لَمَّا فَرَغَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْأَحْزَابِ وَقُرَيْظَةَ، وَكُسِرَتْ شَوْكَةُ قُرَيْشٍ، وَهَدَأَ وَضْعُ الْمَدِينَةِ، أَخذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُوَجِّهُ حَمَلَاتٍ تَأْدِيبِيَّةٍ إِلَى الْقَبَائِلِ وَالْأَعْرَابِ الذِينَ كَانَ يَبْلُغُهُ عَنْهُمْ عَزْمُهُمْ عَلَى الِإْغَارَةِ عَلَى الْمَدِينَةِ.
* * *
[ ٣ / ٢٢٨ ]
سَريَّةُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ -﵁- (١) إِلَى القُرَطَاءِ (٢)
فَفِي الْمُحَرَّمِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ -﵁- فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا إِلَى الْقُرَطَاءَ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، وَاسْمُهُ: عُبَيْدُ بْنُ كِلَابٍ.
فَخَرَجَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ -﵁- وَأَصْحَابُهُ لِعَشْرِ لَيَالٍ خلَوْن مِنَ الْمُحَرَّمِ، فَسَارَ اللَّيْلَ وَكَمَنَ (٣) النَّهَارَ، فَلَمَّا أَغَارَ عَلَيْهِمْ هَرَبَ سَائِرُهُمْ بَعْدَ أَنْ قَتَلَ نَفَرًا
_________________
(١) هو محمد بن مَسْلَمَة الأوسي الأنصاري، من نُجَباءِ الصحابة شَهِدَ بدرًا وأحدًا، وكل المشاهد إلا تَبُوك؛ لأن الرسول -ﷺ- استخلفه على المدينة، وهو أحَدُ الذين قَتَلُوا كَعْبَ بن الأشْرَف كما تقدم، وكان -﵁- ممن اعتزل الفِتْنَة بعد مقتل عثمان -﵁-. أخرج أبو داود في سننه بسند صحيح - كتاب السنة - باب ما يدل على ترك الكلام في الفتنة - رقم الحديث (٤٦٦٣) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٧٤٧٠) - عن حذيفة -﵁- أنه قال: ما أحدٌ من الناس تُدْرِكُهُ الفتنةُ إلا أنَا أخَافُهَا عليه، إلا محمد بن مسلمة، فإني سمعت رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يقول: "لا تَضُرُّكَ فِتْنةٌ". وفي رواية أخرى عند أبي داود في سننه - رقم الحديث (٤٦٦٤) - عن ثعلبة بن ضُبَيْعَةَ قال: دخلنا على حذيفة، فقال: إني لأعرف رَجلًا لا تَضُرُّه الفتن، قلنا: من هو؟ قال صاحب ذلك الفُسْطَاطِ -الفسطاط: أي الخَيْمَة- فدخلنا، فإذا فيه محمد بن مسلمة.
(٢) القُرطاء: بضم القاف بينها وبين المدينة سبع ليال. انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨٨).
(٣) كَمَنَ: استخفى. انظر النهاية (٤/ ١٧٤).
[ ٣ / ٢٢٩ ]
مِنْهُمْ، وَاسْتَاقَ نَعَمًا (١) وَشَاءً، وَلَمْ يَعْرِضْ لِلظُّعُنِ (٢)، وَانْحَدَرَ (٣) إِلَى الْمَدِينَةِ فَقَدِمَهَا لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنْ مُحَرَّمٍ، فَخَمَّسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَا جَاءَ بِهِ، وَقَسَمَ مَا بَقِيَ عَلَى أَصْحَابِ السَّرِيَّةِ، فَعَدَلُوا الْجَزُورَ (٤) بِعَشْرٍ مِنَ الْغَنَمِ، وَكَانَتِ الْإِبِلُ مِائَةً وَخَمْسِينَ بَعِيرًا، وَالْغَنَمُ ثَلَاثَةُ آلَافِ شَاةً (٥).
* هَلْ أُسِرَ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ -﵁- فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ؟:
قِيلَ: أُسِرَ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ سَيِّدُ بَنِي حَنِيفَةَ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فِي سِيَاقِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ (٦) عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبَرِيِّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ شَهِدَ ذَلِكَ -أَيْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، وَهُوَ إِنَّمَا هَاجَرَ بَعْدَ خَيْبَرَ (٧).
قُلْتُ: سَتَأْتِي قِصَّةُ أَسْرِ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ -﵁- بَعْدَ خَيْبَرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
* * *
_________________
(١) النَّعَمُ: الْإِبِلُ. انظر لسان العرب (١٤/ ٢١٢).
(٢) الظُّعُنُ: النِّسَاءُ، واحدتها: ظَعِينَةٌ. انظر النهاية (٣/ ١٤٣).
(٣) انْحَدَرَ: أَسْرَعَ. انظر النهاية (١/ ٣٤١).
(٤) الْجَزُورُ: الْبَعِيرُ ذكرًا كان أو أنثى. انظر النهاية (١/ ٢٥٨).
(٥) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨٨).
(٦) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٢٩٥).
(٧) انظر البداية والنهاية (٤/ ٥٣٦).
[ ٣ / ٢٣٠ ]
غَزْوَةُ بَنِي لِحْيَانَ
بَنُو لِحْيَانَ هَؤُلَاءِ هُمُ الذِينَ غَدَرُوا بِخُبَيْبِ بْنِ عَدِيٍّ -﵁- وَأَصْحَابِهِ يَوْمَ الرَّجِيعِ، وَلَمَّا كَانَتْ دِيَارُهُمْ مُتَوَغِّلَةً (١) فِي بِلَادِ الْحِجَازِ إِلَى حُدُودِ مَكَّةَ، وَلِوُجُودِ ثَارَاتٍ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ جِهَةٍ، وَقُرَيْشٍ وَالْأَعْرَابِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَلَّا يَتَوَغَّلَ فِي الْبِلَادِ الْقَرِيبَةِ مِنَ الْعَدُوِّ الْأَكْبَرِ وَالْرَئِيسِيِّ قُرَيْشٍ، فَلَمَّا تَخَاذَلَتِ الْأَحْزَابُ، وَانْكَسَرَتْ عَزَائِمُهُمْ، رَأَى أَنَّ الْوَقْتَ قَدْ حَانَ لِغَزْوِ بَنِي لِحْيَانَ وَأَخْذِ الثَّأْرِ لِأَصْحَابِ الرَّجِيعِ.
فَخَرَجَ إِلَيْهِمُ الرَّسُولُ -ﷺ- طَالِبًا بِدِمَاءِ أَصْحَابِهِ فِي مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَمَعَهُمْ عِشْرُونَ فَرَسًا، وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ (٢)، أَوْ جُمَادَى الْأُولَى (٣) سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ -﵁-، وَأَظْهَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ يُرِيدُ الشَّامَ لِيُصِيبَ بَنِي لِحْيَانَ غِرَّةً (٤)، ثُمَّ أَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى وَادِي غُرَانَ (٥)
_________________
(١) الْوُغُولُ: الدُّخُولُ في الشيء. انظر النهاية (٥/ ١٨١).
(٢) هذه رواية ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٨٩).
(٣) هذه رواية ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٠٦).
(٤) الغِرَّةُ: الغَفْلَةُ. انظر النهاية (٣/ ٣١٩).
(٥) غُرَانُ: بضم العين وتخفيف الراء: وادٍ قريبٌ من الحديبية. انظر النهاية (٣/ ٣٢٧).
[ ٣ / ٢٣١ ]
بَيْنَ أَمَجٍ (١) وَعُسْفَانَ (٢)، وَهِيَ مَنَازِلُ بَنِي لِحْيَانَ، وَفِيهَا كَانَ مُصَابُ أَصْحَابِهِ، فَتَرَحَّمَ عَلَيْهِمْ وَدَعَا لَهُمْ.
وَسَمِعَتْ بِهِ بَنُو لِحْيَانَ، فَهَرَبُوا وَاحْتَمَوا فِي رُؤُوسِ الْجِبَالِ، فَلَمْ يَقْدِرْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِأَرْضِهِمْ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ، وَبَعَثَ السَّرَايَا فِي كُلِّ نَاحِيَةٍ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى أَحَدٍ.
ثُمَّ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِأَصْحَابِهِ إِلَى عُسْفَانَ لِتَسْمَعَ بِهِ قُرَيْشٌ فَيُدَاخِلَهُمُ الرُّعْبُ، وَليُرِيَهُمْ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً، فَبَعَثَ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ -﵁- فِي عَشَرَةِ فَوَارِسَ إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ (٣)، ثُمَّ رَجَعَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- وَلَمْ يَلْقَ أَحَدًا.
* ذِكْرُ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ:
قُلْتُ: رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِهِ (٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَوَّلَ صَلَاةِ خَوْفٍ فِي الْإِسْلَامِ، وَالْمَشهُورُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٥).
* * *
_________________
(١) أَمَجُ: بفتح الهمزة والميم: مَوْضِعٌ بينَ مكةَ والمدينةِ. انظر النهاية (١/ ٦٦).
(٢) عُسْفَانُ: بضم العين قَرْيَةٌ بين مكة والمدينة. انظر النهاية (٣/ ٢١٤).
(٣) كُرَاعُ الغَمِيمِ: هو موضع بين مكة والمدينة. انظر النهاية (٤/ ١٤٣).
(٤) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٣٦٤).
(٥) انظر تفاصيل غزوة بني لحيان هذه في: سيرة ابن هشام (٣/ ٣٠٦) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨٩) - البداية والنهاية (٤/ ٤٦٢) - شرح المواهب (٣/ ١٠٦).
[ ٣ / ٢٣٢ ]
سَرِيَّةُ عُكَّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ -﵁- إِلَىَ الغَمْرِ
وَفِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُكَّاشَةَ بْنَ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيِّ -﵁- إِلَى الْغَمْرِ -وَهُوَ مَاءٌ لِبَنِي أَسَدٍ عَلَى لَيْلَتَيْنِ مِنْ فَيْدِ (١) - وَمَعَهُ أَرْبَعُونَ رَجُلًا، فَخَرَجَ سَرِيعًا يُغِذُّ (٢) السَّيْرَ، وَنَذَرَ بِهِ (٣) الْقَوْمُ فَهَرَبُوا، فنَزَلَ عَلَى بِلَادِهِمْ فَوَجَدَهَا خُلُوفًا (٤)، فَبَعَثَ شُجَاعَ بْنَ وَهْبٍ الْأَسَدِيَّ طَلِيعَةً، فَرَأَى أَثَرَ النَّعَمِ، فَقَصَدَهَا الْمُسْلِمُونَ، فَأَصَابُوا رَبِيئَةً (٥) لَهُمْ فَأَمَّنُوهُ فَدَلَّهُمْ عَلَى نَعَمٍ لِبَنِي عَمٍّ لَهُ، فَأَغَارُوا عَلَيْهَا، فَاسْتَاقُوا مِائَتَيْ بَعِيرٍ وَأَطْلَقُوا الرَّجُلَ، وَرَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَوْا كَيْدًا (٦).
* * *
_________________
(١) فَيْدُ: بفتح الفاء وسكون الياء، قرية في نصف طريق مكة من الكوفة. انظر معجم البلدان (٦/ ٤٥٠).
(٢) غذا: أي أسرع. انظر لسان العرب (١٠/ ٣١).
(٣) نَذَرَ به: عَلِمَ وأَحَسَّ بمكانه. انظر النهاية (٥/ ٣٣).
(٤) يُقال حَيٌّ خُلُوفٌ: إذا غاب الرجال وأقام النساء. انظر النهاية (٢/ ٦٤).
(٥) الرَّبِيئَةُ: هو العَيْنُ والطَّلِيعَةُ الذي ينظر للقوم لئلا يَدْهَمَهُم عدو، ولا يكون إلا على جبل أو شرف ينظر منه. انظر النهاية (٢/ ١٦٥).
(٦) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٩٢) - شرح المواهب (٣/ ١١٩).
[ ٣ / ٢٣٣ ]
سَرِيَّةُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ -﵁- إِلَى ذِي الْقَصَّةِ (١)
وَفِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ -﵁-، وَمَعَهُ عَشَرَةُ نَفَرٍ، إِلَى بَنِي ثَعْلَبَةَ مِنْ غَطَفَانَ وَبَنِي عَوَالٍ مِنْ ثَعْلَبَةَ، وَهُمْ بِذِي الْقَصَّةِ، فَوَرَدُوا عَلَيْهِمْ لَيْلًا، فَأَحْدَقَ (٢) بِهِ الْقَوْمُ، وَهُمْ مِائَةُ رَجُلٍ، فَتَرَامَوْا سَاعَةً مِنَ اللَّيْلِ، ثُمَّ حَمَلَتِ الْأَعْرَابُ عَلَيْهِمْ بِالرِّمَاحِ فَقَتَلُوهُمْ جَمِيعًا، وَوَقَعَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ جَرِيحًا، فَضُرِبَ كَعْبُهُ فَلَمْ يَتَحَرَّكْ، وَجَرَّدُوهُمْ (٣) مِنَ الثِّيَابِ، وَمَرَّ بِمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَحَمَلَهُ حَتَّى رَجَعَ بِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ (٤).
* * *
_________________
(١) ذِي الْقَصَّةِ: بفتح القاف: موضع قريب من المدينة. انظر النهاية (٤/ ٦٤). قال ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٩٢): بينها وبين المدينة أربعة وعشرون ميلًا من طريق الربذة.
(٢) كل شيء استدار بشيء وأحاط به، فقد أحدق به. انظر لسان العرب (٣/ ٨٧).
(٣) التَّجْرِيدُ: التَّعْرِيَةُ مِنَ الثِّيَابِ. انظر لسان العرب (٢/ ٢٣٦).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٩٢) - شرح المواهب (٣/ ١٢٠).
[ ٣ / ٢٣٤ ]
سَرِيَّةُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الجَرَّاحِ -﵁- إِلَى ذِي الْقَصَّةِ
وَفِي نَفْسِ الشَّهْرِ رِبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ -﵁-، إِلَى ذِي الْقَصَّةِ عَلَى إِثْرِ مَقْتَلِ أَصْحَابِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ -﵁-، فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ حِينَ صَلُّوا الْمَغْرِبَ فَسَارَ إلَيْهِمْ مُشَاةً حَتَّى وَافَوا (١) ذِي الْقَصَّةِ مَعَ عَمَايَةِ الصُّبْحِ (٢)، فَأَغَارُوا عَلَيْهِمْ، فَأَعْجَزُوهُمْ هَرَبًا فِي الْجِبَالِ، وَأَصَابُوا رَجُلًا فَأَسْلَمَ فَتَرَكُوهُ، وَغَنِمُوا نَعَمًا مِنْ نَعَمِهِمْ فَاسْتَاقُوهُ، وَرِثَّةً (٣) مِنْ مَتَاعِهِمْ، وَقَدِمُوا بِذَلِكَ الْمَدِينَةَ، فَخَمَّسَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَسَمَ مَا بَقِيَ عَلَيْهِمْ (٤).
وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ: أَنَّ سَبَبَ بَعْثِهِ -ﷺ- أَبَا عُبَيْدَةَ -﵁- إِلَى ذِي الْقَصَّةِ هُوَ مَا بَلَغَهُ مِنْ أَنَّ بَنِي مُحَارِبِ بْنِ خَصْفَةَ، وَثَعْلَبَةَ وَأَنْمَارٍ -وَهُمَا مِنْ غَطَفَانَ- أَجْمَعُوا أَنْ يُغِيرُوا عَلَى سَرْحِ (٥). . . . .
_________________
(١) أَوْفَيْتُ الْمَكَانَ: أَتَيْتُهُ. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٥٩).
(٢) عَمَايَةُ الصُّبْحِ: أي في بَقِيَّةِ ظُلْمَةِ اللَّيْلِ. انظر النهاية (٣/ ٢٧٦).
(٣) الرِّثُّ: بكسر الراء، وهو السَّقْطُ مِنْ مَتَاعِ البَيْتِ. انظر النهاية (٢/ ١٧٩) - شرح المواهب (٣/ ١٢٣).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٩٢) - شرح المواهب (٣/ ١٢٢).
(٥) السَّرْحُ: الْإِبِلُ. انظر لسان العرب (٦/ ٢٣١).
[ ٣ / ٢٣٥ ]
الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَرْعَى بِهَيْفَا (١).
قُلْتُ: فَلَعَلَّ الرَّسُولَ -ﷺ- بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ -﵁- مَرَّتَيْنِ إِلَى ذِي الْقَصَّةِ، أَوْ أَنْ يَكُونَ الْبَعْثُ مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لَهُ سَبَبَانِ: الْأَخْذُ بِثَأْرِ أَصْحَابِ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ -﵁- الْمَقْتُولينَ، وَدَفْعُ مَنْ أَرَادَ الْإِغَارَةَ عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ.
* * *
_________________
(١) هَيْفَا: موضعٌ على سبع أميالٍ من المدينة. انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٩٢) - شرح المواهب (٣/ ١٢٢).
[ ٣ / ٢٣٦ ]
سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ -﵁- إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ بالْجَمُومِ (١)
وَفِي الشَّهْرِ نَفْسِهِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ -﵁- إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ، فَسَارَ حَتَّى وَرَدَ الْجَمُومَ نَاحِيَةَ بَطْنِ نَخْلٍ (٢) عَنْ يَسَارِهَا، فَأَصَابُوا عَلَيْهِ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ يُقَالُ لَهَا: حَلِيمَةُ، فَدَلَّتْهُمْ عَلَى مَحَلَّةٍ (٣) مِنْ مَحَالِّ بَنِي سُلَيْمٍ، فَأَصَابُوا فِي تِلْكَ الْمَحَلَّةِ نَعَمًا وَشَاءً وَأَسْرَى، فَكَانَ فِيهِمْ زَوْجُ حَلِيمَةَ الْمُزَنِيَّةِ، فَلَمَّا قَفَلَ (٤) زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ -﵁- إِلَى الْمَدِينَةَ بِمَا أَصَابَ، وَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلْمُزَنِيَّةِ نَفْسَهَا وَزَوَجَهَا (٥).
* * *
_________________
(١) الْجَمُومُ: ماءٌ على طريق مكة. انظر معجم البلدان (٣/ ٧٦).
(٢) بَطْنُ نَخْلٍ: موضع يبعد عن المدينة أربعة بُرُد، والْبُرُدُ جمع بَرِيدٍ، والبريد: فرسخان، والفرسخ: ثلاثة أميال أو ستة. انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٩٣) - لسان العرب (١/ ٣٦٧) (١٠/ ٢٢٣).
(٣) الْمَحَلَّةُ: مَنْزِلُ القَوْمِ.
(٤) قَفَلَ: رَجَعَ. انظر النهاية (٤/ ٨٢).
(٥) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٩٣) - شرح المواهب (٣/ ١٢٣).
[ ٣ / ٢٣٧ ]
سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ -﵁- إِلَى الْعِيصِ
وَفِي جُمَادَى الْأُولَى مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ -﵁-، فِي سَبْعِينَ وَمِائَةِ رَاكِبٍ، وَالْهَدَفُ اعْتِرَاضُ عِيرٍ لِقُرَيْشٍ أَقْبَلَتْ مِنَ الشَّامِ بِقِيَادَةِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، فَأَدْرَكُوهَا، فَأَخَذُوهَا وَمَا فِيهَا، وَأَخَذُوا يَوْمَئِذٍ فِضَّةً كَثِيرَةً لِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَأَسَرُوا نَاسًا مِمَّنْ كَانَ فِي الْعِيرِ، مِنْهُمْ: أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ، وَقَدِمُوا بِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ.
وَكَانَ أَبُو الْعَاصِ مِنْ رِجَالِ مَكَّةَ الْمَعْدُودِينَ تِجَارَةً وَمَالًا وَأَمَانَةً، وَهُوَ زَوْجُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأُمُّهُ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ ﵂.
فَأَتَى أَبُو الْعَاصِ زَيْنَبَ ﵂ فِي اللَّيْلِ، وَكَانَتْ زَيْنَبُ هَاجَرَتْ قَبْلَهُ وَتَرَكَتْهُ عَلَى شِرْكِهِ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ- فَاسْتَجَارَ بِهَا (١)، فَأَجَارَتْهُ، وَسَأَلَهَا أَنْ تَطْلُبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَدَّ أَمْوَالِ الْعِيرِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ فَكَبَّرَ وَكَبَّرَ النَّاسُ صَرَخَتْ زَيْنَبُ ﵂ مِنْ صُفَّةِ (٢) النِّسَاءِ: أَيُّهَا النَّاسُ! إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ، فَلَمَّا سَلَّمَ
_________________
(١) أَجَارَهُ: أي مَنَعَهُ وحَمَاهُ. انظر لسان العرب (٢/ ٤١٥).
(٢) الصُّفَّةُ: هو موضع مُظَلَّلٌ من المسجد. انظر النهاية (٣/ ٣٥).
[ ٣ / ٢٣٨ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الصَّلَاةِ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ؟ "أَيُّهَا النَّاسُ هَلْ سَمِعْتُمْ مَا سَمِعْتُ؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: "أَمَا وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا عَلِمْتُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَتَّى سَمِعْتُ مَا سَمِعْتُمْ، إِنَّهُ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ".
ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ، فَقَالَتْ لَهُ: إِنَّ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ إِنْ قَرُبَ فَابْنُ عَمٍّ، وَإِنْ بَعُدَ فَأَبُو وَلَدٍ، وإِنِّي قَدْ أَجَرتُهُ، فَأَجَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جِوَارَهَا، وَسَأَلَتْهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ مَا أُخِذَ مِنْهُ، فَقَبِلَ.
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى السَّرِيَّةِ الذِينَ أَصَابُوا مَالَ أَبِي الْعَاصِ، فَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ أَصَبْتُمْ لَهُ مَالًا، فَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَرُدُّوا عَلَيْهِ الذِي لَهُ فَإِنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، وَإِنْ أَبَيْتُمْ فَهُوَ فَيْءُ اللَّهِ الذِي أَفَاءَ عَلَيْكُمْ فَأَنْتُمْ أَحَقُ بِهِ".
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَلْ نَرُدُّهُ عَلَيْهِ. فَرَدُّوهُ عَلَيْهِ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَأْتِي بِالدَّلْوِ وَيَأْتِي بِالشَّنَّةِ (١) وَالْإِدَاوَةِ (٢)، حَتَّى الْعِقَالِ (٣)، حَتَّى رَدُّوا عَلَيْهِ مَالَهُ كُلَّهُ لَا يَفْقِدُ مِنْهُ شَيْئًا.
* * *
_________________
(١) الشَّنَّةُ: القِرْبَةُ. انظر النهاية (٢/ ٤٥٣).
(٢) الْإِدَاوَةُ: بكسر الهمزة، إِناءٌ صغيرٌ من جِلْدٍ يُتَّخَذُ للماءِ. انظر النهاية (١/ ٣٦).
(٣) الْعِقَالُ: هو الْحَبْلُ الذي يُرْبَطُ به البَعِيرُ. انظر النهاية (٣/ ٢٥٣).
[ ٣ / ٢٣٩ ]
عَوْدَةُ أَبِي الْعَاصِ -﵁- إِلَى مَكَّةَ وَإِسْلامُهُ
ثُمَّ رَجَعَ أَبُو الْعَاصِ -﵁- إِلَى مَكَّةَ فَأَدَّى إِلَى كُلِّ ذِي مَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ مَالَهُ، وَمَنْ كَانَ أَبْضَعَ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! هَلْ بَقِيَ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ عِنْدِي مَالٌ لَمْ يَأْخُذْهُ؟ .
قَالُوا: لَا، فَجَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ وَجَدْنَاكَ وَفِيًّا كَرِيمًا، قَالَ: فَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَاللَّهِ مَا مَنَعَنِي مِنَ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُ -أَيْ عِنْدَ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَّا تَخَوُّفُ أَنْ تَظُنُّوا أَنِّي إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ آكُلَ أَمْوَالَكُمْ، فَلَمَّا أَدَّاهَا اللَّهُ إِلَيْكُمْ، وَفَرَغْتُ مِنْهَا أَسْلَمْتُ.
ثُمَّ خَرَجَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- مُهَاجِرًا فِي الْمُحَّرِم سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ (١).
* رَدُّ زَيْنَبَ عَلَى زَوْجِهَا بِالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ:
وَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ -﵁- ابْنَتَهُ زَيْنَبَ ﵂، عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُحْدِثْ شَهَادَةً وَلَا صَدَاقًا، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ؛
_________________
(١) أخرج قصة أبي العاص بين الربيع -﵁-: الطَّحاوي في شرح مُشكل الآثار - رقم الحديث (١٢٤٤) - وأخرجها الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب قصة إسلام أبي العاص ورد زينب إليه بنكاحها الأول - رقم الحديث (٥٠٨٨) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٦٩) - وإسنادها حسن.
[ ٣ / ٢٤٠ ]
لِأَنَّ آيَةَ تَحْرِيمِ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْكُفَّارِ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ إِذْ ذَاكَ.
فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وِالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَدَّ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَكَانَ إِسْلَامُهَا قَبْلَ إِسْلَامِهِ بِسِتِّ (١) سِنِينَ عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ، وَلَمْ يُحْدِثْ شَهَادَةً وَلَا صَدَاقًا (٢).
وَأَمَّا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَدَّ ابْنَتَهُ إِلَى أَبِي الْعَاصِ بِمَهْرٍ جَدِيدٍ، وَنِكَاحٍ جَدِيدٍ.
فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ (٣).
_________________
(١) وفي رواية أخرى عند أبي داود: بعد سنتين. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٥٣٠): ويمكن الجمع على أن المراد بالسِّتِّ ما بين هجرة زينب وإسلام أبي العاص، وهو بَيِّن في المغازي فإنه أُسر ببدر فأرسَلَتْ زينبُ من مكة في فِدَائِهِ فأُطلق لها بغير فِدَاءٍ، وشَرَط النبي -ﷺ- عليه أن يرسل له زَيْنَبَ فَوَفَى له بذلك -كما ذكرنا ذلك فيما تقدم- والمراد بالسنتين ما بين نزول قوله تَعَالَى في سورة الممتحنة آية (١٠): ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾، وقُدُومِه مُسْلِمًا، فإن بينهما سنتين وأشهرًا.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٦٦) - (١٨٧٦) - والترمذي في جامعه - كتاب النكاح - باب ما جاء في الزوجين المشركين يُسلم أحدهما - رقم الحديث (١١٧٥) - وأبو داود في سننه - كتاب الطلاق - باب إلى متى ترد عليه امرأته إذا أسلم بعدها - رقم الحديث (٢٢٤٠).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٩٣٨) - والترمذي في جامعه - كتاب النكاح - باب ما جاء في الزوجين المشركين يُسلم أحدهما - رقم الحديث (١١٧٤) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٩٠٨٤).
[ ٣ / ٢٤١ ]
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بَعْدَ أَنْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِهِ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، أَوْ قَالَ: وَاهٍ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ الْحَجَّاجُ مِنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْعَرْزَمِي، وَالْعَرْزَمِي: لَا يُسَاوِي حَدِيثُهُ شَيْئًا، وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الذِي رُوِيَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَقَرَّهُمَا عَلَى النِّكَاحِ الْأَوَّلِ -وَهُوَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ- (١).
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ أَنْ رَوَى حَدِيثَ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ: هَذَا حَدِيثٌ فِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ (٢).
وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالْمُعْتَمَدُ تَرْجِيحُ إِسْنَادِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ (٣).
* حَدِيثٌ ضَعِيفٌ:
رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: أَسْلَمَتْ زَيْنَبُ بْنَتُ النَّبِيِّ -ﷺ- قَبْلَ زَوْجِهَا أَبِي الْعَاصِ بِسَنَةٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَبُو الْعَاصِ، فَرَدَّهَا النَّبِيُّ -ﷺ- بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ (٤).
قَالَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: هَذَا بَاطِلٌ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ هَاجَرَتْ قَبْلَهُ بِسَنَةٍ، وَإِلَّا فَهِيَ أَسْلَمَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِمُدَّةٍ.
_________________
(١) انظر كلام الإمام أحمد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في المسند عقب الحديث رقم (٦٩٣٨).
(٢) انظر كلام الترمذي في جامعه عقب الحديث رقم (١١٤٢).
(٣) انظر فتح الباري (١٠/ ٥٣١).
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر أبي العاص بن الربيع -﵁- رقم الحديث (٦٧٥١).
[ ٣ / ٢٤٢ ]
* شَيْءٌ مِنْ فَضَائِلِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ -﵁-:
ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُثْنِي عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ -﵁- فِي مُصَاهَرَتِهِ (١) خَيْرًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ -﵁- قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ: "أَمَّا بَعْدُ، أَنْكَحْتُ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي وَصَدَقَنِي".
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ الْمِسْوَرُ بْنُ مَخْرَمَةَ -﵁-: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ، فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ، فَقَالَ: "حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَّى لِي" (٢).
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: هَذَا الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِالْوَعْدِ وَالْوَفَاءِ: هُوَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرَّبِيعِ زَوْجُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، كَانَ أُسِرَ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَأَرْسَلَتْ زَيْنَبُ فِدَاءَهُ مِنْ مَكَّةَ، وَهِيَ قِلَادَةُ أُمِّهَا خَدِيجَةَ ﵂، فَرَقَّ لَهَا رَسُولُ -ﷺ- رِقَّةً شَدِيدَةً، وَاسْتَطْلَقَ أَسِيرَهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَشَرَطَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَبِي الْعَاصِ أَنْ يُنْفِذَ زَيْنَبَ إِلَيْهِ إِذَا وَصَلَ إِلَى مَكَّةَ، فَفَعَلَ (٣).
_________________
(١) الصِّهْرُ: القَرَابَةُ. يقال: صَاهَرْت القومَ: إذا تزوجْت فيهم. انظر لسان العرب (٧/ ٤٢٨).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب ذكر أصهار النبي -ﷺ- رقم الحديث (٣٧٢٩) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل فاطمة بنت النبي -ﷺ﵂ - رقم الحديث (٢٤٤٩).
(٣) انظر جامع الأصول (١/ ٥٠٤).
[ ٣ / ٢٤٣ ]
* أَوْلَادُ أَبِي الْعَاصِ -﵁- مِنْ زَيْنَبَ ﵂:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالنَّسَبِ أَنَّ زَيْنَبَ لَمْ تَلِدْ لِأَبِي الْعَاصِ إِلَّا: عَلِيًّا، وَأُمَامَةَ فَقَط (١).
فَأَمَّا عَلِيٌّ فَقَدْ مَاتَ عِنْدَمَا نَاهَزَ الِاحْتِلَامَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَرْدَفَهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَمَاتَ فِي حَيَاتِهِ -ﷺ- (٢).
وَأَمَّا أُمَامَةُ ﵂ فَهِيَ التِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَحْمِلُهَا أَثْنَاءَ الصَّلَاةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُحِبُّهَا حُبًّا شّدِيدًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ بِنْتَ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَلِأَبِي الْعَاصِ بنِ الرَّبِيعِ، فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا، وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا (٣).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي الْحَدِيثِ:
١ - تَوَاضُعُهُ -ﷺ-.
٢ - شَفَقَتُهُ -ﷺ- عَلَى الْأَطْفَالِ.
_________________
(١) انظر فتح الباري (٣/ ٥٠٢).
(٢) انظر فتح الباري (٣/ ٥٠٢) - الإصابة (٨/ ١٥٢).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب إذا حَمْلِ جارية صغيرة على عُنُقه في الصلاة - رقم الحديث (٥١٦) - وأخرجه مسلم - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب جواز حمل الصِّبْيَان في الصلاة - رقم الحديث (٥٤٣) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٥٢٤).
[ ٣ / ٢٤٤ ]
٣ - إِكْرَامُهُ -ﷺ- لَهُمْ جَبْرًا لَهُمْ وَلِوَالِدِيهِمْ (١).
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- حِلْيَةٌ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، أَهْدَاهَا لَهُ، فِيهَا خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ، فِيهِ فَصٌّ حَبَشِيٌّ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- بِعُودٍ بِبَعْضِ أَصَابِعِهِ، مُعْرِضًا عَنْهُ، ثُمَّ دَعَا أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ ابْنَةَ ابْنَتِهِ، فَقَالَ: "تَحَلَّيْ بِهَذَا يَا بُنَيَّةُ" (٢).
* كَادَتْ أُمَامَةُ ﵂ أَنْ تَمُوتَ:
وَعَاشَتْ أُمَامَةُ ﵂ فِي حَيَاتِهِ -ﷺ- حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَمُوتَ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَافَاهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: أَرْسَلَتْ ابْنَةُ (٣) النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَيْهِ: إِنَّ ابْنًا (٤) لِي قُبِضَ (٥)، فَأْتِنَا،
_________________
(١) انظر فتح الباري (٢/ ١٧٨).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٨٨٠) - وأخرجه أبو داود في سننه - كتاب الخاتم - باب ما جاء في الذهب للنساء - رقم الحديث (٤٢٣٥).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٣/ ٥٠٢): هي زينبُ كما وَقَعَ في رواية أبي معاوية عن عَاصِمٍ المذكور في مصنف ابن أبي شيبة - ومسند الإمام أحمد - رقم الحديث (٢١٧٩٩).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٣/ ٥٠٢): قيل هو عليّ بن أبي العاص بن الربيع، وهو من زينب كذا كتب الدمياطي بخطه في الحاشية، وفيه نظر لأنه لم يقع في شيء من طرق هذا الحديث. . . والصواب في حديث الباب أن المرسلة زينب، وأن الولدَ صَبية كما ثبت في مسند الإمام أحمد بسند صحيح - رقم الحديث (٢١٧٩٩): قال أسامة بن زيد ﵄: أُتي رسول -ﷺ- بأمَيْمَةَ بنت زينب ونفسها تَقَعْقَعُ كأنها في شَنٍّ -أي قربة-.
(٥) قال الحافظ في الفتح (٣/ ٥٠٣): أي قارب أن يقبض، ويدل على ذلك أن رواية حماد =
[ ٣ / ٢٤٥ ]
فَأَرْسَلَ إِلَيْهَا يُقْرِئُ السَّلَامَ، وَيَقُولُ: "إِنَّ للَّهِ مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلُّ شيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمَّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ".
فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَقَعْقَعُ (١)، فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ -ﷺ-، فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا؟
قَالَ -ﷺ-: "هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ" (٢).
وفي رواية أخرى في الصحيح قال -ﷺ-: "هَذِهِ رَحْمَةٌ يَضَعُهَا اللَّهُ فِي قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ" (٣).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَقَدِ اسْتُشْكِلَ ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ أَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ بِالْأَخْبَارِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ مِنْ زَيْنَبَ بِنْتِ النَّبِيِّ -ﷺ- عَاشَتْ
_________________
(١) = في صحيح مسلم - رقم الحديث (٩٢٣): أرسلت تدعوه إلى ابنٍ لها في الموت.
(٢) تَقَعْقَعُ: أي تَضْطَرِبُ وتَتَحَرَّكُ. انظر النهاية (٤/ ٧٨).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب قول النبي -ﷺ-: "يُعذَّب الميت ببعض بُكَاءَ أهله عليه" - رقم الحديث (١٢٨٤) - وأخرجه في كتاب المرض - باب عيادة الصبيان - رقم الحديث (٥٦٥٥) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجنائز - باب البكاء على الميت - رقم الحديث (٩٢٣) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٧٧٥).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأيمان والنذور - باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ - رقم الحديث (٦٦٥٥).
[ ٣ / ٢٤٦ ]
بَعْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- حَتَّى تَزَوَّجَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ ﵄، ثُمَّ عَاشَتْ عِنْدَ عَلِيٍّ حَتَّى قُتِلَ عَنْهَا.
وَالذِي يَظْهَرُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَكْرَمَ نَبِيَّهُ -ﷺ- لَمَّا سَلَّمَ لِأَمْرِ رَبِّهِ وَصَبَّرَ ابْنَتَهُ، وَلَمْ يَمْلِكْ مَعَ ذَلِكَ عَيْنَيْهِ مِنَ الرَّحْمَةِ وَالشَّفَقَةِ بِأَنْ عَافَى اللَّهُ ابْنَةَ ابْنَتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَخَلُصَتْ مِنْ تِلْكَ الشِّدَّةِ، وَعَاشَتْ تِلْكَ الْمُدَّةَ، وَهَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُذْكَرَ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ (١).
* وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - جَوَازُ اسْتِحْضَارِ ذَوِي الفضْلِ لِلْمُحْتَضرِ لِرَجَاءِ دُعَائِهِمْ، وَجَوَازُ الْقَسَمِ عَلَيْهِمْ لِذَلِكَ.
٢ - وَفِيهِ جَوَازُ الْمَشْيِ إِلَى التَّعْزِيةِ وَالْعِيَادَةِ بِغَيْرِ إِذْنٍ بِخِلَافِ الْوَليمَةِ.
٣ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِبْرَارِ الْقَسَمِ وَأَمْرُ صَاحِبِ الْمُصِيبَةِ بِالصَّبْرِ قَبْلَ وُقُوعِ الْمَوْتِ لِيَقَعَ وَهُوَ مُسْتَشْعِرٌ بِالرِّضَا مُقَاوِمٌ لِلْحُزْنِ بِالصَّبْرِ.
٤ - وَفِيهِ إِخْبَارُ مَنْ يُسْتَدْعَى بِالْأَمْرِ الذِي يُسْتَدْعَى مِنْ أَجْلِهِ.
٥ - وَفِيهِ تَقْدِيمُ السَّلَامِ عَلَى الْكَلَامِ.
٦ - وَفِيهِ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَلَوْ كَانَ مَفْضُولًا أَوْ صَبِيًّا صَغِيرًا.
_________________
(١) انظر فتح الباري (٣/ ٥٠٢ - ٥٠٣).
[ ٣ / ٢٤٧ ]
٧ - وَفِيهِ أَنَّ أَهْلَ الفضْلِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْطَعُوا النَّاسَ عَنْ فَضْلِهِمْ وَلَوْ رَدُّوا أَوَلَ مَرَّةٍ.
٨ - وَفِيهِ اسْتِفْهَامُ التَّابِعِ مِنْ إِمَامِهِ عَمَّا يُشْكِلُ عَلَيْهِ مِمَّا يَتَعَارَضُ ظَاهِرُهُ.
٩ - وَفِيهِ حُسْنُ الْأَدَبِ فِي السُّؤَالِ لِتَقْدِيمِهِ قَوْلَهُ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ" عَلَى الِاسْتِفْهَامِ.
١٠ - وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي الشَّفَقَةِ عَلَى خَلْقِ اللَّهِ وَالرَّحْمَةِ لَهُمْ وَالتَّرْهِيبُ مِنْ قَسَاوَةِ القلْبِ وَجُمُودِ الْعَيْنِ.
١١ - وَفِيهِ جَوَازُ الْبُكَاءَ مِنْ غَيْرِ نَوْحٍ وَنَحْوِهِ (١).
وَأَمَّا زَيْنَبُ بِنْتُ الرَّسُولِ -ﷺ- فَتُوُفِّيَتْ ﵂ أَوَائِلَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
* * *
_________________
(١) انظر فتح الباري (٣/ ٥٠٥).
[ ٣ / ٢٤٨ ]
سَرِيَّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ -﵁- إِلَى الطَّرْفِ (١)
وَفِي جُمَادَي الْآخِرَةِ سَنَةَ سِتٍّ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ -﵁- إِلَى الطَّرْفِ، فَخَرَجَ إِلَى بَنِي ثَعْلَبَةَ فِي خَمْسَةَ عَشَرَةَ رَجُلًا، فَهَرَبَتِ الْأَعْرَابُ وَخَافُوا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَارَ إِلَيْهِمْ، وَأَنَّ هَؤُلَاءَ مُقَدِّمَةٌ، فَأَصَابَ مِنْ نَعَمِهِمْ عِشْرِينَ بَعِيرًا، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَغَابَ أَرْبَعَ لَيَالٍ (٢).
* * *
_________________
(١) الطَّرْف: هو ماء على ستة وثلاثين ميلًا من المدينة. انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٩٣).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٩٣) - شرح المواهب (٣/ ١٢٨).
[ ٣ / ٢٤٩ ]
سَرِيَّةُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنْ عَوْفٍ -﵁- إِلَى دُوْمَةِ الْجَنْدَلِ (١)
وَفِي شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ -﵁-، فَقَالَ لَهُ: "تَجَهَّزْ فَإِنِّي بَاعِثُكَ فِي سَرِيَّةٍ مِنْ يَوْمِكَ هَذَا، أَوْ مِنَ الْغَدِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى"، فَأَصْبَحَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَغَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَقْعَدَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَمَّمَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ عَقَدَ له رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- اللِّوَاءَ بِيَدِهِ، أَوْ أَمَرَ بِلَالًا يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: "خُذْهُ بِسْمِ اللَّهِ وَبَرَكَتِهِ"، ثُمَّ حَمِدَ اللَّهُ تَعَالَى، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "اغْزُ بِسْمِ اللَّهِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَاتِلْ مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ! وَلَا تَغُلَّ (٢)، وَلَا تَغْدِرْ، وَلَا تَقْتُلْ وَلِيدًا" (٣)، ثُمَّ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يَسِيرَ إِلَى بَنِي كَلْبٍ بِدُومَةِ الْجَنْدَلِ، فَيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَقَالَ لَهُ: "إِنِ اسْتَجَابُوا لَكَ فتَزَوَّجِ ابْنَةَ مَلِكِهِمْ".
فَسَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ -﵁- بِأَصْحَابِهِ وَكَانُوا سَبْعَمِائَةِ رَجُلٍ، حَتَّى قَدِمَ دُومَةَ الْجَنْدَلِ، فَمَكَثَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ أَسْلَم
_________________
(١) دُومَةُ: بضم الدال وتفتح، ودُومَةُ الْجَنْدَلِ: موضع على أطراف الشام بينها وبين الشام خمس ليال. انظر النهاية (٢/ ١٣٢) - شرح المواهب (٣/ ١٣٤).
(٢) الْغُلُولُ: هو الْخِيَانَةُ في الْمَغْنَمِ والسَّرِقَةُ من الغنيمة قبل القِسْمَةِ. انظر النهاية (٣/ ٣٤١).
(٣) أصلُ وصيَّة النبي -ﷺ- هذه لعبد الرحمن بن عوف -﵁-: في صحيح مسلم - كتاب الجهاد والسير - باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث - رقم الحديث (١٧٣١).
[ ٣ / ٢٥٠ ]
رَأْسُهُمْ وَمَلِكُهُمْ الْأَصْبَغُ بْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ، وكَانَ نَصْرَانِيًا، وَأَسْلَمَ مَعَهُ نَاسٌ كَثِيرٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَبَعَثَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ رَافِعَ بْنَ مَكِيثٍ بَشِيرًا إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- يُخْبِرُهُ بِمَا فتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَكتَبَ لَهُ بِذَلِكَ، وَتَزَوَّجَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ تُمَاضِرَ بِنْتَ الْأَصْبَغِ وَقَدِمَ بِهَا الْمَدِينَةَ، فَوَلَدَتْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ﵄ (١).
* * *
_________________
(١) أخرج قصة هذه السرية: الحاكم في المستدرك - كتاب الفتن والملاحم - رقم الحديث (٨٦٦٧) - وإسناده حسن - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٢٨٨) بدون سند.
[ ٣ / ٢٥١ ]
سَرِيَّةُ عَلِيِّ بْنِ أَبي طَالِبٍ -﵁- إِلَى فَدَكَ (١)
وَفِي شَعْبَانَ أَيْضًا سَنَةَ سِتٍّ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، فِي مِائَةِ رَجُلٍ إِلَى بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، أَوْ حَيٍّ مَنْهُمْ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا بَلَغَهُ -ﷺ- أَنَّ لَهُمْ جَمْعًا يُرِيدُونَ أَنْ يُمِدُّوا يَهُودَ خَيبرَ، فَخَرَجَ عَلِيٌّ -﵁-، فَسَارَ اللَّيْلَ وَكَمَنَ النَّهَارَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى الْهَمْجِ (٢)، فَأَصَابُوا عَيْنًا لَهُمْ، فَقَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ هَلْ لَكَ عِلْمٌ بِمَا وَرَاءَكَ مِنْ جَمْعِ بَنِي سَعْدٍ؟
قَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهِ، فَشَدُّوا عَلَيْهِ، فَأَقَرَّ أَنَّهُ عَيْنٌ لَهُمْ بَعَثُوهُ إِلَى خَيْبَرَ يَعْرِضُ عَلَى يَهُودِهَا نَصْرَهُمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا لَهُمْ مِنْ تَمْرِهِمْ كَمَا جَعَلُوا لِغَيْرِهِمْ وَيَقْدُمُونَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا لَهُ: فَأَيْنَ الْقَوْمُ؟
قَالَ: ترَكْتُهُمْ وَقَدْ تَجَمَّعَ مِنْهُمْ مِائَتَا رَجُلٍ وَرَأْسُهُمْ وَبْرُ بْنُ عُلَيْمٍ، قَالُوا: فَسِرْ بِنَا حَتَّى تَدُلَّنَا، قَالَ: عَلَى أَنْ تُؤَمِّنُونِي، فَأَمَّنُوهُ، فَدَلَّهُمْ، فَأَغَارُوا عَلَيْهِمْ،
_________________
(١) فَدَك: بفتح الفاء والدال قريةٌ بالحجاز بينها وبين المدينة يومان، وقيل: ثلاثة، وأهلها من اليهود. انظر معجم البلدان (٦/ ٤١٧).
(٢) الْهَمْجُ: هو ماء وعيون عليه نَخْلٌ من المدينة من جهة وادي القُرَى. انظر معجم البلدان (٨/ ٤٨١).
[ ٣ / ٢٥٢ ]
فَأَخَذُوا خَمْسَمِائَةِ بَعِيرٍ وَأَلفيْ شَاةٍ، وَهَرَبَتْ بَنُو سَعْدٍ بِالظُّعُنِ (١)، فَعَزَلَ عَلِيٌّ -﵁-، صَفِيَّ (٢) النَّبِيِّ -ﷺ- لُقُوحًا (٣)، ثُمَّ عَزَل الخُمُسَ، وَقسَمَ سَائِرَ الغَنَائِمِ عَلي أَصْحَابِهِ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا (٤).
* * *
_________________
(١) الظُّعُنُ: النِّسَاءُ، واحدتها: ظعينة. انظر النهاية (٣/ ١٤٣).
(٢) الصَّفِيُّ: ما كان يَأْخُذُهُ رئيسُ الجيش ويختاره لنفسه من الغنيمة قبل القسمة. انظر النهاية (٣/ ٣٧).
(٣) النَّاقَةُ اللُّقُوحُ: هي الناقةُ الغزيرةُ اللَّبَنِ. انظر النهاية (٤/ ٢٢٥).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٩٤) - زاد المعاد (٣/ ٢٥٣) - شرح المواهب (٣/ ١٣٦).
[ ٣ / ٢٥٣ ]
سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَتِيكٍ -﵁- لِقَتْلِ سَلَّامِ (١) بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ (٢)
وَكَانَتَ هَذِهِ السَّرِيَّةُ التِي بَعَثَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِقَتْلِ سَلَّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ بَعْدَ الْخَنْدَقِ فِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ (٣).
وَأَمَّا مَنْ قَالَ: إِنَّهَا قَبْلَ الْخَنْدَقِ فَمَرْدُودٌ؛ لِأَنَّ سَلَّامَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ كَانَ مِمَّنْ أَلَّبَ (٤) الْأَحْزَابَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ.
* تَفَاصِيلُ الْحَادِثَةِ:
كَانَ أَبُو رَافِعٍ سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ مِمَّنْ أَلَّبَ الْأَحْزَابَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَعَانَهُمْ بِالْمُؤْنَةِ وَالْمَالِ الْكَثِيرِ، وَكَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا انْقَضَى شَأْنُ الْأَحْزَابِ وَأَمْرُ بَنِي قُرَيْظَةَ، اسْتَأْذَنتِ الْخَزْرَجُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي قَتْلِ سَلَّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ.
وَكَانَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ قَبَّحَهُ اللَّهُ قُتِلَ عَلَى أَيْدِي رِجَالٍ مِنَ الْأَوْسِ -كَمَا
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٨٣): سَلَّام: بفتح السين وتشديد اللام.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٨٣): الحُقَيْقُ: بضم الحاء مصغرًا.
(٣) هذا قول ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٩٥)، وهو الذي نَمِيلُ إليه، وجعلها ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٠٠) بعد الخندق لكن لم يحدد لها تاريخًا.
(٤) أَلَّبَ: جَمَعَ. انظر النهاية (١/ ٦١).
[ ٣ / ٢٥٤ ]
ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ- فَأَرَادَتِ الْخَزْرَجُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلْأَوْسِ فَضْلٌ عَلَيْهِمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَسْرَعُوا إِلَى هَذَا الِاسْتِئْذَانِ، فَأَذِنَ لَهُمْ.
رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ بِهِ لِرَسُولِهِ -ﷺ- أَنَّ هَذَيْنِ الْحَيَّيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَانَا يَتَصَاوَلانِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تَصَاوُل الْفَحْليْنِ (١)، لا يَضَعُ الْأَوْسُ شيْئًا فِيهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- غَنَاءً (٢) إِلَّا قَالَتِ الْخَزْرَجُ: وَاللَّهِ لَا تَذْهَبُونَ بِهَذِهِ فَضْلًا عَلَيْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَلَا يَنتهُونَ حَتَّى يُوقِعُوا مِثْلَهَا، وَإِذَا فَعَلَتِ الْخَزْرَجُ شَيْئًا قَالَتِ الْأَوْسُ مِثْلَ ذَلِكَ (٣).
فَخَرَجَ سِتَّةُ رِجَالٍ مِنَ الْخَزْرَجِ لِقَتْلِ سَلَّامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ، وَهُمْ: عَبْدُ اللَّهِ
_________________
(١) أي لا يفعل أحدهما معه شيئًا إلا فعل الآخر معه شيئًا مثله. انظر النهاية (٣/ ٥٧).
(٢) الغَنَاءُ: النَّفْعُ والكِفَايَةُ. انظر لسان العرب (١٠/ ١٣٧).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣٠٠). قلت: بلغَ التفاخرُ والتنافُسُ بين الأوس والخزرج ﵃ إلى مرضاة اللَّه ورسوله -ﷺ- مبلغًا عَظِيمًا فقد أخرج الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٠/ ٣٧٤) - والحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٧٠٦٠) - بسند صحيح على شرط مسلم عن أنس بن مالك -﵁- أنه قال: افتَخَرَ الحيَّان: الأوس والخزرج، فقالت الأوس: منَّا من اهْتَزَّ لموتهِ عرشُ الرحمن سعدُ بن معاذ، ومنَّا من حَمَتْهُ الدَّبر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، ومنا من غَسَّلَتْهُ الملائكة حَنْظَلةُ بن أبي عامِرٍ الرَّاهب، ومنا من أُجِيزَتْ شهادته بشهادة رجلين خُزَيْمَة بن ثابت. فقال الخزرجيون: منَّا أربعة جَمَعُوا القرآن لم يجمعه غيرهم: أُبَيّ بن كعب، ومُعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد.
[ ٣ / ٢٥٥ ]
بْنُ عَتِيكٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُتْبَةَ، وَمَسْعُودُ بْنُ سِنَانٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ، وَأَبُو قتَادَةَ، وَخُزَاعِيُّ بْنُ أَسْوَدَ، ﵃ أَجْمَعِينَ.
وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَتِيكٍ، وَنَهَاهُمْ أَنْ يَقْتُلُوا وَلِيدًا أَوِ امْرَأَةً، فَخَرَجُوا حَتَّى إِذَا قَدِمُوا خَيْبَرَ أَتَوْا حِصْنَ أَبِي رَافِعٍ، فَلَمَّا دَنَوْا (١) مِنْهُ، وَقَدْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَرَاحَ النَّاسُ بِسَرْحِهِمْ (٢)، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَتِيكٍ -﵁- لِأَصحَابِهِ: اجْلِسُوا مَكَانَكُمْ، فَإِنِّي مُنْطَلِق وَمُتَلَطِّفٌ لِلْبَوَّابِ لَعَلِّي أَنْ أَدْخُلَ (٣)، فَأَقْبَلَ حَتَّى دَنَا مِنَ الْبَابِ ثُمَّ تَقَنَعِّ (٤) بِثَوْبِهِ كَأَنَّهُ يَقْضِي حَاجَةً، وَقَدْ دَخَلَ النَّاسُ، فَهَتَفَ بِهِ الْبَوَّابُ: يَا عَبْدَ اللَّهِ! إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ أَنْ تَدْخُلَ فَادْخُلِ فِإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُغْلِقَ الْبَابَ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَدَخَلْتُ فكَمَنْتُ (٥)، فَلَمَّا دَخَلَ النَّاسُ أَغْلَقَ الْبَابَ، ثُمَّ عَلَّقَ الْأَغَالِيقَ (٦) عَلَى وَتَدٍ، قَالَ: فَقُصْتُ إِلَى الْأَقَالِيدِ (٧) فَأَخَذْتُهَا فَفَتَحْتُ الْبَابَ، وَكَانَ أَبُو رَافِعٍ يُسْمَرُ (٨) عِنْدَهُ.
_________________
(١) دَنَا: أي اقْتَرَبَ. انظر النهاية (٢/ ١٢٨).
(٢) السَّرْحُ: الْإِبِلُ. انظر النهاية (٢/ ٣٢٢).
(٣) في رواية ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٩٥) قال: وقَدّموا عبد اللَّه بن عَتِيك؛ لأنه كان يَرْطن باليهودية.
(٤) تَقَنَّع: تَغَطَّي. انظر النهاية (٤/ ١٠٠).
(٥) كَمَنَ: اسْتَخْفَى واسْتَتَرَ. انظر النهاية (٤/ ١٧٤).
(٦) الْأَغَالِيقُ: الْمَفَاتِيحُ. انظر النهاية (٣/ ٣٤١).
(٧) الْأَقَالِيدُ: جمع إِقْلِيدٍ وهو الْمِفْتاحُ. انظر فتح الباري (٨/ ٨٥).
(٨) يُسْمَرُ عنده: أي يَتحدثُونَ لَيْلًا. انظر النهاية (٢/ ٣٥٩).
[ ٣ / ٢٥٦ ]
وَكَانَ فِي عَلَالِيَ (١) لَهُ، فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْهُ أَهْلُ سَمَرِهِ صَعِدْتُ إِلَيْهِ، فَجَعَلْتُ كُلَّمَا فتَحْتُ بَابًا أَغْلَقْتُ عَلَيَّ مِنْ دَاخِلٍ، فَقُلْتُ: إِنِ الْقَوْمُ نَذِرُوا (٢) بِي لَمْ يَخْلُصُوا إِلَيَّ حَتَّى أَقْتُلَهُ، فَانَتَهَيْتُ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ قَدْ طُفِئَ سِرَاجُهُ وَسَطَ عِيَالِهِ لَا أَدْرِي أَيْنَ هُوَ مِنَ الْبَيْتِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا رَافِعٍ! قَالَ: مَنْ هَذَا؟ فَأَهْوَيْتُ (٣) نَحْوَ الصَّوْتِ (٤) فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً بِالسَّيْفِ وَأَنَا دَهِشٌ (٥)، فَمَا أَغْنَتْ شَيْئًا، وَصَاحَ، فَخَرَجْتُ مِنَ الْبَيْتِ فَمَكَثْتُ غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ دَخَلْتُ إِلَيْهِ فَقُلْتُ: مَا هَذَا الصَّوْتُ يَا أَبَا رَافِعٍ (٦)؟
فَقَالَ: لِأُمِّكَ الْوَيْلُ، إِنَّ رَجُلًا فِي الْبَيْتِ ضَرَبَنِي قَبلُ بِالسَّيْفِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَضَرَبْتُهُ ضَرْبَةً أَثْخَنَتْهُ (٧) ولمْ أَقْتُلْهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ ضَبِيبَ السَّيْفِ (٨) فِي بَطْنِهِ حَتَّى أَخَذَ فِي ظَهْرِهِ، فَعَرَفْتُ أَنِّي قتَلْتُهُ، فَجَعَلْتُ أَفتحُ الْأَبْوَابَ بَابًا بَابًا حَتَّى
_________________
(١) عَلَالِي: جَمْعُ عُلِيَّةٍ، وهي بضم العين وكسرها وبتشديد الياء وهي الغُرْفَةُ. انظر النهاية (٣/ ٢٦٧).
(٢) نَذِرُوا بكسر الذال: أي عَلِمُوا. انظر النهاية (٥/ ٣٣).
(٣) هَوَيْتُ: قَصَدْتُ. انظر لسان العرب (١٥/ ١٦٧).
(٤) في رواية أخرى في صحيح البخاري رقم الحديث (٤٠٤٠) قال -﵁-: فعمدت نحو الصوت.
(٥) دَهِشَ: بكسر الهاء ذهل. انظر لسان العرب (٤/ ٤٢٧).
(٦) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٠٤٠): قال عبد اللَّه -﵁-: ثم جئت كأني أغيثة، فقلت مالك؟ وغيرت صوتي.
(٧) الْإِثْخَانُ في الشيء: الْمبَالَغَةُ فيه، يُقال: أَثْخَنَهُ المرضُ: إذا أَثْقَلَهُ ووَهَنَهُ. انظر النهاية (١/ ٢٠٣).
(٨) ضَبِيبُ السَّيْفِ: طَرَفُ السيفِ. انظر فتح الباري (٨/ ٨٦).
[ ٣ / ٢٥٧ ]
انْتَهَيْتُ إِلَى دَرَجَةٍ لَهُ، فَوَضَعْتُ رِجْلِي وَأَنَا أُرَى (١) أَنِّي قَدِ انْتَهَيْتُ إِلَى الْأَرْضِ فَوَقَعْتُ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ فَانْكَسَرَتْ سَاقِي (٢)، فَعَصَبْتُهَا بِعَمَامَةٍ، ثُمَّ انْطَلَقْتُ حَتَّى جَلَسْتُ عَلَى الْبَابِ، فَقُلْتُ: لَا أَخْرُجُ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَعْلَمَ أَقتَلْتُهُ؟
فَلَمَّا صَاحَ الدِّيكُ قَامَ النَّاعِي عَلَى السُّورِ، فَقَالَ: أَنْعِي أَبَا رَافِعٍ تَاجِرَ أَهْلِ الْحِجَازِ، فَانْطَلَقْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَقُلْتُ: النَجَاءَ (٣)، فَقَدْ قتَلَ اللَّهُ أَبَا رَافِعٍ، فَانْتَهَيْتُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَحَدَّثْتُهُ، فَقَالَ: "ابْسُطْ رِجْلَكَ"، فَبَسَطْتُ رِجْلِي فَمَسَحَهَا، فكَأَنَّهَا لَمْ أَشْتَكِهَا قَطُّ (٤).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ أَبِي رَافِعٍ مِنَ الْفَوَائِدِ:
_________________
(١) أُرَى: بضم الهمزة أي: أَظُنُّ. انظر فتح الباري (٨/ ٨٦).
(٢) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٠٤٠): قال عبد اللَّه -﵁-: حتى أتيت السُّلَمَ أريد أن أنزل فسقطت منه فانخلعت رجلي فعصبتها. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٨٦): ويجمع بينهما بأنها انخلعت من المفصل وانكسرت الساق.
(٣) النَّجَاءَ: أي أَسْرِعُوا. انظر النهاية (٥/ ٢١). وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٠٤٠) قال عبد اللَّه -﵁-: ثم أتيت أصحابي أحجل. والْحَجَلُ: هو أَنْ يَرفعَ رِجْلًا ويَقِفَ على أُخرى من العَرَجِ. انظر النهاية (١/ ٣٣٣).
(٤) أخرج خبر مقتل أبي رافع اليهودي: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قتل أبي رافع عبد اللَّه بن أبي الحقيق - رقم الحديث (٤٠٣٨) (٤٠٣٩) (٤٠٤٠) - وابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٩٥) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٠٠).
[ ٣ / ٢٥٨ ]
١ - جَوَازُ اغْتِيَالِ الْمُشْرِكِ الذِي بَلَغَتْهُ الدَّعْوَةُ وَأَصَرَّ.
٢ - وَفِيهِ جَوَازُ قتلِ مَنْ أَعَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ لِسَانِهِ.
٣ - وَفِيهِ جَوَازُ التَّجَسُّسِ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ وَتَطَلُّبِ غِرَّتِهِمْ.
٤ - الْأَخْذُ بِالشِّدَّةِ فِي مُحَارَبَةِ الْمُشْرِكِينَ.
٥ - جَوَازُ إِبْهَامِ الْقَوْلِ لِلْمَصْلَحَةِ.
٦ - تَعَرُّضُ الْقَلِيلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِلْكَثِيرِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
٧ - الْحُكْمُ بِالدَّلِيلِ وَالْعَلَامَةِ لِاسْتِدْلَالِ ابْنِ عَتِيكٍ عَلَى أَبِي رَافِعٍ بِصَوْتِهِ، وَاعْتِمَادِهِ عَلَى صَوْتِ النَّاعِي بِمَوْتِهِ (١).
* * *
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٨٧).
[ ٣ / ٢٥٩ ]
سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ -﵁- لِقَتْلِ الْيُسَيْرِ بْنِ رِزَامٍ الْيَهُودِيِّ
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّهُ لَمَّا قُتِلَ سَلَّامُ بْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ أَمَّرَتْ يَهُودُ عَلَيْهِمْ يُسَيْرًا، وَيُقَالُ: أُسَيْرًا، فَسَارَ هَذَا الرَّجُلُ إِلَى غَطفَانَ وَغَيْرِهِمْ يَجْمَعُهُمْ لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَوَجَّهَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ -﵁- فِي ثَلَاثَةِ نَفَرٍ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ لسِتٍّ مِنَ الْهِجْرَةِ، سِرًّا، فَسَأَلَ عَنْ خَبَرِهِ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ، فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ، فنَدَبَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ، فَانتدَبَ له ثَلَاثُونَ رَجُلًا فِيهِمْ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ -﵁-، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ -﵁-.
فَخَرَجُوا إِلَى خَيْبَرَ، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ شَوَّالٍ سَنَةَ لسِتٍّ لِلْهِجْرَةِ، فَقَدِمُوا عَلَى يُسَيْرِ بْنِ رِزَامٍ فَقَالُوا لَهُ: نَحْنُ آمِنُونَ حَتَّى نَعْرِضَ عَلَيْكَ مَا جِئْنَا لَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَلي مِنْكُمْ مِثْلُ ذَلِكَ؟
فَقَالُوا: نَعَمْ، قَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَنَا إِلَيْكَ لِتَخْرُجَ إِلَيْهِ فَيَسْتَعْمِلُكَ عَلَى خَيْبَرَ وَيُحْسِنَ إِلَيْكَ، فَطَمعَ فِي ذَلِكَ، فَخَرَجَ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: قَالُوا: إِنَّكَ إِنْ قَدِمْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- اسْتَعْمَلَكَ وَأَكْرَمَكَ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى خَرَجَ مَعَهُمْ.
_________________
(١) يُقال: نَدَبْتُهُ فَانتدَبَ: أي بَعَثْتُهُ ودَعَوْتُهُ فَأَجَابَ. انظر النهاية (٥/ ٢٩).
[ ٣ / ٢٦٠ ]
وَخَرَجَ مَعَهُ ثَلَاثُونَ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ، فَحَمَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٍ عَلَى بَعِيرِهِ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِقَرْقَرَةِ ثِبَارٍ (١) نَدِمَ يُسَيْرٌ عَلَى مَسِيرِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَهْوَي (٢) بِيَدِهِ إِلَى سَيْفِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ، فَفَطِنَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ، فَدَفَعَ بَعِيرَهُ وَقَالَ لَهُ: غَدْرًا أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ! فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ فَأَنْدَرَتْ (٣) عَامَّةُ فَخِذِهِ وَسَاقِهِ، وَسَقَطَ يُسَيْرٌ عَنْ بَعيره وَبيَده مِخْرشٌ (٤) مِنْ شَوْحَطٍ (٥)، فَضَربَ عَبْدَ اللَّه فَأَمَّهُ (٦)، وَمَالَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ الرَّسُولِ -ﷺ- عَلَى صَاحِبِهِ مِنْ يَهُودَ فَقتَلَهُ، إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا أَفْلَتَ عَلَى رِجْلَيْهِ قَدْ أَعْجَزَهُمْ شَدًّا (٧)، وَلَمْ يُقْتَلْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ، ثُمَّ أَقْبَلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُمْ -ﷺ-: "قَدْ نَجَّاكُمُ اللَّهُ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ"، وَدَعَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُنَيْسٍ فَتَفَلَ عَلَى شَجَّتِهِ (٨)، فَلَمْ تُقْحِ (٩) وَلَمْ تُؤْذِهِ (١٠).
_________________
(١) قَرْقَرَةُ ثِبَارٍ: موضع علي ستة أميال من خيبر. قاله ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٢٧٤).
(٢) هَوَى بيد إليهِ: أي مَدَّهَا نحوه وأَمَالَهَا إليه. انظر النهاية (٥/ ٢٤٦).
(٣) نَدَرَتْ: سَقَطَتْ ووَقَعَتْ. انظر النهاية (٥/ ٣٠).
(٤) الْمِخْرَاشُ: عصا مِعْوَجَّةُ الرَّأْسِ. انظر النهاية (٢/ ٢٢).
(٥) الشَّوْحَطُ: ضَرْبٌ من شجر الجبال تُتَّخَذُ منه الْقِسِيُّ. انظر النهاية (٢/ ٣٥٤).
(٦) أَمَّه: أي أَصابَ أُمَّ رأسِهِ، وأُمُّ الرأسِ: الدِّمَاغُ. انظر النهاية (١/ ٦٩).
(٧) شَدًّا: أي جَرْيًا. انظر النهاية (٢/ ٤٠٥).
(٨) الشَّجُّ: في الرأس خاصَّةً في الأصل، وهو أَنْ يضربَهُ بثيء فيَجْرحه فيه ويَشُقّهُ، ثم استعمل في غيره من الأعضاء. انظر النهاية (٢/ ٣٩٩).
(٩) الْقَيْحُ: هو الصَّدِيدُ. انظر لسان العرب (١١/ ٣٦٨). أي أنه لم يخرج من جرحه -﵁- شيء ببركة تفله -ﷺ-.
(١٠) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٩٥) - سيرة ابن هشام (٤/ ٢٧٤).
[ ٣ / ٢٦١ ]
سَرِيَّةُ الْخَبَطِ (١)
بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ -﵁- فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَفِيهِمْ: عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-، لِيَرْصُدُوا (٢) عِيرًا لِقُرَيْشٍ (٣) مِمَّا يَلِي سَاحِلَ الْبَحْرِ، وَقَدْ زَوَّدَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جِرَابًا (٤) مِنْ تَمْرٍ، لَمْ يَجِدْ لَهُمْ غَيْرَهُ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ فَنِي زَادُهُمْ، فَأَمَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ -﵁- بِأَزْوَادِ الْجَيْشِ فَجُمعَ فَكَانَ مِزْوَدَيْ (٥) تَمْرٍ، فَكَانَ يَقَوتُهُمْ كُلَّ يَوْمٍ قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى فَنِي، فَكَانَ يُعْطِي كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ تَمْرَةً وَاحِدَةً، فَكَانُوا يَمُصُّونَهَا كَمَا يَمَصُّ الصَّبِيُّ، ثُمَّ يَشْرَبُوا عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَكَانَتْ تَكْفِيهِمْ يَوْمَهُمْ إِلَى اللَّيْلِ.
_________________
(١) الخَبَطُ: ما سقطَ من وَرَقِ الشجر بالْخَبْطِ والنَّفْضِ. انظر النهاية (٢/ ٨).
(٢) رَصَدَهُ: رَاكبهُ. انظر لسان العرب (٥/ ٢٢٣).
(٣) وقع عند ابن سعد في طبقاته (٢/ ٣١٥): أن النبي -ﷺ- بعثهم إلى حي من جهينة. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٤٠٨): وهذا لا يُغاير ظاهره ما في الصحيح؛ لأنه يمكن الجمع بين كونهم يتلقون عيرًا لقريش ويقصدون حيًا من جهينه، ويحتمل أن يكون تلقيهم للعير ليس لمحاربتهم بل لحفظهم من جهينة، ويقوي هذا الجمع ما وقع عند مسلم في صحيحه عن جابر ﵄ قال: بعث رسول -ﷺ- بعثًا إلى أرض جهينة.
(٤) الْجِرَابُ: الوِعَاءُ. انظر لسان العرب (٢/ ٢٢٨).
(٥) الْمِزْوَدُ: بكسر الميم وسكون الزاي: هو ما يُجَعَلُ فيه الزَّادُ. النهاية (٢/ ٢٨٦).
[ ٣ / ٢٦٢ ]
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: أَنَّهُ سُئِلَ: مَا تُغْنِي عَنْكُمْ تَمْرَةٌ؟
قَالَ -﵁-: لَقَدْ وَجَدْنَا فَقْدَهَا حِينَ فَنِيَتْ.
فَلَمَّا فَنِيَتْ تِلْكَ التَّمَرَاتُ التِي كَانَتْ مَعَهُمْ، وَهُوَ زَادُهُمُ الْوَحِيدُ، لَجَأُوا إِلَى أَكْلِ الْخَبَطِ، فَكَانُوا يَضْرِبُونَ الْخَبَطَ بِعِصِيِّهِمْ، ثُمَّ يبْلُّونَهُ بِالْمَاءِ، فَيَأْكُلُونَهُ حَتَّى تَقَرَّحَتْ أَشْدَاقُهُمْ (١).
قَالَ جَابْرٌ -﵁-: أَقَمْنَا بِالسَّاحِلِ نِصْفَ شَهْرٍ، فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتَّى أَكَلَنَا الْخَبَطَ، فَسُمِّيَ ذَلِكَ الْجَيْشُ جَيْشَ الْخَبَطِ.
وَلَمَّا رَأَى قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ﵄، مَا بِالْمُسْلِمِينَ مِنَ الْجَهْدِ وَالْجُوعِ، قَالَ: مَنْ يَشْتَرِي مِنِّي تَمْرًا بِالْمَدِينَةِ بِجَزُورٍ (٢) هُنَا؟
فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ جُهَيْنَةَ: مَنْ أَنْتَ؟
قَالَ: أَنَا قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمٍ.
فَقَالَ الْجُهَنِيُّ: مَا أَعْرَفَنِي بِنَسَبِكَ، إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَ سَعْدٍ خُلَّةً (٣)، فَابْتَاعَ (٤) مِنه تِسعَ جَزَائِرَ، كل جَزُورٍ بِوسْقٍ (٥) مِنْ تَمْرٍ، وأَشْهَدَ لَهُ نَفَرًا مِنَ الصَّحَابَةِ،
_________________
(١) الأشداق: جوانب الفم. انظر النهاية (٢/ ٤٠٦).
(٢) الْجَزُورُ: البَعِيرُ ذكرًا كان أو أنثى. انظر النهاية (١/ ٢٥٨).
(٣) الْخُلَّةُ: بضم الخاء: الصَّدَاقَةُ. انظر النهاية (٢/ ٦٨).
(٤) ابْتَاعَ الشيءَ: اشترَاه. انظر لسان العرب (١/ ٥٥٧).
(٥) الْوَسْقُ: بفتح الواو وسكون السين: سِتُّونَ صَاعًا. انظر النهاية (٥/ ١٦١).
[ ٣ / ٢٦٣ ]
وَامْتَنَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-، وَقَالَ: مَا أَشْهَدُ، هَذَا يَدِينُ وَلَا مَالَ لَهُ، وَإِنَّمَا الْمَالُ لِأَبِيهِ.
فَقَالَ الْجُهَنِيُّ: وَاللَّهِ مَا كَانَ سَعْدٌ لِيُخْنِيَ (١) بِابْنِهِ، وَأَرَى وَجْهًا حَسَنًا وَفِعْلًا شَرِيفًا.
فَكَانَ بَيْنَ قَيْسٍ وَعُمَرَ ﵄ كَلَامٌ حَتَّى أَغْلَظَ لَهُ قَيْسٌ الْكَلَامَ، وَأَخَذَ قَيْسٌ الْجُزُرَ، فنَحَرَ لَهُمْ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّانِي ثَلَاثَ جَزَائِرَ، وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ ثَلَاثَ جَزَائِرَ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الرَّابِعُ نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ -﵁-.
وَعِنْدَمَا وَصَلُوا إِلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ، أَلَقْي اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَي لَهُمْ حُوتًا مَيْتًا مِنَ الْبَحْرِ، مِثْلَ الظَّرِبِ (٢)، يُقَالُ لَهُ: الْعَنْبَرُ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ جَابِرٌ ﵄: فَرُفِعَ لَنَا عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ كَهَيْئَةِ الْكَثِيبِ الضَّخْمِ، فَأَتَيْنَاهُ، فَإِذَا هِيَ دَابَّةٌ تُدْعَى الْعَنْبَرَ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ -﵁-: مَيْتَةٌ، ثُمَّ قَالَ: لَا، بَلْ نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَقَدِ اضْطُرِرْتُمْ فَكُلُوا، فَأَقَامُوا عَلَيْهِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ لَيْلَةً يَأْكُلُونَ مِنْهُ حَتَّى سَمِنُوا وَصَحَّتْ أَجْسَامُهُمْ.
_________________
(١) يُخْنِي: بضم الياء وسكون الخاء: أي يُسْلِمُهُ ويَخْفِرُ ذِمَّتَهُ. انظر النهاية (٢/ ٨١).
(٢) الظَّرِبُ: بكسر الراء: واحد الظِّراب وهي الجَبَلُ الصغيرُ. انظر فتح الباري (٨/ ٤١٠) - جامع الأصول (٧/ ٤٦).
[ ٣ / ٢٦٤ ]
قَالَ جَابِرٌ -﵁-: وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا نَغْتَرفُ مِنْ وَقْبِ (١) عَيْنَيْه الدُّهْنَ بالْقِلَال (٢)، وَنَقْتَطِعُ مِنْهُ الْفِدَرَ (٣) كَقَدْرِ الثَّوْرِ، وَلقدْ أَخَذَ مِنَّا أَبُو عُبَيْدَةُ -﵁- ثَلَاثَةَ عَشَرَ (٤) رَجُلًا فَأَقْعَدَهُمْ فِي وَقْبِ عَيْيهِ، وَأَخَذَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فنَصَبَهُ، ثُمَّ نَظَرَ إِلَى أَطْوَلِ بَعِيرٍ فَجَعَلَ عَلَيْهِ أَطْوَلَ رَجُلٍ (٥) فِي الْجَيْشِ فَمَرَّ مِنْ تَحْتِهِ وَمَا مَسَّتْ رَأْسَهُ، وَتَزَوَّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ (٦).
ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَلْقَوا كَيْدًا، فَلَمَّا أَتَوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ -ﷺ-: "هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللَّهُ لَكُمْ، فهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ فَتُطْعِمُونَا؟ "، قَالَ جَابِرٌ -﵁-: فَأَرْسَلْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْهُ فَأَكَلَهُ (٧).
_________________
(١) وَقْبُ العينِ: النَّقْرَةُ التي فيها العين. انظر جامع الأصول (٧/ ٤٥).
(٢) القِلَالُ: جمع قُلَّةٍ، وهي الْحُبُّ العظيم. انظر النهاية (٩١/ ٤).
(٣) الفِدَرُ: بكسر الفاء وفتح الدال جَمْعُ فِدْرةٍ، وهي القِطعةُ من اللَّحمِ. انظر جامع الصول (٧/ ٤٥).
(٤) في رواية الإمام أحمد في مسنده: قال جابر ﵄: ويجلس النفر الخمسة في موضع عينه.
(٥) هو قيس بن سعد بن عباده ﵄، قاله الحافظ في الفتح (٨/ ٤١١).
(٦) الْوَشَائِقُ: جمع وَشِيقَةٍ، وهىِ لَحْمٌ يُغلَي قليلًا ثم يُقَذَدُ -أي يُمَلَّحُ- ويُحْمَلُ في الأسفار. انظر جامع الأصول (٧/ ٤٥).
(٧) أخرج قصة هذه السرية: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة سيف البحر- رقم الحديث (٤٣٦٠) (٤٣٦١) (٤٣٦٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الصيد والذبائح - باب إباحة ميتات البحر - رقم الحديث (١٩٣٥) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٣٣٦) (١٤٣٣٧) (١٤٣٣٨) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٥٠٠٧).
[ ٣ / ٢٦٥ ]
* مَتَى حَدَثَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ؟:
الصَّحِيحُ أَنَّ سَرِيَّةَ الْخَبَطِ هَذِهِ كَانَتْ قَبْلَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَلَيْسَ فِي رَجَبَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ (١)، وَذَلِكَ لِثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ:
السَّبَبُ الْأَوَّلُ: أَنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- لَمْ يَغْزُ، وَلَمْ يَبْعَثْ سَرِيَّةً فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ.
السَّبَبُ الثَّانِي: أَنَّ رَجَبَ سَنَةَ ثَمَانٍ هُوَ ضِمْنَ فترَةِ سَرَيَانِ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ.
السَّبَبُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ذِكْرُ الْقِلَّةِ وَالْجَهْدِ فِي جَيْشِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ، وَالْوَاقِعُ أَنَّهُمْ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ كَانَ حَالُهُمْ اتَّسَعَ بِفَتْحِ خَيْبَرَ وَغَيْرِهَا، وَالْجَهْدُ الْمَذْكُورُ فِي الْقِصَّةِ يُنَاسِبُ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢).
* * *
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٥). وعدَّ الإمام الذهبي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في السيرة (٢/ ١٥٢) ما ذكره ابن سعد زَعْمًا، فقال: زَعَم بعض الناس أن هذه السرية كانت في رجب سنة ثمان من الهجرة.
(٢) وممَّن ذهب إلى أن هذه السرية كانت قبل الحديبية: الحافظ ابن حجر في الفتح (٨/ ٤٠٨) (١١/ ٤٥) وابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٣٤٤) - والإمام الذهبي في السِّيرة النَّبوِيَّة (٢/ ١٥٢) - وابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٦٦٩).
[ ٣ / ٢٦٦ ]
سَرِيَّةُ كُرْزِ بْنِ جَابرٍ الْفِهْرِيِّ -﵁- إِلَى الْعُرَنِيِّينَ
وَفِي شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ، قَدِمَ ثَمَانِيَةُ نَفَرٍ مِنْ عُكْلٍ (١) وَعُرَيْنَةَ (٢) الْمَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَظْهَرُوا الْإِسْلَامَ، وَبَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَاجْتَوَوْا (٣) الْمَدِينَةَ، وَسَقِمَتْ أَجْسَامُهُمْ، فَعَظُمَتْ بُطُوُنهُمْ، وَانْتُهِشَتْ (٤) أَعْضَاؤُهُمْ.
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ قَدِمُوا سِقَامًا، فَلَمَّا صَحُّوا مِنَ السَّقَمِ كَرِهُوا الْإِقَامَةَ بِالْمَدِينَةِ لَوَخَمِهَا، فَأَمَّا السَّقَمُ الذِي كَانَ بِهِمْ فَهُوَ الْهُزَالُ الشَّدِيدُ، وَالْجَهْدُ مِنَ الْجُوعِ، فَعِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: كَانَ بِهِمْ هُزَالٌ شَدِيدٌ، مُصْفَرَّةٌ أَلْوَانُهُمْ (٥).
فَشَكَوا ذَلِكَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ وَلَمْ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١/ ٤٤٩): عُكْلٌ بضم العين وإسكان الكاف قبيلة من ثَيْمِ الرَّبَابِ.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١/ ٤٤٩): عُرَيْنَةُ بضم العين مصغرًا حي من قبيلة بَجِيلَةَ.
(٣) اجْتَوَوْا المدينةَ: أي أَصابَهُمُ الْجَوى، وهو المرض وداءُ الجوفِ إذا تَطَاوَلَ، وذلك إذا لم يوافقهم هواؤُهَا. انظر النهاية (١/ ٣٠٧). وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤١٩٢) قال أنس -﵁-: وَاسْتَوْخَمُوا المدينةَ. اسْتَوْخَمُوهَا: أي اسْتَثْقَلُوهَا، ولم يُوافِقْ هواؤُها أبدانَهُم. انظر النهاية (٥/ ١٤٤).
(٤) انْتُهِشَتْ: أي هُزِلَتْ. انظر النهاية (٥/ ١٢٠).
(٥) انظر فتح الباري (١/ ٤٥٠).
[ ٣ / ٢٦٧ ]
نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَلَا تَخْرُجُونَ مَعَ رَاعِينَا فِي إِبِلِهِ فَتُصِيبون مِنْ أبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا؟ " (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ الْبَخَارِيِّ: فَرَخَّصَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَأْتُوا إِبِلَ الصَّدَقَةِ (٢).
قَالُوا: بَلَي، فَخَرَجُوا إِلَيْهَا، فَشَرِبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا، فَلَمَّا صَحُّوا وَسَمِنُوا، وَرَجَعَتْ إِلَيْهِمْ أَلْوَانُهُمْ كَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ (٣) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَمَثَّلُوا بِهِ وَسَمَّرُوا عَيْنَيْهِ، وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ، فَجَاءَ الْخَبَرُ (٤) رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ عِشْرِينَ فَارِسًا، بِقِيَادَةِ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ الْفِهْرِيِّ -﵁-، وَأَرْسَلَ مَعَهُمْ قَائِفًا (٥)، ثُمَّ. دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْعُرَنِيِّينَ فَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَعْمِ عَلَيْهِمُ الطَّرِيقَ، وَاجْعَلْهُ عَلَيْهِمْ أَضْيَقَ مِنْ مَسْكِ (٦) جَمَلٍ".
_________________
(١) أخرج ذلك مسلم في صحيحه - كتاب القسامة والمحاربين. . . - باب حكم المحاربين والمرتدين - رقم الحديث (١٦٧١) (١٠).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الزكاة - باب استعمال إبل الصدقة وألبانها لابن السبيل - رقم الحديث (١٥٠١).
(٣) اسم رَاعِي الرسول -ﷺ- يَسَارُ. انظر فتح الباري (١/ ٤٥٢).
(٤) وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣٠١٨) قال أنس -﵁-: فجاء الصريخ. أي صرخ بالإعلام بما وقع منهم، وهذا الصارخ أحد الراعيين كما ثبت ذلك في صحيح أبي عوانة، ولفظه: فقتلوا أحد الراعيين، وجاء الآخر قد جزع فقال: قد قتلوا صاحبي وذهبوا بالإبل. انظر فتح الباري (١/ ٤٥٢).
(٥) الْقَائِفُ: الذي يتتبع الآثار ويعرفُهَا. انظر النهاية (٤/ ١٠٦) - جامع الأصول (٣/ ٤٩١).
(٦) الْمَسْكُ: بفتح الميم وسكون السين: الْجِلْدُ. انظر النهاية (٤/ ٢٨٣).
[ ٣ / ٢٦٨ ]
فَعَمَّى اللَّهُ عَلَيْهِمُ السَّبِيلَ، فَمَا ارْتَفَعَ النَّهَارُ حَتَّى أَدْرَكُوهُمْ فَأَحَاطُوا بِهِمْ، وَأَسَرُوهُمْ، وَرَبَطُوهُمْ، وَأَرْدَفُوهُمْ عَلَى الْخَيْلِ حَتَّى قَدِمُوا بِهِمُ الْمَدِينَةَ.
فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقُطِعَتْ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ، وَسُمِّرَتْ (١) أَعْيُنُهُمْ، وَأُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ (٢) يَسْتَسْقونَ فَلَا يُسْقَوْنَ حَتَّى مَاتُوا.
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: إِنَّمَا سَمَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَعْيُنَ أُولَئِكَ، لِأَنَّهُمْ سَمَلُوا أَعْيُنَ الرِّعَاءِ (٣).
قَالَ أَبُو قِلَابَةَ: فَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ سَرَقُوا، وَقَتَلُوا، وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ، وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي هَؤُلَاءِ الْعُرَنِيِّينَ قَوْلَه تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ
_________________
(١) سُمِّرَتْ أعينُهُمْ: بتشديد الميم، وفي رواية: سَمَر: بتخفيف الميم: أي أحمى لهم مَسَامِيرَ الحديدِ ثم كَحَلَهُمْ بِهَا. انظر النهاية (٢/ ٣٥٩). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١/ ٤٥٣): قد وقع التصريح بالمراد عند البخاري - رقم الحديث (٣٠١٨) قال أنس -﵁-: ثم أمر رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بمسامير فأحميت فكحلهم بها. وفي رواية مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٦٧١) (٩): قال أنس -﵁-: وسَمَل أعينهم. والسَّمْلُ: فَقْءُ العينِ بأي شيء كان. انظر النهاية (٢/ ٣٦٣).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١/ ٤٥٣): الْحَرَّةُ: هي أرضٌ ذاتُ حجارةٍ سودٍ معروفة بالمدينة، وإنما ألقوا فيها لأنها قرب المكان الذي فعلوا فيه ما فعلوا.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب القسامة والمحاربين - باب حكم المحاربين والمرتدين - رقم الحديث (١٦٧١) (١٤).
[ ٣ / ٢٦٩ ]
يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ فِي الْمُشْرِكِينَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنِ ارْتَكَبَ هَذِهِ الصِّفَاتِ (٢).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - قُدُومُ الْوُفُودِ عَلَى الْإِمَامِ، وَنَظَرُهُ فِي مَصَالِحِهِمْ.
٢ - وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الطِّبِّ وَالتَّدَاوِي بِأَلْبَانِ الْإِبِلِ وَأَبُوَالِهَا.
٣ - وَفِيهِ أَنَّ كُلَّ جَسَدٍ يُطَبُّ بِمَا اعْتَادَهُ.
٤ - وَفِيهِ قَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ سَوَاءً قَتَلُوهُ غِيلَةً -أَيْ فِي خُفْيَةٍ- أَوْ حِرَابَةً إِنْ قُلْنَا إِنَّ قتلَهُمْ كَانِ قِصَاصًا.
_________________
(١) سورة المائدة آية (٣٣). وأخرج قصة العرنيين: البخاري في صحيحه - كتاب الوضوء - باب أبوال الإبل والدواب والنعم ومرابضها - رقم الحديث (٢٣٣) - وأخرجها في كتاب الزكاة - باب إستعمال إبل الصدقة - رقم الحديث (١٥٠١) - وأخرجها في كتاب المغازي - باب قصة عكل وعرينة - رقم الحديث (٤١٩٢) - وأخرجها مسلم في صحيحه - كتاب القسامة والمحاربين - باب حكم المحاربين والمرتدين - رقم الحديث (١٦٧١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٠٨٦) والنسائي في السنن الكبرى - كتاب الطهارة - باب الحيض - رقم الحديث (٢٩٠) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الطهارة - باب النجاسة وتطهيرها - رقم الحديث (١٣٨٦) (١٣٨٨) - وأوردها ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (١٨٠٥).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٣/ ٩٥).
[ ٣ / ٢٧٠ ]
٥ - وَفِيهِ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْقِصَاصِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنَ الْمُثْلَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا.
٦ - وَفِيهِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ أَبْنَاءَ السَّبِيلِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ فِي الشُّرْبِ وَفِي غَيْرِهِ قِيَاسًا عَلَيْهِ بِإِذْنِ الْإِمَامِ.
٧ - وَفِيهِ الْعَمَلُ بِقَوْلِ الْقَائِفِ، وَللْعَرَبِ فَي ذَلِكَ الْمَعْرِفَةُ التَّامَّةُ (١).
* تَنْبِيهٌ هَامٌّ:
قُلْتُ: ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ -وَكَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالْوَبَاءَ- دَعَا اللَّهَ ﷿ أَنْ يَرْفَعَ عَنْهَا الْحُمَّى، فَاسْتَجَابَ اللَّهُ لَهُ، وَرَفَعَهَا، وَفِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ هَذِهِ نَرَى أَنَّهُمْ أُصِيبُوا بِالْحُمَّى، وَكَذَلِكَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ -كَمَا سَيَأْتِي- قَوْلُ الْمُشْرِكِينَ: إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمْ الْحُمَّى، فَمَا سَبِيلُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَا، وَبَيْنَ رَفْعِ الْحُمَّى فِي بِدَايَةِ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ؟ .
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ:
١ - إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَأَخُّرُ دُعَائِهِ -ﷺ- بِنَقْلِ الْوَبَاءِ إِلَى قَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ -أَيْ مِنْ قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ، وَعُمْرَةَ الْقَضَاءِ-.
٢ - أَوْ أَنَّهُ رُفِعَ، وَبَقِيَ آثَارٌ مِنْهُ قَلِيلٌ.
٣ - أَوْ أَنَّهُمْ بَقُوا فِي خِمَارٍ، وَمَا كَانَ أَصَابَهُمْ مِنْ ذَلِكَ إلى تِلْكَ الْمُدَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢).
_________________
(١) انظر فتح الباري (١/ ٤٥٤).
(٢) انظر البداية والنهاية (٣/ ٢٣٧).
[ ٣ / ٢٧١ ]
* هَذِهِ أَهَمُّ السَّرَايَا:
هَذِهِ هِيَ السَّرَايَا وَالْغَزَوَاتُ بَعْدَ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ، وَبَنِي قُرَيْظَةَ، لمَ يَجْرِ فِي وَاحِدَةٍ مِنْهَا قِتَالٌ مَرِير، وَإِنَّمَا وَقَعَتْ فِيمَا وَقَعَتْ مُصَادَمَةٌ خَفِيفَةٌ، فَلَيْسَتْ هَذِهِ الْبُعُوثُ إِلَّا دَوْرِيَّاتٍ اسْتِطْلَاعِيَّةٍ، أَوْ تَحَرُّكَاتٍ تَأْدِيبِيَّةٍ، لِإِرْهَابِ الْأَعْرَابِ وَالْأَعْدَاءَ الذِينَ لَمْ يَسْتَكِينُوا بَعْدُ.
وَيَظْهَرُ بَعْدَ التَّأَمُّلِ فِي الظُّرُوفِ أَنَّ مَجْرَى الْأَيَّامِ كَانَ قَدْ أَخَذَ فِي التَّطَوُّرِ بَعْدَ غَزْوَةِ الْأَحْزَابِ، وَأَنَّ أَعْدَاءَ الْإِسْلَامِ كَانَتْ مَعْنَوِيَّاتُهُمْ فِي انْهِيَارٍ مُتَوَاصِلٍ، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ لَهُمْ أَمَلٌ فِي نَجَاحِ كَسْرِ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، وَخَضْدِ (١) شَوْكَتِهَا، إِلَّا أَنَّ هَذَا التَّطَوُّرَ ظَهَرَ جَلِيًّا (٢) بِصُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَلَمْ تَكُنْ الْهُدْنَةُ إِلَّا الِاعْتِرَافَ بِقُوَّةِ الْإِسْلَامِ، وَالتَّسْجِيلَ عَلَى بَقَائِهَا فِي رُبُوعِ الْجَزِيرَةِ الْعَرَبِيَّةِ (٣).
* * *
_________________
(١) الْخَضْدُ: الكَسْرُ أو القَطْعُ. انظر النهاية (٢/ ٣٨). ومنه قوله تَعَالَى في سورة الواقعة آية (٢٨): ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ﴾، أي الذي قُطْعَ شَوْكُهُ.
(٢) الْجَلِيُّ: الوَاضِحُ. انظر لسان العرب (٢/ ٣٤٣).
(٣) انظر الرحيق المختوم ص (٣٣٥).
[ ٣ / ٢٧٢ ]
صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ (١)
وَفِي شَهْرِ ذِي القعْدَةِ (٢) مِنَ الْعَامِ السَّادِسِ الْهِجْرِيِّ أَخْبَرَ الرَّسُولُ -ﷺ- أَصْحَابَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ الْعُمْرَةَ، وَأَنَّهُ رَأَى فِي مَنَامِهِ -ﷺ- أَنَّهُ دَخَلَ الْبَيْتَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَهُمْ وَمُقَصِّرِينَ (٣)، فَمَا إِن سَمِعَ الصَّحَابَة ﵃
_________________
(١) الْحُدَيْبِيَةُ: هي بِئْرٌ، ثم عرف المكان كله بذلك. انظر النهاية (١/ ٣٣٧) - روى الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٤١٥٠) عن البراء بن عازب -﵁- أنه قال: . . . والحديبية بئر.
(٢) هذا قول ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٣٦) - وابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٩٧)، وموسى بن عقبة، والزهري، وقتادة، والبيهقي في الدلائل (٤/ ٩١)، وبه جزم ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٢٥٥) - والحافظ في الفتح (٨/ ٢٠٧) - وهو الصحيح. والدليل على أن عمرة الحديبية كانت في ذي القعدة ما رواه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٤١٤٨) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٢٥٣): عن أنس -﵁- أنه قال: اعممر رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أربع عُمر كلهن في ذى القعدة إلا التي كانت مع حجته، عُمرة من الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته.
(٣) ذكر اللَّه ﷾ هذه الرؤيا في القرآن الكريم في سورة الفتح آية (٢٧) فقال ﷾: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾. قلت: ولم يحدِّد اللَّه ﷾ في هذه الآية مَتَى سيدخل المسلمون المسجد الحرام لأداءِ العُمْرَة، وحدَثَ ذلك في عُمْرَةِ القَضَاءَ، والتي كانت في ذي القعدة من السنة السابعة للهجرة كما سيأتي إن شاء اللَّه.
[ ٣ / ٢٧٣ ]
بِذَلِكَ حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَهَيَّؤُوا لِلْخُرُوجِ مَعَهُ، وَفَرِحُوا وَحَسِبُوا أَنّهُمْ دَاخِلُوا مَكَّةَ عَامَهُمْ ذَلِكَ (١).
* اسْتِنْفَارُ الْمُسْلِمِينَ وَالْأَعْرَابِ:
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- اسْتَنْفَرَ الْعَرَبَ مِنَ الْبَوَادِي، وَمَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْأَعْرَابِ مِمَّن أَسْلَمَ لِيَخْرُجُوا مَعَهُ، وَذَلِكَ بِسَبَبِ خَشْيَتِهِ -ﷺ- مِنْ قُرَيْشٍ أَنْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ بِحَرْبٍ أَوْ يَصُدُّوهُ عَنِ الْبَيْتِ، فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَقَدْ كَشَفَ اللَّهُ ﷾ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ حَقِيقَةَ هَذَا التَّوَجُّسِ (٢) وَالْخَوْفِ الذِي كَانَ فِي قُلُوبِ هَؤُلَاءِ الْأَعْرَابِ، فَقَالَ ﷾: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾ (٣).
وَالْقُرْآنُ لَا يَكْتَفِي بِحِكَايَةِ أَقْوَالِ الْمُخَلَّفِينَ وَالرَّدِ عَلَيْهَا، وَلَكِنَّهُ يَجْعَلُ مِنْ هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ فُرْصَةً لِعِلَاجِ أَمْرَاضِ النُّفُوسِ، وَهَوَاجِسِ الْقُلُوبِ، وَالتَّسَلُّلِ إِلَى
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٩٧).
(٢) الوَجَسُ: هو الفزَعُ يَقَعُ في القَلْبِ. انظر لسان العرب (١٥/ ٢٢١).
(٣) بُورًا: أي هَلْكَي، والْبَوَارُ: الْهَلَاكُ. انظر النهاية (١/ ١٥٨). والآيات في سورة الفتح آية (١١ - ١٢).
[ ٣ / ٢٧٤ ]
مَوَاطِنِ الضَّعَفِ، وَالِانْحِرَافِ لِكَشْفِهَا تَمْهِيدًا لِعِلَاجِهَا وَالطَّلَبِ لَهَا، ثُمَّ لِإِقْرَارِ الْحَقَائِقِ الْبَاقِيَةِ وَالْقِيَمِ الثَّابِتَةِ، وَقَوَاعِدِ الشُّعُورِ وَالتَّصَوُّرِ وَالسُّلُوكِ (١).
* الْإِحْرَامُ وَالْمَسِيرُ إِلَى مَكَّةَ:
خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْمَدِينَةِ مُتَوَجِّهًا إِلَى مَكَّةَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ هِلَالَ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ لِلْهِجْرَةِ، وَمَعَهُ زَوْجُهُ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂، وَخَرَجَ مَعَهُ -ﷺ- أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ (٢) مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَمَنْ لَحِقَ بِهِ مِنَ الْأَعْرَابِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ نُمَيْلَةَ (٣) بْنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ -﵁-، وَلَمْ يُخْرِجْ مَعَهُ سِلَاحًا، إِلَّا سِلَاحَ الْمُسَافِرِ، وَهِيَ السُّيُوفُ فِي الْقُرُبِ (٤)، وَسَاقَ مَعَهُ -ﷺ- الْهَدْيَ (٥)
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن لسيد قطب (٦/ ٣٣٢١).
(٢) ذكر ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٢٥٦) الاختلاف في أهل الحديبية، ثم مال رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلى أنهم كانوا: ألف وأربعمائة. فقال رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: والقلب إلى هذا أميل، وهو قول البراء بن عازب، ومعقل بن يسار، وسلمة بن الأكوع في أصح الروايتين، وقول المسيب بن حَزْن. وجزم الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ٣٣٩): أنهم كانوا ألف وأربعمائة. وغلط ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٣٧) غلطًا بينًا عندما قال: إنهم كانوا سبعمائة، ولم يوافقه أحد علي ذلك.
(٣) هذا قولُ ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٣٦)، وعند ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٩٧): أنه استعمل على المدينة عبد اللَّه بن أم مكتوم. قلت: ويمكن الجمع بأنه استعمل عبد اللَّه بن أم مكتوم علي الصلاة، ونميلة بن عبد اللَّه على المدينة.
(٤) القُرُب: بضم القاف جمع قِرَابٍ بكسر القاف: وهو غِمْدُ السَّيْفِ. انظر لسان العرب (١١/ ٨٦).
(٥) الْهَدْيُ: هو ما يُهَدَى إلى البيتِ الحرام من النَّعَمِ لِتُنْحَرَ. انظر النهاية (٥/ ٢٢٠).
[ ٣ / ٢٧٥ ]
سَبْعِينَ بَدَنَةً (١) فِيهَا جَمَلٌ لِأَبى جَهْل لَعَنَهُ اللَّهُ فِى أَنْفِهِ بُرَّةٌ (٢) مِنْ فِضَّةٍ لِيَغِيظَ بِذَلِكَ الْمُشْرِكِينَ (٣)، وَبَعَثَهَا مَعَ نَاجِيَةَ بْنِ جُنْدُبٍ الْخُزَاعِيِّ الْأَسْلَمِيِّ -﵁- (٤).
فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَمَعَهُ الْمُسْلِمُونَ ذَا الْحُلَيْفَةِ (٥) صَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالْهَدْيِ فَقَلَّدَهُ (٦)، ثُمَّ أَشْعَرَهُ (٧)، وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَلَبَّي لِيَأْمَنَ النَّاسُ مِنْ
_________________
(١) الْبَدَنَةُ: تقع على الجمل والنَّاقة والبقرة، وهي بالإبلِ أشبه، وسُمِّيَتْ بدنةً لِعِظَمِهَا وسِمَنِهَا. انظر النهاية (١/ ١٠٨).
(٢) الْبُرَّةُ: حَلْقَةٌ تُجْعَلُ في لَحْمِ الأنفِ، وربما كانت من شعر. انظر النهاية (١/ ١٢٢).
(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٦٢) - وإسناده حسن.
(٤) هذا هو الصحيح أن الذي كان على هدى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- هو: ناجية بن جندب الأسلمي -﵁-، وقد روى ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩٤٣) بسند صحيح - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٣٩).
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ١٦١): ذا الحُلَيْفَة: بضم الحاء مُصَغَّرًا، وهو ميقاتُ أهل المدينة، ومن سلك طريقهم.
(٦) تقلِيدُ الهَدْيِ: أن يُجْعَلَ في عُنُقِها شِعار يُعلم به أنها هدي. انظر لسان العرب (١١/ ٢٧٦).
(٧) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٨/ ١٨٥): الْإِشْعَارُ في الهَدي: هو أَنْ يَجْرَحَهَا في صَفْحَةِ سِنَامِهَا اليُمْنَي بِحَرْبَةٍ أو سِكِّينٍ أو حَدِيدَة، أو نَحْوِهَا، ثم يَسْلُتُ -أي يَمْسَحُ- الدَّمُ عنها، ويجعل ذلك لها علامة تُعرف بها أنها هديٌ. وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٣٦٣): وفي هذا الحديث مشروعية الإشعار، وفائدته: الإعلام بأنها صارت هديًا؛ ليتبعها من يحتاج إلى ذلك، وحتى لو اختلطت بغيرها تميزت، أو ضَلت عُرِفت، أو عطبت -أي ماتت- عرفها المساكين بالعلامة فأكلوها، مع ما في ذلك من تعظيم شعار الشرع، وحث الغير عليه.
[ ٣ / ٢٧٦ ]
حَرْبِهِ، وَليَعْلَمُوا أَنَّهُ إِنَّمَا خَرَجَ زَائِرًا لِلْبَيْتِ وَمُعَظِّمًا لَهُ (١).
وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ يَدَيْهِ بُسْرَ (٢) بْنَ سُفْيَانَ الْخُزَاعِيَّ الْكَعْبِيَّ -﵁- عَيْنًا (٣) لَهُ إِلَى قُرَيْشٍ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِهِمْ (٤).
* قِصَّةُ أَبِي قتَادَةَ -﵁-:
فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الرَّوْحَاءِ (٥) جَاءَهُ خَبَرٌ أَنَّ عَدُوًّا يُرِيدُ أَنْ يَغْزُوَ الْمَدِينَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي قتَادَةَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: انْطَلَقْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، فَأَحْرَمَ أَصْحَابُهُ وَلَمْ أُحْرِمْ (٦)، فَأُنْبِئْنَا بِعَدُوٍّ بِغَيْقَةٍ (٧)، فَتَوَجَّهْنَا نَحْوَهُمْ، فَبَصُرَ أَصْحَابِي بِحِمَارٍ وَحْشٍ، فَجَعَلَ بَعْضُهُمْ
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب من أشعر وقَلّد بذى الحليفة ثم أحرم - رقم الحديث (١٦٩٤) - (١٦٩٥) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) (١٨٩٢٨).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٥/ ٦٨٠): بُسْر: بضم الباء وسكون السين على الصحيح، وأخرج ذلك الإمام البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية - رقم الحديث (٤١٧٨) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) - وفي رواية الإمام أحمد التصريح باسم العين.
(٣) الْعَيْنُ: الْجَاسُوسُ. انظر النهاية (٣/ ٢٩٩).
(٤) انظر التفاصيل في: الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٩٧) - سيرة ابن هشام (٣/ ٣٣٧) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٩٩) - زاد المعاد (٣/ ٢٥٧).
(٥) الرَّوْحَاءُ: موضع بينه وبين المدينة ستة وثلاثين ميلًا. انظر جامع الأصول (٩/ ٣٧٩).
(٦) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٤٩٢): والذي يظهر أن أبا قتادة إنما أخَّر الإحرام، لأنه لم يتحقق أنه يدخل مكة فسَاغَ له التأخير.
(٧) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٤٩٢): بِغَيْقَةٍ: أي في غَيْقَةٍ وهو بفتح الغين بعدها ياء ساكنة، وهو ماءٌ لبني غِفَارٍ بين مكة والمدينة.
[ ٣ / ٢٧٧ ]
يَضْحَكُ إِلَى بَعْضٍ، فَنَظَرْتُ فَرَأَيْتُهُ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ الفرَسَ (١)، فَطَعَنْتُهُ فَأَثْبَتُّهُ (٢)، فَاسْتَعَنْتُهُمْ فَأَبُوا أَنْ يُعِينُونِي، فَأَكَلْنَا مِنْهُ، ثُمَّ لَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَخَشِينَا أَنْ نُقتَطَعَ (٣)، فَطَلَبْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- أَرْفَعُ فَرَسِي شَأْوًا (٤)، وَأَسِيرُ عَلَيْهِ شَأْوًا. . .، فَلَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ حَتَّى أَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا إِصَّدْنَا حِمَارَ وَحْشٍ، وَإِنَّ عِنْدَنَا مِنْهُ فَاضِلَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَصْحَابِهِ: "كُلُوا"، وَهُمْ مُحْرِمُونَ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ: قَالَ أَبُو قتَادَةَ -﵁-: فَأَكَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَأَبَي بَعْضُهُمْ، فَأَدْرَكُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقَالَ -ﷺ-: "إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ" (٥).
_________________
(١) في رواية أخرى في صحيح مسلم - رقم الحديث (١١٩٦) (٥٦) - قال أبو قتادة -﵁-: فأسرَجْتُ فَرَسِي وأخذت رمحي.
(٢) في رواية أخرى في صحيح مسلم - رقم الحديث (١١٩٦) (٥٦) - قال أبو قتادة -﵁-: فطعَنْتُهُ برُمْحِي فعَقَرْتُهُ.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٤٩٤): نُقْتَطَعُ: أي نَصيرُ مقطوعين عن النبي -ﷺ- مُنْفَصِلِينَ عنه لكونه سبقهم. وفي رواية أخرى في صحيح البخاري قال أبو قتادة -﵁-: وخشينا أن يقتطعنا العدو.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٤٩٤): أَرْفَعُ: أي أُكَلِّفُهُ السَّيْرَ، وشَأْوًا: أي تَارَةً، والمراد أنه يُرْكِضُهُ تَارَةً ويَسِيرُ بِسُهُولَةٍ أخرى.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب جزاء الصيد - باب إذا صاد الحلال فأهدى للمحرم الصيد أكله - رقم الحديث (١٨٢١) (١٨٢٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب تحريم الصيد للمحرم - رقم الحديث (١١٩٦) (٥٧) (٥٩) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٥٦٩) وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٣٩٧٦).
[ ٣ / ٢٧٨ ]
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - أَنَّ تَمَنِّي الْمُحْرِمِ أَنْ يَقَعَ مِنَ الْحَلَالِ بِالصَّيْدِ لِيَأْكُلَ الْمُحْرِمُ مِنْهُ لَا يَقْدَحُ فِي إِحْرَامِهِ.
٢ - وَأَنَّ الْحَلَالَ إِذَا صَادَ لِنَفْسِهِ جَازَ لِلْمُحْرِمِ الْأَكْلُ مِنْ صَيْدِهِ.
٣ - وَفِيهِ إِمْسَاكُ نَصِيبِ الرَّفِيقِ الْغَائِبِ مِمَّنْ يَتَعَيَّنُ احْتِرَامُهُ، أَوْ يَتَوَقَّعُ مِنْهُ ظُهُورَ حُكْمِ تِلْكَ الْمَسْأَلةِ بِخُصُوصِهَا.
٤ - وَفِيهِ تَفْرِيقُ الْإِمَامِ أَصْحَابَهُ لِلْمَصْلَحَةِ.
٥ - وَاسْتِعْمَالُ الطَّلِيعَةِ (١) فِي الْغَزْوِ.
٦ - وَفِيهِ أَنَّ عَقْرَ الصَّيْدِ ذَكَاتُهُ.
٧ - وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ ابْنُ الْعَرَبِي: هُوَ اجْتِهَادٌ بِالْقُرْبِ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ- لَا فِي حَضْرَتِهِ.
٨ - وَفِيهِ الْعَمَلُ بِمَا أَدَّى إِلَيْهِ الِاجْتِهَادُ وَلَوْ تَضَادَّ الْمُجْتَهِدَانِ، وَلَا يُعَابُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا عَلَى ذَلِكَ، وَكَأَنَّ الْآكِلَ تَمَسَّكَ بِأَصْلِ الْإِبَاحَةِ، وَالْمُمْتَنِعَ نَظَرَ إِلَى الْأَمْرِ الطَّارِئِ.
٩ - وَفِيهِ الرُّجُوعُ إِلَى النَّصِّ عِنْدَ تَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ.
_________________
(١) الطَّلَائِعُ: هُمُ الْقَوْمُ الذينَ يُبعثُونَ لِيَطَّلِعُوا طِلْعَ العَدُوِّ، كالجَوَاسيسِ، واحدهُمْ طَلِيعَةٌ. انظر النهاية (٣/ ١٢١).
[ ٣ / ٢٧٩ ]
١٠ - وَرَكْضُ (١) الْفَرَسِ فِي الِاصْطِيَادِ.
١١ - وَفِيهِ التَّصَيُّدُ فِي الْأَمَاكِنِ الْوَعِرَةِ.
١٢ - وَفِيهِ الِاسْتِعَانَةُ بِالْفَارِسِ.
١٣ - وَفِيهِ حَمْلُ الزَّادِ فِي السَّفَرِ.
١٤ - وَفِيهِ الرِّفْقُ بِالْأَصْحَابِ وَالرُّفَقَاءِ فِي السَّيْرِ.
١٥ - وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْكِنَايَةِ فِي الْفِعْلِ كَمَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْقَوْلِ لأِنَّهُمُ اسْتَعْمَلُوا الضَّحِكَ فِي مَوْضِعِ الْإِشَارَةِ لِمَا اعْتَقَدُوهُ مِنَ أَنَّ الْإِشَارَةَ لَا تَحِلُّ.
١٦ - وَفِيهِ جَوَازُ سَوْقِ الْفرَسِ لِلْحَاجَةِ وَالرِّفْقُ بِهِ مَعَ ذَلِكَ لِقَوْلهِ: وَأَسِيرُ شَأْوًا.
١٧ - وَفِيهِ نُزُولُ الْمُسَافِرِ وَقْتَ الْقَائِلَةِ.
١٨ - وَفِيهِ ذِكْرُ الْحُكْمِ مَعَ الْحِكْمَةِ فِي قَوْلِهِ -ﷺ-: "إِنَّمَا هِيَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ" (٢).
* إِكْمَالُ الطَّرِيقِ إِلَى مَكَّةَ:
أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طرِيقَهُ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كَانَ بِغَدِيرِ الْأَشْطَاطِ قَرِيبًا مِنْ عُسْفَانَ، أَتَاهُ عَيْنُهُ فَقَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا، وَقَدْ جَمَعُوا لَكَ
_________________
(١) أَصْلُ الرَّكْضِ: الضَّرْبُ بالرِّجْل الإِصابةُ بها، كما تُضْرَبُ الدَّابَّةُ وتُصَابُ بالرِّجْلِ، أرادَ الإِضْرَارَ بها والأذى. انظر النهاية (٢/ ٢٣٥).
(٢) انظر فتح الباري (٤/ ٥٠١).
[ ٣ / ٢٨٠ ]
الْأَحَابِيشَ (١)، وَهُمْ مُقُاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ الْبَيْتِ وَمَانِعُوكَ (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، قَالَ الْعَيْنُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ قُرَيْشٌ قَدْ سَمِعَتْ بِمَسِيرِكَ، فَخَرَجَتْ مَعَهَا الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ (٣)، قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ، يُعَاهِدُونَ اللَّهَ أَنْ لَا تَدْخُلَهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً (٤) أَبَدًا، وَهَذَا خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ فِي خَيْلِهِمْ قَدْ قَدَّمُوهَا إِلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ (٥).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا وَيْحَ قُرَيْشٍ، لَقَدْ أَكَلَتْهُمُ الْحَرْبُ، مَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ خَلَّوا بَيْنِي وَبَيْنَ سَائِرِ النَّاسِ، فَإِنْ أَصَابُونِي كَانَ الذِي أَرَادُوا، وَإِنْ أَظْهَرَنِي اللَّهُ عَلَيْهِمْ، دَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَهُمْ وَافِرُونَ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا، قَاتَلُوا وَبِهِمْ قُوَّةٌ، فَمَاذَا تَظُنُّ قُرَيْشٌ، وَاللَّهِ إِنِّي لَا أَزَالُ أُجَاهِدُهُمْ عَلَى الذِي بَعَثَنِي اللَّهُ لَهُ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ لَهُ أَوْ تَنْفَرِدَ هَذِهِ السَّالِفَةُ" (٦).
_________________
(١) الْأَحَابِيشُ: هم أحياءٌ انضمُّوا إلى بعضٍ، فَسُمُّوا بذلكَ، والتَّحَبُّشُ: التَّجَمُّعُ. انظر النهاية (١/ ٣١٩).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب صلح الحديبية - رقم الحديث (٤١٧٨) (٤١٧٩).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٥/ ٦٨٦) العُوذُ: بضم العينِ وسكونِ الواو: جَمْعُ عَائِذٍ وهي النَّاقة ذاتُ اللَّبَنِ، والْمَطَافِيلُ: الأمَّهات اللَّاتي معها أطفالُها، يُريدُ أنَّهم خرجوا معهمْ بذواتِ الألبانِ من الإِبِلِ ليتزوَّدوا بألبانِها ولا يرجعوا حتى يمنعوهُ.
(٤) عَنْوَة: أي قَهْرًا. انظر النهاية (٣/ ٢٨٤).
(٥) كُرَاعُ الغَمِيمِ: بضم الكاف: هو وادٍ بينَ مكَّة والمدينةِ. انظر النِّهاية (٤/ ١٤٣).
(٦) السَّالِفَةُ: صَفْحَةُ العُنُقِ، وكنَّي بانْفرادِهَا عن الموتِ؛ لأنَّها لا تنفردُ عمَّا يليها إلا بالموت. انظر النِّهايةَ (٢/ ٣٥١). =
[ ٣ / ٢٨١ ]
* اسْتِشَارَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ:
فَهُنَا اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ، فَقَالَ: "أَشِيرُوا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَيَّ أَتَرَوْنَ أَنْ أَمِيلَ إِلَى عِيَالهِمْ وَذَرَارِي هَؤُلَاءِ الذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَصُدُّونَا عَنِ الْبَيْتِ، فَإِنْ يَأْتُونَا كَانَ اللَّهُ ﷿ قَدْ قَطَعَ عَيْنًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وَإلَّا تَرَكْنَاهُمْ مَحْرُوبِينَ" (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي مُسْنَدٍ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَشِيرُوا عَلَيَّ أَتَرَوْنَ أَنْ نَمِيلَ إِلَى ذَرَارِي هَؤُلَاءِ الذِينَ أَعَانُوهُمْ -أَي الْأَحَابِيْشِ- فَنُصِيبُهُمْ، فَإِنْ قَعَدُوا، قَعَدُوا مَوْتُورِينَ مَحْرُوبِينَ، وَإِنْ يَجِيئُوا تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَهَا اللَّهُ، أَوْ ترَوْنَ أَنْ نَؤُمَّ الْبَيْتَ، فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ؟ " (٢)
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالْمُرَادُ أَنَّهُ -ﷺ- اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ هَلْ يُخَالِفُ الذِينَ نَصَرُوا قُرَيْشًا إِلَى مَوَاضِعِهِمْ فَيَسْبِيَ أَهْلَهُمْ، فَإِنْ جَاؤُوا إِلَى نَصْرِهِمُ اشْتَغَلُوا بِهِمْ، وَانْفَرَدَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِقُرَيْشٍ، وَذَلِكَ الْمُرَادُ بِقَوْلهِ: "تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَهَا اللَّهُ" (٣).
_________________
(١) = والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠).
(٢) مَحْرُوبِينَ: أيْ مَسْلُوبينَ مَنْهُوبينَ. انظر النهاية (١/ ٣٤٥). وأخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب صلح الحديبية - رقم الحديث (٤١٧٨) - (٤١٧٩).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩٢٨).
(٤) انظر فتح الباري (٥/ ٦٨١).
[ ٣ / ٢٨٢ ]
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ خَرَجْتَ عَامِدًا لِهَذَا الْبَيْتِ لَا تُرِيدُ قتلَ أَحَدٍ وَلَا حَرْبَ أَحَدٍ، فتَوَجَّهْ لَهُ فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدْ صَحِيحٍ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: . . . يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّمَا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَلَمْ نَجِئْ نُقَاتِلُ أَحَدًا، وَلَكِنْ مَنْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ قَاتَلْنَاهُ (٢).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "امْضُوا عَلَى اسْمِ اللَّهِ" (٣).
* مُحَاوَلَةُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ الْإِغَارَةَ عَلَى المُسْلِمِينَ وَأَوَّل صَلَاةِ خَوْفٍ:
فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى عُسْفَانَ اقْتَرَبَ مِنْهُ خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ فِي مِائَتَيْ فَارِسٍ فِيهِمْ: عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَصَفَّ خَيْلَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ، فَهُنَا نَزَلَ الْوَحْيُ بِصَلَاةِ الْخَوْفِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرْقِيِّ -﵁- قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِعُسْفَانَ، فَاسْتَقْبَلَنَا الْمُشْرِكُونَ، عَلَيْهِمْ خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ، وَهُمْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب صلح الحديبية - رقم الحديث (٤١٧٨) (٤١٧٩).
(٢) أخرجه الإِمَامُ أحمدُ في مسنده - رقم الحديث (١٨٩٢٨).
(٣) أخرجَ ذلك البخاري في صحيحِهِ - كتاب المَغازي - باب صُلْحِ الحديبية - رقم الحديث (٤١٧٨) (٤١٧٩). وفي رواية الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح - رقم الحديث (١٨٩٢٨) قال رسول -ﷺ-: "فَرُوحُوا إذًا".
[ ٣ / ٢٨٣ ]
الْقِبْلَةِ، فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ الظُّهْرَ، فَقَالُوا -أَيْ خَالِدُ بْنُ الْوَليدِ وَالذِينَ مَعَهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ-: قَدْ كَانُوا عَلَى حَالٍ (١) لَوْ أَصَبْنَا غِرَّتَهُمْ (٢).
* نُزُولُ الْوَحْي بِأَوَّلِ صَلِاةِ خَوْفٍ فِي الْإِسْلَامِ:
ثُمَّ قَالُوا: تَأْتِي عَلَيْهِمُ الْآنَ صَلَاةٌ (٣) هِيَ أَحَبُّ إِلَيْهِمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، فنَزَلَ جِبْرِيلُ ﵇ بِهَذ الْآيَاتِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ (٤).
قَالَ: فَحَضرَتْ صلَاةُ الْعَصرِ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَخَذُوا السِّلَاحَ، قَالَ: فَصَفَفَنَا خَلْفَهُ صَفَّيْنِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ رَفَعَ، فَرَفَعْنَا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِالصَّفِّ الذِي يَلِيهِ، وَالْآخَرُونَ قِيَامٌ يَحْرُسُونَ، فَلَمَّا سَجَدُوا
_________________
(١) الحالةُ التي عَنَاهَا المشركون هي صلاةُ المسلمين الظهرَ.
(٢) الغِرَّةُ: بكسر الغين الغفلةُ. انظر النهاية (٣/ ٣١٨). أي لو هَجَمْنَا على المسلمين وهم يصلُّون.
(٣) هي صلاةُ العصرِ.
(٤) سورة النساء آية (١٠٢).
[ ٣ / ٢٨٤ ]
وَقَامُوا، جَلَسَ الْآخَرُونَ، فَسَجَدُوا فِي مَكَانِهِمْ، ثُمَّ تَقَدَّمَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ، وَجَاءَ هَؤُلَاءِ إِلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ، ثُمَّ رَكَعَ، فَرَكَعُوا جَمِيعَّاَ، ثُمَ رَفَعَ، فَرَفَعُوا جَمِيعًا، ثُمَّ سَجَدَ النَّبِىُّ -ﷺ- وَالصَّفُّ الذِي يَلِيهِ، وَالْآخَرُونَ قِيَامٌ يَحْرُسُونَهُمْ، فَلَمَّا جَلَسَ، جَلَسَ الْآخَرُونَ فَسَجَدُوا، ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ انْصَرَفَ (١).
فَهَذِهِ أَوَّلُ صَلَاةِ خَوْفٍ صَلَّاهَا الْمُسْلِمُونَ، وَهُوَ الذِي جَزَمَ بِهِ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: بِأَنَّ أَوَّلَ صَلَاةِ خَوْفٍ صَلَّاهَا الْمُسْلِمُونَ كَانَتْ فِي الْحُدَيْبِيَةِ (٢).
* صِفَاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ لِصَلَاةِ الْخَوْفِ:
وَقَدْ وَرَدَ فِي صِفَةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ كَيْفِيَّاتٌ مُتَعَدِّدَةٌ كَمَا سَيَأْتِي ذَلِكَ وَاضِحًا فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ.
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ: لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ رُوِيَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ إِلَّا حَدِيثٌ ثَابِتٌ، هِيَ كُلُّهَا صِحَاحٌ ثَابِتَةٌ، فعَلَى أَيِّ حَدِيثٍ صَلَّى مِنْهَا الْمُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ أَجْزَأَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ (٣).
وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَقَدْ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- في صِفَةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ
_________________
(١) أَخرجَهُ الإِمَامُ أحمدُ في مسندِهِ - رقم الحديث (١٦٥٨٠) - وأبو داودَ في سُننِهِ - كتاب الصلاة - بابُ صلاةِ الخوفِ - رقم الحديث (١٢٣٦) - وجود إسناده الحافظ في الإصابة (٧/ ٢٤٥).
(٢) انظر فتح الباري (٨/ ١٨٨).
(٣) انظر تفسير القرطبي (٧/ ٩٧).
[ ٣ / ٢٨٥ ]
كَيْفِيَّاتٌ حَمَلَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى اخْتِلَافِ الْأَحْوَالِ، وَحَمَلَهَا آخَرُونَ عَلَى التَّوَسُّعِ وَالتَّخْيِيرِ (١).
وَبِذَلِكَ شُرِعَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ التِي تَدُلُّ عَلَى يُسْرِ الْإِسْلَامِ وَسَمَاحَتِهِ وَصَلَاحِيَّتِهِ لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ (٢).
* انْحِرَافُ الرَّسُولِ -ﷺ- عَنْ طَرِيقِ المُشْرِكِينَ وَنُزُوُلهُ بِالحُدَيْبِيَةِ:
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَفَادَى الِاصْطِدَامَ وَالِاشْتِبَاكَ مَعَ خَيْلِ المُشْرِكِينَ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "مَنْ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى طَرِيقٍ غَيْرِ طَرِيقِهِمْ التِي هُمْ بِهَا؟ ".
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ أَسْلَمَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَسَلَكَ بِهِمْ طَرِيقًا وَعِرًا أَجْرَلَ (٣) بَيْنَ شِعَابٍ (٤)، فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْهُ، وَقَدْ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَأَفْضَوْا (٥) إِلَى أَرْضٍ سَهْلَةٍ عِنْدَ مُنْقَطَعِ الوَادِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلنَّاسِ: "قُولُوا نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَنَتُوبُ إِلَيْهِ"، فَقَالُوا ذَلِكَ! فَقَالَ -ﷺ-: "وَاللَّهِ إِنَّهَا لَلْحِطَّةُ التِي عُرِضَتْ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَلَمْ يَقُولُوهَا" (٦).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ١٨٨).
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة (٢/ ٣٢٣) للدكتور محمّد أبو شهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(٣) الجَرَلُ: الخَشِنُ من الأرض الكثير الحجارة. انظر لسان العرب (٢/ ٢٥٦).
(٤) الشِّعب: بكسر الشين: ما انفَرَجَ بين جبلين. انظر لسان العرب (٧/ ١٢٨).
(٥) أفْضَى: بلغ بهم. انظر لسان العرب (١٠/ ٢٨٣).
(٦) قال اللَّه تَعَالَى في سورة البقرة آية (٥٨): ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾. =
[ ٣ / ٢٨٦ ]
ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المُسْلِمِينَ فَقَالَ: "اسْلُكُوا ذَاتَ اليَمِينِ"، بَيْنَ ظَهْرَيْ الحَمْضِ فِي طَرِيقٍ تُخْرِجُهُمْ عَلَى ثَنِيَّةِ (١) المِرَارِ (٢) مَهْبَطِ الحُدَيْبِيَةِ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، فَسَلَكَ الجَيْشُ ذَلِكَ الطَّرِيقَ، فَلَمَّا رَأَتْ خَيْلَ قُرَيْشٍ قَتَرَةَ (٣) الجَيْشِ قَدْ خَالفوا عَنْ طَرِيقِهِمْ، نَكَصُوا رَاجِعِينَ إِلَى قُرَيْشٍ (٤).
وَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى إِذَا وَصَلَ إِلَى ثَنِيَّةِ المِرَارِ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "مَنْ يَصْعَدُ (٥) الثَّنِيَّةَ، ثَنِيَّةَ المِرَارِ، فَإِنَّهُ يَحُطُّ عَنْهُ مَا حُطَّ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ" (٦).
_________________
(١) = قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسير هذه الآية (١/ ٢٧٥): وحاصِلُ الأمر: أنهم أُمِرُوا أن يخضَعُوا للَّه تَعَالَى عند الفتح بالفعل والقولِ، وأن يعتَرِفُوا بذنوبهم ويستغفروا منها. . . وإذا فعلتم ما أمَرْنَاكم من الاستغفار والشكر غفرنا لكم الخطيئات وضاعفنا لكم الحسنات. لكنهم لم يفعلوا ما أُمِروا به فذهب عليهم الأجر من اللَّه تَعَالَى.
(٢) الثنِيَّة: هو الطريق العالي في الجبل. انظر النهاية (١/ ٢٢٠).
(٣) المِرارُ: بكسر الميم، وبضمها: موضعٌ بين مكة والمدينة من طريق الحديبية. انظر النهاية (١/ ٢٢٠).
(٤) القَتَرَة: بفتح القاف: الغُبَارُ. انظر النهاية (٤/ ١١).
(٥) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٣٨) وإسناده حسن.
(٦) قال ابن الأثير في النهاية (١/ ٢٢٠): وإنما حثَّهُم رَسُول اللَّهِ -ﷺ- علي صُعُودها لأنها عَقَبَة شاقّة وصَلُوا إليها ليلًا، فرغبهم في صعودها.
(٧) الذي حُط عن بني إسرائيل هو ذنوبهم، قال تَعَالَى في سورة البقرة آية (٥٨): ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾. وانظر النهاية (١/ ٢٢٠).
[ ٣ / ٢٨٧ ]
قَالَ جَابِرٌ -﵁-: فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ صَعَدَهَا خَيْلُنَا، خَيْلُ بَنِي الخَزْرَجِ (١).
* بُرُوكُ نَاقَةِ الرَّسُولِ -ﷺ-:
وَفِي هَذَا المَكَانِ فِي ثَنِيَّةِ المِرَارِ التِي يُهْبَطُ مِنْهَا عَلَى قُرَيْشٍ، بَرَكَتِ القَصْوَاءُ نَاقَةُ الرَّسُولِ -ﷺ-، فَقَالَ النَّاسُ: حَلْ (٢) حَلْ، فَأَلَحَّتْ (٣)، فَقَالَ الصَّحَابَةُ ﵃: خَلَأَتِ (٤) القَصْوَاءُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا خَلَأَتِ القَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ (٥)، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الفِيلِ" (٦).
_________________
(١) أخرج ذلك مسلم في صحيحه - كتاب صفات المناففين وأحكامهم - رقم الحديث (٢٨٨٠).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٥/ ٦٨٢): حَلّ حَلّ: بفتح الحاء وسكون اللام: كلمة تقال للناقة إذا تركت السير.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٥/ ٦٨٢): فألحَّت: بتشديد الحاء: أي تمادَتْ على عدم القيام وهو من الإلحاح.
(٤) خَلَأَ: إذا بَرَكَ فلم يَقم. انظر لسان العرب (٤/ ١٦٤).
(٥) قال الحافظ في الفتح (٥/ ٦٨٣): بخُلُقٍ: أي بِعَادة.
(٦) زاد ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٣٩): عن مكة. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٥/ ٦٨٣): ومناسبةُ ذِكْرِها -أي ذكر قصَّة الفيل- أن الصحابة ﵃ لو دخَلُوا مكَّة على تلك الصورة وصدَّهم قريش عن ذلك لوقع بينهم قِتَالٌ قد يُفْضِي إلى سفْكِ الدماء ونَهْبِ الأموال كما لو قُدِّرَ دخولُ الفيل وأصحابه مكة، لكن سَبَقَ في عِلْمِ اللَّه تَعَالَى في الموضعين أنه سيدخل في الإسلام خلقٌ منهم، ويستخرجُ من أصلابِهِمْ ناسٌ يُسْلِمُونَ ويُجَاهِدُون، وكان بمكة في الحديبية جمعٌ كثير مؤمنون من المُسْتضعفين من الرجال والنساء والولدان، فلو طَرَقَ الصحابة مكة لَمَا أمِنَ أن يُصَاب =
[ ٣ / ٢٨٨ ]
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَا يَسْأَلُونَنِي خُطَّةً (١) يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللَّهِ (٢) إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا" (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ -ﷺ-: "يَسْألونِي فِيهَا صِلةَ الرَّحِمِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا" (٤).
* حَثُّ الرَّسُولِ -ﷺ- نَاقَتَهُ عَلَى النُّهُوضِ:
ثُمَّ زَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نَاقَتَهُ فَوَثَبَتْ (٥)، ثُمَّ عَدَلَ (٦) عَنْ دُخُولِ مَكَّةَ، وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ بِأَقْصَى الحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ (٧) قَلِيلِ المَاءِ يَتَبَرَّضُهُ (٨) النَّاسُ تَبَرُّضًا، فَلَمْ يُلَبِّثْهُ النَّاسُ حَتَّى نَزَحُوهُ (٩)، وَشُكِيَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- العَطَشُ
_________________
(١) = ناسٌ منهم بغير عَمْدٍ كما أشار إليه تَعَالَى في قوله في سورة الفتح آية (٢٥): ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
(٢) خُطَّة: بضم الخاء أي: خَصْلة. انظر فتح الباري (٥/ ٦٨٤).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٥/ ٦٨٤): أي من تَرْكِ القتال في الحرم، وفي رواية قال -ﷺ-: "يسألوني فيها صِلة الرحم"، وهي من جملة حرمات اللَّه.
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم الحديث (٢٧٣١) (٢٧٣٢).
(٥) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) وإسناده حسن.
(٦) قال الحافظ في الفتح (٥/ ٦٨٤): وثبَتَ: أي قامت.
(٧) عَدَلَ عن الطريق: مالَ عنه. انظر لسان العرب (٩/ ٨٦).
(٨) قال الحافظ في الفتح (٥/ ٦٨٤): الثَّمَدُ: بفتح الثاء والميم: حُفَيْرة فيها ماء مَثْمُودٌ أي قليل.
(٩) يتبَرَّضه الناس: أي يأخذونه قليلًا قليلًا. انظر النهاية (١/ ١١٩).
(١٠) النَّزَح: بالتحريك البئر التي أُخذ ماؤها، والمراد: أنهم لم يُبقوا من الماء شيئًا. انظر النهاية (٥/ ٣٤).
[ ٣ / ٢٨٩ ]
-وَكَانَ الحَرُّ شَدِيدًا- فَانتزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ (١) ثُمَّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ (٢)، فَمَا زَالَ يَجِيشُ (٣) لَهُمْ بِالرِّيِّ (٤) حَتَّى صَدَرُوا (٥) عَنْهُ (٦).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ -﵁- قال: . . . فَنَزَحْنَاهَا فَلَمْ نَتْرُكْ فِيهَا قَطْرَةً، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَأَتَاهَا فَجَلَسَ عَلَى شَفِيرِ البِئْرِ، فَدَعَا بِمَاءً فَمَضْمَضَ وَمَجَّ فِي البِئْرِ، فَمَكَثْنَا غَيْرَ بَعِيدٍ، ثُمَّ اسْتَقَيْنَا حَتَّى رَوِينَا، وَرَوَتْ رَكَائِبُنَا (٧).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: ويُمْكِنُ الجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ الأَمْرَانِ مَعًا وَقَعَا (٨).
قُلْتُ: وَيُؤَيِّدُ جَمْعَ الحَافِظِ مِنْ أَنَّ الأَمْرَانِ وَقَعَا مَعًا مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ
_________________
(١) الكِنَانَة: هي جَعْبَة السهام تُتَّخذ من جلود. انظر لسان العرب (١٢/ ١٧٣).
(٢) في رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) -بسند حسن-: فقالوا يا رَسُول اللَّهِ، ما بالوادي من ماءٍ ينزل عليه الناس، فأخرج رَسُول اللَّهِ -ﷺ- سَهمًا من كنانته، فأعطاه رجلًا من أصحابه، فنزل في قَلِيبٍ من تلك القُلُب، فغرزه فيه، فجاش -أي فار- الماء.
(٣) يَجِيش: بفتح الياء وكسر الجيم، أي يفور. انظر النهاية (١/ ٣١٢).
(٤) الرِّي: بكسر الراء. انظر فتح الباري (٥/ ٦٨٥).
(٥) قال الحافظ في الفتح (٥/ ٦٨٥): صَدَرُوا عنه: أي رَجَعُوا رواءَ بعد وردهم. زاد ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٩٧): حتى اغْترَفُوا بآنيتهم جُلُوسًا على شَفِير البئر.
(٦) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم الحديث (٢٧٣١) - (٢٧٣٢) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠).
(٧) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإسلام - رقم الحديث (٣٥٧٧) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب غزة الحديبية - رقم الحديث (٤١٥٠).
(٨) انظر فتح الباري (٥/ ٦٨٥).
[ ٣ / ٢٩٠ ]
البَيْهَقِيِّ عَنْ عُرْوَةَ قال: . . . وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِدَلْوٍ مِنْ مَاءٍ، فتَوَضَّأَ فِي الدَّلْوِ، وَمَضْمَضَ فَاهُ، ثُمَّ مَجَّ بِهِ، وَأَمَرَ أَنْ يُصَبَّ فِي البِئْرِ، وَنَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ، فَأَلْقَاهُ فِي البِئْرِ، وَدَعَا اللَّهَ تَعَالَى، فَفَارَتْ بِالمَاءِ، حَتَّى رَجَعُوا يَغْتَرِفُونَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْهَا (١).
* مُعْجِزَةٌ أُخْرَى لِلرَّسُولِ -ﷺ-:
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ (٢) فتَوَضَّأَ مِنْهَا، ثُمَّ أَقْبَلَ النَّاسُ نَحْوَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَالَكُمْ؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَيْسَ عِنْدَنَا مَاءٌ نَتَوَضَّأُ بِهِ وَلَا نَشْرَبُ إِلَّا مَا فِي رَكْوَتِكَ، قَالَ: فَوَضَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَدَهُ فِي الرَّكْوَةِ، فَجَعَلَ المَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ العُيُونِ.
قَالَ جَابِرٌ: فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا، فَقِيلَ لِجَابِرٍ: كَمْ كُنْتُمْ يَوْمَئِذٍ؟
قَالَ: لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةٍ (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ جَابِرٌ -﵁-: قَدْ رَأَيْتُنِي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- وَقَدْ حَضَرَتِ العَصْرُ، وَلَيْسَ مَعَنَا مَاءٌ غَيْرُ فَضْلَةٍ، فَجُعِلَ فِي إِنَاءٍ،
_________________
(١) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ١١٢).
(٢) الرَّكوة: بفتح الراء، إناء صغير من جِلْدٍ يُشْرَب فيه الماء. انظر النهاية (٢/ ٢٣٧).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية - رقم الحديث (٤١٥٢) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٥٢٢).
[ ٣ / ٢٩١ ]
فَأَتَى النَّبِيُّ -ﷺ- بِهِ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهِ وَفَرَّجَ أَصَابِعَهُ، ثُمَّ قَالَ: "حَيَّ عَلَى الوَضُوءِ البَرَكَةُ مِنَ اللَّهِ".
قَالَ جَابِرٌ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ المَاءَ يَتَفَجَّرُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ، فَتوَضَّأَ النَّاسُ وشَرِبُوا، فَجَعَلْتُ لَا آلُو (١) مَا جَعَلْتُ فِي بَطْنِي مِنْهُ فَعَلِمْتُ أَنَّهُ بَرَكَةٌ.
فَقِيلَ لِجَابِرٍ -﵁-: كَمْ كُنْتُمْ؟
قَالَ: أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ (٢).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَهَذِهِ القِصَّةُ غَيْرُ القِصَّةِ التِي رَوَاهَا البَرَاءُ بنُ عَازِبٍ ﵄، فَإِنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ فِي نَبْعِ المَاءِ كَانَ حِينَ حَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ عِنْدَ إِرَادَةِ الوُضُوءِ، وَحَدِيثُ البَرَاءِ كَانَ لِإِرَادَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ (٣).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
وَفِي هَذَا الفَصْلِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - مُعْجِزَاتٌ ظَاهِرَةٌ.
٢ - وَفِيهِ بَرَكَةُ سِلَاحِهِ -ﷺ- وَمَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ.
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١١/ ٢٣٨): لا آلو: أي لا أقَصِّر، والمراد أَنَّهُ جعل يَسْتَكْثِرُ من شربه من ذلك الماء لأجل البَرَكَةِ.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأشربة - باب شرب البركة والماء المبارك - رقم الحديث (٥٦٣٩).
(٣) انظر فتح الباري (٨/ ٢١٠).
[ ٣ / ٢٩٢ ]
٣ - وَقَدْ وَقَعَ نَبْعُ المَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ الشَّرِيفَةِ -ﷺ- فِي عِدَّةِ مَوَاطِنَ غَيْرِ هَذِهِ (١).
* نُزُولُ المَطَرِ وَالصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ (٢):
وَفِي الحُدَيْبِيَةِ أَصَابَ المُسْلِمِينَ مَطَرٌ، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُصلُّوا فِي رِحَالهِمْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ الحُدَيْبِيَةِ فَأَصَابَنَا مَطَرٌ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَصَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الصُّبْحَ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: "أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ ".
قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَقَالَ: "قَالَ اللَّهُ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ بِي، فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَبِرِزْقِ اللَّهِ وَبِفَضْلِ اللَّهِ فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَجْمِ كَذَا فَهُوَ مُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ كَافِرٌ بِي" (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي المَلِيْحِ
_________________
(١) انظر فتح الباري (٥/ ٦٨٥).
(٢) يُقال لِمَنْزِل الإنسان ومسكَنِهِ: رحْلُه، وانتهينا إلى رحالنا: أي منازلنا. انظر النهاية (٢/ ١٩١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية - رقم الحديث (٤١٤٧) - وأخرجه في كتاب الاستسقاء - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ - رقم الحديث (١٠٣٨).
[ ٣ / ٢٩٣ ]
-﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ (١) وَأَصَابَتْنَا سَمَاءٌ (٢)، لَمْ تَبُلَّ أَسَافِلَ نِعَالِنَا، فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: "أَنْ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ" (٣).
* وَسَاطَةُ بُدَيْلَ بنِ وَرْقَاءَ بَيْنَ الرَّسُولِ -ﷺ- وَقُرَيْشٍ:
وَلَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَنْزِلهِ أتَاهُ بدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ الخُزَاعِيُّ (٤) فِي رِجَالٍ مِنْ خُزَاعَةَ -وَكَانَتْ خُزَاعَةُ عَيْبَةَ (٥) نُصْحٍ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُسْلِمَهَا وَمُشْرِكَهَا لَا يُخْفُونَ عَنْهُ شَيْئًا كَانَ بِمَكَّةَ- فَقَالَ: إِنِّي تَرَكْتُ كَعْبَ بنَ لُؤَيٍّ وَعَامِرَ بنَ لُؤَيٍّ نَزَلُوا أعْدَادَ (٦) مِيَاهِ الحُدَيْبِيَةِ، وَمَعَهُمُ العُوْذُ المَطَافِيلُ (٧)، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ
_________________
(١) وفي رواية ابن ماجه: يوم الحديبية.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٣/ ٢١٩): أي مطر، وأطلق عليه سَمَاء لكونه ينزل من جهة السماء، وكل جهة علو تسمى سماء. في رواية الحاكم: وأصابهم مطر.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٧٠٧) - وابن ماجه - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها - باب الجماعة في الليلة المطيرة - رقم الحديث (٩٣٦) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الجمعة - باب الصلاة في الرحال - رقم الحديث (١١٢٤).
(٤) أسلَمَ بُدَيلُ بن وَرْقَاء -﵁- قبل الفتح، وقيل يوم الفتح، وكان من كِبَارِ مَسْلَمَةِ الفتح عمرًا وشهد مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ- حُنَين والطائف وتَبُوك. انظر الإصابة (١/ ٤٠٩).
(٥) العَيْبَة: موضعُ السِّرِّ والأمانة، أي صُدُورهم نقية من الغل والخِداع لرَسُول اللَّهِ -ﷺ-. انظر النهاية (٣/ ٢٩٥).
(٦) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٥/ ٦٨٦): الأَعْدَادُ: بالفتح جمعُ عِدٍّ بكسر العين وتشديد الدال، وهو الماء الذي لا انقطاع له، وقول بُديل هذا يشعر بأنه كان بالحديبية مِياه كثيرة، وأن قريشًا سبقوا إلى النزول عليها، فلهذا عَطِشَ المسلمون حيث نزلوا علي الثَّمد المذكور.
(٧) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٥/ ٦٨٦) العُوْذُ: بضم العين وسكون الواو: جمع عَائِذٍ وهي الناقة ذات اللبن، والمطافِيلُ: الأمهات اللاتي معها أطفالها، يريد أنهم خرجوا معهم بذوات =
[ ٣ / ٢٩٤ ]
وَصَادُّوكَ عَنِ البَيْتِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ، وَلَكِنَّا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ، وَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَكَتْهُمُ (١) الحَرْبُ وَأَضَرَّتْ بِهِمْ، فَإِنْ شَاؤُوا مَادَدْتُهُمْ مُدَّةً وَيُخَلُّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النَّاسِ، فَإِنْ أَظْهَرُ فَإِنْ شَاؤُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النَّاسُ فَعَلُوا، وَإِلَّا فَقَدْ جَمُّوا (٢)، وَإِنْ هُمْ أَبَوْا، فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنَّهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي، وَلَيُنْفِذَنَّ اللَّهُ أمْرَهُ".
فَقَالَ بدَيْلٌ: سَأُبَلِّغُهُمْ مَا تَقُولُ.
فَانْطَلَقَ بدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ، وَمَنْ مَعَهُ مِنْ خُزَاعَةَ حَتَّى أَتَوْا قُرَيْشًا فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّا جِئْنَاكُمْ مِنَ هَذَا الرَّجُلِ، وسَمِعْنَاهُ يَقُولُ قَوْلًا، فَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ نَعْرِضَهُ عَلَيْكُمْ فَعَلْنَا، فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ: لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُخْبِرُونَا عَنْهُ بِشَيْءٍ.
وَقَالَ ذَوُو الرَّأْي مِنْهُمْ: هَاتِ مَا سَمِعْتَهُ يَقُولُ: قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- (٣).
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ لَهُمْ بدَيْلُ بنُ وَرْقَاءَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! إِنَّكُمْ تَعْجَلُونَ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَإِنَّ مُحَمَّدًا لَمْ يَأْتِ لِقِتَالٍ، إِنَّمَا جَاءَ زَائِرًا لِهَذَا البَيْتِ، مُعَظِّمًا لِحَقِّهِ.
_________________
(١) = الألبان من الإبل ليتزودوا بألبانها ولا يرجعوا حتى يمنعوه.
(٢) نَهَكَتْهُم: أي أضْعَفَتْهم. انظر فتح الباري (٥/ ٦٨٦).
(٣) جَمُّوا: بفتح الجيم وتشديد الميم: أي استراحوا وكثروا. انظر النهاية (١/ ٢٩٠).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم الحديث (٢٧٣١) - (٢٧٣٢).
[ ٣ / ٢٩٥ ]
فَاتَّهَمُوهُمْ (١)، وَقَالُوا: وَإِنْ كَانَ إِنَّمَا جَاءَ لِذَلِكَ، فَلَا وَاللَّهِ لَا يَدْخُلُهَا أَبَدًا عَلَيْنَا عَنْوَةً (٢)، وَلَا تَتَحَدَّثُ بِذَلِكَ العَرَبُ (٣).
* رُسُلُ قُرَيْشٍ إِلَى الرَّسُولِ -ﷺ-:
* أَوَّلُهُمْ مِكْرَزُ (٤) بنُ حَفْصٍ:
ثُمَّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِكْرَزَ بنَ حَفْصٍ أَخَا عَامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُقْبِلًا قَالَ: "هَذَا رَجُلٌ فَاجِرٌ" (٥)، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَكَلَّمَهُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نَحْوًا مِمَّا قَالَ لِبُدَيْلٍ وَأَصْحَابِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ، فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.
* ثَانِيهِمْ الحِلْسُ (٦) بنُ عَلْقَمَةَ:
ثُمَّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الحِلْسَ بنَ عَلْقَمَةَ الكِنَانِيَّ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ سَيِّدُ الأَحَابِيشِ، فَلَمَّا رَآهُ الرَّسُولُ -ﷺ- قَالَ: "هَذَا مِنْ قَوْمٍ يُعَظِّمُونَ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٥/ ٦٨٧): أي اتهموا بديلًا والذين معه، لأنهم -أي قريش- كانوا يعرفون ميل خزاعة إلى النبي -ﷺ-.
(٢) عَنْوَة: أي قهرًا وغلبة. انظر النهاية (٣/ ٢٨٤).
(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠).
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٥/ ٦٩٢): مِكْرَز: بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الراء، وهذا هو المعتمد.
(٥) هذه رواية البخاري في صحيحه. وفي رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٤١) قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "غادر".
(٦) الحِلْس: بكسر الحاء وسكون اللام، وقيل الحُليس: مصغرًا. انظر فتح الباري (٥/ ٦٩٢).
[ ٣ / ٢٩٦ ]
البُدْنَ (١)، فَابْعَثُوهَا لَهُ" (٢)، فَبَعَثُوا الهَدْيَ، وَاسْتَقْبَلَهُ النَّاسُ يُلَبُّونَ، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءَ أَنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ.
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِعْظامًا لِمَا رَأَى، فَقَالَ لَهُمْ: رَأَيْتُ البُدْنَ قَدْ قُلِّدَتْ وَأُشْعِرَتْ، فَمَا أَرَى أَنْ يُصَدُّوا عَنِ البَيْتِ (٣). فَقَالُوا لَهُ: اجْلِسْ، فَإِنَّمَا أَنْتَ أَعْرَابِيٌّ لَا عِلْمَ لَكَ (٤).
فَغَضِبَ الحِلْسُ بنُ عَلْقَمَةَ، وَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! وَاللَّهِ مَا عَلَى هَذَا حَالَفْنَاكُمْ، وَلَا عَلَى هَذَا عَاقَدْنَاكُمْ، أَيُصَدُّ عَنْ بَيْتِ اللَّهِ مَنْ جَاءَ مُعَظِّمًا لَهُ، وَالذِي نَفْسُ الحِلْسِ بِيَدِهِ لَتُخَلُّنَّ بَيْنَ مُحَمَّدٍ وَبَيْنَ مَا جَاءَ لَهُ أَوْ لَأَنْفِرَنَّ (٥) بِالْأَحَابِيشِ نَفْرَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَقَالُوا لَهُ: مَهْ! كُفَّ عَنَّا يَا حِلْسُ حَتَّى نَأْخُذَ لِأَنْفُسِنَا مَا نَرْضَى بِهِ (٦).
* ثَالِثُهُمْ عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ:
فَقَامَ عِنْدَ ذَلِكَ عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ -﵁- وَكَانَ عَلَى الكُفْرِ في ذَلِكَ
_________________
(١) البُدْن: هي الإبل، سميت بَدَنَةً لعِظمها وسِمَنِها. انظر النهاية (١/ ١٠٨).
(٢) هذه رواية البخاري في صحيحه. وفي رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "هذا من قومٍ يتأَلَّهُون، فابعَثُوا الهديَ في وَجْهِهِ". التألُّه: التنسُّك والتعبد. انظر لسان العرب (١/ ١٩٠).
(٣) هذه رواية البخاري في صحيحه. وفي رواية أخرى في مسند الإمام أحمد - رقم الحديث (١٨٩١٠) قال: يا معشر قريش! قد رأيت ما لا يحل صده، الهدي في قلائده قد أُكل أوباره من طول الحبس عن مَحِلِّه.
(٤) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) - وإسناده حسن.
(٥) الاستنفار: الاستنجاد والاستنصار. انظر النهاية (٥/ ٧٩).
(٦) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣٤١) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨٩).
[ ٣ / ٢٩٧ ]
الوَقْتِ- فَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَا يَلْقَى مِنْكُمْ مَنْ تَبْعَثُونَ إِلَى مُحَمَّدٍ إِذَا جَاءَكُمْ مِنَ التَّعْنِيفِ وَسُوءِ اللَّفْظِ، وَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنَّكُمْ وَالِدٌ وَأَنِّي وَلَدٌ (١)، وَقَدْ سَمِعْتُ بِالذِي نَابَكُمْ (٢)، فَجَمَعْتُ مَنْ أطَاعَنِي مِنْ قَوْمِي، ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى آسَيْتُكُمْ بِنَفْسِي، قَالُوا: صَدَقْتَ، مَا أَنْتَ عِنْدَنَا بِمُتَّهَمٍ (٣).
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ عُرْوَةُ: فَإِنَّ هَذَا (٤) قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ اقْبَلُوهَا، ودَعُونِي آتِيهِ، قَالُوا: ائْتِهِ، فَخَرَجَ عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ عُرْوَةُ لِلرَّسُولِ -ﷺ-: يَا مُحَمَّدُ! أَجَمَعْتَ أَوْبَاشَ (٥) النَّاسِ، ثُمَّ جِئْتَ بِهِمْ لِبَيْضَتِكَ (٦) لِتَفُضَّهَا (٧)؟
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ عُرْوَةُ: أَيْ مُحَمَّدُ، أَرَأَيْتَ إِنِ اسْتَأْصَلْتَ أَمْرَ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٦٨٨): أي أنكم حيٌّ قد ولدوني في الجملة لكون أمي منكم، وأمه هي سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف.
(٢) النائبة: المصيبة. انظر لسان العرب (١٤/ ٣١٨).
(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) وإسناده حسن - وأصله في صحيح البخاري - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم الحديث (٢٧٣١) - (٢٧٣٢).
(٤) أي الرسول -ﷺ-.
(٥) هذه رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) وإسناده حسن - وفي رواية الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٢٧٣١) (٢٧٣٢): أشواب قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٦٨٩): الأوباشُ: الأخلاط من السَّفَلة. والأشواب: الأخلاط من أنواع شتى، فالأوباش أخصُّ من الأشواب.
(٦) بيضَةُ الرجل: أهلُهُ وعشِيرَته. انظر النهاية (١/ ١٦٩).
(٧) لتَفُضَّهَا: أي لتَكْسِرَها. انظر النهاية (٣/ ٤٠٦). وأخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) وإسناده حسن.
[ ٣ / ٢٩٨ ]
قَوْمِكَ، هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنَ العَرَبِ اجْتَاحَ (١) أهْلَهُ قَبْلَكَ (٢)؟
إِنَّهَا قُرَيْشٌ قَدْ خَرَجَتْ مَعَهَا العُوْذُ المَطَافِيلُ، قَدْ لَبِسُوا جُلُودَ النُّمُورِ، يُعَاهِدُونَ اللَّهَ أَنْ لَا تَدْخُلَهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً أَبَدًا، وَأَيْمُ اللَّهِ، لَكَأَنِّي بِهَؤُلَاءَ (٣) قَدِ انْكَشَفُوا عَنْكَ غَدًا (٤).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ عُرْوَةُ: فَإِنِّي وَاللَّهِ لَا أَرَى وُجُوهًا، وَإِنِّي لَأَرَى أَشْوَابًا مِنَ النَّاسِ خَلِيقًا (٥) أَنْ يَفِرُّوا وَيَدَعُوكَ (٦).
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁-، وَكَانَ جَالِسًا خَلْفَ الرَّسُولِ -ﷺ-: امْصُصْ بَظْرَ اللَّاتِ (٧)، أَنَحْنُ نَفِرُّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ؟ (٨).
_________________
(١) اجتاحَ: استأصله. انظر لسان العرب (٢/ ٤٠٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم الحديث (٢٧٣١) - (٢٧٣٢).
(٣) أي الصحابة ﵃ الذين مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ-.
(٤) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) وإسناده حسن.
(٥) خَليقًا: أي حريًا. انظر لسان العرب (٤/ ١٩٧).
(٦) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم الحديث (٢٧٣١) - (٢٧٣٢).
(٧) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٦٨٩): البَظْرُ: بفتح الباء وسكون الظاء: قطعَةٌ تبقى بعد الختان في فرج المرأة، واللَّات: اسم أحَدِ الأصنام التي كانت قُرَيش وثقيف يعبُدُونَها، وكانت عادةُ العرب الشَّتم بذلك لكن بلفظ الأم، فأراد أبو بكر -﵁- المبالغة في سَبِّ عروة بإقامة مَنْ كان يعبد مقام أُمِّه، وحمله علي ذلك ما أغضبه به من نسبة المسلمين إلى الفِرَار، وفيه جواز النُّطق بما يستبشع من الألفاظ لإرادة زَجْرِ من بَدَا منه ما يستحق به ذلك.
(٨) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم =
[ ٣ / ٢٩٩ ]
فَقَالَ عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟
قَالَ -ﷺ-: "هَذَا ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ"، قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا يَدٌ (١) كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ (٢) بِهَا لَأَجَبْتُكَ (٣).
ثُمَّ جَعَلَ عُرْوَةُ يَتَنَاوَلُ لِحْيَةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يُكَلِّمُهُ، وَالمُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ -﵁- وَاقِف عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَمَعَهُ السَّيْفُ وَعَلَيْهِ المِغْفَرُ (٤)، فَقَرَعَ يَدَ عُرْوَةَ بِنَعْلِ (٥) السَّيْفِ، ثُمَّ قَالَ: أَمْسِكْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَبْلَ وَاللَّهِ لَا تَصِلُ إِلَيْكَ.
فَقَالَ عُرْوَةُ لِلْمُغِيرَةِ: وَيْحَكَ، مَا أَفَظَّكَ وَأَغْلَظَكً! فتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَاَل لَهُ عُرْوَةُ: مَنْ هَذَا يَا مُحَمَّدُ؟
قَالَ -ﷺ-: "هَذَا ابْنُ أَخِيكَ المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ".
قَالَ عُرْوَةُ: أَيْ غُدَرُ (٦)، وَهَلْ غَسَلْتَ سَوْأَتَكَ إِلَّا بِالْأَمْسِ (٧).
_________________
(١) = الحديث (٢٧٣١) - (٢٧٣٢).
(٢) اليد أي نعمة. انظر فتح الباري (٥/ ٦٩١).
(٣) لم أجْزِكَ بها: أي لم أكَافِئْكَ بها. انظر فتح الباري (٥/ ٦٩١).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم الحديث (٢٧٣١) (٢٧٣٢) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠).
(٥) المِغْفَر: ما يلبسُه الدارع على رأسه. انظر النهاية (٣/ ٣٣٦).
(٦) نَعْلُ السيف: هي الحَدِيدَة التي تكون في أسفَلِ القِراب. انظر النهاية (٥/ ٧٠).
(٧) غُدَر: بضم الغين بوزن عُمَر، وهي كلمة تستخدم في المبالغة في وصفه بالغدر. انظر فتح الباري (٥/ ٦٩١).
(٨) هذه رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) وإسناده حسن.
[ ٣ / ٣٠٠ ]
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ عُرْوَةُ: أَلسْتُ أَسْعَى في غَدْرَتِكَ (١).
وَكَانَ المُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا في الجَاهِلِيَّةِ فَقتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ ثُمَّ جَاءَ فَأَسْلَمَ.
فَقَالَ لَهُ الرَّسُولُ -ﷺ-: "أَمَّا الإِسْلَامُ فَأَقْبِلُ، وَأَمَّا المَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ في شَيْءٍ" (٢).
ثُمَّ كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُرْوَةَ بِمِثْلِ مَا كَلَّمَ بِهِ أَصْحَابَهُ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْتِ يُرِيدُ حَرْبًا (٣).
* حُبٌّ لَا مَثِيلَ لَهُ:
ثُمَّ إِنَّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ (٤) أصْحَابَ النَّبِيِّ -ﷺ- بِعَيْنَيْهِ، فَمَا تَنَخَّمَ رَسُولُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٢٧٣١) - (٢٧٣٢).
(٢) ذكر ابن سعد في طبقاته (٤/ ٤٦١): أن المغيرة بن شعبة قبل إسلامه قَتَل ثلاثة عشر رجلًا من بني مالك من ثَقيف، كان وَفِدَ هو وإياهُمْ مِصْرَ علي المُقَوْقِسِ، فأحسَنَ إليهم وأعطاهم وقَصَّر بالمغيرة، فحصلت له الغيرة منهم، فلما كانوا بالطريق شَرِبُوا الخمر، فلما سَكِرُوا وناموا، وثَبَ عليهم المغيرة فقتلهم وأخَذَ أموالهم، ثم قدم المدينة وأسْلَمَ، فقال له الرسول -ﷺ-: أما الإسلام فأقْبَل، وأما المال فلستَ منه في شيء، وبلغ ذلك ثقيفًا فتهايَجَ الحَيَّان من ثقيف: بنو مالكٍ رهط المقتولين، والأحلاف رهْطُ المغيرة، فودى عُرْوَةُ المقتولين ثلاث عشرة دية وأصلح ذلك الأمر. فهذا معنى قول عروة بن مسعود: ألست أسعى في غدرتك.
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم الحديث (٢٧٣١) - (٢٧٣٢) والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠).
(٤) يَرْمُق: بضم الميم أي ينظر. انظر لسان العرب (٥/ ٣١٨).
[ ٣ / ٣٠١ ]
اللَّهِ -ﷺ- نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ في كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا (١) أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمُوا خَفَضُوا أصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ (٢) إِلَيْهِ النَّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ -ﷺ-.
فَرَجَعَ عُرْوَةُ إِلَى قُرَيْشٍ، فَقَالَ: أَيْ قَوْمِ، وَاللَّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ (٣) عَلَى المُلُوكِ، وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ وَكِسْرَى وَالنَّجَاشِيِّ (٤)، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ مُحَمَّدًا، وَاللَّهِ إِنْ يَتَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلَّا وَقَعَتْ في كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ، وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ، وَإِذَا تَكَلَّمُوا خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ، وَمَا يُحِدُّونَ النَّظَرَ إِلَيْهِ تَعْظِيمًا لَهُ، وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ قَوْمًا لَا يُسْلِمُونَهُ لِشَيْءٍ أَبَدًا، وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا، فَرَوْا رَأْيَكُمْ (٥).
_________________
(١) يُقال: ابتَدَر القوم أمرًا: أي سابق بعضهم بعضًا إليه. انظر لسان العرب (١/ ٣٤٠).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٥/ ٦٩١): يُحِدُّون: بضم الياء وكسر الحاء: أي يُديمون.
(٣) وفد عليه: إذا قَدِم عليه. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٥٣).
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٦٩١): ذكر الثلاثة لكونهم أعظم ملوك ذلك الزمان. وفي قِصَّة عروة بن مسعود من الفوائد: أ- ما يدُلُّ علي جودة عقله ويقظته. ب- وفيه ما كان عليه الصحابه من المبالغة في تعْظِيم النبي -ﷺ- وتوقِيرِه، ومراعاةِ أموره وردعِ من جَفَا عليه بقول أو فعل. ج - وفيه التبرُّك بآثاره -ﷺ-.
(٥) أخرج ذلك الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم الحديث (٢٧٣١) - (٢٧٣٢) وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠).
[ ٣ / ٣٠٢ ]
فَقَالُوا: نَرُدُّهُ عَنِ البَيْتِ في عَامِنَا هَذَا، ويَرْجعُ مِنْ قَابِلٍ، فَيَدْخُلُ مَكَّةَ وَيَطُوفُ بِالبَيْتِ (١).
* إِرْسَالُ الرَّسُولِ -ﷺ- حِرَاشَ بنَ أُمَيَّةَ -﵁- لِقُرَيْشٍ:
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَرَادَ أَنْ يُؤَكِّدَ لِقُرَيْشٍ هَدَفَهُ لِهَذِهِ الزِّيَارَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُرِيدُ القِتَالَ، فَبَعَثَ خِرَاشَ بنَ أُمَيَّةَ الخُزَاعِيَّ -﵁- عَلَى جَمَلٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ: "الثَّعْلَبُ"، فَلَمَّا دَخَلَ خِرَاشٌ -﵁- مَكَّةَ لِيُبَلِّغَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَقَرَتْ (٢) بِهِ قُرَيْشٌ، وَأَرَادُوا قَتَلَهُ، فَمَنَعَهُمُ الأَحَابِيشُ، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، وَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَخْبَرَهُ بِمَا لَقِيَ (٣).
* إِرْسَالُ الرَّسُولِ -ﷺ- عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ -﵁-:
ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ -﵁- لِيَبْعَثَهُ إِلَى مَكَّةَ، فَيُبَلِّغَ عَنْهُ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مَا جَاءَ لَهُ، فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَخَافُ قُرَيْشًا عَلَى نَفْسِي، وَلَيْسَ بِمَكَّةَ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بنِ كَعْبٍ أَحَدٌ يَمْنَعُنِي، وَقَدْ عَرَفَتْ قُرَيْشٌ عَدَاوَتِي إِيَّاهَا، وَغِلْظَتِي عَلَيْهَا، وَلَكِنْ أَدُلُّكَ عَلَى رَجُلٍ هُوَ أَعَزُّ مِنِّي، عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ.
فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ -﵁-، فَبَعَثَهُ إِلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٩٧).
(٢) عَقَرت به: إذا قتلت مركوبه وجعلته رَاجلًا. انظر النهاية (٣/ ٢٤٦).
(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) وإسناده حسن.
[ ٣ / ٣٠٣ ]
لَمْ يَأْتِ لِحَرْبٍ، وَأَنَّهُ جَاءَ زَائِرًا لِهَذَا الْبَيْتِ، مُعَظِّمًا لِحُرْمَتِهِ.
فَخَرَجَ عُثْمَانُ -﵁- حَتَّى أتَى مَكَّةَ، فَلَقِيَهُ أَبَانُ (١) بنُ سَعِيدِ بنِ العَاصِ، فنَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ، وَحَمَلَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَرَدِفَ خَلْفَهُ، وَأَجَارَهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالَةَ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَانْطَلَقَ عُثْمَانُ -﵁- حَتَّى أَتَى أَبَا سُفْيَانَ وَعُظَمَاءَ قُرَيْشٍ، فَبَلَّغَهُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ما أَرْسَلَهُ بِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ عُثْمَانُ -﵁- مِنْ تَبْلِيغِ رِسَالَةِ الرَّسُولِ -ﷺ- قَالُوا لَهُ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَطُوفَ بِالبَيْتِ، فَطُفْ بِهِ، فَقَالَ -﵁-: مَا كُنْتُ لِأَفْعَلَ حَتَّى يَطُوفَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (٢).
* إِشَاعَةُ مَقْتَلِ عُثْمَانَ -﵁- وَبَيْعَةُ الرِّضْوَانِ:
وَاحْتَبَسَتْ قُرَيْشٌ عُثْمَانَ -﵁- عِنْدَهَا -وَلَعَلَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَتَشَاوَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ في الوَضْعِ الرَّاهِنِ، وَيَرَوْا أَمْرَهُمْ، ثُمَّ يَرُدُّوا عُثْمَانَ بِجَوَابٍ إِلَى الرَّسُولِ -ﷺ- وَطَالَ الِاحْتِبَاسُ، فَشَاعَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ أَنَّ عُثْمَانَ قُتِلَ (٣)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ في لَمَّا بَلَغَتْهُ الإِشَاعَةُ: "لَا نَبْرَحُ (٤) حَتَّى نُنَاجِزَ (٥) القَوْمَ"، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) أسلم أبانُ بن سعيدٍ -﵁- بعد الحديبية.
(٢) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٧٧١) - وإسناده حسن.
(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) - وإسناده حسن - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٤٤).
(٤) لا نَبْرَحُ: أي لا نُفَارِق. انظر لسان العرب (١/ ٣٦١).
(٥) المُنَاجَزَة: المبارزة والمقاتلة. انظر لسان العرب (١٤/ ٥٣).
[ ٣ / ٣٠٤ ]
النَّاسَ إِلَى البَيْعَةِ، فَثَارَ الصَّحَابَةُ ﵃ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَبَايَعُوهُ (١).
* أَوَّلُ مَنْ بَايَعَ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسًا تَحْتَ شَجَرَةٍ، وَكَانَ يَقَعُ مِنْ أَغْصَانِ تِلْكَ الشَّجَرَةِ عَلَى ظَهْرِ الرَّسُولِ -ﷺ- (٢)، فَكَانَ مَعْقِلُ بنُ يَسَارٍ -﵁- رَافِعًا غُصْنًا مِنْ أَغْصَانِهَا عَنْ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٣)، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَبُو سِنَانٍ عَبْدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ الأَسَدِيُّ -﵁-، ثُمَّ تَتَابَعَ الصَّحَابَةُ ﵃ (٤).
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ بَايَعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ أَبُو سِنَانٍ الأَسَدِيُّ (٥).
* عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ ﵄ بَايَعَ قَبْلَ أَبِيهِ:
وَكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- يَسْتَعِدُّ لِلْقِتَالِ بِلُبْسِ لَأْمَتِهِ (٦)، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ، إِذْ رَأَى النَّاسَ مُحْدِقُونَ (٧) بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَرْسَلَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ -﵁-
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣٤٤) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٩٨) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ١٣٤).
(٢) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٨٠٠) وإسناده صحيح.
(٣) أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب استحباب مبايعة الإمام الجيش - رقم الحديث (١٨٥٨).
(٤) انظر الإصابة (٧/ ١٦٢) - سيرة ابن هشام (٣/ ٣٤٥).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٦٨٩).
(٦) اللَّأَمة: الدرع، وقيل: السلاح. انظر النهاية (٤/ ١٩١).
(٧) كل شيء استدار بشيءٍ وأحاط به، فقد أحدق به. انظر لسان العرب (٣/ ٨٧).
[ ٣ / ٣٠٥ ]
لِيَنْظُرَ مَا شَأْنُ النَّاسِ، فَذَهَبَ ابنُ عُمَرَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُبَايِعُ النَّاسَ، فَبَايَعَ ابنُ عُمَرَ ﵄ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ رَجَعَ وَأَخْبَرَ أَبَاهُ عُمَرَ -﵁-، فَذَهَبَ يُبَايِعُ.
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يتَحَدَّثُونَ أَنَّ ابنَ عُمَرَ -﵁- أَسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ -﵁-، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّ عُمَرَ -﵁- يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أَرْسَلَ عَبْدَ اللَّهِ -﵁- إِلَى فَرَسٍ لَهُ عِنْدَ رَجُل مِنَ الأَنْصَارِ يَأْتِي بِهِ لِيُقَاتِلَ عَلَيْهِ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُبَايِعُ عِنْدَ الشَّجَرَةِ، وَعُمَرُ -﵁- لَا يَدْرِي بِذَلِكَ، فَبَايَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى الفَرَسِ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى عُمَرَ، وَعُمَرُ يَسْتَلْئِمُ (١) لِلْقِتَالِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُبَايِعُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَانْطَلَقَ فَذَهَبَ مَعَهُ حَتَّى بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- (٢).
* سَلَمَةُ بنُ الأَكْوَعِ -﵁- بَايَعَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ:
وَبَايَعَ سَلَمَةُ بنُ الأَكْوَعِ -﵁- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، في أَوَّلِ النَّاسِ، وَوَسَطِهِمْ وَآخِرِهِمْ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الحَدِيثَ وَفِيهِ: . . . ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَعَانَا لِلْبَيْعَةِ في أَصْلِ الشَّجَرَةِ، قَالَ: فَبَايَعْتُهُ أَوَّلَ النَّاسِ، ثُمَّ بَايَعَ وَبَايَعَ، حَتَّى إِذَا كَانَ في وَسَطٍ مِنَ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٢٢٨) في يستَلْئِم: أي يلبس اللأمة وهي السلاح.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية - رقم الحديث (٤١٨٦) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦٦٠٤).
[ ٣ / ٣٠٦ ]
النَّاسِ قَالَ -ﷺ-: "بَايِعْ يَا سَلَمَةُ"! قُلْتُ: قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! في أَوَّلِ النَّاسِ، قَالَ -ﷺ- "وَأَيْضًا"، قَالَ: وَرَآنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَزْلًا -يَعْنِي لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ- قَالَ: فَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَجَفَةً (١) أَوْ دَرَقَةً (٢)، ثُمَّ بَايَعَ حَتَّى إِذَا كَانَ في آخِرِ النَّاسِ، قَالَ -ﷺ-: "أَلَا تُبَايِعُنِي يَا سَلَمَةُ! "، قُلْتُ قَدْ بَايَعْتُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ في أَوَّلِ النَّاسِ، وَفِي أَوْسَطِ النَّاسِ، قَالَ -ﷺ-: "وَأَيْضًا"، قَالَ: فَبَايَعْتُهُ الثَّالِثَةَ، ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا سَلَمَةُ! أَيْنَ حَجَفَتُكَ أَوْ دَرَقتُكَ التِي أَعْطَيْتُكَ؟ ".
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقِيَنِي عَمِّي عَامِرًا عَزِلًا، فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهَا، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ: "إِنَّكَ كَالذِي قَالَ الأَوَّلُ: اللَّهُمَّ! أَبْغِنِي حَبِيبًا هُوَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي" (٣).
قَالَ ابنُ بَطَّالٍ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الحَافِظُ في الفَتْحِ: أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُؤَكِّدَ بَيْعَةَ سَلَمَةَ -﵁- لِعِلْمِهِ بِشَجَاعَتِهِ وَعَنَائِهِ في الإِسْلَامِ، وشُهْرَتِهِ بِالثَّبَاتِ، فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِتَكْرِيرِ المُبَايَعَةِ لِيَكُونَ لَهُ في ذَلِكَ فَضِيلَةً (٤).
_________________
(١) الحَجَفة: بفتح الحاء الترس من الجلود خاصة. انظر النهاية (١/ ٣٣٣)، لسان العرب (٣/ ٦٣).
(٢) الدرقة: هي الجحفة، وهي ترس من جلود. انظر لسان العرب (٤/ ٣٣٣).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة ذي قرد وغيرها - رقم الحديث (١٨٠٧).
(٤) انظر فتح الباري (١٥/ ١١١).
[ ٣ / ٣٠٧ ]
وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَلَمَةُ -﵁- لَمَّا بَادَرَ إِلَى المُبايَعَةِ ثُمَّ قَعَدَ قَرِيبًا، وَاسْتَمَرَّ النَّاسُ يُبَايِعُونَ إِلَى أَنْ خَفُّوا، أَرَادَ الرَّسُولُ -ﷺ- مِنْهُ أَنْ يُبَايِعُ لِتَتَوَالَى المُبايَعَةُ مَعَهُ وَلَا يَقَعَ فِيهَا تَخَلُّلٌ؛ لِأَنَّ العَادَةَ في مَبْدَأ كُلِّ أَمْرٍ أَنْ يَكْثُرَ مَنْ يُبَاشِرُهُ فَيَتَوَالَى، فَإِذَا تَنَاهَى قَدْ يَقَعُ بَيْنَ مَنْ يَجِيءُ آخِرًا تَخَلُّلٌ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ اخْتِصَاصُ سَلَمَةَ -﵁- بِمَا ذُكِرَ، وَالوَاقِعُ أَنَّ الذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابنُ بَطَّالٍ مِنْ حَالِ سَلَمَةَ في الشَّجَاعَةِ وَغَيْرِهَا لَمْ يَكُنْ ظَهَرَ بَعْدُ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ في "غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ" (١)، حَيْثُ اسْتَعَادَ السَّرْحَ (٢) الذِي كَانَ المُشْرِكُونَ أغَارُوا عَلَيْهِ، وَكَانَ آخِرَ أَمْرِهِ أَنْ أَسْهَمَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- سَهْمَ الفَارِسِ وَالرَّاجِلِ، فَالأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: تَفَرَّسَ فِيهِ النَّبِيُّ -ﷺ- ذَلِكَ فَبَايَعَهُ مَرَّتَيْنِ (٣).
* بَيْعَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ عُثْمَانَ -﵁-:
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أخَذَ بِيَدِهِ اليُمْنَى وَقَالَ: "هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ"، فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ اليُسْرَى، وَقَالَ: "هَذِهِ لِعُثْمَانَ" (٤).
فَنَالَ عُثْمَانُ -﵁- بِذَلِكَ فَضْلَ البَيْعَةِ.
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ:
_________________
(١) ستأتي غزوة ذي قرد إن شاء اللَّه.
(٢) السَّرح: الماشية. انظر النهاية (٢/ ٣٢٢).
(٣) انظر فتح الباري (١٥/ ١١١).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب مناقب عثمان -﵁- رقم الحديث (٣٦٩٩).
[ ٣ / ٣٠٨ ]
لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِبَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، كَانَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ -﵁- رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ: فَبَايَعَ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ عُثْمَانَ في حَاجَةِ اللَّهِ وَحَاجَةِ رَسُولهِ"، فَضَرَبَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ عَلَى الأُخْرَى، فَكَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِعُثْمَانَ خَيْرًا مِنْ أَيْدِيهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ (١).
* عَلَامَ كَانَتِ البَيْعَةُ:
اخْتُلِفَ في عَلَامَ كَانَتِ البَيْعَةُ، فَقِيلَ: عَلَى المَوْتِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ يَزِيدَ بنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: قُلْتُ لِسَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ: عَلَى أَيِّ شَيْءٍ بَايَعْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ؟ قَالَ: عَلَى المَوْتِ (٢).
وَقِيلَ كَانَتْ عَلَى عَدَمِ الفِرَارِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَمْ نُبَايِعُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى المَوْتِ، إِنَّمَا بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ (٣).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ كَذَلِكَ في صَحِيحِهِ عَنْ مَعْقِلِ بنِ يَسَارٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ:
_________________
(١) أخرجه الترمذي في جامعة - كتاب المناقب - باب مناقب عثمان بن عفان -﵁- رقم الحديث (٤٠٣٥) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦٤٧٧) - وقال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية - رقم الحديث (٤١٦٩) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب استحباب مبايعة الإمام - رقم الحديث (١٨٦٠).
(٣) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب استحباب مبايعة الإمام - رقم الحديث (١٨٥٦) (٦٨).
[ ٣ / ٣٠٩ ]
لَمْ نُبَايِعْهُ -أَي الرَّسُولَ -ﷺ- عَلَى المَوْتِ، وَلَكِنْ بَايَعْنَاهُ عَلَى أَنْ لَا نَفِرَّ (١).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَحَاصِلُ الجَمْعِ أَنَّ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّ البَيْعَةَ كَانَتْ عَلَى المَوْتِ أَرَادَ لَازِمَهَا؛ لِأَنَّهُ إِذَا بَايَعَ عَلَى أَنْ لَا يَفِرَّ لَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَثْبُتَ، وَالذِي يَثْبُتُ إِمَّا أَنْ يَغْلِبَ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْسَرَ، وَالذِي يُؤْسَرُ إِمَّا أَنْ يَنْجُوَ وَإِمَّا أَنْ يَمُوتَ، وَلَمَّا كَانَ المَوْتُ لَا يُؤْمَنُ في مِثْلِ ذَلِكَ أَطْلَقَهُ الرَّاوِي، وَحَاصِلُهُ أَنَّ أَحَدَهُمَا حَكَى صُورَةَ البَيْعَةِ، وَالآخَرُ حَكَى مَا تَؤُولُ إِلَيْهِ (٢).
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: مَعْنَى كِلَا الحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ، قَدْ بَايَعَهُ قَوْمٌ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى المَوْتِ، وَبَايَعَهُ آخَرُونَ عَلَى أَنْ لَا يَفِرُّوا (٣).
* الكُلُّ بَايَعَ إِلَّا الجَدَّ (٤) بنَ قَيْسٍ:
وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ هَذِهِ البَيْعَةِ أَحَدٌ مِنَ المُسْلِمِينَ حَضَرَهَا، إِلَّا رَجُلٌ وَاحِدٌ هُوَ الجَدُّ بنُ قَيْسٍ وَكَانَ مُنَافِقًا، وَكَانَ لَهُ جَمَلٌ أَحْمَرُ، فَكَانَ يَخْتَبِئُ خَلْفَهُ خَشْيَةَ أَنْ يُدْعَى لِلْبَيْعَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ". . . وَكُلُّكُمْ مَغْفُورٌ لَهُ، إِلَّا صَاحِبَ الجَمَلِ الأَحْمَرِ"، فَأَتَيْنَاهُ فَقُلْنَا لَهُ: تَعَالَ يَسْتَغْفِرْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: وَاللَّهِ!
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب استحباب مبايعة الإمام - رقم الحديث (١٨٥٨).
(٢) انظر فتح الباري (٨/ ٢٢٠).
(٣) انظر جامع الترمذي (٣/ ٤١٦).
(٤) قَالَ الحَافِظ في الفَتْحِ (٥/ ٤٨٦): الجَدّ بفتح الجيم وتشديد الدال.
[ ٣ / ٣١٠ ]
لَأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِي صَاحِبُكُمْ، قَالَ: وَكَانَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً لَهُ (١).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: . . . فَبَايَعْنَاهُ -أَيْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- غَيْرَ جَدِّ بنِ قَيْسٍ الأَنْصَارِيِّ اخْتَبَأَ تَحْتَ بَطْنِ بَعِيرِهِ (٢).
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ مَنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ إِلَّا صَاحِبَ الجَمَلِ الأَحْمَرِ" (٣).
* نُبْذَةٌ عَنِ الجَدِّ بنِ قَيْسٍ:
وَالجَدُّ بنُ قَيْسٍ هَذَا مِنَ الأَنْصَارِ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ (٤) قَدْ سَادَ في الجَاهِلِيَّةِ جَمِيعَ بَنِي سَلِمَةَ، فَانتزَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْهُ السِّيَادَةَ، وَجَعَلَ مَكَانَهُ عَمْرَو بنَ الجَمُوحِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي سَلِمَةَ؟ ".
قُلْنَا: جَدُّ بنُ قَيْسٍ عَلَى أَنَّا نُبَخِّلُهُ، فَقَالَ -ﷺ-: "وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ البُخْلِ،
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - رقم الحديث (٢٨٨٠).
(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب استحباب مبايعة الإمام - رقم الحديث (١٨٥٦) (٦٩).
(٣) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب فيمن يسُبُّ أصحاب النبي -ﷺ- رقم الحديث (٤٢٠١) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦٧٤٠).
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٢/ ٣٥٦): سَلِمة بكسر اللام، وهم بطن كبير من الأنصار، ثم من الخزرج.
[ ٣ / ٣١١ ]
بَلْ سَيِّدُكُمْ عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ" (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي سَلِمَةَ؟ ".
قَالُوا: سَيِّدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ جَدُّ بنُ قَيْسٍ.
فَقَالَ -ﷺ-: "بِمَ سَوَّدْتُمُوهُ؟ ".
قَالُوا: بِأَنَّهُ أَكْثَرُنَا مَالًا، وَإِنَّا عَلَى ذَلِكَ لَنَزُنُّهُ (٢) بِالبُخْلِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ البُخْلِ؟، لَيْسَ ذَاكَ سَيِّدُكُمْ".
قَالُوا: فَمَنْ سَيِّدُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ .
قَالَ -ﷺ-: "سَيِّدُكُمْ بِشْرُ بنُ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ" (٣).
قُلْتُ: وَقَدْ جَمَعَ الحَافِظُ في الفَتْحِ بَيْنَ هَذَيْنِ الحَدِيثَيْنِ، فَحَمَلَ قِصَّةَ بِشْرِ بنِ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ ﵄ عَلَى أَنَّهَا بَعْدَ اسْتِشْهَادِ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ -﵁- في غَزْوَةِ أُحُدٍ (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (٢٩٦) - وانظر حاشية شرح مشكل الآثار (١٤/ ١٥٢).
(٢) لَنَزُنُّهُ: أي نتهمه. انظر النهاية (٢/ ٢٨٥).
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٥٣٨) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر مناقب بِشْرِ بن البراء بن معرور -﵁- رقم الحديث (٥٠١٨).
(٤) انظر فتح الباري (٥/ ٤٨٧).
[ ٣ / ٣١٢ ]
* فَضْلُ مَنْ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ:
جَاءَتْ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ في فَضْلِ مَنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ، وَالتِي عُرِفَتْ بِاسْمِ "بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ"؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ بِأَنَّهُ رَضِيَ عَنْ أَصْحَابِهَا فَمِنْهَا:
مَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ مِمَّنْ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ" (١).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ: "أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ" (٢).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: هَذَا صَرِيحٌ في فَضْلِ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ، فَقَدْ كَانَ مِنَ المُسْلِمِينَ إِذْ ذَاكَ جَمَاعَةٌ بِمَكَّةَ، وَبِالمَدِينَةِ، وَبِغَيْرِهِمَا (٣).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ عَبْدًا
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٧٧٨) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب ذكر البيان بأن شهود الحديبية إنما كان البيعة تحت الشجرة - رقم الحديث (٤٨٠٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية - رقم الحديث (٤١٥٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب استحباب مبايعة الإمام - رقم الحديث (١٨٥٦) (٧١).
(٣) انظر فتح الباري (٨/ ٢١١).
[ ٣ / ٣١٣ ]
لِحَاطِبِ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ -﵁- يَشْكُو حَاطِبًا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَيَدْخُلَنَّ حَاطِبٌ النَّارَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كَذَبْتَ لَا يَدْخُلُهَا، فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَالحُدَيْبِيَةَ" (١).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ مُبشِّرٍ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقُولُ عِنْدَ حَفْصَةَ ﵂: "لَا يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ أَحَدٌ الذِين بَايَعُوا تَحْتَهَا".
فَقَالَتْ حَفْصَةُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَانتهَرَهَا، فَقَالَتْ حَفْصَةُ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ (٢)، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "قَدْ قَالَ اللَّهُ ﷿: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ " (٣).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ". . . وَكُلُّكُمْ مَغْفُورٌ لَهُ، إِلَّا صَاحِبَ الجَمَلِ الأَحْمَرِ" (٤).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أهل بدر ﵃ - رقم الحديث (٢٤٩٥) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٤٨٤).
(٢) سورة مريم آية (٧١).
(٣) سورة مريم آية (٧٢) - والحديث أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أصحاب الشجرة - رقم الحديث (٢٤٩٦) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٣٦٢).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - رقم الحديث (٢٨٨٠).
[ ٣ / ٣١٤ ]
الخُدْرِيِّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ الحُدَيْبِيَةِ قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "لَا تُوقِدُوا نَارًا بِلَيْلٍ"، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: "أَوْقِدُوا، وَاصْطَنِعُوا (١)، فَإِنَّهُ لَا يُدْرِكُ قَوْمٌ بَعْدَكُمْ صَاعَكُمْ وَلَا مُدَّكُمْ" (٢).
فَهَذِهِ مَكَانَةُ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ الذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَحْتَهَا.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى في كِتَابِهِ الكَرِيمِ: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٣).
وَإِنَّنِي لَأُحَاوِلُ اليَوْمَ مِنْ وَرَاءَ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ عَامٍ أَنْ أَسْتَشْرِفَ تِلْكَ اللَّحْظَةَ القُدْسِيَّةَ التِي شَهِدَ فِيهَا الوُجُودُ كُلُّهُ ذَلِكَ التَّبْلِيغَ العُلْوِيَّ الكَرِيمَ مِنَ اللَّهِ العَلِيِّ العَظِيمِ إِلَى رَسُولهِ الأَمِينِ عَنْ جَمَاعَةِ المُؤْمِنِينَ. . . أُحَاوِلُ أَنْ أَسْتَشْرِفَ صَفْحَةَ الوُجُودِ في تِلْكَ اللَّحْظَةِ وَضَمِيرَهُ المَكْنُونَ، وَهُوَ يَتَجَاوَبُ جَمِيعُهُ بِالقَوْلِ الإِلَهِيِّ الكَرِيمِ، عَنْ أُولَئِكَ الرِّجَالِ القَائِمِينَ إِذْ ذَاكَ في بُقْعَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْ هَذَا الوُجُودِ. . . وَأُحَاوِلُ أَنْ أَسْتَشْعِرَ بِالذَّاتِ شَيْئًا مِنْ حَالِ أُولَئِكَ السُّعَدَاءَ الذِينَ يَسْمَعُونَ بِآذَانِهِمْ، أَنَّهُمْ هُمْ، بِأَشْخَاصِهِمْ وَأَعْيَانِهِمْ، يَقُولُ اللَّهُ عَنْهُمْ: لَقَدْ رَضِيَ
_________________
(١) واصطَنِعُوا: أي اتَّخِذُوا صَنِيعًا، يعني طعامًا تنفقونه في سبيل اللَّه. انظر النهاية (٣/ ٥٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٢٠٨) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب المغازي والسرايا - باب ذكر غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٣٩٢) - وأورده الحافظ في الفتح (٨/ ٢١١) وحسن إسناده.
(٣) سورة الفتح آية (١٨).
[ ٣ / ٣١٥ ]
عَنْهُمْ، وَيُحَدِّدُ المَكَانَ الذِي كَانُوا فِيهِ، وَالهَيْئَةَ التِي كَانُوا عَلَيْهَا حِينَ اسْتَحَقُّوا هَذَا الرِّضَى: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾. . . يَسْمَعُونَ هَذَا مِنْ نَبِيِّهِمُ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ -ﷺ- عَلَى لِسَانِ رَبِّهِ العَظِيمِ الجَلِيلِ.
يَاللَّهِ! كَيْفَ تَلَقَّوْا -أُولَئِكَ السُّعَدَاءُ- تِلْكَ اللَّحْظَةَ القُدْسِيَّةَ وَذَلِكَ التَّبْلِيغَ الإِلَهِيَّ؟ التَّبْلِيغَ الذِي يُشِيرُ إِلَى كُلِّ أَحَدٍ، في ذَاتِ نَفْسِهِ، وَيَقُولُ لَهُ: أَنْتَ. أَنْتَ بِذَاتِكَ. يُبَلِّغُكَ اللَّهُ. لَقَدْ رَضِيَ عَنْكَ. وَأَنْتَ تُبَايِعُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ! وَعَلِمَ مَا في نَفْسِكَ. فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْكَ (١).
* مَصِيرُ الشَّجَرَةِ:
أَمَّا الشَّجَرَةُ التِي تَمَّتِ الْبَيْعَةُ تَحْتَهَا فَقَدْ أَخْفَاهَا اللَّهُ ﷾ عَنِ النَّاسِ، فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا -وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ- عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ أَبِيهِ: أَنَّهُ كَانَ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَحْتَ الشَّجَرَةِ (٢)، فَقَالَ: انْطَلَقْنَا في قَابِلٍ (٣) حَاجِّينَ، فَخَفِيَ (٤) عَلَيْنَا مَكَانُهَا، فَإِنْ كَانَتْ بُيَّنَتْ لَكُمْ، فَأَنْتُمْ أَعْلَمُ (٥).
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن (٦/ ٣٣٢٦) لسيد قطب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(٢) زاد الإمام أحمد في مسنده: بيعة الرضوان.
(٣) أي في العام القادم. وفي رواية أخرى في صحيح البخاري، قال المسيب: فلما خرجنا من العام المقبل.
(٤) وفي رواية أخرى في صحيح البخاري، قال المسيب: نَسِينَاها. وفي رواية ثالثة عند الإمام أحمد في مسنده، قال: فَعَمي.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية - رقم الحديث =
[ ٣ / ٣١٦ ]
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: رَجَعْنَا مِنَ العَامِ المُقْبِلِ، فَمَا اجْتَمَعَ مِنَّا اثْنَانِ عَلَى الشَّجَرَةِ التِي بَايَعْنَا تَحْتَهَا، فَكَانَتْ رَحْمَةً مِنَ اللَّهِ (١).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَالحِكْمَةُ في إِخْفَائِهَا أَنْ لَا يَحْصُلَ بِهَا افْتِنَانٌ لِمَا وَقَعَ تَحْتَهَا مِنَ الخَيْرِ، فَلَوْ بَقِيَتْ لَمَا أُمِنَ تَعْظِيمُ بَعْضِ الجُهَّالِ لَهَا حَتَّى رُبَّمَا أَفْضَى بِهِمْ إِلَى اعْتِقَادِ أَنَّ لَهَا قُوَّةَ نَفْعٍ أَوْ ضُرٍّ كَمَا نراهُ الآنَ مُشَاهَدًا فِيمَا هُوَ دُونَهَا (٢).
* رِوَايَةُ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄:
وَجَاءَ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ مَا يُخَالِفُ مَا ثَبَتَ عَنِ المُسَيَّبِ بنِ حَزْنٍ وَالِدِ سَعِيدٍ، فَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيهِمَا عَنْهُ -﵁- أَّنَّهُ قَالَ: لَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ اليَوْمَ (٣) لَأَرَيْتُكُمْ مَكَانَ الشَّجَرَةِ (٤).
_________________
(١) = (٤١٦٣) - (٤١٦٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب استحباب مبايعة الإمام - رقم الحديث (١٨٥٩) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٦٧٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب البيعة في الحرب - رقم الحديث (٢٩٥٨).
(٣) انظر فتح الباري (٦/ ٢٢٠).
(٤) يعني أنَّه عَمِّي في آخر عمره -﵁-.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية - رقم الحديث (٤١٥٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب استحباب مبايعة الإمام - رقم الحديث (١٨٥٦) (٧١).
[ ٣ / ٣١٧ ]
قُلْتُ: لَعَلَّ جَابِرًا -﵁- إِنَّمَا قَالَ مَا قَالَ بِنَاءً عَلَى مَا كَانَ يَظُنُّهُ مِنْ مَوْضِعِ الشَّجَرَةِ، وَهَذِهِ الشَّجَرَةُ التِي تَوَهَّمَ النَّاسُ أَنَّهَا هِيَ التِي تَمَّتْ بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ تَحْتَهَا قَدْ أَمَرَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- في خِلَافَتِهِ بِقَطْعِهَا، فَقَدْ رَوَى ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صحِيحٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَأْتُونَ الشَّجَرَةَ التِي يُقَالُ لَهَا: شَجَرَةَ الرِّضْوَانِ التِي بُويِعَ تَحْتَهَا فيصَلُّونَ عِنْدَهَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ -﵁- فَأَوْعَدَهُمْ فِيهَا، وَأَمَرَ بِهَا فَقُطِعَتْ (١).
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الغَزَالِي: وَقَدْ قُطِعَتِ الشَّجَرَةُ وَنُسِيَ مَكَانُهَا، وَذَلِكَ خَيْرٌ، فَلَوْ بَقِيَتْ لَضُرِبَتْ عَلَيْهَا قُبَةٌ، وَشُدَّتْ إِلَيْهَا الرِّحَالُ، فَإِنَّ الرِّعَاعَ (٢) سِرَاعُ التَّعَلُّقِ بِالمَوَادِّ وَالآثَارِ التِي تَقْطَعُهُمْ عَنِ اللَّهِ (٣).
* رُجُوعُ عُثْمَانَ -﵁-:
وَلَمَّا تَمَّتِ البَيْعَةُ رَجَعَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ -﵁- إِلَى المُسْلِمِينَ.
* مَاذَا فَعَلَتْ قُرَيْشٌ لَمَّا عَلِمَتْ بِهَذِهِ البَيْعَةِ؟:
وَلَمَّا عَلِمَتْ قُرَيْشٌ بِهَذ البَيْعَةِ خَافُوا، وَرَغِبَ أَهْلُ الرَّأْي فِيهِمْ بِالصُّلْحِ، بَيْنَمَا رَأَى بَعْضُهُمُ اللُّجُوءَ إِلَى الحَرْبِ فَقَرَّرُوا أَنْ يَتَسَلَّلُوا لَيْلًا إِلَى مُعَسْكَرِ المُسْلِمِينَ، ويُحْدِثُوا أَحْدَاثًا تُشْعِلُ نَارَ الحَرْبِ، فَخَرَجَ ثَمَانُونَ رَجُلًا مِنْهُمْ
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٩٩) - وصحح إسناده الحافظ في الفتح (٨/ ٢١٨).
(٢) الرِّعَاعُ من الناس: بكسر الراء هم غَوْغَاءهم وسُقّاطهم. انظر النهاية (٢/ ٢١٤).
(٣) انظر فقه السيرة ص ٣٣٠ للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٣ / ٣١٨ ]
مُتَسَلِّحِينَ، فَهَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيمِ، وَحَاوَلُوا التَّسَلُّلَ إِلَى مُعَسْكَرِ المُسْلِمِينَ لِيُصِيبُوا مِنْهُمْ أَحَدًا، أَوْ يَجِدُوا مِنْهُمْ غِرَّةً (١)، غَيْرَ أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ مَسْلَمَةَ -﵁- قَائِدَ حَرَسِ المُسْلِمِينَ كَانَ مُتيَقِّظًا، فَأَسَرُوا الثَّمَانِينَ رَجُلًا جَمِيعًا (٢)، فَأَتَى بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَلْ جِئْتُمْ في عَهْدِ أَحَدٍ، أَوْ هَلْ جَعَلَ لَكُمْ أَحَدٌ أَمَانًا؟ ".
قَالُوا: لَا، فَخَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَبِيلَهُمْ وَعَفَا عَنْهُمْ جَمِيعًا، رَغْبَةً مِنْهُ -ﷺ- في الصُّلْحِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ لِقِتَالٍ، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (٣).
* كِتَابَةُ الصُّلْحِ وَبُنُودُهُ:
وَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ ذَلِكَ بَعَثَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سُهَيْلَ بنَ عَمْرٍو، وَمَعَهُ حُوَيْطِبُ بنُ عَبْدِ العُزَّى، وَمِكْرَزُ بنُ حَفْصٍ، وَقَالُوا لَهُ: ائْتِ مُحَمَّدًا فَصَالِحْهُ، وَلَا يَكُونُ في صُلْحِهِ إِلَّا أَنْ يَرْجعَ عَنَّا عَامَهُ هَذَا، فَوَاللَّهِ لَا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ عَنَّا،
_________________
(١) غِرَّة: بكسر الغين أي غفلة. انظر النهاية (٣/ ٣١٨).
(٢) في رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٨٠٠). قال عبدُ اللَّه بن مغفل المُزَني -﵁-: فثاروا في وجوهنا -أي هؤلاء الثمانون رجلًا من الكفار- فَدَعَا عليهم رَسُول اللَّهِ -﵁-، فأخذ اللَّه ﷿ بأبصارهم، فقدمنا إليهم، فأخذناهم.
(٣) سورة الفتح آية (٢٤) - والخبر أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة ذي قرد وغيرها - حيث رقم (١٨٠٨) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٢٢٧) (١٦٨٠٠) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٦٠).
[ ٣ / ٣١٩ ]
أَنَّهُ دَخَلَهَا عَلَيْنَا عَنْوَةً (١) أَبَدًا.
فَأَتَاهُ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "قَدْ سَهُلَ لَكُمْ أَمْرَكمْ، أَرَادَ القَوْمُ الصُّلْحَ حِينَ بَعَثُوا هَذَا الرَّجُلَ"، فَلَمَّا انْتَهَى سُهَيْلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- جَلَسَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَكَلَّمَا، وَأَطَالَا الكَلَامَ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا تَرَاجَعَا بِهِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لَهُ: "تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ البَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ".
فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَا تَتَحَدَّثُ العَرَبُ أنَّا أُخِذْنَا ضُغْطَةً (٢)، وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ، ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى شُرُوطِ الصُّلْحِ.
ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، لِيَكْتُبَ الكِتَابَ، فَقَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "اكْتُبْ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فَقَالَ سُهَيْل: أَمَّا "الرَّحْمَنُ"، فَوَاللَّهِ مَا أَدْرِي مَا هِيَ، وَلَكِنْ اكْتُبْ "بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ"، فَقَالَ المُسْلِمُونَ: وَاللَّهِ لَا نَكْتُبُهَا إِلَّا "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ"، فَقَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "اكْتُبْ بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ".
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَذَا مَا قَاضَى (٣) عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ سُهَيْلَ بنَ عَمْرٍو"، فَقَالَ سُهَيْلٌ: وَاللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ البَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاكَ (٤)، وَلَكِنْ اكْتُبِ اسْمَكَ وَاسْمَ. . . . .
_________________
(١) عَنْوَة: أي قهرًا. انظر النهاية (٣/ ٢٨٤).
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٦٩٤): ضُغْطة: بضم الضاد وسكون الغين: أي قهرًا.
(٣) في رواية أخرى في مسند الإمام أحمد - رقم الحديث (١٨٩١٠) قال: ما صالح.
(٤) في رواية الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٧٨٤) قال سهيل: لو علمنا أنك رَسُول اللَّهِ لاتَّبَعْنَاك.
[ ٣ / ٣٢٠ ]
أَبِيكَ (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَاللَّهِ إِنِّي لَرَسُولُ اللَّهِ وَإِنْ كَذَّبْتُمُوني"، ثُمَّ قَالَ -ﷺ- لِعَلِيٍّ: "امْحُهُ"، فَقَالَ عَلِيٌّ -﵁-: لَا وَاللَّهِ! لَا أَمْحَاهَا (٢).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَرِنِي مَكَانَهَا"، فَمَحَاهَا بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ -ﷺ- (٣)، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِعَلِيٍّ -﵁-: "أَمَا إِنَّ لَكَ مِثْلَهَا، سَتَأْتِيهَا وَأَنْتَ مُضْطَرٌّ" (٤).
وَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ -﵁- مِنْ كِتَابَةِ الشُّرُوطِ، أَشْهَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الكِتَابِ رِجَالًا مِنَ المُسْلِمِينَ وَهُمْ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وَعُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ، وَسَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ،
_________________
(١) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٢٧٣١) (٢٧٣٢) قال سهيل: ولكن اكتب محمد بن عبد اللَّه.
(٢) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٢٦٩٩) قال علي -﵁-: لا واللَّه لا أمحوك أبدًا. وفي رواية أخرى في سنن النسائي الكبرى - رقم الحديث (٨٥٢٣) قال علي -﵁-: هو واللَّه رَسُول اللَّهِ، وإن رغم أنفك، ولا واللَّه لا أمْحُهَا.
(٣) أخرج الحديث: البخاري في صحيحه - كتاب الصلح - باب كيف يكتب: هذا ما صالح فلان ابن فلان - رقم الحديث (٢٦٩٨) (٢٦٩٩) - وأخرجه في كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم الحديث (٢٧٣١) (٢٧٣٢) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب صلح الحديبية - رقم الحديث (١٧٨٣) (١٧٨٤) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) (١٨٩٢٨).
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٢٨٩): يشير -ﷺ- إلى ما وقع لعلي -﵁- يوم الحَكَمَيْنِ مع معاوية -﵁-، فكان كذلك. وأخرج ما وقع لعلي -﵁- يوم الحكمين مع معاوية -﵁- في مسنده الإمام أحمد - رقم الحديث (٦٥٦) وإسناده حسن. وأخرج هذه الرواية النسائي في السنن الكبرى - رقم الحديث (٨٥٢٣).
[ ٣ / ٣٢١ ]
وَمُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ ﵃ أَجْمَعِينَ. وَشَهِدَ مِنَ المُشْرِكِينَ: حُوَيْطِبُ بنُ عَبْدِ العُزَّى، وَمِكْرَزُ بنُ حَفْصٍ، وَكُتِبَتْ هَذِهِ الشُّرُوطَ عَلَى نُسْخَتَيْنِ، نُسْخَةٍ لِلرَّسُولِ -ﷺ-، ونُسْخَةٍ لِقُرَيْشٍ (١).
* بُنُودُ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ:
١ - يَرْجعُ مُحَمَّدٌ -ﷺ- عَامَهُ هَذَا، فَلَا يَدْخُلُ مَكَّةَ، وَإِذَا كَانَ العَامُ القَابِلُ دَخَلَهَا المُسْلِمُونَ، فَأَقَامُوا بِهَا ثَلَاثًا، مَعَهُمْ سِلَاحُ الرَّاكِبِ، وَهِيَ السُّيُوفُ في القُرُبِ (٢)، وَلَا تَتَعَرَّضُ قُرَيْشٌ لَهُمْ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الأَذَى (٣).
٢ - وَضْعُ الحَرْبِ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ عَشْرَ سِنِينَ، يَأْمَنُ فِيهِنَّ النَّاسُ، وَيَكُفُّ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ (٤).
٣ - مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ في عَقْدِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- وَعَهْدِهِ دَخَلَ فِيهِ، ومَنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْخُلَ في عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ دَخَلَ فِيهِ، وَتُعْتَبَرُ القَبِيلَةُ التِي تَنْضَمُّ إِلَى أَيِّ الفَرِيقَيْنِ جُزْءًا مِنْ ذَلِكَ الفَرِيقِ، فَأَيُّ عُدْوَانٍ تَتَعَرَّضُ لَهُ أَيٌّ مِنْ هَذِهِ
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٩٨) - سيرة ابن هشام (٣/ ٣٤٨).
(٢) القُرُب: بضم القاف جمع قِرَابٍ بكسر القاف: وهو غِمْدُ السَّيْفِ. انظر لسان العرب (١١/ ٨٦).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الصلح - باب كيف يكتب: هذا ما صالح فلانًا بن فلان - رقم الحديث (٢٦٩٩) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب صلح الحديبية - رقم الحديث (١٧٨٣) (٩٢) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠).
(٤) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) وإسناده حسن.
[ ٣ / ٣٢٢ ]
القَبَائِلِ يُعْتَبَرُ عُدْوَانًا عَلَى ذَلِكَ الفَرِيقِ.
فتَوَاثَبَتْ خُزَاعَةُ، فَقَالُوا: نَحْنُ مَعَ عَقْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَعَهْدِهِ، وَتَوَاثَبَتْ بَنُو بَكْرٍ، فَقَالُوا: نَحْنُ في عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ (١).
٤ - مَنْ أتَى مُحَمَّدًا -ﷺ- مِنْ أَصْحَابِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ وَليِّهِ رَدَّهُ عَلَيْهِمْ، وَمَنْ أَتَى قُرَيْشًا مِمَّنْ مَعَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- لَمْ يَرُدَّهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ هَذَا أَشَدَّ شَرْطٍ عَلَى المُسْلِمِينَ (٢).
٥ - أَنَّ بَيْنَنَا -أَيْ بَيْنَ الفَرِيقَيْنِ- عَيْبَةٌ مَكْفُوفَةٌ (٣)، وأَنَّهُ لَا إِسْلَالَ (٤)، وَلَا إِغْلَالَ (٥).
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) وإسناده حسن.
(٢) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) وإسناده حسن. وفي رواية أخرى في صحيح مسلم - رقم الحديث (١٧٨٤): من حديث أنس -﵁- قال: فاشترطوا علي النبي -ﷺ- أن من جاء منكم -أي من المسلمين- لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا -أي من الكفار- رددتموه علينا.
(٣) أي بينهم صدرٌ نَقِيٌّ من الغِلِّ والخِداع، مطويٌّ علي الوفاء بالصُّلح، والمكفوفة: المُشرجة المشدودة. وقيل: أراد أن بينهم موادعة ومكافّة عن الحرب، تجريان مجرى المودة التي تكون بين المتصافين الذين يثق بعضهم إلى بعض. انظر النهاية (٣/ ٢٩٥).
(٤) الإسلال: السرقة. انظر النهاية (٢/ ٣٥٢).
(٥) الإغلال: الخِيَانَة. انظر النهاية (٣/ ٣٤١). وأخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) - وأبو داود في سننه - رقم الحديث (٢٧٦٦) وإسناده حسن.
[ ٣ / ٣٢٣ ]
* رَدُّ أَبِي جَنْدَلٍ -﵁-:
وَبَيْنَمَا الكِتَابُ يُكْتَبُ إِذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بنِ سُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ (١) في قُيُودِهِ مُتَوَشِّحًا (٢) سَيْفَهُ، وَقَدْ خَرَجَ مِنْ أسْفلِ مَكَّةَ حَتَّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ أَظْهُرِ المُسْلِمِينَ، فَلَمَّا رَأَى سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو ابْنَهُ أَبَا جَنْدَلٍ قَامَ إِلَيْهِ فَضَرَبَ وَجْهَهُ وَأَخَذَ بِتَلْبِيبِهِ (٣)، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَذَا أَوَّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدَّهُ إِلَيَّ.
فَقَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "إنَّا لَمْ نَقْضِ الكِتَابَ بَعْدُ"، فَقَالَ سُهَيْل: فَوَاللَّهِ إِذًا لَمْ أُصَالِحْكَ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لم -ﷺ-: "فَأَجِزْهُ لِي" (٤)، قَالَ: مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَكَ، فَقَالَ -ﷺ-: "بَلَى فَافْعَلْ"، قَالَ سُهَيْلٌ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، فَقَالَ مِكْرَزٌ: بَلَى قَدْ أَجَزْنَاهُ لَكَ (٥).
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ قَالَ سُهَيْل لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَمَا جَاءَ أَبُو جَنْدَلٍ يَرْسُفُ في قيُودِهِ-: يَا مُحَمَّدُ! قَدْ لَجَّتِ (٦) القَضِيَّةُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيكَ هَذَا.
_________________
(١) الرسْفُ والرَّسيف: مَشْيُ المقّيد إذا جاء يتحامل برجله مع القيد. انظر النهاية (٢/ ٢٠٢).
(٢) تَوَشَّح بسيفه: أي لبسه. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٠٦).
(٣) يقال: أخذت بتلبيب فلانٍ: إذا جمعتُ عليه ثوبه الَّذي هو لابسه عند صدره ثم جَرَرْتُه. انظر النهاية (١/ ١٨٩).
(٤) أجِزْهُ لي: أعْطِهِ لي. انظر النهاية (١/ ٣٠٣).
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم الحديث (٢٧٣١) (٢٧٣٢).
(٦) لَجّت: بفتح اللام وتشديد الجيم: أي وجبت. انظر النهاية (٤/ ٢٠١).
[ ٣ / ٣٢٤ ]
فَقَالَ -ﷺ-: "صَدَقْتَ"، فَقَامَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو إِلَى ابْنِهِ أَبِي جَنْدَلٍ، فَأَخَذَهُ بِتَلْبِيبِهِ، وَيَجُرُّهُ لِيَرُدَّهُ إِلَى قُرَيْشٍ (١).
وَأَخَذَ أَبُو جَنْدَلٍ -﵁- يَصْرَخُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ، أُرَدُّ إِلَى المُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا؟ أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ لَقِيتُ؟ وَكَانَ -﵁- قَدْ عُذِّبَ عَذَابًا شَدِيدًا في اللَّهِ (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، قَالَ أَبُو جَنْدَلٍ -﵁-: يَا مَعَاشِرَ المُسْلِمِينَ، أَتَرُدُّونَنِي إِلَى أَهْلِ الشِّرْكِ، فَيَفْتِنُونِي في دِينِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا أَبَا جَنْدَلٍ، اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّهَ ﷿ جَاعِلٌ لَكَ وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، إِنَّا قَدْ عَقَدْنَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ القَوْمِ صُلْحًا، فَأَعْطَيْنَاهُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَعْطَوْنَا عَلَيْهِ عَهْدًا، وَإِنَّا لَنْ نَغْدِرَ بِهِمْ" (٣).
* مَوْقِفُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- مِنْ أَبِي جَنْدَلٍ -﵁-:
فَهُنَا وَثَبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- إِلَى أَبِي جَنْدَلٍ -﵁- وَجَعَلَ يَمْشِي إِلَى
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) وإسناده حسن. قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٦٩٥): وفي هذا الموقف أن الاعتبار في العقود بالقولِ ولو تأخَّرت الكتابة والإشهاد، ولأجل ذلك أمضى النبي -ﷺ- لسُهَيْل الأمر في رَدِّ ابنه إليه، وكان النبي -ﷺ- تلطّف معه بقوله: "لم نقض الكتاب بعد"، رجاء أن يُجيبه لذلك ولا يُنكره بقيّة قريش لكونه ولده، فلما أصَرَّ سهيل على الامتناع تركه له.
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم الحديث (٢٧٣١) (٢٧٣٢).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) وإسناده حسن.
[ ٣ / ٣٢٥ ]
جَنْبِهِ وَيَقُولُ لَهُ: اصْبِرْ يَا أبَا جَنْدَلٍ، فَإِنَّمَا هُمُ المُشْرِكُونَ، وَإِنَّمَا دَمُ أَحَدِهِمْ دَمُ كَلْبٍ، وَيُدْنِي قَائِمَ السَّيْفِ (١) مِنْهُ، يَقُولُ عُمَرُ -﵁-: رَجَوْتُ أَنْ يَأْخُذَ السَّيْفَ فَيَضْرِبَ بِهِ أَبَاهُ، فَضَنَّ (٢) الرَّجُلُ بِأَبِيهِ، وَنَفَدَتِ القَضِيَّةُ (٣).
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ (٤)، وَلَوْ أَسْتَطِيعُ أَنْ أَرُدَّ أَمْرَ النَّبِيِّ -ﷺﷺ- لَرَدَدْتُهُ (٥).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: ذَكَرَ سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ -﵁- مَا وَقَعَ لَهُمْ بِالحُدَيْبِيَةِ، وَأَنَّهُمْ رَأَوْا يَوْمَئِذٍ أَنْ يَسْتَمِرُّوا عَلَى القِتَالِ وَيُخَالِفُوا مَا دُعُوا إِلَيْهِ مِنَ الصُّلْحِ، ثُمَّ ظَهَرَ أَنَّ الأَصْلَحَ هُوَ الذِي كَانَ شَرَعَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِيهِ (٦).
* حُزْنُ المُسْلِمِينَ مِنْ شرُوطِ الصُّلْحِ وَمَوْقِفُ عُمَرَ -﵁-:
وَلَمْ يَكُنْ أَحَد مِنَ المُسْلِمِينَ رَاضِيًا عَلَى هَذَا الصُّلْحِ، إِلَّا أَبُو بَكْرٍ
_________________
(١) قائِمُ السيف: مِقْبَضُه. انظر لسان العرب (١١/ ٣٥٨).
(٢) فَضَنَّ: أي بَخِلَ. انظر لسان العرب (٨/ ٩٤).
(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) وإسناده حسن.
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٤٢٠): أراد يومَ الحديبية، وإنما نسَبَهُ لأبي جندل، لأنه لم يكن فيه على المسلمين أشَدّ من قصته.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجزية والموادعة - باب (١٨) - رقم الحديث (٣١٨١) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية - رقم الحديث (٤١٨٩) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب صلح الحديبية - رقم الحديث (١٧٨٥) (٩٥).
(٦) انظر فتح الباري (٩/ ٥٦٤).
[ ٣ / ٣٢٦ ]
الصِّدِّيقُ -﵁-، وَغَلَبَ عَلَيْهِمُ الحُزْنُ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا خَرَجُوا مِنَ المَدِينَةِ وَهُمْ لَا يَشُكُّونَ في دُخُولهِمْ مَكَّةَ، وَطَوَافِهِمْ بِالبَيْتِ لِلرُّؤْيَا التِي رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا رَأَوْا مِنَ الصُّلْحِ وَالرُّجُوعِ، وَعَدَمِ العُمْرَةِ هَذَا العَامِ، دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ أَمْرٌ عَظِيمٌ حَتَّى كَادُوا يَهْلَكُونَ، وَخُصُوصًا الشَّرْطُ الذِي يَقُولُ: مَنْ جَاءَ مِنْ قُرَيْشٍ مُسْلِمًا يُرَدُّ إِلَى المُشْرِكِينَ.
وَكَانَ أَشَدَّ المُسْلِمِينَ اسْتِيَاءً وَحُزْنًا مِنْ هَذَا الصُّلْحِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-، فَإِنَّهُ لَمَّا الْتَأَمَ الأَمْرُ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الكِتَابُ، ذَهَبَ عُمَر -﵁- إِلَى الرَّسُولِ -ﷺ- وَقَالَ لَهُ: أَلسْتَ نَبِيَّ اللَّهِ حَقًّا؟
قَالَ: "بَلَى".
قَالَ عُمَرُ: أَلسْنَا عَلَى الحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ (١)؟
قَالَ -ﷺ-: "بَلَى"
فَقَالَ عُمَرُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ (٢) في دِينِنَا إِذًا؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ وَلَسْتُ أَعْصِيهِ، وَهُوَ نَاصِرِي" (٣)
فَقَالَ عُمَرُ: أَوَلَيْسَ كُنْتَ تُحَدِّثُنَا أَّنا سَنَأْتِي البَيْتَ فَنَطُوفُ بِهِ؟
_________________
(١) زاد البخاري - رقم الحديث (٣١٨٢) - ومسلم - رقم الحديث (١٧٨٥) (٩٥) - في صحيحيهما: قال عُمَرُ: أليس قتلَانا في الجنَّة وقَتْلَاهم في النار؟ .
(٢) الدَّنِيَّة: بفتح الدال وكسر النون وتشديد الياء أي الخصلة المذمومة. انظر النهاية (٢/ ١٢٨).
(٣) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣١٨٢) قال رسول -ﷺ- لعمر: "يا ابن الخطاب إني رَسُول اللَّهِ، ولن يُضَيِّعَنِي اللَّه أبدًا".
[ ٣ / ٣٢٧ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بَلَى، فَأَخْبَرْتُكَ أَنَّا نَأْتِيهِ العَامَ"؟
قَالَ عُمَرُ: لَا.
فَقَالَ -ﷺ-: "فَإِنَّكَ آتِيهِ وَمُطَوِّفٌ بِهِ".
قَالَ عُمَرُ: فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ: يَا أَبَا بَكْرٍ، أَوَلَيْسَ هَذَا نَبِيُّ اللَّهِ حَقًّا؟
قَالَ: بَلَى.
فَقَالَ عُمَرُ: أَلسْنَا عَلَى الحَقِّ وَعَدُوُّنَا عَلَى البَاطِلِ؟
قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى.
فَقَالَ عُمَرُ: فَلِمَ نُعْطِي الدَّنِيَّةَ في دِينِنَا إِذًا؟
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: أَيُّهَا الرَّجُلُ، إِنَّهُ لَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَيْسَ يَعْصِي رَبَّهُ، وَهُوَ نَاصِرُهُ، فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ (١) فَوَاللَّهِ إِنَّهُ عَلَى الحَقِّ.
فَقَالَ عُمَرُ: أَليْسَ كَانَ يُحَدِّثُنَا أنَّا سَنَأْتِي البَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ؟
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلَى، أَفَأَخْبَرَكَ أَنَّكَ تَأْتِيهِ العَامَ؟
قَالَ عُمَرُ: لَا.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: فَإِنَّكَ آتِيهَ وَمُطَوِّفٌ بِهِ (٢).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٦٩٧): الغَرْزُ: بفتح الغين وسكون الراء، والمراد به التمسُّك بأمره -ﷺ- وترك المخالفة له.
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم =
[ ٣ / ٣٢٨ ]
قُلْتُ: هَكَذَا وَقَعَ في الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عُمَرَ -﵁- أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَوَّلًا ثُمَّ أَتَى بَعْدَهُ أَبَا بَكْرٍ -﵁-، وَوَقَعَ في مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ (١) بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّ عُمَرَ -﵁- أتَى أَبَا بَكْرٍ -﵁- أَوَّلًا، ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَهُ، وَهَذَا هُوَ الأَوْلَى، ويُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ المَحْفُوظَ، فَإِنَّهُ لَا يُظَنُّ بِعُمَرَ -﵁- أَنْ يَقُولَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَوْلًا فَلَا يَرْضَى بِهِ، حَتَّى يَأْتِيَ أبَا بَكْرٍ -﵁- بَعْدَ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَلَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ، أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى عُمَرَ -﵁- فَقَرَأَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَتْحٌ هُوَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ"، فَطَابَتْ نَفْسُ عُمَرَ -﵁- (٢).
_________________
(١) = الحديث (٢٧٣١) (٢٧٣٢) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب صلح الحديبية - رقم الحديث (١٧٨٥) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) (١٨٩٢٨). فَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٦٩٧): لم يذكر عمر -﵁- أنَّه راجَعَ أحدًا في ذلك بعد رسول اللَّه -ﷺ- غير أبي بكر الصديق -﵁-، وذلك لجلالةِ قدره وسعةِ علمه عنده، وفي جواب أبي بكر -﵁- لِعُمَرَ بنظيرِ ما أجابه النبي -ﷺ- سواء دلالة على أنَّه كان أكمل الصحابة وأعرفهم بأحوال رسول اللَّه -ﷺ-، وأعلمهم بأمور الدين وأشدَّهم موافقة لأمر اللَّه تَعَالَى، وقد وَقَعَ التصريح في هذا الحديث بأن المسلمين استنَكُروا الصُّلْحَ المذكور، وكانوا على رأي عمر -﵁- في ذلك، وظهر من هذا الفَصْلُ أن الصديق -﵁- لم يكن في ذلك موافقًا لهم، بل كان قلبه علي قلب رَسُول اللَّهِ -ﷺ- سواء.
(٢) رقم الحديث (١٨٩١٠).
(٣) أخرج ذلك الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الجزية والموادعة - باب (١٨) - رقم الحديث (٣١٨٢) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب صلح الحديبية - رقم الحديث (١٧٨٥).
[ ٣ / ٣٢٩ ]
فَكَانَ عُمَرُ -﵁- يَقُولُ: مَا زِلْتُ أَصُومُ وَأَتَصَدَّقُ وَأُصَلِّي وَأُعْتِقُ مِنَ الذِي صَنَعْتُ، مَخَافَةَ كَلَامِي الذِي تَكَلَّمْتُ بِهِ يَوْمَئِذٍ حَتَّى رَجَوْتُ أَنْ يَكُونَ خَيْرًا (١).
* تَحَلُّلُ الرَّسُولِ مِنَ الإِحْرَامِ وَأَمْرُهُ المُسْلِمِينَ بِذَلِكَ:
وَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ قَضِيَّةِ الكِتَابِ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "قُومُوا، فَانْحَرُوا ثُمَّ احْلِقُوا"، فَمَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ، حَتَّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَلَمَّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ دَخَلَ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنَ النَّاسِ.
قَالَتْ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ اخْرُجْ، ثُمَّ لَا تُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتَّى تَنْحَرَ بُدْنَكَ، وَتَدْعُوَ حَالِقَكَ، فَيَحْلِقَكَ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَلَمْ يُكَلِّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ، نَحَرَ بُدْنَهُ، وَدَعَا حَالِقَهُ خِرَاشَ بنَ أُمَيَّةَ -﵁- (٢) فَحَلَقَ رَأْسَهُ الشَّريفَةَ، فَلَمَّا رَأَوْا ذَلكَ قَامُوا فنَحَرُوا، وَجَعَلَ بَعْضُهْمُ يَحْلقُ بَعْضًا حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمًّا (٣).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي هَذَا المَوْقِفِ مِنَ الفَوَائِدِ:
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٠) وإسناده حسن.
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١/ ٣٦٨): والصحيح أن خِراش بن أمية كان الحَالِق لرسول -ﷺ- بالحديبية.
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم الحديث (٢٧٣١) (٢٧٣٢) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩٢٨).
[ ٣ / ٣٣٠ ]
١ - فَضْلُ المَشُورَةِ.
٢ - وَأَنَّ الفِعْلَ إِذَا انْضَمَّ إِلَى القَوْلِ كَانَ أَبْلَغَ مِنَ القَوْلِ المُجَرَّدِ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الفِعْلَ مُطْلَقًا أَبْلَغُ مِنَ القَوْلِ.
٣ - وَفِيهِ جَوَازُ مُشَاوَرَةِ المَرْأَةِ الفَاضِلَةِ.
٤ - وَفِيهِ فَضْلُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ وَوُفُورُ عَقْلِهَا، حَتَّى قَالَ إِمَامُ الحَرَمَيْنِ: لَا نَعْلَمُ امْرَأَةً أَشَارَتْ بِرَأْيٍ فَأَصَابَتْ إِلَّا أُمَّ سَلَمَةَ، كَذَا قَالَ، وَقَدِ اسْتَدْرَكَ بَعْضُهُمْ عَلَيْهِ بِنْتَ شُعَيْبٍ -﵇- في أَمْرِ مُوسَى -﵇- (١).
* الدُّعَاءُ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَالمُقَصِّرِينَ مَرَّةً:
ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا، وَللْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: حَلَقَ رِجَالٌ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ، وَقَصَّرَ آخَرُوَن، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَرْحَمُ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالمُقَصِّرِينَ، قَالَ: "يَرْحَمُ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَالمُقَصِّرِينَ، قَالَ: "يَرْحَمُ اللَّهُ المُحَلِّقِينَ"، قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ وَالمُقَصِّرِينَ؟، قَالَ -ﷺ-: "وَالمُقَصِّرِينَ"، قَالُوا: فَمَا بَالُ المُحَلِّقِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ظَاهَرْتَ لَهُمُ التَّرَحُّمَ؟
_________________
(١) انظر فتح الباري (٥/ ٦٩٩).
[ ٣ / ٣٣١ ]
قَالَ: "لَمْ يَشُكُّوا" (١).
قَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَكَانَ في هَذَا الحَدِيثِ تَفْضِيلُ المُحَلِّقِينَ عَلَى المُقَصِّرِينَ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا، فَكَانَ في ذَلِكَ إِثْبَاتُ الشَّكِّ عَلَى المُقَصِّرِينَ، فَقَالَ قَائِلٌ: وَمَا كَانَ شَكُّ المُقَصِّرِينَ في ذَلِكَ؟
لِأَنَهُ كَانَ في قُلُوبِهِمْ أَنَّهُمْ رَأَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَلَقَ في غَيْرِ مَوْضِعِ الحَلْقِ الذِي كَانُوا يَعْلَمُونَ الحَلْقَ فِيهِ، وَيَقِفُونَ عَلَيْهِ مِنْ شَرِيعَتِهِ، وَقَدْ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونَ اقْتِدَاؤُهُمْ وَاتِّبَاعُهُمْ لَهُ -ﷺ- فِيمَا رَأَوْهُ يَفْعَلُهُ أَوْثَقَ فِي قُلُوبِهِمْ مِمَّا تَقَدَّمَ عِلْمُهُمْ لَهُ مِنْهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَكَانُوا بِذَلِكَ مُقَصِّرِينَ في الوَاجِبِ لَهُ عَلَيْهِمْ -ﷺ- في ذَلِكَ، وَكَانَ الحَالِقُونَ فَاعِلِينَ لِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنِ امْتِثَالِ فِعْلِهِ -ﷺ-، وَتَرْكِ التَّخَلُّفِ عَنِ القُدْوَةِ بِهِ، فَفَضَلُوا بِذَلِكَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ مِثْلِهِ، لَا لِفَضْلٍ في الحَلْقِ عَلَى التَّقْصِيرِ (٢).
* نَحْرُ الهَدْيِ:
ثُمَّ نَحَرَ الصَّحَابَةُ ﵃ الهَدْيَ، فكَانَتِ البَدَنَةُ (٣) عَنْ سَبْعَةٍ، وَالبَقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ الحُدَيْبِيَةِ البَدَنَةَ عَنْ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٣١١) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٣٦٤).
(٢) انظر شرح مشكل الآثار (٣/ ٣٩٣).
(٣) البَدَنَة: الناقة سميت بدنه لعظمها وسمنها. انظر النهاية (١/ ١٠٨).
[ ٣ / ٣٣٢ ]
سَبْعَةٍ، وَالبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ (١).
* نُزُولُ آيَةِ الفِدْيَةِ:
وَفِي عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ أنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ الفِدْيَةِ في شَأْنِ كَعْبِ بنِ عُجُرَةَ -﵁-، وَذَلِكَ بِسَبَبِ هَوَامِّ رَأْسِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ -وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ- عَنْ كَعْبِ بنِ عُجُرَةَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالحُدَيْبِيَةِ ونَحْنُ مُحْرِمُونَ، وَقَدْ حَصَرَنَا المُشْرِكُونَ، وَكَانَتْ لِي وَفْرَةٌ (٢)، فَجَعَلَتِ الهَوَامُّ تَسَّاقَطُ عَلَى وَجْهِي (٣)، فَمَرَّ بِيَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَالَ: "أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ" (٤)؟
قُلْتُ: نَعَمْ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ، قَالَ كَعْبٌ -﵁-: وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ (٥) فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: "صُمْ ثَلَاثَ أَيَّامٍ، أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ (٦) بَيْنَ سِتَّةٍ مَسَاكِينَ، أَوْ انْسُكْ (٧) مَا تيَسَّرَ" (٨).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب الاشتراك في الهدى - رقم الحديث (١٣١٨).
(٢) الوَفْرَة: شعر الرأس إذا وصل إلى شَحْمَةِ الأذن. انظر النهاية (٥/ ١٨٢).
(٣) في رواية أخرى قال -﵁-: والقمْلُ يتَنَاثَرُ علي وجهي.
(٤) في رواية أخرى قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لكعب: "ما كنت أرى الجهد بلغ بك ما أرى".
(٥) سورة البقرة - آية (١٩٦).
(٦) الفَرَقَ: بالتحريك: مكيال معروف، يسع ثلاثة آصع عند أهل الحجاز. انظر النهاية (٣/ ٣٩١).
(٧) النَّسِيكَة: الذبيحة، وجمعها: نُسُك. انظر النهاية (٥/ ٤١).
(٨) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المحصر - باب الإطعام في الفدية نصف صاع =
[ ٣ / ٣٣٣ ]
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَنِ احْتَاجَ إِلَى حَلْقِ الرَّأْسِ لِضَرَرٍ مِنْ قَمْلٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فَلَهُ حَلْقُهُ في الإِحْرَامِ وَعَلَيْهِ الفِدْيَةُ. . . وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الصِّيَامِ ثَلَاثَ أَيَّامٍ، أَوِ الصَّدَقَةِ ثَلَاثَ آصُعٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ، أَوِ النُّسُكُ وَهِيَ شَاهٌ تُجْزِئُ في الأُضْحِيَةِ (١).
* رُجُوعُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى الَمَدِينَةِ وَنُزُولُ سُورَةِ الفَتحِ:
ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ، بَعْدَ أَنْ أَقَامَ بِالحُدَيْبِيَةِ نَحْوَ عِشْرِينَ يَوْمًا (٢)، فَلَمَّا وَصَلَ الرَّسُولُ -ﷺ- إِلَى كُرَاعِ الغَمِيمِ (٣) بَيْنَ مَكَّةَ وَالمَدِينَةَ، وَقِيلَ: بِضَجْنَانَ (٤)، نَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الفَتْحِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا
_________________
(١) = رقم الحديث (١٨١٦) - وباب النسك شاة - رقم الحديث (١٨١٧) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى - رقم الحديث (١٢٠١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨١٠١).
(٢) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٨/ ٩٨).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٩٨).
(٤) كُرَاع الغميم: بضم الكاف، وهو موضع بين مكة والمدنية. انظر النهاية (٤/ ١٤٣).
(٥) ضَجْنَان: بفتح الضاد وسكون الجيم هو موضع، وقيل: اسم جبل بين مكة والمدنية. انظر النهاية (٣/ ٦٩) - فتح الباري (٩/ ٥٥٧).
[ ٣ / ٣٣٤ ]
وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (١).
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الحُدَيْبِيَةِ. . . وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ اشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَعَرَفْنَا ذَاكَ فِيهِ، قَالَ: فتَنَحَّى مُنْتَبِذًا (٢) خَلْفَنَا، فَجَعَلَ يُغَطِّي رَأْسَهُ بِثَوْبِهِ، وَيَشْتَدُّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، حَتَّى عَرَفْنَا أَنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَتَانَا، فَأَخْبَرَنَا أَنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (٣).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَرْجِعَهُ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ (٤)، وَأَصْحَابُهُ يُخَالِطُونَ الحُزْنَ وَالكَآبَةَ، قَدْ حِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ نُسُكِهِمْ (٥)، وَنَحَرُوا الهَدْيَ بِالحُدَيْبِيَةِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "لقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ آيَةٌ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الدُّنْيَا جَمِيعًا" (٦)، فَقَرَأَهَا نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْهِمْ،
_________________
(١) سورة الفتح آية (١ - ٥).
(٢) يقال: انْتَبَذَ فلان: أي ذهب ناحية. انظر لسان العرب (١٤/ ١٧).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٤٢١).
(٤) سورة الفتح آية (١).
(٥) النُّسُك: الطاعة والعبادة، وكل ما تُقُرب به إلى اللَّه تَعَالَى، والمقصود بها في هذا الحديث العمرة. انظر النهاية (٥/ ٤١).
(٦) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٩/ ٥٥٧): لما فيها من الإشارة بالمغفرة والفتح. وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٨٣٣) قال -ﷺ-: "لَهِيَ أحب إليّ مما طَلَعَت عليه الشمس".
[ ٣ / ٣٣٥ ]
فَقَالَ رَجُل مِنَ القَوْمِ: هَنِيئًا مَرِيئًا يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ﷿ لَنَا مَا يَفْعَلُ بِكَ، فَمَاذَا يَفْعَلُ بِنَا؟
فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ (١).
فَبَيَّنَ اللَّهُ ﷿ مَا يَفْعَلُ بِنَبِيِّهِ -ﷺ-، وَمَاذَا يَفْعَلُ بِهِمْ (٢).
* قِرَاءَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- سُورَةَ الفَتْحِ عَلَى عُمَرَ -﵁-:
فَلَمَّا نَزَلَتْ سُورَةُ الفَتْحِ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- وَقَرَأَهَا عَلَيْهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: . . . فنَزَلَ القُرْآنُ (٣) عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالفَتْحِ، فَأَرْسَلَ إِلَى عُمَرَ فَأَقْرَأَهُ إِيَّاهُ.
فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوَفَتْحٌ هُوَ؟
فَقَالَ -ﷺ-: "نَعَمْ"، فَطَابَتْ نَفْسُهُ -﵁- وَرَجَعَ (٤).
_________________
(١) سورة الفتح آية (٥).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب صلح الحديبية - رقم الحديث (١٧٨٦) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٣٧٤) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٠٥٥).
(٣) في رواية الإمام البخاري في صحيحه قال -﵁-: فنزلت سورة الفتح.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجزية والموادعة - باب رقم (١٨) - رقم الحديث (٣١٨٢) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب صلح الحديبية - رقم الحديث (١٧٨٥).
[ ٣ / ٣٣٦ ]
* الحُدَيْبِيَةُ أَعْظَمُ فَتْحٍ في الإِسْلَامِ:
قَالَ ابنُ القَيِّمِ: فَصْلٌ في الإِشَارَةِ إِلَى بَعْضَ الحِكَمِ التِي تَضَمَّنَتْهَا هَذِهِ الهُدْنَةُ، وَهِيَ أَكْبَرُ وَأَجَلُّ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى الذِي أَحْكَمَ أَسْبَابَهَا، فَوَقَعَتْ الغَايَةُ عَلَى الوَجْهِ الذِي اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وحَمْدُهُ (١).
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، قَالَ: الحُدَيْبِيَةُ (٢).
وَقَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ: أَجْمَعَ النَّاسُ أَنَّ الفَتْحَ المَذْكُورَ في الآيَةِ التِي تَلَوْنَاهَا (٣) هُوَ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الحُدَيْبِيَةِ مِنَ الصُّلْحِ الذِي كَانَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَبَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ مَا كَانَ سَبَبًا لِفَتْحِهَا (٤).
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: تَعُدُّونَ أَنْتُمْ الفَتْحَ فَتْحَ مَكَّةَ، وَقَدْ كَانَ فَتْحُ مَكَّةَ فَتْحًا، وَنَحْنُ نَعُدُّ الفَتْحَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ (٥).
_________________
(١) انظر زاد المعاد (٣/ ٢٧٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية - رقم الحديث (٤١٧٢) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٠/ ٢٣٣).
(٣) هي قوله تَعَالَى في سورة الفتح: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾.
(٤) انظر شرح مشكل الآثار (١٤/ ٤٧٧).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الحديبية - رقم الحديث (٤١٥٠) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٤/ ٤٧٢) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٨٩٠٤).
[ ٣ / ٣٣٧ ]
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَالمُرَادُ بِالفَتْحِ في هَذِهِ الآيَةِ هُوَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، فَإِنَّهُ حَصَلَ بِسَبَبِهِ خَيْرٌ جَزِيلٌ، وَآمَنَ النَّاسُ وَاجْتَمَعَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، وَتَكَلَّمَ المُؤْمِنُ مَعَ الكَافِرِ، وَانْتَشَرَ العِلْمُ النَّافِعُ وَالإِيمَانُ (١).
وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: المُرَادُ بِالفَتْحِ هُنَا الحُدَيْبِيَةُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَبْدَأَ الفَتْحِ المُبِينِ عَلَى المُسْلِمِينَ، لِمَا تَرَتَّبَ عَلَى الصُّلْحِ الذِي وَقَعَ مِنْهُ الأَمْنُ، وَرَفْعُ الحَرْبِ، وَتَمَكُّنُ مَنْ يَخْشَى الدُّخُولَ في الإِسْلَامِ، وَالوُصُولَ إِلَى المَدِينَةِ مِنْ ذَلِكَ كَمَا وَقَعَ لِخَالِدِ بنِ الوَليدِ وَعَمْرِو بنِ العَاصِ ﵄ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ تَبِعَتِ الأَسْبَابُ بَعْضُهَا بَعْضًا إِلَى أَنْ كَمُلَ الفَتْحُ، وَقَدْ ذَكَرَ ابنُ إِسْحَاقَ (٢) في المَغَازِي عَنِ الزُّهْرِيِّ قَوْلَهُ: لَمْ يَكُنْ في الإِسْلَامِ فَتْحٌ قَبْلَ فَتْحِ الحُدَيْبِيَةِ أَعْظَمَ مِنْهُ.
وَأَمَّا قَوْلَهُ تَعَالَى في سُورَةِ الفَتْحِ: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (٣)، فَالمُرَادُ بِهَا فتحُ خَيْبَرَ عَلَى الصَّحِيحِ؛ لِأَنَّهَا هِيَ التِي وَقَعَتْ فِيهَا المَغَانِمُ الكَثِيرَةُ لِلْمُسْلِمِينَ، وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، قَالَ: صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، وَغُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ، وتَبَايَعُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَأُطْعِمُوا نَخِيلَ خَيْبَرَ، وَظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى الفُرْسِ (٤)، وَفَرِحَ المُسْلِمُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ.
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (٧/ ٣٢٨).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣٥١).
(٣) سورة الفتح آية (١٨).
(٤) أخرج قِصَّة انتِصَارِ الروم على الفُرس: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٩٥) وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
وَأَمَّا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (١)، فَالمُرَادُ الحُدَيْبِيَةُ، وَأَمَّا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ (٢)، وَقَوْلُه -ﷺ-: "لَا هِجَرْةَ بَعْدَ الفَتْحِ" (٣)، فَالمُرَادُ بِهِ فتحُ مَكَّةَ بِاتِّفَاقٍ، فَبِهَذَا يَرْتَفِعُ الإِشْكَالُ، وَتُجْمَعُ الأَقْوَالُ بِعَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى (٤).
قُلْتُ: وَتُعَدُّ الحُدَيْبِيَةُ فَتْحًا لِلْآتِي:
١ - قَالَ ابنُ هِشَامٍ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الحُدَيْبِيَةِ في أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ رَجُلٍ، ثُمَّ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ خَرَجَ مَعَهُ -ﷺ- عَشَرَةُ آلَافٍ (٥).
٢ - الأَمْرُ الآخَرُ أَنَّ بِصُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ اسْتَطَاعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَتَفَرَّغَ لِعَدُوِّهِ اللَّدُودِ يَهُودِ خَيْبَرَ، وَلَوْلَا الحُدَيْبِيَةُ لَسَاعَدَتْ قُرَيْشٌ يَهُودَ خَيْبَرَ بِالسِّلَاحِ وَالمَالِ، فَحَيَّدَ هَذَا الصُّلْحُ قُرَيْشًا عَنْ مُسَاعَدَتِهَا يَهُودَ خَيْبَرَ.
* أَحْداثٌ جَرَتْ في الطَّرِيقِ إِلَى المَدِينَةِ:
أَكْمَلَ الرَّسُولُ -ﷺ- طَرِيقَهُ رَاجِعًا إِلَى المَدِينَةِ، وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْضُ الأَحْدَاثِ مِنْهَا:
_________________
(١) سورة الفتح آية (٢٧).
(٢) سورة النصر آية (١).
(٣) هذا الحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب فضل الجهاد والسير - رقم الحديث (٢٧٨٣) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب تحريم مكة وصيدها - رقم الحديث (١٣٥٣).
(٤) انظر كلام الحافظ في الفتح (٨/ ٢٠٩).
(٥) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣٥١).
[ ٣ / ٣٣٩ ]
* فَوَاتُ صَلَاةِ الفَجْرِ:
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَد بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنَ الحُدَيْبِيَةِ لَيْلًا، فنَزَلْنَا دَهَاسًا (١) مِنَ الأَرْضِ، فَقَالَ -ﷺ-. "مَنْ يَكْلَؤُنَا؟ " (٢)، فَقَالَ بِلَالٌ (٣): أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- "إِذًا تَنَامُ"، قَالَ بِلَالٌ: لَا، فنَامَ -﵁- حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، فَاسْتَيْقَظَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، فِيهِمْ عُمَرُ -﵁-، فَقَالَ: أَهْضِبُوا (٤)، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ -ﷺ- فقَالَ: "افْعَلُوا كَمَا كنْتُمْ تَفْعَلُونَ"، فَلَمَّا فَعَلُوا، قَالَ -ﷺ-: "هَكَذَا فَافْعَلُوا، لِمَنْ نَامَ مِنْكُمْ، أَوْ نَسِيَ" (٥).
* فُقْدَانُ نَاقَةِ الرَّسُولِ -ﷺ-:
وَفِي طَرِيقِ عَوْدَةِ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنَ الحُدَيْبِيَةِ إِلَى المَدِينَةِ ضَلَّتْ نَاقَةُ الرَّسُولِ -ﷺ-، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ في مُسْنَدَيْهِمَا بِسَنَدٍ
_________________
(١) الدَّهَاسُ والدّهس: ما سَهُلَ ولَان من الأرض، ولم يبلغ أن يكون رَمْلًا. انظر النهاية (٢/ ١٣٤).
(٢) الكَلَاءَةُ: الحفظ والحراسة. انظر النهاية (٤/ ١٦٩).
(٣) جاء في رواية أخرى في المسند - رقم الحديث (٣٧١٠) أن الذي حرسهم عبد اللَّه بن مسعود -﵁-، وهي رواية ضعيفة، والصواب أن الذي حرسهم هو بلال بن رباح -﵁-.
(٤) أهْضِبُوا: أي تكَلَّموا وامضوا، يقال: هَضَبَ في الحديث وأهْضَبَ: إذا انْدَفَعَ فيه، كرِهُوا أن يوقظوه، فأرادوا أن يستيقظ بكلامهم. انظر النهاية (٥/ ٢٢٩).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٦٥٧) (٤٤٢١) - وأخرجه أبو داود في سننه - كتاب الصلاة - باب من نام عن الصلاة أو نسيها - رقم الحديث (٤٤٧) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٣٢٥١).
[ ٣ / ٣٤٠ ]
حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الحُدَيْبِيَةِ. . . وَضَلَّتْ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَطَلَبْتُهَا، فَوَجَدْتُ حَبْلَهَا (١) قَدْ تَعَلَّقَ بِشَجَرَةٍ، فَجِئْتُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَرَكِبَ مَسْرُورًا -ﷺ- (٢).
* أَمْرُ المُهَاجِرَاتِ بَعْدَ الصُّلْحِ:
وَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ وَاسْتَقَرَّ بِهَا، جَاءَ إِلَيْهِ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ مُهَاجِرَاتٌ، وَكَانَتْ أُمُّ كُلْثُومَ بِنْتُ عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ أَوَّلَ مَنْ خَرَجَ إِلَيْهِ في تِلْكَ المُدَّةِ، وَكَانَتْ عَاتِقًا (٣)، فَخَرَجَ في إِثْرِهَا أَخَوَاهَا عُمَارَةُ وَالوَلِيدُ ابْنَا عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ، فَقَالَا: يَا مُحَمَّدُ! أَوْفِ لَنَا بِمَا عَاهَدْتَنَا عَلَيْهِ (٤).
فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَلِكَ، وَلَمْ يُدْخِلِ النِّسَاءَ في ذَلِكَ الشَّرْطِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في ذَلِكَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ (٥) لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ
_________________
(١) في رواية الطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٣٧٥) قال ابن مسعود -﵁-: خِطامها. وخِطام البعير: هو أن يُؤخذ حبلٌ من لِيفٍ أو شَعْرٍ فيُجعل في أحد طَرَفَيْهِ حلقةً ثم يُشَدُّ فيه الطرف الآخر حَتَّى يصير كالحلقة، ثم يُقاد البعير. انظر النهاية (٢/ ٤٨).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٤٢١) - وأخرجه الطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٣٧٥) - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب السير - باب نزول الدهاس من الأرض - رقم الحديث (٨٨٠٢).
(٣) العَاتِقُ: هي الشابة أوَّل ما تدرك. انظر النهاية (٣/ ١٦٢).
(٤) يُشيرون إلى البند الذي في عقد الصلح، والذي يقول: وعلى أنه لا يأتيك -أي يا محمد -ﷺ- منا رجل، وإن كان على دينك إلا رَدَدْتَه علينا.
(٥) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (٨/ ٩٢): وهذه الآية مُخَصَّصة للسنة، وهذا من أحسن =
[ ٣ / ٣٤١ ]
يَحِلُّونَ لَهُنَّ (١) وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ (٢) الْكَوَافِرِ (٣) وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٤).
وَقَدْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ ﵂ طَرِيقَةَ امْتِحَانِ النِّسَاءِ المُؤْمِنَاتِ المُهَاجِرَاتِ، فَقَدْ أَخْرَجَ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَمْتَحِنُهُنَّ بِهَذِهِ الآيَةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ. . .﴾ إلى قوله تَعَالَى: ﴿. . . غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٥) قَالَتْ عَائشَةُ ﵂: فَمَنْ أَقَرَّ بِهَذَا الشَّرْط منْهُنَّ قَالَ لَهَا
_________________
(١) = أمثلة ذلك، وعلى طريقة بعض السلف ناسِخَة، فإن اللَّه ﷿، أمر عِبَاده المؤمنين إذا جاءهم النساء مُهَاجِرَات أن يمتحنوهن، فإن عَلِمُوهُنَّ مؤمنات فلا يرجعوهن إلى الكفار، لا هُنّ حِلٌّ لهم ولاهم يحلون لهن.
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (٨/ ٩٣): هذه الآية هي التي حَرَّمت المسلمات علي المشركين.
(٣) قال الإمام القرطبي في تفسيره (٢٠/ ٤١٦): العِصَم: جمع العِصْمَة: وهو ما اعتصم به، والمراد بالعصمة هنا النكاح يقول: من كانت له امرأة كافرة بمكة فلا يَعْتَدّ بها، فليست له امرأةً، فقد انقطعت عصمتها، لاختلاف الدارين، ولذلك طلق عمر -﵁- حينئذ امرأتين كما سيأتي.
(٤) قال الإمام القرطبي في تفسيره (٢٠/ ٤١٨): المراد بالكَوَافِر هنا: عبَدَة الأوثان، من لا يجوزُ ابتداءً نِكَاحها، فهي خاصة بالكوافر من غير أهل الكتاب.
(٥) سورة الممتحنة آية (١٠) - والخبر أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب ما يجوز من الشروط في الإسلام - رقم الحديث (٢٧١١) (٢٧١٢).
(٦) سورة الممتحنة الآيات (١٠ - ١٢).
[ ٣ / ٣٤٢ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قَدْ بَايَعْتُكِ"، كَلَامًا يُكَلِّمُهَا بِهِ، وَاللَّهِ مَا مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ في المُبايَعَةِ، وَمَا بَايَعَهُنَّ إِلَّا بِقَوْلهِ (١).
فَهَذِهِ الآيَةُ اسْتَثْنَتِ المُهَاجِرَاتِ المُسْلِمَاتِ مِنْ شَرْطِ الرَّدِّ إِلَى الكُفَّارِ، فَرَجَعَ عُمَارَةُ وَالوَليدُ ابْنَا عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ إِلَى مَكَّةَ وَأَخْبَرَا قُرَيْشًا بِذَلِكَ.
* نُبْذَةٌ عَنْ أُمِّ كُلْثُومَ بِنْتِ عُقْبَةَ ﵂:
وَكَانَتْ أُمّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ ﵂ مِمَّنْ أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَبَايَعَتْ.
قَالَ ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ هِيَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ (٢) مِنَ النِّسَاءَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ، وَلَمْ نَعْلَمُ قُرَشِيَّةً خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ أَبَوَيْهَا مُسْلِمَةً مُهَاجِرَةً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ -ﷺ- إِلَّا أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةَ، خَرَجَتْ مِنْ مَكَّةَ وَحْدَهَا، حَتَّى قَدِمَتِ المَدِينَةَ في الهُدْنَةِ هُدْنَةِ الحُدَيْبِيَةِ (٣).
* تَطْلِيقُ الصَّحَابَةِ زَوْجَاتِهِمُ الكَافِرَاتِ:
وَطَلَّقَ الصَّحَابَةُ ﵃ زَوْجَاتِهِمُ الكَافِرَاتِ بِهَذَا الحُكْمِ، وَهُوَ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ (٤)، فَطَلَّقَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- يَوْمَئِدٍ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب ما يجوز من الشروط في الإسلام - رقم الحديث (٢٧١٣).
(٢) المقصود بأوَّليتها في الهجرة هِجْرَتها وحْدَها ﵂.
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٨/ ٣٦٥).
(٤) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (٨/ ٩٤): هذا تحريم من اللَّه ﷿ علي عباده المؤمنين نِكَاح المشركات والاستِمْرَارَ معهن.
[ ٣ / ٣٤٣ ]
امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ في الشِّرْكِ، فتَزَوَّجَ إِحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ بنُ أَبِي سُفْيَانَ -﵁-، وَهِيَ: قُرَيْبَةُ (١) بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بنِ المُغِيرَةِ أُخْتُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَالأُخْرَى تَزَوَّجَهَا صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ (٢) وَهِيَ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ جَرْوَلٍ (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: . . . كَانَتْ أُمُّ الحَكَمِ (٤) بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ تَحْتَ عِيَاضِ بنِ غَنْمٍ (٥) الفِهْرِيِّ فَطَلَّقَهَا، فتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُثْمَانَ الثَّقَفِيُّ (٦).
وَرَوَى ابنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، طَلَّقْتُ امْرَأَتِي أَرْوَى بِنْتَ رَبِيعَةَ بِنِ الحَارِثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ (٧).
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٥٢٤): بالقاف مصغرًا في أكثر النسخ، وضبطها الدمياطي بفتح القاف، وتبعه الذهبي، وكذلك هو في نسخة معتمدة من طبقات ابن سعد، وكذا للكشميهني في حديث عائشة الماضي في الشروط، والأكثر بالتصغير كالذي هنا.
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم الحديث (٢٧٣١) (٢٧٣٢) - وأخرجه في كتاب النكاح - باب نكاح من أسلم من المشركات - رقم الحديث (٥٢٨٧) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩٢٨).
(٣) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٥٢٥): جَرْوَل: بفتح الجيم.
(٤) هي أخْتُ أم حَبِيبة رَمْلة زوج النبي -ﷺ-.
(٥) قال الحافظ في الإصابة (٤/ ٦٢٩): غَنْم: بفتح العين وسكون النون.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب النكاح - باب نكاح من أسلم من المشركات - رقم الحديث (٥٢٨٧).
(٧) أورده الحافظ في الفتح (١٠/ ٥٢٥) وحسن إسناده.
[ ٣ / ٣٤٤ ]
* قِصَّةُ أَبِي بَصِيرٍ (١) -﵁-:
اسْتَطَاعَ أَبُو بَصِيرٍ -﵁- وَاسْمُهُ عُتْبَةُ بنُ أَسِيدٍ الثَّقَفِيُّ (٢) أَنْ يُفْلِتَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَيَقْدُمَ مُهَاجِرًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في المَدِينَةِ، وَكَانَ -﵁- مِمَّنْ حُبِسَ بِمَكَّةَ، وَعُذِّبَ عَلَى إِسْلَامِهِ، فكَتَبَ الأَخْنَسُ بنُ شُرَيْقٍ كِتَابًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَفِيهِ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَبَا بَصِيرٍ -﵁-، وبَعَثَ بِالكِتَابِ مَعَ رَجُلٍ كَافِرٍ مِنْ بَنِي عَامِرِ بنِ لُؤَيٍّ، وَمَوْلًى مَعَهُ (٣).
فَلَمَّا وَصَلَ الرَّجُلَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في المَدِينَةِ، قَالَا لَهُ: العَهْدُ الذِي جَعَلْتَ لَنَا، فَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَبَا بَصِيرٍ -﵁- إِلَى الرَّجُلَانِ، فَخَرَجَا بِهِ حَتَّى بَلَغَا بِهِ ذَا الحُلَيْفَةِ (٤)، فنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِلْعَامِرِيِّ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا يَا فُلَانُ جَيِّدًا، فَاسْتَلَّهُ (٥) الآخَرُ فَقَالَ: أَجَلْ وَاللَّهِ إِنَّهُ لَجَيِّدٌ، لَقَدْ جَرَّبْتُ بِهِ، ثُمَّ جَرَّبْتُ، فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ -﵁-: أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْهِ، فَأَمْكَنَهُ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٧٠٠): بَصِير، بفتح الباء وكسر الصاد.
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٧٠٠): عتبة: بضم العين، وأسيد: بفتح الهمزة على الصحيح، الثقفي حليف بني زهرة، ونسبه ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٥٢) إليهم -أي إلى بني زهرة-، ووقع في صحيح البخاري رقم الحديث (٢٧٣١) (٢٧٣٢) قوله: "رَجُلٌ من قُرَيش"، أي بالحلف؛ لأن بني زهرة من قريش.
(٣) سمَّى ابن سعد في طبقاته الرجلان وهما: خُنَيْسُ بن جابر، والمولى اسمه كَوْثَر.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٤/ ١٦): ذا الحُلَيْفة: بضَمِّ الحاء مُصَغرًا، وهو ميقات أهل المدينة.
(٥) قال الحافظ في الفتح (٥/ ٧٠١): استَلَّهُ: بتشديد اللام أي أخْرَجَهُ من غمده.
[ ٣ / ٣٤٥ ]
مِنْهُ، فَضَرَبَهُ حَتَّى بَرَدَ (١)، وَفَرَّ الآخَرُ -وَهُوَ المَوْلَى (٢) - حَتَّى أتَى المَدِينَةَ، فَدَخَلَ المَسْجِدَ يَعْدُو يَطِنُّ (٣) الحَصَا مِنْ شِدَّةِ سَعْيِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ رَآهُ: "لَقَدْ رَأى هَذَا ذُعْرًا" (٤)، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: قُتِلَ وَاللَّهِ صَاحِبِي وَإِنِّي لَمَقْتُولٌ (٥).
فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ -﵁- فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ أَوْفَى اللَّهُ ذِمَّتَكَ (٦) قَدْ رَدَدْتَنِي إِلَيْهِمْ، ثُمَّ أَنْجَانِيَ اللَّهُ مِنْهُمْ.
فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "وَيْلَ أُمِّهِ (٧) مِسْعَرَ (٨) حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ" (٩)، فَلَمَّا
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٥/ ٧٠٢): حَتَّى بَرَدَ: أي حَتَّى خَمَدَتْ حواسُّه، وهي كناية عن الموت، لأنَّ الميت تسكُنُ حرَكْتُهُ. وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٥٢): فعلاه بالسيف حَتَّى قتله.
(٢) في رواية ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٥٢). وخرج المولى سَرِيعًا حَتَّى أتى رَسُول اللَّهِ -ﷺ-.
(٣) الطَّنِينُ: صوتُ الشيء الصلب. انظر النهاية (٣/ ١٢٧).
(٤) ذُعرًا: أي خَوْفًا. انظر النهاية (٢/ ١٤٩). وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٥٢): قال -ﷺ-: "فزعًا".
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٧٠٢): أي: إن لم تَرُدُّوهُ عَنِّي.
(٦) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٧٠٢): أي فليسَ عليكَ مِنْهُمْ عِقَابٌ فيما صَنَعْتُ أنا.
(٧) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٧٠٢): وَيلُ أُمِّه: بضم اللام، وكسر الميم المشددة، وهي كلمة ذَمٍّ تقولها العرب في المدح، ولا يقصدون معنى ما فيها مِنَ الذم.
(٨) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٧٠٢): مِسْعَر: بكسر الميم وسكون السين وفتح العين: أي يُسَعِّرها.
(٩) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٧٠٣): أي ينصره ويُعَاضِدُه ويناصره، وفيه إشارة إليه بالفِرار لِئلَّا يرده إلى المشركين.
[ ٣ / ٣٤٦ ]
سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنَّهُ سَيَرُدُّهُ إِلَيْهِمْ، فَخَرجَ حَتَّى أَتَى سِيفَ البَحْرِ (١).
* إِفلَاتُ أَبي جَنْدَلٍ -﵁-:
ثُمَّ إِنَّ أَبَا جَنْدَلِ بنِ سُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو -﵁- اسْتَطَاعَ أَنْ يُفْلِتَ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ -﵁-، فَجَعَلَ لَا يَخْرُجُ مِنْ قُريشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إِلَّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ -﵁-، حَتَّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ (٢)، فَوَاللَّهِ مَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ خَرَجَتْ لِقُرَيْشٍ إلى الشَّامِ إِلَّا اعْترَضُوا لَهَا، فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى النَّبِيِّ -ﷺ- تُنَاشِدُهُ بِاللَّهَ وَالرَّحِمَ لَمَا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ، فَمَنْ أَتَاهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَقَالُوا: إِنَّا أَسْقَطْنَا هَذَا الشَّرْطَ مِنَ الشُّرُوطِ، فَمَنْ خَرَجَ مِنَّا إِلَيْكَ فَأَمْسِكْهُ (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: . . . فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ رَكِبَ نَفَرٌ مِنْهُمْ إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: إِنَّهَا لَا تُغْنِي
_________________
(١) سِيفُ البَحْرِ: بكسر السين: ساحله. انظر النهاية (٢/ ٣٩٠). وفي رواية ابن إسحاق (٣/ ٣٥٣): حتى نَزَلَ العِيص: وهو بكسر العين وهو مكان يحاذي المدينة إلى جِهَةِ ساحِلِ البحر. انظر النهاية (٣/ ٢٩٧).
(٢) العِصَابَةُ: هم الجَمَاعَةُ من الناس من العشرة إلى الأربعين. انظر النهاية (٣/ ٢٢٠). وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٥٣): أنهم بَلَغُوا سبعين رجلًا -وعند البيهقي في دلائله (٤/ ١٧٣): أنهم بلغوا ثلاثمائة رجلًا. قلتُ: ويمكن الجَمْعُ بأن يكون في بداية أمرهم سبعين رجلًا، ثم زاد إنفلات المهاجرين من قريش فبلغوا ثلاثمائة رجل، واللَّه أعلم.
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد. . . - رقم الحديث (٢٧٣١) (٢٧٣٢) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٥٣).
[ ٣ / ٣٤٧ ]
مُدَّتُكَ شَيْئًا وَنَحْنُ نُقْتَلُ وَتُنْهَبُ أَمْوَالُنَا، وَإِنَّا نَسْأَلُكَ أَنْ تُدْخِلَ هَؤُلَاءَ الذِينَ أَسْلَمُوا مِنَّا فِي صُلْحِكَ، وَتَمْنَعَهُمْ وتَحْجُزَ عَنَّا قِتَالَهُمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (١).
فكتَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إلى أَبِي بَصِيرٍ وَأَبِي جَنْدَلٍ ﵄، يَأْمُرُهُمَا أَنْ يَقْدُمَا عَلَيْهِ، وَبِمَنْ مَعَهُمَا مِنَ المُسْلِمِينَ المُهَاجِرِينَ، فَقَدِمَ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْهِمَا، وَأَبُو بَصِيرٍ -﵁- يَحْتَضِرُ، فَمَاتَ -﵁- وَكِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي يَدِهِ يَقْرَؤُهُ، فَدَفنَهُ أَصْحَابُهُ مَكَانَهُ، وَقَدِمَ أَبُو جَنْدَلٍ -﵁- بِمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي المَدِينَةِ.
وَتَحَقَّقَ قَوْلُهُ -ﷺ- يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ لِأَبِي جَنْدَلٍ -﵁-: "اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّ اللَّه جَاعِلٌ لَكَ، وَلِمَنْ مَعَكَ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا" (٢).
* * *
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩٢٩).
(٢) أخرج قصة أبي بصير -﵁-: البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد - رقم الحديث (٢٧٣١) (٢٧٣٢) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩٢٨) (١٨٩٢٩) - والبيهقي في دلائل النبوة (٤/ ١٧٢) - وابن إسحاق في السيرة (٣٥٢/ ٣) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٦١).
[ ٣ / ٣٤٨ ]
السَّنَةُ السَّابعَةُ لِلْهِجْرَةِ
كُتُبُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى المُلُوكِ وَالأُمَرَاءِ (١)
لَمَّا اسْتَقَرَّ الأَمْرُ بِالرَّسُولِ -ﷺ- بَعْدَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وَجَدَ الفُرْصَةَ مُوَاتِيَةً لِلدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعَالَى خَارجَ نِطَاقِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، فَأَرْسَلَ الرُّسُلَ إلى مُلُوكِ
_________________
(١) اختلف في زَمَنِ إرسالِ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- الكُتُبِ إلى الملوك والأمراء، فعند ابن سعد في طبقاته (١/ ١٢٥): أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- كتَبَ إليهم في المحرم سنة سبع من الهجرة، ولم يُحَدِّد ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٢٦٢) تاريخًا مُحَدّدًا لإرسال الكتب، بل جعل ذلك ما بينَ الحُدَيْبِيَةِ ووفاته -ﷺ-، واستَدْرَكَ عليه ابن هِشَام في تهذيبه على سيرة ابن إسحاق (٤/ ٢٦٢) فقال: بأن إرْسَالَه -ﷺ- الكتب للملوك كان بعد عُمْرَته التي صُدَّ عنها يوم الحديبية. بينما جعل الإِمام البخاري في صحيحه (٨/ ٤٦٩) رسالةَ الرسول -ﷺ- إلى كِسْرَى في أعقاب غزوة تبوك في العام التاسع الهجري. قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٤٧٣): وفي إيراد هذا الحديث -أي حديث إرسال الرسول -ﷺ- الكتاب لِكِسْرى- آخر هذا الباب إشارة إلى أن إرسال الكتب إلى المُلُوكِ كان في سنة غزوة تبوك، ولكن لا يدفع ذلك قول من قال: إنه كاتبَ المُلُوكَ في سنةِ الهُدْنَةِ كقَيْصَر، والجمعُ بين القولين أنه كَاتَبَ قَيْصَرَ مرتين، وهذه المرة الثانية قد وقع التصريح بها في مسند الإِمام أحمد - رقم الحديث (١٥٦٥٥)، وكاتب النجاشي الذي أسلم وصَلَّى عليه لمَّا مات، ثم كاتب النجاشي الذي وَليَ بعده وكان كافرًا، وقد روى مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٧٧٤) - من حديث أنس -﵁- أنه قال: كتَبَ النبي -ﷺ- إلى كل جبَّار يدعوهم إلى اللَّه، وسمَّى منهم: كسرى، وقيصر، والنجاشي، قال: وليس بالنجاشي الذي صلَّى عليه النبي -ﷺ-.
[ ٣ / ٣٤٩ ]
العَرَبِ وَالعَجَمِ وَكَتَبَ مَعَهُمْ إِلَيْهِمْ كُتُبًا يَدْعُوهُمْ فِيهَا إِلَى الإِسْلَامِ.
رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَتَبَ إِلَى كِسْرَى، وَإِلَى قَيْصَرَ، وَإِلَى النَّجَاشِيِّ (١)، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ، يَدْعُوهُمْ إلى اللَّهِ تَعَالَى (٢).
فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَكْتُبَ إِلَى المُلُوكِ وَالأُمَرَاءِ، قِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا وَعَلَيْهِ خَاتَمٌ، فَاتَّخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسَ بنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- أَرَادَ أَنْ يَكْتُبَ إلى رَهْطٍ أَوْ أُنَاسٍ مِنَ الأَعَاجِمِ (٣)، فَقِيلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَقْبَلُونَ كِتَابًا إِلَّا عَلَيْهِ خَاتَمٌ، فَاتَّخَذَ النَّبِيُّ -ﷺ- خَاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ (٤).
_________________
(١) في رواية ابن حبان: أكَيْدِرُ دُومَة بدل النجاشي. قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٥٥٢): أُكَيْدِرُ تصغير أَكْدَر، ودُومَة بضم الدال، وسكون الواو، بلدٌ بين الحجاز والشام، وهي دُومة الجندل، مدينة بقرب تَبُوك بها نخلٌ وزَرْعٌ وحصن، على عشرة مراحل من المدينة، وكان أكيدر ملكها، وكان نَصْرَانيًا.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب كتب النبي -ﷺ- إلى ملوك الكفار - رقم الحديث (١٧٧٤) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب كتب النبي -ﷺ- رقم الحديث (٦٥٥٣).
(٣) في رواية أخرى في صحيح مسلم: قال أنس -﵁-: أن النبي -ﷺ- أَرَادَ أن يكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب اللباس - باب نقش الخاتم - رقم الحديث (٥٨٧٢) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب اللباس والزينة - باب في اتخاذِ النبي -ﷺ- خاتم - رقم الحديث (٢٠٩٢) (٥٦) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٣١٤).
[ ٣ / ٣٥٠ ]
فَكَانَ الخَاتَمُ فِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ فِي يَدِ أَبِي بَكْرٍ -﵁- بَعْدَهُ، ثُمَّ فِي يَدِ عُمَرَ -﵁- بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ -﵁-، ثُمَّ كَانَ فِي يَدِ عُثْمَانَ -﵁- بَعْدَ عُمَرَ -﵁- سَتَّ سِنِينَ، فَلَمَّا كَانَ فِي السِّتِّ البَاقِي (١) كَانَ مَعَهُ عَلَى بِئْرِ أَرِيسٍ (٢)، فَحَرَّكَ خَاتَمَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي يَدِهِ فَوَقَعَ فِي البِئْرِ، فَطَلَبَهُ (٣) عُثْمَانَ -﵁- وَمَنْ كَانَ مَعَهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ (٤).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إِنَّمَا بَالَغَ عُثْمَانُ -﵁- فِي التَّفْتِيشِ عَلَى الخَاتَمِ لِكَونِهِ أَثَرُ النَّبِيِّ -ﷺ- قَدْ لَبِسَهُ وَاسْتَعْمَلَهُ وَخَتَمَ بِهِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُسَاوِي فِي العَادَةِ قَدْرًا عَظِيمًا مِنَ المَالِ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ غَيْرُ خَاتَمِ النَّبِيِّ -ﷺ- لَاكْتَفَى بِطَلَبِهِ بِدُونِ ذَلِكَ، وَبِالضَّرُورَةِ يُعْلَمُ أَنَّ قَدْرَ المُؤْنَةِ التِي حَصَلَتْ فِي الأَيَّامِ الثَّلَاثَةِ تَزِيدُ عَلَى قِيمَةِ الخَاتَمِ لَكِنِ اقْتَضَتْ صِفَتُهُ عَظِيمَ قَدْرِهِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ كُلُّ مَا ضَاعَ مِنْ يَسِيرِ المَالِ (٥).
وَعِنْدَمَا عَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى إِرْسَالِ الكُتُبِ اخْتَارَ الرُّسُلَ مِنْ أَصْحَابِهِ
_________________
(١) من خِلَافَتِهِ -﵁-.
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١١/ ٥٠٥): أَرِيس: بفتح الهمزة وكسر الراء، على وزن عظيم.
(٣) في رواية البخاري قال أنس -﵁-: فَاخْتَلفا. قال الحافظ: أي في الذهاب، والرجوع والنزول إلى البئر والطلوع منها.
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب اللباس - باب خاتم الفضة - رقم الحديث (٥٨٦٦) - وباب هل يجعل نقش الخاتم ثلاثة أسطر؟ - رقم الحديث (٥٨٧٩) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب اللباس والزينة - باب لبس النبي -ﷺ- خاتمًا من ورق - رقم الحديث (٢٠٩١) (٥٤).
(٥) انظر فتح الباري (١١/ ٥١٧).
[ ٣ / ٣٥١ ]
﵃ مِنَ الذِينَ سَبَقَ وَأَنْ رَحَلُوا إلى تِلْكَ البِلَادِ، وَفِيمَا يَلِي ذِكْرُ الكُتُبِ التِي أَرْسَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المُلُوكِ وَالأُمَرَاءِ، وَذَلِكَ فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ لِلْهِجْرَةِ:
١ - كِتَابُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الحَبَشَةِ
وَهَذَا النَّجَاشِيُّ اسْمُهُ أَصْحَمَةُ (١)، وَأَمَّا النَّجَاشِيُّ فَهُوَ لَقَبٌ لِكُلِّ مَنْ مَلَكَ الحَبَشَةَ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَمْرَو بنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ -﵁- إِلَى النَّجَاشِى، وَكَانَ أَوَّلَ رَسُولٍ بَعَثَهُ، وَكتَبَ مَعَهُ إِلَيْهِ كِتَابَيْنِ يَأْمُرُهُ فِي أَحَدِهِمَا: أَنْ يُزَوِّجَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ (٢)، وَأَنْ يَبْعَثَ إِلَيْهِ بِمَنْ عِنْدَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَفِي الكِتَابِ الآخَرِ: يَدْعُوهُ إلى الإِسْلَامِ.
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂: أَنَّهَا كَانَتَ تَحْتَ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ، وَكَانَ رَحَلَ إلى النَّجَاشِيِّ، فَمَاتَ (٣)، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ، وَإِنَّهَا لَبِأَرْضِ الحَبَشَةِ (٤)، زَوَّجَهَا إِيَّاهُ النَّجَاشِيُّ، وَأَمْهَرَهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ مِنْ عِنْدِهِ،
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٣/ ٥٦٣) (٧/ ٥٨٨): أَصْحَمَه بفتح الألف بوزن أفعله وأربعة.
(٢) سيأتي خبَرُ زواجِ الرسول -ﷺ- من أُمِّ حبيبة ﵂ بعد غزوة خيبر إن شاء اللَّه.
(٣) قلتُ: سيأتي بعد غزوة خيبر تحقيقُ خبر ردة عُبَيد اللَّه بن جحش، وأنه ماتَ مُسْلِمًا، لا كما يزعم أهل المغازي في أنه ارتَدَّ عن الإِسلام، ثم مات نصرانيًا.
(٤) في رواية النسائي: وهي بأرض الحبشة.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
وَبَعَثَ بِهَا إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَعَ شُرَحْبِيلَ بنِ حَسَنَةٍ -﵁-، وَجِهَازُهَا كُلُّهُ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، وَلَمْ يُرْسِلْ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِشَيْءٍ (١).
* نَصُّ كِتَابِ الرَّسُولِ -ﷺ- إلى النَّجَاشِيِّ:
أَمَّا نَصُّ كِتَابِ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى النَّجَاشِيِّ فَقَدْ رَوَاهُ الحَاكِمُ، وَالبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِهِ عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، وَهَذَا نَصُّهُ:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى النَّجَاشِيِّ الأَصْحَمِ عَظِيمِ الحَبَشَةِ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَمْ يَتَّخِذْ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ اللَّهِ، فَإِنِّي أَنَا رَسُولُ اللَّهِ فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢) فَإِنْ أَبَيْتَ
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٤٠٨) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٠٦١) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب النكاح - باب التزويج على أربع مئة درهم - رقم الحديث (٥٤٨٦) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول- رقم الحديث (٨٩٤٩).
(٢) سورة آل عمران آية (٦٤). قلتُ: ذكر ابن إسحاق في السيرة (٢/ ١٩٥): أن صَدر سورة آل عمران إلى بِضْعٌ وثمانين آية منها نزلت في وَفْد نَجْرَان الذي وَفَدَ على رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في عامِ =
[ ٣ / ٣٥٣ ]
فَعَلَيْكَ إِثْمُ النَّصَارَى مِنْ قَوْمِكَ" (١).
فَلَمَّا وَصَلَ كِتَابُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى النَّجَاشِيِّ وَقُرِئَ عَلَيْهِ، أَخَذَهُ فَوَضَعَهُ عَلَى عَيْنِهِ وَنَزَلَ عَنْ سَرِيرِهِ فَجَلَسَ عَلَى الأَرْضِ تَوَاضُعًا، ثُمَّ أَسْلَمَ وَشَهِدَ شَهَادَةَ الحَقِّ، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا مَا أَنَا فِيهِ مِنَ المُلْكِ، وَمَا تَحَمَّلْتُ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ، لَأَتَيْتُهُ حَتَّى أَحْمِلَ نَعْلَيْهِ (٢).
_________________
(١) = الوُفُودِ في السنة التاسعة للهجرة، فما الجَمْعُ بين كِتَابَةِ هذه الآية إلى هِرَقل وغيره في جملة الكُتُبِ التي أرسلها رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في العام السابع للهجرة، وبين ما ذكره ابن إسحاق في السيرة وغيره؟ . والجَوَابُ: قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (٢/ ٥٦): أَحَدُهُمَا: يحتمل أن هذه الآية نزلت مرَّتَيْنِ، مرَّةً قبل الحديبية، ومرَّة بعد الفتح. الثاني: يحتمل أن صَدْرَ سُورة آل عمران نزل في وَفْدِ نَجْرَان إلى عند هذه الآية، وتكون هذه الآية نزلت قبل ذلك، ويكون قول ابن إسحاق: "إلى بِضْعٍ وثَمَانيِنَ آية"، ليس بمحفوظ، لدلالة حديث أبي سفيان -سيأتي حديث أبي سفيان بعد قليل-. الثالثُ: ويحتمل أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لما أمَرَ بكَتْبِ هذا الكلام في كِتَابه إلى هِرَقْل وغيره لم يكن أنزل بعد، ثم نَزَلَ القرآن موافقةً له كانزل بِمُوَافقة عمر بن الخطاب -﵁- في الحِجَابِ، وفي الأسارى، وفي عدم الصلاة على المنافقين.
(٢) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب الهجرة - باب مراسلة الرسول هو النجاشي - رقم الحديث (٤٣٠٣) - والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٠٨) - وأورد ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٦٠١) كتابه هو إلى النجاشي مع اختلاف في بعض الألفاظ عن رواية البيهقي.
(٣) أخرج ذلك أبو داود في سننه - كتاب الجنائز - باب في الصلاة على المسلم يَمُوتُ في بلاد الشرك - رقم الحديث (٣٢٠٥) - والحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب =
[ ٣ / ٣٥٤ ]
ثُمَّ كتَبَ النَّجَاشِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِإِجَابَتِهِ وتَصْدِيقِهِ وَإِسْلَامِهِ.
وَأَهْدَى النَّجَاشِيُّ إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ، وَنَعْلَيْنِ سَبْتِيَّتَيْنِ، وَثَلَاثَ عَنَزَاتٍ (١)، فَأَمْسَكَ -ﷺ- وَاحِدَةً لِنَفْسِهِ، وَأَعْطَى عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁- وَاحِدَةً، وَأَعْطَى عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ -﵁- وَاحِدَةً، فَكَانَ بِلَالٌ -﵁- يَمْشِي بِتِلْكَ العَنَزَةِ التِي أَمْسَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِنَفْسِهِ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي العِيدَيْنِ يَوْمَ الفِطْرِ، وَيَوْمَ الأَضْحَى حَتَّى يَأْتِيَ المُصَلَّى، فَيَرْكُزُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ فَيُصَلِّي إِلَيْهَا (٢)، وَأَهْدَاهُ كَذَلِكَ حَلَقَةً فِيهَا خَاتَمُ ذَهَبٍ، فِيهِ فَصٌّ (٣) حَبَشِيٌّ.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ بريْدَةَ عَنْ أَبِيهِ
_________________
(١) = قصة إسلام النجاشي - رقم الحديث (٣٢٦١) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٨٨٤٠) وإسناده حسن.
(٢) العَنَزَاتُ: جمعُ عَنَزَة: وهي عَصا على قدْرِ نِصْفِ الرمح أو أكبر شيئًا قليلًا. انظر النهاية (٣/ ٢٧٨).
(٣) أورد إهداء العنزات من النجاشي إلى الرسول -ﷺ- الحافظ في الفتح (٢/ ١٥٣) وعزاه إلى عمر بن شبَّه في "أخبار المدنية"، من حديث سَعْدِ القَرَظ، ولفظُهُ: أن النجاشي أهدى إلى النبي -ﷺ- حَرْبَةً فأمسكها لنفسه فهي التي يمشي بها مع الإِمَامِ يوم العيد. وأما صلاته -ﷺ- إلى العَنَزَةِ يوم العيد، فقد رواها البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٩٧٣) عن ابن عمر ﵄ أنه قال: كان النبي -ﷺ- يغدو إلى المصلى والعنزة بين يديه تُحمل وتُنصب بالمصلى بين يديه، فيصلى إليها.
(٤) فَصُّ الخَاتَمِ: المُرَكَّبُ فيه. انظر لسان العرب (١٠/ ٣٧١).
[ ٣ / ٣٥٥ ]
قَالَ: أَنَّ النَّجَاشِيَّ أَهْدَى لِلنَّبِيِّ -ﷺ- خُفَّيْنِ أَسْوَدَيْنِ سَاذَجَيْنِ (١) فَلَبِسَهُمَا (٢).
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمَتْ إلى النَّبِيِّ -ﷺ- حِلْيَةٌ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، أَهْدَاهَا لَهُ، فِيهَا خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ، فِيهِ فَصٌّ حبَشِيٌّ، فَأَخَذَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- بِعُودٍ بِبَعْضِ أَصَابِعِهِ، مُعْرِضًا عَنْهُ، ثُمَّ دَعَا أُمَامَةَ بِنْتَ أَبِي الْعَاصِ ابْنَةَ ابْنَتِهِ زَيْنَبَ، فَقَالَ -ﷺ-: "تَحَلِّي بِهَذِهِ يَا بُنَيَّةُ" (٣).
* وَفَاةُ النَّجَاشِيِّ -﵁-:
وَتُوُفِّيَ النَّجَاشِيُّ أَصْحَمَةُ -﵁- فِي رَجَبَ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ كَمَا سَيَأْتِي، وَنَعَاهُ الرَّسُولُ -ﷺ- إلى أَصْحَابِهِ يَوْمَ وَفَاتِهِ فَقَالَ: "مَاتَ اليَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ وَاسْتَغْفِرُوا لَهُ" (٤) وَصَلَّى -ﷺ- عَلَيْهِ صَلَاةَ الغَائِبِ.
وَرَوَى النَّسَائيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّهُ
_________________
(١) سَاذَجَيْن: بفتح الجيم: أي غير مَنْقُوشَيْن. انظر تحفة الأحوذي (٨/ ١١٢).
(٢) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب الآداب - باب ما جاء في الخف الأسود - رقم الحديث (٣٠٣٠) - وابن ماجه - كتاب الطهارة وسننها - باب ما جاء في المسح على الخفين - رقم الحديث (٥٤٩) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٣٤٧).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الخاتم - باب في الذهب للنساء - رقم الحديث (٤٢٣٥) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٨٨٠) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٢٨٣١).
(٤) أخرج هذا الحديث البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب موت النجاشي - رقم الحديث (٣٨٧٧) (٣٨٨٠).
[ ٣ / ٣٥٦ ]
قَالَ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ النَّجَاشِيُّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "صَلُّوا عَلَيْهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نُصَلِّي عَلَى عَبْدٍ حبَشِيٍّ؟، فنَزَلَتْ: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ (١).
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ لَا يَزَالُ يُرَى عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ (٢).
وَلَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ أَصْحَمَةُ -﵁-، خَلَفَهُ عَلَى الحَبَشَةِ نَجَاشِيٌّ آخَرُ، وَهُوَ غَيْرُ النَّجَاشِيِّ الذِي آمَنَ بِالرَّسُولِ -ﷺ-، وَقَدْ كتَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى هَذَا النَّجَاشِيِّ كِتَابًا يَدْعُوهُ إلى الإِسْلَامِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- كتَبَ إلى كِسْرَى، وإِلَى قَيْصَرَ، وإِلَى النَّجَاشِيِّ، وَإِلَى كُلِّ جَبَّارٍ، يَدْعُوهُم إلى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَيْسَ بِالنَّجَاشِيِّ الذِي صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- (٣).
_________________
(١) سورة آل عمران آية (١٩٩) - والحديث أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب سورة آل عمران - رقم الحديث (١١٠٢٢). قال جابر بن عبد اللَّه ﵄، وأنس بن مالك -﵁-، وابن عباس -﵁-، وقتادة، والحسن في هذه الآية: نزلت في النجاشي. انظر تفسير القرطبي (٥/ ٤٨٤).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في النور يُرى عند قبر الشهيد - رقم الحديث (٢٥٢٣) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦٨٢٧).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب كتب النبي -ﷺ- إلى ملوك الكفار - رقم الحديث (١٧٧٤).
[ ٣ / ٣٥٧ ]
٢ - كِتَابُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى هِرَقْلَ (١) مَلِكِ الرُّومِ
وَبَعَثَ رَسُولُ -ﷺ- دِحْيَةَ بنَ خَلِيفَةَ الكَلْبِيَّ -﵁-، إلى هِرَقْلَ مَلِكِ الرُّومِ يَدْعُوهُ إلى الإِسْلَامِ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلى قَيْصَرَ، وَفِي رِوَايَةٍ: أَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلى عَظِيِم بُصْرَى (٢) وَهُوَ الحَارِثُ بنُ أَبِي شِمْرٍ (٣) مَلِكُ غَسَّانَ لِيَدْفَعَهُ إِلَى هِرَقْلَ.
* سَفَرُ هِرَقْلَ مِنَ القُسْطَنْطِينِيَّةِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ:
وَكَانَ هِرَقْلُ قَدْ نَذَرَ إِنْ ظَهَرَتِ (٤) الرُّومُ عَلَى فَارِسٍ أَنْ يَمْشِيَ حَافِيًا مِنَ القُسْطَنْطينِيَّةِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، فَلَمَّا انْتَصَرَ الرُّومُ عَلَى فَارِسٍ (٥)، خَرَجَ هِرَقْلُ مِنْ بِلَادِهِ يَمْشِي عَلَى قَدَمَيْهِ شُكْرًا للَّهِ عَلَى انْتِصَارِهِمْ عَلَى فَارِسٍ لِيُصَلِّيَ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ، فَلَمَّا انْتَهَى إلى إِيلْيَاءَ (٦)، وَقَضَى فِيهَا صَلَاتَهُ وَمَعَهُ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١/ ٤٩): هِرَقْل هو ملك الروم، وهو بكسر الهاء وفتح الراء وسكون القاف، ولقبه قيصر، وهو لقب كل من تملك الروم.
(٢) قال الحافظ في الفتح (١/ ٥٥): بُصرى: بضم الباء، وهي مدينة بالشام.
(٣) شِمْر: بكسر الشين وسكون الميم.
(٤) ظَهَرَتْ: أي غَلَبَتْ وانتصرت. انظر النهاية (٣/ ١٥٢).
(٥) أخرج تفاصيل هذه الوقعة: الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٩٥) (٢٧٦٩) - والترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة الروم - رقم الحديث (٣٤٦٩) (٣٤٧١) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٧٥٣) - وإسناده صحيح.
(٦) قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٩): إيلْيَاء: بهمزة مكسورة اسم مدينة بيت المقدس.
[ ٣ / ٣٥٨ ]
بَطَارِقَتُهُ (١) وَأَشْرَافُ الرُّوم، أَصْبَحَ يَوْمًا خَبِيثَ النَّفْس (٢) مَهْمُومًا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ بَطَارِقَتِهِ: قَدِ اسْتَنْكَرْنَا هَيْئَتَكَ -وَكَانَ هِرَقْلُ حَزَّاءً (٣) يَنْظُرُ في النُّجُومِ- فَقَالَ لَهُمْ حِينَ سَأَلُوهُ: إِنِّي رَأَيْتُ اللَّيْلَةَ حِينَ نَظَرْتُ فِي النُّجُومِ مُلْكَ (٤) الخَتَانِ قَدْ ظَهَرَ (٥)، فَمَنْ يَخْتَتِنُ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ (٦)؟
قَالُوا: لَيْسَ يَخْتَتِنُ إِلَّا اليَهُودُ فَلَا يَهُمَّنَّكَ شَأْنُهُمْ، وَاكْتُبْ إِلَى مَدَائِنِ مُلْكِكَ فَيَقْتُلُوا مَنْ فِيهِمْ مِنَ اليَهُودِ، فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى أَمْرِهِمْ أُتِيَ هِرَقْلُ بِرَجُلٍ أَرْسَلَ بِهِ مَلِكُ غَسَّانَ يُخْبِرُ عَنْ خَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَتِ المُلُوكُ تُهَادِي الأَخْبَارَ بَيْنَهَا، فَلَمَّا اسْتَخْبَرَهُ هِرَقْلُ قَالَ: اذْهَبُوا فَانْظُرُوا أَمُخْتَتِنٌ هُوَ أَمْ لَا؟
فَنَظَرُوا إِلَيْهِ، فَحَدَّثُوهُ أَنَّهُ مُخْتَتِنٌ، وَسَأَلهُ عَنِ العَرَبِ فَقَالَ: هُمْ يَخْتَتِنُونَ؟ فَقَالَ هِرَقْلُ: هَذَا وَاللَّهِ الذِي أُرِيتُ، ثُمَّ كَتَبَ هِرَقْلُ إلى صَاحِبٍ لَهُ بِرُومِيَّةَ،
_________________
(١) البَطَارِقَة: جمع بِطْرِيقٍ بكسر الباء وسكون الطاء وكسر الراء، وهو الحَاذِقُ بالحَرْبِ وأُمُورِها بلُغَة الروم. انظر النهاية (١/ ١٣٤).
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١/ ٦٠): خبيثُ النفس: أي رَدِيءُ النَّفْسِ غير طيبها، أي مهمومًا.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١/ ٦٠): حزَّاء: بفتح الحاء وبتشديد الزاي: أي كاهنًا.
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١/ ٦١): مُلْك: بضم الميم وإسكان اللام، وللكشميهني بفتح الميم وكسر اللام.
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١/ ٦١): أي غلب، يعني دَلَّه نَظَرُهُ في حُكْمِ النجوم على أن ملك الخان قد غلب، وهو كما قال؛ لأن في تلك الأيام كان ابتداء ظهور الرسول -ﷺ- إِذْ صالَحَ كُفَّار مكة بالحديبية، وأنزل اللَّه تَعَالَى عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾، إذ فتح مكة كان سببه نقض قريش العهد الذي كان بينهم بالحديبية.
(٦) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١/ ٦١): أي من أهل هذا العصر.
[ ٣ / ٣٥٩ ]
وَكَانَ نَظِيرَهُ فِي العِلْمِ، يَسْأَلُهُ عَمَّا عِنْدَهُ بِشَأْنِ الرَّسُولِ -ﷺ-.
وَلَمْ يَلْبَثْ هِرَقْلُ أَنْ أَتَاهُ رَسُولُ عَظِيمِ بُصْرَى فَدَفَعَ إِلَيْهِ كِتَابَ النَّبِيِّ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ هِرَقْلُ لِصَاحِبِ شُرْطَتِهِ: انْظُرْ لَنَا مِنْ قَوْمِهِ -أَيْ مِنْ قَوْمِ الرَّسُولِ -ﷺ- أَحَدًا نَسْأَلُهُ عَنْهُ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ بِالشَّامِ مَعَ رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ فِي تِجَارَةٍ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَنَّ هِرَقْلَ أَرْسَلَ إِلَيْهِ فِي رَكْبٍ (١) مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا تُجَّارًا بِالشَّامِ فِي المُدَّةِ (٢) التِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَادَّ فِيهَا أَبَا سُفْيَانَ وَكُفَّارَ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْهُ وَهُمْ بِإِيلْيَاءَ، فَأُدْخِلْنَا عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ فِي مَجْلِسِ مُلْكِهِ، عَلَيْهِ التَّاجُ، وَإِذَا حَوْلَهُ عُظَمَاءُ الرُّومِ، ثُمَّ دَعَا بِتَرْجُمَانِهِ، فَقَالَ لَهُ: سَلْهُمْ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ نَسَبًا بِهَذَا الرَّجُلِ الذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ؟
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانُ: أَنَا أَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ نَسَبًا، قَالَ: مَا قَرَابَتُكَ مِنْهُ؟
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: هُوَ ابْنُ عَمِّي، قَالَ: وَلَيْسَ فِي الرَّكْبِ يَوْمَئِذٍ رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ (٣) غَيْرِي.
_________________
(١) الرَّكْبُ: اسم من أسماءِ الجمع، وهو من العشرة فما فوقها. انظر النهاية (٢/ ٢٣٣) - فتح الباري (١/ ٤٩).
(٢) يعني مُدَّة الصلح بالحديبية، وكانت مدَّتها عشر سنين، كما تقدم.
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١/ ٥٠): وعبدُ مَنَافٍ الأبُ الرابع للنبي -ﷺ- وكذا لأبي سفيان، وأطلَقَ عليه ابن عَمٍّ؛ لأنه نزل كلا منهما منزلة جدّه، . . . وإنما خَصّ هرقل الأقرب لأنَّه أحْرَى بالإطلاع على أُمُورِه ظاهرًا وباطنًا أكثر من غيره؛ ولأن الأبْعَدَ لا يُؤْمَنُ أن يَقْدَحَ في نسبه بخلاف الأقرب.
[ ٣ / ٣٦٠ ]
فَقَالَ هِرَقْلُ: أَدْنُوهُ مِنِّي، ثُمَّ أَمَرَ بِأَصْحَابِي، فَجُعِلُوا خَلْفَ ظَهْرِي عِنْدَ كَتِفِي، ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لِأَصْحَابِهِ إِنِّي سَائِلٌ هَذَا عَنْ هَذَا الرَّجُلِ الذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، فَإِنْ كَذَبَنِي، فكَذِّبُوهُ.
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَوَاللَّهِ لَوْلَا الحَيَاءُ مِنْ أَنْ يَأْثُرَ أَصْحَابِي عَنِّيَ الكَذِبَ لَكَذَبْتُهُ حِينَ سَأَلَنِي، وَلَكِنِّي اسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَأْثُرُوا الكَذِبَ عَنِّي، فَصَدَقْتُهُ.
ثُمَّ قَالَ لِتَرْجُمَانِهِ: قُلْ لَهُ كَيْفَ نَسَبُ هَذَا الرَّجُلِ فِيكُمْ؟
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: هُوَ فِينَا ذُو نَسَبٍ.
قَال هِرَقْلُ: فَهَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَقُلْتُ: لَا.
قَالَ هِرَقْلُ: فَهَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: لَا.
قَالَ هِرَقْلُ: فَأَشْرَافُ النَّاسِ يَتَّبِعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: بَلْ ضُعَفَاؤُهُمْ.
قَالَ هِرَقْلُ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: بَلْ يَزِيدُونَ.
قَالَ هِرَقْلُ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً (١) لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟
_________________
(١) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ٨٩): سَخْطَة: بفتح السين، والسخط: كراهية الشيء وعدم الرضى به.
[ ٣ / ٣٦١ ]
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: لَا.
قَالَ هِرَقْلُ: فَهَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: لَا.
قَالَ هِرَقْلُ: فَهَلْ يَغْدِرُ (١)؟
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَا، وَنَحْنُ الآنَ مِنْهُ فِي مدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا.
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا أَنْتَقِصُهُ بِهِ غَيْرَ هَذِهِ الكَلِمَةِ.
قَالَ هِرَقْلُ: فَهَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ هِرَقْلُ: فكَيْفَ كَانَ قِتَالُكُمْ إِيَّاهُ؟
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ سِجَالٌ (٢)، يَنَالُ مِنَّا وَنَنَالُ مِنْهُ.
قَالَ هِرَقْلُ: مَاذَا يَأْمُرُكُمْ؟
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قُلْتُ: يَأْمُرُنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَانَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، ويَأْمُرُنَا بِالصَّلَاةِ، وَالصِّدْقِ (٣)، وَالعَفَافِ، وَالصِّلَةِ.
_________________
(١) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ٨٩): يَغْدِرُ: بكسر الدال، وهو ترك الوفاء بالعهد.
(٢) سِجَالٌ: بكسر السين: أي مرة لنا ومرة علينا. انظر النهاية (٢/ ٣١٠).
(٣) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٢٩٤٠): قال الصَّدقة، بدل الصدق.
[ ٣ / ٣٦٢ ]
فَقَالَ هِرَقْلُ لِلتَّرْجُمَانِ: قُلْ لَهُ: سَأَلْتُكَ عَنْ نَسَبِهِ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ فِيكُمْ ذُو نَسَبٍ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْعَثُ فِي نَسَبِ (١) قَوْمِهَا.
وَسَأَلْتُكَ هَلْ قَالَ هَذَا القَوْلَ مِنْكُمْ أَحَدٌ قَطُّ قَبْلَهُ؟ فَذَكَرْتَ: أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ أَحَدٌ قَالَ هَذَا القَوْلَ قَبْلَهُ لقلْتُ رَجُلٌ يَأْتَسِي بِقَوْلٍ قِيلَ قَبْلَهُ.
وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ فَذَكَرْتَ: أَنْ لَا، فَقُلْتُ: لَوْ كَانَ مِنْ آبَائِهِ مِنْ مَلِكٍ؟ قُلْتُ: رَجُلٌ يَطْلُبُ مُلْكَ أَبِيهِ.
وَسَأَلْتُكَ: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ فَذَكَرْتَ: أَنْ لَا، فَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَذَرَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، وَيَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ.
وَسَأَلْتُكَ: أَشْرَافُ النَّاسِ يَتْبَعُونَهُ أَمْ ضُعَفَاؤُهُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّ ضُعَفَاءَهُمُ اتَّبَعُوهُ، وَهُمْ أَتْبَاعُ الرُّسُلِ.
وَسَأَلْتُكَ: أَيَزِيدُونَ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ فَذَكَرْتَ: أَنَّهُمْ يَزِيدُونَ، وَكَذَلِكَ أَمْرُ الإِيمَانِ حَتَّى يَتِمَّ.
وَسَأَلْتُكَ: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ سَخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَذَكَرْتَ: أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الإِيمَانُ (٢) حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ القُلُوبَ.
_________________
(١) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ٩٠): يعني في أفضل أنسابهم وأشرفها.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١/ ٥٣): أي أمر الإيمان؛ لأنه يظهر نُورًا، ثم لا يزال في زيادة حتى يتم بالأمور المعتبرة فيه من صلاة وزكاة وصيام وغيرها، ولهذا نزلت في آخر سِنِيِّ النبي -ﷺ- قوله تَعَالَى ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ سورة المائدة آية (٣).
[ ٣ / ٣٦٣ ]
وَسَأَلْتُكَ هَلْ يَغْدِرُ؟ فَذَكَرْتَ: أَنْ لَا، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ لَا تَغْدِرُ.
وَسَأَلْتُكَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّكُمْ قَدْ قَاتَلْتُمُوهُ، وَأَنَّ الحَرْبَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سِجَالٌ، يَنَالُ مِنْكُمْ وَتَنَالُونَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ.
وَسَأَلْتُكَ: بِمَ يَأْمُرُكُمْ؟ فَذَكَرْتَ أَنَّهُ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَعْبُدُوا اللَّه وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَيَنْهَاكُمْ عَنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ، وَيَأْمُرُكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالصِّدْقِ وَالعَفَافِ.
فَإِنْ كَانَ مَا تَقُولُ حَقًّا فَسَيَمْلِكُ مَوْضِعَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ، وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارجٌ، وَلَمْ أَكُنْ أَظُنُّهُ أَنَّهُ مِنْكُمْ، فَلَوْ أَنِّي أَعْلَمُ أَنِّي أَخْلُصُ إِلَيْهِ لَتَجَشَّمْتُ (١) لِقَاءَهُ، وَلَوْ كُنْتُ عِنْدَهُ لَغَسَلْتُ عَنْ قَدَمَيْهِ، وَلَيَبْلُغَنَّ مُلْكُهُ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ.
ثُمَّ دَعَا هِرَقْلُ بِكِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الذِي بَعَثَ بِهِ دِحْيَةُ إلى عَظِيمِ بُصْرَى، فَدَفَعَهُ إلى هِرَقْلَ فَقَرَأَهُ فَإِذَا فِيهِ:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولهِ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ. سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتكَ اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ. فَإِنْ تَوَلَّيْتَ فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمُ الأَرِيسِيِّينَ (٢) و﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ
_________________
(١) تجشَّمت: تكلَّفت. انظر النهاية (١/ ٢٦٥).
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١/ ٥٧): الأرِيسِيِّين: جمع أَرِيسي: أي الفلاحين والزراعين. وفي رواية ابن إسحاق في السيرة قال: الأكَّارِين: يعني الفَلَّاحين والزراعين.
[ ٣ / ٣٦٤ ]
شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (١).
فَلَمَّا قُرِئَ كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى هِرَقْلَ اهْتَزَّ وَتَأَثَّرَ.
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: فَلَمَّا قَالَ مَا قَالَ، وَفَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ الكِتَابِ، كَثُرَ عِنْدَهُ الصَّخَبُ (٢)، وَارْتَفَعَتِ الأَصوَاتُ، وَأُخْرِجْنَا، فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي حِينَ أُخْرِجْنَا: لَقَدْ أمِرَ (٣) أمْرُ ابنُ أَبِي كَبْشَةَ (٤)، إِنَّهُ يَخَافُهُ مَلِكُ بَنِي الأَصْفرِ، فَمَا زِلتُ مُوقِنًا أَنَّهُ سَيَظْهَرُ حَتَّى أَدْخَلَ اللَّهُ عَلَيَّ الإِسْلَامَ.
وَسَارَ هِرَقْلُ إلى حِمْصَ (٥)، فَلَمْ يَرِمْ (٦) حِمْصَ حَتَّى أَتَاهُ كِتَابٌ مِنْ صَاحِبِ رُومِيَّه، الذِي كَانَ قَدْ كتَبَ إِلَيْهِ بِشَأْنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، يُوَافِقُ رَأْيَهُ عَلَى
_________________
(١) سورة آل عمران آية (٦٤).
(٢) الصَّخَبُ: الضَّجَّة، واضطراب الأصوات للخصام. انظر النهاية (٣/ ١٤). وفي رواية الإِمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٧٧٣): اللَّغَطُ: وهو بفتح الغين، وهي الأصوات المختلفة.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١/ ٥٨): أَمِرَ: بفتح الهمزة وكسر الميم: أي عَظُم.
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١/ ٥٨): المقصود بأبي كبشة: هو والد الرسول -ﷺ- من الرضاعة وهو الحارث بن عبد العزى السَّعْدِيُّ زوج حليمة السعدية.
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١/ ٦٣): كانت حِمْصُ دار مُلْكِهِ، وكانت في زمانهم أعظم من دمشق، وكان فتحها على يَدِ أبي عبيدة بن الجرَّاح -﵁- سنة ست عشرة للهجرة بعد هذه القصة بعشر سنين.
(٦) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١/ ٦٢): يَرِم: بفتح الياء وكسر الراء: أي لم يَصِلْ إلى حمص.
[ ٣ / ٣٦٥ ]
خُرُوجِ الرَّسُول -ﷺ- وَأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَأَذِنَ (١) هِرَقْلُ لِعُظَمَاءِ الرُّومِ في دَسْكَرَهٍ (٢) لَهُ بِحِمْصَ، ثُمَّ أَمَرَ بِأَبْوَابِهَا فَغُلِّقَتْ، ثُمَّ اطَّلَعَ فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الرُّومِ، هَلْ لَكُمْ فِي الفَلَاحِ وَالرُّشْدِ وَأَنْ يَثْبُتَ مُلْكُكُمْ فَتُبَايِعُوا هَذَا النَّبِيَّ؟ فَحَاصُوا (٣) حَيْصَةَ حُمُرِ الوَحْشِ إِلَى الأَبْوَابِ فَوَجَدُوهَا قَدْ غُلِّقَتْ، فَلَمَّا رَأَى هِرَقْلُ نَفْرَتَهُمْ وَأَيِسَ مِنْ إِسْلَامِهِمْ، وَخَافَهُمْ عَلَى نَفْسِهِ وَمُلْكِهِ، قَالَ: رُدُّوهُمْ عَلَيَّ، فَقَالَ: إِنِّي قُلْتُ مَقَالَتِي آنِفًا أَخْتَبِرُ بِهَا شِدَّتَكُمْ عَلَى دِينِكُمْ، فَقَدْ رَأَيْتُ مِنْكُمُ الذِي أُحِبُّ، فَسَجَدُوا لَهُ وَرَضُوا عَنْهُ (٤).
ثُمَّ إِنَّ هِرَقْلَ أَكْرَمَ دِحْيَةَ الكَلْبِيَّ -﵁- وَقَال لَهُ قُلْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: إِنِّي
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١/ ٦٣): فأذِنَ: أي أعلم.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١/ ٦٣): الدَّسْكَرة: بفتح الدال وبسكون السين: القَصْرُ الذي حَوْلَه بُيُوت، وكأنه دخل القصر ثم أغلقه وفتح أبواب البيوت التي حوله وأَذِنَ للروم في دخولها، ثم أغْلَقَهَا ثم طلع عليهم فخاطبهم، وإنما فعل ذلك خشْيَةَ أن يَثِبُوا عليه فيقتلوه.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١/ ٦٣): حاصُوا: أي نفروا، وشبَّههم بالوحوش؛ لأن نفْرَتَهَا أشَدُّ من نفرة البهائم الإنسِيَّة، وشبههم بالحمر دون غيرها من الوحوش لمُنَاسَبَةِ الجهل وعدم الفِطْنَةِ، بل هم أضَلّ.
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب بدء الوحي - رقم الحديث (٧) - وأخرجه في كتاب الجهاد والسير - باب دعاء النبي -ﷺ- الناس إلى الإِسلام. . . - رقم الحديث (٢٩٤٠) (٢٩٤١) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب كتاب النبي -ﷺ- إلى هرقل - رقم الحديث (١٧٧٣) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٧٠) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب ذكر وصف كتب النبي -ﷺ- رقم الحديث (٦٥٥٥).
[ ٣ / ٣٦٦ ]
مُسْلِمٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: . . . ثُمَّ قَالَ هِرَقْلُ لِرَسُولِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: قَدْ تَرَى أَنِّي خَائِفٌ عَلَى مَمْلَكَتِي، وَكتَبَ إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: إِنِّي مُسْلِمٌ، وَبَعَثَ إِلَيْهِ بِدَنَانِيرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ قَرَأَ الكِتَابَ: "كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ، لَيْسَ بِمُسْلِمٍ، وَهُوَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ"، ثُمَّ قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الدَّنَانِيرَ (١).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَمِمَّا يُقَوِّي أَنَّ هِرَقْلَ آثَرَ مُلْكَهُ عَلَى الإِيمَانِ وَاسْتَمَرَّ عَلَى الضَّلَالِ أَنَّهُ حَارَبَ المُسْلِمِينَ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ سَنَةَ ثَمَانٍ بَعْدَ هَذِهِ القِصَّةِ (٢).
٣ - كِتَابُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى كِسْرَى (٣) مَلِكِ الفُرْسِ
وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَبْدَ اللَّهِ بنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ (٤) -﵁-، إِلَى كِسْرَى بنِ هُرْمُزَ مَلِكِ الفُرْسِ يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلى عَظِيمِ البَحْرَيْنِ المُنْذِرِ بنِ سَاوَى (٥)، لِيَدْفَعَهُ عَظِيمُ البَحْرَيْنِ إِلَى كِسْرَى، وَهَذا نَصُّ الكِتَابِ:
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب ذكر الإباحة للإمام قبول الهدايا من المشركين - رقم الحديث (٤٥٠٤).
(٢) انظر فتح الباري (١/ ٥٥).
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٤٧٠): كسرى: بفتح الكاف وبكسرها لَقَبُ كل من تملَّك الفرس، وكسرى هذا هو ابن بروِيز بن هُرْمُز بن أنُوشَرْوَان، وهو كسرى الكبير المشهور.
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٤٧٠): هذا هو المعتمد، وقد أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب كتاب النبي -ﷺ- إلى كسرى وقيصر - رقم الحديث (٤٤٢٤).
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٢١٠/ ١): ساوى بفتح السين وفتح الواو.
[ ٣ / ٣٦٧ ]
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. مِنْ مُحَمَّدٍ رَسولِ اللَّهِ إلى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسولِهِ، وَشَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ ورَسولُهُ، وَأَدْعُوكَ بِدُعَاءِ اللَّهِ، فَإِنِّي رَسولُ اللَّهِ إلى النَّاسِ كَافَّةً لِأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ القَوْلُ عَلَى الكَافِرِينَ، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، فَإِنْ أَبَيْتَ، فَإِنَّ إِثْمَ المَجُوسِ عَلَيْكَ" (١).
فَلَمَّا قُرِئَ الكِتَابُ عَلَى كِسْرَى أَخَذَهُ فَمَزَّقَهُ، وَقَالَ: يَكْتُبُ إِلَيَّ هَذَا وَهُوَ عَبْدِي! فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَعَا عَلَيْهِمْ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ (٢).
ثُمَّ كَتَبَ كِسْرَى إِلَى بَاذَانَ عَامِلِهِ بِاليَمَنِ أَنِ ابْعَثْ مِنْ عِنْدِكَ رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ (٣) إلى هَذَا الرَّجُلِ الذِي بِالحِجَازِ، فَلْيَأْتِيَانِي بِهِ، فَبَعَثَ بَاذَانُ قَهْرَمَانَهُ (٤)، وَرَجُلًا آخَرَ، وَكَتَبَ مَعَهُمَا كِتَابًا، فَقَدِمَا المَدِينَةَ، فَدَفَعَا كِتَابِ بَاذَانَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَدَعَاهُمَا إلى الإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ -ﷺ-:
_________________
(١) أورد نصَّ كتاب رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إلى كسرى: ابن جرير الطبري في تاريخه (٢/ ١٣٣) - وحسنه الألباني في تعليقه على فقه السيرة للغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٣٥٨.
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب كتاب النبي -ﷺ- إلى كسرى وقيصر - رقم الحديث (٤٤٢٤) والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٨٤).
(٣) الجَلَدُ: القَوِيُّ في نفسه وجسْمِهِ. انظر النهاية (١/ ٢٧٥).
(٤) القَهْرَمَانُ: بفتح القاف هو كالخازن والوكيل والحافظ لما تحْتَ يده، والقائمُ بأمورِ الرَّجل، بلغة الفرس. انظر النهاية (٤/ ١١٣). روى الإِمام البخاري في صحيحه - كتاب الوكالة - باب وكالة الشاهد والغائب جائزة - قال: وكتب عبد اللَّه بن عمرو إلى قهرمانه وهو غائب عنه أن يزكي عن أهله -أي زكاة الفطر- الصغير والكبير.
[ ٣ / ٣٦٨ ]
"ارْجِعَا عَنِّي يَوْمَكُمَا هَذَا حَتَّى تَأْتِيَانِي الغَدَ فَأُخْبِرُكُمَا بِمَا أُرِيدُ".
فَجَاءَاهُ مِنَ الغَدِ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَبْلِغَا صَاحِبَكُمَا أَنَّ رَبِّي قَتَلَ رَبَّهُ كسْرَى في هَذِهِ اللَّيْلَةِ" (١)، لِسَبْعِ سَاعَاتٍ مَضَتْ مِنْهَا، وَهِيَ لَيْلَةُ الثُّلَاثَاءِ لِعَشْرِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ جُمَادَى الأُولَى سَنَةَ سَبْعٍ، وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى سَلَّطَ عَلَيْهِ ابْنَهُ شِيرَوَيْهِ، فَقَتَلَهُ، فَرَجَعَا إلى بَاذَانَ بِذَلِكَ، فَأَسْلَمَ بَاذَانُ، وَأَسْلَمَ الأَبْنَاءُ (٢) مَعَهُ مِنْ فَارِسٍ الذِينَ كَانُوا بَاليَمَنِ (٣).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - الدُّعَاءُ إِلَى الإِسْلَامِ بِالكَلَامِ وَالكِتَابَةِ وَأَنَّ الكِتَابَةَ تَقُومُ مَقَامَ النُّطْقِ.
٢ - وَفِيهِ إِرْشَادُ المُسْلِمِ إلى الكَافِرِ.
٣ - وَفِيهِ أَنَّ العَادَةَ جَرَتْ بَيْنَ المُلُوكِ بِتَرْكِ قَتْلِ الرُّسُلِ، وَلهَذَا مَزَّقَ كِسْرَى كِتَابَ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلرَّسُولِ (٤).
_________________
(١) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٤٣٨) وإسناده صحيح.
(٢) يُقال لأولادِ فارِس: الأبناء، وهم الذين أرسَلَهُمْ كسرى مع سَيْفِ بنِ ذِي يَزَن لما جاء يستَنْجِدُهُ على الحبَشَةِ، فنَصَرُوهُ ومَلَكُوا اليمن، وتدَيَّروها وتزوَّجُوا في العرب، فقيل لأولادهم الأبناء، وغلب عليهم هذا الاسم؛ لأن أمهاتهم من غير جنس آبائهم. انظر النهاية (١/ ٢١).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٢٥).
(٤) انظر فتح الباري (٦/ ٢٠٩).
[ ٣ / ٣٦٩ ]
* تَبْشِيرُ الرَّسُولِ -ﷺ- بِفَتْحِ فَارِسٍ وَالرُّومِ:
وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ ﷾ دَعْوَةَ نَبِيِّهِ -ﷺ-، فَقَدْ مَزَّقَ اللَّهُ تَعَالَى مُلْكَ فَارِسٍ، وَسَقَطَتْ دَوْلَتُهُمْ فِي خِلَافَةِ الفَارُوقِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁-، وَمَلَكَهَا المُسْلِمُونَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَفْتَحُنَّ كنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (١).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَقَدِ اسْتُشْكِلَ هَذَا مَعَ بَقَاءِ مَمْلَكَةِ الفُرْسِ؛ لِأَنَّ آخِرَهُمْ قُتِلَ فِي زَمَانِ عُثْمَانَ -﵁-، وَاسْتُشْكِلَ أَيْضًا مَعَ بَقَاءِ مَمْلَكَةِ الرُّومِ، وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ: بِأَنَّ المُرَادَ لَا يَبَقَى كِسْرَى بِالعِرَاقِ وَلَا قَيْصَرُ بِالشَّامِ، فَإِنَّ مُلْكَهُمَا زَالَ عَنِ الإِقْلِيمَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، وَقِيلَ: الحِكْمَةُ فِي أَنَّ قَيْصَرَ بَقِيَ مُلْكُهُ وَإِنَّمَا ارْتَفَعَ مِنَ الشَّامِ وَمَا وَالَاهَا، وَكِسْرَى ذَهَبَ مُلْكُهُ أَصْلًا وَرَأْسًا أَنَّ قَيْصَرَ لَمَّا جَاءَهُ كِتَابُ النَّبِيِّ -ﷺ- قَبِلَهُ وَكَادَ أَنْ يُسْلِمَ، وَكِسْرَى لَمَّا أَتَاهُ كِتَابُ النَّبِيِّ -ﷺ- مَزَّقه فَدَعَا عَلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يُمَزِّقَ مُلْكَهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ فَكَانَ كَذَلِكَ (٢).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإِسلام - رقم الحديث (٣٦١٨) - وأخرجه مسلم - كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب لا تقوم الساعة حتى يمُرَّ الرجل بقبر الرجل - رقم الحديث (٢٩١٨).
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٣٣٤).
[ ٣ / ٣٧٠ ]
رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "لَتَفْتَحَنَّ عِصَابَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، أَوْ مِنَ المُؤْمِنِينَ كَنْزَ آلِ كِسْرَى الذِي فِي الأَبْيَضِ" (١).
٤ - كِتَابُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى المُقَوْقِسِ مَلِكِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ
وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَاطِبَ بنَ أَبِي بَلْتَعَةَ -﵁-، إلى المُقَوْقِسِ عَظِيمِ القِبْطِ صَاحِبِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ، وَاسْمُهُ جُرَيْجُ بنُ مِينَاءَ، يَدْعُوهُ إِلَى الإِسْلَامِ، وَكتَبَ مَعَهُ كِتَابًا هَذَا نَصُّهُ:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ وَرَسُولهِ، إلى المُقَوْقِسِ عَظِيِم القِبْطِ، سَلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الإِسْلَامِ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَسْلِمْ يُؤْتِك اللَّهُ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ تَوَلَّيْتَ، فَإِنَّ عَلَيْكَ إِثْمُ القِبْطِ، ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ ".
فَلَمَّا انْتَهَى الكِتَابُ إلى المُقَوْقِسِ، أخَذَهُ فَقَبَّلَهُ ثُمَّ قَرَأَهُ، وَأَكْرَمَ حَاطِبًا وَأَحْسَنَ نُزُلَهُ، ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ وَقَدْ جَمَعَ بَطَارِقَتَهُ، فَقَالَ لَهُ: إِنِّي سَأُكَلِّمُكَ بِكَلَامٍ وَأُحِبُّ أَنْ تَفْهَمَهُ مِنِّي.
_________________
(١) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١٨/ ٣٤): قوله -ﷺ-: "الأبْيَضُ" أىِ الذي في قَصْرِهِ الأبيض. والحديث أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل - رقم الحديث (٢٩١٩) (٧٨).
[ ٣ / ٣٧١ ]
قَالَ حَاطِبٌ: هَلُمَّ.
قَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ صَاحِبِكَ أَلَيْسَ هُوَ نَبِيٌّ؟
قَالَ حَاطِبٌ: بَلَى، هُوَ رَسُولُ اللَّهِ.
فَقَالَ المُقَوْقِسُ: فَمَالَهُ حَيْثُ كَانَ هَكَذَا لَمْ يَدْعُ عَلَى قَوْمِهِ حَيْثُ أَخْرَجُوهُ مِنْ بَلَدِهِ إلى غَيْرِهَا؟
فَقَالَ لَهُ حَاطِبٌ: أَلَسْتَ تَشْهَدُ أَنَّ عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ، فَمَالَهُ حِينَ أَخَذَهُ قَوْمُهُ فَأَرَادُوا أَنْ يَقْتُلُوهُ أَلَّا يَكُونَ دَعَا عَلَيْهِمْ بِأَنْ يُهْلِكَهُمُ اللَّهُ ﷿، حَتَّى رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ في السَّمَاءِ الدُّنْيَا؟
فَقَالَ المُقَوْقِسُ: أَنْتَ حَكِيمٌ جَاءَ مِنْ عِنْدِ حَكِيمٍ.
ثُمَّ كَتَبَ المُقَوْقِسُ كِتَابًا إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَعْطَاهُ حَاطِبًا قَالَ فِيهِ:
قَدْ قَرَأْتُ كِتَابَكَ، وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ فِيهِ، وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ، وَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ نَبِيًّا بَقِيَ، وَكُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالشَّامِ، وَقَدْ أَكْرَمْتُ رَسُولَكَ، وَبَعَثْتُ إِلَيْكَ بِجَارِيَتَيْنِ لَهُمَا مَكَانٌ فِي القِبْطِ عَظِيمٌ، وَقَدْ أَهْدَيْتُ لَكَ كِسْوَةً، وَبَغْلَةً تَرْكَبُهَا، وَاسْمُ هَذِهِ الْبَغْلَةِ "دُلْدُلٌ".
وَلَمْ يَزِدِ المُقَوْقِسُ عَلَى هَذَا، وَلَمْ يُسْلِمْ، وَرَجَعَ حَاطِبٌ -﵁- إِلَى المَدِينَةِ، وَذَكَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَوْلَ المُقَوْقِسِ، فَقَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "ضَنَّ (١) الخَبِيثُ
_________________
(١) ضَنَّ: بفتح الضاد وتشديد النون: يعني بَخِلَ. انظر النهاية (٣/ ٩٥).
[ ٣ / ٣٧٢ ]
بِمُلْكِهِ، وَلَا بَقَاءَ لِمُلْكِهِ"، وَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هَدِيَّتَهُ، وَأَخَذَ الجَارِيَتَيْنِ وَهُمَا مَارِيَةُ وَأُخْتُهُا سِيرِينُ (١).
رَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ القَارِي قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَ حَاطِبَ بنَ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى المُقَوْقِسِ صَاحِبِ الإِسْكَنْدَرِيَّةِ -يَعْنِي بِكِتَابِهِ مَعَهُ إِلَيْهِ- فَقَبَّلَ كِتَابَهُ، وَأَكْرَمَ حَاطِبًا، وَأَحْسَنَ نُزُلَهُ، ثُمَّ سَرَّحَهُ (٢) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَهْدَى لَهُ مَعَ حَاطِبٍ كِسْوَةً وَبَغْلَةً شَهْبَاءَ بِسَرْجِهَا، وَجَارِيَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا: أُمُّ إِبْرَاهِيمَ، وَأَمَّا الأُخْرَى، فَوَهَبَهَا لِجَهْمِ بنِ قَيْسٍ العَبْدَرِيِّ -﵁-، وَهِيَ أُمُّ زَكَرِيَّا بن جَهْمٍ الذِي كَانَ خَلِيفَةَ عَمْرِو بنِ العَاصِ عَلَى مِصْرَ (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ بُرَيْدَةَ -﵁- قَالَ: . . . فَأَمَّا البَغْلَةُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَرْكَبُهَا، وَأَمَّا إِحْدَى الجَارِيَتَيْنِ فتَسَرَّاهَا (٤)، فَوَلَدَتْ لَهُ إبْرَاهِيمَ، وَأَمَّا الأُخْرَى، فَأَعْطَاهَا حَسَّانَ بنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ -﵁- (٥).
_________________
(١) انظر تفاصيل ذلك في: الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١٢٦) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٣٩٥ - ٣٩٦).
(٢) سَرّح عنه: فَرّج عنه. انظر لسان العرب (٦/ ٢٣٠).
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٥٧٠) (٤٣٤٩).
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٠/ ١٥٨): السُرية: بضم السين وكسر الراء الثقيلة، سميت بذلك لأنها مشتقهَ من التسرر، وأصله من السر، وهو من أسماء الجماع.
(٥) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٣٥٠).
[ ٣ / ٣٧٣ ]
* تَبْشِيرُ الرَّسُولِ -ﷺ- بِفَتْحِ مِصْرَ:
وَقَدْ بَشَّرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِفَتْحِ مِصْرَ وَأَوْصَى بِأَهْلِهَا خَيْرًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّكُمْ سَتَفْتَحُونَ مِصْرَ، وَهِيَ أَرْضٌ يُسَمَّى فِيهَا القِيرَاطُ (١)، فَإِذَا فتَحْتُمُوهَا فَأَحْسِنُوا إِلَى أَهْلِهَا، فَإِنَّ لَهُمْ ذِمَّةً وَرَحِمًا"، أَوْ قَالَ: "ذِمَّةً وَصِهْرًا" (٢).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَمَّا الذِّمَّةُ فَهِيَ الحُرْمَةُ وَالحَقُّ وَهِيَ هُنَا بِمَعْنَى الذِّمَامِ، وَأَمَّا الرَّحِمُ فَلِكَوْنِ هَاجَرَ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ مِنْهُمْ، وَأَمَّا الصِّهْرُ فَلِكَوْنِ مَارِيَةَ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ مِنْهُمْ (٣).
وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الكَبِيرِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَوْصَى عِنْدَ وَفَاتِهِ فَقَالَ: "اللَّهَ اللَّهَ فِي قِبْطِ مِصْرَ، فَإِنَّكُمْ سَتَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَكُونُونَ لَكُمْ عُدَّةً وَأَعْوَانًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ" (٤).
_________________
(١) قال ابن الأثير في النهاية (٤/ ٣٧): القِيرَاطُ: جزءٌ من أجزاء الدينار، . . . وأرادَ بالأرض المستفتحة مصر، وخصَّها بالذكر، وإن كان القيراط مذكورًا في غيرها؛ لأنه كان يغلب على أهلها أن يقولوا: أعْطَيْتُ فلانًا قَرَارِيط، إذا أسمعه ما يكرهه، واذْهَبْ لا أعطيك قَرَارِيط: أي سَبَّك وإسماعك المكروه، ولا يوجد ذلك في كلام غيرهم.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب وصية النبي -ﷺ- بأهل مصر - رقم الحديث (٢٥٤٣) (٢٢٧) - وأخرجه الإِمام أحمد في المسند - رقم الحديث (٢١٥٢٠).
(٣) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٦/ ٧٩).
(٤) أورده الألباني ﵀ في السلسلة الصحيحة - رقم الحديث (٣١١٣) - وعزاه إلى الطبراني في الكبير - وصحح إسناده.
[ ٣ / ٣٧٤ ]
٥ - كِتَابُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى الحَارِثِ بنِ أَبِي شِمْرٍ صَاحِبِ دِمَشْقَ
وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شُجَاعَ بنَ وَهْبٍ الأَسْدِيَّ -﵁-، إِلَى الحَارِثِ بنِ أَبِي شِمْر الغَسَّانِيِّ صَاحِبِ دِمَشْقَ يَدْعُوهُ إلى الإِسْلَامِ، وَكَتَبَ مَعَهُ كِتَابًا هَذَا نَصُّهُ:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى الحَارِثِ بنِ أَبِي شِمْرٍ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَصَدَّقَ، إِنِّي أَدْعُوكَ إلى أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، يَبْقَى لَكَ مُلْكُكَ".
فَلَمَّا قَرَأَ الحَارِثُ بنُ أَبِي شِمْرٍ كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَمَى بِهِ، وَقَالَ: مَنْ يَنْتَزعُ مِنِّي مُلْكِي، وَبَدَأَ هَذَا الرَّجُلُ يَحْشُدُ جَيْشَهُ لِلْهُجُومِ عَلَى المَدِينَةِ، وَلَكِنَّ هِرَقْلَ تَدَخَّلَ وَدَعَاهُ إِلَى إِيلْيَاءَ -بَيْتِ المَقْدِسِ-، وَرَجَعَ شُجَاعُ بنُ وَهْبٍ -﵁- إِلَى المَدِينَةِ، وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ -ﷺ-: "بَادَ مُلْكُهُ"، وَمَاتَ الحَارِثُ بنُ أَبِي شِمْرٍ الغَسَّانِيُّ عَامَ الفَتْحِ (١).
وَكَانَ هَذَا التَّوَتُّرُ مَعَ الحَارِثِ بنِ أَبِي شِمْرٍ بِدَايَةَ أَمْرِ مَعْرَكَةِ مُؤْتَةَ، كَمَا سَيَأْتِي.
* * *
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكبْرى لابن سعد (١/ ١٢٦) - زاد المعاد (٣/ ٦٠٨).
[ ٣ / ٣٧٥ ]
٦ - كِتَابُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى هَوْذَةَ بنِ عَلِيٍّ مَلِكِ اليَمَامَةِ
وَبَعَثَ الرَّسُولُ -ﷺ- سَلِيطَ بنَ عَمْرٍو العَامِرِيَّ -﵁-، إِلَى هَوْذَةَ بنِ عَلِيٍّ الحَنَفِيِّ صَاحِبِ اليَمَامَةِ يَدْعُوهُ إلى الإِسْلَامِ، وَكتَبَ مَعَهُ كِتَابًا هَذَا نَصُّهُ:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إلى هَوْذَةَ بنِ عَلِيٍّ، سَلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الهُدَى، وَاعْلَمْ أَنَّ دِينِي سَيَظْهَرُ إلى مُنْتَهَى الخُفِّ (١) وَالحَافِرِ (٢)، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَأَجْعَلُ لَكَ مَا تَحْتَ يَدَيْكَ".
فَلَمَّا قَدِمَ سَلِيطٌ -﵁- عَلَى هَوْذَةَ بنِ عَلِيٍّ بِكِتَابِ الرَّسُولِ -ﷺ-، أَنْزَلَهُ وَحَيَّاهُ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ الكِتَابَ، فَلَمْ يَرُدَّ هَوْذَةُ بنُ عَلِيٍّ كِتَابَ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَكتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كِتَابًا قَالَ فِيهِ: مَا أَحْسَنَ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ وَأَجْمَلَهُ، وَأَنَا شَاعِرُ قَوْمِي، وَخَطِيبُهُمْ، وَالعَرَبُ تَهَابُ مَكَانِي، فَاجْعَلْ لِي بَعْضَ الأَمْرِ أَتْبَعْكَ.
ثُمَّ إِنَّهُ أَجَازَ سَلِيطًا -﵁- بِجَائِزَةٍ، وَكَسَاهُ أَثْوَابًا مِنْ نَسْجِ هَجَرٍ (٣)، فَقَدِمَ سَلِيطٌ -﵁- بِذَلِكَ كُلِّهِ عَلَى الرَّسُولِ -ﷺ-، فَلَمَّا قُرِئَ كِتَابُ هَوْذَةَ بنِ عَلِيٍّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "لَوْ سَأَلَنِي سَيَابَةً (٤) مِنَ الأَرْضِ مَا فَعَلْتُ،
_________________
(١) أراد بالخُف الإبل. انظر النهاية (٢/ ٥٣).
(٢) الحاَفرِ من الدواب: يكون للفرس، لأن الفرس بشدة دوسها تحفر الأرض. انظر النهاية (١/ ٣٩٠) - لسان العرب (٣/ ٢٣٧). ومعنى كلامه -ﷺ- أن دينه الإِسلام سيبلغ ما بلغَ الفرس والإبل.
(٣) هَجَر: هي اليوم منطقة الإحساء.
(٤) السَّيابة: بفتح السين: البَلَحَة. انظر النهاية (٢/ ٣٨٧).
[ ٣ / ٣٧٦ ]
بَادَ وَبَادَ مَا فِي يَدَيْهِ". وَمَاتَ هَوْذَةُ بنُ عَلِيٍّ الحَنَفِيُّ عِنْدَمَا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ فَتْحِ مَكَّةَ (١).
هَذِهِ هِيَ الكُتُبُ السِّتَّةُ التِي بَعَثَ بِهَا الرَّسُولُ -ﷺ- رُسُلَهُ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ فِي المُحَرَّمِ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، وَقَدْ كتَبَ رَسُولُ اللَّهِ كتبًا أُخْرَى بَعَثَ بِهَا إِلَى مُلُوكِ عُمَانَ، وَالبَحْرَيْنِ، وَاليَمَنِ، سَنَذْكُرُهَا فِي حِينِهَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَيُلَاحَظُ عَلَى هَذِهِ الكُتُبِ الخِبْرَةُ الدَّقِيقَةُ بِنُفُوسِ مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ، وَحُسْنُ تَخَيُّرِ الأَلْفَاظِ المُنَاسِبَةِ لِلْكُلِّ، وَالمُثِيرَةِ لِلْعَوَاطِفِ وَالمَشَاعِرِ، كَمَا يُلَاحَظُ أَنَّ بَعْضَ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ كَانَ رَدُّهُ رَدًّا جَمِيلًا رَقِيقًا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى قُوَّةِ الإِسْلَامِ وَسَطْوَتِهِ، وَسَمَاحَةِ دَعْوَتِهِ، فَلَا تَعْقِيدَ فِيهَا وَلَا غُمُوضَ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ الذِينَ حَمَلُوا الكِتَابَ كَانُوا عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّ الرَّسُولِ -ﷺ- بِهِمْ، وَوَفَّوْا بِمَا عَاهَدُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الإِقْدَامِ، كَمَا كَانَ عَجِيبًا أَنْ لَمْ يُقْتَلْ مِنَ الرُّسُلِ عَلَى كَثْرَتِهِمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ العَالَمَ حِينَئِذٍ كَانَ يَسْتَشْرِفُ إِلَى دِينٍ جَدِيدٍ سَمْحٍ، يُنْقِذُهُ مِنَ الحَضِيضِ الذِي هَوَى إِلَيْهِ، فَكَانَ هَذَا الدِّينُ هُوَ الإِسْلَامُ (٢).
* * *
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٢٦) - زاد المعاد (٣/ ٦٠٧).
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة (٢/ ٣٦) للدكتور محمد أبو شهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٣ / ٣٧٧ ]
إِصَابَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنْ سِحْرِ يَهُودٍ (١)
لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الحِجَّةِ وَدَخلَ شَهْرُ المُحَرَّمِ جَاءَتْ رُؤَسَاءُ مِنَ اليَهُودِ مِنَ الذِينَ بَقُوا بِالمَدِينَةِ مِمَّنْ يُظْهِرُ الإِسْلَامَ وَهُوَ مُنَافِقٌ إِلَى لَبِيدِ بنِ الأَعْصَمِ (٢) مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ (٣)، وَكَانَ مُنَافِقًا (٤)، وَكَانَ سَاحِرًا قَدْ عَلِمَتْ ذَلِكَ يَهُودٌ أَنَّهُ أَعْلَمُهُمْ بِالسِّحْرِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا الأَعْصَمِ! أَنْتَ أَسْحَرُ مِنَّا، وَقَدْ سَحَرَنَا مُحَمَّدٌ فَسَحَرَ مِنَّا الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ فَلَمْ نَصْنَعْ شَيْئًا، وَأَنْتَ تَرَى أَثَرَهُ فِينَا وَخِلَافَهُ دِينَنَا، وَمَنْ قَتَلَ مِنَّا وَأَجْلَى، وَنَحْنُ نَجْعَلُ لَكَ عَلَى ذَلِكَ
_________________
(١) قال القاضي عياض في كتابه الشفا (٢/ ١٨٦ - ١٨٧): السِّحْرُ مرضٌ من الأمراض وعارضٌ من العلل يجوزُ عليهم -أي على الأنبياء- كأنواع الأمراض ممَّا لا ينكر ولا يقدح في نبوتهم، وسيتبيَّن لنا من مضمون الروايات التي سنوردها فيما أصابه -ﷺ- من السحر، أن السحر إنما تسلط على ظاهره وجوارحه، لا على قلبه واعتقاده وعقله، وأنه إنما أثَّر في بصره وحَبْسِهِ عن نسائه وطعامه، وأضعَفَ جِسْمَهُ وأمرضه، فليسَ في إصابة السِّحْرِ له -ﷺ- وتأثِيرِهِ فيه ما يُدخل لبسًا في أمره أو شرعه -ﷺ-.
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١١/ ٣٨٩): لَبيد: بفتح اللام وكسر الباء، والأعصم: بوزن أحمر.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١١/ ٣٨٩): زُريق: بضم الزاي وفتح الراء مصغرًا، بطن من الأنصار مشهور من الخزرج، وكان بين كثير من الأنصار وبين كثير من اليهود قبل الإِسلام حِلْفٌ وإخَاءٌ وَوُدٌّ، فلما جاء الإِسلام ودخل الأنصار فيه تبرءوا منهم.
(٤) قلتُ: وقع في بعض الروايات أنه يهودي، والصحيح أنه من الأنصار من بني زريق، وكان منافقًا. قال القاضي عياض فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (١١/ ٣٨٩): يحتمل أن يكون قيل له يهودي، لكون من حلفائهم، لا أنه كان على دينهم.
[ ٣ / ٣٧٨ ]
جُعْلًا (١) عَلَى أَنْ تَسْحَرَهُ لَنَا سِحْرًا يَنْكَؤُهُ (٢).
* تَأَثُّرُ الرَّسُولِ -ﷺ- بِسِحْرِ لَبِيدٍ:
فَعَمَدَ لَبِيدُ بنُ الأَعْصَمِ إِلَى مُشْطٍ (٣) وَمُشَاطَةٍ (٤)، فَعَقَدَ فِيهِ عَقْدًا، وَتَفَلَ فِيهِ تَفْلًا، وَجَعَلَهُ فِي جُبِّ (٥) طَلْعِ نَخْلَةٍ ذَكَرٍ، ثُمَّ انْتَهَى بِهِ حَتَّى جَعَلَهُ تَحْتَ رَعُوفَةِ (٦) البِئْرِ، فَوَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَمْرًا أَنْكَرَهُ حَتَّى يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ الشَّيْءَ وَلَا يَفْعَلُهُ، وَحَتَّى كَانَ يَرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ، وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ.
وَمَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَرَضًا شَدِيدًا، وَأُخِذَ عَنِ النِّسَاءِ، وَعَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، فَلَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سِتَّةَ أَشْهُرٍ (٧)، حَتَّى دَلَّهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، قَالَتْ
_________________
(١) الجُعْلُ: كل ما يُجعل على العمل من أجْرٍ أو غيره. انظر لسان العرب (٢/ ٣٠١).
(٢) نَكَأْتُ العَدُوَّ: أكثَرْتُ فيه الجِرَاحَ والقتل. انظر النهاية (٥/ ١٠٣) - لسان العرب (١٤/ ٢٧٥).
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١١/ ٣٩٣): المُشْط: بضم الميم، وهو الآلة المعروفة التي يُسَرَّح بها شعر الرأس واللحية.
(٤) المشاطة ما يخرج من الشعر الذي سقط من الرأس إذا سُرح بالمشط. انظر فتح الباري (١١/ ٣٩٦).
(٥) وفي رواية أخرى: جُفّ: بالفاء. قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١٤/ ١٤٩): وهما بمعنى واحد، وهو وِعَاءُ طلع النخل، وهو الغشاء الذي يكون عليه، ويطلق على الذكر والأنثى.
(٦) الرَعُوفَة: هي صَخْرَةٌ تُتْرَكُ في أسفل البِئْرِ إذا حُفِرَت تكون ناتِئَةً هناك، فإذا أرادوا تَنْقِيَةَ البئر جلسَ المُنتقِي عليها. انظر النهاية (٤/ ٢١٢) - فتح الباري (١١/ ٣٩٩).
(٧) هذه رواية الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٣٤٧)، ووقع في رواية أبي ضمرة عند الإسماعيلي "فأقام أربعين ليلة". =
[ ٣ / ٣٧٩ ]
عَائِشَةُ ﵂، حَتَّى إِذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَوْ ذَاتَ لَيْلَةٍ عِنْدِي دَعَا اللَّهَ، ثُمَّ دَعَا، ثُمَّ دَعَا (١)، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "يَا عَائِشَةُ! أَشَعَرْتِ أَنَّ اللَّهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ؟ أَتَانِي رَجُلَانِ (٢) -هُمَا جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ-، فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ (٣)؟
فَقَالَ: مَطْبُوبٌ (٤).
قَالَ: مَنْ طَبَّهُ؟
قَالَ: لَبِيدُ بنُ الأَعْصَمِ.
قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟
قَالَ: فِي مُشْطٍ، وَمُشَاطَةٍ، وَجُفِّ طَلْع نَخْلَةٍ ذَكَرٍ.
قَالَ: وَأَيْنَ هُوَ؟
قَالَ: في بِئْرِ ذَرْوَانَ" (٥)، فَأَتَاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ (٦)
_________________
(١) = قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١١/ ٣٩٠): ويُمْكِنُ الجمعُ بأنْ تكُونَ السِّتَّةُ أشهر من ابتداءً تغير مزاجه -ﷺ- والأربعين يومًا من استِحْكَامِهِ.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١١/ ٣٩١): هذا هو المَعْهُودِ منه -ﷺ- أنه كان يُكَرِّرُ الدعاء ثلاثًا.
(٣) في رواية الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٣٤٧) عن عائشة ﵂ قالت: فأتَاهُ مَلَكَانِ.
(٤) في رواية الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٣٤٧) قال: مَا بَالُهُ.
(٥) مطبُوبٌ: أي مسحور. انظر النهاية (٣/ ١٠١).
(٦) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١١/ ٣٩٤): الأصل: بئر ذي أرْوَان، ثم لكثرة الاستعمال سهلت الهمزة، فصارت ذَرْوَان، وهي بفتح الذال وسكون الراء.
(٧) وقعَ في حديث ابن عباس ﵄ عند ابن سعد في طبقاته (٢/ ٣٤٩): فبعث =
[ ٣ / ٣٨٠ ]
فَشَاهَدَهَا، فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَاءَ عَائِشَةَ، فَقَالَ لَهَا: "يَا عَائِشَةُ! هَذِهِ البِئْرُ التِي أُورِيتُهَا، كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ (١) الحِنَّاءِ، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ".
فَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَفَلَا اسْتَخْرَجْتَهُ؟
قَالَ: "قَدْ عَافَانِيَ اللَّهُ فكَرِهْتُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ شَرًّا" (٢)، ثُمَّ أَمَرَ بِالبِئْرِ فَدُفِنَتْ (٣).
* نُزُوُل المُعَوِّذَتَيْنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَنَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- المُعَوِّذَتَانِ، سُورَةُ الفَلَقِ وَسُورَةُ النَّاسِ، وَشُفِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ سِحْرِ لَبِيدِ بنِ الأَعْصَمِ.
_________________
(١) = رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إلى عليٍّ وعمار ﵄ فأمرهما أن يأتيا البئر. قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١١/ ٣٩٤): ويمكنُ الجمع بأن الرسول -ﷺ- وجَّهَ أصحابه أوَّلًا، ثم توجّه فشاهده بنفسه.
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١١/ ٣٩٤): نُقَاعَة: بضم النون وتخفيف القاف، وهو الماء الذي يُنْقَعُ فيه الحِنَّاء، والحِنَّاءُ معروفٌ: أي أن لون ماء البئر لون الماء الذي ينقع فيه الحناء، يعني أحمر.
(٣) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١٤/ ١٤٩): خَشِيَ -ﷺ- من إخراجه وإشاعته ضررًا وشَرًّا على المسلمين من تذكر السحر أو تعلمه وشُيُوعه والحديث فيه، وهو من باب ترك المصلحة لخوف مفسدة أعظم منها.
(٤) أخرج خبر إصابة الرسول -ﷺ- بالسحر: البخاري في صحيحه - كتاب الطب - باب السحر - رقم الحديث (٥٧٦٣) - وباب هل يستخرج السحر؟ - رقم الحديث (٥٧٦٥) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب السلام - باب السحر - رقم الحديث (٢١٨٩) (٤٣) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٣٤٧) (٢٤٣٤٨) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٩٣٤) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب ذكر وصف ما طب النبي -ﷺ- رقم الحديث (٦٥٨٣) (٦٥٨٤).
[ ٣ / ٣٨١ ]
رَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، عَنْ زَيْدِ بنِ أَرْقَمٍ -﵁-، قَالَ: سَحَرَ النَّبِيَّ -ﷺ- رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ (١)، فَاشْتَكَى، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ (٢).
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-. "أُنْزِلَتْ عَلَيَّ سُورَتَانِ، فتَعَوَّذُوا بِهِنَّ، فَإِنَّهُ لَمْ يُتَعَوَّذْ بِمِثْلِهِنَّ". يَعْنِي المُعَوِّذَتَيْنِ (٣).
* تَرْكُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَبِيدَ بنَ الأَعْصَمِ:
وَترَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَبِيدَ بنَ الأَعْصَمِ، وَلَمْ يَقْتُلْهُ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ سُئِلَ: أَعَلَى مَنْ سَحَرَ مِنْ أَهْلِ العَهْدِ قَتْلٌ؟ قَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ صُنِعَ لَهُ ذَلِكَ، فَلَمْ يَقْتُلْ مَنْ صَنَعَهُ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ (٤).
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَإِنَّمَا لَمْ يَقْتُلِ النَّبِيُّ -ﷺ- لَبِيدَ بنَ الأَعْصَمِ: لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَنْتَقِمُ لِنَفْسِهِ؛ وَلِأَنَّهُ خَشِيَ إِذَا قتَلَهُ أَنْ تَثُورَ بِذَلِكَ
_________________
(١) أي من حلفاء يهود، لا أنه يهودي؛ لأنه من الأنصار من بني زُريق، وكان منافقًا، كما ذكرنا ذلك قبل قليل.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٩٣٥).
(٣) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٢٩٩).
(٤) عَلّقه البخاري في صحيحه - كتاب الجزية والموادعة - باب هل يُعفى عن الذمي إذا سحر؟ . قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٦/ ٤١٤): وصله ابن وهب في جامعه.
[ ٣ / ٣٨٢ ]
فِتْنَةٌ بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَبَيْنَ حُلَفَائِهِ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ مِنْ نَمَطِ مَا رَاعَاهُ مِنْ تَرْكِ قَتْلِ المُنَافِقِينَ (١).
* أَنْفَعُ عِلَاجِ لِلسِّحْرِ:
قَالَ ابنُ القَيِّمِ: وَمِنْ أَنْفَعِ عِلَاجَاتِ السِّحْرِ الأَدْوِيَةُ الإِلهِيَّةُ مِنَ الأَذْكَارِ، وَالآيَاتِ، وَالدَّعَوَاتِ، فَالقَلْبُ إِذَا كَانَ مُمْتَلِئًا مِنَ اللَّهِ مَغْمُورًا بِذِكْرِهِ، وَلَهُ مِنَ التَّوَجُّهَاتِ وَالدَّعَوَاتِ وَالأَذْكَارِ وَالتَّعَوُّذَاتِ وِرْدٌ لَا يُخِلُّ بِهِ يُطَابِقُ قَلْبَهُ وَلسَانَهُ، كَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الأَسْبَابِ التِي تَمْنَعُ إِصَابَةَ السِّحْرِ لَهُ، قَالَ: وَسُلْطَانُ تَأْثِيرِ السِّحْرِ هُوَ فِي القُلُوبِ الضَّعِيفَةِ، وَلهَذَا غَالِبُ مَا يُؤَثّر فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالجُهَّالِ؛ لِأَنَّ الأَرْوَاحَ الخَبِيثَةَ إِنَّمَا تَنْشَطُ عَلَى أَرْوَاحٍ تَلْقَاهَا مُسْتَعِدَّةً لِمَا يُنَاسِبُهَا (٢).
وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ، وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ -أَيْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ القَيِّمِ -﵁- حَدِيثُ البَابِ، وَجَوَازُ السِّحْرِ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- مَعَ عَظِيمِ مَقَامِهِ وَصِدْقِ تَوَجُّهِهِ، وَمُلَازَمَةِ وِرْدِهِ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ ذِكْرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الغَالِبِ، وَأَنَّ مَا وَقَعَ بِهِ -ﷺ- لِبَيَانِ تَجْوِيزِ ذَلِكَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣).
* * *
_________________
(١) انظر فتح الباري (١١/ ٤٠٢).
(٢) انظر زاد المعاد (٤/ ١١٦).
(٣) انظر فتح الباري (١١/ ٤٠١).
[ ٣ / ٣٨٣ ]
قُدُومُ قُتَيْلَةَ (١) بِنْتِ عَبْدِ العُزَّى عَلَى ابْنَتِهَا أَسْمَاءَ ﵂
مِنَ الأَحْدَاثِ التِي حَدَثَتْ فِي فَتْرَةِ هُدْنَةِ الحُدَيْبِيَةِ: أَنْ قَدِمَتْ قُتَيْلَةُ بِنْتُ عَبْدِ العُزَّى عَلَى ابْنَتِهَا أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵂، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهِيَ مُشْرِكَةٌ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ، إِذْ عَاهَدُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَمُدَّتِهِمْ (٢)، فَاسْتَفْتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقُلْتُ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِبَةٌ (٣)، أَفَأَصِلُ أُمِّي؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ، صِلِي أُمَّكِ".
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٨) إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ
_________________
(١) قُتيلة بالتصغير بنت عبد العُزَّى، زوجة أبي بكر الصديق -﵁- وكان طلَّقَها في الجاهلية، ورُزِقَ منها أسماءَ، وعبدَ اللَّه وهو الذي كان يأتي بالأخبار إلى الرسول -ﷺ- يومَ الهجرة، وتقدم ذكر ذلك. واختُلِفَ في إسلام قُتَيلة هذه، قال الإِمام النووي في شرح مسلم (٧/ ٧٨): اختلف العلماء في إسلام قتيلة هل أسلمت أم ماتت على كفرها، والأكثرون على موتها مشركة.
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٥٥٥): أرادت بذلك ما بين الحديبية والفتح.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٥/ ٥٥٥): قولها ﵂: وهي راغبة: أي في شيء تأخذه وهي على شركها، ولهذا استأذنت أسماء في أن تَصِلَهَا، ولو كانت راغبة في الإِسلام لم تحتج إلى إذن.
[ ٣ / ٣٨٤ ]
الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (١).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَيُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذَا الحَدِيثِ:
١ - وُجُوبُ نَفَقَةِ الأَبِ الكَافِرِ وَالأُمِّ الكَافِرَةِ، وَإِنْ كَانَ الوَلَدُ مُسْلِمًا.
٢ - وَفِيهِ مُوَادَعَةُ أَهْلِ الحَرْبِ وَمُعَامَلَتُهُمْ فِي زَمَنِ الهُدْنَةِ.
٣ - وَفِيهِ السَّفَرُ فِي زِيَارَةِ القَرِيبِ.
٤ - وَفِيهِ تَحَرِّي أَسْمَاءَ ﵂ فِي أَمْرِ دِينِهَا، وَكَيْفَ لَا، وَهِيَ بِنْتُ الصِّدِّيقِ، وَزَوْجُ الزُّبَيْرِ ﵃ أَجْمَعِينَ (٢).
* * *
_________________
(١) سورة الممتحنة آية (٨ - ٩) - والخبر أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الهبة وفضلها - باب الهدية للمشركين - رقم الحديث (٢٦٢٠) - وأخرجه في كتاب الجزية والموادعة - باب (١٨) - رقم الحديث (٣١٨٣) - وأخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين - رقم الحديث (١٠٠٣) - وأخرجه البخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (١٩).
(٢) انظر فتح الباري (٥/ ٥٥٦).
[ ٣ / ٣٨٥ ]
غَزْوَةُ ذِي قَرَدٍ (١) أَوِ الغَابَةُ
وَكَانَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ قَبْلَ غَزْوَةِ خَيْبَرَ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ (٢)، وَأَجْمَعَ أَهْلُ المَغَازِي وَالسِّيَرِ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الحُدَيْبِيَةِ (٣).
_________________
(١) ذي قَرَد: بفتح القاف والراء: ماء على ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر. انظر النهاية (٤/ ٣٣). وتسمى كذلك هذه الغزوة باسم: غزوة الغَابَة وهي موضع على بريد -البريد مسافة معلومة قدرت بفرسخين، والفرسخ: ثلاثة أميال- من المدينة في طريق الشام، أضيفت إليها الغزوة؛ لأن اللّقَاح -وهي الإبل- التي أُغير عليها كانت بها. انظر شرح المواهب (٣/ ١٠٩) - لسان العرب (١/ ٣٦٧) (١٠/ ٢٢٣) - معجم البلدان (٦/ ٣٧٣).
(٢) قال ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٢٤٩): وهذه الغزوةُ كانت بعد الحديبية، وقد وَهِمَ فيها جماعة من أهل المغازي والسير، فذكروا أنها كانت قبل الحديبية، والدليل على صِحَّة ما قلنا ما رواه الإِمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٨٠٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٥١٣) (١٦٥٣٩) -واللفظ لأحمد- عن إياس بن سلمة عن أبيه قال: قدِمْنَا المدينة زَمَنَ الحديبية مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، فخرجنا أنا ورَبَاح غلام رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بِظَهْرِ -أي إبل- رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وخرجت بفرس لطلحة بن عبيد اللَّه -﵁-. . .، فلما كان بِغَلَس -أي آخر الليل- أغار عبد الرحمن بن عيَيْنة بن حصن الفزاري على إِبِل رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وقتل راعيها. وساق القصة. وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٢٣٤): بعد أن ساق حديث سلمة بن الأكوع -﵁- قال: فعلى هذا ما في الصحيح من التاريخ لغزوة ذي قَرَد أصح مما ذكره أهل السير. قلت: ممن ذهب إلى أنها بعد الحديبية: الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٥٤١).
(٣) عند ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٨٩): أنها كانت في ربيع الأول سنة ست قبل =
[ ٣ / ٣٨٦ ]
وَهَذِهِ الغَزْوَةُ هِيَ أَوَّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ بَطَلُ هَذِهِ الغَزْوَةِ سَلَمَةَ بنَ الأَكْوَعِ -﵁-.
* سَبَبُهَا:
كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عِشْرُونَ لَقْحَةً (١) تَرْعَى بِالغَابَةِ، وَكَانَ عَلَيْهَا رَجُلٌ مِنْ غِفَارٍ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ، فَأَغَارَ عَلَيْهِمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ الفَزَارِيُّ، فَقَتَلُوا الرَّجُلَ وَأَسَرُوا امْرَأتَهُ، وَاسْتَاقُوا اللِّقَاحَ.
* تَحَرُّكُ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ -﵁-:
وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ سَمِعَ بِهِمْ سَلَمَةُ بنُ الأَكْوَعِ -﵁-، فَإِنَّهُ خَرَجَ هُوَ وَرَبَاحٌ غُلَامُ الرَّسُولِ -ﷺ- قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ نَحْوَ الغَابَةِ مُتَوَشِّحًا قَوْسَهُ وَنَبْلَهُ، ومَعَهُ فَرَسٌ لِطَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ -﵁- يَقُودُهُ، فَلَقِيَهُ غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ -﵁-، فَقَالَ لَهُ: أُخِذَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللَّهِ -﵁-، فَقَالَ لَهُ سَلَمَةُ -﵁-: مَنْ أَخَذَهَا؟ قَالَ: غَطَفَانٌ.
فَقَالَ سَلَمَةُ -﵁- لِرَبَاحٍ غُلَامِ الرَّسُولِ -ﷺ-: يَا رَبَاحُ خُذْ هَذَا الفَرَسَ فَأَلْحِقْهُ بِطَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَأَخْبِرْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَدْ أُغِيرَ عَلَى سَرْحِهِ (٢)، ثُمَّ
_________________
(١) = الحديبية، وأما ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٠٨): فإنه لم يحدد لها تاريخًا بالضبط، وإنما جعلها في أحداث السنة السادسة للهجرة قبل الحديبية.
(٢) اللِّقْحة: بكسر اللام وفتحها: هي الناقة الغزيرة اللبن. انظر النهاية (٤/ ٢٢٥).
(٣) السَّرْحُ: هي الماشية. انظر النهاية (٢/ ٣٢٢).
[ ٣ / ٣٨٧ ]
وَقَفَ سَلَمَةُ -﵁- عَلَى تَلٍّ، وَجَعَلَ وَجْهَهُ قِبَلَ المَدِينَةِ، ثُمَّ نَادَى ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: يَا صَبَاحَاهُ.
فَأَسْمَعَ مَا بَيْنَ لَابَتَيِ المَدِينَةِ (١)، قَالَ سَلَمَةُ -﵁-: ثُمَّ اتَّبَعْتُ القَوْمَ مَعِيَ سَيْفِي ونَبْلِي، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ، وَأَعْقِرُ (٢) بِهِمْ، وَذَلِكَ حِينَ يَكْثُرُ الشَّجَرُ، فَإِذَا رَجَعَ إِلَيَّ فَارِسٌ جَلَسْتُ لَهُ فِي أَصْلِ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَمَيْتُ، فَلَا يُقْبِلُ عَلَيَّ فَارِسٌ إِلَّا عَقَرْتُ بِهِ، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ، وَأَنَا أَقُولُ:
أَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ (٣)
فَأَلْحَقُ بِرَجُلٍ مِنْهُمْ، فَأَرْمِيهِ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، فَيَقَعُ سَهْمِي فِي الرَّجُلِ حَتَّى خَلَصَ نَصْلُ السَّهْمِ إِلَى كَتِفِهِ، فَقُلْتُ: خُذْهَا
وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ
فَإِذَا كُنْتُ فِي الشَّجَرِ أَحْرَقْتُهُمْ بِالنَّبْلِ، حَتَّى إِذَا تَضَايَقَ الجَبَلُ، فَدَخَلُوا فِي تَضَايُقِهِ، عَلَوْتُ الجَبَلَ، فَجَعَلْتُ أُرْدِيهِمْ (٤) بِالحِجَارَةِ، فَمَا زَالَ ذَاكَ شَأْنِي
_________________
(١) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (٩/ ١١٥): لا بَتَي المدينة: هما الحَرَّتَان واحدتهما لابة، وهي الأرض الملبسة حجارة سوداء، وللمدنية لابتانِ شرقِيَّة وغربية، وهي بينهما. وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٢٣٥): فيه إشعار بأنه كان واسع الصوت جِدًا، ويحتمل أن يكون ذلك من خَوَارِقِ العادات.
(٢) أعقر بهم: أي أقتل مَرْكُوبَهُم. انظر النهاية (٣/ ٢٤٦).
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٢٣٥): الرُّضَّع: بضم الراء وتشديد الضاد، جمع راضع وهو اللئيم، فمعناه اليوم يوم هلاك اللئام.
(٤) أرديهم: أي أرمِيهِم. انظر النهاية (٢/ ١٩٨).
[ ٣ / ٣٨٨ ]
شَأْنِي وَشَأْنْهُمْ أَتْبَعُهُمْ فَأَرْتَجِزُ (١)، حَتَّى مَا خَلَقَ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ ظَهْرِ (٢) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَّا خَلَّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي، فَاسْتَنْقَذْتُهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ، ثُمَّ لَمْ أَزَلْ أَرْمِيهِمْ حَتَّى أَلقوْا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ رُمْحًا، وَأَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً (٣) يَسْتَخِفُّونَ مِنْهَا، وَلَا يُلْقُونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا إِلَّا جَعَلْتُ عَلَيْهِ أَرَامًا (٤) مِنْ حِجَارَةٍ، يَعْرِفُهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَاُبهُ، حَتَّى أَتَوْا مُتَضَايِقًا مِنْ ثَنِيَّةٍ (٥) فَجَلَسُوا يَتَغَدَّوْنَ، وَجَلَسْتُ عَلَى رَأْسِ قَرْنٍ (٦)، فَأَتَاهُمْ عُيَيْنَةُ بنُ بَدْرٍ الفَزَارِيُّ مَدَدًا لَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ: مَا هَذَا الذِي أَرَى؟
قَالُوا: لَقِينَا مِنْ هَذَا البَرْحَ (٧)، مَا فَارَقَنَا بِسَحَرٍ (٨) حَتَّى الآنَ، وَأَخَذَ كُلَّ شَيْءٍ فِي أَيْدِينَا، وَجَعَلَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَوْلَا أَنَّ هَذَا يَرَى أَنَّ وَرَاءَهُ طَلَبًا لَقَدْ تَرَكَكُمْ، لِيَقُمْ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْكُمْ، فَقَامَ إِلَيْهِ نَفَرٌ مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ، فَصَعَدُوا فِي الجَبَلِ، فَلَمَّا أَسْمَعْتُهُمُ الصَّوْتَ، قُلْتُ: أَتَعْرِفُونِي؟ قَالُوا: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: أَنَا
_________________
(١) الرجز: بحرٌ من بحور الشعر معروف، ونوع من أنواعه. انظر النهاية (٢/ ١٨٢).
(٢) الظهر: الإبل. انظر النهاية (٣/ ١٥١).
(٣) البُردة: نوع من الثياب معروف. انظر النهاية (١/ ١١٦).
(٤) الَارَامُ: الأعلام وهي حجارة تُجمع وتُنصب في المَفَازَة -أي الصحراء- يُهتدى بها. انظر النهاية (١/ ٤٤).
(٥) الثَّنِيَّة في الجبل: هو الطريق العالي فيه. انظر النهاية (١/ ٢٢٠).
(٦) قَرْن الجبل: بفتح القاف وسكون الراء أعلاه. انظر لسان العرب (١١/ ١٣٥). وفي رواية الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٥٣٩) قال سلمة -﵁-: ثم علوت الجبل.
(٧) البَرْحُ: الشدة. انظر النهاية (١/ ١١٣).
(٨) في رواية الإِمام مسلم في صحيحه قالوا: ما فارقنا منذ غَلَس. والغَلَس: ظلمة آخر الليل، وهو وقت السحر. انظر النهاية (٣/ ٣٣٩).
[ ٣ / ٣٨٩ ]
ابْنُ الأَكْوَعِ، وَالذِي كَرَّمَ وَجْهَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- لَا أَطْلُبُ رَجُلًا مِنْكُمْ إِلَّا أَدْرَكْتُهُ، وَلَا يَطْلُبُنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ فَيُدْرِكَنِي، فَرَجَعُوا عَنْهُ.
* خُرُوجُ الرَّسُولِ -ﷺ- فِي طَلَبِ القَوْمِ:
وَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صِيَاحُ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ -﵁-، صَرَخَ بِالمَدِينَةِ: "الفَزَعَ الفَزَعَ"، فتَرَامَتِ (١) الخُيُولُ إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ انْتَهَى إِلَيْهِ مِنَ الفُرْسَانِ: المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ، ثُمَّ عَبَّادُ بنُ بِشْرٍ، أَحَدُ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ، وَسَعْدُ بنُ زَيْدٍ أَحَدُ بَنِي كَعْبِ بنِ عَبْدِ الأَشْهَلِ، وَأُسَيْدُ بنُ ظَهِيرٍ، وَعُكَّاشَةُ بنُ مِحْصَنٍ الأَسَدِيُّ، وَمُحْرِزُ بنُ نَضْلَةَ ويُعْرَفُ بِالأَخْرَمِ الأَسَدِيِّ، وَأَبُو قَتَادَةَ الحَارِثُ بنُ رِبْعِيٍّ فَارِسُ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَأَبُو عَيَّاشٍ عُبَيْدُ بنُ زَيْدِ بنِ الصَّامِتِ، ﵃ أَجْمَعِينَ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَمَّرَ عَلَيْهِمْ سَعْدَ بنَ زَيْدٍ الأَشْهَلِيَّ، وَقِيلَ: المِقْدَادَ بنَ عَمْرٍو (٢)، ثُمَّ قَالَ لَهُ -ﷺ-: "اخْرُجْ فِي طَلَبِ القَوْمِ حَتَّى أَلْحَقَكَ فِي النَّاسِ".
قَالَ سَلَمَةُ -﵁-: فَمَا بَرِحْتُ (٣) مَقْعَدِي ذَلِكَ حَتَّى نَظَرْتُ إلى فَوَارِسَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَتَخَلَّلُونَ الشَّجَرَ، وَإِذَا أَوَّلُهُمُ الأَخْرَمُ الأَسَدِيُّ، وَهُوَ مُحْرِزُ بنُ نَضْلَةَ
_________________
(١) ترامت: تتابعت وازدادت. انظر لسان العرب (٥/ ٣٢٩).
(٢) قال ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٩٠): والثبتُ عندنا أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أَمّر على هذه السرية سعد بن زيد الأشهلي، ولكن الناس نسبوها إلى المقداد لقول حسان بن ثابت -﵁-: غداة فوارس المقداد.
(٣) فما بَرِح: أي فما زال. انظر لسان العرب (١/ ٣٦١).
[ ٣ / ٣٩٠ ]
-﵁-، وَعَلَى أَثَرِهِ أَبُو قتَادَةَ فَارِسُ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَعَلَى أَثَرِ أَبِي قتَادَةَ -﵁- المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو -﵁-، قَالَ: فَوَلَّى المُشْرِكُونَ مُدْبِرِينَ، وَنَزَلْتُ مِنَ الجَبَلِ، فَأَخَذْتُ بِعَنَانِ (١) فَرَسِ الأَخْرَمِ، وَقُلْتُ لَهُ: يَا أَخْرَمُ! احْذَرِ القَوْمَ لَا يَقْتَطِعُوكَ حَتَّى يَلْحَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَاُبهُ، فَقَالَ: يَا سَلَمَةُ إِنْ كُنْتَ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَتَعْلَمُ أَنَّ الجَنَّةَ حَقٌّ وَالنَّارَ حَقٌّ، فَلَا تَحُلْ بَيْنِي وَبَيْنَ الشَّهَادَةِ، قَالَ: فَخَلَّيْتُ عَنَانَ فَرَسِهِ، وَلَحِقَ بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عُيَيْنَةَ، فَأَدْرَكَهُ فَاخْتَلَفَا طَعْنَتَيْنِ، فَعَقَرَ الأَخْرَمُ فَرَسَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَطَعَنَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ فَقَتَلَهُ (٢)، فتَحَوَّلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى فَرَسِ الأَخْرَمِ.
فَلَحِقَ أَبُو قتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ فَطَعَنَهُ فَقَتَلَهُ، وَغَشَّاهُ (٣) بُرْدَهُ، ثُمَّ تَحَوَّلَ أَبُو قتَادَةَ عَلَى فَرَسِ الأَخْرَمِ، ثُمَّ لَحِقَ القَوْمَ.
فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ القَتِيلَ مُسَجًّى (٤) بِبُرْدَةِ أَبِي قَتَادَةَ -﵁- اسْتَرْجَعُوا، وَقَالُوا: قُتِلَ أَبُو قتَادَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَبْلَ أَنْ يَرَاهُ: "لَيْسَ بِأَبِي قَتَادَةَ، وَلَكِنَّهُ قَتِيلٌ لِأَبِي قَتَادَةَ وَضَعَ عَلَيْهِ بُرْدَهُ، لِتَعْرِفُوا أَنَّهُ صَاحِبَهُ".
_________________
(١) العَنَان: سَيْر اللجام. انظر النهاية (٣/ ٢٨٣).
(٢) روى ابن سعد في طبقاته (٣/ ٥٢) عن محرز بن نضلة -﵁- أنه قال: رأيت في منامي أن سماءَ الدنيا أُفرِجت لي حتى دخلتُها حتى انتهجت إلى السماء السابعة ثم انتهيتُ إلى سدرة المنتهى فقيل في: هذا منزلك، فعرضتها على أبي بكر الصديق -﵁-، وكان مِنْ أعْبَرِ الناس، فقال: أبْشِرْ بالشهادة، فُقتل بعد ذلك بيومٍ في غزوة الغابة، وهي غزوة ذي قَرَد.
(٣) غشَّاه: بفتح الغين وتشديد الشين أي غطاه. انظر النهاية (٣/ ٣٣١).
(٤) مُسَجّى: أي مغطى. انظر النهاية (٢/ ٣١٠).
[ ٣ / ٣٩١ ]
وَأَدْرَكَ عُكَّاشَةُ بنُ مُحْصِنٍ -﵁- أَوْبَارًا (١) أَوِ ابْنَهُ عَمْرَو بنَ أَوْبَارٍ، وَهُمَا عَلَى بَعِيرٍ وَاحِدٍ، فَانْتَظَمَهُمَا بِالرُّمْحِ فَقَتَلَهُمَا جَمِيعًا.
قَالَ سَلَمَةُ -﵁-: ثُمَّ إِنِّي خَرَجْتُ أَعْدُو عَلَى رِجْلَيَّ فِي أَثَرِ القَوْمِ حَتَّى مَا أَرَى مِنْ غُبَارِ صَحَابَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- شَيْئًا، حَتَّى يَعْدِلُوا (٢) قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إِلَى شِعْبٍ فِيهِ مَاءٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو قَرَدٍ، فَأَرَادُوا أَنْ يَشْرَبُوا مِنْهُ، وَهُمْ عِطَاشٌ، فَأَبْصَرُونِي أَعْدُو وَرَاءَهُمْ، فَعَطَفُوا (٣) عَنْهُ، فَمَا ذَاقُوا مِنْهُ قَطْرَةً، وَاشْتَدُّوا فِي الثَّنِيَّةِ -ثَنِيَّةِ ذِي نَثْرٍ- وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَأَلْحَقُ رَجُلًا مِنْهُمْ، فَأَرْمِيهِ، فَقُلْتُ: خُذْهَا
وَأَنَا ابْنُ الأَكْوَعِ وَالْيَوْمَ يَوْمُ الرُّضَّعِ
فَأَصَابَهُ بِسَهْمٍ، فَأَصَابَ كَتِفَهُ، فَقَالَ الرَّجُلُ:
يَا ثُكَلَ أُمِّ (٤)، أَكْوَعُ بُكْرَةَ (٥)، فَقَالَ سَلَمَةُ: نَعَمْ يَا عَدُوَّ نَفْسِهِ، فَأَتْبَعْتُهُ سَهْمًا آخَرًا، فَعَلِقَ بِهِ سَهْمَانِ، ويُخَلِّفُونَ فَرَسَيْنِ، فَجِئْتُ بِهِمَا أَسُوقُهُمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَحِقَنِي عَامِرٌ بِسَطْحِيَّةٍ (٦) فِيهَا مَذْقَةٌ (٧) مِنْ لَبَنٍ، وَسَطْحِيَّةٌ فِيهَا
_________________
(١) هذه رواية ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣١٢) - وفي رواية ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٩٠): أثار، فاللَّه أعلم.
(٢) عدل: رجع. انظر لسان العرب (٩/ ٨٦).
(٣) عطف: انصرف. انصرف. لسان العرب (٩/ ٢٦٨).
(٤) ثكِلَتْكَ أُمُّك: أي فقدتك. انظر النهاية (١/ ٢١٢).
(٥) أكوع بكرة: أي أنت الأكوع الذي كان قد تبعنا بُكرة هذا النهار. انظر النهاية (٤/ ١٨٢).
(٦) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ١٥١): السَّطْحِيّة: إناء من جلود سطح بعضها على بعض.
(٧) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ١٥١): المَذْقَة: بفتح الميم وإسكان الذال: قليل من لبن ممزوج بماء.
[ ٣ / ٣٩٢ ]
مَاءٌ، فَتَوَضَّأْتُ وَشَرِبْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ عَلَى المَاءِ الذِي حَلّأتُهُمْ (١) عَنْهُ بِذِي قَرَدٍ، فإِذا بِنَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ- فِي خَمْسِ مِئةٍ، وَإِذا بِلَالٌ قدْ نَحَرَ جَزُورًا مِمَّا خَلَّفْتُ، فَهُوَ يَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ كَبِدِهَا وَسَنَامِهَا، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! خَلِّنِي فَأَنْتَخِبُ (٢) مِنْ أَصْحَابِكَ مِئَةَ رَجُلٍ، فَأَتْبَعَ القَوْمَ فَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ مُخْبِرٌ إِلَّا قَتَلْتُهُ، فَقَالَ -ﷺ-: "أَكُنْتَ فَاعِلًا ذَلِكَ يَا سَلَمَةُ".
قَالَ -﵁-: نَعَمْ، وَالذِي أَكْرَمَكَ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ (٣) فِي ضَوْءَ النَّارِ، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "يَا ابْنَ الأَكْوَعِ مَلَكْتَ فَأسْجِحْ (٤)، إِنَّهُمْ الآنَ لَيُقْرَونَ (٥) فِي أَرْضِ غَطَفَانَ".
قَالَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ غَطَفَانَ، فَقَالَ: مَرُّوا عَلَى فُلَانٍ الغَطَفَانِيِّ فَنَحَرَ لَهُمْ جَزُورًا، فَلَمَّا أَخَذُوا يَكْشِطُونَ (٦) جِلْدَهَا رَأَوْا غُبَارًا، فَقَالُوا: أَتَاكُمُ القَوْمُ، فتَرَكُوهَا وَخَرَجُوا هَارِبِينَ.
_________________
(١) حلأتهم: أي صدَدْتُهم ونَفَيْتُهم عنه، يقصد الذين كان يلحقهم. انظر النهاية (١/ ٤٠٤).
(٢) الانتِخَابُ: الاختيار والانتقاء. انظر النهاية (٥/ ٢٦).
(٣) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ١٥٢): النواجذ من الأضراس: أي الأنياب.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٢٣٧): بهمزة قطع وجيم مكسورة: أي سَهّل، والمعنى قدرتَ فاعْفُ، والسَّجَاحَة: السهولة.
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٢٣٧): يُقْرَون: بضم الياء وسكون القاف وفتح الراء وسكون الواو من القِرى وهي الضيافة. وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣١٢): قال -ﷺ-: "إنهم الآن ليغبقون". وهو بضم الغين، من الغُبُوقِ وهو شرب أول الليل، والمراد أنهم فاتوا وأنهم وصلوا إلى بلاد قومهم، ونزلوا عليهم، فهم الآن يذبحون لهم ويطعمونهم.
(٦) كَشَطَ: رفع وقلع وكشف. انظر النهاية (٤/ ١٥٢).
[ ٣ / ٣٩٣ ]
* صَلَاةُ الرَّسُولِ -ﷺ- بِذِي قَرَدٍ صَلَاةَ الخَوْفَ:
وَفِي هَذِهِ الغَزْوَةِ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ الخَوْفِ بِذِي قَرَدٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاةَ الخَوْفِ بِذِي قَرَدٍ، فَصَفَّ النَّاسَ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ: صَفٌّ مُوَازِي العَدُوِّ، وَصَفٌّ خَلْفَهُ، فَصَلَّى بِالصَّفِّ الذِي يَلِيهِ رَكْعَةً، ثُمَّ نَكَصَ (١) هَؤُلَاءِ إِلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءَ إِلَى مَصَافِّ هَؤُلَاءِ، فَصلَّى بِهِمْ رَكْعَةً أُخْرَى (٢).
وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِذِي قَرَدٍ يَوْمًا وَلَيْلَةً يَتَحَسَّسُ (٣) الخَبَرَ، قَالَ سَلَمَةُ: فَلَمَّا أَصْبَحْنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "خَيْرُ فُرْسَانِنَا اليَوْمَ أَبُو قَتَادَةَ، وَخَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ". ثُمَّ أَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ" سَهْمَيْنِ: سَهْمَ الفَارِسِ، وَسَهْمَ الرَّاجِلِ جَمِيعًا (٤)
_________________
(١) النُّكوص: الرجوع إلى وراء. انظر النهاية (٥/ ١٠١).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب صلاة الخوف - رقم الحديث (٢٨٧١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٦٣).
(٣) تَحَسَّسَ الخبرَ: طلبَهُ وبحث عنه. انظر لسان العرب (٣/ ١٧٠). ومنه قوله تَعَالَى في سورة يوسف آية (٨٧): ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ. . .﴾.
(٤) أخرج ذلك الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة ذي قرد وغيرها - رقم الحديث (١٨٠٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٥٣٩).
[ ٣ / ٣٩٤ ]
* رُجُوعُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ:
ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ، وَقَدْ أَرْدَفَ خَلْفَهُ سَلَمَةَ بنَ الأَكْوَعِ -﵁- عَلَى العَضبَاءِ (١).
قَالَ سَلَمَةُ -﵁-: فَلَمَّا كَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمَا -أَي المَدِينَةِ- قَرِيبًا مِنْ ضَحْوَةٍ (٢)، وَفِي القَوْمِ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ كَانَ لَا يُسْبَقُ جَعَلَ يُنَادِي: هَلْ مِنْ مُسَابِقٍ؟
أَلَا رَجُلٌ يُسَابِقُ إِلَى المَدِينَةِ؟ فَأَعَادَ ذَلِكَ مِرَارًا، وَأَنَا وَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُرْدِفِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ذَرْنِي (٣) فَلَأُسَابِقُ الرَّجُلَ، قَالَ -ﷺ-: "إِنْ شِئْتَ". قَالَ سَلَمَةُ -﵁-: فَرَبَطْتُ عَلَيْهِ (٤) شَرَفًا (٥) أَوْ شَرَفَيْنِ، ثُمَّ عَدَوْتُ حَتَّى أَلْحَقَهُ، وَسَبَقْتُهُ إِلَى المَدِينَةِ (٦).
_________________
(١) سيأتي بعد قليل أن العضباء قد أصِيبَتْ مع المرأة المسلمة التي أُسِرَتْ، فاللَّه أعلم.
(٢) الضَّحْوَة: هو ارتفاع أول النهار. انظر النهاية (٣/ ٧١).
(٣) في رواية الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٥٣٩): خَلِّني.
(٤) ربطت عليه: أي تأخرت عنه. انظر النهاية (٢/ ١٧١).
(٥) الشَّرَف: ما ارتفع من الأرض. انظر لسان العرب (٧/ ٩٠).
(٦) أخرج تفاصيل غزوة ذي قرد: البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب من رأى العدو فنادى - رقم الحديث (٣٠٤١) - وأخرجها في كتاب المغازي - باب غزوة ذي قرد - رقم الحديث (٤١٩٤) - وأخرجها مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة ذي قرد - رقم الحديث (١٨٠٦) (١٨٠٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٥٣٩) (١٦٥١٣) - وانظر زاد المعاد لابن القيم (٣/ ٢٤٨) - وسيرة ابن هشام (٣/ ٣٠٨) - والطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨٩).
[ ٣ / ٣٩٥ ]
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - جَوَازُ العَدْوِ الشَّدِيدِ فِي الغَزْوِ.
٢ - وَفِيهِ الإِنْذَارُ بِالصِّيَاحِ العَالِي.
٣ - وَفِيهِ تَعْرِيفُ الإِنْسَانِ نَفْسَهُ إِذَا كَانَ شُجَاعًا لِيُرْعِبَ خَصْمَهُ.
٤ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الثَّنَاءَ عَلَى الشُّجَاعِ، وَمَنْ فِيهِ فَضِيلَةٌ لَا سِيَّمَا عِنْدَ الصُّنْعِ الجَمِيلِ لِيَسْتَزِيدَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَحَلُّهُ حَيْثُ يُؤْمَنُ الِافْتِتَانُ.
٥ - وَفِيهِ المُسَابَقَةُ عَلَى الأَقْدَامِ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازهِ بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَأَمَّا بِالعِوَضِ فَالصَّحِيحُ لَا يَصِحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١).
* قِصَّةُ المَرْأَةِ المُسْلِمَةِ:
أَمَّا المَرْأَةُ المُسْلِمَةُ التِي أُسِرَتْ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ، فَقَدِ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تُفْلِتَ مِنْ وَثَاقِهَا، فَأَتَتِ الإِبِلَ، فَجَعَلَتْ كُلَّمَا دَنَتْ إِلَى بَعِيرٍ رَغَا (٢) فتَتْرُكُهُ، حَتَّى انْتَهَتْ إِلَى العَضْبَاءِ نَاقَةِ الرَّسُولِ -ﷺ-، فَلَمْ تَرْغِ، ثُمَّ رَكِبَتْهَا وَوَجَّهَتْهَا قِبَلَ المَدِينَةِ، وَنَذَرَتْ إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا لَتَنْحَرَنَّهَا، فَلَمَّا قَدِمَتِ المَدِينَةَ رَآهَا النَّاسُ، فَقَالُوا: العَضْبَاءُ، نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَتْ: إِنَّهَا نَذَرَتْ، إِنْ نَجَّاهَا اللَّهُ عَلَيْهَا
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٢٣٧).
(٢) الرُّغاء: بضم الراء: صوت الإبل. انظر النهاية (٢/ ٢١٨).
[ ٣ / ٣٩٦ ]
لَتَنْحَرَنَّهَا، فَأتوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَكَرُوا ذَلِكَ له، فَقَالَ -ﷺ-: "سُبْحَانَ اللَّهِ! بِئْسَمَا جَزَتْهَا"، أَوْ قَالَ: "بِئْسَمَا جَزَيْتِيهَا، لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدمَ" (١).
قَالَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّد أَبُو شَهْبَة: وَإِنَّ هَذِهِ القِصَّةَ لترِينَا حُسْنَ العَهْدِ، وَغَايَةَ الوَفَاءِ اللَّذَيْنِ كَانَ يَتَخَلَّقُ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، هَذَا الوَفَاءُ الذِي شَمِلَ بَنِي الإِنْسَانِ وَالحَيَوَانَ، وَقَدْ كَانَ هَذَا دَرْسًا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هَذه المَرْأَةَ لِيَكُونَ عِبْرَةً لِلْأَجْيَالِ، إِنَّ صَاحِبَ الخُلُقِ العَظِيمِ يُعَلِّمُنَا أَنْ نُقَابِلَ الإِحْسَانَ بِالإِحْسَانِ، وَالجَمِيلَ بِالجَمِيلِ، وَالنِّعَمَ بِالشُّكْرِ، لَا بِالجُحُودِ وَالكُفْرَانِ، وَأَنَّ الوَفَاءَ لَازِمٌ حَتَّى لِلْحَيَوَانِ، وَبَعْدَ أَنْ بَيَّنَ لَهَا الرَّسُولُ -ﷺ- أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ لَا يَلِيقُ خُلُقًا وَمُرُوءَةً، فَهُوَ لَا يَجُوزُ شَرْعًا، إِذْ لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةٍ وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُهُ الإِنْسَانُ (٢).
* * *
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب النذر - باب لا وفاء لنذر في معصية اللَّه - رقم الحديث (١٦٤١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٨٦٣) - وابن حبان في صحيحه - كتاب النذور - باب ذكر الإخبار عن نفي جواز وفاء نذر الناذر إذا نذر فيما لا يملك - رقم الحديث (٤٣٩٢).
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة (٢/ ٣٦٩) للدكتور محمد أبو شهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٣ / ٣٩٧ ]
غَزْوَةُ خَيْبَرَ
لَبِثَ رَسُولُ اللَّهِﷺ- بَعْدَ أَنْ قَدِمَ مِنْ غَزْوَةِ ذِي قَرَدٍ ثَلَاثَ لَيَالٍ ثُمَّ خَرَجَ فِي بَقِيَّةِ المُحَرَّمِ مِنَ السَّنَةِ السَّابِعَةِ (١) لِلْهِجْرَةِ إِلَى خَيْبَرَ.
* سَبَبُ الغَزْوَةِ:
أَمَّا سَبَبُ هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ، هُوَ أَنَّ أَهْلَ خَيْبَرَ هُمُ الذِينَ حَزَّبُوا الأَحْزَابَ ضِدَّ المُسْلِمِينَ، وَهُمُ الذِينَ أَثَارُوا بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى الغَدْرِ وَالخِيَانَةِ ضِدَّ المُسْلِمِينَ، فَكَانَتْ خَيبرُ هِيَ مَوْطِنُ الدَّسَائِسِ وَالتآمرِ، وَمَرْكَزُ إِثَارَةِ الفِتَنِ وَالحُرُوبِ ضِدَّ المُسْلِمِينَ، فَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ أَمْرِ قُرَيْشٍ بِهُدْنَةِ الحُدَيْبِيَةِ، تَفَرَّغَ الآنَ لِخَيبرَ.
* طَبِيعَةُ خَيْبَرَ:
وَخَيْبَرُ مَدِينَةٌ كَبِيرَة ذَاتُ حُصُونٍ، وَمَزَارعَ وَنَخْل كَثِيرٍ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ المَدِينَةِ
_________________
(١) هذا تاريخها عند ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٥٧)، وبه قال الجمهور، ورجحه الحافظ في الفتح (٨/ ٢٣٩)، وابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٢٨١)، وابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٥٧٠). وأما أنَّها كانت بعد غزوة ذي قَرد بثلاث ليال، فهذا ثابت في صحيح مسلم - رقم الحديث (١٨٠٧) من حديثِ سلمة بن الأكوع -﵁-، عندما ساقَ حديثه الطويل في غزوة ذي قَرَد، ثم قال -﵁-: فواللَّه! ما لبثا إلا ثلاثَ ليالٍ حتى خرَجْنَا إلى خَيْبَرَ مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ-.
[ ٣ / ٣٩٨ ]
ثَمَانِيَةُ بُرُدٍ (١)، وَإِلَيْهَا لَجَأَ يَهُودُ بَنِي قَيْنقاعَ وَالنَّضِيرِ بَعْدَ إِجْلَائِهِمْ مِنَ المَدِينَةِ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ- فَكَانَ لَا يَسْكُنُهَا إِلَّا يَهُودٌ.
* تَجْهِيزُ المُسْلِمِينَ لِلْغَزْوِ وَخُرُوجُهُمْ:
تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِغَزْوِ خَيْبَرَ وَفتحِهَا، وَكَانَ اللَّه ﷾، قَدْ وَعَدَ رَسُولَهُ -ﷺ- عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ بِفَتْحِهَا، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا﴾ (٢)، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّجَهُّزِ لِغَزْوِ وَفَتْحِ خَيْبَرَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ عَادَتِهِ إِذَا أَرَادَ غَزْوًا وَرَّى (٣) بِغَيْرِهِ، إِلَّا فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ، وَغَزَوَةِ تَبُوكَ، أَمَّا غَزْوَةُ خَيْبَرَ فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَهُ بِفَتْحِهَا، وَأَمَّا غَزْوَةُ تبوك، فَلأَنَّ المَسَافَةَ بعيدَةٌ جدًّا، وَلأنَّهَا كَانَتْ مَعَ أَعْظَم دَوْلَةٍ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ وَهِيَ الرُّومُ، فَلَابدَّ مِنْ أَخْذِ الِاسْتِعْدَادِ الكَامِلِ لَهَا.
* رَدُّ الرَّسُولِ -ﷺ- المُخَلَّفِينَ:
وَلَمَّا تَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَاءَهُ المُخَلَّفُونَ عَنْهُ فِي غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَةِ يُرِيدُونَ
_________________
(١) البُرد: بضم الباء والراء، وهي ستة عشر فرسخًا، والفرسخ ثلاثة أميال. انظر النهاية (١/ ١١٦).
(٢) سورة الفتح آية (٢٠) - قال المفسرون في الوعد الذي في هذه الآية: هي خيبر. انظر تفسير ابن كثير (٧/ ٣٤١) - تفسير القرطبي (١٩/ ٣٢٠).
(٣) ورَّى: بتشديد الراء أي سَتَرَهُ وكَنَّى عنه، وأوهم أنه يريده غيره. انظر النهاية (٥/ ١٥٥). روى البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٤٤١٨) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٧٦٩) (٥٤) عن كعب بن مالك -﵁- أنه قال: كان رسول -ﷺ- قَلَّمَا يريد غزْوَةً إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة -أي غزوة تبوك-.
[ ٣ / ٣٩٩ ]
الخُرُوجَ مَعَهُ رَجَاءَ الغَنِيمَةِ، فَلَمْ يَأْذَنْ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا بَلْ كَانُوا لَا يَفْقَهُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١).
ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- منَادِيًا نَادِي: أَنْ لَا يَخْرُجَ مَعَنَا إِلَّا رَاغِبٌ فِي الجِهَادِ، فَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ إِلَّا أَصْحَابُ الشَّجَرَةِ، وَهُمْ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ (٢).
* الْتِمَاسُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- غُلامًا يَخْدِمُهُ:
وَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الخُرُوجَ لِخَيبرَ، أَمَرَ أَبُو طَلْحَةَ الأَنْصَارِيَّ -﵁- أَنْ يَلْتَمِسَ له غُلَامًا يَخْدِمُهُ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى خَيْبَرَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِأَبِي طَلْحَةَ: "الْتَمِسْ لِي غُلَامًا مِنْ غِلْمَانِكُمْ يَخْدِمُنِي حَتَّى أَخْرُجَ إِلَى خَيبر"، فَخَرَجَ بِي أَبُو طَلْحَةَ مُرْدِفِي، وَأَنا غُلَامٌ رَاهَقْتُ (٣) الحُلُمَ، فكُنْتُ أَخْدُمُ (٤) رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا نَزَلَ، فكنْتُ أَسْمَعُهُ
_________________
(١) سورة الفتح آية (١٥).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٠٣).
(٣) راهَقْتُ: قَارَبْتُ. انظر النهاية (٢/ ٢٥٧).
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ١٨٢): وقد استشكل من حيث أَنَّ ظاهره أن ابتداء خدمة أنس للنبي -ﷺ- من أول ما قدم المدينة؛ لأنه صَحَّ عنه أنه قال: خدمت النبي -ﷺ- تِسْعَ سنين، أخرجه مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٣٠٩) (٥٣) - وفي رواية: عشر سنين، أخرجه مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٣٠٩) (٥١)، وخيبر كانت سنة سبع فيلزم أن يكون إنما خدمه أربع سنين، وأجيب بأن معنى قوله -ﷺ- لأبي طلحة: =
[ ٣ / ٤٠٠ ]
كَثِيرًا يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الهَمِّ وَالْحَزَنِ، وَالعَجْزِ وَالكَسَلِ، وَالبُخْلِ وَالجُبْنِ، وَضَلع الدَّيْنِ (١)، وغَلبةِ الرِّجَالِ" (٢)، ثُمَّ قَدِمْنَا خَيْبَرَ (٣).
وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى المَدِينَةِ سِبَاعَ (٤) بنَ عُرْفُطَةَ الغِفَارِيَّ -﵁-، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ (٥).
فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَده، وَالحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عِرَاكَ بنِ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَدِمَ المَدِينَةَ فِي رَهْطٍ مِنْ قَوْمِهِ، وَالنَّبِيُّ -ﷺ- بِخَيْبَرَ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ سِبَاعَ بنَ عُرْفُطَةَ الغِفَارِيَّ عَلَى المَدِينَةِ (٦).
_________________
(١) = "التَمِسْ لي غلاما من غلمانكم"، تعْيِين من يخرج معه في تلك السفرة، فعين له أبو طلحة أنسًا، فينحَطُّ الالتماس على الاستئذان في المسافرة به، لا في أصل الخِدْمَة فإنها كانت متقدمة فيجمع بين الحديثين بذلك.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٢/ ٤٦٥): الضَّلْعُ: بفتح الضاد، المراد به ثِقَلُ الدَّيْن وشِدَّتُه، وذلك حيث لا يجد من عليه الدَّين وفاءً، ولاسيما مع المطالبة.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٢/ ٤٦٦): أي شدة تسلُّطهم كاستيلاء الرعاء هَرَجًا ومرجًا.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب من غزا بصبي للخدمة - رقم الحديث (٢٨٩٣) وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل المدينة، ودعا النبي -ﷺ- فيها بالبركة - رقم الحديث (١٣٦٥) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٦١٦).
(٥) سِباع: بكسر السين.
(٦) وعند ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٥٧): أنه -ﷺ- استعمل علي المدينة نُميلة -بالتصغير- بن عبد اللَّه الليثي، والصحيح ما رواه الإمام أحمد والحاكم.
(٧) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - حديث رقم (٨٥٥٢) - والحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٤٣٩٣) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٧١٥٦).
[ ٣ / ٤٠١ ]
* قُدُومُ أَبِي ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيِّ -﵁- (١):
وَقَدِمَ المَدِينَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يَتَجَهَّزُ لِفَتْحِ خَيْبَرَ أَبُو ثَعْلَبَةَ الخُشَنِيُّ -﵁- وَخَرَجَ مَعَهُ فَشَهِدَ خَيْبَرَ، ثُمَّ قَدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَسْلَمُوا وَنَزَلُوا عَلَيْهِ (٢).
* طَرِيقُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى خَيْبَرَ وَأَحْدَاثٌ جَرَتْ فِي الطَّرِيقِ:
خَرَجَ الرَّسُولُ -ﷺ- وَسَلَكَ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى خَيْبَرَ عَلَى جَبَلِ عَصَرٍ (٣)، ثُمَّ سَلَكَ عَلَى الصَّهْبَاءَ (٤)، وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّي فِي مَسِيرِهِ إِلَى خَيْبَرَ وَهُوَ رَاكِبٌ عَلَى حِمَارِهِ (٥).
أَخْرَجَ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحيْهِمَا عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ:
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١١/ ٢٨) الخُشَنِي: بضم الخَاءِ وفتح الشَين، وأبو ثعلبة هذا صحابي مشهور، صروف بكنيته واختلف في اسمه اختلافا كثيرًا، فقيل: جُرْثُوم بضم الجيم، وهو قول الأكثر، وكان إسلامه فبل خيبر، وشهد بيعة الرضوان، وتوجه إلى قومه فأسلموا.
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٥٩) - الإصابة (٧/ ٥٠).
(٣) عَصَر: بفتح العين والصاد، هو جبل بين المدينة ووادي الفُرْع. انظر النهاية (٣/ ٢٢٤).
(٤) الصَّهْبَاء: بفتح الصاد المشدده، هو موضع على رَوْحَة من خيبر. انظر النهاية (٣/ ٥٨).
(٥) أخرج صلاة الرسول -ﷺ- على حماره وهو متوجه إلى خيبر: الإمام مسلم في صحيحه - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر - رقم الحديث (٧٠٠) (٣٥). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٣/ ٢٨٨): وروى السراج من طريق يحيى بن سعيد عن أنس -﵁- أنه رأى النبي -ﷺ- يُصلي على حمار وهو ذاهب إلى خيبر. وإسناده حسن. قلت: وأخرج الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٠٤١) عن شقران مولى رسول اللَّه -ﷺ- قال: رأيته- يعني النبي -ﷺ- متوجها إلى خيبر على حمار يصلي عليه، يُومئ إيماءً. -والحديث صحيح لغيره-.
[ ٣ / ٤٠٢ ]
خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَى خَيْبَرَ فَسِرْنَا لَيْلًا، فَقَالَ رَجُلٌ (١) مِنَ القَوْمِ لِعَمِّي (٢) عَامِرِ بنِ الأَكْوَعِ: يَا عَامِرُ أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيَّاتِكَ (٣)؟ وَكَانَ عَامِر رَجُلًا شَاعِرًا فنَزَلَ يَحْدُو (٤) بِأَصْحَابِ الرَّسُولِ -ﷺ-، وفِيهِمُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَسُوقُ الرِّكَابَ (٥)، وَهُوَ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَاغْفِرْ فِدَاءً (٦) لَكَ مَا اتَّقَيْنَا وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٢/ ٤٢٣): هو عمر بن الخطاب -﵁-. ووقع في رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٥٥٦) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٥٨) بسند ضعيف من حديث أبي الهيثم بن نَصْر بن دَهْر الأسلمي أن أباه حدثه: أنه سمع رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يقول في مسيره إلى خيبر لعامر بن الأكوع: "انزل يا ابن الأكوع فاحْدُ لنا من هنياتك". وفي هذا نظر؛ لأنه سيأتي بعد قليل أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- سأل من هذا السَّائِقُ، فلو كان رَسُول اللَّهِ -ﷺ- هو الذي أمره، ما سأل من هذا السائق.
(٢) في رواية أخرى في صحيح مسلم (١٨٠٢) (١٢٤) قال سلمة: أخي عامر. قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ١٥٣): فلعله كان أخاه من الرضاعة، وعمه من النسب.
(٣) هُنَيَّاتك: بضم الهاء، وتشديد الياء، وهي الأراجيز القِصَار. انظر النهاية (٥/ ٢٤١) - فتح الباري (١٤/ ٢٠٦) (١٢/ ٤٢٣). وفي رواية أخرى في صحيح البخاري: هُنَيْهَاتك.
(٤) في رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٥٣٨) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٦٩٣٥) - قال: فجعل يَرْتَجِزُ.
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٢٤١): وهذه كانت عادتهم إذا أرادُوا تنشيط الإبل في السَّير ينزل بعضهم فيَسُوقُهَا ويَحْدُو في تلك الحال.
(٦) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٢٤٠): فِداء: بكسر الفاء، وقد استشكل هذا الكلام؛ لأنه لا يُقال في حق اللَّه، إذ معنى فِداء لك نفديك بأنفسنا، وحذف متعلق الفداء للشُّهرة، وإنما =
[ ٣ / ٤٠٣ ]
وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا إِنَّا إِذَا صِيحَ بِنَا أَبَيْنَا (١)
وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا (٢)
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ هَذَا السَّائِقُ؟ " (٣).
قَالُوا: عَامِرُ بنُ الأَكْوَعِ، قَالَ -ﷺ-: "يَرْحَمُهُ اللَّهُ".
فقال رجل من القوم: وجبت يا رسول اللَّه! لولا أمتعتنا به (٤).
وَفِي رِوَايَةِ ابنِ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ عَنْ إِيَاسَ بنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "غَفَرَ لَكَ رَبُّكَ"، قَالَ: وَمَا اسْتَغْفَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِإِنْسَانٍ يَخُصُّهُ إِلَّا اسْتُشْهِدَ، فنَادَى عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-، وَهُوَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ
_________________
(١) = يتصوّر الفداء لمن يجوز عليه الفناء، وأجيب عن ذلك بأنها كلمة لا يُرَادُ بها ظاهرها، بل المراد بها المحبة والتعظيم مع قَطع النظر عن ظاهر اللفظ، وقيل: المخاطب بهذا الشعر النبي -ﷺ-، والمعني لا تُؤَاخِذْنَا بتقصيرنا في حَقِّك ونصرك، لكن يُعكِّر عليه قوله بعد ذلك: فأنزلنْ سكينةً علينا وثبِّتِ القدام إن لاقينا فإنه دعا اللَّه تَعَالَى، ويحتمل أن يكون المعنى فاسأل ربك أن ينزل ويثبت، واللَّه أعلم.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٢٤٠): أي جِئْنَا إذا دُعِينَا إلى القتال أو إلى الحق.
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٢٤٠): أي قصدُونا بالدّعاء بالصوت العالي واستَغَاثُوا علينا.
(٤) في رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٥١١) قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ هذا الحَادِي؟ ".
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤١٩٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (١٨٠٢) (١٢٣) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٥١١).
[ ٣ / ٤٠٤ ]
لَوْلَا مَتَّعْتَنَا بِعَامِرٍ (١).
وَقَدِ اسْتُشْهِدَ عَامِرٌ -﵁- فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ كَمَا سَيَأْتِي.
* وُصُولُ المُسْلِمِينَ إِلَى خَيْبَرَ وَإِغَارَتُهُمْ عَلَيْهَا:
اقْترَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ خَيْبَرَ لَيْلًا، فبَاتَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ قَرِيبًا مِنْهَا، وَكَانَ رَسُولُ -ﷺ- إِذَا أَتَى قَوْما بِلَيْل لَمْ يُغِرْ عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ صَلَّي الفَجْرَ بِغَلَسٍ (٢)، وَرَكِبَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ، فَأتَى خَيْبَرَ (٣).
وَلَمَّا أَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى خَيْبَرَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: قِفُوا، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ رَبَّ السَّمَوَاتِ وَمَا أَظْلَلْنَ، وَرَبَّ الأَرْضِينَ وَمَا أَقْلَلْنَ، وَرَبَّ الشَّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ، وَرَبَّ الرِّيَاحِ وَمَا أَذْرَيْنَ، فَإِنَّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ القَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ أَهْلِهَا وَشَرِّ مَا فِيهَا، أَقْدِمُوا بِسْمِ اللَّهِ"، وَكَانَ -ﷺ- يَقُولُ هَذَا الدُّعَاءَ لِكُلِّ قَرْيَةٍ دَخَلَهَا (٤).
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في طبقاته (٢/ ٣٠٥).
(٢) الغَلَسُ: ظُلْمَةُ آخرِ الليل إذا اختلطت بضوءِ الصَّبَاح. انظر النهاية (٣/ ٣٣٩).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤١٩٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٩٩٢) (١٢٠٨٦).
(٤) أخرج هذا الدعاء ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٥٨) بإسناد ضعيف، لكن يشهد له ما رواه ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٢٧٠٩) - والحاكم في المستدرك - رقم الحديث (١٦٧٦) بسند حسن، عن صهيب -﵁- أنه قال: إن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لم يكن يرى قرية يُريد دخولها إلا قال حين يراها: "اللَّهُمَّ رَبّ السَّمَاوَاتِ السبع وما أظللن، ورب الأرضين السبع وما أقْلَلْنَ. . . " إلى آخر الدعاء نفسه.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
قَالَ أَنَسٌ -﵁-: فَأتَيْنَاهُمْ حِينَ بَزَغَتِ (١) الشَّمْسُ، وَقَدْ خَرَجَ يَهُودُ خَيْبَرَ إِلَى زُرُوعِهِم بِمَسَاحِيهِمْ (٢) وَمَكَاتِلِهِمْ (٣)، وَأخرَجُوا مَوَاشِيَهُمْ، وَلَا يَشْعُرُون فَلمَّا رَأَوْا جَيْشَ المُسْلِمِينَ فَزِعُوا وَقَالُوا: مُحَمَّدٌ وَاللَّهِ، مُحَمَّد وَالخَمِيسُ (٤)، ثُمَّ رَجَعُوا هَارِبِينَ إِلَى حُصُونِهِمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ" (٥).
* جُغْرَافِيَةُ خَيْبَرَ:
قَبْلَ أَنْ نَشْرَعَ (٦) فِي تَفَاصِيلِ هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ، نَتَكَلَّمُ أَوَّلًا عَنْ جُغْرَافِيَتهَا:
خَيْبَرُ مُنْقَسِمَةٌ إِلَى شَطْرَيْنِ: شَطْرٌ فِيهِ خَمْسَةُ حُصُون وَهِيَ:
١ - حِصْنُ نَاعِمٍ.
_________________
(١) البُزُوغُ: الطلوع، يُقال بَزَغَت الشمس: إذا طلعت. انظر النهاية (١/ ١٢٤).
(٢) المِسْحَاة: المجرفة من الحديد. انظر النهاية (٤/ ٢٨٠).
(٣) المِكْتَل: بكسر الميم: هو الزبيل الكبير، قيل إنه يسع خمسة عشر صاعًا. انظر النهاية (٤/ ١٣١).
(٤) الخَمِيس: الجيش، سُمي به، لأنه مقسوم بخمسة أقسام: المقدمة، والساقة، والميمنة، والميسرة، والقلب، وقيل: لأنه تُخمس فيه الغنائم. انظر النهاية (٢/ ٧٥).
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤١٩٧) (٤١٩٨) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (١٣٦٥) (١٢٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٩٩٢) (١٢٠٨٦) (١٢٦٧١).
(٦) شَرع: دخل. انظر لسان العرب (٧/ ٨٦).
[ ٣ / ٤٠٦ ]
٢ - حِصْنُ الصَّعْبِ بنِ مُعَاذٍ.
٣ - وَحِصْنُ قَلْعَةِ الزُّبَيْرِ.
٤ - وَحِصْنُ أُبَيٍّ.
٥ - وَحِصْنُ النَّزَارِ.
وَتَقَعُ الحُصُونُ الثَّلَاثَةُ الأُولَى فِي مَنْطِقَةٍ يُقَالُ لَهَا: النَّطَاةُ، وَأَمَّا الحِصْنَانِ الآخرانِ فَيَقَعَانِ فِي مَنْطِقَة تُسَمَّى: الشِّقَّ.
أَمَّا الشَّطْرُ الثَّانِي: فَيُعْرَفُ بِالكُتَيْبَةِ، وَفِيهِ ثَلَاثُ حُصُونٍ وَهِيَ:
١ - حِصْنُ القَمُوصِ.
٢ - وَحِصْنُ الوَطِيحِ.
٣ - وَحِصْنُ السُّلَالِمِ.
وَهُنَاكَ حُصُونٌ أُخْرَى غَيْرُ هَذه الثَّمَانِيَةِ، إِلَّا أَنَّهَا كَانَتْ صَغِيرَةً لَا تَبْلُغُ إِلَى درجة هَذه الْحُصُونِ فِي مَنَاعَتِهَا وَقُوَّتِهَا.
* بَدْءُ المَعْرَكَةِ وَفَتْحُ حِصْنِ نَاعِمٍ:
أَوَّلُ حِصْنٍ هَاجَمَهُ المُسْلِمُونَ مِنْ هَذِهِ الحُصُونِ الثَّمَانِيَةِ هُوَ: حِصْنُ نَاعِمٍ، فَخَرَجَ مَرْحَبٌ اليَهُودِيُّ ينَادِي بِالبِرَازِ، قَالَ سَلَمَةُ بنُ الأَكْوَعِ -﵁-: فَلَمَّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ خَرَجَ مَلِكُهُمْ مَرْحَمب يَخْطُرُ بِسَيْفِهِ (١) وَيَقُولُ:
_________________
(١) يخطُرُ بسيفه: أي يَهُزُّهُ مُعْجَبًا بنفسه مُتعرِّضًا للمُبَارَزَةِ، أو أنه كان يخطر في مِشْيَتِهِ: أي يتمايل ويمشي مِشْيَةَ المُعْجَبِ وسيفه في يده. انظر النهاية (٢/ ٤٤).
[ ٣ / ٤٠٧ ]
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ (١) بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الحُرُوبُ أَقبَلَتْ تَلَهَّبُ
فَبَرَزَ لَهُ عَمِّي عَامِرٌ، فَقَالَ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي عَامِرُ شَاكِي السِّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرُ
فَاخْتَلفا ضَرْبَتَيْنِ، فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ، وَذَهَبَ عَامرٌ يَسْفُلُ (٢) لَهُ، وَكَانَ سَيْفُهُ قَصِيرًا، فَتَنَاوَلَ بِهِ سَاقَ اليَهُودِيِّ لِيَضْرِبَهُ، فَرَجَعَ ذُبَابُ (٣) سَيْفِهِ عَلَى نَفْسِهِ، فَأَصَابَ عَيْنَ رُكْبَتِهِ (٤)، فَمَاتَ مِنْهُ.
قَالَ سَلَمَةُ -﵁-: فَقَالَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-: بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ، قَتَلَ نَفْسَهُ، فَأَتَيْتُ رَسُولَ -ﷺ-، وَأَنَا أَبْكِي، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بَطَلَ عَمَلُ عَامِرٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ قَالَ ذَلِكَ؟ ".
قَالَ: أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كَذَبَ (٥) مَنْ قَالَ ذَلِكَ، إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ -وَجَمَعَ بَيْنَ
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ١٥٣): شاكي السلاح: أي تام السلاح.
(٢) قال النووي في شرح مسلم (١٢/ ١٥٣): يَسفُل: بفتح الياء وضم الفاء: أي يضربه من أسفل.
(٣) ذُباب سيفه: طَرَفه الأعلي الذي يضرب به. انظر النهاية (٢/ ١٤١).
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٢٤١): أي طرف ركبته الأعلى.
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٢٤٢): أي أخطأ.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
إِصْبَعَيْهِ- إِنَّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ" (١).
* مَقْتَلُ مَحْمُودِ بنِ مَسْلَمَةَ -﵁- عَلَى يَدِ مَرْحَبٍ:
وَقَدْ وَاجَهَ المُسْلِمُونَ مُقَاوَمَةً شَدِيدَةً، وَصُعُوبَةً كَبِيرَةً عِنْدَ فَتْحِ بَعْضِ هَذِهِ الحُصُونِ، مِنْهَا حِصْنُ نَاعِمٍ هَذَا، وَهُوَ أَوَّلُ الحُصُونِ، وَقَدِ اسْتُشْهِدَ عِنْدَهُ مَحْمُودُ بنُ مَسْلَمَةَ -﵁-، حَيْثُ كَانَ تَحْتَ الحِصْنِ، فَأَلقى عَلَيْهِ مَرْحَب اليَهُودِيُّ مِنْ أَعْلَي الحِصْنِ رَحًا (٢) فَقتَلَهُ بِهَا (٣).
وَظَلَّ حِصْنُ نَاعِمٍ أَوَّلَ حُصُونِ خَيْبَرَ مَنِيعًا أَمَامَ المُسْلِمِينَ، فَقَدْ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الرَّايَةَ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-، فنَهَضَ بِهَا، وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ، ثُمَّ أَعْطَي الرَّسُولَ -ﷺ- في اليَوْمِ الثَّانِي الرَّايَةَ لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁-، فَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، ثُمَّ رَجَعَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ، وَظَلَّ المُسْلِمُونَ تِسْعَةَ أَيَّامٍ يُحَاوِلُونَ فتحَ حِصْنِ نَاعِمٍ لَكِنْ مَا اسْتَطَاعُوا (٤).
_________________
(١) قال ابن التين فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٨/ ٢٤٢): الجاهِدُ: من يرتكب المَشَقَّة، ومجاهد: أي لأعداء اللَّه تَعَالَى. والقصة أخرجها البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤١٩٦) - وأخرجها مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة ذي قرد - رقم الحديث (١٨٠٧) - وأخرجها الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٥٣٨).
(٢) الرحا: هي التي يُطحن بها. انظر النهاية (٢/ ١٩٣).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣٦٠).
(٤) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٩٩٣) - والحاكم في المستدرك - كتاب المغازي والسرايا - باب ذكر غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٣٩٦) وإسناده قوي.
[ ٣ / ٤٠٩ ]
* عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- يَأْخُذُ الرَّايَةَ:
وَفِي لَيْلَةِ اليَوْمِ العَاشِرِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَصْحَابِهِ: "لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا (١) رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّه وَرَسُولُهُ، لَا يَرْجِعُ حَتَّى يُفْتَحَ لَهُ".
قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-: مَا أَحْبَبْتُ الإِمَارَةَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ، فتَسَاوَرْتُ لَهَا (٢) رَجَاءَ أَنْ أُدْعَى لَهَا (٣)
وَقَالَ بريْدَةُ بنُ الحُصَيْبِ -﵁-: وَأنا فِيمَنْ تَطَاوَلَ لَهَا (٤).
فَبَاتَ النَّاسُ يَدُوكُونَ (٥) لَيْلَتَهُمْ أَيُّهُمْ يُعْطَاهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كُلُّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا، فَقَالَ -ﷺ-: "أَيْنَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ؟ ".
فَقِيلَ: هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ، فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ، فَجَاءَ بِهِ مُحَمَّدُ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ٢٣١) فيه إشعار بأن الراية تكن خاصة بشخص معين، بل كان يعطيها في كل غزوة لمن يريد.
(٢) تَسَاوَرَتُ لها: أي تطاوَلْتُ لها، ورفعتُ لها شَخْصِي. انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٥/ ١٤٣) - النهاية (٢/ ٣٧٧).
(٣) في رواية أخرى في مسند الإمام أحمد بسند صحيح على شرط مسلم - رقم الحديث (٨٩٩٠) قال عمر -﵁-: فتطاولت لها واستَشْرَفْتُ، رجاء أن يدفعها إليّ.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٩٩٣) وإسناده قوي.
(٥) يَدُوكُونَ: أي يَخُوضُونَ ويَمُوجُونَ فيمن يدفعها إليه. انظر النهاية (٢/ ١٣١).
[ ٣ / ٤١٠ ]
بنُ مَسْلَمَةَ -﵁- يَقُودُهُ، وَبِهِ رَمَدٌ (١)، فَبَصَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فبرَأَ (٢) حَتَّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَع (٣)، فَأَعْطَاهُ الرَّايَةَ، فَقَالَ عَلِيٌّ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتَّى يَكُونُوا مِثْلَنَا (٤)؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "انْفُذْ (٥) عَلَى رِسْلِكَ (٦) حَتَّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقِّ اللَّهِ فِيهِ، فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللَّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْر لَكَ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النَّعَمِ" (٧).
_________________
(١) الرَّمَدُ: وجعُ العين وانتفاخُهَا. انظر لسان العرب (٥/ ٣١١).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٢٥٥): فبَرَأَ: بفتح الراء والهمزة بوزن ضرب، ويجوز كسر الراء بوزن علم.
(٣) روى الإمام أحمد في مسنده بسند حسن - رقم الحديث (٥٧٩) عن علي -﵁- أنه قال: ما رَمِدت منذ تفل النبي -ﷺ- في عيني.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٢٥٦): أي حتى يُسلموا. وفي رواية الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٤٠٥) قال علي -﵁-: يا رَسُول اللَّهِ! على ماذا أقاتل الناس؟ قال: "قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدًا رَسُول اللَّهِ، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على اللَّه".
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٢٥٦): انفذ: بضم الفاء: امضِ.
(٦) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٢٥٦): رسلك: بكسر الراء: أي على مهلك.
(٧) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٥/ ١٤٥): هي الإبل الحمر، وهي أنفس أموال العرب يضربون بها المثل في نفاسة الشيء، وأنه ليس هناك أعظم منه. وأخرج خبر إعطاء الرسول -ﷺ- لعلي -﵁- الراية يوم خيبر: البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب ما قيل في لواء النبي -ﷺ- رقم الحديث (٢٩٧٥) - وأخرجه في =
[ ٣ / ٤١١ ]
* مَقْتَلُ مَرْحَبٍ عَلَى يَدِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁-:
خَرَجَ مَرْحَبٌ يَطْلُبُ البِرَازَ مَرَّةً أُخْرَى بَعْدَمَا قتلَ عَامِرَ بنَ الأَكْوَعِ -﵁- وَهُوَ يَرْتَجِزُ، وَيَقُولُ:
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنِّي مَرْحَبُ شَاكِي السِّلَاحِ (١) بَطَلٌ مُجَرَّبُ
إِذَا الحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهَّبُ
فَبَرَزَ له عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- وَهُوَ يَرْتَجِزُ، وَيَقُولُ:
أَنَا الذِي سَمَّتْنِي أُمِّي حَيْدَرَه (٢) كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ المَنْظَرَهْ
أُوفِيهِمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَرَه (٣)
فَضَرَبَ عَلِيٌّ -﵁- مَرْحَبًا، فَفَلَقَ (٤) رَأْسَهُ، فَقتَلَهُ، وَكَانَ الفَتْحُ عَلَى يَدِ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- (٥).
_________________
(١) = كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٠٩) (٤٢١٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل علي بن أبي طالب -﵁- رقم الحديث (٢٤٠٥) (٢٤٠٦) (٢٤٠٧) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٥٣٨) (٢٢٩٩٣) (٢٣٠٣١).
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ١٥٣): شاكي السلاح: أي تام السلاح.
(٣) الحيدرة: اسم للأسد. انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٢/ ١٥٤).
(٤) السندرة: مِكْيَالٌ واسع: أي أقتلكم قتلًا واسعًا ذَرِيعًا. انظر النهاية (٢/ ٣٦٧).
(٥) الفَلْق: الشقُّ. انظر النهاية (٣/ ٤٢٣).
(٦) أخرج قصة قتل مرحب اليهودي علي يد علي بن أبي طالب -﵁-: =
[ ٣ / ٤١٢ ]
* رِوَايَةٌ فِيهَا نَظَرٌ:
قُلْتُ: وَقَعَ فِي مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ (١)، وَابْنِ إِسْحَاقَ (٢) فِي السِّيرَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ مَسْلَمَةَ -﵁-: هُوَ الذِي قتَلَ مَرْحَبًا، وَالصَّحِيحُ أَنَّ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁- هُوَ الذِي قَتَلَهُ، وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ (٣)، وَابْنُ الأَثِيرِ (٤)، وَابْنُ عَبْدِ البَرِّ (٥).
قَالَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ: إِنَّ الأَخْبَارَ مُتَوَاتِرَةٌ بِأَسَانِيدَ كَثِيرَةٍ أَنَّ قَاتِلَ مَرْحَبٍ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- (٦).
وَقَالَ الإِمَامُ الصَّالِحِيُّ: وَالذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ أَنَّ عَلِيًّا -﵁- قَتَلَ مَرْحَبًا اليَهُودِيَّ مُقَدَّمٌ عَلَى مَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
_________________
(١) = الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة ذي قرد - رقم الحديث (١٨٠٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٥٣٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر إثبات محبة اللَّه جل وعلا ورسوله -ﷺ- لعلي بن أبي طالب -﵁- رقم الحديث (٦٩٣٥).
(٢) رقم الحديث (١٥١٣٤).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣٦٣).
(٤) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٢/ ١٥٥).
(٥) انظر الكامل في التاريخ (٢/ ٩٨).
(٦) انظر الدرر في مختصر السير لابن عبد البر.
(٧) انظر كلام الحاكم في المستدرك بعد أن أورد حديث قتل علي -﵁- مرحب - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر قتل مرحب بيد علي بن أبي طالب -﵁- رقم الحديث (٥٨٩٩).
[ ٣ / ٤١٣ ]
- أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ أَصَحُّ إِسْنَادًا.
- وَالثَّاني: أَنَّ جَابِرًا لَمْ يَشْهَدْ خَيْبَرَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ، وَالوَاقِدِيُّ، وَغَيْرُهُمَا، وَقَدْ شَهِدَ سَلَمَةُ، وبُرَيْدَةُ، وَأَبُو رَافِعٍ ﵃ خَيْبَرَ، وَهُمْ أَعْلَمُ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْهَا (١).
* رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ وَوَاهِيَةٌ:
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ جِدًّا مُسَلْسَلٍ بِالضُّعَفَاءِ عَنْ عَلِيٍّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَتَلْتُ مَرْحَبًا جِئْتُ بِرَأْسِهِ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- (٢).
* مَقْتَلُ يَاسِرٍ أَخُو مَرْحَبٍ عَلَى يَدِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ -﵁-:
ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَرْحَبٍ أَخُوهُ يَاسِرٌ -وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ حِصْنِ نَاعِمٍ، أَوَّلِ الحُصُونِ- وَهُوَ يَقُولُ: مَنْ يُبَارِزُ؟ فَخَرَجَ له الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ -﵁-، فَقَالَتْ أُمُّهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمَّةُ الرَّسُولِ -ﷺ﵂: يُقْتَلُ ابْنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
فَقَالَ -ﷺ-: "بَلِ ابْنُكِ يَقْتُله إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، فَقَتَلَهُ الزُّبَيْرُ -﵁- (٣).
* بَطَلٌ إِلَى النَّارِ:
ثُمَّ خَرَجَ رَجُل مِنَ المُسْلِمِينَ وَقَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَأُعْجِبَ بِهِ الصَّحَابَةُ ﵃، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فَقَدْ رَوَى
_________________
(١) انظر سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (٥/ ١٢٨) لمحمد بن يوسف الصالحي.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨٨٨).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣٦٤).
[ ٣ / ٤١٤ ]
الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: شَهِدْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خَيْبَرَ (١)، فَقَالَ الرَّسُولُ -ﷺ- لِرَجُلٍ ممَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإِسْلَامَ: "هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فَلَمَّا حَضَرَ القِتَالُ قَاتَلَ الرَّجُلُ أَشَدَّ القِتَالِ، حَتَّى كَثُرَتْ بِهِ الجِرَاحَةُ، فَأَثْبَتَتْهُ (٢)، فكَادَ بَعْضُ النَّاسِ يَرْتَابُ، فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ إِذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الجِرَاحِ فَأَهْوَى (٣) بِيَدِهِ إِلَى كِنَانَتِهِ (٤)، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهَا سَهْمًا فَنَحَرَ بِهَا نَفْسَهُ، فَاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ صَدَّقَ اللَّهُ حَدِيثَكَ، قَدِ انْتَحَرَ فُلَان فَقَتَلَ نَفْسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ (٥)، إِنَّهُ لَا يَدْخُلُ الجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَإِنَّ اللَّهَ لَيُؤَيِّدُ هَذَا الدِّينَ بِالرَّجُلِ الفَاجِرِ" (٦).
* شِدَّةُ القِتَالِ عِنْدَ حِصْنِ نَاعِمٍ وَفَتْحِهِ:
وَقَدْ لَاقَى المُسْلِمُونَ حَوْلَ حِصْنِ نَاعِمٍ مُقَاوَمَةً شَدِيدَةً، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ يَزِيدَ بنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: رَأَيْتُ أَثَرَ ضَرْبَةٍ فِي سَاقِ
_________________
(١) وقع في صحيح مسلم بلفظ: حنين. قال القاضي عياض في شرح مسلم (٢/ ١٠٤): كذا وقع في الأصول، وصوابه خيبر.
(٢) أثبتته: أي حبسته وجعلته ثَابِتًا في مكانَهُ لا يُفَارِقُهُ بسبب الجراح. انظر النهاية (١/ ٢٠٠).
(٣) فهَوِي: بفتح الهاء وكسر الواو: مَدَّ بيده نحوها. انظر النهاية (٥/ ٢٤٦).
(٤) الكِنَانَةُ: جُعْبَةُ السهام تُتَّخَذُ من جُلُوبٍ. انظر لسان العرب (١٢/ ١٧٣).
(٥) الأذَانُ: الإعلام بالشيء. انظر النهاية (١/ ٣٧).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٠٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه - رقم الحديث (١١١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨٠٩٠).
[ ٣ / ٤١٥ ]
سَلَمَةَ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا مُسْلِمٍ مَا هَذِهِ الضَّرْبَةُ؟ قَالَ: هَذِهِ ضَرْبَة أَصَابَتْهَا يَوْمَ خَيْبَرٍ، فَقَالَ النَّاسُ: أُصِيبَ سَلَمَةُ، فَأُتِيَ بِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فنَفَثَ فِيهِ ثَلَاثَ نَفَثَاتٍ، فَمَا اشْتَكَيْتُهَا حَتَّى السَّاعَةَ (١).
وَاشْتَدَّ الصَّحَابَةُ حَتَّى انْهَارَتْ مُقَاوَمَةُ اليَهُودِ بَعْدَ مَقْتَلِ مَرْحَبٍ وإخْوَتِهِ، وَيَئِسُوا مِنْ مُقَاوَمَةِ المُسْلِمِينَ، فَتَسَلَّلُوا مِنْ هَذَا الحِصْنِ إِلَى حِصْنِ الصَّعْبِ، وَاقْتَحَمَ المُسْلِمُونَ حِصْنَ نَاعِمٍ فَفَتَحُوهُ (٢).
* فَتْحُ حِصْنِ الصَّعْبِ بنِ مُعَاذٍ:
وَكَانَ حِصنُ الصَّعْبِ الحِصْنَ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ القُوَّةِ وَالمَنَاعَةِ بَعْدَ حِصْنِ نَاعِمٍ، وَقَدْ تَسَلَّلَ إِلَيْهِ مَنْ فَرَّ مِنَ اليَهُودِ مِنْ حِصْنِ نَاعِمٍ، فبدَأَ الحِصَارُ عَلَيْهِ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- اللِّوَاءَ إِلَى الحبابِ بنِ المُنْذِرِ -﵁-، فَأَقَامَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ.
* تَحْرِيمُ الحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ:
وَقَدْ أَصَابَ المُسْلِمِينَ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ، فَذَبَحُوا حُمُرا مِنْ حُمُرِ الإِنْسِ، وَأَوْقَدُوا النِّيرَانَ، وَطَبَخُوا لُحُومَهَا فِي القُدُورِ، فَلَمَّا عَلِمَ الرَّسُولُ -ﷺ- بِذَلِكَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٠٦) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٥١٤).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣٦٤).
[ ٣ / ٤١٦ ]
حَرَّمَهَا عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَكْفِؤُوا (١) القُدُورَ، وَلَا يَأْكُلُوهَا، وَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ أَيْضًا لُحُومَ البِغَالِ، وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطُّيُورِ، وَحَرَّمَ أَيْضًا المُجَثَّمَةَ (٢)، والخُلْسَةَ (٣)، والنُّهْبَةَ (٤)، وحَرَّمَ عَلَيْهِمُ المُتْعَةَ (٥).
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوْفَى -﵁- أَنَّهُ قَالَ: أَصَابَتْنَا مَجَاعَةٌ يَوْمَ خَيْبَرَ، وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَدْ أَصَبنَا لِلْقَوْمِ حُمُرًا خَارِجَةً مِنَ المَدِينَةِ، فنَحَرْنَاهَا، فَإِنَّ قُدُورَنَا لَتَغْلِي، إِذْ نَادَى مُنَادِي الرَّسُولِ -ﷺ-: "أَنِ اكْفَؤُوا القُدُورَ، وَلَا تَطْعَمُوا مِنْ لُحُومِ الحُمُرِ شَيْئًا" (٦).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ ﵄ أنَّهُ قَالَ: أمَرَنَا النَّبِيُّ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ أَنْ نُلْقِيَ الحُمُرَ الأَهْلِيَّةَ نَيْئَةً
_________________
(١) يُكْفِؤُوا: أي يميلوا القُدُور لِيُرَاقَ ما فيها. انظر فتح الباري (٨/ ٢٦٣).
(٢) المُجَثَّمَة: بضم الميم وتشديد الثاء: هي كل حيوان يُنصب ويُرمى للقتل. انظر النهاية (١/ ٢٣٢).
(٣) الخُلسة: بضم الخاء: هي ما يُستخلص من السَّبُعِ فيمُوت قبل أن يُذَكَّى، من خلست الشيء واختلسته إذا سلبته. انظر النهاية (٢/ ٥٨).
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١١/ ٧٦): النُّهْبَة: بضم النون وسكون الهاء: أخذ مال المسلم قهرًا جهرًا، ومنه أخذ مال الغنيمة قبل القسمة اخْتِطَافًا بغير تَسْوِيَةٍ.
(٥) أي زواج المتعة.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٢٠) وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصيد والذبائح - باب تحريم أكل الحمر الأنسية - رقم الحديث (١٩٣٧) (٢٦).
[ ٣ / ٤١٧ ]
وَنَضِيجَةً، ثُمَّ لَمْ يَأْمُرْنَا بِأَكْلِهِ بَعْدُ (١).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ جَاءَ جَاءٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُكِلَتْ الحُمُرُ، ثُمَّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُفْنِيَتِ الحُمُرُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أبَا طَلْحَةَ (٢) فنَادَى: إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ عَنْ لُحُومِ الحُمُرِ (٣)، فَإِنَّهَا رِجْسٌ أَوْ نَجِسٌ، قَالَ: فَأكفِئَتِ القُدُورُ بِمَا فِيهَا (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٢٦) وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصيد والذبائح - باب تحريم أكل لحم الحمر الأنسية - رقم الحديث (١٩٣٨) (٣١).
(٢) في رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٧٤١) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب الصيد - باب تحريم أكل لحوم الحمر الأهلية - رقم الحديث (٤٨٣٤) أن المنادي عبد الرحمن بن عوف -﵁- ولفظه: فأمر عبدَ الرحمن بن عوف، فأذّن في الناس: "ألا إن لحوم الحُمُرِ الإنس لا تحل لمن شهد أني رَسُول اللَّه -ﷺ-". قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١١/ ٨٩): لعل عبد الرحمن نادى أولًا بالنهي مطلقًا، ثم نادى أبو طلحة بزيادة علي ذلك، وهو قوله: "فإنها رجس"، فأكفئت القدور باللحم.
(٣) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٣/ ٧٨): والصواب تحريم لحوم الحمر الإنسية، وقد قال بذلك الجماهير للأحاديث الصريحة. وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في البداية والنهاية (٤/ ٥٨١): وقد اعتنى البخاري بهذا الفصل، فأورد النهي عنها -أي عن لحوم الحمر الإنسية- من طرق جيِّدة وتحريمها مذهب جمهور العلماء سلفًا وخلفًا، وهو مذهب الأئمة الأربعة.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصيد والذبائح - باب تحريم أكل لحم الحمر الإنسية - رقم الحديث (١٩٤٠) (٣٥).
[ ٣ / ٤١٨ ]
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ خَيْبَرَ، أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَة، فَأَخَذُوا الحُمُرَ الإِنْسِيَّةَ (١)، فَذَبَحُوهَا وَمَلَؤُوا مِنْهَا القُدُورَ، فبَلَغَ ذَلِكَ نَبِيَّ اللَّهَ -ﷺ-، قَالَ جَابِرٌ: فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَكَفَأْنَا القُدُورَ، فَقَالَ: "إِنَّ اللَّهَ سَيَأْتِيكُمْ بِرِزْقٍ هُوَ أَحَلُّ مِنْ ذَا، وَأَطْيَبُ مِنْ ذَا"، قَالَ: فكفَأنا يَوْمَئِذٍ القُدُورَ وَهِيَ تَغْلِي، فَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَئِذٍ الحُمُرَ الإِنْسِيَّةَ وَلُحُومَ البِغَالِ، وَكُلَّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ، وَكُلَّ ذِي مِخْلَبٍ مِنَ الطُّيُورِ، وَحَرَّمَ المُجَثَّمَةَ، والخُلْسَةَ، وَالنُّهْبَةَ (٢).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النِّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ (٣)، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الحُمُرِ الإِنْسِيَّةِ.
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١١/ ٨٧): الإنسِيَّة: بكسر الهمزة وسكون النون منسُوبَةً إلى الإنس.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٤٦٣) - وأخرجه الترمذي في جامعه - كتاب الأطعمة - باب ما جاء في كراهية أكل المصبورة - رقم الحديث (١٤٧٤) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الأطعمة - باب ذكر الزجر عن أكل لحوم البغال - رقم الحديث (٥٢٧٢).
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في البداية والنهاية (٤/ ٥٨٢): وعلى هذا الحديث يقتضي تقييد تحريم نكاح المتعة بيوم خيبر، وهو مشكل من وجهين: أحدهما: أن يومَ خيبَرَ لم يكن ثَمَّ نساء يتمتَّعون بهِنَّ إذ قد حصل لهم الاستغناء بالسَّبَايَا عن نكاح المُتْعَةِ، الثاني: أنه قد ثبت في صحيح مسلم - رقم الحديث (١٤٠٦) (٢١) من حديث الربيع بن سبرة، عن معبد، عن أبيه أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أذن لهم في المتعة زمن الفَتْحِ، ثم لم يخرج من مكة حتى نهى عنها، وقال: "إن اللَّه قد حَرَّمَهَا إلى يوم القيامة"، فعلى هذا يكون قد نهى عنها، ثم أَذِنَ فيها، ثم حُرِّمَتْ فيلزم النسخ مرتين وهو بعيد. =
[ ٣ / ٤١٩ ]
وَفِي رِوَايَةٍ: الحُمُرُ الأَهْلِيَّةُ (١).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذِهِ الأَحَادِيثِ: أَنَّهُ يَنْبَغِي لِأَمِيرِ الجَيْشِ تَفَقُّدُ أَحْوَالِ رَعِيَّتِهِ، وَمَنْ رَآه فَعَلَ مَا لَا يُسَوَّغُ فِي الشَّرْعِ أَشَاعَ مَنْعَهُ، إِمَّا بِنَفْسِهِ كَأَنْ يُخَاطِبَهُمْ، وَإِمَّا بِغَيْرِهِ بِأَنْ يَأْمُرَ مُنَادِيًا فينَادِي لِئَلَّا يَغْتَرَّ بِهِ مَنْ رَآه فَيَظُنَّهُ جَائِزًا (٢).
* النَّهْيُ عَنْ أَكْلِ البَصَلِ وَالكُرَّاثِ (٣):
وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ فِي خَيْبَرَ أَصْحَابَهُ عَنْ أَكْلِ البَصَلِ وَالكُرَّاثِ إِذَا
_________________
(١) = والصحيح في هذه المسألة ما قاله ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في زاد المعاد (٥/ ١٠١) (٣/ ٣٠٥) قال: والصحيح أن النهي عن نكاح المتعة إنما كان عام الفتح، وأن النهي يوم خيبر إنما كان عن الحُمُرِ الأهلية، وإنما قال علي -﵁- لابن عباس ﵄: إن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- نهى يومَ خيبَرَ عن متعةِ النساء، ونهى عن الحمر الأهلية مُحْتَجًّا عليه بالمسألتينِ، فظَنَّ بعض الرواة أن التقييد بيوم خيبر راجع إلى الفصلين، فرواه بالمعنى، ثم أفرد بعضهم أحد الفصلين، وقيده بيوم خيبر. وقصة خيبر لم يكن فيها الصحابة يتمتَّعُونَ باليهوديَّات، ولا استأذنوا في ذلك رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، ولا نقله أحدٌ قَط في هذه الغزوة، ولا كان للمتعة فيها ذكرٌ البَتَّة، لا فعلًا ولا تحريمًا، بخلاف غزاة الفتح، فإن قصة المتعة كانت فيها فعلًا وتحريمها مشهورة. قلتُ: وإلي هذا الرأي ذهب الإمام الحافظ المِزي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى كما ذكر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٥٨٣).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢١٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب نكاح المتعة وبيان أنه أبيح ثم نسخ - رقم الحديث (١٤٠٧).
(٣) انظر فتح الباري (١١/ ٩١).
(٤) الكُرَّاث: بضم الكاف، وتشديد الراء المفتوحة: هي بَقْلَة. انظر لسان العرب (١٢/ ٦١).
[ ٣ / ٤٢٠ ]
أَرَادُوا الذَّهَابَ إِلَى المَسْجِدِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَده بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- نَهَى زَمَنَ خَيْبَرَ (١) عَنِ البَصَلِ وَالكُرَّاثِ، فَأَكَلَهُمَا القَوْمُ، ثُمَّ جَاؤُوا إِلَى المَسْجِدِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "أَلَمْ أَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ المُنْتِنَتَيْنِ؟ ".
قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَجْهَدَنَا الجُوعُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ أَكلَهُمَا فَلَا يَحْضُرْ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدمَ" (٢).
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ -يَعْنِي الثُّومَ- فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا" (٣).
* شَأْنُ أَبِي اليَسَرِ -﵁-:
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي اليَسَرِ كَعْبِ بنِ
_________________
(١) في رواية الإمام مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: في غزوة خيبر.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥١٥٩) - وأصله في صحيح مسلم - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب نهي من أكل ثومًا أو بصلًا - رقم الحديث (٥٦١).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٢/ ٦١١): المراد به المكان الذي أُعدّ ليصلي فيه مدّة إقامته هناك -أي في خيبر-. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب ما جاء في الثُّومِ النَّيْءِ والبصَلِ والكُرّاث - رقم الحديث (٨٥٣).
[ ٣ / ٤٢١ ]
عَمْرٍو -﵁- أنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ إِنَّا لَمَعَ رَسُولِ -ﷺ- بخَيبرَ عَشِيَّةً إِذْ أَقْبَلَتْ غَنَمٌ لِرَجُلٍ مِنْ يَهُودٍ تُرِيدُ حِصْنَهُمْ، وَنَحْنُ مُحَاصِرُوهُمْ، إِذْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ رَجُلٌ يُطْعِمُنَا مِنْ هَذِهِ الغَنَمِ؟ ".
قَالَ أَبُو اليَسَرِ: فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: "فَافْعَلْ".
قَالَ: فَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ مِثْلَ الظَّلِيمِ (١)، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُوَلِّيًا، قَالَ: "اللَّهُمَّ أَمْتِعْنَا بِهِ"، قَالَ: فَأَدْرَكْتُ الغَنَمَ، وَقَدْ دَخَلَتْ أَوَائِلُهَا الحِصْنَ، فَأَخَذْتُ شَاتَيْنِ مِنْ أُخْرَاهَا، فَاحْتَضَنْتُهُمَا تَحْتَ يَدَيَّ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ بِهِمَا أَشْتَدُّ كَأَنَّهُ لَيْسَ مَعِيَ شَيْءٌ، حَتَّى أَلْقَيْتُهُمَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَذَبَحُوهُمَا، فَأَكَلُوهُمَا (٢).
* شَأْنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ -﵁-:
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مُغَفَّلٍ المُزَنِيِّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا مُحَاصِرِينَ قَصْرَ خَيْبَرَ، فَرَمَي إِنْسَان بِجِرَابٍ (٣) فِيهِ شَحْم، فنَزَوْتُ (٤) لِآخُذَهُ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا النَّبِيُّ -ﷺ-، فَاسْتَحْيَيْتُ (٥) مِنْهُ.
_________________
(١) الظَّلِيم: بفتح الظاء المشدَّدة: وهو ذكر النعام. انظر النهاية (٣/ ١٤٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٥٢٥) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٦٥).
(٣) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ٨٧): الجِرَاب: بكسر الجيم وهو وعاء من جلد.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ٣٨٨): فنزَوْتُ: أي وثَبْتُ مُسْرِعًا.
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٦/ ٣٨٩): فيه إشارةٌ إلى ما كان عليه الصحابة ﵃ من توقير النبي -ﷺ-، ومعاناة التَّنَزُّه عن خوارم المروءة.
[ ٣ / ٤٢٢ ]
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ قَالَ: فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُبْتَسِمًا (١).
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- دَعَا رَبَّهُ ﷿ بِفَتْحِ هَذَا الحِصْنِ، فَقَدْ رَوَى ابنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ بَنِي سَهْمٍ مِنْ أَسْلَمَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ جَهِدْنَا وَمَا بِأَيْدِينَا مِنْ شَيْءٍ، فَقَالَ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ قَدْ عَرَفْتَ حَالَهُمْ، وَأَنْ لَيْسَتْ بِهِمْ قُوَّةٌ، وَأَنْ لَيْسَ بِيَدِي شَيءٌ أُعْطِيهِمْ إِيَّاهُ، فَافْتَحْ عَلَيْهِمْ أَعْظَمَ حُصُونهَا عَنْهُمْ غِنَاءً، وَأَكْثَرَهَا طَعَامًا وَوَدَكًا" (٢).
فَفَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ حِصْنَ الصَّعْبِ بنِ مُعَاذٍ، وَمَا بِخَيْبَرَ حِصْنٌ أَكْثَرُ طَعَامًا مِنْهُ، وَوَجَدُوا بَعْضَ الآلَاتِ الحَرْبِيَّةِ كَالمِنْجَنِيقِ (٣) وغَيْرِهَا فَأَخَذَهَا المُسْلِمُونَ (٤).
* فَتْحُ حِصْنِ قَلْعَةِ الزُّبَيْرِ:
وَلَمَّا فتَحَ المُسْلِمُونَ حِصْنَ الصَّعْبِ بنِ مُعَاذٍ تَحَوَّلَ اليَهُودُ الذِينَ سَلِمُوا مِنَ القَتْلِ إِلَى حِصْنِ قَلْعَةِ الزُّبَيْرِ، وَهُوَ حِصْنٌ مَنِيعٌ، فِي رَأْسِ جَبَلٍ، فَأَقَامَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فرض الخمس - باب ما يصيب من الطعام في أرض الحرب - رقم الحديث (٣١٥٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب - رقم الحديث (١٧٧٢) (٧٣) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٥٥٥).
(٢) الوَدَكُ: هو اسمُ اللحم ودهنه الذي يستخرج منه. انظر النهاية (٥/ ١٤٨).
(٣) المِنْجَنِيق: بكسر الميم: آلة ترمى بها الحجارة. انظر القاموس المحيط ص (٨٧٢).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣٦٢).
[ ٣ / ٤٢٣ ]
المُسْلِمُونَ عَلَى مُحَاصَرَتِهِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ يُقَالُ لَهُ: غَزَّالٌ، فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ! تُؤَمِّنُنِّي عَلَى أَنْ أَدُلَّكَ عَلَى مَا تَسْتَرِيحُ مِنْ أَهْلِ النَّطَاةِ، وَتَخْرُجُ إِلَى أَهْلِ الشِّقِّ؟
فَأَمَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَقَالَ اليَهُودِيُّ غَزَّالٌ: إِنَّكَ لَوْ أَقَمْتَ شَهْرًا مَا بَالَوْا، لَهُمْ دُبُولٌ (١) تَحْتَ الأَرْضِ، يَخْرُجُونَ بِاللَّيْلِ فَيَشْرَبُونَ مِنْهَا ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى قَلْعَتِهِمْ فَيَمْتَنِعُونَ مِنْكَ، فَإِنْ قَطَعْتَ مَشْرَبَهُمْ عَلَيْهِمْ أَصْحَرُوا (٢) لَكَ، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى دُبُولهِمْ فَقَطَعَهَا، فَلَمَّا قَطَعَ عَلَيْهِمْ مَشَارِبَهُمْ خَرَجُوا فَقَاتَلُوا أَشَدَّ القِتَالِ، وَقُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ نَفَرٌ، وَأُصِيبَ مِنَ يَهُودِ ذَلِكَ اليَوْمِ نَفَرٌ، وَافْتَتَحَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَ هَذَا آخِرَ حُصُونِ النَّطَاةِ (٣).
* فَتْحُ حِصْنِ أُبَيٍّ (أَحَدِ حِصْنَي الشِّقِّ):
فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ النَّطَاةِ تَحَوَّلَ إِلَى مِنْطَقَةِ الشِّقِّ، فَكَانَ أَوَّلُ حِصْنٍ بَدَأَ بِهِ حِصْنَ أُبَي، فَقَاتَلَ أَهْلُهُ قِتَالًا شَدِيدًا، وَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يَدْعُو إِلَى البِرَازِ، فَخَرَجَ لَهُ الحُبَابُ بنُ المُنْذِرِ -﵁-، فَقَتَلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ رَجُلٌ آخَرُ مِنْهُمْ فَصَاحَ مَنْ يبارِزُ؟ فَخَرَجَ لَهُ أَبو دُجَانَةَ سِمَاكُ بنُ خَرَشَةَ -﵁- البَطَلُ
_________________
(١) دُبُول: أي جداول ماء، واحدها دَبْلٌ، سُميت به لأنها تُدبل: أي تُصْلَح وتُعمر. انظر النهاية (٢/ ٩٤).
(٢) أصْحَرَ القوم: برَزُوا في الصحراء، وقيل: أصْحَرَ القوم: إذا برَزُوا إلى فَضَاءٍ لا يواريهم شيء. انظر لسان العرب (٧/ ٢٨٩).
(٣) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٢٢٤).
[ ٣ / ٤٢٤ ]
المَشْهُوُر صَاحِبُ العِصَابَةِ الحَمْرَاءِ، فَقَتَلَهُ.
وَعِنْدَ ذَلِكَ أَحْجَمَتِ اليَهُودُ عَنِ البِرَازِ، وَقَدْ أَسْرَعَ أَبُو دُجَانَةَ -﵁- بَعْدَ قَتْلِهِ لِلرَّجُلِ اليَهُودِيِّ إِلَى اقْتِحَامِ القَلْعَةِ، وَاقْتَحَمَ مَعَهُ المُسْلِمُونَ، وَجَرَى قِتَالٌ مَرِيرٌ دَاخِلَ الحِصْنِ، ثُمَّ تَسَلَّلَ اليَهُودُ مِنَ القَلْعَةِ، وَتَحَوَّلُوا إِلَى الحِصْنِ الثَّانِي وَالأَخِيرِ مِنْ حُصُونِ الشِّقِّ (١).
* فَتْحُ حِصْنِ النَّزَارِ:
وَكَانَ هَذَا الحِصْنُ أَمْنَعَ حُصُونِ هَذَا الشَّطْرِ، وَكَانَ اليَهُودُ عَلَى شِبْهِ اليَقِينِ بِأَنَّ المُسْلِمِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ اقْتِحَامَ هَذَا الحِصْنِ، فَبَدَأَ يَهُودُ يَرْمُونَ المُسْلِمِينَ بِالنِّبَالِ وَالحِجَارَةِ، حَتَّى أَصَابَ النَّبْلُ ثِيَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَعَلِقَتْ بِهِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِنَصْبِ المِنْجَنِيقِ -الذِي وَجَدُوهُ فِي حِصْنِ الصَّعْبِ- فَأَوْقَعُوا الخَلَلَ فِي جُدْرَانِ الحِصْنِ، وَاقْتَحَمُوهُ، وَانْهَزَمَ اليَهُودُ هَزِيمَةً مُنْكَرَةً، وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يتمَكَّنُوا مِنَ التَّسَلُّلِ مِنْ هَذَا الحِصْنِ كَمَا تَسَلَّلُوا مِنَ الحُصُونِ الأُخْرَى، بَلْ فَرُّوا، مِنْ هَذَا الحِصْنِ وَتَرَكُوا نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيهِمْ، فَأَخَذَهَا المُسْلِمُونَ (٢).
وَبَعْدَ فَتْحِ هَذَا الحِصْنِ المَنِيعِ، تَمَّ فتحُ الشَّطْرِ الأَوَّلِ مِنْ خَيْبَرَ، وَهِيَ النَّطَاةُ وَالشِّقُّ.
_________________
(١) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٢٢٥).
(٢) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٢٢٥).
[ ٣ / ٤٢٥ ]
* فَتْحُ الشَّطرِ الثَّانِي مِنْ خَيْبَرَ (حُصُونِ الكُتَيْبَةِ):
ثُمَّ تَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الشَّطْرِ الثَّانِي وَهِيَ حُصونُ الكُتَيْبَةِ، وَهِيَ ثَلَاثَة: القَمُوصُ، وَالوَطِيحُ، وَالسُّلَالِمُ، فتَحَصَّنَ اليَهُودُ أَشَدَّ التَّحَصُّنِ.
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ المَغَازِي هَلْ جَرَى هُنَاكَ قِتَالٌ فِي أَيِّ حِصْنٍ مِنْ حُصُونِ الكُتَيْبَةِ الثَّلَاثَةِ أَمْ لَا؟
فَسِيَاقُ ابنِ إِسْحَاقَ (١) صَرِيح فِي جَرَيَانِ القِتَالِ لِفَتْحِ حِصْنِ القَمُوصِ، بَلْ يُؤْخَذُ مِنْ سِيَاقِهِ أَنَّ هَذَا الحِصْنَ تَمَّ فَتْحُهُ بِالقِتَالِ فَقَطْ، وَمِنْهُ سُبِيَتْ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بنِ أَخْطَبٍ ﵂، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَجْرِيَ هُنَاكَ مُفَاوَضَات لِلِاسْتِسْلَامِ.
أَمَّا الوَاقِدِيُّ (٢)، فَيُصَرِّحُ تَمَامَ التَّصْرِبحِ أَنَّ قِلَاع هَذَا الشَّطْرِ الثَّلَاثَةِ إِنَّمَا أُخِذَتْ بَعْدَ المُفَاوَضَاتِ، وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ المُفَاوَضَةُ قَدْ جَرَتْ لِاسْتِلَامِ حِصْنِ القَمُوصِ بَعْدَ إِدَارَةِ القِتَالِ، وَأَمَّا الحِصْنَانِ الآخَرَانِ فَقَدْ سُلِّمَا إِلَى المُسْلِمِينَ دُونَمَا قِتَالٍ.
وَمَهْمَا كَانَ فَإِنَّهُ لَمَّا أتى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى حُصُونِ الكُتَيْبَةِ، فَرَضَ عَلَى أَهْلِهَا أَشَدَّ الحِصَارِ، وَدَامَ الحِصَارُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وَاليَهُودُ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣٦٥ - ٣٦٦).
(٢) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٢٢٥).
[ ٣ / ٤٢٦ ]
حُصُونِهِمْ، حَتَّى هَمَّ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَنْصُبَ عَلَيْهِمُ المِنْجَنِيقَ، فَلَمَّا أَيْقَنُوا بِالهَلَكَةِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- الصُّلْحَ (١).
* مُفَاوَضَاتُ أَهْلِ خَيْبَرَ وَمُصَالَحَتُهُمْ:
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- أنَّهُ قَالَ: . . . فَظَهَرَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَتَلَ المُقَاتِلَةَ، وَسَبَى الذَّرَارِيَّ (٢).
فَأَرْسَلَ كِنَانَةُ بنُ أَبِي الحُقَيْقِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: انْزِلْ فَأُكَلِّمُكَ؟ قَالَ -ﷺ-: "نَعَمْ"، فنَزَلَ ابْنُ أَبِي الحُقَيْقِ فَصَالَحَ رَسُولَ اللَّهِﷺ- عَلَى التَّالِي:
١ - حَقْنُ دِمَاءِ مَنْ فِي حُصُونِهِمْ مِنَ المُقَاتِلَةِ.
٢ - تَرْكُ الذُّرِّيَّةِ لَهُمْ.
٣ - يَخْرُجُ اليَهُودُ مِنْ خَيْبَرَ بِذَرَارِيهِمْ.
٤ - يُخَلُّونَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَبَيْنَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ وَأَرْضٍ، وَعَلَى الصَّفْرَاءَ والبَيْضَاءِ -أَي الذَّهَبِ وَالفِضَّةِ- وَالكُرَاعِ (٣) وَالحَلْقَةِ (٤)، وَعَلَى البَزِّ (٥) إِلَّا ثَوْبًا عَلَى ظَهْرِ إِنْسَانٍ.
_________________
(١) انظر الرحيق المختوم ص ٣٧٣ للشيخ صفي الرحمن المباركفوري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الخوف - باب التبكير والغلس بالصبح - رقم الحديث (٩٤٧) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٩٤٠).
(٣) الكُراع: بضم الكاف: اسم لجميع الخيل. انظر النهاية (٤/ ١٤٣).
(٤) الحَلْقة: بفتح الحاء وسكون اللام: السلاح. انظر النهاية (١/ ٤١٠).
(٥) البَزّ: بفتح الباء متاع البيت من الثياب خاصّة. انظر لسان العرب (١/ ٣٩٨).
[ ٣ / ٤٢٧ ]
٥ - أَنْ لَا يَكْتُمُوا، وَلَا يُغَيِّبُوا شَيْئًا (١).
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَبَرِئَتْ مِنْكُمْ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولهِ إِنْ كتَمْتُمُوني شَيْئًا"، فَصَالَحُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَتَمَّ تَسْلِيمُ الحُصُونِ إِلَى المُسْلِمِينَ (٢).
* سُؤَالُ الْيَهُودِ الْبَقَاءَ بِخَيْبَرَ:
فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُخْرِجَ أَهْلَ خَيْبَرَ مِنْ أَرْضِهِمْ كَمَا صَالَحُوهُ، سَأَلُوهُ أَنْ يُقِرَّهُمْ فِيهَا عَلَى أَنْ يَعْمَلُوا عَلَى نِصْفِ مَا خَرَجَ مِنْهَا مِنَ الثَّمَرِ وَالزَّرْعِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ! دَعْنَا نَكُنْ فِي هَذِهِ الأَرْضِ نُصْلِحُهَا وَنَقُومُ عَلَيْهَا، فنَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا مِنْكُمْ وَأَعْمَرُ لَهَا.
وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَلَا لِأَصْحَابِهِ غِلْمَانٌ يَقُومُونَ عَلَيْهَا، فَأَجَابَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكْفُوا المُسْلِمِينَ العَمَلَ وَلَهُمْ نِصْفُ الثَّمَرِ (٣).
رَوَى الطَّحَاوِيِّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: . . . وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَلَا لِأَصْحَابِهِ غِلْمَانٌ يَقُومُونَ عَلَيْهَا -أَيْ عَلَى مَزَارعِ خَيْبَرَ- وَكَانُوا لَا يَفْرُغُونَ لِلْقِيَامِ عَلَيْهَا، فَأَعْطَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) أخرج ذلك كله أبو داود في سننه - كتاب الخراج والإمارة - باب ما جاء في حكم أرض خيبر - رقم الحديث (٣٠٠٦) - وإسناده حسن - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٧٦٥) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٥١٩٩) - وإسناده صحيح.
(٢) أخرج ذلك ابن حبان في صحيحه - كتاب المزارعة - باب الزجر عن المخابرة - رقم الحديث (٥١٩٩) - وإسناده صحيح.
(٣) أخرج ذلك ابن ماجه في سننه - كتاب الزكاة - باب فرض النخل والعنب - رقم الحديث (١٨٢٠) - وإسناده صحيح.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
خَيْبَرَ عَلَى أَنَّ لَهُمْ الشَّطْرَ مِنْ كُلِّ زَرْعٍ وَنَخْلٍ (١).
ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَتْرُكُكُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا"، فَأَقَرُّوهُ، فَأَقَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى أَجْلَاهُمْ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -ﷺ- فِي إِمَارَتِهِ إِلَى تَيْمَاءَ" وَأَرِيحَا (٢) -كَمَا سَيَأْتِي-.
وَسَبَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بنِ أَخْطَبٍ ﵂، وَكَانَتْ تَحْتَ كِنَانَةَ بنِ أَبِي الحُقَيْقِ، وَسَيَأْتِي زَوَاجُ الرَّسُولِ -ﷺ- بِهَا.
* قَتْلُ ابْنَيْ أَبِي الحُقَيْقِ لِنَقْضِ العَهْدِ:
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ هَذِهِ المُعَاهَدَةِ فَقَدْ غَيَّبَ ابْنَا أَبِي الحُقَيْقِ مَسْكًا (٣) فِيهِ مَالٌ وَحُلِيٌّ لِحُيَيِّ بنِ أَخْطَبٍ -وَكَانَ قَدْ قُتِلَ فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ كَمَا تَقَدَّمَ- وَكَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ إِلَى خَيْبَرَ حِينَ أُجْلِيَتْ بَنُو النَّضِيرِ.
أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: . . . فَغَيبوا مَسْكًا لِحُيَيِّ بنِ أَخْطَبٍ، وَكَانَ قَدْ قُتِلَ قَبْلَ خَيْبَرَ، وَكَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ يَوْمَ بَنِي النَّضِيرِ حِينَ أُجْلِيَتِ النَّضِيرُ، فِيهِ حُلِيُّهُمْ، فَقَالَ
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٧٦٥).
(٢) أخرج ذلك الإمام البخاري في صحيحه - كتاب فرض الخمس - باب ما كان النبي -ﷺ- يعطي المؤلفة قلوبهم - رقم الحديث (٣١٥٢) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٤٨) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساقاة - باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمار والزرع - رقم الحديث (١٥٥١) (١) (٦) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٣٦٨) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٥١٩٩).
(٣) المَسْك: بفتح الميم وسكون السين: هو الجِلْد. انظر النهاية (٤/ ٢٨٣).
[ ٣ / ٤٢٩ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِعَمِّ حُيَيٍّ: "مَا فَعَلَ مَسْكُ حُيَيٍّ الذِي جَاءَ بِهِ مِنَ النَّضِيرِ؟ ".
قَالَ: أَذْهَبَتْهُ النَّفَقَاتُ وَالحُرُوبُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "العَهْدُ قَرِيب، وَالمَالُ أَكثَرُ مِنْ ذَلِكَ"، فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ، فَمَسَّهُ بِعَذَابٍ، فَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ حُيَيًّا يَطُوفُ فِي خَرِبَةٍ هَاهُنَا، فَذَهَبُوا فَطَافُوا فَوَجَدُوا المَسْكَ فِي خَرِبَةٍ، فَقتَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ابْنَيْ أَبِي الحُقَيْقِ، أَحَدُهُمَا وَهُوَ: كِنَانَةُ بنُ الرَّبِيعِ بنِ أَبِي الحُقَيْقِ زَوْجُ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ﵂ (١).
* قِسْمَةُ الغَنَائِمِ:
ثُمَّ قَسَمَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- غَنَائِمَ خَيْبَرَ بَيْنَ أَهْلِ الحُدَيْبِيَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ وَعَدَهُم إِيَّاهَا، وَلَمْ يَغِبْ عَنْهَا إِلَّا جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، فَقَسَمَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كَسَهْمِ مَنْ حَضَرَهَا (٢).
رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَهْلِ بنِ أَبِي حَثْمَةَ -﵁- قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ: نِصْفًا لِنَوَائِبِهِ وَحَاجَتِهِ، وَنصْفًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ (٣).
_________________
(١) أخرج ذلك ابن حبان في صحيحه - كتاب المزارعة - باب الزجر عن المخابرة والمزارعة - رقم الحديث (٥١٩٩) - وأخرجه أبو داود في سننه - كتاب الخراج والإمارة - باب ما جاء في حكم أرض خيبر - رقم الحديث (٣٠٠٦) - وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٢٣٠) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٦٦) - قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٢٥٨): إسناد رجاله ثقات.
(٢) ثبتَ في صحيح البخاري - كتاب فرض الخمس - باب (١٥) أن جابر بن عبد اللَّه ﵄ لم يشهد خيبر، وأعطاه رَسُول اللَّهِ -ﷺ- من الغنائم.
(٣) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الخراج والإمارة - باب ما جاء في حكم أرض خيبر - رقم الحديث (٣٠١٠)، وأورده الحافظ في الفتح (٦/ ٣٢٣) وحسن إسناده.
[ ٣ / ٤٣٠ ]
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ رِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ قَسَمَهَا عَلَى سِتَّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا. . . فَكَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَللْمُسْلِمِينَ النِّصْفُ مِنْ ذَلِكَ، وَعَزَلَ النِّصْفَ البَاقِي لِمَنْ نَزَلَ بِهِ مِنَ الوُفُودِ، وَالأُمُورِ، ونَوَائِبِ النَّاسِ (١).
قَالَ البَيْهَقيُّ فِي دَلَائِلِهِ: وَهَذَا لِأَنَّ خَيْبَرَ فُتِحَ شَطْرُهَا عَنْوَةً، وَشَطْرُهَا صُلْحًا، فَقَسَمَ مَا فُتِحَ عَنْوَةً بَيْنَ أَهْلِ الخُمُسِ وَالغَانِمِينَ، وَعَزَلَ مَا فُتِحَ صُلْحًا لِنَوَائِبِهِ وَمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أُمُورِ المُسْلِمِينَ (٢).
فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِكُلِّ فَرَسٍ سَهْمَينِ، وَلفَارِسِهِ سَهْمًا، وَلكُلِّ رَاجِلٍ سَهْمًا، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ خَيْبَرَ لِلْفَرَسَ سَهْمَيْنِ، وَللرَّاجِلِ سَهْمًا.
فَسَّرَهُ نَافِعٌ فَقَالَ: إِذَا كَانَ مَعَ الرَّجُلِ فَرَسٌ فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَسٌ فلَهُ سَهْمٌ (٣).
وَأَخْرَجَ النَّسَائيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ خَيْبَرَ لِلزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ أَرْبَعَةَ
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الخراج والإمارة - باب ما جاء في حكم أرض خيبر - رقم الحديث (٣٠١٢).
(٢) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٢٣٦).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٢٨) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٤٤٨).
[ ٣ / ٤٣١ ]
أَسْهُمٍ: سَهْمٌ لِلزُّبَيْرِ، وسَهْمٌ لِذِي القُرْبَى لِصَفِيَّةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ أُمِّ الزُّبَيْرِ ﵄، وسَهْمَانِ لِلْفَرَسِ (١).
* رَضْخُ (٢) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِلْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ:
وأَمَّا مَنْ شَهِدَ خَيْبَرَ مِنَ العَبِيدِ وَالنِّسَاءِ، فَرَضَخَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شَيْئًا مِنَ الغَنِيمَةِ، وَلَمْ يُسْهِمْ لَهُمْ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَيْرٍ مَوْلَي آبِي اللَّحْمِ قَالَ: شَهِدْتُ خَيْبَرَ مَعَ سَادَتِي فكلَّمُوا فِيَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَمَرَ بِي، فَقُلِّدْتُ سَيْفًا، فَإِذَا أناَ أَجُرُّهُ، فَأُخْبِرَ أَنِّي مَمْلُوكٌ، فَأَمَرَ لِي بِشَيْءٍ مِنْ خُرْثِيِّ الْمَتَاعِ (٣).
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ قَالَتْ: أَتَيْتُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي نِسْوَة مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَقُلْنَا له: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ أَرَدْنَا أَنْ
_________________
(١) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب الخيل - باب سهمان الخيل - رقم الحديث (٤٤١٨) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (١١٦٣).
(٢) الرَّضخ: العطِيَّة القليلة. انظر النهاية (٢/ ٢٠٨). قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ١٦٠): وفي هذا أن المرأة تستَحِقُّ الرضخ ولا تستحق السَّهم، وبهذا قال أبو حنيفة والثوري والليث والشافعي وجماهير العلماء، وفيه أن العبد يُرْضَخُ له ولا يسهم له، وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء.
(٣) قال السندي في شرح المسند (١٣/ ٥٨): خُرْثِيِّ المتاع: بضم الخاء وسكون الراء: هو أثاث البيت. والخبر أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب السير - باب هل يسهم للعبد - رقم الحديث (١٦٤١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٩٤٠).
[ ٣ / ٤٣٢ ]
نَخْرُجَ مَعَكَ إِلَى وَجْهِكَ هَذَا -وَهُوَ يَسِيرُ إِلَى خَيْبَرَ- فندَاوِي الجَرْحَى، وَنُعِينَ المُسْلِمِينَ بِمَا اسْتَطَعْنَا، فَقَالَ -ﷺ-: "عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ".
قَالَتْ: فَخَرَجْنَا مَعَهُ، وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةً. . . فَلَمَّا فتَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَيْبَرَ، رَضَخَ لَنَا مِنَ الفَيْءِ، وَأَخَذَ هَذِهِ القِلَادَةَ التِي تَرَيْنَ فِي عُنُقِي، فَأَعْطَانِيهَا، فَوَاللَّهِ لَا تُفَارِقُنِي أَبَدًا (١).
* رَدُّ المُهَاجِرِينَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمْ (٢):
وَلَمَّا رَجَعَ المُسْلِمُونَ إِلَى المَدِينَةِ رَدَّ المُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمُ التِي مَنَحُوهُمْ إِيَّاهَا لَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِمُ المَدِينَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ مِنْ مَكَّةَ ولَيْسَ بِأَيْدِيهِمْ يَعْنِي شَيْئًا، وَكَانَتِ الأَنْصَارُ أَهْلَ الأَرْضِ وَالعَقَارِ، فَقَاسَمَهُمُ الأَنْصَارُ عَلَى أَنْ يُعْطُوهُمْ ثِمَارَ أَمْوَالِهِمْ كُلَّ عَامٍ وَيَكْفُوهُمُ العَمَلَ وَالمَؤُونَةَ. . .، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ قِتَالِ أَهْلِ خَيْبَرَ فَانْصَرَفَ إِلَى المَدِينَةِ رَدَّ المُهَاجِرُونَ إِلَى الأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمْ -مِنْ ثِمَارِهَا- (٣).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧١٣٦) - وأخرجه أبو داود في سننه - كتاب الطهارة - باب الاغتسال من الحيض - رقم الحديث (٣١٣). قلت: ثبَتَ في صحيح مسلم - رقم الحديث (١٨١٢) (١٣٧) - أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- كان يَرْضَخُ لمن خرج معه من النساء من الغنيمة، ولم يقيده بغزوة خيبر.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٥/ ٥٦٨): المنيحة: بفتح الميم وكسر النون بوزن عظيمة، وهي في الأصل العطية.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الهبة وفضلها - باب فضل المنيحة - رقم الحديث (٢٦٣٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب رد المهاجرين إلى =
[ ٣ / ٤٣٣ ]
* اسْتِغْنَاءُ المُسْلِمِينَ:
وَلَقَدِ اسْتَغْنَى المُسْلِمُونَ بِفَتْحِ خَيْبَرَ، فَقَدْ رَوَي الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: مَا شَبِعْنَا حَتَّى فَتَحْنَا خَيْبَرَ (١).
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ قُلْنَا: الآنَ نَشْبَعُ مِنَ التَّمْرِ (٢).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: أَيْ لِكَثْرَةِ مَا فِيهَا مِنَ النَّخِيلِ، إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ فتحِهَا فِي قِلَّةٍ مِنَ العَيْشِ (٣).
* الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ:
رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ فُضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ الأَنْصَارِيِّ -﵁- قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ بِخَيْبَرَ بِقِلَادَةٍ فِيهَا خَرَزٌ وَذَهَب وَهِيَ مِنَ المَغَانِمِ تُبَاعُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالذَّهَبِ الذِي فِي القِلَادَةِ فنزعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِﷺ-: "الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ" (٤).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وَفِي هذا الحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ ذَهَبٍ مَعَ غَيْرِهِ
_________________
(١) = الأنصار منائحهم - رقم الحديث (١٧٧١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٤٣).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٤٢).
(٤) انظر فتح الباري (٨/ ٢٨٠).
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساقاة - باب بيع القلادة فيها خرز وذهب - رقم الحديث (١٥٩١) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٢١٥).
[ ٣ / ٤٣٤ ]
بِذَهَبٍ حَتَّى يُفْصَلَ فيباعَ الذَّهَبُ بِوَزْيهِ ذَهَبًا، وَيُبَاعَ الآخَرُ بِمَا أَرَادَ، وَكَذَا لَا تُبَاعُ فِضَّة مَعَ غَيْرِهَا بِفِضَّةٍ (١).
* أَمَّا الطَّعَامُ:
أَمَّا بِالنِّسْبَةِ لِلطَّعَامِ، فَكَانُوا يَأْخُذُونَ حَاجَتَهُمْ مِنْ دُونِ أَنْ يُقْسَمَ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوْفَى -﵁- أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلْ كُنْتُمْ تُخَمِّسُونَ الطَّعَامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ قَالَ: أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ، فَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ، فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ (٢).
قَالَ القَاضِي عِيَاض: أَجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ طَعَامِ الحَرْبِيِّينَ مَا دَامَ المُسْلِمُونَ فِي دَارِ الحَرْبِ، فَيَأْكُلُونَ مِنْهُ قَدْرَ حَاجَتِهِمْ، وَيَجُوزُ بِإِذْنِ الإِمَامِ أَوْ بِغيرِ إِذنِهِ (٣).
* قِصَّةُ الأَعْرَابِيِّ الذِي صدَقَ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى:
وَاسْتُشْهِدَ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ أَعْرَابِيٌّ، وَقِصَّتُهُ فِي ذَلِكَ عَجِيبَةٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ وَالنَّسَائيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ شَدَّادِ بنِ الهَادِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَعْرَابِ آمَنَ
_________________
(١) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١١/ ١٥).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في النهي عن النهي إذا كان في الطعام قِلّة في أرض العدو - رقم الحديث (٢٧٠٤) وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (١١٨٨).
(٣) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٢/ ٨٧).
[ ٣ / ٤٣٥ ]
بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ: أُهَاجِرُ مَعَكَ؟ فَأَوْصَى النَّبِيُّ -ﷺ- إصْحَابَهُ بِهِ، فَلَمَّا كَانَتْ غَزْوَةُ خَيْبَرَ غَنِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شَيْئًا فَقَسَمَ، وَقَسَمَ لَهُ فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَ لَهُ، وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ (١)، فَلَمَّا جَاءَ دَفَعُوهُ إِلَيْهِ فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: قَسَمَهُ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخَذَهُ فَجَاه، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! مَا عَلَى هَذَا اتَّبَعْتُكَ، وَلَكِنِّي اتَّبَعْتُكَ عَلَى أَنْ أُرْمَى هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ فَأَمُوتَ، وَأَدْخُلَ الجَنَّةَ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنْ تَصْدُقِ اللَّهَ يَصْدُقْكَ"، فَلَبِثُوا قَلِيلًا ثُمَّ نَهَضُوا فِي قِتَالِ العَدُوِّ، فَأتِيَ بِهِ يُحْمَلُ وَقَدْ أَصَابَهُ سَهْمٌ حَيْثُ أَشَارَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "أَهُوَ هُو؟ " قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ -ﷺ-: "صَدَقَ اللَّهَ فَصَدَقة"، فكَفَّنَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-، ثُمَّ قَدَّمَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ، وَكَانَ مِمَّا ظَهَرَ مِنْ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ: "اللَّهُمَّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِكَ فَقُتِلَ شَهِيدًا فَأَنَا عَلَيْهِ شَهِيدٌ" (٢).
* قِصَّةُ الأَشْجَعِيِّ:
وَكَانَ رَجُلًا مِنْ أَشْجَعَ مَاتَ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ الرَّسُولُ -ﷺ- وذَلِكَ بِسَبَبِ أَنَّهُ غَلَّ (٣) مِنَ الغَنِيمَةِ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَده وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ
_________________
(١) الظَّهر: الإبل التي يحمل عليها تركب. انظر النهاية (٣/ ١٥١).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر شداد بن الهاد -﵁- رقم الحديث (٦٥٨٦) - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب الجنائز باب الصلاة على الشهداء - رقم الحديث (٢٠٩١).
(٣) الغُلُولُ: بضم الغين واللام: هو السَّرِقَةُ من الغنيمة قبل القِسْمَة. انظر النهاية (٣/ ٣٤١).
[ ٣ / ٤٣٦ ]
عَنْ زَيْدِ بنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَال: أَنَّ رَجُلًا مِنَ المُسْلِمِينَ مِنْ أَشْجَعَ تُوُفِّيَ بِخَيْبَرَ، وَأَنَّهُ ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَال: "صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ"، قَالَ: فتَغَيَّرَتْ وُجُوهُ القَوْمِ لِذَلِكَ، فَلَمَّا رَأَى الذِي بِهِمْ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ صاحِبَكُمْ غَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" فَفَتَّشْنَا مَتَاعَهُ، فَوَجَدْنَا فِيهِ خَرَزًا مِنْ خَرَزِ اليَهُودِ مَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ (١).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي الحَدِيثِ تَحْرِيمُ قَلِيلِ الغُلُولِ وَكَثِيرِهِ (٢).
* قُدُومُ مُهَاجِرِي الحَبَشَةِ مَعَ جَعْفَرَ -﵁-:
وَقَدِمَ عَلَى الرَّسُولِ -ﷺ- وَهُوَ بِخَيْبَرَ بَعْدَمَا فتَحَهَا ابْنُ عَمِّهِ جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ -ﷺ- وَأَصْحَاُبهُ، وَكَانَ الرَّسُولُ -ﷺ- قَدْ بَعَثَ إِلَى النَّجَاشِيِّ بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ عَمْرَو بنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ -﵁-، وَكتَبَ مَعَهُ إِلَيْهِ أَنْ يرْسِلَ مَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ- فَفَعَلَ النَّجَاشِيُّ وَحَمَلَهُمْ فِي سَفِينَتَيْنِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَعْفَرَ وَأَصْحَابَهُ فَرِحَ فَرَحًا عَظِيمًا، وَقبَّلَ جَعْفَرَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَقَالَ قَوْلَتَهُ المَشْهُورَةَ: "مَا أَدْرِي بِأَيِّهِمَا أَنَا أُسَرُّ بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرَ" (٣).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٠٣١) - والحاكم في المستدرك - كتاب الجنائز - باب إذا استَهَلَّ الصبي وَرِثَ وصُلِّيَ عليه - رقم الحديث (١٣٨٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٧٨).
(٢) انظر فتح الباري (٦/ ٣٠٥).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الهجرة - باب هجرة عثمان مع رقية ﵂ =
[ ٣ / ٤٣٧ ]
* قُدُومُ الأَشْعَرِيِّينَ:
وَقَدِمَ مَعَ مُهَاجِرِي الحَبَشَةِ الأَشْعَرِيُّونَ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً وَخَمْسِينَ أَوِ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا، فِيهِمْ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ -﵁-.
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ النَّبِيِّ -ﷺ- وَنَحْنُ بِاليَمَنِ، فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ إِلَيْهِ (١) -أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمْ: أَحَدُهُمَا أَبُو بُرْدَةَ (٢)، وَالآخَرُ أَبُو رُهْمٍ (٣) -، إِمَّا قَالَ: فِي بِضْعٍ، وَإِمَّا قَالَ: فِي ثَلَاثَةٍ وَخَمْسِينَ أَوِ اثْنَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي، فَرَكِبْنَا سَفِينَةً،
_________________
(١) = لي الحبشة - رقم الحديث (٤٣٠٨) (١٢٣٦) وصححه الحاكم، وقال الذهبي: مرسل - وأخرجه أبو داود في سننه - كتاب الأدب - باب في القبلة ما بين العينين - رقم الحديث (٥٢٢٠) - وهو مرسل، وذكر الألباني رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى طرق هذا الحديث وشواهده وحسنه في تعليقه علي فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٣٥٠ - وصححه في السلسلة الصحيحة - رقم الحديث (٢٦٥٧).
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٢٦٦): وإنما تأخَّرُوا هذه المدة إما لعَدَمِ بلُوغِ الخبر إليهم بذلك -أي خبر هجرته -ﷺ- إلى المدينة-، وإما لِعِلْمِهِمْ بما كان المسلمون فيه من المُحَارَبَةِ مع الكفار، فلما بلغتهم المُهَادَنَةُ آمنوا وطلبوا الوصول إليه، وقد روى ابن حبان في صحيحه بسند صحيح على شرط مسلم - رقم الحديث (٧١٩٤) - عن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال: خرجنا إلى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في البحر حتى جِئْنَا مكَّةَ وإخوَتِي معي في خمسين من الأشعريين وستة من عك، ثم خرجنا في البحر حتى أتينا المدينة. ويُجمع بينه وبين ما في الصحيح أنهم مَرُّوا بمكة في حال مجيئهم إلى المدينة، ويجوز أن يكُونُوا دخلوا مكة لأن ذلك كان في الهُدْنَةِ -هدنة الحديبية-.
(٣) قال الحافط في الفتح (٨/ ٢٦٦): أبو بُرْدَة: بضم الباء، واسمه عامر.
(٤) قال الحافط في الفتح (٨/ ٢٦٦): أبو رُهْم: بضم الراء وسكون الهاء واسمه مجدي بفتح الميم وسكون الجيم وكسر الدال.
[ ٣ / ٤٣٨ ]
فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بِالحَبَشَةِ (١)، فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ، فَقَالَ جَعْفَرُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَنَا هَاهُنَا، وَأَمَرَنَا بِالإِقَامَةِ، فَأَقِيمُوا مَعَنَا، فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا جَمِيعًا، فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ -ﷺ- حِينَ افتتَحَ خَيْبَرَ (٢)، فَأَسْهَمَ لَنَا، أَوْ قَالَ: فَأَعْطَانَا مِنْهَا، وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ مِنْهَا شَيْئًا، إِلَّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ، إِلَّا أَصْحَابَ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرَ وَأَصْحَابِهِ (٣)، قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ (٤).
* حَدِيثٌ ضَعِيفٌ:
قُلْتُ: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- الذِي رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ، وَلفظُهُ: مَا شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَغْنَمًا
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٧/ ٥٨٧): كأنَّ الريح هاجت عليهم فما ملَكُوا أمرهم حتى أوصلتهم بلاد الحبشة.
(٢) وقع في رواية الطحاوي في شرح مشكل الآثار بسند صحيح على شرط البخاري - رقم الحديث (٢٩١٢): أنهم قَدِمُوا بعد فتح خيبر بثلاث أيام.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٢٧١): ويُعَكِّر علي هذا الحَصْرِ حديثُ أبي هريرة -﵁- في البخاري - رقم الحديث (٤٢٣٤) ولفظه: افتَتَحْنَا خيبرَ ولم نَغْنَمْ ذهبًا ولا فِضَّةً، إنما غَنِمْنَا البقر والإبل والمتاع والحوائط -أي البساتين-. ويجمع بين هذا وبين الحَصْرِ الذي في حديث أبي موسى أن أبا موسى أرادَ أنه لم يُسْهِمَ لِأَحَدٍ لم يشهد الوقعة من غير اسْتِرْضَا: أحَدٍ من الغَانِمِينَ إِلَّا لأصحاب السفينة، وأما أبو هريرة وأصحابه فلم يُعْطِهِمْ إلا عن طِيبِ خَوَاطِرِ المسلمين، واللَّه أعلم.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فرض الخمس - باب إذا بعث الإمام رسولًا في حاجة، أو أمره بالمقام هل يسهم له؟ - رقم الحديث (٣١٣٦) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٣٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل جعفر بن أبي طالب، وأسماء بنت عميس - رقم الحديث (٢٥٠٢).
[ ٣ / ٤٣٩ ]
قَطُّ إِلَّا قَسَمَ لِي، إِلَّا خَيْبَرَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ لِأَهْلِ الحُدَيْبِيَةِ خَاصَّةً (١).
فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ، وَمَعَ ضَعْفِ إِسْنَادِهِ، مُنْكَرُ المَتْنِ لِمُخَالفَتِهِ لِمَا صَحَّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ المُتَقَدِّمِ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَسَمَ لَهُمْ، وَهُمْ لَمْ يَشْهَدُوا خَيْبَرَ.
* فَضَائِلُ الأَشْعَرِيِّينَ ﵃:
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ غَدًا أَقْوَام (٢)، هُمْ أَرَقُّ قُلُوبًا لِلْإِسْلَامِ مِنْكُمْ" (٣)، فَقَدِمَ الأَشْعَرِيُّونَ، وَفِيهِمْ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ المَدِينَةِ، جَعَلُوا يَرْتَجِزُونَ يَقُولُونَ:
غَدًا نَلْقَى الأَحِبَّهْ مُحَمَّدًا وَحِزْبَهْ
فَلَمَّا أَنْ قَدِمُوا تَصَافَحُوا، فَكَانُوا هُمْ أَوَّلَ مَنْ أَحْدَثَ المُصافَحَةَ (٤).
زَادَ ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الأَشْعَرِيُّونَ فِي النَّاسِ
_________________
(١) أخرجه الأمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٠٩١٢) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٩١١).
(٢) هذه رواية الإمام أحمد في مسنده - وفي رواية ابن حبان: "قوم".
(٣) قال السندي في شرح المسند (٧/ ١٠٦): أي قلوبهم أسرع إلى قبول الحق، ولذلك آمنوا، وهاجروا إليه بلا سبق محاربة.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٠٢٦) - (١٢٥٨٢) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر أبي موسى الأشعري -ﷺ- رقم الحديث (٧١٩٣).
[ ٣ / ٤٤٠ ]
كَصُرَّةٍ فِيهَا مِسْكٌ" (١).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا (٢) فِي الغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالهمْ بِالمَدِينَةِ، جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ" (٣).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفي الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْأَشْعَرِيِّينَ قَبِيلَةِ أَبِي مُوسَى -﵁-.
٢ - وَفِيهِ تَحْدِيثُ الرَّجُلِ بِمَنَاقِبِهِ.
٣ - وَفِيهِ جَوَازُ هِبَةِ المَجْهُولِ.
٤ - وَفيهِ فَضِيلَةُ الإِيثَارِ وَالمُوَاسَاةِ.
٥ - وَفيهِ اسْتِحْبَابُ خَلْطِ الزَّادِ فِي السَّفَرِ وَفِي الإِقَامَةِ أَيْضًا، وَاللَّه أَعْلَمُ (٤).
_________________
(١) أخرج هذه الزيادة ابن سعد في طبقاته (١/ ١٦٨) وإسناده ضعيف.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٥/ ٤٢٧): أرْمَلُوا: أي فَنِيَ زادُهم، وأصله من الرَّمَلِ كأنهم لَصِقُوا بالرمل من الفِلَّةِ.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الشركة - باب الشركة في الطعام والنهد والعروض - رقم الحديث (٢٤٨٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل الأشعريين ﵃ - رقم الحديث (٢٥٠٠).
(٤) انظر فتح الباري (٥/ ٤٢٧).
[ ٣ / ٤٤١ ]
وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عِيَاضٍ الأَشْعَرِيِّ -﵁- قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (١).
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هُمْ قَوْمُكَ يَا أبا مُوسَى"، وَأَوْمَأَ (٢) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ إِلَى أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -﵁- (٣).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي لَأَعْرِفُ أَصْوَاتَ رُفْقَةِ الأَشْعَرِيِّينَ بِالقُرْآنِ، حِينَ يَدْخُلُونَ بِاللَّيْلِ، وَأَعْرِفُ مَنَازِلَهُمْ مِنْ أَصْوَاتِهِمْ بِالقُرْآنِ بِاللَّيْلِ (٤)، وَإِنْ كنْتُ لَمْ أَرَ مَنَازِلَهُمْ حِينَ نَزَلُوا بِالنَّهَارِ" (٥).
* فَضْلُ أَصْحَابِ السَّفِينَةِ:
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: . . . وَكَانَ أُنَاسٌ مِنَ النَّاسِ يَقُولُونَ لنَا -يَعْنِي لِأَهْلِ السَّفِينَةِ- سَبَقْنَاكُمْ بِالهِجْرَةِ،
_________________
(١) سورة المائدة آية (٥٤).
(٢) الإيماء: الإشارة بالأعضاء كالرأس واليد والعين والحاجب. انظر النهاية (١/ ٨٢).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - رقم الحديث (٣٢٧٣).
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٢٦٨): فيهِ أن رَفْعَ الصوت بالقرآن بالليل مستَحْسَن لكن محَلُّه إذا لم يُؤْذِ أحَدا وأمِنَ مِنَ الرياء.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٣٢) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل الأشعريين ﵃ - رقم الحديث (٢٤٩٩).
[ ٣ / ٤٤٢ ]
وَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ (١)، وَهِيَ مِمَّنْ قَدِمَ مَعَنَا، عَلَى حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ- زَائِرَةً، وَقَدْ كَانَتْ هَاجَرَتْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فِيمَنْ هَاجَرَ، فَدَخَلَ عُمَرُ -﵁- عَلَى حَفْصَةَ، وَأَسْمَاءُ ﵂ عِنْدَهَا، فَقَالَ عُمَرُ حِينَ رَأَى أَسْمَاءَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقَالَتْ حَفْصَةُ: أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَقَالَ عُمَرُ: الحَبَشِيَّةُ هَذِهِ، البَحْرِيَّةُ هَذِهِ؟
قَالَتْ أَسْمَاءُ: نَعَمْ، فَقَالَ عُمَرُ: سَبَقْنَاكُمْ بِالهِجْرَةِ، فنَحْنُ أَحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْكُمْ، فَغَضِبَتْ، وَقَالَتْ: كَلَّا وَاللَّهِ، كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ، وَكُنَّا فِي دَارٍ -أَوْ فِي أَرْضٍ- البُعَدَاءِ البُغَضَاءِ بِالحَبَشَةِ، وَذَلِكَ فِي اللَّهِ وَفِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَيْمُ اللَّهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا، وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتَّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَنَحْنُ كُنَّا نُؤْذَى وَنَخَافُ، وسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-، وَأَسْأَله وَاللَّهِ لَا أَكْذِبُ، وَلَا أَزِيغُ، وَلَا أَزِيدُ عَلَيْهِ.
فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ إِنَّ عُمَرَ قَالَ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ -ﷺ-: "فَمَا قُلْتِ لَهُ؟ " قَالَتْ: قُلْتُ لَهُ: كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ -ﷺ-: "لَيْسَ بِأَحَقَّ بِي مِنْكُمْ لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ، وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتَانِ" (٢).
وَفي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَتْ أَسْمَاءُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ رِجَالًا يَفْخَرُونَ عَلَيْنَا وَيَزْعُمُونَ أَنّا لَسْنَا مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
_________________
(١) عُمَيْسٍ: بضم العين، وأسماء هذه ﵂ زوجة جَعفر بن أبي طالب -﵁- فلما قُتل عنها في مؤتة تزوجها أبو بكر الصديق -﵁-.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٣٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل جعفر بن أبي طالب، وأسماء بنت عميس. . . - رقم الحديث (٢٥٠٢) (٢٥٠٣).
[ ٣ / ٤٤٣ ]
-ﷺ-: "بَلْ لَكُمْ هِجْرَتَانِ، هَاجَرْتُمْ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ، ثُمَّ هَاجَرْتُمْ بَعْدَ ذَلِكَ" (١).
قَالَتْ: فَلَقَدْ رَأَيْتُ أَبَا مُوسَى وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ يَأتُونَنِي أَرْسَالًا (٢) يَسْأَلُونِي عَنْ هَذَا الحَدِيثِ، مَا فِي الدُّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ وَلَا أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ، مِمَّا قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ- (٣).
* مَشَاهِدُ رَآهَا مُهَاجِرَةُ الحَبَشَةِ فِي الحَبَشَةِ:
رَوى ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا رَجَعَتْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُهَاجِرَةُ البَحْرِ، قَالَ: "أَلَا تُحَدِّثُوني بِأعَاجِيبَ مَا رَأَيْتُمْ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ".
قَالَ فِتْيَةٌ مِنْهُمْ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَيْنَا نَحْنُ جُلُوسٌ مَرَّتْ بِنَا عَجُوزٌ مِنْ عَجَائِزِ رَهَابِينِهِمْ، تَحْمِلُ عَلَى رَأْسِهَا قُلَّةً (٤) مِنْ مَاءٍ، فَمَرَّتْ بِفَتًى مِنْهُمْ، فَجَعَلَ إِحْدَى يَدَيْهِ بَيْنَ كَتِفَيْهَا، ثُمَّ دَفَعَهَا، فَخَرَّتْ عَلَى رُكْبتَيْهَا، فَانْكَسَرَتْ قُلَتهَا، فَلَمَّا ارْتَفَعَتْ الْتَفَتَتْ إِلَيْهِ، فَقَالَتْ: سَوْفَ تَعْلَمُ يَا غُدَرُ، إِذَا وَضَعَ اللَّهُ الكُرْسِيَّ،
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في طبقاته (٨/ ٣٨٩) - وأورده الحافظ في الفتح (٨/ ٢٦٧) وصحح إسناده.
(٢) أَرْسَالًا: بفتح الهمزة: أي أفْوَاجًا وفِرقًا متقطعة، يتبع بعضهم بعضًا، واحدهم رَسَل بفتح الراء والسين. انظر النهاية (٢/ ٢٠٢).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٣٠) (٤٢٣١) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل جعفر بن أبي طالب، وأسماء بنت عُمَيس - رقم الحديث (٢٥٠٢) (٢٥٠٣).
(٤) القُلَّة: بضم القاف الحبُّ العظيم، سُمِّيت قُلَّة لأنها تُقَلُّ: أي ترفع وتحمل. انظر النهاية (٤/ ٩١).
[ ٣ / ٤٤٤ ]
وَجَمَعَ الأَوَّلينَ وَالآخِرِينَ وتَكَلَّمَتِ الأَيْدِي وَالأَرْجُلُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فَسَوْفَ تَعْلَمُ كَيْفَ أَمْرِي وَأَمْرُكَ عِنْدَهُ غَدًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "صَدَقَتْ صَدَقَتْ، كَيْفَ يُقَدِّسُ اللَّهُ أُمَّةً لَا يُؤخَذُ لِضَعِيفِهِمْ مِنْ شَدِيدِهِمْ" (١).
* قُدُوم وَفْدِ دَوْسٍ:
وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ فِي خَيْبَرَ الدَّوْسِيُّونَ، فِيهِمُ: الطُّفَيْلُ بنُ عَمْرٍو الدَّوْسيُّ -﵁-، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ- أَنَّ الطُّفَيْلَ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ فِي مَكَّةَ وَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ ذَهَبَ يَدْعُو دَوْسًا، فَلَمْ يَزَلِ الطُّفَيْلُ بِأَرْضِ دَوْسٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ، وَمَضَى بَدْرٌ وَأُحُدٌ وَالخَنْدَقُ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَنْ أَسْلَمَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ، حَتَّى نَزَلَ المَدِينَةَ بِسَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ بَيْتًا مِنْ دَوْسٍ، فِيهِمْ: أَبُو هُرَيْرَةَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ أُزَيْهِرٍ ﵄.
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابْنِ عِرَاكٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَنَّ أبَا هُرَيْرَةَ -﵁- قَدِمَ المَدِينَةَ فِي رَهْطٍ مِنْ قَوْمِهِ، وَالنَّبِيُّ -ﷺ- بِخَيْبَرَ، وَقَدِ اسْتَخْلَفَ سِبَاعَ بنَ عُرْفُطَةَ عَلَى المَدِينَةِ، قَالَ: فَانتهَيْتُ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى: ﴿كهيعص﴾، وَفِي الثَّانِيَةِ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، قَالَ: فَقُلْتُ لِنَفْسِي: وَيْلٌ
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه - كتاب الفتن - باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر - رقم الحديث (٤٠١٠) - وابن حبان في صحيحه - كتاب القضاء - باب الإخبار عما يجب على المرء من معونة الضعفاء - رقم الحديث (٥٠٥٨).
[ ٣ / ٤٤٥ ]
لِفُلَانٍ، إِذَا اكْتَالَ اكْتَالَ بِالوَافِي، وَإِذَا كَالَ كَالَ بِالنَّاقِصِ، قَالَ: فَلَمَّا صَلَّى زَوَّدَنَا شَيْئًا حَتَّى أَتَيْنَا خَيْبَرَ، وَقَدِ افْتَتَحَ النَّبِيُّ -ﷺ- خَيْبَرَ، قَالَ: فكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المُسْلِمِينَ، فَأَشْرَكُونَا فِي سِهَامِهِمْ (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- قُلْتُ فِي الطَّرِيقِ:
يَا لَيْلَةً مِنْ طُولِهَا وَعَنَائِهَا (٢) عَلَى أَنَّهَا مِنْ دَارَةِ الكُفْرِ نَجَّتِ
قَالَ: وَأَبَقَ (٣) مِنِّي غُلَام لِي فِي الطَّرِيقِ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَبَايَعْتُهُ، فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إِذْ طَلَعَ الغُلَامُ.
فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا أبا هُرَيْرَةَ، هَذَا غُلَامُكَ".
فَقُلْتُ: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللَّهِ، فَأَعْتَقْتُهُ (٤).
* قِصَّةُ الذِي قَطَعَ بَرَاجِمَهُ (٥):
رَوَى الإِمَامُ مُسْلِم فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ، هَاجَرَ إِلَيْهِ الطُّفَيْلُ بنُ عَمْرٍو -﵁-، وَهَاجَرَ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨٥٥٢) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - رقم الحديث (٧١٥٦).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٥/ ٤٦٧): عنائها: بفتح العين أي تعبها.
(٣) أبَقَ: بفتح الهمزة: هرب. انظر النهاية (١/ ١٩).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب العتق - باب إذا قال لعبده هو للَّه ونوى العتق - رقم الحديث (٢٥٣٠) (٢٥٣١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٨٤٥).
(٥) قال النووي في شرح مسلم (٢/ ١١٣): البراجم بفتح الباء: هي مفاصل الأصابع.
[ ٣ / ٤٤٦ ]
مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ، فَاجْتَوَوْا (١) المَدِينَةَ، فَمَرِضَ، فَجَزعَ، فَأَخَذَ مَشَاقِصَ (٢) لَهُ، فَقَطَعَ بِهَا بَرَاجِمَهُ، فَشَخَبَتْ (٣) يَدَاهُ حَتَّى مَاتَ، فَرَآه الطُّفَيْلُ بنُ عَمْرٍو في مَنَامِهِ، فَرَآهُ وَهَيْئتهُ حَسَنَةٌ، وَرَآه مُغَطِّيًا يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ: مَا صَنَعَ بِكَ رَبُّكَ؟
قَالَ: غَفَرَ لِي لِهِجْرَتِي إلى نَبِيِّهِ -ﷺ-، فَقَالَ الطُّفَيْلُ: مَالِي أَرَاكَ مُغَطِّيًا يَدَيْكَ؟ قَالَ: قِيلَ لِي: لَنْ نُصْلحَ مِنْكَ مَا أَفْسَدْتَ.
فَقَصَّهَا الطُّفَيْلُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ! وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ" (٤).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: في هَذَا الحَدِيثِ حُجَّةٌ لِقَاعِدَةٍ عَظِيمَةٍ لِأَهْلِ السُّنَّةِ: أَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ، أَوِ ارْتَكَبَ مَعْصِيَةً غَيْرَهَا، وَمَاتَ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ، وَلَا يُقْطَعُ لَهُ بِالنَّارِ، بَلْ هُوَ في حُكْمِ المَشِيئَةِ، وَهَذا الحَدِيثُ شَرْحٌ لِلْأَحَادِيثِ المُوهِمُ ظَاهِرُهَا تَخْلِيدَ قَاتِلِ النَّفْسِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الكَبَائِرِ في النَّارِ، وَفِيهِ إِثْبَاتُ عُقُوبَةِ بَعْضِ أَصْحَابِ المَعَاصِي، فَإِنَّ هَذَا عُوقِبَ في يَدَيْهِ، فَفِيهِ رَدٌّ عَلَى
_________________
(١) اجْتَوَوا المدينة: أي أصابهم الجَوَى، وهو المَرَضُ وداءُ الجوف إذا تطاول. انظر النهاية (١/ ٣٠٧).
(٢) المَشَاقِصُ: بفتح الميم والشين، وهي جمع مِشْقَصٍ: بكسر الميم، وفتح القاف: هي نَصْلُ السهم. انظر النهاية (٢/ ٤٣٨).
(٣) الشَّخَبُ: السَّيَلان، أي سال دمه. انظر النهاية (٢/ ٤٠٣).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الدليل على أن قاتل نفسه لا يكفر - رقم الحديث (١١٦) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٩٨١).
[ ٣ / ٤٤٧ ]
المُرْجِئَةِ القَائِلِينَ بِأَنَّ المَعَاصِي لَا تَضُرُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١).
* مَا الفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَالمُنْتَحِرِ؟:
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الحَدِيثِ وَبَيْنَ مَا ثبتَ في الصحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ الحَسَنِ بنِ جُنْدُب قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كَان فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ بِهِ جُرْحٌ فَجَزِعَ، فَأَخَذَ سِكِّينًا فَحَزَّ (٢) بِهَا يَدَهُ، فَمَا رَقَأَ (٣) الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ اللَّهُ ﷿: بَادَرَني عَبْدِي بِنَفْسِهِ، حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ" (٤).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِير: فَالْجَوَابُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ ذَاكَ مُشْرِكًا، وَهَذا مُؤْمِنٌ.
الثَّانِي: قَدْ يَكُونُ ذَاكَ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، وَهَذا غَيْرُ عَالِمٍ لِحَدَاثَةِ عَهْدِهِ بِالإِسْلَامِ.
الثَّالِثُ: قَدْ يَكُونُ ذَاكَ فَعَلَهُ مُسْتَحِلًّا لَهُ، وَهَذَا لَمْ يَكُنْ مُسْتَحِلًّا بَلْ مُخْطِئًا.
الرَّابِعُ: قَدْ يَكُونُ أَرَادَ ذَاكَ بِصَنِيعِهِ المَذْكُورِ أَنْ يَقْتُلَ نَفْسَهُ، بِخِلَافِ هَذَا
_________________
(١) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٢/ ١١٣).
(٢) الحَزُّ القطع. انظر النهاية (١/ ٣٦٣).
(٣) فما رقَأ الدم: أي فما سكن وما انقطع. انظر النهاية (٢/ ٢٢٦).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب أحاديث الأنبياء - باب ما ذُكر عن بني إسرائيل - رقم الحديث (٣٤٦٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه - رقم الحديث (١١٣).
[ ٣ / ٤٤٨ ]
فَإِنَّهُ يَجُوزُ أنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ قَتْلَ نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ.
الخَامِسُ: قَدْ يَكُونُ ذَاكَ قَلِيلُ الحَسَنَاتِ، فَلَمْ تُقَاوِمْ كِبرَ ذَنْبِهِ المَذْكُورِ، فَدَخَلَ النَّارَ، وَهَذَا قَدْ يَكُونُ كَثِيرَ الحَسَنَاتِ، فَقَاوَمَتِ الذَّنْبَ، فَلَمْ يَلجِ النَّارَ بَلْ غُفِرَ له بِالهِجْرَةِ إلى نَبِيِّهِ -ﷺ-، وَلَكِنْ يبقَى الشَّيْنُ في يَدِهِ فَقَطْ، وَحَسُنَتْ هَيْئَةُ سَائِرِهِ، فَدَعَا لَهُ -ﷺ- فَقَالَ: "اللَّهُمَّ وَلِيَدَيْهِ فَاغْفِرْ" أَيْ فَأَصْلحْ مِنْهَا مَا كَانَ فَاسِدًا.
وَالمُحَقَّقُ أَنَّ اللَّه ﷾ اسْتَجَابَ لِرَسُولِهِ -ﷺ- فِي صَاحِبِ الطُّفَيْلِ بنِ عَمْرٍو الدَّوْسِيِّ -﵁- (١).
* زَوَاجُ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ﵂:
ذَكَرْنَا أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بنِ أَخْطَبٍ ﵂ سُبِيَتْ مِنْ حِصْنِ القَمُوصِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ يَهُودُ عَلَى الصُّلْحِ، وَكَانَتْ ﵂ زَوْجَةَ كِنَانَةَ بنِ الرَّبِيعِ بنِ أَبِي الحُقَيْقِ، وَقَدْ قَتَلَهُ رَسُولُ -ﷺ- لِغَدْرهِ، فَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِجَمْعِ السَّبَايَا، جَاءَ دِحْيَةُ بنُ خَلِيفَةٍ الكَلْبِيُّ -﵁-، إلى الرَّسُولِ -ﷺ-، فَقَالَ له: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَعْطِنِي جَارِيَةٍ مِنَ السَّبْي، فَقَالَ -ﷺ-: "اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً"، فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ، فَجَاءَ رَجُلٌ إلى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّه أَعْطَيْتَ دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ لَا تَصْلُحُ إِلَّا لَكَ.
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٣/ ١١٠).
[ ٣ / ٤٤٩ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أُدْعُوهُ بِهَا"، فَجَاءَ بِهَا، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهَا النَّبِيُّ -ﷺ- قَالَ لِدِحْيَةَ: "خُذْ جَارِيَةً مِنَ السَّبْي غَيْرَهَا".
وَعَرَضَ عَلَيْهَا الرَّسُولُ -ﷺ- الإِسْلَامَ فَأَسْلَمَتْ، فَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، وَجَعَلَ عِتَاقَهَا صَدَاقَهَا (١).
فَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ خَيْبَرَ خَرَجَ بِصَفِيَّةَ مَعَهُ، قَالَ أَنسٌ -﵁-: حَتَّى إِذَا بَلَغْنَا سَدَّ الصَّهْبَاءَ (٢) حَلَّتْ (٣)، فَدَفَعَهَا الرَّسُولُ -ﷺ- إلى أُمِّ سُلَيْمٍ تُصَنِّعُهَا (٤) وَتُهَيِّئُهَا لَهُ، وَأَهْدَتْهَا (٥) لِلنَّبِيِّ -ﷺ- مِنَ اللَّيْلِ، فَأَصْبَحَ عَرُوسًا بِهَا (٦).
* رُؤْيَا صَفِيَّةَ ﵂:
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَأَى في وَجْهِ صَفِيَّةَ ﵂ خُضْرَةً، فَقَالَ: "يَا صَفِيَّةُ مَا هَذِهِ الخُضْرَةُ؟ " قَالَتْ: كَانَ رَأْسِي في حِجْرِ (٧) ابْنِ أَبِي الحُقَيْقِ
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب ما يذكر من الفخذ - رقم الحديث (٣٧١) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها - رقم الحديث (١٣٦٥) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٩٩٢).
(٢) الصَّهْبَاءُ: موضع قريب من خيبر. انظر النهاية (٣/ ٥٨).
(٣) قال الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٢٥٩): حَلت: بفتح الحاء وتشديد اللام: أي طَهُرَت من الحيض.
(٤) قال النووي في شرح مسلم (٩/ ١٢): تُصنّعها: أي لِتُحْسِنَ القيام بها وتُزَيِّنَهَا له ﵊.
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٢/ ٣٤): أهدتها: أي زَفَّتها.
(٦) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢١١) - ومسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها - رقم الحديث (١٣٦٥).
(٧) الحجر: الحِضْن. انظر النهاية (١/ ٣٣٠).
[ ٣ / ٤٥٠ ]
وَأَنَا نَائِمَةٌ، فَرَأَيْتُ كَأَنَّ قَمَرًا وَقَعَ في حِجْرِي، فَأَخْبَرْتُهُ بِذَلِكَ فَلَطَمَنِي، وَقَالَ: تَمَنِّينَ مَلِكَ يَثْرِبَ؟
قَالَتْ صَفِيَّةُ ﵂: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ أَبْغَضِ النَّاسِ إِلَيَّ قتَلَ زَوْجِي وَأَبِي وَأَخِي، فَمَا زَالَ -ﷺ- يَعْتَذِرُ إِلَيَّ، وَيَقُولُ: "إِنَّ آباكِ أَلَّبَ (١) عَلَيَّ العَرَبَ وَفَعَلَ وَفَعَلَ" حَتَّى ذَهَبَ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِي (٢).
* وَلِيمَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- عَلَى صَفِيَّةَ ﵂:
قَالَ أَنَسٌ -﵁-: فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَرُوسًا قَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ شَيْءٌ فَلْيَجِئْ بِهِ"، وَبَسَطَ نِطْعًا (٣)، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالتَّمْرِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِالسَّمْنِ، وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالأَقِطِ (٤) فَحَاسُوا حَيْسًا (٥)، فَكَانَتْ وَليمَةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ -﵁-: وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا بِحَيْسٍ (٦).
_________________
(١) ألّب: بفتح الهمزة، وتشديد اللام: أي جَمّع. انظر النهاية (١/ ٦١).
(٢) أخرج ذلك ابن حبان في صحيحه - كتاب المزارعة - باب الزجر عن المخابرة والمزارعة - رقم الحديث (٥١٩٩) وإسناده صحيح.
(٣) النِّطْعُ: بكسر النون، هو بساط من جلد. انظر لسان العرب (١٤/ ١٨٦).
(٤) الأقِطُ: بفتح الهمزة هو لَبَن مُجَفَّف يابِسٌ. انظر النهاية (١/ ٥٩).
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٢/ ٣٤): الحَيْسُ: بفتح الحاء خَلِيطُ السَّمْنِ والتَّمر والأقِط.
(٦) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب ما يذكر في الفخذ - رقم =
[ ٣ / ٤٥١ ]
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَلَا مُخَالفَةَ بَيْنَ قَوْلِ أَنَسٍ: أَوْلَمَ عَلَيْهَا حَيْسًا، وَبَيْنَ قَوْلِهِ: أَوْلَمَ عَلَيْهَا التَّمْرَ وَالسَّمْنَ وَالأَقِطَ؛ لِأَنَّ هَذه الأَجْزَاءَ -أَي التَّمْرَ وَالسَّمْنَ وَالأَقِطَ- مِنْ أَجْزَاءِ الحَيْسِ (١).
قَالَ أَنَسٌ -﵁-: فَقَالَ المُسْلِمُونَ: إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ؟ فَقَالُوا: إِنْ حَجَبَهَا فَهِيَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَإِنْ لَمْ يَحْجِبْهَا فَهِيَ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمَّا ارْتَحَلَ وَطَّأَ (٢) لَهَا خَلْفَهُ وَمَدَّ الحِجَابَ، فَعَرَفُوا أنَّهُ قَدْ تَزَوَّجَهَا، فَلَمَّا أَرَادَتْ أَنْ تَرْكَبَ، أَدْنَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فخِذَهُ مِنْهَا لِتَرْكَبَ عَلَيْهَا (٣)، فَأَجَلَّتْ (٤) رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ تَضَعَ رِجْلَهَا عَلَى فَخِذِهِ، فَوَضَعَتْ رُكْبَتَهَا عَلَى فَخِذِهِ وَرَكبَتْ (٥).
وَفِي رِوَايةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ أَنَسٌ -﵁-: فكُنْتُ أُرَاهُ
_________________
(١) = الحديث (٣٧١) - وأخرجه في كتاب النكاح - باب الوليمة ولو بشاة - رقم الحديث (٥١٦٩) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب فضيلة إعتاقة أمته ثم يتزوجها - رقم الحديث (١٣٦٥) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٩٩٢).
(٢) انظر فتح الباري (١٠/ ٢٩٦).
(٣) وطَّأ: بتشديد الطاء: أي مَهّد وذلّل. انظر النهاية (٥/ ١٧٥).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢١١) (٤٢١٢) (٤٢١٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب فضيلة إعتاقه أمته ثم يتزوجها - رقم الحديث (١٣٦٥) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٩٩٢).
(٥) أجلت: أي عَظَّمت. انظر النهاية (١/ ٢٧٨).
(٦) هذ الرواية وقعت في مغازي أبو الأسود عن عروة فيما نفله عنه الحافظ في الفتح (٨/ ٢٥٩).
[ ٣ / ٤٥٢ ]
يُحَوِّي (١) ورَاءَهُ بِعَبَاءَةٍ أَوْ بِكِسَاءٍ، ثُمَّ يُرْدِفُهَا وَرَاءَهُ -ﷺ- (٢).
رَوَى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِصَفِيَّةَ، بَاتَ أَبُو أَيُّوبٍ -﵁- عَلَى بَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَلَمَّا أَصْبَحَ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، كَبَّرَ، وَمَعَ أَبِي أَيُّوبٍ السَّيْفُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَانَتْ جَارِيَةً حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، وَكُنْتَ قَتَلْتَ أَبَاهَا وَأَخَاهَا وَزَوْجَهَا، فَلَمْ آمَنْهَا عَلَيْكَ، فَضَحِكَ النَّبِيُّ -ﷺ-، وَقَالَ لَهُ خَيْرًا (٣).
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: غَرِيبٌ جِدًّا، وَله شُوَيْهِدٌ مِنْ حَدِيثِ عِيسَى بنِ المُخْتَارِ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنِ الحَكَمِ عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاس، فَذَكَرَ قَرِيبًا مِنْهُ (٤).
* غَيْرَةُ (٥) نِسَاءِ الرَّسُولِ -ﷺ- من صَفِيَّةَ:
وَلَمَّا قَدِمَتْ صَفِيَّةُ ﵂ المَدِينَةَ كَانَ فِي أُذُنَيْهَا
_________________
(١) التحوية: أن يُدير كِسَاءً حول سِنَام البعير ثم يركبه، لِيَحْفَظَ راكبها من السُّقُوط ويستريح بالاستناد إليه. انظر النهاية (١/ ٤٤٧) - فتح الباري (١٠/ ٦٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢١١) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٦١٦).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة ﵃ - باب ذكر أم المؤمنين صفية بنت حيي ﵂ - رقم الحديث (٦٨٦٥) - وابن سعد في طبقاته (٨/ ٣٠٨).
(٤) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٤٠٨). شاهده الذي ذكره الإِمام الذهبي أخرجه ابن سعد في طبقاته (٢/ ٣٠٨).
(٥) قال القاضي عياض فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (١٠/ ٤٠١): الغَيْرَة: بفتح الغين وسكون الياء، مشتقة من تَغَيُّرِ القلب وهَيَجَان الغضب بسبب المشاركة فيمَا به الاختصاص.
[ ٣ / ٤٥٣ ]
خُرْصَةً (١) مِنْ ذَهَبٍ، فوَهَبَتْ لِفَاطِمَةَ مِنْهُ، وَلنِسَاءٍ مَعَهَا (٢).
* شَيْءٌ مِنْ فَضَائِلِ صَفِيَّةَ ﵂، وَوَفَاتُهَا:
وَكَانَتْ صَفِيَّةُ ﵂ شَرِيفَةً عَاقِلَةً، ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ، وَدِينٍ وَحِلْمٍ، وَوَقَارٍ، حَتَّى أَنَّ أَزْوَاجَ الرَّسُولِ -ﷺ- أَخَذَتْهُنَّ الغَيْرَةُ مِنْهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ صَانِعَةَ طَعَامٍ مِثْلَ صَفِيَّةَ، أَهْدَتْ إلى النَّبِيِّ -ﷺ- إِنَاءً فِيهِ طَعَامٌ، فَمَا مَلَكْتُ نَفْسِي أَنْ كَسَرْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا كَفَّارَتُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَاءٌ كَإِنَاءِ، وَطَعَامٌ كَطَعَامٍ" (٣)
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: بَلَغَ صَفِيَّةَ ﵂ أَنَّ حَفْصَةَ ﵂ قَالَتْ: ابْنَةُ يَهُودِيٍّ، فَبَكَتْ، فَدَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ -ﷺ- وَهِيَ تَبْكِي،
_________________
(١) الخُرْصُ: بضم الخاء وكسرها: الحَلَقة الصغيرة من الحلي، وهو من حلي الأذن. انظر النهاية (٢/ ٢٢).
(٢) أخرج ذلك ابن سعد في طبقاته (٨/ ٣٠٩) ورجاله ثقات.
(٣) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥١٥٥) - وأبو داود في سننه - كتاب البيوع والإجارات - باب فيمن أفسد شيئًا يغرم مثله - رقم الحديث (٣٥٦٨) - وأورده الحافظ في الفتح (٥/ ٤٢١) - وحسن إسناده.
[ ٣ / ٤٥٤ ]
فَقَالَ: "مَا شَأْنُكِ" (١)؟ قَالَتْ: قَالَتْ لِي حَفْصَةُ: إِنِّي ابْنَةُ يَهُودِيٍّ! .
فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "إِنَّكَ ابْنَةُ نَبِيٍّ، وَإنَّ عَمَّكِ نَبِيٌّ، وَإِنَّكِ لَتَحْتَ نَبِيٍّ، فَفِيمَ تَفْخَرُ عَلَيْكِ؟ " ثُمَّ قَالَ -ﷺ- لِحَفْصَةَ: "اتَّقِ اللَّهِ يَا حَفْصَةُ" (٢).
وَكَانَ عُمْرُ صَفِيَّةَ ﵂ حِينَ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً.
وَتُوُفِّيَتْ صَفِيَّةُ ﵂ سَنَةَ خَمْسِينَ مِنَ الهِجْرَةِ في خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ -﵁-، وَدُفِنَتْ بِالبَقِيعِ (٣).
* أَمْرُ الشَّاةِ المَسْمُومَةِ:
وَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ خَيْبَرَ أَهْدَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ الحَارِثِ -امْرَأَةُ سَلَّامِ بنِ مِشْكَمٍ، وَأُخْتُ مَرْحَبٍ- شَاةً مَصْلِيَّةً (٤)، وَقَدْ سَألَتْ: أَيَّ عُضْوٍ مِنَ الشَّاةِ أَحَبُّ إلى مُحَمَّدٍ؟
فَقِيلَ لَهَا: الذِّرَاعُ، فَأَكْثَرَتْ فِيهَا السُّمَّ، ثُمَّ سَمَّتْ سَائِرَ الشَّاةِ، ثُمَّ جَاءَتْ
_________________
(١) هذه رواية الإِمام أحمد في مسنده، وفي رواية ابن حبان قال -ﷺ-: "ما يُبْكِيك"؟
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٣٩٢) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر تعظيم النبي -ﷺ- صفية - رقم الحديث (٧٢١١).
(٣) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٣٥ - ٢٣٧) - وفتح الباري (٤/ ٨١٤).
(٤) مصلية: مَشْوِيَّة. انظر النهاية (٣/ ٤٧).
[ ٣ / ٤٥٥ ]
بِهَا، فَلَمَّا وَضَعَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تَنَاوَلَ مِنْهَا الذِّرَاعَ فَلَاكَ مِنْهَا مُضْغَةً، فَلَمْ يُسِغْهَا، وَبَسَطَ أَصْحَاُبهُ أَيْدِيَهُمْ، فِيهِمْ: بِشْرُ بنُ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ ﵄، فَأَخَذَ مِنْهَا كَمَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَمَّا بِشْرٌ فَأَسَاغَهَا (١)، وَأَمَّا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَلَفَظَهَا، ثُمَّ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنَّ هَذَا العَظْمَ لَيُخْبِرُنِي أنَّهُ مَسْمُومٌ" (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَنَاوَلَ الذِّرَاعَ فَانْتَهَشَ (٣) مِنْهَا، وَتَنَاوَلَ بِشْرُ بنُ البَرَاءَ ﵄ عَظْمًا فَانْتَهَشَ مِنْهُ، فَلَمَّا اسْتَرَطَ (٤) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لُقْمَتَهُ اسْتَرَطَ بِشْرٌ مَا في فَمِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ فَإِنَّ هَذِهِ الذِّرَاعَ تُخْبِرُنِي أَنَّهَا مَسْمُومَةٌ"، فَقَالَ بِشْرُ بنُ البَرَاءِ: وَالذِي أَكْرَمَكَ لَقَدْ وَجَدْتُ ذَلِكَ في أَكْلَتِي التِي أَكَلْتُ فَمَا مَنَعَنِي أَنْ أَلْفِظَهَا إِلَّا أَنِّي أَعْظَمْتُ أَنْ أُنَغِّصَكَ (٥) طَعَامَكَ، فَلَمَّا أَكَلْتَ مَا فِي فِيكَ، لَمْ أَرْغَبُ بِنَفْسِي عَنْ نَفْسِكَ، وَرَجَوْتُ أَنْ لَا تَكُونَ اسْتَرَطْتَهَا، وَفِيهَا بَغْيٌ (٦)
_________________
(١) سَاغَ الطعام: نزَلَ في الحلق. انظر لسان العرب (٦/ ٤٣٢).
(٢) أخرج ذلك ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٦٧) بدون سند.
(٣) نهَشَ ينْهَشُ: تنَاوَلَ الشَّيءَ بفمه. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٠٦).
(٤) استَرَط: ابْتَلَعَ. انظر لسان العرب (٦/ ٢٤٠).
(٥) نَغَصَ: لم تَتِمَّ له هَنَاءَته، والنغص: كَدَرُ العَيْشِ. انظر لسان العرب (١٤/ ٢١٩).
(٦) أخرج ذلك ابن سعد في طبقاته (٢/ ٣٥١).
[ ٣ / ٤٥٦ ]
ثُمَّ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ إلى تِلْكَ المَرْأَةِ اليَهُودِيَّةِ، فَجِيءَ بِهَا، فَسَأَلهَا عَنْ ذلِك (١)؟
فَقَالَتْ: أَرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ (٢).
وَعِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵁-، قَالَتْ: أَرَدْتُ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا فَإِنَّ اللَّهُ سَيُطْلِعُكَ عَلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَبِيًّا أُرِيحُ النَّاسَ مِنْكَ (٣).
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا كَانَ اللَّهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَاكَ"، أَوْ قَالَ: "عَلَيَّ" (٤)، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ فَقَالَ -ﷺ-: "لَا" (٥).
وَفِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "اجْمَعُوا لِي مَنْ كَانَ هَاهُنَا مِنْ يَهُودٍ"، فَجَمَعُوا له، . . . فَقَالَ -ﷺ-: "هَلْ أَنْتُمْ صادِقِي عَنْ شَيءٍ إِنْ سَألتُكُمْ عَنْهُ"؟
فَقَالُوا: نَعَمْ يَا أبَا القَاسِمِ.
_________________
(١) هذه رواية مسلم في صحيحه - وفي رواية الحاكم في المستدرك قال لها رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "ويلَكِ لأي شيءٍ سَمَمْتِنِي".
(٢) هذه رواية الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب السلام - باب السم - رقم الحديث (٢١٩٠).
(٣) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٨٤).
(٤) أخرج ذلك الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب السلام - باب السحر - رقم الحديث (٢١٩٠).
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الهبة - باب قبول الهدية من المشركين - رقم الحديث (٢٦١٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب السلام - باب السحر - رقم الحديث (٢١٩٠).
[ ٣ / ٤٥٧ ]
فَقَالَ -ﷺ-: "هَلْ جَعَلْتُمْ في هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا؟ ".
قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ: "مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ؟ "
قَالُوا: إِنْ كُنْتَ كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ (١).
وَترَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هَذِهِ المَرْأَةَ، وَعَفَا عَنْهَا، فَلَمَّا مَاتَ بِشْرُ بنُ البَرَاءَ بنِ مَعْرُورٍ ﵄، مِنْ أَكْلَتِهِ التِي أَكَلَ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقُتِلَتْ قِصَاصًا، بِقَتْلِهَا بشْرِ بنِ البَرَاءَ بنِ مَعْرُورٍ ﵄ (٢).
* أَثَرُ السُّمِّ الذِى أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْتِيهِ الألَمُ مِنْ هَذَا السُّمِّ بَيْنَ فترَةٍ وَأُخْرَى، فَكَانَ يَحْتَجِمُ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا -أَيْ مِنْ أَلمِ السُّمِّ- احْتَجَمَ، قَالَ: فَسَافَرَ مَرَّةً، فَلَمَّا أَحْرَمَ، وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا -أَيْ مِنْ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الطب - باب ما يذكر في سم النبي -ﷺ- رقم الحديث (٥٧٧٧) - وأخرجه في كتاب الجزية والموادعة - باب إذا غدر المشركون هل يُعفى عنهم؟ رقم الحديث (٣١٦٩).
(٢) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة ﵃ - باب حكاية يهودية سمت النبي -ﷺ- وأصحابه - رقم الحديث (٥٠٢٠) - وصححه الحاكم -وهو حسن بمجموع طرقه. قال السُّهيلي في الرَّوْض الأُنُف (٤/ ٨٣): وإنما لم يقتلها رَسُول اللَّهِ -ﷺ-؛ لأنه كان لا يَنتقِمُ لنفسه، فلما ماتَ بِشْرُ بن البراء -﵁- من تلك الأكْلَةِ قتلها ببشْرٍ قِصَاصًا.
[ ٣ / ٤٥٨ ]
أَلمِ ذَلِكَ السُّمِّ- فَأَحْتَجَمَ (١).
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى في مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- احْتَجَمَ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، مِنْ أَكْلَةٍ أَكَلَهَا مِنْ شَاةٍ مَسْمُومَةٍ، سَمَّتْهَا امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ (٢).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - إِخْبَارُهُ -ﷺ- عنِ الغَيْبِ.
٢ - تَكْلِيمُ الجَمَادِ لَهُ -ﷺ-.
٣ - وَفِيهِ مُعَانَدَةُ اليَهُودِ لِاعْتِرَافِهِمْ بِصِدْقِهِ -ﷺ- فِيمَا وَقَعَ مِنْهُمْ مِنْ دَسِيسَةِ السُّمِّ، وَمَعَ ذَلِكَ فَعَانَدُوهُ وَاسْتَمَرُّوا عَلَى تَكْذِيبِهِ.
٤ - وَفِيهِ قتل مَن قَتَلَ بِالسُّمِّ قِصَاصًا.
٥ - وَفِيهِ أَنَّ الأَشْيَاءَ -كَالسُّمُومِ وَغَيْرِهَا- لَا تُؤَثّر بِذَوَاتِهَا، بَلْ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى (٣).
* انْقِطَاعُ أَبْهَرِ (٤) الرَّسُولِ -ﷺ-:
وَقَدْ بَلَغَ أَثَرُ هَذَا السّمِّ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إلى انْقِطَاعِ الأَبْهَرِ مِنْهُ -ﷺ-، فَقَدْ
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٨٤).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٥٤٧).
(٣) انظر فتح الباري (١١/ ٤١٤).
(٤) الأبْهَرُ: هو عِرْق في الظَّهْرِ موصولٌ بالقلب فإذا انقطع لم تَبْقَ معهُ حياة. انظر النهاية (١/ ٢٢).
[ ٣ / ٤٥٩ ]
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقُولُ في مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ: "يَا عَائِشَةُ مَا أَزَالُ أَجِدُ أَلمَ الطَّعَامِ الذِي أَكَلْتُ بِخَيْبَرَ، فهَذَا أَوَانُ وَجَدْتُ انْقِطَاعَ أَبْهَرِي مِنْ ذَلِكَ السُّمِّ" (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ أُمِّ مُبَشِّرٍ: أَنَّهَا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في وَجَعِهِ الذِي قُبِضَ فِيهِ، فَقَالَتْ: بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا تَتَّهِمُ بِنَفْسِكَ؟ فَإِنِّي لَا أتَّهِمُ إِلَّا الطَّعَامَ الذِي أَكَلَ مَعَكَ بِخَيْبَرَ، وَكَانَ ابْنُهَا بِشْرُ بنُ البَرَاءِ بنُ مَعْرُورٍ مَاتَ قَبْلَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ -ﷺ-: "وَأَنا لَا أَتَّهِمُ غَيْرَهُ، هَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي" (٢).
* اسْتِشْهَادُ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنْ هَذَا السُّمِّ:
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ تِسْعًا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قُتِلَ قتلًا (٣)،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته - رقم الحديث (٤٤٢٨).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٩٣٣) - وأبو داود في سننه - رقم الحديث (٤٥١٣) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة ﵃ - باب بشر بن البراء بن معرور مات قبل النبي -ﷺ- رقم الحديث (٥٠١٩).
(٣) قال الإِمام السندي في شرح المسند (٣/ ٢٤٧): ولا ينافي ذلك قوله تَعَالَى في سورة المائدة آية (٦٧) ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ إذ يكفي فيه العِصْمَة عن القتل على الوجه المعتاد فيه، وقد عُصم منه -ﷺ- بلا ريب.
[ ٣ / ٤٦٠ ]
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ وَاحِدَةً، وَذَلِكَ بِأَنَّ اللَّه ﷿ اتَّخَذَهُ نَبِيًّا، وَجَعَلَهُ شَهِيدًا (١).
وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ: وَكَانَ بَقِيَ أَثَرُهَا -أَيْ أَثَرُ السُّمِّ- مَعَ ضَعْفِهِ لِمَا يُرِيدُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ تَكْمِيلِ مَرَاتِبِ الفَضْلِ كُلِّهَا له -ﷺ-، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِكْرَامَهُ بِالشَّهَادَةِ، ظَهَرَ تَأْثِيرُ ذَلِكَ الأثرِ الكَامِنِ مِنَ السُّمِّ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا (٢).
* قَتْلَى الفَرِيقَيْنِ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ:
بَلَغَ عَدَدُ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ في غَزْوَةِ خَيْبَرَ بِضْعَةَ (٣) عَشَرَ رَجُلًا، أَرْبَعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَوَاحِدٌ مِنْ أَشْجَعَ، وَوَاحِدٌ مِنْ أَسْلَمَ، وَوَاحِدٌ مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ وَهُوَ الأَسْوَدُ الرَّاعِي، وَأَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ.
وَبَلَغَ عَدَدُ قتلَى اليَهُودِ في غَزْوَةِ خَيْبَرَ ثَلَاثَةً وَتِسْعِينَ رَجُلًا، فِيهِمْ نَفَرٌ مِنْ أَشْرَافِهِمْ كَابْنَيْ أَبِي الحُقَيْقِ، وَمَرْحَبٌ (٤).
* قُدُومُ أَبَان بنِ سَعِيدٍ -﵁- مِنْ نَجْدٍ:
كَانَ رَسُولُ اللَّهِ لَمَّا تَوَجَّهَ إلى خَيْبَرَ بَعَثَ مِنَ المَدِينَةِ أَبَانَ بنَ سَعِيدِ بنِ
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٦١٧) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب المغازي والسرايا - باب اتخاذه اللَّه نبيًا واتخاذه شهيدًا - رقم الحديث (٤٤٥٠).
(٢) انظر زاد المعاد (٤/ ١١٣).
(٣) البِضْعُ في العدد: بكسر الباء: ما بين الثلاثة إلى التسع. انظر النهاية (١/ ١٣٣).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣٧٣) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٠٣).
[ ٣ / ٤٦١ ]
العَاصِ -﵁- عَلَى سَرِيَّةٍ قبلَ نَجْدٍ، فَقَدِمَ أَبَانُ وَأَصْحَابُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِخَيْبَرَ بَعْدَمَا افْتَتَحَهَا، فَسَأَلَ أبانُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَقْسِمَ لَهُمْ، فَلَمْ يَفْعَلْ (١).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: لَمْ أَعْرِفْ حَالَ هَذِهِ السَّرِيَّةِ، فَلَعَلَّ النَّبِيَّ -ﷺ- بَعَثَ هَذِهِ السَّرِيَّةَ إلى نَجْدٍ لِإِرْهَابِ الأَعْرَابِ هُنَاكَ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَ غِرَّةَ (٢) المُسْلِمِينَ لِلْإِغَارَةِ عَلَى المَدِينَةِ، وَالقِيَامِ بِالنَّهْبِ وَالسَّلْبَ (٣).
* أَمْرُ يَهُودِ فَدَكَ (٤):
لَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إلى خَيْبَرَ، بَعَثَ مُحَيِّصَةَ (٥) بنَ مَسْعُودٍ -﵁-، في رِجَالٍ مَعَهُ إلى يَهُودِ فَدَكَ يَدْعُوهُمْ إلى الإِسْلَامِ، فَأَبْطَأُوا عَلَيْهِ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ خَيْبَرَ قَذَفَ اللَّهُ الرُّعْبَ في قُلُوبِهِمْ، فبَعَثُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُصَالِحُونَهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ فَدَكَ بِمِثْلِ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ أَهْلُ خَيْبَرَ، فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَلِكَ مِنْهُمْ.
فَكَانَتْ فَدَكٌ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِفِ (٦) المُسْلِمُونَ عَلَيْهِ
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٣٨).
(٢) غِرة: بكسر الغين: الغَفْلَة. انظر النهاية (٣/ ٣١٨).
(٣) انظر فتح الباري (٨/ ٢٧٥).
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٦/ ٣٢٣): فَدَك: بفتح الفاء والدال: بلدٌ بينها وبين المدينة ثلاثُ مراحل.
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ٢٢٣): مُحَيِّصَةَ: بضم الميم وتشديد الياء المكسورة.
(٦) الإيجَافُ: سُرْعَةُ السَّيْرِ. انظر النهاية (٥/ ١٣٧).
[ ٣ / ٤٦٢ ]
بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُنْفِقُ مِنْهَا، وَيَعُودُ مِنْهَا عَلَى صَغِيرِ بَنِي هَاشِمٍ، وَيُزَوِّجُ مِنْهَا أَيِّمَهُمْ (١).
رَوَى أَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ المُغِيرَةِ بنِ مِقْسَمٍ قَالَ: جَمَعَ عُمَرُ بنُ عَبْدِ العَزِيزِ بَنِي مَرْوَانَ حِينَ اسْتُخْلِفَ، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَتْ لَهُ فَدَكٌ، فَكَانَ يُنْفِقُ مِنْهَا، وَيَعُودُ مِنْهَا عَلَى صَغِير بَنِي هَاشِمٍ، وَيُزَوِّجُ مِنْهَا أيِّمَهُمْ. . . (٢).
* حِصَارُ وَادِي القُرَى (٣) وَقِصَّةُ مِدْعَمٍ (٤):
ثُمَّ تَحَرَّكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى انْتَهَى إلى وَادِي القُرَى، وَكَانَ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنَ اليَهُودِ، فنَزَلَ بِهَا، وَكَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- غُلَامٌ يدْعَى: مِدْعَمًا أَهْدَاهُ لَهُ رِفَاعَةُ بنُ زَيْدٍ الجُذَامِيُّ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَضَعُ رَحْلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ جَاءهُ سَهْمٌ غَائِرٌ (٥)، فَأَصَابَهُ فَقتَلَهُ، فَقَالَ النَّاسُ: هَنِيئًا لَهُ الشَّهَادَةَ (٦) يَا رَسُولَ اللَّهِ!، فَقَالَ
_________________
(١) الأيم: التي لا زَوْجَ لها، بكرًا كانت أو ثيبًا، مطلقة كانت أو متوفى عنها. انظر النهاية (١/ ٨٦).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الخراج والإمارة - باب في صفايا رَسُول اللَّهِ -ﷺ- من الأموال - رقم الحديث (٢٩٧٢).
(٣) وادي القُرى: هو واد بين المدينة والشام من أعمال المدينة كثير القرى. انظر معجم البلدان (٨/ ٤٣٣).
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٢٧١): مِدْعَم: بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين.
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٢٧٢): غائِرٌ: بوزن فاعل: أي لا يُدرى من رمى به.
(٦) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٦٧٠٧): قالوا: هنيئًا له الجنة.
[ ٣ / ٤٦٣ ]
رَسُولُ اللَّهِ: "كَلَّا وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ الشَّمْلةَ التِي أَصَابَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنَ المَغَانِمِ، لَمْ تُصِبْهَا المَقَاسِمُ، لَتَشْتَعِلُ (١) عَلَيْهِ نَارًا"، فَجَاءَ رَجُلٌ حِينَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ- بِشِرَاكٍ (٢)، أَوْ شِرَاكَيْنِ، فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ كُنْتُ أَصَبْتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ" (٣).
قُلْتُ: وَقَدْ شَدَّدَ الرَّسُولُ -ﷺ- فِي أَمْرِ الغُلُولِ فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الغُلُولُ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ (٤) عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٥).
* تَعْبِئَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ:
ثُمَّ عَبَّأَ (٦) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ، وَصَفَّهُمْ، وَدَفَعَ لِوَاءَهُ إلى سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ -﵁-، وَرَايَةً إلى الحبابِ بنِ المُنْذِرِ -﵁-، وَرَايَةً إلى سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ
_________________
(١) في رواية أخرى في صحيح مسلم - رقم الحديث (١١٥): لتلتهب.
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٢٧٢): الشراك: بكسر الشين وتخفيف الراء: هو سَيْرُ النعل على ظَهْرِ القدم.
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٣٤) - وأخرجه في كتاب الإيمان والنذور - باب هل يدخل في الأيمان والنذور الأرض والمغنم والزرع - رقم الحديث (٦٧٠٧) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب غلظ تحريم الغلول وأنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون - رقم الحديث (١١٥).
(٤) الشنار: بفتح الشين: العيب والعار. انظر النهاية (٢/ ٤٥٠).
(٥) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٧٢٩).
(٦) عبَّأت الجيش: أي رتبتهم في مواضعهم وهيَّأتهم للحرب. انظر النهاية (٣/ ١٥٣).
[ ٣ / ٤٦٤ ]
-﵁-، وَرَايَةً إلى عَبَّادِ بنِ بِشْرٍ -﵁-، ثُمَّ دَعَاهُمْ إلى الإِسْلَامِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا (١) أَمْوَالَهُمْ، وَحَقَنُوا دِمَاءَهُمْ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ.
فَرَفَضُوا ذَلِكَ وَأَبَوْا إِلَّا القِتَالَ، فبرَزَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَخَرَجَ له الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ -﵁- فَقتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ آخَرُ، فبرَزَ له عَلِيٌّ -﵁- فَقتَلَهُ، ثُمَّ بَرَزَ مِنْهُمْ رَجُل ثَالِث، فَخَرَجَ له أَبُو دُجَانَةَ -﵁- فَقتَلَهُ، حَتَّى قُتِلَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، كُلَّمَا قُتِلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ دعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَنْ بَقِيَ إلى الإِسْلَامِ، وَلقَدْ كَانَتِ الصَّلَاةُ تَحْضُرُ يَوْمَئِذٍ فيصَلِّي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِأَصْحَابِهِ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَدْعُوَهُمْ إلى اللَّهِ وَرَسُولهِ، وَلَكِنَّهُمْ أَبَوا ذَلِكَ، فَلَمْ تَرْتَفِعِ الشَّمْسُ لِمَغِيبِهَا حَتَّى أَعْطَوْا مَا بِأَيْدِيهِمْ، وَفتَحَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْوَةً، وَغَنَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَمْوَالَهُمْ، وَأَصَابُوا أَثَاثًا وَمَتَاعا كَثِيرًا.
وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِوَادِي القُرَى أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ، وَقَسَمَ مَا أَصَابَ عَلَى أَصْحَابِهِ هُنَاكَ، وَتَرَكَ الأَرْضَ وَالنَّخْلَ بِأَيْدِي اليَهُودِ، وَعَامَلَهُمْ عَلَى نَحْوِ مَا عَامَلَ عَلَيْهِ أَهْلَ خَيْبَرَ، وَوَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْهِمْ عَمْرَو بنَ سَعِيدِ بنِ العَاصِ -﵁- (٢).
* أَمْرُ يَهُودِ تَيْمَاءَ:
وَلَمَّا بَلَغَ يَهُودَ تَيْمَاءَ مَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِأَهْلِ خَيْبَرَ وَفَدَكَ وَوَادِي
_________________
(١) يُقال: أحرزت الشيء: إذا حفظته وضممته إليك. انظر النهاية (١/ ٣٥٢).
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّةَ للذهبي (٢/ ٩٠) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٢٧٠) - شرح المواهب (٣/ ٣٠١) - البداية والنهاية (٤/ ٦٠٨).
[ ٣ / ٤٦٥ ]
القُرَى صَالَحُوهُ عَلَى الجِزْيَةِ، وَأَقَامُوا بِبِلَادِهِمْ، وَأَرْضُهُمْ في أَيْدِيهِمْ (١).
* أَمْرُ يَهُودِ خَيْبَرَ في حَيَاةِ الْرَّسُولِ -ﷺ-:
وَظَلَّ يَهُودُ خَيْبَرَ يَعْمَلُونَ في مَزَارِعِهَا عَلَى نِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا في حَيَاةِ الرَّسُولِ -ﷺ-، فَلَمَّا كَانَ حِينَ يُصْرَمُ (٢) النَّخْلُ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْهِمْ: عَبْدَ اللَّهِ بنَ رَوَاحَةَ الأَنْصَارِيَّ -﵁- لِيَخْرِصَ (٣) لَهُمْ، فَطَافَ في نَخْلِهِمْ، فَخَرَصَهَا جَمِيعًا، ثُمَّ ضَمَّنَهُمُ الشَّطْرَ، فَشَكَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شِدَّةَ خَرْصِهِ، وَأَرَادُوا أَنْ يَرْشُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا أَعْدَاءَ اللَّهِ أَتُطْعِمُونِي السُّحْتَ (٤)، وَاللَّهِ لَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَلَأَنْتُمْ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ عِدَتِكُمْ مِنَ القِرَدَةِ وَالخَنَازِيرِ، وَلَا يَحْمِلُنِي بُغْضِي إِيَّاكُمْ وَحُبِّي إِيَّاهُ عَلَى أَنْ لَا أَعْدِلَ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا: بِهَذَا قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ (٥).
_________________
(١) انظر تفاصيل ذلك في: دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٢٧٠) - شرح المواهب (٣/ ٣٠٣) - البداية والنهاية (٤/ ٦٠٨).
(٢) الصَّرم: بفتح الراء: قطعُ الثمر واجتِنَاؤُهَا من النَّخْلَة. انظر النهاية (٣/ ٢٥).
(٣) خَرْصُ النخلة: إذا خَرَزَ ما عليها من الرطب تمرًا، فهو من الخَرْصِ: الظن؛ لأن الخَرْزُ إنما هو تقدير بِظَن. انظر النهاية (٢/ ٢٢).
(٤) السُّحْتُ: الحرام، سمى الرشوة في الحكم سُحتًا. انظر النهاية (٢/ ٣١١).
(٥) أخرج ذلك ابن حبان في صحيحه - كتاب المزارعة - باب الزجر عن المخابرة والمزارعة - رقم الحديث (٥١٩٩) - وابن ماجه في سننه - كتاب الزكاة - باب خرص النحل والعنب - رقم الحديث (١٨٢٠) - وأبو داود في سننه - كتاب البيوع - باب المساقاة - رقم الحديث (٣٤١٠). وإسناده صحيح.
[ ٣ / ٤٦٦ ]
وَقَدْ خَرَصَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ عَامًا وَاحِدًا، ثُمَّ لَمَّا قُتِلَ في يَوْمِ مُؤْتَةَ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَكَانَهُ جَبَّارَ بنَ صَخْرٍ -﵁- (١)، وَكَانَ خَارِصَ أَهْلِ المَدِينَةِ وَحَاسِبَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ (٢).
* غَدْرُ يَهُودِ خَيْبَرَ:
وَظَلَّ يَهُودُ خَيْبَرَ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يُرَ مِنْهُمْ شَيْءٌ يَضُرُّ المُسْلِمِينَ حَتَّى عَدَوْا عَلَى ابْنِ مُحَيِّصَةَ (٣) بنِ مَسْعُودٍ الأَوْسِيِّ الأَنْصَارِيِّ، فَقتَلُوهُ، وَذَلِكَ في حَيَاةِ الرَّسُولِ -ﷺ-، فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ: إِنَّ ابْنَ مُحَيِّصَةَ الأَصْغَرَ أَصْبَحَ قَتِيلًا عَلَى أَبْوَابِ خَيْبَرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَقِمْ شَاهِدَيْنِ عَلَى مَنْ قتَلَهُ، أَدْفَعْهُ إِلَيْكَ بِرُمتِهِ" (٤)، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمِنْ أَيْنَ أُصِيبُ شَاهِدَيْنِ، وَإِنَّمَا أَصْبَحَ قَتِيلًا عَلَى أَبْوَابِهِمْ؟ ! قَالَ -ﷺ-: "فتَحْلِفُ خَمْسِينَ قَسَامَةً؟ " (٥).
_________________
(١) هو جَبَّار بن صخر الأنصاري -﵁- شهد العقبة وبدرًا وأحدًا، والمشاهد كلها مع رسول اللَّه -ﷺ-، توفي -﵁- سنة ثلاثين من الهجرة في خلافة عثمان بن عفان -﵁-، وهو ابن ثنتين وستين سنة.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٣٨٥).
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ٢٢٣): مُحيِّصة: بضم الميم وتشديد الياء المكسورة.
(٤) الرُّمَةُ: بضم الراء: قِطْعَة حبل يُشد بها الأسير أو القاتل إذا قيد إلى القصاص: أي يُسلم إليهم بالحبل الذي شد به تمكينًا لهم منه لئلا يهرب. انظر النهاية (٢/ ٢٤٣).
(٥) القَسَامَة: بفتح القاف: اليمين، يُقْسِمُ من أولياء الدم خمسون نظرًا على استحقاقهم دم صاحبهم إذا وجدوه قتيلًا بين قوم ولم يُعرف قاتله، فإن لم يكونوا خمسين أقْسَمَ =
[ ٣ / ٤٦٧ ]
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَكَيْفَ أَحْلِفُ عَلَى مَا لَا أَعْلَمُ؟
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَتَسْتَحْلِفُ مِنْهُمْ خَمْسِينَ قَسَامَةً".
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! كَيْفَ نَسْتَحْلِفُهُمْ وَهُمُ اليَهُودُ.
فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- دِيتَهُ عَلَيْهِمْ، وَأَعَانَهُمْ بِنِصْفِهَا (١).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَهْلِ بنِ أَبِي حَثْمَةَ أنَّهُ قَالَ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ سَهْلٍ وَمُحَيِّصَةَ خَرَجَا إلى خَيْبَرَ (٢) مِنْ جَهْدٍ (٣) أَصَابَهُمْ، فَأُخْبِرَ مُحَيِّصَةُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قُتِلَ (٤) وَطُرِحَ في فَقِيرٍ (٥) أَوْ عَيْنٍ، فَأَتَى يَهُودَ فَقَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ وَاللَّهِ قتلْتُمُوهُ. قَالُوا: مَا قتَلْنَاهُ وَاللَّهِ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ لَهُمْ
_________________
(١) = الموجودون خَمْسِينَ يمينًا، ولا يكون فيهم صَبِي، ولا امرأة، ولا مجنونٌ، ولا عَبْدٌ، أو يُقْسِمُ بها المتهمون نفي القتل عنهم، فإن حلف المدعون استَحَقُّوا الدية، وإن حلف المتهمون لم تلزمهم الدية. انظر النهاية (٤/ ٥٥). قلت: وقد فَصّل ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في زاد المعاد (٥/ ٩) أمر القسامة تفصيلًا جيدًا، فراجعه.
(٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - رقم الحديث (٦٨٩٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٥٨٦) - وأورده الحافظ في الفتح (١٤/ ٢٢٥) وصحح إسناده.
(٣) زاد البخاري ومسلم في صحيحيهما في رواية أخرى: وهي يومئذ صُلْحٌ.
(٤) الجَهْدُ: بفتح الجيم: المشقة. انظر النهاية (١/ ٣٠٨).
(٥) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣١٧٣): فأتى مُحيّصة إلى عبد اللَّه بن سهل وهو يتشحَّطُ في دمه قتيلًا. قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ٢٢٤): يتشَحَّطُ: أي يضْطَرِبُ فيَتَمَرَّغ في دمه.
(٦) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ٢٢٤): الفَقِير: بفتح الفاء ثم قاف مكسورة: أي حُفيرة.
[ ٣ / ٤٦٨ ]
فَأَقْبَلَ هُوَ وَأَخُوهُ حُوَيِّصَةُ (١)، وَهُوَ أَكْبَرُ مِنْهُ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ سَهْلٍ -أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَهْلٍ المَقْتُولِ-، فَذَهَبَ لِيَتَكَلَّمَ وَهُوَ الذِي كَانَ بِخَيْبَرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- لِمُحَيِّصَةَ: "كبِّرْ كبِّرْ"، يُرِيدُ السِّنَّ، فَتَكَلَّمَ حُوَيِّصَةُ ثُمَّ تَكَلَّمَ مُحَيِّصَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِمَّا أَنْ يَدُوا صَاحِبَكُمْ، وَإِمَّا أَنْ يُؤْذِنُوا بِحَرْبٍ"، فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْهِمْ بِهِ، فَكَتَبَ يَهُودُ: مَا قتَلْنَاهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِحُوَيِّصَةَ وَمُحَيِّصَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ: "أتحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقُّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ"، قَالُوا: لَا، قَالَ -ﷺ-: "أَفتَحْلِفُ لَكُمْ يَهُودُ"، قَالُوا: لَيْسُوا بِمُسْلِمِينَ، فَوَدَاهُ (٢) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ عِنْدِهِ مِائَةَ نَاقَةٍ حَتَّى أُدْخِلَتِ الدَّارَ، قَالَ سَهْلٌ: فَرَكَضَتْنِي (٣) مِنْهَا نَاقَةٌ (٤).
* إِجْلَاءُ يَهُودِ خَيْبَرَ وَالجَزِيرَةِ في خِلَافَةِ عُمَرَ -﵁-:
وَلَمْ يَزَلْ يَهُودُ خَيْبَرَ يَعْمَلُونَ في أَرْضِهَا عَلَى نِصْفِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَمُدَّةَ خِلَافةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-، ثُمَّ أَقَرَّهُمْ عُمَرُ -﵁-، صَدْرًا مِنْ خِلَافَتِهِ إلى أَنْ خَرَجَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ، وَالزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ، وَالمِقْدَادُ بنُ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ٢٢٣): حُويِّصة: بضم الحاء وتشديد الياء المكسورة.
(٢) ودَاهُ: أي أعطى ديته. انظر النهاية (٥/ ١٤٨).
(٣) أصلُ الرَّكْضِ: الضرب بالرجل والإصابة بها. انظر النهاية (٢/ ٢٣٥).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجزية والموادعة - باب الموادعة والمصالحة مع المشركين المال - رقم الحديث (٣١٧٣) - وأخرجه في كتاب الديات - باب القسامة - رقم الحديث (٦٨٩٨) - وأخرجه في كتاب الأحكام - باب كتاب الحاكم إلى مسألة والقاضي إلى أُمنائه - رقم الحديث (٧١٩٢) - وأخرجه مسلم - كتاب القسامة والمحاربين والقصاص - باب القسامة - رقم الحديث (١٦٦٩) (١).
[ ٣ / ٤٦٩ ]
الأَسْوَدِ ﵃، إلى أَمْوَالٍ لَهُمْ بِخَيْبَرَ يَتَعَاهَدُونَهَا، فَلَمَّا قَدِمُوهَا تَفَرَّقُوا في أَمْوَالِهِمْ، فَعُدِيَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄، تَحْتَ اللَّيْلِ، وَهُوَ نَائِمٌ عَلَى فِرَاشِهِ فَفُدِعَتْ (١) يَدَاهُ مِنْ مِرْفَقِهِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اسْتُصْرِخَ عَلَيْهِ صَاحِبَاهُ، فَأتَيَاهُ، فَسَأَلَاهُ عَمَّنْ صَنَعَ بِهِ هَذَا؟
فَقَالَ: لَا أَدْرِي، ثُمَّ قَالَ: فَأَصْلِحَا مِنْ يَدَيَّ، ثُمَّ قَدِمُوا بِهِ عَلَى عُمَرَ -﵁-، فَقَالَ: هَذَا عَمَلُ يَهُودِ (٢).
وَفي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ ابنُ عُمَرَ ﵄: . . . فَلَمَّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁-، غَالَوْا (٣) في المُسْلِمِينَ، وَغَشُّوهُمْ، وَرَمَوْا ابْنَ عُمَرَ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ، فَفَدَعُوا يَدَيْهِ (٤).
فَلَمَّا بَلَغَ عُمَرَ -﵁- ذَلِكَ قَامَ في النَّاسِ خَطِيبًا، فَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ عَامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أنَا نُخْرِجُهُمْ إِذَا شِئْنَا، وَقَدْ عَدَوْا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ، فَفَدَعُوا يَدَيْهِ كَمَا بَلَغَكُمْ، مَعَ عَدْوَتهِمْ عَلَى الأَنْصَارِيِّ قَبْلَهُ (٥)، لَا نَشُكُّ أَنَّهُمْ أَصْحَابُهُمْ، لَيْسَ لَنَا هُنَاكَ عَدُوٌّ غَيْرُهُمْ، فَمَنْ كَانَ لَهُ مَالٌ بِخَيْبَرَ فَلْيَلْحَقْ بِهِ،
_________________
(١) الفَدَعُ: بالتحريك: هو زَيْغٌ بين القَدَمِ وبين عظم الساق، وكذلك في اليد وهو أن تزول المفاصل عن أماكنها. انظر النهاية (٣/ ٣٧٦).
(٢) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٩٠) وإسناده حسن.
(٣) الغَوْل: الخيانة. انظر لسان العرب (١٠/ ١٤٨).
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٧٦٥).
(٥) بقتلهم ابن محيّصة بن مسعود الأنصاري ﵄، وعبد اللَّه بن سهل الأنصاري -﵁-، كما تقدم ذلك قبل قليل.
[ ٣ / ٤٧٠ ]
فَإِنِّي مُخْرِجٌ يَهُودَ (١)
فَلَمَّا أَجْمَعَ (٢) عُمَرُ -﵁- عَلَى إِجْلَائِهِمْ (٣) أتاهُ أَحَدُ بَنِي أَبِي الحُقَيْقِ (٤) فَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أتخْرِجُنَا وَقَدْ أَقَرَّنَا مُحَمَّد -ﷺ- وَعَامَلَنَا عَلَى الأَمْوَالِ وَشَرَطَ ذَلِكَ لَنَا (٥)؟
فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: أَظَنَنْتَ أَنِّي نَسِيتُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَكَ: "كَيْفَ بِكَ إِذَا أُخْرِجْتَ مِنْ خَيْبَرَ تَعْدُو بِكَ قَلُوصُكَ (٦) لَيْلة بَعْدَ لَيْلَةٍ" (٧).
_________________
(١) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٩٠) وإسناده صحيح - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٧٦٥) وإسناده صحيح - وأصله في صحيح البخاري - رقم الحديث (٢٧٣٠).
(٢) أجمع: أي عَزم. لسان العرب (٢/ ٣٥٨).
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٦٧٤): الإجلاء: الإخراج عن المال والوطن على وَجْهِ الإزعاج والكراهة.
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٦٧٤): الحُقَيْقِ مُصَغّرًا، وهو رأسُ يهودِ خيبر، وفي رواية الطحاوي في شرح مشكل الآثار بسند صحيح - رقم الحديث (٢٧٦٥): قال عبد اللَّه بن عمر -﵁-: أتاه رئيسهم.
(٥) في رواية ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٥١٩٩) فقال رئيسهم لعمر -﵁-: لا تُخْرِجنا دعنا نكون فيها كما أقَرَّنا رَسُول اللَّهِ وأبو بكر.
(٦) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٦٧٤): قلوصك: بفتح القاف وضم اللام والصاد: هي الناقة الصَّابرة على السير، وقيل الشَّابَّة.
(٧) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٦٧٤): فيه إشارةٌ منه -ﷺ- إلى إخراجهم من خيبر، وكان ذلك من أخباره -ﷺ- بالمغيبات قبل وقوعها. وفي رواية الطحاوي في شرح مشكل الآثار بسند صحيح - رقم الحديث (٢٧٦٥) فقال عمر لرئيسهم: أتراه سَقَطَ عني قول رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لك: "كيف بك إذا رَقَصَتْ بك -أي أسْرَعَتْ في السير- راحلتك نحوَ الشام يومًا ثم يومًا ثم يومًا".
[ ٣ / ٤٧١ ]
فَقَالَ: كَانَ ذَلِكَ هُزَيْلَةً (١) مِنْ أَبِي القَاسِمِ.
فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ، إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ، وَمَا هُوَ بِالهَزْلِ (٢)
فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ -﵁-، إلى تَيْمَاءَ وَأَرِبحَاءَ (٣)، وَأَعْطَاهُمْ قِيمَةَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنَ التَّمْرِ مَالًا وَإِبِلًا وَعَرُوضًا (٤) مِنْ أَقْتَابٍ (٥) وَحِبَالٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ (٦).
* تَخْيِيرُ عُمَرَ -﵁- أَزْوَاجَ الرَّسُولِ -ﷺ-:
وَخَيَّرَ عُمَرُ -﵁- حِينَئِذٍ أَزْوَاجَ الرَّسُولِ -ﷺ- أَنْ يَقْطَعَ لَهُنَّ منَ المَاءَ وَالأَرْضِ، أَوْ يُمْضِيَ لَهُنَّ مَا كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُعْطِيهِنَّ؟
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٦٧٤) هُزَيْلَة: بضم الهاء تصغير الهزل، وهو ضد الجد.
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب إذا إشترط في المزارعة "إذا شئت أخرجتك" - رقم الحديث (٢٧٣٠) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٧٦٥) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (١١٢٩).
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٢٩٠): تَيْمَاء: بفتح التاء وسكون الياء، وأريحا: بفتح الهمزة وكسر الراء، هما موضعان مشهوران بقرب بلاد طيء على البحر في أول طريق الشام من المدينة.
(٤) العَرُوضُ جمْعُ عَرَضٍ، بفتح العين وسكون الراء: هو المتاع وكل شيء سوى الدراهم والدنانير. انظر لسان العرب (٩/ ١٤٠).
(٥) الأقتاب: جمع قَتَبٍ: وهو الرَّحْلُ الصغير على قَدْرِ سنَام البعير. انظر لسان العرب (١١/ ٢٨).
(٦) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحرث والمزارعة - باب إذا قال رب الأرض أقرك ما أقرك اللَّه - رقم الحديث (٢٣٣٨) - وأخرجه في كتاب الشروط - باب إذا اشترط في المزارعة "إذا شئت أخرجتك" - رقم الحديث (٢٧٣٠) - وأخرجه مسلم - في صحيحه - كتاب المساقاة - باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع - رقم الحديث (١٥٥١) (٦).
[ ٣ / ٤٧٢ ]
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعْطِيهِنَّ: مِائَةَ وَسْقٍ (١)، وَثَمَانُونَ وَسْقَ تَمْرٍ، وَعِشْرُونَ وَسْقَ شعِيرٍ، فَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الأَرْضَ، وَمِنْهُنَّ مَنِ اخْتَارَ الوَسْقَ، فَكَانَتْ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ ﵄ مِمَّنِ اخْتَارَتَا الأَرْضَ وَالمَاءَ (٢).
* إِجْلَاءُ يَهُودِ فَدَكَ وَنَصَارَى نَجْرَانَ:
وَأَجْلَى كَذَلِكَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-، يَهُودَ فَدَكَ وَنَصَارَى نَجْرَانَ أَيْضًا مِنَ الحِجَازِ، وَلَمْ يُخْرِجْ أَهْلَ تَيْمَاءَ وَوَادِي القُرَى؛ لأنَّهُمَا مِنْ أَرْضِ الشَّامِ لَا مِنَ الحِجَازِ (٣).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: الذِي يُمْنَعُ المُشْرِكُونَ مِنْ سُكْنَاهُ مِنْهَا -أَيْ مِنْ جَزِيرَةِ العَرَبِ- الحِجَازُ خَاصَّةً، وَهُوَ مَكَّةُ وَالمَدِينَةُ وَاليَمَامَةُ وَمَا وَالَاهَا، لَا فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ جَزِيرَةِ العَرَبِ، لِاتِّفاقِ الجَمِيعِ عَلَى أَنَّ اليَمَنَ لَا
_________________
(١) الوَسْقُ: بفتح الواو وسكون السين سِتُّون صاعًا. انظر النهاية (٥/ ١٦١).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحرث والمزارعة - باب المزارعة بالشطر ونحوه - رقم الحديث (٢٣٢٨) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساقاة - باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع - رقم الحديث (١٥٥١) (٢) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦٩٨٣) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٧٣٢).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحرث والمزارعة - باب إذا قال رب الأرض أقرك ما أقرك اللَّه - رقم الحديث (٢٣٣٨) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساقاة - باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع - رقم الحديث (١٥٥١) (٦) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٣٦٨).
[ ٣ / ٤٧٣ ]
يُمْنَعُونَ مِنْهَا مَعَ أَنَّهَا مِنْ جُمْلَةِ جَزِيرَةِ العَرَبِ، هَذَا مَذْهَبُ الجُمْهُورِ، وَعَنِ الحَنَفِيَّةِ: يَجُوزُ مُطْلَقًا إِلَّا المَسْجِدَ، وَعَنْ مَالِكٍ: يَجُوزُ دُخُولُهُمْ لِلتِّجَارَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَدْخُلُونَ الحَرَمَ أَصْلًا إِلَّا بِإِذْنِ الإِمَامِ لِمَصْلَحَةِ المُسْلِمِينَ خَاصَّةً (١).
وَقَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد أَبُو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَنِعِمَّا فَعَلَ المُلْهَمُ المُحَدَّثُ (٢)، فَإِنَّ الحِجَازَ قُطْبُ الإِسْلَامِ، وَقَلْبُهُ النَّابِضُ، فَكَانَ مِنَ الحِكْمَةِ أَنْ تَبقَى القُطْبُ قَوِيًّا مُتَمَاسِكًا، وَالقَلْبُ سَلِيمًا مِنْ عَوَامِلِ الضَّعْفِ وَالفَسَادِ، كَيْ تَبْقَى الأَطْرَافُ سَلِيمَةً قَوِيَّةً تُؤَدِّي وَظَائِفَهَا المَطْلُوبَةَ مَعَهَا، فَهَلْ يُقَيِّضُ اللَّهُ لَهُمْ مِنْ أَبْطَالِ المُسْلِمِينَ وَالعَرَبِ مَنْ يُجْلِيهِمْ مِنَ الأَرْضِ المبارَكَةِ (فِلِسْطِينَ) كَمَا أُجْلُوا عَنِ البَلَدِ الطَّيِّبِ (المَدِينَةِ) وَالأَرْضِ الطَّاهِرَةِ (الحِجَازِ) (٣)؟
* العَوْدَةُ إِلَى المَدِينَةِ وَأَحْدَاثٌ حَدَثَتْ في الطَّرِيقِ:
ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إلى المَدِينَةِ مَنْصُورًا مُؤَيَّدًا مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ
_________________
(١) انظر فتح الباري (٦/ ٢٨٤).
(٢) المُحَدَّث: مفرد مُحَدَّثُون، بفتح الدال وتشديدها، ومعناها: المُلْهَم، والملهم هو الذي يُلقَى في نفسه الشيء فيخبر به فِراسة، وهو نوعٌ يختص به اللَّه ﷿ من يشاء من عباده الذين اصطفى، مثل عمر -﵁-، كأنهم حُدِّثوا بشيء فقالوه. انظر النهاية (١/ ٣٣٨). روى البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٣٦٨٩) - عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "لقد كان فيما قبلكم من الأمم ناس مُحَدَّثُون، فإن يك في أمتي أحد فإنه عمر". وأخرجه مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٣٩٨) عن عائشة ﵂.
(٣) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة في ضوء القرآن والسنة (٢/ ٤٢٢) للدكتور محمَّد أبو شهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٣ / ٤٧٤ ]
وَتَعَالَى، وَكَانَتْ مدَّةُ غَيْبَتِهِ نَحْوًا مِنْ شَهْرٍ، وَفِي طَرِيقِ عَوْدَتِهِ حَدَثَتْ أَحْدَاث مِنْهَا:
* الحَادِثُ الأَوَّلُ: ذِكْرُ اللَّهِ ﷿:
كُلَّمَا أَشْرَفَ النَّاسُ عَلَى وَادٍ رَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ؛ اللَّهُ أَكْبَرُ، اللَّهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَرْبِعُوا (١) عَلَى أَنْفُسِكُمْ إِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا (٢)، وَهُوَ مَعَكُمْ"، قَالَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ -﵁-: وَأَنَا خَلْفَ دَابَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَسَمِعَنِي، وَأَنَا أَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ، فَقَالَ لِي: "يَا عَبْدَ اللَّهِ بنَ قَيْسٍ" (٣)، قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "ألا أَدُلُّكَ عَلَى كَلِمَةٍ مِنْ كنْزٍ مِنْ كُنُوزِ الجَنَّةِ"؟
قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي.
قَالَ -ﷺ-: "لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ" (٤).
* الحَادِثُ الثَّانِي: فَوَاتُ صَلَاةِ الفَجْرِ:
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١٢/ ٤٨٢): أربعوا: أرفقُوا ولا تُجْهِدُوا أنفسكم.
(٢) في رواية أخرى في صحيح البخاري: "سَمِيعًا بصيرًا".
(٣) هو اسم أَبِي مُوسَى الأشعري -﵁-.
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٠٢) - وأخرجه في كتاب الدعوات - باب الدعاء إذا علا عقبة - رقم الحديث (٦٣٨٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الذكر والدعاء والتوبة - باب استحباب خفض الصوت بالذكر- رقم الحديث (٢٧٠٤).
[ ٣ / ٤٧٥ ]
حِينَ قَفَلَ (١) مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ، سَارَ لَيْلَهُ، حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الكَرَى (٢) عَرَّسَ (٣)، وَقَالَ لبلَالٍ: "اكْلَأ (٤) لَنَا اللَّيْلَ"، فَصَلَّى بِلَالٌ مَا قُدِّرَ له، وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ، فَلَمَّا تَقَارَبَ الفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالٌ إلى رَاحِلَتِهِ مُوَاجِهَ الفَجْرِ (٥)، فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إلى رَاحِلَتِهِ، فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتَّى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَوَّلَهُمْ اسْتِيقَاظًا، فَفَزعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "أَيْ بِلَالُ"! فَقَالَ بِلَالٌ: أَخَذَ بِنَفْسِي الذِي أَخَذَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ بِنَفْسِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اقْتَادُوا" (٦)، فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى بِهِمُ الصُّبْحَ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكرَهَا، فَإِنَّ اللَّه قَالَ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ " (٧).
قُلْتُ: قِصَّةُ فَوَاتِ صَلَاةِ الفَجْرِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ حَدَثَتْ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ غَيْرَ
_________________
(١) قَفَلَ: رجع. انظر النهاية (٤/ ٨٢).
(٢) الكرَى: بفتح الكاف والراء: هو النوم. انظر النهاية (٤/ ١٤٧).
(٣) التَّعْرِيس: نزول المسافر آخِرَ الليل نَزْلَةً للنَّوْمِ والاستراحة. انظر النهاية (٣/ ١٨٦).
(٤) الكلاءة: الحِفْظ والحِرَاسة. انظر النهاية (٤/ ١٦٩). ومنه قوله تعالى في سورة الأنبياء آية (٤٢): ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾
(٥) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (٥/ ١٥٥): أي مستقبله بوجهه.
(٦) اقْتَادَ البعير: جَرَّهُ خَلْفَهُ. انظر النهاية (٤/ ١٠٤).
(٧) سورة طه آية (١٤) - والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مواقيت الصلاة - باب الآذان بعد ذهاب الوقت - رقم الحديث (٥٩٥) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواقيت الصلاة - باب قضاء الصلاة الفائتة - رقم الحديث (٦٨٠).
[ ٣ / ٤٧٦ ]
هَذِهِ المَرَّةِ، فَمِنْهَا: في غَزْوَةِ الحُدَيْبِيَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ، وَفِي غَزْوَةِ تبوكَ كَمَا سَيَأْتِي.
* الحَادِثُ الثَّالِثُ: سُقُوطُ الرَّسُولِ -ﷺ-:
ثُمَّ أَكْمَلُوا طَرِيقَهُمْ إلى المَدِينَةِ، قَالَ أَنَسٌ -﵁-: أَقبلنا مِنْ خَيْبَرَ أَنَا وَأَبُو طَلْحَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ وَصَفِيَّةُ رَدِيفَتُهُ، قَالَ: فَعَثرتْ نَاقَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَصُرعَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وصُرِعَتْ صَفِيَّةُ، فَاقْتَحَمَ (٢) أَبُو طَلْحَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ أَضُرِرْتَ (٣)؟ قَالَ: "لَا، عَلَيْكَ المَرْأة"، فَأَلقى أَبُو طَلْحَةَ عَلَى وَجْهِهِ الثَّوْبَ، فَانْطَلَقَ إِلَيْهَا فَمَدَّ ثَوْبَهُ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَصْلَحَ لَهَا رَحْلَهَا، فَرَكِبْنَا، ثُمَّ اكْتَنَفْنَاهُ (٤)، أَحَدُنَا عَنْ يَمِينهِ وَالآخَرُ عَنْ شِمَالِهِ (٥).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي الحَدِيثِ: أنَّهُ لَا بَأْسَ لِلرَّجُلِ أَنْ يتدَارَكَ المَرْأَةَ الأَجْنَبِيَّةَ إِذَا سَقَطَتْ، أَوْ كَادَتْ تَسْقُطُ فيعِينُهَا عَلَى التَّخَلُّصِ مِمَّا يُخْشَى عَلَيْهَا (٦).
_________________
(١) صُرعَ: أي سقط عن ظهر الدابة. انظر النهاية (٣/ ٢٣).
(٢) اقتحَمَ: رمى بِنَفْسِهِ من غير رويّة وتثبت. انظر النهاية (٤/ ١٧).
(٣) أَضُرِرْتَ: أي هل ضَرّكَ شَيءٌ.
(٤) اكتنفنَاهُ: أي أحَطْنَا به من جانبيه. انظر النهاية (٤/ ١٧٨).
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب اللباس - باب إرداف المرأة خلف الرجل ذا محرم - رقم الحديث (٥٩٦٨) - وأخرجه في كتاب الجهاد والسير - باب ما يقول إذا رجع من الغزوة - رقم الحديث (٣٠٨٥) (٣٠٨٦) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٩٤٧) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره - رقم الحديث (١٣٤٥) مختصرًا دون قصة سقوطه -ﷺ-.
(٦) انظر فتح الباري (١١/ ٦٠١).
[ ٣ / ٤٧٧ ]
* وُصُولُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ:
ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ حَتَّى إِذَا بَدَا (١) لَهُ جَبَلُ أُحُدٍ قَالَ: "هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ"، فَلَمَّا أَشْرَفَ عَلَى المَدِينَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ مَا بَيْنَ جَبَلَيْهَا مِثْلَ مَا حَرَّمَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، اللَّهُمَّ! بَارِكْ لَهُمْ في مُدِّهِمْ وَصَاعِهِمْ"، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "آيِبُونَ (٢)، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ" فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُهُنَّ حَتَّى دَخَلَ المَدِينَةَ (٣).
* * *
_________________
(١) بَدَا: ظهر. انظر النهاية (١/ ١٠٨).
(٢) الأوْبُ: الرُّجُوع. انظر النهاية (١/ ٧٩).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الأطعمة - باب الحيس - رقم الحديث (٥٤٢٥) - وأخرجه في كتاب الجهاد والسير - باب ما يقول إذا رجع من الغزو - رقم الحديث (٣٠٨٥) (٣٠٨٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره - رقم الحديث (١٣٤٥) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٩٤٧).
[ ٣ / ٤٧٨ ]
قِصَّةُ الحَجَّاجِ بنِ عِلاطٍ (١) السُلَمِيِّ -﵁- وَقُرَيْشٍ
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا افتتَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَيْبَرَ، قَالَ الحَجَّاجُ بنُ عِلَاطٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ لِي بِمَكَّةَ مَالًا عِنْدَ صَاحِبتِي (٢)، وَمَالٌ مُتَفَرِّقٌ في تُجَّارِ أَهْلِ مَكَّةَ، فَأْذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ آتِيَ مَكَّةَ لِآخُذَ مَالِي قَبْلَ أَنْ يَعْلَمُوا بِإِسْلَامِي فَلَا أَقْدِرَ عَلَى أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ الحَجَّاجُ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّهُ لَاُبدَّ لِي أَنْ أَقُولَ (٣)، فَأَنَا في حِلٍّ إِنْ نِلْتُ مِنْكَ أَوْ قُلْتُ شَيْئًا؟
فَأَذِنَ له رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَقُولَ مَا شَاءَ (٤).
قَالَ الحَجَّاجُ: فَخَرَجْتُ حَتَّى إِذَا قَدِمْتُ مَكَّةَ وَجَدْتُ -بِثَنِيَّةِ البَيْضَاءِ- رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ يَسْتَمِعُونَ الأَخْبَارَ، وَيَسْأَلُونَ عَنْ أَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَدْ
_________________
(١) قال الحافظ في الإصابة (٢/ ٢٩): عِلَاط: بكسر العين وتخفيف اللام.
(٢) صَاحِبَتِي: أي زوجته.
(٣) أي أن أَكْذِبَ.
(٤) قال الإِمام ابن مفلح الحنبلي في كتابه الآداب الشرعية (١/ ٤٥): قال بعض أصحابنا المتأخرين: إنه يجوزُ كَذِبُ الإنسان على نفسه وغيره إذا لم يتضمَّن ضرر ذلك الغير إذا كان يتوصل بالكذب إلى حقِّه، كما كذب الحَجَّاج بن عِلاط على المشركين حتى أخَذَ ماله من مَكَّةَ من المشركين من غير مَضَرَّةٍ لَحِقَتْ بالمسلمين من ذلك الكذب.
[ ٣ / ٤٧٩ ]
بَلَغَهُمْ أَنَّهُ قَدْ سَارَ إلى خَيْبَرَ، فَهُمْ يَتَحَسَّسُونَ (١) الأَخْبَارَ، وَيَسْألُونَ الرُّكْبَانَ (٢)، فَلَمَّا رَأَوْني قَالُوا: الحَجَّاجُ عِنْدَهُ وَاللَّهِ الخَبَرُ -وَلَمْ يَكُونُوا عَلِمُوا بِإِسْلَامِي- أَخْبِرْنَا فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ سَارَ إلى خَيْبرَ.
فَقَالَ الحَجَّاجُ: قَدْ بَلَغَنِي ذَلِكَ، وَعِنْدِي مِنَ الأَخْبَارِ مَا يَسُرُّكُمْ، فَأَطَافُوا بِهِ وَأَمْسَكُوا نَاقتهُ وَهُمْ يَقُولُونَ: إِيهِ (٣) يَا حَجَّاجُ، فَقَالَ لَهُمْ: هُزِمَ مُحَمَّدٌ هَزِيمَةً لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهَا قَطُّ، وَقُتِلَ أَصْحَابهُ قتلًا لَمْ تَسْمَعُوا بِمِثْلِهِ قَطُّ، وَأُسِرَ مُحَمَّدٌ، وَقَالَ يَهُودُ خَيْبَرَ: لَا نَقْتُلُهُ حَتَّى نَبْعَثَ بِهِ إلى أَهْلِ مَكَّةَ، فَيَقْتُلُوهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ بِمَنْ كَانَ أَصَابَ مِنْ رِجَالِهِمْ.
فَقَامُوا وَصَاحُوا بِمَكَّةَ، وَقَالُوا: قَدْ جَاءَكُمُ الخَبَرُ، وَهَذَا مُحَمَّدٌ إِنَّمَا تَنْتَظِرُونَ أَنْ يُقْدَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ، فيقْتَلَ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ، فَقَالَ الحَجَّاجُ لَهُمْ: أَعِينُونِي عَلَى جَمْعِ مَالِي بِمَكَّةَ، وَعَلَى غُرَمَائِي، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَقْدُمَ خَيْبرَ، فَأَشْتَرِيَ مِنْ فَلِّ (٤) مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ قَبْلَ أَنْ يَسْبِقَنِي التُّجَّارُ إلى مَا هَنَالِكَ.
قَالَ الحَجَّاجُ: فَجَمَعُوا لِي مَالِي كَأَحَثِّ جَمْعٍ سَمِعْتُ بِهِ، وَجِئْتُ امْرَأَتِي
_________________
(١) تحسَّس الخبر: تطلَّبه وتبخَثه. انظر لسان العرب (٣/ ١٧٠). ومنه قوله تعالى على لسان يعقوب ﵇ في سورة يوسف آية (٧٨): ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ. . .﴾
(٢) الرُّكبان: بضم الراء المشدده: أصحاب الإبل. انظر لسان العرب (٥/ ٢٩).
(٣) إِيهِ: هذه كلمة يُراد بها الاستزادة. انظر النهاية (١/ ٨٧).
(٤) الفَلُّ: القوم المنهزمون. انظر النهاية (٣/ ٤٢٥).
[ ٣ / ٤٨٠ ]
فَقُلْتُ لَهَا: اجْمَعِي لِي مَا كَانَ عِنْدَكِ، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ مِنْ فَلِّ مُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فَإِنَّهُمْ قَدِ اسْتُبِيحُوا، وَأُصِيبَتْ أَمْوَالُهُمْ. وَفَشَا (١) ذَلِكَ في مَكَّةَ، وَأَظْهَرَ المُشْرِكُونَ الفَرَحَ وَالسُّرُورَ، وَانْقَمَعَ (٢) مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ.
* مَوْقِفُ العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁-:
وَبَلَغَ الخَبَرُ العَبَّاسَ بنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁-، فَعَقِرَ (٣) في مَجْلِسِهِ، وجَعَلَ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُومَ، فَأَخَذَ ابْنًا لَهُ يُقَالُ لَهُ: قُثَمٌ، وَكَانَ يُشْبِهُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَاسْتَلْقَى، فَوَضَعَهُ عَلَى صَدْرهِ وَهُوَ يَقُولُ:
حِبِّي قُثَمْ حِبِّي قُثَمْ شَبِيهَ ذِي الأَنْفِ الأَشَمّ
نَبِيَّ رَبٍّ ذِي النِّعَمْ بِرَغْمِ أَنْفِ مَنْ رَغَمْ (٤)
ثُمَّ أَرْسَلَ العَبَّاسُ -﵁- غُلَامًا له إلى الحَجَّاجِ بنِ عِلَاطٍ، فَقَالَ: وَيْلَكَ، مَا جِئْتَ بِهِ، وَمَاذَا تَقُولُ؟ فَمَا وَعَدَ اللَّهُ خَيْرًا مِمَّا جِئْتَ بِهِ.
فَقَالَ الحَجَّاجُ بنُ عِلَاطٍ لِغُلَامِهِ: اقْرَأْ عَلَى أَبِي الفَضْلِ السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ:
_________________
(١) فَشَا: أي انتَشَرَ. انظر النهاية (٣/ ٤٠٣).
(٢) انقَمَعَ: أي تغَيَّبَ ودخل في بيته. انظر النهاية (٤/ ٩٥).
(٣) العَقر: أن تُسْلِمَ الرجلَ قوائِمُه من الخوف، وقيل: هو أن يفجَأه الروع فيُدهش ولا يستطيع أن يتقدَّم أو يتأخر. انظر النهاية (٣/ ٢٤٧).
(٤) قال الإِمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (٢/ ٩٦): ولم يَزَل العباس مشفقًا على النبي -ﷺ-، مُحِبًّا له، صابرًا على الأذى، ولم يُسْلِمْ بعدُ، بحيث إنه ليلة العَقَبَةِ عرف، وقام مع ابن أخيه في الليل، وتوثق له من السبعين.
[ ٣ / ٤٨١ ]
فَلْيُخْلِ لِي في بَعْضِ بُيُوتِهِ لآتِيَهُ، فَإِنَّ الخَبَرَ عَلَى مَا يَسُرُّهُ، فَجَاءَ الغُلَامُ، فَلَمَّا بَلَغَ بَابَ الدَّارِ، قَالَ: أَبْشِرْ يَا أبَا الفَضْلِ، فَوَثَبَ العَبَّاسُ فَرِحًا، حَتَّى قبَّلَ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ الحَجَّاجُ، فَأَعْتَقَهُ.
ثُمَّ جَاءَ الحَجَّاجُ إلى العَبَّاسِ فَأَخْبَرَهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدِ افتتَحَ خَيْبَرَ، وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ، وَجَرَتْ سِهَامُ اللَّهِ في أَمْوَالِهِمْ، وَاصْطَفَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَفِيَّةَ بِنْت حُيَيٍّ فاتَّخَذَهَا لِنَفْسِهِ، وَخَيَّرَهَا بَيْنَ أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ، أَوْ تَلْحَقَ بِأَهْلِهَا، فَاخْتَارَتْ أَنْ يُعْتِقَهَا وَتَكُونَ زَوْجَتَهُ، وَلَكِنِّي جِئْتُ لِمَالٍ كَانَ لِي هَاهُنَا أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَهُ فَأَذْهَبَ بِهِ، فَاسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَذِنَ لِي أَنْ أَقُولَ مَا شِئْتُ، فَاخْفِ عَنِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ اذْكُرْ مَا بَدَا لَكَ.
فَجَمَعَتِ امْرَأتُهُ مَا كَانَ عِنْدَهَا مِنْ حُلِيٍّ وَمَتَاعٍ، فَجَمَعَتْهُ فَدَفَعَتْهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ انْشَمَرَ (١) بِهِ.
فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ آتى العَبَّاسُ امْرَأَةَ الحَجَّاجِ، فَقَالَ لهَا: مَا فَعَلَ زَوْجُكِ؟ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَقَالَتْ: لَا يَحْزُنُكَ اللَّهُ يَا أَبَا الفَضْلِ، لَقَدْ شَقَّ عَلَيْنَا الذِي بَلَغَكَ.
فَقَالَ لَهَا: أَجَلْ، لَا يَحْزُنِّي اللَّهُ، وَلَمْ يَكُنْ بِحَمْدِ اللَّهِ إِلَّا مَا أَحْبَبْنَا، وَقَدْ أَخْبَرَنِي الحَجَّاجُ أَنَّ اللَّه قَدْ فتَحَ خَيْبَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ
_________________
(١) الشَّمَّرِيُّ: الذي يَمْضِي لوجهه. انظر لسان العرب (٧/ ١٩٠).
[ ٣ / ٤٨٢ ]
اللَّهِ، وَاصْطفى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَفِيَّةَ بِنْتَ حُييٍّ لِنَفْسِهِ، فَإِنْ كَانَتْ لَكِ حَاجَةٌ في زَوْجِكِ، فَالْحَقِي بِهِ، قَالَتْ: أَظُنُّكَ وَاللَّهِ صَادِقًا، قَالَ: فَإِنِّي صَادِقٌ، وَالأَمْرُ عَلَى مَا أَخْبَرْتُكِ.
ثُمَّ ذَهَبَ العَبَّاسُ -﵁- حَتَّى أَتَى البَيْتَ، وَقَدْ لَبِسَ حُلَّةً له وَتَطَيَّبَ، وَأَخَذَ عَصَاهُ، فَطَافَ بِالكَعْبَةِ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى أَتَى مَجَالِسَ قُرَيْشٍ، وَهُمْ يَقُولُونَ: لَا يُصِيبُكَ إِلَّا خَيْر أَبَا الفَضْلِ هَذَا وَاللَّهِ التَّجَلُّدُ (١) لِحَرِّ المُصِيبَةِ، فَقَالَ لَهُمْ: كَلَّا وَاللَّهِ لَمْ يُصِبْنِي إِلَّا خَيْرٌ بِحَمْدِ اللَّهِ، وَقَدْ أَخْبَرَنِي الحَجَّاجُ بنُ عِلَاطٍ أَنَّ خَيْبَرَ قَدْ فتَحَهَا اللَّهُ عَلَى رَسُولهِ، وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ اللَّهِ، وَاصْطفى صَفِيَّةَ لِنَفْسِهِ، وَقَدْ سَأَلَنِي أَنْ أُخْفِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، وَإِنَّمَا جَاءَ لِيَأْخُذَ مَالَهُ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ شَيْءَ هَاهُنَا، ثُمَّ يَذْهَبَ.
فَرَدَّ اللَّهُ الكَآبَةَ التِي كَانَتْ بِالمُسْلِمِينَ عَلَى المُشْرِكِينَ، وَخَرَجَ المُسْلِمُونَ وَمَنْ كَانَ دَخَلَ بَيْتَهُ مُكْتَئِبًا حَتَّى آتوا العَبَّاسَ، فَأَخْبَرَهُمُ الخَبَرَ، فَسُرَّ المُسْلِمُونَ، وَرَدَّ اللَّهُ مَا كَانَ مِنْ كَآبَةٍ أَوْ غَيْظٍ أَوْ خِزْيٍ عَلَى المُشْرِكِينَ.
وَلَمْ يَلْبَثْ مُشْرِكُو قُرَيْشٍ أَنْ جَاءَهُمْ خَبَرُ انْتِصَارِ المُسْلِمِينَ عَلَى اليَهُودِ في خَيْبَرَ (٢).
_________________
(١) تَجَلَّد: بتشديد اللام، أي أظهر الجلد، والجلد: القوة والشدة. انظر لسان العرب (٢/ ٣٢٣).
(٢) أخرج قصة الحجاج بن عِلاط: الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٤٠٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الخلافة والإمارة - رقم الحديث (٤٥٣٠) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٢١٣) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٧٥).
[ ٣ / ٤٨٣ ]
دُخُولُ الرَّسُولِ -ﷺ- بِأُمِّ حَبِيبَةَ رَمْلَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ﵄
وَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إلى المَدِينَةِ وَجَدَ زَوْجَتَهُ أُمَّ حَبِيبَةَ رَمْلَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ في انْتِظَاره بَعْدَ أَنْ رَجَعَتْ مِنَ الحَبَشَةِ مَعَ جَعْفَرَ -﵁- وَأَصْحَابِهِ، وَلَمْ تَذْهَبْ مَعَهُمْ إلى خَيْبَرَ بَلْ جَلَسَتْ في المَدِينَةِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قدْ بَعَثَ إلى النَّجَاشِيِّ عَمْرِو بنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ، لِيُزَوِّجَهُ إِيَّاهَا، وَيَبعَثَ بِهَا إِلَيْهِ مَعَ جَعْفَرِ بنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ.
وَكَانَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ﵂ مِنْ بَنَاتِ عَمِّ الرَّسُولِ -ﷺ-، لَيْسَ في أَزْوَاجِهِ مَنْ هِيَ أَقْرَبُ نَسَبًا إِلَيْهِ مِنْهَا، وَلَا فِي نِسَائِهِ مَنْ هِيَ أَكْثَرُ صَدَاقًا (١) مِنْهَا، وَلَا مَنْ تَزَوَّجَ بِهَا وَهِيَ نَائِيَةُ (٢) الدَّارِ أَبْعَدَ مِنْهَا.
وَقَدْ هَاجَرَتْ إلى الحَبَشَةِ مَعَ زَوْجِهَا عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ، فَمَاتَ عَنْهَا وَهُمْ بِالحَبَشَةِ (٣).
رَوَى ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ في قَوْلِهِ تَعَالَى:
_________________
(١) ذكرنا فيما تقدم كم كان صداقها ﵂.
(٢) نَائِي: بعيد. انظر لسان العرب (٧/ ١٤).
(٣) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٢١٩).
[ ٣ / ٤٨٤ ]
﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ (١)، قَالَ: حِينَ تَزَوَّجَ النَّبِيُّ -ﷺ- أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ (٢).
وَلَمَّا بَلَغَ أَبَا سُفْيَانَ نِكَاحُ الرَّسُولِ -ﷺ- ابْنَتَهُ قَالَ: ذَلِكَ الفَحْلُ لَا يُقْرَعُ أَنْفُهُ (٣).
وَكَانَ لِأُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ لَمَّا دَخَلَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِضْعٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً، وَتُوُفِّيَتْ ﵂ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ مِنَ الهِجْرَةِ في خِلَافَةِ أَخِيهَا مُعَاوِيَةَ ﵄ (٤).
* * *
_________________
(١) سورة الممتحنة آية (٧).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٨/ ٢٩٤).
(٣) قال ابن الأثير في النهاية (٤/ ٣٩): أي أنه كفْءٌ كَرِيم لا يُرد. والخبر أخرجه ابن سعد في طبقاته (٨/ ٢٩٤).
(٤) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٢٢).
[ ٣ / ٤٨٥ ]
تَحْقِيقُ دَعْوَى رِدَّةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ
ذَكَرَ أَهْلُ المَغَازِي أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بنَ جَحْشٍ هَاجَرَ إلى الحَبَشَةِ مَعَ زَوْجَتِهِ رَمْلَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ ﵂، ثُمَّ إِنَّهُ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ، وَاعْتَنَقَ النَّصْرَانِيَّةَ، وَمَاتَ عَلَيْهَا، وَلَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ إِنَّ الأَدِلةَ الصَّحِيحَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا، وَقَدْ حَقَّقَ الشَّيْخُ مُحَمَّد بنُ عَبْدِ اللَّهِ العَوْشَن هَذِهِ المَسْأَلَةَ، وَنُشِرَتْ في مَجَلَّةِ البَيَانِ، وَسَأَعْرِضُ كَلَامَ الشَّيْخِ كَامِلًا.
* تَحْقِيقُ الخَبَرِ:
اشْتَهَرَ في كتبِ السِّيرَةِ أَنَ عُبَيْدَ اللَّهِ بنَ جَحْشٍ قَدْ تَنَصَّرَ في أَرْضِ الحَبَشَةِ، وَكَانَ قَدْ هَاجَرَ إِلَيْهَا مَعَ زَوْجِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂؛ فَهَلْ ثَبَتَتْ رِدَّتهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ؟
قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ ﵀ في ذِكْرِ بَعْضِ مَنِ اعْتَزَلَ عِبَادَةَ قُرَيْشٍ لِلْأَصْنَامِ، وَهُمْ: وَرَقَةُ بنُ نَوْفَلٍ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ، وَعُثْمَانُ بنُ الحُوَيْرِثِ، وَزَيْدُ بنُ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ! مَا قَوْمُكُمْ عَلَى شَيْءٍ، لَقَدْ أَخْطَؤُوا دِينَ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ، مَا حَجَرٌ نَطِيفُ بِهِ؛ لَا يَسْمَعُ وَلَا يبصرُ، وَلَا يَضُرُّ وَلَا يَنْفَعُ؟ ! الْتَمِسُوا لِأَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ وَاللَّهِ! مَا أَنْتُمْ عَلَى شَيْءٍ.
[ ٣ / ٤٨٦ ]
فَتَفَرَّقُوا في البُلْدَانِ يَلْتَمِسُونَ الحَنِيفِيَّةَ، دِينَ أَبِيهِمْ إِبْرَاهِيمَ، فَأَمَّا وَرَقَةُ بنُ نَوْفَلٍ فَاسْتَحْكَمَ في النَّصْرَانِيَّةِ. . . وَأَمَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ فَأَقَامَ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ الِالْتِبَاسِ حَتَّى أَسْلَمَ، ثُمَّ هَاجَرَ مَعَ المُسْلِمِينَ إلى الحَبَشَةِ، وَمَعَهُ امْرَأتهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ مُسْلِمَةً، فَلَمَّا قَدِمَهَا تَنَصَّرَ، وَفَارَقَ الإِسْلَامَ، حَتَّى هَلَكَ هُنَاكَ نَصْرَانِيًّا (١).
ثُمَّ قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: فَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ -حِينَ تَنَصَّرَ- يَمُرُّ بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُمْ هُنَالِكَ مِنْ أَرْضِ الحَبَشَةِ، فَيَقُولُ: فَقَّحْنَا (٢) وَصَأْصَأْتُمْ (٣)؛ أَيْ أَبْصَرْنَا، وَأَنْتُمْ تَلْتَمِسُونَ البَصَرَ، وَلَمْ تُبْصِرُوا بَعْدُ (٤).
وَشَيْخُ ابنُ إِسْحَاقَ هُنَا مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ، وَهُوَ ثِقَةٌ (٥)، مَاتَ سَنَهَ بِضْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ، مِنَ الطَّبَقَةِ السَّادِسَةِ، وَهِيَ طَبَقَهٌ لَمْ يَثْبُتْ لِأَحَدٍ مِنْهَا لِقَاءَ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَالخَبَرُ مُرْسَلٌ.
ثُمَّ ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ في قُدُومِ جَعْفَرَ بنِ أَبِي طَالِبٍ مِنَ الحَبَشَةِ فَقَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرِ بنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: خَرَجَ عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ مَعَ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٥٩ - ٢٦٠).
(٢) فقّحنا: أي أبصَرْنا رُشدنا، ولم تُبْصِروا. انظر النهاية (٣/ ٤١٤).
(٣) صَأْصَأَ: أي أبصَرْنَا أمرنا، ولم تبصروا أمركم. انظر النهاية (٣/ ٣).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٦٠).
(٥) انظر تهذيب التهذيب (٣/ ٥٣٠).
[ ٣ / ٤٨٧ ]
المُسْلِمِينَ مُسْلِمًا، فَلَمَّا قَدِمَ أَرْضَ الحَبَشَةِ تَنَصَّرَ، قَالَ: فَكَانَ إِذَا مَرَّ بِالمُسْلِمِينَ. . . (١)، وَذَكَرَ نَحْوَ مَا سَبَقَ.
وَهَذَا سَنَدٌ صَحِيحٌ لكِنَّهُ مُرْسَلٌ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا وَرَدَ في تَنَصرِ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ.
وَذَكَرَهُ أَيْضًا في تَزَوُّجِ النَّبِيِّ -ﷺ- أُمَّ حَبِيبَةَ ﵂ فَقَالَ: ثُمَّ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ زَيْنَبَ، أُمَّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ. . . فَمَاتَ عَنْهَا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، وَقَدْ تَنَصَّرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ (٢).
وَالخَبَرُ هُنَا بِدُونِ إِسْنَادٍ.
وَرَوَى القِصَّةَ ابنُ سَعْدٍ في الطَّبَقَاتِ فَقَالَ: أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ زُهَيْم عَنْ إِسْمَاعِيلَ بنِ عَمْرِو بنِ سَعِيدِ بنِ العَاصِ قَالَ: قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: رَأَيْتُ في النَّوْمِ عُبَيْدَ اللَّهِ بنَ جَحْشٍ زَوْجِي بِأَسْوَإ صُورَةٍ وَأَشْوَهِهَا، فَفَزِعْتُ، فَقُلْتُ: تَغَيَّرَتْ وَاللَّهِ حَالُهُ! فَإِذَا هُوَ يَقُولُ حَيْثُ أَصْبَحَ: يَا أُمَّ حَبِيبَةَ! إِنِّي نَظَرْتُ في الدِّينِ فَلَمْ أَرَ دِينًا خَيْرًا مِنَ النَّصْرَانِيَّةِ، وَكُنْتُ قَدْ دِنْتُ بِهَا، ثُمَّ دَخَلْتُ في دينِ مُحَمَّدٍ، ثُمَّ قَدْ رَجَعْتُ إلى النَّصْرَانِيَّةِ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ! مَا خَيْرٌ لَكَ، وَأَخْبَرْتُهُ بِالرُّؤْيَا التِي رَأَيْتُ له، فَلَمْ يَحْفِلْ بِهَا (٣)، وَأَكَبَّ عَلَى الخَمْرِ حَتَّى مَاتَ (٤).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٩).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٣٠٢).
(٣) لم يحفل بها: أي لم يبالي بها. انظر لسان العرب (٣/ ٢٤٨).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٨/ ٢٩٣).
[ ٣ / ٤٨٨ ]
وَرَوَاهُ أَيْضًا في ذِكْرِ عَدَدِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ عِنْدَ ذِكْرِ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂: وَكَانَتْ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ، وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَهَاجَرَ إلى أَرْضِ الحَبَشَةِ، ثُمَّ ارْتَدَّ، وَتَنَصَّرَ، فَمَاتَ هُنَاكَ عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ (١).
وَشَيْخُ ابنِ سَعْدٍ في الخَبَرَيْنِ هُوَ الوَاقِدِيُّ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ عَلَى سَعَةِ عِلْمِهِ.
وَرَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا، وَفِيهِ: ثُمَّ افْتُتِنَ وَتَنَصَّرَ فَمَاتَ وَهُوَ نَصْرَانِيٌّ، وَأَثبتَ اللَّهُ الإِسْلَامَ لِأُمِّ حَبِيبَةَ، وَأَبَتْ أَنْ تَتَنَصَّرَ (٢).
وَرَوَاهُ مَوْصُولًا مِنْ طَرِيقِ الوَاقِدِيِّ، وَفِيهِ رُؤْيَا أُمِّ حَبِيبَةَ (٣)، كَرِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ. وَمَرَاسِيلُ الزُّهْرِيِّ ضَعِيفَةٌ (٤).
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ ﵀: قَالَ يَحْيَى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ: مُرْسَلُ الزُّهْرِيِّ شَرٌّ مِنْ مُرْسَلِ غَيْرِهِ؛ لأنهُ حَافِظٌ، وَكُلُّ مَا قَدِرَ أَنْ يُسَمِّيَ سَمَّى، وَإِنَّمَا يَتْرُكُ مَنْ لَا يُحِبُّ أَنْ يُسَمِّيَهُ (٥).
قُلْتُ (الذَّهَبِيُّ): مَرَاسِيلُ الزُّهْرِيِّ كَالمُعْضَلِ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ قَدْ سَقَطَ مِنْهُ
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٤/ ٢٩٣).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر أم حبيبة ﵂ - رقم الحديث (٦٨٣٤).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر أم حبيبة ﵂ - رقم الحديث (٦٨٣٧).
(٤) قاله الحافظ في التلخيص الحبير (٤/ ١١١).
(٥) انظر سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٣٨).
[ ٣ / ٤٨٩ ]
اثْنَانِ، وَلَا يُسَوَّغُ أَنْ نَظُنَّ بِهِ أَنَّهُ أَسْقَطَ الصَّحَابِيَّ فَقَطْ، وَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ عَنْ صَحَابِيٍّ لَأَوْضَحَهُ، وَلَمَا عَجَزَ عَنْ وَصْلِهِ، وَمَنْ عَدَّ مُرْسَلَ الزُّهْرِيِّ كَمُرْسَلِ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وَعُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ وَنَحْوِهِمَا، فَإِنَّهُ لَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ، نَعَمْ كَمُرْسَلِ قتَادَةَ وَنَحْوِه (١).
وَرَوَى الخَبَرَ الطَّبَرِيُّ في تَارِيخِهِ، في ذِكْرِ الخَبَرِ عَنْ أَزْوَاجِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ هِشَامِ بنِ مُحَمَّدٍ مُرْسَلًا، وَفِيهِ عِنْدَ ذِكْرِ أُمِّ حَبِيبَةَ: فتَنَصَّرَ زَوْجُهَا، وَحَاوَلَهَا أَنْ تتابِعهُ فأبت، وصبَرَتْ عَلى دِينهَا، وَمَاتَ زَوْجُهَا عَلى النَّصْرَانِيَّةِ (٢).
وَالخَبَرُ فَضْلًا عَنْ إِرْسَالِهِ؛ فَإِنَّهُ عَنْ هِشَامِ بنِ مُحَمَّدِ بنِ السَّائِبِ الكَلْبِيِّ، وَهُوَ رَافِضِيٌّ مَتْرُوكٌ.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀: إِنَّمَا كَانَ صَاحِبَ سَمَرٍ وَنَسَبٍ، مَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يُحَدِّثُ عَنْهُ (٣).
وَنَقَلَهُ ابنُ الأَثِيرِ في تَارِيخِهِ (٤) عَنِ ابْنِ الكَلْبِيِّ أَيْضًا.
وَرَوَاهُ البَيْهَقِيُّ في الدَّلَائِلِ مِنْ طَرِيقِ ابنِ لَهِيعَةَ عَنْ أَبِي الأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ قَالَ: وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بنِ خُزَيْمَةَ: عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ، مَاتَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء (٥/ ٣٣٩).
(٢) انظر تاريخ الطبري (٢/ ٢١٣).
(٣) انظر لسان الميزان (٧/ ٢٧٠).
(٤) انظر الكامل في التاريخ (٢/ ١٧١).
[ ٣ / ٤٩٠ ]
نَصْرَانِيًّا، وَمَعَهُ امْرَأتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ، وَاسْمُهَا رَمْلَةُ، فَخَلَفَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، أَنْكَحَهُ إِيَّاهَا عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ بِأرْضِ الحَبَشَةِ (١).
وَالخَبَرُ فِيهِ عِلَّتَانِ: الإِرْسَالُ، وَضَعْفُ ابنُ لَهِيعَةَ، وَالمَتْنُ هُنَا فِيهِ غَرَابَةٌ.
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا قَوْلُ عُرْوَةَ: أَنَّ عُثْمَانَ زَوَّجَهَا مِنْهُ، فَغَرِيبٌ لِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ قَدْ رَجَعَ إلى مَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ هَاجَرَ إلى المَدِينَةِ، وَصَحِبتْهُ زَوْجَتُهُ رُقَيَّةُ (٢).
وَعُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ لَمْ يُتَرْجِمْ لَهُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعَابِ، وَلَا ابْنُ الأَثِيرِ في أُسْدِ الغَابَةِ، وَلَا الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ في الإِصَابَةِ.
وَفي تَرْجَمَةِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- في الإِصَابَةِ (٣) لَمْ يَذْكُرِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ شَيْئًا، أَمَّا ابْنُ عَبْدِ البَرِّ فَقَدْ قَالَ في الِاسْتِيعَابِ (٤) في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ: وَكَانَ هُوَ وَأَخُوهُ أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ بنُ جَحْشٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلينَ مِمَّنْ هَاجَرَ الهِجْرَتَيْنِ، وَأَخُوهُمَا عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ تَنَصَّرَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، وَمَاتَ بِهَا نَصْرَانِيًّا، وَبَانَتْ مِنْهُ امْرَأتُهُ أُمُّ حَبِيبَةَ. وَكَذَا ذَكَرَ ابنُ الأَثِيرِ (٥) في تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ.
_________________
(١) انظر دلائل النبوة (٣/ ٤٦٠).
(٢) انظر البداية والنهاية (٤/ ٥٢٩).
(٣) انظر الإصابة (٤/ ٣١).
(٤) انظر الاستيعاب (٣/ ١٤).
(٥) انظر أسد الغابة (٢/ ٥٦٥).
[ ٣ / ٤٩١ ]
وَفِي تَرْجَمَةِ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ في الإِصَابَةِ (١) قَالَ الْحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ: وَلَمَّا تَنَصَّرَ زَوْجُهَا عُبَيْدُ اللَّهِ، وَارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ فَارَقَهَا، فَأَخْرَجَ ابنُ سَعْدٍ مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيلَ بنِ عَمْرِو بنِ سعيد الأُمَوِيُّ قَالَ. . .، وَذَكَرَ القِصَّةَ التِي رَوَاهَا ابْنُ سَعْدٍ عَنِ الوَاقِدِيِّ، وَسَبَقَتْ.
وَفِي تَرْجَمَتِهَا في التَّهْذِيبِ (٢)، قَالَ: هَاجَرَتْ إلى الحَبَشَةِ مَعَ زَوْجِهَا عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ فتَنَصَّرَ هُنَاكَ، وَمَاتَ، فتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهِيَ هُنَاكَ، سَنَةَ سِتٍّ، وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ.
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ في السِّيَرِ في تَرْجَمَةِ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂: قَالَ ابنُ سَعْدٍ: أَخْبَرَنَا الوَاقِدِيُّ: أَخْبَرَنَا. . .، وَذَكَرَ رُؤْيَاهَا ﵂ وَرِدَّةَ زَوْجِهَا، ثُمَّ قَالَ الذَّهَبِيُّ: وَهِيَ مُنْكَرَةٌ (٣).
وَلَمْ يبيِّنْ ﵀ وَجْهَ النَّكَارَةِ.
* الرَّاجِحُ أَنَّ خَبَرَ الرِّدَّةِ غَيْرُ صَحْيِحٍ:
وَمِمَّا يُرَجِّحُ أَنَّ خَبَرَ رِدَّتِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ: أَنَّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ في نِكَاحِهِ -ﷺ- بِأُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ لَمْ تَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ
_________________
(١) انظر الإصابة (٨/ ١٤٠).
(٢) انظر تهذيب التهذيب (٤/ ٦٧٣).
(٣) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٢١).
[ ٣ / ٤٩٢ ]
عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ أَنَّهَا كَانَتْ تَحْتَ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ، وَكَانَ آتى النَّجَاشِيَّ فَمَاتَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ وَهِيَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، زَوَّجَهَا إِيَّاهُ النَّجَاشِيُّ، وَأَمْهَرَهَا أَرْبَعَةَ آلَافٍ (١).
وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: هَاجَرَ عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ بِأُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ، وَهِيَ امْرَأتهُ إلى أَرْضِ الحَبَشَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ الحَبَشَةَ، مَرِضَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، أَوْصَى إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فتَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أُمَّ حَبِيبَةَ، وَبَعَثَ مَعَهَا النَّجَاشِيُّ شُرَحْبِيلَ بنَ حَسَنَةٍ (٢).
فَلَوْ كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ ارْتَدَّ عَنِ الإِسْلَامِ، وَمَاتَ نَصْرَانِيًّا، لَمَا أَوْصَى بِزَوْجَتِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ ﵂ إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، خَاصَّةً وَأَنَّهُ كَانَ يَسُبُّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَيَسُبُّ الإِسْلَامَ -كَمَا يَذْكُرُ أَهْلُ المَغَازِي-.
مِمَّا سَبَقَ يَتَبَيَّنُ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- أَنَّ قِصَّةَ رِدَّةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ لَمْ تَثْبُتْ، لِعِدَّةِ أَدِلَّةٍ؛ مِنْهَا:
١ - أَنَّهَا لَمْ تُرْوَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مُتَّصِلٍ، فَالمَوْصُولُ مِنْ طَرِيقِ الوَاقِدِيِّ،
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٤٠٨) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٠٦١).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الوصية - باب ذكر إباحة وصية المرء وهو في بلد ناءٍ - رقم الحديث (٦٠٢٧).
[ ٣ / ٤٩٣ ]
وَالمُرْسَلُ جَاءَ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ نَحْتَجَّ بِالمُرْسَلِ (عِنْدَ مَنْ يَرَى الِاحْتِجَاجَ بِهِ) في مَسْأَلةٍ كَهَذِهِ؛ فِيهَا الحُكْمُ عَلَى أَحَدِ السَّابِقِينَ الأَوَّلينَ ﵃ بِالرِّدَّةِ.
٢ - أَنَّ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةَ في زَوَاجِهِ -ﷺ- بِأُمِّ حَبِيبَةَ لَمْ تَذْكُرْ رِدَّةَ زَوْجِهَا السَّابِقِ، كَمَا في الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالطَّحَاوِيِّ، وَابْنِ حِبَّانَ.
٣ - أَنَّهُ يبْعُدُ أَنْ يَرْتَدَّ أَحَدُ السَّابِقِينَ الأَوَّلينَ لِلْإِسْلَامِ عَنْ دِينهِ، وَهُوَ مِمَّنْ هَاجَرَ فِرَارًا بِدِينهِ مَعَ زَوْجِهِ، إلى أَرْضٍ بَعِيدَةٍ غَرِيبَةٍ، وَخَاصَّةً أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بنَ جَحْشٍ مِمَّنْ هَجَرَ مَا عَلَيْهِ قُرَيْشٌ مِنْ عِبَادَةِ الأَصْنَامِ، وَالْتِمَاسِهِ مَعَ وَرَقَةَ وَغَيْرِهِ الحَنِيفِيَّةَ، كَمَا في رِوَايَةِ ابنِ إِسْحَاقَ -بِدُونِ سَنَدٍ- الوَارِدَةِ أَوَّلَ هَذَا البَحْثِ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ عَنِ الوَاقِدِيِّ أَنَّهُ كَانَ قَدْ دَانَ بِالنَّصْرَانِيَّةِ قَبْلَ الإِسْلَامِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ البِشَارَةَ ببعْثَةِ الرَّسُولِ -ﷺ- كَانَتْ مَعْرُوفَةً عِنْدَ أَهْلِ الكِتَابِ مِنْ يَهُودِ، وَنَصَارَى، فكَيْفَ يُتَصَوَّرُ مِنْ رَجُلٍ يَتَرَقَّبُ الدِّينَ الجَدِيدَ أَنْ يَعْتَنِقَهُ ثُمَّ يَرْتَدَّ عَنْهُ لِدِينٍ مَنْسُوخٍ؟ !
كَمَا أَنَّ زَوَاجَ النَّبِيِّ -ﷺ- بِأُمِّ حَبِيبَةَ كَانَ في سَنَةِ سِتٍّ، وَقِيلَ سَبْعٍ، وَرِدَّةُ عُبَيْدِ اللَّهِ المَزْعُومَةُ قَبْلَ ذَلِكَ بِمُدَّةٍ، وَهِيَ مَرْحَلَةٌ كَانَ الإِسْلَامُ قَدْ عَلَا فِيهَا وَظَهَرَ حَتَّى خَارجَ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ، بَلْ أَصْبَحَ هُنَاكَ مَنْ يُظْهِرُ الإِسْلَامَ وَيُبْطِنُ الكُفْرَ، كَحَالِ المُنَافِقِينَ.
[ ٣ / ٤٩٤ ]
٤ - في حِوَارِ هِرَقْلَ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَ إِذْ ذَاكَ مُشْرِكًا أَنَّهُ سَأَلهُ -ضِمْنَ سُؤَالَاتِهِ-: هَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سَخْطَةً لِدِينهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ؟ فَأَجَابَ أَبُو سُفْيَانَ: لَا (١).
وَلَوْ كَانَ عُبَيْدُ اللَّهِ قَدْ تَنَصَّرَ لَوَجَدَهَا أَبُو سُفْيَانَ فُرْصَةً لِلنَّيْلِ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ- وَدَعْوَتِهِ، كَمَا فَعَلَ لَمَّا سُئِلَ: فَهَلْ يَغْدِرُ؟ قُلْتُ: لَا، وَنَحْنُ مِنْهُ فِي مدَّةٍ لَا نَدْرِي مَا هُوَ فَاعِلٌ فِيهَا؟
قَالَ: وَلَمْ تُمْكِنِّي كَلِمَةٌ أُدْخِلُ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ هَذِهِ الكَلِمَةَ (٢).
وَلَا يُمْكِنُ القَوْلُ بِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِرِدَّةِ عُبَيْدِ اللَّهِ -لَوْ صَحَّتْ-، لأَنَّهُ وَالِدُ زَوْجِهِ أُمِّ حَبِيبَةَ.
وَبَعْدُ، فَالْمَسْأَلةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِأَحَدِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، بَلْ وَمِنَ السَّابِقِينَ الأَوَّلينَ، فَإِنْ صَحَّ السَّنَدُ بِخَبَرِ رِدَّتِهِ فَلَا كَلَامَ، وَإِذَا جَاءَ نَهْرُ اللَّهِ بَطَلَ نَهْرُ مِعْقَلٍ. أَمَا وَالسَّنَدُ لَمْ يَثْبُتْ، فَإِنَّ نُصُوصَ الشَّرِيعَةِ حَافِلَةٌ بِالذَّبِّ عَنْ عِرْضِ المُسْلِمِ؛ فكَيْفَ إِذَا كَانَ هَذَا المُسْلِمُ صَحَابِيًّا، بَلْ وَمِنَ السَّابِقِينَ؟ ! وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب بدء الوحي - باب رقم (٦) - رقم الحديث (٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب كتاب النبي -ﷺ- إلى هرقل. . . - رقم الحديث (١٧٧٣).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب بدء الوحي - باب رقم (٦) - رقم الحديث (٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب كتاب النبي -ﷺ- إلى هرقل. . . - رقم الحديث (١٧٧٣).
[ ٣ / ٤٩٥ ]