عَدَدُ الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا وَنَظْرَة عَامَّةٌ عَلَيْهَا
انْتَهَتِ الْغَزَوَاتُ النَّبَوِيَّةُ بِغَزْوَةِ تَبُوكَ وَالتِي بَلَغَ عَدَدُهَا سَبْعًا وَعِشْرِينَ غَزْوَةً، قَاتَلَ فِيهَا -ﷺ- فِي تِسْعِ غَزَوَاتٍ: بَدْرٍ، وَأُحُدٍ، وَالْخَنْدَقِ، وَقُرَيْظَةَ، وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ، وَخَيبرَ، وَالفتْحِ، وَحُنَيْنٍ، وَالطَّائِفِ.
وَبَلَغَتْ بُعُوثُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَسَرَايَاهُ ثَمَانِيةً وَثَلَاثِينَ بَيْنَ بَعْثٍ وَسَرِيَّةٍ، وَقِيلَ: سَبْعًا وَأَرْبَعِينَ، أَوْ ثَمَانِيًا وَأَرْبَعِينَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَبَدًا، وَلَكِنِّي لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلُهُمْ، وَلَا يَجدُونَ سَعَةً فَيَتَّبِعُوني، وَيَشُقُّ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَخَلفوا عَنِّي، وَالذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أُقتَلُ، ثُمَّ أَحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ" (١).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا بَعَثَ بَعْثًا بَعَثَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ (٢)، وَيَقُولُ لَهُمْ:
_________________
(١) أخرج هذا الحديث البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب تمني الشهادة - رقم الحديث (٢٧٩٧) - وأخرجه في كتاب التمني - باب ما جاء في التمني ومن تمنى الشهادة - رقم الحديث (٧٢٢٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب فضل الجهاد والخروج في سبيل اللَّه - رقم الحديث (١٨٧٦) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧١٥٧).
(٢) روى الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٤٣٨) - والترمذي في جامعه - رقم =
[ ٤ / ٣٧١ ]
"تَأَلَّفُوا النَّاسَ، وَلَا تُغِيرُوا عَلَيْهِمْ حَتَّى تَدْعُوهُمْ (١)، فَمَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ وَلَا مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ (٢)، إِلَّا تَأْتُونِي بِهِمْ مُسْلِمِينَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ تَأْتْوني بِنِسَائِهِمْ، وَأَوْلَادِهِمْ وَتَقْتُلُوا رِجَالَهُمْ" (٣).
وَإِذَا نَظَرْنَا إِلَى غَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَبُعُوثِهِ وَسَرَايَاهُ، لَا يُمْكِنُ لَنَا وَلَا لِأَحَدٍ مِمَّنْ يَنْظُرُ فِي أَوْضَاعِ الْحُرُوبِ وَأثارِهَا وَخَلْفِيَّاتِهَا. . . لَا يُمْكِنُ لَنَا إِلَّا أَنْ نَقُولَ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ أَكْبَرَ قَائِدٍ عَسْكَرِيٍّ فِي الدُّنْيَا، وَأَسَدَّهُمْ (٤) وَأَعْمَقَهُمْ فِرَاسَةً وَتَيَقُّظًا، إِنَّهُ صَاحِبُ عَبْقَرِيَّةٍ فَذَّةٍ فِي هَذَا الْوَصْفِ، كَمَا كَانَ سَيِّدَ الرُّسْلِ وَأَعْظَمَهُمْ فِي صِفَةِ النُّبُوَّةِ وَالرِّسَالَةِ، فَلَمْ يَخُضْ مَعْرَكَةً مِنَ الْمَعَارِكِ إِلَّا فِي الظَّرْفِ، وَمِنَ الْجِهَةِ اللَّذَيْنِ يَقْتَضِيهِمَا الْحَزْمُ وَالشَّجَاعَةُ وَالتَّدْبِيرُ، وَلذَلِكَ لَمْ يَفْشَلْ فِي أَيِّ مَعْرَكَةٍ مِنَ الْمَعَارِكِ التِي خَاضَهَا لِغَلَطِهِ فِي الْحِكْمَةِ، وَمَا إِلَيْهَا مِنْ تَعْبِئَةِ الْجَيْشِ، وَتَعْيِينِهِ عَلَى الْمَرَاكِزِ الِاسْتِرَاتِيجِيَّةِ، وَاحْتِلَالِ أَفْضَلِ الْمَوَاضِعِ وَأَوْثَقِهَا لِلْمُجَابَهَةِ، وَاخْتِيَارِ أَفْضَلِ خُطَّةٍ لِإِدَارَةِ دَفَّةِ الْقِتَالِ، بَلْ أَثْبَتَ فِي كُلِّ ذَلِكَ أَنَّ له نَوْعًا آخَرَ مِنَ الْقِيَادَةِ غَيْرُ مَا عَرَفتهَا، وَتَعْرِف الدُّنْيَا فِي الْقُوَّادِ، وَلَمْ يَقَعْ مَا
_________________
(١) = الحديث (١٢٥٥) عن صخر الغامدي -﵁- قال: كان رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إذا بعث سرية أو جيشًا، بعثهم أوَّل النهار. وقال الترمذي: حديث حسن.
(٢) روى الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح على شرط مسلم - رقم الحديث (٢١٠٥) - عن ابن عباس ﵄ قال: ما قاتل رَسُول اللَّهِ -ﷺ- قومًا قط إِلَّا دعاهم.
(٣) يريد رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بقوله: "أهل بيت مدر ووبر": أي أهل البوادي والمدن والقرى، وهو من وبئر الإبل، لأنَّ بيوتهم يتخذونها منه. انظر النهاية (٥/ ١٢٧).
(٤) أورد هذا الحديث الصالحي في سيرته الشامية (٦/ ٧)، وعزاه إلى مُسَدَّد، والحارث بن أبي أسامة مرسلًا.
(٥) السَّدِيدُ: الصَّوَابُ من القول، والتَّسْدِيدُ: التَّوْفِيقُ. انظر لسان العرب (٦/ ٢١٢).
[ ٤ / ٣٧٢ ]
وَقَعَ فِي غَزْوَةِ أُحُدٍ، وَغَزْوَةِ حُنَيْنٍ إِلَّا مِنْ بَعْضِ الضَّعفِ فِي أَفْرَادِ الْجَيْشِ -كَمَا فِي حُنَيْنٍ- أَوْ مِنْ جِهةِ مَعصِيَتهم أَوَامِرَهُ، وَتَركِهِمُ التَّقَيُّدَ وَالِالْتِزَامَ بِالْحِكْمَةِ وَالْخُطَّةِ اللَّتَيْنِ كَانَ أَوْجَبَهُمَا عَلَيْهِمْ مِنْ حَيْثُ الْوِجْهةُ الْعَسْكَرِيَّةُ -كَمَا فِي أُحُدٍ-.
وَقَدْ تَجَلَّتْ عَبْقَرِّيتهُ -ﷺ- فِي هَاتَيْنِ الْغَزْوَتَيْنِ عِنْدَ هَزِيمَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ ثَبَتَ مُجَابِهًا لِلْعَدُوِّ، وَاسْتَطَاعَ بِحِكْمَتِهِ الفذَّةِ أَنْ يُخَيّبَهُم فِي أَهْدَافِهِم -كَمَا فَعَلَ فِي أُحُدٍ- أَوْ يُغَيِّر مَجْرَى الْحَرْبِ حِتَّى ولبدِّلَ الْهزِيمَةَ انْتِصَارًا -كَمَا فِي حُنَيْنٍ- مَعَ أَنَّ مِثْلَ هَذَا التَّطَوُّرِ الْخَطِيرِ، وَمِثْلَ هَذِهِ الْهزِيمَةِ السَّاحِقَةِ تَأْخُذَانِ بِمَشَاعِرِ الْقُوَّادِ، وَتَتْرُكَانِ عَلَى أَعصَابِهِم أَسْوَأَ الأَثَرِ، لَا يَبْقَى لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَّا همُّ النَّجَاةِ بِأَنْفُسِهِمْ.
هَذِهِ مِنْ نَاحِيَةِ الْقِيَادَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ الْخَالِصَةِ، أَمَّا مِنْ نَوَاحٍ أُخْرَى، فَإِنَّهُ -ﷺ- اسْتَطَاعَ بهذِهِ الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا فَرضَ الْأَمنِ وَبَسْطَ السَّلَامِ، وإِطْفَاءَ نَارِ الْفِتْنَةِ، وَكَسْرَ شَوْكَةِ الْأَعدَاءِ فِي صِرَاعِ الْإِسْلَامِ وَالْوَثَنِيَّةِ، وَإِلْجَاءَهُم إِلَى الْمُصَالَحَةِ، وَتَخْلِيَةِ السَّبِيلِ لِنَشْرِ الدَّعوَةِ، وَقَدْ أُرِيقَ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْغَزَوَاتِ وَالسَّرَايَا أَقَلُّ دَمٍ عُرِفَ فِي تَارِيخِ الْحُرُوبِ وَالْغَزَوَاتِ، فَلَمْ يَتَجَاوَزِ الْقَتْلَى كُلُّها (١٠١٨) قَتِيلًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ.
كَمَا اسْتَطَاعَ رَسُولُ اللَّهِ هو أَنْ يَتَعَرَّفَ مِنْ خِلَالِ هَذِهِ الْغَزَوَاتِ عَلَى الْمُخْلِصِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَمِمَّنْ يُبْطِنُ النِّفَاقَ، وَيُضْمِرُ (١) نَوَازِعَ الْغَدْرِ وَالْخِيَانَةِ،
_________________
(١) أَضْمَرْتُ الشيءَ: أَخْفَيْتُهُ. انظر لسان العرب (٨/ ٨٥).
[ ٤ / ٣٧٣ ]
وَقَدْ أَنْشَأَ طَائِفَةً كَبِيرَةً مِنَ الْقُوَّادِ، الذِينَ لَاقُوا بَعدَهُ الْفُرسَ وَالرُّومَانَ فِي مَيَادِينِ الْعِرَاقِ وَالشَّامِ، فَفَاقُوهُمْ فِي تَخْطِيطِ الْحُرُوبِ وَإِدَارَةِ دَفَّةِ الْقِتَالِ، حَتَّى اسْتَطَاعُوا إِجْلَاءَهُم مِنْ أَرضِهم وَدِيَارِهم وَأَموَالِهِمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ.
وَاسْتَطَاعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِفَضْلِ هَذِهِ الْغَزَوَاتِ، أَنْ يُوَفِّرَ السُّكْنَى وَالْأَرضَ وَالْحِرَفَ وَالْمَشَاغِلَ لِلْمُسْلِمِينَ، حَتَّى قَضَى عَلَى كَثِيرٍ مِنْ مَشَاكِلِ اللَّاجِئِينَ الذِينَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ وَلَا دَارٌ، وَهَيَّأَ السِّلَاحَ وَالْكُرَاعَ (١) وَالْعُدَّةَ وَالنَّفَقَاتِ، حَصَلَ عَلَى كُلِّ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِمِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنَ الظُّلْمِ وَالطُّغْيَانِ وَالْبَغْي وَالْعُدوَانِ عَلَى عِبَادِ اللَّهِ.
وَقَدْ غَيَّرَ رَسُولُ اللَّهِ بِهَا أَغْرَاضَ الْحُرُوبِ وَأَهْدَافَها التِي كَانَتْ تَضْطَرِمُ (٢) نَارُ الْحَربِ لِأَجْلِها فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَيْنَمَا كَانَتِ الْحَربُ عِبَارَةً عَنِ النَّهْبِ، وَالسَّلْبِ، وَالْقَتْلِ، وَالْإِغَارَةِ، وَالظُّلْمِ، وَالْبَغْي، وَالْعُدوَانِ، وَأَخْذِ الثَّأْرِ، وَالفوْزِ بِالْوَتْرِ (٣)، وَكَبْتِ (٤) الضَّعِيفِ، وَتَخْرِيبِ الْعِمرَانِ، وَتَدمِيرِ الْبُنْيَانِ، وَهَتْكِ حُرُمَاتِ النِّسَاءَ، وَالقَسْوَةِ بِالضِّعَافِ وَالْوَلَائِدِ وَالصِّبْيَانِ، وَإِهْلَاكِ الْحَرْثِ وَالنَّسْلِ، وَالْعَبَثِ
_________________
(١) الكُرَاعُ: بضم الكاف: اسمٌ لجميعِ الْخَيْلِ. انظر النهاية (٤/ ١٤٣).
(٢) اضْطَرَمَتْ: اشْتَعَلَتْ والْتَهبَتْ. انظر لسان العرب (٨/ ٥٦).
(٣) الْوَتْرُ: الْجِنَايَةُ التي يَجْنيها الرجل على غيره من قتل أو نهب أو سبي. انظر لسان العرب (١٥/ ٢٠٥).
(٤) الْكَبْتُ: كَسْرُ الرَّجُلِ وإِخْزَاؤُهُ. انظر لسان العرب (١٢/ ١٠).
[ ٤ / ٣٧٤ ]
وَالفسَادِ فِي الْأَرْضِ -فِي الْجَاهِلِيَّةِ- إِذْ صَارَتْ هَذِهِ الْحَربُ -فِي الْإِسْلَامِ- جِهَادًا فِي تَحْقِيقِ أَهْدَافٍ نَبِيلَةٍ، وَأَغْرَاضٍ سَامِيَةٍ وَغَايَاتٍ مَحمُودةٍ، يَعْتَزُّ بِهَا الْمُجْتَمَعُ الْإِنْسَانِيُّ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَقَدْ صَارَتِ الْحَربُ جِهادًا فِي تَخْلِيصِ الْإِنْسَانِ مِنْ نِظَامِ القَهْرِ وَالْعُدْوَانِ، إِلَى نِظَامِ الْعَدَالَةِ وَالنَّصَفِ، مِنْ نِظَامٍ يَأْكُلُ فِيهِ القَوِيُّ الضَّعِيفَ، إِلَى نِظَامٍ يَصِيرُ فِيهِ الْقوِيُّ ضَعِيفًا حَتَّى يُؤْخَذَ مِنْهُ، وَصَارَتْ جِهَادًا فِي تَخْلِيصِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ (١)، وَصَارَتْ جِهَادًا فِي تَطْهِيرِ أَرضِ اللَّهِ مِنَ الْغدرِ وَالْخِيَانَةِ وَالْإِثْمِ وَالْعُدوَانِ إِلَى بَسْطِ الْأَمنِ وَالسَّلَامَةِ وَالرَّأْفَةِ وَالرَّحمَةِ، وَمُرَاعَاةِ الْحُقُوقِ وَالْمُرُوءَةِ.
كَمَا شَرَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلْحُرُوبِ قَوَاعِدَ شَرِيفَةً أَلْزَمَ التَّقَيُّدَ بِهَا عَلَى جُنُودِهِ وَقُوَّادِهِ، وَلَمْ يَسْمَح لَهُمْ بِالْخُرُوجِ عَنْهَا بِحَالٍ.
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بُرَيْدةَ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَةٍ أَوْصَاهُ فِي خَاصَّتِهِ بِتَقْوَى اللَّهِ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ قَالَ: "اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ، فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، اغْزُوا وَلَا تَغُلُّوا (٢)، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا تُمَثِّلُوا (٣)، وَلَا تَقْتُلُوا وَليدًا، وَإِذَا لَقِيتَ عَدُوَّكَ مِنَ الْمُشْرِكينَ فَادْعُهُمْ إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ أَوْ خِلَالٍ فَأَيَّتُهُنَّ مَا أَجَابُوكَ
_________________
(١) سورة النساء آية (٧٥).
(٢) الْغُلُولُ: هو الْخِيَانَةُ في الْمَغْنَمِ، والسرِقَةُ من الغنيمة قبل القسمة. انظر النهاية (٣/ ٣٤١).
(٣) مُثّل بالْقَتِيلِ: إذا قَطَعَ أَنْفَهُ، أو أُذنهُ، أو مَذَاكِيرَهُ، أو شيئًا من أطرافه. انظر النهاية (٤/ ٢٥١).
[ ٤ / ٣٧٥ ]
فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوكَ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفَّ عَنْهُمْ، ثُمَّ ادْعُهُمْ إِلَى التَّحَوُّلِ مِنْ دَارِهِمْ إِلَى دَارِ الْمُهاجِرِينَ، وَأَخْبِرهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ، فَلَهُم مَا لِلْمُهاجِرِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُهاجِرِينَ، فَإِنْ أبوا أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْهَا، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كَأعرَابِ الْمُسْلِمِينَ، يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ اللَّهِ الذِي يَجْرِي عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا يَكُونُ لَهُمْ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ شَيْءٌ، إِلَّا أَنْ يُجَاهِدُوا مَعَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ هُمْ أَبَوا فَسَلْهُمُ الْجِزْيَةَ، فَإِنْ هُمْ أَجَابُوكَ فَاقْتلْ مِنْهُمْ وَكفَّ عَنْهُمْ، فَإِنْ هُم أبوا فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَقَاتِلْهُم، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ، فَأَرَادُوكَ أَنْ تَجْعَلَ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَذِمَّةَ نَبِيِّهِ، فَلَا تَجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّةَ اللَّهِ وَلَا ذِمَّةَ نَبِيِّهِ، وَلَكِنِ اجْعَلْ لَهُمْ ذِمَّتَكَ وَذِمَّةَ أَصحَابِكَ، فَإِنَّكُم أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَمَكُمْ وَذِمَمِ أَصْحَابِكُمْ، أَهْوَنُ مِنْ أَنْ تُخْفِرُوا ذِمَّةَ اللَّهِ، وَذِمَّةَ رَسُولهِ، وَإِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَأَرَادُوكَ أَنْ تُنْزِلَهم عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، فَلَا تُنْزِلْهم عَلَى حُكْمِ اللَّهِ، وَلَكِنْ أَنْزِلْهم عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تدرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَم لَا" (١).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْمُرُ بِالتَّيْسِيرِ وَيَقُولُ: "بَشِّرُوا وَلَا تُنَفِّرُوا، وَيَسِّرُوا وَلَا تُعَسِّرُوا" (٢)، وَكَانَ إِذَا جَاءَ قَوْمًا بِلَيْلٍ لَمْ يُغِر عَلَيْهِمْ حَتَّى يُصْبِحَ (٣)، وَنَهى
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث - رقم الحديث (١٧٣١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٩٧٨).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير - رقم الحديث (١٧٣٢) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٥٧٢).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب دعاء النبي -ﷺ- الناس إلى الإسلام - رقم الحديث (٢٩٤٥) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤١٩٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب =
[ ٤ / ٣٧٦ ]
أَشَدَّ النَّهْي عَنِ التَّحرِيقِ فِي النَّارِ (١)، وَنَهَى عَنْ قتلِ النِّسَاءِ (٢)، وَنَهَى عَنِ النَّهْبِ (٣)، وَنَهَى عَنْ قَطْعِ الْأَشْجَارِ، إِلَّا إِذَا اشْتَدَّتْ إِلَيْها الْحَاجَةُ، وَلَا يَبْقَى سِوَاهُ سَبِيلٌ، وَقَالَ عِنْدَ فَتْحِ مَكَّةَ: "لَا تُجْهِزُنَّ عَلَى جَرِيحٍ، وَلَا تَتَّبِعُوا مُدبِرًا" (٤)، وَأَمضَى السُّنَّةَ بِأَنَّ السَّفِيرَ لَا يُقْتَلُ (٥)، وَشَدَّدَ فِي النَّهْي عَنْ قَتْلِ الْمُعَاهدِينَ (٦). . . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْقَوَاعِدِ النَّبِيلَةِ التِي طَهَّرَتِ الْحُرُوبَ مِنْ أَدْرَانِ (٧) الْجَاهِلِيَّةِ، حَتَّى جَعَلَتْها جِهادًا مُقَدَّسًا (٨).
_________________
(١) = الإمساك من الإغارة - رقم الحديث (٣٨٢).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب لا يعذب بعذاب اللَّه - رقم الحديث (٣٠١٦) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٧١) (٨٠٦٨).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب قتل الصبيان في الحرب - رقم الحديث (٣٠١٤) - وباب قتل النساء في الحرب - رقم الحديث (٣٠١٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب - رقم الحديث (١٧٤٤) (٢٤) (٢٥) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٧٣٩).
(٤) النَّهب: الغارة والسَّلب. انظر النهاية (٥/ ١١٧)، وأخرج ذلك الإمام البخاري في صحيحه - كتاب المظالم - باب النهبى بغير إذن صاحبه - رقم الحديث (٢٤٧٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٧٤٠).
(٥) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٥٧) - الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٣١٧).
(٦) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٦٤٢) (١٥٩٨٩) - وابن حبان - كتاب السير - باب الرسول - رقم الحديث (٤٨٧٩) - وأبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في الرسل - رقم الحديث (٢٧٦١) - وإسناده صحيح.
(٧) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الجزية والموادعة، باب إثم من قتل معاهدًا بغير جرم - رقم الحديث (٣١٦٦) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٣٧٧).
(٨) الدَّرَنُ: الْوَسَخُ. انظر النهاية (٢/ ١٠٨).
(٩) انظر الرحيق المختوم، ص (٤٤١ - ٤٤٢) - والسِّيرة النَّبوِيَّة لأبي الحسن النَّدْوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ص (٣٧٧ - ٣٧٨).
[ ٤ / ٣٧٧ ]
تَبْشِيرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بفَتْحِ الْحِيرَةِ (١)
فَلَمَّا انْتَهَى أَمرُ تَبُوكٍ، أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يبشِّرُ الْمُسْلِمِينَ بِفَتْحِ الْحِيرَةِ (٢)، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرطِ مُسْلِمٍ وَالْبَيْهقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ خُرَيْمِ (٣) بْنِ أَوْس -﵁- قَالَ: هَاجَرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُنْصَرَفَهُ مِنْ تَبُوكَ فَأَسْلَمْتُ. . . ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَذِهِ الْحِيرَةُ الْبيْضَاءُ قَدْ رُفِعَتْ إِلَيَّ، وَهَذِهِ الشَّيْمَاءُ بِنْتُ نُفَيْلةَ (٤) الْأَزْدِيَّةُ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ مُعتَجِرَةً بِخِمَار أَسْوَدَ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ نَحْنُ دَخَلْنَا الْحِيرَةَ فَوَجَدْتُهَا كَمَا تَصِفُ فَهِيَ لِي؟ (٥).
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هِيَ لَكَ"
قَالَ: ثُمَّ كَانَتِ الرِّدَّةُ. . . فَسَارَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ -﵁- حَتَّى أَقبلْنَا عَلَى طَرِيقِ الطَّفِّ إِلَى الْحِيرَةِ، فَأَوَّلُ مَنْ يَلْقَانَا حِينَ دَخَلْنَاها الشَّيْمَاءُ بِنْتُ نُفَيْلَةَ (٦)، كَمَا
_________________
(١) الْحِيرَةُ: بكسر الحاء: بلد قديم بظهر الكوفة. انظر النهاية (١/ ٤٤٨).
(٢) فتحت الحيرة في خلافة أبي بكر الصديق -﵁- على يد خالد بن الوليد -﵁-، وذلك في السنة الثانية عشرة للهجرة.
(٣) خُرَيْم: بضم الخاء مصغرًا.
(٤) في رواية ابن حبان: بنت بُقَيْلة.
(٥) في رواية ابن حبان: قال خريم -﵁-: هب لي يا رَسُول اللَّهِ ابنة بُقيلة.
(٦) في رواية ابن حبان: بُقَيْلة.
[ ٤ / ٣٧٨ ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ مُعْتَجِرَةً بِخِمَارٍ أَسْوَدَ، فتَعَلَّقْتُ بِهَا، وَقُلْتُ: هَذِهِ وهَبَهَا لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَدَعَانِي خَالِدٌ عَلَيْهَا بِالْبَيِّنَةِ، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، وَكَانَتِ الْبَيِّنَةُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ، وَمُحَمَّدَ بْنَ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيَّيْنِ، فَسَلَّمها إِلَيَّ، فَنَزَلَ إِلَيْنَا أَخُوهَا: عَبْدُ الْمَسِيحِ يُرِيدُ الصُّلْحَ، فَقَالَ لِي: بِعْنِيهَا، فَقُلْتُ: لَا أَنْقُصُها وَاللَّهِ عَنْ عَشَرَةِ مِائَةِ درهمٍ، فَأَعْطَانِي أَلْفَ دِرهمٍ، وَسَلَّمْتُهَا إِلَيْهِ، فَقِيلَ لِي: لَوْ قُلْتَ مِائَةَ أَلْفٍ لَدَفَعَها إِلَيْكَ، فَقُلْتُ: مَا كُنْتُ أحسَبُ أَنَّ عَدَدًا أَكْثَرَ مِنْ عَشَرَ مِائَةٍ (١).
* * *
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب ذكر الإخبار عن فتح المسلمين الحيرة - رقم الحديث (٦٦٧٤) - والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٢٦٧ - ٢٦٩).
[ ٤ / ٣٧٩ ]
تَتَابُعُ الوُفُودِ
ذَكَرْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَكَّةَ، وَقَضَى عَلَى الْوَثَنِيَّةِ فِيهَا، سَارَعَتِ الْقَبَائِلُ إِلَى اعْتِنَاقِ الْإِسْلَامِ، وَالدُّخُولِ فِيهِ.
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَمرِو بْنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ -﵁- قَالَ: كُنَّا بِمَاءٍ مَمَرِّ النَّاسِ، وَكَانَ يَمُرّ بِنَا الرُّكْبَانُ فَنَسْأَلُهُمْ: مَا لِلنَّاسِ، مَا لِلنَّاسِ؟ مَا هَذَا الرَّجُلُ؟ .
فَيَقُولُونَ: يَزْعُمُ أَنَّ اللَّه أَرسَلَهُ، أُوحِيَ إِلَيْهِ، أَوْ أَوْحَى اللَّهُ بِكَذَا، فَكُنْتُ أَحْفَظُ ذَلِكَ الْكَلَامَ، وَكَأَنَّمَا يُقَرُّ (١) فِي صَدرِي، وَكَانَتِ الْعَرَبُ تَلَوَّمُ (٢) بِإِسْلَامِهِمُ الفَتْحَ، فَيَقُولُونَ: اتْرُكُوهُ وَقَوْمَهُ فَإِنَّهُ إِنْ ظَهرَ عَلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيٌّ صَادِقٌ، فَلَمَّا كَانَتْ وَقْعَةُ أَهْلِ الْفَتْحِ بَادَرَ كُلُّ قَوْمٍ بِإِسْلَامِهِم، وَبَدَرَ أَبِي قَوْمِي بِإِسْلَامِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ قَالَ: جِئْتُكُم وَاللَّهِ مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ -ﷺ- حَقًّا (٣).
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَكَّةَ، وَفَرَغَ مِنْ تَبُوكَ،
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٣٨) يُقرُّ بضم الياء وفتح القاف وتشديد الراء من القرار.
(٢) تَلَوّم: بفتح التاء واللام وتشديد الواو: أي ينتظر. انظر النهاية (٤/ ٢٣٨).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب (٥٤) - رقم الحديث (٤٣٠٢).
[ ٤ / ٣٨٠ ]
وَأَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ (١) وَبَايَعَتْ، ضَرَبَتْ إِلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، . . . وَإِنَّمَا كَانَتِ الْعَرَبُ تَرَبَّصُ (٢) بِالْإِسْلَامِ أَمْرُ هَذَا الْحَيِّ مِنْ قُريْشٍ، وَأَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا كَانُوا إِمَامَ النَّاسِ وهَادِيَهُمْ، وَأَهْلَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، وَصَرِيحَ وَلَدِ إِسمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، ﵉، وَقَادَةَ الْعَرَبِ، لَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ هِيَ التِي نَصَبَتْ لِحَربِ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- وخِلَافِهِ، فَلَمَّا افْتُتِحَتْ مِكَّةُ وَدَانَتْ (٣) قُرَيْشٌ، وَدَوَّخَهَا (٤) الْإِسْلَامُ، عَرَفَتِ الْعَرَبُ أَنَّهُ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَلَا عَدَاوَيهِ، فَدَخَلُوا فِي دِينِ اللَّهِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ ﷿ ﴿أَفْوَاجًا﴾، يَضْرِبُونَ إِلَيْهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ.
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ -ﷺ-: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ (٥).
وَلذَلِكَ بَلَغَتِ الْوُفُودُ أَوْجَها (٦) فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعْدَ مَقْدِمِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ تَبُوكَ، حَتَّى سُمِّيَتْ هَذِهِ السَّنَةُ سَنَةَ الْوُفُودِ لِكَثْرَةِ مَا جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ
_________________
(١) سيأتي بعد قليل خبر إسلامهم.
(٢) التربص: المكث والانتظار. انظر لسان العرب (٥/ ١٠٨).
(٣) دَانَتْ: خَضَعَتْ وَذَلَّتْ. انظر لسان العرب (٤/ ٤٢٢).
(٤) دَوَّخَها: أي أَذَلَها وأَخْضَعها. انظر لسان العرب (٤/ ٤٣٧).
(٥) سورة النصر بكاملها - وانظر كلام ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٢١٤).
(٦) الأَوْجُ: ضِدَّ الْهبوطِ. انظر القاموس المحيط. أي بلغت الوفود أعلاها وقِمَّتَها في العام التاسع الهجري.
[ ٤ / ٣٨١ ]
-ﷺ- مِنَ الْوُفُودِ (١)، وَتَتَابَعَتْ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ وَالْحَادِيَةِ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ.
وَكَانَتْ هَذِهِ الْوُفُودُ تَرِدُ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَيَضْرِبُ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَنْزِلًا لِرَوَاحِلِهم قُربَ مَسْجِدِهِ الشَّرِيفِ، فيقِيمُونَ فِيهِ أَيَّامًا، فَيَسْمَعُونَ مِنَ الرَّسُولِ -ﷺ- بَيَانَهُ وَمَوْعِظَتَهُ.
وَتَجْدُرُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ وِفَادَةَ عَامَّةِ الْقَبَائِلِ وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، لَكِنْ هُنَاكَ قبائِلُ وَفَدَتْ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ كَمَا مَرَّ مَعَنَا.
وَالْوُفُودُ التِي ذَكَرَها أَهْلُ الْمَغَازِي وَالسِّيَرِ يَزِيدُ عَدَدُها عَلَى السَّبْعِينَ، وَنَحْنُ سَنَذْكُرُ أَهَمَّ هَذِهِ الْوُفُودِ.
* * *
_________________
(١) قال ابن هشام في السيرة (٤/ ٢١٤): حدثني أبو عبيدة: أنها كانت تُسمّى -أي السنة التاسعة للهجرة- سنة الوفود.
[ ٤ / ٣٨٢ ]
١ - وَفْدُ ثَقِيفٍ
كَانَ قُدُومُهُم فِي رَمَضَانَ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ، بَعْدَ عَوْدَةِ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنْ تَبُوكَ (١)، وكَانَ من حَدِيثِهِمْ أَنَّهُ لَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْهُمْ مِنْ غَزْوَةِ الطَّائِفِ اتَّبَعَ أَثَرَهُ سَيِّدُ ثَقِيفٍ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ (٢) حَتَّى أَدرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَسْلَمَ -﵁-، وَذَلِكَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ، ثُمَّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَرجعَ إِلَى قَوْمِهِ لِيَدْعُوَهُم إِلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَقْتُلُوكَ"، لِعِلْمِهِ -ﷺ- بِامْتِنَاعِ ثَقِيفٍ، فَقَالَ عُرْوَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أنَّا أَحَبُّ إِلَيْهِم مِنْ أَبْكَارِهم (٣)، أَوْ مِنْ أَبْصَارِهم، وَلَوْ وَجَدُوني نَائِمًا مَا أَيْقَظُونِي.
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ١٩١).
(٢) عروة بن مسعود الثقفي -﵁- هو الذي عناه المشركون في قوله تَعَالَى في سورة الزخرف آية (٣١) ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. قال ابن عباس، وعكرمة، ومحمد بن كعب القرظي، وقتادة، والسدي، وابن زيد: إنهم أرادو بذلك: الوليد بن المغيرة في مكة، وعروة بن مسعود الثقفي في الطائف. انظر تفسير ابن كثير (٧/ ٢٢٥). وكان عروة بن مسعود -﵁- من أشد الناس شبهًا بعيسى ﵇، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٦٧) عن جابر -﵁- قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "عُرِضَ عليّ الأنبياء. . . ورأيت عيسى ابن مريم ﵇، فإذا أقرب من رأيت به شبهًا عروة بن مسعود".
(٣) أَبْكَارُهم: أي أَحْدَاثُهُمْ، وَبِكْرُ الرَّجُلِ بكسر الباء: أَوَّلُ وَلَدِهِ. انظر النهاية (١/ ١٤٧).
[ ٤ / ٣٨٣ ]
فَخَرَجَ عُرْوَةُ -﵁- يَدعُو قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُمْ يُطِيعُونَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ سَيِّدًا مُحَبَّبًا مُطَاعًا فِيهِمْ، فَلَمَّا أَشْرَفَ لَهُمْ عَلَى عُلِّيَّةٍ (١) لَهُ، وَقَدْ دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَأَظْهَرَ لَهُمْ دِينَهُ رَمَوْهُ بِالنَّبْلِ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقتَلَهُ (٢).
وَأَقَامَتْ ثَقِيفٌ بَعْدَ قتلِ عُرْوَةَ أَشْهُرًا، ثُمَّ إِنَّهُمُ ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ، وَرَأَوْا أَنَّهُمْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَربِ مَنْ حَوْلَهُم مِنَ الْعَرَبِ، وَقَدْ بَايَعُوا وَأَسْلَمُوا، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ أَنْ يرسِلُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلًا مِنْهُمْ، فَأَرسَلُوا عَبْدَ يَالِيلَ، وَمَعَهُ خَمسَةٌ مِنْ أَشْرَافِهِم فِيهِمْ: عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ -﵁-، وَكَانَ أَصغَرَهُم، فَخَرَجَ بِهِم عَبْدُ يَالِيلُ، وَهُوَ رَئِيسُ الْقَوْمِ، وَصَاحِبُ أمرهم، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْمَدِينَةِ وَجَدُوا الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعبَةَ -﵁- يرعَى رِكَابَ (٣) أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَتْ رَعْيَتُها نُوبًا (٤) عَلَى أَصْحَابِهِ -ﷺ-، فَلَمَّا رَآهُمُ الْمُغِيرَةَ -﵁- ترَكَ الرِّكَابَ، وَذَهَبَ يَشْتَدُّ لِيُبَشِّرَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِقُدُومِهِم عَلَيْهِ، فَلَقِيَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁-، قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَأَخْبَرَهُ عَنْ قُدُومِ ثَقِيفٍ يُرِيدُونَ الْإِسْلَامَ إِنْ شَرَطَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شُرُوطًا، وَيَكْتُبُوا لَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كِتَابًا، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: أَقْسَمتُ عَلَيْكَ بِاللَّهِ لَا تَسْبِقْنِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، حَتَّى أَكُونَ أَنَا أُحَدِّثُهُ،
_________________
(١) عُلِّيَّة: بضم العين: الْغُرْفَةُ. انظر النهاية (٣/ ٢٦٧).
(٢) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر عروة بن مسعود -﵁- رقم الحديث (٦٦٣٨) - وإسناده ضعيف - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٩١) بدون سند.
(٣) الرِّكَابُ: هي الرَّوَاحِلُ مِنَ الْإِبِلِ. انظر النهاية (٢/ ٢٣٣).
(٤) نَاوَبَهُ في الشيءَ والأَمرِ: أي سَاهمَهُ فِيهِ وتَدَاوَلَهُ مَعَهُ. انظر المعجم الوسيط (٢/ ٩٦١).
[ ٤ / ٣٨٤ ]
فَفَعَلَ، فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ بِقُدُومِ وَفْدِ ثَقِيفٍ عَلَيْهِ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَقْدِمِهِمْ.
ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعبَةَ -﵁-، فَعَلَّمَهم كَيْفَ يُحَيُّونَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى الرَّسُولِ -ﷺ- حَيَّوْهُ بِتَحِيَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ، ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِإِنْزَالِهِم فِي الْمَسْجِدِ لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهِمْ، فَضَرَبَ لَهُمْ قُبَّةً فِي نَاحِيَتهِ حَيْثُ يَسْمَعُونَ الْقرآنَ.
وَمَكَثُوا يَخْتَلِفُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وهُوَ يَدْعُوهُم إِلَى الْإِسْلَامِ، حَتَّى سَأَلَ رَئِيْسُهُمْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَن يَكْتُبَ لَهُمْ كِتَابا: يَأْذَنُ لَهُمْ فِيهِ بِالزِّنَى، وَالرِّبَا، وَشُرْبِ الْخَمرِ، وَأَنْ يُعفِيَهُمْ مِنَ الصَّلَاةِ، فَأَبَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَقْبَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ (١).
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ -﵁- قَالَ: أَنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْزَلَهُمُ الْمَسْجِدَ، لِيَكُونَ أَرَقَّ لِقُلُوبِهم، فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُحْشَرُوا (٢)، وَلَا يُعْشَرُوا (٣)، وَلَا يُجَبُّوا (٤)، وَلَا يُسْتَعمَلُ عَلَيْهِمْ غَيْرُهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ١٩٢ - ١٩٣) - الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١٥١).
(٢) لا يُحْشَرُوا: بضم الياء أي لا يُنْدَبُونَ إلى المغازي، ولا تُضْرَبُ عليهم البعوث. انظر النهاية (١/ ٣٧٤).
(٣) لا يُعْشَرُوا: أي لا يُؤخَذُ عُشْرُ أموالهم، وقيل: أرادوا به الصدقة الواجبة، وإنما فسح لهم رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في تركها، لأنها لم تكن واجبة يومئذ عليهم، إنما تجب بتمام الحول. انظر النهاية (٣/ ٢١٦).
(٤) أصل التَّجْبِيَةِ: أن يقوم الإنسان قيام الراكع، وقيل: هو أن يضع يديه على ركبتيه وهو=
[ ٤ / ٣٨٥ ]
"إِنَّ لَكُمْ أَنْ لَا تُحْشَرُوا، وَلَا تُعْشَرُوا، وَلَا يُسْتَعمَلُ عَلَيْكُمْ غَيْرُكُمْ، وَلَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا رُكُوعَ (١) فِيهِ" (٢).
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنبَّهٍ قَالَ: سَأَلْتُ جَابِرًا -﵁- عَنْ شَأْنِ ثَقِيفٍ إِذْ بَايَعَتْ؟
قَالَ: اشْتَرَطَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ لَا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ، وَأَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ- بَعْدَ ذَلِكَ يَقُولُ: "سَيَتَصَدَّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إِذَا أَسْلَمُوا" (٣).
ثُمَّ إِنَّ وَفْدَ ثَقِيفٍ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالُوا: نَعَمْ، لَكَ مَا سَأَلْتَ، وَأَسْلَمُوا، وَاشْتَرَطُوا أَنْ يَتَوَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هَدْمَ اللَّاتِ، وَأَنْ لَا يَكْسِرُوا أَوْثَانَهُم بِأَيْدِيهِمْ، فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْهُمْ ذَلِكَ.
فَلَمَّا أَسْلَمُوا صَامُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَا بَقِيَ مِنْ رَمَضَانَ، وَكَانَ بِلَالٌ
_________________
(١) = قائم، وقيل: هو السجود، والمراد بقولهم: لا يُجَبّوا أنهم لا يصلون، ولفظ الحديث يدل على الركوع؛ لقوله -ﷺ- في جوابهم: "ولا خير في دين لا ركوع فيه"، فسمى الصلاة ركوعًا، لأنه بعضها، وسُئِل جابر -﵁- عن اشتراط ثقيف أن لا صدقة عليها ولا جهاد، فقال -﵁-: عَلِمَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أنهم سَيَصَّدقون ويجاهدون إذا أسلموا، ولم يُرخص لهم في ترك الصلاة، لأن وقتها حاضر متكرر، بخلاف وقت الزكاة والجهاد. انظر النهاية (١/ ٢٣١).
(٢) في رواية ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٩٤): صلاة.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٩١٣) - وأبو داود في سننه - كتاب الخراج والإمارة - باب ما جاء في خبر الطائف - رقم الحديث (٣٠٢٦) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦١٧٥).
(٤) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الخراج والإمارة - باب ما جاء في خبر الطائف - رقم الحديث (٣٠٢٥) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦١٧٦).
[ ٤ / ٣٨٦ ]
-﵁-، يَأْتِيهِمْ بِفُطُورِهِمْ وَسُحُورِهِمْ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (١).
* تَأْمِيرُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ -﵁- عَلَى ثَقِيفٍ:
وَلَمَّا أَرَادَ وَفْدُ ثَقِيفٍ الِانْصِرَافَ إِلَى بِلَادِهِم سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُؤَمِّرَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْهُمْ يَؤُمّهُم لِلصَّلَاةِ، فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ -﵁- وَكَانَ أصغَرَهم- لِمَا رَأَى مِنْ حِرصِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَقِرَاءَةِ الْقُرآنِ، وَتَعَلُّمِ الدِّينِ، فَكَانَ عُثْمَانُ -﵁- يَأْتِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِالْهاجِرَةِ (٢) فَيَسْأَله عَنِ الدِّينِ، فَأَسْلَمَ قبلَهم سِرًّا، وَكتَمَهُمْ ذَلِكَ، وَجَعَلَ يَخْتَلِفُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَسْتَقْرئُهُ الْقُرْآنَ، فَقَرَأَ سُوَرًا مِنْ فِيِّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَ إِذَا وَجَدَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- نَائِمًا عَمَدَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-، فَيَسْأَله عَنْ أَمرِ الدِّينِ، وَيَسْتَقْرئُهُ الْقُرْآنَ، وَيَذْهبُ إِلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ -﵁-، وَيَسْتَقْرئُهُ الْقُرْآنَ، حَتَّى فَقِهَ فِي الدِّينِ وَعَلِمَ، فَأُعْجِبَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَحَبَّهُ.
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ هَذَا الْغُلَامَ -يَقْصِدُ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ -﵁- مِنْ أَحْرَصِهِمْ عَلَى التَّفَقُّهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَتَعَلُّمِ الْقُرآنِ.
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرطِ مُسْلِمٍ عَنْ عُثْمَانَ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ١٩٤).
(٢) الْهَاجِرَةُ: وقتُ الظهرِ عند اشتداد الحَرِّ نصف النهار. انظر النهاية (٥/ ٢١٤).
[ ٤ / ٣٨٧ ]
بْنِ أَبِي الْعَاصِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اجْعَلْنِي إِمَامَ قَوْمِي (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَنْتَ إِمَامُهُمْ، وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ، وَاتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لَا يَأْخُذُ عَلَى أذَانِهِ أَجْرًا" (٢).
وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "أُمَّ قَوْمَكَ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي أَجِدُ فِي نَفْسِي شَيْئًا (٣)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ادْنُهُ"، فَجَلَّسَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ، ثُمَّ وَضَعَ كَفَّهُ فِي صَدْرِي بَيْنَ ثَدَيَيَّ، ثُمَّ قَالَ: "تَحَوَّلْ"، فَوَضَعَها فِي ظَهْرِي بَيْنَ كَتِفَيَّ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أُمَّ قَوْمَكَ، فَمَنْ أَمَّ قَوْمًا فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الْكَبِيرَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الْمَرِيضَ، وَإِنَّ فِيهِمُ الضَّعِيفَ، وَإِنَّ فِيهِمْ ذَا الْحَاجَةِ، وَإِذَا صلى أَحَدُكُمْ وَحْدَهُ، فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ" (٤).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ قَوِي عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ -﵁-
_________________
(١) في رواية الطحاوي في شرح مشكل الآثار بسند حسن - رقم الحديث (٤٢١٠) قال عثمان -﵁-: أمرني رَسُول اللَّهِ أن أؤم الناس.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٢٧٠) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٢١٠).
(٣) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٤/ ١٥٥): يحتمل أنه أراد الخوف من حصول شيء من الكبر والإعجاب له بتقدمه على الناس، ويحتمل أنه أراد الوسوسة في الصلاة، فإنه كان موسوسًا، ولا يصلح للإمامة الموسوس.
(٤) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب أمر الأئمة بتخفيف الصلاة في تمام - رقم الحديث (٤٦٨) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٢٧٥).
[ ٤ / ٣٨٨ ]
قَالَ: إِنَّ آخِرَ كَلَامٍ كَلَّمَنِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، إِذِ اسْتَعمَلَنِي عَلَى الطَّائِفِ، فَقَالَ: "خَفِّفِ الصَّلَاةَ عَلَى النَّاسِ" حَتَّى وَقَّتَ لِي: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ (١)، وَأَشْبَاهها مِنَ الْقُرآنِ (٢).
قَالَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ أَبُو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: وَكَانَتْ تِلْكَ حِكْمَةً بَالِغَةً مِنَ الرَّسُولِ -ﷺ-، فَإِنَّ قَوْمًا رَغِبُوا (٣) أَنْ يتَحَلَّلُوا مِنَ الصَّلَاةِ يَنْبَغِي أَنْ يُخَفَّفَ عَنْهُمْ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى لَا يَسْأَمُوا (٤)، وَلَعَلَّ فِي هَذَا بَلَاغًا لِلَّذِينَ يُنَفِّرُونَ النَّاسَ أَوْ بَعضَهُم بِإِطَالَةِ الصَّلَاةِ (٥).
* شَكْوَى عُثْمَانَ -﵁-:
جَاءَ عُثْمَانُ -﵁- يَوْمًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، بَعْدَ أَنِ اسْتعمَلَهُ، يَشْكُو إِلَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي، يُلَبِّسُها عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ذَاكَ شَيْطَان يُقَالُ لَهُ خِنْزَبُ (٦)، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَلَى يَسَارِكَ ثَلَاثًا".
_________________
(١) سورة العلق آية (١).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٩١٦).
(٣) رَغِبَ: إذا حَرِصَ على الشيء، وطمع فيه. انظر لسان العرب (٥/ ٢٥٤).
(٤) السّاَمَةُ: المَللُ والضجرُ. انظر النهاية (٢/ ٢٩٦).
(٥) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة في ضوء القرآن والسنة (٢/ ٥٣٠).
(٦) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٤/ ١٥٩): خِنْزَبُ: بكسر الخاء وسكون النون.
[ ٤ / ٣٨٩ ]
قَالَ عُثْمَانُ -﵁-: فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهبَهُ اللَّهُ عَنِّي (١).
وَرَوَى ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ -﵁- قَالَ: لَمَّا اسْتعمَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الطَّائِفِ، جَعَلَ يعرِضُ لِي شَيْءٌ فِي صَلَاتِي، حَتَّى مَا أَدرِي مَا أُصَلِّي، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ، رَحَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "ابْنَ أَبِي الْعَاصِ؟ ".
قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: "مَا جَاءَ بِكَ؟ ".
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! عَرَضَ لِي شَيْءٌ فِي صَلَاتِي حَتَّى مَا أَدْرِي مَا أُصَلَي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ذَاكَ الشَّيْطَانُ، ادْنُهْ".
قَالَ: فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَجَلَسْتُ عَلَى صُدُورِ قَدَمِي.
قَالَ: فَضَرَبَ صَدْرِي بِيَدِهِ، وَتَفَلَ فِي فَمِي، وَقَالَ: "اخْرُجْ عَدُوَّ اللَّهِ"، فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ قَالَ لِي: "الْحَقْ بِعَمَلِكَ".
قَالَ عُثْمَانُ -﵁-: فَلَعَمْرِي مَا أَحسَبُهُ خَالَطَنِي بَعدُ (٢).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب السلام - باب التعوذ من شيطان الوسوسة في الصلاة - رقم الحديث (٢٢٠٣) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٧٠).
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب الطب - باب الفزع والأرق وما يتعوذ منه - رقم الحديث (٣٥٤٨).
[ ٤ / ٣٩٠ ]
* شَكْوَى ثَانِيَةٌ لِعُثْمَانَ -﵁-:
شَكَا عُثْمَانُ -﵁- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ضَع يَدَكَ عَلَى الذِي تَأَلَّمُ مِنْ جَسَدِكَ، وَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ، ثَلَاثًا، وَقُلْ: سَبْعَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بِاللَّهِ وَقُدْرَتهِ مِنْ شَرِّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ" (١).
* رَجُلٌ عُصِمَ مِنَ الْقَتْلِ:
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدَيْهِمَا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَوْسِ بْنِ أَبِي أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ -﵁- قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ، فكنَّا فِي قبةٍ، فَقَامَ مَنْ كَانَ فِيهَا غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَجَاءَ رَجُل فَسَارَّهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اذهبْ فَاقْتُلْهُ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَليْسَ يَشْهدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ ".
قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُ يَقُولُها تَعَوُّذًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "رُدَّهُ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوهَا حَرُمَتْ عَلَيَّ دِمَاؤُهُم وَأَموَالُهم إِلَّا بِحَقِّها" (٢).
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب السلام - باب استحباب وضع يده على موضع الألم، مع الدعاء - رقم الحديث (٢٢٠٢) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٢٦٨).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦١٦٠) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٢٠٦).
[ ٤ / ٣٩١ ]
* إِسْلَامُ ثَقِيفٍ:
ثُمَّ انْصَرَفَ الْوَفْدُ إِلَى بِلَادِهِم، بَعْدَ أَنْ أَقَامُوا نِصْفَ شَهْرٍ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَدْ أَكْرَمَهُمْ وَحبَاهُمْ، فَلَمَّا أَتَوُا الطَّائِفَ وَجَاءَتْهُمْ ثَقِيفٌ كتَمُوهُمُ الْحَقِيقَةَ، وَأَظْهرُوا الْحُزْنَ وَالْكَآبَةَ، وَخَوَّفُوهُم بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ، وَقَالُوا لَهُمْ: أتَيْنَا رَجُلًا فَظًّا غَلِيظًا قَدْ ظَهرَ بِالسَّيْفِ وَدَانَ (١) لَهُ النَّاسُ، فَعَرَضَ عَلَيْنَا أُمُورًا شِدَادًا أَبَيْنَاهَا عَلَيْهِ، سَأَلنَا أَنْ نَهْدِمَ اللَّاتَ، وَنُبْطِلَ أَموَالَنَا فِي الرِّبَا، وَنُحَرِّمَ الْخَمْرَ وَالزِّنَى، فَأَخَذَتْ ثَقِيفٌ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَقْبَلُ هَذَا أَبَدًا، فَقَالُوا لَهُمْ: أَصْلِحُوا السِّلَاحَ وَتَهيَّؤوا لِلْقِتَالِ.
فَمَكَثَتْ ثَقِيفٌ كَذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، ثُمَّ أَلْقَى اللَّهُ ﷿ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، فَقَالُوا لِلْوَفْدِ: وَاللَّهِ مَا لَنَا بِهِ مِنْ طَاقَةٍ، وَقَدْ أَدَاخَ الْعَرَبَ كُلَّها، فَارْجِعُوا إِلَيْهِ، وَأَعْطُوهُ مَا سَأَلَ وَصَالِحُوهُ عَلَيْهِ.
فَعِنْدَ ذَلِكَ أَبْدَى الْوَفْدُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ، وَقَالُوا لَهُمْ: قَدْ قَاضَيْنَاهُ وَأَسْلَمْنَا، وَوَجَدنَاهُ أَتْقَى النَّاسِ وَأَوْفَاهُم، وَأَرحَمَهُم، وَأَصْدَقَهُمْ، وَقَدْ بُورِكَ لَنَا وَلَكُمْ فِي مَسِيرِنَا إِلَيْهِ، وفيمَا قَاضَيْنَاهُ عَلَيْهِ.
فَقَالَتْ ثَقِيفٌ: لِمَ كتَمْتُمُونَا هَذَا الْحَدِيثَ، وَغَمَمْتُمُونَا أَشَدَّ الْغَمِّ؟ .
فَقَالُوا: أَرَدْنَا أَنْ يَنْزِعَ اللَّهُ مِنْ قُلُوبِكُمْ نَخْوَةَ الشَّيْطَانِ، فَأَسْلَمُوا (٢).
_________________
(١) دَانَ: ذَلَّ. انظر لسان العرب (٤/ ٤٥٠).
(٢) انظر تفاصيل قدوم وفد ثقيف للرسول -ﷺ- في: سيرة ابن هشام (٤/ ١٩١) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٥١) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٣٠٢ - ٣٠٣) - البداية والنهاية (٥/ ٣٢).
[ ٤ / ٣٩٢ ]
* اسْتِجَابَةُ دُعَاءِ الرَّسُولِ -ﷺ-:
وَهكَذَا اسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى دُعَاءَ الرَّسُولِ -ﷺ- بِإِسْلَامِ ثَقِيفٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِر -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اهْدِ ثَقِيفًا" (١).
* هَدْمُ اللَّاتِ:
مَكَثَتْ ثَقِيفٌ أَيَّامًا، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْهِمْ رُسُلُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَدْ أَمَّرَ عَلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ -﵁-؛ لِهدمِ الطَّاغِيَةِ اللَّاتِ -وَكَانَتْ فِي بَيْتٍ-، فَلَمَّا عَمَدُوا إِلَى اللَّاتِ لِيَهْدِمُوهَا، وَاسْتَكَفَّتْ (٢) ثَقِيفٌ كُلُّها، الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، يَنْظُرُونَ إِلَيْهِم، وَلَا يَرَوْنُ أَنَّهَا سَتُهْدَمُ، وَيَظُنُّونَ أَنَّهَا سَتَمنَعُهُمْ، فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ -﵁-، وَكَانَ مَعَ خَالِدٍ -﵁-، فَأَخَذَ الفأْسَ، وَقَالَ لِأصحَابِهِ: وَاللَّهِ لَأُضْحِكَنَّكُمْ مِنْ ثَقِيفٍ، فَضَرَبَ بِالفأْسِ، ثُمَّ سَقَطَ يَرْكُضُ، فَارْتَجَّ أَهْلُ الطَّائِفِ بِصَيْحَةٍ وَاحِدَةٍ، وَقَالُوا: أَبْعَدَ اللَّهُ الْمُغِيرَةَ قَدْ قَتَلَتْهُ الرَّبَّةُ (٣)، وَفَرِحُوا حِينَ رَأَوْهُ سَاقِطًا، وَقَالُوا: مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيَقْتَرِبْ وَلْيَجْتَهِد عَلَى هَدْمِهَا، فَوَاللَّهِ لَا تُسْتَطَاعُ أَبَدًا، فَوَثَبَ الْمُغِيرَةُ -﵁- وَقَالَ: قَبَّحَكُمُ اللَّهُ يَا مَعْشَرَ ثَقِيفٍ إِنَّمَا هِيَ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٧٠٢) - والترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب مناقب في ثقيف وبني حنيفة - رقم الحديث (٤٢٨٥).
(٢) اسْتَكَفَّ القومُ حول الشيء: أَحاطُوا به ينظرون إليه. انظر لسان العرب (١٢/ ١٢٥).
(٣) الرَّبَّةُ: هي اللاتُ. انظر النهاية (٢/ ١٦٦).
[ ٤ / ٣٩٣ ]
لُكَاعُ (١) حِجَارَةٍ وَمَدَرٍ (٢)، فَاقْبَلُوا عَافِيَةَ اللَّهِ وَاعْبُدُوهُ، ثُمَّ ضَرَبَ الْبَابَ فَكَسَرَهُ، ثُمَّ عَلَا سُورَهَا وَعَلَا الرِّجَالُ مَعَهُ، فَمَا زَالُوا يَهْدِمُونَها حَجَرًا حَجَرًا حَتَّى سَوَّوْها بِالْأَرْضِ، وَجَعَلَ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ يَقُولُ: لَيُغْضَيَنَّ (٣) الْأَسَاسُ فَلَيُخْسَفَنَّ بِهِمْ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُغِيرَةُ -﵁-، قَالَ لِخَالِدٍ: دَعنِي أَخفِرُ أَسَاسَهَا، فَحَفَرَهُ حَتَّى أَخْرَجُوا تُرَابَها، وَانْتَزَعُوا حُلِيَّها، وَأَخَذُوا ثِيَابَهَا، فَبُهِتَتْ ثَقِيفٌ، وَرَجَعَ أَصْحَابُ الرَّسُولِ -ﷺ- قَدِمُوا عَلَيْهِ بِحُلِيِّهَا وَكِسْوَتِها، فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ يَوْمِهِ، وَحَمَدُوا اللَّه ﷿، عَلَى نُصْرَةِ نَبِيِّهِ -ﷺ- وَإِعْزَازِ دِينِهِ (٤).
* * *
_________________
(١) اللُّكَعُ: كلمة تُستعمل في الحُمْقِ والذَّمِ. انظر النهاية (٤/ ٢٣٠).
(٢) المَدَرُ: هو الطينُ المتماسك. انظر النهاية (٤/ ٢٦٤).
(٣) غاضَ: أي ذهب في الأرض. انظر لسان العرب (١٠/ ١٥٧).
(٤) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٣٠٣) - البداية والنهاية (٥/ ٣٧).
[ ٤ / ٣٩٤ ]
٢ - وَفْدُ الدَّاوِيِّينَ
قَدِمَ وَفْدُ الدَّارِيِّينَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُنْصَرَفَهُ مِنْ تَبُوكَ، وَكَانُوا عَشَرَةَ نَفَرٍ، فِيهِمْ: تَمِيمُ بْنُ أَوْسٍ الدَّارِيُّ، وَأَخُوهُ نُعَيْمٌ، وَكَانُوا عَلَى دِينِ النَّصرَانِيَّةِ، فَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إِسْلَامُهُمْ.
* رِوَايَةُ حَدِيثِ الْجسَّاسَةِ (١) وَالدَّجَالِ (٢):
وَمِنْ فَضَائِلِ تَمِيمٍ -﵁- أَنَّهُ ذَكَرَ لِلرَّسُولِ -ﷺ- قِصَّةَ الْجَسَّاسَةِ وَالدَّجَّالِ، وَحَدَّثَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْهُ بِذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ ﵂ قَالَتْ: . . . سَمِعْتُ نِدَاءَ الْمُنَادِي، مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، يُنَادِي: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَخَرَجْتُ إِلَى الْمَسْجِدِ، فَصَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فكُنْتُ فِي صَفِّ النِّسَاءِ التِي تَلِي ظُهُورَ القوْمِ، فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَلَاتَهُ، جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَالَ: "لِيَلْزَم كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ"، ثُمَّ قَالَ: "أَتَدْرُونَ لِمَ جَمَعتُكُم؟ "، قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ.
_________________
(١) الْجَسَّاسَةُ: هي دَابَّةٌ، سميت بذلك، لأنها تَجُسُّ الأخبار للدجال. انظر النهاية (١/ ٢٦٣).
(٢) الدجال: هو الكذاب. انظر النهاية (٢/ ٩٦). ويسمى المسيح لأن عينه الواحدة ممسوحة، وقيل لأنه يمسح الأرض: أي يقطعُها. انظر النهاية (٤/ ٢٧٩).
[ ٤ / ٣٩٥ ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي، وَاللَّهِ مَا جَمَعتُكُمْ لِرَغْبَةٍ وَلَا لِرَهْبَةٍ، وَلَكِنْ جَمَعْتُكُمْ؛ لِأَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ، كَانَ رَجُلًا نَصْرَانِيًا، فَجَاءَ فَبَايَعَ وَأَسْلَمَ، وَحَدَّثَنِي حَدِيثًا وَافَقَ الذِي كنْتُ أُحَدِّثُكُم عَنْ مَسِيحِ الدَّجَّالِ، حَدَّثَنِي: أنَّهُ رَكِبَ فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ، مَعَ ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامٍ، فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ شَهْرًا فِي الْبَحْرِ، ثُمَّ أَرْفَؤُوا (١) إِلَى جَزِيرة فِي الْبحرِ حَتَّى مَغْرِبِ الشَّمْسِ، فَجَلَسُوا فِي أَقْرُبِ (٢) السَّفِينَةِ، فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيتُهُمْ دَابَّة أَهْلَبُ (٣) كَثِيرُ الشَّعْرِ، لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ، مِنْ كَثْرَةِ الشَّعْرِ، فَقَالُوا: وَيْلَكِ! مَا أَنْتِ؟
فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قَالُوا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟
قَالَتْ: أَيُّها الْقَوْمُ! انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ (٤)، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ، قَالَ: لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا (٥) مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً، قَالَ: فَانْطَلَقْنَا سِرَاعًا، حَتَّى دَخَلْنَا الدَّيْرَ، فَإِذَا فِيهِ أَعظَمُ إِنْسَانٍ رَأَيْنَاهُ قَطُّ خَلْقًا،
_________________
(١) أرفَأْتَ السفينة: إذا قَرَّبتْها من الشاطئ، والموضع الذي تشد فيه: الْمَرْفَأُ. انظر النهاية (٢/ ٢١٩).
(٢) أَقْرُبِ السفينة: بضم الراء هي سُفُن صغار تكون مع السفن الكبار البحرية كالجنائب لها، واحدها قارب، وجمعها: قوارب. انظر النهاية (٤/ ٣١).
(٣) أَهْلَب: بفتح الهمزة وسكون الهاء وفتح اللام: غليظ الشعر كثيره. انظر النهاية (٥/ ٢٣٢) - صحيح مسلم بشرح النووي (١٨/ ٦٥).
(٤) الدَيْر: بفتح الدال وسكون الياء، هو خان النصارى. انظر لسان العرب (٤/ ٤٥٧). الْخَان: هو بمثابة مكان يجتمع فيه النصارى لأداء عبادتهم.
(٥) الْفَرَقُ: بالتحريك: الخوف والفزع: انظر النهاية (٣/ ٣٩٢).
[ ٤ / ٣٩٦ ]
وَأَشَدُّهُ وِثَاقًا، مَجْمُوعَةٌ يَدَاهُ إِلَى عُنُقِهِ، مَا بَيْنَ رُكبَتَيْهِ إِلَى كَعْبَيْهِ، بِالْحَدِيدِ، قُلْنَا:
وَيْلَكَ! مَا أَنْتَ؟ .
قَالَ: قَدْ قَدِرْتُمْ عَلَى خَبَرِي، فَأَخْبِرُونِي مَا أَنْتُمْ؟ .
قَالُوا: نَحْنُ أُناسٌ مِنَ الْعَرَبِ، رَكبْنَا فِي سَفِينَةٍ بَحرِيةٍ، فَصَادَفَنَا الْبَحْرُ حَتَّى اغْتَلَمَ (١)، فَلَعِبَ بِنَا الْمَوْجُ شَهْرًا، ثُمَّ أَرْفَأَنَا إِلَى جَزِيرَتِكَ هَذِهِ، فَجَلَسْنَا فِي أَقْرُبِهَا، فَدَخَلْنَا الْجَزِيرَةَ، فَلَقِيَتْنَا دَابَّةٌ أَهْلَبُ كثِيرُ الشَّعْرِ، لَا يُدْرَى مَا قُبُلُهُ مِنْ دبرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعْرِ، فَقُلْنَا: وَيْلَكِ! مَا أَنْتِ؟
فَقَالَتْ: أَنَا الْجَسَّاسَةُ، قُلْنَا: وَمَا الْجَسَّاسَةُ؟
قَالَتْ: اعمِدُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ، فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ، فَأَقْبَلْنَا إِلَيْكَ سِرَاعًا، وَفَزِعْنَا مِنْهَا، وَلَمْ نَأْمَنْ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً.
فَقَالَ: أَخْبِرُوني عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ (٢)، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِها تَسْتَخْبِرُ؟
قَالَ: أَسْالكُم عَنْ نَخْلِها، هَلْ يُثْمِر؟
قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، قَالَ: أَمَا إِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ، قَالَ: أَخْبِرُوني عَنْ بُحَيْرَةِ
_________________
(١) اغْتَلَمَ: أي هاجَ، واضطربت أمواجه. انظر النهاية (٣/ ٣٤٢).
(٢) بَيْسَان: بفتح الباء وسكون الياء وفتح السين، مدينة بالأردن. انظر معجم البلدان (٢/ ٤١٤).
[ ٤ / ٣٩٧ ]
الطبرِيَّةِ (١)، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟
قَالَ: هَلْ فِيهَا مَاءٌ؟
قُلْنَا: هِيَ كثِيرَةُ الْمَاءِ.
قَالَ: أَمَا إِنَّ مَاءَها يُوشِكُ أَنْ يَذْهَبَ، قَالَ: أَخْبِرُوني عَنْ عَيْنِ زُغَرَ (٢)، قُلْنَا: عَنْ أَيِّ شَأْنِهَا تَسْتَخْبِرُ؟
قَالَ: هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ؟ وَهلْ يَزْرَعُ أَهْلُها بِمَاءِ الْعَيْنِ؟
قُلْنَا لَهُ: نَعَمْ، هِيَ كثِيرَةُ الْمَاءِ، وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا.
قَالَ: أَخْبِرُونِي عَنْ نَبِيِّ الْأُمِّيِّينَ مَا فَعَلَ؟
قُلْنَا: قَدْ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ وَنَزَلَ يَثْرِبَ.
قَالَ: أَقَاتَلَهُ الْعَرَبُ؟
قُلْنَا: نَعَمْ.
قَالَ: كَيْفَ صَنَعَ بِهِمْ؟
فَأَخْبَرْنَاهُ أنَّهُ قَدْ ظَهرَ عَلَى مَنْ يَلِيهِ مِنَ الْعَرَبِ وَأَطَاعُوهُ.
فَقَالَ: قَدْ كَانَ ذَلِكَ؟
_________________
(١) بُحيرة الطبرية: هي بحيرة في الأردن بينها وبين دمشق ثلاثة أيام، وكذلك بينها وبين بيت المقدس. انظر معجم البلدان (٦/ ٢٤٨).
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٨/ ٦٦): عين زُغَر: بضم الزاي وفتح الغين، هي بلدة معروفة في الجانب القبلي من الشام.
[ ٤ / ٣٩٨ ]
قُلْنَا: نَعَمْ.
قَالَ: أَمَا إِنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ لَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَإِنِّي مُخْبِرُكُم عَنِّي، إِنِّي أنَّا الْمَسِيحُ (١)، وَإِنِّي أُوشِكُ أَنْ يُؤْذَنَ لِي فِي الْخُرُوج، فَأَخْرُجُ فَأَسِيرُ فِي الْأَرْضِ فَلَا أَدَعُ قريَةً إِلَّا هبَطْتُها فِي أَربَعِينَ لَيْلَةً، غَيْرَ مَكَّةَ وَطَيْبَةَ، فَهُمَا مُحَرَّمَتَانِ عَلَيَّ، كِلْتَاهُمَا، كُلَّمَا أَردتُ أَنْ أَدخُلَ وَاحِدَةً، أَوْ وَاحِدًا مِنْهُمَا، اسْتَقْبَلَنِي مَلَكٌ بِيَدِهِ السَّيْفُ صَلْتًا (٢)، يَصُدُّنِي عَنْهَا، وَإِنَّ عَلَى كُلِّ نَقْبٍ (٣) مِنْهَا مَلَائِكَةً يَحْرُسُونَهَا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: وَطَعَنَ بِمِخْصَرَتِهِ (٤) فِي الْمِنْبَرِ: "هَذِهِ طَيْبَةٌ، هَذِهِ طَيْبَةٌ، هَذِهِ طَيْبَةٌ" يَعنِي الْمَدِينَةَ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ طَيْبَةً الْمَدِينَةُ، إِنَّ اللَّه حَرَّمَ حَرَمِي عَلَى الدَّجَّالِ أَنْ يَدخُلها"، ثُمَّ حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَالذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، مَا لَهَا طَرِيقٌ ضَيِّقٌ، وَلَا وَاسعٌ، فِي سَهْلٍ، وَلَا فِي جَبَلٍ، إِلَّا عَلَيْهِ مَلَكٌ شَاهِرٌ بِالسَّيْفِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، مَا يَسْتَطِيعُ الدَّجَّالُ أَنْ يَدْخُلَها عَلَى أَهْلِهَا".
_________________
(١) في رواية أخرى في مسند الإمام أحمد: أنا الدجال.
(٢) صَلْتا: بفتح الصاد أي مسلولًا. انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٨/ ٦٦) - النهاية (٣/ ٤٢).
(٣) النَّقْبُ: الطريق بين الجبلين. انظر النهاية (٥/ ٨٩).
(٤) الْمِخْصَرَة: بكسر الميم، هو ما يختصره الإنسان بيده فيمسكه من عصا، أو عكازة، أو قضيب، وقد يتكئ عليها. انظر النهاية (٢/ ٣٥).
[ ٤ / ٣٩٩ ]
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَلَا هَلْ كُنْتُ حَدَّثْتُكُمْ ذَلِكَ؟ ".
فَقَالَ النَّاسُ: نَعَمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَإِنَّهُ أعجَبَنِي حَدِيثُ تَمِيمٍ أَنَّهُ وَافَقَ الذِي كُنْتُ أُحَدِّثُكُمْ عَنْهُ وَعَنِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ، أَلَا إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّامِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ، لَا بَلْ مِنْ قبلٍ الْمَشْرِقِ، مَا هُوَ؟ مِنْ قبل الْمَشْرِقِ، مَا هُوَ؟ مِنْ قِبلِ الْمَشْرِقِ، مَا هُوَ؟ "، وَأَوْمَأَ بِيَدهِ إِلَى الْمَشْرِقِ (١).
* تَبْشِيرُ الْمُسْلِمِينَ بِانْتِشَارِ الإِسْلَامِ:
وَرَوَى كَذَلِكَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ -﵁- حَدِيثًا عَنِ الرَّسُولِ -ﷺ- فِيهِ تَبْشِيرٌ كَبِيرٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِأَنَّ اللَّه تَعَالَى سَيَنْصُرُ دِينَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ (٢) مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللَّهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدخَلَهُ اللَّهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللَّهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللَّهُ بِهِ الْكُفْرَ".
وَكَانَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ -﵁- يَقُولُ: قَدْ عَرَفْتُ ذَلِكَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، لَقَدْ أَصَابَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمُ الْخَيْرُ، وَالشَّرَفُ، وَالْعِزُّ، وَلَقَدْ أَصَابَ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفتن وأشراط الساعة - باب قصة الجساسة - رقم الحديث (٢٩٤٢) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧١٠١) (٢٧١٠٢).
(٢) المقصود بالأمر: أي الإسلام.
[ ٤ / ٤٠٠ ]
كَافِرًا الذُّلُّ وَالصَّغَارُ وَالْجِزْيَةُ (١).
* شَيْءٌ مِنْ فَضَائِلِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ -﵁-:
قَالَ الْإِمَامُ الذَّهبِيُّ فِي السِّيَرِ: تَمِيمٌ الدَّارِيُّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ، أَبُو رُقَيَّةَ، اللَّخْمِيُّ، الْفِلَسْطِينيُّ، وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سَنَةَ تِسْعٍ، فَأَسْلَمَ، وَكَانَ عَابِدًا، تَلَّاءً لِكِتَابِ اللَّهِ (٢).
رَوَى ابْنُ سعد فِي طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي الْمُهلَّبِ، قَالَ: كَانَ تَمِيمٌ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي سَبْعٍ (٣).
وَرَوَى الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعدِيَّاتِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَسْرُوق قَالَ: قَالَ لِي رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ: هَذَا مَقَامُ أَخِيكَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، صَلَّى لَيْلَةً حَتَّى أَصبَحَ أَوْ يَقْرَأُ آيَةً يُرَدِّدُهَا، وَيَبْكِي، وَهِيَ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٤).
* * *
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٩٥٧) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٦١٥٥).
(٢) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٤٤٢).
(٣) أخرجه ابن سعد في طبقاته (٨/ ٥٨٨) - وانظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٤).
(٤) سورة الجاثية آية (٢٠) - والخبر أورده الحافظ في الإصابة (١/ ٤٨٨)، ونسبه إلى البغوي في الجعديات، وصحح إسناده - وانظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٤٤٥).
[ ٤ / ٤٠١ ]
٣ - وَفْدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ
قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَفْدُ بَنِي عَامِرِ بْنِ صَعصَعَةَ، فِيهِمْ: عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ (١)، وَأَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ، وَكَانَا رُؤَسَاءَ الْقَوْمِ وَمِنْ شَيَاطِينِهِمْ، وَلَا يُرِيدانِ الْإِسْلَامَ، لَكِنْ بِسَبَبِ ضَغْطِ قَوْمِهِمَا عَلَيْهِمَا، وَلِأَنَّ كُلَّ النَّاسِ أَسْلَمُوا، فَوَافَقَا عَلَى الذَّهابِ إِلَى الْمَدِينَةِ لِمُلَاقَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلأَنَّهُمَا لَا يُرِيدانِ الْإِسْلَامَ اتَّفَقَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ، وَأَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى اغْتِيَالِ الرَّسُولِ -ﷺ-.
فَقَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ لِأَرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ: إِذَا قَدِمْنَا عَلَى الرَّجُلِ فَإِنِّي سَأَشْغَلُ عَنْكَ وَجههُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَاقْتُلْهُ بِالسَّيْفِ.
فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: يَا مُحَمَّدٌ خَالِّنِي (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا وَاللَّهِ حَتَّى تُؤْمنَ بِاللَّهِ وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ"، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدٌ خَالِّنِي، وَجَعَلَ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَيَنْتَظِرُ مِنْ أَرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ مَا كَانَ أَمَرَهُ بِهِ، وَهُوَ ضَرْبُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالسَّيْفِ لِيَقْتُلَهُ، فَجَعَلَ أَرْبَدُ لَا يَفْعَلُ، فَلَمَّا رَأَى عَامِرٌ مَا يَصْنَعُ أَرْبَدُ، قَالَ: يَا مُحَمَّدٌ مَا تَجْعَلُ لِي إِنْ أَسْلَمتُ؟
_________________
(١) هذا الرجل هو الذي غدر بأصحاب الرسول -ﷺ- في بئر معونة قبحه اللَّه، وقد فصلنا أحداث هذه الحادثة فيما مضى فراجعه.
(٢) خَالِّنِي: بكسر اللام المشددة: أي اتخذني خليلًا، أي صديقًا. انظر النهاية (٢/ ٦٨).
[ ٤ / ٤٠٢ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَكَ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْكَ مَا عَلَيْهِمْ".
فَقَالَ: أَتجْعَلُ لِيَ الْأَمرَ مِنْ بَعدِكَ إِنْ أَسْلَمتُ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ، وَلَا لِقَوْمِكَ".
فَقَالَ عَامِرٌ: أَتَجْعَلُ لِيَ الْوَبَرَ (١)، وَلَكَ الْمَدَرَ (٢)؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا".
فَقَامَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لَأَملَأَنَّهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَرِجَالًا، فَلَمَّا وَلَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اكْفِنِي عَامِرَ بْنَ الطُّفَيْلِ، وَاهْدِ بَنِي عَامِرٍ، وَأَغْنِ الْإِسْلَامَ عَنْ عَامِرٍ" (٣).
وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ: أَنَّ عَامِرًا أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: أُخَيِّرُكَ بَيْنَ خِصَالٍ ثَلَاثٍ: يَكُونُ لَكَ السَّهْلُ وَلِي أَهْلُ الْمَدَرِ، أَوْ أَكُونُ خَلِيفَتَكَ، أَوْ أَغْزُوكَ بِأَهْلِ غَطَفَانَ بِأَلْفٍ وَأَلْفٍ (٤).
_________________
(١) الْوَبَرُ: أهل البوادي. انظر النهاية (٥/ ١٢٧).
(٢) الْمَدَرُ: أهل القرى والمدن. انظر النهاية (٤/ ٢٦٤).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٢٢٢) - الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١٥٠) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٣١٨ - ٣١٩).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة الرجيع - رقم الحديث (٤٠٩١). وفي رواية البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٣٢٠) قال: أو أغزوك بغطفان بألف أشقر، وألف شقراء. قوله: بألف أشقر، وألف شقراء: هي الخيل الأشقر، وهي أجود أنواع الخيول عند العرب. انظر لسان العرب (٧/ ١٦١).
[ ٤ / ٤٠٣ ]
فَلَمَّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ عَامِر لِأَرْبَدَ: وَيْلَكَ يَا أَرْبَدُ أَيْنَ مَا كُنْتُ أَمَرتُكَ بِهِ؟ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ رَجُلٌ هُوَ أَخْوَفَ عِنْدِي عَلَى نَفْسِي مِنْكَ، وَايْمُ اللَّهِ لَا أَخَافُكَ بَعْدَ الْيَوْمِ أَبَدًا، فَقَالَ أَرْبَدُ: لَا تَعجَلْ عَلَيَّ، وَاللَّهِ مَا هَمَمْتُ بِالذِي أَمَرتَنِي بِهِ مِنْ أَمرِهِ إِلَّا دَخَلْتَ بَيْني وَبَيْنَ الرَّجُلِ، حَتَّى مَا أَرَى غَيْرَكَ، أَفَأَضْرِبُكَ بِالسَّيْفِ؟
فَتَعَجَّبَ عَامِرُ بْنُ الطُّفَيْلِ مِنْ ذَلِكَ.
* هَلَاكُ عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وَأَرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ قبَّحَهُمَا اللَّهُ:
ثُمَّ رَجَعَ وَفْدُ بَنِي عَامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ إِلَى بِلَادِهم، حَتَّى إِذَا كَانَا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ بَعَثَ اللَّه عَلَى عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ الطَّاعُونَ فِي عُنقِهِ، فَأَوَى إِلَى بَيْتِ امرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَلُولٍ، وَكَانُوا مَوْصُوفِينَ بِاللُّؤْمِ، فَصَارَ يَتَأَسَّفُ عَلَى مَجِيءِ الْمَوْتِ له فِي بَيْتِهَا، وَيَقُولُ: يَا بَنِي عَامِرٍ أَغُدَّةً كَغُدَّةِ الْبَعِيرِ، وَمَوْتًا فِي بَيْتِ امرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَلُولٍ؟
فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى مَاتَ فِي بَيْتها لَعَنَهُ اللَّهُ.
وَأَمَّا أَرْبَدُ بْنُ قَيْسٍ فَإِنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ سَأَلُوهُ: مَا وَرَاءَكَ يَا أَرْبَدُ؟
قَالَ: لَا شَيْءَ، وَاللَّهِ لقد دَعَانَا مُحَمَّد إِلَى عِبَادَةِ شَيْءٍ لَوَدِدتُ أَنَّهُ عِنْدِي الآنَ، فَأرْمِيهِ بِالنَّبْلِ حَتَّى أَقْتُلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَقَالَتِهِ هَذِهِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ مَعَهُ جَمَلُهُ يَتْبَعُهُ، فَأَرْسَلَ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَعَلَى جَمَلِهِ صَاعِقَةً فَأَحْرَقَتْهُمَا، وَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى فِي عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ وَأَرْبَدَ بْنِ قَيس، قَوْلُه تَعَالَى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ
[ ٤ / ٤٠٤ ]
كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨) عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩) سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠) لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢) وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ (١).
* إِرسَالُ بَنِي عَامِرٍ وَفْدًا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَإِسْلَامُهُمْ:
فَلَمَّا رَأَى بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ مَا حَلَّ بِعَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ، وَأَرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ أَرسَلُوا وَفْدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَعْلَنُوا إِسْلَامَهُم، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرطِ مُسْلِمٍ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فِي رَهْطٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، قَالَ:
_________________
(١) سورة الرعد آية (٨ - ١٣). أخرج قصة بني عامر بن صعصعة: الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب خصوصية الأوس والخزرج في الإسلام - رقم الحديث (٧٠٦٦) - بإسناد منقطع - وانظر سيرة ابن هشام (٤/ ٢٢٢) - والطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٥٠) - ودلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٣١٨) - وأصل القصة في صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب غزوة الرجيع - رقم الحديث (٤٠٩١).
[ ٤ / ٤٠٥ ]
فَأَتَيْنَاهُ، فَسَلَّمنَا عَلَيْهِ، فَقُلْنَا: أَنْتَ وَليُّنَا، وَأَنْتَ سَيِّدُنَا، وَأَنْتَ أَطْوَلُ عَلَيْنَا، وَأَنْتَ أَفْضَلُنَا عَلَيْنَا فَضْلًا، وَأَنْتَ الْجَفْنَةُ الْغَرَّاءُ (١).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قُولُوا قَوْلَكُمْ، وَلَا يَسْتَجِرَنَّكُمُ (٢) الشَّيْطَانُ" (٣).
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرُ فِي جَامِعِ الْأُصُولِ: وَمَعنَى الْحَدِيثِ: يَقُولُ: تَكَلَّمُوا بِمَا يَحْضُرُكُم مِنَ الْقَوْلِ، وَلَا تَسْجَعُوا، كَأَنَّمَا تَنْطِقُونَ عَلَى لِسَانِ الشَّيْطَانِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ كَانُوا مَدَحُوهُ، فَكَرِهَ لَهُمُ الْمبالَغَةَ فِي الْمدحِ، وَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ (٤).
قُلْتُ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دِلَالَةٌ وَاضِحَةٌ مِنَ الرَّسُولِ -ﷺ- عَلَى عَدَمِ الْمبالَغَةِ وَمُجَاوَزَةِ الْحَدِّ فِي مَدحِهِ -ﷺ-، وَهُوَ الْإِطْرَاءُ الذِي نَهى عَنْهُ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِمَامِ أَخمَدَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَريَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُوله" (٥).
_________________
(١) قال ابن الأثير في النهاية (١/ ٢٧١): كانت العرب تدعو السيد المطعام جفنة؛ لأنه يضعها، ويُطعم الناس فيها فسمي باسمها، والغراء البيضاء: أي أنها مملوءة بالشحم والدهن.
(٢) قال ابن الأثير في جامع الأصول (١١/ ٤٩) يقال: جريت جريًا، واستجريت جريًا: أي اتخذت وكيلًا.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٣١١) - وأبو داود في سننه - كتاب الأدب - باب في كراهية التمادح - رقم الحديث (٤٨٠٦) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٨٥١٥).
(٤) انظر جامع الأصول (١١/ ٤٩).
(٥) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب أحاديث الأنبياء - باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ. . .﴾ - رقم الحديث (٣٤٤٥) - وأحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٤).
[ ٤ / ٤٠٦ ]
٤ - وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ
وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنَ الْهِجْرَةِ وَفْدٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، وَكَانُوا يَسْكُنُونَ الْيَمَامَةَ (١).
وَكَانَ الْوَفْدُ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فِيهِمْ: رَجَّالُ (٢) بْنُ عُنْفُوَةَ، وَمُجَّاعَةُ بْنُ مُرَارَةَ، وَكَانَ مَعَهم مُسَيْلِمَةُ بْنُ حَبِيبٍ الْكَذَّابُ.
فَأَنْزَلَهُم رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- دَارَ رَفلَةَ بْنِتِ الْحَارِثِ -وَكَانَتْ دَارُهَا دَارَ الْوُفُودِ- وَأُجْرِيتْ عَلِيْهم ضِيَافَةٌ، ثُمَّ جَاؤُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْمَسْجِدِ فَأَسْلَمُوا وَبَايَعُوا، إِلَّا مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابُ.
رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمرَ مِنْ بَعدِهِ تَبعتُهُ، وَقَدِمَها فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ، فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ -﵁-، وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قِطْعَةُ جَرِيدٍ، حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَالَ لَهُ: "لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ
_________________
(١) اليمامة: مدينة معروفة شرقي الحجاز. انظر النهاية (٥/ ٢٥٩).
(٢) قال الحافظ في الإصابة (٢/ ٤٤٦): رجَّال: بتشديد الجيم. . . ارتد، وقُتِل على الكفر.
[ ٤ / ٤٠٧ ]
الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا، وَلَنْ تَعْدُوَ أَمرَ اللَّهِ فِيكَ، وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ، لَيَعقِرَنَّكَ (١) اللَّهُ، وَإِنِّي لَأَرَاكَ الذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا رَأَيْتُ، وَهذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي" (٢)، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّكَ أَرَى الذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا أُرِيتُ"، فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "بَيْنَا أنَّا نَائِم رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهبٍ، فَأَهمَّنِي شَأْنُهُمَا، فَأوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ: أَنِ انْفُخْهُمَا، فنفَخْتُهُمَا، فَطَارَا، فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ بَعدِي أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيُّ (٣) صَاحِبُ صَنْعَاءَ، وَالآخَرُ مُسَيْلِمَةُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ" (٤).
* خَبَرٌ شَاذٌّ وَضَعِيفٌ:
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي سِيَاقِ ابْنِ إِسْحَاقَ (٥) مَا يُخَالِفُ مَا فِي
_________________
(١) الْعَقْرُ في الأصل: هو أن تُضرب قوائم الفرس أو البعير بالسيف فتقطع، ثم استعمل في القتل والهلاك. انظر جامع الأصول (١١/ ٨٠٣).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٤٢٣): لأنه -أي ثابت- كان خطيب الأنصار، . . . ويؤخذ منه استعانة الإمام بأهل البلاغة في جواب أهل العناد ونحو ذلك.
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٤٢٥): الْعَنْسِي: بفتح العين وسكون النون، وهو الأسود، واسمه عبهلة بن كعب، وكان الأسود العنسي قد خرج بصنعاء وادعى النبوة. قلت: سيأتي خبر تنبؤ الأسود العنسي إن شاء اللَّه.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب وفد بني حنيفة - رقم الحديث (٤٣٧٣) (٤٣٧٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الرؤيا - باب رؤيا النبي -ﷺ- رقم الحديث (٢٢٧٣) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٨٤٣).
(٥) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٢٣٢).
[ ٤ / ٤٠٨ ]
الصَّحِيحِ، فَذَكَرَ: أَنَّ مُسَيْلِمَةَ قَدِمَ مَعَ وَفْدِ قَوْمِهِ، وَأنَّهُمْ تَرَكُوهُ فِي رِحَالِهِمْ يَحْفَظُهَا لَهُمْ، وَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَخَذُوا مِنْهُ جَائِزَتَهُ، وَأَنَّهُ -ﷺ- قَالَ لَهُمْ عَنْ مُسَيْلِمَةَ: "لَيْسَ بِشَرِّكُمْ"، وَأَنَّ مُسَيْلِمَةَ لَمَّا ادَّعَى أَنَّهُ أُشْرِكَ فِي النُّبُوَّةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- احْتَجَّ بِهذِهِ الْمَقَالَةِ.
وَهذَا مَعَ شُذُوذِهِ ضَعِيف الْإِسْنَادِ لِانْقِطَاعِهِ، وَأَمْرُ مُسَيْلِمَةَ كَانَ عِنْدَ قَوْمِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَ يُقَالُ لَهُ: رحمَانُ الْيَمَامَةِ لِعِظَمِ قَدْرِهِ فِيهِمْ، وَكَيْفَ يَلْتَئِمُ هَذَا الْخَبَرُ الضَّعِيفُ مَعَ قَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- اجْتَمَعَ بِهِ وَخَاطَبَهُ، وَصَرَّحَ له بِحَضْرَةِ قَوْمِهِ أَنَّهُ لَوْ سَأَلهُ قِطْعَةَ الْجَرِيدَةَ مَا أَعْطَاهُ (١).
قُلْتُ: سَيَأْتِي خَبَرُ تَنَبُّؤِ مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
* رُجُوعُ الْوَفدِ إِلَى اليَمَامَةِ:
وَلَمَّا أَرَادَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ الرُّجُوعَ إِلَى الْيَمَامَةِ أَعطَاهُم رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِدَاوَةً (٢) فِيهَا مَاءٌ مِنْ فَضْلِ طَهُورِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ طَلْقٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: خَرَجْنَا سِتَّةً وَفْدًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، خَمسَةٌ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي ضُبَيْعَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، حَتَّى قَدِمْنَا عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ-، فَبَايَعنَاهُ وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَأَخْبَرْنَاهُ أَنَّ بِأَرْضِنَا
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٤٢٢).
(٢) الْإِدَاوَة: بكسر الهمزة إناء صغير من جلد يتخذ للماء. انظر لسان العرب (١/ ١٠٠).
[ ٤ / ٤٠٩ ]
بِيعَةً (١) لَنَا، وَاسْتَوْهَبْنَاهُ مِنْ فَضْلِ طُهُورِهِ، فَدَعَا بِمَاءٍ فتَوَضَّأَ مِنْهُ وَتَمَضْمَضَ، وَصَبَّ لَنَا فِي إِدَاوَةٍ، ثُمَّ قَالَ: "اذْهبُوا بِهذَا الْمَاءِ، فَإِذَا قَدِمتُم بَلَدَكُم، فَاكْسِرُوا بِيعَتَكُم، ثُمَّ انْضَحُوا (٢) مَكَانَها مِنْ هَذَا الْمَاءِ، وَاتَّخِذُوا مَكَانَها مَسْجِدًا".
فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّه! الْبَلَدُ بَعِيدٌ، وَالْحَرُّ شَدِيدٌ، وَالْمَاءُ يَنْشَفُ، قَالَ: "فَأَمِدُّوهُ مِنَ الْمَاءِ، فَإِنَّهُ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا طِيبًا".
فَخَرَجْنَا فتَشَاحَحْنَا (٣) عَلَى حَملِ الْإِدَاوَةِ أَيُّنَا يَحْمِلُهَا، فَجَعَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، نَوْبًا (٤) لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا يَوْمًا وَلَيْلَةً، فَخَرَجْنَا بِهَا حَتَّى قَدِمنَا بَلَدَنَا، فَعَمِلْنَا الذِي أَمَرَنَا (٥)، وَرَاهِبُ ذَلِكَ القوْمِ رَجُل مِنْ طَيْءٍ، فنَادَيْنَا بِالصَّلَاةِ، فَقَالَ الرَّاهِبُ: دَعوَةُ حَقٍّ، ثُمَّ هَرَبَ، فَلَمْ يُرَ بَعْدُ (٦).
* * *
_________________
(١) بِيعَة: بكسر الباء هي كنيسة اليهود، وقيل كنيسة لنصارى، ومنه قوله تَعَالَى في سورة الحج آية (٤٠): ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. انظر لسان العرب (١/ ٥٥٨)
(٢) النَّضْحُ: الرَّشُ. انظر لسان العرب (١٤/ ١٧٣).
(٣) الشُّح: أشد البخل. انظر النهاية (٢/ ٤٠١).
(٤) نَاوَبَهُ في الشيء والأمر: أي ساهمه فيه وتداوله معه. انظر المعجم الوسيط (٢/ ٩٦١).
(٥) في رواية النسائي قال: فخرجنا حتى قدمنا بلدنا، فكسرنا بيعتنا، ثم نضحنا مكانها، واتخذناها مسجدًا.
(٦) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء - رقم الحديث (١١٢٣) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب المساجد - باب اتخاذ البيع مساجد - رقم الحديث (٧٨٢).
[ ٤ / ٤١٠ ]
٥ - وَفْدُ نَجْرَانَ (١)
وَفِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كَتَبَ إِلَيْهِم كِتَابًا يَدْعُوهُم فِيهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، أَوِ الْجِزْيَةِ، وَإِلَّا آذَنَهُمْ بِحَربٍ، فَذُعِرَ أَهْلُ نَجْرَانَ ذُعْرًا شَدِيدًا، فبعَثُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَفْدَهُم، وَكَانُوا سِتِّينَ رَجُلًا، فِيهِمْ أَربَعَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إِلَيْهِم يَؤُولُ أَمْرُهُمْ، أَحَدُهُمْ: الْعَاقِبُ، وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ، وَهُوَ أَمِيرُ الْقَوْمِ، وَذُو رَأْيِهِمْ، وَالذِي لَا يَصْدِرُونَ (٢) إِلَّا عَنْ رَأْيِهِ، وَالثَّانِي: السَّيِّدُ، وَاسْمُهُ الْأَيْهَمُ، وَيُقَالُ: شُرَحْبِيلُ، وَهُوَ ثِمَالُهُمْ (٣)، وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ، وَالثَّالِثُ: الْأُسْقُفُ، وَاسْمُهُ أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ مِنْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ، وَهُوَ حَبْرُهُمْ (٤) وَإِمَامُهُمْ.
فَلَمَّا وَصَلَ الْوَفْدُ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْتَقَوْا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٤٢٨) نَجْرَان: بفتح النون وسكون الجيم: بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن.
(٢) صَدَرَ: رجع. انظر لسان العرب (٧/ ٣٠١).
(٣) الثِّمَال: بكسر الميم: الملجأ والغياث. انظر النهاية (١/ ٢١٦).
(٤) الْحَبْرُ: بفتح الحاء: العالِم، وكان يُقال لابن عباس ﵄: الحَبر والبحر؛ لعلمه وسعته. انظر النهاية (١/ ٣١٧).
[ ٤ / ٤١١ ]
-ﷺ- إِلَى الْإِسْلَامِ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ، فَامْتَنَعُوا (١).
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ مُرسَلٍ رِجَاله ثِقَاتٌ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَاهِبَا نَجْرَانَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَسْلِمَا تَسْلَمَا".
فَقَالَا: قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ.
فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "كَذَبْتُمَا مَنَعَكُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ ثَلَاثٌ: سُجُودُكُمَا لِلصَّلِيبِ، وَقَوْلُكُمَا: اتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا، وَشُرْبُكُمَا الْخَمْرَ" (٢).
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَخَذَ ينَاقِشُهُمْ فِي عِيسَى ﵇، فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ مُرْسَلٍ عَنْ جَابِرٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ وَفْدَ نَجْرَانَ أَتَوُا النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالُوا: مَا تَقُولُ فِي عِيسَى؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هُوَ رُوحُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ" (٣).
وَنَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ
_________________
(١) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٣٨٣).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٣٧٤).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب تواريخ المتقدمين من الأنبياء - باب قصة ولادة عيسى ابن مريم ﵇ - رقم الحديث (٤٢١٣)، وصححه - وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٥٥) وقال: هكذا رواه الحاكم في مستدركه، وصححه على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، هكذا قال، وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن المغيرة، عن الشعبي مرسلًا، وهذا أصح.
[ ٤ / ٤١٢ ]
وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨) إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ (١).
وَكَثُرَ النِّقَاشُ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَبَيْنَ وَفْدِ نَجْرَانَ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتْلُو عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ وَيَقْرَعُ بَاطِلَهُم بِالْحُجَّةِ، فَلَمَّا لَمْ تُجْدِ مَعَهُمُ الْمُجَادَلَةُ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ، طَلَبُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُبَاهِلَهُمْ (٢)، فَوَافَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ (٣)، فَخَافُوا مِنَ الْمباهلَةِ، وَرَفَضُوهَا.
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ -﵁- قَالَ: جَاءَ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ صَاحِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: لَا تَفْعَلْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَنَا، لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا (٤).
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: لَوْ خَرَجَ الذِينَ يُبَاهِلُونَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-،
_________________
(١) سورة آل عمران آية (٥٨ - ٦٠).
(٢) الْمبَاهلَةُ: الْمُلَاعَنَةُ، وهو أن يجتمع القوم إذا اختلفوا في شيء فيقولوا: لعنة اللَّه على الظالم منا. انظر النهاية (١/ ١٦٤).
(٣) سورة آل عمران آية (٦١).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قصة أهل نجران - رقم الحديث (٤٣٨٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٩٣٠).
[ ٤ / ٤١٣ ]
لَرَجَعُوا لَا يَجِدُونَ مَالًا وَلَا أَهْلًا (١).
ثُمَّ إِنَّهُمْ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا (٢).
فَقَبِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْهُمْ ذَلِكَ، ثُمَّ صَالَحَهُمْ عَلَى الْجِزيةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلفيْ حُلَّةٍ: النِّصْفُ فِي صَفَرٍ، وَالنِّصْفُ فِي رَجَبٍ، يُؤَدُّونَها إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَعَارِيَّةٍ ثَلَاثِينَ دِرْعًا، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا، وَثَلَاثِينَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ السِّلَاحِ، يَغْزُونَ بِهَا، وَالْمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتَّى يَرُدُّوها عَلَيْهِمْ إِنْ كَانَ بِالْيَمَنِ كَيْد أَوْ غَدرَةٌ، عَلَى أَنْ لَا تُهْدَمَ لَهُمْ بِيعَةٌ (٣)، وَلَا يُخْرَجَ لَهُمْ قَسٌّ (٤)، وَلَا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ، مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا، أَوْ يَأْكُلُوا رِبًا (٥).
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٢٥) وإسناده صحيح.
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قصة أهل نجران - رقم الحديث (٤٣٨٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٩٣٠).
(٣) الْبِيعَة: بكسر الباء هي كنيسة اليهود، وقيل كنيسة النصارى، ومنه قوله تَعَالَى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾. انظر لسان العرب (١/ ٥٥٨).
(٤) الْقَسُّ: بفتح القاف هو رئيس من رؤساء النصارى في الدين والعلم. انظر لسان العرب (١١/ ١٥٧).
(٥) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الخراج والإمارة - باب في أخذ الجزية - رقم الحديث (٣٠٤١) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (١١٢٣).
[ ٤ / ٤١٤ ]
* بَعْثُ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ -﵁- مَعَهُمْ:
فَلَمَّا قَبَضَ أَهْلُ نَجْرَانَ كِتَابَهُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَرَادُوا الْانْصِرَافَ إِلَى نَجْرَانَ، طَلَبُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُمْ رَجُلًا أَمِينًا، لِيَقْبِضَ مَالَ الصُّلْحِ، وَليَحْكُمَ بَيْنَهُمْ فِي أَشْيَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهَا فِي أَمْوَالِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقَّ أَمِينٍ"، فَاسْتَشْرَفَ (١) لَهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ"، فَلَمَّا قَامَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ" (٢).
قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْأَمَانَةُ مُشْتركَة بَيْنَهُ -﵁- وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃، لَكِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- خَصَّ بَعْضَهُمْ بِصِفَاتٍ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا بِهَا أَخْصَّ (٣).
وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ -وَاللَّفْظُ لِأَحمَدَ-
_________________
(١) استشرف: أي تطلع إليها، وتعرض لها. انظر النهاية (٢/ ٤١٤).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قصة أهل نجران - رقم الحديث (٤٣٨٠) - وأخرجه في كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب مناقب أبي عبيدة بن الجراح -﵁- رقم الحديث (٣٧٤٥) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح -﵁- رقم الحديث (٢٤٢٠) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر أبي عبيدة بن الجراح -﵁- رقم الحديث (٦٩٩٩).
(٣) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٥/ ١١٥).
[ ٤ / ٤١٥ ]
عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا قَدِمَ أَهْلُ الْيَمَنِ (١) عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- قَالُوا: ابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا يُعَلِّمُنَا كِتَابَ رَبَّنَا والسُّنَةَ (٢)، قَالَ: فَأَخَذَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ -﵁-، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِم، وَقَالَ: "هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ" (٣).
* فَوَائِدُ قِصَّةِ وَفْدِ نَجْرَانَ:
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ أَهْلِ نَجْرَانَ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - أَنَّ إِقْرَارَ الْكَافِرِ بِالنُّبُوَّةِ لَا يَدْخِلُهُ فِي الْإِسْلَامِ حَتَّى يَلْتَزِمَ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ.
٢ - وَفِيهَا جَوَازُ مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَقَدْ تَجِبُ إِذَا تَعَيَّنَتْ مَصْلَحَتُهُ.
٣ - وَفِيهَا مَشْرُوعِيَّةُ مُبَاهَلَةِ الْمُخَالِفِ إِذَا أَصَرَّ بَعْدَ ظُهُورِ الْحُجَّةِ، وَقَدْ دَعَا ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ إِلَى ذَلِكَ، ثُمَّ الْأَوْزَاعِيُّ، وَوَقَعَ ذَلِكَ لِجَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَمِمَّا عُرِفَ بِالتَّجْرِبَةِ أَنَّ مَنْ بَاهَلَ وَكَانَ مُبْطِلًا لَا تَمْضِي عَلَيْهِ سَنَةٌ مِنْ يَوْمِ الْمُبَاهَلَةِ، وَوَقَعَ لِي ذَلِكَ مَعَ شَخْصٍ كَانَ يَتَعَصَّبُ لِبَعْضِ الْمَلَاحِدَةِ، فَلَمْ يَقُمْ بَعْدَهَا غَيْرَ شَهْرَيْنِ.
٤ - وَفِيهَا مُصَالَحَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى مَا يَرَاهُ الْإِمَامُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ،
_________________
(١) أهل اليمن: هم أهل نجران.
(٢) في رواية الإمام مسلم في صحيحه: يُعلِّمنا السنة والإسلام.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح -﵁- رقم الحديث (٢٤١٩) (٥٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٢١٧).
[ ٤ / ٤١٦ ]
وَيَجْرِي ذَلِكَ مَجْرَى ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَالٌ يؤْخَذُ مِنَ الْكُفَّارِ عَلَى وَجْهِ الصَّغَارِ فِي كُلِّ عَامٍ.
٥ - وَفِيهَا بَعْثُ الْإِمَامِ الرَّجُلَ الْعَالِمَ الْأَمِينَ إِلَى أَهْلِ الْهُدْنَةِ فِي مَصْلَحَةِ الْإِسْلَامِ.
٦ - وَفِيهَا مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ -﵁- (١).
* * *
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٤٢٩).
[ ٤ / ٤١٧ ]
وَفَاةُ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-
وَفِي أَوَاخِرِ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ تُوُفِّيَتْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَزَوْجُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ﵄.
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحْنُ نُغَسِّلُ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ، فَقَالَ: "اغْسِلْنَها ثَلَاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كَافُورٍ، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي"، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حَقْوَهُ (١)، وَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا (٢) إِيَّاهُ" (٣).
وَرَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتًا (٤) لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسٌ عَلَى الْقَبْرِ، قَالَ أَنَسٌ: فَرَأَيْتُ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٣/ ٤٩٦): حقوه بفتح الحاء ويجوز كسرها، وهي لغة هذيل، والمراد به هنا إزاره.
(٢) الشِّعَارُ: هو الثوب الذي يلي الجسد؛ لأنه يلي شعره. انظر النهاية (٢/ ٤٢٩).
(٣) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب غُسل الميت ووضُوئه بالماء والسدر - رقم الحديث (١٢٥٣) - وباب ما يُستحبّ أن يُغسل وترًا - رقم الحديث (١٢٥٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجنائز - باب غُسل الميت - رقم الحديث (٩٣٩) - وابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في غسل الميت - رقم الحديث (١٤٥٨).
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٣/ ٥٠٥): هي أم كلثوم زوج عثمان -﵁-.
[ ٤ / ٤١٨ ]
عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ (١) اللَّيْلةَ؟ ".
فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ -﵁-: أَنَا، قَالَ: "فَانْزِلْ"، قَالَ أَنَسٌ: فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا (٢).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ -ﷺ- قَالَ: أَنَّ رُقَيَّةَ (٣) - بِنْتَ رَسولِ اللَّهِ -ﷺ- لَمَا مَاتَت، قَالَ رَسُولُ -ﷺ-: "لَا يَدْخُلِ الْقَبْرَ رَجُلٌ قَارَفَ أَهْلَهُ"، فَلَمْ يَدْخُلْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ -﵁- الْقَبْرَ (٤).
* حُزْنُ الرَّسُولِ -ﷺ- عَلَيْهَا:
وَحَزِنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى ابْنَتِهِ أُمِّ كُلْثُومٍ ﵂ حَتَّى رُئِيَ الدَّمْعُ يَتَحَدَّرُ مِنْ عَيْنَيْهِ، وَبِمَوْتِهَا ﵂ لَمْ يَبْقَ مِنْ بَنَاتِ رَسولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَّا فَاطِمَةُ ﵂.
_________________
(١) لم يُقَارِفْ: بضم الياء أي لم يجامع. انظر النهاية (٤/ ٤٠) - فتح الباري (٣/ ٥٠٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب قول النبي -ﷺ-: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه" - رقم الحديث (١٢٨٥) - وباب من يدخل قبر المرأة - رقم الحديث (١٣٤٢) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٢٧٥).
(٣) قال الإمام البخاري فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٣/ ٥٠٥): ما أدري ما هذا، فإن رقية ماتت والنبي -ﷺ- ببدر لم يشهدها -أي لم يشهد جنازة رقية ﵂-. وقال الحافظ: وَهِمَ حماد بن سلمة في تسميتها فقط، والصواب أنها أم كلثوم ﵂. وقال الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٦/ ٣٢٣): فابنة رَسُول اللَّهِ -ﷺ- هذه هي أم كلثوم توفيت، وكانت وفاتها ﵂ سنة تسع من الهجرة.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٣٩٨) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٥١٢).
[ ٤ / ٤١٩ ]
وَفَاةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ قَبَّحَهُ اللَّهُ
وَفي ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْهِجْرَةِ، مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ لَعَنَهُ اللَّهُ، بَعْدَ أَنْ مَرِضَ عِشْرِينَ لَيْلَةً.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَعُودُهُ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَعُودُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيِّ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ عَرَفَ فِيهِ الْمَوْتَ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قَدْ كُنْتُ أَنْهاكَ عَنْ حُبِّ يَهُودَ"، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَقَدْ أَبْغَضَهُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، فَمَهْ (١).
ثُمَّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا بِحِينِ عِتَابٍ، هُوَ الْمَوْتُ، فَإِنْ مِتُّ فَامْنُنْ عَلَيَّ، فكَفِّنِّي فِي قَمِيصِكَ (٢) وَصَلِّ عَلَيَّ وَاسْتَغْفِر لِي.
_________________
(١) فَمَهْ: اسم مبني على السكون، بمعنى اسكت. انظر النهاية (٤/ ٣٢١). والخبر أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٧٥٨) - وأبو داود في سننه - كتاب الجنائز - باب في العيادة - رقم الحديث (٣٠٩٤).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٢٣٣): كأن عبد اللَّه بن ابي أراد بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته، فأظهر الرغبة في صلاة النبي -ﷺ- عليه، ووقعت إجابته إلى سؤاله بحسب ما ظهر من حاله إلى أن كشف اللَّه الغطاء عن ذلك، وهذا من أحسن الأجوبة فيما يتعلق بهذه القصة.
[ ٤ / ٤٢٠ ]
فَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ قَبَّحَهُ اللَّهُ جَاءَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ (١) -﵁- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَأَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ قَمِيصهُ يُكَفِّنُ فِيهِ أَبَاهُ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَقَدْ رَوى الشَّيْخَانِ فِي صَحْيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ جَاءَ ابْنُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي قَمِيصَكَ أُكَفِّنْهُ فِيهِ، وَصَلِّ عَلَيْهِ، وَاسْتَغْفِرْ لَهُ، فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ، وَقَالَ لَهُ: "إِذَا فَرَغْتَ مِنْهُ فَآذِنِّي" (٢).
* صَلَاةُ الرَّسُولِ -ﷺ- وَمَوْقِفُ عُمَرَ -﵁-:
فَلَمَّا وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْهِ يُرِيدُ الصَّلَاةَ، قَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-، وَجَذَبَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- منْ ثَوْبِهِ، وَقَالَ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَتُصَلِّي عَلَى ابْنِ أُبَيٍّ، وَقَدْ نَهَاكَ اللَّهُ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَيْهِ؟ وَهُوَ الْقَائِلُ -أَي ابن سلول- يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، كَذَا
_________________
(١) عبد اللَّه هذا هو ابن رأس المنافقين عبد اللَّه بن أُبي بن سلول، وهو من فضلاء الصحابة، شهد بدرًا وما بعدها، واستشهد يوم ليمامة في خلافة أبي بكر الصديق -﵁-، ومن مناقبه -﵁- أنه لما بلغه بعض مقالات أبيه في رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، جاء إلى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يستأذنه في قتله، فقال له رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "بل نرفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا". وقد تقدم هذا عند الكلام على غزوة بني المصطلق، فراجعه.
(٢) قال السندي في شرح المسند (٤/ ٢٤): آذني: أي أعلمني، أي بالفراغ من تجهيزه وتكفينه. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب الكفن في القميص الذي يُكَف أو لا يُكَف - رقم الحديث (١٢٦٩) - وأخرجه في كتاب اللباس - باب لبس القميص - رقم الحديث (٥٧٩٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل عمر -﵁- رقم الحديث (٢٤٠٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٦٨٠).
[ ٤ / ٤٢١ ]
وَكَذَا، يُعَدِّدُ عَلَيْهِ قَوله، فتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَالَ: "أَخِّر عَنِّي يَا عُمَرُ"، فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي خُيِّرتُ فَاخْتَرْتُ، لَوْ أَعْلَمُ أَنِّي إِنْ زِدْتُ عَلَى السَّبْعِينَ يُغْفَرُ لَهُ لَزِدتُ عَلَيْهَا" (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ بهاّ: "إِنَّمَا خَيَّرَني اللَّهُ، فَقَالَ: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً﴾، وَسَأَزِيدُهُ عَلَى السَّبْعِينَ" (٢).
قَالَ عُمَرُ -﵁-: فَصَلَّى عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا عَلَيْهِ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (٣).
قَالَ عُمَرُ -﵁-: فَعَجِبْتُ بَعْدُ مِنْ جُرأَتِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ - رقم الحديث (٤٦٧١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ - رقم الحديث (٤٦٧٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل عمر -﵁- رقم الحديث (٢٤٠٠) - وكتاب صفات المنافقين - رقم الحديث (٢٧٧٤).
(٣) سورة التوبة آية (٨٤).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ - رقم الحديث (٤٦٧١) - وباب قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ - رقم الحديث (٤٦٧٢).
[ ٤ / ٤٢٢ ]
* لِمَاذَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ؟
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَإِنَّمَا لَمْ يَأْخُذِ الرَّسُولِ -ﷺ- بِقَوْلِ عُمَرَ -ﷺ-، وَصَلَّى عَلَيْهِ إِجْرَاءً لَهُ عَلَى ظَاهِرِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ، وَاسْتِصْحَابا لِظَاهِرِ الْحُكْمِ، وَلمَا فِيهِ مِنْ إِكْرَامِ وَلَدِهِ الذِي تَحَقَّقَتْ صَلَاحِتيهُ، وَمَصْلَحَةِ الِاسْتِئْلَافِ لِقَوْمِهِ، وَدَفع الْمَفْسَدَةِ، وَكَانَ الرَّسُولُ -ﷺ- فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يَصْبِرُ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ، وَيَعْفُو، وَيَصْفَحُ، ثُمَّ أُمِرَ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، فَاسْتَمَرَّ صَفْحُهُ وَعَفْوُهُ -ﷺ- عَمَّنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ، وَلَوْ كَانَ بَاطِنُهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الِاسْتِئْلَافِ، وَعَدَمِ التَّنْفِيرِ عَنْهُ، وَلذَلِكَ قَالَ: "لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ" (١)، فَلَمَّا حَصَلَ الْفَتْحُ وَدَخَلَ الْمُشْرِكُونَ فِي الْإِسْلَامِ، وَقَلَّ أَهْلُ الْكُفْرِ وَذَلُّوا، أُمِرَ بِمُجَاهَرَةِ الْمُنَافِقِينَ وَحَمْلِهِمْ عَلَى حُكْمِ مُرِّ الْحَقِّ، وَلَاسِيَّمَا وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ النَّهْي الصَّرِيحِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أُمِرَ فِيهِ بِمُجَاهَرَتِهِمْ، وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَنْدَفِعُ الْإِشْكَالُ عَمَّا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى (٢).
* فَوَائِدُ هَذِهِ الْقِصَّةِ:
وَفِي قِصَّةِ وَفَاةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - أَنَّ الْمُنَافِقَ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ الظَّاهِرَةِ.
_________________
(١) أخرج هذا الحديث: البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٤٩٠٥) (٤٩٠٧) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٥٨٤) (٦٣).
(٢) انظر فتح الباري (٩/ ٢٣٥).
[ ٤ / ٤٢٣ ]
٢ - وَفِيهِ رِعَايَةُ الْحَيِّ الْمُطِيعِ بِالْإِحْسَانِ إِلَى الْمَيِّتِ الْعَاصِي.
٣ - وَفِيهِ التَّكْفِينُ بِالْمَخِيطِ.
٤ - وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالظَّاهِرِ إِذَا كَانَ النَّصُّ مُحْتَمِلًا.
٥ - وَفِيهِ جَوَازُ تَنْبِيهِ الْمَفْضُولِ لِلْفَاضِلِ عَلَى مَا يَظُنُّ أنَّهُ سَهَا عَنْهُ.
٦ - وَتَنْبِيهُ الفاضِلِ الْمَفْضُولَ عَلَى مَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ.
٧ - وَفيهِ جَوَازُ اسْتِفْسَارِ السَّائِلِ الْمَسْؤُولَ وَعَكْسهُ عَمَّا يَحْتَمِلُ مَا دَارَ بَيْنَهُمَا.
٨ - وَفِيهِ جَوَازُ التَّبَسُّمِ فِي حُضُورِ الْجَنَازَةِ عِنْدَ وُجُودِ مَا يَقْتَضِيهِ، وَقَدِ اسْتَحَبَّ أَهْلُ الْعِلْمِ عَدَمَ التَّبَسُّمِ مِنْ أَجْلِ تَمَامِ الْخُشُوعِ، فيسْتَثْنَى مِنْهُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ (١).
* * *
_________________
(١) انظر فتح الباري (٩/ ٢٤٠).
[ ٤ / ٤٢٤ ]
حَجُّ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- بِالنَّاسِ
وَفي أَوَاخِرِ شَهْرِ ذِي القعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ التَّاسِعَةِ (١) لِلْهِجْرَةِ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ
_________________
(١) قال الإمام البخاري في صحيحه -في كتاب المغازي-: باب حج أبي بكر بالناس في سنة تسع. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٤١٣): كذا جزم به -أي البخاري-. . . والحق أنه لم يُختلف في ذلك -أي في أي سنة حج أبي بكر -﵁- بالناس- وإنما وقع الاختلاف في أي شهر حج أبو بكر -﵁-، فذكر ابن سعد وغيره بإسناد صحيح عن مجاهد: أن حجة أبي بكر -﵁- وقعت في ذي القعدة، . . . والمعتمد ما قاله مجاهد. قلت: وقع في صحيح ابن حبان - رقم الحديث (٣٧٠٧) بسند صحيح عن أبي هريرة -﵁- في قوله تَعَالَى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، قال: لما قفل رَسُول اللَّهِ -ﷺ- من حنين، اعتمر من الجعرانة، ثم أَمّر أبا بكر -﵁- على تلك الحجة. والإشكال هنا قوله -﵁-: ثم أَمّر أبا بكر -﵁- على تلك الحجة -أي لما رجع من حنين- وكان ذلك سنة ثمان للهجرة، والمشهور أن أمير الحج سنة ثمان هو عَتَّاب بن أَسيد -﵁-. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِير في تفسيره (٤/ ١٠٤): وهذا السياق فيه غرابة، من جهة أن أمير الحج كان سنة عمرة الجعرانة إنما هو عَتّاب بن أَسيد، فأما أبو بكر إنما كان أميرًا سنة تسع. وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٢١٧): يمكن رفع الإشكال بأن المراد بقوله: "ثم أَمّر أبا بكر"، يعني بعد أن رجع إلى المدينة وطوى ذكر من ولي الحج سنة ثمان، فإن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لما رجع من العمرة إلى الجعرانة فأصبح بها توجه هو ومن معه إلى المدينة، إلى أن جاء أوان الحج، فأَمّر أبا بكر -﵁-، وذلك سنة تسع، وليس المراد أنه أَمّر أبا بكر أن يحج في السنة التي كانت فيها عمرة الجعرانة، وقوله -﵁-: "على تلك الحجة"، يريد الآتية بعد رجوعهم إلى المدينة.
[ ٤ / ٤٢٥ ]
-ﷺ- أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ -﵁-، أَمِيرًا عَلَى الْحَجِّ لِيُقِيمَ لِلْمُسْلِمِينَ حَجَّهُمْ، وَبَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْمَدِينَةِ يتَابع الدَّعْوَةَ وَالْوُفُودَ التِي جَاءَتْ لِتُعْلِنَ إْسِلَامَهَا عِنْدَهُ -ﷺ- فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ.
وَإِنَّمَا لَمْ يَرْغَبْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالُخُرُوجِ إِلَى الْحَجِّ لِكَرَاهَتِهِ الِاخْتِلَاطَ بِأَهْلِ الشِّرْكِ الذِينَ يَتَنَسَّكُونَ بِغَيْرِ التَّوْحِيدِ، وَرُبَّمَا طَافُوا بِالْبَيْتِ عُرَاةً، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِيَصُدَّهُمْ لِلْعُقُودِ التِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ (١).
فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-، فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ الْمَدِينَةِ، وَبَعَثَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِعِشْرِينَ بَدَنَة (٢) قَلَّدَهَا (٣) وَأَشْعَرَهَا (٤) بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ (٥)، وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ١٠٢).
(٢) الْبَدَنَةُ: تقع علي الجمل والناقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه، وسميت بدنة لعظمها وسمنها. انظر النهاية (١/ ١٠٨).
(٣) تَقْلِيدُ الْهَدي: أن يُجعل في عنقها شِعار يُعلم به أنها هدي. انظر لسان العرب (١١/ ٢٧٦).
(٤) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٨/ ١٨٥): الاشعار في الهدي: هو أن يجرحها في صفحة سنامها اليمني بحربة أو سكين أو حديدة، أو نحوها، ثم يُسلت -أي يُمسح- الدم عنها، ويجعل ذلك لها علامة تُعرف بها أنها هدي.
(٥) ثبت بعث رَسُول اللَّهِ -ﷺ- هديه مع أبي بكر الصديق -﵁-، وتقليده وتشعيره لها بيده الشريفة -ﷺ- في: صحيح البخاري - كتاب الحج - باب من قلّد القلائد بيده - رقم الحديث (١٧٠٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب بعث الهدي إلى الحرم. . رقم الحديث (١٣٢١) (٣٦٩) - عن عائشة ﵂، ولفظه: أنا فتلت قلائد هدي رَسول اللَّهِ -ﷺ- بيديَّ، ثم قَلّدها رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بيديه، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رَسُول اللَّهِ -ﷺ- شيء أحله اللَّه له، حتى نُحر الهدي.
[ ٤ / ٤٢٦ ]
نَاجِيَةَ بْنَ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيَّ -﵁-، وَسَاقَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- خَمْسَ بَدَنَاتٍ (١).
فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- مِنَ الْمَدِينَةِ، نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِسُورَةِ بَرَاءَةٍ (٢)، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁- لِيُعْلِنَهَا عَلَى النَّاسِ فِي الْحَجِّ (٣).
فَلَمَّا كَانَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- فِي الطَّرِيقِ إِلَى مَكَّةَ، إِذْ سَمِعَ رُغَاءَ (٤) نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْقَصْوَاءَ، فَظَنَّ أَبُو بَكْرٍ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِذَا عَلِيٌّ -﵁-، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: أَمِيرٌ أَنْتَ أَمْ رَسُولٌ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ -﵁-: لَا، بَلْ رَسُولٌ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ (٥) كِتَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَمَّرَهُ عَلَى الْمَوْسِمِ (٦)، وَأَمَرَ عَلِيًّا -﵁- أَنْ
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٣٤).
(٢) نزل من سورة براءة وهي التوبة من بدايتها إلى بضع وثلاثين آية منها، وقيل: أربعين. انظر فتح الباري (٩/ ٢١٤).
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٥/ ٤٠): والمقصود أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بعث عليًا -﵁- بعد أبي بكر -﵁- ليكون معه، ويتولى عليّ -﵁- بنفسه إبلاغ البراءة إلى المشركين نيابة عن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لكونه ابن عمه من عصبته. وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٢١٦): قال العلماء: إن الحكمة في إرسال عليّ -﵁- بعد أبي بكر -﵁- أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده أو من هو منه بسبيل من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم.
(٤) الرُغَاء: بضم الراء: هو صوت البعير. انظر النهاية (٢/ ٢١٨).
(٥) أي إلى أبي بكر الصديق -﵁-.
(٦) أي أن رسول اللَّه -ﷺ- أَمّر أبا بكر الصديق -﵁- على الحج. قال الطحاوي في شرح مشكل الآثار (٩/ ٢٢٥) - وأورده عنه الحافظ في الفتح =
[ ٤ / ٤٢٧ ]
يُنَادِيَ بِبَعْضِ الْأُمُورِ كَمَا سَيَأْتِي.
ثُمَّ مَضى أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- فَأَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ، قَامَ عَلِيٌّ -﵁-، فَأَذَّنَ (١) بِالذِي أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَهِيَ:
١ - لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِك (٢).
٢ - وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ (٣).
٣ - وَلَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ.
٤ - مَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ فَعَهْدُهُ إِلَى مُدَّتِهِ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ له عَهْدٌ، فَأَجَلُهُ أَرْبعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، فَإِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُوله (٤).
_________________
(١) = (٩/ ٢١٣): كان أبو بكر -﵁- الأمير على الناس في تلك الحجة بلا خِلاف، وكان عليّ -﵁- هو المأمور بالتأذين بذلك -أي بما أمره رَسُول اللَّهِ -ﷺ-.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٢١٢): المراد بالتأذين الإعلام، وهو اقتباس من قوله تَعَالَى في سورة التوبة آية (٣): ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، أي إعلام.
(٣) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٩/ ٩٨): فلا يُمكّن مشرك من دخول الحرم بحال حتى لو جاء في رسالة أو أمر مهم لا يُمكّن من الدخول، بل يخرج إليه من يقضي الأمر المتعلق به، ولو دخل خفية ومرض ومات نبش وأخرج من الحرم.
(٤) قلت: كان العرب يطوفون بالبيت عراة، الرجال والنساء، ثبت ذلك في صحيح مسلم - رقم الحديث (٣٠٢٨) عن ابن عباس ﵄ قال: كانت المرأة تطوف بالبيت، وهي عُريانة. . . فنزلت هذه الآية في سورة الأعراف آية (٣١): ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾. قال ابن عباس ﵄: المراد بالزينة في هذه الآية: اللباس. انظر تفسير ابن كثير (٣/ ٤٠٥).
(٥) أخرج ذلك كله: البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب لا يطوف بالبيت عُريان - =
[ ٤ / ٤٢٨ ]
* بَعْثُ أَبِي بَكْرٍ -﵁- أَبَا هُرَيْرَةَ -﵁-:
وَبَعَثَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁-، أَبَا هُرَيْرَةَ -﵁- فِي نَاسٍ مَعَهُ، فَأَذَّنُوا مَعَ عَلِيٍّ -﵁- فِي النَّاسِ بِعَرَفَةَ، وَبِمِنًى، وَبِالْمَشَاعِرِ كُلِّهَا، بِمَا أَمَرَ بِهِ -ﷺ-.
فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -ﷺ- قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- حَيْثُ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ بِبَرَاءَةٍ، قَالَ: كُنَّا نُنَادِي: أنهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلَّا مُؤْمِنٌ، وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ، وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَهْدٌ، فَإِنَّ أَجَلَهُ -أَوْ أَمَدَهُ- إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ (١)، فَإِذَا مَضَتِ الْأَرْبَعَةُ الْأَشْهُرِ، فَإِنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ، وَلَا يَحُجُّ هَذَا الْبَيْتَ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ.
_________________
(١) = رقم الحديث (١٦٢٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب لا يحج مشرك. . . - رقم الحديث (١٣٤٧) - والترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب سورة التوبة - رقم الحديث (٣٣٤٥).
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٥/ ٤٢) بعد أن أورد هذا الحديث: فهذا جيد، لكن فيه نكارة من جهة قول الراوي: إن من كان له عهد، فأجله إلى أربعة أشهر وقد ذهب إلى هذا ذاهبون، ولكن الصحيح أن من كان له عهد، فأجله إلى أمده بالغًا ما بلغ، ولو زاد على أربعة أشهر، ومن ليس له أمد بالكلية، فله تأجيل أربعة أشهر قسم ثالث: وهو: من له أمد يتناهى إلى أقل من أربعة أشهر من يوم التأجيل، يحتمل أن يلتحق بالأول، فيكون أجله إلى مدته وإن قل، ويحتمل أن يقال: إنه إلى أربعة أشهر؛ لأنه أولى ممن ليس له عهد بالكلية.
[ ٤ / ٤٢٩ ]
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-: فكُنْتُ أنادِي حَتَّى صَحِلَ (١) صَوْتي (٢).
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: فَالْحَاصِلُ أَنَّ مباشَرَةَ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- لِذَلِكَ -أَيْ الْإِعْلَامِ- كَانَتْ بِأَمْرِ أَبِي بَكْرٍ -﵁-، وَكَانَ يُنَادِي بِمَا يُلْقِيهِ إِلَيْهِ عَلِيٌّ -﵁- مِمَّا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ (٣).
وَبِذَلِكَ قَضَى الْإِسْلَامُ نِهَائِيًا عَلَى مَعَالِمِ الشِّرْكِ فِي مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ، وَحَفِظَ لِلْبَيْتِ قُدْسِيَّتَهُ وَحُرْمَتَهُ، وَكَانَتْ هَذِهِ الْحَجَّةُ بِمَثَابَةِ التَّوْطِئَةِ لِلْحَجَّةِ الْكُبْرَى، وَهِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ، فَلَمْ يَحُجَّ عَامَ حَجَّةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَالتِي تُسَمَّى حَجَّةَ الْوَدَاعِ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
* رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ:
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسنده وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، وَابْنُ
_________________
(١) صَحِلَ: أي بُحَّ. انظر النهاية (٣/ ١٣). قلت: كذلك عليّ -﵁- كان ينادي بهؤلاء الكلمات حتى بُحَّ صوته -﵁-، فقد أخرج الترمذي في جامعه - رقم الحديث (٣٣٤٥) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٥٨٥) بسند قوي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: . . . فكان عليّ يُنادي بها، فإذا بُحَّ، قام أبو هريرة، فنادى بها.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٩٧٧) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٥٩٣) - وأصل هذا الحديث في صحيح البخاري - كتاب الصلاة - باب ما يُستر من العورة - رقم الحديث (٣٦٩) وكتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ - رقم الحديث (٤٦٥٥) (٤٦٥٦) (٤٦٥٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب لا يحج البيت مشرك - رقم الحديث (١٣٤٧).
(٣) انظر فتح الباري (٩/ ٢١٣).
[ ٤ / ٤٣٠ ]
حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَلِيٍّ -﵁- أنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَشْرُ آيَاتٍ مِنْ بَرَاءَةٍ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، دَعَا النَّبِيُّ -ﷺ- أَبَا بَكْرٍ -﵁-، فَبَعَثَهُ بِهَا لِيَقْرَأَهَا عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ، ثُمَّ دَعَانِي النَّبِيُّ -ﷺ-، فَقَالَ: "أَدْرِكْ أبا بَكْرٍ، فَحَيْثُمَا لَحِقْتَهُ فَخُذِ الْكِتَابَ مِنْهُ، فَاذْهَبْ بِهِ إِلَى أَهْلِ مَكَّةَ، فَاقْرَأْهُ عَلَيْهِمْ".
قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: فَلَحِقْتُهُ بِالْجُحْفَةِ، فَأَخَذْتُ الْكِتَابَ مِنْهُ، وَرَجَعَ أَبُو بَكْرٍ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، نَزَلَ فِيَّ شَيْءٌ؟
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا، وَلَكِنَّ جِبْرِيلَ جَاءَنِي، فَقَالَ: لَنْ يُؤَدِّيَ عَنْكَ إِلَّا أَنْتَ، أَوْ رَجُلٌ مِنْكَ" (١).
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْبِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ: وَهَذَا ضَعِيفُ الْإِسْنَادِ، وَمَتْنُهُ فِيهِ نَكَارَةٌ (٢).
وَقَالَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: وَفِي مَتْنِهِ نَكَارَةٌ، فَإِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- اسْتَعْمَلَ أَبا بَكْرٍ -﵁- عَلَى الْحَجِّ سَنَةَ تِسْعٍ وَلَمْ يَرُدَّهُ، وَلَا رَجَعَ، بَلْ هُوَ الذِي أَقَامَ لِلنَّاسِ الْحَجَّ ذَلِكَ الْعَامَ، وَعَلِيٌّ -﵁- مِنْ جُمْلَةِ رَعِيَّتهِ يُصَلِّي خَلْفَهُ، وَيَدْفَعُ بِدَفْعِهِ، وَيَأتَمِرُ بِأَمْرِهِ، وَإِنَّمَا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ لِيَكُونَ مَعَهُ، وَيَتَوَلَّي عَلِيٌّ -﵁- إِبْلَاغَ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٩٧) (١٣٢١٤) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٥٨٤) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب إخباره -ﷺ- يكون في أمته من الفتن - رقم الحديث (٦٦٤٤).
(٢) انظر البداية والنهاية (٥/ ٤٢).
[ ٤ / ٤٣١ ]
الْبَرَاءَةِ لِلْمُشْرِكِينَ نِيَابَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؛ لِكَوْنِهِ ابْنَ عَمِّهِ مِنْ عَصَبَتِهِ، فَقَدْ كَانَتِ الْعَادَةُ الْمُتَّبَعَةُ عِنْدَهُمْ -أَيْ عِنْدَ الْعَرَبِ- أَنْ لَا يَعْقِدَ الْعَهْدَ وَلَا يَحِلَّهُ إِلَّا الْمُطَاعُ، أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فَلَمْ يَكُوُنوا يَقْبَلُونَ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ (١).
قُلْتُ: قَدْ ثَبَتَ إِرْسَالُ عَلِيٍّ -﵁- بِبَرَاءَةٍ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْوَجْهِ كَمَا تَقَدَّمَ، لَكِنَّ الذِي لَمْ يَثْبُتْ هُوَ رُجُوعُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-، وَتَأْمِيرِ عَلِيٍّ -﵁-.
* * *
_________________
(١) انظر حاشية شرح مشكل الآثار (٩/ ٢١٧).
[ ٤ / ٤٣٢ ]
السَّنَةُ العَاشِرَةُ لِلْهِجْرَةِ
دَخَلَ الْعَامُ الْعَاشِرُ الْهِجْرِيُّ وَالرَّسُولُ -ﷺ- يَسْتَقْبِلُ الْوُفُودَ، وَيُرْسِلُ سَرَايَاهُ وَدُعَاتَهُ إِلَى قبائِلِ الْعَرَبِ يَدْعُونَهَا إِلَى الْإِسْلَامِ، وَيُفَقِّهُونَهَا فِي الدِّينِ، . . . وَقَدْ حَدَثَتْ بَعْضُ الْأَحْدَاثِ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِنْهَا:
[ ٤ / ٤٣٣ ]
بَعْثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَأَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵄ إِلَى الْيَمَنِ
بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ وَأَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ ﵄، إِلَى الْيَمَنِ (١)، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُعلِّمَا النَّاسَ الْقُرْآنَ، وَأُمُورَ دِينهِمْ، وَاسْتَعْمَلَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى مِخْلَافٍ (٢) مِنْهَا -وَالْيَمَنُ مِخْلَافَانِ- وَكَانَتْ جِهَةُ مُعَاذٍ -﵁- الْعُلْيَا إِلَى جِهَةِ عَدْنٍ، وَكَانَتْ جِهَةُ أَبِي مُوسَى -﵁- السُّفْلَى، وَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَسِّرَا وَلَا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلَا تُنَفِّرَا، وَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا" (٣).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ:
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ١٢٦): كان بعث معاذ -﵁- إلى اليمن سنة عشر للهجرة قبل حج النبي -ﷺ- كما ذكره المصنف -أي البخاري- في أواخر المغازي، وقيل: كان ذلك في أواخر سنة تسع للهجرة عند منصرفه من تبوك، رواه الواقدي بإسناده إلى كعب بن مالك -﵁- وأخرجه ابن سعد في طبقاته (٣/ ٢٩٦) عنه.
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٣٨٦): المخلاف: بكسر الميم وسكون الخاء، وهو الكورة والإقليم.
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب بعث أبي موسى ومعاذ ﵄ إلى اليمن - رقم الحديث (٤٣٤١) (٤٣٤٢) (٤٣٤٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير - رقم الحديث (١٧٣٢) (١٧٣٣) - وأخرجه الطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٤٩٨).
[ ٤ / ٤٣٤ ]
١ - الْأَمْرُ بِالتَّيْسِيرِ فِي الْأُمُورِ، وَالرِّفْقِ بِالرَّعِيَّةِ، وَتَحْبِيبِ الْإِيمَانِ إِلَيْهِمْ، وَتَرْكِ الشِّدَّةِ لِئَلَّا تَنْفِرَ قُلُوبُهُمْ، وَلَاسِيَّمَا فِيمَنْ كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ قَارَبَ حَدَّ التَّكْلِيفِ مِنَ الْأَطْفَالِ لِيَتَمَكَّنَ الْإِيمَانُ مِنْ قَلْبِهِ وَيَتَمَرَّنَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ الْإِنْسَانُ فِي تَدْرِيبِ نَفْسِهِ عَلَى الْعَمَلِ إِذَا صَدَقَتْ إِرَادَتُهُ لَا يُشَدِّدُ عَلَيْهَا، بَلْ يَأْخُذُهَا بِالتَّدْرِيجِ وَالتَّيْسِيرِ حَتَّى إِذَا أَنِسَتْ بِحَالَةٍ وَتَدَاوَلَتْ عَلَيْهَا نَقَلَهَا لِحَالٍ آخَرَ وَزَادَ عَلَيْهَا أَكْثرَ مِنَ الْأُولَى حَتَّى يَصِلَ إِلَى قَدْرِ احْتِمَالِهَا، وَلَا يُكَلِّفُهَا بِمَا لَعَلَّهَا تَعْجَزُ عَنْهُ (١).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ -﵁- عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -﵁-: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَرَهُمَا أَنْ يُعَلِّمَانِ النَّاسَ الْقُرْآنَ (٢).
* رِوَايَةٌ مُخَالِفَةٌ:
وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِم عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثَهُ إِلَى الْيمَنِ ثُمَّ أَتبعَهُ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ -﵁- (٣).
وَهُوَ مُخَالِفٌ لِهَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعَثهُمَا مَعًا، وَجَمَعَ
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٥/ ٦٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٥٤٤) - والحاكم في المستدرك - كتاب فضائل القرآن - باب فضيلة المعوذتين - رقم الحديث (٢١٣٠).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب استتابة المرتدين والمعاندين - باب حكم المرتد والمرتدة واستتابتهم - رقم الحديث (٦٩٢٣) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها - رقم الحديث (١٧٣٣) (١٥).
[ ٤ / ٤٣٥ ]
بَيْنَهُمَا الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فَقَالَ: يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَضَافَ مُعَاذًا إِلَى أَبِي مُوسَى بَعْدَ سَبْقِ وِلَايَتِهِ لَكِنْ قَبْلَ تَوَجُّهِهِ فَوَصَّاهُمَا عِنْدَ التَّوَجُّهِ بِذَلِكَ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ وَصَّى كُلًا مِنْهُمَا وَاحِدًا بَعْدَ آخَرٍ (١).
* سُؤَالُ أَبِى مُوسَى -﵁-:
ثُمَّ سَأَلَ أَبُو مُوسَى -﵁- رَسُولَ اللَّه -ﷺ- قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّ أَرْضَنَا (٢) بِهَا شَرَابٌ مِنَ الشَّعِيرِ، يُقَالُ له: الْمِزْرُ (٣)، وَشَرَابٌ مِنَ الْعَسَلِ، يُقَالُ له: الْبِتْعُ (٤).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ" (٥).
* فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ جِدًّا:
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَقَدْ دَلَّ بَعْثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -ﷺ- إِلَى الْيَمَنِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَالِمًا فَطِنًا حَاذِقًا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يُوَلِّهِ النَّبِيُّ -ﷺ- الْإِمَارَةَ، وَلَوْ كَانَ فَوَّضَ الْحُكْمَ لِغَيْرِهِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى تَوْصِيَتِهِ بِمَا وَصَّاهُ بِهِ، وَلذَلِكَ
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٤/ ٢٧٥).
(٢) أي اليمن؛ لأن أبا موسى -﵁- من اليمن.
(٣) المِزْر: بكسر الميم: نبيذ يتخذ من الذرة، وقيل: من الشعير أو الحنطة. انظر النهاية (٤/ ٢٧٦).
(٤) الْبِتْع: بكسر الباء: نبيذ العسل، وهو خمر أهل اليمن. انظر النهاية (١/ ٩٤).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب بعث أبي موسى ومعاذ ﵄ إلى اليمن - رقم الحديث (٤٣٤٣) (٤٣٤٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الأشربة - باب بيان أن كل مسكر خمر - رقم الحديث (٢٠٠١) (٧٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٦٧٣).
[ ٤ / ٤٣٦ ]
اعْتَمَدَ عَلَيْهِ عُمَرُ -﵁-، ثُمَّ عُثْمَانُ -﵁-، ثُمَّ عَلِيٌّ -﵁-.
وَأَمَّا الْخَوَارجُ وَالرَّوَافِضُ فَطَعَنُوا فِيهِ، وَنَسَبُوهُ إِلَى الْغَفْلَةِ، وَعَدَمِ الْفِطْنَةِ لِمَا صَدَرَ مِنْهُ فِي التَّحْكِيمِ بِصِفِّينٍ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِي وَغَيْرُهُ: وَالْحَقَّ أنَّهُ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي وَصْفَهُ بِذَلِكَ، وَغَايَةُ مَا وَقَعَ مِنْهُ -﵁- أَنَّ اجْتِهَادَهُ أَدَّاهُ إِلَى أَنْ يَجْعَلَ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ مَنْ بَقِيَ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ وَنَحْوِهِمْ؛ لَمَّا شَاهَدَ مِنَ الِاخْتِلَافِ الشَّدِيدِ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ بِصِفِّينٍ، وَآلَ الْأَمْرُ إِلَى مَا آلَ إِلَيْهِ (١).
* وَصِيَّةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِمَعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁-:
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁- حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: "إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ (٢) أَمْوَالهمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ" (٣).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٣٨٧).
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٤/ ٨١): الكرائم جمع كريمة أي نفيسة، والمراد نفاس الأموال من أي صنف كان.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الزكاة - باب أخذ الصدقة من الأغنياء - رقم =
[ ٤ / ٤٣٧ ]
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالنَّسَائيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁- قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْيَمَنِ، فَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ (١)، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ بَقَرَةً مُسِنَّةً (٢)، وَمِنْ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً تَبِيعًا (٣) حَوْليًّا (٤)، وَأَمَرَنِي فِيمَا سَقَتِ السَّمَاءُ الْعُشْرَ، وَمِمَّا سُقِيَ بِالدَّوَالِي (٥) نِصْفَ الْعُشْرِ (٦).
وَرَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁- قَالَ: آخِرَ مَا أَوْصَانِي بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ وَضَعْتُ رِجْلِي فِي الْغَرْزِ (٧) أَنْ قَالَ: "يَا مُعَاذٌ، أَحْسِنْ خُلُقَكَ لِلنَّاسِ" (٨).
_________________
(١) = الحديث (١٤٩٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام - رقم الحديث (١٩).
(٢) المعافر: هي برود باليمن منسوبة إلى معافر: وهي قيلة باليمن. انظر النهاية (٣/ ٢٣٧).
(٣) الْمُسِنَّة: أي أتمت سنتين. انظر النهاية (٢/ ٣٧٠).
(٤) التبِيع: من أتم سنة من البقر. انظر النهاية (١/ ١٧٦).
(٥) الْحَوْل: السنة. انظر النهاية (١/ ٤٤٥).
(٦) الدَّوَالي: جمع دالية، وهو شيء يُتخذ من خُص وخشب يُستقى به بحبال تشد في رأس جذع طويل. انظر لسان العرب (٤/ ٣٩٨).
(٧) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٠٣٧) - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب الزكاة - باب زكاة البقر - رقم الحديث (٢٢٤٢) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٢٦٩٧).
(٨) الْغَرْزُ: بفتح العين وسكون الراء: رِكاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب. انظر النهاية (٣/ ٣٢٢).
(٩) أخرجه الإمام مالك في الموطأ - كتاب حسن الخلق - باب ما جاء في حسن الخلق - رقم =
[ ٤ / ٤٣٨ ]
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ مُعَاذٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ لَهُ: "كَيْفَ تَقْضِي إِذَا عَرَضَ لَكَ قَضَاء؟ ".
قَالَ: أَقْضِي بِمَا فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ﷿؟ ".
قَالَ: فَبِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ؟ ".
_________________
(١) = الحديث (١) -بغير إسناد- وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (١٩٧٢) بغير إسناد. قال الشيخ عبد القادر الأرناؤوط رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى محقق جامع الأصول (٤/ ٤): هذا أحد الأحاديث التي وردت في الموطأ بغير سند، وذكر العلماء أنها ليست موصولة في كتاب. وقال الزرقاني في شرح الموطأ: كذا ليحيى وابن القاسم، والقعنبي، ورواه ابن بكير عن مالك عن يحيى بن سعيد عن معاذ -﵁-، وهو مع هذا منقطع جدًّا، ولا يوجد مُسندًا من حديث معاذ -﵁- ولا غيره بهذا اللفظ، لكن ورد معناه، قاله ابن عبد البر. ومن شواهد هذا الحديث: ما رواه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٩٨٨) - بسند حسن عن معاذ -﵁- قال: قلت: يا رَسُول اللَّهِ! علمني ما ينفعني، قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "اتق اللَّه حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن". قال الحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (١/ ٣٩٦): وقد رُوي عن النبي -ﷺ- أنه وَصّى بهذه الوصية -أي وصية تقوى اللَّه وحسن الخلق- معاذًا وأبا ذر ﵄ من وجوه. . . وهذه الوصية وصية عظيمة جامعة لحقوق اللَّه وحقوق عباده. قال الشيخ عبد القادر الأرناؤوط ﵀: فالحديث حسن بطرقه وشواهده التي تشهد له بالمعنى.
[ ٤ / ٤٣٩ ]
قَالَ: أَجْتَهِدُ رَأْيِي وَلَا آلُو (١).
قَالَ: فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَدْرِي بِيَده، ثُمَّ قَالَ: "الْحَمْدُ للَّهِ الذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ لِمَا يُرْضِي رَسُولَ اللَّهِ" (٢).
* حَدِيثٌ ضَعِيفٌ:
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا بَعَثَ بِهِ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: "إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ، فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ" (٣).
* تَوْدِيعُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِمُعَاذٍ -﵁-:
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ
_________________
(١) لا آلو: أي لا أُقصر. انظر النهاية (١/ ٦٤).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٠٠٧) - والترمذي في جامعه - كتاب الأحكام - باب في القاضي كيف يقضي - رقم الحديث (١٣٧٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٥٨٣). قلت: ضَعّف هذا الحديث غير واحد من أهل العلم منهم: الإمام البخاري، والدارقطني، والحافظ العراقي، وابن الجوزي، والحافظ ابن حجر، والألباني. قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل. وانظر لزاما تعليق الألباني ﵀ على هذا الحديث في السلسلة الضعيفة - رقم الحديث (٨٨١)، فقد أجاد وأفاد رحمه اللَّه تعالى.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢١٠٥) في سنده بقية بن الوليد، وهو مدلس تدليس التسوية، وقد عنعن.
[ ٤ / ٤٤٠ ]
مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁- أنَّهُ قَالَ: لَمَّا بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْيَمَنِ خَرَجَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُوصِيهُ، وَمُعَاذٌ رَاكِبٌ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَمْشِي تَحْتَ رَاحِلَتِهِ، فَلَمَّا فَرَغَ، قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا مُعَاذُ، إِنَّكَ عَسَى أَنْ لَا تَلقانِي بَعْدَ عَامِي هَذَا، وَلَعَلَّكَ أَنْ تَمُرَّ بِمَسْجِدِي هَذَا وَقَبْرِي"، فبكَي مُعَاذٌ -﵁- جَشَعًا (١) لِفِرَاقِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نَحْوَ الْمَدِينَةِ، فَقَالَ: "إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِي المُتَّقُونَ، مَنْ كَانُوا وَحَيْثُ كَانُوا" (٢).
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ إِشَارَةٌ، وَظُهُورٌ، وَإِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ مُعَاذًا -﵁- لَا يَجْتَمعُ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ وَقَعَ فَإِنَّهُ أَقَامَ بِالْيَمَنِ حَتَّى كَانَتْ حَجَّةُ الْوَدَاعِ، ثُمَّ كَانَتْ وَفَاتُهُ -ﷺ- بَعْدَ أَحَدٍ وَثَمَانِينَ يَوْمًا مِنَ يَوْمِ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ (٣).
* رِوَايَةٌ مُخَالِفَةٌ:
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي ظَبْيَانَ، عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁-: أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ مِنَ الْيَمَنِ (٤)، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ رِجَالًا بِالْيَمَنِ يَسْجُدُ بَعْضُهُمْ
_________________
(١) الْجَشَع: الجزع لفراق الإلف. انظر النهاية (١/ ٢٦٥).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٠٥٢) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الرقائق - باب الخوف والتقوى - رقم الحديث (٦٤٧).
(٣) انظر البداية والنهاية (٥/ ١٠٦).
(٤) قال الإمام السندي في شرح المسند (١٣/ ٧٨): هكذا وقع في هذه الرواية، وقد ثبت أن معاذا -﵁- ما رجع من اليمن بعد أن بعثه رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إلا بعد وفاته -ﷺ-، . . . لكن قد =
[ ٤ / ٤٤١ ]
لِبَعْضٍ، أَفَلَا نَسْجُدُ لَكَ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَوْ كُنْتُ آمِرًا بَشَرًا يَسْجُدُ لِبَشَرٍ، لَأَمَرْتُ الْمَرْأة أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا" (١).
* بَعْضُ الْأَحْدَاثِ التِي حَدَثَتْ لِمُعَاذٍ -﵁- فِي الْيَمَنِ:
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنَّ مُعَاذًا -﵁- لَمَّا قَدِمَ الْيَمَنَ صَلَّي بِهِمُ الصُّبْحَ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ (٢)، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: لَقَدْ قَرَّتْ عَيْنُ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ (٣).
_________________
(١) = صح في بعض روايات هذا الحديث الصحيح: أن هذا الأمر إنما كان حين رجوعه -﵁- من الشام، ويؤيد ذلك ما رواه ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٤١٧١) - وابن ماجه - رقم الحديث (١٨٥٣) - بسند حسن عن عبد اللَّه بن أبي أوفى -﵁- قال: لما قدم معاذ من الشام سجد للنبي -ﷺ-، فقال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "ما هذا يا معاذ؟ " قال: أتيت الشام فوافقتهم يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، فوددت في نفسي أن نفعل ذلك بك. فقال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "فلا تفعلوا، فإني لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير اللَّه لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها". فالظاهر أن الصواب الشام، وإنما وقع اليمن موضع الشام من تصرف الرواة، واللَّه أعلم. وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٥/ ١٠٨): والصحيح إنه -أي معاذ -﵁- لم ير النبي -ﷺ- بعد ذلك، أي بعد بعثه لليمن.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٩٨٦).
(٣) سورة النساء آية (١٢٥).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب بعث أبي موسى ومعاذ ﵄ إلى اليمن - رقم الحديث (٤٣٤٨) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦١٨١).
[ ٤ / ٤٤٢ ]
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَقَدِ اسْتُشْكِلَ تَقْرِيرُ مُعَاذٍ -﵁- لِهَذَا الْقَائِلِ فِي الصَّلَاةِ، وَتَرْكُ أَمْرِهِ بِالْإِعَادَةِ، وَأُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ:
١ - إِمَّا بِأَنَّ الْجَاهِلَ بِالْحُكْمِ يُعْذَرُ.
٢ - وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ وَلَمْ يُنْقَلْ.
٣ - أَوْ كَانَ الْقَائِلُ خَلْفَهُمْ، وَلَكِنْ لَمْ يَدْخُلْ مَعَهُمْ فِي الصَّلَاةِ (١).
وَرَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزْيدَ قَالَ: أَتَانَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ -﵁- بِالْيَمَنِ مُعلِّمًا وَأَمِيرًا، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَجُلٍ تُوُفِّيَ وَتَرَكَ ابْنَتَهُ وَأُخْتَهُ فَأَعْطَى الِابْنَةَ النِّصْفَ وَالْأُخْتَ النِّصْفَ (٢).
وَلَمْ يَزَلْ مُعَاذ -﵁- عَلَى الْيَمَنِ إِلَى أَنْ قَدِمَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-، وَوَافَى السَّنَةَ التِي حَجَّ فِيهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-، وَقَدِ اسْتَعْمَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- عَلَى الْحَجِّ (٣).
* * *
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٣٩١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الفرائض - باب ميراث البنات - رقم الحديث (٦٧٣٤) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٧٣٩٤).
(٣) انظر الإصابة (٦/ ١٩).
[ ٤ / ٤٤٣ ]
وَفَاةُ إِبْرَاهِيمَ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-
تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِعَشْرِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ عَشْرٍ لِلْهِجْرَةِ (١) عِنْدَ مُرْضِعِهِ أُمِّ سَيْفٍ، وَكَانَ عُمْرُهُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا.
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: دَخَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَبِي سَيْفٍ القيْنِ (٢) -وَكَانَ ظِئْرًا (٣) لِإِبْرَاهِيمَ- فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِبْرَاهِيمَ فَقَبَّلَهُ وَشَمَّهُ (٤)، ثُمَّ دَخَلْنَا عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ (٥) -وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ (٦) بِنَفْسِهِ- فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- تَذْرِفَانِ (٧)، فَقَالَ له عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -﵁-: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٣/ ٢٢٦): ذكر جمهور أهل السير أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة.
(٢) الْقَيْنُ: بفتح القاف الحداد. انظر النهاية (٤/ ١١٩).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٣/ ٥٢٥): الظِئر: بكسر الظاء أي مرضعًا، وأُطلق عليه ذلك؛ لأنه كان زوج المرضعة، وأُطلق ذلك على زوجها؛ لأنه يشاركها في تربيته غالبًا.
(٤) الشَّمُّ: الدنو. انظر لسان العرب (٧/ ٢٠٦).
(٥) أي عند وفاته -﵁-.
(٦) يَجُود بنفسه: أي يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله، يريد أنه كان في النزع وسياق الموت. انظر النهاية (١/ ٣٠١). وفي رواية الإمام مسلم: "يكيد"، بفتح الياء الأولى، وكسر الكاف
(٧) ذَرَفَتِ العينُ: إذا جرى دمعها. انظر النهاية (٢/ ١٤٧).
[ ٤ / ٤٤٤ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا ابْنَ عَوْفٍ إِنَّهَا رَحْمَةٌ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ (١)، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يرْضِي رَبَّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إَبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ" (٢).
وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- صَاحَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَيْسَ هَذَا مِنَّا، لَيْسَ لِصَارخِ حَظٌّ، الْقَلْبُ يَحْزَنُ، وَالْعَيْنُ تَدْمَعُ، وَلَا نَقُولُ مَا يُغْضِبُ الرَّبَّ" (٣).
فَلَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ إِبْرَاهِيمَ ابْنِي، وَإِنَّهُ مَاتَ فِي الثَّدْي (٤)، وَإِنَّ لَهُ لَظِئْرَيْنِ (٥) تُكْمِلَانِ رَضَاعَهُ فِي الْجَنَّةِ" (٦).
_________________
(١) هذه الرواية أخرجها البخاري في صحيحه - وفي رواية مسلم في صحيحه قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "تدمع العين ويحزن القلب".
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب قول النبي -ﷺ-: "إنا بك لمحزونون" - رقم الحديث (١٣٠٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب رحمته -ﷺ- الصبيان والعيال - رقم الحديث (٢٣١٥) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٠١٤).
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الجنائز - باب فصل في النياحة ونحوها - رقم الحديث (٣١٦٠) - والحاكم في المستدرك - كتاب الجنائز - باب استثناء النياحة - رقم الحديث (١٤٥٠).
(٤) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٥/ ٦١): معناه مات وهو في سن رضاع الثدي، أو في حال تغذيه بلبن الثدي.
(٥) الظِّئْرُ: بكسر الظاء هي المرضعة غير ولدها. انظر النهاية (٣/ ١٤٠).
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل باب رحمته -ﷺ- الصبيان والعيال - رقم الحديث (٢٣١٦) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢١٠٢).
[ ٤ / ٤٤٥ ]
قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وَمَعْنَى تُكْمِلَانِ رَضَاعَهُ أَيْ تُتِمَّانِهِ سَنَتَيْنِ، فَإِنَّهُ تُوُفِّيَ وَلَهُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ، فَتُرْضِعَانِهِ بَقِيَّةَ السَّنَتَيْنِ (١).
وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ ابْنُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يدْفَنَ بِالْبَقِيعِ (٢).
* هَدْيُ الرَّسُولِ -ﷺ- فِي المُصِيبَةِ:
كَانَ مِنْ هَدْيِهِ -ﷺ- فِي الجَنَائِزِ أَكْمَلَ الهَدْي، فَقَدْ سَنَّ لِأُمَّتِهِ الْحَمْدَ وَالْاسْتِرْجَاعَ، وَالرِّضَى عَنِ اللَّهِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُنَافِيًا لِدَمْعِ الْعَيْنِ وَحُزْنِ الْقَلْبِ، وَلذَلِكَ كَانَ أَرْضَى الْخَلْقِ عَنِ اللَّهِ فِي قَضَائِهِ، وَأَعْظَمَهُمْ لَهُ حَمْدًا، وَبَكَى مَعَ ذَلِكَ يَوْمَ مَوْتِ ابْنِهِ إِبْرَاهيمَ رَأْفَةً مِنْهُ، وَرَحْمَةً لِلْوَلَدِ، وَرِقَّةً عَلَيْهِ، وَالقلْبُ مُمْتَلِئٌ بِالرِّضَى عَنِ اللَّهِ ﷿ وَشُكْرِهِ، وَاللِّسَانُ مُشْتَغِلٌ بِذِكْرِهِ وَحَمْدِهِ (٣).
* لَمْ يُصَلِّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ:
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَده وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: لَقَدْ تُوُفِّيَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ (٤).
_________________
(١) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٥/ ٦٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٥٥٠) (١٨٦٢٤).
(٣) انظر زاد المعاد (١/ ٤٨٠).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٣٠٥) - وأبو داود في سننه - كتاب =
[ ٤ / ٤٤٦ ]
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْهِ (١).
فَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا، فِيهِ إِبْرَاهِيمُ بنُ عُثْمَانَ -وَهُوَ الْعَبْسِيُّ- مَتْرُوكٌ.
وَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ الْبَرَاءَ بْنِ عَازِب -﵁- قَالَ: رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى ابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا (٢).
فِي سَنَدِهِ جَابِرُ بنُ يَزِيدٌ الجُعْفِيُّ -وَهُوَ ضَعِيفٌ-.
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اخْتُلِفَ فِي السَّبِبِ الذِي لِأَجْلِهِ لَمْ يُصلِّ عَلَيْهِ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: اسْتَغْنَى بِبُنُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ قُرْبَةِ الصَّلَاةِ التِي هِيَ شَفَاعَةٌ لَهُ، كَمَا اسْتَغْنَى الشَّهِيدُ بِشَهَادَتِهِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ.
وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى: إِنَّهُ مَاتَ يَوْمَ كُسِفَتِ الشَّمْسُ، فَاشْتَغَلَ بِصَلَاةِ الْكُسُوفِ عَنِ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ (٣).
* كُسُوفُ الشَّمْسِ:
وَانْكَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-،
_________________
(١) = الجنائز - باب في الصلاة على الأطفال - رقم الحديث (٣١٨٧) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٤٣٢٥).
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في الصلاة على ابن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- رقم الحديث (١٥١١).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٤٩٧).
(٤) انظر زاد المعاد (١/ ٤٩٥).
[ ٤ / ٤٤٧ ]
فَقَالَ النَّاسُ: إِنَّمَا انْكَسَفَتْ لِمَوْتِ إِبْرَاهيمَ، فَقَامَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَصَلَّى بِالنَّاسِ صَلَاةَ الْكُسُوفِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهَا فَادْعُوا وَصَلوا حَتَّى تَنْجَلِي" (١).
وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَده بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ -﵁- قَالَ: كَسَفَتِ الشَّمْسُ يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا: كَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ، أَلَا وإنَّهُمَا لَا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلَا لِحَيَاتِهِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمَا كذَلِكَ، فَافْزَعُوا إِلَى الْمَسَاجِدِ" (٢).
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ: أُمِرَ فِي هَذَا الْخَبَرِ بِالصَّلَاةِ عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالقمَرِ، وَهُوَ الْمَقْصُودُ، فَأطْلِقَ هَذَا الْمَقْصُودُ عَلَى سَبَبِهِ، وَهُوَ الْمَسَاجِدُ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ تَتَّصِلُ فِيهَا، لَا أَنَّ الْمَسَاجِدَ يُسْتَغْنَى بِحُضُورِهَا عِنْدَ كُسُوفِ الشَّمْسِ أَوِ الْقَمَرِ دُونَ الصَّلَاةِ (٣).
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الكسوف - باب الصلاة في كسوف الشمس - رقم الحديث (١٠٤٣) - ومسلم في صحيحه - كتاب الكسوف - باب ذكر النداء بصلاة الكسوف - رقم الحديث (٩١٥) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب صلاة الكسوف - رقم الحديث (٢٨٢٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٦٢٩).
(٣) انظر صحيح ابن حبان (٧/ ٦٩).
[ ٤ / ٤٤٨ ]
* فَضَائِلُ إِبْرَاهِيمَ ﵇ ابْنِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ أَبِي أَوْفَى: رَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ ابْنَ النَّبِيِّ -ﷺ-؟
قَالَ: مَاتَ صَغِيرًا، وَلَوْ قُضِيَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- نَبِيٌّ عَاشَ ابْنُهُ، وَلَكِنْ لَا نَبِيَّ بَعْدَهُ (١).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسٍ -﵁- أنَّهُ قَالَ: لَوْ عَاشَ إِبْرَاهِيمُ ابْنُ النَّبِيِّ -ﷺ- لَكَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٢).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأدب - باب من سمي بأسماء الأنبياء - رقم الحديث (٦١٩٤).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٣٥٨).
[ ٤ / ٤٤٩ ]
٦ - وَفْدُ كِنْدَةَ
قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْمَدِينَةِ ثَمَانُونَ رَجُلًا مِنْ قَبِيلَةِ كِنْدَةَ، عَلَى رَأْسِهِمُ الْأَشْعثُ بْنُ قَيْسٍ، وَكَانَتْ مَنَازِلُهُمْ بِالْيَمَنِ.
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي وَفْدٍ لَا يَرَوْنَ أَنِّي أَفْضَلُهُمْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَزْعُمُ أَنَّكَ مِنَّا!
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَحْنُ بَنُو النَّضْرِ بَنُو كِنَانَةَ، لَا نَقْفُوا أُمَّنَا (١)، وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا".
فَكَانَ الْأَشْعَثُ يَقُولُ: لَا أُوتَى بِرَجُلٍ نَفَى قُرَيْشًا مِنَ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ إِلَّا جَلَدْتُهُ الْحَدَّ (٢).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ: قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي وَفْدِ كِنْدَةَ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَلْ لَكَ مِنْ ولدٍ؟ ".
_________________
(١) قال ابن الأثير في النهاية (٤/ ٨٣): أي لا نتهمها ولا نقذفها، وقيل معناه: لا نترك النسب إلى الآباء وننتسب إلى الأمهات.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٨٣٩) - وابن ماجه - كتاب الحدود - باب من نفى رجلًا من قبيلة - رقم الحديث (٢٦١٢).
[ ٤ / ٤٥٠ ]
قُلْتُ: غُلَامٌ وُلِدَ لِي فِي مَخْرَجِي إِلَيْكَ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ مَكَانَهُ شِبَعُ الْقَوْمِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تَقُولَنَّ ذَلِكَ، فَإِنَّ فِيهِمْ قُرَّةَ عَيْنٍ، وَأَجْرًا إِذَا قُبِضُوا، ثُمَّ لَئِنْ قُلْتَ ذَلِكَ، إِنَّهُمْ لَمَجْبَنةٌ مَحْزَنَةٌ (١)، إِنَّهُمْ لَمَجْبَنَةٌ مَحْزَنَةٌ" (٢).
زَادَ الطَّبَرَانِيُّ: "وَمَبْخَلة".
وَكَانَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ سَيِّدًا مُطَاعًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَجِيهًا فِي الْإِسْلَامِ، وَقَدِ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ -ﷺ-، ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-، وَشَهِدَ بَعْدَ دلِكَ مَعَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁-، الْقَادِسِيَّةَ وَالْمَدَائِنَ، وَجَلُولَاءَ، وَمَاتَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ أَوِ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ بِالْكُوفَةِ (٣).
* * *
_________________
(١) قال الإمام البغوي في شرح السنة (١٣/ ٣٦): أراد رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أن الرجل إذا كثر ولده بخل بماله إبقاء عليهم، وجبن عن الحروب استبقاء لنفسه.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٨٤٠) - وأورده ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ٧٨) وقال: تفرد به أحمد، وهو حديث حسن جيد الإسناد.
(٣) انظر أسد الغابة (١/ ١١٥).
[ ٤ / ٤٥١ ]
بَعْثُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ -﵁- إِلَى الْيَمَنِ
وَفِي رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ -﵁- إِلَى الْيَمَنِ، ثُمَّ بَعَثَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁- بَعْدَهُ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيًّا -﵁- أَنْ يَقْبِضَ الْخُمُسَ مِنْ خَالِد -﵁-، وَيُعَلِّمَهُمُ الْقُرْآنَ وَالْإِسْلَامَ، وَيَقْضِيَ بَيْنَهُمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تَبْعَثُنِي، وَأنا شَابٌّ أَقْضِي بَيْنَهُمْ، وَلَا أدْرِي مَا الْقَضَاءُ؟ (١).
فَضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ فِي صَدْرِ عَلِيٍّ -﵁-، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اهْدِ قَلْبَهُ، وَثَبِّتْ لِسَانَهُ" (٢).
ثُمَّ أَوْصَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ لَهُ: "يَا عَلِيُّ إِذَا جَلَسَ إِلَيْكَ الْخَصْمَانِ، فَلَا تَقْضِ بَيْنَهُمَا حَتَّى تَسْمَعَ مِنَ الْآخَرِ، مَا سَمِعْتَ مِنَ الْأَوَّلِ، فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ تَبَيَّنَ لَكَ الْقَضَاءُ".
قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: فَمَا اخْتَلَفَ عَلَيَّ قَضَاءٌ بَعْدُ، أَوْ مَا أَشْكَلَ عَلَيَّ قَضَاءٌ بَعْدُ.
_________________
(١) في رواية الطيالسي: لا علم لي بكثير من القضاء.
(٢) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٣٦) - وأخرجه في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١١٩٥) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٠٠) - وابن ماجه في سننه - كتاب الأحكام - باب ذكر القضاة - رقم الحديث (٢٣١٠) - وإسناده صحيح.
[ ٤ / ٤٥٢ ]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ -﵁-: فَمَا أَعْيَانِي قَضَاءٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ (١).
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِعَلِيٍّ -﵁-: "مُرْ أَصْحَابَ خَالِدٍ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ أَنْ يُعَقِّبَ (٢) مَعَكَ فَلْيُعَقِّبْ، وَمَنْ شَاءَ فَلْيُقْبِلْ" (٣).
فَخَرَجَ عَلِيٌّ -﵁-، حَتَّى أَتَى الْيَمَنَ؛ لِيَقْبِضَ خُمُسَ الْغَنَائِمِ التِي غَنِمَهَا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ -﵁-، فَأتوْا بِغَنَائِمَ وَأَطْفَالٍ وَنسَاءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَجَعَلَ عَلِيٌّ -﵁- عَلَى الْغَنَائِمِ بُرَيْدَةَ بْنَ الْحُصَيْبِ -﵁-.
ثُمَّ بَعَثَ عَلِيٌّ -﵁- بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْغَنَائِمِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: بَعَثَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْيَمَنِ بِذُهَيْبَةٍ (٤). فِي أَدِيمٍ (٥) مَقْرُوظٍ (٦) لَمْ
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٩٠) - وأخرجه في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١١٩٥) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٠٠) - وإسناده حسن.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٩٢): أي يرجع إلى اليمن، والذي يظهر أن الخليفة يرسل العسكر إلى جهة مدة، فإذا انمضت رجعوا وأرسل غيرهم، فمن شاء أن يرجع من العسكر الأول مع العسكر الثاني سمي رجوعه تعقيبًا.
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب بعث علي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد ﵄ إلى اليمن - رقم الحديث (٤٣٤٩).
(٤) ذُهَيبة: تصغير ذهب. انظر النهاية (٢/ ١٦٠).
(٥) الْأَدِيم: الجلد. انظر لسان العرب (١/ ٩٦).
(٦) مَقْرُوظ: أي مدبوغ بالقَرَظ، وهو ورق السَّلَم. انظر النهاية (٤/ ٣٨). والسَّلَم: نوع من أنواع الشجر.
[ ٤ / ٤٥٣ ]
تُحَصَّلْ مِنْ تُرَابِهَا (١)، قَالَ: فَقَسَمَهَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ نَفَرٍ: بَيْنَ عُيَيْنَةَ بْنِ بَدْرٍ، وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ، وَزَيْدِ الْخَيْلِ، وَالرَّابِعِ إِمَّا عَلْقَمَةَ (٢)، وإمَّا عَامِرِ بْنِ الطُّفَيْلِ (٣).
* مَثَلٌ فِي الأَمَانةِ:
وَلَقَدْ ضَرَبَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- مَثَلًا عَالِيًا فِي أَدَاءِ الْأَمَانَةِ التِي نِيطَتْ بِهِ (٤)، فَقَدْ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁- إِلَى الْيَمَنِ، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ -﵁-: فَكُنْتُ فِيمَنْ خَرَجَ مَعَهُ، فَلَمَّا أَخَذَ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ سَأَلْنَاهُ أَنْ نَرْكَبَ مِنْهَا وَنُرِيحَ إِبِلَنَا -وَكُنَّا قَدْ رَأَيْنَا فِي إِبِلِنَا خَلَلًا- فَأَبَى عَلَيْنَا، وَقَالَ: إِنَّمَا لَكُمْ مَنْهَا سَهْمٌ كَمَا لِلْمُسْلِمِينَ، فَلَمَّا فَرَغَ عَلِيٌّ -﵁- مِنْ أَمْرِ الْيَمَنِ، انْطَلَقَ رَاجِعًا مُسْرِعا، حَتَّى أَدْرَكَ الْحَجَّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَ أَمَّرَ عَلَيْنَا إِنْسَانًا، فَلَمَّا قَضَى حَجَّتَهُ قَالَ له النَّبِيُّ -ﷺ-: "ارْجعْ إِلَى أَصْحَابِكَ حَتَّى تَقْدُمَ عَلَيْهِمْ".
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ -﵁-: وَقَدْ كُنَّا سَأَلْنَا الذِي اسْتَخْلفهُ مَا كَانَ عَلِيٌّ -﵁- مَنَعَنَا إِيَّاهُ فَفَعَلَ، فَلَمَّا جَاءَ عَلِيٌّ -﵁- عَرَفَ أَنَّ إِبِلِ الصَّدَقَةِ قَدْ رُكِبَتْ، وَرَأَى أَثَرَ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٩٥): أي لم تخلص من تراب المعدن.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٩٥): أي ابن عُلاثة بضم العين العامري، وأسلم علقمة فحسن إسلامه، وأما ذكر عامر بن الطفيل غلط من عبد الواحد -أحد رواة هذا الحديث- فإنه كان مات قبل ذلك.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب بعث علي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد ﵄ إلى اليمن - رقم الحديث (٤٣٥١).
(٤) نِيطَتْ به: أي عُلِّقتْ به. انظر المعجم الوسيط (٢/ ٩٦٣).
[ ٤ / ٤٥٤ ]
المَرْكَبِ، فَذَمَّ الذِي أَمَّرَهَ وَلَامَهُ، وَقَدْ عَدَّ بَعْضُ أَصْحَابِ عَلِيٍّ -﵁- ذَلِكَ مِنْهُ غِلْظَةً وَتَضَيُّقًا، فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى الْمَدِينَةِ شَكَى أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيُّ -﵁- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَا كَانَ مِنْ عَلِيٍّ -﵁-، قَالَ أَبُو سَعِيدٍ -﵁- حَتَّى إِدا كُنْتُ فِي وَسَطِ كَلَامِي ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى فَخِذِي، وَكُنْتُ مِنْهُ قَرِيبًا، وَقَالَ: "يَا سَعْدَ بْنَ مَالِكِ (١) بْنِ الشَّهِيدِ (٢) مَهْ بَعْضَ قَوْلِكَ لِأَخِيكَ عَلِيٍّ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَحْسَنَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ".
قَالَ أَبُو سَعِيدٍ -﵁-: . . . وَاللَّهِ لَا أَذْكُرُهُ بِسُوءٍ أَبَدًا سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً (٣).
* مَوْقِفُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ -﵁- مِنْ عَلِيٍّ -﵁-:
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بريْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ -﵁- قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلِيًّا إِلَى خَالِدٍ؛ لِيَقْبِضَ الْخُمُسَ، وَكُنْتُ أُبْغِضُ عَلِيًّا وَقَدِ اغْتَسَلَ (٤)، فَقُلْتُ لِخَالِدٍ: أَلَا تَرَى إِلَى هَذَا؟
فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- ذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا بُرَيْدَةُ أَتُبْغِضُ عَلِيًّا؟ ".
_________________
(١) هو اسم أبي سعيد الخدري -﵁-.
(٢) والد أبي سعيد هو مالك بن سنان، وقد استشهد في غزوة أُحد، ولذلك قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لأبي سعيد: "ابن الشهيد".
(٣) أخرج ذلك البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٣٩٨ - ٣٩٩) - وأورده ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ١١٢) - وقال: هذا إسناد جيد على شرط النسائي، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة.
(٤) هذه رواية الإمام البخاري - وفي رواية الإمام أحمد: فأصبح عليّ -﵁- ورأسه يقطر. وسيأتي بعد قليل سبب اغتسال عليّ -﵁-.
[ ٤ / ٤٥٥ ]
قُلْتُ: نَعَمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تُبْغِضُهُ فَإِنَّ لَهُ فِي الْخُمُسِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ" (١).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ بريْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ -﵁- قَالَ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ عَلِيِّ بِنِ أَبِي طَالِبٍ حَتَّى أَحْبَبْتُ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ لَا أُحِبُّهُ إِلَّا عَلَى بُغْضِ عَلِيٍّ، فبعِثَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى خَيْلٍ، فَصَحِبْتُهُ، وَمَا أَصْحَبُهُ إِلَّا عَلَى بَغْضَاءِ عَلِيٍّ، فَأَصَابَ سَبْيًا، فكَتَبَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- أَنْ يَبْعَثَ له مَنْ يُخَمِّسُهُ، فَبُعِثَ إِلَيْنَا عَلِيًّا -﵁-، وَفِي السَّبْي وَصِيفَةٌ (٢) مِنْ أَفْضَلِ السَّبْي، فَلَمَّا خَمَّسَهُ، صَارَتِ الْوَصِيفَةُ فِي الْخُمُسِ، ثُمَّ خَمَّسَ، فَصَارَتْ فِي أَهْلِ بَيْتِ النَّبِيِّ -ﷺ-، ثُمَّ خَمَّسَ، فَصَارَتْ فِي آلِ عَلِيٍّ -﵁-، فَأتَانَا وَرَأْسُهُ تَقْطُرُ، فَقُلْنَا: مَا هَذَا (٣)؟
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب بعث عليّ، وخالد بن الوليد ﵄ إلى اليمن - رقم الحديث (٤٣٥٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٠٣٦).
(٢) وَصِيفَةٌ: أي أَمَةٌ. انظر النهاية (٥/ ١٦٦).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٩٤): وقد استشكل وقوع عليّ -﵁- على الجارية بغير استبراء، وكذلك قسمته لنفسه، فأما الأول فمحمول على أنها كانت بكرًا غير بالغ، ورأى أن مثلها لا يستبرأ، كما صار إليه غيره من الصحابة، ويجوز أن تكون حاضت عقب صيرورتها له، ثم طهرت بعد يوم وليلة، ثم وقع عليها وليس ما يدفعه، وأما القسمة فجائزة في مثل ذلك ممن هو شريك فيما يقسمه كالإمام إذا قسم بين الرعية، وهو منهم، فكذلك من نَصّبه الإمام قام مقامه. ويؤخذ من الحديث: جواز التسري -أي اتخاذ السرايا- على بنت رَسُول اللَّهِ بخلاف التزويج عليها.
[ ٤ / ٤٥٦ ]
قَالَ: أَلَمْ تَرَوْا إِلَى الْوَصِيفَةِ صَارَتْ فِي الْخُمُسِ، ثُمَّ صَارَتْ فِي آلِ بَيْتِ النَّبِيِّ -ﷺ-، ثُمَّ صَارَتْ فِي آل عَلِيٍّ، وَقَعْتُ عَلَيْهَا، فكَتَبَ الرَّجُلُ إِلَى نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: ابْعَثْنِي، فَبَعَثَنِي مُصَدِّقًا، فَجَعَلْتُ أَقْرَأُ الْكِتَابَ، وَأَقُولُ: صَدَقَ، فَأَمْسَكَ بِيَدِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ: "أَتُبْغِضُ عَلِيًّا؟ ".
فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا (١) تُبْغِضْهُ، وَإِنْ كنْتَ تُحِبُّهُ فَازْدَدْ لَهُ حُبًّا، فَوَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ (٢) لَنَصِيبُ آلِ عَلِيٍّ فِي الْخُمُسِ أَفْضَلُ مِنْ وَصِيفَةٍ".
قَالَ بُرَيْدَةُ -﵁-: فَمَا كَانَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ بَعْدَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ عَلِيٍّ (٣).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ بُريْدَةَ -﵁- قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ عَلِيٍّ الْيَمَنَ، فَرَأَيْتُ مِنْهُ جَفْوَةً، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ذَكَرْتُ عَلِيًّا، فَتَنَقَّصْتُهُ، فَرَأَيْتُ وَجْهَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَتَغَيَّرُ، فَقَالَ: "يَا بُرَيْدَةُ، أَلَسْتُ أَوْلَى بِالْمُؤْمنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ "، قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ، فَعَلِيٌّ مَوْلَاهُ" (٤).
وَرَوَى الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ -﵁-
_________________
(١) في رواية الإمام أحمد في مسنده: "فلا".
(٢) في رواية الإمام أحمد في مسنده قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "فوالذي نفس محمد بيده".
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٩٦٧) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٠٥١).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٩٤٥).
[ ٤ / ٤٥٧ ]
قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- بَعَثَ إِلَى الْيَمَنِ جَيْشَيْنِ، وَأَمَّرَ عَلَى أَحَدِهِمَا عَلِيًّا -﵁-، وَعَلَى الآخَرِ خَالِدًا -﵁-، وَقَالَ: "إِذَا كَانَ الْقِتَالُ فَعَلِيٌّ"، قَالَ: فَافْتَتَحَ عَلِيٌّ حِصْنًا، فَأَخَذَ مِنْهُ جَارِيَةً.
قَالَ الْبَرَاءُ: فكَتَبَ مَعِي خَالِدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُخْبِرُهُ، فَلَمَّا قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَرَأَ الْكِتَابَ، رَأَيْتُهُ يَتَغَيَّرُ لَوْنُهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا تَرَى فِي رَجُلٍ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُوله"، فَقُلْتُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ وَمِنْ غَضَبِ رَسُولِهِ، وَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ، فَسَكَتَ (١).
وَظَلَّ عَلِيٌّ -﵁- فِي الْيَمَنِ يُقْرِئُهُمُ الْقُرْآنَ، وَيُعَلِّمُهُمُ الْإِسْلَامَ، وَكتَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِذَلِكَ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُوَافِيَهُ بِالْمَوْسِمِ -مَوْسِمِ الحَجِّ-، فَرَجَعَ عَلِيٌّ -﵁-، فَوَافَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ، كَمَا سَيَأْتِي.
* * *
_________________
(١) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب الجهاد - باب ما جاء من يستعمل علي الحرب - رقم الحديث (١٧٩٩) - وأخرجه في كتاب المناقب - باب مناقب عليّ بن أبي طالب -﵁- رقم الحديث (٤٠٤٥) - وأخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١١٧٥) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦١٨٤).
[ ٤ / ٤٥٨ ]
٧ - وَفْدُ حَضْرَمَوْتَ
قَدِمَ وَفْدُ حَضْرَمَوْتَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَعَ وَفْدِ كِنْدَةَ، وَكَانَ فِيهِمْ: وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ (١) -﵁- وكَانَ أَحَدَ الأَشْرَافِ مِنْ أَبْنَاءِ المُلُوكِ -وَفي طَريقهمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْمَدِينَةِ أَخَذَ عَدُوٌّ لَهُمْ وَائِلَ بْنَ حُجْرٍ، فَحَلَفَ أَحَدُهُمْ -وَهُوَ سُوَيْدُ بْنُ الْحَنْظَلِيَّةِ- أَنَّهُ أَخُوهُ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ قَالَ: خَرَجْنَا نُرِيدُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَمَعَنَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ، فَأَخَذَهُ عَدُوٌّ له، فَتَحَرَّجَ النَّاسُ أَنْ يَحْلِفُوا، فَحَلَفْتُ أَنَا: إِنَّهُ أَخِي، فَخَلَّي سَبِيلَهُ، فَأَتَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَخْبَرتُهُ أَنَّ الْقَوْمَ تَحَرَّجُوا أَنْ يَحْلِفُوا وَحَلَفْتُ أنا: إِنَّهُ أَخِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَنْتَ كُنْتَ أبرَّهُمْ وَأَصْدَقَهُمْ، صَدَقْتَ الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمُ" (٢).
فَلَمَّا وَصَلُوا إِلَى الْمَدِينَةِ رَحَّبَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَقْطَعَ (٣) وَائِلَ بْنَ
_________________
(١) قال الحافظ في الإصابة (٦/ ٤٦٦): حُجْر: بضم الحاء وسكون الجيم.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٧٢٦) - وابن ماجه في سننه - كتاب الكفارات - باب من وَرّى في يمينه - رقم الحديث (٢١١٩) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٨٧٤).
(٣) أقطع: أعطى. انظر النهاية (٤/ ٧٣).
[ ٤ / ٤٥٩ ]
حُجْرٍ -﵁- أَرْضًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَقْطَعَهُ أَرْضًا، وَأَرْسَلَ مَعَهُ مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ ﵄ أَنْ أَعْطِهَا إِيَّاهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ -﵁-: أَرْدِفْنِي خَلْفَكَ، فَقَالَ وَائِلٌ -﵁-: لَا تَكُنْ مِنْ أَرْدَافِ الْمُلُوكِ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ -﵁-: أَعْطِنِي نَعْلَكَ (١)، فَقَالَ وَائِلٌ -﵁-: انْتَعِلْ ظِلَّ النَّاقَةِ (٢)، قَالَ: فَلَمَّا اسْتُخْلِفَ مُعَاوِيَةُ -﵁-، أَتَيْتُهُ، فَأَقْعَدَنِي مَعَهُ عَلَى السَّرِيرِ، وَذَكَرَ لِيَ الْحَدِيثَ، فَقَالَ وَائِلٌ -﵁-: وَدِدْتُ أنَي كُنْتُ حَمَلْتُهُ بَيْنَ يَدَيَّ (٣).
* حِرْصُ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ -﵁- عَلَى تَعَلُّمِ الدِّينِ:
وَكَانَ وَائِلُ بْنُ حُجْرٍ -﵁- لَمَّا وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَرِيصًا عَلَى تَعَلُّمِ أَمْرِ الدِّينِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقُلْتُ: لَأَنْظُرَنَّ كَيْفَ يُصَلِّي؟، قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ أَخَذَ شِمَالَهُ بِيَمِينِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، فَلَمَّا رَكَعَ وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبتَيْهِ، فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى كَانَتَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ،
_________________
(١) زاد ابن سعد في طبقاته (١/ ١٦٨): إن الرمضاء قد أحرقت قدمي.
(٢) في رواية ابن سعد في طبقاته (١/ ١٦٨): قال وائل -﵁-: امش في ظل ناقتي كفاك به شرفًا.
(٣) أخرجه الإمام في مسنده - رقم الحديث (٢٧٢٣٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب أصحابه - باب ذكر وائل بن حُجْر - رقم الحديث (٧٢٠٥).
[ ٤ / ٤٦٠ ]
فَلَمَّا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ مِنْ وَجْهِهِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَلَمَّا قَعَدَ افْتَرَشَ رِجْلَهُ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى، وَوَضَعَ حَدَّ مِرْفَقِهِ عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَي، وَعَقَدَ ثَلَاثِينَ، وَحَلَّقَ وَاحِدَةً، وَأَشَارَ بِأُصْبُعِهِ السَّبَّابَةِ (١).
* * *
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٨٥٠).
[ ٤ / ٤٦١ ]
٨ - وَفْدُ مَذْحِجَ (١)
قَدِمَ وَفْدُ مَذْحِجَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَكَانَ فِيهِمْ: هَانِئُ بْنُ يَزِيدَ -﵁-، فَقَدْ أخَرَجَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ هَانِئِ بْنِ يَزِيدَ -﵁-، قَالَ: أَنَّ هَانِئًا لَمَّا وَفَدَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، مَعَ قَوْمِهِ، فَسَمِعَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكَنُّونَ هَانِئًا أَبَا الْحَكَمِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ له: "إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ؟ ".
فَقَالَ -﵁-: إِنَّ قَوْمِي إِذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ، رَضُوا بِي حَكَمًا، فَأَحْكُمُ بَيْنَهُمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ ذَلِكَ لَحَسَنٌ، فَمَا لَكَ مِنَ الْوَلَدِ؟ ".
قَالَ: شُرَيْحٌ، وَعَبْدُ اللَّهِ، وَمُسْلِمٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَأَيُّهُمْ أَكْبَرُ؟ ".
قَالَ: شُرَيْحٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ"، فَدَعَا لَهُ وَلوَلَدِهِ، فَلَمَّا أَرَادَ
_________________
(١) مَذْحِج: بفتح الميم، وسكون الذال، وكسر الحاء. انظر معجم البلدان (٧/ ٢٣٣).
[ ٤ / ٤٦٢ ]
الْقَوْمُ الرُّجُوعَ إِلَى بِلَادِهِمْ، أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كُلَّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أَرْضًا حَيْثُ أَحَبَّ فِي بِلَادِهِ، فَقَالَ أَبُو شُرَيْحٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي بِشَيْءٍ يُوجِبُ لِيَ الْجَنَّةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "طِيبُ الْكَلَامِ، وَبَذْلُ السَّلَامِ، وَإِطْعَامُ الطَّعَامِ" (١).
وَهَكَذَا تَتَابَعَتِ الْوُفُودُ إِلَى الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي سَنَتَيْ تِسْعٍ وَعَشْرٍ، وَتَأَخَّرَ بَعْضُهَا إِلَى السَّنَةِ الْحَادِيَةَ عَشَرَ لِلْهِجْرَةِ.
* * *
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب البر والإحسان - باب ذكر إيجاب الجنة للمرء بطيب الكلام - رقم الحديث (٥٠٤) - والبخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (٦٢٧) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الإيمان - باب إذا زنى العبد خرج منه الإيمان - رقم الحديث (٧٠).
[ ٤ / ٤٦٣ ]
وَلَمَّا تَمَّ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى، مِنْ تَطْهِيرِ نُفُوسِ الْأُمَّةِ مِنْ شَوَائِبِ الْوَثَنِيَّةِ، وَعَادَاتِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَارَتِهَا بِنُورِ الْإِيمَانِ، وَإِشْعَالِ مَجَامِرِهَا بَالْحُبِّ وَالْحَنَانِ، وَتَمَّ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ ﷾، مِنْ تَطْهِيرِ بَيْتِهِ مِنَ الرِّجْسِ وَالْأَوْثَانِ، وَتَاقَتْ نُفُوسُ الْمُسْلِمِينَ، الذِينَ بَعُدَ عَهْدُهُمْ عَنْ حَجِّ الْبَيْتِ، وَطفَحَتْ كَأْسُ الْحُبِّ وَالْحَنَانِ، حَتَّى فَاضَتْ، وَدَنَتْ سَاعَةُ الْفِرَاقِ، وَأَلْجَأَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى وَدَاعِ الْأُمَّةِ، آذَنَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ -ﷺ- فِي الْحَجِّ.
فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْمَدِينَةِ لِيَحُجَّ الْبَيْتَ، وَيَلْقَى الْمُسْلِمِينَ، وَيُعَلِّمَهُمْ دِينَهُمْ وَمَنَاسِكَهُمْ، وَيُؤَدِّيَ الشَّهَادَةَ، ويُبَلِّغَ الْأَمَانَةَ، وَيُوصِي الْوَصَايَا الْأَخِيرَةَ، وَيَأْخُذَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْعَهْدَ وَالْمِيثَاقَ، وَيَمْحُوَ آثارَ الْجَاهِلِيَّةِ، وَيَطْمِسَهَا وَيَضَعَهَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ.
وَكَانَتْ هَذِهِ الْحَجَّةُ تَقُومُ مَقَامَ أَلْفِ خُطْبَةٍ، وَأَلْفِ دَرْسٍ، وَكَانَتْ مَدْرَسَةً مُتَنَقِّلَةً، وَمَسْجِدًا سَيَّارًا، وَثُكَنَةً (١) جَوَّالَةً، يتعَلَّمُ فِيهَا الْجَاهِلُ، وَيَنْتَبِهُ الْغَافِلُ، وَيَنْشَطُ فِيهَا الْكَسْلَانُ، وَيَقْوَى فِيهَا الضَّعِيفُ، وَكَانتْ سَحَابَةَ رَحْمَةٍ تَغْشَاهُمْ فِي
_________________
(١) الثُّكَنَةُ: بضم الثاء مراكز الجند. انظر لسان العرب (٢/ ١١٦).
[ ٤ / ٤٦٤ ]
الْحِلِّ وَالتِّرْحَالِ، وَهِيَ سَحَابَةُ صُحْبَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَحُبِّهِ وَعَطْفِهِ، وَتَرْبِيَتِهِ وَإِشْرَافِهِ (١).
* تَسْجِيلُ دَقَائِقِ حَجَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَقَدْ سَجَّلَ الرُّوَاةُ الْعُدُولُ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ كُلَّ دَقِيقَةٍ مِنْ دَقَائِقِ هَذِهِ الْحَجَّةِ، وَكُلَّ حَادِثَةٍ مِنْ حَوَادِثِهَا الصَّغِيرَةِ تَسْجِيلًا لَا يُوجَدُ لَهُ نَظِير فِي رِحْلَاتِ الْمُلُوكِ وَالْعُظَمَاءِ، وَالْعُلَمَاءِ وَالنُّبَغَاءِ (٢).
* * *
_________________
(١) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة للشيخ أبي الحسن النَّدْوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٣٩٣.
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة للشيخ أبي الحسن النَّدْوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٣٩٤.
[ ٤ / ٤٦٥ ]
حَجَّةُ (١) الْوَدَاعِ
وَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْحَجَّةُ الْمُبَارَكَةُ حَجَّةَ الْوَدَاعِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَدَّعَ النَّاسَ فِيهَا، وَلَمْ يَحُجَّ بَعْدَهَا.
فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَوْمَ النَّحْرِ بَيْنَ الجَمَرَاتِ فِي الحَجَّةِ التِي حَجَّ بِهَا، وَقَالَ: "هَذَا يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ"، فَطَفِقَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ"، وَوَدَّعَ النَّاسَ، فَقَالُوا: هَذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ (٢).
وَتُسَمَّى حَجَّةَ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهُ -ﷺ- لَمْ يَحُجَّ مِنَ الْمَدِينَةِ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ (٣) غَيْرَهَا.
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ١٥٢): الحج في اللغة: القصد، وفي الشرع: القصد إلى بيت اللَّه الحرام بأعمال مخصوصة. . . ووجوب الحج معلوم من الدين بالضرورة، وأجمعوا على أنه لا يتكرر إلا لعارض كالنذر.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب الخطبة أيام منى - رقم الحديث (١٧٤٢).
(٣) اختُلِف في زمن فرض الحج: فقيل: سنة ست من الهجرة، واستُدِل على ذلك بقوله تَعَالَى في سورة البقرة آية (١٩٦): ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ﴾. وهذه الآية نزلت بالحديبية سنة ست، وليس فيه ابتداء فرض الحج، وإنما فيه الأمر بإتمامه إذا شرع فيه. والصحيح أن الحج فُرض في السنة التاسعة من الهجرة. وجزم ابن القيم في زاد المعاد (٢/ ٩٦) (٣/ ٥٢٠) بأن فرضه كان في العام التاسع =
[ ٤ / ٤٦٦ ]
وَتُسَمَّى حَجَّةَ الْبَلَاغِ وَالتَّمَامِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَلَّغَ النَّاسَ شَرْعَ اللَّهِ فِي الْحَجِّ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَلَمْ يَكُنْ بَقِيَ مِنْ دَعَائمِ الْإِسْلَامِ وَقَوَاعِدِهِ شَيْءٌ إِلَّا وَقَدْ بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا بَيَّنَ لَهُمْ شَرِيعَةَ الْحَجِّ، وَوَضَّحَهُ، وَشَرَحَهُ، أَنْزَلَ اللَّه ﷿ عَلَيْهِ، وَهُوَ وَاقِف بِعَرَفَةَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (١).
* هَلْ حَجَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَبْلَ الهِجْرَةِ أَمْ لَا؟:
رَوَي التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- حَجَّ ثَلَاثَ حِجَجٍ: حَجَّتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ، وَحَجَّةً بَعْدَمَا هَاجَرَ (٢).
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ: حَجَّ النَّبِيُّ
_________________
(١) = الهجري، فقال: وعلى هذا، فلم يُؤخر النبي -ﷺ- الحج بعد فرضه عامًا واحدًا، بل بادر إلى الامتثال في العام الذي فرض فيه، وهذا هو اللائق بهديه وحاله -ﷺ-، وآية فرض الحج هي قوله تَعَالَى في سورة آل عمران آية (٩٧): ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وقد نزلت عام الوفود أواخر سنة تسع من الهجرة النبوية. وإنما تأخر رَسُول اللَّهِ -ﷺ- عن المبادرة إلى الحج في السنة التاسعة لكراهة الاختلاط في الحج بأهل الشرك؛ لأنهم كانوا يحجون ويطوفون بالبيت عُراة، فلما طَهّر اللَّه البيت الحرام منهم حج رَسُول اللَّهِ -ﷺ-.
(٢) سورة المائدة آية (٣) - وانظر البداية والنهاية (٥/ ١١٥) للحافظ ابن كثير رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(٣) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب الحج - باب ما جاء: كم حج النبي -ﷺ-؟ رقم الحديث (٨٢٦) - وابن ماجه في سننه - كتاب المناسك - باب حجة الرسول -ﷺ- رقم الحديث (٣٠٧٦) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (١٧٨٤).
[ ٤ / ٤٦٧ ]
-ﷺ- قَبْلَ أَنْ يُهَاجِرَ حِجَجًا، وَحَجَّ بَعْدَمَا هَاجَرَ الْوَدَاعَ (١).
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَهُوَ مَبْنِيٌّ -أَيْ حَجُّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَبْلَ الْهِجْرَةِ- عَلَى عَدَدِ وُفُودِ الْأَنْصَارِ إِلَى الْعَقَبَةِ بِمِنًى بَعْدَ الْحَجِّ، فَإِنَّهُمْ قَدِمُوا أَوَّلًا فَتَوَاعَدُوا، ثُمَّ قَدِمُوا ثَانِيًا فَبَايَعُوا الْبَيْعَةَ الْأُولَى، ثُمَّ قَدِمُوا ثَالِثًا، فَبَايَعُوا الْبَيْعَةَ الثَّانِيَةَ -كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ- (٢).
* خُرُوجُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْمَدِينَةِ لِلْحَجِّ:
وَفي ذِي الْقَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ لِلْهِجْرَةِ أُذِّنَ فِي النَّاسِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَاجٌّ هَذَا الْعَامَ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُول اللَّهِ، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ (٣).
قَالَ جَابِرٌ (٤) -﵁-: فَلَمْ يَبْقَ أَحَدٌ يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ رَاكِبًا أَوْ رَاجِلًا إِلَّا قَدِمَ (٥).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك كتاب المغازي والسرايا - باب ذكر حجاته -ﷺ- رقم الحديث (٤٤٣٩) - وأورده الحافظ في الفتح (٨/ ٤٤٠) وصحح إسناده.
(٢) انظر فتح الباري (٨/ ٤٤٠).
(٣) أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب ذكر وصف حجة المصطفى -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٤٤) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٨٥٨).
(٤) جابر بن عبد اللَّه الأنصاري ﵄: أفضل الصحابة ﵃ سياقًا لرواية حديث حجة رَسُول اللَّهِ -ﷺ- التي هي حجهَ الوداع، فإنه -﵁- ذكرها من حين خرج رَسُول اللَّهِ -ﷺ- من المدينة إلى آخرها.
(٥) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب المناسك - باب إهلال النفساء - رقم الحديث =
[ ٤ / ٤٦٨ ]
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَابْنِ حِبَّانَ، قَالَ جَابِر -﵁- وَهُوَ يَصِفُ كَثْرَةَ النَّاسِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ-: فنَظَرْتُ بَيْنَ يَدَيَّ، وَمِنْ خَلْفِي، وَعَنْ يَمِينِي، وَعَنْ شِمَالِي مَدَّ بَصَرِي، وَالنَّاسُ مُشَاةٌ، وَرُكْبَانٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُلَبِّي. . . (١).
خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْمَدِينَةِ يَوْمَ السَّبْتِ (٢) لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ (٣)، بَعْدَ أَنْ ترَجَّلَ (٤) وَادَّهَنَ (٥)، وَبَعْدَ أَنْ صَلَّى الظُّهْرَ أَرْبَعًا (٦).
_________________
(١) = (٣٧٢٧) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٣/ ٤٧٠).
(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب ذكر وصف حجة المصطفى -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٤٣).
(٣) هذا هو الصحيح في يوم خروجه -ﷺ- من المدينة، وهي رواية ابن سعد في طبقاته (٢/ ٣٣٦) - وجزم بذلك ابن القيم في زاد المعاد (٢/ ٩٧) - والحافظ ابن حجر في الفتح (٤/ ١٨٩) - وابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ١١٨).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية - رقم الحديث (١٥٤٥) - وباب ذبح الرجل البقر عن نسائه - رقم الحديث (١٧٠٩) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان وجوه الحج - رقم الحديث (١٢١١) (١٢٥) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب التمتع - رقم الحديث (٣٩٢٨).
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ١٧٦): تَرجّل: أي سَرّح شعره.
(٦) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب ما يلبس المحرم من الثياب - رقم الحديث (١٥٤٥).
(٧) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب من بات بذي الحليفة حتى أصبح - رقم الحديث (١٥٤٦) (١٥٤٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب صلاة المسافرين وقصرها - رقم الحديث (٦٩٠) (١١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٨١٨).
[ ٤ / ٤٦٩ ]
وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْمَدِينَةِ: أَبَا دُجَانَةَ السَّاعِدِيَّ -﵁-، وَيُقَالُ: سِبَاعَ بْن عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيَّ -﵁- (١).
* خُرُوجُ نِسَائِهِ -ﷺ- مَعَهُ:
خَرَجَ مَعَهُ -ﷺ- أَكْثَرُ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ حَاجٍّ (٢)، وَكَانَتْ نِسَاؤُهُ -ﷺ- كُلُّهُنَّ مَعَهُ فِي الْهَوَادِج (٣).
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِنِسَائِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: "هَذِهِ الْحَجَّةُ، ثُمَّ ظُهُورُ الْحُصُرِ" (٤).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٢٥٧).
(٢) هذه عِدّة من خرج معه -ﷺ- من المدينة، أما الذين حجوا معه فأكثر من ذلك، كالمقيمين بمكة، والذين أتوا من اليمن مع عليّ بن أبي طالب وأبي موسى الأشعري ﵄.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ٣٩٢): الهودج: بفتح الهاء والدال وسكون الواو: هو محمل له قبة تستر بالثياب ونحوه، يوضع علي ظهر البعير، يركب عليه النساء ليكون أستر لهن.
(٤) قال ابن الأثير في النهاية (١/ ٣٨٠): أي أنكن لا تعدن تخرجن من بيوتكن، وتلزمن الحصر، وهي جمع حصير الذي يبسط في البيوت. وقال البيهقي فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٤/ ٥٥٦): وفي الحديث أن المراد وجوب الحج مرة واحدة كالرجال، لا المنع من الريادة، وفيه دليل على أن الأمر بالقرار في البيوت ليس على سبيل الوجوب. وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٥٥٤): والعذر عن عائشة ﵂ أنها تأولت الحديث المذكور، كما تأوله غيرها من صواحباتها على أن المراد بذلك أنه لا يجب عليهن غير تلك الحجة، وتأيد ذلك عندها ﵂ لما سألت رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: =
[ ٤ / ٤٧٠ ]
قَالَ: فَكُنَّ كُلُّهُنَّ يَحْجُجْنَ غَيْرَ زَيْنَبَ بْنِتِ جَحْشٍ، وَسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، كَانَتَا تَقُولَانِ: وَاللَّهِ لَا تُحَرِّكُنَا دَابَّةٌ بَعْدَ أَنْ سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (١).
* طَرِيقُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ (٢) وَإِحْرَامُهُ بِهَا:
انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- إِلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ -وَهِيَ وَادِي الْعَقِيقِ- سَالِكًا طَرِيقَ الشَّجَرَةِ حَتَّى بَلَغَهَا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَصَلَّاهَا رَكْعَتَيْنِ، ثم بَاتَ هُنَاكَ حَتي أَصْبَحَ (٣)، وَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ، وَالْعِشَاءَ، وَالصُّبْحَ، وَالظُّهْرَ، فَصَلَّى بِهَا -أَيْ فِي ذِي الْحُلَيْفَةِ- خَمْسَ صَلَوَاتٍ.
وَطَافَ (٤) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ عَلَى نِسَائِهِ التِّسْعِ ﵅. (٥).
_________________
(١) = يا رَسُول اللَّهِ ألا نغزو ونجاهد معكم؟، فقال -ﷺ-: "لكن أحسن الجهاد وأجمله الحج حج مبرور"، فقالت ﵂: فلا أدع الحج بعد إذ سمعت هذا من رَسُول اللَّهِ -ﷺ-. أخرجه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (١٨٦١).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٩٧٦٥) (٢١٩٠٥) (٢٦٧٥١) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٦٠٣) (٥٦٠٤) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٧٥٢) - وأورده الحافظ في الفتح (٤/ ٥٥٤) وصحح إسناده.
(٣) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٨/ ٦٦): ذا الحليفة بضم الحاء مصغرًا: هي ميقات أهل المدينة، وهي أبعد المواقيت من مكة.
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب خروج النبي -ﷺ- على طريق الشجرة - رقم الحديث (١٥٣٣) - وباب قول النبي -ﷺ-: "العقيق واد مبارك" - رقم الحديث (١٥٣٤) - وباب من بات بذي الحليفة حتى أصبح - رقم الحديث (١٥٤٦) (١٥٤٧).
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (١/ ٥٠٢): طاف: كناية عن الجماع.
(٦) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الغسل - باب إذا جامع ثم عاد - رقم الحديث =
[ ٤ / ٤٧١ ]
فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "أَتَانِي اللَّيْلةَ آتٍ مِنْ رَبِّي (١)، فَقَالَ: صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ، وَقُلْ: عُمْرَةً فِي حَجَّة" (٢).
ثُمَّ اغْتَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِإِحْرَامِهِ، وَهَذَا الْغُسْلُ غَيْرُ غُسْلِ الْجِمَاعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ طَيَّبَتْهُ عَائِشَةُ ﵂، بِيَدِهَا بِذَرِيرَةٍ (٣) وَبِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ، فِي بَدَنِهِ وَرَأْسِهِ، حَتَّى كَانَ وَبِيصُ (٤) الطِّيبِ يُرَى فِي مَفْرَقِ رَأْسِهِ -ﷺ- وَلحْيَتِهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ (٥)، ثمَّ لبَّدَ (٦) شَعْرَ رَأسِهِ بِالْعَسَلِ (٧) حَتَّى لا يَشْعَثَ، ثُمَّ تَجَرَّدَ فِي إِزَارِهِ
_________________
(١) = (٢٦٧) - وباب من تطيب ثم اغتسل - رقم الحديث (٢٧٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب الطيب للمحرم عند الإحرام - رقم الحديث (١١٩٢).
(٢) قَالَ الحَافِظ فِي الفَتْحِ (٤/ ١٧١): هو جبريل ﵇.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب قول النبي -ﷺ-: "العقيق واد مبارك" - رقم الحديث (١٥٣٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦١).
(٤) الذريرة: هي نوع من الطيب مجموع في أخلاط. انظر النهاية (٢/ ١٤٦).
(٥) الوبيص: البريق. انظر النهاية (٥/ ١٢٨).
(٦) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب الطيب عند الإحرام - رقم الحديث (١٥٣٨) (١٥٣٩) - وأخرجه في كتاب اللباس - باب الذريرة - رقم الحديث (٥٩٣٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب الطيب للمحرم عند الإحرام - رقم الحديث (١١٨٩) (٣٥) (١١٩٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤١٠٧).
(٧) تَلْبِيدُ الشَّعر: أن يُسرح ويُجعل فيه شيء من صمغ ليلتزق، لئلا يشعث، ويقمل عند الإحرام، وأصون له من استقرار التراب والغبار فيه. انظر النهاية (٤/ ١٩٤) - جامع الأصول (٣/ ٤٤).
(٨) أخرج ذلك أبو داود في سننه - رقم الحديث (١٧٤٨) وإسناده ضعيف فيه محمد بن إسحاق مدلس، ولم يصرح بالتحديث -ومع ذلك فقد جود إسناده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ١٢٣). ووقع في جامع الأصول لابن الأثير - رقم الحديث (١٣١٩) بلفظ: الغِسل بالغين. =
[ ٤ / ٤٧٢ ]
وَرِدَائِهِ (١)، ثُمَّ دَعَا بِهَدْيِهِ فَأَشْعَرَهُ وَقَلَّدَهُ (٢)، وَكَانَ عَلَى هَدْيِهِ نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيُّ (٣) -﵁-، ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ فِي مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ (٤)، وَقِيلَ: إِنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لِلْإِحْرَامِ (٥).
_________________
(١) = قال ابن الأثير: الغِسل: بكسر الغين ما يُغتسل به من خِطمي وغيره، وبالضم: اسم الفعل، وبالفتح: المصدر. وجزم ابن القيم فِي زاد المعاد (٢/ ١٤٨): أنها بالغين، فقال ﵀: ولبّد رَسُول اللَّهِ -ﷺ- رأسه بالغِسل، وهو بالغين المعجمة على وزن كِفل، وهو ما يُغسل به الرأس من خِطمي ونحوه يُلبد به الشعر حَتَّى لا ينتشر. وقال ابن عبد السلام فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٤/ ١٨٠): يحتمل أنَّه بفتح المهملتين، ويحتمل أنَّه بكسر المعجمة، وسكون المهملة، وهو ما يغسل به الرأس من خِطمي أو غيره. الْخِطمي: بكسر الخاء: هو نبات ليّن نافع يُغسل به. انظر نيل الأوطار (٢/ ٣٦٥) - لسان العرب (٤/ ١٤٧). قلت: -القائل الحافظ ابن حجر- ضبطناه في روايتنا في سنن أبي داود بالمهملتين.
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب ما يلبس المحرم من الثياب - رقم الحديث (١٥٤٥) - والترمذي في جامعه - كتاب الحج - باب ما جاء في الاغتسال عند الإحرام - رقم الحديث (٨٤٥) - وانظر نيل الأوطار للشوكاني (٢/ ٣٦٣).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب فتل القلائد للبدن والبقر - رقم الحديث (١٦٩٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام - رقم الحديث (١٢٤٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٢٨).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٣٦).
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب التحميد والتسبيح والتكبير قبل الإهلال - رقم الحديث (١٥٥١).
(٦) قال ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي زاد المعاد (٢/ ١٠١): ولم ينقل عنه -ﷺ- أنه صلى للإحرام ركعتين غير فرض الظهر. =
[ ٤ / ٤٧٣ ]
ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي مُصَلَّاهُ وَقَرَنَ بَيْنَهُمَا (١)، ثُمَّ خَرَجَ فَرَكِبَ نَاقتَهُ الْقَصْوَاءَ (٢) فَأَهَلَّ أَيْضًا (٣)، ثُمَّ أَهَلَّ لَمَّا اسْتَقَلَّتْ (٤) بِهِ عَلَى
_________________
(١) = قلت: لكن روى الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب التلبية وصفتها ووقتها - رقم الحديث (١١٨٤) (٢١) عن ابن عمر ﵄ قال: كان رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يركع بذي الحليفة ركعتين، ثم إذا استوت به قائمة عند مسجد الحليفة، أهل بهؤلاء الكلمات -أي بكلمات التلبية وهي: لبيك اللهم لبيك. . . . قال الإِمام النووي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في شرح مسلم (٨/ ٧٥): فيه استحباب صلاة ركعتين عند إرادة الإحرام، ويصليهما قبل الإحرام ويكونان نافلة، هذا مذهبنا ومذهب العلماء كافة، إِلَّا ما حكاه القاضي وغيره عن الحسن البَصْرِي: أنَّه استحب كونهما بعد صلاة فرض، قال: لأنه روي أن هاتين الركعتين كانتا صلاة الصبح، والصواب ما قاله الجمهور، وهو ظاهر الحديث.
(٢) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٣٤٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب ما جاء في حج النبي -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٣٢) - وابن ماجه في سننه - كتاب المناسك - باب الإحرام - رقم الحديث (٢٩١٧) وإسناده صحيح.
(٣) قلت: لم يثبت أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- اعتمر أو حج ماشيًا. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي البداية والنهاية (٥/ ١٢٠): ولم يعتمر النبي -ﷺ- في شيء من عمره ماشيًا لا في الحديبية، ولا في القضاء، ولا في الجعرانة، ولا في حجة الوداع، وأما ما رواه البزار في مسنده عن أبي سعيد قال: حج النبي -ﷺ- وأصحابه مشاة من المدينة إلى مكة، قد ربطوا أوساطهم، ومشيهم خلط الهرولة. فهذا حديث منكر ضعيف الإسناد شاذ لا يثبت.
(٤) أخرج ذلك الإِمام البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب من أهلَّ حين استوت به راحلته قائمة - رقم الحديث (١٥٥٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب من أمر أهل المدينة بالإحرام. . - رقم الحديث (١١٨٦) (٢٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٥٨).
(٥) استقلت: أي قامت. انظر النهاية (٤/ ٩١). وفي رواية أخرى: استوت.
[ ٤ / ٤٧٤ ]
الْبَيْدَاءِ (١) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ! حَجَّةٌ لَا رِيَاءَ فِيهَا وَلَا سُمْعَةً" (٢).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَاكِبًا عَلَى رَحْلٍ رَثٍّ (٣)، وَقَطِيفَةٍ تُسَاوِي أَوْ لَا تُسَاوِي أَرْبَعَةَ دَرَاهِمٍ (٤).
_________________
(١) الْبَيْدَاءُ: أي الأرض، وليس المقصود بالبيداء هنا المكان المعروف بين مكة والمدينة. انظر البداية والنهاية (٥/ ١٢٦). وأخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأُزر - رقم الحديث (١٥٤٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - وباب تقليد الهدي وإشعاره عند الإحرام - رقم الحديث (١٢٤٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٥٨).
(٢) أخرج ذلك ابن ماجه في سننه - كتاب المناسك - باب الحج على الرحل - رقم الحديث (٢٨٩٠) - والترمذي فِي الشمائل - باب ما جاء فِي تواضع الرسول -ﷺ- رقم الحديث (٣٤١) - وأورده الحافظ في الفتح (٤/ ١٥٦) - والحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ١١٩) وضعفا إسناده -لكن للحديث شواهد كثيرة أوردها الألباني رحمه اللَّه تعالى في السلسلة الصحيحة- رقم الحديث (٢٦١٧) - وختم كلامه بقوله: وجملة القول أن الحديث صحيح بهذه الطرق.
(٣) رَثٌّ: أي خَلِق بالي. انظر النهاية (٢/ ١٧٩).
(٤) أخرج ذلك ابن ماجه في سننه - كتاب المناسك - باب الحج على الرحل - رقم الحديث (٢٨٩٠) - والترمذي في الشمائل - باب ما جاء في تواضع رَسُول اللَّهِ -ﷺ- رقم الحديث (٣٤١) - وأورده الحافظ في الفتح (٤/ ١٥٦) - والحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ١١٩) وضعفا إسناده - لكن للحديث شواهد كثيرة أوردها الألباني رحمه اللَّه تعالى في السلسلة الصحيحة - رقم الحديث (٢٦١٧) - وختم كلامه بقوله: وجملة القول أن الحديث صحيح بهذه الطرق. قلت: علقه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب الحج على الرحل - رقم الحديث (١٥١٧) عن ثمامة بن عبد اللَّه بن أنس قال: حج أنس على رَحل، ولم يكن شحيحًا، وحَدّث أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- حج على رحل، وكانت زاملته. =
[ ٤ / ٤٧٥ ]
* تَلْبِيَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
ثُمَّ لَبَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "لبَّيْكَ اللَّهُمَّ لبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ" (١).
"لبَّيْكَ: إِلَهَ الْحَقِّ لبَّيْكَ" (٢).
وَالنَّاسُ مَعَهُ -ﷺ- يزِيدُونَ فِي التَّلْبِيَةِ، وَيَنْقُصُونَ، وَهُوَ -ﷺ- يُقِرُّهُمْ، وَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِمْ.
قَالَ جَابِرٌ -﵁-: وَلَبَّى النَّاسُ، وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ: ذَا الْمَعَارجِ، وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَلَامِ، وَالنَّبِيُّ -ﷺ- يَسْمَعُ، فَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ شَيْئًا (٣).
_________________
(١) = ووصله الحافظ البيهقي في سننه كما قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي البداية والنهاية (٥/ ١١٩). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ١٥٦): الزاملة: البعير الذي يحمل عليه الطعام والمتاع، من الزمل وهو الحمل، والمراد أنه -ﷺ- لم تكن معه زاملة تحمل طعامه ومتاعه، بل كان ذلك محمولًا معه على راحلته، وكانت هي الراحلة والزاملة.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب التلبية - رقم الحديث (١٥٤٩) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب التلبية وصفتها ووقتها - رقم الحديث (١١٨٤) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب الإحرام - رقم الحديث (٣٧٩٩).
(٣) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨٤٩٧) - وابن ماجه في سننه - كتاب الحج - باب التلبية - رقم الحديث (٢٩٢٠) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب الإحرام - رقم الحديث (٣٨٠٠) وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٤) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٤٤٠) - وإسناده صحيح على شرط مسلم. وأما ما رواه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٧٥) عن سعد بن أبي وقاص -﵁- أنه سمع رجلًا يقول: لبيك ذا المعارج. =
[ ٤ / ٤٧٦ ]
وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- جِبْرِيلُ ﵇، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْمُرَ أَصْحَابَهُ ﵃ بِرَفْعِ أَصْوَاتِهِمْ بِالتَّلْبِيَةِ، فَإِنَّهَا مِنْ شِعَارِ الْحَجِّ (١).
قَالَ الْمُطَّلِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ بِالتَّلْبِيَةِ حَتَّى تُبَحَّ أَصْوَاتُهُمْ (٢).
وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: أَيُّ الْحَجِّ أَفْضَلُ؟ قَالَ: "الْعَجُّ (٣) وَالثَّجُّ (٤) ".
* وِلَادَةُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-:
وَفِي ذِي الْحُلَيْفَةِ وَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ (٥) ﵂
_________________
(١) = فقال سعد -﵁-: إنه لذو المعارج، ولكنا كنا مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لا نقول ذلك. فسنده ضعيف لانقطاعه، وهو مخالف لحديث جابر -﵁- الصحيح.
(٢) أخرج ذلك الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٧٨٢) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب الإحرام - رقم الحديث (٣٨٠٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٥٥٦) - وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه ابن أبي شيبة فِي مصنَّفه - رقم الحديث (١٥٢٨٨) - وأورده الحافظ في الفتح (٤/ ١٩١) وصحح إسناده.
(٤) الْعَجُّ: بفتح العين، رفع الصوت بالتلبية. انظر النهاية (٣/ ١٦٧).
(٥) الثَّجُّ: بفتح الثاء: سيلان دماء الهدي والأضاحي. انظر النهاية (١/ ٢٠٢). والحديث أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٧٨٩) - وابن ماجه في سننه - كتاب المناسك - باب رفع الصوت بالتلبية - رقم الحديث (٢٩٢٤) - والحاكم فِي المستدرك - كتاب المناسك - باب أي العمل أفضل؟ - رقم الحديث (١٦٩٧).
(٦) أسماء بنت عميس ﵂، كانت زوجة جعفر بن أبي طالب -﵁-، فلما قُتِل عنها يوم مؤتة، تزوجها أبو بكر الصديق -﵁- فلما مات عنها أبو بكر -﵁-، تزوجها علي بن أبي طالب -﵁-.
[ ٤ / ٤٧٧ ]
زَوْجُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ -﵁-، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَابْنُ مَاجَه عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- أَنَّهُ خَرَجَ حَاجًّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَجَّةَ الْوَدَاعِ، وَمَعَهُ امْرَأَتَهُ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ، فَلَمَّا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ (١)، وَلَدَتْ أَسْمَاءُ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، فَأَتَى أَبُو بَكْرٍ النَّبِيَّ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -﵁- أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، وَتَسْتَثْفِرَ (٢) بِثَوْبٍ، ثُمَّ تُهِلَّ بِالْحَجِّ، وَتَصْنَعَ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ، إِلَّا أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ (٣).
قَالَ ابْنُ القيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي قِصَّتِهَا ثَلَاثُ سُنَنٍ:
إِحْدَاهُمَا: غُسْلُ الْمُحْرِمِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ الْحَائِضَ تَغْتَسِلُ لِإِحْرَامِهَا.
وَالثَّالِثَةُ: أَنَّ الْإِحْرَامَ يَصِحُّ مِنَ الْحَائِضِ (٤).
_________________
(١) في رواية أخرى في صحيح مسلم: أنها ولدت بالشجرة. وفي رواية النسائي في السنن الكبرى: أنها ولدت بالبيداء. قال النووي في شرح مسلم (٨/ ١٠٨): وهذه المواضع الثلاثة متقاربة، فالشجرة بذي الحليفة، وأما البيداء فهي بطرف ذي الحليفة.
(٢) تَسْتَثْفِرُ: هو أن تشد فرجها بخرقة عريضة بعد أن تحتشي قُطنًا، وتوثق طرفيها فِي شيء تشده على وسطها، فتمنع بذلك سيل الدم. انظر النهاية (١/ ٢٠٩).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب إحرام النفساء - رقم الحديث (١٢٠٩) (١٢١٠) - وابن ماجه في سننه - كتاب المناسك - باب النفساء والحائض تهل بالحج - رقم الحديث (٢٩١١) (٢٩١٢) (٢٩١٣) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب المناسك - باب الغسل للإهلال - رقم الحديث (٣٦٢٩) (٣٦٣٠).
(٤) انظر زاد المعاد (٢/ ١٥٠).
[ ٤ / ٤٧٨ ]
* مَسِيرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى مَكَّةَ وَأَحْدَاثٌ جَرَتْ فِي الطَّرِيقِ:
مَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي طَرِيقِهِ إِلَى مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى، وَفِي الطَّرِيقِ حَدَثَتْ بَعْضُ الْأَحْدَاثِ، مِنْ ذَلِكَ:
* شَأْنُ الْمَاشِي عَلَى قَدَمَيْهِ:
روَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ -وَاللَّفْظُ لِابْنِ حِبَّانَ- عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: رَأَى النَّبِيُّ -ﷺ- رَجُلًا (١) يُهَادَى (٢) بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا لَهُ؟ ".
قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ مَشْي هَذَا، فَلْيَرْكَبْ" (٣)
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَإِنَّمَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْوَفَاءِ بِالنَّذْرِ إِمَّا لِأَنَّ الْحَجَّ رَاكِبًا أَفْضَلُ مِنَ الْحَجِّ مَاشِيًا، فنَذْرُ الْمَشْي يَقْتَضِي الْتِزَامَ تَرْكِ الْأَفْضَلِ، فَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، أَوْ لِكَوْنِهِ عَجَزَ عَنِ الْوَفَاءِ بِنَذْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ (٤).
_________________
(١) في رواية الإِمام البخاري: شيخًا.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٥٦١): يُهادى: بضم الياء من المهاداة، وهو أن يمشي معتمدًا على غيره.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب جزاء الصيد - باب من نذر المشي إلى الكعبة - رقم الحديث (١٨٦٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب النذر - باب من نذر أن يمشي إلى الكعبة - رقم الحديث (١٦٤٢) - وابن حبان في صحيحه - كتاب النذور - باب ذكر إباحة ركوب الناذر المشي إلى بيت اللَّه الحرام - رقم الحديث (٤٣٨٣).
(٤) انظر فتح الباري (٤/ ٥٦٢).
[ ٤ / ٤٧٩ ]
* هَلْ لِلصَّبِيِّ حَجٌّ أَمْ لَا؟:
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّ بِامْرَأَةٍ، فَقِيلَ لَهَا: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ، فَأَخَذَتْ بِعَضُدِ صَبِيٍّ كَانَ مَعَهَا، فَقَالَتْ: أَلِهَذَا حَجٌّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ، وَلَكِ أَجْرٌ" (١).
قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ حُجَّةٌ لِلشَافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ حَجَّ الصَّبِيِّ مُنْعَقِدٌ صَحِيحٌ يُثَابُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُجْزِيهِ عَنْ حَجَّةِ الْإِسْلَامِ، بَلْ يَقَعُ تَطَوُّعًا، وَهَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِيهِ (٢).
* شَأْنُ الْحِمَارِ الْوَحْشِيِّ:
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عُمَيْرِ بْنِ سَلَمَةَ الضَّمْرِيِّ -﵁- قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ يُرِيدُ مَكَّةَ، حَتَّى إِذَا كَانَ بِالرَّوْحَاءِ (٣)، إِذَا حِمَارٌ وَحْشِيٌّ عَقِيرٌ (٤)، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "دَعُوهُ، فَإِنَّهُ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ صَاحِبُهُ"، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَهْرٍ، وهو صاحبه، إِلَى رسول اللَّه -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، شَأْنُكُمْ بِهَذَا الْحِمَارِ، فَأَمَرَ
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب صحة حج الصبي - رقم الحديث (١٣٣٦) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب الإحرام - رقم الحديث (٣٧٩٧).
(٢) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٩/ ٨٤).
(٣) الرَّوْحَاء: موضع بينه وبين المدينة ستة وثلاثين ميلًا. انظر جامع الأصول (٩/ ٣٧٩).
(٤) عقير: أي منحور، لكنه لم يمت. انظر النهاية (٣/ ٢٤٦).
[ ٤ / ٤٨٠ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- فَقَسَمَهُ بَيْنَ الرِّفَاقِ، ثُمَّ مَضَى حَتَّى إِذَا كَانَ بِالْأُثَايَةِ بَيْنَ الرُّوَيْثَةِ وَالْعَرْجِ (١)، إِذَا ظَبْيٌ حَاقِفٌ (٢) فِي ظِلٍّ، وَفِيهِ سَهْمٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ يَقِفُ عِنْدَهُ لَا يَرِيبُهُ (٣) أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ حَتَّى يُجَاوِزَهُ (٤).
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْمُحْرِمِ مِنْ صَيْدِ الْحَلَالِ إِذَا لَمْ يَصِدْهُ لِأَجْلِهِ، وَأَمَّا كَوْنُ صَاحِبِهِ لَمْ يُحْرِمْ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَمُرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَهُوَ كَأَبِي قَتَادَةَ -﵁- فِي قِصَّتِهِ (٥).
وَالْفَرْقُ بَيْنَ قِصَّةِ الظَّبْي، وَقِصَّةِ الْحِمَارِ، أَنَّ الذِي صَادَ الْحِمَارَ كَانَ حَلَالًا، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَكْلِهِ، وَهَذَا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّهُ حَلَالٌ، وَهُمْ مُحْرِمُونَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ فِي أَكْلِهِ، وَوَكَّلَ مَنْ يَقِفُ عِنْدَهُ، لِئَلَّا يَأْخُذَهُ أَحَدٌ حَتَّى يُجَاوِزُوهُ (٦).
* الْمُحْرمُ يُؤَدَّبُ غُلَامَهُ:
ثُمَّ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى إِذَا نَزَلَ بِالْعَرْجِ (٧)، وَكَانَتْ زِمَالَتُهُ (٨) وَزِمَالَةُ
_________________
(١) الْأُثَايَةُ والرُّوَيْثَةُ والْعَرْجُ: كلها مواضع بين مكة والمدينة. انظر النهاية (٣/ ١٨٤).
(٢) حَاقِفٌ: أي نائم قد انحنى فِي نومه. انظر النهاية (١/ ٣٩٦).
(٣) لا يريبه: أي لا يتعرض له ويزعجه. انظر النهاية (٢/ ٢٦٠).
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٤٥٠) (١٥٧٤٤) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الهبة - باب ذكر إباحة قبول المرء الهبة - رقم الحديث (٥١١١) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب الصيد - باب إباحة أكل لحوم الحمر الوحش - رقم الحديث (٤٨٣٧).
(٥) تقدمت قصة أبي قتادة -﵁- في عمرة الحديبية، فراجعها.
(٦) انظر زاد المعاد (٢/ ١٥١ - ١٥٢).
(٧) الْعَرْجُ بفتح العين وسكون الراء: قرية جامعة، على أيام من المدينة. انظر النهاية (٣/ ١٨٤).
(٨) قَالَ الحَافِظ فِي الفَتْحِ (٤/ ١٥٦): الزمالة: البعير الذي يُحمل عليه الطعام والمتاع.
[ ٤ / ٤٨١ ]
أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- وَاحِدَةً، وَكَانَتْ مَعَ غُلَامِ أَبِي بَكْرٍ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَعَائِشَةُ إِلَى جَنْبِهِ، وَجَلَسَ أَبُو بَكْرٍ وَأَسْمَاءُ ابْنَتُهُ إِلَى جَنْبِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ يَنْتَظِرُ غُلَامَهُ وَالزِّمَالَةَ، إِذْ طَلَعَ الْغُلَامُ لَيْسَ مَعَهُ الْبَعِيرُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: أَيْنَ بَعِيرُكَ؟
قَالَ: أَضْلَلْتُهُ الْبَارِحَةَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَعِيرٌ وَاحِدٌ تُضِلُّهُ، فَطَفِقَ (١) يَضْرِبُهُ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتَبَسَّمُ، وَيَقُولُ: "انْظُرُوا إِلَى هَذَا الْمُحْرِمِ مَا يَصْنَعُ؟ "، وَمَا يَزِيدُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ، وَيتَبَسَّمُ (٢).
* تَلْبِيَةُ الْأَنْبِيَاءِ ﵈:
فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَادِي عُسْفَانَ، قَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ! أَيُّ وَادٍ هَذَا؟ ". قَالَ: وَادِي عُسْفَانَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَقَدْ مَرَّ بِهِ هُودٌ وَصالِحٌ عَلَى بَكَرَاتٍ (٣) حُمْرٍ خُطُمُهَا (٤) اللِّيفُ، أُزُرُهُمُ الْعَبَاءُ، وَأَرْدِيَتُهُمُ النِّمَارُ (٥)، يُلَبُّونَ يَحُجُّونَ
_________________
(١) طَفِقَ: بمعنى أخذ وجعل. انظر النهاية (٣/ ١١٨).
(٢) أخرج ذلك ابن ماجه في سننه - كتاب المناسك - باب التوقي فِي الإحرام - رقم الحديث (٢٩٣٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٩١٦) - وأبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب المحرم يؤدب غلامه - رقم الحديث (١٨١٨) - وإسناده ضعيف - فيه ابن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن.
(٣) الْبَكْر: بفتح الباء: الفتي من الإبل، والأنثى بكرة. انظر النهاية (١/ ١٤٧).
(٤) خِطام البعير: بكسر الخاء، هو الحبل الذي يُقاد به البعير. انظر النهاية (٢/ ٤٩).
(٥) النِّمَار: هي شملة مخططة من مآزر الأعراب، كأنها أُخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض، واحدتها نَمِرة بفتح النُّون وكسر الميم. انظر النهاية (٥/ ١٠٣).
[ ٤ / ٤٨٢ ]
الْبَيْتَ الْعَتِيقَ" (١).
* هَدِيَّةُ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ (٢):
أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَرِيقَهُ إِلَى مَكَّةَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى الْأَبْوَاءِ (٣)، أَوْ وَدَّانَ (٤)، لَقِيَهُ الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ، فَأَهْدَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حِمَارًا وَحْشِيًّا، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِهِ مِنَ الْكَرَاهَةِ، قَالَ لَهُ: "إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ" (٥).
_________________
(١) أخرج هذا الحديث الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٦٧) - وإسناده ضعيف. قلت: قد ثبت أن الأنبياء حجوا البيت من ذلك: ما رواه مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٦٦) عن ابن عباس ﵄ قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: ". . . كأني انظر إِلَى موسى ﵇ هابطًا من الثنية، وله جُؤار -الجؤار: رفع الصوت بالتلبية-، إِلَى اللَّه بالتلبية، كأني انظر إِلَى يونس بن مَتَّى ﵇ على ناقة حمراء جعدة عليه جبة من صوف، خطام ناقته خُلْبة -بضم الخاء، هو الليف- وهو يُلبي".
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٥٠٣): الصعب: بفتح الصاد وسكون العين، وأبوه جثامة: بفتح الجيم وتشديد الثاء.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٥٠٤): الأبواء بفتح الهمزة وسكون الباء: جبل من عمل الفُرع بضم الفاء والراء، قيل: سمي الأبواء؛ لأن السيول تتبوؤه أي تحله.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٥٠٤): ودّان بفتح الواو وتشديد الدال، موضع بقرب الجحفة، وودان أقرب إِلَى الجحفة من الأبواء.
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب جزاء الصيد - باب إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًّا حيًا لم يقبل - رقم الحديث (١٨٢٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب تحريم الصيد للمحرم - رقم الحديث (١١٩٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٤٢٢).
[ ٤ / ٤٨٣ ]
قَالَ الْإِمَامُ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ الصَّيْدِ إِذَا كَانَ حَيًّا، وَإِنْ كَانَ مَيْتًا يَجُوزُ لَهُ قَبُولُ لَحْمِهِ (١).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي حَدِيثِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - أَنَّ الْحُكْمَ بِالْعَلَامَةِ لِقَوْلهِ: فَلَمَّا رَأَى مَا فِي وَجْهِي.
٢ - وَفِيهِ جَوَازُ رَدِّ الْهَدِيَّةِ لِعِلَّةٍ، وَتَرْجَمَ لَهُ الْمُصَنِّفُ -أَيْ الْبُخَارِيُّ- "مَنْ رَدَّ الْهَدِيَّةَ لِعِلَّةٍ".
٣ - وَفِيهِ الِاعْتِذَارُ عَنْ رَدِّ الْهَدِيَّةِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِ الْمُهْدِي.
٤ - وَفِيهِ أَنَّ الْهِبَةَ لَا تَدْخُلُ فِي الْمُلْكِ إِلَّا بَالْقَبُولِ، وَأَنَّ قُدْرَتَهُ عَلَى تَمَلُّكِهَا لَا تُصَيِّرُهُ مَالِكًا لَهَا.
٥ - وَفِيهِ أَنَّ عَلَى الْمُحْرِمِ أَنْ يُرْسِلَ مَا فِي يَدِهِ مِنَ الصَّيْدِ الْمُمْتَنِعِ عَلَيْهِ اصْطِيَادُهُ (٢).
* نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِسَرِفٍ (٣):
ثُمَّ وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى سَرِفٍ وَنَزَلَ بِهَا، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ مَعَهُ هَدْيٌ، فَأَحَبَّ أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً فَلْيَفْعَلْ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَا" (٤)،
_________________
(١) انظر شرح السنة (٧/ ٢٦١).
(٢) انظر فتح الباري (٤/ ٥٠٥).
(٣) سرف: بفتح السين وكسر الراء: موضع على عشرة أميال من مكة. انظر النهاية (٢/ ٣٢٦).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ. . .﴾ - رقم الحديث (١٥٦٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان =
[ ٤ / ٤٨٤ ]
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَاقَ مَعَهُ الْهَدْيَ - كَمَا ذَكَرْنَا -فَحَجَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَارِنًا (١).
وَفِي سَرِفٍ حَاضَتْ عَائِشَةُ ﵂، فِي الْيَوْمِ الذِي نَدَبَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ إِلَى فَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ.
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: . . . فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ يَا هَنَتَاهُ (٢)؟ ".
قَالَتْ: سَمِعْتُ قَوْلَكَ لِأَصْحَابِكَ فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَمَا شَأْنُكِ؟ ".
قَالَتْ: لَا أُصَلِّي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَلَا يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ، فكُونِي فِي حَجَّتِكِ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَرْزُقكِيهَا" (٣).
_________________
(١) = وجوه الإحرام. . . - رقم الحديث (١٢١١) (١٢٣).
(٢) هذا الذي رجحه الحافظ في الفتح (٤/ ٢١٥)، ورد على كل الروايات التي تذكر أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- حج متمتعًا أو مفردًا. وكذلك ابن القيم فِي زاد المعاد (٢/ ١٠٢) ساق بضعًا وعشرين دليلًا على أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- حج قارنًا.
(٣) يَا هَنَتَاهُ: بفتح الهاء والنون وقد تُسكَّن النُّون: أي يَا هذه. انظر النهاية (٥/ ٢٤١).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ. . .﴾ - رقم الحديث (١٥٦٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان وجوه الإحرام - رقم الحديث (١٢١١) (١٢٠).
[ ٤ / ٤٨٥ ]
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَلَمَّا جِئْنَا سَرِفَ طَمِثْتُ (١)، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا أَبْكِي، فَقَالَ: "مَا يُبْكِيكِ؟ ".
قَالَتْ: لَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ الْعَامَ، أَوْ أَخْرُجِ الْعَامَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَعَلَّكِ نَفِسْتِ" (٢).
قَالَتْ: نَعَمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَذَا شَيْءٌ كَتبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي" (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "انْقُضِي رَأْسَكَ وَامْتَشِطِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ، وَدَعِي الْعُمْرَةَ"، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَفَعَلْتُ (٤).
* مَبِيتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِذِي طُوًى (٥) وَدُخُولُهُ مَكَّةَ:
أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَرِيقَهُ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى نَزَلَ بِذِي طُوًى، فَلَمَّا وَصَلَ
_________________
(١) طَمِثَتِ المرأة: أي حاضت. انظر النهاية (٣/ ١٢٥).
(٢) نَفِسْتَ: أي حاضت. انظر النهاية (٥/ ٨٢).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحيض - باب تقضي الحائض المناسك كلها إِلَّا الطواف بالبيت - رقم الحديث (٣٠٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان وجوه الإحرام - رقم الحديث (١٢١١) (١٢٠) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٤٢٩).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب كيف تُهل الحائض والنفساء؟ - رقم الحديث (١٥٥٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان وجوه الإحرام - رقم الحديث (١٢١١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٤٤١).
(٥) طُوَى: بفحم الطاء وفتح الواو المخففة، موضع عند باب مكة. انظر النهاية (٣/ ١٣٣).
[ ٤ / ٤٨٦ ]
إِلَى ذِي طُوًى قَطَعَ التَّلْبِيَةَ، وَبَاتَ بِهَا لَيْلَةَ الْأَحَدِ لِأَرْبَعِ لَيَالٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، ثُمَّ أَصْبَحَ فَاغْتَسَلَ وَصَلَّى بِهَا الفجْرَ، ثُمَّ نَهَضَ إِلَى مَكَّةَ نَهَارًا مِنْ أَعْلَاهَا مِنْ كَدَاءَ (١) مِنَ الثَّنِيَّةِ الْعُلْيَا التِي بِالْبَطْحَاءِ صَبِيحَةَ يَوْمِ الْأَحَدِ، وَنَزَلَ بِالْمُسْلِمِينَ بِظَاهِرِ مَكَّةَ عِنْدَ الْحَجُونِ (٢).
* دُخُولُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَطَوَافُهُ بِالْبَيْتِ:
ثُمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ضُحًى، فَدَخَلَهُ مِنْ بَابِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَهُوَ بَابُ بَنِي شَيْبَةَ، الْمَعْرُوفُ الْآنَ بِبَابِ السَّلَامِ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْبَيْتَ كَبَّرَ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، فَحَيِّنَا رَبَّنَا بِالسَّلَامِ، اللَّهُمَّ زِدْ هَذَا الْبَيْتَ تَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابَةً، وَزِدْ مَنْ حَجَّهُ أَوِ اعْتَمَرَهُ تَكْرِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَعْظِيمًا" (٣).
_________________
(١) كَدَاء: بفتح الكاف. انظر النهاية (٤/ ١٣٦).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ١٨٩): الحَجُون: بفتح الحاء وضم الجيم هو الجبل المطل على المسجد الحرام، وهناك مقبرة أهل مكة. وانظر أَيضًا النهاية (١/ ٣٣٥). وأخرج ذلك كله: البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب ما يلبس المحرم من الثياب والأَرْدية والأُزُر - رقم الحديث (١٥٤٥) - وباب دخول مكة نهارًا أو ليلًا - رقم الحديث (١٥٧٤) - وباب من أين يخرج من مكة - رقم الحديث (١٥٧٦) (١٥٧٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا - رقم الحديث (١٢٥٨) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٦٢٥) (٢٤١٢١) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب المناسك - باب الوقت الذي وافى فيه النبي -ﷺ- مكة - رقم الحديث (٣٨٤١) - وابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (١٧٢٥) (١٧٢٦) (١٧٢٧).
(٣) أخرج ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه - رقم الحديث (١٥٩٩٩) - وإسناده ضعيف. =
[ ٤ / ٤٨٧ ]
ثُمَّ بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَاسْتَلَمَهُ (١) وَقَبَّلَهُ، وَفَاضَتْ عَيْنَاهُ بِالْبُكَاءِ (٢).
رَوَى ابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْحَجَرَ وَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- يَبْكِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا عُمَرُ هَاهُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ" (٣).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁-، أَنَّهُ جَاءَ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَقَبَّلَهُ، فَقَالَ: إِنِّي أَعْلَمُ أَنَّكَ حَجَرٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، وَلَوْلَا أَنِّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُقَبِّلُكَ مَا قَبَّلْتُكَ (٤).
_________________
(١) = وأخرج البيهقي في السنن (٥/ ٧٣) بسند حسن أن عمر بن الخطاب -﵁- كان يقول إذا رأى البيت: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، فحيّنا ربنا بالسلام.
(٢) معنى الاستلام: التمسح بالسَلِمة، بفتح السين وكسر اللام، وهي الحجارة، وقيل: هو افتعال من السلام: التحية. انظر النهاية (٢/ ٣٥٦) - وجامع الأصول (٣/ ١٦٨).
(٣) أورد ذلك الحافظ ابن كثير فِي البداية والنهاية (٥/ ١٦٧) - وعزاه إلى البيهقي في السنن الكبرى، وجود إسناده.
(٤) العبرات: الدموع. انظر لسان العرب (٩/ ١٨). والحديث أخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب المناسك - باب استلام الحجر - رقم الحديث (٢٩٤٥) - والحاكم في المستدرك - كتاب المناسك - باب استلام الحجر وتقبيله - رقم الحديث (١٧١٣).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب ما ذكر في الحجر الأسود - رقم الحديث (١٥٩٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب تقبيل الحجر =
[ ٤ / ٤٨٨ ]
ثُمَّ طَافَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْبَيْتِ مَاشِيًا (١)، فَرَمَلَ (٢) ثَلَاثًا، وَمَشَى أَرْبَعًا، يَسْتَلِمُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ وَالرُّكْنَ الْيَمَانِي فِي كُلِّ طَوَافِهِ (٣)، وَقَدِ اضْطَبَعَ (٤) بِرِدَائِهِ فَجَعَلَ طَرَفَيْهِ عَلَى أَحَدِ كَتِفَيْهِ، وَأَبْدَى كَتِفَهُ الْأَخْرَى، وَمَنْكِبَهُ، وَكَانَ كُلَّمَا حَاذَى (٥) الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ اسْتَلَمَهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ قبَّلَهَا وَكَبَّرَ، أَوِ اسْتَلَمَهُ بِمِحْجَنِهِ (٦)
_________________
(١) = الأسود في الطواف - رقم الحديث (١٢٧٠) (٢٥١) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب دخول مكة - رقم الحديث (٣٨٢٢).
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي البداية والنهاية (٥/ ١٦٧): فأما الأول، وهو طواف القدوم، فكان ماشيًا فيه -ﷺ-، وقد نص الشافعي على هذا كله، والدليل على ذلك ما رواه البيهقي في السنن الكبرى بسند جيد عن جابر بن عبد اللَّه ﵄ قال: دخلنا مكة عند ارتفاع الضحى، فأتى النبي -ﷺ- باب المسجد فأناخ راحلته، ثم دخل المسجد، فبدأ بالحجر فاستلمه، وفاضت عيناه بالبكاء، ثم رمل ثلاثًا، ومشى أربعًا حَتَّى فرغ.
(٣) الرَمَل: بفتح الراء والميم، هو المشي السريع مع هز المنكبين. انظر النهاية (٢/ ٢٤١).
(٤) قال ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي زاد المعاد (٢/ ٢٠٨): ولم يَدْعُ النبي -ﷺ- عند الباب -أي باب الكعبة- بدعاء، ولا تحت الميزاب، ولا عند ظهر الكعبة وأركانها، ولا وَقّت للطواف ذكرًا معينًا، لا بفعله، ولا بتعليمه، بل حُفِظَ عنه بين الركنين قوله: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار". أخرج هذا الدعاء ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٣٨٢٦) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٣٩٨) - وإسناده حسن.
(٥) الِاضْطِبَاع: هو أن يأخذ الإزار أو البُرْد، فيجعل وسطه تحت إبطه الأيمن، ويلقي طرفيه على كتفه الأيسر من جهتي صدره وظهره، وسمي بذلك لإبداء الضبعين. انظر النهاية (٣/ ٦٨).
(٦) الحِذاء: الإزاء والمقابل. انظر لسان العرب (٣/ ٩٨).
(٧) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٢٧٣): الْمِحْجَن: بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الجيم، هو عصا محنية الرأس، والحجن الاعوجاج.
[ ٤ / ٤٨٩ ]
وَقَبَّلَ الْمِحْجَنَ وَكَبَّرَ إِذَا ازْدَحَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ (١)، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدْعُو بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ -أَي الْأَسْوَدِ وَالْيَمَانِي- فَيَقُولُ: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ (٢).
وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَبَّلَ الرُّكْنَ الْيَمَانِي، أَوْ قَبَّلَ يَدَهُ عِنْدَ اسْتِلَامِهِ (٣).
فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ طَوَافِهِ، جَاءَ إِلَى خَلْفِ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ (٤)، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَالْمَقَامُ بَيْنَهُ
_________________
(١) أخرج ذلك كله: البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب الرمل في الحج والعمرة - رقم الحديث (١٦٠٤) - وباب تقبيل الحجر - رقم الحديث (١٦١١) - وباب من ساق البدن معه - رقم الحديث (١٦٩١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - وباب استحباب الرمل في الطواف والعمرة - رقم الحديث (١٢٦١) (١٢٦٢) - وباب استحباب استلام الركنين اليمانيين في الطواف - رقم الحديث (١٢٦٧) - وباب وجوب الدم على المتمتع - رقم الحديث (١٢٢٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب دخول مكة - رقم الحديث (٣٨١٠).
(٢) تقدم تخريج هذا الحديث قبل قليل.
(٣) روى الإِمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (١٦٠٩) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٢٦٧) - عن ابن عمر ﵄ قال: لم أر رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يستلم من البيت إلا الركنين اليمانيين. قال الإِمام النووي في شرح مسلم (٩/ ١٢): الركنان اليمانيان: هما الركن الأسود، والركن اليماني.
(٤) سورة البقرة آية (١٢٥).
[ ٤ / ٤٩٠ ]
وَبَيْنَ الْبَيْتِ، قَرَأَ فِيهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ بِـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ صَلَاتِهِ، عَادَ إِلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَاسْتَلَمَهُ (١).
* سَعْيُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ:
ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الصَّفَا مِنَ الْبَابِ الذِي يُقَابِلُ الْحَجَرَ الْأَسْوَدَ، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٢)، ثُمَّ قَالَ: "أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ"، فَبَدَأَ بِالصَّفَا فَرَقَى عَلَيْهِ حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّه وَكَبّرَهُ، وَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٍ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ"، ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ ذَلِكَ، فَقَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ يَمْشِي إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ (٣) قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي رَمَلَ (٤)، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: "لَا يُقْطَعُ الْوَادِي إِلَّا شَدًّا (٥) "، وَقَالَ أَيْضًا رَسُولُ اللَّهِ
_________________
(١) أخرج ذلك كله: الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٧٧٣) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب وصف حجة المصطفى -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٤٣).
(٢) سورة البقرة آية (١٥٩).
(٣) انْصَبَّت: أي انحدرت في المسعى. انظر النهاية (٣/ ٤).
(٤) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي البداية والنهاية (٥/ ١٦٩): وهذا هو الذي يستحبه العلماء قاطبة أن الساعي بين الصفا والمروة يستحب له أن يرمل في بطن الوادي في كل طوافه، في بطن المسيل الذي بينهما، وحددوا ذلك بما بين الأميال الخضر.
(٥) شدًا: عدوًا. انظر جامع الأصول (٣/ ١٨٩). =
[ ٤ / ٤٩١ ]
-ﷺ-: "اسْعَوْا، فَإِنَّ اللَّه كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ" (١)، حَتَّى إِذَا جَاوَزَ الْوَادِي، وَصَعَدَ الْمَرْوَةَ مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ، فَرَقَى عَلَيْهَا حَتَّى نَظَرَ إِلَى الْبَيْتِ، فَقَالَ عَلَيْهَا كَمَا قَالَ عَلَى الصَّفَا (٢).
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنْ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي تَجْرَأَةَ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ، وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ وَرَاءَهُمْ، وَهُوَ يَسْعَى حَتَّى أَرَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْي، يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ (٣).
_________________
(١) = وأخرج هذا اللفظ: الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٢٨١) - وابن ماجه في سننه - كتاب المناسك - باب السعي بين الصفا والمروة - رقم الحديث (٢٩٨٧) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب المناسك - باب السعي بين الصفا والمروة - رقم الحديث (٣٩٦٠) - وإسناده حسن.
(٢) أخرج هذا اللفظ: الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٣٦٨) - والبغوي في شرح السنة - رقم الحديث (١٩٢١) - وإسناده حسن- وأورده الحافظ في الفتح (٤/ ٣٠٦) وقوى إسناده. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي البداية والنهاية (٥/ ١٦٩): المراد بالسعي هاهنا هو الذهاب من الصفا إلى المروة، ومنها إليها، وليس المراد بالسعي هاهنا الهرولة والإسراع، فإن اللَّه لم يكتبه علينا حتمًا، بل لو مشى الإنسان على هينة في السبع الطوافات بينهما، ولم يرمل في المسيل أجزأه ذلك عند جماعة العلماء، لا نعرف بينهم اختلافًا في ذلك.
(٣) أخرج ذلك كله: الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب وصف حجة المصطفى -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٤٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٤٤٠) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٧٧٣).
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٣٦٨) - والبغوي في شرح السنة - رقم الحديث (١٩٢١).
[ ٤ / ٤٩٢ ]
وَهَذَا كُلُّهُ يَقْتَضِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَاشِيًا، لَكِنْ رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: طَافَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِالْبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. . . (١).
وَرَوَى الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمَّارٍ -﵁- قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى بَعِيرٍ لَا ضَرْبَ، وَلَا طَرْدَ (٢)، وَلَا إِلَيْكَ (٣) إِلَيْكَ (٤).
وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: . . . أَخْبِرْنِي عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رَاكِبًا، أَسُنَّةٌ هُوَ؟، فَإِنَّ قَوْمَكَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُ سُنَّةٌ.
فَقَالَ -﵁-: صَدَقُوا وَكَذَبُوا، فَقَالَ أَبُو الطُّفَيْلِ: وَمَا قَوْلُكَ: صَدَقُوا وَكَذَبُوا؟ .
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب جواز الطواف على بعير وغيره - رقم الحديث (١٢٧٣).
(٢) قال الطيبي في شرح الحديث كما في شرح السنة (٧/ ١٤٢): معناه: ما كانوا يضربون الناس ولا يطردونهم، ولا يقولون: تنحوا عن الطريق، كما هو عادة الملوك والجبابرة، والمقصود التعريض بالذين كانوا يعملون ذلك.
(٣) معنى إليك إليك: أي تنح.
(٤) أخرجه البغوي في شرح السنة - رقم الحديث (١٩٢٢).
[ ٤ / ٤٩٣ ]
قَالَ -﵁-: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَثُرَ عَلَيْهِ النَّاسُ يَقُولُونَ: هَذَا مُحَمَّدٌ، هَذَا مُحَمَّد، حَتَّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ (١) مِنَ الْبُيُوتِ، قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يُضْرَبُ النَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَلَمَّا كَثُرَ عَلَيْهِ رَكِبَ، وَالْمَشْيُ وَالسَّعْيُ أَفْضَلُ (٢).
* أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ:
فَلَمَّا أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَوَافَهُ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، وَكَانَ عَلَى الْمَرْوةِ، أَمَرَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ مِنْ أَصْحَابِهِ قَارِنًا كَانَ أَوْ مُفْرِدًا، أَنْ يَجْعَلَهَا عُمْرَةً، وَيَتَحَلَّلَ مِنْ إِحْرَامِهِ، فَقَالُوا: كَيْفَ نَجْعَلُهَا مُتْعَةً، وَقَدْ سَمَّيْنَا الْحَجَّ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "افْعَلُوا مَا آمُرُكُمْ بِهِ" (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالُوا: أَيُّ الْحِلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الْحِلُّ كُلُّهُ".
فَضَاقَتْ بِذَلِكَ صُدُورِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَكَبُرَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَرُوحُ أَحَدُنَا إِلَى مِنًى وَذَكَرُهُ يَقْطُرُ مَنِيًّا؟ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ" (٤).
_________________
(١) العواتق: جمع عاتقة، وهي الشابة أول ما تدرك. انظر النهاية (٣/ ١٦٢).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة - رقم الحديث (١٢٦٤) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٢٨٢٠).
(٣) أخرج ذلك الإِمام البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب التمتع والإقران والإفراد بالحج - رقم الحديث (١٥٦٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان وجوه الإحرام - رقم الحديث (١٢١٦) (١٤٣).
(٤) أخرج ذلك كله: البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب التمتع والإقران والإفراد - =
[ ٤ / ٤٩٤ ]
ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى عَائِشَةَ ﵂، وَهُوَ غَضْبَانُ، فَقَالَتْ: مَنْ أَغْضَبَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَدْخَلَهُ اللَّهُ النَّارَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَوَ مَا شَعَرْتِ أَنِّي أَمَرْتُ النَّاسَ بِأَمْرٍ، فَإِذَا هُمْ يَتَرَدَّدُونَ". (١)
* لِمَاذَا اسْتَنْكَرَ الصَّحَابَةُ ﵃ فَسْخَ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ:
وَكَانَ سَبَبُ إِنْكَارِ الصَّحَابَةِ ﵃ هَذَا الْأَمْرَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ (٢)، فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُبْطِلَ مَا كَانَتْ تَزْعُمُهُ الْجَاهِلِيَّةُ، وَلذَلِكَ شَدَّدَ عَلَيْهِمْ، وَغَضِبَ لَمَّا تَلَكَّأَ الصَّحَابَةُ ﵃ عَنِ امْتِثَالِ أَمْرِهِ
_________________
(١) = رقم الحديث (١٥٦٤) - وكتاب الشركة - باب الاشتراك فى الهدي والبُدن - رقم الحديث (٢٥٠٥) - والإمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان وجوه الإحرام - رقم الحديث (١٢١٣) (١٣٨) (١٢١٦) (١٤١) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٣٠٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٨٢٢) (١٤٢٣٨) (١٥٢٤٤).
(٢) أخرج ذلك الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان وجوه الإحرام - رقم الحديث (١٢١١) (١٣٠) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب ما جاء في حج النبي -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٤١) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٦٤٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٤٢٥).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب التمتع والإقران والإفراد - رقم الحديث (١٥٦٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب جواز العمرة في أشهر الحج - رقم الحديث (١٢٤٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٧٤).
[ ٤ / ٤٩٥ ]
-ﷺ-، فَشَدَّدَ عَلَيْهِمْ لِإِزَالَةِ التَّحَرُّجِ مِنْ نُفُوسِهِمْ عَنْ فِعْلٍ مَشْرُوعٍ.
* خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي أَصْحَابِهِ:
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلنَّاسِ: "قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ للَّهِ، وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، فَحِلُّوا" (١).
فَسَمِعُوا وَأَطَاعُوا ﵃، وَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ، إِلَّا الرَّسُولُ -ﷺ-، وَأَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ وَطَلْحَةُ، وَالزُّبَيْرُ ﵃، وَذَوُو الْيَسَارَةِ، وَحَلَّ نِسَاؤُهُ -ﷺ- بِعُمْرَةٍ إِلَّا عَائِشَةُ ﵂، لَمْ تَحِلَّ مِنْ أَجْلِ حَيْضتِهَا (٢).
قَالَ جَابِرٌ -﵁-: فَأَتَيْنَا النِّسَاءَ، وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ، وَمَسَسْنَا الطِّيبَ (٣).
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب تقضي الحائض المناسك كلَّها. . رقم الحديث (١٦٥١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان وجوه الإحرام - رقم الحديث (١٢١٦) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٤٠٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب الإحرام - رقم الحديث (٣٧٩١) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٣٠٠).
(٢) أخرج ذلك مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان وجوه الإحرام - رقم الحديث (١٢١١) (١٢٠) (١٢١) - وباب في متعة الحج - رقم الحديث (١٢٣٩) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٤٢٩).
(٣) أخرج ذلك مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان وجوه الإحرام - رقم الحديث (١٢١٣) (١٣٨) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٢٣٨).
[ ٤ / ٤٩٦ ]
* دُخُولُ الْعُمْرَةِ فِي الحَجِّ:
وَهُنَاكَ سَأَلَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ الْجُعْشُمِيُّ -﵁- عُقِيبَ أَمْرِهِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عُمْرتُنَا هَذِهِ لِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِلْأَبَدِ؟ .
فَشَبَّكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَصَابِعَهُ، وَقَالَ: "بَلْ لِلْأَبَدِ، دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ"، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١).
* مَا أَفْضَلُ أَنْوَاعِ النُّسُكِ؟:
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي أَيِّ أَنْوَاعِ نُسُكِ الْحَجِّ الثَّلَاثَةِ أَفْضَلُ: الْإِفْرَادُ، أَمْ التَّمَتُّعُ، أَمِ الْقِرَانُ؟ .
مِنْ خِلَالِ مَا ذَكَرْنَا، تَتَّضِحُ الدِّلَالَةُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ التَّمَتُّعِ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَخْذًا مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا أَشُكُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ قَارِنًا، وَلَكِنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ لِتَأَسُّفِهِ عَلَيْهِ.
_________________
(١) أخرج ذلك الإِمام البخاري في صحيحه - كتاب التمني - باب قول النبي -ﷺ-: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت" - رقم الحديث (٧٢٣٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) (١٤٧) - وباب جواز العمرة في أشهر الحج - رقم الحديث (١٢٤١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١١٥) (١٤٤٤٠) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٧٧٣) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب وصف حجة المصطفى -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٤٣).
[ ٤ / ٤٩٧ ]
وَرَدَّ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ﵀ قَوْلَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ﵀، فَقَالَ: وَجَوَابُهُ أَنَّهُ -ﷺ- لَمْ يَتَأَسَّفْ لِكَوْنِهِ -أَي التَّمَتُّعُ- أَفْضَلَ مِنَ الْقِرَانِ فِي حَقِّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، وَإِنَّمَا تَأَسَّفَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يَشُقَّ عَلَى أَصْحَابِهِ فِي بَقَائِهِ عَلَى إِحْرَامِهِ وَأَمْرِهِ لَهُمْ بِالْإِحْلَالِ، وَلِهَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ لَمَّا تَأَمَّلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذَا السِّرَّ نَصَّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ، عَلَى أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، لِأَمْرِهِ -ﷺ- مَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ مِنْ أَصْحَابِهِ بِالتَّمَتُّعِ، وَأَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ فِي حَقِّ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ، كَمَا اخْتَارَ اللَّهُ ﷿ لِنَبِيِّهِ -ﷺ- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (١).
* إِقَامَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ:
ثُمَّ عَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ طَوَافِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَأَمْرِهِ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ لِمَنْ لَمْ يَسُقِ الْهَدْيَ، حَتَّى نَزَلَ بِالْأَبْطَحِ شَرْقِيِّ مَكَّةَ، فَأَقَامَ هُنَاكَ بَقِيَّةَ يَوْمِ الْأَحَدِ، وَالِاثْنَيْنِ، وَالثُّلَاثَاءِ، وَالْأَرْبِعَاءِ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ مِنْ يَوْمِ الْخَمِيسِ، كُلُّ ذَلِكَ يُصَلِّي بِأَصْحَابِهِ هُنَاكَ، وَلَمْ يَعُدْ إِلَى الْكَعْبَةِ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ.
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- مَكَّةَ فَطَافَ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلَمْ يَقْرَبِ الْكَعْبَةَ بَعْدَ طَوَافِهِ بِهَا حَتَّى رَجَعَ مِنْ عَرَفَةَ (٢).
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٥/ ١٧٦).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب من لم يقرب الكعبة - رقم الحديث (١٦٢٥).
[ ٤ / ٤٩٨ ]
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَلَعَلَّهُ -ﷺ- تَرَكَ الطَّوَافَ تَطَوُّعًا خَشْيَةَ أَنْ يَظُنَّ أَحَدٌ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُحِبُّ التَّخْفِيفَ عَلَى أُمَّتِهِ، وَنُقِلَ عَنِ الْإِمَامِ مَالِكٍ ﵀ أَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ لِمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ، وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ (١).
* قَصْرُ الصَّلَاةِ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُدَّةَ إِقَامَتِهِ هُنَاكَ إِلَى يَوْمِ التَّرْوِيَةِ يَقْصُرُ الصَّلَاةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ -﵁- قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْهَاجِرَةِ (٢) إِلَى الْبَطْحَاءِ (٣)، فتَوَضَّأَ (٤)، وَصَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ (٥)، وَكَانَ يَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ، ثُمَّ قَامَ النَّاسُ، فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ يَدَهُ، فَيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ، فَأَخَذْتُ يَدَهُ، فَوَضَعْتُهَا عَلَى وَجْهِي، فَإِذَا هِيَ أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ، وَأَطْيَبُ رِيحًا مِنَ الْمِسْكِ (٦).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٤/ ٢٩٠).
(٢) الْهَاجرة: هو وقت اشتداد الحُر نصف النهار. انظر النهاية (٥/ ٢١٤).
(٣) في رواية أخرى: الأبطح.
(٤) زاد مسلم في صحيحه: فرأيت النَّاس يبتدرون ذلك الوضوء، فمن أصاب منه شيئًا تمسح به، ومن لم يصب منه أخذ من بلل يد صاحبه.
(٥) الْعَنَزَة: بفتح العين عصا مثل نصف الرمح أو أكبر شيئًا. انظر النهاية (٣/ ٢٧٨).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الوضوء - باب استعمال فضل وضوء الناس - رقم الحديث (١٨٧) - وكتاب الصلاة - باب السترة بمكة وغيرها - رقم الحديث (٥٠١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب سترة المصلي - رقم الحديث (٥٠٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٧٦٠) (١٨٧٦٧).
[ ٤ / ٤٩٩ ]
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - الْتِمَاسُ الْبَرَكَةِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
٢ - وَضْعُ السُّتْرَةِ لِلْمُصَلِّي حَيْثُ يَخْشَى الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَالِاكْتِفَاءُ فِيهَا بِمِثْلِ غِلَظِ الْعَنَزَةِ.
٣ - وَفِيهِ أَنَّ قَصْرَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ مِنَ الْإِتْمَامِ لِمَا يُشْعِرُ بِهِ الْخَبَرُ مِنْ مُوَاظَبَتِهِ -ﷺ- عَلَيْهِ.
٤ - وَفِيهِ أَنَّ ابْتِدَاءَ الْقَصْرِ مِنْ حِينِ مُفَارَقَةِ الْبَلَدِ الذِي يَخْرُجُ مِنْهُ.
٥ - وَفِيهِ تَعْظِيمُ الصَّحَابَةِ ﵃ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- (١).
* يَا لَسَعَادَةَ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلةَ -﵁-:
وَحِينَئِذٍ رَأَى أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ الْبَكْرِيُّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَعُدَّ مِنْ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ -﵁-.
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْهُ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، وَيَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ، وَيُقَبِّلُ الْمِحْجَنَ (٢).
وَرَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ،
_________________
(١) انظر فتح الباري (٢/ ١٥٤).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب جواز الطواف على بعير وغيره - رقم الحديث (١٢٧٥) - وابن ماجه في سننه - كتاب المناسك - باب من استلم الركن بمحجنه - رقم الحديث (٢٩٤٩).
[ ٤ / ٥٠٠ ]
عَنْ أَبِي الطُّفْيَلِ قَالَ: قُلْتُ لَهُ: رَأَيْتَ النَّبِيَّ -ﷺ-؟
قَالَ: نَعَمْ، وَلَا أَعْلَمُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ رَجُلًا حَيًّا رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- غَيْرِي.
وَفِي لفظٍ قَالَ -﵁-: مَا بَقِيَ أَحَدٌ رَأَى النَّبِيَّ -ﷺ- غَيْرِي (١).
قَالَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ فِي السِّيَرِ: أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ اللَّيْثِيُّ خَاتِمُ مَنْ رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي الدُّنْيَا، وَكَانَ -﵁- صَادِقًا، عَالِمًا، شَاعِرًا، فَارِسًا، عُمِّرَ دَهْرًا طَوِيلًا، وَشَهِدَ مَعَ عَلِيٍّ -﵁- حُرُوبَهُ، وَمَاتَ بِمَكَّةَ سَنَةً عَشْرٍ وَمِئَةٍ (٢).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ -ﷺ- الْعِشَاءَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ، فَقَالَ: "أَرَأَيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِئَةِ سَنةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ" (٣).
قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْه الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: إِنَّمَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّ هَذِهِ الْمُدَةَ تَخْتَرِمُ (٤) الْجِيلَ الذِي هُمْ فِيهِ، فَوَعَظَهُمْ بِقِصَرِ أَعْمَارِهِمْ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّ أَعْمَارَهُمْ لَيْسَتْ كَأَعْمَارِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأَمَمِ لِيَجْتَهِدُوا فِي الْعِبَادَةِ (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري فِي الأدب المفرد - رقم الحديث (٦١٠).
(٢) انظر سير أعلام النبلاء (٣/ ٤٦٧).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب العلم - باب السمر في العلم - رقم الحديث (١١٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب قوله -ﷺ-: "لا تأتي مئة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم" - رقم الحديث (٢٥٣٧).
(٤) انْخِرَامُهُ: ذهابه وانقضاؤه. انظر النهاية (٢/ ٢٧).
(٥) انظر فتح الباري (١/ ٢٨٧).
[ ٤ / ٥٠١ ]
* قُدُومُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- مِنَ الْيَمَنِ:
فِي هَذِهِ الْفتْرَةِ قَدِمَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- مِنَ الْيَمَنِ حَاجًّا، فَدَخَلَ عَلَى زَوْجَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَوَجَدَهَا قَدْ حَلَّتْ، وَتَكَحَّلَتْ، وَلَبِسَتْ ثِيَابَ صِبْغٍ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، وَقَالَ لَهَا: مَنْ أَمَرَكِ بِهَذَا؟، قَالَتْ: أَمَرَنِي أَبِي بِهَذَا.
فَأَتَى عَلِيٌّ -﵁- رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مُحَرِّشًا (١) عَلَى فَاطِمَةَ ﵂ لِلَّذِي صَنَعَتْ مُسْتَفْتِيًا (٢) رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "صَدَقَتْ، صَدَقَتْ، أَنَا أَمَرْتُهَا بِهِ".
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِعَلِيٍّ -﵁-: "مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟ " (٣).
قَالَ -﵁-: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أُهِلُّ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَإِنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ فَلَا تَحِلَّ" (٤).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِعَلِيٍّ -﵁-: "فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا كَمَا أَنْتَ" (٥).
_________________
(١) أراد بالتحريش هاهنا ذكر ما يُوجب عتابه لها. انظر النهاية (١/ ٣٥٤).
(٢) في رواية ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٣٩٤٣): مستثبتًا.
(٣) هذه رواية الإِمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٢١٨) - وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (١٥٥٨) - قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "بم أهللت؟ ".
(٤) أخرج ذلك: الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب وصف حجة المصطفى -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٤٣) (٣٩٤٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٤٤٠).
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب من أَهلَّ في زمن النبي -ﷺ- كإهلال النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٥٥٨).
[ ٤ / ٥٠٢ ]
وَكَانَ عَلِيٌّ -﵁-، قَدِمَ بِهَدْيٍ مِنَ الْيَمَنِ، فَكَانَ مَجْمُوعُ الْهَدْيِ الذِي قَدِمَ بِهِ، وَالذِي أَتَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِئَةَ بَدَنَةٍ (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّ عَلِيًّا -﵁- قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ لِي: "انْطَلِقْ، فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَحِلَّ كَمَا حَلَّ أَصْحَابُكَ".
فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَهْلَلْتُ كَمَا أَهْلَلْتَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَهَلْ مَعَكَ هَدْيٌ؟ "، قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: لَا (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَأَقِمْ كَمَا أَنْتَ، وَلَكَ ثُلُثُ هَدْيِي"، فَأَشْرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي هَدْيِهِ (٣).
* قُدُومُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -﵁-:
وَقَدِمَ مِنَ الْيَمَنِ أَيْضًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ -﵁-، فَجَاءَ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْبَطْحَاءَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بِمَا أَهْلَلْتَ".
قَالَ: قُلْتُ: أَهْلَلْتُ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَلْ مَعَكَ مِنْ هَدْيٍ؟ ".
_________________
(١) أخرج ذلك مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٤٤٠) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب ذكر وصف حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (٣٧٩١) (٣٩٤٣).
(٢) قلت: ويمكن الجمع بين هذه الرواية، والرواية التي قبلها، بأن الهدي تأخر مجيئه بعده؛ لأن علي -﵁- تعجل إِلَى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- من اليمن، واستخلف على الجيش رجلًا من أصحابه كما ذكرنا ذلك فيما تقدم.
(٣) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٨٧) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٢٥٨) - وإسناده حسن.
[ ٤ / ٥٠٣ ]
قَالَ: لَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَطُفْ بِالْبَيْتِ، وَاسْعَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوةِ، ثُمَّ حِلَّ"، فَفَعَلَ (١).
* خُرُوجُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابِهِ إِلَى مِنًى:
فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ (٢)، وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّامِنُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، وَكَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ ضُحًى، تَوَجَّهَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى مِنًى، وَقَدْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ مَنْ كَانَ أَحَلَّ مِنْهُمْ، فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى مِنًى نَزَلَ هُنَاكَ، وَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، قَصْرًا رَكْعَتَيْنِ، وَبَاتَ بِمِنًى تِلَكْ اللَّيْلَةِ، وَكَانَتْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ، وَصَلَّى بِهَا الصُّبْحَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلَا حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ (٣).
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب من أهل في زمن النبي -ﷺ- كإهلال النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٥٥٩) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب بعث أبي موسى ومعاذ ﵄ إلى اليمن - رقم الحديث (٤٣٤٦) - وباب حجة الوداع - رقم الحديث (٤٣٩٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب في نسخ التحلل من الإحرام والأمر بالتمام - رقم الحديث (١٢٢١) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٣٢١).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٣١٧): التروية بفتح التاء وسكون الراء وكسر الواو، وهو يوم الثامن من ذي الحجة، سُمي يوم التروية لأنهم كانوا يروون فيها إبلهم ويتروون من الماء؛ لأن تلك الأماكن لم تكن إذ ذاك فيها آبار ولا عيون، وأما الآن فقد كثرت جدًا، واستغنوا عن حمل الماء.
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب الإهلال من البطحاء وغيرها - معلقًا - ووصله مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب ذكر وصف حجة المصطفى -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٤٤).
[ ٤ / ٥٠٤ ]
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ -ﷺ- بِمِنًى خَمْسَ صَلَوَاتٍ (١).
وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قَالَ: مِنْ سُنَّةِ الْحَجِّ أَنْ يُصَلِّيَ الْإِمَامُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ الْآخِرَةَ، وَالصُّبْحَ بِمِنًى (٢).
* تَوَجُّهُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى عَرَفَةَ وَخُطبَتُهُ بِهَا:
فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ -مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ- نَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى عَرَفَةَ، وَأَمَرَ أَنْ تُضْرَبَ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ شَعْرٍ بِنَمِرَةَ (٣)، فَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَالِكًا طَرِيقَ ضَبٍّ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِهِ -ﷺ- الْمُلَبِّي، وَمِنْهُمُ الْمُكَبِّرُ، وَهُوَ يَسْمَعُ ذَلِكَ وَلَا يُنْكِرُ عَلَى هَؤُلَاءَ وَلَا عَلَى هَؤُلَاءِ (٤)، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى عَرَفَةَ وَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِنَمِرَةَ فنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِنَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٠٠) (٤٥٣٣) - وأصله في صحيح مسلم - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب قصر الصلاة بمنى - رقم الحديث (٦٩٤).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب المناسك - باب الوقوف بعرفات - رقم الحديث (١٧٣٨).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٣٢٢): نمرة بفتح النون وكسر الميم موضع بقرب عرفات خارج الحرم بين طرف الحرم وطرف عرفات.
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب التلبية والتكبير إذا غدًا من منى إلى عرفات - رقم الحديث (١٦٥٩).
[ ٤ / ٥٠٥ ]
فَرُحِلَتْ لَهُ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى أَتَى بَطْنَ الْوَادِي مِنْ أَرْضِ عُرَنَةَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ (١)، خُطْبَةً عَظِيمَةً جَامِعَةً، قَرَّرَ فِيهَا قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ، وَهَدَمَ فِيهَا قَوَاعِدَ الشِّرْكِ وَالْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّه تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ:
"أَيُّهَا النَّاسُ! اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا.
أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ دِمَاءَكُمْ (٢) وَأَمْوَالَكُمْ (٣) حَرَامٌ عَلَيْكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ
_________________
(١) قلت: هذا هو الصحيح في أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- خطب خطبة عرفة وهو على راحلته، وهي رواية الإِمام مسلم في صحيحه من حديث جابر -﵁- الطويل، ورقمه (١٢١٨). وروى الإِمام أحمد في مسنده بسند صحيح - رقم الحديث (٢٠٣٣٥) عن العَدَّاءِ بن خالد -﵁- قال: رأيت رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يخطب الناس يوم عرفة على بعير. وأما ما رواه أبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب الخطبة على المنبر بعرفة - رقم الحديث (١٩١٥) عن رجل من بني ضمرة عن أَبيه عن عمه قال: رأيت رَسُول اللَّهِ -ﷺ- وهو على المنبر بعرفة. فإسناده ضعيف.
(٢) قلت: جاءت أحاديث كثيرة تشدد على حرمة الدم، فقد روى الإِمام البخاري - رقم الحديث (٦٨٦٢) عن ابن عمر ﵄ قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "لن يزال المؤمن في فسحة من دينه، ما لم يصب دمًا حرامًا". قال ابن العربي فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (١٤/ ١٦٧): الفسحة في الدين سعة الأعمال الصالحة حتى إذا جاء القتل ضاقت؛ لأنها لا تقي بوزره، والفسحة في الذنب قبوله الغفران بالتوبة حتى إذا القتل ارتفع القبول. وروى الإِمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٦٨٦٣) عن عبد اللَّه بن عمر ﵄ قال: إن من ورطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها سفك الدم الحرام بغير حِلّه.
(٣) وأما حرمة الأموال، فقد أخرج ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٥٩٧٨) - =
[ ٤ / ٥٠٦ ]
هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا.
أَلَا إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ إِيَادِ (١) بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، كَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلُ، وَرِبَا الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأوّلُ رِبًا أَضَعَ رِبَانَا، رِبَا عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ.
فَاتَّقَوا اللَّه فِي النِّسَاءِ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (٢).
_________________
(١) = والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٨٢٢) بسند صحيح عن أبي حُمَيْد الساعدي -﵁- أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- قال: "لا يحل لامرئ أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفس منه"، قال: وذلك لشدة ما حَرّم اللَّه ﷿ على المسلم من مال المسلم. وروى الإِمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٣٧) عن أبي أُمامة -﵁- قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب اللَّه له النار، وحَرّم عليه الجنة"، فقال رجل: وإن كان شيئًا يسيرًا يَا رَسُول اللَّهِ؟، فقال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "وإن قضيبًا من أراك".
(٢) لم يقع في رواية الإِمام مسلم في صحيحه تسميته، وإنما وقع فيه بلفظ "ابن ربيعة"، ووقع في رواية النسائي في السنن الكبرى تسميته: إياد. قال الإِمام النووي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في شرح مسلم (٨/ ١٤٩): قال المحققون والجمهور: اسم هذا الابن إياد بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب.
(٣) أخرج ذلك كله: الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب ذكر وصف حجة =
[ ٤ / ٥٠٧ ]
أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ اللَّه قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ، وَالْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ (١)، وَلِلْعَاهِرِ (٢) الْحَجَرُ (٣)، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ، وَمَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ أَبِيهِ، أَوِ انْتَمَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنةُ اللَّهِ التَّابِعَةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَا تُنْفِقُ الْمَرْأَةُ شيْئًا مِنْ بَيْتِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا"، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الطَّعَامَ؟ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ذَلِكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا".
الْعَارِيَةُ (٤) مُؤَدَّاةٌ، وَالْمِنْحَةُ (٥) مَرْدُودَةٌ، وَالدَّينُ مَقْضِيٌّ، وَالزَّعِيمُ (٦)
_________________
(١) = المصطفى -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٤٤) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٥٢٤).
(٢) الولد للفراش: أي لمالك الفراش، وهو الزوج والمولى، والمرأة تُسمى فراشًا؛ لأن الرَّجل يفترشها. انظر النهاية (٣/ ٣٨٥).
(٣) العاهر: الزاني. انظر النهاية (٣/ ٢٩٤).
(٤) الحَجَر: أي الخيبة، يعني أن الولد لصاحب الفراش من الزوج أو السيد، وللزاني الخيبة والحرمان، وذهب قوم إلى أنه كنى بالحَجَر عن الرجم، وليس كذلك؛ لأنه ليس كل زان يُرجم. انظر النهاية (١/ ٣٣١). وضَعّف النووي في شرح مسلم (١٠/ ٣٢) الرأي الثاني وقوى الرأي الأول.
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٥/ ٥٦٤): العارية: بفتح العين وتشديد الياء ويجوز تخفيفها، وهي في الشرع هبة المنافع دون الرقبة، ويجوز توقيتها، وحكم العارية إذا تلفت في يد المستعير أن يضمنها إلا فيما إذا كان ذلك من الوجه المأذون فيه، هذا قول الجمهور.
(٦) الْمِنْحَة: العطية، ومنحة اللبن: أن يعطيه ناقة أو شاة، ينتفع بلبنها ويعيدها، وكذلك إذا أعطاه لينتفع بوبرها وصوفها زمانًا ثم يردها. انظر النهاية (٤/ ٣١٠).
(٧) الزعيم: الكفيل. انظر النهاية (٢/ ٢٧٤).
[ ٤ / ٥٠٨ ]
غَارِمٌ (١) ".
"مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ إِزَارًا، فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ لِلْمُحْرِمِ" (٢).
"وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كتَابَ اللَّهِ، وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟ ".
قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَّيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) الغارم: الضامن. انظر النهاية (٢/ ٢٧٤). وأخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٢٩٤) - والترمذي في جامعه - كتاب الوصايا - باب ما جاء لا وصية لوارث - رقم الحديث (٢٢٥٣) - وإسناده حسن - ووقع في رواية الإِمام أحمد والترمذي أن ذلك كان في حجة الوداع. ووقع في رواية ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٢٦١) أن ذلك كان بعرفة.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب جزاء الصيد - باب لبس الحُفين للمحرم إذا لم يجد النعلين - رقم الحديث (١٨٤١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة - رقم الحديث (١١٧٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب الإحرام - رقم الحديث (٣٧٨٦). قال الإمام القرطبي فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٤/ ٥٣٥): أخذ بظاهر هذا الحديث أَحْمد فأجاز لبس الخف والسراويل للمحرم الذي لا يجد النعلين والإزار على حالهما، واشترط الجمهور قطع الخف وفتق السراويل، فلو لبس شيئًا منهما على حالة لزمته الفدية، والدليل لهم قول رَسُول اللَّهِ -ﷺ- فِي حديث ابن عمر الذي رواه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (١٨٤٢) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١١٧٧) (٢): ". . . وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين"، فيحمل المطلق على المقيد، ويلحق النظير بالنظير، لاستوائهما في الحكم.
[ ٤ / ٥٠٩ ]
بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا (١) إِلَى النَّاسِ: "اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ" (٢).
فَهَذِهِ خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ عَرَفَةَ، وَكَانَتْ قَصِيرَةً.
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كتَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ أَنْ لَا يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ فِي الْحَجِّ. . . فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لِلْحَجَّاجِ فِي يَوْمِ عَرَفَةَ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرِ الْخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الْوُقُوفَ (٣).
وَكَانَ الرَّجُلُ الذِي يَصْرُخُ فِي النَّاسِ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ بِعَرَفَةَ رَبِيعَةَ بْنَ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ، أَخُو صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَكَانَ صَيِّتًا (٤)، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ لَهُ: "يَا رَبِيعَةُ! قُلْ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ كَذَا"،
_________________
(١) هكذا وقع في صحيح مسلم بلفظ: ينكتها بالتاء، ووقع في رواية ابن ماجه في سننه، وأبي داود في سننه بلفظ: ينكبها، بالباء. قال ابن الأثير في النهاية (٥/ ٩٨): أي يُميلها إليهم، يريد بذلك أن يُشْهدَ اللَّه عليهم.
(٢) أخرج ذلك مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - وابن ماجه في سننه - كتاب المناسك - باب حجة رَسُول اللَّهِ -ﷺ- رقم الحديث (٣٠٧٤) - وأبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب صفة حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٩٠٥).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب التهجير بالرواح يوم عرفة - رقم الحديث (١٦٦٠).
(٤) صَيّتًا: بفتح الصاد وتشديد الياء أي شديد الصوت عاليه. انظر النهاية (٣/ ٦٠).
[ ٤ / ٥١٠ ]
فَيَصْرَخُ بِهِ (١).
* جَمْعُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَوُقُوفُهُ بِعَرَفَةَ:
فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ خُطْبَتِهِ أَمَرَ بِلَالًا -﵁-، فَأَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ الصَّلَاةَ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا (٢).
ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ جَبَلَ (٣) الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا، مُشْتَغِلًا بِالدُّعَاءِ، وَالتَّضَرُّعِ، وَالِابْتِهَالِ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ (٤).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٢٦٠) - أسد الغابة (٢/ ١٧٧).
(٢) أخرج ذلك الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب فِي حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب وصف حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٤٤).
(٣) هذه رواية النسائي في السنن الكبرى - رقم الحديث (٣٩٩٢) - ووقع في رواية الإِمام مسلم: حَبْل. قال القاضي عياض في شرح مسلم (٨/ ١٥٢): والأول أشبه بالحديث، وجبل المشاة: أي مجتمعهم، وحَبْل الرمل: ما طال منه وضخم، وأما بالجيم فمعناه: طريقهم وحيث تسلك الرجالة.
(٤) أخرج ذلك الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب وصف حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٤٤).
[ ٤ / ٥١١ ]
* هَلْ صَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمِ عَرَفَةَ أَمْ لَا؟:
وَقَدْ شَكَّ النَّاسُ فِي صِيَامِهِ -ﷺ- يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ أُمُّ الفضْلِ زَوْجُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵄، بِقَدَحِ لَبَنٍ فَشَرِبَهُ -ﷺ- أَمَامَ النَّاسِ، وَهُوَ عَلَى بَعِيرِهِ (١).
رَوَى الشَّيْخَانِ كَذَلِكَ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ -ﷺ﵂ قَالَتْ: أَنَّ النَّاسَ شَكُّوا فِي صِيَامِ النَّبِيِّ -ﷺ- يَوْمَ عَرَفَةَ، فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ بِحِلَابٍ (٢)، وَهُوَ وَاقِفٌ فِي الْمَوْقِفِ، فَشَرِبَ مِنْهُ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ (٣).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَوْمُ عَرَفَةَ (٤)، وَيَوْمُ النَّحْرِ، وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ، عِيدُنَا أَهْلَ الْإِسْلَامِ،
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الصوم - باب صوم يوم عرفة - رقم الحديث (١٩٨٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب الصيام - باب استحباب الفطر للحاج يوم عرفة - رقم الحديث (١١٢٣) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٤٥٢٢).
(٢) الحِلاب: بكسر الحاء هو إناء يُجعل فيه اللبن. انظر جامع الأصول (٦/ ٣٥٨) - وفتح الباري (٤/ ٧٦٢).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصوم - باب صوم يوم عرفة - رقم الحديث (١٩٨٩) - ومسلم في صحيحه - كتاب الصيام - باب استحباب الفطر للحاج يوم عرفة - رقم الحديث (١١٢٤) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٤٥٢١).
(٤) قوله -ﷺ-: "يوم عرفة": أي لمن كان بعرفة. =
[ ٤ / ٥١٢ ]
وَهُنَّ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ" (١).
قَالَ ابْنُ القيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ -ﷺ- إِفْطَارُ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَرَفَةَ، وَقَدْ ذُكِرَ لِفْطِرْهِ -ﷺ- بِعَرَفَةَ عِدَّةُ حِكَمٍ:
١ - مِنْهَا أَنَّهُ أَقْوَى عَلَى الدُّعَاءِ.
٢ - وَمِنْهَا أَنَّ الْفِطْرَ فِي السَّفَرِ أَفْضَلُ فِي فَرْضِ الصَّوْمِ، فَكَيْفَ بِنَفْلِهِ.
٣ - وَمِنْهَا أَنَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَقَدْ نَهَى عَنْ إِفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ، فَأَحَبَّ أَنْ يَرَى النَّاسُ فِطْرَهُ فِيهِ تَأْكِيدًا لِنَهْيِهِ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالصَّوْمِ، وَإِنْ كَانَ صَوْمُهُ لِكَوْنِهِ يَوْمَ عَرَفَةَ لَا يَوْمَ جُمُعَةٍ (٢).
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ أَنْ يَرْتَفِعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ (٣)، فَقَالَ: "عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ" (٤).
_________________
(١) = وأما صيام يوم عرفة لمن لم يكن بها فمندوب إليه، وقد روى مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١١٦٢) من حديث أبي قتادة -﵁- عن النبي -ﷺ- قال: "صيام يوم عرفة أحتسب على اللَّه أن يكفِّر السنة التي قبله، والسنة التي بعده".
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٣٧٩) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٩٦٤).
(٣) انظر زاد المعاد (٢/ ٧٣ - ٧٤).
(٤) عُرَنة: بضم العين وفتح الراء موضع عند الموقف بعرفات. انظر النهاية (٣/ ٢٠٢).
(٥) أخرج ذلك الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١١٩٤) - وإسناده صحيح - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٧٥١) وإسناده صحيح لغيره - وأورده الألباني في الصحيحة (٤/ ٤٨) وصحَّح إسناده.
[ ٤ / ٥١٣ ]
وَأَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّ عَرَفَةَ لَا تَخْتَصُّ بِمَوْقِفِهِ الذِي وَقَفَ فِيهِ، بَلْ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، فَقَالَ -ﷺ-: "وَقَفْتُ هَاهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ" (١).
وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى النَّاسِ أَنْ يَكُوُنوا عَلَى مَشَاعِرِهِمْ (٢) وَيَقِفُوا بِهَا، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ، وَابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ شَيْبَانَ -﵁- قَالَ: أَتَانَا ابْنُ مِرْبِعٍ الْأَنْصَارِيُّ بِعَرَفَةَ، وَنَحْنُ بِمَكَانٍ مِنَ الْمَوْقِفِ بَعِيدٍ، فَقَالَ: إِنِّي رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْكُمْ يَقُولُ: "كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإِنَّكُمْ عَلَى إِرْث مِنْ إِرْثِ إِبْرَاهِيمَ" (٣).
* سُؤُالُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْحَجِّ:
وَهُنَاكَ أَقْبْلَ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الْحَجِّ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
_________________
(١) أخرج ذلك الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) (١٤٩) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٤٤٠) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١١٩٦) - والترمذي في جامعه - كتاب الحج - باب ما جاء أن عرفة كلها موقف - رقم الحديث (٩٠٠).
(٢) المشاعر: جمع مشعر، وهو المعلم، والمراد به: معالم الحج. انظر جامع الأصول (٣/ ٢٣٦).
(٣) أخرج ذلك الترمذي في جامعه - كتاب الحج - باب ما جاء في الوقوف بعرفات والدعاء بها - رقم الحديث (٨٨٣) - وابن ماجه في سننه - كتاب المناسك - باب الموقف بعرفة - رقم الحديث (٣٠١١) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٢٠٤) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (١٥٢٢) وإسناده صحيح.
[ ٤ / ٥١٤ ]
يَعْمَرَ الدَّيْلِيِّ -﵁- قَالَ: شَهِدْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ، وَأَتَاهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ الْحَجُّ؟ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ جَمْعٍ (١)، فقدْ تَمَّ حَجُّهُ" (٢).
* دُعَاءُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ عَرَفَةَ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُنْشَغِلًا فِي عَرَفَةَ بِالدُّعَاءِ، وَكَانَ فِي دُعَائِهِ رَافِعًا يَدَيْهِ إِلَى صَدْرِهِ كَاسْتِطْعَامِ الْمِسْكِينِ.
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: كُنْتُ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِعَرَفَاتٍ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ يَدْعُو، فَمَالَتْ بِهِ نَاقَتُهُ، فَسَقَطَ خِطَامُهَا (٣)، فتَنَاوَلَ الْخِطَامَ بِإِحْدَى يَدَيْهِ، وَهُوَ رَافِعٌ يَدَهُ الْأَخْرَى (٤).
وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ أَنَّ أَفْضَلَ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَخَيْرُ مَا قُلْتُ أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٣٣٧): جَمْع: بفتح الجيم وسكون الميم، أي المزدلفة، سميت جمعًا؛ لأن آدَمَ اجتمع فيها مع حواء، وقيل سميت جمعًا: لأنها يجمع فيها بين الصلاتين.
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٧٧٤) - وابن ماجه في سننه - كتاب المناسك - باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمع - رقم الحديث (٣٠١٥) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٨٦٠).
(٣) الخِطام: بكسر الخاء وهو الحبل الذي يُقاد به البعير. انظر النهاية (٢/ ٤٩).
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٨٢١).
[ ٤ / ٥١٥ ]
قَبْلِي: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ" (١).
وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ أَنَّهُ: "مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَإِنَّهُ لَيَدْنُو ثُمَّ يُبَاهِي بِهِمُ الْمَلَائِكَةَ، فَيَقُولُ: مَا أَرَادَ هَؤُلَاءِ؟ " (٢).
وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ". . . مَا مِنْ يَوْمٍ أَفْضَلَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، يَنْزِلُ اللَّهُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْأَرْضِ أَهْلَ السَّمَاءِ، فَيَقُولُ: اُنْظُرُوا إِلَى عِبَادِي شُعْثًا غُبْرًا ضَاحِينَ (٣) جَاؤُوا مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ يَرْجُونَ رَحْمَتِي، وَلَمْ يَرَوْا عَذَابِي، فَلَمْ يُرَ يَوْمٌ أَكْثَرُ عِتْقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ" (٤).
وَعِنْدَ الْمُنْذِرِيِّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁-
_________________
(١) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٩٦١) - والترمذي في جامعه - كتاب الدعوات - باب في دعاء يوم عرفة - رقم الحديث (٣٥٨٥) - وإسناده حسن بالشواهد.
(٢) أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب فِي فضل الحج والعمرة ويوم عرفة - رقم الحديث (١٣٤٨) - وابن ماجه في سننه - كتاب المناسك - باب الدعاء بعرفة - رقم الحديث (٣٠١٤).
(٣) ضاحين: أي بارزين للشمس. انظر لسان العرب (٨/ ٣٠).
(٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب الوقوف بعرفة - رقم الحديث (٣٨٥٣) - والبغوي في شرح السنة - رقم الحديث (١٩٣١).
[ ٤ / ٥١٦ ]
قَالَ: وَقَفَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِعَرَفَاتٍ، وَقَدْ كَادَتِ الشَّمْسُ أَنْ تَؤُوبَ (١)، فَقَالَ: "يَا بِلَالُ أَنْصِتْ لِيَ النَّاسَ"، فَقَامَ بِلَالٌ، فَقَالَ: أَنْصِتُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَنْصَتَ النَّاسُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَعْشَرَ النَّاسِ أَتَانِي جِبْرِيلُ ﵇ آنِفًا فَأَقْرَأَنِي مِنْ رَبِّي السَّلَامَ، وَقَالَ: إِنَّ اللَّه ﷿ غَفَرَ لِأَهْلِ عَرَفَاتٍ، وَأَهْلِ الْمَشْعَرِ، وَضَمِنَ عَنْهُمُ التَّبِعَاتِ"، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا لَنَا خَاصَّةً؟
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَذَا لَكُمْ، وَلِمَنْ أَتَي مِنْ بَعْدِكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ"، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-: كَثُرَ خَيْرُ اللَّهِ وَطَابَ (٢).
* نُزُولُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾:
وَنَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ (٣)، فَلَمَّا سَمِعَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁- بَكَى، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا يُبْكِيكَ يَا عُمَرُ؟ ".
قَالَ: أَبْكَانِي أَنَّا كُنَّا فِي زِيَادَةٍ، أَمَا إِذَا كَمُلَ، فَإِنَّهُ لَا يَكْمُلُ شَيْءٌ إِلَّا
_________________
(١) تؤوب: أي تغرب، من الأوب: وهو الرجوع؛ لأنها ترجع بالغرب إِلَى الموضع الذي طلعت منه. انظر النهاية (١/ ٨٠).
(٢) أورده المنذري فِي الترغيب والترهيب - رقم الحديث (١٧٣٧) - وانظر السلسة الصحيحة للألباني ﵀ (٤/ ١٦٤).
(٣) سورة المائدة آية (٣).
[ ٤ / ٥١٧ ]
نَقَصَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "صَدَقْتَ" (١).
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَكَأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -﵁- اسْتَشْعَرَ وَفَاةَ النَّبِيِّ -ﷺ- (٢).
فَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ نَعْيَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِنَّهَا نَزَلَتْ قَبْلَ موتهِ -ﷺ- بِنَحْوِ ثَمَانِينَ يَوْمًا (٣).
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁-: أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ قَالَ لَهُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، آيَةٌ فِي كِتَابِكُمْ تَقْرَؤُونَهَا لَوْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ الْيَهُودِ نَزَلَتْ لَاتَّخَذْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ عِيدًا، قَالَ عُمَرُ -﵁-: أَيُّ آيَةٍ؟ .
قَالَ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.
فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: قَدْ عَرَفْنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ، وَالْمَكَانَ الذِي نَزَلَتْ فِيهِ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، وَهُوَ قَائِمٌ بِعَرَفَةَ، يَوْمَ جُمُعَةٍ (٤).
_________________
(١) أخرج ذلك ابن أبي شيبة في مصنفه - رقم الحديث (٣٥٥٤٩) - والطبري في تفسيره (٤/ ٤١٩) - وجوّد إسناده الحافظ ابن كثير فِي البداية والنهاية (٥/ ٢٢٦).
(٢) انظر البداية والنهاية (٣/ ٢٢٦).
(٣) انظر فتح الباري (١٥/ ١٧٠) - تفسير ابن كثير (٣/ ٢٦).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الإيمان - باب زيادة الإيمان ونقصانه - رقم الحديث (٤٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب التفسير - باب في تفسير آيات متفرقة - رقم الحديث (٣٠١٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٨).
[ ٤ / ٥١٨ ]
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: هَذِهِ أَكْبْرُ نِعَمِ اللَّهِ ﷿ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، حَيْثُ أَكْمَلَ تَعَالَى لَهُمْ دِينَهُمْ، فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى دِينٍ غَيْرِهِ، وَلَا إِلَى نَبِيٍّ غَيْرِ نَبِيِّهِمْ -ﷺ-، وَلهَذَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى خَاتَمَ الْأَنْبِيَاءِ، وَبَعَثَهُ إِلَى الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، فَلَا حَلَالَ إِلَّا مَا أَحَلَّهُ، وَلَا حَرَامَ إِلَّا مَا حَرَّمَهُ، وَلَا دِينَ إِلَّا مَا شَرَعَهُ، وَكُلُّ شَيْءٍ أَخْبَرَ بِهِ فَهُوَ حَقٌّ، وَصِدْقٌ، وَلَا كَذِبَ فِيهِ وَلَا خُلْفَ (١).
* خَطَأٌ مَشْهُورٌ:
وَأَمَّا مَا اشْتَهَرَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ، فَهُوَ خَطَأٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ آخِرَ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ (٢).
قَالَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: وَالْقَوْلُ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ مِنَ الْقُرْآنِ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ (٣).
وَبَوَّبَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ، بَابُ ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، وَأَخْرَجَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، وَلَفْظُهُ:
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (٣/ ٢٦).
(٢) سورة البقرة آية (٢٨١).
(٣) انظر تفسير القرطبي (٤/ ٤٢١).
[ ٤ / ٥١٩ ]
آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- آيَةُ الرِّبَا (١).
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: كَذَا تَرْجَمَ الْمُصَنِّفُ -أَي الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ- بِقَوْلهِ: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، وَأَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ قَوْلَي ابْنِ عَبَّاسٍ، فَإِنَّهُ جَاءَ عَنْهُ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَجَاءَ عَنْهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾، أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْهُ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ مِنْ طُرُقٍ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِينَ، وَزَادَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: يَقُولُونَ إِنَّهُ مَكَثَ بَعْدَهَا -ﷺ- تِسْعَ لَيَالٍ.
وَطَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَيْنِ القوْلَيْنِ: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ خِتَامُ الْآيَاتِ الْمُنَزَّلَةِ فِي الرِّبَا إِذْ هِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَيْهِنَّ (٢).
* حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي الذِي سَقَطَ عَنْ رَاحِلَتِهِ:
وَهُنَاكَ بِعَرَفَةَ سَقَطَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، وَهُوَ مُحْرِمٌ، فَمَاتَ، فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُكَفَّنَ فِي ثَوْبَيْهِ، وَلَا يُمَسَّ بِطِيبٍ، وَأَنْ يُغَسَّلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَلَا يُغَطَّى رَأْسُهُ وَلَا وَجْهُهُ، وَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى يَبْعَثُهُ
_________________
(١) أخرجه الإِمام البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ - رقم الحديث (٤٥٤٤).
(٢) انظر فتح الباري (٩/ ٦٦).
[ ٤ / ٥٢٠ ]
يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُلَبِّيًا (١).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - اسْتِحْبَابُ تَكْفِينِ الْمُحْرِمِ فِي ثِيَابِ إِحْرَامِهِ.
٢ - وَفِيهِ أَنَّ إِحْرَامَهُ بَاقٍ، وَأَنَّهُ لَا يُكَفَّنُ فِي الْمَخِيطِ.
٣ - وَفِيهِ التَّكْفِينُ فِي الثِّيَابِ الْمَلْبُوسَةِ.
٤ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ دَوَامِ التَّلْبِيَةِ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْإِحْرَامُ.
٥ - وَأَنَّ الْإِحْرَامَ يَتَعَلَّقُ بِالرَّأْسِ لَا بِالْوَجْهِ (٢).
* إِفَاضَةُ (٣) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ (٤):
فَلَمَّا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَاسْتَحْكَمَ غُرُوبُهَا بِحَيْثُ ذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا، وَغَابَ
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب الكفن في ثوبين - رقم الحديث (١٢٦٥) - وباب كيف يكفن المحرم - رقم الحديث (١٢٦٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب ما يفعل بالمحرم إذا مات - رقم الحديث (١٢٠٦).
(٢) انظر فتح الباري (٣/ ٤٧٩).
(٣) الإفاضة: الزحف والدفع فِي السير بكثرة، ولا يكون إلا عن تفرق وجمع. انظر النهاية (٣/ ٤٣٦).
(٤) قال ابن الأثير فِي النهاية (٢/ ٢٨٠): سُمي المشعر الحرام "مزدلفة"؛ لأنه يُتقرب إلى اللَّه فيها. ومنه قوله تَعَالَى في سورة الزمر آية (٣): ﴿. . . مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى. . .﴾.
[ ٤ / ٥٢١ ]
الْقُرْصُ، أَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، سَالِكًا طَرِيقَ الْمَأْزِمَيْنِ (١)، وَهُوَ يُلَبِّي فِي مَسِيرِهِ، وَقَدْ أَرْدَفَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄، خَلْفَهُ، وَأَفَاضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالسَّكِينَةِ (٢)، وَقَدْ ضَمَّ إِلَيْهِ زِمَامَ نَاقَتِهِ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ طَرَفَ رَحْلِهِ، وَهُوَ يَقُولُ -ﷺ-: "رُوَيْدًا أَيُّهَا النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينةِ، فَإِنَّ الْبِرَّ (٣) لَيْسَ بِالْإِيضَاعِ (٤) "، وَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسِيرُ الْعَنَقَ (٥)، فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً (٦) سَارَ النَّصَّ (٧)، وَهُوَ فَوْقَ الْعَنَقِ، وَكُلَّمَا أَتَى حَبْلًا (٨) مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَى لِلنَّاقَةِ زِمَامَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ.
فَلَمَّا كَانَ فِي الطَّرِيقِ عِنْدَ الشِّعْبِ (٩) نَزَلَ -ﷺ-، فَبَالَ وَتَوَضَّأَ وُضُوءًا
_________________
(١) الْمَأْزِمين: بفتح الميم، وإسكان الهمزة وكسر الزاي: موضع معروف بين عرفة والمزدلفة. انظر زاد المعاد (٢/ ٢٢٨).
(٢) السكينة: أي الوقار والتأني في الحركة والسير. انظر النهاية (٢/ ٣٤٦).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٣٣٦): البر: بكسر الباء، اسم لكل ما يُتقرب به إِلَى اللَّه من العمل.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٣٣٦): الإيضاع: السير السريع، فبيَّن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أن تكلف الإسراع فِي السير ليس من البر أي مما يتقرب به.
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٣٣٠): العنق: بفتح العين والنون هو السير الذي بين الإبطاء والإسراع.
(٦) الفجوة: المتسع. انظر النهاية (٣/ ٣٧١).
(٧) النَّصُّ: نوع من السير سريع. انظر النهاية (٥/ ٥٥).
(٨) الحَبْل: القطعة من الرمل ضخمة ممتدة. انظر النهاية (١/ ٣٢١).
(٩) الشِّعب: بكسر الشين هو ما انفرج بين جبلين. انظر لسان العرب (٧/ ١٢٨).
[ ٤ / ٥٢٢ ]
خَفِيفًا (١) بِمَاءِ زَمْزَمٍ (٢)، فَقَالَ لَهُ أُسَامَةُ -﵁-: الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الصَّلَاةُ أَمَامَكَ" (٣).
* جَمْعُهُ -ﷺ- بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ في الْمُزْدَلِفَةِ:
ثُمَّ سَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، وَهِيَ الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ، فتَوَضَّأَ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَمَرَ بالْأَذَانِ، فَأَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ، ثُمَّ أَقَامَ، فَصَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ حَطِّ الرِّحَالِ وَتَبْرِيكِ الْجِمَالِ، فَلَمَّا حَطُّوا رِحَالَهُمْ، أَمَرَ فَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ بِإِقَامَةٍ بِلَا أَذَانٍ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ (٤).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٤/ ٣٣٤): أي خففه بأن توضأ مرة مرة -أي غسل كل عضو مرة-.
(٢) لم يقع في رواية الصحيحين أنه -ﷺ- توضأ بماء زمزم، وإنما وقعت في رواية عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل في زياداته على مسند أبيه - رقم الحديث (٥٦٤) - وإسناده حسن. قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٤/ ٣٢٤): فيستفاد منه الرد على من منع استعمال ماء زمزم لغير الشرب.
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب السير إذا دفع من عرفة - رقم الحديث (١٦٦٦) - وباب النزول بين عرفة وجمع - رقم الحديث (١٦٦٩) - وباب أمر النبي -ﷺ- بالسكينة عند الإفاضة - رقم الحديث (١٦٧١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦١٥١) (٢١٧٤٢) (٢١٧٦١).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب من الجمع الصلاتين بالمزدلفة - رقم =
[ ٤ / ٥٢٣ ]
وَلَمْ يُحْي رَسُولُ اللَّه -ﷺ- تِلْكَ اللَّيْلَةَ -وَهِيَ لَيْلَةُ عِيدِ الْأَضْحَى- وَلَا صَحَّ عَنْهُ -ﷺ- في إِحْيَاءِ لَيْلَتَي الْعِيدَيْنِ شَيْءٌ (١).
قَالَ الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّهُ لَا يُصَلِّي صَلَاةَ الْمَغْرِبِ دُونَ جَمْعٍ، فَإِذَا أَتَى جَمْعًا، وَهُوَ الْمُزْدَلِفَةُ، جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ، وَلَمْ يَتَطَوَّعْ فِيمَا بَيْنَهُمَا، وَهُوَ الذِي اخْتَارَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَذَهَبَ إِلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، قَالَ سُفْيَانُ: وَإِنْ شَاءَ، صَلَّى الْمَغْرِبَ، ثُمَّ تَعَشَّى، وَوَضَعَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعِشَاءَ.
وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمُزْدَلِفَةِ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَتَيْنِ، يُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَيُقِيمُ، وَيُصَلِّي الْمَغْرِبَ، ثُمَّ يُقِيمُ وَيُصَلِّي الْعِشَاءَ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀ (٢).
_________________
(١) = الحديث (١٦٧٢) - وباب من جمع بينهما ولم يتطوع - رقم الحديث (١٦٧٣) (١٦٧٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٤٥٢) - والترمذي في جامعه - كتاب الحج - باب ما جاء في الجمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة - رقم الحديث (٨٨٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب ذكر وصف حجة المصطفى -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٤٤).
(٢) انظر زاد المعاد (٢/ ٢٢٨). قلت: وأما ما رواه ابن ماجة في سننه - كتاب الصيام - باب فيمن قام ليلتي العيد - رقم الحديث (١٧٨٢) - عن أبي أمامة -﵁- أن النبي -ﷺ- قال: "من قام ليلتي العيدين، محتسبًا للَّه لم يمت قلبه يوم تموت القلوب". فإسناده ضعيف جدًّا.
(٣) انظر جامع الترمذي (٢/ ٣٩٩).
[ ٤ / ٥٢٤ ]
* إِذْنُهُ -ﷺ- لِضَعَفَةِ أَهْلِهِ بِالتَّعَجُّلِ إِلَى مِنًى:
وَأَذِنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في تِلْكَ اللَّيْلَةِ لِضَعَفَةِ أَهْلِهِ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ أَنْ يَتَقَدَّمُوا إِلَى مِنًى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ غَيْبُوبَةِ الْقَمَرِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: نَزَلْنَا الْمُزْدَلِفَةَ، فَاسْتَأْذَنتِ النَّبِيَّ -ﷺ- سَوْدَةُ أَنْ تَدْفَعَ قَبْلَ حَطْمَةِ (١) النَّاسِ، وَكَانَتِ امْرَأَةً بَطِيئَةً (٢)، فَأَذِنَ لَهَا، فَدَفَعَتْ قَبْلَ حَطْمَةِ النَّاسِ، وَأَقَمْنَا حَتَّى أَصْبَحْنَا نَحْنُ، ثُمَّ دَفَعْنَا بِدَفْعِهِ، فَلَأَنْ أَكُونُ اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَمَا اسْتَأْذَنتْ سَوْدَةُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ (٣).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ كَذَلِكَ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَا (٤) مِمَّنْ قَدَّمَ النَّبِيُّ -ﷺ- لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ في ضَعَفَةِ أَهْلِهِ (٥).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتحِ (٤/ ٣٤٦): الحطمة بفتح الحاء وسكون الطاء: الزحمة.
(٢) في رواية أخرى في الصحيح: ثقيلة.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب من قدّم ضعفة أهله بليل - رقم الحديث (١٦٨١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب تقديم دفع الضعفة من النساء وغيرهن - رقم الحديث (١٢٩٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٣١٤).
(٤) كان عمر عبد اللَّه بن عباس ﵄ في حجة الوداع ثلاثة عشرة سنة.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب من قدّم ضعفة أهله بليل - رقم الحديث (١٦٧٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب تقديم دفع =
[ ٤ / ٥٢٥ ]
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سنَنِهِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدَّمَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أُغَيْلِمَةَ (١) بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، عَلَى حُمْرَاتٍ (٢) لَنَا مِنْ جَمْعٍ، فَجَعَلَ يَلْطَخُ (٣) أَفْخَاذَنا، وَيَقُولُ: "أُبَيْنِيَّ (٤)، لَا تَرْمُوا الْجَمْرَةَ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ" (٥).
* وُقُوفُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالْمَشْعَرِ الْحَرَامِ (٦)، ثُمَّ دَفْعُهُ إِلَى مِنًى:
فَلَمَّا طَلَعَ الفجْرُ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَصَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ مُغْلِسًا (٧) بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، وَذَلِكَ يَوْمَ النَّحْرِ (٨)، وَهُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبرِ، وَهُوَ يَوْمُ الْأَذَانِ بِبَرَاءَةِ اللَّهِ
_________________
(١) = الضعفة من النساء وغيرهن - رقم الحديث (١٢٩٣) (٣٠١).
(٢) أُغيلمة: تصغير أَغْلِمة، جمع غلام في القياس، ولم يَرد في جمعه أغلمة، وإنما قالوا: غِلْمة، ومثله أُصيبية تصغير صِبية. انظر النهاية (٣/ ٣٤٣) - جامع الأصول (٣/ ٢٦٠).
(٣) حُمْرات: بضم الحاء، جمع حُمُر، والحُمُر جمع حمار. انظر جامع الأصول (٣/ ٢٦٠).
(٤) اللَّطْح: ضَرب لين بباطن الكف. انظر جامع الأصول (٣/ ٢٦٠).
(٥) الأُبَيْنِي: بوزن الأُعيمي: تصغير الأبنى بوزن الأعمى، وهو جمع ابن. انظر جامع الأصول (٣/ ٢٦٠).
(٦) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب التعجيل من جَمع - رقم الحديث (١٩٤٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٨٢) (٣٠٠٣) - وابن ماجة في سننه - كتاب المناسك - باب من تقدم من جمع إلى منى لرمي الجمار - رقم الحديث (٣٠٢٥) - وأورده الحافظ في الفتح (٤/ ٣٤٤) - وحسن إسناده.
(٧) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٤/ ٣٤٢): المشعر بفتح الميم والعين، سُمي مشعر؛ لأنه معلم للعبادة، والحرام: لأنه من الحرم أو لحرمته.
(٨) الْغَلَس: ظلمة آخر الليل إذا اختلطت بضوء الصبح. انظر النهاية (٣/ ٣٣٩).
(٩) وهو يوم الأضحى، وهو أحب الأيام إلى اللَّه، فقد أخرج ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٢٨١١) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٣١٩) بسند =
[ ٤ / ٥٢٦ ]
وَرَسُولهِ مِنْ كُلِّ مُشْرِكٍ، وَكَانَ يَوْمَ السَّبْتِ.
ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نَاقتَهُ الْقصْوَاءَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَدَعَا اللَّهَ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا، وَذَلِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ (١).
وَأَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ حِينَ وَقَفَ عَلَى الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ أَنَّ الْمُزْدَلِفَةَ كُلُّهَا مَوْقِفٌ فَقَالَ: "وَقَفْتُ هَاهُنَا، والْمُزْدَلِفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ مُحَسِّرٍ" (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَذَا قُزَحُ (٣)، وَهُوَ الْمَوْقِفُ
_________________
(١) = صحيح عن عبد اللَّه بن قُرط -﵁- قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "أحب الأيام إلى اللَّه ﷿ يوم النحر، ثم يوم القر"، ويوم القر: هو يوم الغد من يوم النحر، وهو الحادي عشر من ذي الحجة، سمي بذلك لأن الناس يقرون فيه بمنى، أي يسكنون ويقيمون. انظر النهاية (٤/ ٣٣).
(٢) أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب وصف حجة المصطفى -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٤٤).
(٣) أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب ما جاء أن عرفة كلها موقف - رقم الحديث (١٢١٨) (١٤٩) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١١٩٤) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب وقوف الحاج بعرفات والمزدلفة - رقم الحديث (٣٨٥٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٧٥١) (١٤٤٤٠) - وابن ماجة في سننه - كتاب المناسك - باب الذبح - رقم الحديث (٣٠٤٨).
(٤) قُزح: بضم القاف وفتح الزاي هو العَلَم -أي جبل- الذي يقف عنده الإمام بالمزدلفة. =
[ ٤ / ٥٢٧ ]
وَجَمْعٌ (١) كُلُّهَا مَوْقِفٌ" (٢).
* حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ مُصرِّسٍ (٣) الطَّائِيِّ -﵁-:
وَهُنَاكَ سَأَلَ عُرْوَةُ بْنُ مُضَرِّسٍ الطَّائِيُّ -﵁- رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ بِمُزْدَلِفَةَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، جِئْتُ مِنْ جَبَلَيْ طَيْءٍ، أَكْلَلْتُ (٤) مَطِيَّتِي (٥)، وَأَتْعَبْتُ نَفْسِي، وَاللَّهِ مَا ترَكْتُ مِنْ حَبْلٍ، إِلَّا وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَهَلْ لِي مِنْ حَجٍّ؟ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ شَهِدَ مَعَنَا هَذِهِ الصَّلَاةَ -صَلَاةَ الفجْرِ بِالْمُزْدَلِفَةِ- وَوَقَفَ مَعَنَا حَتَّى نَدْفَعَ، وَقَدْ وَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ وَقَضَى تَفَثَهُ (٦) ".
_________________
(١) = انظر النهاية (٤/ ٥١).
(٢) جَمْعٌ: هي المزدلفة، وتقدم ذلك.
(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٤٨) - وأبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب الصلاة بجمع- رقم الحديث (١٩٣٥) وإسناده حسن.
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٤/ ٣٤٥): مُضَرِّس: بضم الميم وفتح الضاد وتشديد الراء المكسورة.
(٥) أَكْلَلْتُ: أَتْعَبْتُ. انظر لسان العرب (١٢/ ١٤٢).
(٦) الْمَطِيَّةُ: بفتح الميم هي الناقة التي يُركب مَطاها، أي ظهرها. انظر النهاية (٤/ ٢٩٠).
(٧) التفث: المناسك. انظر تفسير ابن كثير (٥/ ٤١٧). ومنه قوله تَعَالَى في سورة الحج آية (٢٩): ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾. والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٢٠٨) - والطحاوي في =
[ ٤ / ٥٢٨ ]
* جَمْعُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْجِمَارَ:
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄، غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ أَنْ يَلْتَقِطَ لَهُ حَصَى الْجِمَارِ، فَالْتَقَطَ لَهُ سَبْعَ حَصَيَاتٍ مِنْ حَصَى الْخَذْفِ (١)، فَلَمَّا وَضَعَهُنَّ في يَدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ، بِأَمْثَالِ هَؤُلَاءِ، وَإِيَّاكُمْ وَالْغُلو في الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ في الدِّينِ" (٢).
ثُمَّ دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- منَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، مُخَالِفًا لِلْمُشْرِكِينَ الذِينَ كَانُوا لَا يُفِيضونَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ خَلْفَهُ الفضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ (٣) ﵄، وَكَانَ رَجُلًا حَسَنَ الشَّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيمًا، وَانْطَلَقَ
_________________
(١) = شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٦٩١) (٤٦٩٢) (٤٦٩٣) - والترمذي في جامعه - كتاب الحج - باب ما جاء من أدرك الإمام بجمع. . . رقم الحديث (٩٠٦) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب ما يجب على المرء من الوقوف بعرفات في حجه - رقم الحديث (٣٨٥٠) - وإسناده صحيح.
(٢) الخذف: الصغار. انظر النهاية (١/ ٣٤٣).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٢١) (١٨٥١) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب رمي جمرة العقبة - رقم الحديث (٣٨٧١) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب المناسك - باب التقاط الحصى - رقم الحديث (٤٠٤٩) - وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(٤) كان رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أردف خلفه أسامة بن زيد ﵄ من عرفة إلى مزدلفة، ثم أردف الفضل بن العباس ﵄ من المزدلفة إلى منى، وقد روى ذلك البخاري في صحيحه - رقم الحديث (١٦٨٦) عن ابن عباس ﵄، ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب إدامة الحاج التلبية - رقم الحديث (١٢٨٠) عن أسامة بن زيد ﵄.
[ ٤ / ٥٢٩ ]
أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄ في سُبَّاقِ قُرَيْشٍ (١).
فَلَمَّا دَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَرَّتْ بِهِ ظُعُنٌ (٢) يَجْرِينَ، فَطَفِقَ (٣) الْفَضْلُ -﵁- يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدَهُ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، فَحَوَّلَ الْفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ عَلَى وَجْهِ الْفَضْلِ، يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِ يَنْظُرُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ (٤).
* سُؤَالُ الرَّجُلِ عَنْ أُمِّهِ:
وَفِي مَسِيرِهِ -ﷺ- إِلَى مِنًى أتِاهُ رَجُل فَسَأَلهُ عَنْ أُمِّهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أُمِّي عَجُوزٌ كَبِيرةٌ، وَإِنْ حَمَلْتُهَا لَمْ تَسْتَمْسِكْ، وَإِنْ رَبَطْتُهَا خَشِيتُ أَنْ أَقْتُلَهَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: "أَرَأَيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ أَكُنْتَ قَاضِيهِ؟ ".
قَالَ: نَعَمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَحُجَّ عَنْ أُمِّكَ" (٥).
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب متى يُدفع من جمع - رقم الحديث (١٦٨٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨٤).
(٢) الظُّعُنُ: بضم الظاء، النساء. انظر النهاية (٣/ ١٤٣).
(٣) طفق: جعل. انظر النهاية (٣/ ١١٨).
(٤) أخرج ذلك مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب ذكر وصف حجة المصطفى -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٤٤).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٣٧٧) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٥٣٧) وإسناده صحيح.
[ ٤ / ٥٣٠ ]
* وُصُولُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى وَادِي مُحَسِّرٍ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسِيرُ سَيْرًا لَيِّنًا، وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ، فَلَمَّا أَتَى مُحَسِّرًا حَرَّكَ (١) ناقَتَهُ قلِيلًا (٢).
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀: وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَتُهُ -ﷺ- في الْمَوَاضِعِ التِي نَزَلَ فِيهَا بَأْسُ اللَّهِ بِأَعْدَائِهِ، فَإِنَّ هُنَالِكَ أَصَابَ أَصْحَابَ الْفِيلِ مَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا، وَلذَلِكَ سُمِّيَ ذَلِكَ الْوَادِي وَادِي مُحَسِّرٍ؛ لِأَنَّ الْفِيلَ حَسَرَ فِيهِ، أَيْ أَعْيَى، وَانْقَطَعَ عَنِ الذَّهَابِ إِلَى مَكَّةَ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ -ﷺ- في سُلُوكِهِ الْحِجْرَ دِيَارَ ثَمُودَ، فَإِنَّهُ تَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ، وَأَسْرَعَ السَّيْرَ (٣).
وَلَمَّا أَوْضَعَ (٤) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في وَادِي مُحَسِّرٍ، قَالَ لِلنَّاسِ: "عَلَيْكُمْ بِحَصَى الخَذْفِ الذِي يُرْمَى بِهِ الْجَمْرَةُ"، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالسَّكِينَةِ، وَقَالَ: "لِتَأْخُذْ أُمَّتِي مَنْسَكَهَا، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا ألقَاهُمْ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا" (٥).
_________________
(١) في رواية أخرى في مسند الإمام أحمد - رقم الحديث (٦١٣): قَرَعَ -أي ضربها بسوطه-. انظر النهاية (٤/ ٣٨).
(٢) أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -﵁- رقم الحديث (١٢١٨) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٥٥٣) (٢١٨١٢).
(٣) انظر زاد المعاد (٢/ ٢٣٦) -وقد ذكرنا- في غزوة تبوك - ما فعل رسول اللَّه -ﷺ- عندما مرَّ على ديار ثمود، فراجعه.
(٤) أوضع: أسرع. انظر النهاية (٥/ ١٧١).
(٥) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٥٥٣) - وابن ماجة في سننه - كتاب المناسك - باب الوقوف بجمع - رقم الحديث (٣٠٢٣) - وإسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٤ / ٥٣١ ]
* رَمْيُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ:
ثُمَّ سَلَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الطَّرِيقَ الْوُسْطَى التِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ، وَكَانَ يُلَبِّي في مَسِيرِهِ ذَلِكَ حَتَّى شَرَعَ في الرَّمْي.
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ ﵄ كَانَ رَدِفَ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنْ عَرَفَةَ إِلَى الْمُزْدَلِفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الفضْلَ مِنَ الْمُزْدَلِفَةِ إِلَى مِنًى، فكِلَاهُمَا قَالَا: لَمْ يَزَلِ النَّبِيُّ -ﷺ- يُلَبِّي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (١).
فَلَمَّا أَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ -وَهِيَ الْجَمْرَةُ الْكُبْرَى- وَقَفَ في أَسْفَلِ الْوَادِي، وَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ، وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْجَمْرَةَ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، وَمَعَهُ بِلَالٌ وَأُسَامَةُ ﵄، أَحَدُهُمَا آخِذٌ بِخِطَامِ نَاقَتِهِ، وَالْآخَرُ يُظَلِّله بِثَوْبٍ مِنَ الشَّمْسِ، وَكَانَ الْوَقْتُ ضُحًى، فَرَمَاهَا -ﷺ- مِنْ بَطْنِ الْوَادِي بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، مِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، وَهُوَ يَقُولُ: "لِتَأْخُذُوا مَنَاسِكَكُمْ، فَإِنِّي لَا أَدْرِي لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي هَذِهِ" (٢).
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسنَدِهِ، وَالتِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ قُدَامَةَ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب التلبية والتكبير غداة النحر حين يرمي الجمرة - رقم الحديث (١٦٨٦).
(٢) أخرج ذلك كله: الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا - رقم الحديث (١٢٩٧) (١٢٩٨) (٣١٢) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٤١٩) (٢٧٢٥٩).
[ ٤ / ٥٣٢ ]
بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَامِرِيِّ -﵁- قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يوْمَ النَّحْرِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ عَلَى نَاقَتِهِ، لَا ضَرْبٌ، وَلَا طَرْدٌ، وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ (١).
وَازْدَحَمَ النَّاسُ عِنْدَ الرَّمْي، فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بالرَّوِيَّةِ في الرَّمْي، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدْ حَسَنٍ عَنْ أُمِّ جُنْدُبٍ الْأَزْدِيَّةِ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُوَلَ اللَّهِ -ﷺ- يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ مِنْ بَطْنِ الْوَادِي يَوْمَ النَّحْرِ، وَهُوَ يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا يَقْتُلْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَلَا يُصِيبُ بَعْضُكُمْ، وَإِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ، فَارْمُوهَا بِمِثْلِ حَصَى الْخَذْفِ" (٢).
* خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمِنًى يَوْمَ النَّحْرِ:
ثُمَّ خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في النَّاسَ بِمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى، وَهُوَ وَاقِفٌ بَيْنَ الْجَمَرَاتِ عَلَى نَاقَتِهِ، وَقِيلَ عَلَى بَغْلَةٍ شَهْبَاءَ، وَعَلِيٌّ -﵁- يُعَبِّرُ عَنْهُ، وَالنَّاسُ بَيْنَ قَائِمٍ وَقَاعِدٍ، وَأَعَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في خُطْبَتِهِ هَذِهِ بَعْضَ مَا كَانَ أَلْقَاهُ في خُطْبَةِ عَرَفَةَ، وَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْجَمْعِ الذِي اجْتَمَعَ حَوْلَهُ.
وَقَرَّرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في خُطْبَتِهِ هَذِهِ تَحْرِيمَ الزِّنَى، وَالْأَمْوَالِ، وَالْأَعْرَاضِ، وَذَكَرَ حُرْمَةَ يَوْمِ النَّحْرِ، وَحُرْمَةَ مَكَّةَ عَلَى جَمِيعِ الْبِلَادِ، فَكَانَ مِمَّا
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٤١١) - والترمذي في جامعه - كتاب الحج - باب ما جاء في كراهية طرد الناس عند رمي الجمار - رقم الحديث (٩١٩). وقال الترمذي: حديث قدامة بن عبد اللَّه حديث حسن صحيح. وقد تقدم شرح هذا الحديث عند الكلام على سعي النبي -ﷺ- بين الصفا والمروة، فراجعه.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٠٨٧) (٢٧١١٠).
[ ٤ / ٥٣٣ ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَلَا إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ (١)، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ، ثَلَاثٌ مُتَوَالِيَاتٌ: ذُو الْقِعْدَةِ، وَذُو الْحِجَّةِ، وَالْمُحَرَّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ (٢) الذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ".
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ ".
قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ.
فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: "أَليْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ ".
قُلْنَا: بَلَى، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟ ".
قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) قال الإمام البغوي في شرح السنة (٧/ ٢٢٠ - ٢٢٢): معناه أن العرب كانت في الجاهلية قد بدّلت أشهر الحُرم، وذلك أنهم كانوا يعتقدون تعظيم هذه الأشهر الحرم، ويتحرَّجون فيها عن القتال، فاستحل بعضهم القتال فيها من أجل أن عامة معايشهم كانت من الصيد والغارة، فكان يشق عليهم الكف عن ذلك ثلاثة أشهر على التوالي، وكانوا إذا استحلّوا شهرًا منها، حَرَّموا مكانه شهرًا آخر، وهو النسيء الذي ذكره اللَّه ﷾ في سورة التوبة آية (٣٧)، فقال: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾. ومعنى النسيء: تأخير تحريم رجب إلى شعبان، والمحرم إلى صفر، مأخوذ من نسأت الشيء: إذا أخرته. . . إلى أن كان العام الذي حج فيه النبي -ﷺ-، فوافى حجهم شهر الحج المشروع، وهو ذو الحجة، فوقف بعرفة اليوم التاسع، وخطب اليوم العاشر بمنى، وأعلمهم أن أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان، وعاد الأمر إلى ما وضع اللَّه عليه حساب الأشهر يوم خلق السموات والأرض، وأمرهم بالمحافظة عليه، لئلا يتبدل في مستأنف الأيام.
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٩/ ٢٢٢): إضافة شهر رجب إلى قبيلة مُضر؛ لأنهم كانوا متمسكين بتعظيمه، بخلاف غيرهم.
[ ٤ / ٥٣٤ ]
فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: "أَليْسَ ذَا الْحِجَّةِ؟ ".
قُلْنَا: بَلَى، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَيُّ بَلَدٍ هَذَا؟ ".
قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ.
فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، فَقَالَ: "أَليْسَتِ الْبَلْدَةَ؟ ".
قُلْنَا: بَلَى.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكُمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، وَسَتَلقوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ، أَلَا فَلَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا أَوْ ضُلَّالًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ، فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يُبَلِّغُهُ يَكُونُ أَوْعَى لَهُ مِنْ بَعْضِ مَنْ سَمِعَهُ، أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ" (١).
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَلَا إِنَّمَا هُنَّ أَرْبَعٌ: لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَسْرِقُوا" (٢).
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب الخطبة في منى - رقم الحديث (١٧٣٩) (١٧٤١) - وكتاب المغازي - باب حجة الوداع - رقم الحديث (٤٤٠٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب القسامة والمحاربين - باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال - رقم الحديث (١٦٧٩) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٣٨٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٣) (١٤٥٤) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب المناسك - باب وقت الخطبة يوم النحر - رقم الحديث (٤٠٧٩).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٩٨٩) - وإسناده صحيح.
[ ٤ / ٥٣٥ ]
"أَلَا وَإِنِّي فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ أَنْظُرُكُمْ، وَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الْأُمَمَ، فَلَا تُسَوِّدُوا وَجْهِي، أَلَا وَقَدْ رَأَيْتُمُونِي وَسَمِعْتُمْ مِنِّي، وَسَتُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ، فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، أَلَا وَإِنِّي مُسْتَنْقِذٌ رِجَالًا، وَمُسْتَنْقَذٌ مِنِّي آخَرُونَ، فَأَقُولُ: يَارَبِّ أَصْحَابِي!، فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ" (١).
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَلَا لَا يَجْنِي (٢) جَانٍ إِلَّا عَلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَجْنِي وَالِدٌ عَلَى وَلَدِهِ، وَلَا مَوْلُودٌ عَلَى وَالِدِهِ، أَلَا إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يُعْبَدَ في بَلَدِكُمْ هَذَا أَبدًا، وَلَكِنْ سَتَكُونُ لَهُ طَاعَةٌ في بَعْضِ مَا تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ" (٣).
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اعْبُدُوا رَبَّكُمْ (٤)، وَصَلُّوا خَمْسَكُمْ، وَصُومُوا
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٤٩٧) - وابن ماجة في سننه - كتاب المناسك - باب الخطبة يوم النحر - رقم الحديث (٣٠٥٧) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٢) - وإسناده صحيح.
(٢) الجناية: الذنب والجُرم وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العذاب، أو القصاص في الدنيا والآخرة، والمعنى أنه لا يُطَالَب بجناية غيره من أقاربه وأباعده، فإذا جنى أحدهما جناية لا يعاقب بها الآخر، كقوله تَعَالَى في سورة الإسراء آية (١٥): ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. انظر النهاية (١/ ٢٩٨).
(٣) أخرج ذلك الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة التوبة - رقم الحديث (٣٣٤١) - وابن ماجة في سننه - كتاب المناسك - باب الخطبة يوم النحر - رقم الحديث (٣٠٥٥) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب المناسك - باب يوم الحج الأكبر - رقم الحديث (٤٠٨٥) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٥٢) - وإسناده صحيح.
(٤) هذه رواية الإمام أحمد في مسنده، وفي رواية الترمذي: "اتقوا اللَّه".
[ ٤ / ٥٣٦ ]
شَهْرَكُمْ، وَأَدُّوا زَكَاةَ أَمْوَالِكُمْ، وَأَطِيعُوا ذَا أَمْرِكُمْ، تَدْخُلُوا جَنَّةَ رَبِّكُمْ" (١).
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِي فَبَلَّغَهَا، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ غَيْرِ فَقِيهٍ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، ثَلَاثٌ لَا يَغِلُّ (٢) عَلَيْهِنَّ قَلْبُ مُؤْمِنٍ: إِخْلَاصُ الْعَمَلِ للَّهِ، وَالنَّصِيحَةُ لِوُلَاةِ الْمُسْلِمِينَ (٣)، وَلُزُومُ جَمَاعَتِهِمْ، فَإِنَّ دَعْوَتَهُمْ تُحِيطُ مِنْ وَرَائِهِمْ" (٤).
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ في خُطْبَتِهِ هَذِهِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِمَنْ قَادَهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ مُجَدَّعًا (٥)، وَعَلَّمَهُمْ مَنَاسِكَهُمْ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّبْلِيغِ عَنْهُ (٦).
قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنِ مُعَاذٍ التَّيْمِيُّ -﵁-: خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَنَحْنُ بِمِنًى، فَفُتِحَتْ أَسْمَاعُنَا حَتَّى كُنَّا نَسْمَعُ مَا يَقُولُ وَنَحْنُ في مَنَازِلِنَا، فَطَفِقَ
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢١٦١) - والترمذي في جامعه - كتاب الصلاة - باب ما ذكر في فضل الصلاة - رقم الحديث (٦٢٠) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٧٢٨٨) - وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(٢) يغل: هو من الإغلال: الخيانة في كل شيء. انظر النهاية (٣/ ٣٤١).
(٣) في رواية الإمام أحمد في مسنده: "الأمر".
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٧٣٨) - وابن ماجة في سننه - كتاب المناسك - باب الخطبة يوم النحر - رقم الحديث (٣٠٥٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٦٠١) - وهو صحيح لغيره.
(٥) الْمُجَدَّع: بفتح الجيم والدال المشددة، والْجَدْعُ: قطع الأنف، والأذن، والشفة. انظر النهاية (١/ ٢٣٩). قال النووي في شرح مسلم (٩/ ٤٠): ومقصوده التنبيه على نهاية خِسَّتِهِ، فإن العبد خسيس في العادة، ثم سواده نقص آخر، وجدعه نقص آخر.
(٦) أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا - رقم الحديث (١٢٩٨).
[ ٤ / ٥٣٧ ]
يُعَلِّمُهُمْ مَنَاسِكَهُمْ (١).
وَوَدَّعَ حِينَئِذٍ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ، فَقَالُوا: هَذِهِ حَجَّةُ الْوَدَاعِ (٢).
ثُمَّ أَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارُ مَنَازِلَهُمْ، فَقَالَ: "لِيَنْزِلِ الْمُهَاجِرُونَ هَهُنَا"، وَأَشَارَ إِلَى مَيْمَنَةِ الْقِبْلَةِ، "وَالْأَنْصَارُ هَهُنَا"، وَأَشَارَ إِلَى مَيْسَرَةِ الْقِبْلَةِ، ثُمَّ قَالَ: "لِيَنْزِلِ النَّاسُ حَوْلَهُمْ"، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هُوَ عَلَى يَسَارِ مُصَلَّى الْإِمَامِ بِمِنًى (٣).
وَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُبْنَى لَهُ بِنَاءٌ يُظَلِّلُهُ مِنَ الْحَرِّ، فَقَالَ: "لَا، مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ" (٤).
* سُؤَالُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَهُنَاكَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَمَّنْ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ، وَعَمَّنْ ذَبَحَ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ، فَقَالَ: "لَا حَرَجَ" (٥).
_________________
(١) أخرج ذلك أبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب ما يذكر الإمام في خطبته بمنى - رقم الحديث (١٩٥٧) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (١٧٥٧) - وإسناده حسن.
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب الخطبة أيام منى - رقم الحديث (١٧٤٢).
(٣) أخرج ذلك أبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب النزول بمنى - رقم الحديث (١٩٥١) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (١٧٥٧) - وإسناده حسن.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٥٤١) - وابن ماجة في سننه - كتاب المناسك - باب النزول بمنى - رقم الحديث (٣٠٠٦) - وأبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب تحريم مكة - رقم الحديث (٢٠١٩) - وإسناده ضعيف.
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١/ ٢٤٤): أي لا شيء عليه مطلقًا من الإثم.
[ ٤ / ٥٣٨ ]
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄: فَمَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ، إِلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ" (١).
قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ: لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِ مَنْ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ الْبَحْثِ الشَّدِيدِ، وَلَا عَلَى اسْمِ أَحَدٍ مِمَّنْ سَأَلَ في هَذِهِ الْقِصَّةِ، وَسَأُبَيِّنُ أَنَّهُمْ كَانُوا جَمَاعَةً، لَكِنْ في حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ وَغَيْرِهِ (٢) كَانَ الْأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ، وَكَأَنَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ في عَدَمِ ضَبْطِ أَسْمَائِهِمْ" (٣).
* نَحْرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- هَدْيَهُ بِمِنًى:
ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْمَنْحَرِ بِمِنًى، فنَحَرَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً (٤) بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ -ﷺ-، وَقَالَ: "نَحَرْتُ هَاهُنَا، وَمِنًى كُلّهَا مَنْحَرٌ، فَانْحَرُوا فِي رِحَالِكُمْ، وَكُلُّ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ ذَبْحٌ" (٥).
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب العلم - باب الفتيا وهو واقف على الدابة وغيرها - رقم الحديث (٨٣) - وأخرجه في كتاب الحج - باب الفتيا على الدابة عند الجمرة - رقم الحديث (١٧٣٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب من حلق قبل النحر، أو نحر قبل الرمي - رقم الحديث (١٣٠٦) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٤٨٤) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٢٣٩٩).
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٦٠١٥) - وأبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب فيمن قدم شيئًا قبل شيء في حجه - رقم الحديث (٢٠١٥) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (١٦٠٧) - وإسناده صحيح.
(٣) انظر فتح الباري (٤/ ٣٩٧).
(٤) الْبَدَنَةُ: تقع على الجمل والناقة والبقرة، وهي بالإبل أشبه، وسميت بدنة لعظمها وسمنها. انظر النهاية (١/ ١٠٨).
(٥) أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب ما جاء أن عرفة كلها موقف - =
[ ٤ / ٥٣٩ ]
وَكَانَتْ تُقَرَّبُ إِلَيْهِ -ﷺ- الْبُدْنُ أَرْسَالًا (١)، فَقُرِّبَ مِنْهُنَّ إِلَيْهِ خَمْسٌ أَوْ سِتٌّ فَطَفِقْنَ (٢) يَزْدَلِفْنَ (٣) إِلَيْهِ -ﷺ- بِأَيَّتِهِنَّ يَبْدَأُ (٤)، وَكَانَ -ﷺ- يَنْحَرُهَا قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدِهَا الْيُسْرَى (٥)، فَلَمَّا نَحَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً أَمْسَكَ، وَأَمَرَ عَلِيًّا -﵁-، أَنْ يَنْحَرَ مَا بَقِيَ مِنْهَا (٦)، وَهِيَ سَبْعٌ وَثَلَاثُونَ بَدَنَةً، تَمَامُ الْمِائَةِ (٧).
_________________
(١) = رقم الحديث (١٢١٨) (١٤٩) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٤٤٠) (١٦٧٥١) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٣٨٥٤) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١١٩٤).
(٢) أَرْسالًا: أي أفواجًا وفرقًا متقطعة، يتبع بعضها بعضًا. انظر النهاية (٢/ ٢٠٢).
(٣) طفق: جعل. انظر النهاية (٣/ ١١٨).
(٤) يَزْدَلِفْنَ: أي يقربن منه. انظر النهاية (٢/ ٢٨٠).
(٥) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٠٧٥) - وأبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب في الهَدي إذا عطب قبل أن يبلغ - رقم الحديث (١٧٦٥) والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٣١٩) - وإسناده صحيح.
(٦) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب نحر الإبل مقيدة - رقم الحديث (١٧١٣) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب نحر الإبل قيامًا مقيدة - رقم الحديث (١٣٢٠) - وأبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب كيف تنحر البدن - رقم الحديث (١٧٦٧).
(٧) قلت هذا هو الصحيح، أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- نحر بيده الشريفة ثلاثًا وستين، وعليًا -﵁- نحر الباقي، وهي رواية الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٢١٨). وأما ما رواه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٧٤) - وأبو داود في سننه - رقم الحديث (١٧٦٤) عن عليّ -﵁- قال: لما نحر رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بُدنه، نحر بيده ثلاثين، وأمرني فنحرت سائرها. فهو حديث ضعيف. وأخرج الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٥٩) بسند ضعيف عن ابن عباس ﵄ قال: أهدى رسول اللَّه -ﷺ- في حجة الوداع مئة بدنة، نحر منها ثلاثين بدنة بيده، ثم أمر عليًّا -﵁- فنحر ما بقي منها.
(٨) أخرج ذلك الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب يتصدق بجلال البدن - رقم =
[ ٤ / ٥٤٠ ]
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لعَلِيٍّ -﵁-: "اقْسِمْ لُحُومَهَا وَجُلُودَهَا وَجِلَالَهَا (١) فِي الْمَسَاكينِ، وَلَا تُعْطِيَنَّ جَزَّارًا مِنْهَا شَيْئًا فِي جِزَارَتهَا، وَخُذْ لَنَا مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ حِذْيَهً (٢) مِنْ لَحْمٍ، ثُمَّ اجْعَلْهَا فِي قِدْرٍ وَاحِدٍ حَتَّى نَأْكُلَ مِنْ لَحْمِهَا، وَنَحْسُوَ مِنْ مَرَقِهَا"، فَفَعَلَ -﵁- (٣).
* ذَبْحُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْبَقَرَ عَنْ نِسَائِهِ:
وَذَبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ؛ لأَنَّهُنَّ كُنَّ مُتَمَتِّعَاتٍ وَعَلَيْهِنَّ الْهَدْيُ (٤).
_________________
(١) = الحديث (١٧١٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨).
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٤/ ٣٧١): الجِلال: بكسر الجيم وتخفيف اللام جمع جُل بضم الجيم، وهو ما يطرح على ظهر البعير من كساء ونحوه.
(٣) الْحِذْيَة: بكسر الحاء: القطعة. انظر النهاية (١/ ٣٤٤).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب لا يعطي الجزار من الهدي شيئًا - رقم الحديث (١٧١٦) - وباب يتصدق بجلود الهدي - رقم الحديث (١٧١٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - وباب في الصدقة بلحوم الهدي وجلودها - رقم الحديث (١٣١٧) (٣٤٩) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٠٠٢) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب المناسك - باب الاشتراك في الهدي - رقم الحديث (٤١٠٥).
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب ذبح الرجل البقر عن نسائه - رقم الحديث (١٧٠٩) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان وجوه الإحرام - رقم الحديث (١٢١١) (١١٩) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٤٢٩).
[ ٤ / ٥٤١ ]
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ذَبَحَ عَنْهُنَّ كُلُّهُنَّ بَقَرَةً وَاحِدَةً (١).
* حَدِيثٌ شاذٌّ:
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ النَّسَائيُّ في السُّنَنِ الكُبْرَى عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: ذَبَحَ عَنَّا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ حَجَجْنَا بَقَرَةً بَقَرَةً (٢).
فَهُوَ حَدِيثٌ شَاذٌّ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ (٣)، مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ.
وَذَبَحَ الصَّحَابَةُ ﵃ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فنَحَرُوا الْبَعِيرَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ، وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لَهُمْ عِنْدَمُا أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إِلَى الْعُمْرَةِ: ". . . فَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، وَسَبْعَةً إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ"، كَانُوا يَشْتَرِكُونَ في الْهَدْيِ (٤).
* قِصَّةُ الْفَضْلِ مَعَ الخَثعَمِيَّةِ:
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦١٠٩) - وأبو داود في سننه - رقم الحديث (١٧٥٠) - وابن ماجه في سننه - رقم الحديث (٣١٣٥) - ابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب الهدي - رقم الحديث (٤٠٠٨) - وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب المناسك - باب النحر عن النساء - رقم الحديث (٤١١٥).
(٣) انظر فتح الباري (٤/ ٣٧٣).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب من ساق البدن معه - رقم الحديث (١٦٩١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب الاشتراك في الهدي - رقم الحديث (١٣١٨) (٣٥١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٢٦٥).
[ ٤ / ٥٤٢ ]
قَالَ: كَانَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ رَدِيفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَكَانَ الْفَضْلُ رَجُلًا وَضِيئًا (١) - فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ (٢) مِنْ خَثْعَمَ تَسْتَفْتِيهِ، فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْلِ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرِ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ في الْحَجِّ أَدْرَكتْ أَبِي شَيْخًا كَبِيرًا لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَثْبُتَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، أَفَأَحُجُّ عَنْهُ؟ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ"، وَذَلِكَ في حَجَّةِ الْوَدَاعِ (٣).
وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ وَالتِّرْمِذِيِّ في جَامِعِهِ: عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: . . . ثُمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَنْحَرَ. . . وَاسْتَفْتَتْهُ جَارِيَةٌ شَابَّةٌ مِنْ خَثْعَمٍ، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي شَيْخٌ كَبِيرٌ قَدْ أَدْرَكَتْهُ فَرِيضَةُ اللَّهِ في الحَجِّ، أَفيُجْزِئُ أَنْ أَحُجَّ عَنْهُ؟ فَقَالَ -ﷺ-: "حُجِّي عَنْ أَبِيكِ"، وَلَوَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُنُقَ الفَضْلِ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -﵁- وَكَانَ شَاهِدًا-: يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ لَوَيْتَ عُنُقَ ابْنِ عَمِّكِ؟، فَقَالَ
_________________
(١) الْوَضَاءَة: الْحُسْنُ. انظر النهاية (٥/ ١٦٩).
(٢) وفي رواية الترمذي في جامعه - رقم الحديث (٩٠٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٥٦٢): جارية شابَّة.
(٣) في رواية النسائي في السنن الكبرى وذلك غداة النحر. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب وجوب الحج وفضله - رقم الحديث (١٥١٣) - وباب حج المرأة عن الرجل - رقم الحديث (١٨٥٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب الحج عن العاجز لزمانه وهرم ونحوهما - رقم الحديث (١٣٣٤) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب القضاء - باب الحكم بالظاهر - رقم الحديث (٥٩١٥).
[ ٤ / ٥٤٣ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً، فَلَمْ آمَنِ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا" (١).
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلْفَضْلِ ﵄: "ابْنَ أَخِي، إِنَّ هَذَا يَوْمٌ مَنْ مَلَكَ فِيهِ سَمْعَهُ، وَبَصَرَهُ، وَلِسَانَهُ، غُفِرَ لَهُ" (٢).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الْحَافِظُ في الْفتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - جَوَازُ الِارْتِدَافِ.
٢ - وَفِيهِ تَوَاضُعُ النَّبِيِّ -ﷺ-.
٣ - وَفِيهِ مَنْزِلَةُ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ -﵁- مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ-.
٤ - وَفِيهِ بَيَانُ مَا رُكِّبَ في الْآدَمِيِّ مِنَ الشَّهْوَةِ، وَجُبِلَتْ طِبَاعُهُ عَلَيْهِ مِنَ النَّظَرِ إِلَى الصُّوَرِ الْحَسَنَةِ.
٥ - وَفِيهِ مَنْعُ النَّظَرِ إِلَى الْأَجْنَبِيَّاتِ وَغَضُّ الْبَصَرِ، وَيُؤْخَذُ مِنْهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءَ خَشْيَةَ الْفِتْنَةِ.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٥٦٢) - والترمذي في جامعه - كتاب الحج - باب ما جاء أن عرفة كلها موقف - رقم الحديث (٩٠٠) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٥٤٠) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (١٧٩٨) - وإسناده حسن.
(٢) أخرج هذه الرواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٠٤١) - وأوردها المنذري في الترغيب والترهيب - رقم الحديث (١٧٤١) - وإسناده ضعيف.
[ ٤ / ٥٤٤ ]
٦ - وَفِيهِ جَوَازُ كَلَامِ الْمَرْأَةِ وَسَمَاعُ صَوْتِهَا لِلْأَجَانِبِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ كَالِاسْتِفْتَاءِ عَنِ الْعِلْمِ، وَالتَّرَافُعِ في الْحُكْمِ وَالْمُعَامَلَةِ.
٧ - وَفِيهِ أَنَّ إِحْرَامَ الْمَرْأَةِ في وَجْهِهَا فَيَجُوزُ لَهَا كَشْفُهُ فِي الْإِحْرَامِ.
٨ - وَفِيهِ النِّيَابَةُ فِي السُّؤَالِ عَنِ الْعِلْمِ حَتَّى مِنَ الْمَرْأَةِ عَنِ الرَّجُلِ.
٩ - وَفِيهِ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ وَالِاعْتِنَاءُ بِأَمْرِهِمَا، وَالْقِيَامُ بِمَصَالِحِهِمَا مِنْ قَضَاءَ دَيْنٍ، وَخِدْمَةٍ، وَنَفَقَةٍ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا (١).
* حَلْقُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَأْسَه وَدُعُاؤهُ لِلْمحَلَقِينَ:
فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ نَحْرِ هَدْيِهِ دَعَا الْحَلَّاقَ، فَحَلَقَ رَأْسَهُ الشَّرِيفَ، حَلَقَهُ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدْوِيُّ -﵁- (٢).
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: . . . ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلْحَلَّاقِ: "خُذْ" وَأَشَارَ إِلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ، ثُمَّ الْأَيْسَرِ، ثُمَّ جَعَلَ يُعْطِيهِ النَّاسَ (٣).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٤/ ٥٥٠).
(٢) قال الإمام النووي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في شرح مسلم (٩/ ٤٦): الصحيح المشهور أن الَّذي حلق رأس رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في حجة الوداع معمر بن عبد اللَّه العدوي -وانظر فتح الباري (١/ ٣٦٨).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق - رقم الحديث (١٣٠٥).
[ ٤ / ٥٤٥ ]
وَرَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا حَلَقَ رَأْسَهُ كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَوَّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعْرِهِ (١).
وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- والْحَلَّاقُ يَحْلِقُهُ، وَأَطَافَ بِهِ أَصْحَابُهُ، فَمَا يُرِيدُونَ أَنْ تَقَعَ شَعْرَةٌ إِلَّا في يَدِ رَجُلٍ (٢).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُحَمَّدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: أَنَّهُ شَهِدَ النَّبِيَّ -ﷺ- عنْدَ الْمَنْحَرِ، هُوَ وَرَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَقَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ضَحَايَا، فَلَمْ يُصْبِهُ وَلَا صَاحِبُهُ شَيْءٌ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ في ثَوْبِهِ، فَأَعْطَاهُ وَقَسَمَ مِنْهُ عَلَى رِجَالٍ، وَقَلَّمَ أَظْفَارَهُ، فَأَعْطَاهُ صَاحِبَهُ (٣).
وَحَلَقَ أُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِهِ -ﷺ-، وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلْمُحَلِّقِينَ بِالْمَغْفِرَةِ ثَلَاثًا، وَللْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الوضوء - باب الماء الذي يُغسل به شعر الإنسان - رقم الحديث (١٧١).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب قرب النبي -ﷺ- من الناس، وتبركهم به - رقم الحديث (٢٣٢٥).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٤٧٥).
(٤) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب الحلق والتقصير عند الإحلال - رقم الحديث (١٧٢٧) (١٧٢٨) (١٧٢٩) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير - رقم الحديث (١٣٠١) (١٣٠٢).
[ ٤ / ٥٤٦ ]
* تَطَيُّبُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَإِفَاضَتُهُ بالبَيْتِ:
وَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ حِلَاقَةِ رَأْسِهِ الشَّرِيفِ، لَبِسَ الْقَمِيصَ، وَأَصَابَ الطِّيبَ، طَيَّبَتْهُ عَائِشَةُ ﵂، بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ، قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ (١).
ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ قَبْلَ الظُّهْرِ، فَطَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ، وَليُشْرِفَ، وَليَسْأَلُوهُ، فَإِنَّ النَّاسَ غَشَوْهُ (٢)، وَكانَ يَسْتَلمُ الرّكْنَ بمِحْجَنِهِ (٣)، كُلَّمَا أَتَى عَلَيْهِ أَشَارَ إِلَيْهِ بهِ وَكَبَّرَ (٤).
* شُرْبُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ زَمْزَمٍ:
ثُمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَمْزَمَ وَبَنُو عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَسْقُونَ، فَقَالَ -ﷺ-:
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب الطيب عند الإحرام - رقم الحديث (١٥٣٩) - وباب الطيب بعد رمي الجمار - رقم الحديث (١٧٥٤) - وأخرجه في كتاب اللباس - باب تطييب المرأة زوجها بيديها - رقم الحديث (٥٩٢٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب الطيب للمحرم عند الإحرام - رقم الحديث (١١٩١).
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٩/ ١٧): غشوه: أي ازدحموا عليه.
(٣) المحجن: عصا معقفة الرأس. انظر النهاية (١/ ٣٣٥).
(٤) أخرج ذلك الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب استلام الركن بالمحجن - رقم الحديث (١٦٠٧) - وباب التكبير عند الركن - رقم الحديث (١٦١٣) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - وباب جواز الطواف على بعير وغيره، واستلام الحجر بمحجن - رقم الحديث (١٢٧٣) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب رمي جمرة العقبة - رقم الحديث (٣٨٦٨) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٥٩٢).
[ ٤ / ٥٤٧ ]
"انْزِعُوا (١) بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسَ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ" (٢)، ثُمَّ نَاوَلُوهُ دَلْوًا فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ مَجَّ فِيهِ، ثُمَّ أَفْرَغَهُ في زَمْزَمَ (٣)، ثُمَّ تَوَضَّأ مِنْهُ (٤).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: . . . ثُمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْقُونَ وَيَعْمَلُونَ فِيهَا، فَقَالَ: "اعْمَلُوا فَإِنَّكُمْ عَلَى عَمَلٍ صَالِحٍ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَوْلَا أَنْ تُغْلَبُوا لَنَزَلْتُ حَتَّى أَضَعَ الْحَبْلَ عَلَى هَذِهِ" يَعْنِي عَاتِقِهِ، وَأَشَارَ إِلَى عَاتِقِهِ (٥).
* إِقَامَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمِنًى:
ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى مِنًى مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ، فَصَلَّى الظُّهْرَ بِهَا
_________________
(١) انزعوا: بكسر الزاي أي استقوا من زمزم الماء باليد، يقال: نزعت الدلو أَنزِعُها نزعًا: إذا أخرجتها. انظر النهاية (٥/ ٣٥) - صحيح مسلم بشرح النووي (٨/ ١٥٨).
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٨/ ١٥٩): معناه لولا خوفي أن يعتقد الناس ذلك من مناسك الحج، ويزدحمون عليه بحيث يغلبونكم ويدفعونكم عن الاستسقاء لاستقيت معكم لكثرة فضيلة هذا الاستسقاء.
(٣) أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب ذكر وصف حجة المصطفى -ﷺ- رقم الحديث (٣٩٤٤) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٧٩١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٥٢٧).
(٤) أخرج وضوء رَسُول اللَّهِ -ﷺ- من ماء زمزم: عبد اللَّه بن الإمام أحمد في زياداته على مسند أبيه - رقم الحديث (٥٦٤) وإسناده حسن.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب سقاية الحاج - رقم الحديث (١٦٣٥).
[ ٤ / ٥٤٨ ]
رَكْعَتَيْنِ (١)، وَقِيلَ: صَلَّاهَا بمَكَّةَ (٢)، وَمَكَثَ -ﷺ- بمِنًى أَيَّامَ التَّشْريقِ الثَّلَاثَة.
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِشْرَ بْنَ سُحَيْمٍ -﵁- أَنْ يُنَادِيَ بِمِنًى في النَّاسِ أَنْ "لَا يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا نَفْسٌ مُسْلِمَةٌ، وَإِنَّ هَذِهِ الأَيَّامَ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ"، يَعْنِي أَيَّامَ التَّشْرِيقِ (٣).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَأْتِي الْجِمَارَ في أَيَّامِ التَّشْرِيقِ الثَّلَاثَةِ، بَعَدْ زَوَالِ الشَّمْسِ، مَاشِيًا ذَاهِبًا وَرَاجِعًا، فَيَرْمِي كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ، وَيَقِفُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى وَالْوُسْطَى مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، فيُطِيلُ الْقِيَامَ، وَيَرْفَعُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب الزيارة يوم النحر - رقم الحديث (١٧٣٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب طواف الإفاضة يوم النحر - رقم الحديث (١٣٠٨) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) أخرج ذلك الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب حجة النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٢١٨) - من حديث جابر -﵁- وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٥٩٢) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب رمي جمرة العقبة - رقم الحديث (٣٨٦٨) من حديث عائشة ﵂، وإسناده حسن. قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهايهَ (٥/ ٢٠١): والجمع بين الحديثين أن يُقال: إنه -ﷺ- صلى الظهر بمكة، ثم رجع إلى منى، فوجد الناس ينتظرونه فصلى بهم، واللَّه أعلم. ورجوعه -ﷺ- إلى منى في وقت الظهر ممكن؛ لأن ذلك الوقت كان صيفًا، والنهار طويل.
(٣) أخرج ذلك ابن ماجة في سننه - كتاب الصيام - باب ما جاء في النهي عن صيام أيام التشريق - رقم الحديث (١٧٢٠) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٣٩٥) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٤٢٩) - وإسناده صحيح. أيام التشريق: هي الثلاثة الأيام التي تلي يوم الأضحى. انظر النهاية (٢/ ٤١٦).
[ ٤ / ٥٤٩ ]
يَدَيْهِ يَدْعُو، وَيَرْمِي الثَّالِثَةَ، وَلَا يَقِفُ عِنْدَهَا، ثُمَّ يَرْجعُ فيصَلِّي الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ (١).
وَخِلَالَ إِقَامَتِهِ -ﷺ- بِمِنًى أَيَّامَ التَّشْرِيقِ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، بَلْ بَقِيَ في مِنًى إِلَى حِينِ الْوَدَاعِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ (٢).
* مَوَاضِعُ الدُّعَاءِ فِي حَجَّتِهِ -ﷺ-:
وَقَدْ تَضَمَّنَتْ حَجَّتُهُ -ﷺ- سِتَّ وَقَفَاتٍ لِلدُّعَاءِ:
١ - عَلَى الصَّفَا.
٢ - عَلَى الْمَرْوَةِ.
٣ - بِعَرَفَةَ.
٤ - بِمُزْدَلِفَةَ.
٥ - عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى (الصُّغْرَى).
٦ - عِنْدَ الْجَمْرَةِ الثَّانِيَةِ (الْوُسْطَى) (٣).
* اسْتِئْذَانُ الْعَبَّاسِ -﵁- أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ:
وَاسْتَأْذَنَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -﵁- رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَبِيتَ بِمَكَّةَ
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب يكبر مع كل حصاة - رقم الحديث (١٧٥٠) - وباب إذا رمى الجمرتين يقوم ويُسهل مستقبل القبلة - رقم الحديث (١٧٥١) - وباب رفع اليدين عند الجمرتين- رقم الحديث (١٧٥٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان وقت استحباب الرمي - رقم الحديث (١٢٩٩) (٣١٤) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب رمي الجمار أيام التشريق - رقم الحديث (٣٨٨٦) (٣٨٨٧).
(٢) انظر في ذلك في زاد المعاد (٢/ ٢٨٤) لابن القيم، فقد أجاد وأفاد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(٣) انظر زاد المعاد (٢/ ٢٦٥).
[ ٤ / ٥٥٠ ]
لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ السِّقَايَةِ، فَأَذِنَ لَهُ (١)، وَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- رِعَاءُ الْإِبِلِ في الْبَيْتُوتَةِ خَارجَ مِنًى عِنْدَ الْإِبِلِ، فَأَرْخَصَ لَهُمْ أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَيَرْمُونَهُ في أَحَدِهِمَا، ثُمَّ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ (٢).
* خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ:
وَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَكَانَتْ خُطْبَتُهُ في هَذَا الْيَوْمِ تُشْبِهُ خُطْبَتَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وَزَادَ فِيهَا بَعْضَ الْأُمُورِ، مِنْهَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ قَالَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- في أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ، ألا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ، أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى، أَبَلَّغْتُ؟ ".
قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (٣).
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب هل يبيت أصحاب السقاية أو غيرهم بمكة ليالي منى؟ - رقم الحديث (١٧٤٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب وجوب المبيت بمنى ليالي أيام التشريق - رقم الحديث (١٣١٥).
(٢) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٧٧٥) - والترمذي في جامعه - كتاب الحج - باب ما جاء في الرخصة للرعاة أن يرموا يومًا، ويدعوا يومًا - رقم الحديث (٩٧٦) - وإسناده صحيح.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٤٨٩).
[ ٤ / ٥٥١ ]
* إِفَاضَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ مِنًى ونُزُولُهُ المُحَصَّبَ (١):
ثُمَّ نَهَضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ مِنًى فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَهُوَ يَوْمُ النَّفَرِ الْآخِرِ، وَنَفَرَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ، فَأَفَاضَ إِلَى الْمُحَصَّبِ، وَهُوَ الْأَبْطَحُ، وَهُوَ خَيْفُ (٢) بَنِي كِنَانَةَ، فَوَجَدَ أَبَا رَافِع -﵁-، وَكَانَ عَلَى ثَقَلِ (٣) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَدْ ضَرَبَ لَهُ فِيهِ قُبَّةً، فنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- هُنَاكَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ وَهُوَ بِمِنًى: "نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ"، وَهُوَ الْمَكَانِ الذِي ضَرَبَ فِيهِ أَبُو رَافِعٍ قُبَّتَهُ تَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ ﷿، دُونَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (٤).
فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْمُحَصَّبِ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ ذَلِكَ وَلَيْلَتِهِ، فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ، ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً (٥) هُنَاكَ (٦).
_________________
(١) الْمُحَصَّب: بضم الميم، موضع بين مكة ومنى، وهو إلى منى أقرب، وكان رَسُول اللَّهِ -ﷺ- نزل به؛ لأنه أسمح وأسهل لخروجه. انظر فتح الباري (٤/ ٤٢٣).
(٢) الخَيْف: بفتح الخاء وسكون الياء: ما ارتفع عن مجرى السيل وانحدر عن غلظ الجبل، ومسجد منى يُسمى مسجد الخَيْف؛ لأنه في سفح الجبل. انظر النهاية (٢/ ٨٨).
(٣) الثَّقَل: بفتح الثاء والقاف متاع المسافر. انظر النهاية (١/ ٢١١).
(٤) أخرج ذلك كله البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب نزول النبي -ﷺ- مكة - رقم الحديث (١٥٩٠) ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب النزول بالمُحَصَّب يوم النفر - رقم الحديث (١٣١٣) (١٣١٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٢٤٠) - وأبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب التحصيب - رقم الحديث (٢٠٠٩).
(٥) في رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٥٨٩٢): هجع هجعة. الهجع والهجعة والهجيع: طائفة من الليل، والهجوع: النوم ليلًا. انظر النهاية (٥/ ٢١٤).
(٦) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب طواف الوداع - رقم الحديث =
[ ٤ / ٥٥٢ ]
* اعْتِمَارُ عَائِشَةَ ﵂ مِنَ التَّنْعِيمِ (١):
وَفِي تِلْكِ اللَّيْلَةِ، لَيْلَةِ الْحَصْبَةِ (٢)، رَغِبَتْ عَائِشَةُ ﵂ في الْعُمْرَةِ، فَقَالَتْ لِلرَّسُولِ -ﷺ-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَرْجعُ النَّاسُ بِعُمْرَةٍ وَحَجَّةٍ، وَأَرْجعُ أَنَا بِحَجَّةٍ؟ (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَتْ ﵂: يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَصْدُرُ (٤) النَّاسُ بِنُسُكَيْنِ، وَأَصْدُرُ بِنُسُكٍ؟ (٥).
فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ"، فَأَبَتْ ﵂، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَخَاهَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ﵄، وَأَمَرَهُ أَنْ يُعْمِرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ، تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا، فَخَرَجَتْ ﵂ مَعَ
_________________
(١) = (١٧٥٦) - وباب من صلى العصر يوم النفر بالأبطح - رقم الحديث (١٧٦٣) (١٧٦٤) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب الإفاضة من منى لطواف الزيارة - رقم الحديث (٣٨٨٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٥٨٩٢).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٤٤٤): التنعيم: بفتح التاء وسكون النون وكسر العين: مكان معروف خارج مكة.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ٤٤٢): الحصبة على وزن الضربة، والمراد بها ليلة المبيت بالمُحَصَّب.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب التمتع والإقران والإفراد بالحج - رقم الحديث (١٥٦١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان وجوه الإحرام - رقم الحديث (١٢١١) (١٢٠).
(٥) صدر: رجع. انظر النهاية (٣/ ١٥).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب العمرة - باب أجر العمرة على قدر النصب - رقم الحديث (١٧٨٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان وجوه الحج - رقم الحديث (١٢١١) (١٢٦).
[ ٤ / ٥٥٣ ]
أَخِيهَا، فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ مِنَ التَّنْعِيمِ، فَفَرَغَتْ مِنْ عُمْرَتِهَا لَيْلًا، ثُمَّ أَقْبَلَتْ مَعَ أَخِيهَا حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في جَوْفِ اللَّيْلِ وَهُوَ بِالْمُحَصَّبِ، قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَلْ فَرَغْتُمَا؟ ".
قَالَتْ ﵂: نَعَمْ، فَأَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالرَّحِيلِ (١).
* طَوَافُ الْوَدَاعِ:
وَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ أَنْ لَا يَنْصَرِفُوا إِلَى بِلَادِهِمْ حَتَّى يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِمُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ في كُلِّ وَجْهٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ" (٢).
ثُمَّ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَكَّةَ في تِلْكَ اللَّيْلَةِ -لَيْلَةِ الْحَصْبَةِ- فَطَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الْوَدَاعِ سَحَرًا قَبْلَ صَلَا الصُّبْحِ، وَلَمْ يَرْمَلْ في هَذَا الطَّوَافِ (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب قول اللَّه تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ. . .﴾ رقم الحديث (١٥٦٠) - وباب عمرة التنعيم - رقم الحديث (١٧٨٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان وجوه الإحرام - رقم الحديث (١٢١١) (١٢٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤١٥٩) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٨٥٣).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب طواف الوداع - رقم الحديث (١٧٥٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب وجوب طواف الوداع - رقم الحديث (١٣٢٧).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ. . .﴾ - رقم الحديث (١٥٦٠) - وباب المعتمر إذا طاف طواف العمرة، ثم خرج هل يجزئه من طواف الوداع؟ - رقم الحديث (١٧٨٨١) - ومسلم في صحيحه - =
[ ٤ / ٥٥٤ ]
* الرُّخْصَةُ لِلْحَائِضِ فِي تَرْكِ طَوَافِ الْوَدَاعِ:
وَرَخَّصَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في تَرْكِ طَوَافِ الْوَدَاعِ لِلْحَائِضِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: حَاضَتْ صَفِيَّةُ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ -ﷺ-، فَقَال: "أَحَابِسَتُنَا هِيَ؟ ".
قُلْتُ: حَاضَتْ بَعْدَمَا أَفَاضَتْ، فَقَال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "فَلْتَنْفِرْ إِذًا" (١).
ثُمَّ خَرَجَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مُرْتَحِلًا إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدِ اسْتَصْحَبَ مَعَهُ شَيْئًا مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ.
فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا كَانَتْ تَحْمِلُ مَاءَ زَمْزَمَ، وَتُخْبِرُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَحْمِلُهُ (٢).
* ارْتِحَالُ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْمَدِينَةِ في غَدِيرِ خُمٍّ (٣):
خَرَجَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- مِنْ مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ (٤) السُّفْلَى ثَنِيَّةِ كُدَيٍّ (٥)، وَكَانَتْ
_________________
(١) = كتاب الحج - باب بيان وجوه الإحرام - رقم الحديث (١٢١١) (١٢٣).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت - رقم الحديث (١٧٥٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب وجوب طواف الوداع وسقوطه عن الحائض - رقم الحديث (١٣٢٨) (٣٨٢) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤١٠١).
(٣) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب الحج - باب رقم (١١٥) - رقم الحديث (٩٨٤) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (١٧٧٤).
(٤) غَدِيرُ خُمٍّ: بفتح الغين وكسر الدال، وضم الخاء: موضع بين مكة والمدينة، تصب فيه عين هناك. انظر النهاية (٢/ ٧٧).
(٥) الثَّنِيَّةُ: هي الطريق العالي في الجبل. انظر النهاية (١/ ٢٢٠).
(٦) كُدي: بضم الكاف، وهي الثنية السفلى مما يلي باب العمرة. انظر النهاية (٤/ ١٣٦). =
[ ٤ / ٥٥٥ ]
مُدَّةُ إِقَامَتِهِ -ﷺ- بِهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى غَدِيرِ خُمٍّ، نَزَلَ هُنَاكَ -ﷺ- فَخَطَبَ النَّاسَ خُطْبَةً عَظِيمَةً، وَوَعَظَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ، فَكَانَ مِمَّا قَالَ بَعْدَ أَنْ حَمِدَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ: ". . . أَمَّا بَعْدُ، ألَا أَيُّهَا النَّاسُ! فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي (١) فَأُجِيبُ، وَأَنَا تَاركٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ (٢): أَوَّلُهُمَا كتَابُ اللَّهِ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ، وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ"، ثُمَّ قَالَ: "وَأَهْلُ بَيْتِي، أَذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللَّهَ في أَهْلِ بَيْتِي" (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ". . . إِنِّي قَدْ تَرَكْتُ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَكْبَرُ مِنَ الْآخَرِ: كِتَابُ اللَّهِ ﷿، وَعِتْرَتِي (٤) أَهْلُ بَيْتِي، فَانْظُرُوا كَيْفَ تَخْلُفُونِي فِيهِمَا، فَإِنَّهُمَا لَنْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ" (٥).
_________________
(١) = وأخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب من أين يخرج من مكة؟ - رقم الحديث (١٥٧٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب دخول مكة من الثنية العليا والخروج منها من الثنية السفلى- رقم الحديث (١٢٥٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤١٢١).
(٢) قال السندي في حاشيته على المسند (١١/ ٣٦١): قوله -ﷺ-: رسول ربي: يريد ملك الموت.
(٣) قال ابن الأثير في النهاية (١/ ٢١١): يُقال لكل خطير نفيس ثقل، وسمى هنا كتاب اللَّه وأهل بيته -ﷺ- ثقلين؛ لأن الأخذ بهما، والعمل بهما ثقيل، فسماهما ثقلين إعظامًا لقدرهما وتفخيمًا لشأنهما.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل علي بن أبي طالب -﵁- رقم الحديث (٢٤٠٨) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٢٦٥) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٤٦٤).
(٥) عِتْرَةُ الرجل: أخص أقاربه. انظر النهاية (٣/ ١٦١).
(٦) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٧٦٥) (٣٤٦٣) وإسناده صحيح.
[ ٤ / ٥٥٦ ]
ثُمَّ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَضْلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، وَبَرَاءَةَ عِرْضِهِ مِمَّا كَانَ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُ مَنْ كَانَ مَعَهُ بِأَرْضِ الْيَمَنِ، بِسَبَبِ مَا كَانَ صَدَرَ مِنْهُ إِلَيْهِمْ مِنَ الْعَدَالَةِ التِي ظَنَّهَا بَعْضُهُمْ جَوْرًا، وَتَضَيُّقًا، وَبُخْلًا، وَالصَّوَابُ كَانَ مَعَهُ -﵁- في ذَلِكَ (١)، فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ -﵁-، وَقَالَ: "أَلسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي أَوْلَى النَّاسِ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ " (٢).
قَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "مَنْ كُنْتُ مَوْلَاهُ فَإِنَّ هَذَا مَوْلَاهُ، اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالَاهُ، وَعَادِ مَنْ عَادَاهُ" (٣).
وَلَمَّا أَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَا الْحُلَيْفَةِ بَاتَ بِهَا؛ لِأَنَّهُ -ﷺ- كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَطْرُقَ (٤) النَّاسُ أَهَالِيَهُمْ لَيْلًا عَلَى غَيْرِ أُهْبَةٍ (٥)، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَرَأَى الْمَدِينَةَ كَبَّرَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَقَالَ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ،
_________________
(١) راجع بعث النبي -ﷺ- عليّ -﵁- إلى اليمن -من كتابنا هذا- لتعرف تفاصيل القصة.
(٢) في رواية ابن ماجة: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم".
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٤٧٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة ﵃ - باب ذكر علي بن أبي طالب -﵁- رقم الحديث (٦٩٣١) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٧٦٢) - وابن ماجة في سننه في المقدمة - فضل علي بن أبي طالب -﵁- رقم الحديث (١١٦) وإسناده حسن. قال الإمام الذهبىِ في السير (٣٣٥/ ٨): هذا حديث حسن عالٍ جدًّا، ومتنه متواتر.
(٤) كل آت بالليل طارق. انظر النهاية (٣/ ١١٠).
(٥) أُهْبَة: نُبهة. انظر لسان العرب (١٥/ ١١). وأخرج كراهية أن يأتي الرجل المسافر أهله طروقًا: الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب كراهة الطروق - رقم الحديث (١٩٢٨) (١٨٣).
[ ٤ / ٥٥٧ ]
وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ (١)، تَائِبُونَ، عَابِدُونَ، سَاجِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ" (٢).
ثُمَّ دَخَلَ الْمَدِينَةَ نَهَارًا، فَأَتَى الْمَسْجِدَ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى بَيْتِهِ (٣).
* عُمْرَةٌ في رَمَضَانَ كحَجَّةٍ:
وَلَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ حَجَّتِهِ قَالَ لِأُمِّ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيَّةِ (٤) رَضِيَ اللَّهُ
_________________
(١) قال الإمام النووي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في شرح مسلم (٩/ ٩٥): آيبون: أي راجعون.
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب خروج رَسُول اللَّهِ -ﷺ- على طريق الشجرة - رقم الحديث (١٥٣٣) - وأخرجه في كتاب العمرة - باب ما يقول إذا رجع من حج أو العمرة أو الغزو - رقم الحديث (١٧٩٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره - رقم الحديث (١٣٤٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٤٩٦).
(٣) أخرج حديث أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- كان إذا دخل المدينة من سفر أو غيره بدأ بالمسجد: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب حديث كعب بن مالك -﵁- رقم الحديث (٤٤١٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه - رقم الحديث (٢٧٦٩).
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٤/ ٤٣٩): وقع عند ابن حبان في صحيحه بسند حسن لغيره - رقم الحديث (٣٦٩٩) أنها أم سُليم، ولفظه: جاءت أم سليم إلى النبي -ﷺ-، فقالت: حج أبو طلحة وابنه، وتركاني، فقال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "يا أم سليم عمرة في رمضان تعدل حجة". ووقع عند أحمد بن منيع في مسنده بسند صحيح قصة أخرى لامرأة من الأنصار يقال لها: أم سنان. ثم حمل الحافظ ذلك على التعدد.
[ ٤ / ٥٥٨ ]
عَنْهَا: "مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا؟ ".
قَالَتْ: لَمْ يَكُنْ لَنَا إِلَّا نَاضِحَانِ (١)، فَحَجَّ أَبُو وَلَدِنَا وَابْنُهُ عَلَى نَاضِحٍ، وَترَكَ لَنَا نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَإِذَا كَانَ رَمَضَانُ اعْتَمِرِي فِيهِ، فَإِنَّ عُمْرَةً في رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً" (٢).
* * *
_________________
(١) النَّاضِحُ: الناقة التي يستقى عليها. انظر النهاية (٥/ ٥٩).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب العمرة - باب عمرة في رمضان - رقم الحديث (١٧٨٢) - وأخرجه في كتاب جزاء الصيد - باب حج النساء - رقم الحديث (١٨٦٣) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل العمرة في رمضان - رقم الحديث (١٢٥٦) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٢٥).
[ ٤ / ٥٥٩ ]