* تَنَبُّؤُ مُسَيلِمَةَ الْكَذَّابِ قَبَّحَهُ اللَّهُ
ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ في السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ مَعَ قَوْمِهِ بَنِي حَنِيفَةَ، وَأَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَجْعَلَ لَهُ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ حَتَّى يَتَّبِعَهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذلِكَ، فَلَمَّا رَجَعَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ إِلَى الْيَمَامَةِ أَخَذَ مُسَيْلِمَةُ يُفَكِّرُ في أَمْرِهِ حَتَّى ادَّعَى أَنَّهُ أُشْرِكَ في الْأَمْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَادَّعَى النُّبُوَّةَ.
وَشَهِدَ لَهُ الرَّجَّالُ بْنُ عُنْفُوَةَ (١) قَبَّحَهُ اللَّهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَشْرَكَهُ في الْأَمْرِ مَعَهُ، فَافْتَتَنَ النَّاسُ بِهِ.
وَكَانَ الرَّجَّالُ قَدْ وَفَدَ مَعَ قَوْمِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَسْلَمَ، وَقَرَأَ سُوَرًا مِنَ الْقُرْآنِ، وَفَقِهَ في الدِّينِ، فَرَآه رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا مَعَ فُرَاتِ بْنِ حَيَّانَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ فِيكُمْ لَرَجُلًا ضِرْسُهُ فِي النَّارِ
_________________
(١) قال الحافظ في الإصابة (٢/ ٤٤٦): الرَّجّال: بفتح الراء، وتشديد الجيم، وعُنْفُوَة: بضم العين. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٦/ ٧١٦): وكان هذا الملعون من أكبر ما أضل أهل اليمامة، حتى اتبعوا مسيلمة لعنهما اللَّه. وقد قُتِل الرَّجَّال هذا لعنه اللَّه مع مسيلمة الكذاب في معركة اليمامة في خلافة أبي بكر الصديق -﵁-
[ ٤ / ٥٦٠ ]
أَعْظَمُ مِنْ أُحُدٍ" (١)، فَمَا زَالَا خَائِفِينَ حَتَّى ارْتَدَّ الرَّجَّالُ، وَآمَنَ بِمُسَيْلِمَةَ، وَشَهِدَ لَهُ زُورًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ أَشْرَكَ مُسَيْلِمَةَ مَعَهُ في النُّبُوَّةِ، فَكَانَ الرَّجَّالُ لَعَنَهُ اللَّهُ أَعْظَمَ فِتْنَةٍ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ مِنْ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، فَإِنَّهُمْ صَدَّقُوهُ وَاسْتَجَابُوا لَهُ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ أُرِيَ قَبْلَ ذَلِكَ في الْمَنَامِ أَنَّهُ وُضِعَ في يَدَيْهِ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَرِهَهُمَا، فنَفَخَهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلَهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُريرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ في يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَب، فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأُوحِيَ إِلَيَّ في الْمَنَامِ أَنْ أَنْفُخَهُمَا، فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ (٢) يَخْرُجَانِ بَعْدِي" (٣).
فَكَانَ أَحَدَهُمَا الْعَنْسِيُّ، صَاحِبُ صَنْعَاءَ، وَالْآخَرَ مُسَيْلِمَةُ، صَاحِبُ الْيَمَامَةِ (٤).
_________________
(١) أورد هذا الحديث الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٦/ ٧١٦).
(٢) قال المهلب فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (١٤/ ٤٥٧): إنما أول النبي -ﷺ- السوارين بالكذابين؛ لأن الكذب وضع الشيء في غير موضعه، فلما رأى في ذراعيه سوارين من ذهب وليسا من لبسه؛ لأنهما من حلية النساء عرف أنه سيظهر من يدعي ما ليس له، وأيضًا ففي كونهما من ذهب، والذهب منهي عن لبسه دليل على الكذب، وأيضا فالذهب مشتق من الذهاب فعلم أنه شيء يذهب عنه، وتأكد ذلك بالإذن له في نفخهما فطارا، فعرف أنه لا يثبت لهما أمر.
(٣) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٥/ ٢٨): المراد بقوله -ﷺ-: "يخرجان بعدي" أي تظهران شوكتهما، أو محاربتهما ودعواهما النبوة بعد وفاته -ﷺ-، وإلا فقد كانا في زمنه
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قصة الأسود العنسي - رقم الحديث (٤٣٧٩) - ومسلم في صحيحه - كتاب الرؤيا - باب رؤيا النبي -ﷺ- رقم الحديث (٢٢٧٤).
[ ٤ / ٥٦١ ]
* سَجْعُ (١) مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ قَبَّحَهُ اللَّهُ:
وَجَعَلَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ يَسْجَعُ الْأَسَاجِيعَ، وَيَنْظُمُ مِنْ كَلَامِ الْكُهَانِ وَالْمُنَجِّمِينَ مُضَاهَاةً (٢) لِلْقُرْآنِ، فَمِنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ قبَّحَهُ اللَّهُ:
وَالطَّاحِنَاتِ طَحْنًا، وَالْعَاجِنَاتِ عَجْنًا، وَالْخَابِزَاتِ خُبْزًا، وَالثَّارِدَاتِ (٣) ثَرْدًا، وَاللَّاقِمَاتِ لَقْمًا، إِهَالَةً وَسَمْنًا، لَقَدْ فُضِّلْتُمْ عَلَى أَهْلِ الْوَبَرِ (٤)، وَمَا سَبَقَكُمْ أَهْلُ الْمَدَرِ (٥)، رِيفَكُمْ فَامْنَعُوهُ، وَالْمُعْتَرَّ (٦) فَآوُوهُ، وَالْبَاغِي فنَاوِئُوهُ.
وَسَجَعَ أَيْضًا قبَّحَهُ اللَّهُ عَلَى سُورَةِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، فَقَالَ: إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْجَوَاهِرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَهَاجِرْ، إِنَّ مُبْغِضَكَ رَجُلٌ فَاجِرٌ.
ثُمَّ وَضَعَ مُسَيْلِمَةُ لَعَنَهُ اللَّهُ عَنْ قَوْمِهِ الصَّلَاةَ، وَأَحَلَّ لَهُمُ الْخَمْرَ وَالزِّنَا تَرْغِيبًا لَهُمْ في اتِّبَاعِهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَشْهَدُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ نَبِيٌّ فَافْتَتَنَ بِهِ قَوْمُهُ.
_________________
(١) السَّجْعُ: كلام له فواصل كفواصل الشعر من غير وزن. انظر لسان العرب (٦/ ١٧٩).
(٢) ضَاهَأتُ الرجل: أي شابهته. انظر لسان العرب (٨/ ٩٦). ومنه قوله تعالى في سورة التوبة آية (٣٠): ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ. .﴾
(٣) الثَّرِيدُ: الطعام المتخذ من اللحم والخبز. انظرالنهاية (١/ ٢٠٤).
(٤) أهل الوبر: هم أهل البوادي. انظر النهاية (٥/ ١٢٧).
(٥) أهل المدر: هم أهل القرى والأمصار. انظر النهاية (٤/ ٢٦٤).
(٦) الْمُعْتَرُّ: بضم الميم هو الفقير، ومنه قوله تَعَالَى في سورة الحج آية (٣٦): ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. انظر تفسير ابن كثير (٥/ ٤٢٩).
[ ٤ / ٥٦٢ ]
وَسَمَّى مُسيْلِمَةُ نَفْسَهُ "رَحْمَانَ الْيَمَامَةِ"، غَيْرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سَمَّاهُ "مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ"، وَاشْتَهَرَ بِهَذَا الِاسْمِ حَتَّى لَا يَكَادُ يُعْرَفُ بِغَيْرِهِ (١).
* ظُهُورُ الْكَذَّابَينِ وَأَوَّلُهُم مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ:
فَلَمَّا أَكْثَرَ النَّاسُ في شَأْنِ مُسَيْلِمَةَ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في النَّاسِ خَطِيبًا، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ أَكْثَرْتُمْ في شَأْنِ هَذَا الرَّجُلِ، وَإِنَّهُ كذَّابٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كَذَّابًا يَخْرُجُونَ قَبْلَ الدَّجَّالِ، كُلُّهُمْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ" (٢).
رُوِيَ أَنَّ طَلْحَةَ النَّمْرِيَّ جَاءَ الْيَمَامَةَ، فَقَالَ: أَيْنَ مُسَيْلِمَةُ؟ .
قَالُوا: مَهْ رَسُولَ اللَّهِ! .
فَقَالَ: لَا، حَتَّى أَرَاهُ، فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: أَنْتَ مُسَيْلِمَةُ؟ .
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: مَنْ يِأْتِيكَ؟ .
قَالَ: رَحْمَانُ.
_________________
(١) انظر تفاصيل ذلك كله في: سيرة ابن هشام (٤/ ٢٣١ - ٢٥٥) - البداية والنهاية (٦/ ٧١٦) - الرَّوْض الأُنُف (٤/ ٣٥٤).
(٢) أخرج هذا الحديث الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٤٦٤) - الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٩٥٢) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب إخباره -ﷺ- عما يكون في أمته - رقم الحديث (٦٦٥٢) - وإسناده ضعيف.
[ ٤ / ٥٦٣ ]
قَالَ: أَفِي نُورٍ أَمْ فِي ظُلْمَةٍ؟
فَقَالَ: فِي ظُلْمَةٍ.
فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ كَذَّابٌ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا صَادِقٌ، وَلَكِنَّ كَذَّابَ رَبِيعَةَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ صَادِقِ مُضَرَ.
وَاتَّبَعَ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ الْجِلْفُ (١) لَعَنَهُ اللَّهُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ حَتَّى قُتِلَ مَعَهُ يَوْمَ عَقْرَبَا (٢)، لَا ﵀ (٣).
* كِتَابُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
ثُمَّ كتَبَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ فِيهِ: مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي قَدْ أُشْرِكْتُ في الْأَمْرِ مَعَكَ، وَإِنَّ لَنَا نِصْفُ الْأَرْضِ، وَلقُرَيْشٍ نِصْفُ الْأَرْضِ، وَلَكِنَّ قُرَيْشًا قَوْمٌ يَعْتَدُونَ.
وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ مَعَ رَجُلَيْنِ مِنْ قَوْمِهِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ النَّوَّاحَةِ (٤)، وَالآخَرِ: ابْنُ أُثَالٍ، فَلَمَّا قُرِئَ الْكِتَابُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ
_________________
(١) الجِلْف: هو الجافي في خَلْقِه وخُلُقه. انظر لسان العرب (٢/ ٣٣٢).
(٢) عقربا: منزل من أرض اليمامة، وهو لقوم من بني عامر بن ربيعة، . . . خرج إليها مسيلمة الكذاب لما بلغه سُرَى خالد بن الوليد -﵁- إلى اليمامة، فنزل بها في طرف اليمامة، وجعل ريف اليمامة وراء ظهره، وقتل مسيلمة لعنه اللَّه تَعَالَى بها، قتله وحشي بن حرب. انظر معجم البلدان (٦/ ٣٣٧).
(٣) انظر البداية والنهاية (٦/ ٧٢٠).
(٤) قلت: أما عبد اللَّه بن النواحة هذا: فقد قَتله عبد اللَّه بن مسعود -﵁- عندما كان واليًا =
[ ٤ / ٥٦٤ ]
لَهُمَا: "فَمَا تَقُولَانِ أَنْتُمَا؟ ".
قَالَا: نَقُولُ كَمَا قَالَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَتَشْهَدَانِ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ ".
قَالَا: نَشْهَدُ أَنَّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللَّهِ.
_________________
(١) = للكوفة، فقد أخرج ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٤٨٧٩) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار (١١/ ٣١٢) بسند صحيح عن حارثة بن مُضرّب، قال: صليت الغداة -أي صلاة الفجر- مع عبد اللَّه بن مسعود -﵁- في المسجد، فلما سَلّم قام رجل، فحمد اللَّه وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فواللَّه لقد بِتُ هذه الليلة وما في نفسي على أحد من الناس حِنة -أي ضغينة-، وإني كنت استطرقت رجلًا من بني حنيفة لفرسي -أي طلب منه فحلا يعلو فرسه لكي تحمل منه- فأمرني أن آتيه بغلس -الغلس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصباح- وإني أتيته، فلما انتهيت إلى مسجد بني حنيفة مسجد عبد اللَّه بن النواحة، سمعت مؤذنهم وهو يشهد أن لا إله إلا اللَّه، وأن مسيلمة رَسُول اللَّهِ، فاتهمت سمعي، وكففت الفرس حتى سمعت أهل المسجد اتفقوا على ذلك، فما كذبه عبد اللَّه، وقال: مَنْ هاهنا؟ فقام رجال، فقال: عليّ بعبد اللَّه بن النواحة وأصحابه، قال حارثة: فجيء بهم وأنا جالس، فقال عبد اللَّه بن مسعود -﵁- لابن النواحة: ويلك! أين ما كنت تقرأ من القرآن؟ قال: كنت أتقيكم به، قال له: تُب، فأبى، فامر به عبد اللَّه قُرظة بن كعب الأنصاري، فأخرجه إلى السوق فجلد رأسه، قال حارثة: فسمعت عبد اللَّه يقول: مَن سَرّه أن ينظر إلى عبد اللَّه بن النواحة قتيلًا بالسوق، فليخرج، فلينظر إليه، قال حارثة: فكنت فيمن خرج ينظر إليه، ثم إن عبد اللَّه استشار أصحاب النبي -ﷺ- في بقية النفر، فقام عدي بن حاتم الطائي -﵁-، فحمد اللَّه، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فثؤلول من الكفر أطلع رأسه، فاحسمه، فلا يكون بعده شيء، وقام الأشعث بن قيس، وجرير بن عبد اللَّه البجلي ﵄، فقالا: بل استتبهم، وكفلهم عشائرهم، فاستتابهم فتابوا، وكفلهم عشائرهم، ونفاهم إلى الشام.
[ ٤ / ٥٦٥ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا" (١).
* كِتَابُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى مُسَيْلِمَةَ:
ثُمَّ كَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ، السَّلَاُم عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ الْأَرْضَ للَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ".
وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ مَعَ حَبِيبِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ الْأَنْصَارِيِّ -﵁-.
فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى مُسَيْلِمَةَ وَقُرِئَ عَلَيْهِ قَتَلَ حَبِيبَ بْنَ زَيْدٍ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ﵁- (٢).
اسْتَمَرَّ مُسَيْلِمَةُ لَعَنَهُ اللَّهُ في فُجُورِهِ وَكَذِبِهِ، وَتَفَاقَمَ أَمْرُهُ وَازْدَادَتْ شَوْكَتُهُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَخَذَ يَجْمَعُ الْجُمُوعَ لِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَجَهَّزَ لَهُ خَلِيفَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁-، جَيْشًا أَمَّرَ عَلَيهِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ -﵁-، وَاسْتَطَاعَ أَنْ يَقْتُلَ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ، وَيَهْزِمَهُ في مَعْرَكَةِ الْيَمَامَةِ الْعَظِيمَةِ (٣).
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٧٠٨) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٢٤٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الرسول - رقم الحديث (٤٨٧٨) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٩٥٢١) - وإسناده حسن.
(٢) انظر أسد الغابة (١/ ٤٢١).
(٣) انظر البداية والنهاية (٦/ ٧١٧).
[ ٤ / ٥٦٦ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمْ يُمْهِلْهُ اللَّهُ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ سَيْفًا مِنْ سُيُوفِهِ، وَحَتْفًا مِنْ حُتُوفِهِ فَبَعَجَ (١) بَطْنَهُ، وَفَلَقَ رَأْسَهُ، وَعَجَّلَ اللَّهُ بِرُوحِهِ إِلَى النَّارِ، وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢).
* * *
_________________
(١) بعج: شقَّ. انظر النهاية (١/ ١٣٩).
(٢) انظر البداية والنهاية (٦/ ٧٣٦).
[ ٤ / ٥٦٧ ]
خُرُوجُ الأَسْوَدِ الْعَنْسِيِّ
وَظَهَرَ في صَنْعَاءَ بِالْيَمَنِ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ، فَادَّعَى النُبوَّةَ أَيْضًا، وَتبِعَهُ قَوْمُهُ بَنُو عَبْسٍ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ بَنِي مَذْحَجٍ، وَسَمَّى نَفْسَهُ "رَحْمَانَ الْيَمَنِ".
وَاسْمُ الْأَسْوَدِ هَذَا عَبْهَلَةُ بْنُ كَعْبٍ، وَإِنَّمَا لُقِّبَ الْأَسْوَدَ، لِأَنَّهُ كَانَ أَسْوَدَ الْوَجْهِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا: ذُو الْخِمَارِ، لِأَنَّهُ كَانَ يُخَمِّرُ وَجْهَهُ دَائِمًا (١).
وَكَانَ الْأَسْوَدُ كَاهِنًا مُشَعْوِذًا، وَكَانَ يُرِي قَوْمَهُ الْأَعَاجِيبَ، وَيَسْبِي قُلُوبَ مَنْ سَمِعَ مَنْطِقَهُ (٢).
وَكَانَ أَوَّلُ خُرُوجِهِ بَعْدَ عَوْدَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَكَاتَبَتْهُ مَذْحَجٌ، وَوَاعَدُوهُ نَجْرَانَ، فَوَثَبُوا عَلَيْهَا، وَأَخْرَجُوا عَمْرَو بْنَ حَزْمٍ، وَخَالِدَ بْنَ سَعِيدٍ ﵄ عَامِلَا رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَنْزَلُوهُ مَنْزِلَهُمَا، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبِ الْأَسْوَدُ أَنِ اسْتَوْلَى عَلَى صَنْعَاءَ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْمُهَاجِرَ بْنَ أُمَيَّةَ -﵁- عَامِلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَخَذَهَا، ثُمَّ قَوِيَ أَمْرُهُ بِمَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٣).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٤٢٧).
(٢) الْمَنْطِق: الكلام. انظر لسان العرب (١٤/ ١٨٨).
(٣) انظر فتح الباري (٨/ ٤٢٧).
[ ٤ / ٥٦٨ ]
وَكَانَ لِلْأَسْوَدِ شَيْطَانَانِ، يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا: سُحَيْقٌ، وَالْآخَرِ: شُقَيْقٌ، وَكَانَا يُخْبِرَانِهِ بِكُلِّ شَيْءٍ يَحْدُثُ مِنْ أُمُورِ النَّاسِ.
وَقُتِلَ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ الْكَذَّابُ قَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَتَلَهُ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ -﵁- (١).
* * *
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٦/ ٧٠٢) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٣٣٤).
[ ٤ / ٥٦٩ ]
ارْتِدَادُ وَتَنَبُّؤُ طُلَيْحَةَ بْنِ خُوَيْلِدٍ الأَسَدَيِّ
كَذَلِكَ ظَهَرَ في بَنِي أَسَدٍ في حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُتَنبَّئٌ ثَالِثٌ، هُوَ طُلَيْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيُّ، وَكَانَ قَدْ وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَعَ قَوْمِهِ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ ارْتَدَّ، وَادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ، فكَتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَدْعُوهُ إِلَى الْمُوَادَعَةِ، فَوَجَّهَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ضِرَارَ بْنَ الْأَزْوَرِ إِلَى عُمَّالِهِ عَلَى بَنِي أَسَدٍ وَأَمَرَهُمْ بِقِتَالِ مَنِ ارْتَدَّ، وَلَمْ يَلْبَثِ الْأَمْرُ كَذَلِكَ حَتُّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.
فَلَمَّا كَانَتْ خِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-، بَعَثَ إِلَيْهِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ -﵁-، فَسَارَ إِلَيْهِ خَالِدٌ -﵁-، فَقَاتَلَ طُلَيْحَةَ فَهَزَمَهُ، وَهَرَبَ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ إِنَّهُ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَشَهِدَ مَعْرَكَةَ القادِسِيَّةِ، فَأَبْلَى بِهَا بَلَاءً عَظِيمًا (١).
قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ (٢).
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٦/ ٧١٠).
(٢) سورة الأنعام آية (٩٣).
[ ٤ / ٥٧٠ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: فَمُسَيْلِمَةُ وَالْأَسْوَدُ، وَأَمْثَالُهُمَا لَعَنَهُمُ اللَّهُ أَحَقُّ النَّاسِ دُخُولًا في هَذِهِ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ، وَأَوْلَاهُمْ بِهَذِهِ الْعُقُوبَةِ الْعَظِيمَةِ (١).
* * *
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٦/ ٧٣٦).
[ ٤ / ٥٧١ ]
السَّنَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ
بَعْثُ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵄ إِلَى البَلْقَاءِ
فِي يَوْمِ الِاثْنينِ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ صَفَرٍ مِنَ السَّنَةِ الْحَادِيَةِ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ، نَدَبَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ لِغَزْوِ الرُّومِ، وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄، وَكَانَ عُمْرُهُ ثَمَانِ عَشْرَةَ سَنَةً (٢)، وَأَمَّرَهُ عَلَى هَذَا الْجَيْشِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُوطِئَ الْخَيْلَ الْبَلْقَاءَ مِنْ أَرْضِ فِلِسْطِينَ فَقَالَ لَهُ: "سِرْ إِلَى مَوْضعِ مَقْتَلِ أَبِيكَ فَأَوْطِئْهُمُ الْخَيْلَ، فَقَدْ وَلَّيْتُكَ هَذَا الْجَيْشَ، فَأَغِرْ صَبَاحًا عَلَى أَهْلِ أُبْنَى (٣) وَحَرِّقْ عَلَيْهِمْ (٤)، وَأَسْرعِ السَّيْرَ تَسْبِقِ الْأَخْبَارَ، فَإِنْ ظَفَّرَكَ اللَّهُ فَأقْلِلِ اللَّبْثَ فِيهِمْ، وَخُذْ مَعَكَ الْأَدِلَّاءَ (٥)، وَقَدِّمِ الْعُيُونَ (٦) وَالطَّلَائِعَ (٧) أَمَامَكَ" (٨).
_________________
(١) يقال: ندبته فانتدب: أي بعثته ودعوته فأجاب. انظر النهاية (٥/ ٢٩).
(٢) جزم بذلك الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢/ ٥٠٠): على أن عمره -﵁- كان ثماني عشرة سنة.
(٣) أُبْنَى: بضم الهمزة اسم موضع في فلسطين. انظر النهاية (١/ ٢٢).
(٤) أخرج قوله -ﷺ- لأسامه -﵁-: "أغر صباحًا على أهل أُبنى، وحَرّق عليهم". أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في الحرق في بلاد العدو - رقم الحديث (٢٦١٦) - وابن ماجة في سننه - كتاب الجهاد - باب التحريق بأرض العدو - رقم الحديث (٢٨٤٣) - وأورده ابن الأثير في جامع الإصول- رقم الحديث (١٠٩٩) - وإسناده ضعيف.
(٥) الْأَدِلَّاءُ: جمع دليل وهو الذي يعرف الطريق. انظر لسان العرب (٤/ ٣٩٤).
(٦) الْعُيون: الجواسيس. انظر النهاية (٣/ ٢٩٩).
(٧) الطَّلائِعُ: هم القوم الذين يُبعثون ليطلعوا طِلْعَ العدو، كالجواسيس، واحدهم طليعة. انظر النهاية (٣/ ١٢١).
(٨) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٣٤٥) - سيرة ابن هشام (٤/ ٢٦٢).
[ ٤ / ٥٧٢ ]
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَرْبِعَاءِ بَدَأَ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- وَجَعُهُ الذِي قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ يَوْمَ الْخَمِيسِ عَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأُسَامَةَ -﵁- لِوَاءً بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "اغْزُ بِسْمِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَاتِلْ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ"، فَخَرَجَ أُسَامَةُ -﵁- بِلِوَائِهِ مَعْقُودًا، فَدَفَعَهُ إِلَى بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيِّ -﵁-، وَعَسْكَرَ بِالْجُرْفِ (١).
وَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ وُجُوهِ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَالْأَنْصَارِ إِلَّا انْتُدِبَ في تِلْكَ السَّرِيَّةِ، فَكَانَ فِيهِمْ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَتَادَةُ بْنُ النُّعْمَانِ، وَسَلَمَةُ بْنُ أَسْلَمَ بْنِ حَرِيشٍ، ﵃ أَجْمَعِينَ (٢).
وَقَدْ تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي إِمْرَةِ أُسَامَةَ -﵁- لِحَدَاثَةِ سِنِّهِ -﵁-، فَلَمَّا بَلَغَ
_________________
(١) الجُرْفُ: بضم الجيم موضع قريب من المدينة. انظر النهاية (١/ ٢٥٤). وانظر التفاصيل في: طبقات ابن سعد (٢/ ٣٤٥).
(٢) قلت: وقع عند ابن سعد في طبقاته (٢/ ٣٤٥): أن أبا بكر الصديق -﵁- كان معهم، وهذا فيه نظر؛ لأن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أمره أن يُصلي بالناس. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٥/ ٢٣٤): ومن قال: إن أبا بكر كان فيهم فقد غلط فإن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- اشتد به المرض وجيش أسامة -﵁- مخيم بالجرف، وقد أمر النبي -ﷺ- أبا بكر أن يُصلي بالناس كما سيأتي، فكيف يكون في الجيش وهو إمام المسلمين بإذن الرسول -ﷺ- من رب العالمين، ولو فرض أنه كان قد انتدب معهم فقد استثناه الشارع من بينهم بالنص عليه للإمامة في الصلاة التي هي أكبر أركان الإِسلام.
[ ٤ / ٥٧٣ ]
رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ذَلِكَ قَامَ فِي النَّاسِ خَطِيبًا، وَبَيَّنَ فَضْلَ أُسَامَةَ -﵁- وَأَنَّهُ خَلِيقٌ بِالْإِمَارَةِ كَمَا سَيَأْتِي.
إِلَّا أَنَّ الْأَخْبَارَ الْمُقْلِقَةَ عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- جَعَلَتْ أُسَامَةَ -﵁- يَتَرَيَّثُ فِي مُعَسْكَرِهِ بِالجُرْفِ، حَتَّى يَعْرِفَ مَا يَقْضِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَقَدْ قَضَى اللَّهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا -وَهُوَ جَيْشُ أُسَامَةَ -﵁- أَوَّلُ بَعْثٍ يَنْفُذُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-.
* * *
[ ٤ / ٥٧٤ ]
وَلَمَّا تَكَامَلَتِ الدَّعْوَةُ، وَسَيْطَرَ الْإِسْلَامُ عَلَى كُلِّ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا، وَبَدَتْ طَلَائِعُ انْتِشَارِهِ فِي الْعَالَمِ، وَظَهَرَتْ عَلَى الْأَدْيَانِ كُلِّهَا، أَحَسَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِدُنُوِّ أَجَلِهِ، فَأَخَذَ يَتَهَيَّأُ لِلِقَاءِ رَبِّهِ، وَظَهَرَ مِنْهُ -ﷺ- مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ مَا يَدلُّ عَلَى اقْتِرَابِ الرَّحِيلِ عَنْ هَذِهِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ.
* عَلَامَاتُ دُنُوِّ أَجَلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَأَوَّلُ مَا عَرَّفَ اللَّهُ ﷾ رَسُولَهُ -ﷺ- بِاقْتِرَابِ أَجَلِهِ:
١ - نُزُولُ سُورَةِ النَّصْرِ:
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ عُمَرَ -﵁- سَأَلهُمْ (١) عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قَالُوا: فَتْحُ الْمَدَائِنِ وَالْقُصُورِ، قَالَ: مَا تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟ .
قَالَ: أَجَلْ، أَوْ مَثَلٌ ضُرِبَ لِمُحَمَّدٍ -ﷺ-، نُعِيَتْ لَهُ نَفْسُهُ (٢).
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَيْضًا عَنْهُ -﵁-: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -﵁-، دَعَاهُ مَعَ أَشْيَاخِ
_________________
(١) أي سأل كبار الصحابة ﵃ كما سيأتي واضحًا في الحديث التالي.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ - رقم الحديث (٤٩٦٩).
[ ٤ / ٥٧٥ ]
بَدْرٍ (١)، فَسَأَلهُمْ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾.
فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أُمِرْنَا نَحْمَدُ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرُهُ إِذَا نُصِرْنَا وَفُتِحَ عَلَيْنَا، وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَقَالَ لِي عُمَرُ -﵁-: أَكَذَلِكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ؟
قَالَ: فَقُلْتُ: لَا، قَالَ: فَمَا تَقُولُ؟
قَالَ -﵁-: هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَعْلَمَهُ لَهُ، قَالَ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ، فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا.
فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلَّا مَا تَقُولُ (٢).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ:
١ - فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَتَأْثِيرٌ لِإِجَابَةِ دَعْوَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ التَّأْوِيلَ، وَيُفَقِّهَهُ فِي الدِّينِ.
٢ - وَفِيهِ جَوَازُ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ بِمَا يُفْهَمُ مِنَ الْإِشَارَاتِ، وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ مَنْ رَسَخَتْ قَدَمُهُ فِي الْعِلْمِ، وَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: أَوْ فَهْمًا يُؤْتِيهِ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٧٦٠): أي من شهد بدرًا من المهاجرين والأنصار، وكانت عادة عمر -﵁- إذا جلس للناس أن يدخلوا على قدر منازلهم في السابقة.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ رقم الحديث (٤٩٧٠).
[ ٤ / ٥٧٦ ]
اللَّهُ رَجُلًا فِي الْقُرْآنِ (١).
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: كَأَنَّهُ -﵁- أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَجْعَلُ الِاسْتِغْفَارَ فِي خَوَاتِمِ الْأُمُورِ، فَيَقُولُ إِذَا سَلَّمَ مِنَ الصَّلَاةِ: "أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ" ثَلَاثًا (٢)، وَإِذَا خَرَجَ مِنَ الْخَلَاءِ قَالَ: "غُفْرَانَكَ" (٣)، وإذا فرغ من مجلسه قال: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ" (٤). وَوَرَدَ الْأَمْرُ بِالِاسْتِغْفَارِ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمَنَاسِكِ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ﴾ (٥).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا صَلَّى النَّبِيُّ -ﷺ- صَلَاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إِلَّا يَقُولُ فِيهَا: "سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي" (٦).
_________________
(١) أخرج قول علي -﵁-: البخاري في صحيحه - كتاب العلم - باب كتابة العلم - رقم الحديث (١١١) - وانظر كلام الحافظ في فتح الباري (٩/ ٧٦٢).
(٢) أخرج ذلك مسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب استحباب الذكر بعد الصلاة - رقم الحديث (٥٩١) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٣٦٥).
(٣) أخرج ذلك أبو داود في سننه - كتاب الطهارة - باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء - رقم الحديث (٣٠) - والترمذي في جامعه - كتاب الطهارة - باب ما يقول إذا خرج من الخلاء - رقم الحديث (٧) - وإسناده حسن.
(٤) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٠٤١٥) - والترمذي في جامعه - كتاب الدعوات - باب ما يقول إذا قام من مجلسه - رقم الحديث (٣٧٣٢) وإسناده صحيح.
(٥) سورة البقرة آية (١٩٩). وانظر كلام ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في زاد المعاد.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب سورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ =
[ ٤ / ٥٧٧ ]
وَسُورَةُ النَّصْرِ هِيَ آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ: قَالَ لِي ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: تَعْلَمُ آخِرَ سُورَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، نَزَلَتْ جَمِيعًا؟
قُلْتُ: نَعَمْ، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؟
قَالَ ﵄: صَدَقْتَ (١).
قُلْتُ: وَهَذَا لَا يُعَارِضُ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنِ الْبَرَاءَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَرَاءَةٌ -وَهِيَ التَّوْبَةُ- (٢).
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ آخِرِيَّةَ سُورَةِ النَّصْرِ نُزُولُهَا كَامِلَةً، بِخِلَافِ بَرَاءَةٍ، فَإِنَّ غَالِبهَا نَزَلَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهِيَ آخِرُ غَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٣).
٢ - مُدَارَسَةُ الْقُرْآنِ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَعْرِضُ (٤) الْقُرْآنَ كُلَّ عَامٍ فِي رَمَضَانَ عَلَى جِبْرِيلَ ﵇، مَرَّةً، فَعَرَضَهُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ الذِي قُبِضَ فِيهِ مَرَّتَيْنِ، فَقَدْ أَخْرَجَ
_________________
(١) = وَالْفَتْحُ﴾ - رقم الحديث (٤٩٦٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب ما يقال في الركوع والسجود - رقم الحديث (٤٨٤) (٢١٩).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب التفسير- رقم الحديث (٣٠٢٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب (١) - رقم الحديث (٤٦٥٤).
(٤) انظر فتح الباري (٩/ ٢١١ - ٧٥٩).
(٥) قال ابن الأثير في النهاية (٣/ ١٩٢): أي كان يدارسه جميع ما نزل من القرآن، من المعارضة: المقابلة.
[ ٤ / ٥٧٨ ]
الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَسَرَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى فَاطِمَةَ ﵂، فَأَخْبَرَهَا: "أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنَ كُلَّ سَنَةٍ مَرَّةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَارَضَنِي بِهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلَا أَرَى الْأَجَلَ إِلَّا قَدِ اقْتَرَبَ، فَاتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي، فَإِنِّي نِعْمَ السَّلَفُ أنَّا لَكِ" (١).
٣ - مُضَاعَفَةُ اعْتِكَافِ رَمَضَانَ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ كُلَّ عَامٍ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ يَوْمًا (٢).
٤ - الِاجْتهَادُ فِي الْعِبادَة:
وَاجْتَهَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْعَامِ الذِي قُبِضَ فِيهِ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَأَكْثَرَ مِنَ الذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ، فَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، نُعِيَتْ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الاستئذان - باب من ناجى بين يدي الناس - رقم الحديث (٦٢٨٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل فاطمة ﵂ - رقم الحديث (٢٤٥٠) (٩٨) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٤٤).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الاعتكاف - باب الاعتكاف في العشر الأوسط في رمضان - رقم الحديث (٢٠٤٤) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨٤٣٥).
[ ٤ / ٥٧٩ ]
لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَفْسُهُ حِينَ أُنْزِلَتْ، فَأَخَذَ فِي أَشَدِّ مَا كَانَ اجْتِهَادًا فِي أَمْرِ الْآخِرَةِ (١).
٥ - تَلْمِيحُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِاقْتِرَابِ أَجَلِهِ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعَرِّضُ (٢) لِأَصْحَابِهِ بِاقْتِرَابِ أَجَلِهِ، وَيُلَمِّحُ لَهُمْ بِذَلِكَ، فَقَدْ ذَكَرْنَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِلنَّاسِ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ: "لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ" (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الْمُسْنَدِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لِتَأْخُذْ أُمَّتِي مَنْسِكَهَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاهُمْ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا" (٤).
رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ زَيْدِ بنِ أَرْقَمٍ -﵁- قَالَ: . . . قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا (٥) بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَوَعَظَ وَذَكَّر، ثُمَّ قَالَ: "أَمَّا بَعْدُ أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ! فَإِنَّمَا أنَّا بَشَرٌ يُوشِكٌ أَنْ يَأْتِي رَسُولُ رَبِّي (٦) فَأُجِيبُ. . " (٧).
وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَيَأتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلَا يَرَانِي، ثُمَّ لَأَنْ
_________________
(١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب سورة النصر - رقم الحديث (١١٦٤٨).
(٢) عَرّض لي بالشيء: لم يُبينه. انظر لسان الرب (٩/ ١٤٩).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا - رقم الحديث (١٢٩٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٤١٩).
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٥٥٣) - وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(٥) خُمّ: بضم الخاء موضع بين مكة والمدينة، تصب فيه عين هناك. انظر النهاية (٢/ ٧٧).
(٦) قال السندي في حاشيته على المسند (١١/ ٣٦١): قوله -ﷺ-: "رسول ربي": يعني ملك الموت.
(٧) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل علي بن أبي طالب -﵁- رقم الحديث (٢٤٠٨) (٣٦).
[ ٤ / ٥٨٠ ]
يَرَانِي أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ" (١).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "تَزْعُمُونَ (٢) أَنِّي مِنْ آخِرِكُمْ وَفَاةً، إِنِّي مِنْ أَوَّلِكُمْ وَفَاةً، وَتَتَّبِعُونِي أَفْنَادًا (٣) يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ" (٤).
٦ - صَلَاةُ الرَّسُولِ -ﷺ- عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ:
وَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، خَرَجَ إِلَى أُحُدٍ، فَصَلَّى عَلَى الشُّهَدَاءِ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ، بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءَ وَالْأَمْوَاتِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَطَلَبَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: "إِنِّي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فَرَطٌ (٥)، وَأَنَا عَلَيْكُمْ شَهِيدٌ، وَإِنَّ مَوْعِدَكُمُ الْحَوْضُ، وَإِنِّي لَأَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ مَقَامِي هَذَا، وَإِنِّي لَسْتُ أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمُ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوهَا".
قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ -﵁- رَاوِي الْحَدِيثِ: فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتُهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب فضل النظر إليه -ﷺ- رقم الحديث (٢٣٦٤).
(٢) في رواية الإِمام أحمد: "أتزعمون".
(٣) أفنادًا: أي جماعات متفرقين قومًا بعد قوم. انظر النهاية (٣/ ٤٢٧).
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٩٧٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب إخباره -ﷺ- عما يكون في أمته من الفتن - رقم الحديث (٦٦٤٦).
(٥) فرطكم: أي متقدمكم. انظر النهاية (٣/ ٣٨٨).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة أحد - رقم الحديث =
[ ٤ / ٥٨١ ]
٧ - اسْتِغْفَارُهُ -ﷺ- لِأَهْلِ الْبَقِيعِ:
وَفِي أَوَاخِرِ شَهْرِ صَفَرٍ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْبَقِيعِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، فَاسْتَغْفَرَ لِأَهْلِهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي مُوَيْهِبَةَ -﵁- مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَقَالَ: "يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، إِنِّي قَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَسْتَغْفِرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ، فَانْطَلِقْ مَعِي"، فَانْطَلَقْتُ مَعَهُ، فَلَمَّا وَقَفَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، قَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ الْمَقَابِرِ، لِيَهْنِ لَكُمْ مَا أَصْبَحْتُمْ فِيهِ مِمَّا أَصْبَحَ فِيهِ النَّاسُ، لَوْ تَعْلَمُونَ مَا نَجَّاكُمْ اللَّهُ مِنْهُ، أَقْبَلَتِ الْفِتَنُ كَقِطَعْ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ يَتْبَعُ أَوَّلُهَا آخِرَهَا، الْآخِرَةُ شَرٌّ مِنَ الْأُولَى".
قَالَ أَبُو مُوَيْهِبَةَ -﵁-: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيَّ، فَقَالَ: "يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ إِنِّي قَدْ أُوتِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا، ثُمَّ الْجَنَّةَ، وَخُيِّرْتُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ لِقَاءِ رَبِّي ﷿ وَالْجَنَّةِ" (١).
قَالَ أَبُو مُوَيْهِبَةَ -﵁-: فَقُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي، فَخُذْ مَفَاتِيحَ الدُّنْيَا وَالْخُلْدَ فِيهَا، ثُمَّ الْجَنَّةَ.
_________________
(١) = (٤٠٤٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب إثبات حوض نبينا -ﷺ- وصفاته - رقم الحديث (٢٢٩٦) (٣١) - والإمام أحمد في مسنده رقم الحديث (١٧٣٤٤).
(٢) أمر تخييره -ﷺ- بين ما عند اللَّه وبين الدنيا والخلد فيها ثم الجنة، ثابت، أخرجه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٤٤٣٧) - مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٤٤٤) - عن عائشة ﵂ قالت: كان رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يقول وهو صحيح: "إنه لم يُقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يُخيّر".
[ ٤ / ٥٨٢ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا وَاللَّهِ يَا أَبَا مُوَيْهِبَةَ، لَقَدِ اخْتَرْتُ لِقَاءَ رَبِّي وَالْجَنَّةَ"، ثُمَّ اسْتَغْفَرَ لِأَهْلِ الْبَقِيعِ، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَبُدِئَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي وَجَعِهِ الذِي قَبَضَهُ اللَّهُ ﷿ فِيهِ حِينَ أَصْبَحَ (١).
* ابْتِدَاءُ شَكْوَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَمُدَّةُ مَرَضِهِ:
ابْتَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِشَكْوَاهُ، الذِي قَبَضَهُ اللَّهُ فِيهِ، فِي أَوَاخِرِ لَيَالِي شَهْرِ صَفَرٍ، وَكَانَتْ مُدَّةُ مَرَضِهِ -ﷺ- ثَلَاثَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ، وَقِيلَ غَيْرَ ذَلِكَ (٢).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي مُدَّةِ مَرَضِهِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ إِلَى أَنْ ثَقُلَ بِهِ الْمَرَضُ جِدًّا، فَانْقَطَعَ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَأَمَرَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ -﵁- أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، كَمَا سَيَأْتِي.
وَكَانَ أَوَّلَ مَاُ بدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ وَجَعِهِ الصُّدَاعُ الشَّدِيدُ فِي رَأْسِهِ الشَّرِيفِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: رَجَعَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ مِنْ جَنَازَةٍ بِالْبَقِيعِ (٣)، وَأَنَا أَجِدُ صُدَاعًا فِي رَأْسِي، وَأَنَا أَقُولُ: وَارَأْسَاهُ، فَقَالَ
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٩٩٧) - والحاكم في المستدرك - كتاب المغازي والسرايا - باب استغفاره -ﷺ- لأهل البقيع - رقم الحديث (٤٤٤٠) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٢٩٩).
(٢) انظر فتح الباري (٨/ ٤٧٣).
(٣) في رواية ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٢٩٩) قالت عائشة: رجع رسول اللَّه -ﷺ- من البقيع. وإسناده حسن.
[ ٤ / ٥٨٣ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بَلْ أَنَا يَا عَائِشَةُ وَارَأْسَاهُ"، ثُمَّ قَالَ: "وَمَا ضَرَّكِ لَوْ مِتِّ قَبْلِي، فَغَسَّلْتُكِ وَكَفَّنْتُكِ، وَصَلَّيْتُ عَلَيْكِ، ثُمَّ دَفَنْتُكِ؟ ".
قُلْتُ: لَكَأَنِّي بِكَ أَنْ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ قَدْ رَجَعْتَ إِلَى بَيْتِي، فَأَعْرَسْتَ فِيهِ بِبَعْضِ نِسَائِكِ، فتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ بُدِئَ فِي وَجَعِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ. (١)
* تَمْرِيضُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ﵂:
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَرَادَ أَنْ يَطُوفَ عَلَى أَزْوَاجِهِ، كَمَا هِيَ عَادَتُهُ فِي تَعَاهُدِهِنَّ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى بَيْتِ مَيْمَونُةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ﵂، اشْتَدَّ بِهِ الْمَرَضُ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ﵂، فَأَذِنَّ لَهُ، ﵅، فَخَرَجَ بَيْنَ عَمِّهِ الْعَبَّاسِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄، وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ -ﷺ-.
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاسْتَأْذَنَ أَزْوَاجَهُ أَنْ يُمَرَّضَ فِي
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٩٠٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب مرض النبي -ﷺ- رقم الحديث (٦٥٨٦) - وابن اسحاق في السيرة (٤/ ٣٠٠) - وأصله في صحيح البخاري - كتاب المرضى - باب ما رُخِّصَ للمريض أن يقول. . . - رقم الحديث (٥٦٦٦) - وكتاب الأحكام - باب الاستخلاف - رقم الحديث (٧٢١٧).
[ ٤ / ٥٨٤ ]
بَيْتِي، فَأَذِنَّ لَهُ (١)، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُعْتَمِدًا (٢) عَلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَعَلَى رَجُلٍ آخَرَ، هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- (٣).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُحِبُّ أَنْ يُطَبَّبَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ﵂، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَسْأَلُ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ يَقُولُ: "أَيْنَ أَنَا غَدًا؟، أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ " يُرِيدُ يَوْمَ عَائِشَةَ، فَأَذِنَّ لَهُ أَزْوَاجُهُ يَكُونَ حَيْثَ شَاءَ، فَكَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ ﵂ حَتَّى مَاتَ عِنْدَهَا (٤).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ
_________________
(١) في رواية أخرى في مسند الإِمام أحمد - رقم الحديث (٢٥٨٤١) - بسند حسن: قالت عائشة ﵂: جيئ به -ﷺ- محمولًا في كساء، فدخل عليّ، وبعث إلى النساء، فقال: "إني قد اشتكيت، وإني لا أستطيع أن أدور بينكن، فائذن لي، فلأكن عند عائشة".
(٢) في رواية أخرى: يُهادى: بضم الياء، وفتح الدال أي يعتمد على الرجلين متمايلًا في مشيه من شدة الضعف. انظر فتح الباري (٢/ ٣٧٥).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الوضوء - باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح والخشب والحجارة - رقم الحديث (١٩٨) - وكتاب الأذان - باب حد المريض أن يشهد الجماعة - رقم الحديث (٦٦٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر - رقم الحديث (٤١٨) (٩١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٠٦١).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- رقم الحديث (٤٤٥٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب في فضل عائشة ﵂ - رقم الحديث (٢٤٤٣).
[ ٤ / ٥٨٥ ]
اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا كَانَ فِي مَرَضِهِ جَعَلَ يَدُورُ فِي نِسَائِهِ وَيَقُولُ: "أَيْنَ أَنَا غَدًا؟ "، حِرْصًا عَلَى بَيْتِ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَلَمَّا كَانَ يَوْمِي سَكَنَ (١).
* اشْتِدَادُ الْوَجَعِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَاشْتَدَّتْ وَطْأَةُ الْمَرَضِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَبَدَأَتِ الْحُمَّى تَشْتَدُّ عَلَيْهِ -ﷺ-، وَارْتَفَعَتْ حَرَارَةُ جِسْمِهِ -ﷺ-، حَتَّى إِنَّ حَرَارَتَهَا لَتُوجَدُ مِنْ فَوْقِ الثِّيَابِ.
رَوَى ابْنُ مَاجَه وَالطَّحَاوِيُّ وَالبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيُّ -ﷺ- وَهُوَ يُوعَكُ (٢)، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ، فَوَجَدْتُ حَرَّهُ (٣) بَيْنَ يَدِي فَوْقَ اللِّحَافِ (٤)، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا أَشَدَّهَا عَلَيْكَ (٥)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّا كَذَلِكَ، يُضَعَّفُ لَنَا الْبَلَاءُ، وَيُضَعَّفُ لَنَا الْأَجْرُ" (٦).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب فضل عائشة ﵂ - رقم الحديث (٣٧٧٤).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١١/ ٢٥٠): الوعك: بفتح الواو وسكون العين: الحُمى.
(٣) في رواية الطحاوي قال -﵁-: فوجدت حرارتها -أي حرارة الحُمى-.
(٤) في رواية الطحاوي: القطيفة.
(٥) في رواية الطحاوي قال -﵁-: ما أشد حر حماك يا رَسُول اللَّهِ.
(٦) أخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب الفتن - باب الصبر على البلاء - رقم الحديث (٤٠٢٤) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٢١٠) - والبخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (٣٩٥).
[ ٤ / ٥٨٦ ]
وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قاَلَ: دَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يُوعَكُ، فَمَسَسْتُهُ بِيَدِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ لَتُوعَكُ وَعْكًا شَدِيدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَجَلْ إِنِّي أُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ رَجُلَانِ مِنْكُمْ"، فَقُلْتُ: ذَلِكَ، أَنَّ لَكَ أَجْرَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَجَلْ"، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى مِنْ مَرَضٍ (١) فَمَا سِوَاهُ، إِلَّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ سَيِّئَاتِهِ، كَمَا تَحُطُّ الشَّجَرَةُ وَرَقَهَا" (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى إِلَّا حَاتَّ اللَّهُ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا تَحَاتَّ وَرَقُ الشَّجَرِ" (٣).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ (٤) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٥).
_________________
(١) في رواية البخاري: شوكة.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المرضى - باب أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل - رقم الحديث (٥٦٤٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب البر والصلة والآداب - باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن - رقم الحديث (٢٥٧١) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٢٠٩).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المرضى - باب شدة المرض - رقم الحديث (٥٦٤٧).
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١١/ ٢٤٩): المراد بالوجع المرض، والعرب تسمي كل وجع مرضًا.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المرضى - باب شدة المرض - رقم الحديث (٥٦٤٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب البر والصلة والآداب - باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن - رقم الحديث (٢٥٧٠).
[ ٤ / ٥٨٧ ]
* قِرَاءَةُ الْمُعَوِّذَاتِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂، تَقْرَأُ بِالْمُعَوِّذَاتِ (١)، وَتَنْفُثُ (٢) عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِهِنَّ، وَتَمْسَحُ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ -ﷺ- رَجَاءَ بَرَكَتِهَا، فَقدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْهَا ﵂ قَالَتْ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا اشْتَكَى يَقْرَأُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ، وَيَنْفُثُ، فَلَمَّا اشْتَدَّ وَجَعُهُ، كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ، وَأَمْسَحُ عَنْهُ بِيَدِهِ، رَجَاءَ بَرَكَتِهَا (٣).
* لَدُّ (٤) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ شِدَّةِ وَجَعِهِ يُغْمَى عَلَيْهِ، ثُمَّ يُفِيقُ، وَأُغْمِيَ عَلَيْهِ مَرَّةً فَخَافُوا عَلَيْهِ، وَظَنُّوا أَنَّ بِهِ ذَاتَ الْجَنْبِ (٥)، فَلَدُّوهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا اشْتَكَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ، فَاشْتَدَّ مَرَضُهُ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١١/ ٣٥١): المراد بالمعوذات: سورة الفلق، والناس، والإخلاص.
(٢) النفث بالفم: هو شبيه بالنفخ، وهو أقل من التفل؛ لأن التفل لا يكون إلا ومعه شيء من الريق. انظر النهاية (٥/ ٧٥).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الطب - باب الرقى بالقرآن والمعوذات - رقم الحديث (٥٧٣٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب السلام - باب رقية المريض بالمعوذات والنفث - رقم الحديث (٢١٩٢) (٥١).
(٤) اللَّدُود: بفتح اللام وضم الدال الأولى من الأدوية: وهو ما يُسقاه المريض في أحد شقي الفم. انظر النهاية (٤/ ٢١١) - وفتح الباري (٨/ ٤٩٦).
(٥) ذات الْجَنْب: بفتح الجيم وسكون النون هي الدُّبَيلَةُ والدُّمَلُ الكبيرة التي تظهر في باطن الجنب، وتنفجر إلى داخل، وقلما يسلم صاحبها. انظر النهاية (١/ ٢٩٣).
[ ٤ / ٥٨٨ ]
حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، قَالَتْ: فَتَشَاوَرَ نِسَاؤُهُ فِي لَدِّهِ، فَلَدُّوهُ، فَلَمَّا أَفَاقَ، قَالَ: "مَا هَذَا؟، أَفِعْلُ نِسَاءٍ يَجِئْنَ مِنْ هَاهُنَا؟ "، وَأَشَارَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فِيهِنَّ، فَقَالُوا: كُنَّا نَتَّهِمُ بِكَ ذَاتَ الْجَنْبِ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ ذَلِكَ دَاءٌ، مَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَنِي بِهِ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ إِلَّا لُدَّ (١)، إِلَّا عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ"، يَعْنِي الْعَبَّاسَ، قَالَتْ: فَلَقَدْ الْتَدَّتْ مَيْمُونَةُ يَوْمَئِذٍ، وَإِنَّهَا لَصَائِمَةٌ لِعَزِيمَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٢).
* وَصِيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِعُثْمَانَ -﵁-:
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إلى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ -﵁-، فَجَاءَ، فَخَلَا بِهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكَلِّمُهُ وَوَجْهُ عُثْمَانَ يَتَغَيَّرُ، قَالَتْ ﵂: فَكَانَ مِنْ آخِرِ كَلَامٍ كَلَّمَهُ، أَنْ ضَرَبَ مَنْكِبَهُ، وَقَالَ: "يَا عُثْمَانُ، إِنَّ اللَّه ﷿ عَسَى أَنْ يُلْبِسَكَ (٣) قَمِيصًا (٤)، فَإِنْ أَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى خَلْعِهِ
_________________
(١) قال ابن الأثير في النهاية (٤/ ٢١١): فعل رَسُول اللَّهِ -ﷺ- ذلك عقوبة لهم؛ لأنهم لدوه بغير إذنه.
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٨٧٠) (٢٧٤٦٩) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٩٣٥) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب مرض النبي -ﷺ- رقم الحديث (٦٥٨٧). وأصل لده -ﷺ- أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- رقم الحديث (٤٤٥٨).
(٣) هذه رواية الإِمام أحمد في مسنده - وفي رواية ابن حبان في صحيحه: "يُقمّصك".
(٤) أراد بالقميص: الْخِلَافَة، وهو من أحسن الاستعارات. انظر النهاية (٤/ ٩٤).
[ ٤ / ٥٨٩ ]
فَلَا تَخْلَعْهُ حَتَّى تَلْقَانِي، يَا عُثْمَانُ، إِنَّ اللَّهَ عَسَى أَنْ يُلْبِسَكَ قَمِيصًا، فَإِنْ أَرَادَكَ الْمُنَافِقُونَ عَلَى خَلْعِهِ، فَلَا تَخْلَعْهُ حَتَّى تَلقانِي" ثَلَاثًا (١).
وَكَانَتْ وَصِيَّةُ الرَّسُولِ -ﷺ- هَذِهِ لِعُثْمَانَ -﵁- عِنْدَ وَفَاتِهِ -ﷺ- وَجَاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى التِي أَخْرَجَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْعَدْوِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂: هَلْ عَهِدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ؟
فَقَالَتْ: مَعَاذَ اللَّهِ غَيْرَ أَنِّي سَأُحَدِّثُكَ، ثُمَّ أَقْبَلَتْ عَلَى حَفْصَةَ، فَقَالَتْ: يَا حَفْصَةُ نَشَدْتُكِ اللَّهَ أَنْ تُكَذِّبِينِي بِحَقٍّ أَوْ تُصَدِّقِينِي بِبَاطِلٍ، قَالَتْ: أَفْعَلُ.
فَقَالَتْ عَائِشَةُ: هَلْ تَعْلَمِينَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أُغْمِيَ عَلَيْهِ؟
فَقُلْتُ: أَفَرَغَ؟ (٢).
قُلْتُ: لَا أَدْرِي، فَأَفَاقَ، فَقَالَ -ﷺ-: افْتَحُوا عَنْهُ.
فَقُلْتُ: أَبِي، فَسَكَتَ، فَقُلْتِ أنتِ: أَبِي، فَسَكَتَ، فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، أَقُولُ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ (٣).
_________________
(١) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٥٦٦) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر عثمان بن عفان -﵁- رقم الحديث (٦٩١٥) - وابن ماجه في سننه - في المقدمة - رقم الحديث (١١٢) (١١٣).
(٢) فرغ: مات. انظر لسان العرب (١٠/ ٢٤١).
(٣) أي قالت: فرغ.
[ ٤ / ٥٩٠ ]
فَقُلْتُ: أَتَعْلَمِينَ أَنَّ عَلَى الْبَابِ لَرَجُلًا مَا هُوَ بِأَبِي وَلَا بِأَبِيكِ، فَانْظُرِي مَنْ هُوَ؟
فَإِذَا هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ -﵁-، فَدَخَلَ، فَقَالَ -ﷺ-: "ادْنُهْ" ثَلَاثًا، حَتَّى اتَّكَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ، فَجَعَلَهَا مِنْ وَرَاءِ عُنُقِهِ، ثُمَّ سَارَّهُ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ: فَهِمْتُ.
قَالَ: سَمِعَتْ أُذُنَايَ وَوَعَى قَلْبِي حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (١).
* خُطْبَةُ مَرَضِ الْمَوْتِ:
وَهِيَ آخِرُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَبْلَ وَفَاتِهِ -ﷺ- بِخَمْسَةِ أَيَّامٍ اشْتَدَّ الْوَجَعُ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَارْتَفَعَتْ حَرَارَتُهُ حَتَّى أُغْمِيَ عَلَيْهِ، فَلَمَّا أَفَاقَ -ﷺ- مِنَ الْإِغْمَاءِ قَالَ: "هَرِيقُوا عَلَيَّ سبْعَ (٢) قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلَ
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (٨٣٥).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٤٨٩): قيل الحكمة في هذا العدد أن له خاصية في دفع ضرر السم والسحر، وقد ثبت: * في صحيح البخاري - رقم الحديث (٥٧٦٩) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٠٤٧) (١٥٥) عن سعد بن أبي وقاص -﵁- قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "من تَصَبَّح بسبع تمرات، عجوة، لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر". * وروى مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٢٠٢) عن عثمان بن أبي العاص -﵁- أنه شكى إلى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- وجعًا يجده في جسده منذ أسلم، فقال له رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "ضع يدك على الذي تألّم من جسدك، وقيل: باسم اللَّه ثلاثًا، وقيل: سبع مرات: أعوذ باللَّه وقدرته من شر ما أجد وأحاذر". =
[ ٤ / ٥٩١ ]
أَوْكِيَتُهُنَّ (١) مِنْ آبَارٍ شَتَّى، لَعَلِّي أَسْتَرِيحُ، فَأَعْهَدَ إِلَى النَّاسِ".
فَجِيءَ بِالْقِرَبِ، فَأَجْلَسُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي مِخْضَبٍ (٢) مِنْ نُحَاسٍ لِحَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ ﵂، وَصَبُّوا عَلَيْهِ الْمَاءَ، حَتَّى طَفِقَ (٣) يُشِيرُ إِلَيْهِمْ أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ (٤).
_________________
(١) = * وروى الإِمام أحمد في مسنده بسند صحيح - رقم الحديث (٢١٣٧) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "ما من عبد مسلم يعود مريضًا لم يحضر أجله، فيقول سبع مرات: أسأل اللَّه العظيم، رب العرش العظيم أن يشفيك، إلا عوفي". * وروى الترمذي في جامعه - رقم الحديث (٢٠٩٢) - وابن ماجه في سننه - رقم الحديث (٢١٥٦) بسند صحيح - وأصله في صحيح البخاري - رقم الحديث (٢٢٧٦) عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال: بعثنا رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في سرية، فنزلنا بقوم، فسألناهم القِرى -أي الضيافة- فَلُدِغ سيدهم، فأتونا، فقالوا: هل فيكم من يرقى من العقرب؟ قلت: نعم، أنا. . . فقرأت عليه: الحمد للَّه رب العالمين سبع مرات، فبرأ. . . .
(٢) الوِكاء: بكسر الواو هو الخيط الذي تشد به رأس القربة. انظر النهاية (٥/ ١٩٣). ومعنى قوله -ﷺ-: "لم تُحْلَلَ أوكيتهن": لأن الماء الذي لم يُحلل عنه الوكاء يكون أطهر لعدم وصول الأيدي إليه.
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١/ ٤٠٢): المِخْضَب: بكسر الميم وسكون الخاء وفتح الضاد هو الإناء الذي يغسل فيه الثياب.
(٤) طَفِقَ: جعل. انظر النهاية (٣/ ١١٨).
(٥) في رواية ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٣٠٦): قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "حسبكم حسبكم". ومعنى حسبكم أي كفاكم. انظر لسان العرب (٣/ ١٦٢). وأخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الوضوء - باب الغسل والوضوء في المخضب - رقم الحديث (١٩٨) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته - رقم الحديث (٤٤٤٢) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥١٧٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب مرض النبي -ﷺ- رقم الحديث (٦٥٩٦).
[ ٤ / ٥٩٢ ]
فَعِنْدَ ذَلِكَ أَحَسَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِخِفَّةٍ، فَخَرَجَ مُتَوَكِّئًا عَلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ ﵄، عَاصِبًا رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ (١) دَسْمَاءَ (٢)، وَعَلَيْهِ مَلْحَفَةٌ مُتَعَطِّفًا بِهَا عَلَى مَنْكِبَيْهِ، حَتَّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَلَمْ يَصْعَدْهُ بَعْدَ ذَلِكَ الْيَوْمِ، ثُمَّ جَلَسَ -وَالنَّاسُ مُجْتَمِعُونَ حَوْلَهُ-، فَقَالَ -ﷺ- بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفَرَ لِلشُّهَدَاءِ الذِينَ قُتِلُوا يَوْمَ أُحُدٍ (٣)، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ"، فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ -﵁-، وَقَالَ: فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وأمهاتنا، فَعَجِبَ الصَّحَابَةُ ﵃، وَقَالُوا: مَا يُبْكِي هَذَا الشَّيْخَ! إِنْ يَكُنِ اللَّهُ خَيَّرَ عَبْدًا بَيْنَ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَ اللَّهِ.
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ -﵁- رَاوِي الْحَدِيثِ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هُوَ الْعَبْدُ (٤)، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا.
_________________
(١) هذه رواية البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٣٨٠٠) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٦٥٩٣). وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٦٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٣٢) (٣٨٠٠): خرقة.
(٢) الدسماء: السوداء. انظر النهاية (٢/ ١١٠).
(٣) أخرج استغفاره -ﷺ- لشهداء أُحد: ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب مرض النبي -ﷺ- رقم الحديث (٦٥٩٦) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٩٥١) - وإسناده صحيح.
(٤) في رواية أخرى في الصحيح: المخيّر.
[ ٤ / ٥٩٣ ]
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا أَبَا بَكْرٍ لَا تَبْكِ، إِنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صَحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبُو بَكْرٍ، وَلَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا مِنْ أُمَّتِي لَاتَّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ، وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ، لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إِلَّا سُدَّ، إِلَّا بَابُ أَبِي بَكْرٍ" (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "سُدُّوا عَنِّي كُلَّ خَوْخَةٍ (٢) فِي هَذَا الْمَسْجِدِ غَيْرَ خَوْخَةِ أَبِي بَكْرٍ" (٣).
_________________
(١) أخرج ذلك كله: البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الخوخة والممر في المسجد - رقم الحديث (٤٦٦) - وأخرجه في كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب قول النبي -ﷺ-: "سدوا الأبواب إلا باب أبي بكر" - رقم الحديث (٣٦٥٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أبي بكر الصديق -﵁- رقم الحديث (٢٣٨٢) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٣٢) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب مرض النبي -ﷺ- رقم الحديث (٦٥٩٤) (٦٨٦٠) (٦٨٦١).
(٢) الْخَوْخَة: باب صغير كالنافذة الكبيرة. انظر النهاية (٢/ ٨١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الخوخة والممر في المسجد - رقم الحديث (٤٦٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أبي بكر الصديق -﵁- رقم الحديث (٢٣٨٢). قال الخطابي وابن بطال وغيرهما فيما نقله عنهم الحافظ في الفتح (٧/ ٣٦٢): في هذا الحديث اختصاص ظاهر لأبي بكر -﵁-، وفيه إشارة قوية إلى استحقاقه للخلافة، ولا سيما وقد ثبت أن ذلك كان في آخر حياة رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في الوقت الذي أمرهم فيه أن لا يؤمهم إلا أبو بكر، وقد ادعى بعضهم أن الباب كناية عن الخلافة، والأمر بالسد كناية عن طلبها، كأنه قال: لا يطلبن أحد الخلافة إلا أبا بكر، فإنه لا حرج عليه في طلبها، وإلى هذا جنح ابن حبان، فقال بعد أن أخرج هذا الحديث: في هذا دليل على أنه الخليفة بعد النبي -ﷺ-؛ لأنه حسم بقوله: "سدوا عني كل خوخة في المسجد" أطماع الناس كلهم عن أن يكونوا خلفاء بعده.
[ ٤ / ٥٩٤ ]
ثُمَّ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْأَنْصَارِ ﵃ فَقَالَ: "أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ، فَإِنَّهُمْ كُرْشِي (١) وَعَيْبَتِي (٢)، وَقَدْ قَضَوُا الذِي عَلَيْهِمْ (٣)، وَبَقِي الذِي لَهُمْ، فَاقْبَلُوا مِنْ مُحْسِنِهِمْ، وَتَجَاوَزُوا عَنْ مُسِيئِهِمْ" (٤).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَتَقِلُّ الْأَنْصَارُ حَتَّى يَكُونُوا كَالْمِلْحِ فِي الطَّعَامِ، فَمَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ أَمْرا يَضُرُّ فِيهِ أَحَدًا أَوْ يَنْفَعُهُ، فَلْيَقْبَلْ مِنْ مُحْسِنِهِمْ وَيَتَجَاوَزْ عَنْ مُسِيئِهِمْ" (٥).
ثُمَّ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَضْلَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ -﵁- وَأَنَّهُ خَلِيقٌ لِلْإِمَارَةِ، فَقَالَ -ﷺ-: "إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتهِ، فَقَدْ كُنْتُمْ تَطْعَنُونَ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَايْمُ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٧/ ٤٩٨): أي بِطَانَتِي وخَاصَّتي الذين أثق بهم، وأعتمدهم في أموري.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٧/ ٤٩٨): الْعَيْبَةُ: بفتح العين: هو المستودع الذي يضع فيه الرجل نفيس ما عنده.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٧/ ٤٩٨): يشير -ﷺ- إلى ما وقع لهم ليلة العقبة من المبايعة، فإنهم بايعوا على أن يؤوا النبي -ﷺ- وينصروه على أن لهم الجنة، فوفوا بذلك.
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار- باب قول النبي -ﷺ-: "اقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم" - رقم الحديث (٣٧٩٩) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل الأنصار ﵃ - رقم الحديث (٢٥١٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٩٥١).
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب قول النبي -ﷺ-: "اقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم" - رقم الحديث (٣٨٠٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٢٩).
[ ٤ / ٥٩٥ ]
اللَّهِ، إِنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا (١) لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ" (٢).
* رِوَايَةٌ غَرِيبَة وَضَعِيفَةٌ:
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّهُ دَنَا مِنِّي خُفُوقٌ (٣) مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، وَلَنْ تَرَوْني فِي هَذَا الْمَقَامِ فِيكُمْ، وَقَدْ كُنْتُ أَرَى أَنَّ غَيْرَهُ غَيْرُ مُغْنٍ عَنِّي حَتَّى أَقُومَ فِيكُمْ، أَلَا فَمَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْرًا، فَهَذَا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ، وَمَنْ كُنْتُ أَخَذْتُ لَهُ مَالًا، فَهَذَا مَالِي فَلْيَأْخُذْ مِنْهُ، وَمَنْ كُنْتُ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضًا، فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ، وَلَا يَقُولَنَّ قَائِلٌ: أَخَافُ الشَّحْنَاءَ مِنْ قِبَلِ رَسُولِ اللَّهِ، أَلَا وَإِنَّ الشَّحْنَاءَ لَيْسَتْ مِنْ شَأْنِي، وَلَا مِنْ خُلُقِي، وَإِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ مَنْ أَخَذَ حَقًّا، إِنْ كَانَ لَهُ عَلَيَّ، وَحَلَّلَنِي، فَلَقِيتُ اللَّهَ ﷿، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ عِنْدِي مَظْلَمَةٌ".
فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لِي عِنْدَكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمٍ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَعْطِهِ يَا فَضْلُ" (٤).
_________________
(١) أي أسامة بن زيد ﵄.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب مناقب زيد بن حارثة -﵁- رقم الحديث (٣٧٣٠) - وكتاب المغازي - باب (٨٧) - رقم الحديث (٤٤٦٩) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل زيد بن حارثة -﵁- رقم الحديث (٢٤٢٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٣٠٠).
(٣) الخفوق: الغياب. انظر لسان العرب (٤/ ١٥٨).
(٤) أخرج ذلك البيهقي في دلائل النبوة (٧/ ١٧٩) - وإسناده ضعيف جدًا - وانظر تعليق الألباني ﵀ على كتاب فقه السيرة ص ٤٦٤ للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٤ / ٥٩٦ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ سَاقَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ: وَفِي إِسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ غَرَابَةٌ شَدِيدَةٌ (١).
* هَمَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَكتُبَ كِتَابًا:
وَفِي يَوْمِ الْخَمِيسِ قَبْلَ وَفَاتِهِ -ﷺ- بِأَرْبَعَةِ أَيَّامٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَدْ اشْتَدَّ بِهِ الْوَجَعُ: "ائْتُونِي بِكِتَابٍ (٢) أَكْتُبُ لَكُمْ كِتَابًا لَا تَضِلُّوا بَعْدَهُ"، وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ، حَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ (٣)، فَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ، فَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولَ: قَرِّبُوا يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ مَا قَالَ عُمَرُ -﵁-، فَلَمَّا أَكْثَرُوا اللَّغَطَ (٤) وَالِاخْتِلَافَ عِنْدَ
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٥/ ٢٤٣).
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١/ ٢٨٢): أي بأدوات الكتاب، ففيه مجاز الحذف، وقد صرّح بذلك في رواية مسلم - رقم الحديث (١٦٣٧) (٢١) قال: "ائتوني بالكتف والدواة" والمراد بالكتف عظم الكتف؛ لأنهم كانوا يكتبون فيها.
(٣) قال الإِمام النووي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في شرح مسلم (١١/ ٧٦): أما كلام عمر -﵁- فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح هذا الحديث على أنه من دلائل فقه عمر -﵁- وفضائله، ودقيق نظره؛ لأنه خشي أن يكتب -ﷺ- أمورًا ربما عجزوا عنها، واستحقوا العقوبة عليها؛ لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها، فقال عمر -﵁-: حسبنا كتاب اللَّه، لقوله تَعَالَى في سورة الأنعام آية (٣٨): ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾، وقوله تَعَالَى في سورة المائدة آية (٣): ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فعلم أن اللَّه تَعَالَى أكمل دينه فأمن الضلال على الأمة، فكان عمر -﵁- أفقه من ابن عباس ﵄ وموافقيه.
(٤) اللَّغَطُ: صوت وضّجَّة لا يفهم معناها. انظر النهاية (٤/ ٢٢١).
[ ٤ / ٥٩٧ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ -ﷺ-: "قُومُوا عَنِّي، لَا يَنْبَغِي عِنْدِي التَّنَازُعُ".
فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: إِنَّ الرَّزِيَّةَ (١) كُلَّ الرَّزِيَّةِ، مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ، مِنِ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ (٢).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي الْحَدِيثِ:
١ - دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ كِتَابَةِ الْعِلْمِ.
٢ - وفَيِهِ أَنَّ الِاخْتِلَافَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا فِي حِرْمَانِ الْخَيْرِ، كَمَا وَقَعَ فِي قِصَّةِ الرّجَلْيِن اللَّذَيْنِ تَخَاصَمَا فَرُفِعَ تَعْيِينُ لَيْلَةِ القدْرِ بِسَبَبِ ذَلِكَ (٣).
* وَصِيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِأَصْحَابِهِ:
وَأَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِثَلَاثٍ:
١ - إِخْرَاجُ الْمُشْرِكِينَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ.
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١/ ٢٨٣) الرزية: بفتح الراء وكسر الزاي: معناها المصيبة.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب العلم - باب كتابة العلم - رقم الحديث (١١٤) وأخرجه في كتاب الجهاد والسير - باب جوائز الوفد - رقم الحديث (٣٠٥٣) - ومسلم في صحيحه - كتاب الوصية - باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي به - رقم الحديث (١٦٣٧) (٢٠) (٢٢) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٣٥) (٢٩٩٠).
(٣) انظر فتح الباري (١/ ٢٨٣). وأخرج حديث إخفاء ليلة القدر بسبب تلاحي الرجلان: البخاري في صحيحه - كتاب فضل ليلة القدر - باب رفع معرفة ليلة القدر لتلاحي الناس - رقم الحديث (٢٠٢٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٦٧٢).
[ ٤ / ٥٩٨ ]
٢ - إِجَازَةُ الْوَفْدِ (١) بِنَحْوِ مَا كَانَ يُجِيزُهُمْ -ﷺ-.
٣ - أَمَّا الثَّالِثَةُ، فَقَدْ نَسِيَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، رَاوَي الْحَدِيثِ (٢).
قَالَ الدَّاوُدِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: الثَّالِثَةُ: الْوَصِيَّةُ بِالْقُرْآنِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَد وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْغَافِقِيِّ -﵁- قَالَ: آخِرُ مَا عَهِدَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (٣) أَنْ قَالَ: "عَلَيْكُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَسَتَرْجِعُونَ إِلَى قَوْمٍ يُحِبُّونَ الْحَدِيثَ عَنِّي، فَمَنْ حَفِظَ شَيْئًا فَلْيُحَدِّثْ بِهِ، وَمَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ، فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (٤).
وَقِيلَ الثَّالِثَةُ: تَجْهِيزُ جَيْشِ أُسَامَةَ -﵁-، وَقَوَّاهُ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنَّ الصَّحَابَةَ
_________________
(١) الوفد: الذين يقصدون الملوك في طلب حوائجهم، ويأتونهم في مهماتهم، وإجازتهم: إعطاؤهم الجائزة، وهي ما يعطون من العطاء والصلة. انظر جامع الأصول (١١/ ٧١).
(٢) أخرج ذلك كله: البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب جوائز الوفد - رقم الحديث (٣٠٥٣) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته - رقم الحديث (٤٤٣١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الوصية - باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي به - رقم الحديث (١٦٣٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٣٥).
(٣) زاد الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤١٢): في حجة الوداع.
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩٤٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤١٢) - والحاكم في المستدرك - كتاب العلم - باب آخر ما عهد رَسُول اللَّهِ -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٣).
[ ٤ / ٥٩٩ ]
﵃ لَمَّا اخْتَلَفُوا عَلَى أَبِي بَكْرٍ -﵁- فِي تَنْفِيذِ جَيْشِ أُسَامَةَ، قَالَ لَهُمْ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- عَهِدَ بِذَلِكَ عِنْدَ مَوْتهِ.
وَقِيلَ الثَّالِثَةُ: قَوْلُهُ -ﷺ-: "لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي وَثَنًا"، فَإِنَّهَا ثَبَتَتْ فِي الْمُوَطَّأِ مَقْرُونَةً بِالْأَمْرِ بِإِخْرَاجِ الْيَهُودِ، وَلَفْظُهُ: "قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى، اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، لَا يَبْقَيَنَّ دِينَانِ بِأَرْضِ الْعَرَبِ" (١).
وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الثَّالِثَةُ: مَا وَقَعَ في حَدِيثِ أَنَسٍ -﵁- أَنَّهَا قَوْلُهُ -ﷺ-: "الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ" (٢).
* تَحْذِيرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنِ اتِّخَاذِ قَبْرِهِ وَثَنًا يُعْبَدُ:
وَحَذَّرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أُمَّتَهُ أَنْ يَتَّخِذُوا قَبْرَهُ مَسْجِدًا، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ شِرَارَ
_________________
(١) أخرجه الإِمام مالك في الموطأ - كتاب الجامع - باب ما جاء في إجلاء اليهود من المدينة - رقم الحديث (١٧) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٣٦٧١) مرسلًا، ووصله الإِمام البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب (٥٥) - رقم الحديث (٤٣٥) (٤٣٦) - وكتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته - رقم الحديث (٤٤٤٣) (٤٤٤٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي عن بناء المساجد على القبور - رقم الحديث (٥٣١) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٧٤٦).
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب الوصايا - باب هل أوصى رَسُول اللَّهِ -ﷺ-؟ رقم الحديث (٢٦٩٧) عن أنس -﵁- وإسناده صحيح - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٤٨٣) - وابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في ذكر مرض رَسُول اللَّهِ -ﷺ- رقم الحديث (١٦٢٥) عن أم سلمة ﵂ - وإسناده صحيح على شرط مسلم - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٥٨٥) عن علي بن أبي طالب -﵁- وإسناده حسن. وانظر فتح الباري (٨/ ٤٨٠).
[ ٤ / ٦٠٠ ]
النَّاسِ الذِينَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ، فَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَد بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْ قَبْرِي وَثَنًا (١)، لعَنَ اللَّهُ قَوْمًا اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" (٢).
وَفِي لَفْظٍ: "لَا تَتَّخِذُوا قَبْرِي عِيدًا" (٣).
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَعَنَ اللَّهُ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ"، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَوْلَا ذَلِكَ لَأَبْرَزُوا قَبْرُهُ غَيْرَ أَنَّهُ خُشِيَ أَنْ يُتَّخَذَ مَسْجِدًا (٤).
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: أَيْ لَكُشِفَ قَبْرُ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَلَمْ يُتَّخَذْ عَلَيْهِ الْحَائِلُ، وَالْمُرَادُ الدَّفْنُ خَارِجَ بَيْتِهِ، وَهَذَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ ﵂ قَبْلَ أَنْ يُوَسَّعَ الْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ، وَلهَذَا لَمَّا وُسِّعَ الْمَسْجِدُ جُعِلَتْ حُجْرتُهَا مُثَلَّثَةَ الشَّكْلِ
_________________
(١) الْوَثَنُ: الصَّنَمُ. انظر النهاية (٥/ ١٣٣).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٣٥٨).
(٣) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨٨٠٤) - وأبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب زيارة القبور - رقم الحديث (٢٠٤٢) - وإسناده حسن. قال ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تهذيب سنن أبي داود (٢/ ٤٤٧): نَهْيٌ لهم أن يجعلوه مجمعًا كالأعياد التي يقصد الناس الاجتماع إليها للصلاة.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب ما يكره من اتخاذ المساجد على القبور - رقم الحديث (١٣٣٠) - وباب ما جاء في قبر النبي -ﷺ-. . . - رقم الحديث (١٣٩٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب النهي عن بناء المساجد على القبور - رقم الحديث (٥٢٩).
[ ٤ / ٦٠١ ]
مُحَدَّدَةً حَتَّى لَا يَتَأَتَّى لِأَحَدٍ أَنْ يُصَلِّيَ إِلَى جِهَةِ الْقَبْرِ مَعَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ (١).
* إِمَامَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- بِالنَّاسِ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَرِيصًا عَلَى أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ مَعَ مَا بِهِ مِنْ شِدَّةِ الْوَجَعِ حَتَّى غَلَبَهُ الْمَرَضُ، وَأَعْجَزَهُ عَنِ الْخُرُوجِ، فَعِنْدَهَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ -﵁- أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ فِي الصَّلَاةِ.
فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: ثَقُلَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَجَعُهُ، فَقَالَ -ﷺ-: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ".
قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ.
فَقَالَ -ﷺ-: "ضَعُوا لِي مَاءً فِي الْمِخْضَبِ".
قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، فَاغْتَسَلَ، فَذَهَبَ لِيَنُوءَ (٢) فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ".
قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ -ﷺ-: "ضَعُوا لِيَ الْمَاءَ فِي الْمِخْضَبِ".
قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ -ﷺ-: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ".
_________________
(١) انظر فتح الباري (٣/ ٥٦٠).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٢/ ٤٠١): ينوء: بضم النون أي لينهض بجهد.
[ ٤ / ٦٠٢ ]
قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ -ﷺ-: "ضَعُوا لِيَ الْمَاءَ فِي الْمِخْضَبِ".
قَالَتْ: فَقَعَدَ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ -ﷺ-: "أَصَلَّى النَّاسُ؟ ".
قُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ النَّبِيَّ -ﷺ- لِصَلَاةِ الْعِشَاءَ الْآخِرَةِ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- بِأَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ (١)، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا-: يَا عُمَرُ صَلِّ بِالنَّاسِ (٢)، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ -﵁-: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ -﵁- تِلْكَ الْأَيَّامِ (٣).
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثارِ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٢/ ٣٧٤): الرسول الذي أرسله رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إلى أبي بكر -﵁-: هو بلال بن رباح، مؤذن رَسُول اللَّهِ -ﷺ-؛ لأنه هو الذي أعلم بحضور الصلاة.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٢/ ٣٧٤): وإنما قال أبو بكر -﵁- لعمر لظبه ذلك لأنه فهم -﵁- من الإمامة الصغرى الإمامة العظمى، وعلم ما في تحملها من الخطر، وعلم قوة عمر -﵁- على ذلك، فاختاره، ويؤيد ذلك أنه عند البيعة أشار عليهم أن يبايعوه -أي يبايعوا عمر -﵁- أو يبايعوا أبا عبيدة بن الجراح -﵁-.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب إنما جعل الإِمام ليؤتم به - رقم الحديث (٦٨٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر من مرض أو سفر - رقم الحديث (٤١٨) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦١٣٧).
[ ٤ / ٦٠٣ ]
بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا مَرِضَ مَرَضَهُ الذِي مَاتَ فِيهِ، كَانَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ادْعُ لِي عَلِيًّا"، فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: أَلَا نَدْعُو لَكَ أَبَا بَكْرٍ؟ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ادْعُوهُ"، فَقَالَتْ حَفْصَةُ ﵂: أَلَا نَدْعُو لَكَ عُمَرَ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ادْعُوهُ"، فَقَالَتْ أُمُّ الْفَضْلِ: أَلَا نَدْعُو لَكَ الْعَبَّاسَ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ادْعُوهُ"، فَلَمَّا حَضَرُوا رَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَأْسَهُ، وَقَالَ: "لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرٍ" (١).
* رِوَايَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ:
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ (٢) بْنِ زَمْعَةَ بْنِ الْأَسْوَدِ -﵁- قَالَ: لَمَّا اسْتُعِزَ (٣) بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا عِنْدَهُ فِي نَفَرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، قَالَ: دَعَا بِلَالٌ لِلصَّلَاةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مُرُوا مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ".
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٣٥٥) - وإسناده صحيح - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٦٤٦) وإسناده حسن.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٧٢١): عبد اللَّه بن زمعة بن الأسود بن المطلب، صحابي مشهور، وأمه قَريبة -بفتح القاف- أُخت أم سلمة أم المؤمنين، وكان تحته زينب بنت أم سلمة. قلت: وليس عبد اللَّه هذا أخو سودة بنت زمعة زوج رَسُول اللَّهِ -ﷺ-.
(٣) استُعِز: بضم التاء وكسر العين: أي اشتد به المرض، وأشرف على الموت. انظر النهاية (٣/ ٢٠٦) - جامع الأصول (٨/ ٥٩٤).
[ ٤ / ٦٠٤ ]
قَالَ: فَخَرَجْتُ، فَإِذَا عُمَرُ -﵁- فِي النَّاسِ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- غَائِبًا، فَقَالَ: قُمْ يَا عُمَرُ، فَصَلِّ بِالنَّاسِ، قَالَ: فَقَامَ، فَلَمَّا كَبَّرَ عُمَرُ -﵁- سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَوْتَهُ، وَكَانَ عُمَرُ رَجُلًا مِجْهَرًا (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَأَيْنَ أَبُو بَكْرٍ؟، يَأْبَي اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ، يَأَبْي اللَّهُ ذَلِكَ وَالْمُسْلِمُونَ".
قَالَ: فَبَعَثَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ -﵁-، فَجَاءَ بَعْدَ أَن صَلَّى عُمَرُ -﵁- تِلْكَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِالنَّاسِ.
فَقَالَ عُمَرُ -﵁- لِابْنِ زَمْعَةَ: وَيْحَكَ، مَاذَا صَنَعْتَ بِي يَا ابْنَ زَمْعَةَ، وَاللَّهِ مَا ظَنَنْتُ حِينَ أَمَرْتَنِي إِلَّا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمَرَكَ بِذَلِكَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا صَلَّيْتُ بِالنَّاسِ (٢).
فَهَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، وَهُوَ مُدَلِّسٌ، وَلَمْ يُصَرِّحْ فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِالتَّحْدِيثِ، وَهُوَ وَإِنْ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ، فَقَدِ اخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِي إِسْنَادِهِ، وَلَمْ يَثْبُتْ تَصْرِيحُهُ بِالسَّمَاعِ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ، ثُمَّ إِنَّ فِي مَتْنِهِ مَا يَمْنَعُ الْقَوْلَ بِصِحَّتِهِ (٣).
_________________
(١) رجل مُجْهِرٌ: أي صاحب جهر ورفع لصوته، يقال: جهر الرجل صوته، وأجهر: إذا عرف بالجهر، فهو جاهر ومجهر. انظر جامع الأصول (٨/ ٥٩٤). وفي رواية الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٢٥٣): وكان رجلًا جهر الصوت.
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩٠٦) (٢٤٠٦١) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٢٥٣) - وأبو داود في سننه - كتاب السنة - باب في استخلاف أبي بكر -﵁- رقم الحديث (٤٦٦٠).
(٣) وانظر الموسوعة الحديثية - رقم الحديث (١٨٩٠٦) - (٢٤٠٦١).
[ ٤ / ٦٠٥ ]
وَالذِي فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَأَتَاهُ الرَّسُولُ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَأْمُرُكَ أَنْ تُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- وَكَانَ رَجُلًا رَقِيقًا-: يَا عُمَرُ، صَلِّ بِالنَّاسِ، فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: أَنْتَ أَحَقُّ بِذَلِكَ، فَصلَّى بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ -﵁- (١).
وَقَدْ رَوَى صَلَاةَ أَبِي بَكْرٍ -﵁- بِالنَّاسِ: الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -﵁- (٢)، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ﵄ (٣)، وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ -﵁- (٤)، وَعَائِشَةُ ﵂ (٥).
* السَّبَبُ الذِي مِنْ أَجْلِهِ رَاجَعَتْ عَائِشَةُ ﵂ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-:
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا دَخَلَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب إنما جُعل الإِمام ليؤتمَّ به - رقم الحديث (٦٨٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب استخلاف الإِمام إذا عرض له غدر - رقم الحديث (٤١٨) (٩٠).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٨٤) - وإسناده صحيح لغيره.
(٣) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٥٥) - وإسناده صحيح.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب أحاديث الأنبياء - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ - رقم الحديث (٣٣٨٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما - رقم الحديث (٤٢٠) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٧٠٠)
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب الرجل يأتم بالإمام - رقم الحديث (٧١٣) - ومسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما - رقم الحديث (٤١٨).
[ ٤ / ٦٠٦ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْتِي، قَالَ: "مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ".
قَالَتْ ﵂: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ رَقِيقٌ، إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ، فَلَوْ أَمَرْتَ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ.
قَالَتْ ﵂: وَاللَّهِ مَا بِي إِلَّا كَرَاهِيَةُ أَنْ يَتَشَاءَمَ النَّاسُ بِأَوَّلِ مَنْ يَقُومُ فِي مَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَتْ: فَرَاجَعْتُهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (١).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لِيُصَلِّ بِالنَّاسِ أَبُو بَكْرٍ، فَإِنَّكُنَّ صَوَاحِبُ يُوسُفٍ" (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَقَدْ رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي ذَلِكَ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَى كَثْرَةِ مُرَاجَعَتِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي قَلْبِي أَنْ يُحِبَّ النَّاسُ بَعْدَهُ رَجُلًا، قَامَ مَقَامَهُ أَبَدًا، وَلَا كُنْتُ أَرَى أَنَّهُ لَنْ يَقُومَ أَحَدٌ مَقَامَهُ إِلَّا
_________________
(١) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٧١٦) قالت عائشة ﵂ لحفصة بنت عمر ﵄: قولي له: إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يُسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس، ففعلت حفصة، فقال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "مه، إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل للناس".
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما - رقم الحديث (٤١٨) (٩٤). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٢/ ٣٧٤): وصواحب جمع صاحبة، والمراد أنهن مثل صواحب يوسف ﵇ في إظهار حلاف ما في الباطن، . . . ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا امرأة العزيز استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة ومرادها زيادة على ذلك، وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ﵇، ويعذرنها في محبته، وأن عائشة ﵂ أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها كونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه، ومرادها زيادة على ذلك، وهو أن لا يتشاءم الناس به.
[ ٤ / ٦٠٧ ]
تَشَاءَمَ النَّاسُ بِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ يَعْدِلَ (١) ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ أَبِي بَكْرٍ (٢).
* الأَمْرُ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى:
وَقَبْلَ وَفَاتِهِ -ﷺ- بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ بِحُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَبْلَ وَفَاتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، يَقُولُ: "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاللَّهِ ﷿" (٣).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: هَذَا تَحْذِيرٌ مِنَ الْقُنُوطِ، وَحَثٌّ عَلَى الرَّجَاءِ عِنْدَ الْخَاتِمَةِ، وَمَعْنَى حُسْنِ الظَّنِّ بِاللَّهِ تَعَالَى، أَنْ يَظُن أَنَّهُ يَرْحَمُهُ، وَيَعْفُوَ عَنْهُ (٤).
* آخِرُ صَلَاةٍ حَضَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعَ الْمُسْلِمِينَ:
وَقَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِيَوْمَيْنِ، وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ نَفْسِهِ خِفَّةً، فَخَرَجَ يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَالْآخَرُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي
_________________
(١) يعدل: مال، كأنه يميل عنه. انظر النهاية (٣/ ١٧٣).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته - رقم الحديث (٤٤٤٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما - رقم الحديث (٤١٨) (٩٣).
(٣) أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الجنة وصفة نعيمها - باب الأمر بحسن الظن باللَّه تعالى- رقم الحديث (٢٨٧٧) (٨٢).
(٤) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٧/ ١٧٢).
[ ٤ / ٦٠٨ ]
طَالِبٍ ﵄ (١)، وَرِجْلَاهُ تَخُطَّانِ فِي الْأَرْضِ مِنَ الْوَجَعِ، وَأَبُو بَكْرٍ -﵁- يُصَلِّي بِالنَّاسِ الظُّهْرَ (٢).
_________________
(١) في رواية أخرى في صحيح ابن حبان بسند حسن - رقم الحديث (٢١١٨) - عن عائشة ﵂ - وابن ماجه في سننه بسند صحيح - رقم الحديث (١٢٣٤) - عن سالم بن عبيد -﵁- قالا: فخرج رسول اللَّه -ﷺ- بين بريرة ونُوبة. قال النووي فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٣/ ٣٧٥): ويُجمع بينهما بأنه -ﷺ- خرج من البيت إلى المسجد بين هذين، ومن ثَمَّ إلى مقام الصلاة بين العباس وعلي ﵄، أو يحمل على التعدُّد، كما قال ابن حبّان في صحيحه (٥/ ٤٨٨). فائدة: نوبة هو بضم النون الأسود مولى رسول اللَّه -ﷺ-. انظر الإصابة (٦/ ٣٧٧).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٢/ ٤٠١ - ٤٩٢): هذا صريح في أن الصلاة المذكورة كانت الظهر، وزعم بعضهم أنها الصبح، واستدل بقوله في رواية أرقم بن شرحبيل عن ابن عباس ﵄ قال: أن النبي -ﷺ- حين جاء، أخذ من القراءة من حيث كان بلغ أبو بكر -﵁-. رواه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٣٣٠) - وابن ماجه في سننه - رقم الحديث (١٢٣٥) - وإسناده حسن، لكن في الاستدلال به نظر لاحتمال أن يكون رَسُول اللَّهِ -ﷺ- سمع لما قرب من أبي بكر الآية التي كان انتهى إليها خاصة، وقد كان هو -ﷺ- يُسمع الآية أحيانًا في الصلاة السرية، ثم لو سَلّم لم يكن فيه دليل على أنها الصبح، بل يحتمل أن تكون المغرب، فقد ثبت في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٤٢٩) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (٤٦٢) عن أم الفضل بنت الحارث زوج العباس ﵄ قالت: سمعت النبي -ﷺ- يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفًا، ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه اللَّه. لكن وجدت بعد في السنن الكبرى للنسائي - رقم الحديث (١٠٥٩) أن هذه الصلاة التي ذكرتها أم الفضل كانت في بيته -ﷺ-، ولفظه: صلى بنا رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في بيته المغرب، قرأ المرسلات، وما صلى بعدها صلاة حتى قُبض -ﷺ-. لكن يعكر عليه رواية ابن إسحاق عن ابن شهاب في هذا الحديث بلفظ خرج إلينا رَسُول اللَّهِ -ﷺ- وهو عاصب رأسه في مرضه فصلى المغرب. رواه الترمذي في جامعه - =
[ ٤ / ٦٠٩ ]
فَلَمَّا أَحَسَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ -﵁- (١) أَرَادَ أَنْ يَنْكُصَ (٢)، فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ مَكَانَكَ، وَأَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ فَأَجْلَسَاهُ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ -﵁-، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا، وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا، يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ -﵁- (٣).
* رُجُوعُ أُسَامَةَ -﵁- مِنْ مُعَسْكَرِهِ بِالْجُرْفِ:
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ قَبْلَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِيَوْمٍ، اشْتَدَّ بِهِ -ﷺ- الْوَجَعُ، فَوَصَلَتِ الْأَخْبَارُ إلى جَيْشِ أُسَامَةَ وَهُوَ بِالْجُرْفِ، فَشَاعَ الْحُزْنُ، فَرَجَعَ أُسَامَةُ -﵁-، وَرَجَعَ النَّاسُ مَعَهُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَغْمُورٌ (٤)، فَدَخَلَ عَلَيْهِ
_________________
(١) = رقم الحديث (٣٠٨) وإسناده صحيح، ويمكن حمل قولهما: "خرج إلينا" أي من مكانه الذي كان راقدًا فيه إلى من في البيت، فصلى بهم، فتلتئم الروايات.
(٢) هذه رواية الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٥٥). وفي رواية ابن ماجه في سننه: فلما رآه الناس، سبحوا بأبي بكر.
(٣) النكوص: الرجوع إلى الوراء. انظر النهاية (٥/ ١٠١).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب حد المريض أن يشهد الجماعة - رقم الحديث (٦٦٤) - وباب إنما جُعل الإِمام ليؤتم به - رقم الحديث (٦٨٧) - وباب الرجل يأتم بالإمام - رقم الحديث (٧١٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر من مرض أو سفر وغيرهما - رقم الحديث (٤١٨) (٩٥) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٥٥) - وابن ماجه في سننه - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها - باب ما جاء في صلاة رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في مرضه - رقم الحديث (١٢٣٥) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٢٠٦).
(٥) مَغْمُورٌ: أي مُغمى عليه. انظر النهاية (٣/ ٣٤٥).
[ ٤ / ٦١٠ ]
أُسَامَةُ -﵁-، وَقَدْ أَصْمَتَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَلَا يَتَكَلَّمُ، فَجَعَلَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ يَصُبُّهَا (٢) عَلَى أُسَامَةَ.
قَالَ أُسَامَةُ -﵁-: فَعَرَفْتُ أَنَّهُ يَدْعُو لِي (٣).
* إِنْفَاقُ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَا عِنْدَهُ:
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ: "يَا عَائِشَةُ، مَا فَعَلَتِ الذَّهَبُ"، فَجَاءَتْ مَا بَيْنَ الْخَمْسَةِ إِلَى السَّبْعَةِ أَوِ الثَّمَانِيَةِ أَوِ التِّسْعَةِ، فَجَعَلَ يُقَلِّبُهَا بِيَدِهِ، وَيَقُولُ: "مَا ظَنُّ (٤) مُحَمَّدٍ بِاللَّهِ ﷿ لَوْ لَقِيَهُ وَهَذِهِ عِنْدَهُ، أَنْفِقِيهَا" (٥).
وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا تَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- دِينَارًا، وَلَا دِرْهَمًا، وَلَا شَاةً، وَلَا بَعِيرًا، وَلَا أَوْصَى بِشيْءٍ (٦).
_________________
(١) يُقال: صمت العليل: إذا اعتُقِل لسانه. انظر النهاية (٣/ ٤٨).
(٢) يَصبُّها: أي يُمِيلُها. انظر النهاية (٣/ ٤).
(٣) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٧٥٥) - والترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب مناقب أسامة بن زيد ﵄ - رقم الحديث (٤١٥٢) - وإسناده حسن.
(٤) الظَّنُّ: هنا بمعنى العلم. انظر النهاية (٣/ ١٤٩).
(٥) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٢٢٢) - وإسناده حسن.
(٦) أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الوصية - باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي به - رقم الحديث (١٦٣٥) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤١٧٦) - =
[ ٤ / ٦١١ ]
* آخِرُ نَظْرَةٍ نَظَرَهَا رَسُولُ اللَّهُ -ﷺ- إِلَى أَصْحَابِهِ ﵃:
بَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ دَنِفًا (١)، فَلَمَّا طَلَعَ الْفَجْرُ أَصْبَحَ مُفِيقًا، فَكَشَفَ سِتْرَ الْحُجْرَةِ، وَنَظَرَ إِلَى النَّاسِ وَهُمْ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ -﵁-، فَتَبَسَّمَ لِمَا رَأَى مِنِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى رَجُلٍ وَاحِدٍ، وَأُلْفَتِهِمْ وَتَآخِيهِمْ.
قَالَ أَنَسٌ -﵁-: . . . حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ وَهُمْ صُفُوفٌ فِي الصَّلَاةِ، فكشَفَ النَّبِيُّ -ﷺ- سِتْرَ حُجْرَةِ عَائِشَةَ ﵂، يَنْظُرُ إِلَيْنَا، وَهُوَ قَائِمٌ، كَأَنَّ وَجْهَهُ وَرَقَهُ مُصْحَفٍ (٢)، ثُمَّ تَبَسَّمَ يَضْحَك، فَهَمَمْنَا أن نَفْتَتِنَ مِنَ الْفَرَحِ بِرُؤْيَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَنَكَصَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى عَقِبَيْهِ لِيَصِلَ الصَّفَّ، وَظَنَّ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَارجٌ إلى الصَّلَاةِ، فَأَشَارَ إِلَيْنَا النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ أَتِمُّوا صَلَاتَكُمْ، وَأَرْخَى السَّتْرَ، فَتُوُفِّيَ مِنْ يَوْمِهِ (٣).
* لَمْ يَبْقَ مِنَ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتِ:
ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ أَمْرِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الْمُبَشِّرَاتُ، وَهِيَ
_________________
(١) = وأخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الوصايا - باب الوصايا. . - رقم الحديث (٢٧٣٩) عن عمرو بن الحارث -﵁-.
(٢) رجل دَنِفٌ: اشتد مرضه حتى أشفى على الموت. انظر لسان العرب (٤/ ٤١٧).
(٣) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (٤/ ١١٨): أي عبارة عن الجمال البارع، وحسن البشرة، وصفاء الوجه، واستنارته.
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة - رقم الحديث (٦٨٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما - رقم الحديث (٤١٩).
[ ٤ / ٦١٢ ]
الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- السِّتَارَةَ، وَالنَّاسُ صُفُوفٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ -﵁-، فَقَالَ: "أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبِشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ (١) يَرَاهَا الْمُسْلِمُ، أَوْ تُرَى لَهُ، أَلَا وَإِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا، فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ﷿، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ (٢) أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ" (٣).
فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ أَصْبَحَ مُفِيقًا ظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ بَرَأَ مِنْ وَجَعِهِ، وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ النَّاسُ: يَا أَبَا الْحَسَنِ، كَيْفَ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ .
فَقَالَ: أَصْبَحَ بِحَمْدِ اللَّهِ بَارِئًا (٤)، فَانْصَرَفُوا إلى مَنَازِلهِمْ وَحَوَائِجِهِمْ مُسْتَبْشِرِينَ (٥).
_________________
(١) ورد في قوله تعالى في سورة يونس، آية (٦٤): ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. . .﴾ أنها الرؤيا الصالحة. فقد أخرج الترمذي في جامعه بسند صحيح لغيره - رقم الحديث (٢٤٢٨) عن عبادة بن الصامت -﵁- قال: سألت رسول اللَّه -ﷺ- عن قوله تعالى: ﴿لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا. . .﴾ فقال -ﷺ-: "هي الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرى له".
(٢) فقمن: أي خليق وجدير. انظر النهاية (٤/ ٩٧).
(٣) أخرج ذلك الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود - رقم الحديث (٤٧٩).
(٤) بارئًا: أي معافى. انظر النهاية (١/ ١١١).
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته - رقم الحديث (٤٤٤٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٧٤).
[ ٤ / ٦١٣ ]
* إِحْسَاسُ الْعَبَّاسِ -﵁- بِوَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
أَمَّا الْعَبَّاسُ -﵁-، فَقَدْ عَرَفَ الْمَوْتَ يَوْمَئِذٍ فِي وَجْهِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَأَخَذَ بِيَدِ عَلِيٍّ -﵁-، وَقَالَ لَهُ: أَنْتَ وَاللَّهِ بَعْدَ ثَلَاثٍ عَبْدُ الْعَصَا (١)، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَأَرَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سَوْفَ يُتَوَفَّى مِنْ وَجَعِهِ هَذَا، إِنِّي لَأَعْرِفُ وُجُوهَ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عِنْدَ الْمَوْتِ، اذْهَبْ بِنَا إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَلْنَسْأَلْهُ فِيمَنْ هَذَا الْأَمْرُ، إِنْ كَانَ فِينَا عَلِمْنَا ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِنَا عَلِمْنَاهُ، فَأَوْصَى بِنَا، فَقَالَ عَلِيٌّ -﵁-: إِنَّا وَاللَّهِ لَئِنْ سَأَلْنَاهَا رَسُولَ اللَّهِ فَمَنَعَنَاهَا لَا يُعْطِينَاهَا النَّاسُ بَعْدَهُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَسْأَلُهَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- (٢).
* اسْتِئْذَانُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدَيقِ -﵁- رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِيَ الذَّهَابِ إِلَى أَهْلِهِ:
وَاسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فيها في الْخُرُوجِ إلى أَهْلِهِ بِالسُّنْحِ (٣)، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، إِنِّي أَرَاكَ قَدْ أَصْبَحْتَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ كَمَا نُحِبُّ، وَالْيَوْمُ يَوْمُ بِنْتِ خَارِجَةَ أَفَآتِيهَا؟
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٤٩٠): هو كناية عمن يصير تابعًا لغيره، والمعنى أنه يموت بعد ثلاث، وتصير أنت مأمور عليك، وهذا من قوة فراسة العباس -﵁-.
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته - رقم الحديث (٤٤٤٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٧٤).
(٣) السُنح: بضم السين وسكون النون، موضع بعوالي المدينة فيه منازل بني الحارث بن الخزرج. انظر النهاية (٢/ ٣٦٦).
[ ٤ / ٦١٤ ]
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ"، فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى أَهْلِهِ بِالسُّنْحِ (١).
* احْتِضَارُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي:
وَاشْتَدَّ الْوَجَعُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ رَجَعَ إِلَى الْحُجْرَةِ أَشَدَّ مَا يَكُونُ، فَاضْطَجَعَ فِي حِجْرِ عَائِشَةَ ﵂، وَجَعَلَ يَتَغَشَّاهُ الْكَرْبُ الشَّدِيدُ، حَتَّى تَأَذَّتِ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ ﵂، مِنْ شِدَّةِ مَا يَلْقَى، فَقَالَتْ: وَاكَرْبَ أَبَتَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا كَرْبَ عَلَى أَبِيكِ بَعْدَ الْيَوْمِ، إِنَّهُ قَدْ حَضَرَ مِنْ أَبِيكِ مَا لَيْسَ بِتَارِكٍ مِنْهُ أَحَدًا، الْمُوَافَاةُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢).
* انْقِطَاعُ أَبْهُرِ (٣) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَجَعَلَ الْوَجَعُ يَشْتَدُّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَدْ ظَهَرَ أَثَرُ السُّمِّ الذِي أَكَلَهُ بِخَيْبَرَ (٤) حَتَّى انْقَطَعَ مِنْهُ الْأَبْهُرُ بِسَبَبِ السُّمِّ الذِي كَانَ فِي الشَّاةِ الْمَسْمُومَةِ، فَأَكْرَمَ اللَّهُ ﷾ رَسُولَهُ -ﷺ- بِالشَّهَادَةِ، فَمَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شَهِيدًا.
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٣١١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته - رقم الحديث (٤٤٦٢) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٢١٥٨) - وابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ذكر وفاته ودفنه -ﷺ- رقم الحديث (١٦٢٩).
(٣) الْأَبْهُرُ: عرق في الظهر متصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه. انظر النهاية (١/ ٢٢).
(٤) ذكرنا تفاصيل أكل رَسُول اللَّهِ -ﷺ- من الشاة المسمومة في غزوة خيبر، فراجعه.
[ ٤ / ٦١٥ ]
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقُولُ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ: "يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلَمَ الطَّعَامِ الذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فَهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهُرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ" (١).
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ، عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ ﵂ قَالَتْ: أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي وَجَعِهِ الذِي قُبِضَ فِيهِ، فَقَالَتْ: بأبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَتَّهِمُ بِنَفْسِكَ؟ فَإِنِّي لَا أَتَّهِمُ إِلَّا الطَّعَامَ الذِي أَكَلَ مَعَكَ بِخَيْبَرَ، وَكَانَ ابْنُهَا بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ مَاتَ قَبْلَ النَّبِيِّ -ﷺ- (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَأَنَا لَا أَتَّهِمُ غَيْرَهُ، هَذَا أَوَانُ انْقِطَاع أَبْهُرِي" (٣).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ تِسْعًا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قُتِلَ قَتْلًا، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ وَاحِدَةً، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ ﷿ اتَّخَذَهُ نَبِيًّا، وَجَعَلَهُ شَهِيدًا (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته - رقم الحديث (٤٤٢٨).
(٢) ذكرنا ذلك في غزوة خيبر، فراجعه.
(٣) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٩٣٣) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة ﵃ - باب بشر بن البراء بن معرور مات قبل النبي -ﷺ- رقم الحديث (٥٠١٩).
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٦١٧) - والحاكم في المستدرك - كتاب المغازي والسرايا - باب اتخاذه اللَّه نبيًا واتخاذه شهيدًا - رقم الحديث (٤٤٥٠).
[ ٤ / ٦١٦ ]
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانَ بَقِيَ أَثَرُهَا -أَيْ أَثَرُ السُّمِّ- مَعَ ضَعْفِهِ لِمَا يُرِيدُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ تَكْمِيلِ مَرَاتِبِ الْفَضْلِ كُلِّهَا لَهُ -ﷺ-، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِكْرَامَهُ بِالشَّهَادَةِ، ظَهَرَ تَأْثِيرُ ذَلِكَ الْأَثَرِ الْكَامِنِ مِنَ السُّمِّ؛ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا (١).
* اسْتِنَانُ (٢) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالسِّوَاكِ:
وَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعَالِجُ سَكَرَاتِ الْمَوْتِ، وَعَائِشَةُ ﵂ مُسْنِدَتُهُ إِلَى صَدْرِهَا، دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄، وَفِي يَدِهِ سِوَاكٌ رَطْبٌ يَسْتَنُّ بِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَنْظُرُ إِلَيْهِ، وَعَرَفْتُ أَنَّهُ يُحِبُّ السِّوَاكَ، فَقُلْتُ: آخُذُهُ لَكَ؟
فَأَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِرَأْسِهِ: أَنْ نَعَمْ، فَتَنَاوَلْتُهُ، فَاشْتَدَّ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: أُلِينُهُ لَكَ؟
فَأَشَارَ بِرَأْسِهِ أَنْ نَعَمْ، فَأَخَذْتُهُ فَقَضَمْتُهُ حَتَّى لَيَّنْتُهُ وَنَفَضْتُهُ وَطَيَّبْتُهُ، ثُمَّ دَفَعْتُهُ إِلَيْهِ، فَاسْتَنَّ بِهِ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- اسْتَنَّ اسْتِنَانًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ (٣).
_________________
(١) انظر زاد المعاد (٤/ ١١٣).
(٢) الِاسْتِنَانُ: استعمال السواك، وهو افتعال من الأسنان، أي يُمره عليها. انظر النهاية (٢/ ٣٦٩).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الجمعة - باب من تسوك بسواك غيره - رقم الحديث (٨٩٠) - وأخرجه في كتاب فرض الخمس - باب ما جاء في بيوت أزواج النبي -ﷺ- رقم الحديث (٣١٠٠) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته - رقم الحديث (٤٤٣٨) (٤٤٤٩) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٢١٦).
[ ٤ / ٦١٧ ]