكة، لا من عمل الحمام أو نسيج العنكبوت نفسه. ومن هنا يعرف صحة ما قالوا، وضعف ما انتقد. نعم، لو قال: لا مانع أن تدخل الحمامتان، ونسج العنكبوت ضمن تلك الجنود مع الملائكة بعد ثبوت الخبر، لكان أحسن. ٢ فائدة: تفسير القرآن يحتاج لفهم وسبر يجعلهما الله فيمن يريد من عباده، فلا يتعجل المسلم في الخوض في ذلك، وانتقال السياق من موضع لآخر، ومن حكمة لأخرى أمر مشهود مشهور في القرآن العظيم، وبدليل ما في هذه الآية نفسها: فقوله تعالى: ﴿فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ . قال جمهور أهل التفسير: عليه -أي على أبي بكر- لا على النبي -ﷺ- لأنه كان مطمئنًا، كما صح ذلك ومضى الحديث.. وقال قليلون: عليه أي على النبي، وقيل: عليهما! وأما "أيده" فقالوا: هي للنبي -ﷺ- مع أن السياق واحد. وقد أوضح ابن الجوزي وغيره هذه الظاهرة فقال في "الزاد" ٤/ ٤٤١: فإن قيل: إذا وقع الاتفاق أن هاء أيده ترجع للنبي -ﷺ- فكيف تفارقها هاء "عليه" =
[ ١٧٩ ]
ومن هنا يسوغ لنا أن نقول -والله أعلم- إن تأييد الله لرسوله -ﷺ- بالجنود يُقصد به في هذه الآية ما سخره الله من القوى لنصرة محمد -ﷺ- وتيسير طريقه إلى يثرب وإخفاء المعالم التي تدل عليه حتى يصل إلى غايته في أمن وسلام١، ولله قول شوقي حينما يسجل تلك العناية في قصيدته نهج البردة:
سل عصبة الشرك حول الغار حائمة لولا مطاردة المختار لم تحم
هل أبصروا الأثر الوطاء أم سمعوا همس التسابيح والقرآن من أَمَمِ؟
وهل تمثل نسج العنكبوت لهم كالغاب والحائمات الزغب كالرخم؟
فأدبروا ووجوه الأرض تلعنهم كباطل من جلال الحق منهزم
لولا يد الله بالجارين ما سلما وعينه حول ركن الدين لم يقم
تواريا بجناح الله واستترا ومن يَضُمُّ جناح الله لا يُضَمِ
وكما أسعدني الحظ بالرقي إلى غار حراء، حيث بدأ نزول الوحي على النبي الأمين، فقد أسعدني الحظ -كذلك- بالرقي إلى غار ثور حيث لجأ الرسول -ﷺ- وصاحبه يحتميان من طغيان المشركين، ولقد كانت رحلة مباركة من طلاب كلية
_________________
(١) = وهما متفقان في نظم الكلام؟ فالجواب: أن كل حرف يرد إلى الأليق به، والسكينة يحتاج إليها المنزعج، ولم يكن النبي -ﷺ- منزعجًا. وأما التأييد بالملائكة فلم يكن إلا للنبي -ﷺ- نظير هذا في قوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ﴾ فالتعزير والتوقير للنبي -ﷺ- والتسبيح لله -﷿. انتهى. وفي المقام كلام أطول من هذا بكثير، وإنما أوردته حتى لا يغتر مغتر بهذه الحجة التي أوردها المؤلف. ١ نعم، والملائكة أحق من قصد بذلك وعني.
[ ١٨٠ ]
الشريعة بمكة المكرمة. وعلى الرغم من متاعب الطريق الذي كانت تزحمه الرمال السافية والذي غاصت فيه السيارة مرة بعد مرة، ولم تتحرك إلا بعد أن نزل الجميع وعاونوها على المسير، فقد كنا نتجه في طريق الرسول -ﷺ- ونسير على الدرب الذي سلكه الرسول -ﷺ- ولذا عادت بنا الذاكرة من خلال القرون الماضية إلى يوم الهجرة النبوية، وتمثلنا رسول الله -ﷺ- خارجًا في ظلام الليل يطارده الظلم بجحافله الجرارة، ويضيء في قلبه الإيمان فيبدد هذا الظلم والظلام، وكنا نتطلع إلى الرمال عسى أن نرى أثرًا من آثاره، ونتسمع إلى الرياح عسى أن تروي لنا خبرًا من أخباره وهكذا حتى وصلنا -بحمد الله وتوفيقه- إلى جبل ثور.
ولقد كان هذا الجبل يختلف عن جبل حراء، لأنه جبل تسلمك قمته إلى سفح جبل آخر. فكأن الصاعد إلى غار ثور سوف يتسلق جبلين، ويبذل من الجهد مثل ما بذل في جبل حراء مرتين. ولقد عاوننا بعض الطلاب المرافقين لنا على الصعود، وكأنما كانت تشدنا إلى غايتنا قوة سحرية حتى وصلنا إلى هذا المكان الخالد١، ووقفنا أمامه خاشعين متأملين. والناظر إلى هذا الغار لأول وهلة يروعه جلال عجيب، ويسيطر على نفسه شعور غريب، فهو قبة كبيرة من الصخر مجوفة من الداخل ويتسع لأكثر من ثلاثين رجلًا، وبابه ضيق لا يستطيع أحد أن يدخله إلا حبوًا، على يديه ورجليه، وسقفه منخفض لا يزيد ارتفاعه عن متر ونصف متر، وأمام الباب فتحة واسعة تبلغ ضعف فتحة الباب.
وقد وسعها بعض الأمراء المسلمين ليدخل منها الضوء وتسهل دخول الناس، وكان هذا عملًا بعيدًا عن الصواب.
_________________
(١) ١ كذا قال، ولا أدري من أين جاء بهذا.
[ ١٨١ ]
وأمام الغار وعلى بعد ما يقرب من عشرة أمتار توجد صخرة مرتفعة، وهي التي وقف عليها المشركون حينما كانوا يبحثون عن رسول الله -ﷺ.
وقد قضينا في هذا المكان نصف يوم، كان في تقديرنا نصف العمر أو العمر كله. ورجعنا بعد ذلك من نفس الطريق الذي جئنا منه؛ حيث ضربت لنا خيمة بسفح الجبل فاسترحنا في ظلها، وتناولنا أقداح الشاي وأقداح اللبن.
قلت لصاحبي -وأنا أجول في أعماق الماضي البعيد: ليت هذه الخيمة كانت خيمة أم معبد؟ وليت هذا اللبن الذي شربناه كان من شاة أم معبد.١ فأجابني قائلا: يا ليت ثم يا ليت، ولكن هيهات هيهات أن يرجع ما فات.
وبعد ثلاثة أيام قضاها الصاحبان في غار ثور، وبعد أن هدأ الطلب وسكن الناس عنهما، أتاهما الدليل: عبد الله بن أريقط، ببعيرين لهما وبعير له، وأتتهما أسماء بنت أبي بكر بطعامهما.
فلما ارتحلا لم تجد ما تعلق به الطعام والماء في رحالهما، فشقت نطاقها وعلقت الطعام بنصفه وانتطقت بالنصف الآخر، فسميت ذات النطاقين. وتتحدث السيدة أسماء عما أخذه أبوها من ماله في يوم الهجرة، فتقول: لما خرج رسول الله -ﷺ- وخرج أبو بكر معه احتمل أبو بكر معه خمسة آلاف درهم، وكانت هي كل ماله.
فدخل علينا جدِّي أبو قحافة -وقد ذهب بصره- فقال:
_________________
(١) ١ سيأتي ذكر ذلك.
[ ١٨٢ ]
والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه.
فقلت له: كلا يا أبت إنه قد ترك لنا خيرًا كثيرًا.
قالت: ثم أخذت أحجارًا فوضعتها في كوة في البيت الذي كان أبي يضع ماله فيه، ثم وضعت عليها ثوبًا، ثم أخذت بيده فقلت: يا أبت ضع يدل على هذا المال.
قالت: فوضع يده عليه فقال: لا بأس إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، وفي هذا بلاغ لكم، ثم تقول السيدة أسماء: ولا والله ما كان قد ترك لنا شيئًا، ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك١.
_________________
(١) ١ انظر المراجع السابقة لهذه القصة، وصحيح البخاري ٢/ ٣١٢ وغيره.
[ ١٨٣ ]
قصة أم معبد
وتعيد إلينا قصة أم معبد الخزاعية قصة حليمة السعدية مرضعة الرسول -ﷺ- فلقد كان قدوم محمد -ﷺ- خيرًا وبركة، وظهر ذلك فيما منحها الله من رزق وفير، وكان ذلك في أيام رضاعه وطفولته.
وكذلك كان قدوم محمد -ﷺ- على أم معبد الخزاعية في طريق هجرته إلى المدينة وفي أيام كهولته خيرًا وبركة، وظهر ذلك بما أفاء الله عليها من خير بيمن قدومه، ومن حيث لم تكن هناك أسباب يتوقع منها هذا الخير، وإليكم ما رواه ابن سعد في كتابه الطبقات الكبرى١ عن ذلك: "عن أبي معبد الخزاعي أن
_________________
(١) ١ "١/ ٢٣٠"، ومن وجهه أخرجها البيهقي كما في البداية ٣/ ١٩٢، وكذلك أخرجها أبو نعيم من هذا الوجه، وفي السند مقال الذهبي في تلخيص المستدرك. لكن جاءت القصة من طريق آخر عند الحاكم في المستدرك ٩١٣ عن هشام بن =
[ ١٨٣ ]
رسول الله -ﷺ- لما هاجر من مكة إلى المدينة هو وأبو بكر وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر ودليلهم عبد الله بن أريقط الليثي، مروا بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت المرأة١ جلدة برزة٢ تحتبي وتقعد بفناء الخيمة ثم تسقي وتطعم، فسألوها تمرًا أو لحمًا يشترونه. فلم يصيبوا عندها شيئًا من ذلك، وإذا القوم مرملون٣، مسنتون٤.
فقلت والله لو كان عندنا شيء ما أعوزكم القرى.
فنظر رسول الله -ﷺ- إلى شاة في كسر الخيمة فقال: "ما هذه الشاة يا أم معبد"؟
قالت: هذه شاة خلفها الجهد عن الغنم. فقال "هل بها من لبن"؟
قالت: هي أجهد من ذلك، قال: "تأذنين لي أن أحلبها"؟
قالت: نعم، بأبي أنت وأمي إن رأيت بها حلبًا. فدعا رسول الله -ﷺ- بالشاة فمسح ضرعها وذكر اسم الله، وقال: "اللهم بارك لها في شاتها"، قال:
_________________
(١) = حبيش، وعند الطبراني في الأحاديث الطوال ٢٥/ ٣٠، وأبي نعيم في الدلائل رقم ٢٣٨، وعزاه السيوطي في الخصائص للبغوي وابن شاهين وابن منده وغيرهم، قلت: وأخرجه كذلك البيهقي في الدلائل ١/ ٢٧٧، والبغوي في شرح السنة ٣٩٧٤، واللالكائي في أصول الاعتقاد ١٤٣٤، ١٤٣٧، وقد تكلمت على الإسنادين في الدرك بتخريج المستدرك، وذكرت أن الحديث يحسن من طريقيه، وانظر البداية ٣/ ١٩٢ وما بعدها، من إتيان هذه القصة عن غير أم معبد أيضًا، وترجيح الحافظ أن القصتين واحدة، وكذلك نقل هذا الترجيح عن البيهقي، وأسانيد القصص الأخرى قوية. ١ الجلدة: القوية. ٢ برزة: أي تبرز لا تحتجب احتجاب الشابات لكهولتها، وهي مع ذلك عفيفة عاقلة. ٣ المرملون: من نفد زادهم. ٤ مسنتون: أصابتهم سنة، أي مجاعة وجرب.
[ ١٨٤ ]
فتفاجت١ ودرت واجترت فدعا بإناء لها يُربض الرهط٢ فحلب فيه ثجًّا حتى غلبه الثمال٣ فسقى لها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى ارتووا، وشرب -ﷺ- آخرهم، فشربوا جميعًا عللا بعد نهل٤ثم حلب فيه ثانيًا عَودا على بدء، فغادره عندها ثم ارتحلوا عنها، فقلما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد.
فلما رأى اللبن عجب وقال: من أين لكم هذا والشاة عازبة ولا حلوبة في البيت؟ قالت: والله، إنه مر بنا رجل مبارك كان من حديثه كيت وكيت، قال: ذاك والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره ما ذكر ولو كنت وافقته يا أم معبد لالتمست أن أصحبه، ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا.٥
وتروي كتب السيرة ٦ أن هاتفًا من الجن أخبر أهل مكة بما وقع في خيمة أم معبد، فكان مما قال:
جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر ثم ترحلَا فأفلح من أمسى رفيق محمد٧
لِيَهْنِ بني كعب مقامُ فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد٨
_________________
(١) ١ فرجت بين رجليها وتهيأت للحلب. ٢ أي يروي الجماعة نحو العشرة. ٣ الثمال: الرغوة. ٤ أي مرة بعد مرة. ٥ هكذا أورد القصة المؤلف، وقد اختصر شيئًا منها. ٦ قد جاءت هذه الأبيات في نفس الحديث الماضي. ٧ كذا في "الطبقات" ١/ ٢٣١، و"البداية" ٢/ ١٩٣، وأما في "دلائل أبي نعيم": هما نزلا بالهدى واهتدت به فقد فاز من أمسى رفيق محمد ٨ سقط هذا البيت من "الطبقات الكبرى". وثبت في دلائل أبي نعيم. وزاد قبله: فيا لقصي ما زوى الله عنهم به من فعال لا تجازى وسؤدد
[ ١٨٥ ]
سلو أختكم عن شاتها وإنائها فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد١
وقد أجابه حسان بن ثابت بعد ذلك:
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم وقدس من يسري إليه ويغتدي
ترحل عن قوم فزالت عقولهم وحل على قوم بنور مجدد٢
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلوا كتاب الله في كل مشهد
لِتَهْنِ أبا بكر سعادة جده بصحبته من يسعد الله يسعد٣
_________________
(١) ١ وثمة أبيات لم تذكر كذلك وانظر: "الطبقات الكبرى" ١/ ٢٣١. "الروض الأنف" ٢/ ٧. "دلائل النبوة" لأبي نعيم ٢/ ٣٣٩. "المستدرك" ٣/ ١٠. "البداية والنهاية" ٣/ ١٩٣. وغير ذلك. ٢ بعد بيتين فيما مضى من المصادر: هداهم بعد الضلالة ربهم فارشدهم ومن يتبع الحق يرشد وهل يستوي ضلال قوم تسفهوا عمى وهداة يهتدون بمهتد ٣ وثمة أبيات كذلك.
[ ١٨٦ ]
حديث سراقة:
وكانت قريش قد رصدت مائة ناقة مكافأة ناجزة لمن يأتيهم بمحمد -ﷺ- حيا أو ميتا، وهي مكافأة يسيل لها لعاب الباحثين عن الثروة وطلاب المال، وقد تطلع إليها الكثيرون من الشبان الأقوياء والفرسان الشجعان، فبحثوا عن محمد -ﷺ- في
[ ١٨٦ ]
كل مكان، وتتبعوا آثاره وأخباره حتى كادوا ينبشون الجبال، ويسألون الحصى والرمال.
وكان من أكثرهم حرصًا وتلهفًا على الظفر بهذه الجائزة الكبرى رجل من بني مدلج يقال له: سراقة بن مالك، وكان قد سمع من بعض المسافرين القادمين من مكة أمارات واضحة تدل على الطريق الذي يسير فيه محمد وأصحابه، وكان عددهم أربعة، فأخذ يضلل السامعين ويعمي عليهم حتى يظفر وحده بالإبل المائة، ويظفر إلى جوار ذلك بالفخر أمام أهل مكة الذين أعياهم البحث عن محمد -ﷺ- واستسلموا في النهاية إلى اليأس والفشل.
وقد جهز الرجل عدته وسلاحه وامتطى فرسه وانطلق يعدو ميممًا الطريق والمكان الذي توقع فيه ضالته المنشودة، حتى أصبح على مرمى البصر من محمد -ﷺ- ومرافقيه. ويقول سراقة إن فرسه عثرت به ثلاث مرات، وفي المرة الثالثة ساخت قوائمها في الرمال، فانتزعها من الأرض فتصاعد منها دخان كالإعصار وحينئذ فزع سراقة، وأدرك أن سرًا عجيبًا وعناية خاصة تحيط بهؤلاء الناس، وأنه إن استمر في طلبهم فسوف يسعى إلى حتفه بظلفه، فناداهم قائلا: أنا سراقة بن جعشم، انظروني أكلمكم، فوالله لا أرينكم ولا يأتيكم مني شيء تكرهونه. فقال الرسول -ﷺ- لأبي بكر: قل له: "وماذا تبتغي منا"؟ فقال ذلك أبو بكر، فأجابه سراقة: أريد أن تكتب لي كتابًا يكون آية بيني وبينك. قال: اكتب له يا أبا بكر. فكتب له كتابا بما طلب ثم ألقاه إليه١.
_________________
(١) ١ وعده بهذا الكتاب بأشياء، نفذها له فيما بعد، ولفظ البخاري ٣٩٠٦ لذلك: قال سراقة: فسألته أن يكتب لي كتاب موادعة آمن به، فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي رقعة من أدم، ثم مضى وكونها في البخاري لا نطيل بتخريج القصة، لكن من أراد الاستقصال، فلينظرها في فتح الباري ٧/ ٢٣٨ ففيه ذكر تفاصيل أخرى. ولينظر كذلك دلائل النبوة للبيهقي ٢/ ٤٨٣ وما بعدها، ومسند أحمد ١/ ٢، والمعرفة والتاريخ ١/ ٢٣٩ للفسوي، والسيرة للصالحي ٣/ ٣٤٥، و"سيرة ابن هشام" ٢/ ١٠٢ وغير ذلك.
[ ١٨٧ ]
ورجع سراقة إلى مكة مأخوذًا بما وقع له ومصمما على تنفيذ ما تعهد به من إبعاد الأذى عن محمد -ﷺ- وصاحبه، وتضليل كل من يريد بهم الشر والسوء.
ويذكر الرواة١: أن أبا جهل وجه اللوم إلى سراقة حينما رجع دون أن يتحقق له شيء. فقال له سراقة -وكان شاعرا:
أبا حكم والله لو كنت شاهدًا لأمر جوادي إذ تسوخ قوائمه
علمت٢ -ولم تشكك- بأن محمدا رسول ببرهان فمن ذا يقاومه؟
عليك بكف القوم عنه فإنني أرى أمره يومًا ستبدو معالمه
بأمر يود الناس فيه بأسرهم٣ لو أن جميع الناس طرًا يسالمه
وسواء أكان هذا الشعر لسراقة نفسه أم أنه من كلام غيره، فإنه -بلا شك- تعبير صادق عما يجيش في صدره، بعد ما رأى تلك العناية التي تحيط بمحمد -ﷺ- وتحول بين أعدائه وبين ما يشتهون.
وقد واصل الرسول -ﷺ- سيره في هذا الركب موليا وجهه شطر يثرب، ولكن الدليل سلك بهم طريقًا غير مألوف حتى يمعن في تضليل الأعداء والاستخفاء عن أعينهم، فاتجه إلى تهامة على مقربة من شاطئ البحر الأحمر، وهو على أمكنة يصعب فيها السير. ولكنه اختارها لبعدها عن الطريق المعروف، فمر بعسفان -وسميت بذلك لتعسف السير فيها- ومر بالجداجد، وهو مكان كثير الصخور. ومر بالعرج، وهو مكان ينعرج فيه الطريق. وهكذا حتى وصلوا إلى
_________________
(١) ١ انظر "سيرة ابن هشام" ٢/ ١٠٢-١٠٤، و"دلائل النبوة" ٢/ ٤٨٩ للبيهقي وغير ذلك. ٢ في "الدلائل": عجبت. ٣ في "الدلائل": "بإلبها"، وانظر "الروض الأنف" ٦١٢.
[ ١٨٨ ]
قباء بعد رحلة في صحراء الجزيرة العربية استمرت اثني عشر يومًا١، لقي الرسول -ﷺ- وأصحابه خلالها من وعثاء السفر ووحشة الطريق وكيد الأعداء ما ينوء به الأبطال.
وقد أقام الرسول -ﷺ- أربعة أيام في قباء٢ وفيها أسس مسجدها المبارك الذي وصفه الله -﷿- بقوله: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ قال في "المواهب اللدنية" ١/ ٣٠٦، ٣٠٧: قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: كان قدومه -ﷺ- لهلال ربيع الأول -أي أول يوم منه- وفي رواية جرير بن حازم عن ابن إسحاق: قدمها لليلتين خلتا من ربيع الأول، ونحوه عن أبي معشر، لكن قال ليلة الاثنين. وعن ابن سعد: قدمها لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. وفي "شرف المصطفى" لأبي سعد النيسابوري من طريق أبي بكر بن حزم: قدم لثلاث عشرة من ربيع الأول. وقيل: كان حين اشتد الضحاء يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة منه، وبه جزم النووي وقال ابن الكلبي: خرج من الغار يوم الاثنين أول يوم من ربيع الأول، ودخل المدينة يوم الجمعة لثنتي عشرة منه، وقيل لليلتين. وعند البيهقي: لثنتين وعشرين. وقال ابن حزم: خرجا من مكة وقد بقي من صفر ثلاث ليالٍ. ٢ الاثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس، على حد قول ابن إسحاق، كما نقله عنه ابن كثير في "البداية" ٣/ ١٩٨ ثم قال: وعن محمد بن إسحاق قال: بنو عمرو بن عوف يزعمون أنه -ﷺ- أقام فيهم ثماني عشرة ليلة. قال ابن كثير: وقد تقدم في البخاري عن عروة أنه أقام فيهم بضع عشرة ليلة. وعن موسى بن عقبة عن مجمع بن يزيد بن حارثة أنه أقام في بني عمرو بن عوف بقباء اثنتين وعشرين ليلة. وقال الواقدي: يقال: أقام فيهم أربع عشرة ليلة. انتهى. قلت: في صحيح مسلم أنه أقام أربع عشرة ليلة. وكذا في البخاري من حديث أنس. ٣ وقد قدمت الكلام على هذا أوائل الكتاب، وأن المسألة موضع خلاف، والراجح الذي جاءت به السنة أن المسجد المراد بالآية، هو المسجد النبوي.
[ ١٨٩ ]
ثم غادر رسول الله -ﷺ- قباء، واتجه إلى المدينة، حيث كان الأوس والخزرج -وهم الأنصار- يحيطون به عن يمين ويسار وقد تقلدوا سيوفهم وامتلأت نفوسهم بالبشر والسرور، فكانت لحظات خالدة في تاريخ المدينة، وكان يومًا عظيمًا في تاريخ الإسلام، وخرج النساء والصبيان في جو من النشوة والفرح تتردد فيه الأناشيد الجميلة.
ثم سار في المدينة في موكب من النور، وكلما مر الرسول -ﷺ- على دار من دور الأنصار، دعاه أهلها للنزول عندهم، وأخذوا بزمام ناقته فيقول لهم الرسول -ﷺ-: "دعوها فإنها مأمورة".
ولم تزل سائرة حتى بركت في محلة من محلات أخواله بني النجار أمام دار أبي أيوب الأنصاري، فقال رسول الله -ﷺ: "ههنا المنزل إن شاء الل هـ، ﴿رَبِّ أَنزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنزِلِينَ﴾ [المؤمنون: من الآية: ٢٩] ". فاحتمل له أبو أيوب رحله فوضعه في منزله وخرجت ولائد من بني النجار يقلن:
نحن جوار من بني النجار يا حبذا محمد من جار
فقال ﵇: "أتحببنني"؟ فقلن: نعم. فقال الرسول -ﷺ: "إن قلبي يحبكن". واختار ﵊ النزول في الدور الأسفل من بيت أبي أيوب ليكون أريح لزائريه. ولكن أبا أيوب -﵁- كره ذلك وأبى إلا أن ينزل الرسول -ﷺ- في الطابق الأعلى إكراما وإعزازًا لشأنه١.
_________________
(١) ١ طبقات ابن سعد ١/ ٢٥٩ ترتيب طبقاته وقد أخرجه من وجوه، وأخرج القصة ابن إسحاق من حديث أبي أيوب نفسه، كما عند ابن هشام ٢/ ١٤٤، وهي عند البيهقي ٢/ ٥١٠ ومسلم في صحيحه ص ١٦٢٣. وأخرج القصة البيهقي في "الدلائل" ٣/ ٤٩٩ وما بعدها، من مرسلات عروة بن الزبير. ومن حديث أنس بن مالك كما في "البداية" ٣/ ١٩٩ لابن كثير، ثم قال: هذا حديث غريب من هذا الوجه لم يروه أحد من أصحاب السنن، وقد أخرجه الحاكم في مستدركه انتهى. قلت: نزوله في دار أبي أيوب صح في البخاري ٣٦٩٩ دون ذكر تفصيل القصة. وفي سنن الترمذي وقعت القصة وصححها، من حديث أبي أيوب ٤/ ٢٦١.
[ ١٩٠ ]
وكان الأنصار يتسابقون في إكرام الرسول -ﷺ- فما من ليلة إلا وعلى بابه الثلاثُ أو الأربعُ من جفان الثريد يأكل منها -﵊- هو وأضيافه من الأنصار والمهاجرين.
[ ١٩١ ]
بناء الدولة الإسلامية:
ومنذ أول يوم استقر فيه الرسول -ﷺ- في يثرب بدأ يؤسس الدولة الإسلامية الكبرى التي أذن الله لها -فيما بعد- أن تمتد في كل اتجاه وتضم بين ذراعيها أقوى دولتين كانتا تتحكمان في هذا العالم، وهما: دولة الفرس ودولة الروم.
وإذا كان كثير من المؤرخين قد درجوا على أن يجعلوا الأسس التي أقيمت عليها الدولة الإسلامية حينئذ ثلاثة فحسب، وهي: بناء المسجد، والمؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين، والمعاهدة بين الرسول وبين اليهود، فإننا لدى التأمل نستطيع أن نضيف إليها أسسا أخرى لها أهميتها الكبرى وهي: إلغاء العصبية القبلية بين الأوس والخزرج، حيث حول الإسلام قوتها المدمرة إلى قوة نافعة معمرة، وتحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، إذ ترتب على هذا التحول ترغيب كثير من القبائل العربية في الإسلام الذي يقدس بيت الله الحرام، وتوجيه المسلمين إلى القتال في سبيل الله حتى يتطهر الجو الذي كان يحيط بهم من عوامل الشر والفساد، ويفتح المجال أمام الراغبين في الإسلام دون خوف من اضطهاد أو فتنة١.
وأخيرا وضع النظام الاقتصادي الذي سوف تقوم عليه الدولة الجديدة.
_________________
(١) ١ ولكن في هذا نظر؛ لأن من تكلم عن الأسس تلك، أراد التي فعلها ساعة دخوله المدينة، بخلاف الأشياء التي ذكرها المؤلف فمتأخرة على وقت الدخول. كما سيأتي.
[ ١٩١ ]
بناء المسجد
شرع رسول الله -ﷺ- منذ وصل إلى المدينة في بناء مسجده في المكان الذي بركت فيه ناقته، وكان هذا المكان مربدًا١ للتمر مملوكًا لغلامين يتيمين في المدينة٢، فدعا رسول الله -ﷺ- بالغلامين، وطلب إليهما المريد ليتخذه مسجدًا وتحدث معهما في شرائه
فقالا: بل نهبه لك يا رسول الله.
فأبى ﵇ أن يقبله منها هبة، ولكنه ابتاعه منهما٣. وكان فيه قبور للمشركين وبعض حفر ونخل، فأمر رسول الله -ﷺ- بالقبور فنبشت، وبالحفر فسويت، وبالنخل فقطع. ثم أمر بالبناء، وكان بناؤه باللبن٤، ولكن عضادتي الباب كانتا من الحجارة، وكان سقفه من الجريد، وأعمدته من جذوع النخل، ولا يزيد ارتفاعه عن القامة إلا القليل.
وقد اشترك رسول الله -ﷺ- وأصحابه في حمل اللبنات والأحجار على كواهلهم، وكانوا يروحون عن أنفسهم عناء الحمل والنقل والبناء فيرددون هذا الغناء:
_________________
(١) ١ المريد: موضع تجفيف التمر. ٢ هما: سهل وسهيل ابنا عمرو. ٣ لفظ البخاري: "فقالا: بل نعطيه رسول الله -ﷺ-، ويقال: بل اشتراه منهما" ولم يجزم بأحد الأمرين، لكن وقع الجزم في رواية أخرى وأنه اشترى. ٤ الطوب.
[ ١٩٢ ]
اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فارحم الأنصار والمهاجرة١
وقد ضاعف من حماس الصحابة في العمل أنهم رأوا رسول الله -ﷺ- يعمل بنفسه كواحد منهم ويكره أن يتميز عليهم فارتجز بعضهم هذا البيت:
لئن قعدنا والرسول يعمل لذاك منا العمل المضلل٢
وهكذا تم بناء المسجد في جو يملؤه الإيمان وتشيع فيه الأخوة والمساواة.
ولم يكن المسجد على عهد الرسول -ﷺ- مكانا للصلوات فحسب، وإنما كان مدرسة للتعليم والتهذيب أستاذها ومعلمها رسول الله -ﷺ- وطلابها هم أصحابه الأبرار -رضوان الله عليهم- وكان محكمة للقضاء بما أنزل الله، يفصل فيها رسول الله -ﷺ- أو من ينيبه بين المتخاصمين، وكان دارا للشورى يتداول فيه الرسول -ﷺ- والمسلمون في أخص شئونهم وأمورهم، وكان مركزا لقيادة الجيش تعقد فيه الألوية للرؤساء والقواد ويزودون بالنصائح والتعليمات. وكان نزلا لاستقبال الوفود والرسل الذين توجههم الدول للقاء الرسول -ﷺ- وهكذا كانت رسالة المسجد في ذلك الوقت رسالة خير وإصلاح وتهذيب.
وقد وردت في فضل المسجد النبوي أحاديث كثيرة، فقد ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "لا تشد الرحال إلى إلا ثلاثة
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه ٣٩٣٢ ومسلم ٢/٣١١، وغيرهما، وانظر قصة بناء المسجد في "طبقات ابن سعد" ١/ ٢٣٩، و"سيرة ابن هشام" ٢/ ١١٤، "تاريخ الطبري" ٢/ ٣٩٥، "الدرر" لابن عبد البر ٨٨، "البداية والنهاية" ٣/ ٢١٤، "عيون الأثر" ١/ ٢٣٥، "دلائل النبوة" للبيهقي ٢/ ٥٣٨ وما بعدها، النويري ١٦/ ٣٤٤، "سبل الهدى" ٣/ ٤٨٥ "المواهب اللدنية" ١/ ٣١٦. ٢ ذكر ذلك ابن إسحاق في السيرة، ونقله عنه ابن كثير في "البداية" ٣/ ٢١٦.
[ ١٩٣ ]
مساجد: مسجدي هذا، والمسجد الحرام، والمسجد الأقصى" ١.
وجاء في الصحيحين أيضا أن رسول الله -ﷺ- قال: "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة" ٢.
وقد بني بجانب المسجد حجرتان: إحداهما لسودة بنت زمعة، والأخرى لعائشة بنت أبي بكر. ولم يكن رسول الله -ﷺ- متزوجا غيرهما إذ ذاك، وكانت الحجرتان متجاورتين وملاصقتين للمسجد على شكل بنائه، ثم صارت تُبنى الحجرات كلما تزوج الرسول -ﷺ- على عدد زوجاته٣.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ٢/ ٣١٧، وصحيح مسلم ٣/ ٢١٧. ٢ صحيح البخاري ٢/ ٦١١، وصحيح مسلم ٥/ ٢١١. ٣ قال الحافظ ابن كثير في البداية ٣/ ٢٢٠: قال الحسن البصري: كنت أنال أطُول سقف في حجر النبي -ﷺ- بيدي. وقال السهيلي في "الروض": كانت مساكنه ﵇ مبنية من جريد عليه طين، بعضها من حجارة مصفوفة، وسقوفها كلها من جريد، وقد حكي عن الحسن البصري ما تقدم، وكانت حُجره من شعر مربوطة بخشب من عرعر. وفي تاريخ البخاري أن بابه كان يقرع بالأظافر فدل على أنه ليس لأبوابه حِلَق.. إلى آخر ما قال، قلت: وأما قول المؤلف لم يكن متزوجا غيرهما إذ ذاك؛ لعله يريد عاقدا عليهما، ولم يكن دخل بغير سودة.
[ ١٩٤ ]
المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار:
وكان موقف الرسول -ﷺ- وأصحابه المهاجرين -بعد أن تركوا وطنهم وخرجوا من ديارهم وأموالهم- موقفا دقيقا يتطلب الإخلاص والتضامن، ويقتضي أن يسود التعاون بينهم وبين إخوانهم الأنصار.
وكان الأنصار -وهم الذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم- يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان
[ ١٩٤ ]
بهم خصاصة١.
ولا غرو فقد شعروا بحاجة إخوانهم المهاجرين، وقدروا ظروفهم العصيبة، فأوَوْهُم ونصروهم، وضربوا في الإخلاص لهم والتفاني في خدمتهم أروع الأمثال، حتى لقد وصفهم الله -﷿- بذلك الوصف الرائع حيث يقول: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ ٢، أي يفضلون إخوانهم المهاجرين على أنفسهم، مهما كان فقرهم، ومهما اشتدت حاجتهم.
وكانت سياسة الرسول -ﷺ- في هذه الظروف القاسية سياسة القائد المحنك الرشيد، فقد عمل على تنظيم صفوف المسلمين وتوكيد وحدتهم، فربط بينهم برباط قوي متين، وذلك أنه عقد تلك الأخوة النادرة المثال بين الأنصار والمهاجرين، وجعل لها من الحقوق والواجبات ما لأخوة النسب٣، فكان أبو بكر الصديق أخا لخارجة بن زهير الأنصاري، وكان أبو عبيدة بن الجراح أخا لسعد بن معاذ الأنصاري، وكان عبد الرحمن بن عوف أخا لسعد بن الربيع الأنصاري، وكان عثمان أخا لأوس بن ثابت الأنصاري٤.. وهكذا أصبح المهاجرون والأنصار بنعمة الله إخوانا. وقد أظهر الأنصار من الكرم والتسامح ما خفف عنهم آلام الغربة، وعوَّضهم عن فراق الأهل والعشيرة، حتى ليروى أن سعد بن الربيع الأنصاري عرض عليه أخيه عبد الرحمن بن عوف -وكان لا يملك بيثرب شيئا- أن يشاطره ماله٥، فأبى عبد الرحمن
_________________
(١) ١ أي حاجة وفقر كما جاء القرآن بذلك. ٢ سورة الحشر، الآية ٩. ٣ فكان الواحد يرث أخاه إذا مات حتى نزل قول الله تعالى: ﴿وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ . ٤ انظر ذلك في: "طبقات ابن سعد" ١/ ٢٥٩ ترتيب طبقاته، و"البداية" ٣/ ٢٦٦ وما بعدها، فإنه أطال في ذكر الروايات في ذلك. ٥ بل وأكثر من ذلك، وهو أن يطلق سعد إحدى زوجتيه، ويزوجها لعبد الرحمن، والقصة في "صحيح البخاري" ٣٧٨١ وغيره.
[ ١٩٥ ]
وطلب إليه أن يدله على السوق، وبدأ ببيع الزبد والجبن في سوق المدينة، فنما ماله واتسعت ثروته وأصبحت له قوافل تجارية عظيمة، وصنع غير عبد الرحمن من بعض المهاجرين الذين لهم خبرة بالتجارة كما صنع عبد الرحمن، فيسر الله عليهم وبارك لهم. أما المهاجرون الذين لم تكن لهم دراية في التجارة فقد عملوا في أراضي الأنصار، واشتغلوا بالزراعة بطريق المزارعة مع ملاك الأرض، وكانوا يلقون كثيرا من الشدة والتعب في حياتهم، ولكنهم يأبون أن يكونوا كلا وعالة على إخوانهم الأنصار، مهما كلفهم ذلك من جهد وآلام.
[ ١٩٦ ]
المعاهدة بين الرسول -ﷺ- واليهود
كانت المؤاخاة التي عقدها رسول الله -ﷺ- بين المهاجرين والأنصار في المدينة أساسا لتقوية المسلمين، وتوكيدا لوحدتهم وألفتهم وضمانا لحياة كريمة صافية، وعيشة راضية.
وكان اليهود يقيمون بجوار المسلمين في المدينة وهم يهود بني قينقاع وبني النضير وبني قريظة، وكان هؤلاء اليهود أعداء للأوس والخزرج -الأنصار قبل أن يدخلوا الإسلام- فلما دخلوا الإسلام وقوي أمرهم بمجيء إخوانهم المهاجرين ازدادت عدواتهم وحقدهم عليهم. ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ ١، فكان من سياسة الرسول -ﷺ- وحسن تدبيره أن يبدأ هؤلاء اليهود بالمودة، ويبسط لهم يد الأخوة، ويتفق معهم على التضامن والتعاون حتى تكون المدينة كلها صفًّا واحدًا وقوة واحدة، وحتى لا يطمع في المدينة طامع وينال منها عدو.
وقد كتب الرسول -ﷺ- معاهدة بين فيها حقوق المسلمين وواجباتهم وحقوق اليهود وواجباتهم، وكان أساس هذه المعاهدة الأخوة في السلم، والدفاع عن المدينة وقت الحرب، والتعاون التام بين الفريقين إذا نزلت شدة بأحدهما أو كليهما.
وقد جاء في هذه المعاهدة ٢: وأن اليهود أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية ٨٢. ٢ أورد المؤلف بعضًا منها، وقد ذكرها ابن إسحاق بطولها، ونقلها عنه الحافظ ابن كثير في "البداية" ٣/ ٢٢٤- ٢٢٥، ثم ذكر أن أبا عبيد القاسم بن سلام تكلم على شرح هذا الكتاب في "غريب الحديث". قلت: وابن إسحاق لم يسند الواقعة، ولا رأيت الاتفاق من وجه متصل صحيح. انظر "الروض الأنف" ٢/ ٢٥٠ وما بعدها.
[ ١٩٧ ]
وللمسلمين دينهم، ومن ظلم أو أثِمَ منهم؛ فإنه لا يوتغ -لا يهلك- إلا نفسه وأهل بيته، وأن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وأن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة١، وأن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وأن ما كان من أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله وإلى محمد -ﷺ- وأن بينهم النصر على من دهم يثرب، وأن من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة، إلا من ظلم وأثم، وأن الله جار لمن بر واتقى".
وقد كتب رسول الله -ﷺ- بعد هذه المعاهدة معاهدات خاصة مع اليهود تتجه إلى هذه الأهداف، وتدور حول تلك الأغراض.
وقد دلت هذه المعاهدات الجلية على سمو تفكير الرسول -ﷺ- وحسن سياسته، فهي تقرر حرية العقيدة، وحرية الرأي، وحرمة المدينة، وتحرم الجرائم، وتحارب الظلم والإثم، وقد وضعها رسول الله -ﷺ- منذ قرابة أربعة عشر قرنا من الزمان، ولكن لا تزال إلى هذا العصر الذي نعيش فيه نبراسا يهتدي به الساسة والقادة إذا اضطربت الأمور وأظلم السبيل.
ولا شك أن هذه المعاهدات الخالدة٢ كانت ذات أثر كبير في تقوية عزائم المسلمين، وحفظ المدينة من مطامع المشركين المعتدين، ولولا أن اليهود غدروا وخانوا العهد والمواثيق، وبدأوا بالعدوان على المسلمين، لما وقف
_________________
(١) ١ يعني المسلمين واليهود. ٢ كثيرا ما يطلق المؤلف هذه العبارة على الأمور المهمة، وكأنه يريد بذلك تعظيمها، أما الخلود فذاك شأن آخر.
[ ١٩٨ ]
رسول الله -ﷺ- والمسلمون منهم موقف العداء، ولظلت المدينة يغمرها الوئام والصفاء.
ولكن اليهود غدروا وخانوا وبدأوا بالعدوان، فرد الرسول -ﷺ- والمسلمون على إساءتهم وظلمهم بما جعلهم عبرة أمام القرون والأجيال، وما ظلمهم الله ولكن كانوا أنفسهم ظالمين.
[ ١٩٩ ]
إعلاء العصبية ١ بين الأوس والخزرج:
يتجه الإسلام في علاج الأمراض الأخلاقية والمشكلات الاجتماعية إلى أقوم طريق، ويوجه الغرائز البشرية والطبائع الإنسانية إلى المنهج السوي الصالح، فهو لا يقاوم الرغبات، بل يقومها، ولا يناهض الطبائع والعادات بل ينهض بها، ولا يقتل الحيوية الموجودة في النفوس إذا ما جمحت، أو ينزل به إلى الدرك الأسفل، وإنما هو يحييها ويسموا بها ويعليها.
ولقد عالج الإسلام العصبية القبلية في نفوس العرب على هذا الأساس السليم، فوجهها إلى الناحية الصالحة المستقيمة، وحول ذلك التيار القوي الذي كان يغذيها إلى اتجاه يوصل إلى غاية مجيدة فبعد أن كانت غاية المرء في الجاهلية هي نصرة قبيلته، والدفاع عن أهله وعشيرته مهما نأوا عن الحق وتشبثوا بالباطل، أصبحت الغاية في الإسلام هي نصرة الحق على الباطل -ولو حارب المرء في هذا السبيل أهله وبنيه، وتبرأ من أمه وأبيه وفصيلته التي تؤويه، وبذلك صارت الحمية في الجاهلية عزة إسلامية وأخوة دينية، وأصبح التنافس القبلي البغيض تنافسا رشيدا يسعى إلى التعمير لا التدمير، ويهدف إلى الإنشاء.
_________________
(١) ١ إعلاء العصبية عند علماء النفس هو توجيهها إلى الوجهة النافعة -المؤلف.
[ ١٩٩ ]
والهناء، لا إلى الهدم والإفناء، وغدا التسابق على المادة أو الجاه والسلطان تسابقًا في سبيل الله لإعلاء كلمة الحق ورفع لواء الإسلام.
ولقد كانت العصبية القبلية بين الأوس والخزرج قبل الإسلام معول هدم وتدمير يهدد القبيلتين بأسوأ مصير، وكان اليهود ينتهزون الفرصة فيشعلون النار كلما خمدت، ويحركون الفتنة كلما همدت، لينالوا من العرب، ويقيموا على أنقاض هذا الضعف قوة لهم. وفي وسط هذا الشر المطبق والفتن المتكاثفة، ومن خلال هذا الضباب المتراكم لاح بريق الأمل، وأقبل الحق المطارد في مكة يسعى إلى يثرب، يسوقه الباطل بجحافله كما تسوق الرياح العاتية الصيب الهتون، وجاء محمد بن عبد الله -ﷺ- إلى المدينة بالهدى والرشاد، فقضى على الفرقة وجمع الشتات، وأحيا الله به القلوب الموات: ﴿ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ ١.
وكان من الطبيعي أن يحول الإسلام ذلك التيار القوي الذي يغذي العصبية القبلية في نفوس الأوس والخزج إلى وجهة كريمة هي الغيرة المحمودة والتنافس الشريف الذي يسعى لأجَلِّ قصد وأنبل غاية، وهي إعلاء كلمة الإسلام والقضاء على أعدائه الألداء في كل مكان، فصار الأوس والخزرج يتجهون إلى هدف واحد هو إرضاء الله ورسوله -ﷺ- ولكن يتسابقون في هذا السبيل ويتنافسون، ويأبى كل فريق منهما أن يسبقه الآخر بميزة، أو يتقدم عليه بفضل أو يزيد عنه في تضحية وجهاد، وفي ذلك يقول ابن هشام: وكان مما صنع الله
_________________
(١) ــ ١ سورة الأنفال، الآية ٦٣.
[ ٢٠٠ ]
لرسوله -ﷺ- أن هذين الحيين من الأنصار: الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله -ﷺ- تصاول الفحلين، ولا تصنع الأوس شيئًا فيه عن رسول الله -ﷺ- غناء إلا قالت الخزرج: والله لا يذهبون بهذه فضلًا علينا عند رسول الله -ﷺ- في الإسلام، فلا ينتهون حتى يوقعوا مثلها، وإذا فعلت الخزرج شيئًا قالت الأوس مثل ذلك ١.
وكانت مظاهر هذه المنافسة كثيرة، وسوف نكتفي بتسجيل مظهر واحد منها يتجلى فيه كيف كان التنافس بين الأوس والخزرج في القضاء على زعيمين من زعماء اليهود، كانا من ألد أعداء الرسول -ﷺ- وأكبر خصوم الإسلام. وذلك أن الأوس كان لهم الفضل والشرف الأكبر في قتل عدو الله كعب بن الأشرف ٢، وإنما قتله الأوس جزاء غدره وخيانته وظلمه وعدوانه.
ومن ذلك أنه حينما علم بانتصار المسلمين في غزوة بدر جزع وحزن، وتألم وتبرم، وقال لمن معه من أصحابه: أترون محمدًا قتل هؤلاء؟ يعني المشركين الذين قتلوا يوم بدر إنهم أشراف العرب وملوك الناس، والله لئن كان محمد أصاب هؤلاء القوم لبطن الأرض خير من ظهرها.
ثم انطلق عدو الله حتى قدم مكة، وجعل يحرض على قتال رسول الله -ﷺ- وينشد الأشعار ويبكي أصحاب القليب من قريش الذين أصيبوا ببدر.
ولم يكتف ابن الأشرف بتحريض المشركين في مكة، بل إنه رجع إلى المدينة وأخذ يشبب بنساء المسلمين حتى أوذي المسلمون وضجروا، وحتى قال رسول
_________________
(١) ١ "السيرة النبوية" لابن هشام ٢/ ٢٠٩. ٢ وكعب كان من زعماء يهود بني النضير. وقد أخرج قصة قتله البخاري ٣٨١١، ومسلم ١٨٠١، وأبو داود ٢٧٦٨، من حديث جابر.
[ ٢٠١ ]
الله -ﷺ: "من لي بكعب بن الأشرف؟ " فأجابه من الأوس محمد بن مسلمة قائلا: أنا لك يا رسول الله، أنا أقتله. قال: "فافعل إن قدرت على ذلك". ففكر ابن مسلمة في هذا الأمر وأعد له عدته مع طائفة من إخوانه، فاجتمع في قتله خمسة رجال من الأوس، هم: محمد بن مسلمة، وسلمان بن سلامة أبو نائلة، وكان أخا كعب من الرضاعة، وعبدة بن بشر، والحارث بن أوس، وأبو عيسى بن جبر١. وقد ذهبوا إلى منزله واستدرجوه إلى الخارج حتى اطمأن إليهم -والحرب خدعة- ثم صاح أبو نائلة قائلا: اقتلوا عدو الله. فاختلف عليه أسيافهم حتى وقع صريع غدره وبغيه، وفي ذلك يقول القائل:
وغودر منهم كعب صريعًا فذلت بعد مصرعه النضير
وحينئذ عز على الخزرج أن يسبقهم الأوس إلى هذه التضحية، ويصلوا إلى مثل هذه الغاية دونهم، فقالوا: والله لا يذهبون بهذه فضلا علينا أبدًا، فبحثوا عن رجل من يهود بني النضير -كذلك- يوازي كعب بن الأشرف في عداوته للرسول -ﷺ- وللمسلمين، فوجدوا سلام بن أبي الحقيق٢ فاستأذنوا رسول الله -ﷺ- في قتله، فأذن لهم.
وكان سلام قد رحل إلى خيبر بعد أن طرد الرسول -ﷺ- يهود بني النضير من ديارهم في السنة الرابعة من الهجرة، ومنذ ذلك الوقت أخذ سلام يثير النفوس ضد المسلمين حتى إنه ذهب على رأس وفد إلى مكة يحرض قريشا على قتال محمد -ﷺ- ويحزب الأحزاب عليه٣.
_________________
(١) ١ في البخاري ومسلم كما مضى أبو عبس بن جبر. ٢ وقيل: اسمه عبد الله أيضا، وكنيته أبو رافع. ٣ وعبارة البخاري في صحيحه ٣٨١٣ من حديث البراء: وكان أبو رافع يؤذي رسول الله -ﷺ- ويعين عليه.
[ ٢٠٢ ]
ولقد قالوا لقريش: إنا سنكون معكم على محمد حتى نستأصله.
فقالت قريش لهم: يا معشر يهود: إنكم أهل الكتاب الأول، والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد؛ أفديننا خير أم دينه؟
قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق.
وقد فرحت قريش بهذا القول من اليهود واستجابوا لدعوتهم، وجمعوا جموعهم وتجهزوا لحرب الرسول -ﷺ.
ثم جاء اليهود إلى قبيلة غطفان وحرضوا رجالها وأخبروهم بمبايعة قريش لهم على الحرب، فوافقوهم على حرب المسلمين وتجهزوا لذلك وكانت غزوة الأحزاب ١، وفيها ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالًا شديدًا، ولولا لطف الله لاقتحم المشركون عليهم المدينة، ولقضوا عليهم القضاء الأخير.
فليس بغريب بعد هذا كله أن يرى الخزرج في ابن أبي الحقيق العدو المبين الذي لا يقل عن صاحبه كعب بن الأشرف في الكيد للإسلام والمسلمين.
وهنا تحركت الغيرة الكريمة في نفوسهم وأرادوا أن يلحقوا بإخوانهم الأوس فيما قدموا من تضحية وما سبقوهم به من فضل وشرف، فاستأذنوا رسول الله -ﷺ- في قتله، فأذن لهم.
وقد خرج إليه من الخزرج خمسة نفر أيضًا، هم: عبد الله بن عتيك ٢ ومسعود بن سنان، وعبد الله بن أنيس، والحارث بن ربعي، وخزاعي بن أسود،
_________________
(١) ١ سيأتي الكلام عليها مفصلًا. ٢ وكان أميرًا عليهم، وفي رواية للبخاري: "فبعث عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن عتبة"
[ ٢٠٣ ]
وقد أوصاهم الرسول -ﷺ- ألا يقتلوا وليدًا أو امرأة، فخرجوا حتى قدموا خيبر وأتو دار ابن أبي الحقيق ليلًا.
يقول قائلهم: فلما دخلنا عليه ابتدرناه وهو على فراشه بأسيافنا فوالله ما يدلنا عليه في سواد الليل إلا بياضه، كأنه قبطية ملقاة -قال: ولما صاحت بنا امرأته جعل الرجل منا يرفع عليها سيفه، ثم يذكر نهي رسول الله -ﷺ- فيكف يده، ولولا ذلك لفرغنا منها بليل.
وهكذا كانت نهاية ابن أبي الحقيق، كما كانت نهاية صاحبه ابن الأشرف من قبله، وهكذا تكون نهاية الغدر والخيانة والظلم والعدوان. وفي هذا يقول حسان بن ثابت وهو يذكر قتل كعب بن الأشرف وسلام بن أبي الحقيق:
لله در عصابة لاقيتهم ابن الحقيق وأنت يابن الأشرف
ييسرون بالبيض الخفاف إليكم مرحًا كأسد في عرين مغرف
حتى أتوكم في محل بلادكم فسقوكم حتفًا ببيض ذفف
مستنصرين لنصر دين نبيهم مستصغرين لكل أمر مجحف١.
وبعد فهذه صورة واحدة من صور كثيرة تبين لنا حالة الأوس والخزرج، بعد أن صقل الإسلام نفوسهم وطهرها من شوائب العصبية القبلية البغيضة، وكيف أصبحوا إخوة متضامنين، ينافس بعضهم بعضًا في العمل الذي يعلي كلمة الحق، ويدعم بناء الدولة الإسلامية الكبرى.
_________________
(١) ١ ذكر ذلك ابن إسحاق، وعنه الحافظ ابن كثير في "البداية" ٣/ ١٣٨، وأصل القصة في صحيح البخاري كما مضى دون ذكر شعر حسان.
[ ٢٠٤ ]
تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة
اقتضت حكمة الله تعالى أن تكون الكعبة قبلة للمسلمين بعد أن حازوا شرف التوجه إلى بيت المقدس؛ ليكونوا من أهل القبلتين، وليتميزوا عن المشركين قبل الهجرة وعن اليهود بعدها، فتطلع الرسول -ﷺ- وهو بالمدينة بعد الهجرة واشتد شوقًا إلى نزول الوحي عليه بالتوجه إلى بيت الله الحرام. وقد كان يتوقع ذلك من ربه لأن الكعبة أقدم القبلتين، ولأنها قبلة إبراهيم ﵇، ومفخرة العرب حيث كانت مثابة للناس وأمنًا ومزارًا ومطافًا، وذلك أدعى إلى دخول العرب في الإسلام، فنزل قول الله تعالى:
﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
ومعنى ذلك أن الله يقول لرسوله -ﷺ: قد شاهدنا وعلمنا تردد وجهك وتسريح نظرك إلى جهة السماء، تطلعًا منك إلى نزول الوحي عليك، وتوقعًا لما ألقى في روعك من تحويل القبلة إلى الكعبة، سعيًا منك وراء استمالة العرب إلى دخولهم في الإسلام، ومخالفة لليهود الذين كانوا يقولون: إنه يخالفنا في ديننا ثم إنه يتبع قبلتنا، حتى روي أن رسول الله -ﷺ- قال لجبريل: "وددت أن الله صرفني عن قبلة اليهود إلى غيرها". فقال له جبريل: أنا عبد مثلك، وأنت كريم على ربك، فادع ربك وسله".
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ١٤٤.
[ ٢٠٥ ]
ثم ارتفع جبريل وجعل الرسول -ﷺ- يديم النظر إلى السماء، رجاء أن يأتيه جبريل بالذي سأل ربه١، وقد أقسم الله ليكونن عند ما سأل محمد -ﷺ- وليجيبنه إلى ما طلب، فوعده بقوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ . أي لنعطينك ما تطلعت إليه نفسك، وأشرب حبه قلبك من استقبالك المسجد الحرام..
وما قصد الرسول -ﷺ- ذلك وأحبه عن سخط في التولي إلى بيت المقدس ومجرد هوى في النفس وشهوة في التولي إلى الكعبة، وإنما كان ذلك منه -صلوات الله عليه- لمقاصد دينية وأغراض سامية وافقت مشيئة الله تعالى ولذا فإن وعد الله للرسول -ﷺ- رتب عليه الإنجاز السريع والتنفيذ العاجل.
حيث قال سبحانه لرسوله -ﷺ:
﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ٢.
وبذلك صدر الأمر الإلهي للرسول -ﷺ- وللمسلمين بالتحول من بيت المقدس إلى الكعبة، ثم يبين الله بعد ذلك أن الفريقين من اليهود والنصارى يعلمون أن أمر التحويل إلى الكعبة هو الحق، لأنه مسطور في كتبهم: أنه -﵊- يصلي إلى القبلتين، وليس
ذلك ابتداعًا من تلقاء نفس محمد -ﷺ.
فيقول سبحانه: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ "روح البيان" ١/ ٢٠١. والحديث المذكور رواه أبو داود في ناسخه، عن أبي العالية، كما في "الدر المنثور" ١/ ٢٦١، وهذا مرسل، والمرسل من أنواع الضعيف. ٢ سورة البقرة، الآية ١٥٠. ٣ سورة البقرة، الآية ١٤٤.
[ ٢٠٦ ]
وقد أكد الله -﷿- الأمر بالتولية إلى الكعبة في آية ثانية، فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ ١.
وقد أفادت هذه الآية فائدة جديدة، وهي أن الله يؤكد لرسوله -ﷺ- أن الأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام هو الحق الذي أراده الله لحكمة وفائدة جرت بها مشيئته.
ثم كرر الأمر بالتوجه إلى المسجد الحرام في آية ثالثة وضحت فيها الحكمة التي أرادها الله من هذا الأمر، الذي تبلبلت فيه أفكار ضعفاء الإيمان والسفهاء من الناس، فقال سبحانه: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ ٢.
فقد أفادت هذه الآية في وضوح وصراحة أن الحكمة التي أرادها الله من أمره المسلمين بالتوجه إلى الكعبة هي أن يقطع الحجة على هؤلاء الناس -وهم الذين أوتوا الكتاب من اليهود والنصارى- فلقد كان اليهود يقولون عن أوصاف الرسول المذكورة في التوراة: إنه يتحول إلى الكعبة كانوا يقولون ذلك في الفترة التي كان الرسول -ﷺ- فيها متجهًا إلى بيت المقدس ولذا كان اتجاه الرسول -ﷺ- إلى الكعبة بعد ذلك مؤيدا لما كان مسطورا في كتابهم، وكان النصارى يقولون عن محمد -ﷺ- أيام توجهه إلى بيت المقدس: ما باله يدَّعي ملَّة إبراهيم ويخالف قبلته؟
_________________
(١) ١ سورة البقرة، الآية ١٤٩. ٢ سورة البقرة، الآية ١٥٠.
[ ٢٠٧ ]
ولذا كان اتجاهه إلى الكعبة موجبًا لقطع حجتهم وملزمًا لهم بتصديقه والاعتراف بنبوته، ولكنهم جميعًا جحدوا الحق وتمادوا في غيهم وضلالهم.
وفي ختام الآية يبين الله -﷿- أن الحكمة في التوجه إلى الكعبة -فوق ذلك كله- أن يتم الله النعمة على المسلمين، فيجعل لهم شخصيتهم الدينية المستقلة عن اليهود، واتصالهم بدين أبيهم إبراهيم -﵇.
وبهذا يتضح لنا أن تحويل القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة كان عاملًا مهمًّا وأساسًا متينًا في بناء الدولة الإسلامية الكبرى بعد ذلك، فلقد ساعد على تأليف قلوب أهل مكة وسائر القبائل العربية في أرجاء الجزيرة -وهم الذين يعظمون البيت الحرام ويتوارثون تقديسه على توالي الأجيال- ساعد على تأليف قلوبهم نحو الإسلام رويدًا رويدًا حتى أشرقت به جزيرة العرب، ثم نفذ ضياؤه بعد ذلك إلى سائر الأرجاء، ليصبح دين العالمين ١.
_________________
(١) ١ وقد وقعت حادثة تحويل القبلة بعد الهجرة بنحو ستة عشر شهرًا أو أزيد بقليل كما جاء بذلك في الأحاديث الصحيحة عند البخاري ٢/ ٢١٢، ومسلم ص ١/ ٣٧٤ وغيرها. ولذلك قلنا ما قلناه من قبل من ترك ذكر هذا السبب من أسباب تأسيس الدولة لتأخر وقته.
[ ٢٠٨ ]
الرسول -ﷺ- يضع أساس النظام الاقتصادي:
وقد وضع الرسول -ﷺ- أساس النظام الاقتصادي للمجتمع العربي١ الجديد مستضيئًا بما أنزل الله عليه من إرشاد وهداية.
وهو نظام كان -وما زال- كفيلًا بتحقيق العدالة الاجتماعية بين أفراد المجتمع، فجعل للفقراء حقًّا معلومًا في أموال الأغنياء، وجعل الزكاة ركنًا من
_________________
(١) ١ الإسلامي.
[ ٢٠٨ ]
أركان الإسلام١ لا يقوم الدين بغيره، وأوجب أداءها على كل مسلم مستطيع، وهو من يملك النصاب المعروف في الزروع والثمار، وفي الإبل والبقر والغنم، وفي عروض التجارة، وتوعد من يمتنع عن أدائها بالعذاب الأليم، وفي ذلك يقول سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ، يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ ٢.
وبين الله -﷿- أن الإنفاق في سبيل الله -﷿- هو التجارة الرابحة التي لا ينمو فيها رأس المال إلى عشرة أمثال فحسب، بل إلى سبعمائة، بل يضاعفه الله أضعافا كثيرة، وذلك حيث يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ واللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ ٣.
ولما كان الفقر من المشاكل العالمية المعقدة، وهو داء عضال يقوّض صرح النظام الاقتصادي بين المجتمعات والشعوب، فقد جاءت الدعوة الإسلامية بالعلاج الناجع لهذا الداء. والمتأمل في نصوص القرآن الكريم وفي مبادئ الدين الإسلامي وآدابه الحكيمة. يراها قد أعلنت الحرب على الفقر، وسلكت في سبيل القضاء عليه جميع الأسباب، وأوصدت دون أضراره كل الأبواب. وحسبنا أن نعلم أن الإسلام جعل الإحسان إلى الفقراء والمساكين كفارة للخطايا والذنوب، فكفارة اليمين إذا ما حنث فيه الإنسان هي إطعام الفقراء والمساكين.
_________________
(١) ١ وكان فرض الزكاة في النصف الثاني من السنة الثانية للهجرة، فهو متأخر أيضا عن تلك الأسباب كما قدمنا، ولذلك أغفله من أغفله. وإلا فثمة أشياء كثيرة ما زالت تزيد من قوة المسلمين واجتماعهم حتى نهاية الدعوة. ٢ سورة التوبة، الآية ٣٤، ٣٥. ٣ سورة البقرة، الآية ٢٦١.
[ ٢٠٩ ]
وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ .. إلخ الآية١.
وكذلك كفارة الظهار تكون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين، وكفارة الإفطار في نهار رمضان تكون بالإحسان إلى الفقراء والمساكين.
وهكذا يكون البر والإحسان سبيلًا إلى غسل الخطايا والذنوب ومحو الآثام والعيوب.
وقد جاء في الحديث النبوي عن رسول الله -ﷺ- أنه قال: "الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار " ٢.
والإسلام حينما شرع هذه الأصول الحكيمة لمعالجة أمراض المجتمع قد اتخذ الحيطة الكافية التي تضمن نقاء الإنسان وصفاءه حتى لا يتخلص من شر ليقع في شر أكبر، أو يبرأ من داء لتحيط به أدواء.. أجل، فإن الإسلام يدعو القوي أن يساعد الضعيف، ويهيب بالغني أن يعاون الفقير، ولكنه في الوقت نفسه دين العزة، دعا إلى احترام النفس وحفظ للإنسان كيانه، وأشفق عليه من الذلة والمهانة، وضن بماء وجهه أن يراق على الرغام، ويتبدد بين أيدي الطغاة اللئام، فلقد دعا كل إنسان إلى أن يأكل من كسب يمينه وعرق جبينه ما استطاع إلى ذلك سبيلا، من ذلك ما جاء في صحيح البخاري أن رسول الله -ﷺ- قال:
_________________
(١) ١ سورة المائدة، الآية ٨٩. ٢ حديث صحيح، وقد جاء عن جماعة من الصحابة، وانظر "سنن الترمذي" ٦١٤، ٢٦٢٦، و"سنن ابن ماجه" ٣٩٧٣، ٤٢١٠، و"مسند أحمد" ٣/ ٣٢١، ٣/ ٣٩٩، ٥/ ٢٣١، ٥/ ٢٣٧، و"مسند الشهاب" ١٠٤، ١٠٥، وصحيح ابن حبان ٢٦١، ١٠٦٩، ٢٥٥٣، و"مجمع الزوائد" ١٠/ ٢٣٠، و"إتحاف السادة المتقين" ٨/ ٥٠، و"إرواء الغليل" ٢/ ١٣٨، وغير ذلك.
[ ٢١٠ ]
"ما أكل أحد طعامًا قط خيرًا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود -﵇- كان يأكل من عمل يده" ١.
وثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة -﵁- أن رسول الله -ﷺ- قال: "كان زكريا -﵇- نجارًا" ٢.
وكان رسول الله -ﷺ- يشتغل بالتجارة ويشتغل كذلك برعي الغنم، وقد ذكر ذلك عن نفسه وعن بعض الأنبياء، فقال: "بعث موسى وهو راعي غنم، وبعث داود وهو راعي غنم، وبعثت وأنا أرعى غنم أهلي بأجياد" ٣.
فالإسلام لا يحارب الفقر بدعوة الأغنياء الموسرين إلى البر والإحسان فحسب، ولكنه يحاربه -كذلك- بدعوة الفقراء إلى العمل، ونبذ البطالة والكسل، حتى لا يكونوا عالة على المجتمع وسوسًا ينخر في عظامه، وبهذا العلاج القوي الفعال يمكن أن يستأصل ذلك الداء إذ تجتمع ضده قوتان، ويهاجم من ناحيتين، ويقع فريسة بين عدوين: الأموال التي ينفقها الأغناء في
_________________
(١) ١ "صحيح البخاري" رقم ١٩٦٦ من حديث المقدام. ٢ "صحيح مسلم" كتاب الفضائل باب ٤٩ رقم ١٦٩. ٣ رواه أبو داود والنسائي من طرق عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن ابن حزن، كما في "جامع المسانيد والسنن" ١٢/ ١٢٦، وإسناده صحيح. وعزاه ابن حجر في "الفتح" ٤/ ٤٤١ للنسائي فقط. ولكن أخرجه ابن سعد ١/ ١/ ٩٠، وابن المبارك ١١٧٧ كلاهما من طريق زهير، عن أبي إسحاق مرسلًا. وشعبة هو شعبة، فلا يعلل بالإرسال. ثم الحديث جاء عن أبي سعيد الخدري -دون ذكر داود- كما في "مجمع الزوائد" ٤/ ٦٥ وقال: رواه أحمد والبزار وفيه الحجاج بن أرطأة وهو مدلس. فهذا شاهد يقويه. وكذلك صح في البخاري عن أبي هريرة ٢٢٦٢ يرفعه: "ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ قال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة".
[ ٢١١ ]
سبيل الله، وكفاح الفقراء وعملهم في سبيل الحياة، فلا يلبث الفقر أن يزمع الرحيل إلى غير مآب تاركًا وراءه مجتمعًا نظيفًا قويًّا ينعم بزينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق.
ومن ذلك نرى أن الأساس الذي وضعه الرسول -ﷺ- لإصلاح المجتمع من الناحية الاقتصادية هو القضاء على الفقر وتذويب الفوارق بين الطبقات ١ والتجاوب الكامل بين الأغنياء والفقراء في سبيل التعاون والتضامن، حتى يبرأ المجتمع من المتاعب والآلام، ويسود في أرجائه الصفاء والوئام.
_________________
(١) ١ إن كان أراد الفوارق المالية بحيث لا يكون غني وفقير ويتساوى الناس في الثروات، فهذا غلط معارض لنصوص الإسلام ومقاصده، بل إن سنن الحياة لا تستقيم إلا بذلك وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ . نعم، جاء الإسلام ليفك من ضيق الحاجة والفقر، فيؤمن الضروريات، ولا مانع بعد ذلك من بقاء تفاوت الممتلكات بين فرد وآخر.
[ ٢١٢ ]