وَفَاةُ رقيَّةَ بِنْتِ الرَّسُولِ -ﷺ-
كَانَتْ وَفَاتُهَا ﵂ عِنْدَمَا وَصَلَ زَيْدُ بنُ ثَابِتٍ -﵁-، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ -﵁- المَدِينَةَ بِالبُشْرَى بِانْتِصَارِ المُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ بَدْرٍ بَعَثَ بَشِيرينِ إِلَى أَهْلِ المَدِينَةِ، بَعَثَ زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ -﵁- إِلَى أَهْلِ السَّافِلَةِ، وَبَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ رَوَاحَةَ -﵁- إِلَى أَهْلِ العَالِيَةِ يُبَشِّرُونَهُمْ بِفَتْحِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى نَبِيِّهِ -ﷺ-، فَوَافَقَ زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ ابْنُهُ أُسَامَةُ حِينَ سُوِّيَ التُّرَابُ عَلَى رُقَيَّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (١).
وَكَانَتْ رُقَيَّةُ ﵂، قَدِ اشْتَكَتْ، فَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْهَا زَوْجَهَا عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ -﵁-، فَلَمْ يَشْهَدْ عُثْمَانُ بَدْرًا بِسَبَبِ تَخَلُّفِهِ عَلَى زَوْجَتِهِ رُقَيَّةَ بِنْتِ الرَّسُولِ -ﷺ-.
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ:
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب كان زيد بن حارثة أحب القوم إلى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- رقم الحديث (٥٠١٢).
[ ٢ / ٤٩٢ ]
إِنَّمَا تَغَيَّبَ عُثْمَانُ عَنْ بَدْرٍ، فَإِنَّهُ كَانَ تَحْتَهُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَتْ مَرِيضَةً، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: "إِنَّ لَكَ أَجْرَ رَجُلٍ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَسَهْمَهُ" (١).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الخمس - باب إذا بعث الإمام رسولًا في حاجة - رقم الحديث (٣١٣٠).
[ ٢ / ٤٩٣ ]
أَوَّلُ عِيدِ فِطْرٍ يَمُرُّ عَلَى المُسْلِمِينَ
قَالَ الشَّيْخُ صَفِيُّ الرَّحْمَنِ المُبارَكْفُورِي: وَمِنْ أَحْسَنِ المَوَاقِعِ وَأَرْوَعِ الصُّدَفَاتِ أَنَّ أَوَّلَ عِيدٍ تَعَيَّدَ بِهِ المُسْلِمُونَ فِي حَيَاتِهمْ هُوَ العِيدُ الذِي وَقَعَ فِي شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ، إِثْرَ الفَتْحِ المُبِينِ الذِي حَصَلُوا عَلَيْهِ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَمَا أَرْوَعَ هَذَا العِيدَ السَّعِيدَ الذِي جَاءَ بِهِ اللَّهُ بَعْدَ أَنْ تَوَّجَ هَامَتَهُمْ (١) بِتَاجِ الفَتْحِ وَالعِزِّ، وَمَا أَرْوَقَ مَنْظَرَ تِلْكَ الصَّلَاةِ التِي صَلَّوْهَا بَعْدَ أَنْ خَرَجُوا مِنْ بُيُوتِهِمْ يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّحْمِيدِ، وَقَدْ فَاضَتْ قُلُوبُهُمْ رَغْبَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَحَنِينًا إِلَى رَحْمَتِهِ وَرِضْوَانِهِ بَعْدَمَا أَوْلَاهُمْ مِنَ النِّعَمِ، وَأَيَّدَهُمْ بِهِ مِنَ النَّصْرِ، وَقَدْ ذَكَّرَهُمْ ﷾ بذَلِكَ فَقَالَ: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ (٢).
وَكَانَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ:
_________________
(١) الهَامَةُ: أعْلَى الرأس. انظر لسان العرب (١٥/ ١٦٢).
(٢) سورة الأنفال آية (٢٦) - وانظر كلام الشيخ صفي الرحمن المباركفوري في الرحيق المختوم ص ٢٣١.
[ ٢ / ٤٩٤ ]
"إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ"، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَنسٍ -﵁- قَال: قَدِمَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ، وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَقَال -ﷺ-: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الفِطْرِ، وَيَوْمَ النَّحْرِ" (١).
* هَدْيُ الرَّسُولِ -ﷺ- فِي العِيدِ:
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ -ﷺ- فِي عِيدِ الفِطْرِ أَنَّهُ لَا يَخْرُج إِلَى الصَّلَاةِ حَتَّى يَأْكُلَ ثَلَاثَ تَمَرَاتٍ وِتْرًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنسٍ -﵁- قَال: كَانَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لَا يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ، وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا (٢).
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَال: مَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ فِطْرٍ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا (٣).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٠٠٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٤٨٨).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب العيدين - باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج - رقم الحديث (٩٥٣).
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب العيدين - رقم الحديث (٢٨١٤).
[ ٢ / ٤٩٥ ]
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَلْبَسُ أَجْمَلَ ثِيَابِهِ، فَكَانَ له حُلَّةٌ يَلْبَسُهَا لِلْعِيدَيْنِ وَالجُمُعَةِ (١).
وَكَانَ -ﷺ- يَخْرُجُ مَاشِيًا، وَالعَنَزَةُ (٢) تُحْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَإِذَا وَصَلَ إِلَى المُصَلَّى، نُصِبَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيُصَلِّيَ إِلَيْهَا، فَإِنَّ المُصَلَّى كَانَ إِذْ ذَاكَ فَضَاءً لَمْ يَكُنْ فِيهِ بِنَاءٌ وَلَا حَائِطٌ، وَكَانَتِ الحَرْبَةُ سُتْرَتَهُ (٣).
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَغْدُو إِلَى المُصَلَّى وَالعَنَزَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ تُحْمَلُ وَتُنْصَبُ بِالمُصَلَّى بيْنَ يَدَيْهِ، فيصَلِّي إِلَيْهَا (٤).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُخَالِفُ الطَّرِيقَ يَوْمَ العِيدِ، فَيَذْهَبُ فِي طَرِيقٍ، وَيَرْجعُ فِي آخَرَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا كَانَ يَوْمُ عِيدٍ خَالَفَ الطَّرِيقَ (٥).
وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
_________________
(١) انظر زاد المعاد (١/ ٤٢٥).
(٢) العَنَزَة: مثل نِصْفِ الرُّمح أو أكبر شيئًا. انظر النهاية (٣/ ٢٧٨).
(٣) انظر زاد المعاد (١/ ٤٢٦).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب العيدين - باب حمل العنزة أو الحربة بين يدي الإمام يوم العيد - رقم الحديث (٩٧٣).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب العيدين - باب من خالف الطريق إذا رجع من العيد - رقم الحديث (٩٨٦).
[ ٢ / ٤٩٦ ]
-﵁- قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا خَرَجَ إِلَى العِيدَيْنِ، رَجَعَ فِي غَيْرِ الطَّرِيقِ الذِي خَرَجَ مِنْهُ (١).
* الحِكْمَةُ فِي مُخَالفَةِ الطَّرِيقِ:
وَالحِكْمَةُ مِنْ مُخَالفَةِ الطَّرِيقِ: لِيُسَلِّمَ عَلَى أَهْلِ الطَّرِيقَيْنِ، وَقِيلَ: لِيَنَالَ بَرَكتَهُ الفَرِيقَانِ، وَقِيلَ: لِيَقْضِيَ حَاجَةَ مَنْ لَهُ حَاجَةٌ مِنْهُمَا، وَقِيلَ: لِيُظْهِرَ شَعَائِرَ الإِسْلَامِ فِي سَائِرِ الفِجَاجِ وَالطُّرُقِ، وَقِيلَ: لِيَغِيظَ المُنَافِقِينَ بِرُؤْيَتِهِمْ عِزَّةَ الإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَقِيَامَ شَعَائِرِهِ، وَقِيلَ: لِتَكْثُرَ شَهَادَةُ البِقَاعِ، فَإِنَّ الذَّاهِبَ إِلَى المَسْجِدِ وَالمُصَلَّى إِحْدَى خُطْوَتَيْهِ تَرْفَعُ دَرَجَةً، وَالأُخْرَى تَحُطُّ خَطِيئَةً حَتَّى يَرْجعَ إِلَى مَنْزِلهِ، وَقِيلَ -وَهُوَ الأَصَحُّ-: إِنَّهُ لِذَلِكَ كُلِّهِ، وَلغَيْرِهِ مِنَ الحِكَمِ التِي لَا يَخْلُو فِعْلُهُ عَنْهَا (٢).
* * *
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب العيدين - رقم الحديث (٢٨١٥) - وأخرجه ابن ماجة - كتاب إقامة الصلاة - باب ما جاء في الخروج يوم العيد من طريق والرجوع من غيره - رقم الحديث (١٣٠١).
(٢) انظر زاد المعاد (١/ ٤٣٢).
[ ٢ / ٤٩٧ ]
زَوَاجُ عَلِيٍّ -﵁- مِنْ فَاطِمَةَ ﵂
تَزَوَّجَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ﵂ فِي السَّنَةِ الأُولَى مِنَ الهِجْرَةِ، وَبَنَى بِهَا (١) فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الهِجْرَةِ، عَقِبَ وَقْعَةِ بَدْرٍ، وَاخْتُلِفَ فِي تَحْدِيدِ الشَّهْرِ، وَلَعَلَّهُ كَانَ فِي شَوَّالَ، فَإِنَّ غَزْوَةَ بَدْرٍ كَانَتْ فِي رَمَضَانَ، وَقِيلَ فِي ذِي الحِجَّةِ (٢).
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ بِنَاءَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- بِفَاطِمَةَ بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: كَانَتْ لِي شَارِفٌ (٣) مِنْ نَصِيبِي مِنَ المَغْنَمِ يَوْمَ بَدْرٍ، وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَعْطَانِي شَارِفًا مِنَ الخُمُسِ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَبْتَنِيَ بِفَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- واعَدْتُ رَجُلًا صَوَّاغًا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَنْ يَرْتَحِلَ مَعِيَ فَنَأْتِيَ بِإِذْخِرٍ (٤) أَرَدْتُ أَنْ أَبِيعَهُ الصَّوَّاغِينَ، وَأَسْتَعِينَ بِهِ فِي وَلِيمَةِ عُرْسٍ (٥).
_________________
(١) البِنَاء: الدُّخول بالزوجةِ. انظر النهاية (١/ ١٥٦).
(٢) انظر فتح الباري (٦/ ٣١٩).
(٣) الشَّارِفُ: الناقة المُسِنَّة. انظر النهاية (٢/ ٤١٥).
(٤) الإِذْخِر بكسر الهمزة: هي حَشِيشة طيِّبة الرائحة تسقَّف بها البيوتُ فوقَ الخَشَب. انظر النهاية (١/ ٣٦).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الخمس - باب فرض الخمس - رقم الحديث =
[ ٢ / ٤٩٨ ]
وَكَانَ عُمُرُ فَاطِمَةَ ﵂ يَوْمَ بَنَى بِهَا عَلِيٌّ -﵁- ثَمَانَ عَشْرَةَ سَنَةً (١)، وَعُمُرُ عَلِيٍّ -﵁- يَومَئِذٍ خَمْسَهٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً (٢).
* خِطْبَتُهَا وَصَدَاقُهَا ﵂:
وَقَدْ سَبَقَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- فِي خِطْبَتِهِ لِفَاطِمَةَ ﵂، أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ ﵄، فَرَدَّهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، لِكَوْنِهَا كَانَتْ صَغِيرَةً، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ فَاطِمَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّهَا صَغِيرَةٌ"، فَخَطَبَهَا عَلِيٌّ -﵁- فَزَوَّجَهَا مِنْهُ (٣).
قَالَ الإِمَامُ السِّنْدِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ المُوَافَقَةَ فِي السِّنِّ أَوِ المُقَارَبَةِ مَرْعِيَّةٌ لِكَوْنِهَا أَقْرَبَ إِلَى المُؤَالَفَةِ، ثُمَّ قَدْ يُتْرَكُ ذَاكَ لِمَا هُوَ
_________________
(١) = (٣٠٩١) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الأشرِبَة - باب تحريم الخمر - رقم الحديث (١٩٧٩).
(٢) انظر الإصابة (٨/ ٢٦٤) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٨/ ٢٥٣).
(٣) انظر البداية والنهاية (٦/ ٧٢٥).
(٤) أخرجه ابن حبَّان في صحيحه - كتاب إخبَاره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر الإخبار عما قاله المصطفى لأبي بكر وعمر عند خِطبَتِهما فاطمة ابنته - رقم الحديث (٦٩٤٨) - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب النكاح باب تزويج المرأة مثلها من الرجال في السن - رقم الحديث (٥٣١٠).
[ ٢ / ٤٩٩ ]
أَعْلَى مِنْهُ كَمَا فِي تَزْوِيجِ عَائِشَةَ ﵂ (١).
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ نَفَرٌ مِنَ الأَنْصَارِ لِعَلِيٍّ -﵁-: عِنْدَكَ فَاطِمَةُ (٢)، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَلَّمَ عَلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا حَاجَةُ ابنِ أَبِي طَالِبٍ؟ " قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
فَقَالَ -ﷺ-: "مَرْحَبًا وَأَهْلًا"، لَمْ يَزِدْهُ عَلَيْهَا، فَخَرَجَ عَلِيٌّ -﵁- عَلَى أُولَئِكَ الرَّهْطِ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ، فَقَالُوا: مَا وَرَاءَكَ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي، وَلَكِنَّهُ قَالَ لِي: "مَرْحَبًا وَأَهْلًا"، قَالُوا: يَكْفِيكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِحْدَاهُمَا أَعْطَاكَ الأَهْلَ، وَأَعْطَاكَ المَرْحَبَ (٣).
وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ لِي عَلِيٌّ -﵁-: أَرَدْتُ أَنْ أَخْطِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ابْنَتَهُ، فَقُلْتُ: مَا لِي مِنْ شَيْءٍ فَكَيْفَ؟ ثُمَّ ذَكَرْتُ صِلَتَهُ وَعَائِدَتَهُ -ﷺ-، فَخَطَبْتُهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ -ﷺ-: "هَلْ لَكَ مِنْ شَيْءٍ؟ " قُلْتُ: لَا. قَالَ: "فَأَيْنَ دِرْعُكَ الحُطَمِيَّةُ؟ " (٤). قَالَ: هِيَ عِنْدِي. قَالَ -ﷺ-:
_________________
(١) انظر حاشية النسائي (٥/ ١٥٤).
(٢) في رواية البزار: قالوا لعلي -﵁-: لو خَطَبت فاطمة.
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٩٤٧).
(٤) الحُطْمِيَّة: هي التي تَحْطِمُ السيوف، أي تكسرها، وقيل: هي العَرِيضَة الثَّقِيلة، وقيل: =
[ ٢ / ٥٠٠ ]
"فَأَعْطِنِيهَا"، قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: فَأَعْطَيْتُهَا إِيَّاهُ (١).
وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: مَا اسْتَحَلَّ عَلِيٌّ -﵁- فَاطِمَةَ ﵂ إِلاَّ بِبَدَنٍ (٢) مِنْ حَدِيدٍ (٣).
* جِهَازُهَا ﵂:
ثُمَّ جَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ابْنَتَهُ فَاطِمَةَ ﵂، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: "جَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَاطِمَةَ فِي خَمِيلٍ (٤)، وَقِرْبَةٍ (٥)، وَوِسَادَةِ أَدَمٍ (٦) حَشْوُهَا لِيفُ الإِذْخِرِ" (٧).
_________________
(١) = هي منسوبةٌ إلى بَطْنٍ من عبد القَيس يُقال لهم: حُطَمَةُ بن مُحَارب، كانوا يعملون الدروع، وهذا أشبه الأقوال. انظر النهاية (١/ ٣٨٧).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر ما أعطى علي -﵁- في صَدَاق فاطمة - رقم الحديث (٦٩٤٥) - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب النكاح - باب تحلة الخلوة وتقديم العطية قبل البناء - رقم الحديث (٥٥٤١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٠٣).
(٣) البَدَن: الدِّرع. انظر النهاية (١/ ١٠٨).
(٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر وصف الدرع الحُطمية - رقم الحديث (٦٩٤٦).
(٥) في رواية ابن حبان قال: خَمِيلَة. قال ابن حبان في صحيحه (١٥/ ٣٩٩): والخميلة: قَطِيفَة بيضاء من الصُّوف.
(٦) القِربة: يُستسقى بها، وتكون للماءِ. انظر لسان العرب (١١/ ٨٦).
(٧) الأدِيمُ: الجِلد. انظر لسان العرب (١/ ٩٦).
(٨) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٤٣) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر وصف ما جُهزت به فاطمة - رقم الحديث (٦٩٤٧).
[ ٢ / ٥٠١ ]
* وَلِيمَةُ (١) العُرْسِ:
وَلَمَّا أَرَادَ عَلِيٌّ -﵁- أَنْ يَبْنِيَ بِفَاطِمَةَ ﵂، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا عَلِيُّ، إِنَّهُ لَابُدَّ لِلْعُرْسِ مِنَ وَلِيمَةٍ". فَقَالَ سَعْدٌ: عَلَيَّ كَبْشٌ، وَجَمَعَ لَهُ رَهْطٌ مِنَ الأَنْصَارِ آصُعًا (٢) مِنْ ذُرَةٍ (٣).
فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ البِنَاءِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِعَلِيٍّ -﵁-: "لَا تُحْدِثْ شَيْئًا حَتَّى تَلْقَانِي"، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ، ثُمَّ إِنَّهُ أَفْرَغَهُ عَلَى عَلِيٍّ -﵁-، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِمَا، وَبَارِكْ عَلَيْهِمَا، وَبَارِكْ فِي نَسْلِهِمَا" (٤).
* أَوْلَادُهُمَا ﵄:
وَوَلَدَتْ فَاطِمَةُ ﵂ لِعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁-: الحَسَنَ، وَالحُسَيْنَ، وَمُحَسِّنًا، وَأُمَّ كُلْثُومٍ، وَزَيْنبَ ﵃ أجْمَعِينَ.
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا وُلِدَ الحَسَنُ سَمَّيْتُهُ حَرْبًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: حَرْبًا. فَقَالَ -ﷺ-: "بَلْ هُوَ
_________________
(١) الولِيمَة: هي الطعام الذي يُصنع عند العرس. انظر النهاية (٥/ ١٩٦).
(٢) الصَّاع: مكيالٌ لأهل المدينة. انظر لسان العرب (٧/ ٤٤٢).
(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٠٣٥) - وأخرجه في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١١٧٨) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٩٤٧) وإسناده حسن.
(٤) أخرج ذلك الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٩٤٧) وإسناده حسن.
[ ٢ / ٥٠٢ ]
حَسَنٌ"، فَلَمَّا وُلِدَ الحُسَيْنُ سَمَّيْتُهُ حَرْبًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: حَرْبًا. قَالَ -ﷺ-: "بَلْ هُوَ حُسَيْنٌ"، فَلَمَّا وُلِدَ الثَّالِثُ سَمَّيْتُهُ حَرْبًا، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "أَرُونِي ابْنِي، مَا سَمَّيْتُمُوهُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: حَرْبًا. قَالَ -ﷺ-: "بَلْ هُوَ مُحَسِّنٌ"، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "سَمَّيْتُهُمْ بِأَسْمَاءِ وَلَدِ هَارُونَ: شَبْرٌ وَشَبِيرٌ وَمُشَبِّرٌ" (١).
وَجَاءَ فِي تَسْمِيَةِ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ سَبَبٌ آخَرُ، وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ الإِمَامُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: لَمَّا وُلِدَ الحَسَنُ سَمَّاهُ حَمْزَةَ، فَلَمَّا وُلِدَ الحُسَيْنُ سَمَّاهُ بِعَمِّهِ جَعْفَرَ، قَالَ فَدَعَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أُغَيِّرَ اسْمَ هَذَيْنِ"، فَقُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَمَّاهُمَا حَسَنًا وَحُسَيْنًا (٢).
* عَقِيقَةُ (٣) الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ ﵄:
وَعَقَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا يَوْمَ السَّابعِ مِنْ وِلَادَتِهِمَا، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ حَسَنٍ وَحُسَيْنٍ يَوْمَ السَّابِعِ،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٦٩) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر الحسن والحسين - رقم الحديث (٦٩٥٨).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٧٠)
(٣) العَقِيقَة: هي الذَّبِيحة التي تُذبح عن المولود، وأصل العَقِّ: الشق والقطع، وقيل للذبيحة عَقِيقة؛ لأنها يُشَقُّ حَلْقُها. انظر النهاية (٣/ ٢٥٠).
[ ٢ / ٥٠٣ ]
وَسَمَّاهُمَا، وَأَمَرَ أَنْ يُمَاطَ عَنْ رَأْسِهِمَا الأَذَى (١).
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَقَّ عَنِ الحَسَنِ وَالحُسَيْنِ كَبْشًا كَبْشًا (٢).
* شَأْنُ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ -﵁- وَفَضْلُهُ:
فَأَمَّا الحَسَنُ بنُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ ﵄:
فَهُوَ سِبْطُ (٣) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ابْنُ ابْنَتِهِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءَ، وَرَيْحَانَتُهُ، وَأَشْبَهُ خَلْقِ اللَّهِ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي وَجْهٍ (٤)، وُلِدَ -﵁- لِلنِّصْفِ مِنْ رَمَضَانَ، وَقِيلَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ (٥)، فَحَنَّكَهُ (٦) رَسُولُ اللَّهِ بِرِيقِهِ، وَسَمَّاهُ حَسَنًا،
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الأطعمة - باب العقيقة - رقم الحديث (٥٣١١) - والحاكم في المستدرك - كتاب الذبائح - باب عق النبي -ﷺ- عن الحسن والحسين يوم السابع - رقم الحديث (٧٦٦٢).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الضحايا - باب في العقيقة - رقم الحديث (٢٨٤١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده عن بريدة بن الحُصيب -﵁- رقم الحديث (٢٣٠٠١) وإسناده قوي - وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن أنس بن مالك -﵁- رقم الحديث (٥٣٠٩) - وإسناده صحيح.
(٣) السِّبط: الطائفة والقطع منه -ﷺ-. انظر النهاية (٢/ ٣٠١).
(٤) أخرج الإمام البخاري صحيحه - كتاب المناقب - باب مناقب الحسن والحسين ﵄ رقم الحديث (٣٧٥٢) عن أنس -﵁- قال: لم يكن أحد أشبه بالنبي -ﷺ- من الحسن بن علي ﵄.
(٥) انظر فتح الباري (٧/ ٤٦٤) - سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٤٦).
(٦) قال الحافظ في الفتح (١١/ ٥): التحنيك: مضغ الشيء ووضعه في فم الصبي، وذلك حنكه به، يصنع ذلك بالصبي لِيَتَمَرَّن على الأكل ويقوي عليه.
[ ٢ / ٥٠٤ ]
وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِ أَبَوَيْهِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا، وَرُبَّمَا مَصَّ لِسَانَهُ (١) وَاعْتَنَقَهُ وَدَاعَبَهُ، وَرُبَّمَا جَاءَ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَاجِدٌ فِي الصَّلَاةِ، فَيَرْكَبُ عَلَى ظَهْرِهِ فَيُقِرُّهُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُطِيلُ السُّجُودَ مِنْ أَجْلِهِ (٢)، ورُبَّمَا صَعِدَ مَعَهُ إِلَى المِنْبَرِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الحَدِيثِ: أَنَّهُ -ﷺ- بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ إِذْ رَأَى الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ مُقْبِلَيْنِ، فَنَزَلَ إِلَيْهِمَا، فَاحْتَضَنَهُمَا، وَأَخَذَهُمَا مَعَهُ إِلَى المِنْبَرِ، وَقَالَ: "صَدَقَ اللَّهُ: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ. .﴾، إِنِّي رَأَيْتُ هَذَيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَلَمْ أَمْلِكْ أَنْ نَزَلْتُ إِلَيْهِمَا" (٣).
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ عَنِ الحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ ﵄: وَقَدْ كَانَ هَذَا الإِمَامُ سَيِّدًا، وَسِيمًا، جَمِيلًا، عَاقِلًا، رَزِينًا (٤)، جَوَادًا، مُمَدَّحًا، خَيِّرًا، دَيِّنًا، وَرِعًا، مُحْتَشِمًا، كَبِيرَ الشَّأْنِ (٥).
أَخْرَجَ الإِمَامُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ مُتَّكِئًا عَلَى يَدِي،
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٨٤٨) - وإسناده صحيح.
(٢) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٠٣٣) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب الصلاة - باب هل يجوز أن تكون سَجْدَة أطولَ من سجدة - رقم الحديث (٧٣١) - وإسناده صحيح.
(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٩٩٥) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الفرائض - باب ذوي الأرحام - رقم الحديث (٦٠٣٩) - وإسناده قوي.
(٤) يُقال: رجل رَزِين: إذا كان ذُو ثَبَات ووقَارٍ وسُكُون. انظر النهاية (٢/ ٢٠١).
(٥) انظر سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٥٣).
[ ٢ / ٥٠٥ ]
فَطَافَ فِيهَا، ثُمَّ رَجَعَ فَاحْتَبَى (١) فِي المَسْجِدِ، وَقَالَ: "أَيْنَ لُكَاعٌ (٢)؟ ادْعُوا لِي لُكَاعًا"، فَجَاءَ الحَسَنُ، فَاشْتَدَّ حَتَّى وَثَبَ فِي حَبْوَتِهِ، فَأَدْخَلَ فَمَهُ فِي فَمِهِ ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ، وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ" ثَلَاثًا (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ وَفِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- حَامِلًا الحَسَنَ بنَ عَلِيٍّ عَلَى عَاتِقِهِ، وَلُعَابُهُ يَسِيلُ عَلَيْهِ (٤).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ -﵁- قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ -ﷺ- يَخْطُبُ جَاءَ الحَسَنُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ" (٥).
_________________
(١) الاحتِبَاء: هو أن يَضُمَّ الإنسان رجليه إلى بَطْنِه بثوبٍ يجمعُهُما به مع ظهره، ويشدُّه عليهما. انظر النهاية (١/ ٣٢٤).
(٢) اللُّكَعُ: بضم اللام يريد به الصغير، يقال للصغير: لُكَعٌ، فإن أُطْلِقَ على الكبير، أُرِيدَ به الصغير العلم. انظر جامع الأصول (٩/ ٢٩).
(٣) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب البيوع - باب ما ذُكِرَ في الأسواق - رقم الحديث (٢١٢٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل الحسن والحسين -﵄- رقم الحديث (٢٤٢١) (٥٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٠٨٩١).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٩٧٧٩) - وأخرجه في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٣٧٠).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصلح - باب قول النبي -ﷺ- للحسن بن علي ﵄: "إن ابنِي هذا سَيِّد" - رقم الحديث (٢٧٠٤) - وأخرجه في كتاب الفتن- =
[ ٢ / ٥٠٦ ]
وَالمَقْصُودُ بِالفِئَتَيْنِ فِي هَذَا الحَدِيثِ جَيْشُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، وَجَيْشُ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ -﵁-، فَإِنَّهُ لَمَّا قُتِلَ عَلِيٌّ -﵁-، وَبُويِعَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ بِالخِلَافَةِ تَنَازَلَ عَنْهَا لِمُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ -﵁-، وَكَانَ تَسْلِيمُ الحَسَنِ -﵁- الأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ -﵁- فِي الخَامِسِ مِنْ رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ مِنَ الهِجْرَةِ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ العَامُ عَامَ الجَمَاعَةِ؛ لِاجْتِمَاعِ الكَلِمَةِ فِيهِ عَلَى مُعَاوِيَةَ -﵁-.
قَالَ ابْنُ العِمَادِ فِي شَذَرَاتِ الذَّهَبِ فِي أَحْدَاثِ سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ فِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ مِنْهَا: سَارَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ -﵁- بِجُيُوشِهِ نَحْوَ الشَّامِ، وَعَلَى مُقَدِّمَتِهِ قَيْسُ بنُ سَعْدِ بنِ عُبَادَةَ -﵁-، وَسَارَ مُعَاوِيَةُ -﵁- بِجُيُوشِهِ فَالْتَقَوْا بِنَاحِيَةِ الأَنْبَارِ (١)، فَوَفَّقَ اللَّهُ الحَسَنَ -﵁-، فَحَقَنَ دِمَاءَ المُسْلِمِينَ، وَتَرَكَ الأَمْرَ لِمُعَاوِيَةَ -﵁- كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ، وَظَهَرَ حِينَئِذٍ صِدْقُ الحَدِيثِ النَّبَوِيِّ فِيهِ حَيْثُ قَالَ -ﷺ-: "إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ" (٢).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ.
_________________
(١) = باب قول النبي -ﷺ- للحسن بن علي: "إِنَّ ابنِي هذا لَسَيِّد" - رقم الحديث (٧١٠٩).
(٢) الأنْبَارُ: هي مدينة في العراق على الفُرَاتِ في غَرْبي بغداد. انظر معجم البلدان (١/ ٢٠٦).
(٣) انظر شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي (١/ ٢٢٨).
[ ٢ / ٥٠٧ ]
٢ - وَمَنْقَبَةٌ لِلْحَسَنِ بنِ عَلِيٍّ ﵄، فَإِنَّهُ تَرَكَ المُلْكَ لَا لِقِلَّةٍ، وَلَا لِذِلَّةٍ وَلَا لِعِلَّةٍ، بَلْ لِرَغْبَتِهِ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ لِمَا رَآهُ مِنْ حَقْنِ دِمَاءَ المُسْلِمِينَ، فَرَاعَى أَمْرَ الدِّينِ وَمَصْلَحَةَ الأُمَّةِ.
٣ - وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى الخَوَارِجِ الذِينَ كَانُوا يُكَفِّرُونَ عَلِيًّا -﵁- وَمَنْ مَعَهُ، وَمُعَاوِيَةَ -﵁- وَمَنْ مَعَهُ، بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- لِلطَّائِفَتَيْنِ بِأَنَّهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ.
٤ - وَفِيهِ فَضِيلَةُ الإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَلَا سِيَّمَا فِي حَقْنِ دِمَاءَ المُسْلِمِينَ.
٥ - وَفِيهِ وِلَايَةُ المَفْضُولِ الخِلَافَةَ مَعَ وُجُودِ الأَفْضَلِ؛ لِأَنَّ الحَسَنَ -﵁- وَمُعَاوِيَةَ -﵁- وَلِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا الخِلَافَةَ، وَسَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁-، وَسَعِيدُ بنُ زَيْدٍ -﵁- فِي الحَيَاةِ، وَهُمَا بَدْرِيَّانِ.
٦ - وَفِيهِ جَوَازُ خَلْعِ الخَلِيفَةِ نَفْسَهُ إِذَا رَأَى فِي ذَلِكَ صَلَاحًا لِلْمُسْلِمِينَ.
٧ - وَفِيهِ النُّزُولُ عَنِ الوَظَائِفِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ بِالمَالِ.
٨ - وَفِيهِ أَنَّ السِّيَادَةَ لَا تَخْتَصُّ بِالأَفْضَلِ، بَلْ هُوَ الرَّئِيسُ عَلَى القَوْمِ وَالجَمْعُ سَادَةٌ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ السُّؤْدُدِ، وَقِيلَ مِنَ السَّوَادِ لِكَوْنِهِ يَرْأَسُ عَلَى السَّوَادِ العَظِيمِ مِنَ النَّاسِ أَي الأَشْخَاصِ الكَثِيرَةِ.
٩ - وَفِيهِ إِطْلَاقُ الِابْنِ عَلَى ابْنِ البِنْتِ (١).
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٤/ ٥٧١).
[ ٢ / ٥٠٨ ]
* شَأْنُ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيٍّ -﵁- وَفَضْلُهُ:
وَأَمَّا الحُسَيْنُ -﵁- فَوُلِدَ فِي شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ مِنَ الهِجْرَةِ (١)، وَكَانَ -﵁- أَشْبَهَ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ أَسْفَلِ صَدْرِهِ إِلَى أَسْفَلِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ، وَالفَضَائِلِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: الحَسَنُ أَشْبَهُ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَا بَيْنَ الصَّدْرِ إِلَى الرَّأْسِ، وَالحُسَيْنُ أَشْبَهُ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الطَّيَالِسِيِّ، قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: كَانَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ أَشْبَهَ النَّاسِ بِرَسُولِ -ﷺ- مِنْ وَجْهِهِ إِلَى سُرَّتِهِ، وَكَانَ الحُسَيْنُ أَشْبَهَ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَا أَسْفَلَ ذَلِكَ (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الحَسَنُ والحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الجَنَّةِ" (٤).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٧/ ٤٦٥) - سير أعلام النبلاء (٣/ ٢٨٠).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - رقم الحديث (٦٩٧٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٧٤) - وأخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٣٦٦).
(٣) أخرجه الطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٣٢).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٠٩٩٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر البيان بأن سبطي المصطفى -ﷺ- =
[ ٢ / ٥٠٩ ]
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ قَالَ: كُنْتُ شَاهِدًا لِابْنِ عُمَرَ، وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ، فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: مِمَّنْ أَنْتَ؟
قَالَ: مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، قَالَ: انْظُرُوا إِلَى هَذَا يَسْأَلُنِي عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ، وَقَدْ قَتَلُوا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَسَمِعْتُ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقُولُ: "هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنَ الدُّنْيَا" (١).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: أَوْرَدَ ابْنُ عُمَرَ هَذَا مُتَعَجِّبًا مِنْ حِرْصِ أَهْلِ العِرَاقِ عَلَى السُّؤَالِ عَنِ الشَّيْءِ اليَسِيرِ، وَتَفْرِيطِهِمْ فِي الشَّيْءِ الجَلِيلِ (٢).
* مَقْتَلُ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيٍّ ﵄:
وَقَدْ قُتِلَ الحُسَيْنُ بنُ عَلِيٍّ ﵄ يَوْمَ الجُمُعَةِ، يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنَ المُحَرَّمِ سَنَةَ إِحْدَى وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ، وَلَهُ مِنَ العُمُرِ ثَمَانٌ وَخَمْسُونَ سَنَةً (٣).
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَفِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ جِبْرِيلُ ﵇ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَالحُسَيْنُ
_________________
(١) = يكونان في الجنة سيدا شباب أهل الجنة - رقم الحديث (٦٩٥٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب مناقب الحسن والحسين ﵄ رقم الحديث (٣٧٥٣) - وأخرجه في كتاب الأدب - باب رحمة الولد وتقبيله ومعانقته - رقم الحديث (٥٩٩٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٥٥٦٨).
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٤٦٩).
(٤) انظر البداية والنهاية (٨/ ٥٩٦).
[ ٢ / ٥١٠ ]
مَعِي فَبَكَى، فَتَرَكْتُهُ، فَدَنَا مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ جِبْرِيلُ: أَتُحِبُّهُ يَا مُحَمَّدُ؟
فَقَالَ -ﷺ-: "نَعَمْ".
فَقَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ سَتَقْتُلُهُ، وَإِنْ شِئْتَ أَرَيْتُكَ مِنْ تُرْبَةِ الأَرْضِ التِي يُقْتَلُ بِهَا (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَمَّارَ بنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فِي المَنَامِ بِنِصْفِ النَّهَارِ، أَشْعَثَ أغْبَرَ، مَعَهُ قَارُورَةٌ فِيهَا دَمٌ يَلْتَقِطُهُ أَوْ يَتَّبَّعُ فِيهَا شَيْئًا، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا هَذَا؟، قَالَ -ﷺ-: "دَمُ الحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ، لَمْ أَزَلْ أَتَتَبَّعُهُ مُنْذُ اليَوْمِ"، قَالَ عَمَّارٌ: فَحَفِظْنَا ذَلِكَ اليَوْمَ، فَوَجَدْنَاهُ قُتِلَ ذَلِكَ اليَوْمِ (٢).
* شَأْنُ مُحَسِّنِ بنِ عَلِيٍّ ﵄:
وَأَمَّا مُحَسِّنٌ فَقَدْ مَاتَ صَغِيرًا، قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: اتَّفَقَ أَهْلُ العِلْمِ بِالأَخْبَارِ أَنَّ مُحَسِّنَ بنَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، مَاتَ صَغِيرًا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ- (٣).
* شَأْنُ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ ﵄:
وَأَمَّا أَمُّ كُلْثُومٍ، فَوُلِدَتْ فِي حُدُودِ سَنَةِ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ، وَرَأَتِ النَّبِيَّ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٥٢٤) - وأخرجه في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٣٩١).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٦٥).
(٣) انظر فتح الباري (٣/ ٥٠٢).
[ ٢ / ٥١١ ]
-ﷺ-، وَلَمْ تَرْوِ عَنْهُ شَيْئًا (١)، وَقَدْ تَزَوَّجَهَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-، فَوَلَدَتْ لَهُ زَيْدًا، وَمَاتَ عَنْهَا عُمَرُ -﵁-، فتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ بِبَنِي عَمِّهَا جَعْفَرَ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ، تَزَوَّجَتْ بِعَوْنِ بنِ جَعْفَرَ، فَمَاتَ عَنْهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَخُوهُ مُحَمَّدُ بنُ جَعْفَرٍ، فَمَاتَ عَنْهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا أَخُوهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَعْفَرٍ، فَمَاتَتْ عِنْدَهُ (٢).
أَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ فِي الشَّوَاهِدِ عَنْ عَلِيِّ بنِ الحُسَيْنِ قَالَ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ -﵁- خَطَبَ إِلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- أُمَّ كُلْثُومٍ، فَقَالَ: أَنْكِحْنِيهَا، فَقَالَ عَلِيٌّ: إِنِّي أَرْصُدُهَا (٣) لِابْنِ أَخِي عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَعْفَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: أنْكِحْنِيهَا فَوَاللَّهِ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ يَرْصُدُ مِنْ أَمْرِهَا مَا أَرْصُدُهُ فَأَنْكَحَهُ عَلِيٌّ، فَأَتَى عُمَرُ المُهَاجِرِينَ، فَقَالَ: أَلَا تُهَنُّونِي؟ فَقَالُوا: بِمَنْ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ فَقَالَ: بِأُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عَلِيٍّ وَابْنَةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "كُلُّ نَسَبٍ وَسَبَبٍ يَنْقَطِعُ يَوْمَ القِيَامَةِ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سَبَبِي وَنَسَبِي"، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَسَبٌ وَسَبَبٌ (٤).
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٠٠).
(٢) انظر البداية والنهاية (٥/ ٣٠٦).
(٣) الإرصاد: الانتِظَار. انظر لسان العرب (٥/ ٢٢٤). ومنه قوله تعالى في سورة التوبة آية (١٠٧): ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ. . .﴾.
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب نكاح عمر بأم كلثوم وسببه - رقم الحديث (٤٧٣٨) - وانظر السلسلة الصحيحة للألباني ﵀ - رقم الحديث (٢٠٣٦).
[ ٢ / ٥١٢ ]
* شَأْنُ زَيْنَبَ بِنْتِ عَلِيٍّ ﵄:
وَأَمَّا زَيْنَبُ ﵂، فَإِنَّهَا وُلِدَتْ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَكَانَتِ امْرَأَةً عَاقِلَةً لَبِيبَةً (١) جَزْلَةً (٢)، زَوَّجَهَا أبُوهَا عَلِيٌّ ﵄ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَخِيهِ جَعْفَرَ، فَوَلَدَتْ لَهُ عَلِيًّا، وَعَوْنًا الأَكْبَرَ، وَعَبَّاسًا، وَمُحَمَّدًا، وَأُمَّ كُلْثُومٍ، وَكَانَتْ مَعَ أَخِيهَا الحُسَيْنِ -﵁- لَمَّا قُتِلَ، وَحُمِلَتْ إِلَى دِمَشْقَ، وَمَاتَتْ عِنْدَ زَوْجِهَا عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَعْفَرَ ﵃ أجْمَعِينَ (٣).
* غَضَبُ الرَّسُولِ -ﷺ- لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ ﵂:
وَلَمْ يَتَزَوَّجْ عَلِيٌّ -﵁- عَلَى فَاطِمَةَ ﵂ حَتَّى مَاتَتْ، وَعِنْدَمَا أَرَادَ عَلَيٌّ -﵁- أَنْ يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ، غَضِبَتْ فَاطِمَةُ، وَأَتَتِ الرَّسُولَ -ﷺ- تَشْتَكِيهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ -﵁- قَالَ: إِنَّ عَلِيًّا خَطَبَ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، فَسَمِعَتْ بِذَلِكَ فَاطِمَةُ، فَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَتْ: يَزْعُمُ قَوْمُكَ أَنَّكَ لَا تَغْضَبُ لِبَنَاتِكَ، وَهَذَا عَلِيٌّ نَاكِحٌ بِنْتَ أَبِي جَهْلٍ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَمِعْتُهُ حِينَ تَشَهَّدَ يَقُولُ: "أَمَّا بَعْدُ أَنْكَحْتُ أَبَا العَاصِ بنَ الرَّبِيعِ فَحَدَّثَنِي وَصَدَقَنِي (٤)، وَإِنَّ فَاطِمَةَ
_________________
(١) لَبِيبة: عَاقلة. انظر لسان الرب (١٢/ ٢١٦).
(٢) امرأة جَزْلة: جيدة الرأي. انظر لسان العرب (٢/ ٢٧٦).
(٣) انظر الإصابة (٨/ ١٦٦) - أسد الغابة (٥/ ٣٠٠) - البداية والنهاية (٥/ ٣٠٦).
(٤) قال ابن الأثير في جامع الأصول (١١/ ٥٠٤): هذا المُشَارُ إليه بالوعد والوَفَاءِ: هو =
[ ٢ / ٥١٣ ]
بَضْعَةٌ (١) مِنِّي، وَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَسُوءُهَا، وَاللَّهِ لَا تَجْتَمعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ عِنْدَ رَجُلٍ وَاحِدٍ".
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ -ﷺ-: "إِنَّ بَنِي هِشَامِ بنِ المُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يُنْكِحُوا ابْنَتَهُمْ عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ، فَلَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، ثُمَّ لَا آذَنُ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ ابنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلِّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ، فَإِنَّهَا هِيَ بَضْعَةٌ مِنِّي يُرِيبُنِي مَا أَرَابَهَا، ويُؤْذِينِي مَا آذَاهَا".
وَفِي لَفْظٍ قَالَ -ﷺ-: "إِنَّ فَاطِمَةَ مِنِّي، وَأَنَا أَتَخَوَّفُ أَنْ تُفْتَنَ فِي دِينِهَا"، ثُمَّ ذَكَرَ صِهْرًا لَهُ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ (٢) فَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ إِيَّاهُ، قَالَ: "حَدَّثَنِي فَصَدَقَنِي، وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي، وَإِنِّي لَسْتُ أُحَرِّمُ حَلَالًا وَلَا أُحِلُّ حَرَامًا (٣)، وَلَكِنْ وَاللَّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبَدًا".
_________________
(١) = أبو العاص بن الربيع زوجُ رينبَ بِنْتِ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، كان أُسِرَ في غزوة بدر الكبرى، فَنفذت زينب فداءه من مكة، فعرف رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في الذي نفذته قِلادةً كانت لخديجة ﵂، فَرَقَّ لها رَسُول اللَّهِ -ﷺ- رِقَّةً شديدة، واستطْلَقَ أسيرَها من المسلمين، وشَرَط رَسُول اللَّهِ -ﷺ- على أبي العاص بن الربيع أن يُنْفِذِ زينب إليه إذا وصل إلى مكة، فَفَعل -﵁-.
(٢) البَضْعَةُ بالفتح: هي القطعة من اللَّحْمِ، وقد تُكسَرُ، أي أنها جزءٌ منه -ﷺ-، كما أن القطعة من اللحم جزء من اللحم. انظر النهاية (١/ ١٣٣).
(٣) هو أَبُو العاص بن الربيع -﵁- زوج زينب بنت الرسول -ﷺ-.
(٤) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٤١٢): أي هي له حلال لو لم تكن عنده فاطمة، وأما الجمع بينهما الذي يستلزم تأذِّي النبي -ﷺ- لتأذِّي فاطمة به فلا، والذي يظهر لي أنَّه لا يبعد أن يُعَدَّ في خصائص النبي -ﷺ- أن لا يُتزوج على بناته، ويحتمل أن يكون ذلك خَاصًّا بفاطمة ﵂.
[ ٢ / ٥١٤ ]
فَترَكَ عَلِيٌّ -﵁- الخِطْبَةَ (١).
* سَبَبُ غَضَبِ الرَّسُولِ -ﷺ- لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ ﵂:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- قَلَّ أَنْ يُوَاجِهَ أَحَدًا بِمَا يُعَابُ بِهِ، وَلَعَلَّهُ إِنَّمَا جَهَرَ بِمُعَاتَبَةِ عَلِيٍّ -﵁- مُبَالَغَةً فِي رِضَا فَاطِمَةَ ﵂، وَكَانَتْ هَذِهِ الوَقْعَةُ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ تَأَخَّرَ مِنْ بَنَاتِ النَّبِيِّ -ﷺ- غَيْرُهَا، وَكَانَتْ أُصِيبَتْ بَعْدَ أُمِّهَا بِإِخْوَتِهَا، فَكَانَ إِدْخَالُ الغَيْرَةِ عَلَيْهَا مِمَّا يَزِيدُ حُزْنَهَا (٢).
* حُبُّ الرَّسُولِ -ﷺ- لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ ﵂:
وَكَانَتْ فَاطِمَةُ ﵂ أَشْبَهَ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خَلْقًا وَكَلَامًا، وَكَانَتْ ﵂ إِذَا دَخَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ إِلَيْهَا، وَقَبَّلَهَا، وَرَحَّبَ بِهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا كَانَ أَشْبَهَ كَلَامًا وَحَدِيثًا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فرض الخمس - باب ما ذكر من درع النبي -ﷺ- وعَصَاه وسيفه - رقم الحديث (٣١١٠) - وأخرجه في كتاب فضائل الصحابة - باب ذكر أصهار النبي -ﷺ- رقم الحديث (٣٧٢٩) - وأخرجه في كتاب النكاح - باب ذب الرجل عن ابنته في الغيرة والإنصاف - رقم الحديث (٥٢٣٠) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل فاطمة بنت النبي -ﷺ﵂ رقم الحديث (٢٤٤٩) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩١٣).
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٤٥٣).
[ ٢ / ٥١٥ ]
فَاطِمَةَ، وَكَانَتْ إِذَا دَخَلَتْ عَلَيْهِ قَامَ إِلَيْهَا، وَقَبَّلَهَا، وَرَحَّبَ بِهَا، وَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَأَجْلَسَهَا فِي مَجْلِسِهِ، وَكَانَتْ هِيَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهَا، قَامَتْ إِلَيْهِ، فَقَبَّلَتْهُ، وَأَخَذَتْ بِيَدِهِ (١).
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا (٢) وَهَدْيًا (٣) وَدَلًّا (٤) بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٥).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مَشْيُ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "مَرْحَبًا يَا ابْنَتِي"، ثُمَّ أَجْلَسَهَا عَنْ يَمِينِهِ أَوْ عَنْ شِمَالِهِ (٦).
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب إخبار المصطفى -ﷺ- فاطمة أنها أول لاحق به من أهله - رقم الحديث (٦٩٥٣).
(٢) السَّمْتُ: هو حُسْنُ القَصْدِ والمَذْهَبِ في دِينه ودنياه. انظر لسان العرب (٦/ ٣٥٤).
(٣) الهَدْيُ: السِّيرة والهَيْئَة والطَّرِيقَة. انظر النهاية (٥/ ٢١٩).
(٤) الدَّلُّ: هو عبارة عن الحالةِ التي يكون عليها الإنسان من السَّكِينَةِ والوَقَار، وحسن السيرة والطريقة واستقامة المنظر والهيئة. انظر النهاية (٢/ ١٢٢).
(٥) أخرجه أبو داود في السنن - كتاب الأدب - باب ما جاء في القيام - رقم الحديث (٥٢١٧) - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب المناقب - باب مناقب فاطمة بنت رَسُول اللَّهِ -ﷺ﵂ رقم الحديث (٨٣١١).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإِسلام - رقم الحديث (٣٦٢٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل فاطمة ﵂ رقم الحديث (٢٤٥٠).
[ ٢ / ٥١٦ ]
* فَضَائِلُ فَاطِمَةَ ﵂:
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: . . . قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِفَاطِمَةَ: "يَا فَاطِمَةُ! أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ، أَوْ نِسَاءِ المُؤْمِنِينَ" (١).
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الأَرْضِ خُطُوطًا أَرْبَعَةً، قَالَ: "أَتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ "، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ" (٢).
* اسْتِدْلَالٌ قَوِيٌّ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَأَقْوَى مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَقْدِيمِ فَاطِمَةَ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ نِسَاءِ عَصْرِهَا وَمَنْ بَعْدَهُنَّ مَا ذُكِرَ مِنْ قَوْلِهِ -ﷺ-: "إنَّهَا سَيِّدَةُ نِسَاءِ العَالَمِينَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإِسلام - رقم الحديث (٣٦٢٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل فاطمة ﵂ رقم الحديث (٢٤٥٠).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٦٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر البيان بأن خديجة من أفضل نساء أهل الجنة - رقم الحديث (٧٠١٠).
[ ٢ / ٥١٧ ]
إِلَّا مَرْيَمَ ﵍"، وَأَنَّهَا رُزِئَتْ (١) بِالنَّبِيِّ -ﷺ- دُونَ غَيْرِهَا مِنْ بَنَاتِهِ، فَإِنَّهُنَّ مِتْنَ فِي حَيَاتِهِ، فَكُنَّ فِي صَحِيفَتِهِ، وَمَاتَ هُوَ -ﷺ- فِي حَيَاتِهَا، فَكَانَ فِي صَحِيفَتِهَا، وَكُنْتُ أَقُولُ ذَلِكَ اسْتِنْبَاطًا إِلَى أَنْ وَجَدْتُهُ مَنْصُوصًا: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِ آلِ عِمْرَانَ مِنْ طَرِيقِ فَاطِمَةَ بِنْتِ الحُسَيْنِ بنِ عَلِيٍّ: إِنَّ جَدَّتَهَا فَاطِمَةَ قَالَتْ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا، وَأَنَا عِنْدَ عَائِشَةَ فَنَاجَانِي فَبَكَيْتُ، ثُمَّ نَاجَانِي فَضَحِكْتُ، فَسَأَلَتْنِي عَائِشَةُ عَنْ ذَلِكَ فَقُلْتُ: لَقَدْ عَلِمْتُ أَأخْبِرُكِ بِسِرِّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَتَرَكَتْنِي، فَلَمَّا تُوُفِّيَ سَأَلَتْ فَقُلْتُ: نَاجَانِي. . .، فَذَكَرَ الحَدِيثَ فِي مُعَارَضَةِ جِبْرِيلَ لَهُ بِالقُرْآنِ مَرَّتَيْنِ، وَأَنَّهُ قَالَ: "أَحْسَبُ أَنِّي مَيِّتٌ فِي عَامِي هَذَا، وَأَنَّهُ لَمْ تُرْزَأ امْرَأَةٌ مِنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ مِثْلَ مَا رُزِئْتِ، فَلَا تَكُونِي دُونَ امْرَأَةٍ مِنْهُنَّ صَبْرًا"، فَبَكَيْتُ، فَقَالَ: "أَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ إِلَّا مَرْيَمَ" فَضَحِكَتْ (٢).
قُلْتُ: (القَائِلُ ابنُ حَجَرٍ)، وَأَصْلُ الحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ دُونَ هَذِهِ الزِّيَادَةِ (٣).
_________________
(١) الرَّزْءُ: المُصِيبَة بفَقْدِ الأعِزَّة، وهو من الانتِقَاصِ. انظر لسان العرب (٥/ ٢٠٠) - النهاية (٢/ ٢٠٠).
(٢) أخرجه الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره (٣/ ٢٦٣) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٤٦).
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٤٧٧).
[ ٢ / ٥١٨ ]
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: فَلِهَذَا عَظُمَ أَجْرُهَا ﵂؛ لِأَنَّهَا أُصِيبَتْ بِهِ -ﷺ- (١).
* لَا تَعَارُضَ بَيْنَ الأَحَادِيثِ:
قُلْتُ: وَهَذَا الفَضْلُ لِفَاطِمَةَ ﵂ لَا يُعَارِضُهُ قَوْلُهُ -ﷺ- لِابْنَتِهِ زَيْنَبَ ﵂ فِي الحَدِيثِ الذِي أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: "هِيَ أَفْضَلُ بَنَاتِي أُصِيبَتْ فِيَّ" (٢).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ فِي قِصَّةِ مَجِيءِ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ -﵁- بِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ مَكَّةَ، وَفِي آخِرِهِ قَالَ -ﷺ-: "هِيَ أَفْضَلُ بَنَاتِي أُصِيبَتْ فِيَّ".
فَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ الأَئِمَّةِ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُتَقَدِّمًا، ثُمَّ وَهَبَ اللَّهُ تَعَالَى لِفَاطِمَةَ مِنَ الأَحْوَالِ السَّنِيَّةِ وَالكَمَالِ مَا لَمْ يُشَارِكْهَا أَحَدٌ مِنْ نِسَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ مُطْلَقًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣).
* وَفَاةُ فَاطِمَةَ ﵂:
تُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ ﵂ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ -ﷺ- بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ، لَيْلًا
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٦/ ٧٢٥).
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٤٢) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب هجرة النبي -ﷺ- من مكة إلى المدينة - رقم الحديث (٦٩١٩) - وأورده الحافظ في الفتح (٧/ ٤٨١) وجوّد إسناده.
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٤٧٧).
[ ٢ / ٥١٩ ]
وَعُمُرُهَا ﵂ قِيلَ سَبْعٌ، وَقِيلَ ثَمَانٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً.
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: . . . وَعَاشَتْ -أَيْ فَاطِمَةُ- بَعْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- سِتَّةَ أَشْهُرٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَتْ دَفَنَهَا زَوْجُهَا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- لَيْلًا (١).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٤٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب قول النبي -ﷺ-: "لا نُوَرِّث ما تركْنَا فَهُوَ صَدَقة" - رقم الحديث (١٧٥٩).
[ ٢ / ٥٢٠ ]
ظُهُورُ النِّفَاقِ وَالمُنَافِقِينَ فِي المَدِينَةِ
لَمْ يَكُنْ فِي مَكَّةَ نِفَاقٌ؛ لِأَنَّ المُسْلِمِينَ كَانُوا ضِعَافًا، وَكَانَ كُلُّ مَنْ يَدْخُلُ فِي الإِسْلَامِ يَتَعَرَّضُ لِلْخَطَرِ وَالضَّرَرِ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ إِلَّا مَنْ صَدَقَ عَزْمُهُ، وَقَوِيَ إِيمَانُهُ، وَجَازَفَ بِحَيَاتِهِ وَمُسْتَقْبَلِهِ، فَلَمَّا انْتَقَلَ الرَّسُولُ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ، وَاسْتَقَرَّ بِهَا هُوَ وَأَصْحَابُهُ، وَبَعْدَ الهَزِيمَةِ السَّاحِقَةِ التِي تَعَرَّضَ لَهَا كُفَّارُ قُرَيْشٍ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى، بَدَأَتْ ظَاهِرَةُ النِّفَاقِ تَظْهَرُ، فَدَخَلُوا فِي الإِسْلَامِ ظَاهِرًا، وَأَبْطَنُوا الكُفْرَ وَالحِقْدَ وَالكَيْدَ فِي قُلُوبِهِمْ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَكَانَ زَعِيمُ المُنَافِقِينَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبي بنِ سَلُولٍ، الذِي كَانَ قَوْمُهُ قَدْ نَظَمُوا لَهُ الخَرَزَ لَيُتَوِّجُوهُ مَلِكًا عَلَيْهِمْ قَبْلَ مَقْدَمِ الرَّسُولِ -ﷺ- المَدِينَةَ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ- (١).
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: . . . فَلَمَّا غَزَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَدْرًا، فَقَتَلَ اللَّهُ بِهِ صَنَادِيدِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، قَالَ ابنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الأَوْثَانِ: هَذَا أَمْرٌ قَدْ تَوَجَّهَ (٢)،
_________________
(١) انظر كلام الشيخ أبي الحسن النَّدْوي في هذا الموضوع في كتابه السِّيرة النَّبوِيَّة - ص ٢٠٠.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٩/ ١٠٢): توَجَّه: أي ظَهَرَ وَجْهُهُ.
[ ٢ / ٥٢١ ]
فَبَايِعُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْإِسْلَامِ، فَأَسْلِمُوا (١).
يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ (٢) وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ (٣).
أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَثَلُ المُنَافِقِ كَمَثَلِ الشَّاةِ العَائِرَةِ (٤) بَيْنَ الغَنَمَيْنِ، تَعِيرُ إِلَى هَذِهِ مَرَّةً، وَإِلَى هَذِهِ مَرَّةً" (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ - رقم الحديث (٤٥٦٦).
(٢) قال الحافظ ابن كثير تفسيره (٢/ ٤٣٧): ولا شك أن اللَّه تَعَالَى لا يُخادَع، فإنَّه العالم بالسرائر والضمائر، ولكن المُنَافقين لجهلِهِم وقِلَّة علمهم وعقلهم، يعتقِدُون أن أمرهم كما رَاجَ عندَ الناس وجَرَت عليهم أحكام الشريعة ظاهرًا، فكذلك يكونُ حُكمهم يوم القيامة عند اللَّه، وأن أمرهم يَرُوج عنده، كما أخبر عنهم تَعَالَى أنهم يوم القيامة يَحْلِفُون له: أنهم كانوا على الاستقامة والسَّدَادِ، ويعتقدون أن ذلك نَافِعٌ لهم عنده، فقال تَعَالَى في سورة المجادلة آية (١٨): ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾.
(٣) سورة النساء آية (١٤٢ - ١٤٣).
(٤) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٧/ ١٠٧): العَائِرَةُ: هي المُتَرَدِّدَةُ الحائِرَة لا تدرِي لأيهما تَتْبَعُ.
(٥) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - رقم الحديث (٢٧٨٤).
[ ٢ / ٥٢٢ ]
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الحَسَنِ النَّدْوِيِّ: وَعَادَى الإِسْلَامُ كُلَّ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، وَفِي السِّيَادَةِ طَمَعٌ، وَضَاقَ ذَرْعًا بِهَذَا الدِّينِ الزَّاحِفِ، الذِي هَدَمَ كُلَّ مَا بَنَاهُ، وَنَقَضَ كُلَّ مَا أَبْرَمَهُ، وَجَعَلَ لِلْمَدِينَةِ شَأْنًا غَيْرَ الشَّأْنِ، وَمِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ أُمَّةً وَاحِدَةً، أَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ، وَبَذَلَتْ نُفُوسَهَا دُونَ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَقَدَّمَتْ مَحَبَّتَهُ عَلَى مَحَبَّةِ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ وَالأَزْوَاجِ، فَامْتَلَأَتْ قُلُوبُ هَؤُلَاءِ المُنَافِقِينَ غَيْظًا وَحَسَدًا، فَصَارُوا يَكِيدُونَ لِلْإِسْلَامِ، وَيَتَرَبَّصُونَ بِهِ الدَّوَائِرَ، وَيُقَلِّبُونَ لَهُ الأُمُورَ، وَتَكَوَّنَتْ فِي المَدِينَةِ جَبْهَةٌ مُعَادِيَةٌ، مُتَسَرِّبَةٌ فِي المُجْتَمَعِ الإِسْلَامِيِّ، وَكَانَ عَلَى المُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا مِنْهَا عَلَى حَذَرٍ دَائِمًا، فَقَدْ تَكُونُ أَشَدَّ خَطَرًا عَلَى الإِسْلَامِ وَالمُسْلِمِينَ مِنَ الأَعْدَاءِ المُجَاهِرِينَ، وَمِنْ هُنَا زَخَرَ (١) القُرْآنُ بِذِكْرِهِمْ، وَإِزَاحَةِ السِّتَارِ عَنْهُمْ، وَكَانَ لَهُمْ مَعَ الإِسْلَامِ، وَلِلْإِسْلَامِ مَعَهُمْ شَأْنٌ (٢).
* * *
_________________
(١) زَخَرَ: امتَلَأ. انظر لسان العرب (٦/ ٣٠).
(٢) انظر كتاب السِّيرة النَّبوِيَّة لأبي الحسن النَّدْوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - ص ٢٠١.
[ ٢ / ٥٢٣ ]
غَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاعَ
حَدَثَتْ غَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاعَ يَوْمَ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ (١). وَكَانَ بَنُو قَيْنُقَاعَ مِنْ أَشْجَعِ يَهُودٍ، وَكَانُوا صَاغَةً (٢)، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الرَّسُولِ -ﷺ- عَهْدٌ -كَمَا ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى مِنْ أَمْرِ الصَّحِيفَةِ التِي كَتَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِكُلِّ مَنْ سَكَنَ المَدِينَةَ- فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ أَظْهَرُوا البَغْيَ وَالحَسَدَ، وَنَبَذُوا العَهْدَ مَعَ الرَّسُولِ -ﷺ-.
أَخْرَجَ ابنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا أَصَابَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قُرَيْشًا يَوْمَ بَدْرٍ، وَقَدِمَ المَدِينَةَ، جَمَعَ اليَهُودَ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، فَقَالَ: "يَا مَعْشَرَ يَهُودٍ، أَسْلِمُوا قَبْلَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قُرَيْشًا"، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، لَا يَغُرَّنَّكَ مِنْ نَفْسِكَ أَنَّكَ قَتَلْتَ نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا أَغْمَارًا (٣) لَا يَعْرِفُونَ القِتَالَ، إِنَّكَ لَوْ
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٧١) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٦٣) - سيرة ابن هشام (٣/ ٥٤) - البداية والنهاية (٣/ ٣٧٦).
(٢) الصَّوَّاغ: هو صَائِغُ الحُلِيِّ. انظر النهاية (٣/ ٥٦).
(٣) الأَغْمَارُ: جمعُ غُمْرٍ بالضم: وهو الجَاهِلُ الغِرُّ الذي لم يُجَرِّب الأمور. انظر النهاية (٣/ ٣٤٥).
[ ٢ / ٥٢٤ ]
قَاتَلْتَنَا لَعَرَفْتَ أَنَّا نَحْنُ النَّاسُ، وَأَنَّكَ لَمْ تَلْقَ مِثْلَنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢) قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١).
كَانَ مَا أَجَابَ بِهِ بَنُو قَيْنُقَاعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- هُوَ الإِعْلَانُ السَّافِرُ بِالحَرْبِ، وَزَادَ يَهُودُ بَنِي قَيْنُقَاعَ جُرْأَةً، فَقَلَّمَا لَبِثُوا أَنْ أَثَارُوا فِي المَدِينَةِ قَلَقًا وَاضْطِرَابًا، فَقَدْ رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي عَوْنٍ قَالَ: أَنَّ امْرَأَةً مِنَ العَرَبِ قَدِمَتْ بِجَلَبٍ (٢) لَهَا، فَبَاعَتْهُ فِي سُوقِ بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَجَلَسَتْ إِلَى صَائِغٍ، فَجَعَلُوا يُرِيدُونَهَا عَلَى كَشْفِ وَجْهِهَا، فَأَبَتْ، فَعَمَدَ الصَّائِغُ إِلَى طَرَفِ ثَوْبِهَا، فَعَقَدَهُ إِلَى ظَهْرِهَا -وَهِيَ غَافِلَةٌ- فَلَمَّا قَامَتْ انْكَشَفَتْ عَوْرَتُهَا، فَضَحِكُوا بِهَا، فَصَاحَتْ، فَوَثَبَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى الصَّائِغِ فَقَتَلَهُ، وَكَانَ الصَّائِغُ يَهُودِيًّا، فَشَدَّتِ اليَهُودُ عَلَى المُسْلِمِ فَقَتَلُوهُ، فَاسْتَصْرَخَ أَهْلُ المُسْلِمِ المُسْلِمِينَ عَلَى اليَهُودِ، فَغَضِبَ المُسْلِمُونَ، فَوَقَعَ الشَّرُّ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي قَيْنُقَاعَ (٣).
_________________
(١) سورة آل عمران آية (١٢ - ١٣) - والحديث أخرجه ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٥٣) - وأبو داود في سننه - كتاب الخراج والإمارة والفيء - باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة - رقم الحديث (٣٠٠١) - وأورده الحافظ في الفتح (٨/ ٧١) - وحسن إسناده.
(٢) الجَلَبُ: ما يُجْلَبُ للبَيْعِ من كل شيء. انظر النهاية (١/ ٢٧٣).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٥٤) - البداية والنهاية (٤/ ٣٧٦).
[ ٢ / ٥٢٥ ]
* حِصَارُ بَنِي قَيْنُقَاعَ ثُمَّ جَلَاؤُهُمْ:
فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّ يَهُودَ بَنِي قَيْنُقَاعَ نَقَضُوا العَهْدَ وَالمِيثَاقَ، وَتَوَسَّعُوا فِي اسْتِفْزَازِهِمْ سَارَ إِلَيْهِمْ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى المَدِينَةِ أَبَا لُبَابَةَ بَشِيرَ بنَ عَبْدِ المُنْذِرِ -﵁-، وَدَفَعَ اللِّوَاءَ إِلَى حَمْزَةَ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁-، وَكَانَ لِوَاءً أَبْيَضَ.
فَلَمَّا رَأَوْا المُسْلِمِينَ تَحَصَّنُوا فِي حُصُونِهِمْ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَشَدَّ الحِصَارِ، وَدَامَ الحِصَارُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً إِلَى هِلَالِ ذِي القَعْدَةِ، حَتَّى قَذَفَ اللَّهُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِهِمْ، فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ الرَّسُولِ -ﷺ-، فَأَمَرَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَكُتِّفُوا (١).
فَحِينَئِذٍ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ لَعَنَهُ اللَّهُ بِدَوْرِهِ النِّفَاقِيِّ، فَأَلَحَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَحْسِنْ فِي مَوَالِيَّ -وَكَانَ بَنُو قَيْنُقَاعَ حُلَفَاءَ الخَزْرَجِ- فَأَبْطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أَحْسِنْ فِي مَوَالِيَّ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ الرَّسُولُ -ﷺ-، فَأَدْخَلَ ابنُ سَلُولٍ يَدَهُ فِي جَيْبِ دِرْعِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَرْسِلْنِي" وَغَضِبَ حَتَّى رَأَوْا لِوَجْهِهِ ظُلَلًا (٢)، ثُمَّ قَالَ: "وَيْحَكَ أَرْسِلْنِي" قَالَ: لَا وَاللَّهِ لَا أُرْسِلُكَ حَتَّى تُحْسِنَ فِي
_________________
(١) الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٦٤) - البداية والنهاية (٤/ ٣٧٧).
(٢) قال السهيلي في الروض الأنف (٣/ ٢٢٤): الظُلَلُ: جمع ظُلَّة، وهي ما حَجَبَ عنك ضَوْءُ الشمس وصَحْوُ السماء، وكان وجه رَسُول اللَّهِ -ﷺ- مشرقًا بَسَّامًا، فإذا غَضِبَ تلوَّن ألوانًا، فكانت تلكَ الألوانُ حَائِلَةً دُون الإشْرَاق والطلاقَةِ والضِّيَاءِ المنتشرِ عند تبَسُّمِهِ -ﷺ-.
[ ٢ / ٥٢٦ ]
مَوَالِيَّ، أَرْبَعَمِائَةِ حَاسِرٍ (١) وَثَلاثُمِائَةِ دَارعٍ قَدْ مَنَعُونِي مِنَ الأَحْمَرِ وَالأَسْوَدِ، تَحْصُدُهُمْ فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ؟، إِنِّي وَاللَّهِ امْرُؤٌ أَخْشَى الدَّوَائِرَ (٢)، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "هُمْ لَكَ" (٣).
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُجْلَوْا (٤) مِنَ المَدِينَةِ بِذَرَارِيهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَأَمْهَلَهُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَوَكَّلَ بِإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ -﵁-.
فَأَخَذَهُمْ عُبَادَةُ -﵁- بِالرَّحِيلِ وَالإِجْلَاءِ، وَطَلَبُوا التَّنَفُّسَ (٥)، فَقَالَ لَهُمْ عُبَادَةُ: وَلَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، لَكُمْ ثَلَاثٌ لَا أَزِيدُكُمْ عَلَيْهَا، هَذَا أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَوْ كُنْتُ أَنَا مَا نَفَّسْتُكُمْ، فَلَمَّا مَضَتْ ثَلَاثٌ خَرَجَ فِي آثَارِهِمْ حَتَّى سَلَكُوا إِلَى الشَّامِ، وَبَلَغَ خَلْفَ ذُبَابٍ (٦)، ثُمَّ رَجَعَ.
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَنَّ يَهُودَ بَنِي النَّضِيرِ وَقُرَيْظَةَ حَارَبُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَنِي النَّضِيرِ، وَأَقَرَّ قُرَيْظَةَ، وَمَنَّ عَلَيْهِمْ، حَتَّى حَارَبَتْ قُرَيْظَةُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقتَلَ
_________________
(١) الحَاسِرُ: هو الذي لا دِرْعَ عليه ولا مِغْفَر، والمِغْفَر: هو ما يلبسه الدارع على رأسه. انظر النهاية (١/ ٣٦٩) (٣/ ٣٣٦).
(٢) الدائرة: أي الغَلَبَة. انظر النهاية (٢/ ١٣٠).
(٣) أخرج ذلك ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٥٤) وإسناده مرسل صحيح.
(٤) الجَلَاءُ: الخُرُوج عن البلد. انظر لسان العرب (٢/ ٣٤٣).
(٥) يُقال: لك في هذا الأمر نُفَسَة: أي مُهْلة. انظر لسان العرب (١٤/ ٢٣٦).
(٦) ذُباب: هو جبلٌ بالمدينة. انظر النهاية (٢/ ١٤١).
[ ٢ / ٥٢٧ ]
رِجَالَهُمْ، وَقَسَمَ نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَيْنَ المُسْلِمِينَ. . . وَأَجْلَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَهُودَ المَدِينَةِ كُلَّهُمْ: بَنِي قَيْنُقَاعَ، وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ، وَيَهُودَ بَنِي حَارِثَةَ، وَكُلَّ يَهُودِيٍّ كَانَ بِالمَدِينَةِ (١).
وَغَنِمَ المُسْلِمُونَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ، وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ أَرْضُونَ وَلَا مَزَارعُ، إِنَّمَا كَانُوا صَاغَةً، وَوَجَدُوا فِي حُصُونِهِمْ آلَةَ الصِّيَاغَةِ، وَسِلَاحًا كَثِيرًا، فَقُسِّمَتِ الغَنَائِمُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ بَعْدَ إِخْرَاجِ الخُمُسِ لِلرَّسُولِ -ﷺ-، وَكَانَ الذِي وَلِيَ قَبْضَ أَمْوَالِهِمْ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ -﵁- (٢).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري - كتاب المغازي - باب حديث بني النضير - رقم الحديث (٤٠٢٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب إجلاء اليهود من الحجاز - رقم الحديث (١٧٦٦).
(٢) انظر تفاصيل غزوة بني قينقاع في: سيرة ابن هشام (٣/ ٥٣ - ٥٥) - البداية والنهاية (٤/ ٣٧٦) - فتح الباري (٨/ ٧١) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٦٣ - ٢٦٤) - شرح المواهب (٢/ ٣٤٩).
[ ٢ / ٥٢٨ ]
غَزْوَةُ السَّوِيقِ (١)
وَفِي الخَامِسِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ حَدَثَتْ غَزْوَةُ السَّوِيقِ (٢).
لَمَّا رَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مَكَّةَ، وَرَجَعَ فَلُّ (٣) قُرَيْشٍ مِنْ بَدْرٍ، نَذَرَ أَبُو سُفْيَانَ أَنْ لَا يَمَسَّ رَأْسَهُ مَاءً مِنْ جَنَابَةٍ (٤) حَتَّى يَغْزُوَ مُحَمَّدًا -ﷺ-، وَيَثْأَرَ لِأَصْحَابِهِ.
فَخَرَجَ فِي مِائَتَيْ رَاكِبٍ مِنْ قُرَيْشٍ، لِيَبَرَّ بِيَمِينِهِ، وَوَصَلَ إِلَى أَطْرَافِ المَدِينَةِ لَيْلًا، وَلَجَأَ إِلَى بَنِي النَّضِيرِ، فَأَتَى حُيَيَّ بنَ أَخْطَبَ، فَضَرَبَ عَلَيْه بَابَهُ،
_________________
(١) السويق: هو قَمْحٌ أو شعِيرٌ يُقْلَى ثمَّ يُطْحَن فيتزوَّد به ملتُوتًا -أي مُبَلَّلًا- بماءٍ أو سَمْنٍ أو عَسَل. انظر شرح المواهب (٢/ ٣٥٣) - لسان العرب (٦/ ٤٣٨).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٥٠) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٦٤) - شرح المواهب (٢/ ٣٥٣).
(٣) الفَلُّ: القوم المُنْهَزِمُون. انظر النهاية (٣/ ٤٢٥).
(٤) قال الإمام السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (٣/ ٢٢١): وفي هذا الحديث أن الغُسل من الجنابة كان معمُولًا به في الجاهلية بقيَّةً من دينِ إبراهيم وإسماعيل ﵉، كما بَقِيَ فيهم الحجُّ والنِّكاح، ولذلك سمَّوْها جَنَابة لمجانَبَتِهِمْ في تلك الحال البيت الحرام، ومواضع قرباتهم، ولذلك عُرِفَ معنى الكلمة في القرآن أعني قوله تَعَالَى في سورة المائدة آية (٦): ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾، فكان الحَدَث الأكبر معروفًا بهذا الاسم، فلم يحتاجُوا إلى تفسيره، بخِلافِ الوُضُوء فلم يعرف قبل الإِسلام، فبيَّنَه ﷾ بقوله في سورة المائدة آية (٦): ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
فَأَبَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُ بَابَهُ وَخَافَهُ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ إِلَى سَلَّام بنِ مِشْكَمٍ، وَكَانَ سَيِّدَ بَنِي النَّضِيرِ فِي زَمَانِهِ ذَلِكَ، وَصَاحِبَ كَنْزِهِمْ، فَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَضَيَّفَهُ وَسَقَاهُ خَمْرًا، وَأَخْبَرَهُ مِنْ أَخْبَارِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فِي عَقِبِ لَيْلَتِهِ حَتَّى أَتَى أَصْحَابَهُ، فَبَعَثَ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَأَتَوْا نَاحِيَةً مِنَ المَدِينَةِ، يُقَالُ لَهَا: العُرَيْضُ (١)، فَحَرَّقُوا فِي أَصْوَارٍ (٢) مِنْ نَخْلٍ بِهَا، وَوَجَدُوا رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، وَحَلِيفًا لَهُ فِي حَرْثٍ لَهُمَا، فَقَتَلُوهُمَا، ثُمَّ وَلَّوْا مُدْبِرِينَ.
* خُرُوجُ الرَّسُولِ -ﷺ-:
فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَخَرَجَ فِي أَثَرِهِمْ يَطْلُبُهُمْ فِي مِائَتَيْنِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى المَدِينَةِ أَبَا لُبَابَةَ بَشِيرَ بنَ عَبْدِ المُنْذِرِ -﵁-، فَجَعَلَ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ يُلْقُونَ جُرَبَ (٣) السَّوِيقَ، وَهِيَ عَامَّةُ أَزْوَادِهِمْ، يَتَخَفَّفُونَ مِنْهَا لِلنَّجَاءِ، حَتَّى بَلَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَرْقَرَةَ (٤) الكُدْرِ (٥)، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى المَدِينَةِ، وَقَدْ فَاتَهُ أَبُو سُفْيَانَ وَأَصْحَابُهُ، وَكَانَتْ غَيْبَةُ الرَّسُولِ -ﷺ-
_________________
(١) العُرَيضُ: بضم العين مُصَغَّر: واد بالمدينة به أموالًا لأهلها. انظر النهاية (٣/ ١٩٣).
(٢) الأَصْوَار: جمع صَوْر: هي الجماعة مِنَ النَّخْل. انظر النهاية (٣/ ٥٥).
(٣) الجُرَبُ: جمع جِرَابٍ، وهو وِعَاءٌ من إهَابٍ -أي جلد- الشاء لا يوضع فيه إلا يابس. انظر لسان العرب (٢/ ٢٢٨).
(٤) القَرْقَرَ: الأرض المستوية. انظر النهاية (٤/ ٤٣).
(٥) الكُدرُ: ماءٌ لبني سليم، وأصل الكُدْرِ: طيرٌ في ألوانها كُدْرَة، سُمي الموضع أو الماء بها. انظر لسان العرب (٤/ ٤٣) - الرَّوْض الأُنُف (٣/ ٢٢٠).
[ ٢ / ٥٣٠ ]
خَمْسَةَ أَيَّامٍ، فَقَالَ المُسْلِمُونَ حِينَ رَجَعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: يَا رَسُول اللَّهِ! أَتَطْمَعُ لَنَا أَنْ تَكُونَ غَزْوَةً؟ قَالَ: "نَعَمْ".
قَالَ ابنُ هِشَامٍ: وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ غَزْوَةَ السَّوِيقِ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا طَرَحَ القَوْمُ مِنْ أَزْوَادِهِمْ السَّوِيقَ، فَرَجَعَ المُسْلِمُونَ بِسَوِيقٍ كَثِيرٍ (١).
* * *
_________________
(١) انظر تفاصيل هذه الغزوة في: سيرة ابن هشام (٣/ ٥٠ - ٥١) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٦٤) - وعند ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٣٦٦): أن غزوة السويق هذه هي غزوة "قرقرة الكدر".
[ ٢ / ٥٣١ ]
أَوَّل أَضْحَى رَآهُ المُسْلِمُونَ
قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَارِيخِهِ: وَبَعْدَ أَنِ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ حَضَرَتِ الأَضْحَى، وَكَانَ أَوَّلَ أَضْحَى رَآهُ المُسْلِمُونَ، فَذُكِرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ضَحَّى وَأَهْلَ الْيُسْرِ مِنْ أَصْحَابِهِ، يَوْمَ العَاشِرِ مِنْ ذِي الحِجَّةِ، وَخَرَجَ بِالنَّاسِ إِلَى المُصَلَّى، فَصَلَّى بِهِمْ، فَذَلِكَ أَوَّلُ صَلَاةِ أَضْحَى صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالنَّاسِ بِالمَدِينَةِ بِالمُصَلَّى، وَذَبَحَ فِيهِ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ شَاتَيْنِ، وَقِيلَ شَاةً (١).
* هَدْيُ الرَّسُولِ -ﷺ- فِي الأُضْحِيَةِ:
وَأَمَّا هَدْيُهُ -ﷺ- فِي الأَضَاحِي فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَدَعُ الأُضْحِيَةَ، وَكَانَ يُضَحِّي بِكَبْشَيْنِ، وَكَانَ يَنْحَرُهُمَا بَعْدَ صَلَاةِ العِيدِ، وَأَخْبَرَ أَنَّ: "مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ، فَلَيْسَ مِنَ النُّسُكِ (٢) فِي شَيْءٍ، وَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدَّمَهُ لِأَهْلِهِ" (٣)، هَذَا الذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ سُنَّتُهُ وَهَدْيُهُ -ﷺ-.
_________________
(١) انظر تاريخ الطبري (٢/ ٤٩).
(٢) النُّسُك: الطاعة والعبادة، وكل ما يُتَقَرَّب به إلى اللَّه تَعَالَى. انظر النهاية (٥/ ٤١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأضاحي - باب الذبح بعد الصلاة - رقم الحديث (٥٥٦٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الأضاحي - باب وقتها - رقم الحديث (١٩٦١).
[ ٢ / ٥٣٢ ]
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ -وَاللَّفْظُ لَهُ- عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -ﷺ- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُضَحِّي (١) بِكَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ (٢)، وَكَانَ يُسَمِّي وَيُكَبِّرُ، وَلَقَدْ رَأَيْتُهُ يَذْبَحُهُمَا بِيَدِهِ وَاضِعًا عَلَى صِفَاحِهِمَا (٣) قَدَمَهُ (٤).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - اسْتِحْبَابُ مُبَاشَرَةِ المُضَحِّي الذَّبْحَ بِنَفْسِهِ.
٢ - وَفِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّسْمِيَةِ عِنْدَ الذَّبْحِ.
٣ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّكْبِيرِ مَعَ التَّسْمِيَةِ.
٤ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ وَضْعِ الرِّجْلِ عَلَى صَفْحَةِ عُنُقِ الأُضْحِيَةِ الأَيْمَنِ،
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١١/ ١١٥): وكأنَّ تسميتها أُضْحِيَة اشتقت من اسم الوقت الذي تُشْرَع فيه.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١١/ ١٢٤): الأملَحُ: هو الذي فيه سَوَادٌ وبَيَاض، والبياض أكثر.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١١/ ١٣٤): والصِّفَاح بكسر الصاد: المُرَاد الجانب الواحد من وَجْهِ الأضحية.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأضاحي - باب أضحية النبي -ﷺ- بكبشين أقرنين - رقم الحديث (٥٥٥٣) - وباب من ذبح الأضاحي بيده - رقم الحديث (٥٥٥٨) - وباب التكبير عند الذبح - رقم الحديث (٥٥٦٥) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الأضاحي - باب استحباب الأضحية - رقم الحديث (١٩٦٦) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٩٦٠).
[ ٢ / ٥٣٣ ]
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ إِضْجَاعَهَا يَكُونُ عَلَى الجَانِبِ الأَيْسَرِ فَيَضَعُ رِجْلَهُ عَلَى الجَانِبِ الأَيْمَنِ لِيَكُونَ أَسْهَلَ عَلَى الذَّابحِ فِي أَخْذِ السِّكِّينِ بِاليَمِينِ وَإِمْسَاكِ رَأْسِهَا بِيَدِهِ اليَسَارِ (١).
* هَدْيُ الرَّسُولِ -ﷺ- فِي عِيدِ الأَضْحَى:
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ -ﷺ- أَنَّ مَنْ أَرَادَ التَّضْحِيَةَ، وَدَخَلَ يَوْمُ العَشْرِ (٢)، فَلَا يَأْخُذُ مِنْ شَعْرِهِ، وَبَشَرِهِ شَيْئًا، ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (٣).
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ -ﷺ- اخْتِيَارُ الأُضْحِيَةِ، وَاسْتِحْسَانُهَا، وَسَلَامَتُهَا مِنَ العُيُوبِ (٤).
* * *
_________________
(١) انظر فتح الباري (١١/ ١٢٥ - ١٣٤).
(٢) المقصود بأيام العَشْرِ: هي العشْرُ الأُوَلُ من ذي الحجة.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الأضاحي - باب نهي من دخل عليه عشر ذي الحجة وهو يريد التضحية أن يأخذ من شعره أو أظفاره شيئًا - رقم الحديث (١٩٧٧).
(٤) انظر زاد المعاد (٢/ ٢٩٣).
[ ٢ / ٥٣٤ ]
وَفَاةُ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ -﵁-
وَفِي ذِي الحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لِلْهِجْرَةِ تُوُفِّيَ عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ -﵁- (١)، وَكَانَ -﵁- مِنْ سَادَةِ المُهَاجِرِينَ، وَمِنْ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ المُتَّقِينَ الذِينَ فَازُوا بِوَفَاتِهِمْ فِي حَيَاةِ نَبِيِّهِمْ، فَصَلَّى عَلَيْهِمْ (٢).
أَسْلَمَ -﵁- أَوَّلَ الإِسْلَامِ، قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: أَسْلَمَ عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ بَعْدَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَهَاجَرَ إِلَى الحَبَشَةِ هُوَ وَابْنُهُ السَّائِبُ الهِجْرَةَ الأُولَى مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، فَبَلَغَهُمْ وَهُمْ فِي الحَبَشَةِ أَنَّ قُرَيْشًا أَسْلَمَتْ فَعَادُوا (٣).
ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ، وَشَهِدَ بَدْرًا، وَكَانَ -﵁- مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ اجْتِهَادًا فِي العِبَادَةِ، يَصُومُ النَّهَارَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ، وَيَجْتَنِبُ المُبَاحَاتِ، وَيَعْتَزِلُ النِّسَاءَ، وَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي التَّبَتُّلِ (٤) وَالِاخْتِصَاءِ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ.
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- قَالَ: رَدَّ
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٠/ ١٤٨) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٣/ ٢١٢).
(٢) انظر سير أعلام النبلاء (١/ ١٥٤).
(٣) انظر أسد الغابة (٣/ ٢٢٥).
(٤) التَّبَتُّلُ: هو الانقِطَاع عن النِّسَاء وترك النكاح. انظر النهاية (١/ ٩٥).
[ ٢ / ٥٣٥ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ التَّبَتُّلَ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا (١).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَالحِكْمَةُ فِي مَنْعِهِمْ مِنَ الِاخْتِصَاءِ إِرَادَةُ تَكْثِيرِ النَّسْلِ لِيَسْتَمِرَّ جِهَادُ الكُفَّارِ، وَإِلَّا لَوْ أَذِنَ فِي ذَلِكَ لَأَوْشَكَ تَوَارُدُهُمْ عَلَيْهِ، فَيَنْقَطِعَ النَّسْلُ فَيَقِلَّ المُسْلِمُونَ بِانْقِطَاعِهِ وَيَكْثُرَ الكُفَّارُ، وَهُوَ خِلَافُ المَقْصُودِ مِنَ البِعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ (٢).
* حَدِيثٌ ضَعِيفٌ:
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَبَّلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُثْمَانَ بنَ مَظْعُونٍ وَهُوَ مَيِّتٌ حَتَّى رَأَيْتُ الدُّمُوعَ تَسِيلُ عَلَى وَجْهِهِ (٣).
* فَضِيلَةٌ لِعُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ -﵁-:
رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الْمُطَّلِبِ -وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب النكاح - باب ما يكره من التبتل والخِصاء - رقم الحديث (٥٠٧٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب استحباب النكاح لمن تاقت نفسه إليه - رقم الحديث (١٤٠٢).
(٢) انظر فتح الباري (١٠/ ١٤٨).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤١٦٥) - والترمذي في سننه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في تقبيل الميت - رقم الحديث (١٠١٠) - وأخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في تقبيل الميت - رقم الحديث (١٤٥٦).
[ ٢ / ٥٣٦ ]
حَنْطَبٍ- قَالَ: لَمَّا مَاتَ عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ -﵁- أُخْرِجَ بِجَنَازَتِهِ فَدُفِنَ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- رَجُلًا أَنْ يَأْتِيَهُ بِحَجَرٍ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ حَمْلَهُ، فَقَامَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَحَسَرَ (١) عَنْ ذِرَاعَيْهِ، قَالَ كَثِيرٌ: قَالَ الْمُطَّلِبُ: قَالَ الذِي يُخْبِرُنِي ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى بَيَاضِ ذِرَاعَي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ حَسَرَ عَنْهُمَا، ثُمَّ حَمَلَهَا فَوَضَعَهَا عِنْدَ رَأْسِهِ، وَقَالَ: "أَتَعَلَّمُ بِهَا قَبْرَ أَخِي، وَأَدْفِنُ مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِي" (٢).
* عَيْنٌ جَارِيَةٌ لِعُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ -﵁-:
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فَي صَحِيحِهِ عَنْ أُمِّ العَلَاءِ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْتُ لِعُثْمَانَ فِي النَّوْمِ عَيْنًا تَجْرِي، فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ: "ذَاكَ عَمَلُهُ يَجْرِي لَهُ" (٣).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَقَوْلُهُ -ﷺ-: "ذَاكَ عَمَلُهُ يَجْرِي لَهُ"، قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ لِعُثْمَانَ -﵁- شَيْءٌ عَمِلَهُ بَقِيَ لَهُ ثَوَابُهُ جَارِيًا كَالصَّدَقَةِ، وَقَدْ كَانَ عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ -﵁- مِنَ الأَغْنِيَاءِ، فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ لَهُ صَدَقَةٌ اسْتَمَرَّتْ بَعْدَ مَوْتِهِ،
_________________
(١) حَسَرَ: كشف. انظر النهاية (١/ ٣٦٨).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجنائز - باب في جمع الموتى في قبر، والقبر يُعَلَّم - رقم الحديث (٣٢٠٦) - وأخرجه مختصرًا ابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في العلامة في القبر - رقم الحديث (١٥٦١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التعبير - باب العين الجارية في المنام - رقم الحديث (٧٠١٨).
[ ٢ / ٥٣٧ ]
فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: دَخَلَتِ امْرَأَةُ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَرَأَيْنَهَا سَيِّئَةَ الهَيْئَةِ، فَقُلْنَ لَهَا: مَالَكِ؟ فَمَا فِي قُرَيْشٍ أَغْنَى مِنْ بَعْلِكِ (١)! قَالَتْ: مَا لَنَا مِنْهُ شَيْءٌ؟ أَمَّا لَيْلُهُ فَقَائِمٌ، وَأَمَّا نَهَارُهُ فَصَائِمٌ (٢).
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِعَمَلِ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ -﵁- مُرَابَطَتُهُ فِي جِهَادِ أَعْدَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مِمَّنْ يَجْرِي لَهُ عَمَلُهُ كَمَا ثَبَتَ فِي السُّنَنِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بنِ عُبَيْدٍ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "كُلُّ مَيِّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إِلَّا الذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ يَنْمُو عَمَلُهُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَيَأْمَنُ فِتْنَةَ القَبْرِ" (٣).
وَلَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ -﵁- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ، وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الذِي كَانَ يَعْمَلُهُ، وَأُجْرِيَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ، وَأَمِنَ الفَتَّانَ" (٤).
_________________
(١) البَعْلُ: الزَّوْجُ. انظر النهاية (١/ ١٤٠). ومنه قوله تعالى في سورة النساء آية (١٢٨): ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا. . .﴾.
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٣١٦).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في فضل الرباط - رقم الحديث (٢٥٠٠) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب ذكر انقطاع الأعمال بعد الموت وبقاء عمل المرابط - رقم الحديث (٤٦٢٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٩٥١).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب فضل الرباط في سبيل اللَّه ﷿ - =
[ ٢ / ٥٣٨ ]
فَلْيُحْمَلْ حَالُ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ -﵁- عَلَى ذَلِكَ وَيَزُولُ الإِشْكَالُ مِنْ أَصْلِهِ (١).
* دَفْنُ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ -﵁-:
وَدُفِنَ -﵁- فِي البَقِيعِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ دُفِنَ بِالبَقِيعِ مِنَ المُهَاجِرِينَ (٢).
* * *
_________________
(١) = رقم الحديث (١٩١٣) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب الجهاد - باب فضل المرابط - رقم الحديث (٤٣٦١).
(٢) انظر فتح الباري (١٤/ ٤٤٦).
(٣) انظر أسد الغابة (٣/ ٢٢٦) - الإصابة (٤/ ٣٨٢).
[ ٢ / ٥٣٩ ]
السَّنَةُ الثَّالِثَةُ لِلْهِجْرَةِ
غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ أَوْ قَرْقَرَةُ الكُدْرِ
وَفِي مُنْتَصَفِ المُحَرَّمِ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَذَلِكَ عِنْدَمَا بَلَغَهُ أَنَّ جَمْعًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَغَطَفَانَ تَجَمَّعَتْ بِقَرْقَرَةِ الكُدْرِ، وَهُوَ مَاءٌ لِبَنِي سُلَيْمٍ، وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى المَدِينَةِ سِبَاعَ بنَ عُرْفُطَةَ الغِفَارِيَّ -﵁-، أَوِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَدَفَعَ لِوَاءَهُ إِلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁-.
فَسَارَ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ حَتَّى بَلَغَ قَرْقَرَةَ الكُدْرِ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمْ يَلْقَ أَحَدًا مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ وَغَطَفَانَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي أَعْلَى الوَادِي، وَاسْتَقْبَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي بَطْنِ الوَادِي، فَوَجَدَ رُعَاءً فِيهِمْ غُلَامٌ يُقَالُ لَهُ: يَسَارٌ، فَسَأَلَهُ عَنِ النَّاسِ، فَقَالَ: لَا عِلْمَ لِي بِهِمْ إِنَّمَا أُورِدُ لِخِمْسٍ (١)، وَهَذَا يَوْمُ رِبْعِيٍّ (٢)، وَالنَّاسُ قَدِ ارْتَفَعُوا إِلَى المِيَاهِ، وَنَحْنُ عُزَّابٌ
_________________
(١) الخِمْسُ بكسر الخاء: من أظْمَاءِ الإبل أن تَرْعَى ثلاثَةَ أيامٍ وتَرِدَ اليومَ الرابع. انظر لسان العرب (٤/ ٢١٦).
(٢) الرِّبعُ بكسر الراء: الظمأ، من أظمَاءِ الإبل، وهو أن تُحبس الإبل عن الماء أَرْبَعًا، ثمَّ ترِدَ الخَامس. انظر لسان العرب (٥/ ١١٤).
[ ٢ / ٥٤٠ ]
فِي النَّعَمِ (١)، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَدْ ظَفِرَ بِالنَّعَمِ، فَانْحَدَرَ بِهِ إِلَى المَدِينَةِ، وَكَانَتِ النَّعَمُ خَمْسَمِائَةِ بَعِيرٍ، فَأَخْرَجَ خُمُسَهُ وَقَسَمَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهِ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ بَعِيرَيْنِ، وَصَارَ يَسَارٌ فِي سَهْمِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَأَعْتَقَهُ، وَغَابَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً (٢).
* * *
_________________
(١) النَّعَم: بفتح النون المشدَّدة، هي الإبل والشاء. انظر لسان العرب (١٤/ ٢١٢). وَعَزَبَ الرجُلُ بإبلِهِ: إذا رَعَاهَا بَعِيدًا من الدار التي حَلَّ بها الحيّ. انظر لسان العرب (٩/ ١٨٣).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٤٩) - الطبَّقَات الكُبْرى (٢/ ٢٦٤).
[ ٢ / ٥٤١ ]
غَزْوَةُ ذِي أَمْرٍ أَوْ غَطَفَانَ
وَفِي المُحَرَّمِ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ (١) خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا، وَهِيَ أَكْبَرُ حَمْلَةٍ عَسْكَرِيَّةٍ قَادَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَبْلَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى المَدِينَةِ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ -﵁-، وَذَلِكَ عِنْدَمَا جَاءَهُ الخَبَرُ مِنْ عُيُونِهِ (٢) أَنَّ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ بنِ مُحَارِبٍ تَجَمَّعُوا (بِذِي أَمْرٍ) فِي نَجْدٍ يُرِيدُونَ الإِغَارَةَ عَلَى أَطْرَافِ المَدِينَةِ، فَلَمَّا سَمِعُوا بِخُرُوجِ الرَّسُولِ -ﷺ- هَرَبُوا إِلَى رُؤُوسِ الجِبَالِ.
* قِصَّةُ دُعْثُورِ بنِ الحَارِثِ:
سَارَ الرَّسُولُ -ﷺ- حَتَّى بَلَغَ مَاءً يُقَالُ لَهُ: ذُو أَمْرٍ، فَعَسْكَرَ بِهِ، وَأَصَابَهُمْ مَطَرٌ كَثِيرٌ، فَابْتَلَّتْ ثِيَابُ الرَّسُولِ -ﷺ-، فَنَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ هُنَاكَ، وَنَشَرَ ثِيَابَهُ لِتَجِفَّ، وَذَلِكَ بِمَرْأَى مِنَ المُشْرِكِينَ، وَاشْتَغَلَ المُسْلِمُونَ بِشُؤُونِهِمْ، فَبَعَثَ المُشْرِكُونَ رَجُلًا شُجَاعًا مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: دُعْثُورُ بنُ الحَارِثِ؛ لِقَتْلِ الرَّسُولِ -ﷺ- فَمَا شَعَرَ بِهِ الرَّسُولُ -ﷺ- إِلَّا وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِالسَّيْفِ مَشْهُورًا، فَقَالَ: مَنْ
_________________
(١) هذا ما ذكره ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٥٢) - وعند ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٦٦): أن خروجه -ﷺ- كان في الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الثالثة للهجرة.
(٢) العَيْنُ: أي الجَاسُوسُ. انظر النهاية (٣/ ٢٩٩).
[ ٢ / ٥٤٢ ]
يَمْنَعُكَ مِنِّي يَا مُحَمَّدُ؟ فَقَالَ: الرَّسُولُ -ﷺ-: "اللَّهُ"، وَدَفَعَ جِبْرِيلُ ﵇ فِي صَدْرِهِ، فَوَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ: "مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ " قَالَ: لَا أَحَدْ، وَأَنَا أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَأَنْ لَا أُكَثِّرَ (١) عَلَيْكَ جَمْعًا أَبَدًا.
فَأَعْطَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَيْفَهُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى أَصْحَابِهِ قَالُوا: وَيْلَكَ، مَالَكَ؟ فَقَالَ: نَظَرْتُ إِلَى رَجُلٍ طَوِيلٍ فَدَفَعَ فِي صَدْرِي، فَوَقَعْتُ لِظَهْرِي، فَعَرَفْتُ أَنَّهُ مَلَكٌ، وَشَهِدْتُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَا أُكَثِّرُ عَلَيْهِ جَمْعًا، وَجَعَلَ يَدْعُو قَوْمَهُ إِلَى الإِسْلَامِ، وَنَزَلَ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
* قِصَّةٌ أُخْرَى شَبِيهَةٌ بِقِصَّةِ دُعْثُورٍ:
قُلْتُ: وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ (٣) قِصَّةٌ شَبِيهَةٌ بِقِصَّةِ دُعْثُورِ بنِ الحَارِثِ، وَلَكِنْ بِغَيْرِ سِيَاقِ أَهْلِ السِّيَرِ وَالمَغَازِي، وَفِي غَيْرِ هَذِهِ الغَزْوَةِ، وَبِغَيْرِ اسْمِهِ
_________________
(١) لا أُكْثِّرُ: أي لا أجمع عليك. لسان العرب (١٢/ ٣٦).
(٢) سورة المائدة آية (١١) - والخبر في سيرة ابن هشام (٣/ ٥٢) - والطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٦٦) - البداية والنهاية (٤/ ٣٧٥) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ١٦٧).
(٣) صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب غزوة ذات الرقاع - رقم الحديث (٤١٣٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب توكُّلِه -ﷺ- على اللَّه تَعَالَى وعِصْمَة اللَّه له من الناس - رقم الحديث (٨٤٣).
[ ٢ / ٥٤٣ ]
هَذَا، بَلِ اسْمُهُ غَوْرَثُ بنُ الحَارِثِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
قَالَ البَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ: وَسَيَأْتِي فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ قِصَّةٌ تُشْبِهُ هَذِهِ فَلَعَلَّهُمَا قِصَّتَانِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: إِنْ كَانَتْ هَذِهِ مَحْفُوظَةً فَهِيَ غَيْرُهَا قَطْعًا، لِأَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ اسْمُهُ غَوْرَثُ بنُ الحَارِثِ، وَلَمْ يُسْلِمْ، بَلِ اسْتَمَرَّ عَلَى دِينِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَاهَدَ النَّبِيَّ -ﷺ- أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢).
* * *
_________________
(١) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ١٦٩).
(٢) انظر البداية والنهاية (٤/ ٣٧٥).
[ ٢ / ٥٤٤ ]
مَقْتَلُ كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ
كَانَ كَعْبُ بنُ الأَشْرَفِ مِنْ أَشَدِّ اليَهُودِ عَدَاوَةً لِلرَّسُولِ وَأَصْحَابِهِ، وَكَانَ أَبُوهُ عَرَبِيًّا مِنْ قَبِيلَةِ طَيِّءٍ، مِنْ بَنِي نَبْهَانَ، وَكَانَ أَصَابَ دَمًا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَأَتَى المَدِينَةَ فَحَالَفَ بَنِي النَّضِيرِ، فَشَرُفَ فِيهِمْ، وَتَزَوَّجَ عَقِيلَةَ بِنْتَ أَبِي الحُقَيْقِ، فَوَلَدَتْ لَهُ كَعْبًا، وَكَانَ طَوِيلًا جَسِيمًا، وَكَانَ شَاعِرًا مُجِيدًا، سَادَ يَهُودَ الحِجَازِ بِكَثْرَةِ مَالِهِ، فَكَانَ يُعْطِي أَحْبَارَ يَهُودٍ وَيَصِلُهُمْ، وَكَانَ حِصْنُهُ شَرْقِيَّ جَنُوبِ المَدِينَةِ فِي خَلْفِيَّاتِ دِيَارِ بَنِي النَّضِيرِ (١).
وَكَانَ مِنْ عَدَاوَتِهِ أَنَّهُ لَمَّا بَلَغَهُ خَبَرُ انْتِصَارِ المُسْلِمِينَ، وَقَتْلُ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ فِي بَدْرٍ، قَالَ: أَحَقٌ هَذَا؟ هَؤُلَاءِ أَشْرَافُ العَرَبِ وَمُلُوكُ النَّاسِ، وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ أَصَابَ هَؤُلَاءَ القَوْمِ لَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لِي مِنْ ظَهْرِهَا.
فَلَمَّا تَأَكَّدَ لَدَيْهِ الخَبَرُ، انْبَعَثَ عَدُوُّ اللَّهِ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَالمُسْلِمِينَ، وَيَمْدَحُ عَدُوَّهُمْ، وَيُحَرِّضُ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَرْضَ بِهَذا القَدْرِ حَتَّى رَكِبَ إِلَى قُرَيْشٍ، فَبَكَى قَتْلَاهُمْ فِي بَدْرٍ، وَحَرَّضَهُمْ عَلَى قِتَالِ المُسْلِمِينَ، فَنَزَلَ بِمَكَّةَ
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٧٧) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٦٥) - سيرة ابن هشام (٣/ ٥٨) - شرح المواهب (٢/ ٣٦٨).
[ ٢ / ٥٤٥ ]
عَلَى المُطَّلِبِ بنِ أَبِي وَدَاعَةَ السَّهْمِيِّ، فَأَنْزَلَهُ وأَكْرَمَهُ، وَجَعَلَ يُنْشِدُ الأَشْعَارَ، وَيُحَرِّضُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَالمُسْلِمِينَ.
أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ كَعْبُ بنُ الأَشْرَفِ مَكَّةَ أَتَوْهُ، فَقَالُوا: نَحْنُ أَهْلُ السِّقَايَةِ (١) وَالسِّدَانَةِ (٢)، وَأَنْتَ سَيِّدُ أَهْلِ يَثْرِبَ، فَنَحْنُ خَيْرٌ أَمْ هَذَا الصُّنَيْبِيرُ (٣) المُنْبَتِرُ (٤) مِنْ قَوْمِهِ يَزْعُمُ أَنَّهُ خَيْرٌ مِنَّا؟
فَقَالَ: أَنْتُمْ خَيْرٌ مِنْهُ، فَنَزَلَ عَلَى رَسُول اللَّهِ ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٥)﴾ (٦)، وَنَزَلَتْ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ
_________________
(١) السِّقَايَة: هي ما كانت قريش تَسْقِيهِ الحُجَّاج من الزَّبِيب المَنْبُوذ في الماء. انظر النهاية (٢/ ٣٤٢).
(٢) سَدَانة الكعبة: هي خِدْمَتها وتوَلِّي أمرها. انظر النهاية (٢/ ٣٢٠).
(٣) الصُّنَيْبِيرُ: تصغيرُ الصُّنْبُورِ، وهو الأبْتَرُ، لا عَقِبَ له، وأصل الصُّنْبُورِ: سعفَةٌ تَنْبُتُ في جِذع النخلة لا في الأرض، وقيل: هي النخلة المنفردة التي يَدِقُّ أسفلها، أراد أنَّه إذا قُلِع انقطع ذكره، كما يذهب أثر الصنبور؛ لأنه لا عقب له. انظر النهاية (٣/ ٥١).
(٤) المنبَتِرُ: الذي لا وَلَدَ له، أرادوا أنَّه -ﷺ- لم يكن يَعِشْ له ولد. انظر النهاية (١/ ٩٤).
(٥) الأبتر: الذي لا ولد له. انظر النهاية (١/ ٩٤). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (٨/ ٥٠٥): فتوهموا -أي هؤلاء الكفار- لجهلهم أنه -ﷺ- إذا ماتَ بنوه ينقَطِعُ ذِكْرُه، وحاشا وكَلَّا، بل قد أبقى اللَّهُ ذكره على رؤوس الأشهاد، وأوجب شرعه على رِقَاب العباد، مستَمِرًّا على دوام الآباد، إلى يوم الحشرِ والمعاد، صلوات اللَّه وسلامه عليه دائمًا إلى يوم التناد.
(٦) سورة الكوثر آية (٣).
[ ٢ / ٥٤٦ ]
بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ (١).
ثُمَّ رَجَعَ كَعْبٌ إِلَى المَدِينَةِ عَلَى تِلْكَ الحَالِ، وَأَخَذَ يُشَبِّبُ (٢) فِي أَشْعَارِهِ بِنِسَاءِ الصَّحَابَةِ، وَيُؤْذِيهِمْ بِسَلَاطَةِ (٣) لِسَانِهِ أَشَدَّ الإِيذَاءِ.
فَحِينَئِذٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ لِكَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ (٤)؟ فَإِنَّهُ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ"، فَانْتَدَبَ لَهُ: مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ، وَعَبَّادُ بنُ بِشْرٍ، وَأَبُو نَائِلَةَ سِلْكَانُ بنُ سَلَامَةَ، وَهُوَ أَخُو كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَالحَارِثُ بنُ أَوْسٍ، وَأَبُو عَبْسِ بنِ جَبْرٍ، وَكَانَ قَائِدَ هَذِهِ المَجْمُوعَةِ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ -﵁-.
وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا قَالَ: "مَنْ لِكَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ؟ فَإِنَّهُ قَدْ آذَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ"، فَقَامَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أتُحِبُّ أَنْ أَقْتُلَهُ؟ قَالَ: "نَعَمْ" (٥).
_________________
(١) سورة النساء آية (٥١) - والحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب ذكر تسمية المشركين صَفِيَّ اللَّه -ﷺ- الصُنيبير والمنبتر - رقم الحديث (٦٥٧٢) - وأخرجه البراز في مسنده - رقم الحديث (٢٢٩٣) - وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (٨/ ٥٠٤): إسناده صحيح.
(٢) شَبَّبَ بالمرأة: قال فيها الغَزَل. انظر لسان العرب (٧/ ١٢).
(٣) السلِيطُ: الطويلُ اللِّسَان. انظر لسان العرب (٦/ ٣٢٦).
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٧٧): أي مَنِ الذي ينتَدِبُ إلى قتله.
(٥) في رواية ابن إسحاق (٣/ ٦١)، قال -ﷺ-: "فافعل إن قَدِرْتَ على ذلك".
[ ٢ / ٥٤٧ ]
فَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ -﵁-: فَائْذَنْ لِي أَنْ أَقُولَ (١) شَيْئًا، قَالَ: "قُلْ" فَذَهَبَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ إِلَى كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ، فَقَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ -أَيْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ سَأَلَنَا صَدَقَةً، وَإِنَّهُ قَدْ عَنَّانَا (٢) وَإِنِّي قَدْ أَتَيْتُكَ أَسْتَسْلِفُكَ، قَالَ: وَأَيْضًا (٣) وَاللَّهِ لَتَمُلَّنَّهُ (٤).
فَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ: إِنَّا قَدِ اتَّبَعْنَاهُ، فَلَا نُحِبُّ أَنْ نَدَعَهُ حَتَّى نَنْظُرَ إِلَى أَيِّ شَيْءٍ يَصِيرُ شَأْنُهُ، وَقَدْ أَرَدْنَا أَنْ تُسْلِفَنَا وَسْقًا (٥) أَوْ وَسْقَيْنِ.
قَالَ كَعْبٌ: نَعَمْ أَرْهِنُونِي (٦).
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ: أَيَّ شَيْءٍ تُرِيدُ؟ .
قَالَ كَعْبٌ: أَرْهِنُونِي نِسَاءَكُمْ؟
فَقَالَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ: كَيْفَ نَرْهَنُكَ نِسَاءَنَا وَأَنْتَ أَجْمَلُ العَرَبِ؟
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٧٨): كأنه استأذنه أن يفتَعِلَ شيئًا يَحْتَال به، ومن ثمَّ بوب عليه البخاري في صحيحه: باب الكذب في الحرب، وقد ظهر من سياق ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٦٥) للقصة أنهم استأذنوا أن يشكُوا منه ويعيِّبُوا رأيه.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٧٨): عَنَّانَا: بتشديدِ النون الأولى: من العَنَاءِ وهو التَّعَب.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٧٨): أي وزيادة على ذلك.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٧٨): لَتَمُلَّنَّه: بفتح اللام الأولى وتشديد اللام الثانية والنون: من المَلَالِ. وقال الإمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ١٣٦): أي: يتضجَّرُون منه أكثر من هذا الضَّجَرِ.
(٥) الوَسْق: بفتح الواو وسكون السين: سِتُّون صاعًا. انظر النهاية (٥/ ١٦١).
(٦) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٧٨): أرهِنُوني: أي ادفعوا لي شيئًا يكون رَهْنًا على التَّمْرِ الذي تريدونه.
[ ٢ / ٥٤٨ ]
قَالَ كَعْبٌ: فَأَرْهِنُونِي أَبْنَاءَكُمْ.
قَالَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ: كَيْفَ نَرْهَنُكَ أَبْنَاءَنَا، فيسَبُّ أَحَدُهُمْ؟ فيقَالُ: رُهِنَ بِوَسْقٍ أَوْ وَسْقَيْنِ هَذَا عَارٌ عَلَيْنَا، وَلَكِنَّا نَرْهَنُكَ اللَّأَمَةَ، يَعْنِي السِّلَاحَ.
فَوَاعَدَهُ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِالسَّلَاحِ.
وَصَنَعَ أَبُو نَائِلَةَ مِثْلَ مَا صَنَعَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ، فَقَدْ جَاءَ كَعْبًا فتَنَاشَدَ مَعَهُ أَطْرَافَ الأَشْعَارِ سُوَيْعَةً، ثُمَّ قَالَ لَهُ: وَيْحَكَ يَا ابْنَ الأَشْرَفِ، إِنِّي قَدْ جِئْتُكَ لِحَاجَةٍ أُرِيدُ ذِكْرَهَا لَكَ، فَاكْتُمْ عَنِّي. قَالَ كَعْبٌ: أَفْعَلُ.
قَالَ أَبُو نَائِلَةَ: كَانَ قُدُومُ هَذَا الرَّجُلِ -أَي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَلَاءً، عَادَتْنَا العَرَبُ، ورَمَتْنَا عَنْ قَوْس وَاحِدَةٍ، وَقَطَعَتْ عَنَّا السُّبُلَ، حَتَّى ضَاعَ العِيَالُ، وَجَهِدَتِ الأَنْفُسُ، وَأَصْبَحْنَا قَدْ جَهِدْنَا وَجَهِدَ عِيَالُنَا.
ثُمَّ قَالَ أَبُو نَائِلَةَ: إِنَّ مَعِيَ أَصْحَابًا لِي عَلَى مِثْلَ رَأْيِي، وَقَدْ أَرَدْتُ أَنْ آتِيَكَ بِهِمْ، فتَبِيعَهُمْ وَتُحْسِنَ في ذَلِكَ.
وَهَكَذَا نَجَحَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ، وَأَبُو نَائِلَةَ في هَذَا الحِوَارِ إلى مَا قَصَدَا، فَإِنَّ كَعْبًا لَنْ يُنْكِرَ مَعَهُمَا السِّلَاحَ، وَالأَصْحَابَ بَعْدَ هَذَا الحِوَارِ.
وَفِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ -لَيْلَةِ الرَّابع عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ- اجْتَمَعَتْ هَذِهِ المَجْمُوعَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَمَشَى مَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إلى بَقِيعِ الغَرْقَدِ، ثُمَّ وَجَّهَهُمْ قَائِلًا: "انْطَلِقُوا عَلَى اسمِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ أَعِنْهُمْ"،
[ ٢ / ٥٤٩ ]
ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إلى بَيْتِهِ، وَطَفِقَ يُصَلِّي، وَيَدْعُو رَبَّهُ.
وَأَقْبَلُوا حَتَّى انْتَهَوْا إلى حِصْنِ كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ، فَهَتَفَ بِهِ أَبُو نَائِلَةَ، فَقَامَ لِيَنْزِلَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأتهُ -وَكَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِعُرْسٍ- أَيْنَ تَخْرُجُ هَذِهِ السَّاعَةَ؟ .
فَقَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ، قَالَتْ: أَسْمَعُ صَوْتًا كَأَنَّهُ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ.
قَالَ: إِنَّمَا هُوَ أَخِي مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ وَرَضِيعِي أَبُو نَائِلَةَ، إِنَّ الكَرِيمَ لَوْ دُعِيَ إلى طَعْنَةٍ بِلَيْلٍ لَأَجَابَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ، وَهُوَ مُتَطَيِّب يَنْفُحُ رَأْسُهُ.
وَكَانَ أَبُو نَائِلَةَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ: إِذَا مَا جَاءَنِي فَإِنِّي آخُذُ بِشَعْرِهِ فَأَشُمُّهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُونِي اسْتَمْكَنْتُ مِنْ رَأْسِهِ، فَدُونَكُمْ فَاضْرِبُوهُ.
فَلَمَّا نَزَلَ كَعْبٌ إِلَيْهِمْ تَحَدَّثَ مَعَهُمْ سَاعَةً، وَتَحَدَّثُوا مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ أَبُو نَائِلَةَ: هَلْ لَكَ يَا ابْنَ الأَشْرَفِ أَنْ نَتَمَاشَى إلى شِعْبِ العَجُوزِ، فنَتَحَدَّثَ بَقِيَّةَ لَيْلَتِنَا؟ .
قَالَ: إِنْ شِئْتُمْ، فَخَرَجُوا يَتَمَاشَوْنَ، فَقَالَ أَبُو نَائِلَةَ وَهُوَ في الطَّرِيقِ: مَا رَأَيْتُ كَاللَّيْلَةِ طِيبًا أَعْطَرَ قَطُّ.
فَقَالَ كَعْبٌ: عِنْدِي أَعْطَرُ نِسَاءِ العَرَبِ، فَقَالَ أَبُو نَائِلَةَ: أتأْذَنُ لِي أَنْ أَشُمَّ رَأْسَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ فَأَدْخَلَ يَدَهُ في رَأْسِهِ فَشَمَّهُ.
[ ٢ / ٥٥٠ ]
ثُمَّ مَشَى سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ أَبُو نَائِلَةَ: أَعُودُ -أَيْ لِشَمِّ رَأْسِهِ- قَالَ كَعْبٌ: نَعَمْ، فَعَادَ لِمِثْلِهَا حَتَّى اطْمَأَنَّ: ثُمَّ مَشَى سَاعَةً، ثُمَّ قَالَ أَبُو نَائِلَةَ: أَعُودُ -أَيْ لِشَمِّ رَأْسِهِ- قَالَ كَعْبٌ: نَعَمْ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ في رَأْسِهِ، فَلَمَّا اسْتَمْكَنَ مِنْهُ، قَالَ أَبُو نَائِلَةَ لِأَصْحَابِهِ: دُونَكُمْ عَدُوَّ اللَّهِ، فَاخْتَلفتْ عَلَيْهِ أَسْيَافُهُمْ، لَكِنَّهَا لَمْ تُغْنِ شَيْئًا، فَأَخَذَ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ مِعْوَلًا، فَوَضَعَهُ في ثُنَّتِهِ (١)، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ حَتَّى بَلَغَ عَانَتَهُ، فَوَقَعَ عَدُوُّ اللَّهِ قَتِيلًا، وَكَانَ قَدْ صَاحَ صَيْحَةً شَدِيدَةً أَفْزَعَتْ مَنْ حَوْله، فَلَمْ يبقَ حِصْنٌ إِلَّا أُوقِدَتْ عَلَيْهِ النِّيرَانُ.
وَرَجَعَتْ هَذِه المَجْمُوعَةُ، وَقَدْ أُصِيبَ الحَارِثُ بنُ أَوْسٍ بِذُبَابِ (٢) بَعْضِ سُيُوفِ أَصْحَابِهِ، فَجُرِحَ وَنَزَفَ الدَّمَ، فَلَمَّا بَلَغَتْ هَذِهِ المَجْمُوعَةُ حَرَّةَ العَرِيضِ، رَأَتْ أَنَّ الحَارِثَ لَيْسَ مَعَهُمْ، فَوَقَفُوا سَاعَةً حَتَّى أَتاهُمْ يتبَعُ آثارَهُمْ، فَاحْتَمَلُوهُ، حَتَّى إِذَا بَلَغُوا بَقِيعَ الغَرْقَدِ كَبّروا، فَسَمعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تَكْبِيرَهُمْ، فَعَرَفَ أَنَّهُمْ قَدْ قَتَلُوهُ، فَكَبَّرَ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَذَلِكَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ قَالَ -ﷺ-: "أَفْلَحَتِ الوُجُوهُ"، قَالُوا: وَوَجْهُكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَحَمِدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- اللَّهَ تَعَالَى عَلَى قَتْلِهِ، وَتَفَلَ عَلَى جُرْحِ الحَارِثِ فَبَرِئ (٣).
_________________
(١) الثُنَّةُ: بضم الثاء وتشديد النون: ما بين السرة والعانة من أسفل البطن. انظر النهاية (١/ ٢١٨).
(٢) ذُبابُ السيف: طرفه الذي يضرب به. نظر النهاية (٢/ ١٤١).
(٣) أخرج قصة مقتل كعب بن الأشرف: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قتل كعب بن الأشرف - رقم الحديث (٤٠٣٧) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب =
[ ٢ / ٥٥١ ]
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - جَوَازُ قتلِ المُشْرِكِ بِغَيْرِ دَعْوَةٍ إِذَا كَانَتِ الدَّعْوَةُ العَامَّةُ قَدْ بَلَغَتْهُ.
٢ - وَفِيهِ جَوَازُ الكَلَامِ الذِي يُحْتَاجُ إِلَيْهِ في الحَرْبِ وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ قَائِلهُ إلى حَقِيقَتِهِ.
٣ - وَفِيهِ دَلَالَة عَلَى قُوَّةِ فِطْنَةِ امْرَأَةِ كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ، وَصِحَّةِ حَدِيثِهَا، وَبَلَاغَتِهَا في إِطْلَاقِهَا أَنَّ الصَّوْتَ يَقْطُرُ مِنْهُ الدَّمُ (١).
وَلَمَّا عَلِمَتِ اليَهُودُ بِمَصْرَعِ طَاغِيَتهَا كَعْبِ بنِ الأَشْرَفِ، دَبَّ الرُّعْبُ في قُلُوبِهِمْ العَنِيدَةِ، وَعَلِمُوا أَنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- لَنْ يَتَوَانَى في اسْتِخْدَامِ القُوَّةِ حِينَ يَرَى أَنَّ النُّصْحَ لَا يُجْدِي نَفْعًا لِمَنْ يُرِيدُ العَبَثَ بِالأَمْنِ، وَإِثَارَةِ الِاضْطِرَابَاتِ وَعَدَمَ احْتِرَامِ المَوَاثِيقِ، فَلَمْ يُحَرِّكُوا سَاكِنًا لِقَتْلِ طَاغِيَتهِمْ، بَلْ لَزِمُوا الهُدُوءَ، وَتَظَاهَرُوا بِإيفَاءَ العُهُودِ، وَاسْتَكَانُوا، وَأَسْرَعَتِ الأَفَاعِي إلى جُحُورِهَا تَخْتَبِئُ فِيهَا (٢).
_________________
(١) = الجهاد والسير - باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود - رقم الحديث (١٨٠١) - وأخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في العدو يؤتى على غرة - رقم الحديث (٢٧٦٨) - وابن سعد طبقاته (٢/ ٢٦٥) - وابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٣٧٩) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٥٧) - والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ١٨٧).
(٢) انظر فتح الباري (٨/ ٨٠).
(٣) انظر الرحيق المختوم ص ٢٤٥.
[ ٢ / ٥٥٢ ]
سَرِيَّةُ زَيدِ بنِ حَارِثَةَ -﵁- إِلَى القَرَدَةَ
وَهَذِهِ السَّرِيَّةُ هِيَ آخِرُ، وَأَنْجَحُ سَرِيَّةٍ قَامَ بِهَا المُسْلِمُونَ قَبْلَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَحَدَثَتْ في جُمَادَى الآخِرَةِ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ.
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَ قُرَيْشًا بَعْدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ، خَافَتْ أَنْ تَسْلُكَ الطَّرِيقَ المُعْتَادَةَ الذِي كَانَتْ تَسْلُكُهُ إلى الشَّامِ قَبْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَقَالُوا -وَقَدِ اقْترَبَ مَوْسِمُ رِحْلَتِهِمْ في الصَّيْفِ إلى الشَّامِ-: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ عَوَّرَ (١) عَلَيْنَا مَتْجَرَنَا، وَهُوَ عَلَى طَرِيقِنَا، فَمَا نَدْرِي أَيْنَ نَسْلُكُ، فَقَالَ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ: إِنْ أَقَمْنَا بِمَكَّةَ أَكَلْنَا رُؤُوسَ أَمْوَالِنَا، فَلَمْ يَكُنْ لَهَا مِنْ بَقَاءٍ، وَإِنَّمَا حَيَاتنا بِمَكَّةَ عَلَى التِّجَارَةِ.
فَقَالَ الأَسْوَدُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يَسْلُكُ بِكُمْ طَرِيقَ النَّجْدِيَّةِ -وَهِي طَرِيقٌ طَوِيلَةٌ جِدًّا تَخْتَرِقُ نَجْدَ إلى الشَّامِ، وَتَمُرُّ في شَرْقِيِّ المَدِينَةِ عَلَى بُعْدٍ كَبِيرٍ مِنْهَا، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَجْهَلُ هَذِهِ الطَّرِيقَ كُلَّ الجَهْلِ-.
فَقَالَ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ -أَي الدَّلِيلُ؟ .
قَالَ: فُرَاتُ بنُ حَيَّانٍ: مِنْ بَنِي بَكْرِ بنِ وَائِلٍ، فَدَعَوْهُ، فَاسْتَأْجَرُوهُ دَلِيلًا
_________________
(١) عَوَّر: أفسد. انظر لسان العرب (٩/ ٤٦٨).
[ ٢ / ٥٥٣ ]
عَلَى الطَّرِيقِ، وَخَرَجَتْ عِيرُ قُرَيْشٍ، وَفِيهَا مَالٌ كَثِيرٌ، وَفِضَّةٌ كَثِيرَةٌ وَزْنَ ثَلَاثِينَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، يَقُودُهَا صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ، وَقِيلَ أَبُو سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ، فَسَلَكَ بِهِمْ فُرَاتُ بنُ حَيَّانَ عَلَى ذَاتِ عِرْقٍ طَرِيقِ العِرَاقِ.
وَقَدْ بَلَغَتِ الرَّسُولَ -ﷺ- أَنْبَاءُ هَذِهِ العِيرِ، وَذَلِكَ أَنَّ نُعَيْمَ (١) بنَ مَسْعُودٍ الأَشْجَعِيَّ قَدِمَ المَدِينَةَ، وَهُوَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، فنَزَلَ عَلَى كِنَانَةِ بنِ أَبِي الحُقَيْقِ في بَنِي النَّضِيرِ، فَشَرِبَ مَعَهُ الخَمْرَ، وَعِنْدَهُ سَلِيطُ بنُ النُّعْمَانِ -وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ- وَلَمْ تُحَرَّمِ الخَمْرُ يَوْمَئِذٍ، فَلَمَّا أَخَذَتِ الخَمْرُ مِنْ نُعَيْمٍ تَحَدَّثَ بِالتَّفْصِيلِ عَنْ أَمْرِ العِيرِ وَخُطَّةِ سَيْرِهَا، فَخَرَجَ سَلِيط مِنْ سَاعَتِهِ مُسْرِعًا إلى الرَّسُولِ -ﷺ-، فَأَخْبَرَهُ بِأَمْرِهِمْ.
* خُرُوجُ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ -﵁-:
فَبعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ -﵁-، في مِائَةِ رَاكِبٍ يَعْتَرِضُ عِيرَ قُرَيْشٍ، فَلَقِيَهُمْ عَلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ نَجْدٍ يُقَالُ لَهُ: القَرَدَةُ، فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا كُلَّهَا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ حَرَسِ القَافِلَةِ إِلَّا الفِرَارُ بِدُونِ أَيِّ مُقَاوَمَةٍ.
* أَسْرُ دَلِيلِ القَافِلَةِ وَإِسْلَامُهُ:
وَأَسَرَ المُسْلِمُونَ دَلِيلَ القَافِلَةِ فُرَاتَ بنَ حَيَّانٍ، فَقَدِمُوا بِهِ، وَبِالعِيرِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَمَرُّوا بِهِ بِحَلَقَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ فُرَات: إِنِّي مُسْلِمٌ، فَقَالُوا:
_________________
(١) أسلم نُعَيْمُ بن مسعود -﵁- يوم الخندَقِ، وحَسُن إسلامه، وهو الذي أوقع الخلاف بين بني قُرَيْظَةَ، وغطفَان، وقريش يوم الخندق.
[ ٢ / ٥٥٤ ]
يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ مِنْكُمْ رِجَالًا نَكِلُهُمْ إلى إِيمَانِهِمْ، مِنْهُمْ: فُرَاتُ بنُ حَيَّانَ" (١).
وَلَمَّا أَسْلَمَ فُرَاتٌ -﵁- حَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَفَقُهَ في الدِّينِ، وَلَمْ يَزَلْ يَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إلى أَنْ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَانْتَقَلَ إلى مَكَّةَ فنَزَلَهَا.
وَقَسَمَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- غَنَائِمَ هَذه السَّرِيَّةِ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ، بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الخُمُسَ (٢).
وَكَانَتْ مَأْسَاةً شَدِيدَةً، وَنَكْبَةً كَبِيرَةً أَصَابَتْ قُرَيْشًا بَعْدَ بَدْرٍ، اشْتَدَّ لَهَا قَلَقُ قُرَيْشٍ، وَزَادَتْهَا هَمًّا وَحُزْنًا، وَلَمْ تبقَ أَمَامَهَا إِلَّا طَرِيقَانِ، إِمَّا أَنْ تَمْتَنِعَ عَنْ غَطْرَسَتِهَا وَكِبْرِيائِهَا، وَتَأْخُذَ طَرِيقَ المُوَادَعَةِ وَالمُصَالَحَةِ مَعَ المُسْلِمِينَ، أَوْ تَقُومَ بِحَرْبٍ شَامِلَةٍ تُعِيدُ لَهَا مَجْدَهَا التَّلِيدَ وَعِزَّهَا القَدِيمَ، وَتَقْضِي عَلَى قُوَّاتِ المُسْلِمِينَ، بِحَيْثُ لَا تبقَى لَهُمْ سَيْطَرَةٌ عَلَى هَذَا وَلَا ذَاكَ، وَقَدْ اخْتَارَتْ مَكَّةُ الطَّرِيقَ الثَّانِيَةَ، فَازْدَادَ إِصْرَارُها عَلَى المُطَالَبَةِ بِالثَّأْرِ، وَالتَّهَيُّؤِ لِلِقَاءِ المُسْلِمِينَ في تَعْبِئَةٍ كَامِلَةٍ، وَتَصْمِيمُهَا عَلَى الغَزْوِ في دِيَارِهِمْ، فكان ذَلِكَ وَمَا سَبَقَ مِنْ أَحْدَاثٍ التَمْهِيدَ القَوِيِّ لِمَعْرَكَةِ أُحُدٍ (٣).
_________________
(١) أخرج هذا الحديث الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩٦٥) - وأبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في الجاسوس الذمي - رقم الحديث (٢٦٥٢) - والحاكم في المستدرك - كتاب الجهاد - باب نهى التفريق في المنزل إذا نزلوا - رقم الحديث (٢٥٨٨) - وإسناده صحيح.
(٢) انظر خبر هذه السرية في: سيرة ابن هشام (٣/ ٥٦) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٦٧) - البداية والنهاية (٤/ ٣٧٨) - شرح المواهب (٢/ ٣٨٤).
(٣) انظر الرحيق المختوم ص ٢٤٧.
[ ٢ / ٥٥٥ ]
زَوَاجُ عُثْمَانَ -﵁- مِنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بنْتِ الرَّسُولِ -ﷺ-
وَفِي رَبِيعٍ الأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ تَزَوَّجَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ -﵁- أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَكَانَتْ بِكْرًا (١)، وَلَمْ تَلِدْ لِعُثْمَانَ -﵁- (٢).
وَكَانَ عُثْمَانُ -﵁- قَدْ تَزَوَّجَ أُخْتَهَا رُقَيَّةَ، فَمَرِضَتْ قَبْلَ غَزْوَةِ بَدْرٍ، فَأَمَرَ الرَّسُولُ -ﷺ- عُثْمَانَ -﵁- أَنْ يَبْقَى عِنْدَهَا عِنْدَمَا ذَهَبَ إِلَى بْدرٍ، فَمَاتَتْ ﵂ عِنْدَمَا جَاءَ بَشِيرُ الرَّسُولِ -ﷺ- لِأَهْلِ المَدِينَةِ بِالفَتْحِ، وَالنَّصْرِ يَوْمَ بَدْرٍ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ-، فَلَمَّا مَاتَتْ رُقَيَّةُ زَوَّجَهُ الرَّسُولُ -ﷺ- ابْنَتَهُ الثَّانِيَةَ أُمَّ كُلْثُومٍ ﵂.
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ -﵁- قَالَ: بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا -ﷺ- بِالحَقِّ، فكنْتُ مِمَّنِ اسْتَجَابَ للَّهِ وَلِرَسُولهِ -ﷺ-، وَآمَنَ بِمَا بُعِثَ بِهِ، ثُمَّ هَاجَرْتُ الهِجْرَتَيْنِ، وَنِلْتُ صِهْرَ (٣) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَبَايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَوَاللَّهِ مَا
_________________
(١) كانت ﵂ عند عُتبة بن أبي لَهَب، فلما نزلت سورة المسد، أمره أبوه أن يطلقها، فطلقها ولم يكن دَخَل بها. انظر أسد الغابة (٥/ ٤٨٦).
(٢) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٥٢) - الإصابة (٨/ ٤٦٠) - أسد الغابة (٥/ ٤٨٦).
(٣) الصّهِرُ: القَرَابَةُ، يكال: صاهَرْتُ القوم: إذا تزوَّجت فيهم. انظر لسان العرب (٧/ ٤٢٨).
[ ٢ / ٥٥٦ ]
عَصَيْتُهُ، وَلَا غَشَشْتُهُ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ﷿ (١).
وَلَمْ يُعْرَفْ لِأَحَدٍ تَزَوَّجَ ابْنَتَيْ نَبِيٍّ غَيْرُ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ -﵁-.
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الفضائل - باب مناقب عثمان بن عفان -﵁- رقم الحديث (٣٦٩٦) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٨٠) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٧٥٠).
[ ٢ / ٥٥٧ ]
زَوَاجُ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنْ حَفْصَةَ بنْتِ عُمَرَ ﵄
تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ﵄ في شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ (١)، بَعْدَ أَنِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا مِنْ زَوْجِهَا خُنَيْسِ بنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ -﵁- الذِي كَانَ قَدْ تُوُفِّيَ عَنْهَا بَعْدَ بَدْرٍ.
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄ يُحَدِّثُ: أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ -﵁- حِينَ تَأيَّمَتْ (٢) حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ مِنْ خُنَيْسِ بنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ -﵁-، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، وَتُوُفِّيَ بِالمَدِينَةِ، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ -﵁- فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، فَقَالَ: سَأَنْظُرُ في ذَلِكَ، قَالَ: فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، فَلَقِيَني، فَقَالَ: مَا أُرِيدُ النِّكَاحَ يَوْمِيَ هَذَا، قَالَ عُمَرُ: فَلَقِيتُ أَبَا بَكْرٍ، فَقُلْتُ: إِنْ شِئْتَ أَنْكَحْتُكَ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ، قَالَ: فَلَمْ يَرْجعْ إِلَيَّ شَيْئًا، فكُنْتُ أَوْجَدَ (٣) عَلَيْهِ مِنِّي عَلَى عُثْمَانَ، فَلَبِثْتُ لَيَالِيَ، فَخَطَبَهَا إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٨/ ٢٨٥) - سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٢٧) - أسد الغابة (٥/ ٢٥٠).
(٢) يُقال: امرأةٌ أيِّمٌ: إذا كانت بغيرِ زوج. انظر لسان العرب (١/ ٢٩٠).
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٠/ ٢٢٢): أي أشدَّ غَضَبًا على أبي بكر من غضبِي على =
[ ٢ / ٥٥٨ ]
-ﷺ-، فَأَنْكَحْتُهَا إِيَّاهُ، فَلَقِيَني أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: لَعَلَّكَ وَجَدْتَ في نَفْسِكَ حِينَ عَرَضْتَ عَلَيَّ حَفْصَةَ، فَلَمْ أَرْجعْ إِلَيْكَ شَيْئًا؟ قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: فَإِنَّهُ لَمْ يَمْنَعْنِي أَنْ أَرْجعَ إِلَيْكَ شَيْئًا لَمَّا عَرَضْتَ عَلَيَّ إِلَّا أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَذْكُرُهَا، وَلَمْ أَكُنْ أُفْشِي سِرَّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَوْ ترَكَهَا لَنَكَحْتُهَا (١).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ:
١ - فِيهِ أَنَّهُ لَوْلَا هَذَا العُذْرُ -وَهُوَ ذِكْرُ الرَّسُولِ -ﷺ- لِحَفْصَةَ- لَقَبِلَهَا أَبُو بَكْرٍ -﵁-، فيسْتَفَادُ مِنْهُ عُذْرُ أَبِي بَكْرٍ -﵁- في كَوْنِهِ لَمْ يَقُلْ كَمَا قَالَ عُثْمَانُ: قَدْ بَدَا لِي أَنْ لَا أَتَزَوَّجَ.
٢ - وَفِيهِ فَضْلُ كِتْمَانِ السِّرِّ، فَإِذَا أَظْهَرَهُ صَاحِبُهُ ارْتَفَعَ الحَرَجُ عَمَّنْ سَمِعَهُ.
٣ - وَفِيهِ عِتَابُ الرَّجُلِ لِأَخِيهِ، وَعَتَبُهُ عَلَيْهِ وَاعْتِذَارُهُ إِلَيْهِ، وَقَدْ جُبِلَتِ الطِّبَاعُ البَشَرِيَّةُ عَلَى ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ كِتْمَانِ أَبِي بَكْرٍ ذَلِكَ أنَّهُ خَشِيَ أَنْ يبدُوَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ لَا يَتَزَوَّجَ حَفْصَةَ، فَيَقَعُ في قَلْبِ عُمَرَ
_________________
(١) = عثمان، وذلك لأمرين: أحدهما: ما كان بينهما من أكيد المَوَدَّة، والثاني: لكون عثمان أجابَهُ أولًا ثم اعتذَرَ له ثانيًا، ولكون أبي بكر لم يُعِدْ عليه جوابًا.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب النكاح - باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير - رقم الحديث (٥١٢٢) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب النكاح - باب ذكر الإباحة للمرء أن يذكر التي يريد أن يخطبها لإخوانه - رقم الحديث (٤٠٣٩).
[ ٢ / ٥٥٩ ]
انْكِسَارٌ، وَلَعَلَّ اطِّلَاعَ أَبِي بَكْرٍ -﵁- عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَصَدَ خِطْبَةَ حَفْصَةَ كَانَ بِإِخْبَاره لَهُ -ﷺ- إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِشَارَةِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَكْتُمُ عَنْهُ شَيْئًا مِمَّا يُرِيدُهُ.
٤ - وَفِيهِ عَرْضُ الإِنْسَانِ بِنْتَهُ، وَغَيْرَهَا مِنْ مُوليَاتِهِ عَلَى مَنْ يَعْتَقِدُ خَيْرَهُ وَصَلَاحَهُ لِمَا فِيهِ مِنَ النَّفْعِ العَائِدِ عَلَى المَعْرُوضَةِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَا استِحْيَاءَ في ذَلِكَ.
٥ - وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِعَرْضِهَا عَلَيْهِ وَلَوْ كَانَ مُتَزَوِّجًا لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ حِينَئِذٍ مُتَزَوِّجًا (١).
* طَلَاقُ الرَّسُولِ -ﷺ- حَفْصَةَ ﵂ وَمُرَاجَعَتُهُ إِيَّاهَا:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ رَاجَعَهَا (٢).
وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: دَخَلَ عُمَرُ عَلَى حَفْصَةَ وَهِيَ تَبْكِي، فَقَالَ: مَا يُبْكِيكِ؟ لَعَلَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٠/ ٢٢٢).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب النكاح - باب الرجعة - رقم الحديث (٤٢٧٥) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٦١١).
[ ٢ / ٥٦٠ ]
طَلَّقَكِ؟ إِنَّهُ قَدْ كَانَ طَلَّقَكِ، ثُمَّ رَاجَعَكِ مِنْ أَجْلِي، فَأَيْمُ اللَّهِ لَئِنْ كَانَ طَلَّقَكِ، لَا كَلَّمْتُكِ كَلِمَةً أَبَدًا (١).
* نُبْذَةٌ عن حَفْصَةَ ﵂:
كَانَتْ حَفْصَةُ ﵂ أَكْبَرَ مِنْ أَخِيهَا عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄ بِسِتِّ سِنِينَ، وَتُوُفِّيَتْ ﵂ في شَعْبَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ حَيْثُ بَايَعَ الحَسَنُ بنُ عَلِيٍّ ﵄ مُعَاوِيَةَ -﵁- في عَامِ الجَمَاعَةِ، وَقِيلَ تُوُفِّيَتْ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ بِالمَدِينَةِ، في خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ -﵁-، وَصَلَّى عَلَيْهَا مَرْوَانُ بنُ الحَكَمِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ وَالِي المَدِينَةِ، وَدُفِنَتْ بِالبَقِيعِ وَعُمْرُهَا سِتُّونَ سَنَةً، وَقِيلَ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ (٢).
* * *
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب النكاح - باب الرجعة - رقم الحديث (٤٢٧٦) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٦١٣).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٨/ ٢٨٧) - سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٢٩) - أسد الغابة (٥/ ٢٥١).
[ ٢ / ٥٦١ ]
زَوَاجُ الرَّسُولِ مِنْ زَيْنَبَ بنْتِ خُزَيْمَةَ ﵂
ثُمَّ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في شَهْرِ رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ زَيْنَبَ بِنْتَ خُزَيْمَةَ الهِلَالِيَّةَ مِنْ بَنِي عَامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ.
وَكَانَتْ تُسَمَّى ﵂ أُمَّ المَسَاكِينِ لِكَثْرَةِ إِطْعَامِهَا المَسَاكِينَ وَصَدَقَتِهَا عَلَيْهِمْ، وَهِيَ أُخْتُ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ- لِأُمِّهَا.
وَكَانَتْ زَوْجَ الطُّفَيْلِ بنِ الحَارِثِ فَطلَّقَهَا، فتَزَوَّجَهَا عُبَيْدَةُ بنُ الحَارِثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَاسْتُشْهِدَ عَنْهَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَقِيلَ: كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ، فَاسْتُشْهِدَ عَنْهَا يَوْمَ أُحُدٍ، فَخَطَبَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَعَلَتْ أَمْرَهَا إِلَيْهِ، فتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمْ تَلْبَثْ عِنْدَهُ -ﷺ- إِلَّا يَسِيرًا شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً حَتَّى تُوُفِّيَتْ في آخِرِ شَهْرِ رَبِيعٍ الآخِرِ مِنَ السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، وَكَانَتْ وَفَاتُهَا في حَيَاتِهِ -ﷺ-، وَكَانَ عُمُرُهَا ﵂ لَمَّا تُوُفِّيَتْ ثَلَاثِينَ سَنَةً أَوْ نَحْوَهَا.
فَصَلَّى عَلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَدَفنَهَا بِالبَقِيعِ (١).
_________________
(١) انظر تفاصيل زواج الرسول -ﷺ- من زينب بنت خزيمة ﵂ في: الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٨/ ٣٠٣) - أسد الغابة (٥/ ٢٩٧) - الإصابة (٨/ ١٥٧) - سير أعلام النبلاء (٢/ ٢١٨).
[ ٢ / ٥٦٢ ]
غَزْوَةُ أُحُدٍ (١)
غَزْوَةُ أُحُدٍ لَمْ تَكُنْ مَعْرَكَةً في المَيْدَانِ وَحْدَهُ، إِنَّمَا كَانَتْ مَعْرَكَةً كَذَلِكَ في الضَّمِيرِ. . . كَانَتْ مَعْرَكَةً مَيْدَانُهَا أَوْسَعُ المَيَادِينِ؛ لِأَنَّ مَيْدَانَ القِتَالِ فِيهَا لَمْ يَكُنْ إِلَّا جَانِبًا وَاحِدًا مِنْ مَيْدَانِهَا الهَائِلِ الذِي دَارَتْ فِيهِ. . . مَيْدَانُ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ، وَتَصَوُّرَاتُهَا وَمَشَاعِرُهَا، وَأَطْمَاعُهَا وَشَهَوَاتُهَا، وَدَوَافِعُهَا وَكَوَابِحُهَا، عَلَى العُمُومِ. . . وَكَانَ القُرْآنُ هُنَاكَ يُعَالِجُ هَذه النَّفْسَ بِأَلْطَفِ وَأَعْمَقِ، وَبِأَفْعَلِ وَأَشْمَلِ مَا يُعَالِجُ المُحَارِبُونَ أَقْرَانَهُمْ في النِّزَالِ (٢).
* وَقْتُهَا:
حَدَثَتْ غَزْوَةُ أُحُدٍ نَهَارَ يَوْمِ السَّبْتِ لِلنِّصْفِ مِنْ شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ
_________________
(١) قال الإِمام السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (٣/ ٢٤٠): أُحدٌ الجبل المعروف بالمدينة، سُمي بهذا الاسم لتوحُّدِه وانقطاعه عن جبال أُخر هنالك. وقد جاءت أحاديث في فضل جبلِ أُحد، منها ما أخرجه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٤٠٨٣) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٣٩٣) - عن أنس -﵁- قال: نَظَرَ -ﷺ- إلى أُحد فقال: "إن أُحدًا جبل يحبُّنَا ونحِبُّه". قال الإِمام النووي في شرح مسلم (٩/ ١٣٨): قيل: معناهُ يحبُّنا أهله وهم أهل المدينة ونحبُّهم، والصحيح أنه على ظاهره، وأن معناه يحبّنا هو بنفسه، وقد جعل اللَّه فيه تَمْيِيزًا.
(٢) في ظلال القرآن (١/ ٤٥٧) لسيد قطب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٢ / ٥٦٣ ]
الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ (١).
* سَبَبُهَا:
أَنَّ قُرَيْشًا لَمَّا رَجَعُوا مِنْ بَدْرٍ إلى مَكَّةَ، وَقَدْ أُصِيبُوا بِمُصِيبَةٍ لَمْ يُصْابُوا بِمِثْلِهَا، مِنْ قتلِ صَنَادِيدِهِمْ وَأَشْرَافِهِمْ، اتَّفَقُوا عَلَى أَنْ يَقُومُوا بِحَرْبٍ شَامِلَةٍ ضِدَّ المُسْلِمِينَ، تَشْفِي غَيْظَهَا، وَتَرْوِي غِلَّةَ حِقْدِهَا، وَأَخَذَتْ في الِاسْتِعْدَادِ لِخَوْضِ مِثْلِ هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ مَعْرَكَةِ أُحُدٍ.
وَكَانَ عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهلٍ، وَصَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ، وَأَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي رَبِيَعَةَ أَكْثَرَ زُعَمَاءَ قُرَيْشٍ نَشَاطًا، وَتَحَمُّسًا لِخَوْضِ هَذِهِ المَعْرَكَةِ.
وَأَوَّلُ مَا فَعَلُوهُ بِهَذَا الصَّدَدِ أَنَّهُمْ احْتَجَزُوا العِيرَ التِي كَانَ قَدْ نَجَا بِهَا أَبُو سُفْيَانَ وَالتِي كَانَتْ سَبَبًا لِمَعْرَكَةِ بَدْرٍ، وَقَالُوا لِلَّذِينَ كَانَتْ أَمْوَالُهُمْ فِيهَا: إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وَتَرَكُمْ (٢)، وَقَتَلَ خِيَارَكُمْ، فَأَعِينُونَا بِهَذَا المَالِ عَلَى حَرْبِهِ، لعَلَّنَا أَنْ نُدْرِكَ مِنْهُ ثَأْرَنَا
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٨٨) كانت هذه الوقعة المشهورة في شوال سنة ثلاث باتِّفاق الجمهور. والدليل على أن وقعة أُحُدٍ كانت في النهار قوله تَعَالَى في سورة آل عمران آية (١٢١): ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾. قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٩٠): وقوله تَعَالَى: ﴿غَدَوْتَ﴾ أي خرجت أوَّل النهار.
(٢) وتَرَهُ: نقَصَهُ، والموتُورُ: الذي قُتل له قتيلٌ فلم يُدْرِكْ بدمه. انظر لسان العرب (١٥/ ٢٠٥). ومنه الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٥٥٢) - ومسلم في =
[ ٢ / ٥٦٤ ]
بِمَنْ أَصَابَ مِنَّا، فَأَجَابُوا لِذَلِكَ، وَكَانَتْ أَلْفَ بَعِيرٍ، وَالمَالُ خَمْسُونَ أَلْفَ دِينَارٍ (١)
* اسْتِنْفَارُ قُرَيْشٍ العَرَبَ وَالإِغْرَاءُ بِقَتْلِ حَمْزَةَ -﵁-:
وَتَجَهَّزَتْ قُرَيْشٌ لِحَرْبِ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَبَعَثَتْ نَفَرًا يَسِيرُونَ في العَرَبِ يَدْعُونَهُمْ إلى نَصْرِهِمْ، وَأَخَذُوا لِذَلِكَ أَنْوَاعًا مِنَ التَّحْرِيضِ.
وَأَبَى أَنْ يُعِينَهُمْ أَبُو عَزَّةَ الجُمَحِيُّ (٢)، فَمَشَى إِلَيْهِ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ، فَقَالَ له: يَا أَبَا عَزَّةَ إِنَّكَ امْرُؤٌ شَاعِرٌ، فَأَعِنَّا بِلِسَانِكَ، فَاخْرُجْ مَعَنَا، فَأَبَي، وَقَالَ: مَنَّ عَلَيَّ مُحَمَّدٌ يَوْمَ بَدْرٍ، وَعَاهَدْتُهُ لَا أُظَاهِرُ عَلَيْهِ عَدُوًّا أَبَدًا، وَأَنَا أَفِي لَهُ بِمَا عَاهَدْتُهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ: اخْرُجْ مَعَنَا وَلَكَ اللَّهُ عَلَيَّ إِنْ رَجَعْتَ أَنْ أُغْنِيكَ، وَإِنْ أُصِبْتَ أَنْ أَجْعَلَ بَنَاتَكَ مَعَ بَنَاتِي، يُصِيبُهُنَّ مَا أَصَابَهُنَّ مِنْ عُسْرٍ وَيُسْرٍ.
فَخَرَجَ أَبُو عَزَّةَ، وَمُسَافِعُ بنُ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهُبَيْرَةُ بنُ أَبِي وَهْبٍ يَسْتَنْفِرُونَ بَنِي كِنَانَةَ، وَأَهْلَ تِهَامَةَ بِأَشْعَارِهِمْ، وَيُحَرِّضُونَهُمْ وَيَدْعُونَهُمْ إلى حَرْبِ الرَّسُولِ -ﷺ- (٣).
_________________
(١) = صحيحه - رقم الحديث (٦٢٦) عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "الذي تَفوتُه صلاة العصر كأنما وترَ أهلَهُ ومالَهُ".
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٦٨) - البداية والنهاية (٤/ ٣٨٤) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٦٧) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٢٢٤).
(٣) هذا الرجل أُسِرَ في غزوة بدر الكبرى ومَنّ عليه رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وأطلقه بغير فِدَاء، لكنه أخذ عليه العهد أنه ما يقاتل الرسول -ﷺ-.
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٦٩) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٦٨) - البداية والنهاية (٤/ ٣٨٤) - الرَّوْض الأُنُف (٣/ ٢٤١).
[ ٢ / ٥٦٥ ]
* جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ وَقَتْلُ حَمْزَةَ -﵁-:
وَدَعَا جُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ غُلَامًا له حبَشِيًّا يُقَالُ له: وَحْشِيٌّ، وَكَانَ يَقْذِفُ بِالحَرْبَةِ، قَلَّمَا يُخْطِئُ بِهَا، فَقَالَ لَهُ: اخْرُجْ مَعَ النَّاسِ، فَإِنْ أَنْتَ قَتَلْتَ حَمْزَةَ عَمَّ مُحَمَّدٍ بِعَمِّي طُعَيْمَةَ بنِ عَدِيٍّ، فَأَنْتَ حُرٌّ (١)، وَكَانَ حَمْزَةُ -﵁- قَتَلَ طُعَيْمَةَ يَوْمَ بَدْرٍ.
* قِوَامُ جَيْشِ المُشْرِكينَ وَخُرُوجُهُ:
وَمَا زَالَتْ قُرَيْشٌ تَجْمَعُ الجُمُوعَ مِنْ حُلفائِهَا، وَالأَحَابِيشَ (٢)، وَالأَعْرَابَ مِنْ كِنَانَةَ، وَتِهَامَةَ لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهَا أَبُو عَامِرٍ الفَاسِقُ، وَهُوَ وَالِدُ حَنْظَلَةَ غَسِيلِ المَلَائِكَةِ -﵁- في خَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِهِ، فتَجَمَّعَ لِقُرَيْشٍ ثَلَاثَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ، فِيهِمْ سَبْعُمِائَةِ دَارعٍ، وَكَانَ مَعَهُمْ مِائتا فَرَسٍ، وَثَلَاثَةُ آلَافِ بَعِيرٍ.
ورَأَى قَادَةُ قُرَيْشٍ أَنْ يَسْتَصْحِبُوا مَعَهُمُ النِّسَاءَ، حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ أَبْلَغَ في اسْتِمَاتَةِ الرِّجَالِ، وَحَتَّى لَا يَفِرُّوا، فَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بِزَوْجَتِهِ هِنْدَ بِنْتِ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وَخَرَجَ عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ بِزَوْجَتِهِ أُمِّ حَكِيمٍ بِنْتِ الحَارِثِ بنِ هِشَامٍ،
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قتل حمزة بن عبد المطلب -﵁- رقم الحديث (٤٠٧٢) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٠٧٧).
(٢) الأحابِيشُ: هم أحياء من قبيلةِ القَارَّةِ، انضموا إلى بني ليث في محاربتهم قريشًا، والتحبُّش: التجّمع، وقِيل حالفُوا قُريشًا تحتِ جَبَل يُسمى حُبْشيًا فسُمُّوا بذلك. انظر النهاية (١/ ٣١٩).
[ ٢ / ٥٦٦ ]
وَخَرَجَ طَلْحَةُ بنُ أَبِي طَلْحَةَ بِسُلَافَةَ بِنْتِ سَعْدٍ، وَخَرَجَ صَفْوَانُ بنُ أُمَيَّةَ بِزَوْجَتِهِ بَرْزَةَ بِنْتِ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيَّةِ، وَخَرَجَ عَمْرُو بنُ العَاصِ بِزَوْجَتِهِ رَيطَةَ بِنْتِ مُنبِّهِ بنِ الحَجَّاجِ، فَكَانَتْ عِدَّةُ النِّسَاءِ اللَّاتِي خَرَجْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ امْرَأَةً، مَعَهُنَّ الدُّفُوفُ وَالخُمُورُ، فكُنَّ يبكِينَ قتلَى بَدْرٍ، وَيُحَرِّضْنَ الرِّجَالَ عَلَى القِتَالِ، وَعَدَمِ الهَزِيمَةِ وَالفِرَارِ.
وَكَانَتِ القِيَادَةُ العَامَّةُ إلى أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ، وَقِيَادَةُ الفُرْسَانِ إلى خَالِدِ بنِ الوَليدِ، يُعَاوِنُهُ عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ، أَمَّا اللِّوَاءُ فَكَانَ إلى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ (١).
* العَبَّاسُ -﵁- يُرْسِلُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِخَبَرِ قُرَيْشٍ:
فَلَمَّا خَرَجَتْ قُرَيْشٌ بَعَثَ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁-، بِرِسَالَةٍ مُسْتَعْجَلَةٍ إلى الرَّسُولِ -ﷺ-، ضَمَّنَهَا جَمِيعَ تَفَاصِيلِ جَيْشٍ قُرَيْشٍ، وَدَفَعَ بِالكِتَابِ إلى رَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ كَانَ قَدِ اسْتَأْجَرَهُ، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَ المَدِينَةَ في ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَفَعَلَ، وَسَلَّمَ الرِّسَالة إلى الرَّسُولِ -ﷺ- وَهُوَ بِمَسْجِدِ قُباءَ، فَقَرَأَ الرِّسَالَةَ عَلَى الرَّسُولِ -ﷺ- أُبَيُّ بنُ كَعْبٍ -﵁-، فَأَمَرَهُ الرَّسُولُ -ﷺ- بِالكِتْمَانِ (٢).
قَالَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ في الِاسْتِيعَابِ: وَكَانَ العَبَّاسُ -﵁- يَكْتُبُ بِأَخْبَارِ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٧٠) - الطبَّقَات الكُبْرى (٢/ ٢٦٨) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٢٢٥) - البداية والنهاية (٤/ ٣٨٥).
(٢) انظر الطبقات لابن سعد (٢/ ٢٦٨).
[ ٢ / ٥٦٧ ]
المُشْرِكِينَ إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَ المُسْلِمُونَ يَتَقَوَّوْنَ بِهِ بِمَكَّةَ (١).
وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: وَلَمْ يَزَلِ العَبَّاسُ مُشْفِقًا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، مُحِبًّا لَهُ، صَابِرًا عَلَى الأَذَى، وَلَمَّا يُسْلِمْ بَعْدُ، بِحَيْثُ إِنَّهُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ عَرَفَ، وَقَامَ مَعَ ابْنِ أَخِيهِ في اللَّيْلِ، وَتَوَثَّقَ لَهُ مِنَ السَّبْعِينَ، ثُمَّ خَرَجَ إلى بَدْرٍ مَعَ قَوْمِهِ مُكْرَهًا، فَأُسِرَ، فَأَبْدَى لَهُمْ أَنَّهُ كَانَ أَسْلَمَ (٢)، ثُمَّ رَجَعَ إلى مَكَّةَ، فَمَا أَدْرِي لِمَاذَا أَقَامَ بِهَا (٣)؟ .
ثُمَّ إِنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- عَادَ مُسْرِعًا إلى المَدِينَةِ، وَأَخَذَ يَسْتَشِيرُ أَصْحَابَهُ ﵃ أَجْمَعِينَ (٤).
* حِرَاسَةُ المَدِينَةِ:
وَحِينَئِذٍ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِحِرَاسَةِ المَدِينَةِ، وإعْلَانِ حَالَةِ الطَّوَارِئِ فِيهَا خَوْفا مِنْ أَنْ يُؤْخَذُوا عَلَى غِرَّةٍ، وَقَامَ نَفَرٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِيهِمْ: سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ،
_________________
(١) انظر الاستيعاب لابن عبد البر (٢/ ٣٥٩).
(٢) قال الذهبي في السير (٢/ ٩٩): ولو جَرَى هذا -أي أنه مسلم- لما طلب من العباس فداء يوم بدر، والظاهر أن إسلامه كان بعد بدر. قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٣/ ٥٨٤): والمشهورُ أَنَّ العبَّاس أسلم قبل فتح خيبر، ويدلُّ عليه حديث أنس في قِصَّة الحجاج بن عِلاط. قلتُ: قصَّة الحجاج بن علاط سيأتي ذكرها في غزوة خيبر إن شاء اللَّه.
(٣) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٩٦). قلتُ: وأما ما جاء في أن الرسول -ﷺ- أمر العباس -﵁- بالإقامة بمكة من أجل أن يُرسل له أخبار المشركين فكلُّها أحاديث ضعيفة لا تثبت. انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٩٩).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٦٨).
[ ٢ / ٥٦٨ ]
وَأُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ، وَسَعْدُ بنُ عُبَادَةَ ﵃ بِحِرَاسَةِ الرَّسُول -ﷺ-، فَبَاتُوا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ عَلَى بَابِهِ، وَعَلَيْهِمُ السِّلَاحُ حَتَّى أَصْبَحُوا (١).
* وُصُولُ جَيشِ المُشْرِكِينَ إلى المَدِينَةِ:
تَابَعَتْ قُرَيْشٌ وَمَنْ مَعَهَا مَسِيرَهَا إلى المَدِينَةِ، حَتَّى اقْتَرَبُوا مِنَ المَدِينَةِ، فَسَلَكُوا وادِي العَتِيقِ، ثُمَّ انْحَرَفُوا مِنْهُ إلى ذَاتِ اليَمِينِ، حَتَّى نَزَلُوا قَرِيبًا مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ، في بَطْنِ قَنَاةٍ (٢) عَلَى شَفِيرِ الوَادِي (٣) مُقَابِلَ المَدِينَةِ، فَعَسْكَرُوا هُنَاكَ، وَكَانَ وُصُولُهُمْ لَيْلَةَ الخَمِيسِ لِخَمْسِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ شَوَّالَ.
وشَاعَ خَبَرُ قُرَيْشٍ وَمَسِيرُهُمْ في النَّاسِ، حَتَّى نَزَلُوا ذَا الحُلَيْفَةِ وَأَرْجَفَ (٤) اليَهُودُ وَالمُنَافِقُونَ، فَبَعَثَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- عَيْنَيْنِ لَهُ هُمَا: أَنَسٌ وَمُؤْنِسٌ ابْنَا فَضَالة الظَّفَرِيَّانِ، لَيْلَةَ الخَمِيسِ لِخَمْسِ لَيَالٍ مَضَيْنَ مِنْ شَوَّالَ، فَأتيا رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بخَبَرِهِمْ، وَأَنَّهُمْ قَدْ خَلَّوْا إِبِلَهُمْ وَخَيْلَهُمْ في زَرْعٍ لِلْمُسْلِمِينَ حَتَّى تَرَكُوهُ لَيْسَ بِهِ خَضِرًا، ثُمَّ بَعَثَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- الحبابَ بنَ المُنْذِرِ -﵁- إِلَيْهِمْ، فَدَخَلَ
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى (٢/ ٢٦٨).
(٢) قَنَاة: هو واد من أودية المدينة، عليه حَرْثٌ ومَالٌ وزَرْع. انظر النهاية (٤/ ١٠٣).
(٣) شَفِيرُ الوادي: أي جانبه. انظر النهاية (٢/ ٤٣٤).
(٤) أرجَفَ القوم: إذا خاضُوا في الأخبارِ السيِّئَةِ وذِكْرِ الفِتَنِ. انظر لسان العرب (٥/ ١٥٣). ومنه قوله تعالى في سورة الأحزاب آية (٦٠): ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا﴾.
[ ٢ / ٥٦٩ ]
فِيهِمْ، فَحَزَرَهُمْ (١) جَاءَهُ بِعِلْمِهِمْ (٢).
* رُؤْيَا الرَّسُولِ -ﷺ- وَمُشَاوَرتُهُ أَصْحَابَهُ ﵃:
وَبَعْدَ أَنْ تَأَكَّدَ لِلرَّسُولِ خَبَرُ قُرَيْشٍ، وَوُصُولُهُمْ إلى المَدِينَةِ، عَقَدَ اجْتِمَاعًا اسْتِشَارِيًّا مَعَ الصَّحَابَةِ، وَأَخْبَرَهُمْ بِرُؤْيَاهُ التِي رَآهَا لَيْلَةَ الجُمُعَةِ فَقَالَ -ﷺ-: "إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ، وَاللَّه خَيْرًا (٣)، رَأَيْتُ بَقَرًا تُذْبَحُ، وَرَأَيْتُ في ذُبَابِ (٤) سيْفِي ثَلْمًا (٥)، وَرَأَيْتُ أَنِّي أَدْخَلْتُ يَدِي في دِرْعٍ حَصِينَةٍ".
فَلَمَّا أَخْبَرَهُمْ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بِرُؤْيَاهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَاذَا أَوَّلْتَ رُؤْيَاكَ؟ قَالَ: "فَأَمَّا البَقَرُ، فَهِيَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي يُقْتَلُونَ، وَأَمَّا الثَّلْمُ الذِي رَأَيْتُ في ذُبَابِ سيْفِي، فَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي يُقْتَلُ، وَأَوَّلْتُ الدِّرْعَ الحَصِينَةَ المَدِينَةَ" (٦).
_________________
(١) حزَرَهُم: أي عدَّهم. انظر لسان العرب (٣/ ١٥٠).
(٢) انظر التفاصيل في: الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٦٨) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٢٢٥) - سيرة ابن هشام (٣/ ٧٣).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ١٢٨): هذا من جملة الرؤيا كما جزم به عياض وغيره، كذا بالرفع فيهما على أنه مبتدأ وخبر، وفيه حذفٌ تقديرُه: وصنع اللَّه خير.
(٤) ذُبَاب السيف: طَرَفه الذي يُضْرَب به. انظر النهاية (٢/ ١٤١).
(٥) الثَّلْمُ: الكسر. انظر النهاية (١/ ٢١٥).
(٦) أخرج ذلك البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٢٠٧) وإسناده حسن - وانظر سيرة ابن هشام (٣/ ٧٠) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٦٨).
[ ٢ / ٥٧٠ ]
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "رَأَيْتُ في سَيْفِي ذِي الفِقَارِ فَلًّا (١)، فَأَوَّلْتُهُ: فَلًّا يَكُونُ فِيكُمْ، وَرَأَيْتُ أَنِّي مُرْدِفٌ كبْشًا، فَأَوَّلْتُهُ: كَبْشَ الكَتِيبَةِ، وَرَأَيْتُ أَنِّي في دِرْعٍ حصِينةٍ، فأولتُهَا: المَدِينَةَ" (٢).
وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "رَأَيْتُ في رُؤْيَايَ أَنِّي هَزَزْتُ سَيْفًا فَانْقَطَعَ صَدْرُهُ، فَإِذَا هُوَ مَا أُصِيبَ مِنَ المُؤْمِنِينَ يَوْمَ أُحُدٍ، ثُمَّ هَزَزْتُهُ أُخْرَى فَعَادَ أَحْسَنَ مَا كَانَ، فَإِذَا هُوَ مَا جَاءَ بِهِ اللَّهُ مِنَ الفَتْحِ، وَاجْتِمَاع المُؤْمِنِينَ" (٣).
ثُمَّ قَدَّمَ الرَّسُولُ -ﷺ- رَأْيَهُ إلى أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَهُمْ: "امْكُثُوا في المَدِينَةِ، وَاجْعَلُوا النِّسَاءَ وَالذَّرَارِي الآطَامَ (٤)، فَإِنْ دَخَلَ عَلَيْنَا القَوْمُ قَاتَلْنَاهُمْ في الأَزِقَةِ" (٥).
_________________
(١) الفَلَّة: الثُّلْمَة في السيف. انظر النهاية (٣/ ٤٢٤).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٤٥).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب من قتل من المسلمين يوم أحد - رقم الحديث (٤٠٨١) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الرؤيا - باب رؤيا النبي -ﷺ- رقم الحديث (٢٢٧٢).
(٤) الأُطُمُ بالضم: بناءٌ مرتَفِعُ وجمعُهُ آطَامٌ. انظر النهاية (١/ ٥٧).
(٥) الزُّقاقُ بالضم: الطريق. انظر النهاية (٢/ ٢٧٧). والخبر في: الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٢٦٨) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٢٠٧).
[ ٢ / ٥٧١ ]
وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ في السُّنَنِ الْكُبْرَى، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَلَوْ قَاتَلْتُمُوهُمْ في السِّكَكِ (١)، فَرَمَاهُمُ النِّسَاءُ مِنْ فَوْقِ الْحِيطَانِ" (٢).
وَكَانَتِ المَدِينَةُ قَدْ شُبِّكَتْ بِالبُنْيَانِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ حَتَّى صَارَتْ كَالحِصنِ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في المُسْنَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَصْحَابِهِ: "لَوْ أَنَّا أَقَمْنَا بِالمَدِينَةِ، فَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْنَا فِيهَا، قَاتَلْنَاهُمْ" (٣).
وَكَانَ هَذَا أَيْضًا رَأْيَ الأَكَابِرِ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَوَافَقَهُمْ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ المُنَافِقُ، وَكَانَ قَدْ حَضَرَ المَجْلِسَ بِصِفَتِهِ أَحَدِ زُعَمَاءَ الخَزْرَجِ.
قَالَ الشَّيْخُ صَفِيُّ الرَّحْمَنِ المُبَارَكْفُورِي: وَيبدُو أَنَّ مُوَافَقَةَ ابنِ سَلُولٍ لِهَذَا الرَّأْيِ لَمْ تَكُنْ لِأَجْلِ أَنَّ هَذَا هُوَ المَوْقِفُ الصَّحِيحُ مِنْ حَيْثُ الوِجْهَةِ العَسْكَرِيَّةِ، بَلْ لِيَتَمَكَّنَ مِنَ التَّبَاعُدِ عَنِ القِتَالِ دُونَ أَنْ يَعْلَمَ بِذَلِكَ أَحَدٌ، وَشَاءَ اللَّهُ أَنْ
_________________
(١) السِّكَّةُ: الطريق. انظر النهاية (٢/ ٣٤٥).
(٢) أخرج ذلك النسائي في السنن الكبرى - كتاب التعبير - باب الورع - رقم الحديث (٧٦٠٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٧٨٧).
(٣) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٧٨٧).
[ ٢ / ٥٧٢ ]
يُفْتَضَحَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ (١) -كَمَا سَيَأْتِي-.
* رَأْيُ شَبَابِ الصَّحَابَةِ ﵃:
لَكِنْ كَانَ رَأْيُ الأَغْلَبِيَّةِ مِنَ الصَّحَابَةِ الخُرُوجَ إلى العَدُوِّ، وَخَاصَّةً الذِينَ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا دُخِلَ عَلَيْنَا فِيهَا -أَي الْمَدِينَةُ- في الْجَاهِلِيَّةِ، فَكَيْفَ يدْخَلُ عَلَيْنَا فِيهَا في الْإِسْلَامِ، اخْرُجْ بِنَا إلى أَعْدَائِنَا، لَا يَرَوْنَ أَنَّا جَبُنَّا وَضَعُفْنَا (٢).
* رَأْيُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ الْمُنَافِقِ:
فَقَالَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَقِمْ بِالمَدِينَةِ، لَا تَخْرُجْ إِلَيْهِمْ، فَوَاللَّهِ مَا خَرَجْنَا مِنْهَا إلى عَدُوٍّ لَنَا قَطُّ إِلَّا أَصَابَ مِنَّا، وَلَا دَخَلَهَا عَلَيْنَا إِلَّا أَصَبْنَا مِنْهُ، فَدَعْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِنْ أَقَامُوا أَقَامُوا بِشَرِّ مَحْبَسٍ، وَإِنْ دَخَلُوا قَاتَلَهُمُ الرِّجَالُ في وَجْهِهِمْ، وَرَمَاهُمُ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ بِالحِجَارَةِ مِنْ فَوْقِهِمْ، وَإِنْ رَجَعُوا رَجَعُوا خَائِبِينَ كَمَا جَاؤُوا (٣).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَأَبَى كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ إِلَّا الخُرُوجَ إلى العَدُوِّ، وَلَمْ يتَنَاهَوْا إلى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَرَأْيِهِ، وَلَوْ رَضُوا بِالذِي أَمَرَهُمْ كَانَ ذَلِكَ،
_________________
(١) انظر الرحيق المختوم ص ٢٥١.
(٢) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٧٨٧) - وإسناده صحيح - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٧١) بدون سند.
(٣) انظر البداية والنهاية (٤/ ٣٨٧) - سيرة ابن هشام (٣/ ٧١).
[ ٢ / ٥٧٣ ]
وَلَكِنْ غَلَبَ القَضَاءُ وَالقَدَرُ، وَعَامَّةُ مَنْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِالخُرُوجِ رِجَالٌ لَمْ يَشْهَدُوا بَدْرًا قَدْ عَلِمُوا الذِي سَبَقَ لِأَصْحَابِ بَدْرٍ مِنَ الفَضِيلَةِ (١).
فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أَبَى إِلَّا الخُرُوجَ إلى العَدُوِّ، وَلَمْ يَتَنَاهَوْا إلى رَأْيِهِ، قَالَ: "شَأْنُكُمْ إِذًا" (٢).
* تَهَيُّؤُ الرَّسُولِ -ﷺ- لِلْخُرُوجِ:
ثُمَّ صَلَّى الرَّسُولُ -ﷺ- الجُمُعَةَ بِالنَّاسِ، فَوَعَظَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالجِدِّ وَالِاجْتِهَادِ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ لَهُمُ النَّصْرَ إِذَا صَبَرُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّهَيُّؤِ لِعَدُوِّهِمْ، فَفَرِحَ النَّاسُ بِذَلِكَ.
ثُمَّ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالنَّاسِ العَصْرَ، وَقَدْ حُشِدَوا وَحَضَرَ أَهْلُ العَوَالِي، ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْتَهُ.
وَكَانَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُمْ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ ﵄: اسْتَكْرَهْتُمْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الخُرُوجِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِاللَّهِ وَبِمَا يُرِيدُ، وَالوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ مِنَ السَّمَاءِ، فردُّوا الأَمْرَ إِلَيْهِ، فنَدِمُوا جَمِيعًا عَلَى مَا صَنَعُوا.
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٤/ ٣٨٧).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - وإسناده صحيح على شرط مسلم - رقم الحديث (١٤٧٨٧).
[ ٢ / ٥٧٤ ]
فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَدْ لَبِسَ لَأَمَتَهُ (١)، وَظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ (٢)، وَتَقَلَّدَ السَّيْفَ، فَلَمَّا رَآه النَّاسُ قَامُوا، فَاعْتَذَرُوا إِلَيْهِ، وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُخَالِفَكَ، وَلَا نَسْتَكْرِهَكَ عَلَى الخُرُوجِ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ إِذَا لَبِسَ لَأْمَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ" (٣).
ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- في النَّاسِ بِالخُرُوجِ إلى العَدُوِّ، وَأَنْ لَا يَرْجعَ حَتَّى يُقَاتِلَ.
* عَقْدُ الأَلْوِيَةِ وَخُرُوجُ المُسْلِمِينَ إِلَى أُحُدٍ:
ثُمَّ عَقَدَ الرَّسُولُ -ﷺ- الأَلْوَيةَ، لِوَاءً لِلْأَوْسِ دَفَعَهُ إلى أُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ -﵁-، وَلوَاءً لِلْخَزْرَجِ دَفَعَهُ إِلَى الْحُبَابِ بنِ المُنْذِرِ -﵁-، وَلوَاءً لِلْمُهَاجِرِينَ دَفَعَهُ إلى مُصْعَبَ بنِ عُمَيْرٍ -﵁-، وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى المَدِينَةِ ابنَ أُمِّ مَكْتُومٍ عَلَى الصَّلَاةِ بِالنَّاسِ بِمَنْ بَقِي في المَدِينَةِ، ثُمَّ خَرَجَ -ﷺ- في أَلْفٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَخَرَجَ السَّعْدَانِ أَمَامَ الرَّسُولِ -ﷺ-، سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ -﵁-، وَسَعْدُ بنُ عُبَادَةَ -﵁- يَعْدُوَانِ،
_________________
(١) اللَّأَمَةُ: الدرع. انظر النهاية (٤/ ١٩١).
(٢) أي لبس درعًا فوق دِرع. انظر النهاية (٣/ ١٥٢).
(٣) علقه الإِمام البخاري في صحيحه - كتاب الاعتصام - باب قول اللَّه تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ - ووصله الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٧٨٧) (١٥٧٢٢) - وأبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في لبس الدرع - رقم الحديث (٢٥٩٠) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦٠٧٧) - وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وَكَانَا دَارِعَيْنِ، وَخَرَجَ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁- حَاسِرًا (١).
* اسْتِعْرَاضُ الرَّسُولِ -ﷺ- جَيْشَهُ:
سَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَمَعَهُ جَيْشُهُ، حَتَّى وَصَلَ إلى مَكَانٍ يقَالُ لَهُ: الشَّيْخَيْنِ (٢) فَعَسْكَرَ فِيهِ، ثُمَّ أَخَذَ يَسْتَعْرِضُ (٣) جَيْشَهُ، فَرَدَّ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ صَغِيرًا، فَكَانَ مِنَ الذِينَ رَدَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَلِكَ اليَوْمِ: عَبْدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ، وَزَيدَ بنَ ثَابِتٍ، وَأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ، وزَيْدَ بنَ أَرْقَمٍ، وَالبَرَاءَ بنَ عَازِبٍ، وَعَمْرَو بنَ حَزْمٍ، وَأُسَيْدَ بنَ ظَهِيرٍ، وَعرابَةَ بنَ أَوْسٍ، وَأَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵃ أَجْمَعِينَ.
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- عَرَضَهُ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْهُ (٤)، وَعَرَضَهُ يَوْمَ الخَنْدَقِ، وَهُوَ ابنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَة فَأَجَازَهُ (٥).
_________________
(١) الحاسِرُ: هو الذي لا درعَ عليه ولا مِغْفَر. انظر النهاية (١/ ٣٦٩).
(٢) منطقةُ الشيخين: هو موضعٌ بالمدينة عسكَرَ به رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ليلةَ خرجَ إلى أُحُدٍ، وبه عَرضَ النَّاس. انظر النهاية (٢/ ٤٦٢).
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٤٩): عرضُ الجيشِ: اختِبَارُ أحوالهم قبل مُبَاشَرَة القتال للنَّظَر في هيئتهم، وترتيبِ مَنَازِلهم وغير ذلك.
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٥٠): المراد بالإيجازَة: الإمضَاءُ للقتال.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الخندق - رقم الحديث (٤٠٩٧) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب بيان من البلوغ - رقم الحديث (١٨٦٨) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٦٦١).
[ ٢ / ٥٧٦ ]
* إِجَازَةُ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ -﵁-، وَسَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ -﵁-:
وَأَجَازَ الرَّسُولُ -ﷺ- رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ -﵁-، وَسَمُرَةَ بنَ جُنْدُبٍ -﵁- عَلَى صِغَرِ سِنِّهِمَا، وَذَلِكَ أَنَّ رَافِعَ بنَ خَدِيجٍ -﵁- كَانَ مَاهِرًا في رِمَايَةِ النَّبْلِ فَأَجَازَهُ، فَقَالَ سَمُرَةُ بنُ جُنْدُبٍ -﵁-: أَنَا أَقْوَى مِنْ رَافِعٍ، أَنَا أَصْرَعُهُ، فَلَمَّا أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِذَلِكَ، أَمَرَهُمَا أَنْ يَتَصَارَعَا أَمَامَهُ، فتَصَارَعَا، فَصَرَعَ سَمُرَةُ -﵁- رَافِعًا -﵁-، فَأَجَازَهُ أَيْضًا.
وَفي مِنْطَقَةِ الشَّيْخَيْنِ أَدْرَكَهُمُ المَسَاءُ، فَصلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِأَصْحَابِهِ المَغْرِبَ ثُمَّ صَلَّى العِشَاءَ، وَبَاتَ هُنَاكَ، وَاخْتَارَ خَمْسِينَ رَجُلًا لِحِرَاسَةِ المُعَسْكَرِ يَتَجَوَّلُونَ حَوْلَهُ، وَكَانَ قَائِدَهُمْ مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ -﵁-، وَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَتَوَلَّى حِرَاسَةَ الرَّسُولِ -ﷺ-: ذَكْوَانُ بنُ عَبْدِ قَيْسٍ، وَلَمْ يُفَارِقْهُ (١).
* رُجُوعُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ بِالمُنَافِقِينَ:
وَقَبْلَ طُلُوعِ الفَجْرِ أَدْلَجَ (٢) رَسُولُ -ﷺ- في السَّحَرِ، وَكَانَ دَلِيلُهُ أَبُو حَثَمَةَ الْحَارِثيُّ -﵁-، فَانْتَهَى إلى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ: الشَّوَظُ، بَيْنَ المَدِينَةِ وَأُحُدٍ، فَحَانَتْ صَلَاةُ الفَجْرِ، فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذَّنَ وَأَقَامَ، فَصَلَّى رَسُولُ -ﷺ- بِأَصْحَابِهِ الفَجْرَ.
وَفي هَذِهِ الفَتْرَةِ انْخَزَلَ (٣) عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ، وَمَعَهُ ثَلَاثُمِائَةٍ مِنَ المُنَافِقِينَ -أَيْ ثُلُثُ الجَيْشِ- وَهُوَ يَقُولُ لَعَنَهُ اللَّهُ عَنِ الرَّسُولِ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٧٤) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٦٨).
(٢) الدُّلجةُ: هو سير الليل. انظر النهاية (٢/ ١٢٠).
(٣) انخزَل: أي انفَرَد. انظر النهاية (٢/ ٢٩).
[ ٢ / ٥٧٧ ]
-ﷺ-: عَصَانِي وَأَطَاعَ الوِلْدَانَ، وَمَنْ لَا رَأْيَ لَهُ، ما نَدْرِي عَلَامَ نَقْتُلُ أَنْفُسَنَا هَاهُنَا؟ ارْجِعُوا أَيُّهَا النَّاسُ، فَرَجَعَ بِمَنْ اتَّبعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ أَهْلِ النِّفَاقِ وَالشَّكِّ، وَبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ في سَبْعِمِائَةٍ (١).
فَتَبِعَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ حَرَامٍ -﵁- وَالِدُ جَابِرٍ، فَقَالَ لَهُمْ: يَا قَوْمِ! أُذَكِّرُكُمُ اللَّه أَنْ لَا تَخْذُلُوا قَوْمَكُمْ وَنَبِيَّكُمْ عِنْدَمَا حَضَرَ مِنْ عَدُوِّهِمْ، فَقَالُوا: لَوْ نَعْلَمُ أنَّكُمْ تُقَاتِلُونَ مَا أسْلَمْنَاكُمْ، وَلَكِنَّا لَا نَرَى أَنْ يَكُونَ قِتَالٌ، فَلَمَّا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ، وَأَبَوْا إِلَّا الِانْصِرَافَ، قَالَ لَهُمْ: أَبْعَدَكُمُ اللَّهُ أَعْدَاءَ اللَّهِ، فَسَيُغْنِي اللَّهُ ﷿ عَنْكُمْ نَبِيَّهُ -ﷺ-.
وَفِي هَؤُلَاءَ المُنَافِقِينَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾ (٢).
_________________
(١) قال البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٢٢٠): هذا هو المشهور عند أهل المغازي أنهم بَقو في سبعمائة مقاتل. وَوَهِم ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ١٧٤) فقال: فيهم -أي في السبعمائة رجل- خمسون فارس. وتعقبه الحافظ في الفتح (٨/ ٩٣) بقوله: وهو غلطٌ بيِّن، وقد جزم موسى بن عقبة بأنه لم يكن معهم في أُحدٍ شيء من الخيل، ووقع عند الواقدي، وذكره ابن سعد في الطبَّقَات الكُبْرى (٢/ ٢٦٩): كان معهم فرسٌ لرَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وفرس لأبي بُردَة.
(٢) سورة آل عمران آية (١٦٦ - ١٦٧).
[ ٢ / ٥٧٨ ]
وَنَزَلَ أَيْضًا قَوْلُه تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (١).
قَالَ مُجَاهِدُ بنُ جَبْرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: مَيَّزَهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ المُنَافِقَ مِنَ المُؤْمِنِ (٢).
فَلَمَّا انْخَزَلَ ابنُ سَلُولٍ وَأَصْحَابهُ، قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ نُقَاتِلُهُمْ، وَطَائِفَةٌ قَالَتْ: لَا نُقَاتِلُهُمْ، فنَزَلَ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ (٣) بِمَا كَسَبُوا (٤)﴾ (٥).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ في هَذِهِ الآيَةِ: هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ في سَبَبِ نُزُولِهَا (٦).
* تَأَثُّرُ بَنِي سَلِمَةَ وَبَنِي حَارِثَةَ بِالمُنَافِقِينَ:
وَلَمَّا رَجَعَ ابنُ سَلُولٍ وَأَصْحَابُهُ هَمَّتْ بَنُو سَلِمَةَ وَبَنُو حَارِثَةَ بِالرُّجُوعِ،
_________________
(١) سورة آل عمران آية (١٧٩).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٢/ ١٧٣) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٢٢٣).
(٣) أركسَهُم: أوقعَهُم. انظر تفسير ابن كثير (٢/ ٣٧١).
(٤) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (٢/ ٣٧١): أي بسبب عِصْيانهم ومُخَالفَتِهِم الرسول -ﷺ- واتباعهم البَاطِل.
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة أُحد - رقم الحديث (٤٠٥٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - رقم الحديث (٢٧٧٦) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٥٩٩).
(٦) انظر فتح الباري (٨/ ١٠١).
[ ٢ / ٥٧٩ ]
فَعَصَمَهُمَا اللَّهُ ﷾ وَثَبَّتَهُمَا، وَلَحِقَتَا بِالرَّسُولِ -ﷺ-، وَفيهِمَا يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا (١) وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِينَا: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ بَنِي سَلِمة وَبَنِي حَارِثَةَ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ، وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ (٣).
* لَا نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ:
وَفي طَرِيقِ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى أُحُدٍ جَاءَهُ يَهُودُ بَنِي قَيْنُفَاعَ لِيُقَاتِلُوا مَعَهُ، فَأَبَى -ﷺ- لأنَّهُمْ لَمْ يُسْلِمُوا، فَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ -﵁- قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ أُحُدٍ، حَتَّى إِذَا خَلَّفَ ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ إِذَا هُوَ بِكَتِيبَةٍ خَشْنَاءَ (٤)، فَقَالَ: "مَنْ هَؤُلَاءِ؟ ".
قَالُوا: بَنُو قَيْنُقَاعَ، وَهُمْ رَهْطُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَلَامٍ، وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ
_________________
(١) الفَشَلُ: الجَزَع، والجُبْنُ والضَّعْفُ. انظر النهاية (٣/ ٤٠٢).
(٢) سورة آل عمران آية (١٢٢).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ - رقم الحديث (٤٠٥١) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل الأنصار - رقم الحديث (٢٥٠٥).
(٤) كتيبة خشناء: أي كثيرة السلاح. انظر النهاية (٢/ ٣٤).
[ ٢ / ٥٨٠ ]
أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، فَقَالُ: "أَسْلِمُوا". فَأَبَوْا، فَقَالَ لَهُمْ: "فَلْيَرْجِعُوا فَإِنَّا لَا نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ" (١).
* مُتَابعَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- مَسِيرَهُ إِلَى أُحُدٍ:
ثُمَّ قَامَ الرَّسُولُ -ﷺ- بعْدَ رُجُوعِ المُنَافِقِينَ بِبَقِيَّةِ الجَيْشِ -وَهُمْ سَبْعُمِائَةِ مُقَاتِلٍ- لِيُوَاصِلَ سَيْرَهُ نَحْوَ قُرَيْشٍ، وَكَانَ مُعَسْكَرُ المُشْرِكِينَ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُحُدٍ في مَنَاطِقَ كَثِيرَةٍ، فَقَالَ رَسُولُ -ﷺ-: "مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى القَوْمِ مِنْ كَثَبٍ (٢) مِنْ طَرِيقٍ لَا يَمُرُّ بِنَا عَلَيْهِمْ؟ ".
فَقَامَ أَبُو حَثَمَةَ الْحَارِثِيُّ -﵁- فَقَالَ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، ثُمَّ اخْتَارَ طَرِيقًا قَصِيرًا إلى أُحُدٍ، يَمُرُّ بِحَرَّةِ بَنِي حَارِثَةَ وَبِمَزَارِعِهِمْ، حَتَّى مَرَّ بِحَائِطٍ (٣) لِمِرْبَعِ بنِ قَيْظِيٍّ، وَكَانَ رَجُلًا مُنَافِقًا ضَرِيرَ البَصَرِ، فَلَمَّا أَحَسَّ بِالجَيْشِ قَامَ يَحْثُو (٤) في وُجُوهِهِمُ التُّرَابَ، وَيَقُولُ: إِنْ كُنْتَ رَسُولَ اللَّهِ حَقًّا، فَإِنِّي لَا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ حَائِطِي، ثُمَّ أَخَذَ حَفْنَةً (٥) مِنْ تُرَابٍ في يَدِهِ، وَقَالَ: وَاللَّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي لَا أُصِيبُ بِهَا غَيْرَكَ يَا مُحَمَّدُ لَضَرَبْتُ بِهَا وَجْهَكَ، فَابْتَدَرَ (٦) إِلَيْهِ سَعْدُ بنُ زَيْدٍ الأَشْهَلِيُّ -﵁-، فَضَرَبَهُ
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الجهاد - باب لا نستعين بالمشركين على المشركين - رقم الحديث (٢٦١٠) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٥٨٠).
(٢) الكَثَبُ: القُرْب. انظر النهاية (٤/ ١٣٢).
(٣) الحائطُ: هو البُسْتان. انظر النهاية (١/ ٤٤٤).
(٤) حثَا: رَمى. انظر النهاية (١/ ٣٢٧).
(٥) الحفْنَة: هي ملءُ الكَفِّ. انظر النهاية (١/ ٣٩٣).
(٦) بدرَتْ إن الشيء: أسرَعَتْ. انظر لسان العرب (١/ ٣٤٠).
[ ٢ / ٥٨١ ]
بِالقَوْسِ في رَأْسِهِ فَشَجَّهُ، وَأَرَادَ القَوْمُ قَتْلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تَقْتُلُوهُ، فهَذَا الأَعْمَى أَعْمَى القَلْبِ، أعْمَى البَصَرِ" (١).
وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى نَزَلَ الشِّعْبَ مِنْ أُحُدٍ، في عُدْوَةِ (٢) الوَادِي إلى الجَبَلِ، فَعَسْكَرَ بِجَيْشِهِ مُسْتَقْبِلًا المَدِينَةَ، وَجَاعِلًا ظَهْرَهُ إلى جَبَلِ أُحُدٍ، وَجَعَلَ جَبَلَ عَيْنَيْنِ (٣) عَنْ يَسَارِهِ، وَعَلَى هَذَا صَارَ جَيْشُ العَدُوِّ فَاصِلًا بَيْنَ المُسْلِمِينَ وَبَيْنَ المَدِينَةِ (٤).
* تَعْبِئَةُ (٥) الرَّسُولِ -ﷺ- جَيْشَهُ وَوَصِيَّتُهُ لِلرُّمَاةِ:
وَفِي صَبِيحَةِ يَوْمِ السَّبْتِ الخَامِسَ عَشَرَ مِنْ شَوَّالَ عَبَّأَ رَسُولُ -ﷺ- أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ، وَأَخَذَ يُسَوِّي صُفُوفَهُمْ، وَأَمَّرَ رَسولُ -ﷺ- عَبْدَ اللَّهِ بنَ جُبَيْرِ بنِ النُّعْمَانِ الأَنْصَارِيَّ الأَوْسِيَّ البَدْرِيَّ -﵁-، عَلَى خَمْسِينَ رَامٍ (٦)، وَأَمَرَهُمْ بِالتَمَرْكُزِ عَلَى جَبَلٍ صَغِيرٍ يَقَعُ عَلَى الضِّفَّةِ الجَنُوبِيَّةِ مِنْ وَادِي قناةٍ -عُرِفَ فِيمَا بَعْدُ بِجَبَلِ
_________________
(١) أخرج ذلك ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٧٣) بدون سند.
(٢) عُدوَةُ الوادِي بضمِّ العينِ وفتحها: جانبُه. انظر النهاية (٣/ ١٧٦).
(٣) جبل عينين: هو الجبل الذي أقام عليه رَسُول اللَّهِ -ﷺ- الرُّماة يوم أُحد، والمعروف بجبل الرُّماة. انظر النهاية (٣/ ٣٠١١).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٧٣) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٦٩).
(٥) عبَّأهم: أي رتَّبهم في مواضعهم وهيأهم للحرب. انظر لسان العرب (٦١٩).
(٦) أخرج الإِمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٣٠٣٩) عن البراء بن عازب -﵁- قال: جعل النبي -ﷺ- على الرجَّالة يوم أُحد، وكانوا خمسين رجلًا: عبد اللَّه بن جبير. وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٠٤٣) قال البراء -﵁-: . . . وأجلسَ النبي -ﷺ- جَيشًا من الرماة، وأَمَّر عليهم عبد اللَّه.
[ ٢ / ٥٨٢ ]
الرُّمَاةِ- وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ لِأَمِيرِهِمْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جُبَيْرٍ -﵁-: "انْضَحِ (١) الخَيْلَ عَنَّا بِالنَّبْلِ، لَا يَأْتُونَا مِنْ خَلْفِنَا، إِنْ كَانَتْ لَنَا أَوْ عَلَيْنَا، فَاثْبُتْ مَكَانَكَ، لَا نُؤْتيَنَّ مِنْ قِبَلِكَ" (٢).
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلرُّمَاةِ: "احْمُوا ظُهُورَنَا، فَإنْ رَأَيْتُمُونَا نُقَتَلُ، فَلَا تَنْصُرُونَا، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا قَدْ غَنِمْنَا فَلَا تَشْرَكُونَا" (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ -ﷺ- لِلرُّمَاةِ: "إِنْ رَأَيْتُمُونَا تَخَطَّفُنَا الطَّيْرُ (٤) فَلَا تَبْرَحُوا (٥) مَكَانَكُمْ هَذَا حَتَّى أُرْسلَ إِلَيْكُمْ، وَإِنْ رَأَيْتُمُونَا هَزَمْنَا القَوْمَ، وَأَوْطَأناهُمْ، فَلَا تَبْرَحُوا حَتَّى أُرْسلَ إِلَيْكُمْ" (٦).
أَمَّا بَقِيَّةُ الجَيْشِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى المَيْمَنَةِ: المُنْذِرَ بنَ عَمْرٍو -﵁-، وَعَلَى المَيْسَرَةِ: الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ -﵁- يُسَانِدُهُ: المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو -﵁-، وَكَان لِلزُّبَيْرِ -﵁- مَهَمَّةٌ أُخْرَى، وَهِيَ الصُّمُودُ في وَجْهِ فُرْسَانِ خَالِدِ بنَ الوَليدِ (٧).
_________________
(١) نَضَحَ: رمى. انظر النهاية (٥/ ٦٠).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٧٤).
(٣) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٠٩) وإسناده حسن.
(٤) الخَطْفُ: استلابُ الشيءِ وأخذه بسُرعة، وقوله -ﷺ-: "تخطَّفَنا الطيْر": أي تستَلِبَنا وتطِيرَ بِنا، وهو مبالغة الهَلاك. انظر النهاية (٢/ ٤٧).
(٥) بَرِحَ: أي زَال. انظر لسان العرب (١/ ٣٦٤).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب- رقم الحديث (٣٠٣٩) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٥٩٣).
(٧) انظر زاد المعاد (٣/ ١٧٤).
[ ٢ / ٥٨٣ ]
وَفِي هَذَا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ (١) وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).
لَقَدْ كَانَتْ خُطَّةً حَكِيمَةً وَدَقِيقَةً جِدًّا، تَتَجَلَّى فِيهَا عَبْقَرِيَّةُ الرَّسُولِ -ﷺ- العَسْكَرِيَّةُ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ لِأَيِّ قَائِدٍ مَهْمَا تَقَدَّمَتْ كَفَاءَتُهُ أَنْ يَضَعَ خُطَّة أَدَقَّ وَأَحْكَمَ مِنْ هَذِهِ، فَقَدْ احْتَلَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَفْضَلَ مَوْضِعٍ مِنْ مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ، مَعَ أَنَّهُ نَزَلَ فِيهِ بَعْدَ العَدُوِّ، فَقَدْ حَمَى ظَهْرَهُ وَيَمِينَهُ بِارْتفَاعَاتِ جَبَلِ أُحُدٍ، وَحَمَى مَيْسَرَتَهُ وَظَهْرَهُ، حِينَ احْتَدَمَ القِتَالُ بِسَدِّ الثُّلْمَةِ الوَحِيدَةِ التِي كَانَتْ تُوجدُ في جَانِبِ الجَيْشِ الإِسْلَامِيِّ، وَاخْتَارَ لِمُعَسْكَرِهِ مَوْضِعًا مُرْتَفِعًا يَحْتَمِي بِهِ، إِذَا نَزَلَتْ الهَزِيمَةُ بِالمُسْلِمِينَ، وَلَا يَلْتَجِئُ إلى الفِرَارِ، حَتَّى يَتَعَرَّضَ لِلْوُقُوعِ في قَبْضَةِ العِدَاءِ المُطَارِدِينَ وَأَسْرِهِمْ (٣).
وَهَكَذَا تَمَّت تَعْبِئَةُ الجَيْشِ النَّبَوِيِّ صَبَاحَ يَوْمِ السَّبْتِ الخَامِسَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ لِلْهِجْرَةِ.
* تَحْرِيضُ الرَّسُولِ -ﷺ- أَصْحابَهُ عَلَى القِتَالِ:
ثُمَّ أَخَذَ رَسُولُ -ﷺ- يَبُثُّ رُوحَ الحَمَاسَةِ، وَالبَسَالَةِ في أَصْحَابِهِ، وَيُحَرِّضُهُمْ عَلَى الصَّبْرِ وَالثَّبَاتِ عِنْدَ اللقاءِ، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِمْ سَيْفًا
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسير هذه الآية (٢/ ١١٠): أي بيّن لهم منازلهم، ونجعلهم ميمنة وميسرة وحيث أمرتهم.
(٢) سورة آل عمران آية (١٢١).
(٣) انظر الرحيق المختوم ص ٢٥٦.
[ ٢ / ٥٨٤ ]
بَاتِرًا (١)، وَقَالَ لَهُمْ: "مَنْ يَأْخُذُ مِنِّي هَذَا السَّيْفَ؟ "، فبسَطُوا أَيْدِيَهُمْ، كُلُّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ يَقُولُ: أَنَا، أَنَا.
فَقَالَ -ﷺ-: "فَمَنْ يَأْخُذُهُ بِحَقِّهِ؟ فَأَحْجَمَ (٢) القَوْمُ" (٣).
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ، قَالَ أَبُو دُجَانَةَ (٤) وَاسْمُهُ -﵁- سِمَاكُ (٥) بنُ خَرَشَةَ لِلرَّسُولِ -ﷺ-: وَمَا حَقُّهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "أَنْ تَضْرِبَ بِهِ العَدُوَّ حَتَّى يَنْحَنِي" (٦).
وَفِي رِوَايَةِ البَيْهَقِيِّ في الدَّلَائِلِ قَالَ -ﷺ-: "أَلَّا تَقْتُلَ بِهِ مُسْلِمًا وَلَا تَفِرَّ بِهِ عَنْ كَافِرٍ" (٧).
فَقَالَ أَبُو دُجَانَةَ -﵁-: أنا آخُذُهُ بِحَقِّهِ.
قَالَ أَنَسٌ: فَأَخَذَهُ فَفَلَقَ بِهِ هَامَ (٨) المُشْرِكِينَ (٩).
_________________
(١) البَاتِرُ: القاطِعُ. انظر لسان العرب (١/ ٣٠٩).
(٢) أحجَمَ القَوْمُ: أي نكصُوا وتأخَّرُوا وتهيبوا أخذه. انظر النهاية (١/ ٣٣٤).
(٣) أخرج ذلك الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أبي دجانة -﵁- رقم الحديث (٢٤٧٠).
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١١/ ١٥٨): دُجَانةَ بضم الدال وتخفيف الجيم.
(٥) سِمَاك: بكسر السين وفتح الميم.
(٦) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٧٤).
(٧) أخرج ذلك البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤).
(٨) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١٦/ ٢٠): قوله -﵁-: ففَلق به هامَ المشركين: أي شَقّ رؤوسهم.
(٩) أخرج ذلك الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أبي =
[ ٢ / ٥٨٥ ]
وَكَانَ أَبُو دُجَانَةَ -﵁-، رَجُلًا شُجَاعًا يَخْتَالُ (١) في الحَرْبِ، وَكَانَتْ لَهُ عِصَابَةٌ (٢) حَمْرَاءُ إِذَا اعْتَصَبَ بِهَا عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ سَيُقَاتِلُ حَتَّى المَوْتِ، فَلَمَّا أَخَذَ السَّيْفَ عَصَبَ رَأْسَهُ بِتِلْكَ العِصَابَةِ ثُمَّ جَعَلَ يتبَخْتَرُ (٣) بَيْنَ الصَّفَّيْنِ، فَلَمَّا رَآه الرَّسُولُ -ﷺ- يتبَخْتَرُ قَالَ: "إِنَّهَا لَمِشْيَةٌ يبغِضُهَا اللَّهُ إِلَّا في مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ" (٤).
* جَوَازُ إِظْهَارِ الكِبْرِ في الحَرْبِ:
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَظَاهِرِ الكِبْرِ المُحَرَّمَةِ في الأَحْوَالِ العَامَّةِ، تَزُولُ حُرْمَتُهَا في حَالَاتِ الحَرْبِ، فَمِنْ مَظَاهِرِ الكِبْرِ المُحَرَّمَةِ أَنْ يَسِيرَ المُسْلِمُ في الأَرْضِ مَرَحًا (٥) مُتَبَخْتِرًا، وَلَكِنَّ ذَلِكَ في مَيْدَانِ القِتَالِ أَمْرٌ حَسَنٌ، وَلَيْسَ بِمَكْرُوهٍ، وَمِنْ مَظَاهِرِ الكِبْرِ المُحَرَّمَةِ تَزيينُ البُيُوتِ أَوِ الأَوَانِي وَالأَقْدَاحِ بِالذَّهَبِ
_________________
(١) = دجانة - رقم الحديث (٢٤٧٠) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٢٣٥).
(٢) يُقال: اختَال، يختَالُ: إذا تكبر. انظر النهاية (٢/ ٨٤).
(٣) العِصَابة: هي كل ما عَصَبْتَ به رأسك من عِمَامة أو مِنْدِيل أو خِرقة. انظر النهاية (٣/ ٢٢٠).
(٤) المتبَخْتِر: هو المتكبِّر في مشيتهِ المُعْجَبُ بنفسه. انظر النهاية (١/ ١٠١).
(٥) أخرج ذلك البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٢٣٣ - ٢٣٤).
(٦) قال اللَّه تَعَالَى في سورة لقمان آية (١٨): ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (٦/ ٣٣٩): أي متكبرًا جَبّارًا عَنِيدًا، لا تفعل ذلك يبغِضُك اللَّه، ولهذا قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: مختال معجَبٍ في نفسه، فخورٍ: أي على غيره.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
أَوِ الفِضَّةِ، غَيْرَ أَنَّ تَزْيِينَ آلَاتِ الحَرْبِ وَأَسْلِحَتِهَا بِالفِضَّةِ غَيْرُ مَمْنُوعٍ، فَمَظْهَرُ الكِبْرِ هُنَا حَقِيقَتُهُ افْتِخَارٌ بِعِزَّةِ الإِسْلَامِ عَلَى أَعْدَائِهِ، ثُمَّ هُوَ مَعْنًى مِنْ مَعَانِي الحَرْبِ النَّفْسِيَّةِ التِي يَنْبَغِي أَنْ لَا تَفُوتَ المُسْلِمِينَ أَهَمِّيَّتُهَا (١).
* تَعْبِئَةُ قُرَيْشٍ جَيْشَهَا:
أَمَّا قُرَيْشٌ فَقَدْ عَبَّأَتْ جَيْشَهَا حَسَبَ نِظَامِ الصُّفُوفِ، فَكَانَتِ القِيَادَةُ العَامَّةُ إلى أَبِي سُفْيَانَ، وَعَلَى مَيْسَرَتِهَا عِكْرِمَةُ بنُ أَبِي جَهْلٍ، وَاسْتَعْمَلُوا عَلَى مَيْمَنَةِ خَيْلِهِمْ خَالِدَ بنَ الوَليدِ، وَكَانَ مَعَهُمْ مِائتَا فَرَسٍ كَمَا تَقَدَّمَ، وَجَعَلُوا عَلَى المُشَاةِ صَفْوَانَ بنَ أُمَيَّةَ، وَيُقَالُ عَمْرَو بنَ العَاصِ، وَعَلَى الرّمَاةِ وَكَانُوا مِائَة، عَبْدَ اللَّهِ بنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَدَفَعُوا اللِّوَاءَ إلى طَلْحَةَ بنِ أَبِي طَلْحَةَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ.
وَقَدْ كَانَ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ أَصْحَابَ اللِّوَاءِ مُنْذُ أَنِ اقْتَسَمَتْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ المَنَاصِبَ التِي وَرِثُوهَا مِنْ قُصَيِّ بنِ كِلَابٍ، يَرِثُونَهُ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، وَلَا يُمْكِنُ لِأَحَدٍ أَنْ ينَازِعَهُمْ في ذَلِكَ.
لَكِنَّ أَبَا سُفْيَانَ جَاءَهُمْ لِيُحَرِّضَهُمْ عَلَى القِتَالِ، وَليُثِيرَهُمْ عَلَى حِمَايَةِ اللِّوَاءَ فَقَالَ لَهُمْ: يَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، إِنَّكُمْ قَدْ وَليتُمْ لِوَاءَنَا يَوْمَ بَدْرٍ، وَأَصَابَنَا مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى النَّاسُ مِنْ قِبلِ رَايَاتِهِمْ، إِذَا زَالَتْ زَالُوا، فَإِمَّا أَنْ تَكْفُونَا لِوَاءَنَا، وَإِمَّا أَنْ تُخَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فَنَكْفِيكُمُوهُ.
_________________
(١) انظر فقه السيرة ص ١٨٠ للدكتور: محمد سعيد رمضان البوطي.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
فَغَضِبَ بَنُو عَبْدِ الدَّارِ لِقَوْلِ أَبِي سُفْيَانَ أَشَدَّ الغَضَبِ، فَهَمُّوا بِهِ وَتَوَعَّدُوهُ، وَقَالُوا لَهُ: نَحْنُ نُسَلِّمُ إِلَيْكَ لِوَاءَنَا! سَتَعْلَمُ غَدًا إِذَا الْتَقَيْنَا كَيْفَ نَصْنَعُ، وَقَدْ ثَبتُوا عِنْدَ احْتِدَامِ المَعْرَكَةِ حَتَّى أُبِيدُوا عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ (١).
وَهَكَذَا نَجَحَ أَبُو سُفْيَانَ في إِثَارَةِ حَمِيَّتهِمْ لِحِمَايَةِ اللِّوَاءَ.
* مُحَاوَلَاتٌ فَاشِلَةٌ في إِيقَاعِ الفُرْقَةِ وَالنِّزَاعِ في جَيْشِ المُسْلِمِينَ:
وَقبيْلَ نُشُوبِ المَعْرَكَةِ حَاوَلَتْ قُرَيْشٌ إِيقَاعَ الفُرْقَةِ وَالنِّزَاعِ في صُفُوفِ المُسْلِمِينَ، فَقَدْ أَرْسَلَ أَبُو سُفْيَانَ رَسُولًا إلى الأَنْصَارِ يَقُولُ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ الأَوْسِ وَالخَزْرَجِ! خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ ابْنِ عَمِّنَا نَنْصَرِفْ عَنْكُمْ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ لَنَا بِقِتَالِكُمْ.
وَلَكِنْ أَيْنَ هَذِهِ المُحَاوَلَةُ أَمَامَ الإِيمَانِ الذِي لَا تَقُومُ لَهُ الجِبَالُ، فَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ الأَنْصَارُ رَدًّا عَنِيفا، وَأَسْمَعُوهُ مَا يَكْرَهُ.
ثُمَّ خَرَجَ إلى الأَنْصَارِ أَبُو عَامِرٍ الفَاسِقُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ عَمْرِو بنِ صَيْفِيٍّ، وَكَانَ يُسَمَّى الرَّاهِبَ، فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الفَاسِقَ، وَكَانَ رَأْسَ الأَوْسِ في الجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ جَاهَرَهُ بِالعَدَاوَةِ، فَخَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ وَمَعَهُ خَمْسُونَ غُلَامًا مِنَ الأَوْسِ، وَقِيلَ: خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، وَذَهَبَ إلى قُرَيْشٍ يُؤَلِّبُهُمْ (٢) وَيَحُضُّهُمْ عَلَى قِتَالِ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَمِنْ مَكَائِدِهِ يَوْمَ أُحُدٍ حَفْرُ الحُفَرِ
_________________
(١) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٢٠٩) - البداية والنهاية (٤/ ٣٩١) - سيرة ابن هشام (٣/ ٧٥).
(٢) ألَّبَهم: جمعهم. انظر لسان العرب (١/ ١٧٧).
[ ٢ / ٥٨٨ ]
لِيَقَعَ فِيهَا المُسْلِمُونَ، فَكَانَ مِمَّنْ وَقَعَ في أَحَدِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَطَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ -﵁-، وَكَانَ يَعِدُ قُرَيْشًا أَنْ لَوْ قَدْ لَقِيَ قَوْمَهُ لَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلَانِ، فَذَهَبَ وَأَخَذَ ينَادِي قَوْمَهُ، فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ الأَوْسِ! أَنَا أَبُو عَامِرٍ، فَقَالُوا: لَا أنْعَمَ اللَّهُ بِكَ يَا فَاسِقُ، فَقَالَ: لَقَدْ أَصَابَ قَوْمِي بَعْدِي شَرٌّ، فتَرَامَوْا بِالحِجَارَةِ هُمْ وَالمُسْلِمُونَ حَتَّى وَلَّى أَبُو عَامِرٍ وَأَصْحَابهُ (١).
وَهَكَذَا بَاءَتْ كُلُّ مُحَاوَلَاتِ قُرَيْشٍ في التَّفْرِقَةِ بَيْنَ صُفُوفِ المُسْلِمِينَ بِالفَشَلِ.
* جُهُودُ نِسَاءِ قُرَيْشٍ في التَّحْرِيضِ عَلَى القِتَالِ:
قَامَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ زَوْجَةُ أَبِي سُفْيَانَ في نِسَاءٍ مِنْ قُرَيْشٍ، يَتَجَوَّلْنَ بَيْنَ الصُّفُوفِ، وَيَضْرِبْنَ بِالدُّفُوفِ، وَيُحَرِّضْنَ عَلَى القِتَالِ، وَيَقُلْنَ:
وَيْهًا بَنِي عَبْدِ الدَّار وَيْهًا حُمَاةَ الأَدْبَار ضَرْبًا بِكُلِّ بَتَّار
وَيَقُلْنَ أَيْضًا:
إِنْ تُقْبِلُوا نُعَانِقْ وَنَفْرُشُ النَّمَارِقْ (٢)
أَوْ تُدْبِرُوا نُفَارِقْ فِرَاقَ غَيْرِ وَامِقْ (٣)
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٧٥) - البداية والنهاية (٤/ ٣٩١).
(٢) النَّمارِق: هي الوسَائد. انظر لسان العرب (١٤/ ٢٩١). ومنه قوله تَعَالَى في سورة الغاشية آية (١٥): ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
(٣) المقه: المحبَّة. انظر لسان العرب (١٥/ ٤٠٩). =
[ ٢ / ٥٨٩ ]
* بَدْءُ القِتَالِ وَإِبَادَةُ حَمَلَةِ لِوَاءِ المُشْرِكينَ:
ثُمَّ الْتَحَمَ الجَيْشَانِ، وَاقْتَتَلَ النَّاسُ يَوْمَئِذٍ قِتَالًا شَدِيدًا في كُلِّ مَكَانٍ مِنْ مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ، وَكَانَ ثِقَلُ المَعْرَكَةِ يَدُورُ حَوْلَ لِوَاءِ المُشْرِكِينَ، فَقَدْ تَعَاقَبَ (١) بَنُو عَبْدِ الدَّارِ لِحَمْلِ اللِّوَاءِ بَعْدَ قَتْلِ قَائِدِهِمْ طَلْحَةُ بنُ أَبِي طَلْحَةَ، فَحَمَلَهُ أَخُوهُ أَبُو شَيْبَةَ عُثْمَانُ بنُ أَبِي طَلْحَةَ، وَتَقَدَّمَ لِلْقِتَالِ، وَهُوَ يَقُولُ:
إِنَّ عَلَى أَهْلِ اللِّوَاءِ حَقًّا أَنْ تُخْضَبَ (٢) الصَّعْدَة (٣) أَوْ تَنْدَقَّا
فَحَمَلَ عَلَيْهِ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁-، فَضَرَبَهُ عَلَى عَاتِقِهِ ضَرْبَةً بَترَتْ (٤) يَدَهُ مِنْ كَتِفِهِ، حَتَّى وَصَلَتْ إلى سُرَّتِهِ، فَبَانَتْ رِئَتُهُ، وَمَاتَ.
ثُمَّ رَفَعَ اللِّوَاءَ أَخُوهُمَا أَبُو سَعْدِ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، فَرَمَاهُ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- بِسَهْم أَصَابَ حُنْجُرَتَهُ، فَقَتَلَهُ.
ثُمَّ رَفَعَ اللِّوَاءَ مُسَافِعُ بنُ طَلْحَةَ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، فَرَمَاهُ عَاصِمُ بنُ ثَابِتِ بنِ أَبِي الأَقْلَحِ -﵁- بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ، ثُمَّ حَمَلَ اللِّوَاءَ بَعْدَهُ أَخُوهُ الحَارِثُ بنُ طَلْحَةَ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، فَرَمَاهُ عَاصِمُ بنُ ثَابِتٍ -﵁- بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ.
_________________
(١) = وانظر التفاصيل في: الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٦٩) - سيرة ابن هشام (٣/ ٧٦) - البداية والنهاية (٤/ ٣٩٠).
(٢) العَاقب: الذي يخلِفُ من كان قبله. انظر النهاية (٣/ ٢٤٢).
(٣) تُخَضَّب: تبتَّل. انظر النهاية (٢/ ٣٨).
(٤) الصعدة: هي الرمح. انظر لسان العرب (٧/ ٣٤٤).
(٥) بتر: قَطع. انظر النهاية (١/ ٩٤).
[ ٢ / ٥٩٠ ]
فَكَانَتْ أُمُّهُمَا -وَهِيَ سُلَافَةُ- مَعَهُمَا، فَلَمَّا رَأَتْ مَا فَعَلَ عَاصِمُ بنُ ثَابِتٍ -﵁- بِأَبْنَائِهَا، نَذَرَتْ إِنْ أَمْكَنَهَا اللَّهُ مِنْ رَأْسِ عَاصِمٍ أَنْ تَشْرَبَ فِيهِ الخَمْرَ، وَكَانَ عَاصِمٌ -﵁-، قَدْ عَاهَدَ اللَّهَ أَنْ لَا يَمَسَّ مُشْرِكًا أَبَدًا، وَلَا يَمَسَّهُ مُشْرِكٌ، ثُمَّ حَمَلَ اللِّوَاءَ كِلَابُ بنُ طَلْحَةَ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، فَقتَلَهُ الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ -﵁-.
فَهَؤُلَاءِ الأَرْبَعَةُ أَوْلَادُ طَلْحَةَ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، كُلُّهُمْ قُتِلُوا حَوْلَ لِوَاءِ المُشْرِكِينَ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ أَبُوهُمْ طَلْحَةُ وَعَمَّاهُمْ عُثْمَانُ وَأَبُو سَعْدٍ.
ثُمَّ حَمَلَ اللِّوَاءَ بَعْدَهُمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَرْطَاةُ بنُ شُرَحْبِيلَ، فَقتَلَهُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، وَقِيلَ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁-، ثُمَّ حَمَلَ اللِّوَاءَ شُرَيْحُ بنُ قَارِظٍ، فَقتَلَهُ قُزْمَانُ، ثُمَّ حَمَلَ لِوَاءَ المُشْرِكِينَ أَبُو يَزِيدَ بنُ عُمَيْرِ بنِ هَاشِمٍ، وَيُقَالُ أَبُو زَيْدٍ عَمْرُو بنُ عَبْدِ مَنَافِ بنِ هَاشِمٍ العَبْدَرِيُّ، فَقتَلَهُ قُزْمَانُ.
وهَكَذَا قُتِلَ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ حَمَلَةِ لِوَاءَ المُشْرِكِينَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ أَحَدٌ يَحْمِلُهُ.
وَأَصْبَحَ لِوَاءُ المُشْرِكِينَ شُؤْمًا عَلَيْهِمْ، مَا يَدْنُو مِنْهُ أَحَدٌ إِلَّا قُتِلَ، فَتَرَكُوهُ مُلْقًى عَلَى الأَرْضِ (١).
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: . . . وَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابِهِ أَوَّلَ النَّهَارِ، حَتَّى قُتِلَ مِنْ
_________________
(١) انظر تفاصيل ذلك في: الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٦٩) - سيرة ابن هشام (٣/ ٨٢).
[ ٢ / ٥٩١ ]
أَصْحَابِ لِوَاءِ المُشْرِكِينَ سَبْعَةٌ أَوْ تِسْعَةٌ (١).
* شِدَّةُ الصَّحَابَةِ ﵃ في القِتَالِ:
وَبَيْنَمَا كَانَ القِتَالُ شَدِيدًا حَوْلَ لِوَاءَ المُشْرِكِينَ، كَانَ القِتَالُ المَرِيرُ يَجْرِي في جَمِيعِ مَيْدَانِ المَعْرَكَةِ، وَلقدْ ظَهَرَتْ لِلصَّحَابَةِ ﵃، بُطُولَاتٌ عَظِيمَةٌ، فَمِنْ ذَلِكَ:
* شِدَّة أَبي دجَانَةَ -﵁- في القِتَالِ:
أَخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ عَنِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ:
وَجَدْتُ في نَفْسِي حِينَ سَأَلْتُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- السَّيْفَ فَمَنَعَنِيهِ، وَأَعْطَاهُ أَبَا دُجَانَةَ، وَقُلْتُ: أَنَا ابْنُ صَفِيَّةَ عَمَّتِهِ، وَمِنْ قُريْشٍ، وَقَدْ قُمْتُ إِلَيْهِ فَسَأَلتهُ إِيَّاهُ قَبْلَهُ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ وَتَرَكَنِي، وَاللَّهِ لَأَنْظُرَنَّ مَا يَصْنَعُ، فَأَخْرَجَ عِصَابَةً (٢) لَهُ حَمْرَاءَ، فعَصَبَ (٣) بِهَا رَأْسَهُ، فَقَالَتِ الأَنْصَارُ: أَخْرَجَ أَبُو دُجَانَةَ عِصَابَةَ المَوْتِ، فَخَرَجَ وَهُوَ يَقُولُ:
أَنَا الذِي عَاهَدَنِي خَلِيلِي وَنَحْنُ بِالسَّفْحِ (٤) لَدَى النَّخِيلِ
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٠٩).
(٢) العِصَابة: هي كل ما يُعصَب -أي يُلف- ويُشدُّ به الرأس من خِرقة أو عمامة. انظر النهاية (٣/ ٢٢٠).
(٣) عَصبَ الشيءَ: طواهُ ولَوَاه. انظر لسان العرب (٩/ ٢٣٠).
(٤) السفحُ: هو أصلُ الجبل -أي أسفله-. انظر لسان العرب (٦/ ٢٧٥).
[ ٢ / ٥٩٢ ]
أَلَّا أَقُومَ الدَّهْرَ في الكُيُولِ (١) اضْرِبْ بِسَيْفِ اللَّهِ وَالرَّسُولِ
فَجَعَلَ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قتلَهُ، وَكَانَ في المُشْرِكِينَ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَنَا جَرِيحًا إِلَّا ذَفَّفَ (٢) عَلَيْهِ، فَجَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدْنُو مِنْ صَاحِبِهِ، فَدَعَوْتُ اللَّه أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا، فَالْتَقَيَا، فَاخْتَلفا ضَرْبَتَيْنِ، فَضَرَبَ المُشْرِكُ أَبَا دُجَانَةَ، فَاتَّقَاهُ بدُرْقَتِهِ (٣)، فَعَضَتْ بِسَيْفِهِ (٤)، فَضَرَبَهُ أَبُو دُجَانَةَ فَقَتَلَهُ.
ثُمَّ أَمْعَنَ (٥) أَبُو دُجَانَةَ -﵁- في الصُّفُوفِ حَتَّى انتهَى إلى نِسْوَةٍ فِي سَفْحِ الجَبَلِ، فَأَهْوَى بِالسَّيْفِ عَلَى مَفْرَقِ رَأْسِ هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ زَوْجِ أَبِي سُفْيَانَ، ثُمَّ كَفَّ عَنْهَا.
قَالَ الزُّبَيْرُ -﵁-: فَلَمَّا انْكَشَفَ القِتَالُ، قُلْتُ لِأَبِي دُجَانَةَ: كُلُّ عَمَلِكَ قَدْ رَأَيْتُ، مَا خَلَا رَفْعِكَ السَّيْفَ عَلَى المَرْأَةِ لِمَ لَمْ تَضْرِبْهَا.
فَقَالَ أَبُو دُجَانَةَ -﵁-: رَأَيْتُ إِنْسَانًا يُحْمِشُ (٦) النَّاسَ حَمْشًا شَدِيدًا، فَصَمَدْتُ لَهُ، فَلَمَّا حَمَلْتُ عَلَيْهِ السَّيْفَ وَلْوَلَ، فَإِذَا امْرَأَةٌ، فَأَكْرَمْتُ سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ أَضْرِبَ بِهِ امْرَأَةً (٧).
_________________
(١) الكُيُول: مؤخِّرة الصفوف. انظر النهاية (٤/ ١٩٠).
(٢) تذفيف الجريح: الإجهاز عليه وقتله. انظر النهاية (٢/ ١٥٠).
(٣) الدرقَةُ: هي الترسُ من جلودٍ ليس فيه خشَبٌ ولا عقب. انظر لسان العرب (٤/ ٣٣٣).
(٤) عَضَتْ بسيفِهِ: أي لزمتْهُ ولَزِقَت به. نظر لسان العرب (٩/ ٢٥٧).
(٥) أمْعَنَ: أي جَدَّ وأبعَد. انظر النهاية (٤/ ٢٩٣).
(٦) يُحمِشُ الناس: أي يسُوقُهم بغضب. انظر النهاية (١/ ٤٢٣).
(٧) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر شجاعة أبي دجانة - رقم =
[ ٢ / ٥٩٣ ]
* مَقْتَلُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ حَرَامٍ وَالدِ جَابِرٍ ﵄:
مِنَ الذِينَ أَبْلَوْا بَلَاءً حَسَنًا يَوْمَ أُحُدٍ وَقُتِلَ: عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ حَرَامٍ وَالِدُ جَابِرٍ ﵄، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، جَيءَ بِأَبِي مُسَجًّى (١)، وَقَدْ مُثِّلَ (٢) بِهِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ أَرَدْتُ أَنْ أَرْفَعَ الثَّوْبَ، فنَهَانِي قَوْمِي، فَرَفَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَرُفِعَ، فَسَمعَ صَوْتَ بَاكِيَةٍ أَوْ صَائِحَةٍ، فَقَالَ -ﷺ-: "مَنْ هَذِهِ؟ "، فَقَالُوا: بِنْتُ عَمْرٍو، أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو (٣).
فَقَالَ -ﷺ-: "وَلِمَ تَبْكِي (٤)؟ فَمَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ" (٥).
_________________
(١) = الحديث (٥٠٦٩) - وانظر سيرة ابن هشام (٣/ ٧٧) - البداية والنهاية (٤/ ٣٩١) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٢٣٣).
(٢) مُسَجَّى: أي مُغَطّى. انظر النهاية (٢/ ٣١٠).
(٣) مُثِّل: بضم الميم وكسر الثاء، ومثلت بالقتيل: إذا قطَعَ أطرفه أو أنفَه أو أذنه ونحو ذلك. انظر النهاية (٤/ ٢٥١).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٣/ ٥١٢): هذا شكٌّ من سفيان -أحد الرواة- والصواب بنت عمرو، وهي فاطمة بنت عمرو.
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٣/ ٥١٢): لأن هذا الجليل القدرِ الذي تُظِلُّه الملائكة بأجنحَتهَا لا ينبغي أن يُبكى عليه، بل يُفرَحَ له بما صار إليه.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب (٣٤) - رقم الحديث (١٢٩٣) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب من قُتِل من المسلمين يوم أحد - رقم الحديث =
[ ٢ / ٥٩٤ ]
وَأَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَقِيَني النَّبِيُّ -ﷺ- فقَالَ لِي: "يَا جَابِرُ مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ "، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا.
فَقَالَ -ﷺ-: "أَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللَّهُ بِهِ أباكَ؟ ".
قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "مَا كَلَّمَ اللَّهُ أَحَدًا قَطٌّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ، وَإِنَّ اللَّه أَحْيَا أَبَاكَ فكَلَّمَهُ كفَاحًا (١)، فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ أُعْطِكَ، قَالَ: تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ قَتْلَةً ثَانِيَةً، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ " (٢)
* وَصِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ حَرَامٍ لِابْنِهِ جَابِرٍ ﵄:
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ حَرَامٍ -﵁- أَوْصَى وَلَدَهُ جَابِرَ ﵄
_________________
(١) = (٤٠٨٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل عبد اللَّه بن عمرو بن حرام - رقم الحديث (٢٤٧١) (١٢٩).
(٢) كِفاحًا: أي مُوَاجهةً ليس بينهما حِجَاب ولا رَسُول. انظر النهاية (٤/ ١٦٠).
(٣) سورة آل عمران آية (١٦٩) - والحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر البيان بأن اللَّه تَعَالَى كلم عبد اللَّه بن عمرو بن حرام بعد أن أحياه كفاحًا - رقم الحديث (٧٠٢٢) - وأخرجه الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة آل عمران - رقم الحديث (٣٢٥٦) - وأخرجه ابن ماجه في سننه - في المقدمة - رقم الحديث (١٩٠).
[ ٢ / ٥٩٥ ]
بِقَضَاءِ دَيْنِهِ، وَحِفْظِ أَخَوَاتِهِ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا في أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَإِنِّي لَا أَتْرُكُ بَعْدِي أَعَزَّ عَلَيَّ مِنْكَ، غَيْرَ نَفْسِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؛ فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا، فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا، فَأَصْبَحْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ (١).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - الإِرْشَادُ إلى بِرِّ الأَوْلَادِ بِالآبَاءَ خُصُوصًا بَعْدَ الوَفَاةِ.
٢ - وَفِيهِ الِاسْتِعَانَةُ عَلَى ذَلِكَ بِإِخْبَارِهِمْ بِمَكَانَتِهِمْ مِنَ القَلْبِ.
٣ - وَفِيهِ قُوَّةُ إِيمَانِ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- المَذْكُورِ لِاسْتِثْنَائِهِ النَّبِيَّ -ﷺ- مِمَّنْ جَعَلَ وَلَدَهُ أَعَزَّ عَلَيْهِ مِنْهُمْ.
٤ - وَفِيهِ كَرَامَتُهُ بِوُقُوعِ الأَمْرِ عَلَى مَا ظَنَّ.
٥ - وَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِجَابِرَ -﵁- لِعَمَلِهِ بِوَصِيَّةِ أَبِيهِ بَعْدَ مَوْتِهِ في قَضَاءَ دَيْنِهِ (٢).
_________________
(١) أخرجه الإِمام البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب هل يخرج الميت من القبر؟ - رقم الحديث (١٣٥١).
(٢) انظر فتح الباري (٣/ ٥٨١).
[ ٢ / ٥٩٦ ]
* المَلَائِكَةُ تُغَسِّلُ حَنْظَلةَ -﵁-:
وَمِنَ الأَبْطَالِ الذِينَ قُتِلُوا في هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ حَنْظَلَةُ -غَسِيلُ المَلَائِكَةِ- وَأَبُوهُ أَبُو عَامِرٍ الفَاسِقُ الذِي ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى عَدَاوَتَهُ لِلْإِسْلَامِ، وَقَدْ كَادَ حَنْظَلَةُ -﵁- أَنْ يَقْتُلَ أَبَا سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ قَائِدَ قُرَيْشٍ لَكِنَّ شَدَّادَ بنَ الأَسْوَدِ قتَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: كَانَ النَّاسُ انْهَزَمُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى انْتَهَى بَعْضُهُمْ إلى دُونِ الأَعْرَاضِ (١) إلى جَبَلٍ بِنَاحِيَةِ المَدِينَةِ، ثُمَّ رَجَعُوا إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَدْ كَانَ حَنْظَلَةُ بنُ أَبِي عَامِرٍ الْتَقَى هُوَ وَأَبُو سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ فَلَمَّا اسْتَعْلَاهُ حَنْظَلَةُ رَآه شَدَّادُ بنُ الأَسْوَدِ، فعلَاهُ شَدَّادُ بِالسَّيْفِ حَتَّى قتَلَهُ، وَقَدْ كَادَ يَقْتُلُ أَبَا سُفْيَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ صَاحِبَكُمْ حَنْظَلة تُغَسِّله المَلَاِئكَةُ، فَسَلُوا صَاحِبَتَهُ" (٢)، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ لَمَّا سَمِعَ الهَائِعَةَ (٣)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَذَاكَ قَدْ غَسَّلَتْهُ المَلَائكَةُ" (٤).
_________________
(١) أعرَاضُ المدينةِ: هي قُرَاهَا التي في أودِيَتِهَا، وقيل: أعراضُ المدينة: هي بُطُون سَوَادها حيث الزرع والنخل. انظر معجم البلدان (١/ ١٧٨).
(٢) أي زوجَتُه: وهي جميلةُ بنت عبد اللَّه بن أُبي بن سَلُول المنافق، وكانت امرأة صالحةً مؤمِنَة.
(٣) الهائِعَةُ: صوتُ الصارخِ للفَزَع. انظر لسان العرب (١٥/ ١٨٠).
(٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر حنظلة غسيل الملائكة - رقم الحديث (٧٠٢٥) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر شهادة حنظلة - رقم الحديث (٤٩٧٠).
[ ٢ / ٥٩٧ ]
* عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ -﵁- يَخُوضُ في الجَنَّةِ بِعَرْجَتِهِ:
وَكَانَ -﵁- أَعْرَجَ شَدِيدَ العَرَجِ، وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ أَبْنَاءٍ شَبَابٍ، يَشْهَدُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- المَشَاهِدَ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، قَالَ له أَبْنَاؤُهُ: إِنَّ اللَّه ﷿ قَدْ عَذَرَكَ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَذِنَ لَهُ (١).
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي قتَادَةَ -﵁-، أَنَّهُ قَالَ: أتى عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلْتُ في سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أُقْتَلَ أَمْشِي بِرَجْلِي هَذِهِ صَحِيحَةً في الجَنَّةِ -وَكَانَتْ رِجْلُهُ عَرْجَاءَ- فَقَالَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ"، فَقَتَلُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَمَرَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْكَ تَمْشِي بِرِجْلِكَ هَذِهِ صَحِيحَةً في الجَنَّةِ" (٢).
وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: جَاءَ عَمْرُو دنُ الجَمُوحِ -﵁- إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ قُتِلَ اليَوْمَ دَخَلَ الجَنَّةَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، قَالَ: وَالذِي نَفْسِي بِيَده، لَا أَرْجعُ إلى أَهْلِي حَتَّى أَدْخُلَ الجَنَّةَ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-: يَا عَمْرُو، لَا تَأَلَّ (٣) عَلَى اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَهْلًا يَا عُمَرُ، فَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ١٠١) - زاد المعاد (٣/ ١٨٧) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٢٤٦).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في المسند - رقم الحديث (٢٢٥٥٣).
(٣) يتألَّ على اللَّه: أي يحلِفُ عليه ﷾. انظر جامع الأصول (٤/ ٤٥٦).
[ ٢ / ٥٩٨ ]
لَأَبَرَّهُ (١) مِنْهُمْ: عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ، يَخُوضُ في الجَنَّةِ بِعَرْجَتِهِ" (٢).
* نُبْذَةٌ عَنْ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ -﵁-:
قُلْتُ: وَعَمْرُو بنُ الجَمُوحِ -﵁- هُوَ سَيِّدُ بَنِي سَلِمَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ البُخَارِيُّ في الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ سَيِّدُكُمْ يَا بَنِي سَلِمَةَ؟ " قُلْنَا: جَدُّ بنُ قَيْسٍ، عَلَى أنَّا نُبَخِّلُهُ، فَقَالَ -ﷺ-: "وَأَيُّ دَاءٍ أَدْوَى مِنَ البُخْلِ (٣)، بَلْ سَيِّدُكُمْ عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ" (٤).
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ وَالحَاكِمِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "سَيِّدُكُمْ بِشْرُ (٥) بنُ البَرَاءِ بنُ مَعْرُورٍ" (٦).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَيُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ الحَدِيثَيْنِ بِحَمْلِ قِصَّةِ بِشْرِ بنِ
_________________
(١) لأبَرَّه: أي لصدَقَه. انظر النهاية (١/ ١١٧).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر عمرو بن الجموح - رقم الحديث (٧٠٢٤).
(٣) يعني أي داءً أقبَحَ من البُخْلِ. انظر النهاية (٢/ ١٣٢).
(٤) أخرجه الإمام البخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (٢٩٦).
(٥) هو بِشْرُ بن البراء بن معرور الأنصاري الخزرجي من بني سَلِمَة، شهد العقبة وبدرًا وأُحدًا، ومات بخيبر حين افتتحها رَسُول اللَّهِ -ﷺ- سنة سبع من الهجرة من الأكْلَةِ التي أكَل مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ- من الشاة المَسْمُومة. انظر أسد الغابة (١/ ٢١١).
(٦) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٥٣٨) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر مناقب بشر بن البراء بن معرور -﵁- رقم الحديث (٥٠١٨).
[ ٢ / ٥٩٩ ]
البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ -﵁- عَلَى أَنَّهَا بَعْدَ قتلِ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ -﵁- (١).
* الأُصَيْرِمُ -﵁- دَخَلَ الجَنَّةَ وَلَمْ يُصَلِّ للَّهِ رَكْعَةً:
وَكَانَ عَمْرُو بنُ ثَابِتٍ -﵁- المَعْرُوفُ بِالأُصَيْرِمِ الأَنْصَارِيِّ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ يَأْبَى الإِسْلَامَ عِنْدَمَا قَدِمَ الرَّسُولُ -ﷺ- المَدِينَةَ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ-، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، قَذَفَ اللَّهُ الإِسْلَامَ في قَلْبِهِ لِلْحُسْنَى (٢) التِي سَبَقَتْ لَهُ مِنْهُ ﷾، فَأَسْلَمَ وَأَخَذَ سَيْفَهُ، وَلَحِقَ بِالرَّسُولِ -ﷺ-، فَقَاتَلَ فَأَثْبَتَتْهُ (٣) الجِرَاحُ، وَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ بِأَمْرِهِ، فَلَمَّا انْجَلَتِ (٤) الحَرْبُ، طَافَ بَنُو عَبْدِ الأَشْهَلِ في القَتْلَى؟ يَلْتَمِسُونَ قَتْلَاهُمْ، فَوَجَدُوا الأُصَيْرِمَ وَبِهِ رَمَقٌ (٥) يَسِيرٌ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا الأُصَيْرِمَ، مَا جَاءَ بِهِ؟ لَقَدْ كَانَ يَأْبَى عَلَيْنَا الإِسْلَامَ، ثُمَّ سَأَلُوهُ مَا الذِي جَاءَ بِكَ؟
أَحَدَبٌ (٦) عَلَى قَوْمِكَ، أَمْ رَغْبَةٌ في الإِسْلَامِ؟ فَقَالَ: بَلْ رَغْبَةً في الإِسْلَامِ،
_________________
(١) انظر فتح الباري (٥/ ٤٨٧).
(٢) المقصُود بالحسنى: الجنَّة، ومنه قوله تَعَالَى في سورة النساء آية (٩٥): ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (٢/ ٣٨٨): أي الجنَّة، والجزاء الجزيل.
(٣) أثبتَتْهُ الجِرَاح: إذا اشتدَّت عليه، فلم يستطع الحركة. انظر لسان العرب (٢/ ٨٠).
(٤) انجَلَت: أي انكشَفَتْ وانتهت. انظر النهاية (١/ ٢٨٠).
(٥) الرمقُ: بقيَّة الحياة. انظر لسان العرب (٥/ ٣١٨).
(٦) يُقال حَدِب عليه: إذا عطف وأشفق. انظر النهاية (١/ ٣٣٧).
[ ٢ / ٦٠٠ ]
آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَأَسْلَمْتُ، ثُمَّ قَاتَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، حَتَّى أَصَابَنِي مَا ترَوْنَ، وَمَاتَ في وَقْتِهِ، فَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ -ﷺ-: "إِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ".
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-: وَلَمْ يُصَلِّ للَّهِ صَلَاةً قَطُّ (١).
* المُجَدَّعُ (٢) عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ -﵁-:
قَالَ ابنُ الأَثِيرِ: كَانَ يُقَالُ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ -﵁-: المُجَدَّعُ في اللَّهِ (٣)، وَكَانَ ﵁ يَدْعُو اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَهُ الشَّهَادَةَ في أُحُدٍ بَعْدَ أَنْ يُجَدَّعَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ إِسْحَاقَ بنِ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ جَحْشٍ -﵁- قَالَ يَوْمَ أُحُدٍ: أَلَا تَأْتِي نَدْعُو اللَّهَ، فَخَلَوْا في نَاحِيَةٍ، فَدَعَا سَعْدٌ -﵁-، فَقَالَ: يَا رَبِّ إِذَا لَقِينَا القَوْمَ غَدًا فَلَقِّينِي رَجُلًا شَدِيدًا بَأْسُهُ، شَدِيدًا حَرَدُهُ (٤)، فَأُقَاتِلُهُ فِيكَ، وَيُقَاتِلُنِي ثُمَّ ارْزُقْنِي عَلَيْهِ الظَّفَرَ (٥) حَتَّى أَقْتُلَهُ، وَآخُذَ سَلَبَهُ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ -﵁-، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي غَدًا رَجُلًا شَدِيدًا حَرَدُهُ، شَدِيدًا بَأْسُهُ، أُقَاتِلُهُ فِيكَ، ويُقَاتِلُنِي ثُمَّ
_________________
(١) أخرج قِصَّة استشهاد الأُصيرم -﵁-: الإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (٢٣٦٣٤) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ١٠٠) - وإسناده حسن كما قال الحافظ في الإصابة (٤/ ٥٠٠).
(٢) الجَدْع: قطع الأنف والأذن، والشفة، وهو بالأنف أخَصُّ، يُقال: رجل أجدَعُ ومجدوعٌ: إذا كان مقطوع الأنف. انظر النهاية (١/ ٢٣٩).
(٣) انظر أسد الغابة (٢/ ٥٦٦).
(٤) الحَرْدُ: الغيظُ والغضب. انظر لسان العرب (٣/ ١١٠).
(٥) الظَّفَرُ بالفتح: الفوز بالمطلوب. انظر لسان العرب (٨/ ٢٥٥).
[ ٢ / ٦٠١ ]
يَأْخُذُنِي فَيَجْدَعَ أَنْفِي وَأُذُنِي، فَإِذَا لَقِيتُكَ غَدًا قُلْتَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ فِيمَ جُدِعَ أنْفُكَ وَأُذُنُكَ؟ فَأَقُولَ: فِيكَ وَفِي رَسُولكَ، فَيَقُولَ: صَدَقْتَ.
قَالَ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁-: يَا بَنِيَّ كَانَتْ دَعْوَةُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ خَيْرًا مِنْ دَعْوَتِي، لَقَدْ رَأَيْتُهُ آخِرَ النَّهَارِ، وَإِنَّ أُذُنَهُ وَأَنْفَهُ لَمُعَلَّقَاتٍ في خَيْطٍ (١).
هَذِهِ صُورَةٌ لِلرُّجُولَةِ الفَارِعَةِ (٢) التِي اصْطَدَمَ بِهَا الكُفْرُ أَوَّلَ المَعْرَكَةِ وَآخِرَهَا، فَمَادَ (٣) أَمَامَهَا، وَاضْطَرَبَتْ مِنْ تَحْتِ أَقْدَامِهِ الأَرْضُ، فَمَا رَبِحَ شَيْئًا في بِدَايَةِ القِتَالِ، وَلَا انتفَعَ بِمَا رَبِحَ آخِرَهُ. . . مَنْ سِرُّ هَذَا الإِلْهَامِ؟ مَنْ مُشْرِقُ هَذَا الضِّيَاءَ؟ مَنْ مُبْعِثُ هَذَا الِاقْتِدَارِ؟ إِنَّهُ مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-! إِنَّهُ هُوَ الذِي رَبَّى ذَلِكُمُ الجِيلَ الفَذَّ، وَمِنْ قَلْبِهِ الكَبِيرِ أُتْرِعَتْ (٤) هَذِهِ القُلُوبُ تَفَانِيًا في اللَّهِ، وَإِيثَارًا لِمَا عِنْدَهُ (٥).
* مَقْتَلُ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ -﵁-:
وَسَعْدُ بنُ الرَّبِيعِ -﵁- هُوَ الذِي آخَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ -﵁-، وَكَانَ -﵁- مِنْ أَغْنِيَاءَ الأَنْصَارِ، وَقِصَّتُهُ مَشْهُورَةٌ في
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك صححه - كتاب الجهاد - باب من سأل اللَّه القتل من عند نفسه - رقم الحديث (٢٤٥٦) - وأورده الحافظ في الفتح (٦/ ٣٧٨) وصحح إسناده.
(٢) الفارعَةُ: العالية. انظر لسان العرب (١٠/ ٢٣٨).
(٣) مادَ: زاغَ. انظر لسان العرب (١٣/ ٢٢٩).
(٤) ترع: امتلأَ. انظر لسان العرب (٢/ ٢٩).
(٥) انظر فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٢٦٣.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
تَقْسِيمِ مَالِهِ نِصْفَيْنِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ -﵁- وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِيمَا تَقَدَّمَ-، وَقَدْ قُتِلَ -﵁- يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ زَيْدِ بنِ ثَابِتٍ -﵁- قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، يَوْمَ أُحُدٍ لِطَلَبِ سَعْدِ بنِ الرَّبِيعِ، وَقَالَ لِي: "إِنْ رَأَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنِّي السَّلَامَ، وَقُلْ لَهُ: يَقُولُ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ كيْفَ تَجِدُكَ؟ ".
قَالَ زَيْدٌ: فَجَعَلْتُ أَطُوفُ بَيْنَ القَتْلَى، فَأَصَبْتُهُ وَهُوَ في آخِرِ رَمَقٍ، وَبِهِ سَبْعُونَ ضَرْبَةً مَا بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، وَضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا سَعْدُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُقْرِئُ عَلَيْكَ السَّلَامَ، وَيَقُولُ لَكَ: "أَخْبِرْنِي كيْفَ تَجِدُكَ؟ ".
قَالَ -﵁-: عَلَى رَسُولِ اللَّهِ السَّلَامُ، وَعَلَيْكَ السَّلَامُ، قُلْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجِدُنِي أَجِدُ رِيحَ الجَنَّةِ، وَقُلْ لِقَوْمِيَ الأَنْصَارِ:
لَا عُذْرَ لَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَنْ يُخْلَصَ (١) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَفِيكُمْ شُفْرٌ (٢) يَطْرِفُ.
قَالَ زَيْدٌ: وَفَاضَتْ نَفْسُهُ ﵀ (٣).
_________________
(١) يُقال: خلص فلان إلى فلان: أي وصَل إليه. انظر النهاية (٢/ ٥٩).
(٢) الشُّفْرُ بالضم، وقد تفتح: حرفُ جَفْنِ العينِ الَّذي ينبتُ عليه الشعر. انظر النهاية (٢/ ٤٣٣).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب شهادة سعد بن الربيع -﵁- رقم الحديث (٤٩٥٨) - والإمام مالك في الموطأ - كتاب الجهاد - باب الترغيب في الجهاد - رقم الحديث (٤١).
[ ٢ / ٦٠٣ ]
* المُنْتَحِرُ في النَّارِ:
مِمَّنْ قَاتَلَ يَوْمَ أُحُدٍ حَمِيَّةً، وَلَيْسَ بِنِيَّةِ الجِهَادِ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَكَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ قُزْمَانُ (١)، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ عَنْ عَاصِمِ بنِ عُمَرَ بنِ قتَادَةَ قَالَ: كَانَ فِينَا رَجُلٌ غَرِيبٌ، لَا يُدْرَى مِمَّنْ هُوَ، يُقَالُ لَهُ قُزْمَانُ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: إِذَا ذُكِرَ لَهُ: "إِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَتَلَ وَحْدَهُ ثَمَانِيَةً أَوْ سَبْعَةً مِنَ المُشْرِكِينَ، وَكَانَ ذَا بَأْسٍ، فَأَثْبَتَتْهُ الجِرَاحُ، فَجَعَلَ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، يَقُولُونَ لَهُ: وَاللَّهِ لَقَدْ أَبْلَيْتَ اليَوْمَ يَا قُزْمَانُ، فَأَبْشِرْ، قَالَ: بِمَاذَا أُبَشَّرُ؟ فَوَاللَّهِ إِنْ قَاتَلْتُ إِلَّا عَنْ أَحْسَابِ قَوْمِي، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا قَاتَلْتُ، فَلَمَّا اشْتَدَّتْ عَلَيْهِ جِرَاحَتُهُ أَخَذَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَقتَلَ بِهِ نَفْسَهُ (٢).
* حَدِيثٌ في التَّرْهِيبِ مِنَ الِانْتِحَارِ:
قُلْتُ: جَاءَتِ الأَحَادِيثُ الكَثِيرَةُ في التَّرْهِيبِ مِنْ أَنْ يَقْتُلَ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ،
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٢٤٦): قُزْمَان: بضم القاف وسكون الزاي.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٩٩). وأخرج البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٠٣) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه - رقم الحديث (١١٢) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٨١٣) قصة شيبة بقصة قُزمان لكنه لم يسم الرجل الَّذي قتل نفسه - وقيدها الإمام البخاري في غزوة خيبر، لكنه أيضًا لم يسم الرجل الَّذي قتل نفسه.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
وَمَنْ قتَلَهَا فَسَيَكُونُ مَصِيرُهُ النَّارَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَال رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ في نَارِ جَهَنَّمَ يَترَدَّى فِيهِ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا؛ لدًا، وَمَنْ تَحَسَّى (١) سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ في يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبدًا، وَمَنْ قتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ في يَدِهِ يَجَأُ (٢) بِهَا في بَطْنِهِ في نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا" (٣).
* المَنْحُورُ أَبُو رُهْمٍ الغِفَارِيُّ -﵁-:
مِمَّنْ أَبْلَى بَلَاءً حَسَنًا يَوْمَ أُحُدٍ أَبُو رُهْمٍ كُلْثُومُ بنُ الحُصيْنِ الغِفَارِيُّ -﵁-، فَقَدْ رُمِيَ يَوْمَئِذٍ بِسَهْمٍ فَوَقَعَ في نَحْرِهِ (٤)، فَجَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَبَسَقَ (٥) عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَبَرِئَ، فَكَانَ أَبُو رُهْمٍ يُسَمَّى المَنْحُورَ (٦).
* البَطَلُ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁-:
وَقَاتَلَ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- قِتَالًا شَدِيدًا في هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ،
_________________
(١) تَحَسَّى: أي شرب. انظر لسان العرب (٣/ ١٨١).
(٢) قال الحافظ في الفتح (١١/ ٤١٦): يَجَأُ بفتح أوله: أي يُطعن بها.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الطب - باب شرب السم - رقم الحديث (٥٧٧٨) - وأخرجه مسلم - كتاب الإيمان - باب غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه - رقم الحديث (١٠٩) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٠١٩٥).
(٤) النحْرُ: أعلى الصدر. انظر النهاية (٥/ ٢٣).
(٥) بسَق: أي بزق وبصق. انظر النهاية (١/ ١٢٨).
(٦) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٤/ ٤٤٢).
[ ٢ / ٦٠٥ ]
حَتَّى إِنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- مِنْ شِدَّةِ إِعْجَابِهِ بِسَعْدٍ -﵁- يَوْمَ أُحُدٍ، فَدَّاهُ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِأَحَدٍ إِلَّا لِسَعْدِ بنِ مَالِكٍ، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ يَوْمَ أُحُدٍ: "يَا سَعْدُ ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي" (١).
* هَذَا الحَصْرُ فِيهِ نَظَرٌ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَصْرِ -أَيْ حَصْرِ عَلِيٍّ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَا قَالَ لِأَحَدٍ فِدَاكَ أَبِي وَأُمِّي إِلَّا لِسَعْدٍ- نَظَرٌ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ في صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- جَمَعَ أَبَوَيْهِ لِلزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ -﵁- يَوْمَ الخَنْدَقِ (٢)، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ عَلِيًّا -﵁- لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى ذَلِكَ، أَوْ مُرَادُهُ بِذَلِكَ بِقَيْدِ يَوْمِ أُحُدٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣).
* شِدَّةُ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الأَسَدِ -﵁-:
وَقَاتَلَ أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الأَسَدِ -﵁- زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ هِنْدِ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّة رَضِيَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ - رقم الحديث (٤٠٥٩) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب في فضل سعد بن أبي وقاص -﵁- رقم الحديث (٢٤١١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٠٩).
(٢) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الفضائل - باب مناقب الزبير بن العوام -﵁- رقم الحديث (٣٧٢٠). قلتُ: سيأتي ذكر ذلك في غزوة الخندق، إن شاء اللَّه.
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٤٥٠).
[ ٢ / ٦٠٦ ]
اللَّهُ عَنْهُمَا، فَجُرِحَ يَوْمَ أُحُدٍ في عَضُدِهِ (١)، فَمَكَثَ شَهْرًا يُدَاوِيهِ فَبَرِئَ، وَقَدْ انْدَمَلَ الجُرْحُ (٢) عَلَى بَغْيٍ لَا يَعْرِفُهُ (٣)، وَمَاتَ -﵁- بَعْدَ أُحُدٍ، كَمَا سَيَأْتِي (٤).
* مَقْتَلُ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ:
وَمِمَّنْ قَاتَلَ قِتَالًا شَدِيدًا في أُحُدٍ رَافِعُ بنُ خَدِيجٍ -﵁-، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ، وَالطَّيَالِسِيُّ في مُسْنَدَيْهِمَا بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ امْرَأَةِ رَافِعِ بنِ خَدِيجٍ -﵁- قَالَتْ: أَنَّ رَافِعًا رُمِيَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ أُحُدٍ بِسَهْمٍ في ثُنْدُوَتِهِ (٥)، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، انْزَعِ السَّهْمَ، قَالَ: "يَا رَافِعُ، إِنْ شِئْتَ نَزَعْتُ السَّهْمَ وَالقُطْبَةَ (٦) جَمِيعًا، وَإِنْ شِئْتَ نَزَعْتُ السَّهْمَ، وَتَرَكتُ القُطْبَةَ، وَشَهِدْتُ لَكَ يَوْمَ القِيَامَةِ أَنَّكَ شَهِيدٌ"، قَالَ رَافِعٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلِ انْزَعِ السَّهْمَ، وَدعَ القُطْبَةَ، وَاشْهَدْ لِي يَوْمَ القِيَامَةِ أَنِّي شَهِيدٌ، قَالَ: فنَزَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- السَّهْمَ، وَتَرَكَ القُطْبَةَ (٧).
وَظَلَّ رَافِعُ بنُ خَدِيجٍ -﵁- لَا يُحِسُّ بِشَيْءٍ إِلَى أَنِ انْتَفَضَ جُرْحُهُ فَمَاتَ،
_________________
(١) العضُدُ: ما بين الكتف والمرفق. انظر النهاية (٣/ ٢٢٨).
(٢) اندَمَل الجرح: إذا صَلُحَ. انظر النهاية (٢/ ١٢٥).
(٣) اندمَلَ جرحُهُ علي بغْيٍ لا يعرفه: أي انخَتَمَ علي فسادٍ ولم يَعلم به. انظر النهاية (٢/ ١٢٥).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٣/ ١٢٨).
(٥) الثُنْدُوة: اللحم الَّذي حول الثدوي، انظر لسان العرب (٢/ ١٣٤).
(٦) القُطْبَةُ: نصل السهم. انظر النهاية (٤/ ٧٠).
(٧) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧١٢٨) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٠٠٤) - والحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٦٤٣٩).
[ ٢ / ٦٠٧ ]
وَذَلِكَ في خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ -﵁- (١).
* يَوْمُ أُحُدٍ كُلُّهُ لِطَلْحَةَ -﵁-:
أَمَّا طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ -﵁- فَقَدْ أَبْلَى -﵁- بَلَاءً عَظِيمًا يَوْمَ أُحُدٍ، وَوَقَى رَسُولَ اللَّهِ -﵁- بِنَفْسِهِ، وَاتَّقَى عَنْهُ النَّبْلَ بِيَدِهِ حَتَّى شُلَّتْ، كَمَا سَيَأْتِي.
رَوَى التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُوسَى وَعِيسَى ابْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِيهِمَا، أَنَّ أصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالُوا لِأَعْرَابِيٍّ جَاهِلٍ: سَلْهُ (٢) عَمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ (٣) مَنْ هُوَ؟ وَكَانُوا لَا يَجْتَرِئُونَ عَلَى مَسْأَلتِهِ، يُوَقِّرُونَهُ وَيَهَابُونَهُ، فَسَأَلَهُ الأَعْرَابِيُّ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ سَأَلهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ.
قَالَ طَلْحَةُ: ثُمِّ إِنِّي اطَّلَعْتُ مِنْ بَابِ المَسْجِدِ، وَعَلَيَّ ثِيَابٌ خُضْرٌ، فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "أَيْنَ السَّائِلُ عَمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ؟ "، قَالَ الأَعْرَابِيُّ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ -ﷺ-: "هَذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ" (٤).
_________________
(١) انظر الإصابة (٢/ ٣٦٤).
(٢) أي اسأل رسول اللَّه -ﷺ-.
(٣) النَّحْبُ: النذْرُ، كأنه ألزمَ نفسه أن يَصْدُق أعداء اللَّه في الحرب فوفى به. وقيل: النحبُ: الموتُ، كأنه يُلْزِم نفسه أن يُقاتل حَتَّى يموت. انظر النهاية (٥/ ٢٣).
(٤) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب مناقب طلحة بن عبيد اللَّه - رقم الحديث (٣٧٥١).
[ ٢ / ٦٠٨ ]
* شِدَّةُ وَشَجَاعَةُ حَمْزَةَ -﵁-:
كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ قِتَالًا يَوْمَ أُحُدٍ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁-، فَإِنَّهُ أَخَذَ يَهُدُّ الكَافِرِينَ هَدًّا.
فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ وَحْشِيِّ بنِ حَرْبٍ قَاتِلِ حَمْزَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ إِلَى القِتَالِ فَلَمَّا اصْطَفُّوا لِلْقِتَالِ خَرَجَ سِبَاعُ بنُ عَبْدِ العُزَّى الخُزَاعِيُّ، فَقَالَ: هَلْ مِنْ مُبَارِزٍ؟
قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيْهِ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁-، فَقَالَ: يَا سِبَاعُ يَا ابْنَ أُمِّ أَنْمَارٍ مُقَطِّعَةِ البُظُورِ (١) أَتُحَادُّ (٢) اللَّهَ وَرَسُولَهُ -ﷺ-؟
قَالَ: ثُمَّ شَدَّ (٣) عَلَيْهِ، فَكَانَ كَأَمْسِ الذَّاهِبِ (٤).
* قِصَّةُ الرَّجُلِ الذِي أَلْقَى الثَّمَرَاتِ:
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- يَوْمَ أُحُدٍ: أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ، فَأَيْنَ أَنَا؟ .
_________________
(١) البُظُور: جمع بَظْرٍ، وهي اللحمة التي تقطع من فرج المرأة عند الختان، ودعاهُ بذلك؛ لأن أمه كانت تختِنُ النساء. انظر فتح الباري (٧/ ١١٨) - النهاية (١/ ١٣٧).
(٢) المُحَادَّاة: المُعَاداةُ والمُخَالفَة. انظر النهاية (١/ ٣٤٠).
(٣) شَدَّ في العدو: أي أسرَعَ وعَدَا. انظر لسان العرب (٧/ ٥٥).
(٤) قوله: كأمس الذاهب: قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٧/ ١١٨): هي كنايةٌ عن قتلِهِ أي صَيَّره عَدَمًا، وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (٣/ ٧٨) قال: فكأنما أخطَأَ رأسَهُ، وهذا يُقال عند المبالغة في الإصابة. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قتل حمزة بن عبد المطلب -﵁- رقم الحديث (٤٠٧٢).
[ ٢ / ٦٠٩ ]
فَقَالَ -ﷺ-: "في الجَنَّةِ"، فَأَلقى تَمَرَاتٍ في يَدِهِ، ثُمَّ قَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ (١).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ، وَزَعَمَ ابْنُ بِشْكُوَالَ أَنَّهُ عُمَيْرُ بنُ الحُمَامِ، وَسَبَقَهُ إِلَى ذَلِكَ الخَطِيبُ، وَاحْتَجَّ بِمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ -﵁-: أَنَّ عُمَيْرَ بنَ الحُمَامِ -﵁- أَخْرَجَ تَمَرَاتٍ، فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حيِيتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ، إِنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ (٢).
لَكِنْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ في حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ، وَالقِصَّةُ التِي في البَابِ وَقَعَ التَّصْرِيحُ في حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهَا كَانَتْ يَوْمَ أُحُدٍ، فَالذِي يَظْهَرُ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ وَقَعَتَا لِرَجُلَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣).
* أَمْهَرُ الرُّمَاةِ أَبُو طَلْحَةَ (٤) الأَنْصَارِيُّ -﵁-:
وَقَاتَلَ أَبُو طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ -﵁- قِتَالًا عَظِيمًا يَوْمَ أُحُدٍ، وَكَانَ مِنْ أَمْهَرِ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب المغازي - باب غزوة أُحد - رقم الحديث (٤٠٤٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب ثبوت الجنة للشهيد - رقم الحديث (١٨٩٩) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٣١٤).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب ثبوت الجنة للشهيد - رقم الحديث (١٩٠١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٣٩٨).
(٣) انظر فتح الباري (٨/ ٩٩).
(٤) هو أبو طلحة الأنصاري، واسمه زيدُ بن سهل الخزرجي، من بني النجار أخوال النبي -ﷺ-، وهو أحد أعيانِ البدريين، وهو زوجُ أمِّ سُليم والدة أنس ﵄، وآخي رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بينه وبين أبي عبيدةَ بن الجراح، مات -﵁- سنة خمسين أو سنة إحدى وخمسين. انظر أسد الغابة (٢/ ٢٤٦).
[ ٢ / ٦١٠ ]
الرُّمَاةِ فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ -ﷺ- مُجَوِّبٌ (١) عَلَيْهِ، بِحَجَفَةٍ (٢) لَهُ، وَكانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ (٣)، كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْن أَوْ ثَلَاثًا (٤).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعْجَبُ بِشَجَاعَةِ أَبِي طَلْحَةَ -﵁-، حَتَّى إِنَّهُ قَالَ -ﷺ-: "لَصَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ أَشَدُّ عَلَى المُشْرِكينَ مِنْ فِئَةٍ" (٥).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في المُسْنَدِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "صَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ في الجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ فِئَةٍ" (٦)، قَالَ: وَكَانَ يَجْثُو (٧) بَيْنَ يَدَيْهِ
_________________
(١) مُجَوِّبٌ: بضم أوله وفتح الجيم وتشديد الواو: أي مُتَرّس عليه يَقِيه بها، ويُقال للتّرس أيضًا جوبة. انظر فتح الباري (٨/ ١٠٨) - النهاية (١/ ٣٠٠).
(٢) الحَجَفَةُ: هي الترس. انظر النهاية (١/ ٣٣٣).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٨/ ١٠٩): شَدِيدُ النزْعِ: أي رميُ السهم.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ - رقم الحديث (٤٠٦٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب السير - باب غزوة النساء مع الرجال - رقم الحديث (١٨١١) - وأخرجه الإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (١٢٠٢٤).
(٥) الفِئَةُ: هي الفِرْقَةُ والجماعَةُ من الناس. انظر النهاية (٣/ ٣٦٤). والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣١٠٥) - وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(٦) قوله -ﷺ-: "خيرٌ من فئة": قال السندي رحمه اللَّه تعالى في شرح المسند (٧/ ١٣٥): أي أهيبُ في صدورِ العدوِّ من فئة.
(٧) الجَاثِي: هو الَّذي يجلسُ علي ركبتَيْهِ. انظر لسان العرب (٢/ ١٨٠). =
[ ٢ / ٦١١ ]
فِي الحَرْبِ ثُمَّ يَنْثُرُ كِنَانَتَهُ، وَيَقُولُ: وَجْهِي لِوَجْهِكَ الوِقَاءُ، وَنَفْسِي لِنَفْسِكَ الفِدَاءُ (١).
* مُخَيْرِيقٌ (٢) خَيْرُ يَهُودٍ:
مِمَّنْ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ رَجُلٌ اسْمُهُ مُخَيْرِيقُ، وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ يَهُودٍ، فَإِنَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ ذَهَبَ إِلَى يَهُودٍ، وَقَالَ لَهُمْ: يَا مَعْشَرَ يَهُودٍ، وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ نَصْرَ مُحَمَّدٍ عَلَيْكُمْ لَحَقٌّ، قَالُوا: إِنَّ اليَوْمَ يَوْمُ السَّبْتِ، قَالَ: لَا سَبْتَ لَكُمْ، فَأَخَذَ سَيْفَهُ وَعُدَّتَهُ، وَقَالَ: إِنْ أُصِبْتُ فَمَالِي لِمُحَمَّدٍ، يَصْنَعُ فِيهِ مَا يَشَاءُ، ثُمَّ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَاتَلَ مَعَهُ حَتَّى قُتِلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مُخَيْرِيقٌ خَيْرُ يَهُودٍ" (٣).
وَكَانَ مُخَيْرِيقٌ أَوْصَى بِأَمْوَالِهِ إِلَى رَسُولِهِ -ﷺ-، فَقَدْ رَوَى عُمَرُ بنُ شَبَّةَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوْنٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: كَانَتْ صَدَقَةُ النَّبِيِّ -ﷺ- بِالمَدِينَةِ أَمْوَالًا لِمُخَيْرِيقَ، وَكَانَ يَهُودِيًّا مِنْ بَقَايَا بَنِي قَيْنُقَاعَ، نَازِلًا بِبَنِي النَّضِيرِ، فَشَهِدَ أُحُدًا فَقُتِلَ فِيهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "مُخَيْرِيقٌ سَابِقُ يَهُودٍ"، وَأَوْصَى
_________________
(١) = ومنه قوله تَعَالَى في سورة الجاثية آية (٢٨): ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرِ في تفسيره (٧/ ٢٧١): أي علي رُكَبِها من الشدة والعظمة.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٧٤٥) - والحديث صحيح.
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٦/ ٣٢٣): مُخَيْرِيق: بضم الميم، مصغرًا.
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٩٩) - الإصابة (٦/ ٤٦).
[ ٢ / ٦١٢ ]
مُخَيْرِيقٌ بِأَمْوَالِهِ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- (١).
* انْتِصَارُ المُسْلِمِينَ السَّاحِقُ وَدَوْرُ الرُّمَاةِ:
وَهَكَذَا دَارَتْ رَحَا (٢) الحَرْبِ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ نَصْرَهُ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَصَدَقَهُمْ وَعْدَهُ، فَحَسُّوهُمْ (٣) بِالسُّيُوفِ، وَوَلَّتْ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ لَا يَلْوُونَ (٤) عَلَى شَيْءٍ، وَكَانَتِ الهَزِيمَةُ التِي لَا شَكَّ فِيهَا، وَسَيْطَرَ المُسْلِمُونَ عَلَى أَرْضِ المَعْرَكَةِ سَيْطَرَةً تَامَّةً، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ (٥).
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ -﵁- قَالَ: . . . فَهَزَمُوهُمْ، فَأَنَا وَاللَّهِ رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْدُدْنَ، قَدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ (٦) وَأَسْوَاقُهُنَّ (٧)، رَافِعَاتٍ ثِيَابَهُنَّ (٨).
_________________
(١) أورد ذلك الحافظ في الفتح (٦/ ٣٢٣) - وسكت عليه.
(٢) يُقال: دارتْ رَحَا الحربِ: إذا قامت على سَاقها. انظر النهاية (٢/ ١٩٣).
(٣) حَسُّوهم بالسيوفِ: أي استأصَلُوهُم قتلًا. انظر النهاية (١/ ٣٧٠).
(٤) لا يَلْوُون: أي لا يلتَفِتُون. انظر النهاية (٤/ ٢٣٩).
(٥) سورة آل عمران آية (١٥٢).
(٦) الخَلْخَالُ: نوعٌ من أنواعِ الحُليِّ تلبسُهُ المرأةُ في ساقِهَا. انظر لسان العرب (٤/ ٢٠٥).
(٧) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٩٣): أسواقُهُنَّ: جمعُ سَاقي، وسبب رفعهن ثِيَابهُنَّ ليُعِينَهُنَّ ذلك على سرعَةِ الهرب.
(٨) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب - رقم الحديث (٣٠٣٩) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب غزوة أُحد - رقم الحديث (٤٠٤٣).
[ ٢ / ٦١٣ ]
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: هُزِمَ المُشْرِكُونَ يَوْمَ أُحُدٍ هَزِيمَةً تُعْرَفُ فِيهِمْ (١).
وَفِي رِوَايَةِ ابنِ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ قَالَ الزُّبَيْرُ -﵁-: وَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي أَنْظُرُ إِلَى خَدَمِ (٢) هِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ، وَصَوَاحِبَاتِهَا مُشَمِّرَاتٍ هَوَارِبَ (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عُتْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ قَالَ: مَا نُصِرَ النَّبِيُّ -ﷺ- في مَوْطِنٍ كَمَا نُصِرَ يَوْمَ أُحُدٍ.
قَالَ: فَأَنْكَرْنَا ذَلِكَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ كِتَابُ اللَّهِ ﷿، إِنَّ اللَّهَ ﷿ يَقُولُ في يَوْمِ أُحُدٍ: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ " (٤).
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: وَالحَسُّ: القَتْلُ (٥).
* مُطَارَدَةُ الصَّحَابَةِ لِلْمُشْرِكِينَ:
وَبَدَأَ الصَّحَابَةُ ﵃ بَعْدَ هَذَا الِانْتِصَارِ العَظِيمِ يَتْبَعُونَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب الأيمان والنذور - باب قوله تَعَالَى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ - رقم الحديث (٦٦٦٨).
(٢) الخَدَمُ: جمع خَدَمَة، وهو الخَلْخَال. انظر النهاية (٢/ ١٥).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٨٦) - وإسناده صحيح.
(٤) سورة آل عمران آية (١٥٢).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٠٩) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب قصة غزوة أُحد - رقم الحديث (٣٢١٧).
[ ٢ / ٦١٤ ]
المُشْرِكِينَ، وَيَجْمَعُونَ الغَنَائِمَ، وَقَدْ كَانَ لِلرُّمَاةِ دَوْرٌ بَارِزٌ في هَذَا النَّصْرِ المُؤَزَّرِ، فَقَدْ حَمَلَتْ (١) خَيْلُ المُشْرِكِينَ بِقِيَادَةِ خَالِدِ بنِ الوَليدِ -﵁- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ عَلَى المُسْلِمِينَ، لِيُحْدِثُوا البَلْبَلَةَ وَالِاضْطِرَابَ في صُفُوفِهِمْ، لَكِنْ دُونَ جَدْوَى بِسَبَبَ نَضْحِ (٢) الرُّمَاةِ عَلَيْهِمْ بِالنَّبْلِ، حَتَّى رَجَعَتْ خَيْلُهُمْ مَغْلُوبَةً، وَفَشِلَتْ هَجَمَاتُهُمُ الثَّلَاثُ (٣).
* مُخَالفَةُ الرُّمَاةِ أَمْرَ الرَسُولِ -ﷺ-:
وَبَيْنَمَا المُسْلِمُونَ يَتْبَعُونَ المُشْرِكِينَ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ، وَيَجْمَعُونَ الغَنَائِمَ، وَإِذْ بِالرُّمَاةِ الذِينَ وَضَعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الجَبَلِ يَتْرُكُونَ أَمَاكِنَهُمْ.
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءَ بنِ عَازِبٍ -﵁- قَالَ: . . . فَهَزَمُوهُمْ، . . . فَقَالَ أَصحَابُ ابْنِ جُبَيْرٍ: الغَنِيمَةَ أَيْ قَوْمِ الغَنِيمَةَ، ظَهَرَ (٤) أَصْحَابُكُمْ فَمَا تَنتظِرُونَ؟ .
فَقَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جُبَيْرٍ -﵁-: أَنَسِيتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (٥)؟ .
_________________
(١) حَمَلَ: أي جهد. انظر لسان العرب (٣/ ٣٣٦).
(٢) يُقال نضحوهم بالنبل: إذا رموهم. انظر النهاية (٥/ ٦٠).
(٣) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٢١٠).
(٤) ظهَرَ: غلَبَ. انظر النهاية (٣/ ١٥٢).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسَّيَر - باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب - رقم الحديث (٣٠٣٩).
[ ٢ / ٦١٥ ]
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنِ الْبَرَاءَ بنِ عَازِبٍ -﵁- قَالَ: . . . قَالَ لَهُمْ عَبْدُ اللَّهُ بنُ جُبَيْرٍ -﵁-: عَهِدَ إِلَيَّ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ لَا تَبْرَحُوا (١).
فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَنَأْتِيَنَّ النَّاسَ، فَلَنُصِيبَنَّ مِنَ الغَنِيمَةِ (٢).
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ في المُسْنَدِ وَالحَاكِمِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: . . . فَلَمَّا غَنِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَأَبَاحُوا (٣) عَسْكَرَ المُشْرِكِينَ، أَكَبَّ (٤) الرُّمَاةُ جَمِيعًا (٥)، فَدَخَلُوا في العَسْكَرِ يَنْهَبُونَ (٦).
وَتَرَكَ أَغْلَبُ الرُّمَاةِ الخَمْسِينَ أَمَاكِنَهُمْ التِي أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ لَا يَتْرُكُوهَا، وَخَلَّوْا ظُهُورَ المُسْلِمِينَ لِلْعَدُوِّ، وَثَبَتَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جُبَيْرٍ -﵁- في مَكَانِهِ وَثَبَتَ مَعَهُ نَفَرٌ مَا يَبْلُغُونَ العَشَرَةَ (٧).
_________________
(١) برَحَ مكانَهُ: زالَ عنه. انظر لسان العرب (١/ ٣٦١). والخبر أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة أُحد - رقم الحديث (٤٠٤٣).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب - رقم الحديث (٣٠٣٩) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٥٩٣).
(٣) استباحُوهم: أي استأصَلُوهُم. انظر لسان العرب (١/ ٥٣٤).
(٤) أكبَّ علي الشيءِ: أقبلَ عليه ولزِمَه. انظر لسان العرب (١٢/ ٨).
(٥) قلتُ: يُفهم من كلام ابن عباس ﵄: أن كُلَّ الرماة نزَلُوا عن الجبل؛ ليأخُذُوا الغنائم، وهو صحيحٌ إلا عدد قليل لا يتجاوز العشرة.
(٦) النَّهب: الغارَة والسَّلَب. انظر لسان العرب (١٤/ ٢٩٩). والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٠٩) - والحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب غزوة أُحد - رقم الحديث (٣٢١٧).
(٧) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٨٦) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٣/ ٢٤٩).
[ ٢ / ٦١٦ ]
وَفِيهِمْ نَزَلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ (١) مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا (٢) وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ (٣)﴾ (٤).
وَالقُرْآنُ يُسَلِّطُ الضَّوْءَ عَلَى خَفَايَا القُلُوبِ، التِي مَا كَانَ المُسْلِمُونَ أَنْفُسُهُمْ يَعْرِفُونَ وُجُودَهَا في قُلُوبِهِمْ (٥).
فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ -﵁- يَقُولُ: فَلَوْ حَلَفْتُ يَوْمَئِذٍ رَجَوْتُ أَنْ أَبَرَّ، إِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَّا يُرِيدُ الدُّنْيَا، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ (٦).
وَبِذَلِكَ يَضَعُ قُلُوبَهُمْ أَمَامَهُمْ مَكْشُوفَةً بِمَا فِيهَا، وَيُعَرِّفُهُمْ مِنْ أَيْنَ جَاءَتْهُمُ الهَزِيمَةُ لِيَتَّقُوهَا (٧).
_________________
(١) قال البراء بن عازب -﵁- في تفسير هذه الآية، كما رواه عنه الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح - رقم الحديث (١٨٦٠٠): أي عصيتُمْ الرسول -ﷺ- من بعد ما أرَاكم الغَنَامْ وهزيمَةَ العدو.
(٢) قال الإمام القرطبي في تفسيره (٥/ ٣٦٣): أي الغنيمة.
(٣) قال الإمام القرطبي في تفسيره (٥/ ٣٦٣): هم الذين ثبتوا في مراكِزِهِم، ولم يُخَالفوا أمر نبيهم -ﷺ- مع أمِيرِهم عبد اللَّه بن جبير -﵁-.
(٤) سورة آل عمران آية (١٥٢).
(٥) انظر في ظلال القرآن (١/ ٤٩٤).
(٦) أخرج هذا الأثر عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁-: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٤١٤) - وإسناده حسن لغيره.
(٧) انظر في ظلال القرآن (١/ ٤٩٤).
[ ٢ / ٦١٧ ]
* خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ -﵁- يَلْتَفُّ مِنْ وَرَاءِ المُسْلِمِينَ:
وَانتهَزَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ -﵁- هَذِهِ الفُرْصَةَ الذَّهَبِيَّةَ، فَاسْتَدَارَ بِسُرْعَةٍ خَاطِفَةٍ، حَتَّى وَصَلَ إِلَى مُؤَخِّرَةِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ أَبَادَ عَبْدَ اللَّهَ بنَ جُبَيْرٍ -﵁- (١) وَأَصْحَابَهُ، ثُمَّ انْقَضَّ عَلَى المُسْلِمِينَ مِنْ خَلْفِهِمْ، وَصَاحَ فُرْسَاُنهُ صَيْحَةً عَالِيَةً عَرَفَ المُشْرِكُونَ المُنْهَزِمُونَ أَنَّ خَيْلَهُمْ تُقَاتِلُ وَتُنَادِي، فَأَقْبَلُوا، وَأَسْرَعَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُمْ هِيَ: عَمْرَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ الحَارِثِيَّةُ، فَرَفَعَتْ لِوَاءَ المُشْرِكِينَ المَطْرُوحَ عَلَى الأَرْضِ، فَاجْتَمَعَ حَوْلَهُ المُشْرِكُونَ، وَتَنَادَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا، حَتَّى اجْتَمَعُوا عَلَى المُسْلِمِينَ، وَأُحِيطَ بِهِمْ مِنَ الأَمَامِ وَالخَلْفِ (٢).
* اضْطِرَابُ المُسْلِمِينَ وَنُزُولُ القَتْلِ فِيهِمْ:
فَلَمَّا وَقَعَ المُسْلِمُونَ فِي هَذَا التَّطْوِيقِ مِنْ قِبَلِ المُشْرِكِينَ، حَدَثَتْ فَوْضَى عَارِمَةٌ في صُفُوفِهِمْ، وَانْفَلَتَ الزِّمَامُ، وَضَاعَ النِّظَامُ، لَقَدْ تَحَوَّلَ جَيْشُ المُسْلِمِينَ إِلَى شَبَكَةٍ لَا يُعْرَفُ لَهَا أَوَّلٌ وَلَا آخِر، تِلْكَ الصُّفُوفُ المُنَظَّمَةُ التِي كَانَتْ تُقَاتِلُ كَبُنْيَانٍ مَرْصُوصٍ، حَوَّلَهَا الرُّمَاةُ بِمُخَالفَتِهِمْ أَمْرَ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى شَيْءٍ كَالفَوْضَى.
_________________
(١) في رواية ابن سعد في طبقاته (٣/ ٢٥٠): . . . ورمى عبد اللَّه بن جُبَير -﵁- حَتَّى فَنِيَتْ نبله، ثم طَاعَنَ بالرمح حَتَّى انكَسَر، ثم كُسِر جفنُ سيفه، فقاتلهم حَتَّى قُتِل، فلمَّا وقع جرَّدُوه، ومثلوا به أقْبَحَ المثل.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٨٧) - الرحيق المختوم (ص ٢٦٤).
[ ٢ / ٦١٨ ]
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: . . . فَلَمَّا غَنِمَ النَّبِيُّ -ﷺ-، وَأَبَاحُوا عَسْكَرَ المُشْرِكِينَ، أَكَبَّ الرُّمَاةُ جَمِيعًا فَدَخَلُوا في العَسْكَرِ يَنْهَبُونَ، وَقَدِ الْتَقَتْ صُفُوفُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَهُمْ: هَكَذَا -وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابعِ يَدَيْهِ- وَالْتَبَسُوا، فَلَمَّا أَخَلَّ الرُّمَاةُ تِلْكَ الخَلَّةَ التِي كَانُوا فِيهَا دَخَلَتِ الخَيْلُ مِنْ ذَلِكَ المَوْضِعِ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَضَرَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَالْتَبَسُوا، وَقُتِلَ مِنَ المُسْلِمِينَ نَاسٌ كَثِيرٌ (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ المُشْرِكُونَ، فَصَرَخَ إِبْلِيسُ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أُخْرَاكُمْ (٢)، فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ فَاجْتَلَدَتْ (٣) هِيَ وَأُخْرَاهُمْ (٤).
* المُسْلِمُونَ يَقْتُلُونَ اليَمَانَ وَالِدَ حُذَيْفَةَ ﵄ خَطَأً:
فَبَصُرَ حُذَيْفَةُ -﵁- فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ اليَمَانِ -﵁-، فَقَالَ: أَيْ عِبَادَ اللَّهِ أَبِي أَبِي،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٠٩) - والحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب قصة غزوة أُحد - رقم الحديث (٣٢١٧).
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٠٩): أي احتَرِزُوا من جهةِ أُخْرَاكم، وهي كلمةٌ تُقال لمَنْ يَخْشى أن يُؤْتى عندَ القتال من وَرَائه، وكان ذلك لما تَرَكَ الرُّماة مكانهم، ودَخَلُوا ينتَهِبُون عسكرَ المُشركين.
(٣) يُقال: جلدنَاهم بالسيوف: أىِ ضَرَبْنَاهم. انظر لسان العرب (٢/ ٣٢٣).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ - رقم الحديث (٤٠٦٥).
[ ٢ / ٦١٩ ]
قَالَ: فَوَاللَّهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ (١).
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مَحْمُودَ بنِ لَبِيدٍ -﵁-، قَالَ: اخْتَلفتْ سُيُوفُ المُسْلِمِينَ عَلَى اليَمَانِ أَبِي حُذَيْفَةَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَا يَعْرِفُونَهُ فَقتَلُوهُ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَدِيَهُ (٢)، فتَصَدَّقَ حُذَيْفَةُ بِدِيَتِهِ عَلَى المُسْلِمِينَ (٣).
وَرَوَى الحَاكِمُ وَابْنُ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَحْمُودَ بنِ لَبِيدٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أُحُدٍ. . . كَانَ اليَمَانُ وَالِدُ حُذَيْفَةَ، وَثَابِتُ بنُ وَقْشٍ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ، فترَكَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَفَلَا نَأْخُذُ أَسْيَافَنَا، ثُمَّ نَلْحَقُ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَعَلَّ اللَّهَ يَرْزُقُنَا شَهَادَةً مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
فَأَخَذَا أَسْيَافَهُمَا ثُمَّ خَرَجَا، حَتَّى دَخَلَا في النَّاسِ، وَلَمْ يُعْلَمْ بِهِمَا، فَأَمَّا ثَابِتُ بنُ وَقْشٍ -﵁- فَقتَلَهُ المُشْرِكُونَ، وَأَمَّا اليَمَانُ وَهُوَ حُسَيْلُ بنُ جَابِرٍ -﵁- وَالِدُ حُذَيْفَةَ -﵁- فَاخْتَلفتْ عَلَيْهِ أَسْيَافُ المُسْلِمِينَ، فَقتَلُوهُ، وَلَا يَعْرِفُونَهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: أَبِي أَبِي، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا عَرَفْنَاهُ، وَصَدَقُوا، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: يَغْفِرُ اللَّهُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ - رقم الحديث (٤٠٦٥).
(٢) يدِيه: أي يدفَعَ له الدِّيَة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٦٣٩).
[ ٢ / ٦٢٠ ]
لَكُمْ، وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَدِيَهُ، فتَصَدَّقَ حُذَيْفَةُ بِدِيَتِهِ عَلَى المُسْلِمِينَ، فزَادَهُ ذَلِكَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خَيْرًا (١).
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِي: في لَحْظَةٍ يَسِيرَةٍ مِنْ لَحَظَاتِ الضَّعْفِ الإِنْسَانِيِّ عَرَضَتْ لِفَرِيقٍ مِنَ الجُنْدِ، فَأَوْقَعَتِ الِارْتِبَاكَ في صُفُوفِ الجَيْشِ كُلِّهِ، فَضَاعَتْ في سَاعَةِ نَزَقٍ (٢) كُلُّ المَكَاسِبِ التِي أَحْرَزَتْهَا الشَّجَاعَةُ النَّادِرَةُ، وَالتَّضْحِيَةُ البَالِغَةُ (٣).
* مَقْتَلُ حَمْزَةَ -﵁-:
وَمَعَ هَذِهِ الفَوْضَى وَالفُرْقَةِ التِي حَدَثَتْ في المُسْلِمِينَ انْكَشَفَ حَمْزَةُ -﵁- لِوَحْشِيٍّ، فَاسْتَغَلَّ وَحْشِيٌّ ذَلِكَ فَرَمَاهُ بِالرُّمْحِ فَقتَلَهُ.
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ، وَالطَّيَالِسِيُّ في مُسْنَدِهِ، عَنْ وَحْشِيِّ بنِ حَرْبٍ (٤) -قَاتِلِ حَمْزَةَ- قَالَ: كُنْتُ غُلَامًا لِجُبيْرِ بنِ مُطْعِمٍ، فَقَالَ لِي: إِنَّ
_________________
(١) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب قصة شهادة اليمان بن جابر- رقم الحديث (٤٩٦١) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٩٧).
(٢) النَّزَقُ: الطَّيْشُ. انظر لسان العرب (١٤/ ١١٠).
(٣) انظر فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٢٥٥.
(٤) قال الحافظ في التهذيب (٤/ ٣٠٥): وحشيُّ بن حرب، مولى جبير بن مطعم، ويُقال مولى طُعيمة بن عَدي، وهو قاتل حمزة عم النبي -ﷺ-، وكان ممن خرج مع خَالد بن الوليد -﵁- إلى اليَمَامة، وشارك في قتلِ مُسَيْلمة الكذاب، ثم شَهِدَ اليرموك، وسكَنَ حمص، وكان مُغْرمًا بالخَمْرِ، وفرضَ له عمر بن الخطاب -﵁- في ألفَيْنِ، ثم رَدَّها إلى ثلاثِ مئة بسبَبِ الخَمْرِ، وكان إسلامُه في الفتح، وقدم مع وفدِ الطائِفِ على النبي -ﷺ-.
[ ٢ / ٦٢١ ]
حَمْزَةَ قتَلَ عَمِّي طُعَيْمَةَ بنَ عَدِيٍّ بِبَدْرٍ، فَإِنْ قتَلْتَ حَمْزَةَ بِعَمِّي فَأَنْتَ حُرٌّ، قَالَ وَحْشِيٌّ: فَخَرَجْتُ مَعَ النَّاسِ إِلَى القِتَالِ، وَكُنْتُ رَجُلًا حبَشِيًّا أَقْذِفُ بِالحَرْبَةِ قَذْفَ الحَبَشَةِ، قَلَّمَا أُخْطِئُ بِهَا شَيْئًا، فَخَرَجْتُ يَوْمَئِذٍ مَا أُرِيدُ أَنْ أَقْتُلَ أَحَدًا، وَلَا أُقَاتِلَهُ إِلَّا حَمْزَةُ، فَلَمَّا الْتَقَى النَّاسُ خَرَجْتُ أَنْظُرُ حَمْزَةَ وَأَتَبَصَّرُهُ، حَتَّى رَأَيْتُهُ في عُرْضِ النَّاسِ مِثْلَ الجَمَلِ الأَوْرَقِ (١)، يَهُدُّ النَّاسَ بِسَيْفِهِ هَدًّا، مَا يَرْفَعُ لَهُ أَحَدٌ إِلَّا قَمَعَهُ (٢) بِالسَّيْفِ، فَهِبْتُهُ، وَجَعَلْتُ ألوذُ (٣) مِنْهُ، فَلُذْتُ بِصَخْرَةٍ، وَمَعِي حَرْبَتِي، حَتَّى إِذَا اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ هَزَزْتُ حَرْبَتِي، ثُمَّ أَرْسَلْتُهَا فَوَقَعَتْ في ثُنَّتِهِ (٤) حَتَّى خَرجَتْ مِنْ بينِ وِرْكَيْهِ (٥).
وَفِي رِوَايَةِ ابنِ إسْحَاقَ في السِّيرَةِ، قَالَ وَحْشِيٌّ: . . . حَتَّى خَرَجَتْ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ، وَذَهَبَ لِيَنُوءَ (٦) نَحْوِي، فَغُلِبَ (٧)، وتُرِكْتُ وَإيَّاهَا حَتَّى مَاتَ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَأَخَذْتُ حَرْبَتِي، ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى العَسْكَرِ، فَقَعَدْتُ فِيهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِي بِغَيْرِهِ
_________________
(١) الأورَقُ: الأسْمَرُ. انظر النهاية (٥/ ١٥٣).
(٢) قَمَعَهُ: قهرَهُ وذلَّلَه فذل. انظر لسان العرب (١١/ ٣٠٤).
(٣) لاذَ: لجأَ إليه. انظر لسان العرب (١٢/ ٣٥٦).
(٤) الثُنَّة: ما بين السرَّة والعانَةِ من أسفل البطن. انظر النهاية (١/ ٢١٨).
(٥) الوَرْكُ: ما فوقَ الفَخِذِ. انظر النهاية (٥/ ١٥٣). والخبر أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قتل حمزة بن عبد المطلب -﵁- رقم الحديث (٤٠٧٢) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٤١٠).
(٦) يَنُوء نَوْءًا: أي نَهَضَ وطلع. انظر النهاية (٥/ ١٠٧).
(٧) في رواية الطيالسي في مسنده قال: فذهب ليَقُومُ فلم يستَطِعْ، فقتلته.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
حَاجَةً، وَإِنَّمَا قتلْتُهُ لِأُعْتَقَ، فَلَمَّا قَدِمْتُ مَكَّة أُعْتِقْتُ (١).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي حَدِيثِ وَحْشِيٍّ مِنَ الفَوَائِدِ: الحَذَرُ في الحَرْبِ، وَأَنْ لَا يَحْقِرَ المَرْءُ مِنْهَا أَحَدًا، فَإِنَّ حَمْزَةَ لَاُبدَّ أَنْ يَكُونَ رَأَى وَحْشِيًّا في ذَلِكَ اليَوْمِ لَكِنَّهُ لَمْ يَحْتَرِزْ مِنْهُ احْتِقَارًا مِنْهُ إِلَى أَنْ أُتِيَ مِنْ قِبَلِهِ (٢).
* عُمْرُ حَمْزَةَ -﵁- لَمَّا اسْتُشْهِدَ:
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَكَانَ حَمْزَةُ -﵁- أَخَا النَّبِيِّ -ﷺ- مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَأَخَا أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الأَسَدِ، أَرْضَعَتْهُمْ ثُوَيْبَةُ مَوْلَاةُ أَبِي لَهَبٍ كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ في الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ (٣)، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حَمْزَةُ قَدْ جَاوَزَ الخَمْسِينَ مِنَ السِّنِينِ يَوْمَ قُتِلَ -﵁- (٤).
* مَقْتَلُ مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ -﵁-:
وَتَرَاجَعَ المُسْلِمُونَ وَترَكَ بَعْضُهُمْ سَاحَةَ القِتَالِ، وَثَبَتَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ -﵁-، وَهُوَ حَامِلُ لِوَاءَ المُسْلِمِينَ يُقَاتِلُ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ ابنُ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٧٧).
(٢) انظر فتح الباري (٨/ ١٢١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الشهادات - باب الشهادة على الأنساب - رقم الحديث (٢٦٤٥) - وأخرجه في كتاب النكاح - باب (٢١) - رقم الحديث (٥١٠١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الرضاع - باب تحريم ابنة الأخ من الرضاعة - رقم الحديث (١٤٤٦) - وباب تحريم الربيبة وأخت المرأة - رقم الحديث (١٤٤٩).
(٤) انظر البداية والنهاية (٤/ ٤٤١).
[ ٢ / ٦٢٣ ]
قَمِئَةٍ وَهُوَ فَارِسٌ، فَضَرَبَ يَدَهُ اليُمْنَى فَقَطَعَهَا، وَمُصْعَبٌ يَقُولُ ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، فَأَخَذَ اللِّوَاءَ بِيَدِهِ اليُسْرَى، فَضَرَبَ ابْنُ قَمِئَةَ يَدَهُ اليُسْرَى فَقَطَعَهَا، فَضَمَّ اللِّوَاءَ بِعَضُدَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، ثُمَّ هَجَمَ ابْنُ قَمِئَةَ فَضَرَبَهُ بِالرُّمْحِ، فَقتَلَهُ، وَسَقَطَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ -﵁- قَتِيلًا، وَسَقَطَ اللِّوَاءُ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁- أَنْ يَرْفَعَ اللِّوَاءَ، فَرَفَعَهُ (١).
* إِشَاعَةُ مَقْتَلِ الرَّسُولِ -ﷺ- وَتَأْثِيرُ ذَلِكَ عَلَى الصَّحَابَةِ:
فَلَمَّا قتَلَ ابنُ قَمِئَةَ مُصْعَبَ بنَ عُمَيْرٍ -﵁-، وَكَانَ مُصْعَبٌ يُشْبِهُ الرَّسُولَ -ﷺ- إِذَا لَبِسَ لَأَمَتَهُ، فَظَنَّ أَنَّهُ قتَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَرَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ، وَهُوَ يَقُولُ: قتَلْتُ مُحَمَّدًا، وَصَرَخَ الشَّيْطَانُ بِصَوْتٍ عَالٍ: أَلَا إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ قُتِلَ، فَلَمَّا سَمِعَ المُسْلِمُونَ ذَلِكَ، عَظُمَ الأَمْرُ عَلَيْهِمْ، وَطَاشَتْ أَحْلَامُهُمْ (٢)، وَذُهِلُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَأَصْبَحُوا حَيَارَى لَا يَدْرُونَ مَاذَا يَصْنَعُونَ، فَصَارُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ:
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٨١).
(٢) الأحْلامُ: العُقُول. انظر النهاية (١/ ٤١٦). ومنه قوله -ﷺ- في الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٤٣٢) في صلاة الجماعة: "لِيَلِنِي منكُم أولُو الأحلام والنُّهى". أي ذَوُو الألباب والعقول، واحدها حِلم بالكسر، وكأنه من الحِلْم: الأناةُ والتثبُّت في الأمور، وذلك من شعار العقلاء. انظر النهاية (١/ ٤١٦).
[ ٢ / ٦٢٤ ]
* الفِرْقَةُ الأُولَى:
لَاذَتْ بِالفِرَارِ وَتَرَكَتْ سَاحَةَ المَعْرَكَةِ، فَلَمْ تَرُدَّهُمْ إِلَّا حِيطَانُ (١) المَدِينَةِ، وَكَانَ الفَارُّونَ لَا يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ، فَمِنْهُمْ مَنِ انْطَلَقَ إِلَى فَوْقِ الجَبَلِ، إِلَى قَرِيبٍ مِنَ المِهْرَاسِ (٢) في الشِّعْبِ، وَمِنْهُمُ اسْتَمَرَّ في الهَزِيمَةِ، فَمَا رَجَعُوا إِلَّا بَعْدَ انْقِضَاءَ القِتَالِ، وَهَؤُلَاءِ قَلِيلُونَ، كَانَ مِنْ جُمْلَةِ مَنِ انْهَزَمَ: عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ، وَالحَارِثُ بنُ حَاطِبٍ، وَسَوَادُ بنُ غَزِيَّةَ، وسَعْدٌ وعُقْبَةُ ابْنَا عُثْمَانَ، وَرِفَاعَةُ بنُ مُعَلَّى، وَخَارِجَةُ بنُ عَمْرٍو، وَأَوْسُ بنُ قَيْظِيٍّ، وَهَؤُلَاءِ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ (٣).
عَفَا عَمَّا وَقَعَ مِنْكُمْ مِنْ ضَعْفٍ وَمِنْ نِزَاعٍ وَمِنْ عِصْيَانٍ، وَعَفَا كَذَلِكَ عَمَّا وَقَعَ مِنْكُمْ مِنْ فِرَارٍ وَانْقِلَاب وَارْتِدَادٍ. . . عَفَا عَنْكُمْ فَضْلًا مِنْهُ وَمِنَّةً، وتَجَاوُزا عَنْ ضَعْفِكُمُ البَشَرِيِّ الذِي لَمْ تُصَاحِبْهُ نِيَّةٌ سَيِّئَةٌ، وَلَا إِصْرَارٌ عَلَى الخَطِيئَةِ. . . عَفَا عَنْكُمْ، لأَنَّكُمْ تُخْطِئُونَ وتَضَعُفُونَ في دَائِرَةِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ، وَالِاسْتِسْلَامِ لَهُ (٤).
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عُثْمَانَ بنِ مَوْهَبٍ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ حَجَّ البَيْتَ فَرَأَى قَوْمًا جُلُوسًا فَقَالَ: مَنْ هَؤُلَاءِ القُعُودُ؟ قَالُوا: هَؤُلَاءَ قُرَيْشٌ،
_________________
(١) الحائط: هو البستان من النخيل. انظر النهاية (١/ ٤٤٤).
(٢) المِهرَاسُ: هو ماءٌ بجبل أُحد. انظر النهاية (٥/ ٢٢٤).
(٣) سورة آل عمران آية (١٥٥).
(٤) انظر في ظلال القرآن (١/ ٤٩٤).
[ ٢ / ٦٢٥ ]
قَالَ: مَنِ الشَّيْخُ؟ قَالُوا: ابْنُ عُمَرَ، فَأَتَاهُ فَقَالَ: إِنِّي سَائِلُكَ عَنْ شَيْءٍ أَتُحَدِّثُنِي؟ قَالَ: أَنْشُدُكَ بِحُرْمَةِ هَذَا البَيْتِ أَتَعْلَمُ أَنَّ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ فَرَّ يَوْمَ أُحُدٍ؟ . . . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄: أَمَّا فِرَارُهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشْهَدُ أَنَّ اللَّهَ عَفَا عَنْهُ (١).
* الفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ:
أَمَّا الْفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ: فَصَارُوا حَيَارَى لَمَّا سَمِعُوا أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قُتِل، فَصَارَ غَايَةُ الوَاحِدِ مِنْهُمْ أَنْ يَذُبَّ عَنْ نَفْسِهِ، أَوْ يَسْتَمِرَّ عَلَى بَصِيرَتِهِ في القِتَالِ إِلَى أَنْ يُقْتَلَ، وَهُمْ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ تَرَاجَعَتْ هَذِهِ الفِرْقَةُ الثَّانِيَةُ إِلَى الرَّسُولِ -ﷺ- شَيْئًا فَشَيْئًا لَمَّا عَرَفُوا أَنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- حَيٌّ (٢).
* قِصَّةُ أَنَسِ بنِ النَّضْرِ -﵁-:
فَمَرَّ أَنَسُ بنُ النَّضْرِ -﵁- عَمُّ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- عَلَى بَعْضِ الصَّحَابَةِ، مِمَّنْ أَذْهَلَتْهُمُ الشَّائِعَةُ -وَهِيَ قتلُ الرَّسُولِ -ﷺ- وَأَلقَوْا بِسِلَاحِهِمْ، فَقَالَ: مَا يُجْلِسُكُمْ؟
قَالُوا: قُتِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: فَمَاذَا تَصْنَعُونَ بِالحَيَاةِ بَعْدَهُ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟ ثُمَّ قَالَ ﵁: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءَ -يَعْنِي أَصْحَابَهُ- وَأَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ هَؤُلَاءَ -يَعْنِي المُشْرِكِينَ- ثُمَّ تَقَدَّمَ، فَلَقِيَهُ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ -﵁- مُنْهَزِمًا، فَقَالَ: أَيْنَ يَا أَبَا عَمْرٍو؟
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ - رقم الحديث (٤٠٦٦).
(٢) انظر فتح الباري (٨/ ١٠٨).
[ ٢ / ٦٢٦ ]
فَقَالَ: يَا سَعْدَ بنَ مُعَاذٍ الجَنَّةُ وَرَبِّ النَّضْرِ، إِنِّي أَجِدُ رِيحَهَا دُونَ أُحُدٍ (١)، ثُمَّ أَخَذَ يُقَاتِلُ المُشْرِكِينَ حَتَّى قُتِلَ -﵁-.
قَالَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ -﵁- لِلرَّسُولِ -ﷺ- بعْدَ المَعْرَكَةِ: فَمَا اسْتَطَعْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أَصْنَعَ مَا صَنَعَ أَنَسُ بنُ النَّضْرِ (٢)، فَوُجِدَ في جَسَدِهِ بِضْع وَثَمَانُونَ مَا بَيْنَ ضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ، أَوْ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ، أَوْ رَمْيَةٍ بِسَهْمٍ، وَقَدْ مَثَّلَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَمَا عَرَفَهُ إِلَّا أُخْتُهُ (٣) بِبَنَانِهِ (٤)، وَكَانَ حَسَنَ البَنَانِ.
قَالَ أنَسُ بنُ مَالِكٍ -﵁-: كُنَّا نرَى أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وَفِي أَشْبَاهِهِ وَهِيَ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ (٥).
_________________
(١) هذه رواية البخاري في صحيحه، وفي رواية الإمام مسلم في صحيحه، والطيالسي، والنسائي قال أنس -﵁-: واهًا لريح الجنَّة أجدُهُ دونَ أُحد.
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٠٠): ودَلَّ قول سعد بن معاذ -﵁- هذا في أنسَ بن النَّضْرِ -﵁- علي شجاعة مُفْرِطة في أنس بن النضر -﵁- بحيث أن سعدَ بن مُعَاذ -﵁- مع ثباتِهِ يوم أُحد، وكمال شجاعته ما جسُرَ -أي ما أقدم- على ما صنَعَ أنس بن النضر.
(٣) وقع في رواية الإمام مسلم في صحيحه تسميتها: الرُبيّع بنت النضر.
(٤) البَنَانُ: هي الإصبع.
(٥) سورة الأحزاب آية (٢٣). وأخرج قصة أنس بن النضر -﵁-: البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ - رقم الحديث (٢٨٠٥) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب غزو أحد - رقم الحديث (٤٠٤٨) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب ثبوت الجنة للشهيد - رقم الحديث (١٩٠٣) - =
[ ٢ / ٦٢٧ ]
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ أَنَسِ بنِ النَّضْرِ -﵁- مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - جَوَازُ بَذْلِ النَّفْسِ في الجِهَادِ.
٢ - وَفِيهِ فَضْلُ الوَفَاءِ بِالعَهْدِ؛ لِأَنَّ أَنَسًا عَاهَدَ اللَّهَ بِقَوْلهِ: لَئِنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قِتَالٌ مَعَ قُرَيْشٍ بَعْدَ بَدْرٍ؛ لَيَرَيَنَّ اللَّهُ مَا أَصْنَعُ، وَلَوْ شَقَّ عَلَى النَّفْسِ حَتَّى يَصِلَ إِلَى إِهْلَاكِهَا.
٣ - وَأَنَّ طَلَبَ الشَّهَادَةِ في الجِهَادِ لَا يَتَنَاوَلَهُ النَّهْيُ عَنِ الإِلْقَاءِ إِلَى التَّهْلُكَةِ.
٤ - وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَنَسِ بنِ النَّضْرِ -﵁-، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ صِحَّةِ الإِيمَانِ وَكَثْرَةِ التَّوَقِّي، وَالتَّوَرُّعِ، وَقُوَّةِ اليَقِينِ (١).
* الفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ:
وَأَمَّا الْفِرْقَةُ الثَّالِثَةُ: فَهُمُ الذِينَ ثَبَتُوا مَعَ الرَّسُولِ -ﷺ-، كَمَا سَيَأْتِي.
* ثَبَاتُ الرَّسُولِ -ﷺ-:
وَأَمَّا الرَّسُولُ -ﷺ- فَقَدْ ثَبَتَ في سَاحَةِ المَعْرَكَةِ ثَبَاتَ الجِبَالِ الرَّاسِيَاتِ،
_________________
(١) = وأخرجه الطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٢١٥٧) - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ - رقم الحديث (١١٣٣٨) - وأخرجه الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة الأحزاب - رقم الحديث (٣٤٧٨).
(٢) انظر فتح الباري (٦/ ١٠٣).
[ ٢ / ٦٢٨ ]
وَلَمْ يُفَارِقْ مَكَانَهُ، قَالَ المِقْدَادُ بنُ عَمْرٍو -﵁-: فَوَالذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ، مَا زَالَتْ قَدَمُهُ شِبْرًا وَاحِدًا عَنْ مَوْقِفِهِ، وَإِنَّهُ لَفِي وَجْهِ العَدُوِّ (١).
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا إِذَا احْمَرَّ البَأْسُ (٢)، وَلَقِيَ القَوْمُ القَوْمَ، اتَّقَيْنَا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَمَا يَكُونُ مِنَّا أَحَدٌ أَدْنَى إِلَى القَوْمِ مِنْهُ (٣).
فَلَمَّا انْكَشَفَ المُسْلِمُونَ أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: يُنَادِيهِمْ: "إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، أَنَا رَسُولُ اللَّهِ"، فَعَرَفَ المُشْرِكُونَ صَوْتَهُ -ﷺ- فكَرُّوا (٤) عَلَيْهِ وَهَاجَمُوهُ، وَمَالُوا إِلَيْهِ بِثِقْلِهِمْ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَ الرَّسُولِ -ﷺ- حِينَئِذٍ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ، وَفِيهِمْ: طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ -﵁-، وَقِيلَ: بَلْ سَبْعَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ، وَرَجُلَانِ مِنْ قُرَيْشٍ.
وَعِنْدَ ابنِ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ (٥) قَالَ: وَثَبَتَ مَعَهُ -ﷺ- عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا: سَبْعَةً مِنَ المُهَاجِرِينَ فِيهِمْ: أَبُو بَكْرٍ -﵁-، وَسَبْعَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ.
_________________
(١) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٢٦٤).
(٢) احمرَّ البأس: أي إذا اشتَّدتِ الحرب استقْبَلْنَا العَدُوَّ به، وجعلناهُ لنا وِقَاية. انظر النهاية (١/ ٤٢١).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٤٧).
(٤) الكَرُّ: الرُّجوع. انظر لسان العرب (١٢/ ٦٤).
(٥) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٧٠).
[ ٢ / ٦٢٩ ]
* مَقْتَلُ السَّبْعَةِ مِنَ الأَنْصَارِ:
رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أُفْرِد يَوْمَ أُحُدٍ في سَبْعَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ (١)، فَلَمَّا رَهِقُوهُ (٢)، قَالَ -ﷺ-: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الجَنَّة، أَوْ هُوَ رَفِيقِي في الجَنَّةِ؟ ".
فتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا، فَقَالَ -ﷺ-: "مَنْ يَرُدُّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الجَنَّة، أَوْ هُوَ رَفِيقِي في الجَنَّةِ؟ "، فتَقَدَّمَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَةُ، فَقَالَ -ﷺ- لِصَاحِبَيْهِ: "مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا" (٣).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٠٦): كأن المرادُ بالرجلَيْنِ: طلحةُ وسعدٌ، ويشهدُ لذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٤٠٦٠) عن مَعْمَرٍ عن أبيه قال: زَعَمَ أبو عُثْمَان أنَّه لم يَبْقَ مع النبي -ﷺ- في بعضِ تِلكَ الأيام التي يُقَاتل فيهن غير طلحة وسعد. فكأن المرادُ بالحَصْرِ في هذا الحديث تخصيصُه بالمهاجرين، فكأنه قال: لم يَبْقَ معه من المهاجرين غير هذينِ، وتعيَّن حملُهُ علي ما أوَّلته، وأن ذلك باعتبار اختلافِ الأحوال وأنهم تفرَّقُوا في القتال، فلما وقَعَتِ الهَزِيمة فيمن انهَزَمَ، وصاحَ الشيطان: قُتِل مُحمد، اشتغل كُل واحد منهم بهَمِّه، والذَّبِّ عن نفسه، ثم عرفوا عن قرب بِبَقَائه فتراجعوا إليه أَوَّلًا فالأول، ثم بعد ذلك كان يندُبُهم إلى القتال فيشتَغِلُون به.
(٢) يُقال: رَهِقه بالكسر يرهقه رهقًا: إذا غشيه. انظر النهاية (٢/ ٢٥٧).
(٣) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة أُحد - رقم الحديث (١٧٨٩) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الخروج وكيفية الجهاد - رقم الحديث (٤٧١٨).
[ ٢ / ٦٣٠ ]
وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى، وَالبَيْهَقِيُّ في الدَّلَائِلِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَوَلَّى النَّاسُ، كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في نَاحِيَةٍ في اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا (١) مِنَ الأَنْصَارِ، وَفِيهِمْ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ -﵁-، فَأَدْرَكَهُ المُشْرِكُونَ، فَالْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؛ فَقَالَ: "مَنْ لِلقوْمِ؟ ".
فَقَالَ طَلْحَةُ: أَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- "كَمَا أَنْتَ".
فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: "أَنْتَ"، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ الْتَفَتَ -ﷺ-، فَإِذَا بِالمُشْرِكِينَ، فَقَالَ: "مَنْ لِلقوْمِ؟ ".
قَالَ طَلْحَةُ: أنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ -ﷺ-: "كَمَا أَنْتَ".
قَالَ رَجُل مِنَ الأَنصَارِ: أَنَا.
فَقَالَ: "أَنْتَ"، فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ، ثُمَّ لَمْ يَزَلْ يَقُولُ ذَلِكَ، وَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَيُقَاتِلُ قِتَالَ مَنْ قَبْلَهُ حَتَّى يُقْتَلَ، حَتَّى بَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَطَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ (٢).
_________________
(١) وجاء عن البراء بن عازب ﵄ في مسند الإمام أحمد بسند صحيح على شرط الشيخين - رقم الحديث (١٨٥٩٣) قال -﵁-: . . . فلم يبقَ مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ- غير اثْنَيْ عَشَر رجلًا. قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٠٦) في رواية أنس -﵁- أنهم كانوا سبعة، وفي رواية جابر -﵁-، والبراء -﵁- أنهم اثني عشر، وعند ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٧٠) قال: أربعة عشرة رجلًا، فلعلهم جاؤوا بعد ذلك.
(٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب الجهاد - باب ما يقول من يطعنه العدو - رقم =
[ ٢ / ٦٣١ ]
وَكَانَ آخِرَ مَنْ قُتِلَ مِنْ هَؤُلَاءِ الأَنْصَارِ عُمَارَةُ بنُ زِيَادِ بنِ السَّكَنِ -﵁-، فَقَاتَلَ حَتَّى أَثْبَتَتْهُ الجِرَاحَةُ، فَقَالَ -ﷺ-: "أَدْنُوهُ مِنِّي"، فَأَدْنَوْهُ مِنْهُ، فَوَسَّدَهُ قَدَمَهُ، فَمَاتَ، وَخَدُّهُ عَلَى قَدَمِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (١).
* مَا أَصَابَ الرَّسُولَ -ﷺ- مِنَ الجِرَاحِ:
وَلَمْ يَبْقَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ مَقْتَلِ هَؤُلَاءِ الأَنْصَارِ غَيْرُ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَسَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵄، فَشَدَّ المُشْرِكُونَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَرَمَاهُ عُتْبَةُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ بِالحِجَارَةِ، فَوَقَعَ -ﷺ- لِشِقِّهِ، وَأُصِيبَتْ شَفَتُهُ السُّفْلَى فَجَرَحَهَا، وَكَسَرَ رَبَاعِيَتَهُ اليُمْنَى (٢)، وَكُسِرَتِ البَيْضَةُ (٣) عَلَى رَأْسِهِ -ﷺ-، وَتَقَدَّمَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ شِهَابٍ الزُّهْرِيُّ فَشَجَّهُ في جَبْهَتِهِ -ﷺ-، وَأَتَى ابنُ قَمِئَةَ فَعَلَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِالسَّيْفِ، وَضَرَبَهُ عَلَى مَنْكبهِ (٤) الأَيْمَنِ ضَرْبَةً شَدِيدَةً، شَكَا الرَّسُولُ -ﷺ- لِأَجْلِهَا أَكْثَرَ مِنْ شَهْرٍ، ثُمَّ ضَرَبَهُ عَلَى وَجْنَتَيْهِ (٥) وَقَالَ: خُذْهَا وَأَنَا
_________________
(١) = الحديث (٤٣٤٢) - والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٢٣٦) - وجود إسناده الحافظ في الفتح (٨/ ١٠٦).
(٢) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٢٣٤).
(٣) الرَّبَاعية: هي إحدى الأسنان الأربَعِ التي تَلِي الثَّنَايا بين الثنية والنَّابِ. انظر لسان العرب (٥/ ١١٩). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١١٣): والمراد بكسر الرَّبَاعية، أنها كُسِرت فذهب منها فِلقَة -أي قطعة- ولم تُقلع من أصلها.
(٤) البيضَةُ: الخُوذَة. انظر النهاية (١/ ١٦٩).
(٥) المَنْكِب: ما بين الكتِفِ والعُنُق. انظر النهاية (٥/ ٩٩).
(٦) الوَجْنَة: أعلى الخَدِّ. انظر النهاية (٥/ ١٣٨).
[ ٢ / ٦٣٢ ]
ابْنُ قَمِئَةَ، فَدَخَلَتْ حَلَقَاتٌ مِنْ حِلَقِ المِغْفَرِ (١) في وَجْنَتِهِ -ﷺ-، فَقَالَ -ﷺ-: "أَقْمَاكَ (٢) اللَّهُ ﷿" (٣).
وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدْفَعُ هَؤُلَاءِ المُشْرِكِينَ، فَسَقَطَ في حُفْرَةٍ مِنَ الحُفَرِ التِي كَانَ أَبُو عَامِرٍ الفَاسِقُ قَدْ حَفَرَهَا لِيَقَعَ فِيهَا المُسْلِمُونَ، فَجُحِشَتْ (٤) رُكبَتَاهُ -ﷺ-، فَأَخَذ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- بِيَدِهِ، وَرَفَعَهُ حَتَّى اسْتَوَى قَائِمًا (٥).
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى قَوْمٍ دَمُّوا (٦) وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ، وَهَشَمُوا (٧) عَلَيْهِ البَيْضَةَ، وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ" (٨).
* اسْتِجَابَةُ اللَّهِ تَعَالَى دَعْوَةَ نَبِيِّهِ -ﷺ-:
وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ ﷾ دَعْوَةَ نَبِيِّهِ -ﷺ- في ابْنِ قَمِئَةَ، فَإِنَّهُ لَمَّا انْصَرَفَ مِنْ ذَلِكَ اليَوْمِ إِلَى أَهْلِهِ خَرَجَ إِلَى غَنَمِهِ، فَوَجَدَهَا عَلَى ذُرْوَةِ جَبَلٍ،
_________________
(١) المِغْفَر: ما يلبسه الدارع علي رأسه. انظر النهاية (٣/ ٣٣٦).
(٢) أقمَاهُ: أذَلَّه. انظر لسان العرب (١١/ ٣١١).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٨٩) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٧٠).
(٤) جُحِشَتْ: خُدِشَت. انظر النهاية (١/ ٢٣٣).
(٥) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٨٩).
(٦) قال الحافظ في الفتح (٨/ ١٢٣): دَمُّوا بتشديد الميم: أي جرحُوه حَتَّى خرَجَ منه الدم.
(٧) هَشَمَ: كَسَر. انظر النهاية (٥/ ٢٢٨).
(٨) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب ما أصاب النبي -ﷺ- من الجراح يوم أُحد - رقم الحديث (٤٠٧٣) (٤٠٧٤) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٩١٥).
[ ٢ / ٦٣٣ ]
فَسَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ تَيْسًا، فَلَمْ يَزَلْ يَنْطَحُهُ حَتَّى قَطَّعَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ: فَشَدَّ عَلَيْهِ التَّيْسُ فنَطَحَهُ نَطْحَةً أَرْدَاهُ مِنْ شَاهِقِ الجَبَلِ فتَقَطَّعَ (١).
وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى عُتْبَةَ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ لَا تُحِلْ عَلَيْهِ الحَوْلَ (٢) حَتَّى يَمُوتَ كَافِرًا"، فَمَا حَالَ عَلَيْهِ الحَوْلُ حَتَّى مَاتَ كَافِرًا إِلَى النَّارِ (٣)
وَأَخْرَجَ البَيْهَقِيُّ في الدَّلَائِلِ وَابْنُ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: وَاللَّهِ مَا حَرَصْتُ عَلَى قتلِ رَجُلٍ قَطُّ كَحِرْصِي عَلَى قَتْلِ عُتْبَةَ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَإِنْ كَانَ مَا عَلِمْتُهُ لَسَيِّئَ الخُلُقِ، مُبغَّضًا فِي قَوْمِهِ (٤)
* دِفَاعُ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ -﵁- عَنِ الرَّسُولِ -ﷺ-:
وَكَانَ هَدَفُ المُشْرِكِينَ قتلَ الرَّسُولِ -ﷺ-، إِلَّا أَنَّ طَلْحَةَ بنَ عُبَيْدِ اللَّهِ، وَسَعْدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ ﵄، قَامَا بِبُطُولَةٍ نَادِرَةٍ، وَقَاتَلَا بِبَسَالَةٍ مُنْقَطِعَةِ النَّظِيرِ، حَتَّى لَمْ يَتْرُكَا -وَهُمَا اثْنَانِ- سَبِيلًا إِلَى المُشْرِكِينَ لِتَحْقِيقِ هَدَفِهِمْ (٥).
_________________
(١) انظر دلائل النبوة لأبي نعيم (٢/ ٤٨٩).
(٢) الحَوْلُ: السنة. انظر النهاية (١/ ٤٤٥).
(٣) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٢٦٥).
(٤) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٢٦٥) - سيرة ابن هشام (٣/ ٩٦).
(٥) انظر الرحيق المختوم ص ٢٦٨.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
فَعِنْدَمَا تَجَمَّعَ المُشْرِكُونَ حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقُتِلَ النَّفَرُ مِنَ الأَنْصَارِ دُونَهُ -ﷺ-، بَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَطَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ -﵁-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ لِلقَوْمِ؟ ".
فَقَالَ طَلْحَةُ: أنَا، فَقَاتَلَ طَلْحَةُ قِتَالَ الأَحَدَ عَشَرَ حَتَّى ضُرِبَتْ يَدُهُ، فَقُطِعَتْ أَصَابِعُهُ، فَقَالَ: حِسٌّ (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَوْ قُلْتَ: بِسْمِ اللَّهِ، لَرَفَعَتْكَ المَلَائِكَةُ والنَّاسُ يَنْظُرُونَ" (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُوسَى بنِ طَلْحَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ طَلْحَةَ -﵁-، ضُرِبَتْ كَفُّهُ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالَ: حِسٌّ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: "لَوْ قُلْتَ: بِسْمِ اللَّهِ، لَرَأَيْتُ يُبْنَى لَكَ بِهَا بَيْتٌ في الجَنَّةِ، وَأَنْتَ حَيٌّ في الدُّنْيَا" (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ قَيْسٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ يَدَ طَلْحَةَ شَلَّاءَ (٤) وَقَى بها النَّبيَّ -ﷺ- يَوْمَ أُحُدٍ (٥).
_________________
(١) حِسٌّ؛ بكسر الحاء والتشديد كلمة تُقال عندَ الألم المُفَاجِئِ. انظر النهاية (١/ ٣٧٠).
(٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب الجهاد - باب ما يقول من يطعنه العدو - رقم الحديث (٤٣٤٢) - وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٢٣٦) - وجود إسناد الحافظ في الفتح (٨/ ١٠٦).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٢٩٤).
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٠٧): شَلّاء: أي أصابها الشَّلَل، والشلل هو: ما يُبطل عمل الأصابع أو بعضها.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ - رقم الحديث (٤٠٦٣).
[ ٢ / ٦٣٥ ]
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُوسَى بنِ طَلْحَةَ قَالَ: جُرِحَ طَلْحَةُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِضْعًا وَعِشْرِينَ جِرَاحَةً (١).
* دِفَاعُ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- عَنِ الرَّسُولِ -ﷺ-:
وَأَمَّا سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁-، فَكَانَ مِنْ أَشَدِّ المُقَاتِلِينَ يَوْمَ أُحُدٍ كَمَا ذَكَرْنَا، وَكَانَ مِمَّنْ ثَبَتَ مَعَ الرَّسُولِ -ﷺ- يَوْم انْهَزَمَ النَّاسُ.
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِى وَقَّاصٍ -﵁- قَالَ: نَثَلَ (٢) لِيَ النَّبِيُّ -ﷺ- كِنَانَتَهُ (٣) -﵁- يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ: "ارْمِ فِدَاكَ أَبِي وَأُمَي" (٤).
* نُزُولُ المَلَائِكَةِ:
وَفِي هَذِهِ اللَّحَظَاتِ الحَرِجَةِ أَنْزَلَ اللَّهُ ﷾ مَلَائِكَتَهُ لِحِمَايَةِ نَبِيِّهِ -ﷺ-، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ أُحُدٍ، وَمَعَهُ رَجُلَانِ يُقَاتِلَانِ عَنْهُ (٥)، عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٢٩٦).
(٢) نثل: أي أخرج. انظر النهاية (٥/ ١٤).
(٣) الكِنَانة: هي جَعْبَة السهام تتخَذُ من جُلودٍ لا خشَب فيها، أو من خَشَبٍ لا جُلُود فيها. انظر لسان العرب (١٢/ ١٧٣).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ - رقم الحديث (٤٠٥٥).
(٥) في رواية الطيالسي قال سعد: رأيتُ يومَ أُحد عن يَمِين رَسُول اللَّهِ -ﷺ- وعن يساره رَجُلَيْن.
[ ٢ / ٦٣٦ ]
بِيضٌ، كَأَشَدِّ القِتَالِ، مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ (١).
زَادَ مُسْلِمٌ في رِوَايَتِهِ عَنْهُ -﵁-: يَعْنِي جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ ﵉ (٢).
قُلْتُ: نَزَلَتِ المَلَائِكَةُ لِحِمَايَةِ الرَّسُول -ﷺ-، وَلَمْ تُقَاتِلِ المَلَائِكَةُ إِلَّا في غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى.
قَال ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَمْ تُقَاتِلِ المَلَائِكَةُ في يَوْمٍ سِوَى يَوْمِ بَدْرٍ، وَكَانُوا يَكُوُنونَ فِيمَا سِوَاهُ مِنَ الْأَيَّامِ عَدَدًا وَمَدَدًا لَا يَضْرِبُونَ (٣).
* عَوْدَةُ الصَّحَابَةِ حَوْلَ الرَّسُولِ -ﷺ- وَاسْتِمَاتَتُهُمْ في الدِّفَاع عَنْهُ:
وَمَا كَادَ الصَّحَابَةُ الذِينَ يُقَاتِلُونَ المُشْرِكِينَ، يَسْمَعُونَ صَوْتَ الرَّسُولِ -ﷺ- يُنَادِيهِمْ: "إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ، إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ"، حَتَّى أَقْبَلُوا إِلَيْهِ، وَقَدْ كَثُرَ فِيهِمُ الجِرَاحُ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ عِصَابَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، سَبْعَةٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَسَبْعَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وَعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ، وَأَبُو طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ، وَالحَارِثُ بنُ الصِّمَّةِ، وَمَالِكُ بنُ سِنَانٍ وَالِدُ أَبِي سَعِيدٍ
_________________
(١) في رواية الطيالسي قال سعد: ما رأيتهم قبلَ ذلك اليومِ ولا بعده.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ - رقم الحديث (٤٠٥٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب في قتال جبريل ومكائيل عن النبي -ﷺ- يوم أُحد - رقم الحديث (٢٣٠٦) - وأخرجه الطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٢٠٣).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٤٥) - تفسير البغوي (١/ ٤١٢).
[ ٢ / ٦٣٧ ]
الخُدْرِيِّ، وَأَبُو دُجَانَةَ، وَأُمُّ عُمَارَةَ نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ ﵃ أَجْمَعِينَ.
* دِفَاعُ أَبِي دُجَانَةَ -﵁- عَنِ الرَّسُولِ -ﷺ-:
وَأَخَذَ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةُ يَدْفَعُوا المُشْرِكِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِكُلِّ مَا أُتُوا مِنْ قُوَّةٍ، مَعَ كَثْرَةِ الجِرَاحِ التِي فِيهِمْ، فَقَامَ أَبُو دُجَانَةَ -﵁- وَتَرَّسَ (١) نَفْسَهُ دُونَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، يَقَعُ النَّبْلُ في ظَهْرِهِ، وَهُوَ مُنْحَنٍ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، حَتَّى امْتَلَأَ ظَهْرُهُ سِهَامًا، وَهُوَ لَا يَتَحَرَّكُ، غَيْرَ مُبَالٍ مَا أَصَابَهُ في سَبِيلِ اللَّهِ (٢).
* دِفَاعُ أَبِي طَلْحَةَ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَمِمَّنِ اسْتَمَاتَ في الدِّفَاعِ عَنِ الرَّسُولِ -ﷺ- أَبُو طَلْحَةَ الأَنْصَارِيُّ -﵁-، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ -ﷺ- مُجَوِّبٌ (٣) عَلَيْهِ بِحَجَعَةٍ (٤) لَهُ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلًا رَامِيًا شَدِيدَ النَّزْعِ، كَسَرَ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ بِجَعْبَةٍ (٥) مِنَ النَّبْلِ، فَيَقُولُ -ﷺ-: "انْثُرْهَا لِأَبِي
_________________
(١) تَرَّس: أي سَتَرَ ووَقى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بنفسه. انظر لسان العرب (٢/ ٢٨).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٩١) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٢٣٤).
(٣) مُجوِّبٌ بضم أوله وفتح الجيم وتشديد الواو: أي متَرِّس عليه يَقِيه بها، ويُقال للترس أيضًا جَوبة. انظر فتح الباري (٨/ ١٠٨) - النهاية (١/ ٣٠٠).
(٤) الحَجَفَة: هي التُّرسُ. انظر النهاية (١/ ٣٣٣).
(٥) الجَعْبَة: هي الآلة التي تُجعل فيها السِّهام. انظر النهاية (١/ ٢٦٥).
[ ٢ / ٦٣٨ ]
طَلْحَةَ"، قَالَ: وَيُشْرِفُ (١) النَّبِيُّ -ﷺ- يَنْظُرُ إِلَى القَوْمِ، فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: "بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي لَا تُشْرِفْ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ القَوْمِ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ" (٢).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَصَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ أَشَدُّ عَلَى المُشْرِكِينَ مِنْ فِئَةٍ" (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في المُسْنَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "صَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ في الجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ فِئَةٍ" (٤). قَالَ: وَكَانَ يَجْثُو (٥) بَيْنَ
_________________
(١) يُشْرِف: أصله من الشَّرف، وهو العُلُو، كأنه ينظرُ إليه من موضعٍ مرتفعٍ فيكون أكثر لإدراكه. انظر النهاية (٢/ ٤١٤).
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الْفَتْحِ (٨/ ١٠٩): أي أفدِيكَ بنفسي. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ - رقم الحديث (٤٠٦٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة النساء مع الرجال - رقم الحديث (١٨١١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٠٢٤).
(٣) الفِئَة: الفِرقة والجماعة من الناس. انظر النهاية (٣/ ٣٦٤). والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣١٠٥).
(٤) قوله -ﷺ-: "خيرٌ من فِئَةٍ": قال السندي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في شرح المسند (٧/ ١٣٥): أي أهْيَبُ في صدورِ العدو من فئة.
(٥) الجاثِي: هو الذي يجلِسُ علي ركبتيه. انظر النهاية (١/ ٢٣٢) - ومنه قوله تعالى في سورة الجاثية - آية (٢٨): ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾.
[ ٢ / ٦٣٩ ]
يَدَيْهِ في الحَرْبِ ثُمَّ يَنْثُرُ كِنَانتهُ، ويَقُولُ: وَجْهِي لِوَجْهِكَ الوِقَاءُ، وَنَفْسِي لِنَفْسِكَ الْفِدَاءُ (١).
* دِفَاعُ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَمِنْهُمْ سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ -﵁-، فَإِنَّهُ ثَبَتَ مَعَ الرَّسُولِ حِينَ انْكَشَفَ النَّاسُ، وَبَايَعَ يَوْمَئِذٍ عَلَى المَوْتِ، وَجَعَلَ يَنْضَحُ (٢) يَوْمَئِذٍ بِالنَّبْلِ (٣) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَيَقُولُ -ﷺ-: "نَبِّلُوا (٤) سَهْلًا فَإِنَّهُ سَهْلٌ" (٥).
* دِقَاعُ عَيْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَقَاتَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ -﵁-، حَتَّى أُصِيبَ فَمُهُ يَوْمَئِذٍ فَهُتِمَ (٦) وَجُرِحَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ جِرَاحَةً، وَجُرِحَ في رِجْلِهِ فَكَانَ يَعْرُجُ مِنْهَا (٧).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٧٤٥).
(٢) ينضَحُ: يَرْمِي. انظر النهاية (٥/ ٦٠).
(٣) النبل: هي السِّهَام. انظر النهاية (٥/ ٩).
(٤) يُقال: نَبَّلتُ الرجل: إذا ناوَلْتُهُ النبل ليَرْمِي. انظر النهاية (٥/ ٨).
(٥) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب قول النبي -ﷺ-: "نبِّلُوا سهلًا" - رقم الحديث (٥٧٨٨) - وابن سعد في طبقاته (٣/ ٢٤٧).
(٦) الهَتْمُ: انكسارُ الثَّنَايا من أصُولها، والثنَايا هي: الأسنان التي في مُقَدَّم الفم. انظر لسان العرب (١٥/ ٢٦) (٢/ ١٤١).
(٧) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب حلية عبد الرحمن بن عوف -﵁- رقم الحديث (٥٣٩٦) - وانظر سير أعلام النبلاء (١/ ٧٥) - الإصابة (٤/ ٢٩٢).
[ ٢ / ٦٤٠ ]
* دِفَاعُ مَالِكِ بنِ سِنَانٍ -﵁- عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَأَمَّا مَالِكُ بنُ سِنَانٍ وَالِدُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵄، فَإِنَّهُ امْتَصَّ دَمَ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنْ وَجْنَتِهِ (١) الشَّرِيفَةَ -ﷺ- حَتَّى أَنْقَاهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مُجَّهُ" (٢)، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَمُجُّهُ أَبَدًا، ثُمَّ أَدْبَرَ فَقَاتَلَ، فَقَالَ -ﷺ-: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى مَنْ خَالَطَ دَمِي دَمُهُ، فَلْيَنْظُرْ إِلَى مَالِكِ بنِ سِنَانٍ" (٣).
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ قَالَ -ﷺ-: "مَنْ مَسَّ دَمِي دَمُهُ لَمْ تُصِبْهُ النَّارُ" (٤).
* بُطُولَةُ نُسَيْبَةَ بِنْتِ كَعْبٍ ﵂:
وَقَاتَلَتْ أُمُّ عُمَارَةَ نُسَيْبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ المَازِنِيَّةُ ﵄، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: شَهِدَتْ أُمَّ عُمَارَةَ بِنْتَ كَعْبٍ أُحُدًا، مَعَ زَوْجِهَا غَزِيَّةُ بنُ عَمْرٍو وَابْنَيْهَا، وخَرَجَتْ تَسْقِي، وَمَعَهَا شَنٌّ (٥) لَهَا.
_________________
(١) وجْنَتُه: هي أعلى الخَدِّ. انظر النهاية (٥/ ١٣٨).
(٢) مَجَّهُ: أي ألقاه. انظر النهاية (٤/ ٢٥٣).
(٣) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر مالك بن سنان -﵁- رقم الحديث (٦٤٤٦) - وإسناده حسن بالشواهد.
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٨٩).
(٥) الشَّنُّ: القِرْبَة. انظر النهاية (٢/ ٤٥٣).
[ ٢ / ٦٤١ ]
وَكَانَتْ تُقَاتِلُ يَوْمَئِذٍ أَشَدَّ القِتَالِ، وأَبْلَتْ بَلَاءً حَسَنًا، وَإِنَّهَا لَحَاجِزَةٌ (١) ثَوْبَهَا عَلَى وَسَطِهَا، حَتَّى جُرِحَتْ اثْنَيْ عَشَرَ جُرْحًا، وكَانَ قَدْ ضَرَبَهَا ابنُ قَمِئَةَ -قبَّحَهُ اللَّهُ- ضَرْبَةً عَلَى عَاتِقِهَا (٢)، وَكَانَ أَعْظَمَ جِرَاحِهَا، فَدَاوَتْهُ سَنَةً، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ يَقُولُ: "مَنْ يُطِيقُ مَا تُطِيقِينَ يَا أُمَّ عِمَارَةَ؟ "، فَقَالَتْ: ادْعُ اللَّهَ أَنْ نُرَافِقَكَ في الجَنَّةِ. فَقَالَ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُمْ رُفَقَائِي في الجَنَّةِ". فَقَالَتْ ﵂: مَا أُبَالِي مَا أَصَابَنِي مِنَ الدُّنْيَا (٣).
قَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد أَبُو شَهْبَة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنَّ الإِنْسَانَ لَيُدْهَشُ مِنْ هَذِهِ الشَّجَاعَةِ التِي لَا نَكَادُ نَجِدُ لَهَا مِثَالًا في تَارِيخِ الدُّنْيَا، وَإِنَّ لِهَذِهِ السَّيَدَةِ البَطَلَةِ لَتَارِيخًا حَافِلًا في بَابِ الجِهَادِ في الإِسْلَامِ، . . . وَشَهِدَتْ كَذَلِكَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَأَبْلَت بَلَاءً حَسَنًا في حُرُوبِ الرِّدَّةِ (٤).
* جِهَادُ النِّسَاءِ:
وَلقدْ ضَرَبَ نِسَاءُ الصَّحَابَةِ ﵅، أَرْوَعَ الأَمْثِلَةِ في غَزْوَةِ أُحُدٍ العَظِيمَةِ، فكُنَّ يَسْقِينَ العَطْشَى، وَيُدَاوِينَ الجَرْحَى، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: . . . وَلقدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ،
_________________
(١) احتَجَزَ الرجُلُ بالإزَارِ: إذا شده على وَسَطِه. انظر النهاية (١/ ٣٣٢).
(٢) العَاتِقُ: ما بين المِنْكَبِ والعُنُق. انظر لسان العرب (٩/ ٣٨).
(٣) انظر الطبَّقَات الكبْرى لابن سعد (٨/ ٤٤١) - سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٧٩) - سيرة ابن هشام (٣/ ٩١).
(٤) انظر السِّيرة النَّبوِية في ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة (٢/ ٢٠٣).
[ ٢ / ٦٤٢ ]
وَأُمَّ سُلَيْمٍ (١)، وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ (٢) أَرَى خَدَمَ (٣) سُوقِهِمَا تَنْقُلَانِ (٤) الْقِرَبِ عَلَى مُتُونِهِمَا (٥) ثُمَّ تُفْرِغَانِهِ في أَفْوَاهِ القَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ، فتَمْلَآنِهَا ثُمَّ تَجِيئَانِ، فَتُفْرِغَانِهِ في أَفْوَاهِ القَوْمِ (٦).
* جِهَادُ أُمِّ سَلِيطٍ ﵂:
وَمِنْهُنَّ أُمُّ سَلِيطٍ، وَهِيَ وَالِدَةُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵄، كَانَتْ زَوْجًا لِأَبِي سَلِيطٍ، فَمَاتَ عَنْهَا قَبْلَ الهِجْرَةِ، فتَزَوَّجَهَا مَالِكُ بنُ سِنَانٍ الخُدْرِيُّ فَوَلَدَتْ لَهُ أَبَا سَعِيدٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ ثَعْلَبَةَ بنِ أَبِي
_________________
(١) أم سُلَيمٍ: هي أمُّ أنس بن مالك ﵄.
(٢) التشْمِير: هو الجِدُّ في العمل والاجتهاد. انظر النهاية (٢/ ٤٤٧).
(٣) الخَدَم بفتح الخاء والدال: جمع خَدَمَة، وهو الخَلْخَال. انظر النهاية (٢/ ١٥). قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ١٥٨): ونظر أنس -﵁- لِخَدَم سوقهما لم يكن فيها نَهْيٌ؛ لأن هذا كان يوم أُحُدٍ قبل أمْرِ النساء بالحِجَاب، وتحرِيمِ النظر إليهنَّ؛ ولأنه لم يذكر هنا أنَّه تعمَّد النظر إلى نفس السَّاق، فهو محمُول على أنَّه حَصَلَتْ تلك النظرة فجأةً بغير قَصْدٍ ولم يستَدِمْهَا.
(٤) في رواية أخرى في صحيح البخاري قال أنس لَهُ: تَنْقُزَانِ لِلْقِرَب. والنَّقْزُ: الوثْبُ والقفْزُ، كنايةٌ عن سُرعة السير، أي يحملان القرب، ويقفِزَانِ بها وَثْبًا. انظر النهاية (٥/ ٩٢).
(٥) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٢/ ١٥٨): مُتُونِهِما: أي ظُهورهما.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال - رقم الحديث (٢٨٨٠) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا﴾ - رقم الحديث (٤٠٦٤) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة النساء مع الرجال - رقم الحديث (١٨١١).
[ ٢ / ٦٤٣ ]
مَالِكٍ قَالَ: إِنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ -﵁- قَسَمَ مُرُوطًا (١) بَيْنَ نِسَاءٍ مِنْ نِسَاءِ المَدِينَةِ، فَبَقِيَ مِرْطٌ جَيِّدٌ، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ مَنْ عِنْدَهُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَعْطِ هَذَا ابْنَةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- التِي عِنْدَكَ -يُرِيدُونَ أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ- فَقَالَ عُمَرُ: أُمُّ سَلِيطٍ أَحَقُّ، وَأُمُّ سَلِيطٍ مِنْ نِسَاءَ الأَنْصَارِ مِمَّنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ عُمَرُ: فَإِنَّهَا كَانَتْ تَزْفِرُ (٢) لَنَا القِرَبَ يَوْمَ أُحُدٍ (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ، وَنِسْوَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ مَعَهُ إِذَا غَزَا، فَيَسْقِينَ المَاءَ وَيُدَاوِينَ الجَرْحَى (٤).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ جَوَازُ خُرُوجِ النِّسَاءَ في الغَزْوِ وَالِانْتِفَاعِ بِهِنَّ في السَّقْي وَالمُدَاوَاةِ وَنَحْوِهِمَا، وَهَذ المُدَاوَاةُ لِمَحَارِمِهِنَّ وَأَزْوَاجِهِنَّ، وَمَا كَانَ مِنْهَا لِغَيْرِهِمْ لَا يَكُونُ فِيهِ مَسُّ بَشَرَةٍ إِلَّا في مَوْضِعِ الحَاجَةِ (٥).
قَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد أَبُو شَهْبَة: فَالإِسْلَامُ يُبِيحُ لِلْمَرْأَةِ المُشَارَكَةَ في
_________________
(١) المِرْط: هو كساءٌ، ويكون من صُوفٍ. انظر النهاية (٤/ ٢٧٣).
(٢) تَزْفُرُ: بفتح أوله وسكون الزاي وكسر الفاء: أي تحمل. انظر النهاية (٢/ ٢٧٦).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو - رقم الحديث (٢٨٨١).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة النساء مع الرجال - رقم الحديث (١٨١٠).
(٥) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٢/ ١٥٨).
[ ٢ / ٦٤٤ ]
الجِهَادِ، وَلَكِنْ بِشَرْطِ التَّدَيُّنِ وَالتَّصَوُّنِ وَالتَّعَفُّفِ، وَعَدَمِ الِابْتِذَالِ، وَالوُقُوعِ في المَآثِمِ، وَإِلَّا كَانَ ضَرَرُهَا أَكْثَرَ مِنْ نَفْعِهَا، وَإِفْسَادُهَا أَكْثَرَ مِنْ إِصْلَاحِهَا (١).
* انْحِيَازُ (٢) الرَّسُولِ -ﷺ- بِأَصْحَابِهِ نَحْوَ الجَبَلِ:
وَبَعْدَ أَنْ تَمَكَّنَ الصحَابَةُ ﵃ الذِينَ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ صَدِّ هَجَمَاتِ المُشْرِكِينَ، اسْتَطَاعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَشُقَّ الطَّرِيقَ إِلَى بَقِيَّةِ المُسْلِمِينَ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِمْ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ عَرَفَهُ -بَعْدَ انْتِشَارِ شَائِعَةِ قَتْلِهِ- كَعْبُ بنُ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: عَرَفْتُ عَيْنَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ تَتَلَأْلَآنِ مِنْ تَحْتِ المِغْفَرِ، فنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ! أَبْشِرُوا! هَذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَشَارَ إِلَيْهِ الرَّسُولُ -ﷺ- أَنِ اصْمِتْ، وَذَلِكَ لِئَلَّا يَعْرِفَ المُشْرِكُونَ مَكَانَهُ، إِلَّا أَنَّ هَذَا الصَّوْتَ بَلَغَ إِلَى آذَانِ المُسْلِمِينَ، فَلَاذَ إِلَيْهِ المُسْلِمُونَ، حَتَّى تَجَمَّعَ حَوْلَهُ حَوَالِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنَ الصَّحَابَةِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَرِحُوا حَتَّى كَأَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَهُمْ، وَهَانَ عَلَيْهِمْ مَا فَاتَهُمْ مِنَ القَوْمِ بَعْدَ ظُهُورِهِ -ﷺ- عَلَيْهِمْ، ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- طَلَبَ مِنْهُمْ أَنْ يَنْحَازُوا نَحْوَ جَبَلِ أُحُدٍ، وَعِنْدَمَا أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَشُقُّ الطَّرِيقَ إِلَى شِعْبِ الجَبَلِ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَطَلْحَةُ، والزُّبَيْرُ، وسَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ، وَالحَارِثُ بنُ الصِّمَّةِ، وَكَعْبُ بنُ مَالِكٍ، وَأَبُو
_________________
(١) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة في ضوء القرآن والسنة للدكتور محمد أبو شهبة (٢/ ٢٠٥).
(٢) انحَازَ القومُ: ترَكُوا أماكِنَهُمْ إلى آخر. انظر لسان العرب (٣/ ٣٨٩).
[ ٢ / ٦٤٥ ]
دُجَانَةَ، وَسَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ وَغَيْرُهُمْ، سَعَى المُشْرِكُونَ إِلَى عَرْقَلَةِ انْسِحَابِهِ -ﷺ- بِالمُسْلِمِينَ، واشْتَدُّوا في هُجُومِهِمْ، لِعَرْقَلَةِ الِانْسِحَابِ إِلَّا أَنَّهُمْ فَشِلُوا أَمَامَ بَسَالَةِ (١) لُيُوثِ (٢) المُسْلِمِينَ.
وَهَكَذَا انْهَزَمَ المُشْرِكُونَ، وَفَشِلَتْ مُحَاوَلَاتُهُمْ أَمَامَ بَسَالَةِ المُسْلِمِينَ (٣).
* صُعُودُ الرَّسُولِ -ﷺ- الصَّخْرَةَ:
وَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَعْلُوَ الصَّخْرَةَ التِي في الشِّعْبِ، فَلَمَّا ذَهَبَ لِيَنْهَضَ لَمْ يَسْتَطِعْ، لِأَنَّهُ -ﷺ- كَانَ بَدَّنَ (٤)، وَظَاهَرَ بَيْنَ دَرْعَيْنِ (٥)، وَأَصَابَهُ الضَّعْفُ لِكَثْرَةِ مَا نَزَفَ دَمًا مِنْ جُرْحِهِ، فَبَرَكَ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ -﵁- تَحْتَهُ، فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى ظَهْرِهِ حَتَّى جَلَسَ عَلَى الصَّخْرَةِ، فَقَالَ -ﷺ-: "أَوْجَبَ طَلْحَةُ" (٦).
_________________
(١) البَسَالَةُ: الشَّجَاعة. انظر النهاية (١/ ١٢٨).
(٢) اللَّيْثُ: الشِّدَّةُ والقُوَّة، وبه سُمِّي الأسد ليثًا. انظر لسان العرب (١٢/ ٣٧٣).
(٣) أخرجَ انحِيَازَ الرسول -ﷺ- وأصحابه إلى جبَلِ أُحُدٍ: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٠٩) وإسناده حسن - وأما معرفة كعب بن مالك -﵁- للرسول -ﷺ- فقد أخرجها: أبو نعيم في الدلائل (٢/ ٤٨٢) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٩٣) - والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٢٣٧) - وإسناده صحيح.
(٤) بَدَّن: أي كَبَّرَ وأسَنَّ، والبادِنُ: الضَّخْمُ. انظر النهاية (١/ ١٠٧).
(٥) ظاهَرَ بينَ دِرْعَيْنِ: أي لبِسَ دِرْعَيْنِ أحدُهُمَا فوقَ الآخر. انظر النهاية (٣/ ١٥٢).
(٦) أخرجَ صُعودَ الرَّسول -ﷺ- على ظهرِ طَلْحَةَ -﵁-: الإمام أحمد في مسنده (١٤١٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر طلحة بن =
[ ٢ / ٦٤٦ ]
أَيْ أَنَّهُ فَعَلَ شَيْئًا اسْتَوْجَبَ بِهِ الجَنَّةَ حِينَ صَنَعَ بِرَسُولِهِ -ﷺ- مَا صَنَعَ.
* مَقْتَلُ أُبَيِّ بنِ خَلَفٍ لَعَنَهُ اللَّهُ:
فَلَمَّا أَسْنَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في الشِّعْبِ أَدْرَكَهُ أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ، وَهُوَ يَقُولُ: أَيْنَ مُحَمَّدٌ؟ لَا نَجَوْتُ إِنْ نَجَا، فَقَالَ القَوْمُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: أَيَعْطِفُ (١) عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنَّا؟، فَقَالَ -ﷺ-: "دَعُوهُ".
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: فَاعْتَرَضَهُ رِجَالٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ لِيَقْتُلُوهُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اسْتَأْخِرُوا، اسْتَأْخِرُوا"، فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ، فَلَمَّا دَنَا مِنْهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الحَرْبَةَ مِنَ الحَارِثِ بنِ الصِّمَّةِ -﵁-، فَلَمَّا أَخَذَهَا -ﷺ- انْتَفَضَ بِهَا انْتِفَاضَةً تَطَايَرَ عَنْهُ أصْحَابُهُ تَطَايُرَ الشَّعْرَاءِ (٢) عَنْ ظَهْرِ البَعِيرِ إِذَا انْتَفَضَ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَطَعَنَهُ في تُرْقُوَتِهِ (٣) مِنْ فُرْجَةٍ بَيْنَ سَابِغَةِ (٤) الدِّرْعِ، وَالبَيْضَةِ تَدَهْدَهَ (٥) مِنْهُ -أَيْ مِنَ الطَّعْنَةِ- عَنْ فَرَسِهِ مِرَارًا،
_________________
(١) = عبيد اللَّه -﵁- رقم الحديث (٦٩٧٩) - والترمذي في جامعه - كتاب الجهاد - باب ما جاء في الدرع - رقم الحديث (١٧٨٧) - وأخرجه في كتاب المناقب - باب مناقب طلحة بن عبيد اللَّه -﵁- رقم الحديث (٤٠٧١) - وإسناده حسن.
(٢) عطفَ عليه: إذا كَرَّ، والكَرُّ: الرجوع. انظر لسان العرب (٩/ ٢٦٩) (١٢/ ٦٤).
(٣) الشَعْرَاء: هي ذِبَّانٌ حُمْرٌ، وقيل: زُرقٌ تقعُ على الإبل والحَمِيرِ وتؤذِيهَا أذًى شديدًا. انظر النهاية (٢/ ٤٣٠).
(٤) التُّرْقوُةُ: هي العَظْمُ الَّذي بين ثُغرَةِ النَّحْرِ والعاتق. انظر النهاية (١/ ١٨٣).
(٥) سابِغَةُ الدرع: هي شيء من حَلَقِ الدروع تستُرُ العنق. انظر النهاية (٢/ ٣٠٤) - لسان العرب (٦/ ١٦٠).
(٦) تَدَهْدَهَ: أي تدحْرَجَ وسقَطَ. انظر النهاية (٢/ ١٣٣).
[ ٢ / ٦٤٧ ]
وَجَعَلَ يَخُورُ كَمَا يَخُورُ الثَّوْرُ، فَلَمَّا رَجَعَ إِلَى قُرَيْشٍ، وَقَدْ خَدَشَهُ في عُنُقهِ خَدْشًا غَيْرَ كَبِيرٍ، قَالَ: قَتَلَنِي وَاللَّهِ مُحَمَّدٌ، فَقَالُوا لَهُ: ذَهَبَ وَاللَّهِ فُؤَادُكَ، وَاللَّهِ إِنَّ بِكَ مِنْ بَأْسٍ، قَالَ: إِنَّهُ قَدْ كَانَ قَالَ لِي بِمَكَّةَ: "أَنَا أَقْتُلُكَ"، فَوَاللَّهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي.
وَقِصَّةُ ذَلِكَ أَنَّ أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ كَانَ يَلْقَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ عِنْدِي فَرَسًا أَعْلِفُهُ كُلَّ يَوْمٍ فَرَقًا (١) مِنْ ذُرَةٍ أَقْتُلُكَ عَلَيْهِ، فَيَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ".
وَمَاتَ عَدُوُّ اللَّهِ بِسَرِفٍ (٢)، وَهُمْ رَاجِعُونَ إِلَى مَكَّةَ (٣).
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في سَبِيلِ اللَّهِ ﷿" (٤).
_________________
(١) الفَرَقُ؛ بالتحريك مِكْيَالٌ ضخمٌ لأهلِ المَدِينة معروف. انظر النهاية (٣/ ٣٩١).
(٢) سَرِف بكسر الراء: موضع من مكة علي عشرة أميال. انظر النهاية (٢/ ٣٢٦).
(٣) أخرج قصَّة مقتل أُبي بن خلف: أبو نعيم في دلائل النبوة (٢/ ٤١٤) - وابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٧٢) - والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٢٣٧) مرسلًا عن سعيد بن المسيب، ووصله الواحدي في أسباب النزول ص ٥٦ - والحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب طعن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أُبي بن خلف - رقم الحديث (٣٣١٦) - وإسناده صحيح.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - ما أصاب النبي -ﷺ- من الجراح يوم أُحد - رقم الحديث (٤٠٧٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة أُحد - رقم الحديث (١٧٩٣).
[ ٢ / ٦٤٨ ]
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: قَوْلَهُ -ﷺ-: "فِي سَبِيلِ اللَّهِ" احْتِرَازٌ مِمَّنْ يَقْتُلُهُ فِي حَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ؛ لِأَنَّ مَنْ يَقْتُلُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ قَاصِدًا قَتْلَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ، رَجُلٌ قَتَلَ نَبِيًّا، أَوْ قَتَلَهُ نَبِيٌّ، وَإِمَامُ ضَلَالَةٍ، وَمُمَثِّلٌ (٢) مِنَ المُمَثِّلِينَ" (٣).
* آخِرُ هُجُومٍ قَامَ بِهِ المُشْرِكُونَ:
وَلَمَّا اسْتَقَرَّ الرَّسُولُ -ﷺ- فِي الشِّعْبِ، قَامَ المُشْرِكُونَ بِآخِرِ هُجُومٍ حَاوَلُوا فِيهِ النَّيْلَ (٤) مِنَ المُسْلِمِينَ، إِلَّا أَنَّ المُسْلِمِينَ رَمَوْهُمْ بِالحِجَارَةِ، وَقَاتَلُوهُمْ حَتَّى فَشِلُوا، وَارْتَدُّوا عَلَى أعْقَابِهِمْ.
فَبَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالشِّعْبِ، مَعَهُ أُولَئِكَ النَّفَرُ مِنْ أَصْحَابِهِ، إِذْ عَلَتْ عَالِيَةٌ مِنْ خَيْلِ قُرَيْشٍ لِلجَبَلِ، يَقُودُهُمْ أَبُو سُفْيَانَ، وَخَالِدُ بنُ الوَليدِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَعْلُونَا" (٥)، "اللَّهُمَّ! إِنَّكَ إِنْ تَشَأْ لَا
_________________
(١) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٢/ ١٢٧).
(٢) المُمَثِّل: أي مُصوِّر. انظر النهاية (٤/ ٢٥١).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (٣٨٦٨) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٦).
(٤) نالَ منَ القوم: إذا أصَابَ منهم. انظر النهاية (٥/ ١٢٤).
(٥) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٠٩) وإسناده حسن.
[ ٢ / ٦٤٩ ]
تُعْبَدْ فِي الأَرْضِ" (١)، ثُمَّ نَدَبَ (٢) أَصْحَابَهُ -ﷺ-، فتَصَدَّى لَهُمْ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- فِي رَهْطٍ (٣) مِنَ المُهَاجِرِينَ، فَقَاتَلُوهُمْ وَرَمَوْهُمْ بِالحِجَارَةِ حَتَّى أَهْبَطُوهُمْ مِنَ الجَبَلِ (٤).
* تَغْشِيَةُ النُّعَاسِ لِلْمُؤْمِنِينَ:
ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ عَلَى المُسْلِمِينَ، حِينَ اشتَدَّ عَلَيْهِمُ الخَوْفُ، فَمَا مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا وَهُوَ نَائِمٌ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ (٥).
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ الأَنْصَارِيِّ -﵁- قَالَ: كُنْتُ فِيمَنْ تَغَشَّاهُ النُّعَاسُ يَوْمَ أُحُدٍ حَتَّى سَقَطَ سَيْفِي مِنْ يَدِي مِرَارًا، يَسْقُطُ وَآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ فَآخُذُهُ (٦).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ نَاسٌ مِنَ النَّاسِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، . . . وَلقدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبِي
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب استحباب الدعاء بالنصر - رقم الحديث (١٧٤٣) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٩٦).
(٢) ندبتَهُ: أي بعثَتُه ودعَوْتَهُ فأجَاب. انظر النهاية (٥/ ٢٩).
(٣) الرهط من الرجال: ما دُون العشرة. انظر النهاية (٢/ ٢٥٧).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٩٦).
(٥) سورة آل عمران آية (١٥٤).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب (٢١) - رقم الحديث (٤٠٦٨).
[ ٢ / ٦٥٠ ]
طَلْحَةَ إِمَّا مَرَّتَيْنِ وَإِمَّا ثَلَاثًا، مِنَ النُّعَاسِ (١).
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ -﵁- قَالَ: رَفَعْتُ رَأْسِي يَوْمَ أُحُدٍ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ، وَمَا مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ إِلَّا يَمِيدُ (٢) تَحْتَ حَجَفَتِهِ (٣) مِنَ النُّعَاس، فَذَلِكَ قَوْلَهُ ﷿: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ (٤).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَالمَقْصُودُ أَنَّ أُحُدًا وَقَعَ فِيهَا أَشْيَاءُ مِمَّا وَقَعَ فِي بَدْرٍ، مِنْهَا: حُصُولُ النُّعَاسِ حَالَ الْتِحَامِ الحَرْبِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى طُمَأْنِينَةِ القُلُوبِ بِنَصْرِ اللَّهِ وَتَأْيِيدِهِ، وَتَمَامِ تَوَكُّلِهَا عَلَى خَالِقِهَا وَبَارِئِهَا (٥).
وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ: وَالنُّعَاسُ فِي الحَرْبِ وَعِنْدَ الخَوْفِ دَلِيلٌ عَلَى الأَمْنِ، وَهُوَ مِنَ اللَّهِ، وَفِي الصَّلَاةِ، وَمَجَالِسِ الذِّكْرِ، وَالعِلْمِ مِنَ الشَّيْطَانِ (٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة النساء مع الرجال - رقم الحديث (١٨١١).
(٢) يَمِيد: تحزَك ومَال. انظر لسان العرب (١٣/ ٢٣٠).
(٣) الحَجَفَة: التُّرْسُ. انظر النهاية (١/ ٣٣٣).
(٤) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة آل عمران - رقم الحديث (٣٢٥٢) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب قصة غزوة أحد - رقم الحديث (٣٢١٨).
(٥) انظر البداية والنهاية (٤/ ٤٠٤).
(٦) انظر زاد المعاد (٣/ ١٨٢).
[ ٢ / ٦٥١ ]
* حَالُ المُنَافِقِينَ:
وَأَمَّا المُنَافِقُونَ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ هَمٌّ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ، أَجْبَنُ القَوْمِ وَأَرْعَنُهُمْ (١)، وَأَخَذَلُهُمْ لِلْحَقِّ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فيهم: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ (٢) يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ (٣) يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ (٤).
* مُدَاوَاةُ جِرَاحِ الرَّسُولِ -ﷺ-:
فَلَمَّا هَدَأَ الأَمْرُ أَخَذَ الصَّحَابَةُ ﵃ يُدَاوُونَ جِرَاحَ الرَّسُولِ -ﷺ-، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ -﵁-
_________________
(١) الرُّعُونة: الحُمْقُ. انظر لسان العرب (٥/ ٢٥٠).
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (٢/ ١٤٥): يعني لا يغشَاهُمُ النعاس من القَلَقِ والجَزَع والخَوف.
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (٢/ ١٤٥): اعتقدوا أن المشرِكِين لما ظهَرُوا تلك الساعة أنها الفَيْصَلَة، وأن الإسلام قد بَادَ وأهله، هذا شأنُ أهل الرَّيْبِ والشَّكِّ إذا حصل أمرٌ من الأمور الفَظِيعَة، تحصل لهم هذه الظُّنُون الشنيعة.
(٤) سورة آل عمران آية (١٥٤).
[ ٢ / ٦٥٢ ]
قَالَ: . . . أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁- فَأَتَى المِهْرَاسَ (١)، وَأَتَاهُ بِمَاءٍ فِي دَرَقَتِهِ (٢)، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَشْرَبَ مِنْهُ، فَوَجَدَ لَهُ رِيحًا فَعَافَهُ، فَغَسَلَ بِهِ الدَّمَ الذِي فِي وَجْهِهِ، وَهُوَ يَقُولُ -ﷺ-: "اشتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى مَنْ دَمَّى وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-" (٣).
ثُمَّ جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَأَخَذَتْ تُدَاوِي جِرَاحَ الرَّسُولِ -ﷺ-، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَعِيدِ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَومُ أُحُدٍ، وَانْصَرَفَ المُشْرِكُونَ خَرَجَ النِّسَاءُ إِلَى الصَّحَابَةِ يُعِينُونَهُمْ، فَكَانَتْ فَاطِمَةُ فِيمَنْ خَرَجَ، فَلَمَّا رَأَتِ النَّبِيَّ -ﷺ- اعْتَنَقَتْهُ، وَجَعَلَتْ تَغْسِلُ جِرَاحَاتِهِ بِالمَاءِ فَيَزْدَادُ الدَّمُ (٤).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ -﵁- قَالَ: . . . فَكَانَتْ فَاطِمَةُ ﵂ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تَغْسِلُ الدَّمَ، وكَانَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- يَسْكُبُ (٥) عَلَيْهَا المَاءَ بِالمِجَنِّ (٦)، فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنَّ المَاءَ لَا يَزِيدُ
_________________
(١) المِهْرَاسُ: هو ماءٌ بجَبَلِ أُحد. انظر النهاية (٥/ ٢٢٤).
(٢) الدّرَقَةُ: التُّرْسُ من جُلُودٍ ليست فيها خشبٌ ولا عقب. انظر لسان العرب (٤/ ٣٣٣).
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر طلحة بن عبيد اللَّه -﵁- رقم الحديث (٦٩٧٩).
(٤) أورد ذلك الحافظ في الفتح (٨/ ١٢٣) - وسكت عليه.
(٥) سكب: صَبَّ. انظر لسان العرب (٦/ ٣٠٢).
(٦) المِجَنُّ: التُّرْس. انظر النهاية (٤/ ٢٥٦).
[ ٢ / ٦٥٣ ]
الدَّمَ إِلَّا كَثْرَةً، أَخَذَتْ قِطْعَةً مِنْ حَصِيرٍ (١) فَأَحْرَقْتُهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا، ثُمَّ أَلْصَقْتُهُ بِالْجُرُوحِ، فَاسْتَمْسَكَ الدَّمُ (٢).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ، وَشُجَّ فِي رَأْسِهِ، فَجَعَلَ يَسْلُتُ (٣) الدَّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ: "كَيْفَ يُفْلحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ، وَكسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ؟ "، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (٤).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - جَوَازُ التَّدَاوِي.
٢ - وَأَنَّ الأَنْبِيَاءَ قَدْ يُصَابُونَ بِبَعْضِ العَوَارِضِ الدُّنْيَوِيَّةِ مِنَ الآلَامِ وَالأَسْقَامِ لِيَعْظُمَ لَهُمْ بِذَلِكَ الأَجْرُ، وتَزْدَادَ دَرَجَاتُهُمْ رِفْعَةً، وَليَتَأَسَّى بِهِمْ أَتْبَاعُهُمْ فِي الصَّبْرِ عَلَى المَكَارِهِ، وَالعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ.
_________________
(١) الحَصِير: هو البِسَاط الصغير من النَّبَات، يبسَطُ في البيوت. انظر لسان العرب (٣/ ٢٠٣) - النهاية (١/ ٣٨٠).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب ما أصاب النبي -ﷺ- من الجراح يوم أُحد - رقم الحديث (٤٠٧٥) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة أُحد - رقم الحديث (١٧٩٠).
(٣) سَلَتَ: أمَاطَهُ وأزَالَه. انظر النهاية (٢/ ٣٤٨).
(٤) سورة آل عمران آية (١٢٨) - والحديث أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة أُحد - رقم الحديث (١٧٩١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٩٥٦) (١٣٠٨٣).
[ ٢ / ٦٥٤ ]
٣ - وَفِيهِ مُبَاشَرَةُ المَرْأَةِ لِأَبِيهَا، وَكَذَلِكَ لِغَيْرِهِ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهَا، وَمُدَاوَاتُهَا لأمراضهم (١).
* تَشْوِيهُ شُهَدَاءِ المُسْلِمِينَ:
فَلَمَّا رَأَى المُشْرِكُونَ أَنَّهُمْ لَنْ يَصِلُوا إِلَى الرَّسُولِ -ﷺ-، وَإِلَى الصَّحَابَةِ، آثَرُوا الِانْسِحَابَ، وَلَمْ يَكُوُنوا يَعْرِفُوا مَا مَصِيرُ الرَّسُولِ -ﷺ- هَلْ قُتِلَ أَمْ لَا، فَأَخَذُوا يَتَهَيَّؤُونَ لِلرُّجُوعِ إِلَى مَكَّةَ، وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ يُمَثِّلُونَ بِقَتْلَى المُسْلِمِينَ، يُقَطِّعُونَ الآذَانَ، وَالأُنُوفَ، وَالفُرُوجَ، ويَبْقَرُونَ (٢) البُطُونَ.
وَبَقَرَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ عَنْ كَبِدِ حَمْزَةَ -ﷺ-، فَلَاكَتْهَا (٣) فَلَمْ تَسْتَطِعْ أَنْ تُسِيغَهَا، فَأَلْقَتْهَا، وَكَانَتْ قَدْ نَذَرَتْ إِنْ قَدِرَتْ عَلَى حَمْزَةَ لَتَأْكُلَنَّ مِنْ كَبِدِهِ (٤).
وَلَمْ يَتْرُكِ المُشْرِكُونَ قَتِيلًا مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَّا مَثَّلُوا بِهِ، إِلَّا حَنْظَلَةَ بنَ أَبِي عَامِرٍ -غَسِيلَ المَلَائِكَةِ- فَتُرِكَ بِسَبَبِ وَالِدِهِ الفَاسِقِ، كَانَ مَعَ المُشْرِكِينَ.
وَمِمَّنْ مُثِلَ بِهِ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ حَرَامٍ وَالِدُ جَابِرٍ ﵄، فَجَدَعُوا (٥) أَنْفَهُ وَأُذُنَهُ.
_________________
(١) انظر فتح الباري (١/ ٤٧٢) (٨/ ١٢٣).
(٢) البَقْرُ: الشَّقُّ والفَتْحُ. انظر لسان العرب (١/ ٤٥٩).
(٣) يُقال: لُكْتُ الشيءَ في فَمِي: إذا عَلَكْته. انظر لسان العرب (١٢/ ٣٦٠).
(٤) أخرج أكل هند بنت عَبة ﵂ - لأنها أسلمت يوم فتح مكة - من كبد حمزة -﵁-: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٤١٤) - وهو حديث حسن لغيره.
(٥) الجدعُ: قطعُ الأنفِ والأذن. انظر النهاية (١/ ٢٣٩).
[ ٢ / ٦٥٥ ]
وَمِمَّنْ مُثِّلَ بِهِ أَيْضًا عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ -﵁-، قَطَعُوا أَنْفَهُ وَأُذُنَيْهِ، إِلَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَبْقَرُوا بَطْنَهُ -﵁- (١).
* شَمَاتَةُ أَبِي سُفْيَانَ بَعْدَ نِهَايَةِ المَعْرَكَةِ:
فَلَمَّا أَرَادَ المُشْرِكُونَ الِانْصِرَافَ، أَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى الجَبَلِ، فَنَادَى المُسْلِمِينَ: أَفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تُجِيبُوهُ"، ثُمَّ قَالَ: أَفِي القَوْمِ ابنُ أَبِي قُحَافَةَ؛ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تُجِيبُوهُ"، ثُمَّ قَالَ: أَفِي القَوْمِ ابنُ الخَطَّابِ؛ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تُجِيبُوهُ".
ثُمَّ رَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ: أَمَّا هَؤُلَاءِ، فَقَدْ قُتِلُوا، فَلَوْ كَانُوا أَحْيَاءً لَأَجَابُوا، فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ (٢)، فَقَالَ: كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ أَبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ مَا يُخْزِيكَ (٣).
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ، وَالأَيَّامُ دُوَلٌ (٤)، وَالحَرْبُ سِجَالٌ (٥)، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا سَوَاءَ، قَتْلَانَا فِي الجَنَّةِ، وَقَتْلَاكُمْ فِي النَّارِ.
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ١٠١) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٢١٣).
(٢) في رواية الإمام أحمد في المسند، قال عمر -﵁-: يا رَسُول اللَّهِ، ألا أجيبه؛ قال: "بلى".
(٣) وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣٠٣٩) - قال عمر -﵁-: إن الذينَ عدَدْتَ لأحيَاءٌ كُلُّهم، وقد بقيَ لك ما يَسُوءُك.
(٤) دالَتِ الأيام: أي دَارَتْ. انظر لسان العرب (٤/ ٤٤٤).
(٥) الحربُ سِجَالٌ: أي مرَّة لنا ومرَّة علينا. انظر النهاية (٢/ ٣١٠).
[ ٢ / ٦٥٦ ]
ثُمَّ أَخَذَ أَبُو سُفْيَانَ يَرْتَجِزُ (١): أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ، فَقَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "أَلَا تُجِيبُونَهُ؟ ". قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُوُلوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ"، فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ.
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَنَا العُزَّى وَلَا عُزَّى لَكُمْ، فَقَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "أَلَا تُجِيبُونَهُ؟ "، قَالُوا: مَا نَقُولُ؟ قَالَ: "قُولُوا: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ"، فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: اللَّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ (٢).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - مَنْزِلَةُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَخُصُوصِيَّتُهُمَا بِهِ بِحَيْثُ كَانَ أَعْدَاؤُهُ لَا يَعْرِفُونَ بِذَلِكَ غَيْرَهُمَا، إِذْ لَمْ يَسْأَلْ أَبُو سُفْيَانَ عَنْ غَيْرِهِمَا.
٢ - وأَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمَرْءِ أَنْ يَتَذَكَّرَ نِعْمَةَ اللَّهِ، وَيَعْتَرِفَ بِالتَّقْصِيرِ عَنْ أَدَاءِ شُكْرِهَا.
_________________
(١) الرَّجَزُ: هو بحرٌ من بُحُور الشِّعْر معروفٌ، ونوعٌ من أنواعه، ويُسمى قائِلُهُ راجز. انظر النهاية (٢/ ١٨٢).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - ككتاب الجهاد والسير - باب ما يكره من التنازع والاختلاف في الحرب - رقم الحديث (٣٠٣٩) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب غزوة أُحد - رقم الحديث (٤٠٤٣) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٠٩) - (١٨٥٩٣).
[ ٢ / ٦٥٧ ]
٣ - وَفِيهِ شُؤْمُ ارْتِكَابِ المَعْصِيَةِ، وَأَنَّهُ يَعُمُّ ضَرَرُهُ مَنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ (١).
٤ - وَفِيهِ أَنَّ مَنْ آثَرَ دُنْيَاهُ أَضَرَّ بِأَمْرِ آخِرَتِهِ، وَلَمْ تَحْصُلْ لَهُ دُنْيَاهُ، وَاسْتُفِيدَ مِنْ هَذِهِ الكَائِنَةِ أَخْذُ الصَّحَابَةِ الحَذَرَ مِنَ العَوْدِ إِلَى مِثْلِهَا، وَالمُبَالَغَةُ فِي الطَّاعَةِ، وَالتَّحَرُّزُ مِنَ العَدُوِّ الذِينَ كَانُوا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ مِنْهُمْ، وَلَيْسُوا مِنْهُمْ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ ﷾ بِقَوْلِهِ: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ. . .﴾ إلى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ وَقَالَ ﷾: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (٢).
* مُوَاعَدَةُ التَّلَاقِي فِي بَدْرٍ:
وَلَمَّا انْصَرَفَ أَبُو سُفْيَانُ، وَمَنْ مَعَهُ نَادَى فِي المُسْلِمِينَ: إِنَّ مَوْعِدَكُمْ بَدْرٌ عَلَى رَأْسِ الحَوْلِ (٣)، حَيْثُ قَتَلْتُمْ أَصْحَابَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁-: "قُلْ نَعَمْ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، هُوَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدٌ"، فَافْتَرَقَ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ (٤).
_________________
(١) سورة الأنفال آية (٢٥).
(٢) سورة آل عمران آية (١٧٩) - وانظر كلام الحافظ في الفتح (٨/ ٩٦).
(٣) الحَوْلُ: السنة. انظر النهاية (١/ ٤٤٥).
(٤) أخرج مواعدة أبي سفيان للمسلمين في بدر العام المقبل: النسائي في السنن الكبرى -=
[ ٢ / ٦٥٨ ]
* التَّأَكُّدُ مِنْ مَوْقِفِ المُشْرِكِينَ:
فَلَمَّا ذَهَبَ المُشْرِكُونَ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁- (١) وَقَالَ لَهُ: "اخْرُجْ فِي آثَارِ القَوْمِ، فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَمَاذَا يُرِيدُونَ؟ فَإِنْ كَانُوا قَدْ جَنَبُوا الخَيْلَ (٢)، وَامْتَطَوْا (٣) الإِبِلَ، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ مَكَّةَ، وَإِنْ رَكبُوا الخَيْلَ وَسَاقُوا الإِبِلَ، فَإِنَّهُمْ يُرِيدُونَ المَدِينَةَ، وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ أَرَادُوهَا لَأَسِيرَنَّ إِلَيْهِمْ فِيهَا، ثُمَّ لَأُنَاجِزَنَّهُمْ" (٤).
قَالَ عِلِيٌّ -﵁-: فَخَرَجْتُ فِي آثَارِهِمْ أَنْظُرُ مَاذَا يَصْنَعُونَ، فَجَنَّبُوا الخَيْلَ، وَامْتَطَوُا الإِبِلَ، وَوَجَّهُوا إِلَى مَكَّةَ.
فَجَاءَ عَلِيٌّ -﵁-، فَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِانْصِرَافِهِمْ إِلَى مَكَّةَ (٥).
* تَفَقُّدُ المُسْلِمِينَ قَتْلَاهُمْ وَجَرْحَاهُمْ:
وَلَمَّا انْصَرَفَتْ قُرَيْشٌ إِلَى مَكَّةَ طَابَتْ أَنْفُسُ المُسْلِمِينَ لِذَهَابِهِمْ، وَانتشَرُوا
_________________
(١) = كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ - رقم الحديث (١١٠١٧) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ١٠٥) - وصحح إسناده الحافظ في الفتح (٩/ ٩٦).
(٢) هَذِهِ رِوَايَةُ ابن إسحاق في السيرة (٣/ ١٠٥) - وفي رواية البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٢١٣): أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بعث سعد بن أبي وقاص -﵁-. فلعلَّهُ -ﷺ- أرسَلَهُمَا جميعًا، واللَّه أعلم.
(٣) جَنَبَ الفرس: بالتحريك أي قادَهُ إلى جنبه. انظر لسان العرب (٢/ ٣٧٢).
(٤) امتَطَوا الإبل: أي رَكِبُوها. انظر النهاية (٤/ ٢٩٠).
(٥) لَأُنَاجِزَنَّهُم: أي لأقَاتِلَنَّهُمْ وأخَاصِمَنَّهُمْ. انظر النهاية (٥/ ١٨).
(٦) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ١٠٥) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٢١٣).
[ ٢ / ٦٥٩ ]
يَتَفَقَّدُونَ قَتْلَاهُمْ وَجَرْحَاهُمْ، فَكَانَ مِنْ بَيْنِ الجَرْحَى: سَعْدُ بنُ الرَّبِيعِ -﵁-، وَمَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ، وَوُجِدَ مِنْ بَيْنِ الجَرْحَى الأُصَيْرِمُ -﵁-، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ، وَمِنْ بَيْنِ القَتْلَى عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ -﵁-، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ حَرَامٍ، وَالِدُ جَابِرٍ ﵄، وَعَمْرُو بنُ الجَمُوحِ -﵁-، وَمُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ -﵁-، وَمُخَيْرِيقٌ اليَهُودِيُّ -﵁- وَغَيْرُهُمْ.
* الرَّسُولُ -ﷺ- يَبْحَثُ عَنْ عَمِّهِ حَمْزَةَ -﵁-:
وَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَلْتَمِسُ عَمَّهُ حَمْزَةَ رمنه، فَرَآهُ وَقَدْ مُثِّلَ بِهِ، فَجُدِعَ أَنْفُهُ وَأُذُناهُ، فَقَالَ -ﷺ-: "لَوْلَا أَنْ تَجْزَعَ (١) صَفِيَّةُ، لَتَرَكْتُهُ حَتَّى يَحْشُرَهُ اللَّهُ ﷿ مِنْ بُطُونِ الطَّيْرِ وَالسِّبَاعِ" (٢).
وَجَاءَتْ صَفِيَّةُ ﵂ تُرِيدُ أَنْ تَنْظُرَ إِلَى أَخِيهَا حَمْزَةَ -﵁-، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ابْنَهَا الزُّبَيْرَ -﵁- أَنْ يَصْرِفَهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا قُتِلَ حَمْزَةُ -﵁- أَقْبَلَتْ صَفِيَّةُ تَطْلُبُهُ لَا تَدْرِي مَا صَنَعَ، فَلَقِيَتْ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ ﵄، فَقَالَ عَلِيٌّ لِلزُّبَيْرِ: اذْكُرْ لِأُمِّكَ، وَقَالَ الزُّبَيْرُ لِعَلِيٍّ: لَا اذْكُرْ أَنْتَ لِعَمَّتِكَ، قَالَتْ: مَا فَعَلَ حَمْزَةُ، فَأَرَيَاهَا أنَّهُمَا لَا
_________________
(١) الجزع: الحزن. انظر النهاية (١/ ٢٦١).
(٢) أخرج ذلك الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٩١٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٣٠٠) - وأبو داود في سننه - كتاب الجنائز - باب الشهيد يغسَّل - رقم الحديث (٣١٣٦) - وإسناده حسن.
[ ٢ / ٦٦٠ ]
يَدْرِيَانِ فَجَاءَتِ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ -ﷺ-: "إِنِّي أخَافُ عَلَى عَقْلِهَا"، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهَا وَدَعَا فَاسْتَرْجَعَتْ وَبَكَتْ (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ -﵁- قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي الزُّبَيْرُ: أَنَّهُ لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَقْبَلَتِ امْرَأَةٌ تَسْعَى، حَتَّى إِذَا كَادَتْ أَنْ تُشْرِفَ عَلَى القَتْلَى، قَالَ: فكَرِهَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ ترَاهُمْ، فَقَالَ -ﷺ-: "المَرْأَةَ المَرْأَةَ".
قَالَ الزُّبَيْرُ: فتَوَسَّمْتُ (٢) أَنَّهَا أُمِّي صَفِيَّةُ، قَالَ: فَخَرَجْتُ أَسْعَى إِلَيْهَا، فَأَدْرَكْتُهَا قَبْلَ أَنْ تَنْتَهِي إِلَى القَتْلَى، قَالَ: فَلَدَمَتْ (٣) فِي صَدْرِي، وَكَانَتِ امْرَأَةً جَلْدَةً (٤)، قَالَتْ: إِلَيْكَ، لَا أَرْضَ لَكَ (٥)، قُلْتُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَزَمَ عَلَيْكِ.
قَالَ: فَوَقَفَتْ، وَأَخْرَجَتْ ثَوْبَيْنِ مَعَهَا، فَقَالَتْ: هَذَانِ ثَوْبَانِ جِئْتُ بِهِمَا
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة ﵃ - باب استشهاد حمزة -﵁- رقم الحديث (٤٩٤٧) وسكت عليه - وقال الذهبي: سمعه أبو بكر بن عياش من يزيد، وليسا بمعتمدين، لكن للحديث شواهد يصح بها، ففي الباب، عن ابن مسعود أخرجه الإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (٤٤١٤) - وهو حديث حسن لغيره - وعن الزبير بن العوام أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤١٨) - وإسناده حسن.
(٢) توسَّمْتُ: تفَرَّسْتُ. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٠٣).
(٣) لَدَمتْ: أي ضَرَبَتْ ودَفعَتْ. انظر النهاية (٤/ ٢١٢).
(٤) جلدَة: أي قَوِيَّة. انظر النهاية (١/ ٢٧٥).
(٥) لا أرضَ لكَ: هي كما يُقال: لا أُمَّ لك: فهو يُقَال إما للتعجُّبِ، أو للزَّجْرِ، أو للتهوِيلِ، أو للإعجاب. انظر لسان العرب (١/ ٢١٨).
[ ٢ / ٦٦١ ]
لِأَخِي حَمْزَةَ، فَقَدْ بَلَغَنِي مَقْتَلُهُ، فكَفِّنُوهُ فِيهِمَا (١).
* غَضَبُ الصَّحَابَةِ ﵃ بِسَبَبِ التَّمْثِيلِ بِإِخْوَانِهِمْ:
وَلَمَّا رَأَى المُسْلِمُونَ تَمْثِيلَ المُشْرِكِينَ بِقَتْلَاهُمْ، قَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ أَظْفَرَنَا اللَّهُ عَلَيْهِمْ لَنُمَثِّلَنَّ بِهِمْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قُتِلَ مِنَ الأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا، وَمِنَ المُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ، مِنْهُمْ حَمْزَةُ، فَمَثَّلُوا بِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: لَئِنْ كَانَ لَنَا يَوْمٌ مِثْلُ هَذَا مِنَ المُشْرِكِينَ، لَنُرْبِيَنَّ (٢) عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الفَتْحِ -أَيْ فتحُ مَكَّةَ- قَالَ رَجُلٌ لَا يُعْرَفُ: لَا قُرَيْشَ بَعْدَ اليَوْمِ، فنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: أَمِنَ الأَسْوَدُ وَالأَبْيَضُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا، نَاسًا سَمَّاهُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﵎: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ (٣).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَصْبِرُ وَلَا نُعَاقِبُ".
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: "كفُّوا عَنِ القَوْمِ" (٤).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤١٨).
(٢) لنُرْبِيَنَّ: أي لنَزِيدَنَّ ولنُضَاعِفَنَّ. انظر النهاية (٢/ ١٧٧).
(٣) سورة النحل آية (١٢٦) - قال الإمام القرطبي في تفسيره (١٢/ ٤٦١): أطبق جمهور أهل التفسير أن هذه الآية مدنية، نزلت في شأن التمثيل بحمزة -﵁- في يوم أُحد.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٢٢٩) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب سورة النحل - رقم الحديث (١١٢١٥).
[ ٢ / ٦٦٢ ]
* جَمْعُ الشُّهَدَاءِ:
ثُمَّ أَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الشُّهَدَاءِ، فَقَالَ: "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ" (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ صُعَيْرٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا أَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى قتلَى أُحُدٍ، قَالَ: "أَشْهَدُ عَلَى هَؤُلَاءِ، مَا مِنْ مَجْرُوحٍ جُرِحَ فِي اللَّهِ، إِلَّا بَعَثَهُ اللَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، وجُرْحُهُ يَدْمَى، اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ، وَالرِّيحُ رِيحُ المِسْكِ" (٢).
ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِقَتْلَى أُحُدٍ أَنْ يُنْزَعَ عَنْهُمُ الحَدِيدُ، وَالجُلُودُ، وَأَنْ يَدْفِنُوهُمْ حَيْثُ صُرِعُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابِهِمْ، وَلَا يُغَسَّلُوا.
فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ ثَعْلَبَةَ بنِ صُعَيْرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ أُحُدٍ: "زَمِّلُوهُمْ (٣) فِي ثِيَابِهِمْ" (٤).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ، وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب من قُتِل من المسلمين يوم أُحد - رقم الحديث (٤٠٧٩) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٩١٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٦٥٨) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٥٨).
(٣) زَمَّلُوهُمْ: أي لفُّوهُمْ فيها. انظر النهاية (٢/ ٢٨٣).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٦٥٧) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٥٨).
[ ٢ / ٦٦٣ ]
صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَشْرَفَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى الشُّهَدَاءِ الذِينَ قُتِلُوا يَوْمَئِذٍ، فَقَالَ: "زَمِّلُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ، فَإِنِّي قَدْ شَهِدتُ عَلَيْهِمْ" (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "ادْفِنُوهُمْ فِي دِمَائِهِمْ"، يَعْنِي يَوْمَ أُحُدٍ، وَلَمْ يُغَسِّلْهُمْ (٢).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ فِي قَتْلَى أُحُدٍ: "لَا تُغَسِّلُوهُمْ، فَإِنَّ كُلَّ جُرْحٍ أَوْ كُلَّ دَمٍ، يَفُوحُ مِسْكًا يَوْمَ القِيَامَةِ" (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ لَمْ يُغَسَّلُوا، ودُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ (٤).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٦٦٠) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٩١١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب من لم ير غسل الشهداء - رقم الحديث (١٣٤٦) - وباب اللحد والشق في القبر - رقم الحديث (١٣٥٣) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٩١١).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤١٨٩).
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٩١٢) - وأبو داود في سننه - كتاب الجنائز - باب في الشهيد يُغسل - رقم الحديث (٣١٣٥).
[ ٢ / ٦٦٤ ]
قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ المَقْتُولَ فِي مَعْرَكَةِ الكُفَّارِ لَا يُغَسَّلُ (١).
* هَلْ صَلَّى الرَّسُولُ -ﷺ- عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ أَمْ لَا؟:
اخْتُلِفَ فِي صَلَاةِ الرَّسُولِ -ﷺ- عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ:
* مَنْ قَالَ إِنَّهُ -ﷺ- لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ:
رَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَنَا شَهِيدٌ عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ"، وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا (٢).
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ شُهَدَاءَ أُحُدٍ لَمْ يُغَسَّلُوا، وَدُفِنُوا بِدِمَائِهِمْ، وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ (٣).
* مَنْ قَالَ إِنَّهُ -ﷺ- صَلَّى عَلَيْهِمْ:
أَخْرَجَ الحَاكِمُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: . . . ثُمَّ أُمِرَ بِالقَتْلَى
_________________
(١) انظر شرح السنة (٥/ ٣٦٦) للإمام البغوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب من قُتِل من المسلمين يوم أُحد - رقم الحديث (٤٠٧٩) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٩١١).
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٩١٢) - وأبو داود في سننه - كتاب الجنائز - باب في الشهيد يُغسل - رقم الحديث (٣١٣٥).
[ ٢ / ٦٦٥ ]
فَجَعَلَ يُصَلِّي عَلَيْهِمْ، فَيَضَعُ تِسْعَةً وَحَمْزَةَ ﵃، فَيُكَبِّرُ عَلَيْهِمْ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يُرْفَعُونَ، ويُتْرَكُ حَمْزَةُ، ثُمَّ يُؤْتَوْا بِتِسْعَةٍ فَيُكَبِّرُ عَلَيْهِمْ بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ، ثُمَّ يُرْفَعُونَ، وَيُتْرَكُ حَمْزَةُ، ثُمَّ يُؤْتَوْا بِتِسْعَةٍ فَيُكَبَّرُ عَلَيْهِمْ سَبْعَ تَكْبِيرَاتٍ حَتَّى فَرَعَ مِنْهُمْ (١).
* القَوْلُ بِأَنَّهُ صَلَّى فَقَطَ عَلَى حَمْزَةَ -﵁-:
أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -ﷺ-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمْ يُصَلِّ إِلَّا عَلَى حَمْزَةَ، فَعَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ -يَعْنِي شُهَدَاءَ أُحُدٍ- غَيْرَهُ (٢).
* الجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ:
قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ المَقْتُولَ فِي مَعْرَكَةِ الكُفَّارِ لَا يُغَسَّلُ، وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهِ، فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ
_________________
(١) أخرج الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب استشهاد حمزة -﵁- رقم الحديث (٤٩٤٧) - وسكَتَ عليه، وقال الذهبي: سمعه أبو بكر بن عياش من يزيد، وليسا بمعتمدين، ولكن للحديث شواهد يصح بها، ففي الباب عن ابن مسعود -﵁- أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٤١٤) وهو حديث حسن لغيره - وعن عبد اللَّه بن الزبير، أخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١/ ٢٩٠) وإسناده جيد.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٩١٣) - وأبو داود في سننه - كتاب الجنائز - باب في الشهيد يُغسل - رقم الحديث (٣١٣٧).
[ ٢ / ٦٦٦ ]
لَا يُصَلَّى عَلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ المَدِينَةِ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ (١)، وَأَحْمَدُ، وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- صَلَّى عَلَى حَمْزَةَ -﵁-، وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْي، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ (٢).
وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ فِي تَهْذِيبِ السُّنَنِ: وَالصَّوَابُ فِي المَسْأَلةِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ، وَتَرْكِهَا لِمَجِيءِ الآثَارِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأَمْرَيْنِ، وَهَذَا إِحْدَى الرِّوَايَاتِ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَهِيَ الأَلْيَقُ بِأُصُولهِ وَمَذْهَبِهِ (٣).
وَأَمَّا قَوْلُ أَنَسٍ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمْ يُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الشُّهَدَاءِ يَعْنِي شُهَدَاءَ أُحُدٍ غَيْرَ حَمْزَةَ -﵁-.
فَقَدْ قَالَ الإِمَامُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ المُشْكِلِ: وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَعَلَ ذَلِكَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى حَمْزَةَ، وَمِنْ تَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِهِ لِمَا أَشْغَلَهُ يَوْمَئِذٍ مِمَّا كَانَ نَزَلَ بِهِ فِي وَجْهِهِ الشَّرِيفِ -ﷺ-، وَمِنْ هَشْمِ البَيْضَةِ عَلَى رَأْسِهِ -ﷺ- (٤).
_________________
(١) قال الإمام الشافعي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في "الأم" فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٣/ ٥٧١): جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة أن النبي -ﷺ- لم يُصل على قتلى أُحد، وما روي أنه صلى عليهم وكبّر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصح، وقد كان ينبغي لمن عارض بذلك هذه الأحاديث الصحيحة أن يستحي على نفسه.
(٢) انظر شرح السنة (٥/ ٣٦٦) للإمام البغوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(٣) انظر تهذيب السنن (٤/ ٢٩٥) لابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(٤) انظر شرح مشكل الآثار (١٢/ ٤٣٦).
[ ٢ / ٦٦٧ ]
* دَفْنُ الشُّهَدَاءِ:
ثُمَّ أَمَرَ الرَّسُولُ -ﷺ- بِدَفْنِ القَتْلَى، فَكَانَ يُوضَعُ الرَّجُلُ وَالرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ، بَلْ كَانَ يُكَفَّنُ الرَّجُلَانِ وَالثَّلَاثَةُ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ، وَإِنَّمَا أَرْخَصَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لِمَا بِالمُسْلِمِينَ مِنَ الجِرَاحِ التِي يَشُقُّ مَعَهَا أَنْ يَحْفِرُوا لِكُلِّ وَاحِدٍ وَاحِدًا، وَقِلَّةِ الثِّيَابِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ هِشَامِ بنِ عَامِرٍ الأَنْصَارِيِّ -﵁- قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ أَصَابَ النَّاسَ قَرْحٌ (١) وَجَهْدٌ شَدِيدٌ، وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: شَكَوْا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- القَرْحَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَقَالُوا: كَيْفَ تَأْمُرُ بِقَتْلَانَا؟ فَقَالَ -ﷺ-: "احْفِرُوا، وَأَوْسِعُوا، وَأَحْسِنُوا وَادْفِنُوا فِي القَبْرِ الِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ نُقَدِّمُ؟ قَالَ: "أكْثَرُهُمْ جَمْعًا وَأَخْذًا لِلْقُرْآنِ" (٢).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُدٍ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ يَقُولُ: "أَيُّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرآنِ؟ ".
فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدٍ قَدَّمَهُ فِي اللَّحْدِ (٣).
_________________
(١) القَرْحُ بفتح القاف وضمها: هو الجُرْحُ. انظر النهاية (٤/ ٣٢). ومنه قوله تعالى في سورة آل عمران آية (١٤٠): ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ. . .﴾.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٢٥١) (١٦٢٥٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب من قُتِل من المسلمين يوم أُحد -=
[ ٢ / ٦٦٨ ]
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - جَوَازُ تَكْفِينِ الرَّجُلَيْنِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ إِمَّا بِجَمْعِهِمَا فِيهِ، وَإِمَّا بِقَطْعِهِ بَيْنَهُمَا.
٢ - وَجَوَازُ دَفْنِ اثْنَيْنِ فِي لَحْدٍ، وَعَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْدِيمِ أَفْضَلِهِمَا لِدَاخِلِ اللَّحْدِ (١).
* دَفْنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ حَرَامٍ، وَعَمْرِو بنِ الجَمُوحِ ﵄ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ:
وَدُفِنَ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ عَبْدُ اللَّهُ بنُ عَمْرِو بنِ حَرَامٍ وَالِدُ جَابِرٍ، وَعَمْرُو بنُ الجَمُوحِ ﵄، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعَانِي أَبِي مِنَ اللَّيْلِ فَقَالَ: مَا أُرَانِي إِلَّا مَقْتُولًا فِي أَوَّلِ مَنْ يُقْتَلُ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -﵃-، قَالَ جَابِرٌ: . . . فَكَانَ أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ (٢) فِي قَبْرٍ (٣).
_________________
(١) = رقم الحديث (٤٠٧٩) - وأخرجه في كتاب الجنائز - باب الصلاة على الشهيد - رقم الحديث (١٣٤٣).
(٢) انظر فتح الباري (٣/ ٥٧٢).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٣/ ٥٧٩): والرجل الآخر: هو عمرُو بن الجموح -﵁-، وكان صَدِيقَ والد جابر، وزوج أخته هند بنت عمرو.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب هل يُخرج الميت من القَبْرِ واللحد لعلة؟ - رقم الحديث (١٣٥١).
[ ٢ / ٦٦٩ ]
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ جَابِرٌ: فَكُفِّنَ أَبِي وَعَمِّي (١) فِي نَمِرَةٍ (٢) وَاحِدَةٍ (٣).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي قتَادَةَ -﵁- قَالَ: أَتَى عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ سَبِيلِ اللَّهِ حَتَّى أُقْتَلَ أَمْشِي بِرِجْلِي هَذِهِ صَحِيحَةً فِي الجَنَّةِ -وَكَانَتْ رِجْلُهُ عَرْجَاءَ- فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ"، فَقتَلُوهُ يَوْمَ أُحُدٍ هُوَ وَابْنُ أخِيهِ (٤)،. . . فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِهِمَا فَجُعِلُوا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ (٥).
وَرَوَى ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ادْفِنُوا عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَمْرٍو، وَعَمْرَو بنَ الجَمُوحِ فِي قَبْرٍ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٣/ ٥٧٩): كأن جابرًا سمَّاهُ عمَّه تعظيمًا.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٣/ ٥٧٥): نَمِرَة: بفتح النون وكسر الميم: هي بُرْدَةٌ من صُوفٍ. قلتُ: وقع عند ابن سعد في طبقاته (٣/ ٢٨٧) عن جابر -﵁- قال: أنهما كفنا في نمرتين. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٣/ ٥٧٥): فإن ثبتَ حُمِل على أن النَّمِرَة الواحدة شُقَّتْ بينهما نصفين.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب من يقدم في اللحد - رقم الحديث (١٣٤٨).
(٤) قال ابن عبد البر في التمهيد فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٣/ ٥٨٠): ليس هُوَ ابن أخيه، وإنما هو ابن عَمِّه. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٣/ ٥٨٠): وهو كما قال.
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٥٥٣).
[ ٢ / ٦٧٠ ]
وَاحِدٍ لِمَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنَ الصَّفَاءِ"، وَقَالَ: "ادْفِنُوا هَذَيْنِ المُتَحَابَّيْنِ فِي الدُّنْيَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ" (١)
* دَفْنُ حَمْزَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ ﵄ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ:
وَدُفِنَ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁- مَعَ ابْنِ أُخْتِهِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ ﵄ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ (٢).
وَكَانَ الثَّوْبُ الذِي كُفِّنَ فِيهِ حَمْزَةُ -﵁- إِذَا غُطِّيَ بِهِ رَأْسُهُ -﵁- ظَهَرَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا غُطِّى رِجْلَاهُ ظَهَرَ رَأْسُهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ -﵁- قَالَ: . . . لَكِنَّ حَمْزَةَ لَمْ يُوجَدْ لَهُ كَفَنٌ إِلَّا بُرْدَةٌ مَلْحَاءُ، إِذَا جُعِلَتْ عَلَى رَأْسِهِ قَلَصَتْ (٣) عَنْ قَدَمَيْهِ، وَإِذَا جُعِلَتْ عَلَى قَدَمَيْهِ قَلَصَتْ عَنْ رَأْسِهِ، حَتَّى مُدَّتْ عَلَى رَأْسِهِ، وَجُعِلَ عَلَى قَدَمَيْهِ الإِذْخِرُ (٤).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَد، وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: كُفِّنَ حَمْزَةُ -﵁- فِي نَمِرَةٍ، كَانُوا إِذَا مَدُّوهَا عَلَى رَأْسِهِ، خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا مَدُّوهَا عَلَى رِجْلَيْهِ خَرَجَ رَأْسُهُ، فَأَمَرَهُمْ
_________________
(١) أخرجه ابن سعد في طبقاته (٣/ ٢٨٧) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ١٠٩).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ١٠٨) - الإصابة (٤/ ٣٣) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٣/ ٥٠).
(٣) قَلَصَ: ارتَفَع. انظر النهاية (٤/ ٨٨).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٠٧٢).
[ ٢ / ٦٧١ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُقَدِّمُوا عَلَى رَأْسِهِ، وَيَجْعَلُوهُ عَلَى رِجْلَيْهِ مِنَ الإِذْخِرِ (١).
* تَكْفِينُ مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ -﵁-:
وَكُفِّنَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ -﵁-، فِي بُرْدَةٍ إِذَا غَطُّوا رَأْسَهُ ظَهَرَتْ قَدَمَاهُ، وَإِذَا غَطَّوْا قَدَمَيْهِ ظَهَر رَأْسُهُ.
فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: هَاجَرْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- نُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ، فَوَقَعَ أَجْرُنَا عَلَى اللَّهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا (٢)، مِنْهُمْ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَترَكَ نَمِرَةً، فَكُنَّا إِذَا غَطَّيْنَا بِهَا رَأْسَهُ بَدَتْ (٣) رِجْلَاهُ، وَإِذَا غَطَّيْنَا رِجْلَيْهِ بَدَا رَأْسُهُ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ نُغَطِّيَ رَأْسَهُ، وَنَجْعَلَ عَلَى رِجْلَيْهِ شَيْئًا مِنْ إِذْخِرٍ (٤).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٣٠٠) (١٤٥٢١) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٩١٧).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١٣/ ٦٣): أي من عرض الدنيا.
(٣) بدت: ظهرت. انظر لسان العرب (١/ ٣٤٧).
(٤) الإذْخِرُ بكسر الهمزة: هي حَشِيشَةٌ طيِّبَة الرائحة تسْقَفُ بها البُيُوتُ فوقَ الخشب. انظر النهاية (١/ ٣٦). والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٨٩٧) - وأخرجه في كتاب الرقائق - باب فضل الفقر - رقم الحديث (٦٤٤٨) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجنائز - باب في كفن الميت - رقم الحديث (٩٤٠) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٠٤٦) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٠٥٨).
[ ٢ / ٦٧٢ ]
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَعْدِ بنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ إِبْرَاهِيمَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ عَوْفٍ -﵁- أُتِيَ بِطَعَامٍ، وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ: قُتِلَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي كُفِّنَ فِي برْدَةٍ إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ بَدَتْ رِجْلَاهُ، وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ، . . . ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ (١)، وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا، ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ (٢).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ:
١ - فَضْلُ الزُّهْدِ.
٢ - وَأَنَّ الفَاضِلَ فِي الدِّينِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنَ التَّوَسُّعِ فِي الدُّنْيَا لِئَلَّا تَنْقُصَ حَسَنَاتُهُ، وَإِلَى ذَلِكَ أَشَارَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ -﵁- بِقَوْلِهِ: خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا قَدْ عُجِّلَتْ (٣).
وَكَانَ مُصْعَبٌ -﵁- فتَى مَكَّةَ شَبَابًا وَجَمَالًا، وَكَانَتْ أُمُّهُ تَكْسُوهُ أَحْسَنَ مَا يَكُونُ مِنَ الثِّيَابِ، وَكَانَ أَعْطَرَ أَهْلِ مَكَّةَ -﵁-، ثُمَّ إِنَّهُ أَسْلَمَ وَتَرَكَ كُلَّ هَذَا النَّعِيمِ، وَاسْتُشْهِدَ، وَلَمْ يَجِدُوا لِكَفَنِهِ إِلَّا برْدَةً إِذَا غَطَّوْا رَأْسَهُ ظَهَرَتْ رِجْلَاهُ،
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٩٨): يُشِيرُ -﵁- إلى ما فُتِح لهم من الفُتوح والغنائم، وحصل لهم من الأموال، وكان لعبد الرحمن بن عوف -﵁- من ذلك الحَظّ الوافر.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة أُحد - رقم الحديث (٤٠٤٥) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٠٤٨).
(٣) انظر فتح الباري (٨/ ٩٨).
[ ٢ / ٦٧٣ ]
وَإِذَا غَطَّوْا رِجْلَيْهِ ظَهَرَ رَأْسُهُ (١).
* دَفْنُ شُهَدَاءِ أُحُدٍ بِمَصَارِعِهِمْ:
وَكَانَ أُنَاسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ قَدِ احْتَمَلُوا قَتْلَاهُمْ إِلَى المَدِينَةِ لِيَدْفِنُوهُمْ بِهَا، فَأَتَاهُمْ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، يَأْمُرُهُمْ بِأَنْ يُدْفَنُوا حَيْثُ صُرِعُوا.
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَنَّ قَتْلَى أُحُدٍ حُمِلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ، فنَادَى مَنَادِي رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "أَنْ رُدُّوا القَتْلَى إِلَى مَصَارِعِهِمْ" (٢).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: . . . جَاءَتْ عَمَّتِي بِأَبِي وَخَالِي، عَادِلَتَهُمَا (٣) عَلَى نَاضِحٍ (٤)، فَدَخَلَتْ بِهِمَا المَدِينَةَ لِتَدْفِنَهُمَا فِي مَقَابِرِنَا، إِذْ لَحِقَ رَجُلٌ منَادِي، أَلَا إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا بِالقَتْلَى، فتَدْفِنُوهَا فِي مَصَارِعِهَا حَيْثُ قُتِلَتْ، فَرَجَعْنَا بِهِمَا، فَدَفَنَّاهُمَا حَيْثُ قُتِلَا (٥).
_________________
(١) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ٦٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤١٦٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الجنائز - باب في الشهيد - رقم الحديث (٣١٨٣).
(٣) عَادِلتهما: أي شَدَدْتُهُمَا على جَنْبَي البَعِير كالعِدْلَين. انظر النهاية (٣/ ١٧٣).
(٤) الناضِحُ: البعير الذي يُسْتَقى عليه الماء. انظر لسان العرب (١٤/ ١٧٤).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٢٨١) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الجنائز - باب الشهيد - رقم الحديث (٣١٨٤).
[ ٢ / ٦٧٤ ]
* كَرَامَةُ اللَّهِ ﷿ لِلشَّهِيدِ:
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: . . . كَانَ أَبِي أَوَّلَ قَتِيلٍ، وَدُفِنَ مَعَهُ آخَرُ فِي قَبْرٍ، ثُمَّ لَمْ تَطِبْ نَفْسِي أَنْ أَتْرُكَهُ مَعَ الآخَرِ، فَاسْتَخْرَجْتُهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فَإِذَا هُوَ كَيَوْمِ وَضَعْتُهُ هُنَيَّةً (١)، غَيْرَ أُذُنِهِ (٢).
وَأَخْرَجَ ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ، وَالإِمَامُ مَالِكٌ فِي المُوَطَّأِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: . . . فَدَخَلَ السَّيْلُ قَبْرَهُمَا -أَيْ قَبْرَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ حَرَامٍ وَالِدِ جَابِرٍ، وَعَمْرِو بنِ الجَمُوحِ لِأَنَّهُمَا دُفِنَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ- فَحُفِرَ عَنْهُمَا، وَعَبْدُ اللَّهِ قَدْ أَصَابَهُ جُرْحٌ فِي وَجْهِهِ، فَيَدُهُ عَلَى جُرْحِهِ، فَأُمِيطَتْ (٣) يَدُهُ عَنْ جِرَاحِهِ، فَانْبَعَثَ (٤) الدَّمُ، فَرُدَّتْ يَدُهُ إِلَى مَكَانِهَا فَسَكَنَ (٥) الدَّمُ.
قَالَ جَابِر: فَرَأَيْتُ أَبِي فِي حُفْرَتِهِ كَأَنَّهُ نَائِمٌ، وَمَا تَغَيَّرَ مَنْ حَالِهِ قَلِيلٌ وَلَا
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٣/ ٥٨٠): هُنَيَّة: أي لم يتغَيَّر منه شيء إِلَّا شيئًا يَسِيرًا، وهي أذنه.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب هل يُخرج الميت من القبر واللحد لعلَّة؟ - رقم الحديث (١٣٥١).
(٣) أماطَ الشيءَ: تنَحَّى وبعد. انظر لسان العرب (١٣/ ٢٣٣).
(٤) انبعَثَ الشيءُ: اندَفَعَ. انظر لسان العرب (١/ ٤٣٨).
(٥) سَكَنَ الدَّمُ: أي توقَّفَ. انظر لسان العرب (٦/ ٣١١).
[ ٢ / ٦٧٥ ]
كَثِيرٌ، فَقِيلَ لَهُ: فَرَأَيْتَ أَكْفَانَهُ؟ قَالَ: إِنَّمَا كُفِّنَ فِي نَمِرَةٍ خُمِّرَ (١) بِهَا وَجْهُهُ، وَجُعِلَ عَلَى رِجْلَيْهِ الحَرْمَلُ (٢)، فَوَجَدْنَا النَّمِرَةَ كَمَا هِيَ، وَالحَرْمَلُ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى هَيْئَتِهِ، وَبَيْنَ ذَلِكَ سِتٌّ وأَرْبَعُونَ سَنَةً (٣).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَهَذَا الحَدِيثُ الذِي رَوَاهُ البُخَارِيُّ عَنْ جَابِرٍ -﵁- يُخَالِفُ فِي الظَّاهِرِ رِوَايَةَ ابْنِ سَعْدٍ وَالإِمَامَ مَالِكًا مِنْ أَنَّه حُفِرَ عَنْهَا بَعْد سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةٍ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ المُرَادُ بِكَوْنِهِمَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ قُرْبَ المُجَاوَرَةِ، أَوْ أَنَّ السَّيْلَ خَرَقَ أَحَدَ القَبْرَيْنِ فَصَارَا كَقَبْرٍ وَاحِدٍ (٤).
وَأَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا أَرَادَ مُعَاوِيَةُ -﵁- يُجْرِي العَيْنَ التِي عِنْدَ قُبُورِ الشُّهَدَاءَ بِالمَدِينَةِ أَمَرَ مُنَادِيًا، فنَادَى: مَنْ كَانَ لَهُ مَيِّتٌ، فَلْيَأْتِهِ، قَالَ جَابِرٌ: فَذَهَبْتُ إِلَى أَبِي، فَأَخْرَجْنَاهُمْ رِطَابًا يَتَثَنَّوْنَ (٥)، فَأَصَابَتِ المِسْحَاةُ (٦)
_________________
(١) التخْمِيرُ: التغْطِيَةُ. انظر لسان العرب (٤/ ٢١١).
(٢) الحَرْمَلُ: هو نبتٌ وَرَقُهُ كورَقِ الخِلافِ، ونُورُه كنُورِ اليَاسَمِين. انظر لسان العرب (٣/ ١٤٤).
(٣) أخرجه ابن سعد في طبقاته (٣/ ٢٨٨) - وأخرجه الإمام مالك في الموطأ - كتاب الجهاد - باب الدفن في قبر واحد للضرورة - وصحح إسناده الحافظ في الفتح (٣/ ٥٨٠).
(٤) انظر فتح الباري (٣/ ٥٨٠).
(٥) يتَثَنَّونَ: أي يَنْحَنُون. انظر لسان العرب (٢/ ١٣٦).
(٦) المِسْحَاة: هي المِجْرَفة من الحديد. انظر النهاية (٤/ ٢٨٠).
[ ٢ / ٦٧٦ ]
أُصْبُعَ رَجِلٍ مِنْهُمْ، فَانْفَطَرَتْ (١) دَمًا (٢).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: . . . فَبَيْنَمَا أَنَا فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي سُفْيَانَ -﵁-، إِذْ جَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ: يَا جَابِرَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَثَارَ (٣) أَبَاكَ عُمَّالُ مُعَاوِيَةَ، فَبَدَا (٤)، فَخَرَجَ طَائِفَةٌ مِنْهُ، فَأَتَيْتُهُ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى النَّحْوِ الذِي دَفَنْتُهُ، لَمْ يَتَغَيَّرْ إِلَّا مَا لَمْ يَدَعِ القَتْلُ أَوِ القَتِيلَ، فَوَارَيْتُهُ (٥).
* فَضْلُ شُهَدَاءِ أُحُدٍ:
وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي فَضلِ شُهَدَاءِ أُحُدٍ، فَأَذْكُرُ مِنْهَا مَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ إِذَا ذُكِرَ أَصْحَابُ أُحُدٍ: "أَمَا وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي غُودِرْتُ (٦) مَعَ أَصْحَابِ نُحْصِ (٧) الجَبَلِ"، يَعْنِي سَفْحِ الجَبَلِ (٨).
_________________
(١) فَطَرَ الشيءَ: شَقَّهُ. انظر لسان العرب (١٠/ ٢٨٥). ومنه قوله تعالى في سورة الانفطار آية (١): ﴿إِذَا السَّمَاءُ اَنفَطَرَت﴾.
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٢/ ٤١١).
(٣) أثار: ظَهَر. انظر لسان العرب (٢/ ١٤٨).
(٤) فَبَدَا: أي خرَجَ وظهر. انظر النهاية (١/ ١٠٨).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٢٨١).
(٦) غُودِرْتُ: أي ليتَنِي استُشْهِدْتُ معهم، والمُغَادَرَةُ: التَّرْكُ، وفيه دلالةٌ على زيادة شرف شهداء أُحد من بين الشُّهداء، واللَّه أعلم. انظر النهاية (٣/ ٣١٠).
(٧) النُحصُ بالضم: هو أصلُ الجبل وسفحُهُ، تمنى أن يكون استشهد معهم يوم أُحد. انظر النهاية (٥/ ٢٤).
(٨) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٠٢٥) - وأخرجه البيهقي في =
[ ٢ / ٦٧٧ ]
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُودَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانكُمْ بِأُحُدٍ، جَعَلَ اللَّهُ ﷿ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الجَنَّةِ، تَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا، وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلِّ العَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَشْرَبِهِمْ وَمَأْكَلِهِمْ، وَحُسْنَ مَقِيلِهِمْ، قَالُوا: يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ بِمَا صَنَعَ اللَّهُ لَنَا، لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الجِهَادِ، وَلَا يَنْكُلُوا (١) عَنِ الحَرْبِ، فَقَالَ اللَّهُ ﷿: أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ عَلَى رَسُولِهِ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (٢).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: أَمَّا أَرْوَاحُ الشُّهَدَاء، فَهِيَ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ، فَهِيَ كَالكَوَاكِبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَرْوَاحِ عُمُومِ المُؤْمِنِينَ، فَإِنَّهَا تَطِيرُ بِأَنْفُسِهَا، فنَسْأَلُ اللَّهَ الكَرِيمَ المَنَّانَ أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الإِيمَانِ (٣).
_________________
(١) = دلائل النبوة (٣/ ٣٠٤).
(٢) نَكَلَ عن الأمر: إذا امْتَنَعَ. انظر النهاية (٥/ ١٠٢).
(٣) سورة آل عمران آية (١٦٩) - والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٨٨) - وأبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في فضل الشهادة - رقم الحديث (٢٥٢٠) - والحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب أرواح الشهداء في جوف طير - حديث رقم (٣٢١٩).
(٤) انظر تفسير ابن كثير (٢/ ١٦٤).
[ ٢ / ٦٧٨ ]
* زِيَارَةُ شُهَدَاءِ أُحُدٍ:
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ -﵁- قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، يُرِيدُ قُبُورَ الشُّهَدَاءِ، حَتَّى إِذَا أَشْرَفْنَا عَلَى حَرَّةِ وَاقِمٍ (١)، فَلَمَّا تَدَلَّيْنَا (٢) مِنْهَا، وَإِذَا قُبُور بِمَحْنِيَةٍ (٣)، فَقُلْنَا: يَا رَسُول اللَّهِ، أَقُبُورُ إِخْوَانِنَا هَذِهِ؟
قَالَ: "قُبُورُ أَصْحَابِنَا"، فَلَمَّا جِئْنَا قُبُورَ الشُّهَدَاءِ قَالَ -ﷺ-: "هَذِهِ قُبُورُ إِخْوَانِنَا" (٤)
وَأَخْرَجَ البَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْتِي الشُّهَدَاءَ، فَإِذَا أَتَى فُرْضَةَ الشِّعْبِ (٥)، يَقُولُ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ، ﴿فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ " (٦)، ثُمَّ كَانَ أَبُو بَكْرٍ
_________________
(١) الحَرَّةُ: هي أرضٌ بظَاهِرِ المدينة بها حِجَارة سُود كثيرة. انظر النهاية (١/ ٣٥١).
(٢) التَّدَلِّي: النُّزول من العلو. انظر النهاية (٢/ ١٢٢).
(٣) قوله -﵁-: فإذا قُبُور بمحنِيَة: أي بحيثُ ينعَطِفُ الوادي، وهو مُنْحَنَاه أيضًا، ومَحَانِي الوادي مَعَاطِفُه. انظر النهاية (١/ ٤٣٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٨٧) - وأخرجه أبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب زيارة القبور - رقم الحديث (٢٠٤٣) - وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٣٠٥) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٨٦٦٩).
(٥) فُرضةُ الجَبَل: ما انحدَرَ من وَسَطِهِ وجانِبِه، والشِّعْبُ: ما انفَرج بين جبلين. انظر النهاية (٣/ ٣٨٨) - لسان العرب (٧/ ١٢٨).
(٦) سورة الرعد آية (٢٤).
[ ٢ / ٦٧٩ ]
-﵁- بَعْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- يَفْعَله، وَكَانَ عُمَرُ -﵁- بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ -﵁- يَفْعَلُهُ، وَكَانَ عُثْمَانُ -﵁- بَعْدَ عُمَرَ -﵁- يَفْعَلُ ذَلِكَ (١).
* عَدَدُ شُهَدَاءِ المُسْلِمِينَ فِي أُحُدٍ:
بَلَغَ عَدَدُ مَنِ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعِينَ رَجُلًا، سِتَّةً مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَهُمْ حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَمُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ، وَشَمَّاسُ بنُ عُثْمَانَ، وَسَعْدُ بن خَوْلي مَوْلَى حَاطِبِ بنِ أَبِي بَلْتَعَةَ، وَعَمْرٌو الأَسْلَمِيُّ، وَأَرْبَعٌ وَسِتُّونَ مِنَ الأَنْصَارِ (٢).
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ قتَادَةَ قَالَ: مَا نَعْلَمُ حَيًّا مِنْ أَحْيَاءَ العَرَبِ أَكْثَرَ شَهِيدًا أَغَرَّ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ قتَادَةُ، وَحَدَّثنَا أَنَسُ بنُ مَالِكٍ -﵁- أَنَّهُ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ سَبْعُونَ (٣).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: ظَاهِرُ كَلَامِ أَنَسٍ -﵁- أَنَّ الجَمِيعَ مِنَ الأَنْصَارِ، وَهُوَ كَذَلِكَ إِلَّا الْقَلِيلُ (٤).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ -﵁- قَالَ:
_________________
(١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٣٠٦).
(٢) انظر فتح الباري (٨/ ١٢٦).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب من قُتِل من المسلمين يوم أُحد - رقم الحديث (٤٠٧٨).
(٤) انظر فتح الباري (٨/ ١٢٦).
[ ٢ / ٦٨٠ ]
جَعَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى الرُّمَاةِ يَوْمَ أُحُدٍ عَبْدَ اللَّهِ بنَ جُبَيْرٍ -﵁- فَأَصَابُوا مِنَّا سَبْعِينَ (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- قَالَ: فَذَكَرَ حَدِيثَ غَزْوَةِ بَدْرٍ ثُمَّ قَالَ -﵁-: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ عُوقِبُوا بِمَا صَنَعُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ أَخْذِهِمُ الفِدَاءَ، فَقُتِلَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ. . .، وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ قُتِلَ مِنَ الأَنْصَارِ أَرْبَعَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا، وَمِنَ المُهَاجِرِينَ سِتَّةٌ (٣).
* قَتْلَى المُشْرِكِينَ:
أَمَّا قَتْلَى المُشْرِكِينَ فَبَلَغَ عَدَدُهُمْ ثَلَاثَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب (١٠) - رقم الحديث (٣٩٨٦) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٥٩٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٨).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٢٢٩) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب سورة النحل - رقم الحديث (١١٢١٥).
(٤) هذا ما ذكره ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٧١)، بينما ذكر ابن إسحاق في السيرة (٣/ ١٤٤) أن عدد قتلى المشركين يوم أُحد اثنان وعشرون رجلًا، فاللَّه أعلم.
[ ٢ / ٦٨١ ]
* دَعَاءٌ وَتَضَرُّعٌ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ:
وَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الرُّجُوعَ إِلَى المَدِينَةِ، وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، وَقَفَ عَلَى جَبَلِ أُحُدٍ، فَأَثْنَى عَلَى رَبِّهِ، وَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالحَاكِمُ وَالبُخَارِيُّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ، بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُبَيْدِ بنِ رِفَاعَةَ الزُّرَقِيِّ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ، وَانْكَفَأَ المُشْرِكُونَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اسْتَوُوا حَتَّى أُثْنِيَ عَلَى رَبِّي"، فَصَاروا خَلْفَهُ صُفُوفًا، فَقَالَ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ كلُّهُ، اللَّهُمَّ لَا قَابِضَ لِمَا بَسَطْتَ، وَلَا بَاسِطَ لِمَا قَبَضْتَ، وَلَا هَادِيَ لِمَا أَضْلَلْتَ، وَلَا مُضِلَّ لِمَنْ هَدَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُقَرِّبَ لِمَا بَاعَدْتَ، وَلَا مُبَاعِدَ لِمَا قَرَّبْتَ، اللَّهُمَّ ابْسُطْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ وَرَحْمَتِكَ وَفَضْلِكَ وَرِزْقِكَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ النَّعِيمَ المُقِيمَ الذِي لَا يَحُولُ ولَا يَزُولُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ النَّعِيمَ يَوْمَ العَيْلَةِ (١)، وَالأَمْنَ يَوْمَ الخَوْفِ، اللَّهُمَّ إِنِّي عَائِذٌ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا أَعْطَيْتَنَا، وَشَرِّ مَا مَنَعْتَ، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا الإِيمَانَ، وَزَيِّنْهُ فِي قُلُوبِنَا، وَكَرِّهْ إِلَيْنَا الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيَانَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ، اللَّهُمَّ تَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ، وَأَحْيِنَا مُسْلِمِينَ، وَأَلْحِقْنَا بِالصَّالِحِينَ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا مَفْتُونِينَ، اللَّهُمَّ قَاتِلِ الكَفَرَةَ الذِينَ يُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَاجْعَلْ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وعَذَابَكَ،
_________________
(١) العَيْلَةُ: بفتح العين الفقر. انظر النهاية (٣/ ٢٩٨).
[ ٢ / ٦٨٢ ]
اللَّهُمَّ قَاتِلِ الكَفَرَةَ، الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ، إِلَهَ الحَقِّ" (١).
* رُجُوعُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ وَشِدَّةُ المَحَبَّةِ لَهُ:
ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَسَاءَ السَّبْتِ رَاجِعًا إِلَى المَدِينَةِ، فَصَلَّى بِهَا المَغْرِبَ، وَكَانَتِ النِّسَاءُ قَدْ خَرَجْنَ يَتَلَقَّيْنَ النَّاسَ، فَلَقِيَتْهُمْ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ ﵂، فنعِي لَهَا أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ -﵁-، فَاسْتَرْجَعَتْ وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ، ثُمَّ نُعِيَ لَهَا خَالُهَا حَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁-، فَاسْتَرْجَعَتْ وَاسْتَغْفَرَتْ لَهُ، ثُمَّ نُعِيَ لَهُا زَوْجُهَا مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ -﵁-، فَصَاحَتْ وَوَلْوَلَتْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ زَوْجَ المَرْأَةِ مِنْهَا لَبِمَكَانٍ"، وَفِي لَفْظٍ "إِنَّ لِلزَّوْج مِنَ المَرْأَةِ لَشُعْبَةً" (٢).
* قِصَّةُ الْمَرْأَةِ الدِّينَارِيَّةِ:
وَخَرَجَتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِي دِينَارٍ، وَقَدْ أُصِيبَ زَوْجُهَا وَأَخُوهَا وَأَبُوهَا بِأُحُدٍ، فَلَمَّا نُعُوا لَهَا قَالَتْ: فَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-؟، قَالُوا: خَيْرًا يَا أُمَّ فُلَانٍ، هُوَ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٤٩٢) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الدعاء والتكبير - باب دعاؤه -ﷺ- يوم أُحد - رقم الحديث (١٩١١) - (٤٣٦٤) - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب عمل اليوم والليلة - رقم الحديث (١٠٣٧٠) - والبخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (٦٩٩).
(٢) أخرج ذلك ابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في البكاء على الميت - رقم الحديث (١٥٩٠) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب إن للزوج من المرأة لشعبة - رقم الحديث (٦٩٩٠) - وإسناده ضعيف.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
بِحَمْدِ اللَّهِ كَمَا تُحِبِّينَ، قَالَتْ: أَرُونِيهِ حَتَّى أَنْظُرَ إِلَيْهِ، فَأُشِيرَ لَهَا، حَتَّى إِذَا رَأَتْهُ قَالَتْ: كُلُّ مُصِيبَةٍ بَعْدَكَ جَلَلٌ (١).
* دُخُولُ الرَّسُولِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ:
فَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ، وَإِذَا بِهِ يَسْمَعُ البُكَاءَ، وَالنُّوَاحَ فِي البُيُوتِ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ ".
قَالُوا: هَذِهِ نِسَاءُ الأَنْصَارِ يَبْكِينَ قَتْلَاهُمْ، فَذَرَفَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: "لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ عَلَيْهِ".
فَبَلَغَ ذَلِكَ نِسَاءَ الأَنْصَارِ، فَجِئْنَ يَبْكِينَ عَلَى حَمْزَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمَّا رَجَعَ مِنْ أُحُدٍ، سَمِعَ نِسَاءَ الأَنْصَارِ يَبْكِينَ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ، فَقَالَ: "لَكِنَّ حَمْزَةَ لَا بَوَاكِيَ لَهُ"، فَبَلَغَ ذَلِكَ نِسَاءَ الأَنْصَارِ، فَجِئْنَ يَبْكِينَ عَلَى حَمْزَةَ، قَالَ: فَانتبَهَ رَسُولُ اللَّهِ مِنَ اللَّيْلِ، فَسَمِعَهُنَّ وَهُنَّ يَبْكِينَ، فَقَالَ: "وَيْحَهُنَّ! لَمْ يَزَلْنَ يَبْكِينَ بَعْدُ مُنْذُ اللَّيْلةَ؟ مُرُوهُنَّ فَلْيَرْجِعْنَ، وَلَا يَبْكِينَ عَلَى هَالِكٍ بَعْدَ اليَوْمِ" (٢).
_________________
(١) جَلَلٌ: أي هَيِّنٌ يسير. انظر النهاية (١/ ٢٧٩). والخبر أخرجه ابن إسحاق في السيرة (٣/ ١١٠) - والبيهقي في دلائل النبوة (٣/ ٣٠٢) - وإسناده حسن.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٥٥٦٣) - وابن ماجه في سننه - كتاب =
[ ٢ / ٦٨٤ ]
* نَهْيُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ النِّيَاحَةِ:
ثُمَّ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّيَاحَةِ (١)، وَتَوَعَّدَ عَلَيْهَا، وَقَالَ -ﷺ-: "اثْنتانِ فِي النَّاسِ هُمَا بِهِمْ كُفْرٌ (٢): الطَّعْنُ فِي النَّسَبِ، وَالنِّيَاحَةُ عَلَى المَيِّتِ" (٣).
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ثَلَاثٌ مِنْ عَمَلِ الجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُهُنَّ أَهْلُ الإِسْلَامِ: النِّيَاحَةُ، وَالِاْسِتْسَقاُء بِالأَنْوَاءِ (٤)، وَالتَّعَايُرُ" (٥).
_________________
(١) = الجنائز - باب ما جاء في البكاء على الميت - رقم الحديث (١٥٩١) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الجنائز - باب البكاء على الميت - رقم الحديث (١٤٤٧).
(٢) النِّيَاحةُ: النسَاءُ يجتمعْنَ للحزن. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٢٠).
(٣) قال الإمام النووي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في شرح مسلم (٢/ ٥٠): فيه أقوال: أصحُّها: أن معناه هما من أعمال الكفار وأخلاق الجاهلية.
(٤) أخرج هذا الحديث الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة - رقم الحديث (٦٧).
(٥) قال ابن الأثير رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في النهاية (٥/ ١٠٧): الأنواء: هي ثمانٌ وعِشْرُون منزلة، ينزلُ القمر كل ليلة في منزلة منها، ومنه قوله تَعَالَى في سورة يس آية (٣٩): ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾، وكانت العرب تزعُمُ أن مع سُقُوط المنزِلَةِ، وطُلوع رَقِيبها يكون مَطرًا، وينسُبُونه إليها، فيقولون: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كذا. وإنما غَلَّظ النبي -ﷺ- في أمْرِ الأنواء؛ لأن العرب كانت تَنْسُبُ المطر إليها، فأما مَنْ جعل المطر من فِغل اللَّه تَعَالَى، وأراد بقوله: مُطِرْنَا بنوء كذا، أي وقت كذا، وهو هذا النَّوْء الفلاني، فإن ذلك جائز: أي أن اللَّه قد أجْرَى العادة أن يأتِيَ المَطَرُ في هذه الأوقات.
(٦) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الجنائز - باب في النياحة ونحوها - رقم الحديث (٣١٤١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٥٦٠) وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
* مَنْ أَجَادَ القِتَالَ يَوْمَ أُحُدٍ:
فَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى بَيْتِهِ، وَمَعَهُ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، أَعْطَى سَيْفَهُ فَاطِمَةَ لِتَغْسِلَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَعْطَى فَاطِمَةَ ابْنَتَهُ سَيْفَهُ، فَقَالَ: "يَا بُنيَةُ اغْسِلِي عَنْ هَذَا الدَّمَ"، فَأَعْطَاهَا عَلِيٌّ -﵁- سَيْفَهُ، وَقَالَ: وَهَذَا فَاغْسِلِي عَنْهُ دَمَهُ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ صَدَقَنِي اليَوْمَ القِتَالَ.
وَفِي لفظٍ: فَإِنَّهَا قَدْ شَفَتْنِي، فَقَالَ -ﷺ-: "لَئِنْ كُنْتَ أَجَدْتَ الضَّرْبَ بِسَيْفِكَ لَقَدْ أَجَادَهُ سَهْلُ بنُ حُنَيْفٍ، وَأَبُو دُجَانَةَ، وَعَاصِمُ بنُ ثَابِتٍ، وَالحَارِثُ بنُ الصِّمَّةِ" (١).
* حِرَاسَةُ المَدِينَةِ:
وَبَاتَ المُسْلِمُونَ فِي المَدِينَةِ لَيْلَةَ الأَحَدِ، بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ مَعْرَكَةِ أُحُدٍ يَحْرُسُونَ أَنْقَابَ المَدِينَةِ وَمَدَاخِلَهَا، وَقَدْ أَنْهَكَهُمُ (٢) التَّعَبُ، وَبَاتَ الأَنْصَارُ عَلَى بَابِ الرَّسُولِ -ﷺ- بِالمَسْجِدِ يَحْرُسُونَهُ خَوْفًا مِنْ هُجُومِ العَدُوِّ عَلَى المَدِينَةِ (٣).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب المغازي والسرايا - باب ذكر شجاعة علي وسهل بن حنيف وسماك بن خرشة ﵃ أجمعين يوم أُحد - رقم الحديث (٤٣٦٥).
(٢) نَهَكَهُ: أجْهَدَهُ. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٠٨).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٧٤).
[ ٢ / ٦٨٦ ]
غَزْوَةُ حَمْرَاءَ الأَسَدِ (١)
كَانَتْ يَوْمَ الأَحَدِ بَعْدَ أُحُدٍ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ فَقَطْ؛ لِأَنَّ أُحُدًا كَانَتْ يَوْمَ السَّبْتِ، لِسِتَّ عَشَرَ لَيْلَةٍ مَضَتْ مِنْ شَوَّالٍ (٢)، وَقِيلَ: لِثَمَانِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْهُ (٣).
* سَبَبُهَا:
وَكَانَ سَبَبُهَا مَا بَلَغَ الرَّسُولَ -ﷺ- عَنْ أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ أَنَّهُ يُرِيدُ الرُّجُوعَ بِقُرَيْشٍ إِلَى المَدِينَةِ لِيَسْتَأْصِلُوا مَنْ بَقِيَ مِنْ أَصْحَابِ الرَّسُولِ -ﷺ-.
فَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا انْصَرَفَ المُشْرِكُونَ عَنْ أُحُدٍ، وَبَلَغُوا الرَّوْحَاءَ (٤)، قَالُوا: لَا مُحَمَّدًا قتَلْتُمُوهُ، وَلَا الكَوَاعِبَ (٥) أَرْدَفْتُمْ، وَبِئْسَ مَا صَنَعْتُمْ،
_________________
(١) حمراءُ الأسَدِ: هو موضع على ثمانية أميال من المدينة انتهى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إليه في طلب المشركين. انظر معجم البلدان (٣/ ١٨١).
(٢) هذا ما ذكره ابن إسحاق في السيرة (٣/ ١٣٣).
(٣) هذا ما ذكره ابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٧٤).
(٤) الرَّوْحَاءُ: موضعٌ بينه وبين المدينة سِتّة وثلاثين ميلًا. انظر جامع الأصول (٩/ ٣٧٩).
(٥) الكَوَاعِبُ: جمع كَاعِبٍ، وهي الفتاة إذا نَهَدَ ثَدْيُهَا -أي إذا ارتَفَع عن الصَّدْرِ-، وصارَ له حجْمٌ. انظر لسان العرب (١٢/ ١٠٨) - النهاية (٤/ ١٥٥). =
[ ٢ / ٦٨٧ ]
ارْجِعُوا، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فنَدَبَ (١) النَّاسَ، فَانتدَبُوا حَتَّى بَلَغُوا حَمْرَاءَ الْأَسَدِ (٢).
فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الصُّبْحَ أَمَرَ بِلَالًا -﵁- أَنْ يُنَادِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَأْمُرُكُمْ بِطَلَبِ العَدُوِّ، وَلَا يَخْرُجُ مِعَنَا إِلَّا مَنْ شَهِدَ القِتَالَ بِالأَمْسِ.
* اسْتِئْذَانُ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ فِي الخُرُوجِ:
فكَلَّمَ جَابِرٌ -﵁- رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِنَّ أَبِي كَانَ خَلَّفَنِي عَلَى أَخَوَاتٍ لِي سَبْعٍ أَوْ قَالَ تِسْعٍ، وَقَالَ: يَا بُنَيَّ! إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِي وَلَا لَكَ أَنْ نَتْرُكَ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةَ لَا رَجُلَ فِيهِنَّ، وَلَسْتُ بِالذِي أُؤْثِرُكَ بِالجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى نَفْسِي، فتَخَلَّفْ عَلَى أَخَوَاتِكَ، فتَخَلَّفْتُ عَلَيْهِنَّ، وَلَا أُحِبُّ أَنْ تتوَجَّهَ وَجْهًا إِلَّا كُنْتُ مَعَكَ، فَأْذَنْ لِي أَخْرُجْ مَعَكَ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ أَحَدٌ لَمْ يَشْهَدِ القِتَالَ يَوْمَ أُحُدٍ غَيْرَهُ.
وَاسْتَأْذَنَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِأَنْ يَذْهَبَ مَعَهُ، فَأَبَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَلِكَ وَرَدَّهُ (٣).
_________________
(١) = ومنه قوله تعالى في سورة النبأ آية (٣٣): ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا﴾.
(٢) يُقالُ: ندبتُهُ فانتَدَبَ: أي بعثتُهُ ودعَوْتُهُ فأجاب. انظر النهاية (٥/ ٢٩).
(٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ - رقم الحديث (١١٠١٧) - وصحح إسناده الحافظ في الفتح (٩/ ٩٦).
(٤) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٢٧٤) - سيرة ابن هشام (٣/ ١١٢).
[ ٢ / ٦٨٨ ]
* خُرُوجُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى حَمْرَاءَ الأَسَدِ:
حَمَلَ لِوَاءَ المُسْلِمِينَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى المَدِينَةِ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ مَجْرُوحٌ فِي وَجْهِهِ، وَمَشْجُوجٌ فِي جَبْهَتِهِ، وَقَدْ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ، وَهُوَ مُتَوَهِّنٌ (١) مَنْكِبُهُ الأَيْمَنُ مِنْ ضَرْبَةِ ابْنِ قَمِئَةَ، وَرُكْبَتَاهُ مَجْحُوشَتَانِ (٢)، وَخَرَجَ مَعَهُ جَمِيعُ مَنْ حَضَرَ القِتَالَ بِأُحُدٍ عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الجِرَاحِ وَالقَرْحِ (٣).
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ (٤): ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٥).
قَالَتْ لِعُرْوَةَ: يَا ابْنَ أُخْتِي كَانَ أَبُوكَ مِنْهُمُ الزُّبَيْرُ، وَأَبُو بَكْرٍ لَمَّا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَا أَصَابَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَانْصَرَفَ المُشْرِكُونَ خَافَ أَنْ يَرْجِعُوا.
قَالَ: "مَنْ يَذْهَبُ فِي أَثَرِهِمْ"، فَانتدَبَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ (٦) رَجُلًا قَالَ: كَانَ
_________________
(١) الوَهَنُ: الضَّعْفُ. انظر النهاية (٥/ ٢٠٣).
(٢) جُحِشَ: أي خُدِشَ. انظر النهاية (١/ ٢٣٣).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٧٤).
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ١٢٤): في الكلام حذف تقديره: عن عائشة أنها قرأت هذه الآية ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا﴾، أو أنها سئلت عن هذه الآية أو نحو ذلك.
(٥) سورة آل عمران آية (١٧٢).
(٦) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في البداية والنهاية (٤/ ٤٢٨): هذا السياق غريبٌ =
[ ٢ / ٦٨٩ ]
فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَالزُّبَيْرُ ﵄ (١).
وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَدَلِيلُهُ فِي السَّيْرِ ثَابِتُ بنُ الضَّحَّاكِ الخَزْرَجِيُّ، حَتَّى عَسْكَرَ بِحَمْرَاءَ الأَسَدِ، وَأَقَامَ المُسْلِمُونَ بِذَلِكَ المَكَانِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَكَانُوا يُوقِدُونَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنَ اللَّيَالِي النِّيرَانَ حَتَّى كَانَتْ تُرَى مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ.
وَلَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِحَمْرَاءَ الأَسَدِ مَعْبَدَ بنَ أَبِي مَعْبَدٍ الخُزَاعِيَّ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ مُسْلِمُهُمْ وَمُشْرِكُهُمْ هَوَاهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانُوا لَا يُخْفُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شَيْئًا كَانَ بِهَا، وَمَعْبَدٌ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ: أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ عَزّ (٢) عَلَيْنَا مَا أَصَابَكَ فِي أَصْحَابِكَ، وَلَوَدِدْنَا أَنَّ اللَّهَ عَافَاكَ فِيهِمْ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى لَقِيَ أبَا سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ وَمَنْ مَعَهُ بِالرَّوْحَاءَ، وَقَدْ أَجْمَعُوا الرَّجْعَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابِهِ، فَلَمَّا رَأَى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَدًا قَالَ: مَا وَرَاءَكَ يَا مَعْبَدُ؟
_________________
(١) = جدًا، فإن المشهُورُ عند أصحابِ المغَازِي، أن الذين خَرَجوا مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إلى حمرَاء الأسد كل من شَهِدَ أُحدًا، وكانوا سَبعمائة -كما تقدم- قُتِل منهم سبعون وبقي الباقون. وقال الشَّامِيُّ في سبُل الهدى والرشاد (٤/ ٣١٤): ولا تخالف بينَ قولِ عائِشَةَ وما ذكره أصحاب المغازي؛ لأنه يمكن أن يكون السبعونَ سبقُوا غيرهم، ثم تلاحقَ الباقونَ، ولم يُنبّه على ذلك الحافظ في الفتح.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب الذين استجابوا للَّه والرسول - رقم الحديث (٤٠٧٧) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب من فضائل طلحة والزبير ﵄ - رقم الحديث (٢٤١٨).
(٣) عَزَّ: أي عَظُمَ واشتَدَّ. انظر لسان العرب (٩/ ١٨٦).
[ ٢ / ٦٩٠ ]
قَالَ: مُحَمَّدٌ خَرَجَ فِي أَصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، يَتَحَرَّقُونَ (١) عَلَيْكُمْ تَحَرُّقًا، قَدِ اجْتَمَعَ مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي يَوْمِكُمْ، فِيهِمْ مِنَ الحَنَقِ (٢) عَلَيْكُمْ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ قَطُّ، قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَيْحَكَ مَا تَقُولُ؟ .
قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَى أَنْ تَرْتَحِلَ حَتَّى ترَى نَوَاصِيَ الخَيْلِ، قَالَ: فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَجْمَعْنَا الكَرَّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ، قَالَ: فَإِنِّي أَنْهَاكَ عَنْ ذَلِكَ.
* رُجُوعُ أَبِي سُفْيَانَ بِجَيْشِهِ إِلَى مَكَّةَ:
فَخَافَ أَبُو سُفْيَانَ وَمَنْ مَعَهُ فَأَسْرَعُوا إِلَى مَكَّةَ، وَعِنْدَ انْصِرَافِهِمْ مَرَّ بِأَبِي سُفْيَانَ رَكْبٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ، فَقَالَ لَهُمْ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ المَدِينَةَ، قَالَ: وَلِمَ؟
قَالُوا: نُرِيدُ المِيرَةَ (٣)، قَالَ: فَهَلْ أَنْتُمْ مُبلِّغُونَ عَنِّي مُحَمَّدا رِسَالَةً أُرْسِلُكُمْ بِهَا إِلَيْهِ، وَأُحَمِّلُ لَكُمْ إِبِلَكُمْ غَدًا زَبِيبًا (٤) بِعُكَاظَ (٥)، إِذَا وَافَيْتُمُوهَا؟ قَالُو: نَعَمْ، قَالَ: فَإِذَا وَافَيْتُمُوهُ، فَأَخْبِرُوهُ أَنَّا قَدْ أَجْمَعْنَا السَّيْرَ إِلَيْهِ، وَإِلَى أَصْحَابِهِ لِنَسْتَأْصِلَ بَقِيَّتَهُمْ.
_________________
(١) يتحرَّقُون: أي يتلهَّبُون. انظر لسان العرب (٣/ ١٣٢).
(٢) الحَنَقُ: الغَيْظُ. انظر النهاية (١/ ٤٣٤).
(٣) المِيرَةُ: الطعَامُ ونحَوه، مما يُجْلَبُ للبيع. انظر النهاية (٤/ ٣٢٣).
(٤) الزَّبِيبُ: هو العِنَبُ المُجَفَّف. انظر لسان العرب (٦/ ٨).
(٥) عُكَاظ: موضعٌ بقربِ مكةَ، كانت تُقامُ به في الجاهلية سوق يقيمون فيه أيامًا. انظر النهاية (٣/ ٢٥٧).
[ ٢ / ٦٩١ ]
فَمَرَّ الرَّكْبُ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ بِحَمْرَاءَ الأَسَدِ، فَأَخْبَرُوهُ بِالذِي قَالَهُ أَبُو سُفْيَانَ، فَقَالَ -ﷺ-: "حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الوَكيلُ".
وَفِي هَذَا المَوْقِفِ نَزَلَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٧٢) الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ (١).
أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: حَسْبُنَا اللَّهُ وَيعْمَ الوَكِيلُ قَالَهَا: إِبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ -ﷺ- حِينَ قَالُوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ (٢).
وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِحَمْرَاءَ الأَسَدِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا ذَكَرْنَا، وَفِي يَوْمِ الأَرْبِعَاءَ عَادَ إِلَى المَدِينَةِ، وَقَدِ اسْتَرَدَّ المُسْلِمُونَ الكَثِيرَ مِنْ هَيْبَتِهِمْ، بَعْدَ أَنْ كَادَتْ تَتَزَعْزَعُ بِسَبَبِ غَزْوَةِ أُحُدٍ (٣).
_________________
(١) سورة آل عمران آية (١٧٢ - ١٧٣).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب الذين قال لهم الناس - رقم الحديث (٤٥٦٣).
(٣) انظر تفاصيل غزوة حمراء الأسد في: الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٧٤) - دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٣١٢ - ٣١٨) - سبل الهدى والرشاد (٤/ ٣٠٨) - البداية والنهاية =
[ ٢ / ٦٩٢ ]
* مَقْتَلُ أَبِي عَزَّةَ الجُمَحِيِّ:
وَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَبْلَ رُجُوعِهِ إِلَى المَدِينَةِ أَبَا عَزَّةَ الجُمَحِيَّ (١)، وَهُوَ الذِي كَانَ قَدْ مَنَّ (٢) عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ، لِفَقْرِهِ وَكَثْرَةِ بَنَاتِهِ، وَعَلَى أَنْ لَا يُقَاتِلَهُ وَلَا يُظَاهِرَ عَلَيْهِ أَحَدًا، فنَقَضَ العَهْدَ، وَخَرَجَ مَعَ قُرَيْشٍ، وَصَارَ يَسْتَنْفِرُ النَّاسَ وَيُحَرِّضُهُمْ بِأَشْعَارِهِ عَلَى قِتالِ الرَّسُولِ -ﷺ-، فَلَمَّا أُسِرَ جِيءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَقِلْنِي (٣)، وَامْنُنْ عَلَيَّ، فَإِنَّ لِي بَنَاتٍ، وَأُعْطِيكَ عَهْدًا أَنْ لَا أَعُودَ لِمِثْلِ مَا فَعَلْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَاللَّهِ، لَا تَمْسَحُ عَارِضَيْكَ (٤) بِمَكَّةَ بَعْدَهَا، وَتَقُولُ: خَدَعْتُ مُحَمَّدًا مَرَّتَيْنِ".
وَفِي لَفْظٍ: "سَخِرْتُ بِمُحَمَّدٍ مَرَّتَيْنِ، اضْرِبْ عُنُقَهُ يَا زُبَيْرُ".
وَفِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ: قَالَ -ﷺ-: "لَا يُلْدَغُ المُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ" (٥)،
_________________
(١) = (٤/ ٤٢٦) - سيرة ابن هشام (٣/ ١٣٣).
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في البداية والنهاية (٤/ ٤٣٠): ولم يُؤْسَر من المشركين سِوى أبي عَزَّة الجمحي كما ذكره الشافعي وغيره، وقتله رَسُول اللَّهِ -ﷺ- صَبْرًا بين يديهِ أمَرَ الزبير، ويقال: عاصم بن ثابت، فضرب عنقه. كل من قُتل في غير معركةٍ ولا حرب ولا خطأ فإنه مقتُولٌ صَبْرًا. انظر النهاية (٣/ ٨).
(٣) مَنَّ عليه: أحسنَ وأنعَمَ. انظر لسان العرب (١٣/ ١٩٧).
(٤) أقالَهُ: صفَحَ عنه وتجَاوَزَ. انظر لسان العرب (١١/ ٢٨٩).
(٥) عارِضَا الإنسان: صَفْحَتَا خدَّيْه. انظر النهاية (٣/ ١٩٢).
(٦) أخرج هذا الحديث البخاري في صحيحه - كتاب الأدب - باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين - رقم الحديث (٦١٣٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الزهد والرقائق - باب لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين- رقم الحديث (٢٩٩٨) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٥٩٦٤).
[ ٢ / ٦٩٣ ]
فَضُرِبَ عُنُقَهُ (١).
* مَا نَزَلَ مِنَ القُرْآنِ يَوْمَ أُحُدٍ:
أَنْزَلَ اللَّهُ ﷾ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ سِتِّينَ آيَةً مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ، فِيهَا تَفْصِيلٌ لِأَحْدَاثِ هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ، وَقَدِ اتَّجَهَتِ الآيَاتُ إِلَى مَزْجِ العِتَابِ الرَّقِيقِ بِالدَّرْسِ النَّافِعِ وَتَطْهِيرِ المُؤْمِنِينَ، حَتَّى لَا يَتَحَوَّلَ انْكِسَارُهُمْ فِي المَيْدَانِ إِلَى قُنُوطٍ يَفُلُّ قُوَاهُمْ، وَحَسْرَةً تَشُلُّ إِنْتَاجَهُمْ، وتَبْدَأُ الآيَاتُ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).
فَمِنَ الآيَاتِ التِي نَزَلَتْ قَوْلَهُ تَعَالَى:
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ (٣).
﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (٤).
﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا
_________________
(١) انظر تفاصيل أسر أبي عزة الجمحي في: فتح الباري (١٢/ ١٦٣) - سيرة ابن هشام (٣/ ١١٦) - البداية والنهاية (٤/ ٤٢٣).
(٢) سورة آل عمران آية (١٢١).
(٣) سورة آل عمران آية (١٣٧).
(٤) سورة آل عمران آية (١٣٩).
[ ٢ / ٦٩٤ ]
بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (١).
﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (٢).
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (٣).
﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ (٤).
﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٥).
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾ (٦).
إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الآيَاتِ التِي نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
_________________
(١) سورة آل عمران آية (١٤٠).
(٢) سورة آل عمران آية (١٤١).
(٣) سورة آل عمران آية (١٤٢).
(٤) سورة آل عمران آية (١٤٣).
(٥) سورة آل عمران آية (١٤٤).
(٦) سورة آل عمران آية (١٤٩).
[ ٢ / ٦٩٥ ]
* بَعْضُ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ غَزْوَةُ أُحُدٍ مِنَ الأَحْكَامِ وَالفِقْهِ:
ذَكَرَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ القَيِّمِ "زَادِ المَعَادِ"، بَعْضَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الغَزْوَةُ العَظِيمَةُ مِنَ الأَحْكَامِ وَالفِقْهِ فَمِنْهَا:
١ - أَنَّ الجِهَادَ يَلْزَمُ بِالشُّرُوعِ فِيهِ، حَتَّى إِنَّ مَنْ لَبِسَ لَأَمَتَهُ وَشَرَعَ فِي أَسْبَابِهِ، وَتَأَهَّبَ لِلْخُرُوجِ، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجعَ عَنِ الخُرُوجِ حَتَّى يُقَاتِلَ عَدُوَّهُ.
٢ - وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى المُسْلِمِينَ إِذَا طَرَقَهُمْ عَدُوُّهُمْ فِي دِيَارِهِمُ الخُرُوجَ إِلَيْهِ، بَلْ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَلْزَمُوا دِيَارَهُمْ، وَيُقَاتِلُوهُمْ فِيهَا إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَنْصَرَ لَهُمْ عَلَى عَدُوِّهِمْ، كَمَا أَشَارَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْهِمْ يَوْمَ أُحُدٍ.
٣ - وَمِنْهَا جَوَازُ سُلُوكِ الإِمَامِ بِالعَسْكَرِ فِي بَعْضِ أَمْلَاكِ رَعِيَّتِهِ إِذَا صَادَفَ ذَلِكَ طَرِيقَهُ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ المَالِكُ.
٤ - وَمِنْهَا أَنَّهُ لَا يَأْذَنُ لِمَنْ لَا يُطِيقُ القِتَالَ مِنَ الصِّبْيَانِ غَيْرِ البَالِغِينَ، بَلْ يَرُدُّهُمْ إِذَا خَرَجُوا، كَمَا رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ابنَ عَمْرَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الصِّبْيَانِ.
٥ - وَمِنْهَا جَوَازُ الغَزْوِ بِالنِّسَاءَ، وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِنَّ فِي الجِهَادِ.
٦ - وَمِنْهَا جَوَازُ الِانْغِمَاسِ فِي العَدُوِّ، كَمَا انْغَمَسَ أَنَسُ بنُ النَّضْرِ -﵁- وَغَيْرُهُ.
٧ - وَمِنْهَا جَوَازُ دُعَاءَ الرَّجُلِ أَنْ يُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَتَمَنِّيهِ ذَلِكَ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ تَمَنِّي المَوْتِ المَنْهِيِّ عَنْهُ، كَمَا فَعَلَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ -﵁-.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
٨ - وَمِنْهَا أَنَّ المُسْلِمَ إِذَا قتَلَ نَفْسَهُ، فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، لِقَوْلهِ -ﷺ- فِي قُزْمَانَ الذِي أَبْلَى يَوْمَ أُحُدٍ بَلَاءً شَدِيدًا، فَلَمَّا اشْتَدَّتْ بِهِ الجِرَاحُ، نَحَرَ نَفْسَهُ، فَقَالَ -ﷺ-: "هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ".
٩ - وَمِنْهَا أَنَّ السُّنَّةَ فِي الشَّهِيدِ أَنَّهُ لَا يُغَسَّلُ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ (١)، وَلَا يُكَفَّنُ فِي غَيْرِ ثِيَابِهِ، بَلْ يُدْفَنُ فِيهَا بِدَمِهِ وَكُلُومِهِ (٢)، إِلَّا أَنْ يُسْلَبَهَا، فَيَكَفَّنُ فِي غَيْرِهَا.
١٠ - وَمِنْهَا أَنَّ السُّنَّةَ فِي الشُّهَدَاءِ أَنْ يُدْفَنُوا فِي مَصَارِعِهِمْ، وَلَا يُنْقَلُوا إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، فَإِنَّ قَوْمًا مِنَ الصَّحَابَةِ نَقَلُوا قَتْلَاهُمْ إِلَى المَدِينَةِ، فنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالأَمْرِ بَرَدِّ القَتْلَى إِلَى مَصَارِعِهِمْ.
١١ - وَمِنْهَا جَوَازُ دَفْنِ الرَّجُلَيْنِ أَوِ الثَّلَاثَةِ فِي القَبْرِ الوَاحِدِ، عِنْدَ الحَاجَةِ وَالضَّرُورَةِ.
١٢ - وَمِنْهَا أَنَّ مَنْ عَذَرَهُ اللَّهُ فِي التَّخَلُّفِ عَنِ الجِهَادِ لِمَرَضٍ أَوْ عَرَجٍ، يَجُوزُ لَهُ الخُرُوجُ إِلَيْهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ، كَمَا خَرَجَ عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ -﵁-، وَهُوَ أَعْرَجٌ.
١٣ - وَمِنْهَا أَنَّ المُسْلِمِينَ إِذَا قتَلُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ فِي الجِهَادِ يَظُنُّونَهُ كَافِرًا،
_________________
(١) انظر فيما تقدم عند الكلام على هل صلَّى الرسول -ﷺ- على الشهداء أم لا؟
(٢) الكَلْمُ: هو الجُرْحُ. انظر النهاية (٤/ ١٧٣).
[ ٢ / ٦٩٧ ]
فَعَلَى الإِمَامِ دِيَتُهُ مِنْ بَيْتِ المَالِ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَرَادَ أَنْ يَدِيَ اليَمَانَ أَبَا حُذَيْفَةَ، فَامْتَنَعَ حُذَيْفَةُ مِنْ أَخْذِ الدِّيَةِ، وَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى المُسْلِمِينَ (١).
* ذِكْرُ بَعْضِ الحِكَمِ وَالغَايَاتِ المَحْمُودَةِ التِي كَانَتْ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ:
لَقَدْ بَسَطَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الفَذِّ "زَادِ المَعَادِ" الدُّرُوسَ وَالعِبَرَ التِي كَانَتْ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
١ - فَمِنْهَا تَعْرِيفُهُمْ سُوءَ عَافِتةِ المَعْصِيَةِ، وَالفَشَلِ، وَالتَّنَازُعِ، وَأَنَّ الذِي أَصَابَهُمْ إِنَّمَا هُوَ بِشُؤْمِ ذَلِكَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٢). فَلَمَّا ذَاقُوا عَاقِبَةَ مَعْصِيَتَهِمْ لِلرَّسُولِ -ﷺ-، وَتَنَازُعِهِمْ، وَفَشَلِهِمْ، كَانُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَشَدَّ حَذَرًا وَيَقْظَةً، وَتَحَرُّزًا مِنْ أَسْبَابِ الخُذْلَانِ.
٢ - وَمِنْهَا أَنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ وَسُنَّتَهُ فِي رُسُلِهِ، وَأَتْبَاعِهِمْ، جَرَتْ بِأَنْ يُدَالُوا مَرَّةً، وَيُدَالَ عَلَيْهِمْ أُخْرَى، لَكِنْ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَةُ، فَإِنَّهُمْ لَوِ انتصَرُوا دَائِمًا، دَخَلَ مَعَهُمُ المُؤْمِنُونَ وَغَيْرُهُمْ، وَلَمْ يَتَمَيَّزِ الصَّادِقُ مِنْ غَيْرِهِ، وَلَوِ انْتُصِرَ عَلَيْهِمْ
_________________
(١) انظر زاد المعاد (٣/ ١٨٩ - ١٩٦).
(٢) سورة آل عمران آية (١٥٢).
[ ٢ / ٦٩٨ ]
دَائِمًا، لَمْ يَحْصُلِ المَقْصُودُ مِنَ البِعْثَةِ وَالرِّسَالَةِ، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ أَنْ جَمَعَ لَهُمْ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ لِيَتَمَيّز مَنْ يتْبَعُهُمْ وَيُطِيعُهُمْ لِلْحَقِّ، وَمَا جَاؤُوا بِهِ مِمَّنْ يَتْبَعُهُمْ عَلَى الظُّهُورِ وَالغَلَبَةِ خَاصَّةً.
٣ - وَمِنْهَا أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْلَامِ الرُّسُلِ، كَمَا قَالَ هِرَقْل لِأَبِي سُفْيَانَ: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: كَيْفَ الحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ؟، قَالَ: سِجَالٌ، يدَالُ عَلَيْنَا المَرَّةَ، وَنُدَالُ عَلَيْهِ الأُخْرَى. قَالَ: كَذَلِكَ الرُّسُلُ تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقبَةُ (١).
٤ - وَمِنْهَا أَنْ يتَمَيَّزَ المُؤْمِنُ الصَّادِقُ مِنَ المُنَافِقِ الكَاذِبِ، فَإِنَّ المُسْلِمِينَ لَمَّا أَظْهَرَهُمُ اللَّهُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، وَطَارَ لَهُمُ الصِّيتُ (٢)، دَخَلَ مَعَهُمْ في الإِسْلَامِ ظَاهِرًا مَنْ لَيْسَ مَعَهُمْ فِيهِ بَاطِنًا، فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ ﷿ أَنْ سَبَّبَ لِعِبَادِهِ مِحْنَةً مَيَّزَتْ بَيْنَ المُؤْمِنِ وَالمُنَافِقِ، فَأَطْلَعَ المُنَافِقُونَ رُؤُوسَهُمْ في هَذِهِ الغَزْوَةِ، وَتَكَلَّمُوا بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ، وَظَهَرَتْ مُخَبَّاتُهُمْ، وَعَادَ تَلْوِيحُهُمْ تَصْرِيحًا، وَانْقَسَمَ النَّاسُ إلى كَافِرٍ، وَمُؤْمِنٍ، وَمُنَافِقٍ، انْقِسَامًا ظَاهِرًا، وَعَرَفَ المُؤْمِنُونَ أَنَّ لَهُمْ عَدُوًّا في نَفْسِ دُورِهِمْ، وَهُمْ مَعَهُمْ لَا يُفَارِقُونَهُمْ، فَاسْتَعَدُّوا لَهُمْ، وَتَحَرَّزُوا مِنْهُمْ.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب بدء الوحي - باب (٦) - رقم الحديث (٧) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب كتاب النبي -ﷺ- إلى هرقل - رقم الحديث (١٧٧٣).
(٢) الصِّيتُ: الذِّكرُ والشُّهرَةُ والعِرْفَان. انظر النهاية (٣/ ٥٩).
[ ٢ / ٦٩٩ ]
٥ - وَمِنْهَا أَنَّ اللَّه ﷾ لَوْ نَصَرَهُمْ دَائِمًا، وَأَظْفَرَهُمْ بِعَدُوِّهِمْ في كُلِّ مَوْطِنٍ، وَجَعَلَ لَهُمُ التَّمْكِينَ وَالقَهْرَ لِأَعْدَائِهِمْ أَبَدًا؛ لَطَغَتْ نُفُوسُهُمْ، وَشَمَخَتْ (١) وَارْتَفَعَتْ، فَلَوْ بَسَطَ لَهُمْ النَّصْرَ وَالظَّفَرَ، لَكَانُوا في الحَالِ التِي يَكُونُونَ فِيهَا لَوْ بَسَطَ لَهُمُ الرِّزْقَ، فَلَا يُصْلحُ عِبَادَهُ إِلَّا السَّرَّاءُ وَالضَّرَّاءُ، وَالشِّدَّةُ وَالرَّخَاءُ، وَالقَبْضُ وَالبَسْطُ، فَهُوَ المُدَبِّرُ لِأَمْرِ عِبَادِهِ كَمَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ، إِنَّهُ بِهِمْ خَبِيرٌ بَصِيرٌ.
٦ - وَمِنْهَا أَنَّهُ إِذَا امْتَحَنَهُمْ بِالغَلَبَةِ، وَالكَسْرَةِ، وَالهَزِيمَةِ، ذَلُّوا وَانْكَسَرُوا، وَخَضَعُوا، فَاسْتَوْجَبُوا مِنْهُ العِزَّ وَالنَّصْرَ، فَإِنَّ خِلْعَةَ النَّصْرِ إِنَّمَا تَكُونُ مَعَ وِلَايَةِ الذُّلِّ وَالِانْكِسَارِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ (٢)، وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾ (٣). فَهُوَ سُبْحَانَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُعِزَّ عَبْدَهُ، وَيَجْبُرَهُ، وَيَنْصُرَهُ، كَسَرَهُ أَوَّلًا، وَيَكُونُ جَبْرُهُ لَهُ، ونَصْرُهُ عَلَى مِقْدَارِ ذُلِّهِ وَانْكِسَارِهِ.
٧ - وَمِنْهَا أَنَّهُ ﷾ هَيَّأَ لِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ مَنَازِلَ في دَارِ كَرَامَتِهِ، لَمْ تَبْلُغْهَا أَعْمَالُهُمْ، وَلَمْ يَكُوُنوا بَالِغِيهَا إِلَّا بِالبَلَاءِ وَالمِحْنَةِ، فَيُقَيِّضُ (٤) لَهُمُ
_________________
(١) الشَّامخُ: العالي، وشمَخَ بأنفِهِ: أي ارتفع وتكبّر. انظر النهاية (٢/ ٤٤٧).
(٢) سورة آل عمران آية (١٢٣).
(٣) سورة التوبة آية (٢٥).
(٤) قيَّضَ: أي سبَّب وقَدَّر. انظر النهاية (٤/ ١١٥).
[ ٢ / ٧٠٠ ]
الأَسْبَابَ التِي تُوصِلُهُمْ إِلَيْهَا مِنِ ابْتِلَائِهِ وَامْتِحَانِهِ، كَمَا وَفَّقَهُمْ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ التِي هِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ وُصُولهِمْ إِلَيْهَا.
٨ - وَمِنْهَا أَنَّ النُّفُوسَ تَكْتَسِبُ مِنَ العَافِيَةِ الدَّائِمَةِ وَالنَّصْرِ وَالغِنَى طُغْيَانًا وَرُكُونًا إلى العَاجِلَةِ، وَذَلِكَ مَرَضٌ يَعُوقُهَا عَنْ جِدِّهَا في سَيْرِهَا إلى اللَّهِ وَالدَّارِ الآخِرَةِ، فَإِذَا أَرَادَ بِهَا رَبّها وَمَالِكُهَا وَرَاحِمُهَا كَرَامَتَهُ، قَيَّضَ لَهَا مِنَ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ مَا يَكُونُ دَوَاءً لِذَلِكَ المَرَضِ العَائِقِ عَنِ السَّيْرِ الحَثِيثِ إِلَيْهِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ البَلَاءُ وَالمِحْنَةُ بِمَنْزِلَةِ الطَّبِيبِ يَسْقِي العَلِيلَ الدَّوَاءَ الكَرِيهَ، وَيَقْطَعُ مِنْهُ العُرُوقَ المُؤْلمَةَ لِاسْتِخْرَاجِ الأَدْوَاءِ (١) مِنْهُ، وَلَوْ تَرَكَهُ لَغَلَبَتْهُ الأَدْوَاءُ، حَتَّى يَكُونَ فِيهَا هَلَاكُهُ.
٩ - وَمِنْهَا أَنَّ الشَّهَادَةَ عِنْدَهُ مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ أَوْليَائِهِ، وَالشُّهَدَاءُ هُمْ خَوَاصُّهُ وَالمُقَرَّبُونَ مِنْ عِبَادِهِ، وَلَيْسَ بَعْدَ دَرَجَةِ الصِّدِّيقِيَّةِ إِلَّا الشَّهَادَةُ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبُّ أَنْ يتَّخِذَ مِنْ عِبَادِهِ شُهَدَاءَ، تُرَاقُ دِمَاؤُهُمْ في مَحَبَّتِهِ وَمَرْضَاتِهِ، وَيُؤْثرُونَ رِضَاهُ وَمَحَابّه عَلَى نُفُوسِهِمْ، وَلَا سَبِيلَ إلى نَيْلِ هَذِهِ الدَّرَجَةِ إِلَّا بِتَقْدِيرِ الأَسْبَابِ المُفْضِيَةِ إِلَيْهَا مِنْ تَسْلِيطِ العَدُوِّ.
١٠ - وَمِنْهَا أَنَّ اللَّه سُبْحَانَهُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ أَعْدَاءَهُ ويَمْحَقَهُمْ، قَيَّضَ لَهُمُ الأَسْبَابَ التِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهَا هَلَاكَهُمْ وَمَحْقَهُمْ، وَمِنْ أَعْظَمِهَا بَعْدَ كُفْرِهِمْ
_________________
(١) الأدواء: الأمراض. انظر لسان العرب (٤/ ٤٥٤).
[ ٢ / ٧٠١ ]
بَغْيُهُمْ، وَطُغْيَانُهُمْ، ومُبَالَغَتُهُمْ في أَذَى أَوْليَائِهِ، وَمُحَارَبَتِهِمْ، وَقِتَالِهِمْ، والتَّسَلُّطِ عَلَيْهِمْ، فَيَتَمَحَّصُ بِذَلِكَ أَوْليَاؤُهُ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَعُيُوبِهِمْ، ويَزْدَادُ بِذَلِكَ أَعْدَاؤُهُ مِنْ أَسْبَابِ مَحْقِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ. وَقَدْ ذَكَرَ ﷾ ذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ (١).
فَجَمَعَ لَهُمْ في هَذَا الخِطَابِ بَيْنَ تَشْجِيعِهِمْ وَتَقْوِيَةِ نُفُوسِهِمْ، وَإِحْيَاءِ عَزَائِمِهِمْ وَهِمَمِهِمْ، وبَيْنَ حُسْنِ التَّسْلِيَةِ.
١١ - وَمِنْهَا أَنَّ وَقْعَةَ أُحُدٍ كَانَتْ مُقَدِّمَةً وَإِرْهَاصًا بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَثَبَّتَهُمْ، وَوَبَّخَهُمْ عَلَى انْقِلَابِهِمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ أَنْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، أَوْ قُتِلَ، بَلِ الوَاجِبُ لَهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا عَلَى دينِهِ وتَوْحِيدِهِ، ويَمُوتُوا عَلَيْهِ، أَوْ يُقْتَلُوا، فَإِنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ رَبَّ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، وَهُوَ حَيٌّ لَا يَمُوتُ، فَلَوْ مَاتَ مُحَمَّدٌ -ﷺ- أَوْ قُتِلَ، لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَصْرِفَهُمْ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَمَا جَاءَ بِهِ، فكُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ المَوْتِ، وَمَا بُعِثَ مُحَمَّدٌ -ﷺ- لِيُخَلَّدَ لَا هُوَ وَلَا هُمْ، بَلْ لِيَمُوتُوا عَلَى الإِسْلَامِ وَالتَّوْحِيدِ، فَإِنَّ المَوْتَ لابُدَّ مِنْهُ، سَوَاءً مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَوْ بَقِيَ (٢).
_________________
(١) سورة آل عمران آية (١٣٩).
(٢) انظر كلام ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في زاد المعاد (٣/ ١٩٦ - ٢٠١).
[ ٢ / ٧٠٢ ]
«دراسة محققة للسيرة النبوية»
تأليف
موسى بن راشد العازمي
تقريظ
الدكتور محمد رواس قلعه جي
الشيخ عثمان الخميس
[الجزء الثالث]
[ ٣ / ١٣٠١ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٣ / ٢ ]
[ ٣ / ٣ ]
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمؤلف
فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثْنَاء النشر
٢٣٩ العازمي، مُوسَى بن رَاشد.
اللُّؤْلُؤ الْمكنُون فِي سِيْرَة النَّبِيّ الْمَأْمُون: دراسة مُحَققَة للسيرة النَّبَوِيَّة (الْجُزْء الثالث)
تأليف مُوسَى بن رَاشد العازمي - ط ١ - الكويت: مُوسَى بن رَاشد العازمي، ٢٠١١
ج ٣ (٦٤٦ ص)؛ ٢٤ سم.
ردمك: ٠ - ٠٣ - ٤٤ - ٩٩٩٦٦ - ٩٧٨
١. السِّيرَة النَّبَوِيَّة أ. العنوان
ردمك: ٠ - ٠٣ - ٤٤ - ٩٩٩٦٦ - ٩٧٨
رقم الْإِيدَاع: ٢٤٢/ ٢٠١١
الطبعة الأولى
١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م
تمّ طباعة الْكتاب على نَفَقَة عبد اللَّه الْعلي المطوع - ﵀ -
الناشر
المكتبة العامرية
إعلان وطباعة وَنشر وتوزيع
الكويت - حَولي - شَارِع الْمثنى - مجمع البدري - مَحل رقم ١٣
تلِي فاكس: ٠٠٩٦٥٢٢٦٢٣٨٨٠ - جوال: ٠٠٩٦٥٩٩٨٦٢١٩٧
الْبَرِيد الإلكتروني:
al_aamria@hotmail.com
manaar ١@yahoo.com
موقع المكتبة:
www.sites.google.com/site/amriabookstore
[ ٣ / ٤ ]
دولة الكويت
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
السيد الفاضل/ مدير إدارة الثقافة الإسلامية المحترم
السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته،، وبعد
بالإشارة إلى الكتاب رقم (٣١٥) بشأن مراجعة: مادة بحث عدد (١)
الوارد بتاريخ: ٣/ ٣/ ٢٠١١
بعنوان: اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون ج ٣
إعداد: موسى بن راشد العازمي
نشر:
بعد الإطلاع على النسخة المذكورة أعلاه ومراجعتها نحيطكم علمًا بأنه لم تتبين لنا ملاحظات تذكر.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام،،
رئيس لجنة الكتب والمصنفات الفنية
الأصل بتوقيع
خليف مثيب الأذينة
الوكيل المساعد للشئون الثقافية
[ ٣ / ٥ ]