قُدُومُ كَعْبِ بْنِ زُهَير بْنِ أَبِي سُلْمَى وَإِسْلامُهُ:
ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي سُلْمَى مِمَّنْ أَهْدَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- دَمَهُ، لِأَنَّهُ كَانَ يَهْجُوهُ بِشِعْرِهِ، وَكَانَ شَاعِرًا مُخَضْرَمًا، وَكَانَ أَبُوهُ زُهَيْرَ بْنَ أَبِي سُلْمَى، صَاحِبَ إِحْدَى الْمُعَلَقاتِ السَّبْعِ الْمَشْهُورَةِ، فَلَمَّا بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَهْدَرَ دَمَهُ خَافَ، ثُمَّ جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَسْلَمَ، وَقِصَّتُهُ أَخْرَجَهَا الْحَاكِمُ في الْمُسْتَدْرَكِ، وَابْنُ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ، وَكَانَ مِنْ قِصَّتِهِ: أَنَّهُ خَرَجَ هُوَ وَأَخُوهُ بُجَيْرٌ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى أَتَيَا أَبْرَقَ الْعُزَافِ (١)، فَقَالَ بُجَيْرٌ لِكَعْبٍ: اثْبُتْ في غَنَمِنَا هُنَا حَتَّى آتِيَ هَذَا الرَّجُلَ -يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَسْمَعَ مَا يَقُولُ، فَأَقَامَ كَعْبٌ، وَمَضَى بُجَيْرٌ، فَجَاءَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَعَرَضَ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمَ، فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ كَعْبًا، قَالَ:
أَلَا أَبْلِغَا عَنِّي بُجَيْرًا رِسَالَةً فَهَلْ لَكَ فِيمَا قُلْتَ وَيْحَكَ هَلْ لَكَا
فَبَيِّنْ لَنَا إِنْ كُنْتَ لَسْتَ بِفَاعِلٍ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ دَلَّكَا
عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمًّا وَلَا أَبًا عَلَيْهِ وَلَا تُلْفِي عَلَيْهِ أَخًا لَكَ
سَقَاكَ بِهَا الْمَأْمُونُ كَأَسًا رَوِيَّةً فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكَا
_________________
(١) أَبْرَقُ الْعُزَافِ: مَاءٌ لبني أسد، وهو في الطريق المقاصد إلى المدينة من البصرة. انظر معجم البلدان (١/ ٦٥).
[ ٤ / ١٨٠ ]
وَبَعَثَ بِهَذِهِ الْأَبْيَاتِ إِلَى أَخِيهِ بُجَيْرٍ، فَلَمَّا أَتَتْ بُجَيْرًا كَرِهَ أَنْ يَكْتُمَهَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا عَلِمَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَنْ لَقِيَ كَعْبًا فَلْيَقْتُلْهُ".
فَلَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَكَّةَ، وَرَجَعَ مِنْ غَزْوَةِ الطَّائِفِ كتَبَ بُجَيْرٌ إِلَى أَخِيهِ كَعْبٍ بِذَلِكَ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَتَلَ رِجَالًا بِمَكَّةَ مِمَّنْ كَانَ يَهْجُوهُ وَيُؤْذِيهِ، فَإِنْ كَانَتْ لَكَ في نَفْسِكَ حَاجَةٌ فَطِرْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِنَّهُ لَا يَقْتُلُ أَحَدًا جَاءَهُ مُسْلِمًا، وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَانْجُ بِنَفْسِكَ، وَمَا أَرَاكَ تُفْلِتُ، ثُمَّ كتَبَ إِلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَبْيَاتًا مِنْهَا:
مَنْ مُبَلِّغٌ كَعْبًا فَهَلْ لَكَ في التِي تَلُومُ عَلَيْهَا بَاطِلًا وَهِيَ أَحْزَمُ
إِلَى اللَّهِ لَا الْعُزَّى وَلَا اللَّاتِ، وَحْدَهُ فَتَنْجُو إِذَا كَانَ النَّجَاءُ وَتَسْلَمُ
لَدَى يَوْمٍ لَا يَنْجُو وَلَيْسَ بِمُفْلَتٍ مِنَ النَّاسِ إِلَّا طَاهِرُ القلْبِ مُسْلِمُ
وَقَالَ لَهُ: اعْلَمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَا يَأْتِيهِ أَحَدٌ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ إِلَّا قَبِلَ ذَلِكَ مِنْهُ، فَإِذَا جَاءَكَ كِتَابِي هَذَا فَأَسْلِمْ، وَأَقْبِلْ.
فَلَمَّا بَلَغَ كَعْبًا الْكِتَابُ ضَاقَتْ بِهِ الْأَرْضُ، وَأَشْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ، وَأَرْجَفَ (١) بِهِ مَنْ كَانَ في حَاضِرِهِ مِنْ عَدُوِّهِ، فَقَالُوا: هُوَ مَقْتُولٌ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ مِنْ شَيْءٍ بُدًّا أَسْلَمَ، وَقَالَ قَصِيدَتَهُ الرَّائِعَةَ التِي يَمْدَحُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَالْمَعْرُوفَةُ بِاسْمِ "بَانَتْ سُعَادُ"، ذَكَرَ فِيهَا خَوْفَهُ وَإِرْجَافَ الْوُشَاةِ (٢) بِهِ مِنْ عَدُوِّهِ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى
_________________
(١) أَرْجَفَ القَومُ: إذا خَاضُوا في الأخبارِ السّيئةِ، وذكر الفتن. انظر لسان العرب (٥/ ١٥٣).
(٢) الْوَاشِي: النَّمَّامُ. انظر لسان العرب (١٥/ ٣١٣).
[ ٤ / ١٨١ ]
قَدِمَ الْمَدِينَةَ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي الصُّبْحَ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ صَلَاتِهِ أَتَاُه كَعْبٌ، وَكَانَ رَسُولٌ اللَّهِ -ﷺ- لَا يَعْرِفُهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ قَدْ جَاءَ لِيَسْتَأْمِنَ مِنْكَ تَائِبًا مُسْلِمًا، فَهَلْ أَنْتَ قَابِلٌ مِنْهُ إِنْ أَنَا جِئْتُكَ بِهِ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ"، قَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! دَعْنِي وَعَدُوَّ اللَّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "دَعْهُ عَنْكَ، فَإِنَّهُ قَدْ جَاءَ تَائِبًا نَازِعًا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ"، ثُمَّ أَنْشَدَ كَعْبٌ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَصِيدَتَهُ الْمَشْهُورَةَ وَالْمَعْرُوفَةَ "بَانَتْ سُعَادُ"، يَقُولُ في مَطْلَعِهَا:
بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ مُتَيَّمٌ إِثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ
وَمِنْهَا:
نُبِّئْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ أَوْعَدَنِي وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ مَأْمُولُ
مَهْلًا هَدَاكَ الذِي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ الْقُرْآنِ فِيهَا مَوَاعِيظٌ وَتَفْصِيلُ
لَا تَأْخُذَنِّي بِأَقْوَالِ الْوُشَاةِ وَلَمْ أُذْنِبْ وَلَوْ كَثُرَتْ فِيَّ الْأَقَاوِيلُ
وَمِنْهَا:
إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ مُهَنَّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ مَسْلُولُ
في عُصْبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ لَمَّا أَسْلَمُوا زُولُوا
[ ٤ / ١٨٢ ]
فَلَمَّا بَلَغَ كَعْبٌ قَوْلَهُ: إِنَّ الرَّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ. . . رَمَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بُرْدَتَهُ التِي كَانَتْ عَلَيْهِ، وَإِنَّ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ بَذَلَ فِيهَا عَشَرَةَ آلَافٍ، فَقَالَ كَعْبٌ: مَا كُنْتُ لِأُوثِرَ بِثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَحَدًا.
فَلَمَّا مَاتَ كَعْب بَعَثَ مُعَاوِيَةُ -﵁- إِلَى وَرَثَتِهِ عِشْرِينَ أَلْفًا، فَأَخَذَهَا مِنْهُمْ، وَيُقَالُ: وَهِيَ الْبُرْدَةُ التِي عِنْدَ السَّلَاطِينِ (١).
قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الشَّوْكَانِيُّ: وَهَذِهِ الْقَصِيدَةُ قَدْ رَوَيْنَاهَا مِنْ طُرُقٍ لَا يَصِحُّ فِيهَا شَيْءٌ، وَذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ بِسَنَدٍ مُنْقَطِعٍ (٢).
وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وَهَذَا مِنَ الْأَمُورِ الْمَشْهُورَةِ جِدًّا، وَلَكِنْ لَمْ أَرَ ذَلِكَ في شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ بِإِسْنَادٍ أَرْتَضِيهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣).
* * *
_________________
(١) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب إسلام كعب بن زهير - رقم الحديث (٦٥٣٦) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٥٤).
(٢) انظر نيل الأوطار للشوكاني (٣/ ٥٨٥).
(٣) انظر البداية والنهاية (٤/ ٧٧٥).
[ ٤ / ١٨٣ ]
وَفْدُ ثَعْلَبَةَ
قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَرْجِعَهُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَفْدُ بَنِي ثَعْلَبَةَ أَرْبَعَةُ نَفَرٍ، فَقَالُوا: نَحْنُ رُسُلُ مَنْ خَلْفَنَا مِنْ قَوْمِنَا، وَنَحْنُ وَهُمْ مُقِرُّونَ بِالْإِسْلَامِ، فَأَنْزَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- دَارَ رَمْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، وَأَمَرَ لَهُمْ بِضِيَافَةٍ، فَجَاءَهُمْ بِلَالٌ -﵁- بِجَفْنَةٍ (١) مِنْ ثَرِيدٍ (٢) بِلَبَنٍ وَسَمْنٍ، فَأَكَلُوا، ثُمَّ شَهِدُوا الظُّهْرَ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- وَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ لَا إِسْلَامَ لِمَنْ لَا هِجْرَةَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "حَيْثُمَا كُنْتُمْ وَاتَّقَيْتُمُ اللَّه فَلَا يَضُرُّكُمْ"، وَأَقَامُوا أَيَّامًا، ثُمَّ جَاؤُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُوَدِّعُونَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِبِلَالٍ: "أَجْزِهِمْ كَمَا تُجِيزُ الْوَفْدَ"، فَجَاءَ بِنَقْرٍ مِنْ فِضَّةٍ (٣)، فَأَعْطَى كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ خَمْسَ أَوَاقٍ، ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى بِلَادِهِمْ (٤).
* * *
_________________
(١) الْجَفْنَةُ: معروفة، وهي أعظم ما يكون من القِصَاعِ، والجمع جِفَان. انظر لسان العرب (٢/ ٣١٠).
(٢) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٦٩١): الثَّرِيدُ: بفتح الثاء وكسر الراء، وهو أَنْ يُثْرَدَ -أي يُكْسَرَ- الْخُبْزُ ويُخْلَطَ بِمَرَقِ اللَّحْمِ.
(٣) النَّقْرُ: جمع نُقْرَةٍ، والنقرة من الذهبِ والفضةِ: هي القِطعةُ الْمُذَابَةُ، وقيل: السَّبِيكَةُ. انظر لسان العرب (١٤/ ٢٥٧).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٤٤).
[ ٤ / ١٨٤ ]
كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى مَلِكِ عُمَانَ
وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ -﵁-، إِلَى جَيْفَرَ (١) وَعَبْدٍ ابْنَيْ الْجُلَنْدِيِّ (٢)، وَهُمَا مِنَ الْأَزْدِ بِعُمَانَ، وَالْمَلِكُ مِنْهُمَا جَيْفَرُ، يَدْعُوهُمَا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكتَبَ مَعَه إِلَيْهِمَا كِتَابًا هَذَا نَصُّهُ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، إِلَى جَيْفَرَ، وَعَبْدٍ ابْنَي الْجُلَنْدِيِّ، سلَامٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أَدْعُوكُمَا بِدِعَايَةِ الْإِسلَامِ، أَسْلِمَا تَسْلَمَا، فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كاَفَّةً لِأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا، وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ، فَإِنَّكُمَا إِنْ أَقْرْرْتُمَا بِالْإِسلَامِ وَلَّيْتُكُمَا، وَإِنْ أَبيْتُمَا أَنْ تُقِرَّا بِالْإِسلَامِ، فَإِنَّ مُلْكَكُمَا زَائِلٌ عَنْكُمَا، وَخَيْلِي تَحُلُّ بِسَاحَتِكُمَا، وَتَظْهَرُ نُبُوَّتِي عَلَى مُلْكِكُمَا".
وَكتَبَ الْكِتَابَ أُبَى بْنَ كَعْبٍ -﵁-، وَخَتَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.
قَالَ عَمْرٌو -﵁-: ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى عُمَانَ، فَلَمَّا قَدِمْتُهَا، عَمَدْتُ إِلَى عَبْدٍ، وَكَانَ أَحْلَمَ الرَّجُلَيْنِ، وَأَسْهَلَهُمَا خُلُقًا، فَقُلْتُ لَهُ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْكَ، وَإِلَى أَخِيكَ، فَقَالَ: أَخِي الْمُقَدَّمُ عَلَيَّ بِالسِّنِّ وَالْمُلْكِ،
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٤٣١): جَيْفَر مثل جَعْفَر إِلَّا أن بدل العين ياء.
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٤٣١): الْجُلَنْدِيُّ: بضم الجيم وفتح اللام وسكون النُّون.
[ ٤ / ١٨٥ ]
وَأَنَا أُوصِلُكَ إِلَيْهِ حَتَّى يَقْرَأَ كِتَابَكَ، ثُمَّ قَالَ لِي: وَمَا تَدْعُو إِلَيْهِ؟ .
قُلْتُ: أَدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَتَخْلَعُ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِهِ، وَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَقَالَ عَبْدٌ: يَا عَمْرُو! إِنَّكَ ابْنُ سَيِّدِ قَوْمِكَ، فكَيْفَ صَنَعَ أَبُوكَ، فَإِنَّ لَنَا فِيهِ قُدْوَةً؟ .
فَقُلْتُ: مَاتَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِمُحَمَّدٍ -ﷺ-، وَوَدِدْتُ أَنَّهُ كَانَ أَسْلَمَ، وَصَدَّقَ بِهِ، وَقَدْ كُنْتُ أَنَا عَلَى مِثْلِ رَأْيِهِ حَتَّى هَدَانِي اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، قَالَ: فَمَتَى تَبِعْتَهُ؟
قُلْتُ: قَرِيبًا، فَسَأَلنِي: أَيْنَ كَانَ إِسْلَامُكَ؟
فَقُلْتُ: عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، وَأَخْبَرتُهُ أَنَّ النَّجَاشِيَّ قَدْ أَسْلَمَ.
قَالَ: فكَيْفَ صَنَعَ قَوْمُهُ بِمُلْكِهِ؟
قُلْتُ: أَقَرُّوهُ وَاتَّبَعُوهُ.
قَالَ: وَالْأَسَاقِفَةُ وَالرُّهْبَانُ اتَّبَعُوهُ؟
قُلْتُ: نَعَمْ.
قَالَ: انظُرْ يَا عَمْرُو مَا تَقُولُ، إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصْلَةٍ في رَجُلٍ أَفْضَحُ لَهُ مِنْ الكَذِبِ.
قُلْتُ: مَا كَذَبْتُ، وَمَا نَسْتَحِلُّهُ في دِينِنَا.
ثُمَّ قَالَ عَبْدٌ: مَا أَرَى هِرَقْلَ عَلِمَ بِإِسْلَامِ النَّجَاشِيِّ.
[ ٤ / ١٨٦ ]
قُلْتُ: بَلَى.
قَالَ: بِأَيِّ شَيْءٍ عَلِمْتَ ذَلِكَ؟
قُلْتُ: كَانَ النَّجَاشِيُّ يُخْرِجُ لَهُ خَرْجًا (١)، فَلَمَّا أَسْلَمَ وَصَدَّقَ بِمُحَمَّدٍ -ﷺ-، قَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَوْ سَأَلنِي دِرْهَمًا وَاحِدًا مَا أَعْطَيْتُهُ، فَبَلَغَ هِرَقْلَ قَوْلُهُ، فَقَالَ رَجُلٌ لِهِرَقْلَ: أَتَدَعُ عَبْدَكَ لَا يُخْرِجُ لَكَ خَرْجًا، وَيَدِينُ دِينًا مُحْدَثًا؟
قَالَ هِرَقْلُ: رَجُلٌ رَغِبَ في دِينٍ فَاخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ، مَا أَصْنَعُ بِهِ؟، وَاللَّهِ لَوْلَا الضِّنُّ (٢) بِمُلْكِي لَصَنَعْتُ كَمَا صَنَعَ.
فَقَالَ عَبْدٌ: انْظُرْ مَا تَقُولُ يَا عَمْرُو.
فَقَالَ عَمْرٌو: وَاللَّهِ صَدَقْتُكَ.
قَالَ عَبْدٌ: فَأَخْبِرْنِي مَا الذِي يَأْمُرُ بِهِ، وَيَنْهَى عَنْهُ؟ .
قُلْتُ: يَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللَّهِ ﷿، وَيَنْهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ، وَيَأْمُرُ بِالْبِرِّ وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَيَنْهَى عَنِ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ، وَعَنِ الزِّنَى، وَشُرْبِ الْخَمْرِ، وَعَنْ عِبَادَةِ الْحَجَرِ وَالْوَثَنِ وَالصَّلِيبِ.
فَقَالَ عَبْدٌ: مَا أَحْسَنَ هَذَا الذِي يَدْعُو إِلَيْهِ، لَوْ كَانَ أَخِي يُتَابِعُنِي عَلَيْهِ،
_________________
(١) الْخَرَاجُ: هو شيءٌ يُخْرِجُهُ القومُ في السَّنَةِ مِنْ مَالِهِم بقَدْرٍ معلومٍ. انظر لسان العرب (٤/ ٥٤).
(٢) الضِّنُّ: بكسر الضاد: الْبُخْلُ. انظر لسان العرب (٨/ ٩٤).
[ ٤ / ١٨٧ ]
لَرَكِبْنَا حَتَّى نُؤْمِنَ بِمُحَمَّدٍ، وَنُصَدِّقَ بِهِ، وَلَكِنَّ أَخِي أَضَنُّ بِمُلْكِهِ مِنْ أَنْ يَدَعَهُ وَيَصِيرَ ذَنَبًا (١).
قُلْتُ: إِنَّهُ إِنْ أَسْلَمَ مَلَّكَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- علَى قَوْمِهِ، فَأَخَذَ الصَّدَقَةَ مِنْ غَنِيِّهِمْ، فَرَدَّهَا عَلَى فَقِيرِهِمْ.
قَالَ: إِنَّ هَذَا لَخُلُقٌ حَسَنٌ، وَمَا الصَّدَقَةُ؟ .
قَالَ عَمْرٌو: فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الصَّدَقَاتِ في الْأَمْوَالِ حَتَّى انْتَهَيْتُ إِلَى الْإِبِلِ.
فَقَالَ: يَا عَمْرُو! تُؤْخَذُ مِنْ سَوَائِمِ (٢) مَوَاشِينَا التِي تَرْعَى الشَّجَرَ، وَتَرِدُ الْمَاءَ؟
قُلْتُ: نَعَمْ.
فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا أُرَى قَوْمِي في بُعْدِ دَارِهِمْ، وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ يُطِيعُونَ بِهَذَا.
قَالَ عَمْرٌو: فَمَكَثْتُ بِبَابِهِ أَيَّامًا، وَهُوَ يَصِلُ إِلَى أَخِيهِ، فَيُخْبِرُهُ كُلَّ خَبَرِي، ثُمَّ إِنَّهُ دَعَانِي يَوْمًا، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَأَخَذَ أَعْوَانُهُ بِضَبُعَيَّ (٣)، فَقَالَ: دَعُوهُ، فَأُرْسِلْتُ، فَذَهَبْتُ لِأَجْلِسَ، فَأَبَوا أَنْ يَدَعُونِي أَجْلِسُ، فنَظَرْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: تَكَلَّمْ بِحَاجَتِكَ، فَدَفَعْتُ إِلَيْهِ كِتَابَ الرَّسُولِ -ﷺ- مَخْتُومًا، فَقَرَأَ الْكِتَابَ حَتَّى انْتَهَى
_________________
(١) الْأَذْنَابُ: الْأَتْبَاعُ، جمع ذَنب. انظر النهاية (٢/ ١٥٧).
(٢) السَّائِمَةُ من الماشية: الرَّاعِيَةُ. انظر النهاية (٢/ ٣٨٢).
(٣) الضَبْع: بفتح الضاد وسكون الباء: وَسَطُ الْعَضُدِ. انظر النهاية (٣/ ٦٨).
[ ٤ / ١٨٨ ]
إِلَى آخِرِهِ، ثُمَّ دَفَعَهُ إِلَى أَخِيهِ -وَهُوَ عَبْدٌ- فَقَرَأَ مِثْلَ قِرَاءَتِهِ، إِلَّا أَنِّي رَأَيْتُ أَخَاهُ أَرَقَّ مِنْهُ، ثُمَّ قَالَ: أَلَا تُخْبِرُنِي عَنْ قُرَيْشٍ كَيْفَ صَنَعَتْ؟
فَقُلْتُ: تَبِعُوهُ، إِمَّا رَاغِبٌ في الدِّينِ، وَإِمَّا مَقُهُورٌ بِالسَّيْفِ.
قَالَ: وَمَنْ مَعَهُ؟
قُلْتُ: النَّاسُ قَدْ رَغِبُوا في الْإِسْلَامِ، وَاخْتَارُوهُ عَلَى غَيْرِهِ، وَعَرَفُوا بِعُقُولهِمْ مِنْ هُدَى اللَّهِ إِيَّاهُمْ، أَنَّهُمْ كَانُوا في ضَلَالٍ، فَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ غَيْرَكَ في هَذِهِ الْحَرَجَةِ (١)، وَأَنْتَ إِنْ لَمْ تُسْلِمِ الْيَوْمَ وَتَتَّبِعْهُ، يُوَاطِيُّكَ الْخَيْلَ، وَيُبِيدُ خَضْرَاءَكَ (٢)، فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ، وَيَسْتَعْمِلُكَ عَلَى قَوْمِكَ، وَلَا تَدْخُلُ عَلَيْكَ الْخَيْلُ وَالرِّجَالُ.
فَقَالَ: دَعْنِي يَوْمِي هَذَا، وَارْجعْ إِلَيَّ غَدًا.
قَالَ عَمْرٌو: فَرَجَعْتُ إِلَى أَخِيهِ، فَقَالَ: يَا عَمْرُو! إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ إِنْ لَمْ يَضِنَّ بِمُلْكِهِ.
فَقَالَ عَمْرٌو: حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَدُ أَتَيْتُ إِلَيْهِ، فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لِي، فَانْصَرَفْتُ إِلَى أَخِيهِ، فَأَخْبَرتُهُ أنِّي لَمْ أَصِلْ إِلَيْهِ، فَأَوْصَلَنِي إِلَيْهِ، فَأَدْخَلَنِي عَلَيْهِ، فَقَالَ: إِنِّي فكَّرْتُ فِيمَا دَعَوْتَنِي إِلَيْهِ، فَإِذَا أنَا أَضْعَفُ الْعَرَبِ إِنْ مَلَّكْتُ رَجُلًا مَا في يَدِي،
_________________
(١) الْحَرَجَةُ: بالتحريك مُجْتَمَعُ شَجَرٍ مُلْتَف كالغِيضَةِ. انظر النهاية (١/ ٣٤٨).
(٢) الْخَضْرَاءُ: سَوَادُهُمْ ودُهَمَاؤُهُم. انظر النهاية (٢/ ٤٠).
[ ٤ / ١٨٩ ]
وَهُوَ لَا تَبْلُغُ خَيْلُهُ هَاهُنَا، وَإنْ بَلَغَتْ خَيْلهُ أَلْفَتْ (١) قِتَالًا لَيْسَ كَقِتَالِ مَنْ لَاقَى.
فَقَالَ عَمْرٌو: وَأَنَا خَارِجٌ غَدًا، فَلَمَّا أَيْقَنَ بِمَخْرَجِي، خَلَا بِهِ أَخُوهُ، فَقَالَ: مَا نَحْنُ فِيمَا قَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ، وَكُلُّ مَنْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ قَدْ أَجَابَهُ.
قَالَ عَمْرٌو: فَلَمَّا أَصْبَحَ أَرْسَلَ إِلَيَّ، فَأَجَابَ إِلَى الْإِسْلَامِ هُوَ وَأَخُوهُ جَمِيعًا، وَصَدَّقَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَخَلَّيَا بَيْنِي وَبَيْنَ الصَّدَقَةِ، وَبَيْنِي وَبَيْنَ الْحُكْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ، وَكَانَا لِي عَوْنًا عَلَى مَنْ خَالفَنِي.
فَأَخَذَ عَمْرٌو الصَّدَقَةَ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَرَدَّهَا عَلَى فُقَرَائِهِمْ، وَلَمْ يَزَلْ بِعُمَانَ عِنْدَهُمْ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (٢).
* مِنْ فَضَائِلِ أَهْلِ عُمَانَ:
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ -﵁- قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلًا إِلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ، فَسَبُّوهُ وَضَرَبُوهُ، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَوْ أَنَّ أَهْلَ عُمَانَ أَتَيْتَ، مَا سَبُّوكَ وَلَا ضَرَبُوكَ" (٣).
_________________
(١) أَلفى الشيءَ: وَجَدَهُ. انظر لسان العرب (١٢/ ٣٠٧)، ومنه قوله تَعَالَى في سورة الصافات آية (٦٩): ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ﴾.
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٢٧) - زاد المعاد (٣/ ٦٠٤) - وذكر ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٢٦٣) بعث رسول اللَّه -ﷺ- عمرو بن العاص -﵁- إلى عُمان، لكن بدون تفصيل.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضل أهل عُمان - رقم الحديث (٢٥٤٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٧٧١).
[ ٤ / ١٩٠ ]
كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى مَلِكِ الْبَحْرِينِ
وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- منْصَرَفَهُ مِنَ الْجِعْرَانَةِ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيَّ -﵁-، إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى الْعَبْدِيِّ مَلِكِ الْبَحْرَيْنِ، وَكتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا يَدْعُوهُ فِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَبَعَثَ مَعَهُ نَفَرًا فِيهِمْ: أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-، وَأَوْصَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بمَنْ مَعَهُ خَيْرًا.
فَلَمَّا قَدِمَ الْعَلَاءُ -﵁- عَلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى قَالَ لَهُ: يَا مُنْذِرُ! إِنَّكَ عَظِيمُ الْعَقْلِ في الدُّنْيَا فَلَا تَصْغُرَنَّ عَنِ الْآخِرَةِ، إِنَّ هَذِهِ الْمَجُوسِيَّةَ شَرُّ دِينٍ، يُنْكَحُ فِيهَا مَا يُسْتَحْيَا مِنْ نِكَاحِهِ، وَيَأْكُلُونَ مَا يُتَكَرَّهُ مِنْ أَكْلِهِ، وَتَعْبُدُ في الدُّنْيَا نَارًا تَأْكُلُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَسْتَ بِعَدِيمِ عَقْلٍ وَلَا رَأْيٍ، فَانْظُرْ هَلْ يَنْبَغِي لِمَنْ لَا يَكْذِبُ في الدُّنْيَا أَنْ لَا نُصَدِّقَهُ، وَلِمَنْ لَا يَخُونُ أَنْ لَا نَأْتْمِنَهُ، وَلِمَنْ لَا يُخْلِفُ أَنْ لَا نَثِقَ بِهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا هَكَذَا، فَهَذَا هُوَ النَّبِيُّ الْأُمِّيُّ الذِي وَاللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُ ذُو عَقْلٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْتَ مَا أَمَرَ بِهِ نَهَى عَنْهُ، أَوْ مَا نَهَى عَنْهُ أَمَرَ بِهِ.
فَقَالَ الْمُنْذِرُ: قَدْ نَظَرْتُ في هَذَا الذِي في يَدَيَّ -يَقْصِدُ كِتَابَ الرَّسُولِ -ﷺ- فَوَجَدْتُهُ لِلدُّنْيَا دُونَ الآخِرَةِ، وَنَظَرْتُ في دِينِكُمْ فَرَأَيْتُهُ لِلْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا، فَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ كبولِ دِينٍ فِيهِ أُمْنِيَةُ الْحَيَاةِ وَرَاحَةُ الْمَوْتِ؟
وَلقدْ عَجِبْتُ أَمْسَ مِمَّنْ يَقْبَلُهُ، وَعَجِبْتُ الْيَوْمَ مِمَّنْ رَدَّهُ، وَإِنَّ مِنْ إِعْظَامِ مَنْ جَاءَ بِهِ أَنْ يُعَظَّمَ رَسُولُهُ، وَسَأَنْظُرُ.
[ ٤ / ١٩١ ]
ثُمَّ أَسْلَمَ الْمُنْذِرُ، وَكتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَهَذَا نَصُّ كِتَابِهِ:
أَمَّا بَعْدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَإِنِّي قَرَأْتُ كِتَابَكَ عَلَى أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَحَبَّ الْإِسْلَامَ، وَأَعْجَبَهُ وَدَخَلَ فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ، وَبِأَرْضِي مَجُوسٌ وَيَهُودُ، فَأَحْدِثْ إِلَيَّ في ذَلِكَ أَمْرَكَ.
فَكَتَبَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى، سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّه الذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي أُذَكِّرُكَ اللَّه ﷿، فَإِنَّهُ مَنْ يَنْصَحْ، فَإِنَّمَا يَنْصَحُ لِنَفْسِهِ، وَإِنَّهُ مَنْ يُطِعْ رُسُلِي، وَيَتَّبعْ أَمْرَهُمْ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ نَصَحَ لَهُمْ، فَقَدْ نَصَحَ لِي، وَإِنَّ رُسُلِي قَدْ أَثْنَوْا عَلَيْكَ خَيْرًا، وَإِنِّي قَدْ شَفَعْتُكَ في قَوْمِكَ، فَاتْرُكْ لِلْمُسْلِمِينَ مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ، وَعَفَوْتُ عَنْ أَهْلِ الذُّنُوبِ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ، وَإِنَّكَ مَهْمَا تُصْلِحُ، فَلَنْ نَعْزِلَكَ عَنْ عَمَلِكَ، وَمَنْ أَقَامَ عَلَى يَهُودِيَّةٍ أَوْ مَجُوسِيَّةٍ فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ".
وَلَمْ يَزَلِ الْعَلَاءُ بْنُ الْحَضْرَمِيِّ -﵁- عَامِلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْبَحْرَيْنِ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (١).
_________________
(١) خبر إرسال رَسُول اللَّهِ -ﷺ- العلاء بن الحضرمي إلى البحرين ومصالحتهم ثابت في صحيح البخاري - كتاب الرقائق - باب ما يحذر من زهرة الدنيا - رقم الحديث (٦٤٢٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب الزهد والرقائق - رقم الحديث (٢٩٦١) - وذكر تفاصيل الخبر: ابن سعد في طبقاته (١/ ١٢٦) - وابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٦٠٥) - وذكر ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٢٦٣) بعث رسول اللَّه -ﷺ- العلاء بن الحضرمي -﵁- إلى ملك البحرين، لكن بدون تفصيل.
[ ٤ / ١٩٢ ]
زَوَاجُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْجَونِيَّةِ وَمُفَارَقَتُهُ لَهَا
وَفِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ (١) تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أُمَيْمَةَ بِنْتَ النُّعْمَانِ بْنِ شُرَاحِيلَ الْجَونِيَّةَ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ أَنَّهَا الْكِلَابِيَّةُ، وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ اخْتِلَافًا كَثِيرًا في اسْمِهَا (٢).
قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ اسْمَهَا أُمَيْمَةُ (٣) بِنْتُ النُّعْمَانِ بْنِ شُرَاحِيلَ الْجَونِيَّةُ، . . . وَأَمَّا الْكِلَابِيَّةُ غَلَطٌ، وَإِنَّمَا هِيَ الْكِنْدِيَّةُ، فَكَأَنَّمَا الْكَلِمَةُ تَصَحَّفَتْ، نَعَمْ لِلْكِلَابِيَّةِ قِصَّةٌ أُخْرَى ذَكَرَهَا ابْنُ سَعْدٍ (٤) عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَقَالَ: اسْمُهَا فَاطِمَةُ بِنْتُ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ، فَاسْتَعَاذَتْ مِنْهُ فَطَلَّقَهَا، فَكَانَتْ تَقُولُ: أَنَا الشَّقِيَّةُ. وَالصَّحِيحُ أَنَّ التِي اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ هِيَ الْجَوَنِيَّةُ (٥).
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ: سَأَلْتُ الزُّهْرِيَّ: أَيُّ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ- اسْتَعَاذَتْ مِنْهُ؟
_________________
(١) وقيل في ربيع الأول سنة تسع. انظر فتح الباري (١٠/ ٤٥١).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٨/ ٣١٦).
(٣) وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٥/ ٣١١): والصحيح أنها أميمة، واللَّه أعلم.
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٨/ ٣١٦).
(٥) انظر فتح الباري (١٠/ ٤٤٩).
[ ٤ / ١٩٣ ]
قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ ابْنَةَ الْجَوْنِ لَمَّا أُدْخِلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَدَنَا مِنْهَا قَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، فَقَالَ لَهَا: "لَقَدْ عُذْتِ بِعَظِيمٍ، الْحَقِي بِأَهْلِكِ" (١).
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ -﵁- قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- حَتَّى انْطَلَقْنَا إِلَى حَائِطٍ (٢) يُقَالُ لَهُ الشَّوْطُ، حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى حَائِطَيْنِ، فَجَلَسْنَا بَيْنَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "اجْلِسُوا هَهُنَا"، وَدَخَلَ، وَقَدْ أُتِيَ بِالْجَونِيَّةِ، فَأُنْزِلَتْ في بَيْتٍ في نَخْلٍ في بَيْتِ أُمَيْمَةَ (٣) بِنْتِ النُّعْمَانِ بنِ شَرَاحِيلَ، وَمَعَهَا دَايَتُهَا (٤) حَاضِنَةٌ لَهَا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ -ﷺ- قَالَ: "هَبِي نَفْسَكَ لِي"، فَقَالَتْ: وَهَلْ تَهَبُ الْمَلِكَةُ نَفْسَهَا لِلسُّوقَةِ؟ (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الطلاق - باب من طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق؟ - رقم الحديث (٥٢٥٤).
(٢) الحائط: البستان. انظر النهاية (١/ ٤٤٤).
(٣) قال السندي في شرح المسند (٩/ ٢٠٠): المشهور إضافة بيت إلى أميمة، لكن رده كثير بأن الجونية هي أميمة، فالصواب تنوين بيت، وجعل أميمة بدلًا من الجونية.
(٤) قال السندي في شرح المسند (٩/ ٢٠٠): البداية: لفظ معرَّب يقال للمرضعة والقابلة.
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٠/ ٤٥٠): السُّوقَةُ: بضم السين، يقال للواحد من الرَّعِيَّةِ، والجمع، قيل لهم ذلك؛ لأن الملك يسوقهم فيساقون إليه، فكأنها استبعدت أن يتزوج الملكة من ليس بملك، ولم يؤاخذها رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بكلامها معذرة لها لقرب عهدها بجاهليتها.
[ ٤ / ١٩٤ ]
قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ يَضَعُ يَدَهُ عَلَيْهَا لِتَسْكُنَ، فَقَالَتْ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قَدْ عُذْتِ بِمَعَاذٍ" (١).
ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَقَالَ: "يَا أَبَا أُسَيْدٍ، اكْسُهَا رَازِقِيَّيْنِ (٢)، وَأَلْحِقْهَا بِأَهْلِهَا" (٣).
* * *
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٤٥٢): بمعاذ: بفتح الميم ما يستعاذ منه.
(٢) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٤٥٢): الرَّازِقِيَّةُ: ثِيَابٌ من كِتَّانٍ أَبْيَضَ طِوَالٌ.
(٣) الحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الطلاق - باب من طلق وهل يواجه الرَّجل امرأته بالطلاق؟ - رقم الحديث (٥٢٥٥) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٠٦١) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٦٤٢).
[ ٤ / ١٩٥ ]
وِلَادَةُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-
وَفِي ذِي القعْدَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ وُلِدَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وُلِدَ بِالْعَالِيَةِ حَيْثُ أَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أُمَّهُ مَارِيَةَ الْقِبْطِيَّةَ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهَا هُنَاكَ، وَيَطَؤُهَا بِمُلْكِ الْيَمِينِ، وَمَعَ ذَلِكَ ضَرَبَ عَلَيْهَا الْحِجَابَ، فَلَمَّا حَمَلَتْ وَضَعَتْ هُنَاكَ، فَلَمَّا وُلِدَ، جَاءَ أَبُو رَافِعٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَبَشَّرَهُ بِهِ، فَوَهَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَبْدًا.
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وُلِدَ لِيَ اللَّيْلةَ غُلَامٌ، فَسَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أَبِي إِبْرَاهِيمَ" (١).
* تَنَافُسُ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ في إِرْضَاعِ إِبْرَاهِيمَ:
وَتَنَافَسَتْ نِسَاءُ الْأَنْصَارِ في إِبْرَاهِيمَ أَيَّتُهُنَّ تُرْضِعُهُ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مَارِيَةُ قَلِيلَةَ اللَّبَنِ، فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أُمِّ سَيْفٍ، فَكَانَتْ تُرْضِعُهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: . . . ثُمَّ دَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أُمِّ
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب رحمته -ﷺ- الصبيان والعيال - رقم الحديث (٢٣١٥) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٠١٤).
[ ٤ / ١٩٦ ]
سَيْفٍ، امْرَأَةِ قَيْنٍ (١)، يُقَالُ لَهُ: أَبُو سَيْفٍ (٢).
قَالَ أَنَسٌ -﵁-: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَرْحَمَ بِالْعِيَالِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: كَانَ إِبْرَاهِيمُ مُسْتَرْضَعًا لَهُ في عَوَالِي الْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَنْطَلِقُ وَنَحْنُ مَعَهُ، فَيَدْخُلُ الْبَيْتَ، فَيَأْخُذُهُ فَيُقَبِّلُهُ، ثُمَّ يَرْجعُ (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ أَنَسٌ -﵁-: . . . فَانْطَلَقَ -أَيْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْتِيهِ وَاتَّبَعْتُهُ، فَانتهَيْنَا إِلَى أَبِي سَيْفٍ وَهُوَ يَنْفُخُ بِكِيرِهِ (٤)، قَدِ امْتَلَأَ الْبيْتُ دُخَانًا، فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ بَيْنَ يَدِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: يَا أَبَا سَيْفٍ! أَمْسِكْ، جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَمْسَكَ، فَدَعَا النَّبِيُّ -ﷺ- بِالصَّبِيِّ، فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ (٥).
وَقَدْ غَارَ نِسَاءُ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَاشْتَدَّ عَلَيْهِنَّ حِينَ رُزِقَ مِنْ مَارِيَةَ الْوَلَدَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: دَخَلَ بِهِ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ، فَقَالَ: "انْظُرِي إِلَى شِبْهِهِ بِي".
_________________
(١) القيْنُ: بفتح القاف: الْحَدَّادُ. انظر النهاية (٤/ ١١٩).
(٢) أخرج ذلك مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب رحمته -ﷺ- الصبيان والعيال - رقم الحديث (٢٣١٥) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٠١٤).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب رحمته -ﷺ- الصبيان والعيال - رقم الحديث (٢٣١٦).
(٤) الْكِيرُ: بكسر الكاف: هو كِيرُ الْحَدّادِ، وهو الْمَبْنِيُّ من الطينِ، وقيل: الزِّقُّ الذي يَنْفُخُ بِهِ النارَ. انظر النهاية (٤/ ١٨٨).
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب رحمته -ﷺ- الصبيان والعيال - رقم الحديث (٢٣١٥) - والإمام مسلم في مسنده - رقم الحديث (١٣٠١٤).
[ ٤ / ١٩٧ ]
قَالَتْ: فَحَمَلَنِي مَا يَحْمِلُ النِّسَاءَ مِنَ الْغَيْرَةِ، فَقُلْتُ: مَا أَرَى شَبَهًا (١).
* حَدِيثٌ ضَعِيفٌ جِدًّا:
قُلْتُ: وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ: ذُكِرَتْ أُمُّ إِبْرَاهِيمَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "أَعْتَقَهَا وَلَدُهَا". فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، رَوَاهُ ابْنُ مَاجَةَ في سُنَنِهِ (٢)، وَالْحَاكِمُ في الْمُسْتَدْرَكِ (٣).
* قِصَّةُ الرَّجُلِ الْمَجْبُوبِ (٤):
رَوَى الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: كَانَ النَّاسُ قَدْ تَجَرَّؤُوا عَلَى مَارِيَةَ في قِبْطِيٍّ كَانَ يَخْتَلِفُ إِلَيْهَا، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "انْطَلِقْ، فَإِنْ وَجَدْتَهُ عِنْدَهَا فَاقْتُلْهُ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكُونُ في أَمْرِكَ كَالسِّكَّةِ (٥) الْمُحَمَّاةِ، وَأَمْضِي لِمَا أَمَرْتَنِي لَا يَثْنِينِي شَيْءٌ، أَمِ الشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ؟ .
فَقَالَ -ﷺ-. "الشَّاهِدُ يَرَى مَا لَا يَرَى الْغَائِبُ".
فَتَوَشَّحْتُ (٦) سَيْفِي، ثُمَّ انْطَلَقْتُ، فَوَجَدْتُهُ خَارِجًا مِنْ عِنْدِهَا عَلَى عُنُقِهِ
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٦٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب العتق - باب أمهات الأولاد - رقم الحديث (٢٥١٦).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب البيوع - باب لا يجوز بيعان في بيع ولا بيع ما لا يملك - رقم الحديث (٢٢٣٨).
(٤) الْمَجْبُوبُ: الْمَقْطُوعُ الذَّكَرِ. انظر النهاية (١/ ٢٢٦).
(٥) السِّكَّةُ: الْمِسْمَارُ. انظر النهاية (٢/ ٣٤٦).
(٦) تَوَشَّحَ الرجُلُ سَيْفَهُ: أي لَبِسَهُ. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٠٦).
[ ٤ / ١٩٨ ]
جَرَّة، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ اخْتَرَطْتُ (١) سَيْفِي، فَلَمَّا رَآنِي إِيَّاهُ أُرِيدُ، أَلْقَى الْجَرَّةَ، وَانْطَلَقَ هَارِبًا، فَرَقِيَ في نَخْلَةٍ، فَلَمَّا كَانَ في نِصْفِهَا، وَقَعَ مُسْتَلْقِيًا عَلَى قَفَاهُ، وَانْكَشَفَ ثَوبهُ عَنْهُ، فَإِذَا أَنَا بِهِ أَجَبُّ (٢) أَمْسَحُ لَيْسَ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا خَلَقَ اللَّهُ ﷿ لِلرِّجَالِ، فَغَمَدْتُ سَيْفِي، وَقُلْتُ: مَهْ، قَالَ: خَيْرًا، رَجُلٌ مِنَ الْقِبْطِ، وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنَ الْقِبْطِ، وَزَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَحْتَطِبُ لَهَا، وَأَسْتَعْذِبُ (٣) لَهَا.
قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَخْبَرتُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الْحَمْدُ للَّهِ الذِي يَصْرِفُ عَنَّا السُّوءَ أَهْلَ الْبَيْتِ" (٤).
* * *
_________________
(١) اخْتَرَطَ سَيْفُهُ: أي سَلَّهُ مِنْ غِمْد. انظر النهاية (٢/ ٢٣).
(٢) أَجَبُّ: أي مَقْطُوعُ الذَّكَرِ. انظر النهاية (١/ ٢٢٦).
(٣) يَسْتَعْذِبُ الماءَ: أي يَطلبُ الماءَ الْعَذْبَ. انظر النهاية (٣/ ١٧٧).
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٩٥٣) - وأصله في صحيح مسلم - كتاب التوبة - باب براءة حرم النبي -ﷺ- من الريبة - رقم الحديث (٢٧٧١).
[ ٤ / ١٩٩ ]
السَّنَةُ التَّاسِعَةُ لِلْهِجْرَةِ وَهِيَ سَنَةُ الْوُفُودِ (١)
كَانَ لِفَتْحِ مَكَّةَ أَثَرٌ كَبِيرٌ في تَعْزِيزِ الْإِسْلَامِ، وَتَغَيُّرِ مَوْقِفِ الْعَرَبِ مِنْهُ، فتَسَارَعُوا إِلَى اعْتِنَاقِ الْإِسْلَامِ.
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ -﵁- قَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرِّ النَّاسِ، وَكَانَ يَمُرُّ بِنَا الرُّكْبَانُ، فنَسْأَلُهُمْ مَا لِلنَّاسِ، مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟
فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّه أَرْسَلَهُ، أَوْحَى إِلَيْهِ، أَوْ أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ، فَكَأَنَّمَا يُقَرُّ في صَدْرِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ (٢) بِإِسْلَامِهِمُ الْفتْحَ، فَيَقُولُونَ: اترُكُوهُ وَقَوْمَهُ، فَإِنَّهُ إِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفتْحِ، بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِمْ، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُمْ وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَقًّا (٣).
_________________
(١) قال ابن هشام في السيرة (٤/ ٢١٤): حدثني أبو عبيدة: كانت سنة تسع، تُسمى سنة الوفود.
(٢) تَلَوَّمُ: بفتح التاء وتشديد الواو: أي تَنْتَظِرُ، أراد تتلوم، فحذف إحدى التاءين تخفيفًا. انظر النهاية (٤/ ٢٣٨).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب (٥٤) - رقم الحديث (٤٣٠٢) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٣٣٣) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٩٦٣).
[ ٤ / ٢٠٠ ]
فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طِيلَةَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ بِالْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، يَسْتَقْبِلُ الْوُفُودَ، وَيَبْعَثُ الْعُمَّالَ، وَيَبُثُّ الدُّعَاةَ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا إِلَّا لِغَزْوَةِ تَبُوكَ كَمَا سَيَأْتِي.
وَقَدْ بَلَغَ مَجْمُوعُ الْوُفُودِ مَا يَزِيدُ عَلَى السِّتِّينَ وَفْدًا، وَسَأَذْكُرُ أَهَمَّ هَذِهِ الْوُفُودِ:
* وَفْدُ بَاهِلَةَ:
قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُطَرِّفُ بْنُ الْكَاهِنِ الْبَاهِلِيُّ بَعْدَ الَفتْحِ وَافِدًا لِقَوْمِهِ بِإِسْلَامِهِمْ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ بَعَثَ إِلَيْهِمْ أَبَا أُمَامَةَ صُدَيَّ (١) بْنَ عَجْلَانِ الْبَاهِلِيَّ، يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ شَرَائِعَ الْإِسْلَامِ، فَأَبَوا عَلَيْهِ، ثُمَّ إِنَّهُمْ أَسْلَمُوا عَنْ آخِرِهِمْ.
فَلَمَّا قَدِمَ مُطَرِّفٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَخَذَ لِقَوْمِهِ أَمَانًا، وَكتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كِتَابًا فِيهِ فَرَائِضُ الصَّدَقَاتِ، ثُمَّ قَدِمَ نَهْشَلُ بْنُ مَالِكٍ الْوَائِلِيُّ مِنْ بَاهِلَةَ وَافِدًا لِقَوْمِهِ، فَأَسْلَمَ، وَكتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَلِمَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ كِتَابًا فِيهِ شَرَائِعُ الْإِسْلَامُ، هَذَا نَصُّهُ:
_________________
(١) صُدَي: بضم الصاد مصغرًا، صحابي جليل من خيرة أصحاب رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، مشهور بكنيته. قال الحافظ في الإصابة (٣/ ٣٤٠): أخرج البيهقي من طريق سليمان بن عامر، قال: جاء رجل إلى أبي أُمامة، فقال: إني رأيت في منامي الملائكة تصلي عليك، كما دخلت، وكلما خرجت، وكلما قمت، وكلما جلست. . . الحديث. وإسناده صحيح.
[ ٤ / ٢٠١ ]
"بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ، هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ لِنَهْشَلَ بْنِ مَالِكٍ، وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي وَائِلٍ لِمَنْ أَسْلَمَ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَآتَى الزَّكَاةَ، وَأَطَاعَ اللَّه وَرَسُولَهُ، وَأَعْطَى مِنَ الْمَغْنَمِ خُمُسَ اللَّهِ وَسَهْمَ النَّبِيِّ، وَأَشهَدَ عَلَى إِسْلَامِهِ، وَفَارَقَ الْمُشْرِكِينَ، فَإِنَّهُ آمِنٌ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَبَرِئَ إِلَيْهِ مُحَمَّدٌ مِنَ الظُّلْمِ كلِّهِ، وَأَنَّ لَهُمْ أَنْ لَا يُحْشَرُوا (١)، وَلَا يُعْشَرُوا (٢)، وَعَامِلُهُمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ".
وَكتَبَ الْكِتَابَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ -﵁- (٣).
* * *
_________________
(١) لا يُحْشَرُوا: أي لا يُنْدَبُونَ إلى الْمَغَازِي، ولا تضرب عليهم البعوث، وقيل: لا يحشرون إلى عامل الزكاة؛ ليأخذ صدقة أموالهم، بل يأخذها في أماكنهم. انظر النهاية (١/ ٣٧٤).
(٢) لا يُعْشَرُوا: أي لا يُؤْخَذُ عُشْرُ أموالهِمْ. انظر النهاية (٣/ ٢١٦).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٤٨).
[ ٤ / ٢٠٢ ]
بَعْثُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عُمَّالَهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ
وَلَمَّا اسْتَهَلَّ هِلَالُ الْمُحَرَّمِ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُمَّالَهُ عَلَى الصَّدَقَاتِ إِلَى كُلِّ مَا أَوْطَأَ الْإِسْلَامُ مِنَ الْمَنَاطِقِ الْمُخْتَلِفَةِ:
١ - فَبَعَثَ الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ -﵁- إِلَى صَنْعَاءَ، فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْأَسْوَدُ الْعَنْسِيُّ (١)، وَهُوَ بِهَا.
٢ - وَبَعَثَ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ الْبَيَاضِيَّ -﵁- إِلَى حَضْرَمَوْتَ.
٣ - وَبَعَثَ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ -﵁- إِلَى طَيْءٍ، وَبَنِي أَسَدٍ.
٤ - وَبَعَثَ مَالِكَ بْنَ نويْرَةَ الْيَرْبُوعِيَّ -﵁- إِلَى بَنِي حَنْظَلَةَ، وَفَرَّقَ صَدَقَةَ بَنِي سَعْدٍ عَلَى رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ، فَبَعَثَ الزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدِرٍ -﵁- عَلَى نَاحِيَةٍ مِنْهَا، وَقَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ -﵁- عَلَى نَاحِيَةٍ.
٥ - وَبَعَثَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ -﵁- إِلَى بَنِي تَمِيمٍ.
٦ - وَبَعَثَ الْوَليدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْط -﵁- إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ.
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٤٢٥): الْعَنْسِي: بفتح العين وسكون النُّون، وهذا الرَّجل ادعى النبوة في آخر حياة الرسول -ﷺ-، وقتله فيروز الديلمي -﵁-. وستأتي قصة هذا الرجل وادعائه النبوة.
[ ٤ / ٢٠٣ ]
٧ - وَبَعَثَ بريْدَةَ بْنَ الْحُصَيْبِ -﵁- إِلَى أَسْلَمَ وَغِفَارٍ، وَيُقَالُ: كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ -﵁-.
٨ - وَبَعَثَ ابْنَ اللُّتْبِيَّةَ (١) إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ.
٩ - وَبَعَثَ رَافِعَ بْنَ مَكَيْثٍ -﵁- إِلَى جُهَيْنَةَ.
١٠ - وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ -﵁- إِلَى بَنِي فزَارَةَ.
١١ - وَبَعَثَ الضَّحَاكَ بْنَ سُفْيَانَ -﵁- إِلَى بَنِي كِلَابٍ.
١٢ - وَبَعَثَ بُسْرَ بْنَ سُفْيَانَ -﵁- إِلَى بَنِي كَعْبٍ.
١٣ - وَبَعَثَ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْل -﵁- إِلَى هُوَازِنَ.
١٤ - وَبَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁- إِلَى أَهْلِ نَجْرَانَ.
وَقَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى أَنَّهُ -ﷺ- بَعَثَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ إِلَى الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيِّ -﵁- عَامِلِهِ عَلَى الْبَحْرَيْنِ؛ لِيَقْبِضُوا مَا اجْتَمَعَ عِنْدَهُ مِنْ صَدَقَةِ الْبَحْرَيْنِ، كَمَا بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ -﵁-؛ لِيَأْتِيَ بِجِزْيَتِهَا.
* مُلَاحَظَةٌ مُهِمَّةٌ:
وَتَجْدُرُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمْ يَبْعَثُ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ ﵃ أَجْمَعِينَ كُلَّهُمْ دَفْعَةً وَاحِدَةً في الْمُحَرَّمِ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، بَلْ تَأَخَّرَ بَعْثُ بَعْضِهِمْ إِلَى وَقْتِ اعْتِنَاقِ الْإِسْلَامِ مِنْ تِلْكَ القبَائِلِ التِي بُعِثُوا إِلَيْهَا، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٤/ ١٣٧): اللُّتبية: بضم اللام وسكون التاء من بني لُتب، حي من الْأَزْدِ، واسمه عبد اللَّه.
[ ٤ / ٢٠٤ ]
مَا جَاءَ في رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ: أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ -﵁-، كَانَ مِنْ بَيْنِ الْعُمَّالِ الذِينَ أَرْسَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى صَدَقَاتِ قَوْمِهِمْ، وكَاد إِسْلَامُ عَدِيٍّ -﵁- بَعْدَ بَعْثِهِ -ﷺ- عَلِيًّا -﵁- لِهَدْم الْفُلْسِ (١)، وَذَلِكَ في رَبِيعٍ الْآخِر مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهجْرَةِ (٢).
* تَحْذِيرُ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- أَصْحَابَهُ مِنْ غُلُولِ (٣) الصَّدَقَةِ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا بَعَثَ أَصْحَابَهُ لِيَأْتُوا بِصَدَقَاتِ هَذِهِ الْقَبَائِلِ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا صَدَقَاتِهِمْ مِنْ حَوَاشِي أَمْوَالِهِمْ (٤)، وَيَتَوَقَّوْا كَرَائِمَهَا، وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ بِمَا أَخَذُوا مِنَ الصَّدَقَاتِ أَنْ يُجْعَلَ في ذَوِي قَرَابَةٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْهُمُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرَابَةٌ فَلِأَوْلَى الْعَشِيرَةِ، ثُمَّ لِذَوِي الْحَاجَةِ مِنَ الْجِيرَانِ وَغَيْرِهِمْ.
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالطَّيَالِسِيُّ في مُسْنَدَيْهِمَا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ هُلْبٍ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِيهِ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- وهُوَ يَقُولُ، وَذَكَرَ الصَّدَقَةَ، فَقَالَ: "لَا يَجِيئَنَّ أَحَدُكُمْ بِشَاةٍ لَهَا يُعَارٌ" (٥).
_________________
(١) الْفُلْس: بضم الفاء وسكون اللام، هو صَنَمٌ لقبيلةِ طَيْءٍ. انظر النهاية (٣/ ٤٢٣).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٢٥٥).
(٣) الْغُلُولُ: هو السَّرِقَةُ من الغنيمةِ قبل توزيعها. انظر النهاية (٣/ ٣٤١).
(٤) حَوَاشِي الأموالِ: هي صِغارُ الإبل، كابنِ الْمَخَاضِ، وابنِ اللَّبُونِ، واحدها: حَاشِيَة، وحاشية كل شيء جَانِبُهُ وطَرَفُهُ. انظر النهاية (١/ ٣٧٧).
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٤/ ١٣): يُعَار: بضم الياء، وهو صَوْتُ الْمَعْزِ. والحديث أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٩٧٠) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١١٨٢).
[ ٤ / ٢٠٥ ]
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لِغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٍ -﵁- أَنَّهُ تَذَاكَرَ هُوَ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁- يَوْمًا الصَّدَقَةَ، فَقَالَ عُمَرُ: أَلَمْ تَسْمَعْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ ذَكَرَ غُلُولَ الصَّدَقَةِ: "أَنَّهُ مَنْ كَلَّ فِيهَا بَعِيرًا أَوْ شَاةً، أَتَى بِهِ يَحْمِله يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنيْسٍ -﵁-: بَلَى (١).
وَأَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ في الْكَبِيرِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ -﵁- قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَهُ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ لَهُ: "اتَّقِ اللَّه يَا أَبَا الْوَليدِ! لَا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِبَعِيرٍ تَحْمِله لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةٌ لَهَا ثُؤَاجٌ (٢) "، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ ذَلِكَ لَكَذَلِكَ؟
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِيْ وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ" (٣).
* شَأْنُ ابْنِ اللُّتْبِيَّةِ:
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ قَالَ: اسْتَعْمَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى الصَّدَقَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا أُهْدِيَ لِي، فَقَامَ النَّبِيُّ -ﷺ- علَى الْمِنْبَرِ، فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ،
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٠٦٣) - وابن ماجه في سننه - كتاب الزكاة - باب ما جاء في عمال الصدقة - رقم الحديث (١٨١٠).
(٢) الثُّؤاج: بضم الثاء صوت الغنم. انظر النهاية (١/ ١٩٩).
(٣) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد، وقال: رواه الطَّبْرَانِيّ في الكبير، ورجاله رجال الصحيح - وانظر السلسلة الصحيحة - رقم الحديث (٨٥٧) - وصحيح الجامع - رقم الحديث (٩٩) - للألباني رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٤ / ٢٠٦ ]
ثُمَّ قَالَ: "مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ فَيَأْتِي فَيَقُولُ: هَذَا لَكَ (١) وَهَذَا لِي، فَهَلَّا جَلَسَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ فَيَنْظُرُ أَيُهْدَى لَهُ (٢) أَمْ لَا، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَأْتِي بِشَيْءٍ (٣) إِلَّا جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَقَبَتِهِ (٤)، إِنْ كَانَ بَعِيرًا لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَارٌ، أَوْ شَاةً تَيْعَرُ"، ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى رَأَيْنَا عُفْرَتَيْ (٥) إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: "ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ " ثَلَاثًا (٦).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - أَنَّ الْإِمَامَ يَخْطُبُ في الْأَمُورِ الْمُهِمَّةِ.
٢ - وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ مُحَاسَبَةِ الْمُؤْتَمَنِ.
٣ - وَفِيهِ مَنْعُ الْعُمَّالِ قَبُولَ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ لَهُ عَلَيْهِ حُكْمٌ، وَمَحَلُّ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْإِمَامُ في ذَلِكَ.
_________________
(١) في رواية الإِمام مسلم: "لكم".
(٢) في رواية الإِمام مسلم: "إليه".
(٣) في رواية الإِمام مسلم: "لا ينال أحد منكم منها شيئًا".
(٤) في رواية الإِمام مسلم: "عنقه".
(٥) العُفْرَةُ: بضم العين وسكون الفاء، بَيَاضٌ ليسَ بالنَّاصِعِ. انظر النهاية (٣/ ٢٣٦) - فتح الباري (١٥/ ٧١).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأحكام - باب هدايا العمال - رقم الحديث (٧١٧٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب تحريم هدايا العمال - رقم الحديث (١٨٣٢) (٢٦).
[ ٤ / ٢٠٧ ]
٤ - وَفِيهِ إِبْطَالُ كُلِّ طريق يُتَوَصَّلُ بِهَا مَنْ يَأْخُذُ الْمَالَ إِلَى مُحَابَاةِ الْمَأْخُوذِ مِنْهُ، وَالِانْفِرَادُ بِالْمَأْخُوذِ.
٥ - وَفِيهِ جَوَازُ تَوْبِيخِ الْمُخْطِئِ.
٦ - وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْمَفْضُولِ في الْإِمَارَةِ، وَالْإِمَامَةِ، وَالْأَمَانَةِ مَعَ وُجُودِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ.
٧ - وَفِيهِ اسْتِشْهَادُ الرَّاوِي وَالنَّاقِلِ بِقَوْلِ مَنْ يُوَافِقُهُ؛ لِيَكُونَ أَوْقَعَ في نَفْسِ السَّامِعِ، وَأَبْلَغَ في طُمَأْنِينَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١).
* * *
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٥/ ٧٢).
[ ٤ / ٢٠٨ ]
بَعْثُ الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ
بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ إِلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ -وَهُمْ قَوْمُ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ﵂ زَوْجَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِأَخْذِ صَدَقَاتِهمْ، وَكَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا -وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ مُفَصَّلًا في غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ-.
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنِ الْحَارِثِ بْنِ ضِرَارٍ، قَالَ: . . . بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْوَليدَ بْنَ عُقْبَةَ إِلَى الْحَارِثِ (١)؛ لِيَقْبِضَ مَا كَانَ عِنْدَهُ مِمَّا جَمَعَ مِنَ الزَّكَاةِ، فَلَمَّا أَنْ سَارَ الْوَلِيدُ حَتَّى بَلَغَ بَعْضَ الطَّرِيقَ، فَرِقَ (٢)، فَرجَعَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُول اللَّهِ! إِنَّ الحَارِثَ مَنَعَنِي الزَّكَاةَ، وَأَرَادَ قَتْلِي، فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْبَعْثَ (٣) إِلَى الْحَارِثِ، فَأَقْبَلَ الْحَارِثُ بِأَصْحَابِهِ إِذِ اسْتَقْبَلَ الْبَعْثَ، فَقَالُوا: هَذَا الْحَارِثُ، فَلَمَّا غَشِيَهُمْ، قَالَ لَهُمْ: إِلَى مَنْ بُعِثْتُمْ؟، قَالُوا: إِلَيْكَ، قَالَ: وَلِمَ؟ قَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ
_________________
(١) هو الحارث بن أبي ضرار، سيد بني المصطلق، وأبو جويرية زوجة رَسُول اللَّهِ -ﷺ-.
(٢) الفرَقُ: بالتحريك: الْخَوْفُ والفزَعُ. انظر النهاية (٣/ ٣٩٢).
(٣) الْبَعْثُ: أي أَرْسَلَ جيشًا.
[ ٤ / ٢٠٩ ]
بَعَثَ إِلَيْكَ الْوَليدَ بْنَ عُقْبَةَ، فَزَعَمَ أَنَّكَ مَنَعْتَهُ الزَّكَاةَ، وَأَرَدْتَ قَتْلَهُ! قَالَ: لَا وَالذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ، مَا رَأَيْتُهُ بَتَّةً، وَلَا أَتَانِي! فَلَمَّا دَخَلَ الْحَارِثُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَهُ: "مَنَعْتَ الزَّكَاةَ وَأَرَدْتَ قَتْلَ رَسُولِي؟ ! "، قَالَ: لَا وَالذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا رَأَيْتُهُ وَلَا أَتَانِي، وَمَا أَقْبَلْتُ إِلَّا حِينَ احْتَبَسَ عَلَيَّ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، خَشِيتُ أَنْ تَكُونَ كَانَتْ سَخْطَةٌ مِنَ اللَّهِ ﷿ وَرَسُولِهِ، فنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ في الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ، حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- علَى صَدَقَاتِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ. . . وَكَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ، مِنْهُمْ: ابْنُ أَبِي لَيْلَى، وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ، وَالضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَغَيْرُهُمْ في هَذِهِ الْآيَةِ: أَنَّهَا نَزَلَتْ في الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢).
_________________
(١) سورة الحجرات آية (٦ - ٨). والحديث أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٤٥٩).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٧/ ٣٧٠ - ٣٧٢).
[ ٤ / ٢١٠ ]
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ فِيمَا عَلِمْتُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ﴾ نَزَلَتْ في الْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ (١).
* * *
_________________
(١) انظر الاستيعاب (٤/ ١١٤).
[ ٤ / ٢١١ ]
سَرِيَّةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ إِلَى بَنِي الْعَنْبَرِ مِنْ تَمِيمٍ
وَفي مُحَرَّمٍ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ الفزَارِيَّ إِلَى بَنِي الْعَنْبَرِ، وَكَانُوا فِيمَا بَيْنَ السُّقْيَا (١)، وَأَرْضِ بَنِي تَمِيمٍ.
وَسَبَبُ هَذِهِ السَّرِيَّةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَ بِشْرَ بْنَ سُفْيَانَ الْكَعْبِيَّ -﵁-، إِلَى بَنِي كَعْبٍ مِنْ خُزَاعَةَ لِأَخْذِ صَدَقَاتِهِمْ، فَجَاءَ وَقَدْ حَلَّ بِنَوَاحِيهِمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ جُنْدُبِ بْنِ الْعَنْبَرِ التَّمِيمِيُّونَ، فَجَمَعَتْ خُزَاعَةُ مَوَاشِيهَا لِلصَّدَقَةِ، فَاسْتَكْثَرَ ذَلِكَ بَنُو تَمِيمٍ وَشَهَرُوا السُّيُوفَ، وَمَنَعُوا بِشْرًا -﵁- مِنْ أَخْذِ الصَّدَقَةِ.
فَلَمَّا رَأَى بِشْرٌ -﵁- ذَلِكَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ لِهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ؟ "، فانتدَبَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ -﵁-، فَبَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في خَمْسِينَ فَارِسًا مِنَ الْعَرَبِ، لَيْسَ فِيهِمْ مُهَاجِرِيٌّ وَلَا أَنْصَارِيٌّ، فَكَانَ يَسِيرُ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُ النَّهَارَ، فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَأَوُا الْجَمْعَ وَلَّوا، فَأَخَذَ عُيَيْنَةُ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، وَوَجَدَ إِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً وَثَلَاثِينَ صَبِيًّا، فَأَخَذَهُمْ وَذَهَبَ بِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَحُبِسُوا في دَارِ رَمْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ (٢).
_________________
(١) السُّقْيَا: مَنْزِلٌ بين مكة والمدينة، قيل: هي على يومين من المدينة. انظر النهاية (٢/ ٣٤٣).
(٢) أشار البخاري في صحيحه إلى هذه السرية - كتاب المغازي - باب قال ابن إسحاق: غزوة عيينة بن حصن. . . - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٣٠).
[ ٤ / ٢١٢ ]
قُدُومُ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ وَنُزُولُ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ
فَلَمَّا جَاءَتْ سَرِيَّةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حْصِنٍ بِالسَّبَايَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَكِبَ وَفْدٌ عَظِيمٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، قِيلَ: كَانُوا تِسْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ رَجُلًا، حَتَّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِيهِمْ عِدَّةٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ، مِنْهُمْ: عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ، وَالزِّبْرِقَانُ (١) بْنُ بَدْرٍ، وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ الْمِنْقَرِيُّ، وَقَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ، وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ، وَالقَعْقَاعُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَالْحَبْحَابُ، وَيُقَالُ: الْحُتَاتُ بْنُ يَزِيدٍ، وَقَدْ كَانَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فتحَ مَكَّةَ وَحُنَيْنًا وَالطَّائِفَ -كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ- فَلَمَّا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ إِلَى الْمَدِينَةِ، رَآهُمْ سَبَايَاهُمْ، فَأَخَذَ النِّسَاءُ وَالْأَطْفَالُ يَبْكُونَ، فَعَجَّلَ الْوَفْدُ، وَدَخَلُوا الْمَسْجِدَ النَّبَوِيَّ، وَقَدْ أَذَّنَ بِلَالٌ -﵁- لِصَلَاةِ الظُّهْرِ، وَالنَّاسُ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَاسْتَبْطَأَ الْوَفْدُ خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَجَاؤُوا بَابَهُ، وَأَخَذُوا يُنَادُونَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ وَرَاءَ الْحُجُرَاتِ: أَنِ اخْرُجْ إِلَيْنَا يَا مُحَمَّدُ! فَآذَى ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ صِيَاحِهِمْ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَتَعَلَّقُوا بِهِ يُكَلِّمُونَهُ في سَبْيِهِمْ، فَوَقَفَ مَعَهُمْ، ثُمَّ قَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: يَا مُحَمَّدُ! ائْذَنْ لِي، فَوَاللَّهِ إِنَّ حَمْدِي زَيْنٌ، وَإِنَّ ذَمِّي
_________________
(١) الزِّبْرِقَان: بكسر الزاي.
[ ٤ / ٢١٣ ]
شَيْنٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ذَاكَ اللَّهُ ﷿" (١).
ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ جَلَسَ في صَحْنِ الْمَسْجِدِ، فَقَالُوا لَهُ: يَا مُحَمَّدُ! جِئْنَاكَ نُفَاخِرْكَ، فَأْذَنْ لِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قَدْ أَذِنْتُ لِخَطِيبِكُمْ، فَلْيَقُلْ".
فَقَامَ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الذِي لَهُ عَلَيْنَا الفضْلُ وَالْمَنُّ، وَهُوَ أَهْلُهُ، الذِي جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَوَهَبَ لَنَا أَمْوَالًا عِظَامًا نَفْعَلُ فِيهَا الْمَعْرُوفَ، وَجَعَلَنَا أَعَزَّ أَهْلِ الْمَشْرِقِ، وَأَكْثَرَهُ عَدَدًا، وَأَيْسَرَهُ عُدَّةً، فَمَنْ مِثْلُنَا في النَّاسِ؟
أَلسْنَا بِرُؤُوسِ النَّاسِ وَأُولي فَضْلِهِمْ؟
فَمَنْ فَاخَرَنَا فَلْيَعْدُدْ مِثْلَ مَا عَدَدْنَا، وَإِنَّا لَوْ نَشَاءُ لَأَكْثَرْنَا الْكَلَامَ، وَلَكِنَّا نَحْيَا مِنَ الْإِكْثَارِ فِيمَا أُعْطِينَا، وَإِنَّا نُعْرَفُ بِذَلِكَ، أَقُولُ هَذَا؛ لِأَنْ تَأْتُوا بِمِثْلِ قَوْلنَا، وَأَمْرٍ أَفْضَلَ مِنْ أَمْرِنَا، ثُمَّ جَلَسَ.
* ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ -﵁- يَرُدُّ:
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ أَخِي بَنِي الْحَارِثِ بْنِ
_________________
(١) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٩٩١) - وإسناده ضعيف - وله شاهد عند النسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب سورة الحجرات - رقم الحديث (١١٤٥١) - والترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة الحجرات - رقم الحديث (٣٥٥٠) - وإسناده حسن. وقال الترمذي: حديث حسن غريب.
[ ٤ / ٢١٤ ]
الْخَزْرَجِ، خَطِيبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: "قُمْ فَأَجِبِ الرَّجُلَ في خُطْبَتِهِ".
فَقَامَ ثَابِتٌ -﵁- فَقَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ الذِي السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ خَلْقُهُ، قَضَى فِيهِنَّ أَمْرَهُ، وَوَسِعَ كُرْسِيَّهُ عِلْمُهُ، وَلَمْ يَكُ شَيْءٌ قَطُّ إِلَّا مِنْ فَضْلِهِ، ثُمَّ كَانَ مِنْ قُدْرَتِهِ أَنْ جَعَلَنَا مُلُوكًا، وَاصْطَفَى مِنْ خَيْرِ خَلْقِهِ رَسُولًا، أَكْرَمَهُ نَسَبًا، وَأَصْدَقهُ حَدِيثًا، وَأَفْضَلَهُ حَسَبًا، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابَهُ، وَائْتَمَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ، فَكَانَ خِيرَةَ اللَّهِ مِنَ الْعَالَمِينَ، ثُمَّ دَعَا النَّاسَ إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ، فَآمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قَوْمِهِ، وَذَوِي رَحِمِهِ، أَكْرَمِ النَّاسِ حَسَبًا، وَأَحْسَنِ النَّاسِ وُجُوهًا، وَخَيْرِ النَّاسِ فِعَالًا، ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ الْخَلْقِ إِجَابَةً، وَاسْتَجَابَ للَّهِ حِينَ دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ نَحْنُ، فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ، وَوُزَرَاءُ رَسُولهِ، نُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ، فَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولهِ مَنَعَ مِنَّا مَالَهُ وَدَمَهُ، وَمَنْ كَفَرَ جَاهَدْنَاهُ في اللَّهِ أَبَدًا، وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَيْنَا يَسِيرًا، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَستَغْفِرُ اللَّه لِي وَللْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ.
* شِعْر الزِّبْرِقَانِ بنِ بَدْرٍ:
ثُمَّ قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ! ائْذَنْ لِشَاعِرِنَا، فَأَذِنَ لَهُ، فَقَامَ الزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ، فَقَالَ:
نَحْنُ الْكِرَامُ فَلَا حَيٌّ يُعَادِلُنَا مِنَّا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُنْصَبُ البِيَعُ
وَنَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ الْقَحْطِ مُطْعِمُنَا مِنَ الشِّوَاءَ (١) إِذَا لَمْ يُؤْنَسِ القزَعُ
إِلَى أَنْ يَقُولَ:
_________________
(١) الشِّوَاءُ: اسمُ جَمْعٍ للشَّاةِ. انظر النهاية (٢/ ٤٥٧).
[ ٤ / ٢١٥ ]
فَلَا تَرَانَا إِلَى حَيٍّ نُفَاخِرُهُمْ إِلَّا اسْتَفَادُوا فَكَانُوا الرَّأْسَ يُقْتَطَعُ
فَمَنْ يُفَاخِرُنا في ذَاكَ نَعْرِفُهُ فَيَرْجِعُ القوْمُ وَالْأَخْبَارُ تُسْتَمَعُ
إِنَّا أَبَيْنَا وَلَا يَأْبَى لَنَا أَحَدٌ إِنَّا كَذَلِكَ عِنْدَ الفخْرِ نَرْتَفِعُ
* حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ -﵁- يَرُدُّ:
وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى حَسَّانِ بْنِ ثَابِتٍ -﵁-، وَكَانَ غَائِبًا، قَالَ حَسَّانُ جَاءَنِي رَسُولُهُ -ﷺ-، فَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ إِنَّمَا دَعَانِي لِأُجِيبَ شَاعِرَ بَنِي تَمِيمٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا أَقُولُ:
مَنَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ إِذْ حَلَّ وَسْطَنَا عَلَى أَنْفِ رَاضٍ مِنْ مَعَدٍّ وَرَاغِمِ
مَنَعْنَاهُ لَمَّا حَلَّ بَيْنَ بُيُوتِنَا بِأَسْيَافِنَا مِنْ كُلِّ بَاغٍ وَظَالِمِ
فَلَمَّا وَصَلَ حَسَّانُ -﵁- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قُمْ يَا حَسَّانُ فَأَجِبْ الرَّجُلَ فِيمَا قَالَ"، فَقَامَ حَسَّانُ فَأَجَابَهُ بِمِثْلِ شِعْرِهِ، فَكَانَ مِمَّا قَالَ:
إِنَّ الذَّوَائِبَ (١) مِنْ فِهْرٍ (٢) وَإِخْوَتِهُمْ قَدْ بَيَّنُوا سُنَّةً لِلنَّاسِ تُتَّبَعُ
يَرْضَى بِهَا كُلُّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ تَقْوَى الْإِلَهِ وَبِالْأَمْرِ الذِي شَرَعُوا
قَوْمٌ إِذَا حَارَبُوا ضَرُّوا عَدُوَّهُمُ أَوْ حَاوَلُوا النَّفْعَ في أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا
سَجِيَّةٌ (٣) تِلْكَ فِيهِمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ إِنَّ الْخَلَائِقَ فَاعْلَمْ شَرُّهَا الْبِدَعُ
_________________
(١) الذَّوَائِبُ: الأشْرَافُ. انظر النهاية (٢/ ١٤٠).
(٢) فِهْر: هي قُرَيْش.
(٣) سَجِيَّة: أي طَبِيعِيَّة مِنْ غَيْرِ تَكَلُّفٍ. انظر النهاية (٢/ ٣١١).
[ ٤ / ٢١٦ ]
إِنْ كَانَ في النَّاسِ سَبَّاقُونَ بَعْدَهُمُ فكُلُّ سَبْقٍ لِأَدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعُ
إِلَى أَنْ يَقُولَ -﵁-:
أَكْرِمْ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللَّهِ شِيعَتُهُمْ إِذَا تَفَاوَتَتِ الْأَهْوَاءُ وَالشِّيَعُ
أُهْدِي لَهُمْ مَدْحِي قَلْبٌ يُؤَازِرُهُ فِيمَا أُحِبُّ لِسَانٌ حَائِكٌ صَنَعُ
فَإِنَّهُمْ أَفْضَلُ الْأَحْيَاءِ كُلِّهِمِ إِنْ جَدَّ بِالنَّاسِ جِدُّ الْقَوْلِ أَوْ شَمَعُوا
فَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ: وَأَبِي، إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَمُؤْتًى لَهُ، لَخَطِيبُهُ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا، وَلَشَاعِرُهُ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا، وَلَأَصْوَاتُهُمْ أَعَلَى مِنْ أَصْوَاتِنَا.
فَلَمَّا فَرَغَ الْقَوْمُ أَسْلَمُوا، وَجَوَّزَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَأَحْسَنَ جَوَائِزَهُمْ، وَرَدَّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَبَايَاهُمْ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَعْتَقَ بَعْضًا وَأَفْدَى بَعْضًا، فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ، سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يقُولُهَا فِيهِمْ: "هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَّالِ"، وَكَانَتْ فِيهِمْ سَبِيَّةٌ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ فَقَالَ: "أَعْتِقِيهَا، فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ"، وجاءت صدقاتهم، فقال: "هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا" (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةِ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنْ سَرَّكِ أَنْ تُعْتِقِي مِنْ وَلَدِ
_________________
(١) رواه البخاري في صحيحه - كتاب العتق - باب من ملك من العرب رقيقًا فوهب وباع - رقم الحديث (٢٥٤٣) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب قول ابن إسحاق: غزوة عيينة بن حصن. . . - رقم الحديث (٤٣٦٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل غفار وأسلم. . . - رقم الحديث (٢٥٢٥).
[ ٤ / ٢١٧ ]
إِسْمَاعِيلِ، فَأَعْتِقِي مِنْ هَؤُلَاءِ" (١).
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَبْيَ بَنِي الْعَنْبَرِ (٢) كَانَ وُزِّعَ عَلَى الْغَانِمِينَ، وَأَنَّ عَائِشَةَ ﵂ مَلَكَتْ هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِالشِّرَاءِ أَوِ الْهِبَةِ، ثُمَّ أَعْتَقَهَا عِنْدَمَا جَاءَ قَوْمُهَا يَطْلُبُونَهَا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَعْضَ الْآيَاتِ مِنْ سُورَةِ الْحُجُرَاتِ في وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).
* حَدِيثٌ في فَضْلِ بَنِي تَمِيمٍ:
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: لَا أَزَالُ أُحِبُّ بَنِي تَمِيمٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ، سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُهَا فِيهِمْ: "هُمْ أَشَدُّ أُمَّتِي عَلَى الدَّجَالِ" (٤). . . . .
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٩١٤).
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٤٧٩): بنو العنبر بطن شهير من بني تميم، ينسبون إلى عنبر بن عمرو بن تميم.
(٣) سورة الحجرات آية (٤ - ٥). وانظر تفاصيل قدوم وقد بني تميم في: صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب وقد بني تميم - رقم الحديث (٤٣٦٥) - وباب قال ابن إسحاق: غزوة عيينة بن حصن. . . - رقم الحديث (٤٣٦٦) (٤٣٦٧) - سيرة ابن هشام (٤/ ٢١٥) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٤٢).
(٤) في رواية أخرى في صحيح مسلم قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "هم أشد النَّاس قتالًا في الملاحم".=
[ ٤ / ٢١٨ ]
وَكَانَتْ فِيهِمْ سَبِيَّةٌ (١) عِنْدَ عَائِشَةَ، فَقَالَ -ﷺ-: "أَعْتِقِيهَا فَإِنَّهَا مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيلَ"، وَجَاءَتْ صَدَقَاتُهُمْ، فَقَالَ -ﷺ-: "هَذِهِ صَدَقَاتُ قَوْمِنَا" (٢).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِبَنِي تَمِيمٍ، وَكَانَ فِيهِمْ في الْجَاهِلِيَّةِ وَصَدْرِ الْإِسْلَامِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَشْرَافِ وَالرُّؤَسَاءِ.
٢ - وَفِيهِ الْإِخْبَارُ عَمَّا سَيَأْتِي مِنَ الْأَحْوَالِ الْكَائِنَةِ في آخِرِ الزَّمَانِ (٣).
* سَبَبُ نزولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾:
وَلَمَّا أَسْلَمَ وَفْدُ بَنِي تَمْيمٍ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ أَحَدَهُمْ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁-: أَمِّرْ عَلَيْهِمُ الْقَعْقَاعَ بْنَ مَعْبَدٍ، وَقَالَ عمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بَلْ أَمِّرْ عَلَيْهِمُ الْأَقْرَعَ بْنُ حَابِسٍ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعُمَرَ: مَا أَرَدْتَ إِلَّا
_________________
(١) = قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٤٧٨): يمكن أن يُحمل العام في ذلك على الخاص فيكون المراد بالملاحم أكبرها، وهو قتال الدجال، أو ذَكَرَ الدجال ليدخل غيره بطريق الأولى.
(٢) السَّبِية: بفتح السين وكسر الباء وهي المرأة الْمَنْهُوبَةُ. انظر النهاية (٢/ ٣٠٧).
(٣) قَالَ الحَافِظ في الفَتْحِ (٥/ ٤٧٨): إنما نسبهم -ﷺ- إليه لاجتماع نسبهم بنسبه -ﷺ- في إلياس بن مضر. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب العتق - باب من ملك من العرب رقيقًا فوهب وباع - رقم الحديث (٢٥٤٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصَّحَابَة - باب من فضائل غفار وأسلم وجهينة وأشجع. . . - رقم الحديث (٢٥٢٥).
(٤) انظر فتح الباري (٥/ ٤٨٠).
[ ٤ / ٢١٩ ]
خِلَافِي، فَقَالَ عُمَرُ: مَا أَرَدْتُ خِلَافَكَ، فتَمَارَيَا (١) حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَكَانَ عُمَرُ -﵁- بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا حَدَّثَ النَّبِيَّ -ﷺ- حَدِيثًا حَدَّثَهُ كَأَخِي السِّرَارِ (٣)، لَمْ يُسمِعْهُ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ (٤).
* سَببٌ آخَرُ في نُزُولِ الْآيَةِ:
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ -وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾.
_________________
(١) المماراة: المجادلة. انظر النهاية (٤/ ٢٧٥).
(٢) سورة الحجرات آية (١ - ٥).
(٣) السِّرَار: بكسر السين: أي الْكَلَامُ السِّرِّ، من الْمُسَارَرَةِ. انظر النهاية (٢/ ٣٢٤).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قال ابن إسحاق: غزوة عيينة بن حصن - رقم الحديث (٤٣٦٧) - وكتاب التفسير - باب ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ - رقم الحديث (٤٨٤٥) - وكتاب الاعتصام - باب ما يكره من التعمق - رقم الحديث (٧٣٠٢) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦١٣٣).
[ ٤ / ٢٢٠ ]
وَكَانَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ رَفِيعَ الصَّوْتِ، فَقَالَ: أَنَا الذِي كُنْتُ أَرْفَعُ صَوْتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، حَبِطَ عَمَلِي، أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ! وَجَلَسَ في أَهْلِهِ حَزِينًا، فتَفَقَّدَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَانْطَلَقَ بَعْضُ الْقَوْمِ إِلَيْهِ، فَقَالُوا لَهُ: تَفَقَّدَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، مَالَكَ؟ فَقَالَ: أَنَا الذِي أَرْفَعُ صَوْتِي فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ، وَأَجْهَرُ بِالْقَوْلِ، حَبِطَ عَمَلِي، وَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَأَتَوُا النَّبِيَّ -ﷺ- فَأَخْبَرُوهُ بِمَا قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا، بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ".
قَالَ أَنَسٌ: وَكُنَّا نراهُ يَمْشِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّه مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الَيَمَامَةِ (١) كَانَ فِينَا بَعْضُ الِانْكِشَافِ (٢)، فَجَاءَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاس -﵁-، وَقَدْ تَحَنَّطَ وَلَبِسَ كَفَنَهُ، فَقَالَ: بِئْسَمَا تُعَوِّدُونَ أَقْرَانَكُمْ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ -﵁- (٣).
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الْحَافِظُ في الْفتْحِ: الصَّحِيحُ أَنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ كَلَامُ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ (٤).
_________________
(١) معركة اليمامة: هي المعركة التي كانت بين المسلمين وبين مسيلمة الكذاب، وكانت في خلافة أبي بكر الصديق -﵁-، في السنة الثَّانية عشرة للهجرة، وقد قُتِل فيها مسيلمة الكذاب.
(٢) كَشِفَ القوم: انهزموا. انظر لسان العرب (١٢/ ١٠٢).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ - رقم الحديث (٤٨٤٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب مخافة المؤمن أن يحبط عمله - رقم الحديث (١١٩) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٣٩٩).
(٤) انظر فتح الباري (٩/ ٥٦٧).
[ ٤ / ٢٢١ ]
وَقَالَ الْحَافِظُ في الْفتْحِ: وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ هَذَا الْحَدِيثَ، فَإِنَّ الذِي يَتَعَلَّقُ بِقِصَّةِ الشَّيْخَيْنِ في تَخَالُفِهِمَا في التَّأْمِيرِ هُوَ أَوَّلُ السُّورَةِ: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾ وَلَكِنْ لَمَّا اتَّصَلَ بِهَا قَوْلُهُ: ﴿لَا تَرْفَعُوا﴾ تَمَسَّكَ عُمَرُ -﵁- مِنْهَا بِخَفْضِ صَوْتِهِ، وَجُفَاةُ الْأَعْرَابِ الذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هُمْ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ، وَالذِي يَخْتَصُّ بِهِمْ قَوْلُهُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ (١).
* فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ:
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ الْعُلَمَاءُ: يُكْرَهُ رَفع الصَّوْتِ عِنْدَ قَبْرِهِ -ﷺ-، كَمَا كَانَ يُكْرَهُ في حَيَاتِهِ؛ لِأَنَّهُ مُحْترَمٌ حَيًّا وَفِي قَبِرْهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، دَائِمًا، ثُمَّ نَهَى عَنِ الْجَهْرِ لَهُ بِالْقوْلِ كَمَا يَجْهَرُ الرَّجُلُ لِمُخَاطَبِهِ مِمَّنْ عَدَاهُ، بَلْ يُخَاطَبُ بِسَكِينَةٍ وَوَقَارٍ وَتَعْظِيمٍ، وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدٍ قَالَ: كُنْتُ قَائِمًا في الْمَسْجِدِ فَحَصَبَنِي (٢) رَجُلٌ، فنَظَرْتُ فَإِذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁- فَقَالَ: اذْهَبْ فَأْتِنِي بِهَذَيْنِ، فَجِئْتُهُ بِهِمَا. فَقَالَ لَهُمَا عُمَرُ -﵁-: مَنْ أَنْتُمَا؟ -أَوْ قَالَ: مِنْ أَيْنَ أَنْتُمَا؟ قَالَا: مِنْ أَهْلِ الطَّائِفِ، قَالَ: لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا (٣)، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا في مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-! (٤).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٩/ ٥٦٧).
(٢) حصبني: أي رماني بالحصباء، وهو الحصى الصغار. انظر النهاية (١/ ٣٧٩).
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٢/ ١٣٧): زاد الإسماعيلي: "جَلْدًا".
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب رفع الصوت في المسجد - رقم الحديث (٤٧٠) - وانظر كلام الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ٣٦٨).
[ ٤ / ٢٢٢ ]
وَفْدُ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ
وَفِي أَوَّلِ سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَشَرَةُ رَهْطٍ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ، فِيهِمْ: حَضْرَمِيُّ بْنُ عَامِرٍ، وَضِرَارُ بْنُ الْأَزْوَرِ، وَوَابِصَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، وَنُقَادَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَطُلَيْحَةُ (١) بْنُ خُوَيْلِدٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَصْحَابِهِ، فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَتَكَلَّمُوا، فَقَالَ حَضْرَمِيُّ بْنُ عَامِرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا شَهِدْنَا أَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأنَّكَ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَجِئْنَاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَمْ تَبْعَثْ إِلَيْنَا بَعْثًا، وَلَمْ نُقَاتِلْكَ كَمَا قَاتَلَتْكَ الْعَرَبُ، وَنَحْنُ عَلَى مَنْ وَرَاءَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢).
وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ بَنِي أَسَدٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَتَكَلَّمُوا، فَقَالُوا: قَاتَلَتْكَ مُضَرٌ، وَلَسْنَا
_________________
(١) ارتد طليحة بن خويلد بعد ذلك، وادعى النبوة، ثم تاب، وعاد إلى الإسلام، وسيأتي خبر ارتداده في آخر العام العاشر للهجرة.
(٢) سورة الحجرات آية (١٧) - والخبر في الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٤١).
[ ٤ / ٢٢٣ ]
بِأَقَلِّهِمْ عَدَدًا، وَلَا أَكَلِّهِمْ (١) شَوْكَةً، وَصَلْنَا رَحِمَكَ، فَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄: "تَكَلَّمُوا هَكَذَا"، قَالُوا: لَا، قَالَ: "إِنَّ فِقْهَ هَؤُلَاءِ قَلِيلٌ، وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْطِقُ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ"، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٢).
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَبَنُو أَسَدٍ كَانُوا فِيمَنِ ارْتَدَّ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَتَبِعُوا طُلَيْحَةَ بْنَ خُوَيْلِدٍ الْأَسَدِيَّ لَمَّا ادَّعَى النُّبُوَّةَ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ -﵁- فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-، وَكَسَرَهُمْ، وَرَجَعَ بَقِيَّتُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَتَابَ طُلَيْحَةُ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ (٣).
* * *
_________________
(١) الكَلُّ: الضعف. انظر لسان العرب (١٢/ ١٤٣).
(٢) سورة الحجرات آية (١٧) - والخبر أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب سورة الحجرات - رقم الحديث (١١٤٥٥).
(٣) انظر فتح الباري (١٣/ ٧٨).
[ ٤ / ٢٢٤ ]
سَرِيَّةُ الضَّحَّاكِ بْنِ سُفْيَانَ -﵁- إِلَى بَنِي كِلابٍ
بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الضَّحَّاكَ بْنَ سُفْيَانَ الْكِلَابِيَّ -﵁-، فِي سَرِيَّةٍ إِلَى الْقُرَطَاءَ (١)، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيع الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ؛ لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَمَعَهُ الْأَصَيْدُ بْنُ سَلَمَةَ بْنِ قُرَطٍ، فَلَقُوهُمْ بِالزُّجِّ زُجِّ لَاوَهَ (٢)، فَدَعَوْهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَوا، فَقَاتَلُوهُمْ فَهَزَمُوهُمْ، وَلَحِقَ الْأَصَيْدُ أبَاهُ سَلَمَةَ، وَسَلَمَةُ عَلَى فَرَس له فِي غَدِيرٍ بِالزُّجِّ، فَدَعَا أَبَاهُ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَعْطَاهُ الْأَمَانَ، فَسَبَّهُ وَسَبَّ دِينَهُ، فَضَرَبَ الْأَصَيْدُ عُرْقُوبَيْ فَرَسِ أَبِيهِ فَوَقَعَ، فَأَمْسَكَ أَبَاهُ إِلَى أَنْ جَاءَهُ أَحَدُ الْمُسْلِمِينَ فَقتَلَهُ، وَلَمْ يَقْتُلْهُ ابْنُهُ (٣).
* * *
_________________
(١) الْقُرَطَاءُ: بضم القاف وفتح الراء، بَطْنٌ مِنْ بَنِي بَكْرٍ، واسمه عبيد بن كلاب. انظر شرح المواهب (٤/ ٤١).
(٢) زُجُّ لَاوَهَ: بضم الزاي وتشديد الجيم، موضعٌ بِنَجْدٍ. انظر معجم البلدان (٤/ ٤٦٩).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٣١) - شرح المواهب (٤/ ٤١).
[ ٤ / ٢٢٥ ]
سَرِيَّةُ علْقَمَةَ بْنِ مُجَزِّرٍ (١) -﵁-
وَسَبَبُ هَذِهِ السَّرِيَّةُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَلَغَهُ أَنَّ نَاسًا مِنَ الْحَبَشَةِ قَدِ اجْتَمَعُوا بِالْقُرْبِ مِنْ سَوَاحِلِ جُدَّةَ، فَبَعَثَ إِلَيْهِمْ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزِّرٍ الْمُدْلِجِيَّ -﵁-، وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِمَسِيرِ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ هَرَبُوا، فَلَمْ يَلْقَ عَلْقَمَةُ -﵁- وَأَصْحَابُهُ كَيْدًا.
ثُمَّ رَجَعُوا، فَاسْتَأْذَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالتَّعَجُّلِ إِلَى أَهْلِيهِمْ، فَأَذِنَ لَهُمْ عَلْقَمَةُ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ السَّهْمِيَّ (٢) -﵁-، وَكَانَتْ فِيهِ دُعَابَةٌ (٣)، فَنَزَلُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ وَأَوْقَدُوا نَارًا يَصْطَلُونَ (٤) عَلَيْهَا، وَيَصْنَعُونَ طَعَامَهُمْ، فَقَالَ
_________________
(١) مُجَزِّر: بضم الميم وفتح الجيم تشديد الزاي المكسورة.
(٢) قلت: وقد وقع في صحيح البخاري ومسلم أن أمير هذه السرية رجل من الأنصار، وعبد اللَّه بن حذافة السهمي -﵁- من المهاجرين. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٨٣): يحتمل الحمل على المعنى الأعم أي أنه نصر رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في الجملة. وقال ابن الجوزي فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٨/ ٣٨٣): قوله: من الأنصار، وَهْم من بعض الرواة، وإنما هو سهمي. قلت: والذي نميل إليه: هو قول ابن الجوزي، واللَّه أعلم.
(٣) الدُّعَابَةُ: الْمِزَاحُ. انظر النهاية (٢/ ١١١).
(٤) يَصْطَلُونَ: يَتَدَفئونَ. انظر لسان العرب (٧/ ٣٩٩). ومنه قوله تَعَالَى في سورة القصص آية (٢٩) على لسان موسى ﵇ لزوجته: =
[ ٤ / ٢٢٦ ]
لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ: أَليْسَ لِي عَلَيْكُمُ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ؟ .
قَالُوا: بَلَى، قَالَ: أَفَمَا أَنَا آمُرُكُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا فَعَلْتُمُوهُ؟
قَالُوا: بَلَى، قَالَ: فَإِنِّي أَعْزِمُ عَلَيْكُمْ بِحَقِّي وَطَاعَتِي إِلَّا تَوَاثَبْتُمْ فِي هَذهِ النَّارِ!، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا فَرَرْنَا إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- مِنَ النَّارِ، وَقَامَ نَاسٌ حَتَّى إِذَا ظَنَّ أَنَّهُمْ وَاثِبُونَ فِيهَا، قَالَ: أَمْسِكُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّمَا كُنْتُ أَضْحَكُ (١) مَعَكُمْ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَوْ دَخَلْتُمُوهَا لَمْ تَزَالُوا فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ".
وَنَزَلَ فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢).
_________________
(١) = ﴿. . . لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ﴾.
(٢) في رواية الطحاوي في شرح مشكل الآثار: ألعب.
(٣) سورة النساء آية (٥٩) - والقصة أخرجها: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب سرية عبد اللَّه بن حذافة السهمي وعلقمة بن مُجزِّر - رقم الحديث (٤٣٤٠) - وأخرجه في كتاب التفسير - باب أطيعوا اللَّه وأطيعوا الرسول - رقم الحديث (٤٥٨٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية - رقم الحديث (١٨٤٠) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب طاعة الأئمة - رقم الحديث (٤٥٥٨) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٦٢١) (٤٨٩٨) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣١٢٤) (١١٦٣٩) - وابن سعد في طبقاته (٢/ ٣٣١).
[ ٤ / ٢٢٧ ]
سَرِيَّةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- إِلَى الْفُلْسِ (١)
وَفِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁- لِهَدْمِ الْفُلْسِ، وَمَعَهُ خَمْسُونَ وَمِائَةُ رَجُلٍ مِنَ الْأَنْصَارِ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ وَخَمِسِينَ فَرَسًا، فَشَنُّوا عَلَى قَبِيلَةِ طَيْءٍ مَعَ الْفجْرِ، فَهَدَمُوا الْفُلْسَ وَخَرَّبُوهُ، وَمَلَأُوا أَيْدِيَهُمْ مِنَ السَّبْيِ وَالنَّعَمِ وَالشَّاءِ، وَكَانَ فِي السَّبْيِ سَفَّانَةُ أُخْتُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، وَهَرَبَ عَدِيٌّ إِلَى الشَّامِ، فَلَمَّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مَنَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أُخْتِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ، فَأَطْلَقَهَا، فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا فِي إِسْلَامِ أَخِيهَا عَدِيٍّ -﵁- (٢).
* * *
_________________
(١) الفُلْسُ: بضم الفاء وسكون اللام: هو صَنَمٌ لقبيلة طيء. انظر النهاية (٣/ ٤٢٣).
(٢) انظر الطبقات الكبرى (٢/ ٣٣١) لابن سعد.
[ ٤ / ٢٢٨ ]
قِصَّةُ إِسْلامِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ -﵁-
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -﵁- قَالَ: جَاءَتْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، أَوْ قَالَ: رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَخَرَجْتُ حَتَّى كُنْتُ فِي أَقْصَى الْأَرْضِ مِمَّا يَلِي الرُّومَ، فَأَخَذُوا عَمَّتِي (١) وَنَاسًا، فَلَمَّا أَتَوْا بِهِمْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَصُفُّوا لَهُ، قَالَتْ عَمَّتِي: يَا رَسُولَ اللَّهِ! نَأَى (٢) الْوَافِدُ، وَانْقَطَعَ الْوَلَدُ، وَأَنَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ، مَا بِي مِنْ خِدْمَةٍ، فَمُنَّ عَلَيَّ، مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ وَافِدُكِ؟ "، قَالَتْ: عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ.
قَالَ -ﷺ-: "الذِي فَرَّ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولهِ؟ ".
قَالَتْ: فَمُنَّ عَلَيَّ، قَالَتْ: فَلَمَّا رَجَعَ وَرَجُلٌ إِلَى جَنْبِهِ، تُرَى أَّنَّهُ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، قَالَ: سَلِيهِ حُمْلَانًا، فَسَأَلتْهُ، فَأَمَرَ لَهَا، قَالَتْ: فَانْطَلَقْتُ حَتَّى أَتَيْتُ عَدِيًّا، وَقُلْتُ لَهُ: لقَدْ فَعَلْتَ فَعْلَةً مَا كَانَ أَبُوكَ يَفْعَلُهَا (٣)، فَأْتِهِ -أَي ائْتَ
_________________
(١) هذه رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٣٨١) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٧٢٠٦). وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٣٤): ابنة حاتم الطائي -أي أخت عدي-.
(٢) نَأَى: أي بَعُدَ. انظر لسان العرب (٧/ ١٤).
(٣) الفعلة التي فعلها هو أنه فَرَّ، ولم يأخذ أهله معه.
[ ٤ / ٢٢٩ ]
رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رَاغِبًا أَوْ رَاهِبًا، فَقَدْ أَتَاهُ فُلَانٌ، فَأَصَابَ مِنْهُ، وَأَتَاهُ فُلَانٌ، فَأَصَابَ مِنْهُ.
قَالَ عَدِيٌّ: فَذَهَبْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ، اسْتَشْرَفَ لِيَ النَّاسُ، وَقَالُوا: جَاءَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ، جَاءَ عَدْيُّ بْنُ حَاتِمٍ، فَلَمَّا أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ لِي: "يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ! مَا أَفرَّكَ (١) أَنْ يُقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ فَهَلْ مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ؟، مَا أَفَرَّكَ أَنْ يُقَالَ: اللَّهُ أَكْبَر؟ فَهَلْ مِنْ شَيْءٍ أَكْبَرُ مِنَ اللَّهِ؟، يَا عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ، أَسْلِمْ تَسْلَمْ" ثَلَاثًا.
قُلْتُ: إِنِّي عَلَى دِينٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أنَّا أَعْلَمُ بِدِينِكَ مِنْكَ".
فَقُلْتُ: أَنْتَ أَعْلَمُ بِدِينِي مِنِّي؟ ! .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ، أَلَسْتَ مِنَ الرَّكُوسِيَّةِ (٢)، وَأَنْتَ تَأْكُلُ مِرْبَاعَ (٣) قَوْمِكَ؟ ".
قُلْتُ: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَإِنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ لَكَ فِي دِينِكَ".
قَالَ عَدِيٌّ: فَلَمْ يَعْدُ أَنْ قَالَهَا، فتَضَعْضَعْتُ (٤) لِذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ
_________________
(١) أَفْرَرْتَ الرَّجُلَ: إذا فعلتَ به فِعْلًا يَفِرُّ منك لأجله، أي: ما يُهْرِبُكَ منَ الإسلامِ؟ . انظر جامع الأصول (٩/ ١١٢).
(٢) الرَّكُوسِيَّةُ: هو دِينٌ بين النَّصَارى والصَّابِئِينَ. انظر النهاية (٢/ ٢٣٥).
(٣) الْمِرْبَاعُ: كان الملك في الجاهلية يأخذ الرُّبع من الغنيمة في الجاهلية دون أصحابه، ويُسمى ذلك الربع: الْمِرْبَاعَ. انظر النهاية (٢/ ١٧١).
(٤) تَضَعْضَعَ: خَضَعَ وذَلَّ. انظر النهاية (٣/ ٨١). وفي رواية الإمام أحمد في مسنده: فتواضعت.
[ ٤ / ٢٣٠ ]
-ﷺ-: "أَمَا إِنِّي أَعْلَمُ مَا الذِي يَمْنَعُكَ مِنَ الْإِسْلَامِ، تَقُولُ: إِنَّمَا اتَّبَعَهُ ضَعَفَةُ النَّاسِ، وَمَنْ لَا قُوَّةَ لَهُ، وَقَدْ رَمَتْهُمُ الْعَرَبُ، أَتَعْرِفُ الْحِيرَةَ؟ " (١).
قُلْتُ: لَمْ أَرَهَا، وَقَدْ سَمِعْتُ بِهَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَوَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُتَمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الْأَمْرَ (٢) حَتَّى تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ (٣) مِنَ الْحِيرَةِ حَتَّى تَطُوفَ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارِ أَحَدٍ، وَلَيُفْتَحَنَّ كُنُوزَ كسْرَى بْنِ هُرْمُزَ".
فَقَالَ عَدِيٌّ: كِسْرَى بْنُ هُرْمُزَ؟ ! .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ، كسْرَى بْنُ هُرْمُزَ، وَلَيُبَذَلَنَّ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ" (٤).
_________________
(١) الْحِيرَةُ: بكسر الحاء: البَلَدُ القديمُ بظهرِ الكوفة، ومحلة معروفة بنيسابور. انظر النهاية (١/ ٤٤٨).
(٢) المقصود بالأمر هنا: الإسلام، أي سينتشر الإسلام انتشارًا واسعًا في الأرض.
(٣) الظَّعينة: المرأة. انظر النهاية (٣/ ١٤٣).
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٧/ ٣١٩): أي لعدم الفقراء في ذلك الزمان، وقد تقدم في الزكاة -من صحيح البخاري- قول من قال: إن ذلك عند نزول عيسى ابن مريم ﵇، ويحتمل أن يكون ذلك إشارة إلى ما وقع في زمن عمر بن عبد العزيز، وبذلك جزم البيهقي في الدلائل (٦/ ٣٢٣) عن عمر بن أسيد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: إنما ولي عمر بن عبد العزيز، ثلاثين شهرًا، ألا واللَّه ما مات حتى جعل الرجل يأتيه بالمال العظيم، فيقول: اجعلوا هذا حيث ترون في الفقراء، فما برح حتى يرجع بالمال، يتذكر من يضعه فيه، فلا يجده، وقد أغنى عمر الناس. قال الحافظ: ولا شك في رجحان هذا الاحتمال على الأول، لقوله -ﷺ- في الحديث: "ولئن طالت بك حياة" -وهي رواية البخاري في صحيحه.
[ ٤ / ٢٣١ ]
قَالَ عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ -﵁-: فَهَذِهِ الظَّعِينَةُ تَخْرُجُ مِنَ الْحِيرَةِ، فتَطُوفُ بِالْبَيْتِ فِي غَيْرِ جِوَارٍ، وَلقدْ كُنْتُ فِيمَنْ فَتَحَ كُنُوزَ كِسْرَى بْنِ هُرْمُزَ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَتَكُونَنَّ الثَّالِثَةُ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ قَالَهَا (١).
* حَدِيثٌ ضَعِيفٌ:
رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -﵁- قَالَ: أتيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ-، وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا عَدِيُّ، اطْرَحْ عَنْكَ هَذَا الْوَثَنَ" (٢)، وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ (٣)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْبُدُونَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإذَا حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ" (٤).
_________________
(١) أخرج قصة إسلام عدي بن حاتم -﵁-: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٢٦٠) (١٩٣٨١) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب إخباره -ﷺ- عما يكون في أمته - رقم الحديث (٦٦٧٩) (٧٢٠٦) - والترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة فاتحة الكتاب - رقم الحديث (٣١٨٦). وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٢٣٤). وأخرج البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإسلام - رقم الحديث (٣٥٩٥): من قوله -ﷺ-: "يا عدي هل رأيت الحيرة؟ " إلى نهاية الحديث.
(٢) الوَثَنُ: هو ما يُعْبَدُ من دون اللَّه، وأراد به هاهنا: الصَّلِيبَ. انظر جامع الأصول (٢/ ١٦١).
(٣) سورة التوبة آية (٣١).
(٤) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة التوبة - رقم الحديث (٣٣٥٢) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦٥١).
[ ٤ / ٢٣٢ ]
قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ السَّلَامِ بنِ حَرْبٍ، وَغُطَيفُ بنُ أَعْيَنَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ فِي الحَدِيثِ.
* سُؤَالُ عَدِيٍّ -﵁- عَنْ أَبِيهِ:
ثُمَّ إِنَّ عَدِيًّا -﵁- سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ أَبِيهِ حَاتِمٍ الطَّائِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالْكَرَمِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبِي كَانَ يُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ، وَيَعْتِقُ الرِّقَابَ، فَهَلْ لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ أجْرٍ؟ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ أَباكَ أَرَادَ أَمْرًا فَأَدْرَكَهُ" يَعْنِي الذِّكْرَ.
وَفِي رِوَايَةٍ: "فَأَصَابَهُ" (١)
* شَيْءٌ مِنْ فَضَائِلِ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -﵁-:
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -﵁- قَالَ: أَتَيْنَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -﵁- وَذَلِكَ فِي خِلَافَتِهِ- فِي وَفْدٍ فَجَعَلَ يَدْعُو رَجُلًا رَجُلًا وَيُسَمِّيهِمْ، فَقُلْتُ: أَمَا تَعْرِفُنِي يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ؟ .
قَالَ: بَلَى، أَسْلَمْتَ إِذْ كَفَرُوا، وَأَقْبَلْتَ إِذْ أَدْبَرُوا، وَوَفَيْتَ إِذْ غَدَرُوا، وَعَرَفْتَ إِذْ أَنْكَرُوا.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٢٦٢) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٣٦٠) (٤٣٦١) - وهو حديث حسن.
[ ٤ / ٢٣٣ ]
فَقَالَ عَدِيٌّ: فَلَا أُبَالِي إِذًا (١).
وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ -﵁- قَالَ: أَتَيْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -﵁- فَقَالَ لِي: إِنَّ أَوَّلَ صَدَقَةٍ بَيَّضَتْ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَوُجُوهَ أَصْحَابِهِ صَدَقَةُ طَيْءٍ، جِئْتَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٢).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قصة وفد طيء وحديث عدي بن حاتم - رقم الحديث (٤٣٩٤) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦٦٦٣).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل غفار واسلم وجهينة. . . إلخ - رقم الحديث (٢٥٢٣).
[ ٤ / ٢٣٤ ]
قُدُومُ وَفْدِ طَيْءٍ
قَدِمَ عَلَى رَسولِ اللَّهِ -ﷺ- وَفْدُ طَيْءٍ، وَذَلِكَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ (١)، وَكَانُوا خَمْسَةَ عَشَرَةَ رَجُلًا، فِيهِمْ: قَبِيصَةُ بْنُ الْأَسوَدِ، وَقُعيْنُ بْنُ خُلَيْفٍ، وَرَأْسُهُمْ وَسَيِّدُهُمْ زَيْدُ الْخَيْلِ (٢) بْنُ مُهَلْهِلَ مِنْ بَنِي نَبْهَانَ، وَكَانَ شَاعِرًا خَطِيبًا، بَلِيغًا جَوَادًا، فَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ وَرَسولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْمَسْجِدِ، فَأَنَاخُوا رَوَاحِلَهُمْ بِفِنَاءَ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ دَخَلُوا فَدَنَوْا مِنْ رَسولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، فَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِزَيْدِ الْخَيْلِ: "مَنْ أَنْتَ؟ "، قَالَ: أَنَا زَيْدُ الْخَيْلِ بْنُ مُهَلْهِلَ، فَقَالَ لَهُ رَسولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا ذُكِرَ لِي رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ بِفَضْلٍ، ثُمَّ جَاءَنِي إِلَّا رَأَيْتُهُ دُونَ مَا يُقَالُ فِيهِ، إِلَّا زَيْدُ الْخَيْلِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ كُلُّ مَا كَانَ فِيهِ" ثُمَّ سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَيْدَ الْخَيْرِ.
ثُمَّ أَجَازَ رَسولُ اللَّهِ -ﷺ- كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بِخَمْسِ أَوَاقِ فِضَّةٍ، ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى بِلَادِهِمْ (٣).
_________________
(١) ذكر ذلك الحافظ في الإصابة (٢/ ٥١٣).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٩٥): قيل له زيد الخيل لكرائم الخيل التي كانت له، وسماه الرسول -ﷺ- زيد الخير بالراء بدل اللام، وأثنى عليه، فأسلم وحسن إسلامه -﵁-.
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٢٣٣) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٥٥).
[ ٤ / ٢٣٥ ]
وَفْدُ بَجِيلةَ (١) وأَحْمَسَ (٢)
قَدِمَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ -﵁- الْمَدِينَةَ وَمَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِائَةٌ وَخَمْسُونَ رَجُلًا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، عَرضَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي خُطْبَتِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَدْخُلُ عَلَيْكُمْ مِنْ هَذَا البَابِ -أَوْ مِنْ هَذَا الفجِّ- مِنْ خَيْرِ ذِي يَمَنٍ، عَلَى وَجْهِهِ مَسْحَةُ مَلَكٍ"، فَأَخَذَ النَّاسُ كُلُّ رَجُلٍ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَإِذَا هُمْ بَجَرِيرٌ -﵁- قَدْ طَلَعَ مِنَ الثَّنِيَّةِ عَلَى رَاحِلَتِه، ومَعَهُ قَوْمُهُ.
قَالَ جَرِيرٌ: فَأَنَخْتُ رَاحِلَتِي، ثُمَّ حَلَلْتُ عَيْبَتِي (٣)، ثُمَّ لَبِسْتُ حُلَّتِي، ثُمَّ دَخَلْتُ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَخْطُبُ، فَرَمَانِي النَّاسُ بِالْحَدَقِ (٤)، فَقُلْتُ لِجَلِيسِي: يَا عَبْدَ اللَّهِ! ذَكَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟
قَالَ: نَعَمْ، ذَكَرَكَ آنِفًا بِأَحْسَنِ ذِكْرٍ، فَأَخْبَرَهُ مَا قَالَ، قَالَ جَرِيرٌ: فَحَمِدْتُ اللَّهَ ﷿ عَلَى مَا أَبْلَانِي (٥).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٤٠١): بَجِيلَة: بفتح الباء وكسر الجيم، وهي امرأة نُسِبَتْ إليها القبيلة المشهورة.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٤٠١): أَحْمَس: بفتح الهمزة والميم بوزن أحمر، وهم إخوة بجيلة.
(٣) الْعَيْبَةُ: ما يُجْعَلُ فيه الثِّيَابُ. انظر النهاية (٣/ ٢٩٥).
(٤) الْحَدَقَةُ: هي الْعَيْنُ، والتَّحْدِيقُ: شِدَّةُ النَّظَرِ. انظر النهاية (١/ ٣٤١).
(٥) أخرج ذلك كله: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩١٨٠) - ابن حبان في =
[ ٤ / ٢٣٦ ]
ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى سَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَبَسَطَ لِي رِدَاءَهُ وَقَالَ: "عَلَى هَذَا يَا جَرِيرٌ فَاقْعُدْ"، وَالْتَفَتَ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ: "إِذَا أَتَاكُمْ كَرِيمُ قَوْمٍ فَأَكْرِمُوهُ" (١).
ثُمَّ أَسْلَمَ جَرِيرٌ هُوَ وَقَوْمُهُ، وَبَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ، وَالنُّصْحِ لِكُلِّ مُسْلِمٍ (٢).
قَالَ جَرِيرٌ -﵁-: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا تَبَسَّمَ فِي وجْهِي (٣).
* أَهَمِيَّةُ أَحَادِيثِ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵁-:
تَكْمُنُ أَهَمِيَّةُ أَحَادِيثِ جَرِيرٍ -﵁- بِأَنَّ إِسْلَامَهُ كَانَ مُتَأَخِّرًا، فَيَكُونُ فِعْلُهُ -﵁-
_________________
(١) = صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر جرير بن عبد اللَّه البجلي - رقم الحديث (٧١٩٩) - وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(٢) أخرج ذلك ابن ماجه في سننه - كتاب الأدب - باب إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه - رقم الحديث (٣٧١٢) - والحاكم في المستدرك - كتاب الأدب - باب إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه - رقم الحديث (٧٨٦١) - وإسناده حسن بالشواهد.
(٣) أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب بيان أن الدين النصيحة - رقم الحديث (٥٦) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩١٥٣).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب من لا يثبت على الخيل - رقم الحديث (٣٠٣٥) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل جرير بن عبد اللَّه -﵁- رقم الحديث (٢٤٧٥) (١٣٥) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر جرير بن عبد اللَّه البجلي -﵁- رقم الحديث (٧٢٠٠).
[ ٤ / ٢٣٧ ]
مُقَدَّمٌ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ هَمَّامٍ قَالَ: بَالَ جَرِيرٌ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ، فَقِيلَ لَهُ: تَفْعَلُ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ بَالَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَمَسَحَ عَلَى خُفَّيْهِ.
قَالَ الْأَعْمَشُ: قَالَ إِبْرَاهِيمُ: فَكَانَ أَصْحَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- يُعْجِبُهُمْ هَذَا الْحَدِيثُ؛ لِأَنَّ إِسْلَامَ جَرِيرٍ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ الْمَائِدَةِ (١).
* خَبَرٌ مُنْكَرٌ:
قُلْتُ: وَقَعَ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ لِلطَّحَاوِيِّ قَوْلُ جَرِيرٍ -﵁-: أَسْلَمْتُ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَا أَسْلَمَ جَرِيرٌ إِلَّا قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِأَرْبَعِينَ لَيْلَةً (٢).
وَهَذَا الْخَبَرُ إِسْنَادُهُ صَحِيح، لَكِنَّهُ مَرْدُودٌ؛ لِمَا فِي مَتْنِهِ مِنْ نَكَارَةٍ.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ هَذَا الْخَبَرَ: وَهَذَا عِنْدَنَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ (٣).
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفتْحِ: اخْتُلِفَ فِي إِسْلَامِ جَرِيرٍ -﵁-، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ أَسْلَمَ فِي سَنَةَ الْوُفُودِ سَنَةَ تِسْعٍ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ: إِنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ -ﷺ-
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الصلاة في الخفاف - رقم الحديث (٣٨٧) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين - رقم الحديث (٢٧٢) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٤٩٢).
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٦/ ٢٩٩).
(٣) انظر شرح مشكل الآثار (٦/ ٣٠٠).
[ ٤ / ٢٣٨ ]
بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لَهُ: "اسْتَنْصِتِ النَّاسَ" (١) فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ -ﷺ- بِأَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ يَوْمًا (٢).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب العلم - باب الإنصات للعلماء - رقم الحديث (١٢١) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب بيان معنى قول النبي -ﷺ-: "لا ترجعوا بعدي كفارًا" - رقم الحديث (٦٥) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٤٩٦).
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٥٢٢).
[ ٤ / ٢٣٩ ]
وَفْدُ الأَحْمَسِيِّينَ
وَقَدِمَ قَيْسُ بْنُ عَزْرَةَ الْأَحْمَسِيُّ فِي مِائتَيْنِ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ أَحْمَسَ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ أَنْتُمْ؟ "، فَقَالُوا: نَحْنُ أَحْمَسُ (١) اللَّهِ -وَكَانَ يُقَالُ لَهُمْ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ- فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَأَنْتُمْ الْيَوْمَ للَّهِ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِبِلَالٍ: "أَعْطِ رَكْبَ بَجِيلةَ، وَابْدَأْ بِالْأَحْمَسِيِّينَ"، فَفَعَلَ (٢).
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ بَجِيلَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اكْسُوا الْبَجَلِيِّينَ، وَابْدَؤُوا بِالْأَحْمَسِيِّينَ"، قَالَ: فتَخَلَّفَ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ، قَالَ: حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَقُولُ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: فَدَعَا لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَمْسَ مَرَّاتٍ: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِمْ" أَوْ "اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِمْ" (٣).
* * *
_________________
(١) الْأَحْمَسُ: الْمُتَشَدِّدُ في دِيِنهِ. انظر النهاية (١/ ٤٢٣).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٦٧).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٨٣٣).
[ ٤ / ٢٤٠ ]
هَدْمُ ذِي الْخَلَصَةِ (١)
ذُو الْخَلَصَةِ، هُوَ بَيْتٌ فِيهِ صَنَمٌ بِالْيَمَنِ لِدَوْسٍ وَخَثْعَمَ (٢) وَبَجِيلَةَ، وَمَنْ كَانَ ببلَادِهِمْ مِنَ الْعَرَبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِجَرِيرٍ -﵁-: "ألا تُرِيحُنِي مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ؟ ".
فَقَالَ جَرِيرٌ -﵁-: بَلَى، فَعَقَدَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِوَاءً، وَانْطَلَقَ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ، وَكَانُوا أَصْحَابَ خَيْلٍ.
قَالَ جَرِيرٌ -﵁-: وَكُنْتُ لَا أَثْبُتُ عَلَى الْخَيْلِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-، فَضَرَبَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ يَدِهِ فِي صَدْرِي، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ ثَبِّتْهُ وَاجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا"، قَالَ: فَمَا وَقَعْتُ عَنْ فَرَسٍ بَعْدُ.
فَانْطَلَقَ جَرِيرٌ -﵁- وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى أَتَى ذِي الْخَلَصَةِ فَحَرَقَهَا بِالنَّارِ وَكَسَرَهَا، ثُمَّ بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلًا مِنْ أَحْمَسَ، يُكَنَّى أَبَا أَرْطَاةَ (٣) حُصَيْنَ بْنَ رَبِيعَةَ، لِيُبَشِّرَهُ بِهَدْمِهَا، فَلَمَّا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٩٩): الْخَلَصَةُ: بفتح الخاء واللام.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٩٩): خَثْعَمُ: بفتح الخاء، على وزن جعفر، قبيلة مشهورة.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٤٠٢): أَرْطَاة بفتح الهمزة وسكون الراء، والصواب في اسمه حصين بن ربيعة، وهو صحابي بَجَلي لم أر له ذكرًا إلا في هذا الحديث.
[ ٤ / ٢٤١ ]
وَالذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، مَا جِئْتُ حَتَّى تَرَكْتُهَا كَأنَّهَا جَمَلٌ أَجْرَبُ (١)، فَبَرَّكَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى خَيْلِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرَّاتٍ، وَمَا لَبِثَ جَرِيرٌ -﵁- أَنْ رَجَعَ، فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَلِأَحْمَسَ (٢).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَاَلَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - مَشْرُوعِيَّةُ إِزَالَةِ مَا يَفْتَتِنُ بِهِ النَّاسُ مِنْ بِنَاءٍ وَغَيْرِهِ، سَوَاءٌ كَانَ إِنْسَانًا أَوْ حَيَوانًا أَوْ جَمَادًا.
٢ - وَفِيهِ اسْتِمَالَةُ نُفُوسِ الْقَوْمِ بِتَأْمِيرِ مَنْ هُوَ مِنْهُمْ.
٣ - وَفِيهِ الِاسْتِمَالَةُ بِالدُّعَاءِ.
٤ - وَفِيهِ الثَّنَاءُ وَالْبِشَارَةُ فِي الْفُتُوحِ.
٥ - وَفِيهِ فَضْلُ رُكُوبِ الْخَيْلِ فِي الْحَرْبِ.
٦ - وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ.
٧ - وَفِيهِ الْمُبالَغَةُ فِي نِكَايَةِ الْعَدُوِّ.
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٤٠٢) هو كناية عن نَزْعِ زِينَتِهَا وإِذْهَابِ بَهْجَتِهَا.
(٢) أخرج ذلك كله: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة ذي الخلصة - رقم الحديث (٤٣٥٥) (٤٣٥٦) (٤٣٥٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل جرير بن عبد اللَّه -﵁- رقم الحديث (٢٤٧٦) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب أصحابه - باب ذكر جرير بن عبد اللَّه البجلي - رقم الحديث (٧٢٠١) (٧٢٠٢) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٤٩٧).
[ ٤ / ٢٤٢ ]
٨ - وَفِيهِ مَنَاقِبٌ لَجَرِيرٍ -﵁- وَلقَوْمِهِ.
٩ - وَفِيهِ بَرَكَةُ يَدِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَدُعَائِهِ، وَأَنَّهُ كَانَ يَدْعُو وِتْرًا، وَقَدْ يُجَاوِزُ الثَّلَاثَ.
١٠ - وَفِيهِ تَخْصِيصٌ لِعُمُومِ قَوْلِ أَنَسٍ: "كَانَ إِذَا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا" (١)، فَيُحْمَلُ عَلَى الْغَالِبِ، وَكَأَنَّ الزِّيَادَةَ لِمَعْنًى اقْتَضَى ذَلِكَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَحْمَسَ لِمَا اعْتَمَدُوهُ مِنْ دَحْضِ الْكُفْرِ وَنَصْرِ الْإِسْلَامِ، وَلَا سِيَّمَا مَعَ الْقَوْمِ الذِينَ هُمْ مِنهُمْ (٢).
* * *
_________________
(١) حديث: "كان رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إذا دعا دعا ثلاثًا" - أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب ما لقي النبي -ﷺ- من أذى المشركين والمنافقين - رقم الحديث (١٧٩٤).
(٢) انظر فتح الباري (٨/ ٤٠٢).
[ ٤ / ٢٤٣ ]
وَفْدُ خَثْعَمَ
وَبَعْدَمَا هَدَمَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ -﵁-، ذَا الْخَلَصَةِ، وَقتَلَ مَنْ قَتَلَ مِنْ خَثْعَم، قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَفْدٌ مِنْهُمْ، فِيهِمْ: أَنَسُ بْنُ مُدْرِكٍ، وَحُصَيْنُ بْنُ مُشَمِّتٍ، فَقَالُوا: آمَنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَبَايَعُوهُ بَيْعَةَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: اكْتُبْ لَنَا كِتَابًا نَتَّبعُ مَا فِيهِ، فَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا، شَهِدَ عَلَيْهِ جَرِيرٌ -﵁-، وَمَنْ حَضَرَ (١).
* * *
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٦٨).
[ ٤ / ٢٤٤ ]
وَفَاةُ النَّجَاشِيِّ -﵁- وَفَضْلُهُ
وَفِي رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ (١)، تُوُفِّيَ أَصْحَمَةُ النَّجَاشِيُّ -﵁- مَلِكُ الْحَبَشَةِ-، فَنَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أَصْحَابِهِ، وَخَرَجَ بِهِمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِ صَلَاةَ الْغَائِبِ.
وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ -ﷺ- صَلَّى عَلَى غَائِبٍ سِوَاهُ، وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَاتَ بَيْنَ قَوْمٍ نَصَارَى، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ الذِينَ كَانُوا مُهَاجِرِينَ عِنْدَهُ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ مُهَاجِرِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ عَامَ خَيْبَرَ (٢) -كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ-.
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَعَى لَهُمُ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ فِي الْيَوْمِ الذِي مَاتَ فِيهِ، وَقَالَ: "اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ" (٣).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄،
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء (١/ ٤٤٣) - الإصابة (١/ ٣٤٨).
(٢) انظر سير أعلام النبلاء (١/ ٤٢٩).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب موت النجاشي - رقم الحديث (٣٨٨٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجنائز - باب في التكبير على الجنازة - رقم الحديث (٩٥١) (٦٣).
[ ٤ / ٢٤٥ ]
قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- حِينَ مَاتَ النَّجَاشِيُّ: "مَاتَ الْيَوْمَ رَجُلٌ صَالِحٌ، فَقُومُوا فَصَلُّوا عَلَى أَخِيكُمْ أَصْحَمَةَ" (١).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَصَفَّنَا وَرَاءَهُ، فكنْتُ فِي الصَّفِّ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ (٢).
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَ النَّجَاشِيُّ كُنَّا نتحَدَّثُ: أَنَّهُ لَا يَزَالُ عَلَى قَبْرِهِ نُورٌ (٣).
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا بِشَيْءٍ عِنِ النَّجَاشِيِّ -﵁- عِنْدَ ذِكْرِ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى النَّجَاشِيِّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ، فَرَاجِعْهُ.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب موت النجاشي - رقم الحديث (٣٨٧٧) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجنائز - باب في التكبير على الجنازة - رقم الحديث (٩٥٢) (٦٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب موت النجاشي - رقم الحديث (٣٨٧٨) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجنائز - باب في التكبير على الجنازة - رقم الحديث (٩٥٢) (٦٦).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه- كتاب الجهاد - باب في النور يُرى عند قبر الشهيد - رقم الحديث (٢٥٢٣) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦٨٢٧).
[ ٤ / ٢٤٦ ]
وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ
عَبْدُ القيْسِ، قَبِيلَةٌ كَبِيرَةٌ يَنْتَمُونَ إِلَى رَبِيعَةَ، وَكَانُوا يَسْكُنُونَ الْبَحْرَيْنَ، وَيَدِينُ بَعْضُهُمْ بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَكَانَتْ لِهَذِهِ الْقَبِيلَةِ وِفَادَتَانِ:
* الْوِفَادَةُ الأُولَى:
وَكَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْهِجْرَةِ أَوْ قَبْلَهَا، وَكَانَ عَدَدُ الْوَفْدِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَفِيهَا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ عَنِ الْإِيمَانِ، وَعَنِ الْأَشْرِبَةِ، وَكَانَ فِيهِمْ: الْمُنْذِرُ بْنُ عَائِذٍ، وَهُوَ أَشَجُّ عبْدِ الْقيْسِ (١).
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ وَفْدَ (٢) عبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوُا النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "مَنِ القوْمُ؟ "، أَوْ "مَنِ الوَفدُ؟ ".
قَالُوا: رَبِيعَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ -أَوِ الْوَفْدِ- غَيْرِ خَزَايَا (٣) وَلَا نَدَامَى"، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ (٤) بَعِيدَةٍ، وَإِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٤١٧).
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١/ ١٦٢): الْوَفْدُ: الجماعة المختارة من القوم ليتقدموهم في لقي العظماء، واحدهم وافد.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١/ ١٧٩): خَزَايَا جَمْعُ خَزْيَانَ، وهو الذي أصابه الخزي، والمعنى أنهم أسلموا طوعًا من غير حرب أو سبي يخزيهم، ويفضحهم.
(٤) شُقَّةٌ بعيدةٌ: بضم الشين أي مَسَافَةٌ بَعيدةٌ، والشُّقَّةُ أيضًا السَّفَرُ الطَّويل. انظر النهاية (٢/ ٤٤٠). =
[ ٤ / ٢٤٧ ]
هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَإِنَّا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ (١)، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، وَنَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ، وَسَأَلُوهُ عَنِ الْأَشْرِبَةِ.
فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ، قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟ "، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصِيَامُ رَمَضَانَ (٢)، وَأَنْ تُعْطُوا مِنَ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ".
وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: "عَنِ الْحَنْتَمِ (٣) وَالدُّبَّاءِ (٤)، وَالنَّقِيرِ (٥)، وَالْمُزَفَّتِ (٦) ".
_________________
(١) = ومنه قوله تعالى في سورة التوبة آية (٤٢): ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ. . .﴾.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١/ ١٨٠): المراد بالشهر الحرام الجنس، فيشمل الأربعة الحرم، وهي: ذي القعدة، وذي الحجة، ومحرم، ورجب، والمراد به هنا: شهر رجب، وفي رواية البيهقي التصريح به: "رجب مضر"، وكانت قبيلة مضر تبالغ في تعظيم شهر رجب، فلهذا أضيف إليها.
(٣) قال القاضي عياض فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (١/ ١٨٢): والسبب في كونه -ﷺ- لم يذكر الحج في الحديث، لأنه لم يكن فُرِضَ. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١/ ١٨٢): وما ذكر القاضي عياض: هو المعتمد.
(٤) الْحَنتمُ: بفتح الحاء وسكون النون: هي الجِرَارُ مَدْهُونَةً خُضْر كانت تُحْمَلُ الخَمْرُ فيها إلى المدينة. انظر النهاية (١/ ٤٣١) - فتح الباري (١/ ١٨٣).
(٥) الدُّبَّاءُ: بضم الدال المشددة هو: الْقَرْعُ، واحدتها دُبَّاءَةٌ، كانوا يَنْتَبذُونَ فيها. انظر فتح الباري (١/ ١٨٣) - انظر النهاية (٢/ ٩١). يُقال: نَبَذْتُ التَّمْرَ والعِنَبَ، إذا تركت عليه الماء ليصير نبيذًا. انظر النهاية (٥/ ٦).
(٦) النَّقِيرُ: بفتح النون وكسر القاف: هو أَصْلُ النَّخْلَةِ يُنْقَرُ وَسَطُهُ، ثم يُنْبَذُ فيه التَّمْرُ، ويُلْقَى عليه الماءُ لِيَصيرَ نَبِيذًا مُسْكِرًا. انظر النهاية (٥/ ٩١) - فتح الباري (١/ ١٨٣).
(٧) الْمُزَفَّتُ: بضم الميم وتشديد الفاء: هو الْإِنَاءُ الذي طُلِيَ بالزِّفْتِ، وهو نَوعٌ من القَارِ.=
[ ٤ / ٢٤٨ ]
وَرُبَّمَا قَالَ: "الْمُقَيَّرِ" (١).
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "احْفَظُوهُنَّ، وَأَخْبِرُوا بِهِنَّ مَنْ وَرَاءَكُمْ" (٢).
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفتْحِ: وَمَعْنَى النَّهْيُ عَنِ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ بِخُصُوصِهَا؛ لِأَنَّهُ يُسْرعُ فِيهَا الْإِسْكَارُ، فَرُبَّمَا شَرِبَ مِنْهَا مَنْ لَا يَشْعُرُ بِذَلِكَ (٣).
وَكَانَ هَذَا التَّحْرِيمُ فِي الشَّرَابِ مِنْ هَذِهِ الْأَسْقِيَةِ صَدْرَ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ صَارَ مَنْسُوخًا بِحَدِيثِ بريْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ -﵁- عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَلفظُهُ: "كُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ: . . . وَنَهَيْتُكُمْ عَنِ النَّبِيذِ فِي هَذِهِ الْأَسْقِيَةِ، فَاشْرَبُوا، وَلَا تَشْرَبُوا حَرَامًا".
وَفِي رِوَايَةٍ: "وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا حَرَامًا" (٤).
* أَدِلَّةٌ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِ قَبِيلَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ:
١ - فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيل عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِ قَبِيلَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ.
_________________
(١) = انظر النهاية (٢/ ٢٧٥) - فتح الباري (١/ ١٨٣).
(٢) قال الحافظ في الفتح (١/ ١٨٣): الْمُقَيَّرُ: بضم الميم وتشديد الياء: ما طُلِيَ بالْقَارِ.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الإيمان - باب أداء الخمس من الإيمان - رقم الحديث (٥٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الأمر بالإيمان باللَّه تَعَالَى ورسوله -ﷺ- وشرائع الدين - رقم الحديث (١٧) (٢٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١١٧٥).
(٤) انظر فتح الباري (١/ ١٨٣).
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجنائز - باب استئذان النبي -ﷺ- ربه ﷿ في زيارة قبر أمه - رقم الحديث (٩٧٧) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٠١٥).
[ ٤ / ٢٤٩ ]
٢ - رَوَى الإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ (١) بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَسْجِدِ عَبْدِ القيْسِ بِجُوَاثِي (٢) مِنَ الْبَحْرَيْنِ (٣).
٣ - وَمِنَ الأَدِلَّةِ كَذَلِكَ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِ قَبِيلَةِ عَبْدِ الْقَيْسِ مَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَصَحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ عَنِ الْأَشَجِّ الْعَصْرِيِّ -﵁- أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فِي رِفْقَةٍ مِنْ عَبْدِ القيْسِ -وَهَذِهِ كَانَتْ فِي الْوِفَادَةِ الثَّانِيَةِ التِي كَانَتْ فِي عَامِ الْوُفُودِ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ- فَلَمَّا قَدِمُوا. . . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ، مَا لِي أَرَى وُجُوهَكُمْ قَدْ تَغَيَّرَتْ"، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ نَحْنُ بِأَرْضٍ وَخِمَةٍ (٤).
* الوِفَادَة الثَّانِيَة:
وَأَمَّا الْوِفَادَةُ الثَّانِيَةُ، فَكَانَتْ فِي عَامِ الْوُفُودِ مِنَ الْعَامِ التَّاسِعِ الْهِجْرِيِّ،
_________________
(١) زاد أبو داود في سننه: في الإسلام.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٣/ ٣٧): جُوَاثي، بضم الجيم وتخفيف الواو، وهي قرية من قرى البحرين.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجمعة - باب الجمعة في القرى والمدن - رقم الحديث (٨٩٢) - وأخرجه أبو دواد في سننه - كتاب الصلاة - باب الجمعة في القرى - رقم الحديث (١٠٦٨).
(٤) شيء وَخِم: بفتح الواو وكسر الخاء: أي وَبِيءٌ، وبلدةٌ وَخِمَةٌ: إذا لم يوافق سكنها. انظر لسان العرب (١٥/ ٢٤٥). والحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر أشج عبد القيس -﵁- رقم الحديث (٧٢٠٣).
[ ٤ / ٢٥٠ ]
قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَرْبَعُونَ أَوْ عِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَبْدِ الْقَيْسِ، فِيهِمْ رِجَالُ الْوِفَادَةِ الْأُولَى وَآخَرُونَ، مِنْهُمْ: الْجَارُودُ بْنُ عَمْرٍ والْعَبْدِيُّ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنِ الْأَشَجِّ الْعَصْرِيِّ (١) -﵁- أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- في رِفْقَةٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ لِيَزُورَهُ، فَأَقْبَلُوا، فَلَمَّا قَدِمُوا، رُفِعَ (٢) لَهُمُ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَأَنَاخُوا (٣) رِكَابَهُمْ (٤)، فَابْتَدَرَ (٥) الْقَوْمُ، وَلَمْ يَلْبَسُوا إِلَّا ثِيَابَ سَفَرِهِمْ، وَأَقَامَ الْعَصْرِيّ، فَعَقَلَ (٦) رَكَائِبَ أَصْحَابِهِ وَبَعِيرَهُ، ثُمَّ أَخْرَجَ ثِيَابَهُ مِنْ عَيْبَتِهِ (٧)، وَذَلِكَ بِعَيْنِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ فِيكَ لَخَصْلَتَيْنِ (٨) يُحِبُّهُمَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ"، قَالَ: مَا هُمَا؟، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ"، فَقَالَ الْأَشَجُّ -﵁-: شَيْءٌ لا جُبِلْتُ عَلَيْهِ، أَوْ شَيْءٌ أَتَخَلَّقُهُ؟ (٩)، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا، بَلْ
_________________
(١) الْأَشَجُّ العَصْرِي: اسمه المنذر بن عائذ العصري، وعصر: بطن من عبد القيس، ويُعرف أيضًا بأشج عبد القيس، وكان سيد قومه.
(٢) رُفِعَ لي الشيء: أبصرته من بُعدٍ. انظر لسان العرب (٥/ ٢٦٩).
(٣) أَنَاخَ الإبلَ: أَبْرَكَهَا فَبَرَكَتْ. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٢١).
(٤) الرِّكَابُ: هي الرَّواحِلُ من الإبلِ. انظر النهاية (٢/ ٢٣٣).
(٥) بَدَرْتُ إلى الشيءَ: أَسْرَعْتُ. انظر لسان العرب (١/ ٣٤٠).
(٦) عَقَلَ الْبَعِيرَ: رَبَطَهُ. انظر لسان العرب (٩/ ٣٢٧).
(٧) الْعَيْبَةُ: ما يُجعَلُ فيه الثيابُ. انظر النهاية (٣/ ٢٩٥).
(٨) في رواية أخرى في مسند الإمام أحمد - رقم الحديث (١٧٨٢٨): "خُلَّتَيْنِ".
(٩) في رواية أخرى في مسند الإمام أحمد - رقم الحديث (١٧٨٢٨): قال الأَشَجُّ: أَقَديمًا كَانَ فِيَّ أمْ حديثًا؟ .
[ ٤ / ٢٥١ ]
جُبِلْتَ عَلَيْهِ" (١)، قَالَ: الْحَمْدُ للَّهِ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَعْشَرَ عَبْدِ الْقَيْسِ، مَا لِي أَرَى وُجُوهَكُمْ قَدْ تَغَيَّرَتْ" (٢)، قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! نَحْنُ بِأَرْضٍ وَخِمَةٍ، كُنَّا نَتَّخِذُ مِنْ هَذِهِ الْأَنْبِذَةِ مَا يَقْطَعُ اللُّحْمَانَ فِي بُطُونِنَا، فَلَمَّا نَهَيْتَنَا عَنِ الظُّرُوفِ (٣)، فَذَلِكَ الذِي ترَى فِي وُجُوهِنَا.
فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "إِنَّ الظُّرُوفَ لَا تُحِلُّ وَلَا تُحَرِّمُ، وَلَكِنَّ كُلَّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، وَلَيْسَ أَنْ تَحْبِسُوا فتَشْرَبُوا، حَتَّى إِذَا امْتَلَأَتِ الْعُرُوقُ تَنَاحَرْتُمْ، فَوَثَبَ الرَّجُلُ عَلَى ابْنِ عَمِّهِ فَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ، فَتَرَكَهُ أَعْرَجَ" (٤).
وَكَانَ الْجَارُودُ بْنُ الْمُعَلَّى الْعَبْدِيُّ -﵁- نَصْرَانيًا، فَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: يَا
_________________
(١) في رواية أخرى في مسند الإمام أحمد - رقم الحديث (١٧٨٢٨): قال -ﷺ-: "بل قديمًا".
(٢) وفي هذا دليل على أنهم وفدوا على رَسُول اللَّهِ -ﷺ- قبل هذه المرة، التي كانت في عام الوفود.
(٣) الظُّرُوفُ: هي الأَوعيةُ التي نهاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَنْتبِذُوا فيها وهي: الْحَنْتَمُ، والدُّبَّاءُ والنَّقِيرُ، والْمُزَفَّتُ.
(٤) أخرج ذلك ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر أشج عبد القيس -﵁- رقم الحديث (٧٢٠٣) - وللحديث شواهد كثيرة منها: عند مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الأمر بالإيمان باللَّه تَعَالَى ورسوله -ﷺ- وشرائع الدين - رقم الحديث (١٧) (٢٥) - وأبي داود في سننه - كتاب الأدب - باب قبلة الجسد - رقم الحديث (٥٢٢٥) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٨٢٨) (١٧٨٢٩) (١٧٨٢٩).
[ ٤ / ٢٥٢ ]
مُحَمَّدُ! إِنِّي كُنْتُ عَلَى دِينٍ، وَإِنِّي تَارِكٌ دِينِي لِدِينِكَ، أَفتَضْمَنُ لِي دِينِي؟ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ، أنَّا ضَامِنٌ لِذَلِكَ، إِنَّ الذِي أَدْعُوكَ إِلَيْهِ خَيْرٌ مِنَ الذِي كُنْتَ عَلَيْهِ"، فَأَسْلَمَ (١).
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ فِي -ﷺ- اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَدَعَا لِقَبِيلَةِ عَبْدِ القيْسِ، فَقَالَ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ الْقَيْسِ إِذْ أَسْلَمُوا طَائِعِينَ غَيْرَ كَارِهِينَ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَوْتُورِينَ (٢)، إِذْ بَعْضُ قَوْمِنَا لَا يُسْلِمُونَ حَتَّى يُخْزَوْا وَيُوتَرُوا".
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ خَيْرَ أَهْلِ الْمَشْرِقِ عَبْدُ الْقَيْسِ" (٣).
* صَلَاةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سُنَّةَ الظُّهْرِ بَعْدَ الْعَصْرِ:
وَانْشَغَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِوَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ، حَتَّى فَاتَتْهُ رَكْعَتَا سُنَّةِ الظُّهْرِ، فَمَا صَلَّاهَا إِلَّا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهَا قَالَتْ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَنْهَى عَنْهُمَا -أَيْ عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ- ثُمَّ رَأَيْتُهُ يُصَلِّيهِمَا حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ: "يَا بِنْتَ أَبِي أُمَيَّةَ! سَأَلْتِ عَنِ الرَّكعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ؟ إِنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ، فَشَغَلُونِي عَنِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٢٣٠) - زاد المعاد (٣/ ٥٣٠).
(٢) يُقال: وَتَرْتُهُ: إذا نَقَصْتُهُ، فكأنك جعلته وِتْرًا بعد أن كان كثيرًا. انظر النهاية (٥/ ١٢٩).
(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٨٢٩) - وأخرجه في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٥١٤) - وإسناده صحيح.
[ ٤ / ٢٥٣ ]
الظُّهْرِ، فَهُمَا هَاتَانِ" (١).
وَأَقَامَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا أَرَادُوا الرُّجُوعَ إِلَى بِلَادِهِمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- الْحُمْلَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَاللَّهِ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ"، فَقَالَ الْجَارُودُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بِلَادِنَا ضَوَالًّا (٢) مِنْ ضَوَالِّ النَّاسِ، أَفَنَتَبَلَّغُ عَلَيْهَا؟، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا، تِلْكَ حَرَقُ النَّارِ" (٣)، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَقَدْ أَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْجَوَائِزِ (٤).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب السهو - باب إذا كُلِّم وهو يُصلي فأشار بيده - رقم الحديث (١٢٣٣) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب وفد عبد القيس - رقم الحديث (٤٣٧٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب معرفة الركعتين اللتين كان يصليهما النبي -ﷺ- بعد العصر - رقم الحديث (٨٣٤).
(٢) ضَوَالّ: جمع ضَالٍّ، وهي الإبلُ الضّائعةُ. انظر النهاية (٣/ ٨٩).
(٣) حديث "ضالة المسلم حَرَقُ النار" - أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٧٥٤) - عن الجارود بن المعلى العبدي -﵁- وإسناده حسن - وأخرجه ابن ماجه في سننه - رقم الحديث (٢٥٠٢) عن عبد اللَّه بن الشِّخِّير -﵁- وإسناده صحيح. وقوله -ﷺ-: "حَرَقُ النَّارِ" بالتحريك: لهَبُها، وقد يُسكَّن، أي إن ضالة المؤمن إذا أخذها إنسان ليتملكها أدته إلى النار. انظر النهاية (١/ ٣٥٧).
(٤) انظر الطبقات لابن سعد (١/ ١٥٢).
[ ٤ / ٢٥٤ ]
وَفْدُ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ
بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ هَوَازِنَ، ضِمَامَ (١) بْنَ ثَعْلَبَةَ -﵁- وَافِدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَذَلِكَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ مَنْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، غَيْرَ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَطْمَئِنُّوا، فَأَرْسَلُوا ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ، فَجَاءَ ضِمَامٌ حَتَّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَأَنَاخَ بَعِيرَهُ فِي الْمَسْجِدِ (٢)، ثُمَّ عَقَلَهُ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّكُمْ مُحَمَّدٌ؟
-وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُتَّكِئًا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ- فَقَالَ الصَّحَابَةُ: هَذَا الرَّجُلُ الْأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ، فَقَالَ ضِمَامٌ: ابْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قَدْ أَجَبْتُكَ"، فَقَالَ ضِمَامٌ: إِنِّي سَائِلُكَ فَمُشَدِّدٌ عَلَيْكَ فِي الْمَسْأَلةِ، فَلَا تَجِدْ عَلَيَّ فِي نَفْسِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "سَلْ عَمَّا بَدَا لَكَ".
فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَتَانَا رَسُولُكَ، فَزَعَمَ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ.
_________________
(١) ضِمَامٌ: بكسر الضاد.
(٢) هذه رواية البخاري ومسلم - وفي رواية أخرى في مسند الإمام أحمد - رقم الحديث (٢٣٨٠) - وإسناده حسن، قال: فأناخ بعيره على باب المسجد، ثم عقله، ثم دخل. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١/ ٢٠٤): وهذا السياق يدل على أنه ما دخل ببعيره المسجد، . . . فعلى هذا في رواية أنس -﵁- مجاز الحذف، والتقدير: فأناخه في ساحة المسجد، أو نحو ذلك.
[ ٤ / ٢٥٥ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "صَدَقَ".
فَقَالَ ضِمَامٌ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُ".
قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الْأَرْضَ؟ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُ".
قَالَ: فَمَنْ نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ؟ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُ".
قَالَ: أُنْشِدُكَ بِالذِي خَلَقَ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ الْأَرْضَ، وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ، آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ".
قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنَا وَلَيْلَتِنَا.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "صَدَقَ".
قَالَ: أُنْشِدُكَ بِالذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ".
قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرٍ فِي سَنَتِنَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "صَدَقَ".
[ ٤ / ٢٥٦ ]
قَالَ: أُنْشِدُكَ بِالذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ".
قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "صَدَقَ".
قَالَ: أُنْشِدُكَ بِالذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ".
قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "صَدَقَ".
قَالَ: أُنْشِدُكَ بِالذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ".
فَلَمَّا فَرَغَ ضِمَامٌ مِنْ سُؤَالِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ، وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي مِنْ قَوْمِي، وَأَنَا ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ أَخُو بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ.
وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ ضِمَامٌ -﵁-: سَأُؤَدِّي هَذِهِ الفرَائِضَ، وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتَنِي عَنْهُ، ثُمَّ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَئِنْ صَدَقَ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ".
[ ٤ / ٢٥٧ ]
وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنْ يَصْدُقْ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ (١)، يَدْخُلِ الْجَنَّةَ".
ثُمَّ أَتَى ضِمَامٌ بَعِيرَهُ، فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، فَكَانَ أَوَّلَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ أَنْ قَالَ: بِئْسَتِ اللَّاتُ وَالْعُزَّى، قَالُوا: مَهْ يَا ضِمَامُ، اتَّقِ الْبَرَصَ وَالْجُذَامَ، اتَّقِ الْجُنُونَ.
قَالَ: وَيْلَكُمْ، إِنَّهُمَا وَاللَّهِ لَا يَضُرَّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ، إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمَّا كُنْتُمْ فِيهِ، وَإِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ، وَنَهَاكُمْ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَفِي حَاضِرِهِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا، فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بنِ ثَعْلبَةَ (٢).
_________________
(١) الَعَقِيصَةُ: الشَّعْرُ الْمَعْقُوصُ، وأَصْلُ الْعَقْصِ: اللَّيُّ، وإدْخَالُ أطرافِ الشَّعْرِ في أُصُولِهِ. انظر النهاية (٣/ ٢٤٩).
(٢) أخرج قصة ضمام بن ثعلبة -﵁-: البخاري في صحيحه - كتاب العلم - باب ما جاء في العلم - رقم الحديث (٦٣) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام - رقم الحديث (١١) - وباب السؤال عن أركان الإسلام - رقم الحديث (١٢) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٨٠) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الإيمان - باب فرض الإيمان - رقم الحديث (١٥٤) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٩٣٨).
[ ٤ / ٢٥٨ ]
* وَهْمُ الْوَاقِدِيِّ:
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: جَزَمَ الْوَاقِدِيُّ فِي مَغَازِيهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَبِيبٍ أَنَّ قُدُومَ ضِمَامٍ كَانَ سَنَةَ خَمْسٍ لِلْهِجْرَةِ، فَيَكُونُ قَبْلَ فَرْضِ الْحَجِّ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ قُدُومَهُ كَانَ بَعْدَ نُزُولِ النَّهْي فِي الْقُرْآنِ عَنْ سُؤَالِ الرَّسُولِ -ﷺ- (١)، وَآيَةِ النَّهْي فِي الْمَائِدَةِ، وَنُزُولُهَا مُتَأَخِّرٌ جِدًّا (٢).
ثَانِيهَا: أَنَّ إِرْسَالَ الرُّسُلِ إِلَى الدُّعَاءِ إِلَى الْإِسْلَامِ إِنَّمَا كَانَ ابْتِدَاؤُهُ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَمُعْظَمُهُ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ.
ثَالِثُهَا: أَنَّ فِي الْقِصَّةِ أَنَّ قَوْمَهُ أَوْفَدُوهُ، وَإِنَّمَا كَانَ مُعْظَمُ الْوُفُودِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ.
رَابِعُهَا: فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ -الذِي أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ- (٣):
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٢) - ولفظ الحديث عن أنس -﵁- قال: نهينا أن نسأل رَسُول اللَّهِ -ﷺ- عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية، العاقل، فيسأله، ونحن نسمع. . . .
(٢) الآية التي فيها النهي عن سؤال الرسول -ﷺ- هي قوله تَعَالَى في سورة المائدة آية (١٠١): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٨٠) - وإسناده حسن.
[ ٤ / ٢٥٩ ]
أَنَّ قَوْمَهُ أَطَاعُوهُ وَدَخَلُوا فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ رُجُوعِهِ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلْ بَنُو سَعْدٍ -وَهُوَ ابْنُ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ- فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا بَعْدَ وَقْعَةِ حُنَيْنٍ، وَكَانَتْ فِي شَوَالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ.
فَالصَّوَابُ أَنَّ قُدُومَ ضِمَامٍ كَانَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ (١) وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُمَا (٢).
* * *
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٢٢٨).
(٢) انظر فتح الباري (١/ ٢٠٦).
[ ٤ / ٢٦٠ ]
هَجْرُ الرَّسُولِ -ﷺ- أَزْوَاجَهُ
وَفِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَقَبْلَ غَزْوَةِ تَبُوكَ هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَزْوَاجَهُ، وَآلَى (١) مِنْهُنَّ شَهْرًا، فَاعْتَزَلَ عَنْهُنَّ فِي مَشْرُبَةٍ (٢) لَهُ.
* سَبَبُ هَذَا الْهَجْرِ:
اخْتُلِفَ فِي السَّبَبِ الذِي مِنْ أَجْلِهِ هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نِسَاءَهُ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يَمْكُثُ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فَيَشْرَبُ عِنْدَهَا عَسَلًا، فتَوَاصَيْتُ أَنَا وَحَفْصَةُ، أَنَّ أَيَّتُنَا دَخَلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ -ﷺ- فَلْتَقُلْ: إِنِّي أَجِدُ مِنْكَ رِيحَ مَغَافِيرَ (٣)، أَكَلْتَ مَغَافِيرَ؟ -وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَشْتَدُّ عَلَيْهِ أَنْ تُوجَدَ مِنْهُ رِيحٌ كَرِيهَةٌ- فَدَخَلَ عَلَى إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ لَهُ: ذَلِكَ، فَقَالَ -ﷺ-: "لَا، بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ، وَلَنْ أَعُودَ لَهُ"، فنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. . .﴾ إِلَى قَوْلِهِ
_________________
(١) آلَ: رَجَعَ. انظر لسان العرب (١/ ٢٦٤) - النهاية (١/ ٨١).
(٢) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٣٥٨): المَشْرُبَة: بضم الراء وفتحها هي الْغُرْفَة. وانظر النهاية (٢/ ٤٠٨).
(٣) المَغَافِيرُ: بفتح الميم، واحدها مُغْفُور: بضم الميم، وهو صَمْغٌ حُلْوٌ لَهُ رَائحةٌ كريهةٌ، يخرج في الشجر. انظر النهاية (٣/ ٣٣٦) - فتح الباري (١٠/ ٤٧٤).
[ ٤ / ٢٦١ ]
تَعَالَى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ. . .﴾ (١)، لِعَائِشَةَ وَحَفْصَةَ، ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ (٢)، لِقَوْلهِ: "بَلْ شَرِبْتُ عَسَلًا" (٣).
* سَبَبٌ آخَرُ:
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أُهْدِيَ لِي لَحْمٌ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ أُهْدِيَ مِنْهُ لِزَيْنَبَ (٤)، فَأَهْدَيْتُ لَهَا فَرَدَّتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "زِيدِيهَا"، فَزِدْتُهَا فَرَدَّتْهُ، فَقَالَ -ﷺ-: "أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ إِلَّا زِدْتِيهَا"، فَزِدْتُهَا فَرَدَّتْهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَدَخَلَتْنِي غَيْرَةٌ، فَقُلْتُ: لَقَدْ أَهَانَتْكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَنْتِ وَهِيَ أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ أَنْ يُهِينَنِي مِنْكُنَّ أَحَدٌ، أُقْسِمُ لَا أَدْخُلُ عَلَيْكُنَّ شَهْرًا".
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَغَابَ عَنَّا تِسْعًا وَعِشْرِينَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْنَا مَسَاءَ الثَّلَاثِينَ، فَقُلْتُ: كُنْتَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ شَهْرًا، فَقَالَ -ﷺ-: "شَهْرٌ هَكَذَا، وَشَهْرٌ هَكَذَا"، وَفرَقَ بَيْنَ كَفَّيْهِ وَأَمْسَكَ فِي الثَّالِثَةِ الْإِبْهَامَ (٥).
_________________
(١) سورة التحريم آية (١ - ٤).
(٢) سورة التحريم آية (٣).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الطلاق - باب لم تحرم ما أحل اللَّه لك؟ - رقم الحديث (٥٢٦٧) - وأخرجه في كتاب الأيمان والنذور - باب إذا حَرَّم طعامًا - رقم الحديث (٦٦٩١) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الطلاق - باب وجوب الكفارة على من حَرّم امرأته ولم ينو الطلاق - رقم الحديث (١٤٧٤) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٨٥٢).
(٤) هي زينب بنت جحش زوج رَسُول اللَّهِ -ﷺ﵂.
(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الأيمان والنذور - باب إذا شق إيفاء النذر على =
[ ٤ / ٢٦٢ ]
* سَبَبٌ آخَرُ:
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ (١) يَطَؤُهَا، فَلَمْ تَزَلْ بِهِ عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ حَتَّى حَرَّمَهَا عَلَى نَفْسِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ. . .﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ (٢).
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كَانَ سَبَبًا لِاعْتِزَالِهِنَّ، وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِمَكَارِمِ أَخْلَاقِهِ -ﷺ-، وَسَعَةِ صَدْرهِ، وَكَثْرَةِ صَفْحِهِ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ حَتَّى تَكَرَّرَ مُوجِبُهُ مِنْهُنَّ -ﷺ- وَرَضِيَ عَنْهُنَّ (٣).
* أَحْدَاثُ الْقِصَّةِ:
وَأَمَّا أَحْدَاثُ قِصَّةِ هَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَزْوَاجَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَهَا الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَغَيْرُهُمَا، وَفِيمَا يَلِي تَفْصِيلُ الْحَادِثَةِ:
عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الْأَنْصَارِ (٤) فِي بَنِي
_________________
(١) = رجل فليكفر عن يمينه - رقم الحديث (٧٩٠١).
(٢) هي ماربة القبطية ﵂ كما جاء مصرحًا به في رواية ابن سعد في طبقاته (٨/ ٣٤٠) عن ابن عباس ﵄.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب تفسير سورة التحريم - رقم الحديث (٣٨٧٧) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب عشرة النساء - باب الغيرة - رقم الحديث (٨٨٥٧).
(٤) انظر فتح الباري (١٠/ ٣٦٣).
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٣٥١): اسم الجار المذكور أوس بن خوليّ الأنصاري.
[ ٤ / ٢٦٣ ]
أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ، وَهُمْ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ، وَكُنَّا نتنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِمَا حَدَثَ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْي أَوْ غَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى الْأَنْصَارِ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُم نِسَاؤُهُمْ، فَطَفِقَ (١) نِسَاؤُنَا يَأْخُذْنَ مِنْ أَدَبِ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ، فَصَخِبتُ (٢) عَلَى امْرَأَتِي فَرَاجَعَتْنِي، فَأَنْكَرْتُ أَنْ تُرَاجِعَنِي، قَالَتْ: وَلمَ (٣) تُنْكِرُ أَنْ أُرَاجِعَكَ؟
فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزْوَاجَ النَّبِيِّ -ﷺ- لَيُرَاجِعَنَّهُ، وَإِنَّ إِحْدَاهُنَّ لَتَهْجُرُهُ الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ.
قَالَ عُمَرُ: فَأَفْزَعَنِي ذَلكَ، فَقُلْتُ لَهَا: قَدْ خَابَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُنَّ، ثُمَّ جَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي (٤)، فنَزَلْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: أَيْ حَفْصَةُ! أَتُغَاضِبُ إِحْدَاكُنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- الْيَوْمَ حَتَّى اللَّيْلِ؟
قَالَتْ: نَعَمْ، فَقُلْتُ: قَدْ خِبْتِ وَخَسِرْتِ، أَفتَأْمَنِينَ أَنْ يَغْضَبَ اللَّهُ لِغَضَبِ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- فتَهْلِكِي؟
لَا تَسْتَكْثِرِي (٥) النَّبِيَّ -ﷺ-، وَلَا تُرَاجِعِيهِ فِي شَيْءٍ وَلَا تَهْجُرِيهِ، وَسَلِينِي
_________________
(١) طَفِقَ: بكسر الفاء، وقد تفتح: أي جعل أو أخذ. انظر النهاية (٣/ ١١٨).
(٢) الصَّخَبُ: الضَّجَّةُ والصِّيَاحُ. انظر النهاية (٣/ ١٤).
(٣) ولِمَ: بكسر اللام وفتح الميم.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٣٥٣): أي لبستها جميعها.
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٣٥٣): أي لا تطلبي منه -ﷺ- الكثير.
[ ٤ / ٢٦٤ ]
مَا بَدَا لَكِ، وَلَا يَغُرَنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ أَوْضَأَ (١) مِنْكِ، وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺيُرِيدُ عَائِشَةَ ﵂-، قَالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْهَا، فكَلَّمْتُهَا، فَقَالَتْ: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ، دَخَلْتَ فِي كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَبْتَغِيَ أَنْ تَدْخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَزْوَاجِهِ؟
قَالَ عُمَرُ: فَأَخَذَتْنِي وَاللَّهِ أَخْذًا كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضِ مَا كُنْتُ أَجِدُ، فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدِهَا، وَنَدِمْتُ عَلَى كَلَامِي لِنِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
قَالَ: وَكُنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ لِتَغْزُوَنَا، فنَزَلَ صَاحِبِي الْأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْنَا عِشَاءً، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: أثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ الْيَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ: مَا هُوَ؟ أَجَاءَ غَسَّانُ؟ قَالَ: لَا، بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَهْوَلُ، طَلَّقَ النَّبِيُّ -ﷺ- نِسَاءَهُ، فَقُلْتُ: خَابَتْ حَفْصَةُ وَخَسِرَتْ، وَقَدْ كُنْتُ أَظُنُّ هَذَا يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ، فَجَمَعْتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، فَصَلَّيْتُ صَلَاةَ الفجْرِ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَدَخَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- مشْرُبَةٌ لَهُ فَاعْتَزَلَ فِيهَا، وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ أَلَمْ أَكُنْ حَذَّرْتُكِ هَذَا، أَطَلَقكُنَّ النَّبِيُّ -ﷺ-؟ .
قَالَتْ: لَا أَدْرِي، هَا هُوَ ذَا مُعْتَزِلٌ فِي الْمَشْرُبَةِ، فَخَرَجْتُ فَجِئْتُ إِلَى الْمِنْبَرِ، فَإِذَا حَوْلَهُ رَهْطٌ يَبْكِي بَعْضُهُمْ، فَجَلَسْتُ مَعَهُمْ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٣٥٤): أَوْضَأ: مِنَ الوَضَاءَةِ، والمراد أَجْمَل.
[ ٤ / ٢٦٥ ]
أَجِدُ، فَجِئْتُ الْمَشْرُبَةَ التِي فِيهَا النَّبِيُّ -ﷺ-، فَإِذَا بِرَبَاحٍ (١) غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَاعِدًا عَلَى أُسْكُفَّةِ (٢) الْمَشْرُبَةِ مُدَلٍّ رِجْلَيْهِ عَلَى نَقِيرٍ مِنْ خَشَبٍ، وَهُوَ جِذْعٌ يَرْقَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَيَنْحَدِرُ، فنَادَيْتُ: يَا رَبَاحُ! اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَدَخَلَ، فكَلَّمَ النَّبِيَّ -ﷺ-، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: كَلَّمْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- وَذَكَرْتَكَ لَهُ فَصَمَتَ، فَانْصَرَفْتُ حَتَّى جَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ! اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَدَخَلَ، ثُمَّ رَجَعَ، فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ، فَصَمَتَ، فَرَجَعْتُ، فَجَلَسْتُ مَعَ الرَّهْطِ الذِينَ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ، فَجِئْتُ فَقُلْتُ: يَا رَبَاحُ! اسْتَأْذِنْ لِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِنِّي أَظُنّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ظَنَّ أَني جِئْتُ مِنْ أَجْلِ حَفْصَةَ، وَاللَّهِ لَئِنْ أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِضَرْبِ عُنُقِهَا لَأَضْرِبَنَّ عُنُقِهَا، وَرَفَعْتُ صَوْتِي، فَدَخَلَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَيَّ، فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتُكَ لَهُ فَصمَتَ، قَالَ عُمَرُ: فَلَمَّا وَلَّيْتُ مُنْصَرِفًا أَوْمَأَ إِلَيَّ رَبَاحٌ أَنِ ارْقَهْ، وَقَالَ: قَدْ أَذِنَ لَكَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَإِذَا هُوَ مُضطَجعٌ عَلَى رِمَالِ (٣) حَصِيرٍ، لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فِرَاشٌ قَدْ أثَرَ الرِّمَالُ بِجَنْبِهِ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَةٍ مِنْ أَدَمٍ (٤) حَشْوُهَا لِيفٌ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: يَا
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٣٥٩): رَباح بفتح الراء.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٣٥٩): الْأُسْكُفَّة: بضم الهمزة والكاف وتشديد الفاء: هي عَتَبَةُ البابِ السُّفْلى.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٣٥٩): رِمَال بكسر الراء، وقد تُضَمُّ، والمراد به النَّسْجُ، تقول: رَمَلْتُ الحصيرَ وأَرْمَلْتُهُ إذا نَسَجْتُهُ.
(٤) أَدَم: أي جِلْد. انظر لسان العرب (١/ ٩٦).
[ ٤ / ٢٦٦ ]
رَسُولَ اللَّهِ! أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ إِلَيَّ بَصَرَهُ، فَقَالَ: "لَا"، فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ، ثُمَّ قُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ أَسْتَأْنِسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ رَأَيْتَنِي وَكُنَّا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ نَغْلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ إِذَا قَوْمٌ تَغْلِبُهُمْ نِسَاؤُهُمْ، فتَبَسَّمَ النَّبِيُّ -ﷺ-، ثُمَّ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ رَأَيْتَنِي وَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَقُلْتُ لَهَا: لَا يَغُرَّنَّكِ أَنْ كَانَتْ جَارَتُكِ أَوْضَأَ مِنْكِ وَأَحَبَّ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- يُرِيدُ عَائِشَةَ ﵂فتَبَسَّمَ النَّبِيُّ -ﷺ- تَبَسُّمَةً أُخْرَى، فَجَلَسْتُ حِينَ رَأَيْتُهُ تَبَسَّمَ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي فِي بَيْتِهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ فِي بَيْتِهِ شَيْئًا يَرُدُّ الْبَصَرَ غَيْرَ أَهَبَةٍ (١) ثَلَاثَةٍ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اُدْعُ اللَّهَ فَلْيُوَسِّعْ عَلَى أُمَّتِكَ، فَإِنَّ فَارِسَ وَالرُّومَ قَدْ وُسِّعَ عَلَيْهِمْ وَأُعْطُوا الدُّنْيَا وَهُمْ لَا يَعْبُدُونَ اللَّهَ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ عُمَرُ -﵁-: فَبَكَيْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا يُبْكِيكَ؟ "، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ كِسْرَى وَقَيْصَرَ فِيمَا هُمَا فِيهِ وَأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ.
فَجَلَسَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: "أَفِي شَكٍّ أَنْتَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ؟، إِنَّ أُولَئِكَ قَوْمٌ عُجِّلَتْ لهُمْ طَيِّبَاتُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا".
فَقُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ!
قَالَ عُمَرُ -﵁-: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ -أَيْ عَلَى
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٠/ ٣٦١): الْأَهَبَة: بفتح الهمزة والهاء وبضمها أيضًا، وهو جمعُ إِهَاب، وهو الْجِلْدُ قَبلَ الدِّبَاغِ.
[ ٤ / ٢٦٧ ]
أَزْوَاجِهِ- شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ، حِينَ عَاتَبَهُ اللَّهُ ﷿.
* دُخُولُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَزْوَاجِهِ وَتَخَيُّرُهُنَّ:
فَلَمَّا مَضَتْ تِسْع وَعِشْرُونَ لَيْلَةً دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى عَائِشَةَ فَبَدَأَ بِهَا، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّكَ كُنْتَ قَدْ أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا، وإِنَمَا أَصْبَحْتَ مِنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ لَيْلَةُ أَعُدُّهَا عَدًّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الشَّهْرُ تِسْع وَعِشْرُونَ لَيْلَةً"، فَكَانَ ذَلِكَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً.
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّخْيِيرِ فَبَدَأَ بِي أَوَّلَ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ، فَقَالَ -ﷺ-: "يَا عَائِشَةُ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكَ أَمْرًا، فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ، حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ"، قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ، قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨) وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ " (١).
قَالَتْ: فَفِي أَيِّ هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ، فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ، ثُمَّ خَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نِسَاءَهُ كُلَّهُنَّ، فَقُلْنَ مِثْلَ مَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ (٢).
_________________
(١) سورة الأحزاب آية (٢٨ - ٢٩).
(٢) أخرج قصة هجر الرسول -ﷺ- أزواجه: =
[ ٤ / ٢٦٨ ]
* فَوَائِدُ قِصَّةِ هَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَزْوَاجَهُ:
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ هَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَزْوَاجَهُ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - أَنَّ شِدَّةَ الْوَطْأَةِ عَلَى النِّسَاءِ مَذْمُومٌ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَخَذَ بِسِيرَةِ الْأَنْصَارِ فِي نِسَائِهِمْ، وَتَرَكَ سِيرَةَ قَوْمِهِ.
٢ - وَفِيهِ تَأْدِيبُ الرَّجُلِ ابْنَتَهُ وَقَرَابَتَهُ بِالْقوْلِ؛ لِأَجْلِ إِصْلَاحِهَا لِزَوجِهَا.
٣ - وَفِيهِ جَوَازُ ضَرْبِ الْبَابِ وَدَقُّهُ إِذَا لَمْ يَسْمَعِ الدَّاخِلُ بِغَيْرِ ذَلِكَ.
٤ - وَفِيهِ دُخُولُ الْآبَاءِ عَلَى الْبَنَاتِ، وَلَوْ كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِ الزَّوْجِ.
٥ - وَفِيهِ التَّنْقِيبُ عَنْ أَحْوَالِهِنَّ لَا سِيَّمَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُتَزَوِّجَاتِ.
٦ - وَفِيهِ حِرصُ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ وَالضَّبْطِ بِأَحْوَالِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
٧ - وَفِيهِ أَنَّ طَالِبَ الْعِلْمِ يَجْعَلُ لِنَفْسِهِ وَقْتًا يَتَفَرَّغُ فِيهِ لِأَمْرِ مَعَاشِهِ وَحَالِ أَهْلِهِ.
_________________
(١) = البخاري في صحيحه - كتاب النكاح - باب موعظة الرجل ابنته لحال زوجها - رقم الحديث (٥١٩١) - وفي كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. . .﴾ - رقم الحديث (٤٧٨٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب الطلاق - باب في الإيلاء واعتزال النساء وتخييرهن - رقم الحديث (١٤٧٩) (٣١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٢) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٢٣).
[ ٤ / ٢٦٩ ]
٨ - وَفِيهِ الصَّبْرُ عَلَى الزَّوْجَاتِ وَالْإِغْضَاءُ عَنْ خِطَابِهِنَّ وَالصَّفْحُ عَمَّا يَقَعُ مِنْهُنَّ مِنْ زَلَلٍ فِي حَقِّ الْمَرْءَ دُونَ مَا يَكُونُ مِنْ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى.
٩ - وَفِيهِ جَوَازُ اتِّخَاذِ الْحَاكِمِ عِنْدَ الْخَلْوَةِ بَوَّابًا يَمْنَعُ مَنْ يَدْخُلُ إِلَيْهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
١٠ - وَفِيهِ الرِّفْقُ بِالْأَصْهَارِ وَالْحَيَاءُ مِنْهُمْ إِذَا وَقَعَ لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِهِ مَا يَقْتَضِي مُعَاتَبَتَهُمْ.
١١ - وَفِيهِ أَنَّ السُّكُوتَ قَدْ يَكُونُ أَبْلَغَ مِنَ الْكَلَامِ، وَأَفْضَلَ فِي بَعْضِ الْأَحَايِينِ؛ لِأَنَّهُ -ﷺ- لَوْ أَمَرَ غُلَامَهُ بِرَدِّ عُمَرَ -﵁-، لَمْ يَجُزْ لِعُمَرَ الْعَوْدُ إِلَى الِاسْتِئْذَانِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى، فَلَمَّا سَكَتَ فَهِمَ عُمَرُ -﵁- مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُؤْثِرْ رَدَّهُ مُطْلَقًا.
١٢ - وَفِيهِ أَنَّ الْحَاجِبَ إِذَا عَلِمَ مَنع الْإِذْنِ بِسُكُوتِ الْمَحْجُوبِ لَمْ يَأْذَنْ.
١٣ - وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الِاسْتِئْذَانِ عَلَى الْإِنْسَانِ، وَإِنْ كَانَ وَحْدَهُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَالَةٍ يَكْرَهُ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهَا.
١٤ - وَفِيهِ جَوَازُ تَكْرَارِ الْاسْتِئْذَانِ لِمَنْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ إِذَا رَجَا حُصُولَ الْإِذْنِ، وَأَنْ لَا يَتَجَاوَزَ بِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
١٥ - وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا رَأَى صَاحِبَهُ مَهْمُومًا اسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَهُ بِمَا
[ ٤ / ٢٧٠ ]
يُزِيلُ هَمَّهُ وَيُطَيِّبُ نَفْسَهُ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ: لَأَقُولَنَّ شَيْئًا يُضْحِكُ النَّبِيَّ -ﷺ-، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بَعْدَ اسْتِئْذَانِ الْكَبِيرِ فِي ذَلِكَ، كَمَا فَعَلَ عُمَرُ -﵁-.
١٦ - وَفِيهِ تَذْكِيرُ الْحَالِفِ بِيَمِينِهِ إِذَا وَقَعَ مِنْهُ مَا ظَاهِرُهُ نِسْيَانُهَا، لَا سِيَّمَا مِمَّنْ له تَعَلُّقٌ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ خَشِيَتْ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ -ﷺ- نَسِيَ مِقْدَارَ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ شَهْر، وَالشَّهْرُ ثَلَاثُونَ يَوْمًا أَوْ تِسْعَة وَعِشْرُونَ يَوْمًا، فَأَعْلَمَهَا أَنَّ الشَّهْرَ اسْتَهَلَّ، فَإِنَّ الذِي كَانَ الْحَلْفُ وَقَعَ فِيهِ جَاءَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ يَوْمًا.
١٧ - وَفِيهِ سُكْنَى الْغُرْفَةِ ذَاتِ الدَّرَجِ وَاتِّخَاذُ الْخِزَانَةِ لِأَثَاثِ الْبَيْتِ وَالْأَمْتِعَةِ.
١٨ - وَفِيهِ التَّنَاوُبُ فِي مَجْلِسِ الْعَالِمِ إِذَا لَمْ تَتَيَسَّرِ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى حُضُورِهِ لِشَاغِلٍ شَرْعِيٍّ مِنْ أَمْرٍ دِينِيٍّ أَو دُنْيَوِيٍّ.
١٩ - وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ، وَلَوْ كَانَ الْآخِذُ فَاضِلًا وَالْمَأْخُوذُ عَنْهُ مَفْضُولًا.
٢٠ - وَفِيهِ رِوَايَةُ الْكَبِيرِ عَنِ الصَّغِيرِ.
٢١ - وَفِيهِ أَنَّ الْأَخْبَارَ التِي تُشَاعُ وَلَوْ كَثُرَ نَاقِلُوهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْجِعُهَا إِلَى أَمْرٍ حِسِّيٍّ مِنْ مُشَاهَدَةٍ أَوْ سَمَاعٍ لَا تَسْتَلْزِمُ الصِّدْقَ، فَإِنَّ جَزْمَ الْأَنْصَارِيِّ فِي رِوَايَةٍ بِوُقُوعِ التَّطْلِيقِ، وَكَذَا جَزْمُ النَّاسِ الذِينَ رَآهُمْ عُمَرُ -﵁- عِنْدَ الْمِنْبَرِ بِذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ شَاعَ بَيْنَهُمْ ذَلِكَ مِنْ شَخْصٍ بِنَاءً عَلَى التَّوَهُّمِ الذِي تَوَهَّمَهُ مِنِ
[ ٤ / ٢٧١ ]
اعْتِزَالِ النَّبِيِّ -ﷺ- نِسَاءَهُ، فَظُنَّ لِكَوْنِهِ لَم تَجْرِ عَادَتُهُ بِذَلِكَ أَنَّهُ طَلَّقَهُنَّ، فَأَشَاعَ أَنَّهُ طَلَّقَهُنَّ، فَشَاعَ ذَلِكَ، فتَحَدَّثَ النَّاسُ بِهِ.
٢٢ - وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ مَحَبَّةِ الِاطِّلَاع عَلَى أَحْوَالِ النَّبِيِّ -ﷺ- جَلَّتْ أَوْ قَلَّتْ، وَاهْتِمَامُهُمْ بِمَا يَهْتَمُّ لَهُ لإِطْلَاقِ الْأَنْصَارِيِّ اعْتِزَالَهُ نِسَاءَهُ الذِي أَشْعَرَ عِنْدَهُ بِأنَّهُ طَلَقهُنَّ الْمُقْتَضِي وُقُوعَ غَمِّهِ بِذَلِكَ أَعْظَمُ مِنْ طُرُوقِ مَلِكِ الشَّامِ الْغَسَّانِيِّ بِجُيُوشهِ الْمَدِينَةَ لِغَزْوِ مَنْ بِهَا.
٢٣ - وَفِيهِ أَنَّ الْغَضَبَ وَالْحُزْنَ يَحْمِلُ الرَّجُلَ الْوَقُورَ عَلَى تَرْكِ التَّأَنِّي الْمَأْلُوفِ مِنْهُ؛ لِقَوْلِ عُمَرَ -﵁-: ثُمَّ غَلَبَنِي عَلَى مَا أَجِدُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
٢٤ - وَفِيهِ شِدَّةُ الْفَزَعِ وَالْجَزَعِ لِلْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ.
٢٥ - وَفِيهِ جَوَازُ نَظَرِ الْإِنْسَانِ إِلَى نوَاحِي بَيْتِ صَاحِبِهِ وَمَا فِيهِ إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ ذَلِكَ، وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ مَا وَقَعَ لِعُمَرَ -﵁- وَبَيْنَ مَا وَرَدَ مِنَ النَّهْي عَنْ فُضولِ النَّظَرِ.
٢٦ - وَفِيهِ كَرَاهَةُ سُخْطِ النِّعْمَةِ وَاحْتِقَارِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ، وَلَوْ كَانَ قَلِيلًا وَالِاسْتِغْفَارُ مِنْ وُقُوعِ ذَلِكَ، وَطَلَبُ الْاسْتِغْفَارِ مِنْ أَهْلِ الفضْلِ، وَإِيثَارُ الْقنَاعَةِ، وَعَدَمُ الِالْتِفَاتِ إِلَى مَا خُصَّ بِهِ الْغَيْرُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا الْفَانِيَةِ.
٢٧ - وَفِيهِ الْمُعَاقَبَةُ عَلَى إِفْشَاءِ السِّرِّ بِمَا يَلِيقُ بِمَنْ أَفْشَاهُ (١).
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٠/ ٣٦٥ - ٣٦٧).
[ ٤ / ٢٧٢ ]