غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ (١)
وَتُسَمَّى أَيْضًا غَزْوَةَ الأَعَاجِيبِ، لِمَا وَقَعَ فِيهَا مِنْ أُمُورٍ عَجِيبَةٍ (٢).
وَقَدِ اخْتُلِفَ في تَارِيخِ هَذِهِ الغَزْوَةِ، فَجَزَمَ عَامَّةُ أَهْلِ المَغَازِي وَالسِّيَرِ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ خَيْبَرَ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا في زَمَنِهَا:
فَعِنْدَ ابْنِ إِسْحَاقَ: أَنَّهَا في شَهْرِ رَبِيعٍ الآخِرِ سَنَةَ أَرْبَع لِلْهِجْرَةِ، بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ (٣).
وَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ: أَنَّهَا في المُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ لِلْهِجْرَةِ (٤).
_________________
(١) الرِّقَاع: بكسر الراء، وقد سمِّيت هذه الغزوة بهذا الاسم؛ لأنهم لفُّوا على أرجلهم الخِرَق بعد أن تنقبت -أي رقّت- خِفَافهم. فقد روى البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٤١٢٨) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٨١٦) عن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: خرجنا مع النبي -ﷺ- في غزاة، ونحن في ستة نفرٍ بيننا بعيرٌ نعتقبه، ونقبت أقدامنا ونقبت قدماي -أي تقرحت من الحفاء- وسقطت أظفاري، فكنا نلف على أرجلنا الخرق، فسميت غزوة ذات الرقاع، لِمَا كنا نعصب من الخرق على أرجلنا.
(٢) انظر شرح المواهب (٢/ ٥٢١).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٢٢٥).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٢٨٠).
[ ٣ / ٤٩٦ ]
وَجَزَمَ أَبُو مَعْشَرٍ عَلَى أَنَّهَا بَعْدَ الخَنْدَقِ وَبَنِي قُرَيْظَةَ (١).
وَذَهَبَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ (٢)، وَالحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ (٣)، وَالحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ (٤)، وَابْنُ القَيِّمِ (٥): عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ غَزْوَةِ خَيْبرَ، وَهُوَ الصَّحِيحُ.
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَالذِي يَنْبَغِي الجَزْمُ بِهِ أَنَّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ كَانَتْ بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ لِمَا يَلِي:
١ - أَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ صَلَاةَ الخَوْفِ في غَزْوَةِ الخَنْدَقِ لَمْ تَكُنْ شُرِعَتْ، وَقَدْ ثَبَتَ وُقُوعُ صَلَاةِ الخَوْفِ في غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَدَلَّ عَلَى تَأَخُّرِهَا بَعْدَ الخَنْدَقِ.
٢ - أَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيِّ (٦)، وَأَبَا هُرَيْرَةَ (٧) ﵄ شَهِدَا غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ، فَلَزِمَ أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ خَيْبرَ؛ لِأَنَّ أبَا مُوسَى قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وَهُوَ في خَيْبَرَ.
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ١٨٠).
(٢) انظر صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب غزوة ذات الرقاع.
(٣) انظر فتح الباري (٨/ ١٨٠).
(٤) انظر البداية والنهاية (٤/ ٤٦٤).
(٥) انظر زاد المعاد (٣/ ٢٢٦).
(٦) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة ذات الرقاع - رقم الحديث (٤١٢٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب غزوة ذات الرقاع - رقم الحديث (١٨١٦).
(٧) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨٢٦٠) (١٠٧٦٥) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٢٨٧٨) - وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
[ ٣ / ٤٩٧ ]
٣ - أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ ﵄ شَهِدَ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ (١)، وَقَدْ ثَبتَ في الصَّحِيحِ أَنَّ أَوَّلَ مَشَاهِدِهِ كَانَتِ الخَنْدَقَ (٢)، فتَكُونُ ذَاتُ الرِّقَاعِ بَعْدَ الخَنْدَقِ.
٤ - أَنَّ الإِمَامَ البُخَارِيَّ رَوَى في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّه ﵄ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- صَلَّى بِأَصْحَابِهِ في الخَوْفِ في الغَزْوَةِ السَّابِعَةِ غَزْوَةِ ذَاتِ الرَقَاعِ (٣).
وَالتَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّهَا سَابعُ غَزْوَةٍ مِنْ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ -ﷺ- تَأْيِيدٌ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ البُخَارِيُّ مِنْ أَنَّهَا بَعْدَ خَيْبرَ، فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ المُرَادُ الغَزَوَاتُ التِي خَرَجَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِيهَا بِنَفْسِهِ مُطْلَقًا، وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ، فَإِنَّ السَّابِعَ مِنْهَا تَقَعُ قَبْلَ أُحُدٍ، وَلَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إلى أَنَّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ قَبْلَ غَزْوَةِ أُحُدٍ؛ لأنَّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الخَوْفِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ غَزْوَةِ الخَنْدَقِ، فتَعَيَّنَ أَنْ تَكُونَ ذَاتُ الرِّقَاعِ بَعْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ، فتَعَيَّنَ أَنَّ المُرَادَ الغَزَوَاتُ التِي وَقَعَ فِيهَا القِتَالُ، وَالأُولَى مِنْهَا: بَدْرٌ،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة ذات الرقاع - رقم الحديث (٤١٣٢) (٤١٣٣).
(٢) روى البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٤٠٩٧) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٨٦٨) عن ابن عمر ﵄ قال: عرضني رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يوم أُحد في القتَال، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فلم يُجزني، وعرضني يوم الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة ذات الرقاع - رقم الحديث (٤١٢٥).
[ ٣ / ٤٩٨ ]
وَالثَّانِيَةُ أُحُدٌ، وَالثَّالِثَةُ الخَنْدَقُ، وَالرَّابِعَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَالخَامِسَةُ المُرَيْسِيعُ، وَالسَّادِسَةُ خَيْبَرُ، فَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ تَكُونَ ذَاتُ الرِّقَاعِ بَعْدَ خَيْبَرَ لِلتَّنْصِيصِ عَلَى أَنَّهَا السَّابِعَةُ (١).
قَالَ ابنُ القَيِّمِ في زَادِ المَعَادِ: فَالصَّوَابُ تَحْوِيلُ غَزْوةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مِنْ هَذَا المَوْضِعِ -أَيْ مِنْ مَوْضِعِ أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ الخَنْدَقِ كَمَا ذَكَرَ أَهْلُ المَغَازِي- إلى مَا بَعْدَ الخَنْدَقِ، بَلْ بَعْدَ خَيْبَرَ (٢).
* سَبَبُ الغَزْوَةِ:
وَكَانَ سَبَبُ هَذِهِ الغَزْوَةِ هُوَ مَا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّ جُمُوعًا مِنْ بَنِي مُحَارِبٍ، أَوْ مِنْ أَنْمَارٍ، وَبَنِي ثَعْلَبَةَ مِنْ غَطفَانَ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى حَرْبِهِ -ﷺ-، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَقِيلَ: سَبْعِمِائَةٍ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى المَدِينَةِ: عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ، وَقِيلَ: أَبَا ذَرٍّ الغِفَارِيَّ ﵄، وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى أَتَى مَحَالَّهُمْ بِنَخْلَةَ (٣)، فَلَمْ يَجِدْ في مَحَالِّهِمْ أَحَدًا إِلَّا نِسْوَةً فَأَخَذَهُنَّ وَفِيهِنَّ جَارِيَةٌ وَضِيئَةٌ، وَهَرَبَتِ الأَعْرَابُ إلى رُؤُوسِ الجِبَالِ، ثُمَّ لَقِيَ جَمْعًا مِنْهُمْ، فتَقَارَبَ النَّاسُ، وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ، وَقَدْ أَخَافَ النَّاسُ بَعْضُهُمْ
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ١٨٠ - ١٨٢).
(٢) انظر زاد المعاد (٣/ ٢٢٦).
(٣) نخلة: هو موضع بالحجاز قريب من مكة، فيه نخل وزروع. انظر معجم البلدان (٨/ ٣٨١).
[ ٣ / ٤٩٩ ]
بَعْضًا، وَحَضَرَتْ صَلَاةُ العَصْرِ، فَخَافَ المُسْلِمُونَ أَنْ يُغِيرَ المُشْرِكُونَ عَلَيْهِمْ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الخَوْفِ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إلى المَدِينَةِ، وَقَدْ غَابَ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَبَعَثَ جُعَالَ بنَ سُرَاقَةَ -﵁- بَشِيرًا إلى المَدِينَةِ بِسَلَامَتِهِ وَسَلَامَةِ المُسْلِمِينَ (١).
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- بذَاتِ الرِّقَاعِ، . . . وَأُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا، وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ، وَكَانَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- أَرْبَع وَللْقَوْمِ رَكْعَتَانِ (٢).
* رُجُوعُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ وَأَحْدَاثٌ حَدَثَتْ في الطَّرِيقِ:
* الحَادِثُ الأَوَّلُ: قِصَةُ عَبَّادِ (٣) بنِ بِشْرٍ -﵁-:
ذَكَرْنَا أَنَّ المُسْلِمِينَ أَصَابُوا في هَذِهِ الغَزْوَةِ سَبْيًا، وَكَانَ فِيهِ جَارِيَةً
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة ذات الرقاع - رقم الحديث (٤١٢٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٠٧٦٥) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٢٢٦) - وابن سعد في طبقاته (٢/ ٢٨٠).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة ذات الرقاع - رقم الحديث (٤١٣٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب صلاة الخوف - رقم الحديث (٨٤٣) (٣١١) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٢٢٠).
(٣) عَبَّاد: بفتح العين وتشديد الباء.
[ ٣ / ٥٠٠ ]
وَضِيئَةً، فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَافِلًا (١) أَتَى زَوْجُهَا، وَكَانَ غَائِبًا، فَلَمَّا أُخْبِرَ الخَبَرَ حَلَفَ أَنْ لَا يَنتهِيَ حَتَّى يُصِيبَ مُحَمَّدًا -ﷺ-، أَوْ يُهْرِيقَ في أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- دَمًا، أَوْ يُخَلِّصَ زَوْجَتَهُ، فَخَرَجَ يَتْبَعُ أثَرَ المُسْلِمِينَ، فنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في شِعبٍ (٢)، فَقَال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ رَجُلٌ يَكْلَؤُنَا (٣) لَيْلَتَنَا هَذِهِ؟ ".
فَقَامَ عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ وَعَبَّادُ بنُ بِشْرٍ ﵄، فَقَالَا: نَحْنُ يَا رَسُولَ اللَّه.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فكُونَا في فَمِ الشِّعْبِ".
فَلَمَّا خَرَجَ الرَّجُلَانِ إلى فَمِ الشِّعْبِ، قَالَ عَبَّادٌ لِعَمَّارٍ: أَيُّ اللَّيْلِ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أَكْفِيكَهُ: أَوَّلَهُ أَمْ آخِرَهُ؟
فَقَالَ عَمَّارٌ: اكْفِنِي أَوَّلَهُ، فَاضْطَجَعَ عَمَّارٌ فنَامَ، وَقَامَ عَبَّادُ بنُ بِشْرٍ -﵁- يُصَلِّي، وَأَتَى الرَّجُلُ -زَوْجُ الْمَرْأَةِ-، فَلَمَّا رَأَى سَوَادَ عَبَّادٍ عَرَفَ أَنَّهُ رَبِيئَةُ (٤) القَوْمِ، فَرَمَاهُ بِسَهْمٍ، فَأَصَابَهُ بِهِ، فَانْتَزَعَهُ عَبَّادُ، فَرَمَاهُ الرَّجُلُ بِسَهْمٍ آخَرَ فَأَصَابَهُ، فَانْتَزَعَهُ عَبَّادُ، فَرَمَاهُ الرَّجُلُ بِسَهْمٍ ثَالِثٍ فَأَصَابَهُ، فَانْتَزَعَهُ عَبَّادُ، ثُمَّ رَكَعَ وَسَجَدَ،
_________________
(١) قفل: رجع. انظر النهاية (٤/ ٨٢).
(٢) الشِّعب: بكسر الشين: ما انفرج بين جبلين. انظر لسان العرب (٧/ ١٢٨).
(٣) الكَلاءة: الحفظ والحراسة. انظر النهاية (٤/ ١٦٩).
(٤) الرَّبِيئَة: هو العينُ والطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدوٌّ، ولا يكون إِلَّا على جبل أو شرف ينظر منه. انظر النهاية (٢/ ١٦٠).
[ ٣ / ٥٠١ ]
ثُمَّ أَيْقَظَ عَمَّارًا، فَقَالَ: اجْلِسْ، فَقَدْ أُتِيتُ (١)، فَوَثَبَ، فَلَمَّا رَآهُمَا الرَّجُلُ -زَوْجُ الْمَرْأَةِ-، عَرَفَ أَنْ قَدْ نَذِرُوا (٢) بِهِ، فَهَرَبَ، فَقَالَ عَمَّارٌ لِعَبَّادٍ، وَقَدْ رَأَى مَا بِهِ مِنَ الدِّمَاءَ: سُبْحَانَ اللَّهِ! أَفَلَا أَهْبَبْتَنِي (٣) أَوَّلَ مَا رَمَاكَ؟
فَقَالَ عَبَّاد -﵁-: كُنْتُ في سُورَةٍ (٤) أَقْرَؤُهَا، فَلَمْ أُحِبَّ أَنْ أَقْطَعَهَا حَتَّى أُنْفِذَهَا، فَلَمَّا تَابَعَ عَلَيَّ الرَّمْيَ، رَكَعْتُ فَآذَنْتُكَ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْلَا أَنْ أُضَيِّعَ ثَغْرًا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِحِفْظِهِ؛ لَقَطَعَ نَفْسِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَهَا أَوْ أُنْفِذَهَا (٥).
* الحَادِث الثَّانِي: قِصَّةُ غَوْرَثِ بنِ الحَارِثِ:
قَالَ جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: كُنَّا مَعَ الرَّسُولِ -ﷺ- بِذَاتِ الرِّقَاعِ، فَإِذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِلرَّسُولِ -ﷺ-، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إلى المَدِينَةِ أَدْرَكَتْهُ القَائِلَةُ (٦) في وَادٍ كَثِيرِ العِضَاهِ (٧)، فنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) يُقال: أُتي فلأن: إذا أطَلَّ عليه العدو، وأشرف عليه. انظر لسان العرب (١/ ٦٧).
(٢) نَذِروا به: أي علموا به. انظر لسان العرب (١٤/ ١٠٠).
(٣) أَهبّه: نَبّهه. انظر لسان العرب (١/ ٢٥٢).
(٤) وقع في رواية البيهقي في دلائله (٣/ ٣٧٩): أنها سورة الكهف.
(٥) أخرج قصة عَبّاد -﵁-: الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الوضوء - باب من لم يَرَ الوضوء إِلَّا من المَخْرَجَيْن القبل والدبر -معلقًا- ووصله الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٧٠٤) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (١٠٩٦) - والبيهقي في دلائله (٢/ ٣٧٨ - ٣٧٩) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٢٣٠) وهو حديث حسن.
(٦) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٩٢): القائلة: أي وسط النهار وشدة الحرّ.
(٧) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٩٢): العِضَاه: بكسر العين وتخفيف الضاد: كل شجر يعظم له شوك، وقيل: هو العظيمُ من الشجر مطلقًا.
[ ٣ / ٥٠٢ ]
تَحْتَ شَجَرَةٍ، وَعَلَّقَ بِهَا سَيْفَهُ، وَتَفَرَّقَ النَّاسُ يَسْتَظِلُّونَ الشَّجَرَ.
قَالَ جَابِرٌ -﵁-: فَنِمْنَا نَوْمَةً، فَجَاءَ رَجُل مِنَ المُشْرِكِينَ، يُقَالُ لَهُ: غَوْرَثُ بنُ الحَارِثِ (١)، فَاخْتَرَطَ (٢) سَيْفَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ: تَخَافُنِي يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا"، قَالَ: فَمَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُ".
قَالَ جَابِرٌ -﵁-: فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدْعُونَا، فَجِئْنَاهُ، فَإِذَا عِنْدَهُ أَعْرَابِيٌّ جَالِسٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ هَذَا اخْتَرَطَ سَيْفِي وَأَنَا نَائِمٌ، فَاسْتَيْقَظْتُ وَهُوَ في يَدِهِ صَلْتًا (٣)، فَقَالَ لِي: مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟ فَقُلْتُ: اللَّهُ، فَهَا هُوَ ذَا جَالِسٌ"، ثُمَّ لَمْ يُعَاقِبْهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (٤).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في الصَّحِيحِ قَالَ جَابِرٌ: فتَهَدَّدَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٥).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٩٣): غَوْرَث: بوزن جعفر، ووقع عند الواقدي في سبب هذه القصة أن اسم الأعرابي: دُعْثُور بن الحارث، وأنه أسلم، لكن ظاهر كلامه أنهما قِصَّتان في غزوتين، واللَّه أعلم.
(٢) اخترط السيف: سلَّه من غمده. انظر النهاية (٢/ ٢٣).
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٩٢): صَلْتًا: بفتح الصاد وسكون اللام: أي مجردًا من غمده.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب تفرق النَّاس عن الإِمام عند القائلة - رقم الحديث (٢٩١٠) (٢٩١٣) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب غزوة ذات الرقاع - رقم الحديث (٤١٣٥ - ٤١٣٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - رقم الحديث (٨٤٣) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٣٣٥).
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ١٩٢): ظاهرها يُشعر بأنهم حضروا القصة -أي الصَّحَابَة-=
[ ٣ / ٥٠٣ ]
قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ (١): فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
قُلْتُ: ذَكَرْنَا في غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ أَنَّ هَذِهِ الآيةَ نَزَلَتْ في عَمْرِو بنِ جَحَّاشٍ، عِنْدَمَا أَرَادَ أَنْ يُلْقِيَ الصَّخْرَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، لِيَقْتُلَهُ، وَرَجَّحَ ذَلِكَ ابنُ جَرِيرٍ في تَفْسِيرِهِ.
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
وَفِي الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - فَرْطُ شَجَاعَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَقُوَّةُ يَقِينِهِ، وصَبْرُهُ عَلَى الأَذَى، وَحِلْمُهُ عَنِ الجُهَّالِ.
٢ - وَفيهِ جَوَازُ تَفَرُّقِ العَسْكَرِ في النُّزُولِ وَنَوْمِهِمْ، وَهَذَا مَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَا يَخَافُونَ مِنْهُ (٣).
* الحَادِثُ الثَّالِثُ: قِصَّةُ جَمَلِ جَابِرٍ -﵁-:
وَفي مَرْجعِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ هَذِهِ الغَزْوَةِ ابْتَاعَ (٤) مِنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ
_________________
(١) = وأنه إنما رجع عما كان عزم عليه بالتهديد، وليس كذلك، بل وقع في رواية أخرى بعد قوله -ﷺ-: "اللَّه"، فشامّ السيف -بتشديد الميم أي أغمده- وهذه الكلمة من الأضداد، يقال: شامّه إذا استلَّه، وشامّه إذا أغمده، وكأن الأعرابي لما شاهد ذلك الثبات العظيم، وعرف أنَّه حيل بينه وبينه، تحقق وعلم أنَّه لا يصل إليه، فألقى السلاح وأمكن من نفسه.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٢٢٨).
(٣) سورة المائدة آية (١١).
(٤) انظر فتح الباري (٨/ ١٩٣).
(٥) ابتاع: اشترى. انظر لسان العرب (١/ ٥٥٧).
[ ٣ / ٥٠٤ ]
﵄، جَمَلَهُ وَشَرَطَ لَهُ ظَهْرَهُ (١) إلى المَدِينَةِ، وَسَأَلَهُ عَنْ دَيْنِ أَبِيهِ وَأَخْبَرَهُ بِهِ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في تِلْكَ اللَّيْلَةِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً (٢).
وَدَعُونَا نَتْرُكُ جَابِرًا -﵁- يُحَدِّثُنَا عَنْ قِصَّةِ جَمَلِهِ، وَمَا دَارَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّسُولِ -ﷺ- في طَرِيقِهِمْ إلى المَدِينَةِ.
قَالَ جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ ﵄: خَرَجْتُ مَعَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ مُرْتَحِلًا عَلَى جَمَلٍ لِي ضَعِيفٍ (٣)، فَلَمَّا قَفَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، جَعَلْتُ الرِّفَاق تَمْضِي، وَجَعَلْتُ أَتَخَلَّفُ حَتَّى أَدْرَكَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "مَالَكَ يَا جَابِرُ؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَبْطَأَ بِي جَمَلِي هَذَا.
فَقَالَ -ﷺ-: "فَأَنِخْهُ" (٤)، وَأَنَاخَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "أَعْطِنِي هَذِهِ العَصَا مِنْ يَدِكَ".
_________________
(١) في رواية أخرى قال جابر: فاستثنيْتُ حملانه إلى أهلي.
(٢) أخرج استغفارَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لجابرٍ خمسةً وعشرين مرَّة ليلة الجمل: ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر عدد استغفار المصطفى -ﷺ- لجابر ليلة البعير - رقم الحديث (٧١٤٢) والترمذي في جامعة - كتاب المناقب - باب في مناقب جابر بن عبد اللَّه -﵁- رقم الحديث (٣٨٦١) وإسناده صحيح. قال ابن الأثير في النهاية (١/ ١٣٩): وليلةُ الجمل: هي الليلة التي اشترى فيها رَسُول اللَّهِ -ﷺ- من جابر جملة، وهو في السفر، وحديث الجمل مشهور.
(٣) في رواية البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٢٣٠٩) - قال جابر ﵄: فكنتُ على جمل ثَفَال. والثفال: بفتح الثاء والفاء، هو البطيء الثقيل. انظر النهاية (١/ ٢١٠).
(٤) أناخَ الإبل: أبركها فبركت. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٢١).
[ ٣ / ٥٠٥ ]
فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- العَصَا فَنَخَسَ (١) بِهَا البَعِيرَ نَخَسَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: "ارْكَبْ" فَرَكِبْتُ، فَخَرَجَ، وَالذِي بَعَثَهُ بِالحَقِّ يُوَاهِقُ (٢) نَاقَتَهُ مُوَاهَقَةً (٣)، قَالَ: وَتَحَدَّثَ مَعِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "أَتَبِيعُنِي جَمَلَكَ هَذَا يَا جَابِرُ؟ ".
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، بَلْ أَهَبُهُ لَكَ، قَالَ -ﷺ-: "لَا، وَلَكِنْ بِعْنِيهِ"، قُلْتُ: فَسُمْنِي (٤) بِهِ، فَقَالَ -ﷺ-: "قَدْ أَخَذْتُهُ بِدِرْهَمٍ"، قُلْتُ: لَا، إِذًا يَغْبِنُنِي (٥) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ -ﷺ-: "فَبِدِرْهَمَيْنِ"، قُلْتُ: لَا، قَالَ: فَلَمْ يَزَلْ يَرْفَعُ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى بَلَغَ الأُوقِيَّةَ (٦)، فَقُلْتُ: فَقَدْ رَضِيتُ، قَالَ -ﷺ-: "قَدْ رَضِيتَ؟ "،
_________________
(١) نخَسَ: دفعه وحركه. انظر النهاية (٥/ ٢٧).
(٢) يواهق ناقته: أي يُباريها في السير ويُماشيها، ومواهقةُ الإبل: مدُّ أعناقها في السَّيْر. انظر النهاية (٥/ ٢٠٢).
(٣) في رواية أخرى في مسند الإِمام أحمد - رقم الحديث (١٤٣٧٦) قال جابر ﵄: فما زلت إنما أنا في أول النَّاس.
(٤) المُساوَمَةُ: المجاذبة بين البائع والمشتري على السلعة وفصْل ثمنها. انظر النهاية (٢/ ٣٨٢).
(٥) غَبنه: خدعه. انظر لسان العرب (١٠/ ١٥).
(٦) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٥/ ٦٥٩): الأُوقِيَّة: بضم الهمزة وتشديد الياء، وكانت في عرف ذلك الزمان أربعين درهمًا، وفي عرف النَّاس بعد ذلك عشرة دراهم، وفي عرف أهل مصر اليوم اثنا عشر درهمًا. قلتُ: اختُلف في تحديد ثمنِ الجمل، قال القرطبي فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٥/ ٦٦٥): اختلفوا في ثمنِ الجمل اختلافًا لا يقبل التلفيق، وتكلف ذلك بعيد عن التحقيق، وهو مبنيٌّ على أمر لم يستقم ضبطه، مع أنَّه لا يتعلق بتحقيق ذلك حكم، وإنما تحصّل من مجموعِ الروايات عنه أنَّه باعَهُ البعير، بثمن معلومٍ بينهما، وزاده رَسُول اللَّهِ -ﷺ- عند الوفاء زيادة معلومةً، ولا يضُرُّ عدم العلم بتحقيق ذلك.
[ ٣ / ٥٠٦ ]
قُلْتُ: نَعَمْ، عَلَى أَنَّ لِيَ فَقَارَ (١) ظَهْرِهِ حَتَّى أَبْلُغَ المَدِينَةَ، قَالَ -ﷺ-: "نَعَمْ"، قُلْتُ: هُوَ لَكَ، قَالَ -ﷺ-: "قَدْ أَخَذْتُهُ".
قَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ المَدِينَةِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي حَدِيثُ عَهْدٍ بِعُرْسٍ، فَائْذَنْ لِي في أَنْ أَستعَجَّلَ إلى أَهْلِي، فَقَالَ -ﷺ-: "فتَزَوَّجْتَ؟ " (٢).
قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ -ﷺ-: "بِكْرًا أَمْ ثَيِّبًا؟ " قُلْتُ: بَلْ ثَيِّبًا، فَقَالَ -ﷺ-: "فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ؟ ".
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أَبِي أُصِيبَ يَوْمَ أُحُدٍ، وَتَرَكَ بَنَاتٍ لَهُ سَبْعًا (٣)، فنَكَحْتُ امْرَأَةً جَامِعَةً تَجْمَعُ رُؤُوسَهُنَّ، وَتَقُومُ عَلَيْهِنَّ (٤)، فَقَالَ -ﷺ-: "أَصَبْتَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ".
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ -ﷺ-: "فَبَارَكَ اللَّهُ عَلَيْكَ" (٥).
_________________
(١) يُقال: أفقر البعير يُفقره: إذا أعاره. انظر النهاية (٣/ ٤١٤).
(٢) في رواية الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٠٢٦) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٢٢٨) قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "هل تزوجتَ بعد؟ ". قلتُ: استدل بهذا من جعل غزوة ذات الرقاع قبل الخندق، وقال: إن جابرًا -﵁- كان متزوِّجًا في الخندق، وقصته مشهورةٌ، ذكرناها عندما صنعت زوجته طعامًا لرَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وليس في ذلك حُجَّة؛ لأنه قد يكون تزوج -﵁- غيرها.
(٣) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٠٥٢): تسع.
(٤) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٠٥٢) قال جابر ﵄: فكرهت أن أجمعَ إليهن جاريةً خرقاء مثلهن، ولكن امرأة تمشطهن وتقوم عليهن. قال الحافظ في الفتح: (١٠/ ١٤٥): خرقاء: بفتح الخاء وسكون الراء، هي التي لا تعمل بيدها شيئًا.
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٢/ ٤٨٦): والمراد شُمول البركة له في جودةِ عقله حيث قَدَّم =
[ ٣ / ٥٠٧ ]
قَالَ جَابِرٌ -﵁-: فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينةَ، جِئْتُ بِالجَمَلِ إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى أَنَخْتُهُ عَلَى بَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ جَلَسْتُ في المَسْجِدِ قَرِيبًا مِنْهُ، قَالَ: وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَرَأَى الجَمَلَ، فَقَالَ: "مَا هَذَا؟ " قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا جَمَلٌ جَاءَ بِهِ جَابِرٌ، قَالَ -ﷺ- "فَأَيْنَ جَابِرُ؟ " فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ -ﷺ-: "تَعَالَ أَي ابْنَ أَخِي، خُذْ بِرَأْسِ جَمَلِكَ، فَهُوَ لَكَ"، ثُمَّ دَعَا بِلَالًا وَقَالَ لَهُ: "اذْهَبْ بِجَابِرٍ، فَأَعْطِهِ أُوقِيَّةً مِنْ ذَهَبٍ، وَزِدْهُ".
قَالَ جَابِرٌ -﵁-: فَذَهَبْتُ مَعَهُ، فَأَعْطَانِي أُوقِيَّةً، وَزَادَنِي شَيْئًا يَسِيرًا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِجَابِرٍ ﵄: "أَتُرَانِي مَاكسْتُكَ (١) لِآخُذَ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ؟ خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ".
قَالَ جَابِرٌ -﵁-: فَوَاللَّهِ- مَا زَالَ يَنْمِي عِنْدَنَا، وَنَرى مَكَانَهُ مِنْ بَيْتِنَا حَتَّى أُصِيبَ يَوْمَ الحَرَّةِ (٢).
_________________
(١) = أخواته على حظ نفسه فعدل لأجلهنَّ عن تزوج البكر مع كونها أرفعُ رُتبة للمتزوج الشاب من الثيب غالبًا.
(٢) المُمَاكسة في البيع: انتقاص الثمن واستحطاطه. انظر النهاية (٤/ ٢٩٧).
(٣) قوله -﵁- يوم الحرة: يريد الليالي التي وقع فيها القتال بين أهل الشَّام وبين أهل المدينة، في حَرّة واقم التي تقع شرقي المدينة، وكانت سنة (٦٣ هـ)، وهي ليزيد بن معاوية على أهل المدينة، وتعد كما قال ابن حزم في "جوامع السيرة" ص ٣٥٧ - ٣٥٨: من أكبر مصائبِ الإِسلام وخُرومه؛ لأن أفاضل المسلمين، وبقيَّة الصَّحَابَة، وخيار المسلمين من جلة التابعين قُتلوا جهزا ظلمًا في الحَرْب وصَبْرًا، وجالتِ الخيل في مسجد رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، ورَاثَتْ وبالَتْ في الروضة الشريفة بين القبر والمنبر، ولم تُصَلَّ جماعة في =
[ ٣ / ٥٠٨ ]
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ جَابِرٌ -﵁-: لَا تُفَارِقُنِي زِيَادَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَكَانَ في كِيسٍ لِي حَتَّى جَاءَ أَهْلُ الشَّامِ يَوْمَ الحَرَّةِ، فَأَخَذُوهُ فِيمَا أَخَذُوا (١).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ بَيْعِ جَمَلِ جَابِرٍ ﵄ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - جَوَازُ المُسَاوَمَةِ لِمَنْ يَعْرِضُ سِلْعَتَهُ لِلْبَيْعِ.
٢ - وَفِيهِ المُمَاكَسَةُ -أَي انْتِقَاصُ الثَّمَنِ وَاسْتِحْطَاطُهُ- في المَبِيعِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ العَقْدِ.
_________________
(١) = مسجد رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، ولا كان فيه أحدٌ حاشا سعيدَ بن المسيّب، فإنَّه لم يفارق المسجد، ولولا شهادةُ عمرو بن عثمان بن عفان، ومروان بن الحكم عند مجرم بن عقبة المري بأنه مجنونٌ لقتله، وأُكره النَّاس على أن يُبايعوا يزيد بن معاوية على أنَّهم عبيدٌ له إن شاء باع وإن شاء أعتق. . . ونهبت المدينة ثلاثًا، واستُخِفَّ بأصحابِ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، ومُدَّت الأيدي إليهم، وانتهبت دورهم. انظر شذرات الذهب (١/ ٢٨٣) - البداية والنهاية (٨/ ٦١٦).
(٢) أخرج قِصَّة جمل جابر ﵄: البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب إذا اشترط البائع ظهر الدابة - رقم الحديث (٢٧١٨) - وأخرجه في كتاب النكاح - باب تزويج الثيب - رقم الحديث (٥٠٨٠) - وأخرجه في كتاب البيوع - باب شراء الدواب والحمير - رقم الحديث (٢٠٩٧) - وأخرجه في كتاب الجهاد والسير - باب استئذان الرَّجل الإِمام - رقم الحديث (٢٩٦٧) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساقاة - باب بيع البعير واستثناء ركوبه - رقم الحديث (٧١٥) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٠٢٦) - (١٤٣٧٦) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٤٩١١) (٦٥١٧) (٦٥١٨) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٤١٠) (٤٤١١) (٤٤١٤) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٢٢٨).
[ ٣ / ٥٠٩ ]
٣ - وَفِيهِ ابْتِدَاءُ المُشْتَرِي بِذِكْرِ الثَّمَنِ.
٤ - وَأَنَّ القَبْضَ لَيْسَ شَرْطًا في صِحَّةِ البَيْعِ.
٥ - وَفِيهِ أَنَّ إِجَابَةِ الكَبِيرِ بِقَوْلِ: "لَا" جَائِزٌ في الأَمْرِ الجَائِزِ.
٦ - وَفِيهِ التَّحَدُّثُ بِالعَمَلِ الصَّالِحِ لِلْإِتْيَانِ بِالقِصَّةِ عَلَى وَجْهِهَا لَا عَلَى وَجْهِ تَزْكيَةِ النَّفْسِ وَإِرَادَةِ الفَخْرِ.
٧ - وَفِيهِ تَفَقُّدُ الإِمَامِ وَالكَبِيرِ لِأَصْحَابِهِ وَسُؤَالِهِ عَمَّا يَنْزِلُ بِهِمْ، وَإِعَانتهُمْ بِمَا تَيَسَّرَ مِنْ حَالٍ أَوْ مَالٍ أَوْ دُعَاءٍ.
٨ - وَفِيهِ تَوَاضُعُهُ -ﷺ-.
٩ - وَفِيهِ جَوَازُ ضَرْبِ الدَّابَّةِ لِلسَّيْرِ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُكَلَفةٍ، وَمَحَلُّهُ مَا إِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْهَا مِنْ فَرْطِ تَعَبٍ وَإِعْيَاءٍ.
١٠ - وَفِيهِ تَوْقِيرُ التَّابِعِ لِرَئِيِسِهِ.
١١ - وَفِيهِ الوَكَالةُ في وَفَاءِ الدُّيُونِ.
١٢ - وَفِيهِ الوَزْنُ عَلَى المُشْتَرِي.
١٣ - وَفِيهِ رَدُّ العَطِيَّةِ قَبْلَ القَبْضِ لِقَوْلِ جَابِرٍ -﵁-: هُوَ لَكَ، فَقَالَ -ﷺ-: "لَا، وَلَكِنْ بِعْنِيهِ".
١٤ - وَفِيهِ جَوَازُ إِدْخَالِ الدَّوَابِّ وَالأَمْتِعَةِ إلى رِحَابِ المَسْجِدِ وَحَوَالَيْهِ،
[ ٣ / ٥١٠ ]
وَاسْتُدِلَّ عَلَى طَهَارَةِ أَبْوَالِ الإِبِلِ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ.
١٥ - وَفِيهِ المُحَافَظَةُ عَلَى مَا يُتَبَرَّكُ بِهِ لِقَوْلِ جَابِرٍ: لَا تُفَارِقُنِي الزِّيادَةُ.
١٦ - وَفِيهِ جَوَازُ الزِّيادَةِ في الثَّمَنِ عِنْدَ الأَدَاءَ.
١٧ - وَفِيهِ فَضِيلَةٌ لِجَابِرٍ -﵁- حَيْثُ ترَكَ حَظَّ نَفْسِهِ، وَامْتَثَلَ أَمْرَ النَّبِيِّ -ﷺ- لَهُ بِبَيْعِ جَمَلِهِ مَعَ احْتِيَاجِهِ إِلَيْهِ.
١٨ - وَفِيهِ مُعْجَزِةٌ ظَاهِرَةٌ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- (١).
* أَعَاجِيبُ حَدَثَتْ في غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ:
١ - أَفْرَاخُ الحُمَّرَةِ (٢):
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في سَفَرٍ، فَانْطَلَقَ لِحَاجَتِهِ، فَرَأَيْنَا حُمَّرَةً مَعَهَا فَرْخَانِ، فَأَخَذْنَا فَرْخَيْهَا، فَجَاءَتِ الحُمَّرَةُ فَجَعَلَتْ تُفَرِّشُ (٣)، فَجَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَ: "مَنْ فَجَعَ هَذِهِ بِوَلَدِهَا؟ رُدُّوا وَلَدَهَا إِليْهَا" (٤).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٥/ ٦٦٦).
(٢) الحُمَّرة: بضم الحاء وتشديد الميم: طائر صغير كالعصفور. انظر النهاية (١/ ٤٢٢).
(٣) تُفرّش: بضم التاء وتشديد الراء: أي تفرش جناحيها، وتقرب من الأرض وترفرف. انظر النهاية (٣/ ٣٨٥).
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٨٣٥) - وأبو داود في سننه - كتاب =
[ ٣ / ٥١١ ]
٢ - قَرْيَةُ النَّمْلِ (١):
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَرْيَةَ نَمْلٍ قَدْ حَرَّقْنَاهَا، فَقَالَ -ﷺ-: "مَنْ حَرَقَ هَذِهِ؟ "، قُلْنَا: نَحْنُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلَّا رَبُّ النَّارِ" (٢).
* * *
_________________
(١) = الجهاد - باب في كراهية حرق العدو بالنار - رقم الحديث (٢٦٧٥) - وأخرجه في كتاب الجنائز - باب الأمراض المكفرة للذنوب - رقم الحديث (٣٠٨٩) - وأخرجه الطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٣٣٤) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٢٦٣٣).
(٢) قريةُ النمل: مساكنها. انظر جامع الأصول (٤/ ٥٢٩).
(٣) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٧٦٣) - وأبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في كراهية حرق العدو بالنار - رقم الحديث (٢٦٧٥) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٢٦٣٣).
[ ٣ / ٥١٢ ]
سَرِيَّةُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- إِلَى تُرَبَةٍ (١)
وَفِي شَعْبَانَ سَنَةً سَبْعٍ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ -﵁- في ثَلَاثِينَ رَاكِبًا إلى بَنِي نَضْرِ بنِ مُعَاوِيَةَ بنِ بَكْرِ بنِ هَوَازِنَ، وَبَنِي جُشَمِ بنِ بَكْرِ بنِ هَوَازِنَ بِتُرَبَةٍ، فَخَرَجَ عُمَرُ -﵁-، وَمَعَهُ دَلِيلٌ مِنْ بَنِي هِلَالٍ، فَكَانُوا يَسِيرُونَ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُونَ بِالنَّهَارِ، فَأَتَى الخَبَرُ هَوَازِنَ فَهَرَبُوا، وَجَاءَ عُمَرُ -﵁- إلى مَحَالِّهِمْ، فَلَمْ يَلْقَ مِنْهُمْ أَحَدًا، فَانْصَرَفَ رَاجِعًا إلى المَدِينَةِ، فَلَمَّا كَانَ بِالجَدَدِ (٢) قَالَ لَهُ الدَّلِيلُ: هَلْ لَكَ في جَمْعٍ آخَرَ مِنْ خَثْعَمٍ جَاؤُوا سَائِرِينَ قَدْ أَجْدَبَتْ بِلَادُهُمْ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ -﵁-: مَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِهِمْ، إِنَّمَا أَمَرَنِي أَنْ أُقَاتِلَ هَوَازِنَ بِتُرَبةٍ، فَانْصَرَفَ عُمَرُ -﵁- رَاجِعًا إلى المَدِينَةِ (٣).
* * *
_________________
(١) تُرَبة: بضم التاء وفتح الراء: واد قرب مكة على يومين منها. انظر النهاية (١/ ١٨٢).
(٢) الجَدد: موضع في بلاد بني هذيل. انظر معجم البلدان (٣/ ٣٨).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٠٨) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٢٩٢).
[ ٣ / ٥١٣ ]
سَرِيَّةُ أَبي بَكرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- إِلَى بَنِي فَزَارَةَ
وَفِي شَعْبَانَ كَذَلِكَ مِنَ السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ (١) بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ -﵁- إلى بَنِي فزَارَةَ في نَجْدٍ.
فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صحِيحِهِ، وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ سَلَمَةَ بنِ الأَكْوَعِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ أَبِي بَكْرِ بنِ أَبِي قُحَافَةَ -﵁-، أَمَّرَهُ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، نُرِيدُ فزَارَةَ، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنَ المَاءَ أَمَرَنَا أَبُو بَكْرٍ فَعَرَّسْنَا (٢)، فَلَمَّا صَلَّيْنَا الصُّبْحَ، أَمَرَنَا أَبُو بَكْرٍ فَشَنَّيْنَا الغَارَةَ، فَقتَلْنَا عَلَى المَاءَ مَنْ قَتَلْنَا، قَالَ سَلَمَةُ: ثُمَّ نَظَرْتُ إلى عُنُقٍ (٣) مِنَ النَّاسِ فِيهِ الذُّرِّيَّةِ وَالنِّسَاءَ نَحْوَ الجَبَلِ، وَأَنَا أَعْدُو في آثَارِهِمْ، فَخَشِيتُ أَنْ يَسْبِقُونِي إلى الجَبَلِ، فَرَمَيْتُ بِسَهْمٍ، فَوَقَعَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الجَبَلِ، قَالَ: فَجِئْتُ بِهِمْ أَسُوقُهُمْ إلى أَبِي بَكْرٍ -﵁- حَتَّى أَتَيْتُهُ عَلَى المَاءِ، وَفِيهِمُ امْرَأَةٌ مِنْ فزَارَةَ عَلَيْهَا قَشْعٌ (٤) مِنْ أَدَمٍ (٥)، وَمَعَهَا ابْنَةٌ لَهَا مِنْ أَحْسَنِ
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٠٩).
(٢) التعرِيسُ: نزول المسافر آخر الليل للنوم والاستراحة. انظر النهاية (٣/ ١٨٦).
(٣) عنق من النَّاس: أي جماعة من النَّاس. انظر النهاية (٣/ ٢٨٠).
(٤) القَشع: بفتح القاف وسكون الشين وكسرها: الفَرو الخَلِق. انظر النهاية (٤/ ٥٨).
(٥) الأدِيم: الجلد. انظر لسان العرب (١/ ٩٦).
[ ٣ / ٥١٤ ]
العَرَبِ، فنَفَّلَنِي أَبُو بَكْرٍ ابْنَتَهَا، قَالَ: فَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا (١) حَتَّى قَدِمْتُ المَدِينَةَ، ثُمَّ بِتُّ فَلَمْ أَكْشِفْ لَهَا ثَوْبًا، فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في السُّوقِ، فَقَالَ لِي: "يَا سَلَمَةُ، هَبْ لِيَ المَرْأَةَ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي، وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، قَالَ: فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَترَكَنِي، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الغَدِ لَقِيَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في السُّوقِ، فَقَالَ: "يَا سَلَمَةُ، هَبْ لِيَ المَرْأَةَ، للَّهِ أَبُوكَ"، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ أَعْجَبَتْنِي، وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا، وَهِيَ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّه.
قَالَ: فَبَعَثَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إلى أَهْلِ مَكَّةَ، وَفِي أَيْدِيهِمْ أُسَارَى مِنَ المُسْلِمِينَ فَفَدَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِتِلْكَ المَرْأَةِ (٢).
* * *
_________________
(١) أي كِناية عن الجماع. انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٢/ ٦٠).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى - رقم الحديث (١٧٥٥) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٥٠٢) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٩١٧).
[ ٣ / ٥١٥ ]
سَرِيَّةُ بَشِيرِ بنِ سَعْدٍ -﵁- إِلَى بَنِي مُرَّةَ
وَفِي شَعْبَانَ أَيْضًا سَنَةً سَبْعٍ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بشِيرَ بنَ سَعْدٍ -﵁-، في ثَلَاثِينَ رَجُلًا إلى بَنِي مُرَّةَ، وَكَانُوا بِقُرْبِ فَدَكَ (١)، فَلَمَّا وَصَلَ إلى دِيَارِهِمْ لَمْ يَجِدْ أَحَدًا، فَاسْتَاقَ النَّعَمَ وَالشَّاءَ، وَانْحَدَرَ إلى المَدِينَةِ، فَلَمَّا عَلِمَ بَنِي مُرَّةَ بِالخَبَرِ لَحِقُوهُمْ فَأَدْرَكُوهُمْ، فترَامَوْا بِالنَّبْلِ، حَتَّى فَنِيَتْ نَبْلُ أَصْحَابِ بَشِيرٍ -﵁-، ثُمَّ حَمَلَ بَنِي مُرَّةَ عَلَيْهِمْ فَقَتَلُوا مَنْ قَتَلُوا مِنْ أَصْحَابِ بَشِيرٍ -﵁-، وَفَرَّ مَنْ فَرَّ مِنْهُمْ، وَقَاتَلَ بَشِيرٌ -﵁- قِتَالًا شَدِيدًا حَتَّى ارْتُثَّ (٢) وَسَقَطَ، فَظَنُّوهُ قَدْ مَاتَ، وَرَجَعُوا بِأَنْعَامِهِمْ وَشَائِهِمْ.
وَفِي المَسَاءِ تَحَامَلَ بَشِيرٌ -﵁- حَتَّى انْتهَى إلى فَدَكَ، وَأَقَامَ عِنْدَ يَهُودِيٍّ أَيَّامًا حَتَّى ضُمِّدَتْ جِرَاحُهُ، وَرَجَعَ إلى المَدِينَةِ.
وَقَدْ نَقَلَ خَبَرَ مُصَابِ هَذِهِ السَّرِيَّةِ إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عُلْبَةُ بنُ زَيْدٍ الحَارِثِيُّ (٣).
_________________
(١) فَدَك: قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان أفاءها اللَّه على رسوله -ﷺ- في سنة سبع صلحًا. انظر معجم البلدان (٦/ ٤١٧). وقد ذكرنا خبر فدك في غزوة خيبر فراجعه.
(٢) الرَّثِيث: الجريح. انظر النهاية (٢/ ١٧٩).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٠٩) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٢٩٥).
[ ٣ / ٥١٦ ]
سَرِيَّةُ غَالِبِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيِّ إِلَى المِيفَعَةِ
الذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ السَّرِيَّةَ هِيَ التِي بَعَثَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إلى الحُرَقَةِ (١) في حَدِيثِ أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ ﵄وَهِيَ عِنْدَ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ في صَحِيحَيْهِمَا- وَكَانَتْ في رَمَضَانَ سَنَةَ سَبْعٍ لِلْهِجْرَةِ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- غَالِبَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثِيَّ -﵁-، في مِائَةٍ وَثَلَاثِينَ رَجُلًا إلى بَنِي عُوَالٍ وَبَنِي عَبْدِ بنِ ثَعْلَبَةَ، وَهُمْ بِالمِيفَعَةِ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ المَدِينَةِ ثَمَانِيَةُ بُرُدٍ (٢) بِنَاحِيَةِ نَجْدٍ، وَدَلِيلُهُمْ يَسَارٌ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَهَجَمُوا عَلَيْهِمْ جَمِيعًا، وَوَقَعُوا وَسْطَ مَحَالِّهِمْ، فَقتَلُوا مَنْ أَشْرَفَ لَهُمْ، وَاسْتَاقُوا نَعْمًا وَشَاءً، وَرَجَعُوا إلى المَدِينَةِ، وَلَمْ يَأْسِرُوا أَحَدًا.
* قَتْلُ أُسَامَةَ -﵁- مِرْدَاسَ بنَ نَهِيكٍ:
وَفِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ قَتَلَ أُسَامَةُ بنُ زَيْدٍ ﵄، الرَّجُلَ الذِي قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَهُوَ مِرْدَاسُ بنُ نَهِيكٍ حَلِيفًا لِبَنِي مُرَّةَ مِنَ الحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ،
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٣٠٨): الحُرَقة: بضم الحاء وفتح الراء، نسبة إلى الحرقة، واسمه جهيش بن عامر بن ثعلبة بن جهينة، تَسمى الحُرَقة؛ لأنه حرق قومًا بالقتل فبالغ في ذلك.
(٢) البُرد: بضم الباء: وهي ستة عشر فرسخًا، والفرسخ ثلاثة أميال. انظر النهاية (١/ ١١٦).
[ ٣ / ٥١٧ ]
قَالَ أُسَامَةُ -﵁-: بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إلى الحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ، فَصَبَّحْنَا القَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ (١) رَجُلًا مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ (٢) قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي (٣) حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ، بَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ لِي: "يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ؟ ".
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهُ إِنَّمَا كَانَ مُتعَوِّذًا (٤) فَقَالَ -ﷺ-: "فَهَلَّا شقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَهَا فَرَقًا (٥) مِنَ السِّلَاحِ؟ كيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟، كيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ ".
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ١٧٦): لم أقف على اسم الأنصاريِّ المذكور في هذه القصة.
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ١٧٦): غشيناه: بفتح الغينِ والشين: أي لحقنا به حَتَّى تغطى بنا.
(٣) وقع في رواية مسلم في الصحيح - رقم الحديث (٩٧) (١٦٠) - في حديث جندب قال: فلما رَفَع عليه السيف قال: لا إله إِلَّا اللَّه، فقتله. قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ١٧٦): ويجمع بأنه رفع عليه السيف أولًا، فلما لم يتمكن من ضربه بالسيف طعنه بالرمح.
(٤) متعوِّذًا: أي إنما أقرّ بالشهادة لاجئًا إليها ومعتصمًا بها ليدفع عنه القتل، وليس بِمُخْلص في إسلامه. انظر النهاية (٣/ ٢٨٧). وفي رواية مسلم في الصحيح - رقم الحديث (٩٧) (١٦٠) - قال أسامة -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْجَعَ في المسلمين، وقتل فلانًا وفلانًا، وسمى له نفرًا، وإني حملت عليهِ، فلما رأى السيف: قال: لا إله إِلَّا اللَّه.
(٥) الفَرَق: بالتحريك: الخوف والفزع. انظر النهاية (٣/ ٣٩٢).
[ ٣ / ٥١٨ ]
قَالَ أُسَامَةُ -﵁-: فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ اليَوْمِ (١).
زَادَ ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: قَالَ أُسَامَةُ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُعَاهِدُ اللَّه أَنْ لَا أُقَاتِلَ أَحَدًا يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (٢).
قَالَ ابنُ بَطَّالٍ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الحَافِظُ في الفَتْحِ: كَانَتْ هَذِهِ القِصَّةُ سَبَبَ حَلِفِ أُسَامَةَ أَنْ لَا يُقَاتِلَ مُسْلِمًا بَعْدَ ذَلِكَ، وَمِنْ ثَمَّ تَخَلَّفَ عَنْ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- في الجَمَلِ وَصِفِّينَ، وَكَانَ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- يَقُولُ: لَا أُقَاتِلُ مُسْلِمًا حَتَّى يُقَاتِلَهُ أُسَامَةُ (٣).
* * *
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ١٧٧): أي أن إسلامي كان ذلك اليوم؛ لأن الإِسلام يَجُبُّ ما قبله. وأخرج ذلك كله البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب بعث النبي -ﷺ- أسامة بن زيد إلى الحرقات - رقم الحديث (٤٢٦٩) - وأخرجه في كتاب الديات - باب قوله تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ - رقم الحديث (٦٨٧٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إِلَّا اللَّه - رقم الحديث (٩٦) (١٥٨) - (٩٧) (١٦٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٧٤٥) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٢٢٧) (٣٢٢٨).
(٢) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٣٠٩).
(٣) انظر فتح الباري (١٤/ ١٧٨) - وأخرج قول سعد بن أبي وقاص -﵁-: الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب تحريم قتل الكافر بعد أن قال: لا إله إِلَّا اللَّه - رقم الحديث (٩٦) (١٥٨).
[ ٣ / ٥١٩ ]
سَرِيَّةُ بَشِيرِ بنِ سَعْدٍ -﵁- إِلَى يَمْنٍ وَجُبَارَ (١)
وَفِي شَوَّالَ سَنَةَ سَبْعٍ لِلْهِجْرَةِ، بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ وَاعَدَهُمْ عُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ لِلْإِغَارَةِ عَلَى المَدِينَةِ أَوْ أَطْرَافِهَا، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَشِيرَ بنَ سَعْدٍ -﵁-، فَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً، وَبَعَثَ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسِيرُوا اللَّيْلَ وَيَكْمُنُوا النَّهَارَ، وَخَرَجَ مَعَهُمْ حُسَيْلُ بنُ نويْرَةَ الأَشْجَعِيُّ دَلِيلًا -وَهُوَ الذِي قَدِمَ بِخَبَرِ تَجَمُّعِ غَطَفَانَ- فَسَارُوا اللَّيْلَ وَكَمَنُوا النَّهَارَ، حَتَّى أَتَوْا إلى يَمْنٍ وَجُبَارَ، فنَزَلُوا بِسِلَاحٍ أَسْفَلَ خَيْبَرَ، ثُمَّ خَرَجُوا حَتَّى دَنَوْا مِنَ القَوْمِ، فَأَصَابُوا لَهُمْ نَعَمًا كَثِيرًا، وَتَفَرَّقَ الرِّعَاءُ، وَذَهَبُوا إلى القَوْمِ وَأَخْبَرُوهُمْ، فتَفَرَّقُوا وَلَحِقُوا بِعَلْيَاءِ بِلَادِهِمْ، وَخَرَجَ بَشِيرُ بنُ سَعْدٍ -﵁- في أَصْحَابِهِ حَتَّى أَتَى مَحَالَّهُمْ، فَلَمْ يَظْفَرْ بِأَحَدٍ مِنْهُمْ، إِلَّا رَجُلَيْنِ أَسَرَهُمَا، فَرَجَعَ بِالنَّعَمِ والرَّجُلَيْنِ إلى المَدِينَةِ، فَأَسْلَمَا، فَأَرْسَلَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.
* حِوَارٌ بَيْنَ عُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ وَالحَارِثِ بنِ عَوْفٍ:
وَلَمَّا فَرَّ عُيَيْنَةُ بنُ حِصْنٍ مُنْهَزِمًا مِنْ سَرِيَّةِ بَشِيرِ بنِ سَعْدٍ -﵁- لَقِيَهُ
_________________
(١) يَمْن: بفتح الياء، ثم سكون الميم: ماء لغطفان على الطريق بين تيماء وفيد، وجُبار: بضم الجيم وفتح الباء: ماء لبني حُميس من قضاعة بين المدينة وفيد. انظر معجم البلدان (٣/ ٢٦) (٨/ ٥١٠).
[ ٣ / ٥٢٠ ]
الحَارِثُ بنُ عَوْفٍ المُرِّيّ، وَكَانَ حَلِيفًا لَهُ، فَاسْتَوْقَفَهُ الحَارِثُ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ: لَا، مَا أَقْدِرُ! خَلْفِيَ الطَّلَبُ، أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ، -وَهُوَ يَرْكُضُ- فَقَالَ لَهُ الحَارِثُ: قَدْ آنَ لَكَ يَا عُيَيْنَةُ أَنْ تُقْصِرَ عَمَّا تَرَى، أَوْ أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تُبْصِرَ بَعْضَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ؟ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ وَطِئَ البِلَادَ، وَأَنْتَ مُوضِعٌ (١) في غَيْرِ شَيْءٍ (٢).
كَانَ هَذَا الأَمْرُ سَبَبًا في جَعْلِ عُيَيْنَةَ بنِ حِصْنٍ يُفَكِّرُ في الإِسْلَامِ.
* * *
_________________
(١) مُوضِع: بضم الميم وكسر الضاد: أي مسرع. انظر النهاية (٥/ ١٧١).
(٢) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٣٠٢) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٠).
[ ٣ / ٥٢١ ]
أَسْرُ ثُمَامَةَ بنِ أُثَالٍ الحَنَفِيِّ -﵁- (١) وَإِسْلامُهُ
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةِ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ (٢).
زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ في السِّيَرَةِ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَحْسِنُوا إِسَارَهُ" (٣).
فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا مَرَّ عَلَيْهِ يَقُولُ لَهُ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ ".
فَيَقُولُ ثُمَامَةُ: عِنْدِي خَيْرٌ يَا مُحَمَّدُ، إِنْ تَقْتُلْنِي تَقْتُلْ ذَا دَمٍ (٤)، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ، فَسَلْ مِنْهُ مَا شِئْتَ (٥).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٢/ ١٣١) ثُمامة: بضم الثاء، وأثال: بضم الهمزة وفتح الثاء.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب وقد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أُثال - رقم الحديث (٤٣٧٢) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب ربط الأسير وحبسه - رقم الحديث (١٧٦٤).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٢٩٥).
(٤) قال الإمام النووي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في شرح مسلم (١٢/ ٧٥): أي إن تقتل تقتل صاحب دمٍ لدمه موقع يشتفي بقتله قاتله، ويدرك قاتله به ثأره أي لرياسته وفضيلته.
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب وقد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أثال - رقم الحديث (٤٣٧٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب ربط الأسير وحبسه - رقم الحديث (١٧٦٤).
[ ٣ / ٥٢٢ ]
قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-: فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ -ﷺ- يُحِبُّونَ الفِدَاءَ، وَيَقُولُونَ: مَا نَصْنَعُ بِقَتْلِ هَذَا؟ (١).
فتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، حَتَّى كَانَ مِنَ الغَدِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ ".
فَقَالَ ثُمَامَةُ: مَا قُلْتُ لَكَ، إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، فترَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى كَانَ بَعْدَ الغَدِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ ".
قَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَصْحَابِهِ: "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ"، فَانْطَلَقَ ثُمَامَةُ إلى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ (٢)، ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، يَا مُحَمَّدُ! وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الوُجُوهِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ، فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ البِلَادِ إِلَيَّ، وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ العُمْرَةَ، فَمَاذَا تَرَى؟
فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ لَبَّى، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُلَبِّيًا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَأَخَذَتْهُ قُرَيْشٌ، وَقَالُوا لَهُ: صَبَوْتَ يَا ثُمَامَةُ؟
_________________
(١) أخرج ذلك ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (١٢٣٨) وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٢) في رواية ابن حبان قال أبو هريرة -﵁-: فبعث به رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إلى حائط -أي بستان- أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل، وصلى ركعتين.
[ ٣ / ٥٢٣ ]
قَالَ: لَا وَاللَّهِ، وَلَكِنْ أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ اليَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَخَلُّوهُ.
ثُمَّ خَرَجَ ثُمَامَةُ إلى اليَمَامَةِ، فَمَنَعَهُمْ أَنْ يَحْمِلُوا إلى مَكَّةَ شَيْئًا، حَتَّى أَضَرَّ بِقُرَيْشٍ الجُوعُ، وَأَكَلُوا العِلْهِزَ (١)، فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ وَفْدًا بِقِيَادَةِ أَبِي سُفْيَانَ إلى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي المَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ: أَنْشُدُكُمُ اللَّه وَالرَّحِمَ، إِنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ بُعِثْتَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بَلَى".
فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: قَدْ قتَلْتَ الآبَاءَ بِالسَّيْفِ، وَالأَبْنَاءَ بِالجُوعِ.
فَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إلى ثُمَامَةَ بنِ أُثَالٍ -﵁-، أَنْ يُخَلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الحَمْلِ إلى مَكَّةَ، فَفَعَلَ.
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾ (٢).
_________________
(١) العِلْهِزُ: بكسر العين والهاء: هو شيء يتَّخذونه في سِنِيِّ المجاعة، يخلطون الدم بأوبار الإبل، ثم يشوونه بالنار، ويأكلونه. انظر النهاية (٣/ ٢٦٥).
(٢) سورة المؤمنون آية (٧٦). وأخرج قصَّة ثُمامة بن أثال: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب وقد بني حنيفة وحديث ثمامة بن أُثال - رقم الحديث (٤٣٧٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب ربط الأسير وحبسه - رقم الحديث (١٧٦٤) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الطهارة - باب غسل الكافر إذا أسلم - رقم الحديث (٩٦٧) (١٢٣٨) (١٢٣٩) - والحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب تفسير سورة المؤمنون - رقم الحديث (٣٥٤٠) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٢٩٥).
[ ٣ / ٥٢٤ ]
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ ثُمَامَةَ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - رَبْطُ الكَافِرِ فِي المَسْجِدِ.
٢ - المَنُّ عَلَى الأَسِيرِ الكَافِرِ، وَتَعْظِيمُ أَمْرِ العَفْوِ عَنِ المُسِيءِ؛ لِأَنَّ ثُمَامَةَ أَقْسَمَ أَنَّ بُغْضَهُ انْقَلَبَ حُبًّا في سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ لِمَا أَسْدَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَيْهِ مِنَ العَفْوِ وَالمَنِّ بِغَيْرِ مُقَابِلٍ.
٣ - وَفِيهِ الِاغْتِسَالُ عِنْدَ الإِسْلَامِ.
٤ - وَفِيهِ أَنَّ الإِحْسَانَ يُزِيلُ البُغْضَ وَيُثْبِتُ الحُبَّ.
٥ - وَفِيهِ أَنَّ الكَافِرَ إِذَا أَرَادَ عَمَلَ خَيْرٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ شُرعَ لَهُ أَنْ يَسْتَمِرَّ في عَمَلِ ذَلِكَ الخَيْرِ.
٦ - وَفِيهِ المُلَاطفَةُ بِمَنْ يُرْجَى إِسْلَامُهُ مِنَ الأُسَارَى، إِذَا كَانَ في ذَلِكَ مَصْلَحَة لِلْإِسْلَامِ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ يَتْبَعُهُ عَلَى إِسْلَامِهِ العَدَدُ الكَثِيرُ مِنْ قَوْمِهِ.
٧ - وَفِيهِ بَعْثُ السَّرَايَا إلى بِلَادِ الكُفَّارِ، وَأَسْرُ مَنْ وُجِدَ مِنْهُمْ، وَالتَّخْيِيرُ بَعْدَ ذَلِكَ في قتلِهِ، أَوِ الإِبْقَاءِ عَلَيْهِ (١).
وَظَلَّ ثُمَامَةُ -﵁- عَلَى إِسْلَامِهِ، وَلَمْ يَرْتَدَّ مَعَ مَنِ ارْتَدَّ مِنْ أَهْلِ اليَمَامَةِ، حِينَ تَنبَّأَ مُسَيْلَمَةُ الكَذَّابُ.
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٤٢١).
[ ٣ / ٥٢٥ ]
عُمْرَةُ القَضَاءِ (١)
لَمَّا دَخَلَ هِلَالُ ذِي القَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ السَّابِعَةِ لِلْهِجْرَةِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ بِالعُمْرَةِ، كَمَا وَقَعَ في بُنُودِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، بِأَنْ يَعْتَمِرَ المُسْلِمُونَ في العَامِ المُقْبِلِ في ذِي القَعْدَةِ.
* خُرُوجُ الرَّسُولِ -ﷺ- إلى العُمْرَةِ وَعِدَّةُ أَصْحَابِهِ:
خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَلَمْ يتَخَلَّفْ أَحَدٌ مِمَّنْ شَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ إِلَّا مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ في خَيْبَرَ وَغَيْرِهَا، فَكَانَ مَجْمُوعُ مَنْ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَلفيْنِ سِوَى النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ.
_________________
(١) اختُلِف في سبب تسميتها عُمرة القضاء، فقيل: المرادُ ما وقع من المُقَاضاة بين المسلمين والمشركين من الكتاب الذي كتب بينهم بالحديبية، فالمرادُ بالقضاءِ الفَصْل الذي وقع، لا لأنها قضاء عن العمرة التي صُدّ عن البيت فيها، فإنَّها لم تكن فَسَدَتْ حَتَّى يجب قضاؤها، بل كانت عمرةً تامة، وتسمى عُمرة القَضِيَّة؛ لأن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- قاضى قريش في الحديبية على أن يعتمر العام المقبل. وتُسمى كذلك عمرةَ القِصَاص؛ لأن قريشًا صدّوا رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في ذي القعدة عام الحديبية، فاقتصَّ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- منهم، فاعتمر في الشهر الذي صدّوه فيه من العام المقبل. قال السُّهيلي في الرَّوْض الأُنُف (٤/ ١١٤): وهذا الاسم أولى بها لقوله تَعَالَى في سورة البقرة آية (١٩٤): ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾، وهذه الآية نزلت فيها، فهذا الاسم أولى بها. وانظر فتح الباري (٨/ ٢٨٥).
[ ٣ / ٥٢٦ ]
وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى المَدِينَةِ عُوَيْفَ بنَ الأَضْبَطِ الدَّيْلِيِّ (١) -﵁-، وَسَاقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سِتِّينَ بَدَنَةً (٢)، وَجَعَلَ عَلَيْهَا نَاجِيَةَ بنَ جُنْدُبٍ الأَسْلَمِيَّ -﵁-، يَسِيرُ بِهَا أَمَامَهُ، مَعَهُ أَرْبَعَةُ فِتْيَانٍ مِنْ أَسْلَمَ.
وَحَمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- السِّلَاحَ وَالدُّرُوعَ وَالرِّمَاحَ خَوْفًا مِنْ غَدْرِ أَهْلِ مَكَّةَ.
فَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إلى ذِي الحُلَيْفَةِ (٣)، قَدَّمَ الخَيْلَ أَمَامَهُ عَلَيْهَا مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ -﵁-، وَأَحْرَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ بَابِ مَسْجِدِ الحُلَيْفَةِ وَلَبَّى، وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ يُلَبُّونَ.
وَمَضَى مُحَمَّدُ بنُ مَسْلَمَةَ -﵁-، في الخَيْلِ، فَلَمَّا كَانَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ (٤)، وَجَدَ بِهَا نَفَرًا مِنْ قُرَيْشٍ، فَسَأَلُوهُ عَنْ سَبَبِ مَجِيئِهِ بِالخَيْلِ، فَقَالَ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَبِّحُ هَذَا المَنْزِلَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَرَأَوْا سِلَاحًا كَثِيرًا، مَعَ بَشِيرِ بنِ سَعْدٍ -﵁-، فَخَرَجُوا سِرَاعًا حَتَّى أَتَوْا مَكَّةَ، فَأَخْبَرُوا قُرَيْشًا، فَفَزِعُوا وَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا أَحْدَثْنَا حَدَثًا، وَإِنَّا عَلَى كِتَابِنَا وَهُدْنَتِنَا، فَفِيمَ يَغْزُونَا مُحَمَّد في أَصْحَابِهِ؟
وَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إلى مَرَّ الظَّهْرَانِ نَزَلَ بِهِ، فَبَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) هذه رواية ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٧) - وفي رواية ابن سعد في طبقاته (٢/ ٣١٠): أَبا رُهم الغفاري -﵁-.
(٢) البَدَنة: الإبل، سميت بدنة لعظمها وسمنها. انظر النهاية (١/ ١٠٨).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٤/ ١٦١): ذِي الحُليفة: بضم الحاء وفتح اللام مصغرًا، وهو ميقات أهل المدينة.
(٤) مر الظهران: واد بين مكة وعُسفان. انظر النهاية (٣/ ١٥٢).
[ ٣ / ٥٢٧ ]
وَأَصْحَابَهُ أَنَّ قُرَيْشًا تَقُولُ عَنْهُمْ: مَا يَتَبَاعَثُونَ مِنَ العَجَفِ (١)، فَقَالَ الصَّحَابَةُ ﵃: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ أَكَلْنَا مِنْ ظَهْرِنَا (٢)، فَأَكَلْنَا مِنْ شُحُومِهَا، وَحَسَوْنَا مِنَ المَرَقِ، فَأَصْبَحْنَا غَدًا حَتَّى نَدْخُلَ عَلَى القَوْمِ وَبِنَا جَمَامٌ (٣)؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا، وَلَكِنْ ائْتُونِي بِفَضْلِ أَزْوَادِكُمْ".
فَبَسَطُوا أَنْطَاعَهُمْ (٤)، ثُمَّ جَمَعُوا عَلَيْهَا مِنْ أَطْعِمَاتِهِمْ كُلِّهَا، فَدَعَا لَهُمْ فِيهَا بِالبَرَكَةِ، فَأَكَلُوا حَتَّى تَضَلَّعُوا (٥) شِبَعًا، فَأَكْفَتُوا (٦) في جُرَبِهِمْ (٧) فُضُولَ مَا فَضَلَ مِنْهَا (٨).
ثُمَّ قَدَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- السِّلَاحَ إلى بَطْنِ يَأْجَجَ (٩) حَيْثُ يَنْظُرُ إلى أَنْصَابِ الحَرَمِ (١٠).
_________________
(١) العَجَف: الهزال. انظر النهاية (٣/ ١٦٩).
(٢) الظَّهر: الإبل التي يحمل عليها وتركب. انظر النهاية (٣/ ١٥١).
(٣) الجَمَامة: أي راحة وشبع ورِيّ. انظر النهاية (١/ ٢٩٠).
(٤) النَّطع: الجلد. انظر لسان العرب (١٤/ ١٨٦).
(٥) تضَلَّع الرَّجل: امتلأ ما بين أضلاعه شبعًا وريًّا. انظر لسان العرب (٨/ ٧٦).
(٦) أكفتوا: أي جمعوا وضموا ما زاد من الطعام. انظر لسان العرب (١٢/ ١١٧).
(٧) الجِراب: بكسر الجيم: الوعاء. انظر لسان العرب (٢/ ٢٢٨).
(٨) أخرج ذلك ابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب دخول مكة - رقم الحديث (٣٨١٢) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٨٢) - وإسناده صحيح.
(٩) بطنُ يأجج: مكان من مكة على ثمانية أميال. انظر معجم البلدان (٨/ ٤٩٢).
(١٠) أنصابُ الحرم: حدوده. انظر لسان العرب (١٤/ ١٥٥).
[ ٣ / ٥٢٨ ]
* بَعْثُ قُرَيْشٍ مِكْرَزَ بنَ حَفْصٍ:
ثُمَّ بَعَثَتْ قُرَيْشٌ مِكْرَزَ بنَ حَفْصٍ في نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، حَتَّى لَقُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِبَطْنِ يَأْجَجَ، وَهُوَ في أَصْحَابِهِ وَالهَدْيَ وَالسِّلَاحَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ! مَا عُرِفْتَ صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا بِالغَدْرِ! تَدْخُلُ بِالسِّلَاحِ في الحَرَمِ عَلَى قَوْمِكَ، وَقَدْ شَرَطْتَ لَهُمْ أَلَّا تَدْخُلَ إِلَّا بِسِلَاحِ المُسَافِرِ، السُّيُوفُ في القُرُبِ! (١).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي لَا أُدْخِلُ عَلَيْهِمُ السِّلَاحَ".
فَقَالَ مِكْرَزُ بنُ حَفْصٍ: هَذَا الذِي يُعْرَفُ بِهِ البِرُّ وَالوَفَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ سَرِيعًا بِأَصْحَابِهِ إلى مَكَّةَ، فَقَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا لَا يدخلُ بِسِلَاحٍ، وَهُوَ عَلَى الشَّرْطِ الذِي شَرَطَ لَكُمْ.
* خُرُوجُ أَهْلِ مَكَّةَ إِلَى الجِبَالِ:
وَقَدْ أُشِيعَتْ في مَكَّةَ إِشَاعَةٌ وَهِيَ: أَنَّ المُسْلِمِينَ القَادِمِينَ لِلْعُمْرَةِ قَدْ أَصَابَتْهُمُ الحُمَّى، فَخَرَجَ أَكْثَرُ أَهْلِ مَكَّةَ إلى الجِبَالِ المُحِيطَةِ بِهَا خَشْيَةَ العَدْوَى، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ذَلِك أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالرَّمَلِ (٢) -كَمَا سَيَأْتِي-.
* دُخُولُ الرَّسُولِ -ﷺ- مَكَّةَ:
ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ يَأْجَجَ بَعْدَ أَنْ وَضَعَ الأَدَاةَ كُلَّهَا الحَجَفَ (٣)
_________________
(١) القُرُب بضم القاف والراء، جمع قِراب، وهو غمد السيف. انظر لسان العرب (١١/ ٨٦).
(٢) رَمَلَ الرجُلُ: إذا أسرع في مشيته وهَزَّ منكبيه. انظر لسان العرب (٥/ ٣٢٠).
(٣) الحجَفة: نوع من التروس، وهي من الجلودِ خاصة. انظر لسان العرب (٣/ ٦٣).
[ ٣ / ٥٢٩ ]
وَالمِجَانَّ (١) وَالرِّمَاحَ وَالنَّبْلَ، وَخَلَّفَ عَلَيْهَا أَوْسَ بنَ خَوْليٍّ الأَنْصَارِيِّ في مِائتَيْ رَجُلٍ، وَقَدَّمَ الهَدْيَ أَمَامَهُ، فَحُبِسَ بِذِي طُوَى (٢).
وَدَخَلَ (٣) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَكَّةَ مِنَ الثَّنِيَّةِ التِي تُطلِعُهُ عَلَى الحَجُونِ (٤)، وَأَصْحَابُهُ مُحْدِقُونَ بِهِ قَدْ تَوَشَّحُوا السُّيُوفَ يُلَبُّونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَرْمِيَهُ أَحَدٌ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوْفَى -﵁- أنَّهُ قَالَ: لَمَّا اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَتَرْنَاهُ مِنْ غِلْمَانِ المُشْرِكِينَ، وَمِنْهُمْ، أَنْ يُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- (٥).
وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُلَبِّي حَتَّى دَخَلَ المَسْجِدَ الحَرَامَ مِنْ بَابِ بَنِي شَيْبَةَ، وَقَدْ صَفَّتْ لَهُ قُرَيْشٌ عِنْدَ دَارِ النَّدْوَةِ، أَوْ مِمَّا يَلِي الحِجْرَ، فَقَدْ رَوَى ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ، قَامَ أَهْلُ مَكَّةَ سِمَاطَيْنِ (٦).
_________________
(١) المِجَنُّ: الترس. انظر النهاية (١/ ٢٩٧).
(٢) ذي طُوى: بضم الطاء وفتح الواو المخففة: موضع عند باب مكة. انظر النهاية (٣/ ١٣٣). انظر تفاصيل ذلك كله في: الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٠) - سيرة ابن هشام (٤/ ١٧) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٣١٤).
(٣) دَخل رَسُول اللَّهِ -ﷺ- مكة بعد أن غَاب عنها سبع سنوات.
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٤/ ٤٥٧): الحَجُون: بفتح الحاء وضم الجيم: جبل معروف بمكة، وعنده مقبرة أهل مكة.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب عمرة القضاء - رقم الحديث (٤٢٥٥).
(٦) سِمَاطين: أي صفين. انظر لسان العرب (٦/ ٣٦٣). =
[ ٣ / ٥٣٠ ]
* إِنْشَادُ ابنِ رَوَاحَةَ -﵁-:
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ -﵁- آخِذ بِزِمَامِ رَاحِلَةِ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَيَرْتَجِزُ يَقُولُ:
خَلُّوا بَنِي الكُفَّارِ عَنْ سَبِيلِهِ خَلُّوا فكُلُّ الخَيْرِ في رَسُولِهِ
نَحْنُ ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ (١) كَمَا ضَرَبْنَاكُمْ عَلَى تَنْزِيلِهِ
ضَرْبًا يُزِيلُ الهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ (٢) وَيُذْهِلُ الخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
يَا رَبِّ إِنِّي مُؤْمِنِ بِقِيلِهِ
فَقَالَ عُمَرُ -﵁- لِابْنِ رَوَاحَةَ: يَا ابْنَ رَوَاحَةَ! بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَفِي حَرَمِ اللَّهِ تَقُولُ الشِّعْرَ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "خَلِّ عَنْهُ يَا عُمَرُ، فَلَهِيَ أَسْرَعُ فِيهِمْ مِنْ نَضْحِ (٣) النَّبْلِ" (٤).
_________________
(١) = والخبرُ أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الحظر والإباحة - باب الشعر والسجع - رقم الحديث (٥٧٨٨).
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في البداية والنهاية (٤/ ٦١٧): أي هذه العمرة تأويل الرؤيا التي كان رآها رَسُول اللَّهِ -ﷺ- جاءت مثل فَلَقِ الصبح.
(٣) الهامَ عن مَقِيله: الهامُ جمع هامَةٍ، وهي أعلى الرأس، وفيه الناصية، ومَقِيله: موضعه. انظر النهاية (٥/ ٢٤٤) - جامع الأصول (٥/ ١٧١).
(٤) نضحَ: رمى. انظر النهاية (٥/ ٦٠). وفي رواية ابن حبان في صحيحه: وَقْعِ.
(٥) أخرج ذلك ابن حبان في صحيحه - كتاب الحظر والإباحة - باب الشعر والسجع - رقم =
[ ٣ / ٥٣١ ]
* وَهْمُ الإِمَامِ التِّرْمِذِيِّ:
قُلْتُ: وَهِمَ الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ، فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ هَذِهِ الأَبْيَاتِ لِابْنِ رَوَاحَةَ -﵁-: وَرُوِيَ في غَيْرِ هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- دَخَلَ مَكَّةَ في عُمْرَةِ القَضَاءَ، وَكَعْبُ بنُ مَالِكٍ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهَذَا أَصَحُّ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الحَدِيثِ، لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ رَوَاحَةَ -﵁- قُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ، وَإِنَّمَا كَانَتْ عُمْرَةُ القَضَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ (١).
وَتَعَقَّبَهُ الحَافِظُ في الفَتْحِ فَقَالَ: وَهُوَ ذُهُولٌ شَدِيدٌ وَغَلَطٌ مَرْدُودٌ، وَمَا أَدْرِي كَيْفَ وَقَعَ التِّرْمِذِيُّ في ذَلِكَ مَعَ وُفُورِ مَعْرِفَتِهِ، وَمَعَ أَنَّ في قِصَّةِ عُمْرَةِ القَضَاءَ اخْتِصَامُ جَعْفَرَ وَأَخِيهِ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بنِ حَارِثَةَ ﵃ في بِنْتِ حَمْزَةَ -﵁- (٢)، وَجَعْفَرُ قُتِلَ وَزَيْدٌ وَابْنُ رَوَاحَةَ في مَوْطِنٍ وَاحِدٍ، فَكَيْفَ يَخْفَى عَلَى التِّرْمِذِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ؟ ! (٣).
_________________
(١) = الحديث (٥٧٨٨) - والترمذي في جامعة - كتاب الأدب - باب ما جاء في إنشاد الشعر - رقم الحديث (٣٠٦١) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٣٢٢٨) وإسناده صحيح.
(٢) قال الإِمام الذهبي في السير (١/ ٢٣٦): كلا، بل مؤتة بعدها بستة أشهر جزمًا. وانظر كلام الإِمام الترمذي في جامعة (٥/ ١٢١).
(٣) ستأتي بعد قليل اختصامهم في ابنة حمزة -﵁- في نهاية عمرة القضاء.
(٤) انظر فتح الباري (٨/ ٢٨٨).
[ ٣ / ٥٣٢ ]
* رَمَلُ المُسْلِمِينَ:
فَاسْتَلَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الرُّكْنَ بِمِحْجَنِهِ (١) وَاضْطَبَعَ (٢) بِثَوْبِهِ، ثُمَّ شَرَعَ فِي الطَّوَافِ، وَكَانَ أَشْرَافُ قُرَيْشٍ لَمَّا سَمِعُوا بِقُدُومِ الرَّسُولِ -ﷺ- وَمَنْ مَعَهُ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ إلى رُؤُوسِ الجِبَالِ غَيْظًا وَحَسَدًا، وَبِسَبَبِ مَا أَشَاعُوهُ مِنْ أَنَّ المُسْلِمِينَ قَدْ أَصَابَتْهُمُ الحُمَّى فَأَوْهَنَتْهُمْ (٣)، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ بِالرَّمَلِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: إِنَّهُ يَقْدُمُ عَلَيْكُمْ قَوْمٌ قَدْ وَهَنَتْهُمُ الحُمَّى (٤)، قَالَ: فَأَطْلَعَ اللَّهُ النَّبِيَّ -ﷺ- عَلَى ذَلِكَ، فَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَرْمُلُوا (٥)، وَقَعَدَ
_________________
(١) المِحْجَن: عصا معقفة الرأس. انظر النهاية (١/ ٣٥٣).
(٢) الاضْطِبَاع: هو أن يأخذ الإزارُ، فيجعل وسطه تحت إبطه الأيمن، ويُلقي طرفيه على كتفه الأيسر من جهتي صدره وظهره، وسُمي بذلك لإبداء الضبعين. انظر النهاية (٣/ ٦٨). والضَّبُعُ: هو العَضُد. انظر لسان العرب (٨/ ١٦).
(٣) وهنتهم: أي أضعفتهم. انظر فتح الباري (٨/ ٢٩٧).
(٤) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (١٦٠٢): حُمّى يثرب. قال الحافظ في الفتح (٤/ ٢٦٩): ويؤخذ منه: جواز إظهار القوة بالعدة والسلاح ونحو ذلك للكفار إرهابًا لهم، ولا يعد ذلك من الرياء المذموم.
(٥) في روايةِ ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٨) قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "رحِمَ اللَّه امرأً أراهم اليوم من نفسه قُوَّة". وفي رواية الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٨٢) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٣٨١٢) - بسند صحيح - قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "لا يَرى القوم فيكم غَمِيزة" والغميزة بفتح الغين: أي ضعف. انظر لسان العرب (١/ ١٢٠). قال الإِمام ابن قدامة في المغني (٥/ ٢١٧ - ٢٢٠): الرَّمَلُ سُنَّة في الأشواط الثلاثة =
[ ٣ / ٥٣٣ ]
المُشْرِكُونَ نَاحِيَةَ الحِجْرِ (١) يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ، فَرَمَلُوا وَمَشَوْا مَا بَيْنَ الرّكْنَيْنِ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ: هَؤُلَاءِ الذِينَ تَزْعُمُونَ أَنَّ الحُمَّى وَهَنَتْهُمْ؟ ! هَؤُلَاءَ أَقْوَى مِنْ كَذَا وَكَذَا (٢)، وَلَمْ يَمْنَعْهُ -ﷺ- أَنْ يَأْمُرَهُمْ -أَيْ أَصْحَابَهُ- أَنْ يَرْمُلُوا الأَشْوَاطَ كُلَّهَا إِلَّا إِبْقَاءً (٣) عَلَيْهِمْ (٤).
وَلَمَّا فَرِغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الطَّوَافِ، صَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَهُ مَنْ يَسْترهُ مِنْ أَصْحَابِهِ، ثُمَّ سَعَى -ﷺ- بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَة عَلَى رَاحِلَتِهِ،
_________________
(١) = الأُول من طواف القدوم، ولا نعلم فيه بين أهل العلم خلافًا، وقد ثبت أن النبي -ﷺ- رمل ثلاثًا ومشى أربعًا، رواه جابر، وابن عباس، وابن عمر، وأحاديثهم متفق عليها. فإن قيل: إنما رمل النبي -ﷺ- وأصحابه؛ لإظهار الجَلَدِ للمشركين، ولم يَبْقَ ذلك المعنى، إذ قد نفى اللَّه المشركين. قلنا: قد رمل النبي -ﷺ- وأصحابه، واضطبع في حجَّة الوداع بعد الفتح، فثبت أنها سُنَّة ثابثة، وقال ابن عباس ﵄: رمل النبي -ﷺ- في عُمَرِه كلها، وفي حجه، وأبو بكر وعمر وعثمان والخلفاء من بعده. رواه أَحْمد في مسنده بسند صحيح - رقم الحديث (١٩٧٢).
(٢) في روايةِ البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٤٢٥٦): والمشركون من قِبَل قُعيقعان. وقعيقعان: بضم القاف الأولى: جبل بمكة. انظر النهاية (٤/ ٧٨).
(٣) في رواية ابن حبان في صحيحه: قالوا: كأنهم الغِزْلان. وفي رواية أخرى في مسند الإِمام أحمد: قالوا: إنهم لَيَنقُزُون نَقْزَ الظِّباء.
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٤/ ٢٦٩): الإبقاء: بكسر الهمزة: الرفق والشفقة.
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب كيف كان بدء الرمل؟ رقم الحديث (١٦٠٢) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب عمرة القضاء - رقم الحديث (٤٢٥٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب استحباب الرمل في الطواف والعمرة - رقم الحديث (١٢٦٦) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٣٩) (٢٧٨٢) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب دخول مكة - رقم الحديث (٣٨١٢) - وأبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب في الرمل - رقم الحديث (١٨٨٥).
[ ٣ / ٥٣٤ ]
وَأَصْحَابُهُ مَعَهُ يَسْعَوْنَ، ثُمَّ دَعَا فَقَالَ: "اللَّهُمَّ مُنْزِلَ الكِتَابِ، سَرِيعَ الحِسَابِ، هَازِمَ الأَحْزَابِ، اللَّهُمَّ اهْزِمْهُمْ وَزَلْزِلْهُمْ" (١).
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوْفَى -﵁- قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَاعْتَمَرْنَا مَعَهُ، فَلَمَّا دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ وَطُفْنَا مَعَهُ، وأَتَى الصَّفَا وَالمَرْوَةَ وَأَتيْنَاهَا مَعَهُ، وَكُنَّا نَسْترهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ أَنْ يَرْمِيَهُ أَحَدٌ (٢).
* ذَبْحُ الهَدْيِ:
ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالهَدْيِ، وَكَانَ قَدْ أَمَرَ بِإِحْضَارِهِ مِنْ ذِي طُوَى، فنَحَرَ هَدْيَهُ عِنْدَ المَرْوَةِ، وَحَلَقَ هُنَاكَ، حَلَقَهُ مَعْمَرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ العَدَوِيِّ -﵁-، وَكَذَلِكَ فَعَلَ أَصْحَاُبهُ ﵃.
ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَنْ يَذْهَبُوا إلى يَأْجَجَ (٣)، فيقِيمُوا عَلَى السِّلَاحِ، وَيَأْتِي الآخَرُونَ، فَيَقْضُوا نُسُكَهُمْ، فَفَعَلُوا (٤).
* لَم يَدْخُلْ رَسول اللَّهِ الكَعْبَةَ:
وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ بِمَكَّةَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ كَمَا اشْتَرَطَتْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ
_________________
(١) أخرج دعاءَه -ﷺ- عند الصَّفا والمروة: الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٤٠٧) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٣٨٤٣) - وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب العمرة - باب متى يحل المعتمر؟ - رقم الحديث (١٧٩١) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب عمرة القضاء - رقم الحديث (٤٢٥٥).
(٣) يأجَج: مكان من مكة على ثمانية أميال. انظر معجم البلدان (٨/ ٤٩٢).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١١).
[ ٣ / ٥٣٥ ]
في صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يَدْخُلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الكَعْبَةَ؛ لِوُجُودِ الأَصْنَامِ وَالصُّوَرِ فِيهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوْفَى -﵁- قَالَ: اعْتَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَطَافَ بِالبَيْتِ، وَصَلَّى خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَهُ مَنْ يَسْترهُ مِنَ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الكَعْبَةَ؟ قَالَ: لَا (١).
فَلَمَّا انْقَضَتِ الأَيَّامُ الثَّلَاثَةُ المُقَرَّرَةُ لِلْعُمْرَةِ حَسْبَ شُرُوطِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ، جَاءَتْ قُرَيْشٌ في صَبَاحِ اليَوْمِ الرَّابعِ إلى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- فَقَالُوا لَهُ: قُلْ لِصَاحِبِكَ اخْرُجْ عَنَّا فَقَدْ مَضَى الأَجَلُ، فَذَكَرَ ذَلِكَ عَلِيٌّ -﵁- لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ -ﷺ-: "نَعَمْ"، فَخَرَجَ (٢).
وَفِي رِوَايَةِ الحَاكِمِ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: . . . فَأَتاهُ حُوَيْطِبُ بنُ عَبْدِ العُزَّى في نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ في اليَوْمِ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحج - باب من لم يدخل الكعبة - رقم الحديث (١٦٠٠). قال النوويُّ فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٤/ ٢٦٦): قال العلماءُ: سببُ ترك دخوله -ﷺ- ما كان في البيتِ من الأصنام والصُّور، ولم يكن المشركون يتركونه ليُغيّرها، فلما كان في الفتح -أي فتح مكة- أمر بإزالة الصور، ثم دخلها. وقال الحافظ: ويحتمل أن يكون دخول البيت لم يقع في الشرط يوم الحديبية، فلو أراد دخوله لمنعوه كما منعوه من الإقامة بمكَّة زيادة على الثلاث أيام، فلم يقصد دخوله لِئَلَّا يمنعوه.
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب عمرة القضاء - رقم الحديث (٤٢٥١) - وأخرجه في كتاب الجزية والموادعة - باب المصالحة على ثلاثة أيام - رقم الحديث (٣١٨٤).
[ ٣ / ٥٣٦ ]
الثَّالِثِ، فَقَالُوا لَهُ: إِنَّهُ قَدِ انْقَضَى أَجَلُكَ فَاخْرُجْ عَنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَمَا عَلَيْكُمْ لَوْ تَرَكتُمُونِي فَأَعْرَسْتُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ فَصَنَعْتُ لَكُمْ طَعَامًا فَحَضَرْتُمُوهُ".
قَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا في طَعَامِكَ، فَاخْرُجْ عَنَّا، فَخَرَجَ بِمَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ ﵂ حَتَّى أَعْرَسَ بِهَا بِسَرِفٍ (١).
* الرَّسُولُ -ﷺ- يَسْأَلُ عَنْ خَالِدٍ بنِ الوَلِيدِ -﵁-:
قَالَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ -﵁-: لَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَكَّةَ في عُمْرَةِ القَضِيَّةِ، تَغَيَّبْتُ، وَلَمْ أَشْهَدْ دُخُولَهُ، فَكَانَ أَخِي الوَلِيدُ بنُ الوَليدِ، قَدْ دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- في عُمْرَةِ القَضيَّةِ، فَطَلَبَنِي فَلَمْ يَجِدْنِي، وَكتَبَ إِلَيَّ كِتَابًا فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ: فَإِنِّي لَمْ أَرَ أَعْجَبَ مِنْ ذَهَابِ رَأْيِكَ عَنِ الإِسْلَامِ وَعَقْلُكَ عَقَلَكَ، وَمِثْلُ الإِسْلَامِ يَجْهَلُهُ أَحَدٌ؟ قَدْ سَأَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْكَ، فَقَالَ: "أَيْنَ خَالِدٌ؟ " فَقُلْتُ يَأْتِي اللَّهُ بِهِ، فَقَالَ -ﷺ-: "مَا مِثْلُهُ جَهِلَ الإِسْلَامَ، وَلَوْ كَانَ جَعَلَ نِكَايَتَهُ وَجِدَّهُ المُسْلِمِينَ عَلَى المُشْرِكِينَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلقدَّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ"، فَاسْتَدْرِكْ يَا أَخِي مَا قَدْ فَاتَكَ، وَقَدْ فَاتَتْكَ مَوَاطِنُ صَالِحَةٌ.
قَالَ خَالِدٌ -﵁-: فَلَمَّا جَاءَنِي كِتَابُهُ، نَشِطْتُ لِلْخُرُوجِ وَزَادَنِي رَغْبَةً في الإِسْلَامِ (٢)
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر نكاح ميمونة ﵂ - رقم الحديث (٦٨٧٥).
(٢) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٣٥٠).
[ ٣ / ٥٣٧ ]
قُلْتُ: وَكَانَ هَذَا الحَدَثُ سَبَبَ إِسْلَامِ خَالِدٍ -﵁-.
* قَضَاءُ الرَّسُولِ -ﷺ- في ابْنَةِ حَمْزَةَ ﵂:
وَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الخُرُوجَ مِنْ مَكَّةَ، تَبِعَتْهُ ابْنَةُ حَمْزَةَ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَاسْمُهَا عُمَارَةُ، وتنادِيهِ: يَا عَمِّ يَا عَمِّ (١)! فتَنَاوَلَهَا عَلِيٌّ -﵁- فَأَخَذَ بِيَدِهَا، وَقَالَ لِفَاطِمَةَ ﵂: دُونَكِ ابْنَةَ عَمِّكِ، احْمِلِيهَا.
فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيٌّ وَزَيْدُ بنُ حَارِثَةَ وَجَعْفَرُ بنَ أَبِي طَالِبٍ ﵃، حَتَّى ارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، فَقَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "هَلُمُّوا أَقْضِ بَيْنَكُمْ فِيهَا".
فَقَالَ عَلِيٌّ -﵁-: أَنَا أَخَذْتُهَا، وَهِيَ ابْنَةُ عَمِّي، وَعِنْدِي ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهِيَ أَحَقُّ بِهَا، وَقَالَ جَعْفَرٌ -﵁-: ابْنَةُ عَمِّي وَخَالَتُهَا (٢) تَحْتِي (٣)، وَقَالَ زَيْدٌ -﵁-: ابْنَةُ أَخِي (٤).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٢٩٢): كأنها خاطبت النبي -ﷺ- بذلك إجلالًا لَهُ، وإلا فهو ابن عمها، أو بالنسبة إلى كون حمزة، وإن كان عمه من النسب فهو أخوه من الرضاعة.
(٢) خالتها هي أسماءُ بنتُ عُميس الخَثْعَمِيَّة ﵂، وقد وقع التصريح باسمها في رواية الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٧٠). واسم أُم عُمَارَةَ هذه: سلمى بنت عُميس.
(٣) تحتي: أي زوجتي. انظر فتح الباري (٨/ ٢٩٣).
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٤/ ٧٢٧): ذكر أصحاب المغازي أن المؤاخاة بين الصحابة وقعت مرَّتين: الأولى: قبل الهجرة بين المهاجرين خاصة على المواساة والمُناصرة، فكان من ذلك أخُوَّة زيد بن حارثة -﵁- وحمزة بن عبد المطَّلب -﵁-. وأخوة عبد اللَّه بن مسعود -﵁-، والزبير بن العوام -﵁-. كما أخرج ذلك البخاري في =
[ ٣ / ٥٣٨ ]
فَقَضى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِجَعْفَرَ؛ لِأَنَّ خَالَتَهَا عِنْدَهُ، وَقَالَ: "الخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الأُمِّ" (١)، ثُمَّ قَالَ لِعَلِيٍّ -﵁-: "أَنْتَ مِنِّي وَأَنَا مِنْكَ" (٢)، وَقَالَ لِجَعْفَرَ -﵁-: "أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي" (٣)، وَقَالَ لِزَيْدٍ -﵁-: "أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا" (٤).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ، وَفِي هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - تَعْظِيمُ صِلَةِ الرَّحِمِ، بِحَيْثُ تَقَعُ المُخَاصَمَةُ بَيْنَ الكِبَارِ في التَّوَصُّلِ إِلَيْهَا.
٢ - أَنَّ الحَاكِمَ يُبَيِّنُ دَلِيلَ الحُكْمِ لِلْخَصْمِ.
٣ - أَنَّ الخَصْمَ يُدْلِي بِحُجَّتِهِ.
_________________
(١) = الأدب المفرد - رقم الحديث (٤٤٢) وإسناده صحيح. الثَّانية: ثم آخي رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بين المهاجرين والأنصار بعد أن هاجر، وذلك بعد قدومه المدينة.
(٢) في رواية الإِمام أحمد في مسنده قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "فإن الخالة والدة". قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٢٩٤): أي في هذا الحكم الخاص؛ لأنها تقرب منها في الحُنُوِّ والشفقةِ والاهتداء إلى ما يصلح الولد.
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٢٩٤): أي في النسب والصهر والمسابقةِ والمحبَّة وغير ذلك من المزايا، ولم يرد محض القرابة وإلا فجعفر شريكُه فيها.
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٢٩٤): وهذه منقبة عظيمةٌ لجعفر -﵁-.
(٥) أخرج قصة تخاصمهم في ابنةِ حمزةَ -﵁-: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب عمرة القضاء - رقم الحديث (٤٢٥١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٧٠) - وأبو داود في سننه - كتاب الطلاق - باب من أحق بالولد - رقم الحديث (٢٢٧٨).
[ ٣ / ٥٣٩ ]
٤ - وَيُؤْخَذُ مِنْهُ أَنَّ الخَالة في الحَضَانَةِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى العَمَّةِ؛ لِأَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ عَبْدِ المُطَّلِبِ كَانَتْ مَوْجُودَةً حِينَئِذٍ، وَإِذَا قُدِّمَتْ عَلَى العَمَّةِ مَعَ كَوْنِهَا أَقْرَبَ العَصَبَاتِ مِنَ النِّسَاءِ فَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا (١).
* شَأْنُ عُمَارَةَ ﵂:
وَلَمْ تَزَلْ عُمَارَةُ ﵂ عِنْدَ جَعْفَرَ -﵁- حَتَّى قُتِلَ يَوْمَ مُؤْتَةَ، فَأَوْصَى بِهَا إلى عَلِيٍّ -﵁-، فَمَكثتْ عِنْدَهُ حَتَّى بَلَغَتْ، فَعَرَضَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ -ﷺ-: "هِيَ ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ"، فزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَلَمَةَ بنَ أَبِي سَلَمَةَ ﵄، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "هَلْ جَزَيْتُ سَلَمَةَ؟ " (٢).
* زَوَاجُ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنْ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الحَارِثِ ﵂:
وَفِي هَذِهِ العُمْرَةِ تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَيْمُونَةَ بِنْتَ الحَارِثِ الهِلَالِيَّةَ ﵂، وَكَانَ اسْمُهَا بَرَّةُ فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَيْمُونَةُ (٣)، وَهِيَ أُخْتُ أُمِّ الفَضْلِ بِنْتِ الحَارِثِ زَوْجِ العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ ﵄، وَأُخْتُ عَصْمَاءَ لُبَابَةِ الصُّغْرَى بِنْتِ الحَارِثِ أُمِّ خَالِدٍ بنِ الوَليدِ، وَهِيَ أَيْضًا أُخْتُ
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٢٩٤).
(٢) قال الحافظ في الإصابة (٨/ ٢٣): وذلك أَنَّ سلمة هو الذي كان زَوَّج أمه أم سلمة من رَسُول اللَّهِ -ﷺ- وقد تقدم ذكر ذلك-.
(٣) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر أم المُؤْمنين ميمونة بنت الحارث ﵂ - رقم الحديث (٦٨٧٣) وإسناده حسن.
[ ٣ / ٥٤٠ ]
أَسْمَاءَ وَسَلْمَى ابْنَتَيْ عُمَيْسٍ لِأُمِّهِمَا، وَهِيَ خَالَةُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ، وَخَالِدِ بنِ الوَليدِ ﵃ أَجْمَعِينَ.
وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ ﵂ تَزَوَّجَتْ في الجَاهِلِيَّةِ مَسْعُودَ بنَ عُرْوَةَ الثَّقَفِيَّ، فَفَارَقَهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا في الإِسْلَامِ أَبُو رُهْمِ بنُ عَبْدِ العُزَّى، فَمَاتَ عَنْهَا، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في وَقْتِ فَرَاغِهِ مِنْ عُمْرَةِ القَضَاءِ، وَبَنَى بِهَا بِسَرِفٍ (١).
رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ عَنْ مَيْمُونَةَ ﵂ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِسَرِفٍ، وَهُمَا حَلَالَانِ (٢) بَعْدَمَا رَجَعَا مِنْ مَكَّةَ (٣).
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: تَزَوَّجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ، وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ، وَكُنْتُ أَنَا الرَّسُولُ بَيْنَهُمَا (٤).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ يَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ قَالَ: حَدَّثَتْنِي مَيْمُونَةُ بِنْتُ الحَارِثِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَزَوَّجَهَا وَهُوَ حَلَالٌ. قَالَ: وَكَانَتْ
_________________
(١) سَرِف: بفتح السين وكسر الراء: موضع من مكة على عشرة أميال منها. انظر النهاية (٢/ ٣٢٦).
(٢) حَلالان: أي غير محرمين.
(٣) أخرج ذلك الإِمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٤١١) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٤١٣٨) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٨٠٣).
(٤) أخرجه الترمذي في جامعة - كتاب الحج - باب ما جاء في كراهية تزويج المحرم - رقم الحديث (٨٥٧) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٨٠٠).
[ ٣ / ٥٤١ ]
خَالَتِي وَخَالَةَ ابنِ عَبَّاسٍ (١).
* وَهْمُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄:
قُلْتُ: وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ (٢)، فَقَدْ عُدَّ مِنْ أَوْهَامِهِ -﵁-.
رَوَى أَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: وَهِمَ ابنُ عَبَّاسٍ في تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ (٣).
قَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَاخْتُلِفَ عَنْهُ -ﷺ-، هَلْ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ حَلَالًا أَمْ حَرَامًا؟
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: تَزَوَّجَهَا مُحْرِمًا، وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ -﵁-: تَزَوَّجَهَا حَلَالًا، وَكُنْتُ الرَّسُولَ بَيْنَهُمَا، وَقَوْلُ أَبِي رَافِعٍ أَرْجَحُ لِعِدَّةِ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّهُ إِذْ ذَاكَ كَانَ رَجُلَا بَالِغًا، وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مِمَّنْ بَلَغَ الحُلُمَ، بَلْ كَانَ لَهُ نَحْوَ العَشْرِ سِنِينَ، فَأَبُو رَافِعٍ إِذْ ذَاكَ كَانَ أَحْفَظَ مِنْهُ.
الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ الرَّسُولَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَبَيْنَهَا، وَعَلَى يَدِهِ دَارَ الحَدِيثُ، فَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ بِلَا شَكٍّ، وَقَدْ أَشَارَ بِنَفْسِهِ إلى هَذَا إِشَارَةَ مُتَحَقِّقٍ لَهُ، وَمُتيَقَنٍ وَلَمْ يَنْقُلْهُ عَنْ غَيْرِهِ، بَلْ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ.
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب تحريم نكاح المحرم - رقم الحديث (١٤١١) - وأخرجه والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٨٠٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب النكاح - باب نكاح المحرم - رقم الحديث (٥١١٤).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب المحرم يتزوج - رقم الحديث (١٨٤٥).
[ ٣ / ٥٤٢ ]
الثَّالِثُ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ في تِلْكَ العُمْرَةِ، فَإِنَّهَا كَانَتْ عُمْرَةَ القَضِيَّةِ، وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِذْ ذَاكَ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ في مَكَّةَ الذِينَ عَذَرَهُمُ اللَّهُ مِنَ الوِلْدَانِ (١)، وَإِنَّمَا سَمِعَ القِصَّةَ مِنْ غَيْرِ حُضُورٍ مِنْهُ لَهَا.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ -ﷺ- حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ، بَدَأَ بِالطَّوَافِ بِالبَيْتِ، ثُمَّ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَحَلَقَ، ثُمَّ حَلَّ.
وَمِنَ المَعْلُومِ: أَنَّهُ -ﷺ- لَمْ يَتَزَوَّجْ بِهَا في طَرِيقِهِ، وَلَا بَدَأَ بِالتَّزْوِيجِ بِهَا قَبْلَ الطَّوَافِ بِالبَيْتِ، وَلَا تَزَوَّجَ في حَالِ طَوَافِهِ، هَذَا مِنَ المَعْلُومِ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ، فَصَحَّ قَوْلُ أَبِي رَافِعٍ يَقِينًا.
الخَامِسُ: أَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ غَلَّطُوا ابْنَ عَبَّاسٍ، وَلَمْ يُغَلِّطُوا أبَا رَافِعٍ.
السَّادِسُ: أَنَّ قَوْلَ أَبِي رَافِعٍ مُوَافِقٌ لِنَهْي النَّبِيِّ -ﷺ- عَنْ نِكَاحِ المُحْرِمِ (٢)، وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ يُخَالِفُهُ، وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ، إِمَّا لِنَسْخِهِ، وَإِمَّا لِتَخْصِيصِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِجَوَازِ النكَاحِ مُحْرِمًا، وَكِلَا الأَمْرَيْنِ مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، فَلَا يُقْبَلُ.
_________________
(١) روى الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٤٥٧٨) - عن ابن عباس ﵄ قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين.
(٢) أخرج نهيَ الرسول -ﷺ- عن نِكاح المُحرم: الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب تحريم نكاح المحرم - رقم الحديث (١٤٠٩) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٧٩٣) من حديث عثمان بن عفان -﵁-.
[ ٣ / ٥٤٣ ]
السَّابِعُ: أَنَّ ابْنَ أُخْتِهَا يَزِيدَ بنَ الأَصَمِّ شَهِدَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تزَوَّجَهَا حَلَالًا، قَالَ: وَكَانَتْ خَالَتِي وَخَالة ابْنِ عَبَّاسٍ (١).
* فَضَائِلُ مَيْمُونَةَ ﵂ وَوَفَاتُهَا:
وَكَانَتْ مَيْمُونَةُ ﵂ مِنْ سَادَاتِ النِّسَاءَ، فَقَدْ رَوَى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: ذَهَبَتْ وَاللَّهِ مَيْمُونَةُ، وَكَانَتْ مِنْ أَتْقَانَا للَّهِ، وَأَوْصلِنَا لِلرَّحِمِ (٢).
وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ وَابْنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الأَخَوَاتُ مُؤْمنَاتٌ: مَيْمُونَةُ، وَأُمُّ الفَضْلِ (٣)، وَأَسْمَاءُ (٤) ".
_________________
(١) انظر كلام ابن القيم رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في زاد المعاد (٥/ ١٠٣).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر أم المُؤْمنين ميمونة ﵂ - رقم الحديث (٦٧٧٨) - وأورده الحافظ في الإصابة (٨/ ٣٢٤) وصحح إسناده.
(٣) أمُّ الفضل: هي لُبابة الكبرى بنت الحارث زوجة العباس بن عبد المطَّلب وأخت مَيمونة ﵄.
(٤) أسماء: هي بنت عميس الخثعمية أخت ميمونة لأمها، وزوجة جعفر بن أبي طالب ﵄، فلما قُتِلَ عنها في مُؤتة تزوجها أبو بكر الصديق -﵁-. والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر أم المُؤْمنين ميمونة ﵂ - رقم الحديث (٦٨٨٠) - وابن سعد في طبقاته (٨/ ٣١٥) - وصحح إسناده الحافظ في الإصابة (٨/ ٣٢٣).
[ ٣ / ٥٤٤ ]
وَتُوُفِّيَتْ مَيْمُونَةُ ﵂ سَنَةً إِحْدَى وَخَمْسِينَ لِلْهِجْرَةِ، بِسَرِفٍ في نَفْسِ المَكَانِ الذِي تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِيهِ (١).
فَقَدْ رَوَى ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ يَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ قَالَ: مَاتَتْ مَيْمُونَةُ بَسَرِفٍ، فَدَفَنَّاهَا في الظُّلَّةِ التِي بَنَى بِهَا فِيهَا، فنَزَلْتُ في قَبْرِهَا أَنَا وَابْنُ عَبَّاسٍ، فَلَمَّا وَضَعْنَاهَا فِي اللَّحْدِ، مَالَ رَأْسُهَا، وَأَخَذْتُ رِدَائِي فَوضَعْتُهُ تَحْتَ رَأْسِهَا، فَاجْتَذَبَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ (٢).
* * *
_________________
(١) قال الحافظ في تهذيب التهذيب (٤/ ٦٨٩): وهو الصحيح.
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب النكاح - باب حرمة المناكحة - رقم الحديث (٤١٣٤).
[ ٣ / ٥٤٥ ]
الأَحْدَاثُ مِنْ عُمْرَةِ القَضَاءِ إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ
سَرِيَّةُ الأخْرَمِ بنِ أبِي العَوْجَاءِ -﵁- إِلَى بَنِي سُلَيْمٍ
لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ عُمْرَةِ القَضَاءِ بَعَثَ الْأَخْرَمَ بْنَ أَبِي العَوْجَاءِ السُّلَمِيِّ -﵁-، في ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سَبْعٍ لِلْهِجْرَةِ، في خَمْسِينَ رَجُلًا إلى بَنِي سُلَيْمٍ؛ لِيَدْعُوهُم إلى الإِسْلَامِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ، وَتَقَدَّمَهُ عَيْنٌ لَهُمْ كَانَ مَعَهُ فَحَذَّرَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ بِخُرُوجِهِ، فَجَمَعُوا لَهُ جَمْعًا كَثِيرًا، فَجَاءَهُمُ الْأَخْرَمُ بْنُ أَبِي العَوْجَاءِ، وَهُمْ مُسْتَعِدُّونَ لَهُ، فَدَعَاهُمْ إلى الإِسْلَامِ، فَقَالُوا: لَا حَاجَةَ لَنَا إلى مَا دَعَوْتَنَا إِلَيْهِ، فترَامَوْا بِالنَّبْلِ سَاعَةً، وَجَعَلَتِ الأَمْدَادُ تَأْتِيهِمْ حَتَّى أَحْدَقُوا (١) بِابْنِ أَبِي العَوْجَاءِ وَأَصْحَابِهِ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَقَاتَلَ القَوْمُ قِتَالًا شَدِيدًا، حَتَّى قُتِلَ عَامَّةُ المُسْلِمِينَ، وَأُصيبَ الْأَخْرَمُ بْنُ أَبِي العَوْجَاءَ جَرِيحًا مَعَ القَتْلَى، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى بَلَغَ المَدِينَةَ، وَأَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَذَلِكَ في أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ صَفَرَ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ (٢).
* * *
_________________
(١) كلُّ شيءٍ استدار بشيء وأحاطَ به، فقد أحدق به. انظر لسان العرب (٣/ ٨٧).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١١) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٣٤١).
[ ٣ / ٥٤٦ ]
السَّنَةُ الثَّامِنةُ لِلهِجْرَةِ
وَفَاةُ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسولِ اللَّهِ -ﷺ-
فِي أَوَائِلِ العَامِ الثَّامِنِ الهِجْرِيِّ، تُوُفِّيَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَزْوَجُة أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ -﵁-، وَهِيَ أَكْبَرُ بَنَاتِهِ -ﷺ-، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُحِبُّهَا حُبًّا شَدِيدًا، وَيُثْنِي عَلَيْهَا (١)، عَاشَتْ ﵂ نَحْوَ ثَلَاثِينَ سَنَةً (٢).
وَقَدْ وَلَدَتْ زَيْنَبُ مِنْ أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ: أُمَامَةَ، وَهِيَ التِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَحْمِلُهَا فِي الصَّلَاةِ (٣)، وَقَدْ تَزَوَّجَهَا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٤).
وَوَلَدَتْ أَيْضًا ﵂ مِنْ أَبِي العَاصِ بنِ الرَّبِيعِ: عَلِيًّا، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَرْدَفَهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ الفَتْحِ، وَتُوُفِّيَ وَقَدْ نَاهَزَ الحُلُمَ
_________________
(١) ذكرنا فيما تقدم أن رَسُول اللَّه -ﷺ- أثنى عليها لما هاجرت إلى المدينة، فراجعه.
(٢) انظر سير أعلام النبلاء (١/ ٣٣٤).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب إذا حمل جارية صغيرة على عُنقُه في الصلاة - رقم الحديث (٥١٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب جواز حمل الصبيان في الصلاة - رقم الحديث (٥٤٣).
(٤) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٤٦).
[ ٣ / ٥٤٧ ]
فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ -ﷺ- (١).
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اغْسِلْنَهَا وِتْرًا، ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا، وَاجْعَلْنَ فِي الخَامِسَةِ كَافُورًا، أَوْ شَيْئًا مِنْ كافُورٍ، فَإِذَا غَسَلْتُنَّهَا فَأَعْلِمْنَنِي"، قَالَتْ: فَأَعْلَمْنَاهُ، فَأَعْطَانَا حِقْوَهُ (٢)، وَقَالَ: "أَشْعِرْنَهَا (٣) إِيَّاهُ" (٤).
* * *
_________________
(١) انظر الإصابة (٤/ ٤٦٩) - سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٤٦).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٣/ ٤٦٩): حِقْوَهُ: بفتح الحاء ويجوز كسرها، والمراد به هنا الإزار.
(٣) أي اجعلنَه شعارها، والشِّعار: الثوب الذي يلي الجَسَد؛ لأنه يلي شعره. انظر النهاية (٢/ ٤٢٩).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب غسل الميت ووضوئه بالماء والسدر - رقم الحديث (١٢٥٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجنائز - باب في غسل الميت - رقم الحديث (٩٣٩) (٤٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٧٩٠).
[ ٣ / ٥٤٨ ]
تَحْرِيمُ الخَمْرِ
وَفِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ حُرِّمَتِ الخَمْرُ تَحْرِيمًا نِهَائيًّا، وَوَقَعَ عِنْدَ ابنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ أَنَّهَا حُرِّمَتْ أَثْنَاءَ حِصَارِ الرَّسُولِ -ﷺ- لِبَنِي النَّضِيرِ (١).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: ذَكَرَ ابنُ إِسْحَاقَ أَنَّ تَحْرِيمَ الخَمْرِ كَانَ فِي وَاقِعَةِ بَنِي النَّضِيرِ، وَهِيَ بَعْدَ وَقْعَةِ أُحُدٍ، وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ عَلَى الرَّاجِحِ، وَفِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ أَنَسَ بنَ مَالِكٍ -﵁- كَانَ السَّاقِيَ يَوْمَ حُرِّمَتْ، وَأَنَّهُ لَمَّا سَمِعَ المُنَاديَ بِتَحْرِيمِهَا بَادَرَ فَأَرَاقَهَا، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ لَكَانَ أَنَسٌ يَصْغُرُ عَنْ ذَلِكَ، وَالذِي يَظْهَرُ أَنَّ تَحْرِيمَهَا كَانَ عَامَ الفَتْحِ سَنَةَ ثَمَانٍ.
لِمَا رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ -وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ- مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ وَعْلة قَالَ: سَأَلْتُ ابنَ عَبَّاسٍ ﵄ عَنْ بَيْعِ الخَمْرِ، فَقَالَ: كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- صَدِيقٌ مِنْ ثَقِيفٍ، أَوْ مِنْ دَوْسٍ، فَلَقِيَهُ بِمَكَّةَ عَامَ الفَتْحِ بِرَاوِيَةِ (٢) خَمْرٍ يُهْدِيهَا إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا أبَا فُلَانٍ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَهَا؟ "، فَأَقبُلَ الرَّجُلُ عَلَى غُلَامِهِ فَقَالَ: اذْهَبْ فَبِعْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا أَبَا فُلَانٍ، بِمَاذَا أَمَرْتهُ؟ " قَالَ: أَمَرتُهُ أَنْ يَبِيعَهَا، فَقَالَ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٢١١).
(٢) الراوية: المزادة. انظر لسان العرب (٥/ ٣٨٠).
[ ٣ / ٥٤٩ ]
-ﷺ-: "إِنَّ الذِي حَرَّمَ شُرْبَهَا حَرَّمَ بَيْعَهَا"، فَأَمَرَ بِهَا فَأُفْرِغَتْ فِي البَطْحَاءِ (١).
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ كَانَ يُهْدِي لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كُلَّ عَامٍ رَاوِيَةَ خَمْرٍ، فَلَمَّا كَانَ عَامَ حُرِّمَتْ جَاءَ بِرَاوِيَةٍ فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَلْ شَعَرْتَ أَنَّهَا قَدْ حُرِّمَتْ بَعْدَكَ؟ "
فَقَالَ تَمِيمٌ: أَفَلَا أَبِيعُهَا وَأَنْتَفِعُ بِثَمَنِهَا؟ فنَهَاهُ (٢).
فيسْتَفَادُ مِنْ حَدِيثِ تَمِيمٍ تَأْيِيدُ الوَقْتِ المَذْكُورِ -وَهُوَ العَامُ الثَّامِنُ الهِجْرِيُّ- فَإِنَّ إِسْلَامَ تَمِيمٍ كَانَ بَعْدَ الفَتْحِ (٣).
* مَرَاحِلُ تَحْرِيمِ الخَمْرِ:
مَرَّ تَحْرِيمُ الخَمْرِ عَلَى أَرْبَعِ مَرَاحِلَ:
* المَرْحَلَة الأُوَلى:
مَرْحَلَةَ إِطْلَاقِ سَهْمٍ فِي الِاتِّجَاهِ حِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّحْلِ: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ (٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساقاة - باب تحريم بيع الخمر - رقم الحديث (١٥٧٩) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٤١).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٩٩٥) - وأورده الحافظ في الفتح (٩/ ١٦٢) وسكت عليه.
(٣) انظر فتح الباري (٩/ ١٦١) - (١١/ ١٥٠).
(٤) سورة النمل آية (٦٧).
[ ٣ / ٥٥٠ ]
فَكَانَتْ أَوَّلَ مَا يَطْرُقُ حِسَّ المُسْلِمِ مِنْ وَضْعِ السُّكْرِ (وَهُوَ الخَمْرُ) فِي مُقَابِلِ الرِّزْقِ الحَسَنِ. . . فَكَأَنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَالرِّزْقُ الحَسَنُ شَيْءٌ آخَرُ.
* المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ:
هِيَ تَحْرِيكُ الوُجْدَانِ الدِّينِيِّ عَنْ طَرِيقِ المَنْطِقِ التَّشْرِيعِيِّ فِي نُفُوسِ المُسْلِمِينَ حِينَ نَزَلَتْ التِي فِي سُورَةِ البَقَرَةِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ (١).
وَفي هَذَا إِيحَاءٌ بِأَنَّ تَرْكَهُمَا هُوَ الأَوْلَى مَا دَامَ الإِثْمُ أَكْبَرُ مِنَ النَّفْعِ.
* المَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ:
وَهِيَ كَسْرُ عَادَةِ الشَّرَابِ، وَإِيقَاعُ التَّنَافُرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ فَرِيضَةِ الصَّلَاةِ حِينَ نَزَلَتِ التِي فِي النِّسَاءِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٢).
وَالصَّلَاةُ فِي خَمْسَةِ أَوْقَاتٍ مُعْظَمُهَا مُتَقَارِبٌ، وَلَا يَكْفِي مَا بَيْنَهُمَا لِلسُّكْرِ، ثُمَّ الإِفَاقَةِ.
_________________
(١) سورة البقرة آية (٢١٩).
(٢) سورة النساء آية (٤٣).
[ ٣ / ٥٥١ ]
* سَبَبُ نُزُولِ آيَةٍ:
وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ -﵁- طَعَامًا، فَدَعَانَا فَأَكَلْنَا، وَسَقَانَا مِنَ الخَمْرِ، فَأَخَذَتْ فِينَا، وَحَضَرَتِ الصَّلَاةُ، فَقَدَّمُونِي (١)، فَقَرَأْتُ: (قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ. لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ. وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ)، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ. . .﴾ (٢).
قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: سَمِعْتُ مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُنَادِي: "إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ، فَلَا يَقْرَبَنَّ الصَّلَاةَ سَكْرَانٌ" (٣).
* المَرْحَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالأَخِيرَةُ:
ثُمَّ كَانَتِ المَرْحَلَةُ الرَّابِعَةُ: الحَاسِمَةُ وَالأَخِيرَةُ، وَقَدْ تَهَيَّاَتِ النُّفُوسُ لَهَا تَهَيُّؤًا كَامِلًا، فَلَمْ يَكُنْ إِلَّا النَّهْيُ حَتَّى تَتْبَعَهُ الطَّاعَةُ الفَوْرِيَّةُ وَالإِذْعَانُ، فنَزَلَ قَوْلُهُ
_________________
(١) في رواية أخرى عند الطحاوي: فقدموا عليًا في صلاة المغرب.
(٢) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة النساء - رقم الحديث (٣٢٧٥) - وأبو داود في سننه - كتاب الأشربة - باب تحريم الخمر - رقم الحديث (٣٢٧٥) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٧٧٦) (٤٧٧٧).
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (١٤٩٤).
[ ٣ / ٥٥٢ ]
تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١).
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: حُرِّمَتِ الخَمْرُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ وَهُمْ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، وَيَأْكُلُونَ المَيْسِرَ، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ -ﷺ-: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ (٢).
فَقَالَ النَّاسُ: مَا حُرِّمَ عَلَيْنَا، إِنَّمَا قَالَ: ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ وَكَانُوا يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمٌ مِنَ الأَيَّامِ، صَلَّى رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ، أَمَّ أَصْحَابَهُ فِي المَغْرِبِ، خَلَطَ فِي قِرَاءَتِهِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهَا آيَةً أَغْلَظَ مِنْهَا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ (٣)، فَكَانَ النَّاسُ يَشْرَبُونَ حَتَّى يَأْتِيَ أَحَدُهُمُ الصَّلَاةَ وَهُوَ مُفِيقٌ.
ثُمَّ نَزَلَتْ آيَةٌ أَغْلَظُ مِنْ ذَلِكَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ
_________________
(١) سورة المائدة آية (٩٠) - وانظر في ظلال القرآن لسيد قطب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (٢/ ٩٧٤).
(٢) سورة البقرة آية (٢١٩). قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (١/ ٥٧٩): أما إثمُهُمَا فهو في الدِّين، وأما المنافع فدُنيوية، من حيث إِنَّ فيها نفع البدن، وتهضيمُ الطعام، وإخراجُ الفَضَلات، وتشحيذ -أي تحرك- بعض الأذهان، ولذة الشدة المُطربة التي فيها، وكذا بيعها والاتفاع بثمنها، وما كان يُقمِّشه -أي يجمعه- بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله، ولكن هذه المصالحُ لا تُوَازي مضَرَّته ومفسدته الراجحة؛ لتعلقها بالعقل والدين.
(٣) سورة النساء آية (٤٣).
[ ٣ / ٥٥٣ ]
وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١)، فَقَالُوا: انْتَهَيْنَا رَبَّنَا (٢).
* سَبَبُ نُزُولِ آيَةٍ:
جَاءَ فِي سَبَبِ نزُولِ آيَةِ تَحْرِيمِ الخَمْرِ تَحْرِيمًا نِهَائِيًّا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: . . . أَتَيْتُ عَلَى نَفَرٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَالمُهَاجِرِينَ، فَقَالُوا: تَعَالَ نُطْعِمْكَ وَنَسْقِيكَ خَمْرًا، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُحَرَّمَ الخَمْرُ، قَالَ: فَأَتَيْتُهُمْ فِي حَشٍّ (٣) فَإِذَا رَأْسُ جَزُورٍ (٤) مَشْوِيٌّ عِنْدَهُمْ، وَزِقٌّ (٥) مِنْ خَمْرٍ، قَالَ: فَأَكَلْتُ وَشَرِبْتُ مَعَهُمْ، قَالَ: فَذُكِرَتِ الأَنْصَارُ وَالمُهَاجِرُونَ عِنْدَهُمْ، فَقُلْتُ: المَهُاجِرُونَ خَيْر مِنَ الأَنْصَارِ، قَالَ: فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَحَدَ لَحْيَيِ (٦) الرَّأْسِ فَضَرَبَنِي بِهِ فَجَرَحَ بِأَنْفِي، فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبَرتُهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيَّ -يَعْنِي نَفْسَهُ- شَأْنَ الخَمْرِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ (٧).
_________________
(١) سورة المائدة آية (٩٠).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨٦٢٠).
(٣) الحَشُّ: بفتح الحاء وهو البستان. انظر النهاية (١/ ٣٧٦).
(٤) الجَزُور: البعير، ذكرًا كان أو أنثى. انظر النهاية (١/ ٢٥٨).
(٥) الزِّقُّ: بكسر الزاي: كل وعاء اتخذ لشراب ونحوه. انظر لسان العرب (٦/ ٦٠).
(٦) اللحيان: هما العَظْمَان اللذان فيهما الأسنان من داخل الفم. انظر لسان العرب (١٢/ ٢٥٩).
(٧) سورة المائدة آية (٩٠) - والخبر أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب في فضل سعد بن أبي وقاص - ﵁- رقم الحديث (٢٤١٢) (٤٣).
[ ٣ / ٥٥٤ ]
وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنْ قَبَائِلِ الأَنْصَارِ، شَرِبُوا حَتَّى إِذَا ثَمِلُوا (١)، عَبَثَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ، فَلَمَّا صَحَوْا جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى الأَثَرَ بِوَجْهِهِ وَبِرَأْسِهِ وَلحْيَتِهِ، فَيَقُولُ: فَعَلَ بِي هَذَا أَخِي فُلَان، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ بِي رَؤُوفًا رَحِيمًا مَا فَعَلَ هَذَا بِي، قَالَ: وَكَانُوا إِخْوَةً لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ضَغَائِنُ (٢)، فَوَقَعَتْ فِي قُلُوبِهِمُ الضَّغَائِنُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ. . .﴾ إِلَى قَوْلُه تَعَالَى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٣).
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- قَالَ: لَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ، قَالَ عُمَرُ -﵁-: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فنَزَلَتْ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾، فَدُعِيَ عُمَرُ -﵁-، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾، فَدُعِيَ عُمَرُ -﵁-، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ، فَقَالَ:
_________________
(١) الثَّمِلُ: هو الذي أخَذَ منه الشراب والسكر. انظر النهاية (١/ ٢١٦).
(٢) الضَّغَائنُ: جمع ضِغْنٍ: بكسر الضاد، وهو الحقد والعداوة والبغضاء. انظر النهاية (٣/ ٨٤).
(٣) أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ - رقم الحديث (١١٠٨٦) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الأشربة - باب ذكر أحاديث تحريم الخمر - رقم الحديث (٧٣٠١) وصحح إسناده الحافظ في الفتح (١١/ ١٥٠).
[ ٣ / ٥٥٥ ]
اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا، فنَزَلَتْ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾، فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: انْتَهَيْنَا انْتَهَيْنَا (١).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَخْطُبُ بِالمَدِينَةِ فَقَالَ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! (٢) إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَرِّضُ (٣) بِالخَمْرِ، وَلَعَلَّ اللَّهَ سَيُنْزِلُ فِيهَا أَمْرًا، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْهَا فَلْيَبِعْهُ، وَلْيَنْتَفِعْ بِهِ"، قَالَ: فَمَا لَبِثْنَا إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّم الخَمْرَ، فَمَنْ أَدْرَكَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ (٤) وَعِنْدَهُ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْهَا فَلَا يَشْرَبْ وَلَا يَبِعْ".
قَالَ: فَاسْتَقْبَلَ النَّاسُ بِمَا كَانَ عِنْدَهُ مِنْهَا، فِي طَرِيقِ المَدِينَةِ، فَسَفَكُوهَا (٥).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٧٨) - والحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب قصة نزول تحريم الخمر - رقم الحديث (٣١٥٥) - والترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة المائدة - رقم الحديث (٣٣٠١).
(٢) في رواية الحاكم قال -ﷺ-: "يا أهل المدينة".
(٣) يُعرض لي بالشيء: لم يُبينه. انظر لسان العرب (٩/ ١٤٩).
(٤) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١١/ ٤): هي قوله تَعَالَى في سورة المائدة آية (٩١): ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ. . . فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾
(٥) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساقاة - باب تحريم الخمر - رقم الحديث (١٥٧٨) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب قصة نزول تحريم الخمر - رقم الحديث (٣١٥٦).
[ ٣ / ٥٥٦ ]
* سُرْعَةُ اسْتِجَابَةِ الصَّحَابَةِ ﵃ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُ الخَمْرِ سَكَبَ الصَّحَابَةُ ﵃ الخُمُورَ التِي كَانَتْ عِنْدَهُمْ فَوْرًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: كُنْتُ سَاقِيَ القَوْمَ يَوْمَ حُرِّمَتِ الخَمْرُ، قَالَ: وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ قَدِ اجْتَمَعَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ: فَقَالَ لِي أَبُو طَلْحَةَ: اخْرُجْ فَانْظُرْ، قَالَ: فَخَرَجتُ فنَظَرْتُ، فَسَمِعْتُ مُنَادِيًا ينَادِي: أَلَا إِنَّ الخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، قَالَ أَنَسٌ: فَأَخْبَرتُهُ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَأَهْرِقْهَا، قَالَ: فَجِئْتُ فَأَهْرَقْتُهَا (١).
وَفِي رِوَايَةِ البُخَارِيِّ فِي الأَدَبِ المُفْرَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ قَالَ أَنَسٌ -﵁-: فَمَا قَالُوا: مَتَى؟ أَوْ حَتَّى نَنْظُرَ، قَالُوا: يَا أَنَسُ! أَهْرِقْهَا (٢).
* سُؤَالُ الصَّحَابَةِ ﵃ عَن إِخوَانِهِمُ الذِينَ مَاتُوا:
وَقَدْ أَشْكَلَ عَلَى الصَّحَابَةِ ﵃ أَمْرَ إِخْوَانِهِمُ الذِينَ مَاتُوا، وَكَانُوا يَشْرَبُونَهَا، فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ البَرَاءِ -﵁- قَالَ: مَاتَ نَاسٌ مِنْ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المظالم - باب صب الخمر في الطريق - رقم الحديث (٢٤٦٤) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الأشربة - باب تحريم الخمر - رقم الحديث (١٩٨٠) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٣٧٦).
(٢) أخرجه البخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (٩٤٦).
[ ٣ / ٥٥٧ ]
أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُمْ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ، فَلَمَّا نَزَلَ تَحْرِيمُهَا، قَالَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: فكَيْفَ بِأَصْحَابِنَا الذِينَ مَاتُوا وَهُمْ يَشْرَبُونَهَا، فنَزَلَتْ: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (١).
* * *
_________________
(١) سورة المائدة آية (٩٣). والحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الأشربة - باب فصل في الأشربة - رقم الحديث (٥٣٥٠) - وأخرجه الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة المائدة - رقم الحديث (٣٣٠٣) - وله شاهد من حديث أنس، أخرجه البخاري - رقم الحديث (٤٦٢٠) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٩٨٠).
[ ٣ / ٥٥٨ ]
إِسْلامُ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ وَعَمْرِو بنِ العَاصِ وَعُثْمَانَ بنِ طَلْحَةَ ﵃
وَفِي صَفَرَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ قَدِمَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ، وَعَمْرُو بنُ العَاصِ، وَعُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ ﵃ إِلَى المَدِينَةِ لِيُسْلِمُوا، فَلَمَّا رَآهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "رَمَتْكُمْ مَكَّةُ بِأَفْلَاذِ (١) أَكبَادِهَا" (٢).
وَلْنَتْرُكْ عَمْرَو بنَ العَاصِ -﵁- يَرْوِي لَنَا خَبَرَ إِسْلَامِهِ كَمَا رَوَاهَا عَنْهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، قَالَ عَمْرٌو -﵁-: لَمَّا انْصَرَفْنَا مِنَ الأَحْزَابِ عَنِ الخَنْدَق، جَمَعْتُ رِجَالًا مِنْ قُرَيْشٍ كَانُوا يَرَوْنَ مَكَانِي، وَيَسْمَعُونَ مِنِّي، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَعْلَمُونَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى أَمْرَ مُحَمَّدٍ يَعْلُو الأُمُورَ عُلوا كَبِيرًا، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَأْيًا، فَمَا ترَوْنَ فِيهِ؟
قَالُوا: وَمَا رَأَيْتَ؟
قَالَ: رَأَيْتُ أَنْ نَلْحَقَ بِالنَّجَاشِيِّ، فَنَكُونَ عِنْدَهُ، فَإِنْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى
_________________
(١) الأفلاذُ: جمع فِلَذ، والفِلَذ: جمع فِلْذَة، وهي القِطعة المقطوعة طولًا، وخص الكبد، لأنها من أطايب الجزور، ومعنى هذا الحديث: أراد صميم قريش ولُبَابها وأشرافها، كما يقال: فلان قلب عشيرته؛ لأن الكبد من أشرف الأعضاء. انظر النهاية (٣/ ٤٢٢).
(٢) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٣٤٦ - ٣٤٧).
[ ٣ / ٥٥٩ ]
قَوْمِنَا، كُنَّا عِنْدَ النَّجَاشِيِّ، فَإِنَّا أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْهِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَنْ نَكُونَ تَحْتَ يَدَيْ مُحَمَّدٍ، وَإِنْ ظَهَرَ قَوْمُنَا فنَحْنُ مَنْ قَدْ عَرَفُوا، فَلَنْ يَأْتِينَا مِنْهُمْ إِلَّا خَيْرًا.
فَقَالوا: إِنَّ هَذَا الرَّأْيُ.
قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: فَاجْمَعُوا لَهُ مَا نُهْدِي لَهُ، وَكَانَ أَحَبَّ مَا يُهْدَى إِلَيْهِ مِنْ أَرْضِنَا الأُدُمُ (١)، فَجَمَعْنَا لَهُ أُدُمًا كَثِيرًا، فَخَرَجْنَا حَتَّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّا لَعِنْدَهُ إِذْ جَاءَ عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيُّ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ بَعَثَهُ إِلَيْهِ فِي شَأْنِ جَعْفَرَ وَأَصْحَابِهِ.
قَالَ: فَدَخَلَ عَلَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِأَصْحَابِي: هَذَا عَمْرُو بنُ أُمَيَّةَ، لَوْ قَدْ دَخَلْتُ عَلَى النَّجَاشِيِّ فَسَأَلتهُ إِيَّاهُ فَأَعْطَانِيهِ، فَضَرَبْتُ عُنُقَهُ، فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي قَدْ أَجْزَأْتُ عَنْهَا حِينَ قَتَلْتُ رَسُولَ مُحَمَّدٍ.
قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَسَجَدْتُ له كَمَا كُنْتُ أَصْنَعُ.
فَقَالَ: مَرْحَبًا بِصَدِيقِي، أَهْدَيْتَ لِي مِنْ بِلَادِكَ شَيْئًا؟
قَالَ: قُلْتُ: نَعَمْ أَيّها المَلِكُ، قَدْ أَهْدَيْتُ لَكَ أُدُمًا كَثِيرًا.
قَالَ: ثُمَّ قَدَّمْتُهُ إِلَيْهِ، فَأَعْجَبَهُ وَاشْتَهَاهُ.
_________________
(١) الأُدُمُ: جمع أديم وهو: الجلد. انظر لسان العرب (١/ ٩٧).
[ ٣ / ٥٦٠ ]
ثُمَّ قُلْتُ له: أَيُّهَا المَلِكُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا خَرَجَ مِنْ عِنْدِكَ، وَهُوَ رَسُولُ رَجُلٍ عَدُوِّ لَنَا، فَاَعْطِنِيهِ لِأَقْتُلَهُ، فَإِنَّهُ قَدْ أَصَابَ مِنْ أَشْرَافِنَا وَخِيَارِنَا.
قَالَ عَمْرٌو: فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ، ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ فَضَرَبَ بِهَا أَنْفَهُ ضَرْبَةً ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَدْ كَسَرَهُ، فَلَوْ انْشَقَّتْ لِيَ الأَرْضُ لَدَخَلْتُ فِيهَا فَرَقًا (١) مِنْهُ.
ثُمَّ قُلْتُ: أَيُّهَا المَلِكُ، وَاللَّهِ لَوْ ظَنَنْتُ أَنَّكَ تَكْرَهُ هَذَا مَا سَأَلْتُكَهُ.
فَقَالَ: أَتَسْأَلُنِي أَنْ أُعْطِيَكَ رَسُولَ رَجُلٍ يَأْتِيهِ النَّامُوسُ الأَكْبرُ (٢) الذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى لِتَقْتُلَهُ؟ !
فَقَالَ عَمْرٌو: أَيُّهَا المَلِكُ، أَكَذَاكَ هُوَ؟
فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا عَمْرُو، أَطِعْنِي وَاتْبَعْهُ، فَإِنَّهُ وَاللَّهِ لَعَلَى الحَقِّ، وَلَيَظْهَرَنَّ عَلَى مَنْ خَالفَهُ، كَمَا ظَهَرَ مُوسَى عَلَى فِرْعَوْنَ وَجُنُودِهِ.
فَقَالَ عَمْرٌو: فَبَايِعْنِي له عَلَى الإِسْلَامِ.
قَالَ: نَعَمْ، فَبَسَطَ يَدَهُ وَبَايَعْتُهُ عَلَى الإِسْلَامِ، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَى أَصْحَابِي، وَقَدْ حَالَ رَأْيِي عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ، وَكتَمْتُ أَصْحَابِي إِسْلَامِي، ثُمَّ خَرَجْتُ عَامِدًا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِأُسْلِمَ، فَلَقِيتُ خَالِدَ بنَ الوَليدِ، وذَلِكَ قُبَيْلَ الفَتْحِ، وَهُوَ مُقْبِلٌ مِنْ مَكَّةَ، فَقُلْتُ: أَيْنَ يَا أَبَا سُلَيْمَانَ؟
_________________
(١) الفَرَق: بالتحريك: الخوف والفزع. انظر النهاية (٣/ ٣٩٢).
(٢) النامُوس الأكبر: صاحب سِرِّ الخير، وأراد به جبريل ﵇. انظر النهاية (٥/ ١٠٤).
[ ٣ / ٥٦١ ]
قَالَ: وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَقَامَ المَنْسِمُ (١)، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَنَبِيٌّ، أَذْهَبُ وَاللَّهِ أُسْلِمُ، فَحَتَّى مَتَى؟
قُلْتُ: وَاللَّهِ مَا جِئْتُ إِلَّا لِأُسْلِمَ.
قَالَ عَمْرٌو: فَقَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَدِمَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ، فَأَسْلَمَ وَبَايَعَ، ثُمَّ دَنَوْتُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُبَايِعُكَ عَلَى أَنْ تَغْفِرَ لِي مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِي. (٢)
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا عَمْرُو، بَايع، فَإِنَّ الإِسْلَامَ يَجُبُّ (٣) مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَإِنَّ الهِجْرَةُ تَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهَا".
قَالَ عَمْرٌو ﵁: فَبَايَعْتُهُ ثُمَّ انْصَرَفْتُ (٤)
عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَسْلَمَ النَّاسُ، وَآمنَ عَمْرُو بنُ العَاصِ" (٥).
_________________
(١) المنسم: معناه تبين الطريق. انظر النهاية (٥/ ٤٢).
(٢) في رواية أخرى في مسند الإمام أحمد بسند صحيح - رقم الحديث (١٧٨٢٧) قال عمرو -﵁-: لا أبايعكَ يا رَسُول اللَّهِ حتى تَغْفِرَ لي ما تقدم من ذنبي.
(٣) يَجُبُّ: أي يقطع ويمحو ما كان قبله من الكفر والمعاصي والذنوب. انظر النهاية (١/ ٢٢٧).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٧٧٧) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر إسلام خالد بن الوليد - ﵁- رقم الحديث (٥٣٤٥) (٥٩٦٦) - وابن إسحاق في السيرة (٣/ ٣٠٣). وقوله -ﷺ- لعمرو -﵁- في نهاية الحديث: "الإسلام يجب ما قبله. . " أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب كون الإسلام يهدم ما قبله. . رقم الحديث (١٢١).
(٥) هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٤١٣) - والترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب مناقب عمرو بن العاص - رقم الحديث (٤١٧٩) - وإسناده حسن.
[ ٣ / ٥٦٢ ]
قَالَ المبارَكْفُورِي: وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّهُمْ -أَيْ مُسْلِمَةُ الفَتْحِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ- أَسْلَمُوا رَهْبَةً، وَآمَنَ عَمْرُو بنُ العَاصِ -﵁- رَغْبَةً، فَإنَّ الإِسْلَامَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَشُوبَهُ كَرَاهَةٌ، وَالإِيمَانُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ رَغْبَةٍ وَطَوَاعِيَةٍ (١).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَمْرِو بنِ العَاصِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: . . . مَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنِي مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأنَي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنِي مِنْهُ (٢).
وَلَمَّا أَسْلَمَ عَمْرٌو -﵁- كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُقَرِّبهُ وَيُدْنِيهِ لِمَعْرِفَتِهِ وَشَجَاعَتِهِ، وَكَانَ -﵁- مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ رَأْيًا، وَدَهَاءً، وَحَزْمًا، وَكَفَاءَةً، وَبَصَرًا بِالحُرُوبِ، وَمِنْ أَشْرَافِ مُلُوكِ العَرَبِ، وَمِنْ أَعْيَانِ المُهَاجِرِينَ، وَكَانَ مِمَّنْ يُضْرَبُ بِهِ المَثَلُ فِي الدَّهَاءَ، وَالفِطْنَةِ وَالحَزْمِ (٣).
* وَفَاةُ عَمْرِو بنِ العَاصِ -﵁-:
وَتُوُفِّيَ عَمْرُو بنُ العَاصِ -﵁- سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ لِلْهِجْرَةِ، وَعُمْرُهُ بِضْعٌ وثَمَانُونَ سَنَةً، مَا بَلَغَ التِّسْعِينَ -﵁-، وَخَلَّفَ أَمْوَالًا كَثِيرَةً، وَعَبِيدًا، وَعَقَارًا (٤).
_________________
(١) انظر تحفة الأحوذي (١٠/ ٣١٦).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب كون الإسلام يهدم ما قبله - رقم الحديث (١٢١).
(٣) انظر سير أعلام النبلاء (٣/ ٥٩).
(٤) انظر سير أعلام النبلاء (٣/ ٧٧).
[ ٣ / ٥٦٣ ]
أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ عَنِ ابْنِ شُمَاسَةَ المَهْرِيِّ قَالَ: حَضَرْنَا عَمْرَو بنَ العَاصِ وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ المَوْتِ، فبكَى طَوِيلًا وَحَوَّل وَجْهَهُ إِلَى الجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: يَا أَبَتَاهُ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِكَذَا؟، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِكَذَا؟ .
قَالَ: فَأَقْتلَ بِوَجْهِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ مَا نُعِدُّ شَهَادَةَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، إِنِّي كُنْتُ عَلَى أَطْبَاقٍ (١) ثَلَاثٍ، لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدَّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنِّي، وَلَا أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ أَكُونَ قَدِ اسْتَمْكَنْتُ مِنْهُ فَقتَلْتُهُ، فَلَوْ مِتُّ عَلَى تِلْكَ الحَالِ لَكُنْتُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الإِسْلَامَ فِي قَلْبِي، أَتيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلِأبايِعُكَ، فبسَطَ يَمِينَهُ، قَالَ: فَقَبَضْتُ يَدِي، فَقَالَ -ﷺ-: "مَالَكَ يَا عَمْرُو؟ "
قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ.
قَالَ -ﷺ-: "تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟ ".
قَالَ: أَنْ يُغْفَرَ لِي.
فَقَالَ -ﷺ-: "أمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟ وَأَنَّ الهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا؟ وَأَنَّ الحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ".
قَالَ عَمْرٌو: وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَا أَجَلَّ فِي
_________________
(١) أطباق: أي أحوال. انظر النهاية (٣/ ١٠٥).
[ ٣ / ٥٦٤ ]
عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنِي مِنْهُ إِجْلَالًا لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لِأنَي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنِي مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ وَلينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا، فَإِذَا أَنَا مُتُّ، فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ وَلَا نَارٌ، فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَشُنُّوا (١) عَلَيَّ التُّرَابَ شَنًّا، ثُمَّ أَقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ (٢)، وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا، حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجعُ بِهِ رُسُلَ رَبَي (٣).
* قِصَّةُ إِسْلَامِ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ -﵁-:
وَأَمَّا خَالِدُ بنُ الوَليدِ للَّه، فَقَدْ أَخْرَجَ قِصَّةَ إِسْلَامِهِ البَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، قَالَ خَالِدٌ -﵁- وَهُوَ يتحَدَّثُ عَنْ قِصَّةِ إِسْلَامِهِ: لَمَّا أَرَادَ اللَّهُ ﷿ مَا أَرَادَ بِي مِنَ الخَيْرِ، قَذَفَ فِي قَلْبِي الإِسْلَامَ، وَحَضَرَنِي رُشْدِي، وَقُلْتُ: قَدْ شَهِدْتُ هَذِهِ المَوَاطِنَ كُلَّهَا عَلَى مُحَمَّدٍ -ﷺ-، فَلَيْسَ مَوْطِنٌ أَشْهَدُهُ إِلَّا أَنْصَرِفُ وَأَنا أَرَى فِي نَفْسِي أني مُوضِعٌ فِي غَيْرِ شَيْءٍ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا -ﷺ- سَيَظْهَرُ، فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الحُدَيْبِيَةِ، خَرَجْتُ فِي خَيْلِ المُشْرِكِينَ، فَلَقِيتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي أَصْحَابِهِ بِعُسْفَانَ، فَقُمْتُ بِإِزَائِهِ، وَتَعَرَّضْتُ له، فَصلَّى بِأَصْحَابِهِ
_________________
(١) الشنُّ: الصَبُّ المتقطع. انظر النهاية (٢/ ٤٥٣).
(٢) الجَزُور: البَعِيرُ ذكرًا كان أو أنثى. انظر النهاية (١/ ٢٥٨).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب كون الإسلام يهدم ما قبله - رقم الحديث (١٢١).
[ ٣ / ٥٦٥ ]
الظُّهْرَ أَمَامَنَا، فَهَمَمْنَا أَنْ نُغِيرَ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَمْ يُعْزَمْ لَنَا، وَكَانَتْ فِيهِ خِيرَةٌ، فَأُطْلِعَ عَلَى مَا فِي أَنْفُسِنَا مِنَ الهُمُومِ، فَصَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ العَصْرِ صَلَاةَ الخَوْفِ، فَوَقَعَ ذَلِكَ مِنَّا مَوْقِعًا، وَقُلْتُ: الرَّجُلُ مَمْنُوعٌ، فَافْتَرَقْنَا، وَأَخَذْتُ ذَاتَ اليَمِينِ، فَلَمَّا صَالَحَ قُرَيْشًا بِالحُدَيْبِيَةِ، قُلْتُ فِي نَفْسِي: أَيُّ شَيْءٍ بَقِيَ؟ أَيْنَ المَذْهَبُ إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَقَدْ اتَّبَعَ مُحَمَّدًا، وَأَصْحَابُهُ عِنْدَهُ آمِنُونَ، فَأَخْرُجُ إِلَى هِرَقْلَ، فَأَخْرُجُ مِنْ دِيني إِلَى نَصْرَانِيَّةٍ أَوْ يَهُودِيَّةٍ، فَأُقِيمُ مَعَ عَجَمٍ تَابعٍ مَعَ عَيْبِ ذَلِكَ، أَوْ أُقِيمُ فِي دَارِي فِيمَنْ بَقِيَ.
فَأَنَا عَلَى ذَلِكَ إِذْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي عُمْرَةِ القَضِيَّةِ، فتَغَيَّبْتُ، وَلَمْ أَشْهَدْ دُخُوله، فَكَانَ أَخِي الوَلِيدُ (١) قَدْ دَخَلَ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي عُمْرَةِ القَضِيَّةِ، فَطَلَبَنِي فَلَمْ يَجِدْنِي، وَكتَبَ إِلَيَّ كِتَابًا فَإِذَا فِيهِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ أَمَّا بَعْدُ:
فَإنِّي لَمْ أَرَ أَعْجَبَ مِنْ ذَهَابِ رَأْيِكَ عَنِ الإِسْلَامِ وَعَقْلُكَ عَقَلَكَ، وَمِثْلُ الإِسْلَامِ يَجْهَلُهُ أَحَدٌ؟ قَدْ سَأَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْكَ، فَقَالَ: "أَيْنَ خَالِدٌ؟ "، فَقُلْتُ: يَأْتِي اللَّهُ بِهِ، فَقَالَ -ﷺ-: "مَا مِثْله يَجْهَلُ الإِسْلَامَ، وَلَوْ كَانَ جَعَلَ نِكَايَتَهُ وَجِدَّهُ المُسْلِمِينَ عَلَى المُشْرِكِينَ كَانَ خَيْرًا لَهُ، وَلقدَّمْنَاهُ عَلَى غَيْرِهِ"، فَاسْتَدْرِكْ
_________________
(١) أسلمَ الوليدُ -﵁- قبلَ أخِيهِ خالد -﵁-، ولما أسلم حبسه أخواله، فكان رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يدعو له في القُنُوتِ، ثبت ذلك في صحيح البخاري - رقم الحديث (٦٢٠٠) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (٦٧٥) - ثم أفلت -﵁- من أسرهم، ولحق بالرسول -ﷺ- في المدينة وشهد معه عمرة القضية. انظر الإصابة (٦/ ٤٨٤).
[ ٣ / ٥٦٦ ]
يَا أَخِي مَا قَدْ فَاتَكَ، وَقَدْ فَاتَتْكَ مَوَاطِنُ صَالِحَةٌ.
قَالَ خَالِدٌ: فَلَمَّا جَاءَنِي كِتَابُهُ نَشَطْتُ لِلْخُرُوجِ، وَزَادَنِي رَغْبَةً فِي الإِسْلَامِ وَسُّرِّيَ (١) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَرَأَيْتُ فِي النَّوْمِ كَأَنِّي فِي بِلَادٍ ضَيِّقَة جَدْبَةٍ، فَخَرَجْتُ إِلَى بِلَادٍ خَضْرَاءَ وَاسِعَةٍ، فَقُلْتُ: إِنَّ هَذِهِ لَرُؤْيَا، فَلَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ، قُلْتُ لَأَذْكُرَنَّهَا لِأَبِي بَكْرٍ (٢) فَذَكَرْتُهَا، فَقَالَ: هُوَ مَخْرَجُكَ الذِي هَدَاكَ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ، وَالضِّيقُ الذِي كُنْتَ فِيهِ الشِّرْكُ.
فَلَمَّا أَجْمَعْتُ الخُرُوجَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قُلْتُ مَنْ أُصَاحِبُ إِلَى مُحَمَّدٍ؟، فَلَقِيتُ صَفْوَانَ بنَ أُمَيَّةَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا وَهْبٍ، أَمَا تَرَى مَا نَحْنُ فِيهِ، وَقَدْ ظَهَرَ مُحَمَّدٌ عَلَى العَرَبِ وَالعَجَمِ، فَلَوْ قَدِمْنَا عَلَى مُحَمَّدٍ فَاتَّبَعْنَاهُ، فَإِنَّ شَرَفَ مُحَمَّدٍ لَنَا شَرَفٌ، فَأَبَى أَشَدَّ الإِبَاءِ، وَقَالَ لِي: لَوْ لَمْ يبقَ غَيْرِي مَا اتَّبعْتُهُ أَبَدًا. فَافْتَرَقْنَا، وَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ قُتِلَ أَخُوهُ وَأَبُوهُ بِبَدْرٍ، فَلَقِيتُ عِكْرِمَةَ بنَ أَبِي جَهْلٍ، فَقُلْتُ له مِثْلَ مَا قُلْتُ لِصَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ، فَقَالَ لِي مِثْلَ مَا قَالَ صَفْوَانُ.
قَالَ: فَخَرَجْتُ إِلَى مَنْزِلي، فَأَمَرْتُ بِرَاحِلَتِي تُخْرَجُ، فَلَقِيتُ عُثْمَانَ بنَ طَلْحَةَ، فَذَكَرْتُ له مَا صَارَ الأَمْرُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: إِنَّمَا نَحْنُ بِمَنْزِلَةِ ثَعْلَبٍ فِي جُحْرٍ لَوْ صُبَّ فِيهِ ذَنُوبٌ (٣) مِنْ مَاءٍ خَرَجَ، وَقُلْتُ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قُلْتُ لِصفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ
_________________
(١) سُرِّي: بضم السين وتشديد الراء المكسورة: أي كشف. انظر النهاية (٢/ ٣٢٨).
(٢) كان أبو بكر الصديق -﵁- من أعبر المفسرين للرؤيا.
(٣) الذَّنوب: الدلو العظيمة. انظر النهاية (٢/ ١٥٧).
[ ٣ / ٥٦٧ ]
وَعِكْرِمَةَ بنِ أَبِي جَهْلٍ، فَأَسْرَعَ الإِجَابَةَ وَقَالَ: إِنِّي غَدَوْتُ اليَوْمَ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أَغْدُوَ وَهَذِهِ رَاحِلَتِي.
قَالَ خَالِدٌ -﵁-: فَاتَّعَدْتُ (١) أنا وَهُوَ بِيَأْجَجَ (٢) إِنْ سَبَقَنِي أَقامَ وَإِنْ سَبَقْتُهُ أَقمْتُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَأَدْلَجْنَا (٣) سَحَرًا فَلَمْ يَطْلُعِ الفَجْرُ حَتَّى الْتَقَيْنَا بِيَأجَجَ، فَغَدَوْنَا حَتَّى انتهَيْنَا إِلَى الهَدَأَةِ (٤) فنَجِدُ عَمْرَو بنَ العَاصِ بِهَا، فَقَالَ: مَرْحَبًا بِالقَوْمِ، فَقُلْنَا: وَبِكَ، قَالَ: أَيْنَ مَسِيرُكُمْ؟ مَا أَخْرَجَكُمْ؟ .
قُلْنَا: مَا أَخْرَجَنَا إِلَّا الدُّخُولُ فِي الإِسْلَامِ، وَاتِّبَاعُ مُحَمَّدٍ -ﷺ-.
فَقَالَ عَمْرٌو: وَذَاكَ الذِي أَقْدَمَنِي.
قَالَ خَالِدٌ: فَاصْطَحَبْنَا جَمِيعًا حَتَّى دَخَلْنَا المَدِينَةَ، فَانَخْنَا (٥) بِظَهْرِ الحَرَّةِ رِكَابَنَا (٦)، فَأُخْبِرَ بِنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَسُرَّ بِنَا، فَلَبِسْتُ مِنْ صَالِحِ ثِيَابِي، ثُمَّ عَمَدْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَلَقِيَنِي أَخِي (٧) فَقَالَ: أَسْرعْ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ أُخْبِرَ بِكَ، فَسُرَّ بِقُدُومِكَ، وَهُوَ يَنْتَظِرُكُمْ، فَأَسْرَعْنَا المَشْيَ، فَاطَّلَعْتُ عَلَيْهِ فَمَا زَالَ -ﷺ- يَتْبَسِمُ إِلَيَّ حَتَّى وَقَفْتُ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ
_________________
(١) اتعدت: أي تواعدت.
(٢) يَأجَج: مكان من مكة على ثمانية أميال. انظر معجم البلدان (٨/ ٤٩٢).
(٣) الدلجة: هو سير الليل. انظر النهاية (٢/ ١٢٠).
(٤) الهَدَأة: بفتح الهاء: موضع بين عسفان ومكة. انظر معجم البلدان (٨/ ٤٧٠).
(٥) أَنَاخ الإبل: أبركها فبركت. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٢١).
(٦) الركاب: الإبل التي تحمل القوم. انظر لسان العرب (٥/ ٢٩٦).
(٧) هو الوليد بن الوليد -﵁-.
[ ٣ / ٥٦٨ ]
بِوَجْهٍ طَلْقٍ، فَقُلْتُ: إِنِّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الحَمْدُ للَّهِ الذِي هَدَاكَ، قَدْ كُنْتُ أَرَى لَكَ عَقْلًا رَجَوْتُ أَنْ لَا يُسْلِمَكَ إِلَّا إِلَى خَيْر".
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ رَأَيْتَ مَا كُنْتُ أَشْهَدُ مِنْ تِلْكَ المَوَاطِنِ عَلَيْكَ مُعَانِدًا عَنِ الحَقِّ، فَادْعُ اللَّهَ يَغْفِرَهَا لِي.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا كَانَ قَبْلَهُ".
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِخَالِدِ بنِ الوَليدِ كُلَّ مَا أَوْضَعَ فِيهِ مِنْ صَدٍّ عَنْ سَبِيلِكَ".
قَالَ خَالِدٌ: وَتَقَدَّمَ عَمْرُو بنُ العَاصِ، وَعُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ فبايَعَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَ قُدُومُنَا فِي صَفَرَ سَنَةَ ثَمَانٍ، فَوَاللَّهِ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ يَوْمِ أَسْلَمْتُ يَعْدِلُ بِي أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِهِ (١).
* مَنَاقِبُ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ -﵁-:
وَمَنَاقِبُ خَالِدِ بنِ الوَليدِ -﵁- كَثِيرَةٌ وَغَزِيرَةٌ، فَقَدْ شَهِدَ الفَتْحَ وَحُنَيْنًا، وَتَأَمَّرَ فِي أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَاحْتَبَسَ أَدْرَاعَهُ وَلَأْمَتَهُ (٢) فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٣)،
_________________
(١) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٣٤٩).
(٢) اللَّأَمَة: قيل: هي الدرع، وقيل: السلاح. انظر النهاية (٤/ ١٩١).
(٣) أخرج احتباس خالد بن الوليد -﵁- أدراعه ولأمته في سبيل اللَّه: البخاري في صحيحه - كتاب الزكاة - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ - رقم =
[ ٣ / ٥٦٩ ]
وَحَارَبَ أَهْلَ الرِّدَّةِ، وَمُسَيْلَمَةَ الكَذَّابَ، وَغَزَا العِرَاقَ، وَشَهِدَ حُرُوبَ الشَّامِ، وَلَمْ يبقَ فِي جَسَدِهِ قِيدُ شِبْرٍ إِلَّا وَعَلَيْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءَ، وَعَاشَ -﵁- سِتِّينَ سَنَةً، وَقتَلَ جَمَاعَةً مِنَ الأَبْطَالِ، وَمَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ، فَلَا قَرَّتْ أَعْيُنُ الجُبنَاءَ (١).
رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أَوْفَى -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تُؤْذُوا خَالِدًا، فَإِنَّهُ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ صَبَّهُ اللَّهُ عَلَى الكُفَّارِ" (٢).
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ خَالِدٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: مَا لَيْلَةٌ تُهْدَى إِلَيَّ فِيهَا عَرُوسٌ أَنَا لَهَا مُحِبٌّ، أَوْ أُبَشَّرُ فِيهَا بِغُلَامٍ، بِأَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ لَيْلَةٍ شَدِيدَةِ الجَلِيدِ فِي سَرِيَّةٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ أُصَبِّحُ بِهَا العَدُوَّ (٣).
وَعَنْ قَيْسِ بنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدًا يَقُولُ: لَقَدْ مَنَعَنِي كَثِيرًا مِنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ، الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٤).
_________________
(١) = الحديث (١٤٦٨) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب في تقديم الزكاة ومنعها - رقم الحديث (٩٨٣).
(٢) انظر سير أعلام النبلاء (١/ ٣٦٦).
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر خالد بن الوليد -﵁- رقم الحديث (٧٠٩١).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٤٧٦).
(٥) أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩/ ٣٥٠) ونسبه إلى أبي يعلى، وقال: رجاله رجال الصحيح.
[ ٣ / ٥٧٠ ]
وَتُوُفِّيَ -﵁- عَلَى فِرَاشِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ المُبَارَكِ فِي كِتَابِ الجِهَادِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: لَمَّا حَضَرَتْ خَالِدًاا لوَفَاةُ قَالَ: لَقَدْ طَلَبْتُ القَتْلَ مِنْ مَظَانِّهِ (١)، فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي إِلَّا أَنْ أَمُوتَ عَلَى فِرَاشِي (٢)، وَمَا مِنْ عَمَلِي شَيْءٌ أَرْجَى عِنْدِي بَعْدَ: أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مِنْ لَيْلَةٍ بِتُّهَا وَأَنَا مُتَتَرِّسٌ، وَالسَّمَاءُ تُهِلُنِي (٣) تُمْطِرُ إِلَى صُبْحٍ، حَتَّى نُغِيرَ عَلَى الكُفَّارِ، ثُمَّ قَالَ: إِذَا أَنَا مُتُّ، فَانْظُرُوا فِي سِلَاحِي وَفَرَسِي، فَاجْعَلُوهُ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ (٤).
* أَيْنَ كَانَتْ وَفَاةُ خَالِدِ بنِ الوَلِيدِ -﵁-؟:
أَمَّا مَكَانُ وَفَاتِهِ -﵁-، فَقَدِ اضْطَرَبَتِ الرِّوَايَاتُ فِي تَحْدِيدِ مَكَانِ وَفَاتِهِ -﵁-، وَالذِي تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ أنه تُوُفِّيَ -﵁- بِالمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَلَيْسَ بِحِمْصَ، لِمَا يَأْتِي:
١ - قَالَ ابنُ المبارَكِ فِي كِتَابِ الجِهَادِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ حَمَّادِ بنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ المُخْتَارِ، عَنْ عَاصِمِ بنِ بَهْدَلة، عَنْ أَبِي وَائِلٍ -ثُمَّ شَكَّ حَمَّادٌ فِي أَبِي وَائِلٍ- قَالَ: . . . فَلَمَّا تُوُفِّيَ -أَيْ خَالِد -﵁- خَرَجَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- فِي
_________________
(١) مَظنة الشيء: موضعه. انظر لسان العرب (٨/ ٢٧٢).
(٢) وفي روايته قال له: وها أنَا أموتُ على فِراشي حَتْفَ أنفي كما يَمُوتُ البعير، فلا نامت أعين الجبناء.
(٣) انهلت السماء: إذا صبَّت المطر. انظر لسان العرب (١٥/ ١٢٠).
(٤) أورده الحافظ في الإصابة (٢/ ٢١٩).
[ ٣ / ٥٧١ ]
جَنَازَيهِ، فَقَالَ: مَا عَلَى نِسَاءَ آلِ الوَليدِ أَنْ يَسْفَحْنَ (١) عَلَى خَالِدٍ دُمُوعَهُنَّ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعًا (٢) أَوْ لَقْلَقَةً (٣).
٢ - ذَكَرَ أَبُو حُذَيْفَةَ فِي "المُبْتَدَأ وَالفُتُوحِ" عَنْ مُحَمَّدِ بنِ إِسْحَاقَ: لَمَّا مَاتَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ -﵁-، خَرَجَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- فِي جَنَازَتِهِ، فَإِذَا أُمُّهُ تَنْدُبُهُ (٤) وَتَقُولُ:
أَنْتَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ أَلْفٍ مِنَ القَوْمِ إِذَا مَا كُنْتَ وُجُوهِ الرِّجَالِ (٥)
٣ - وَرَوَى ابنُ سَعْدٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ كَثِيرِ بنِ هِشَامٍ، عَنْ جَعْفَرَ بنِ بَرْقَانَ، عَنْ يَزِيدَ بنِ الأَصَمِّ قَالَ: لَمَّا تُوُفِّيَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ -﵁- بَكَتْ عَلَيْهِ أُمُّهُ، فَقَالَ عُمَرُ: يَا أُمَّ خَالِدٍ، أَخَالِدًا أَوْ أَجْرَهُ تَرْزَئِينَ (٦)؟
عَزَمْتُ عَلَيْكِ إِلَّا تَثْبُتِ، حَتَّى تَسْوَدَّ يَدُكِ مِنَ الخِضَابِ (٧).
٤ - عَلَّقَ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-: دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ، مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ (٨).
_________________
(١) السَّفْحُ: الصب. انظر لسان العرب (٦/ ٢٧٥).
(٢) النقع: وضع التراب على الرؤوس، من النقع: وهو الغبار. انظر النهاية (٥/ ٩٥).
(٣) اللقلقة: أرادَ الصِّيَاح والجلبة عند الموت. انظر النهاية (٤/ ٢٢٨). والخبر أورده الحافظ في الإصابة (٢/ ٢١٩) - والحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ١٢٤).
(٤) الندب: أن تذكرَ النائحة الميتَ بأحسن أوصافه وأفعاله. انظر النهاية (٥/ ٢٩).
(٥) انظر الإصابة (٨/ ٢٩٩).
(٦) رزأ: فقد. انظر النهاية (٢/ ٢٠٠).
(٧) أورده الحافظ في الإصابة (٨/ ٢٩٩) وصحح إسناده.
(٨) علقه البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب ما يكره من النياحة على الميت.
[ ٣ / ٥٧٢ ]
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: هَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ المُصَنِّفُ -أَي البُخَارِيُّ- فِي تَارِيخِهِ الأَوْسَطِ، مِنْ طَرِيقِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: لَمَّا مَاتَ خَالِدٌ، اجْتَمَعَ نِسْوَةُ بَنِي المُغِيرَةِ يَبْكِينَ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لِعُمَرَ: أَرْسِلْ إِلَيْهِنَّ فَإِنْهَهُنَّ، فَذَكَرَهُ (١).
٥ - رَوَى الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ نُمَيْرٍ قَالَ: كَانَ خَالِدٌ يُكَنَّى أَبَا سُلَيْمَانَ، اسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- عَلَى الرَّهَا وَحُرَّانَ وَالرَّتَّةِ وَآمِدَ (٢)، فَمَكَثَ سَنَةً، وَاسْتَعْفَى فَأَعْفَاهُ عُمَرُ -﵁-، فَقَدِمَ المَدِينَةَ، فَأَقَامَ بِهَا فِي مَنْزِلهِ حَتَّى مَاتَ بِالمَدِينَةِ (٣).
قَالَ الحَافِظُ فِي الإِصَابَةِ: فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ -﵁- بِالمَدِينَةِ (٤).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ عِدَّةَ أَخْبَارٍ: وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يَقْتَضِي مَوْتَهُ -﵁- بِالمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وإلَيْهِ ذَهَبَ دُحَيْمُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنُ إِبْرَاهِيمَ الدِّمَشْقِيُّ، وَلَكِنَّ المَشْهُورَ عَنِ الجُمْهُورِ أَنَّهُ مَاتَ بِحِمْصَ (٥).
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ -﵁- سَنَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ مِنَ الهِجْرَةِ (٦).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٣/ ٥٠٩).
(٢) هذه أسماء أماكن في الشام.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر وفاة خالد بن الوليد -﵁- رقم الحديث (٥٣٣٩).
(٤) انظر الإصابة (٢/ ٢١٩).
(٥) انظر البداية والنهاية (٧/ ١٢٥).
(٦) انظر الإصابة (٢/ ٢١٩) - البداية والنهاية (٧/ ١٢٣) - سير أعلام النبلاء (١/ ٣٦٧).
[ ٣ / ٥٧٣ ]
* شَأْنُ عُثْمَانَ بنِ طَلْحَةَ -﵁-:
وَأَمَّا عُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ -﵁- فَهُوَ حَاجِبُ (١) الكَعْبَةِ، قُتِلَ أبُوهُ طَلْحَةُ وَعَمُّهُ عُثْمَانُ بنُ أَبِي طَلْحَةَ جَمِيعًا يَوْمَ أُحُدٍ كَافِرَيْنِ، وَأَقَامَ عُثْمَانُ -﵁- بِالمَدِينَةِ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- انْتَقَلَ إِلَى مَكَّةَ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ، وَقِيلَ: إِنَّهُ اسْتُشْهِدَ يَوْمَ مَعْرَكَةِ أَجْنَادِينَ (٢).
* * *
_________________
(١) حِجَابة الكعبة: هي سدانتها، وتَوَلِّي حفظها، وهم الذين بأيديهم مفتاحها. انظر النهاية (١/ ٣٢٨).
(٢) انظر أسد الغابة (٣/ ٢١١) - الإصابة (٤/ ٣٧٣).
[ ٣ / ٥٧٤ ]
سَرِيَّةُ غَالِبِ بنِ عَبد اللَّهِ إِلَى بَنِي المُلَوِّحِ
بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي صَفَرَ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ غَالِبَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثيَّ -﵁- فِي بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا إِلَى بَنِي المُلَوِّحِ بِالكَدِيدِ (١)، وَهُمْ مِنْ بَنِي لَيْثٍ، فَخَرَجَ المُسْلِمُونَ حَتَّى إِذَا كَانُوا بِقُدَيْدٍ (٢) لَقُوا الحَارِثَ بنَ مَالِكٍ، وَهُوَ ابْنُ البَرْصَاءَ اللَّيْثِيُّ، فَأَسَرُوهُ، فَقَالَ: إِنَّمَا خَرَجْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ أُرِيدُ الإِسْلَامَ، فَقَالُوا لَهُ: إِنْ تَكُ مُسْلِمًا فَلَنْ يَضُرَّكَ رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَإِنْ كُنْتَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ اسْتَوْثَقْنَا مِنْكَ، فَأَوْثَقُوهُ رِبَاطًا، وَخَلَّفُوا عَلَيْهِ رَجُلًا أَسْوَدَ كَانَ مَعَهُمْ، وَقَالُوا له -أَيْ لِلْعَبْدِ الأَسْوَدِ-: امْكُثْ مَعَهُ حَتَّى نَمُرَّ عَلَيْكَ، فَإِنْ نَازَعَكَ، فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ.
قَالَ جُنْدُبُ بنُ مَكِيثٍ (٣) الجُهَنِيُّ -﵁-: ثُمَّ مَضَيْنَا حَتَّى أَتيْنَا بَطْنَ الكَدِيدِ، فَنَزَلْنَا عُشَيْشِيَّةٍ (٤) بَعْدَ العَصْر، فبعَثَنِي أَصْحَابِي رَبيئَةً (٥) لَهُمْ، فَعَمَدْتُ إِلَى تَلٍّ
_________________
(١) الكَدِيد: بفتح الكاف وكسر الدال الأولى: موضع على اثنين وأربعين ميلًا من مكة. انظر معجم البلدان (٧/ ١٢٣).
(٢) قُدَيد: بضم القاف مصغرا: موضع بين مكة والمدينة. انظر النهاية (٤/ ٢٠).
(٣) قال الحافظ في الإصابة (٢/ ٣٧٠): مَكِيث: بفتح الميم بوزن عظيم، شهد بيعة الرضوان، وكان أحد من حمل ألوية جُهينة يوم الفتح.
(٤) عُشيشية: تصغير عشية. انظر النهاية (٣/ ٢٢٠).
(٥) الربيئة: هو العينُ والطليعة الذي ينظر للقوم لئلا يدهمهم عدو، ولا يكون إلا على جبل، أو شرف ينظر منه. انظر النهاية (٢/ ١٦٥).
[ ٣ / ٥٧٥ ]
يُطْلِعُنِي عَلَى الحَاضِرِ (١)، فَانْبَطَحْتُ عَلَيْهِ، وَذَلِكَ المَغْرِبُ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ، فَنَظَرَ، فَرَآنِي مُنْبَطِحًا عَلَى التَلِّ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَى عَلَى هَذَا التَّلِّ سَوَادًا مَا رَأَيْتُهُ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَانْظُرِي لَا تَكُونُ الكِلَابُ اجْتَرَّتْ بَعْضَ أَوْعِيَتِكِ، قَالَ: فنَظَرَتْ، فَقَالَتْ: لَا وَاللَّهِ مَا أَفْقِدُ شَيْئًا، فَقَالَ لَهَا: فنَاوِلِينِي قَوْسِي وَسَهْمَيْنِ مِنْ كِنَانَتِي، قَالَ: فَنَاوَلتهُ، فَرَمَانِي بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِي جَنْبِي، قَالَ فنَزَعْتُهُ فَوَضَعْتُهُ وَلَمْ أَتَحَرَّكْ، ثُمَّ رَمَانِي آخَرَ، فَوَضَعَهُ فِي رَأْسِ مَنْكبِي، فَنَزَعْتُهُ، فَوَضَعْتُهُ وَلَمْ أَتَحَرَّكْ، فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: وَاللَّهِ لَقَدْ خَالَطَهُ (٢) سَهْمَايَ، وَلَوْ كَانَ زَائِلَةً (٣) لَتَحَرَّكَ، فَإِذَا أَصْبَحْتِ فَابْتَغِي سَهْمَيَّ، فَخُذِيهِمَا، لَا تَمْضَغُهُمَا عَلَيَّ الكِلَابُ.
قَالَ جُنْدُبُ بنُ مَكِيثٌ الجُهَنِيُّ -﵁-: وَأَمْهَلْنَاهُمْ حَتَّى رَاحَتْ رَائِحَتُهُمْ (٤)، حَتَّى إِذَا احْتَلَبُوا وَعَطَّنُوا (٥)، أَوْ سَكَنُوا، وَذَهَبَتْ عَتَمَةٌ (٦) مِنَ اللَّيْلِ، شَنَنَّا عَلَيْهِمُ الغَارَةَ، فَقتَلْنَا مَنْ قَتَلَنَا مِنْهُمْ، وَاسْتَقْنَا النَّعَمَ، فتَوَجَّهْنَا قَافِلِينَ، وَخَرَجَ صَرِيخُ القَوْمِ إِلَى قَوْمِهِمْ مُغَوِّثًا، وَخَرَجْنَا سِرَاعًا، حَتَّى نَمُرَّ بِالحَارِثِ بنِ البَرْصَاءِ وَصَاحِبِهِ، فَانْطَلَقْنَا بِهِ مَعَنَا، وَأَدْرَكَنَا القَوْمُ حَتَّى قَرُبُوا مِنَّا، حَتَّى إِذَا لَمْ يَكُنْ
_________________
(١) الحاضِرُ: القومُ النُّزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون عنه. انظر النهاية (١/ ٣٨٤).
(٢) خالَطَهُ: أصابه. انظر لسان العرب (٤/ ١٧٨).
(٣) الزائِلَةُ: كل شيء من الحيوان يزول عن مكانه ولا يستقر. انظر النهاية (٢/ ٢٨٨).
(٤) راحتْ رائحَتُهُمْ: أي ردت إبلهم وغنمهم إلى مأواها الذي تأوي إليه ليلًا. انظر لسان العرب (٥/ ٣٦٢).
(٥) يقال: إبل عُطَّان وعَطَّنت: سقاها ثم أناخها وحبسها عند الماء. انظر لسان العرب (٩/ ٢٧٣).
(٦) عَتَمَةُ الليل: هي ظلمته. انظر النهاية (٣/ ١٦٤).
[ ٣ / ٥٧٦ ]
بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ إِلَّا بَطْنُ الوَادِي، أَقْتلَ سَيْل حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ، بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ شَاءَ، مَا رَأَيْنَا قَبْلَ ذَلِكَ مَطَرًا وَلَا سَحَابًا، فَجَاءَ بِمَا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ، فَلَقَدْ رَأَيْنَاهُمْ وُقُوفًا يَنْظُرُونَ إِلَيْنَا مَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يتقَدَّمَ، وَنَحْنُ نَسُوقُ نَعَمَهُمْ مَا يَسْتَطِيعُ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَنْ يُجِيزَ إِلَيْنَا، وَنَحْنُ نَحْدُوهَا (١) سِرَاعًا حَتَّى فُتَنَاهُمْ، فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى طَلَبِنَا، فَقَدِمْنَا بِهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالمَدِينَةِ (٢).
* * *
_________________
(١) حدَا الإبلَ: زَجَرَهَا خلفها وساقها. انظر لسان العرب (٣/ ٨٩).
(٢) أخرج قصة هذه السرية: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٨٤٤) - وأبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في الأسير يوثق - رقم الحديث (٢٦٧٨) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٢٦٥) - وإسنادها ضعيف.
[ ٣ / ٥٧٧ ]
سَرِيَّةُ غَالِبِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ إلى مُصَابِ أَصْحَابِ بَشِيرِ بنِ سَعْدٍ بفَدَكَ
وَلَمَّا رَجَعَ غَالِبُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- مِنَ الكَدِيدِ مُؤَيَّدًا بِنَصْرِ اللَّهِ لَهُ، بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي صَفَرَ إِلَى حَيْثُ أُصِيبَ أَصْحَابُ بَشِيرِ بنِ سَعْدٍ -﵁-، وَذَلِكَ فِي بَنِي مُرَّةَ نَاحِيَةَ فَدَكَ.
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَبْلَ قُدُومِ غَالِبٍ -﵁-، هَيَّأَ الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ -﵁- لِذَلِكَ، وَجَهَّزَ مَعَهُ مِائتَيْ رَجُلٍ، وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً، فَلَمَّا قَدِمَ غَالِبٌ -﵁-، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلزُّبَيْرِ: "اجْلِسْ"، وَبَعَثَ غَالِبًا -﵁- فِي مِائتَيْ رَجُلٍ، سَمَّى ابْنَ سَعْدٍ مِنْهُمْ: عُلْبَةَ بنَ زَيْدٍ، وَأَبَا مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بنَ عَمْرٍو، وَكَعبَ بنَ عُجْرَةَ، وَأُسَامَةَ بنَ زَيْدٍ، وَحُوَيِّصَةَ، وَأَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵃، فَأَغَارُوا عَلَيْهِمْ مَعَ الصُّبْحِ، وَكَانَ غَالِبٌ -﵁- قَدْ أَوْصَاهُمْ بِعَدَمِ مُخَالفَتِهِمْ لَهُ، وَآخَى بَيْنَ القَوْمِ، فَأَصَابُوا مِنْهُمْ نَعَمًا، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ قَتْلَى (١).
وَوَقَعَ عِنْدَ البَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ (٢) أَنَّ فِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ قتَلَ أُسَامَةُ -﵁- مِرْدَاسَ بنَ نُهَيْكٍ الذِي قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ.
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٢).
(٢) دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٢٩٦).
[ ٣ / ٥٧٨ ]
وَالصَّحِيحُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَرِيَّةِ غَالِبِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ اللَّيْثيِّ إِلَى المِيفَعَةِ أَوِ الحُرُقَاتِ -كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ-.
* * *
[ ٣ / ٥٧٩ ]
سَرِيَّةُ شُجَاعِ بنِ وَهْبٍ -﵁- إِلَى بَني عَامِرٍ بِالسِّيِّ (١)
وَفي رَبِيعٍ الأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- شُجَاعَ بنَ وَهْبٍ الأَسَدِيَّ -﵁-، فِي أَرْبَعَة وَعِشْرِينَ رَجُلًا إِلَى جَمْع مِنْ هَوَازِنَ، يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَامِرٍ بِالسِّيِّ، وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ، فَخَرَجَ -﵁-، فَكَانَ يَسِيرُ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُ (٢) بِالنَّهَارِ حَتَّى صَبَّحَهُمْ وَهُمْ غَافِلُونَ، وَقَدْ نَهَى أَصْحَابَهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَنْ يُمْعِنُوا (٣) فِي الطَّلَبِ، فَأَصَابُوا نَعَما كَثِيرًا وَشَاءً، فَاسْتَاقُوا ذَلِكَ كُلَّهُ حَتَّى قَدِمُوا المَدِينَةَ، وَكَانَ فِي السَّبْي جَارِيَةٌ وَضِيئَةٌ، فَأَخَذَهَا شُجَاعُ بنُ وَهْب -﵁- لِنَفْسِهِ بِثَمَنٍ، فَأَصَابَهَا، فَلَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ خَيَّرَهَا فَاخْتَارَتِ المُقَامَ عِنْدَهُ، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً، وَكَانَتْ سِهْمَانُهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ بَعِيرًا لِكُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ، وَعَدَلُوا البَعِيرَ بِعَشْرٍ مِنَ الغَنَمِ (٤).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ (٥): وَقَدْ تَكُونُ هَذِهِ السَّرِيَّةُ هِيَ المَذْكُورَةُ فِي
_________________
(١) السِّيّ: بكسر السين وتشديد الياء: ماء بين ذات عِرْق ووجرة على ثلاث مراحل من مكة إلى البصرة. انظر معجم البلدان (٥/ ١٠٨).
(٢) كمن: أي استتر واستخفى. انظر النهاية (٤/ ١٧٤).
(٣) أمعَنُوا في بلدِ العدو وفي الطلب: أي جدوا وأبعدوا. انظر النهاية (٤/ ٢٩٣).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى (٢/ ٣١٣) - ودلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٣٥٣).
(٥) انظر البداية والنهاية (٤/ ٦٣١).
[ ٣ / ٥٨٠ ]
الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَرِيَّةً إِلَى نَجْدٍ فَخَرَجْتُ فِيهَا، فَأَصَبْنَا إِبِلًا وَغَنَمًا، فبلَغَتْ سُهْمَانُنَا اثْنَى عَشَرَ بَعِيرًا، اثْنَى عَشَرَ بَعِيرًا (١)
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فرض الخمس - باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين - رقم الحديث (٣١٣٤) - وأخرجه في المغازي - باب السرية التي قِبَل نجد - رقم الحديث (٤٣٣٨) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الأنفال - رقم الحديث (١٧٤٩) (٣٧).
[ ٣ / ٥٨١ ]
سَرِيَّةُ كَعْبِ بن عُمَيْرٍ -﵁- إِلَى ذَاتِ أَطْلاحٍ
وَفِي شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كَعْبَ بنَ عُمَيْرٍ الغِفَارِيَّ -﵁- إِلَى ذَاتِ أَطْلَاحٍ مِنْ نَاحِيَةِ الشَّامِ وَرَاءَ وَادِي القُرَى فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَسَارَ، فَكَانَ يَكْمُنُ بِالنَّهَارِ وَيَسِيرُ بِاللَّيْلِ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُمْ رَآهُ عَيْنٌ لَهُمْ، فَأَخْبَرَ قَوْمَهُ بِقِلَّةِ عَدَدِهِمْ، فَلَمَّا انْتَهَى المُسْلِمُونَ إِلَى ذَاتِ أَطْلَاحٍ وَجَدُوا جَمْعًا كَثِيرًا، فَدَعَوْهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ، وَرَشَقُوهُمْ (١) النَّبْلِ، فَلَمَّا رَأَى المُسْلِمُونَ ذَلِكَ قَاتَلُوهُمْ أَشَدَّ القِتَالِ حَتَّى قُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا اسْتَطَاعَ أَنْ يُفْلِتَ مِنْهُمْ، وَقِيلَ جُرِحَ، فَلَمَّا بَرَدَ (٢) عَلَيْهِ اللَّيْلُ تَحَامَلَ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَخْبَرَهُ الخَبَرَ، فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٣).
* * *
_________________
(١) رشَقَ: رمى. انظر النهاية (٢/ ٢٠٦).
(٢) بَرَدَ: أي سكن. انظر لسان العرب (١/ ٣٦٥).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٣) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٣٥٧) - شرح المواهب (٣/ ٣٣٨).
[ ٣ / ٥٨٢ ]
غَزْوَةُ (١) مُؤْتَةَ (٢)
حَدَثَتْ هَذِهِ الغَزْوَةُ العَظِيمَةُ فِي جُمَادَى الأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ (٣).
* سَبَبُ هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ:
وَسَبَبُ هَذِهِ الغَزْوَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ بَعَثَ الحَارِثَ بنَ عُمَيْرٍ الأَزْدِيَّ -﵁-، بِكِتَابِهِ إِلَى مَلِكِ بُصْرَى، فَعَرَضَ لَهُ وَهُوَ فِي الطَّرِيقِ شُرَحْبِيلُ بنُ عَمْرٍو الغَسَّانِيُّ -وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى البَلْقَاءِ (٤) مِنْ أَرْضِ الشَّامِ مِنْ قِبَلِ قَيْصَرَ- فَقَالَ لَهُ: أَيْنَ تُرِيدُ؟
فَقَالَ الحَارِثُ بنُ عُمَيْرٍ -﵁-: الشَّامَ، قَالَ: فَلَعَلَّكَ مِنْ رُسُلِ مُحَمَّدٍ؟
_________________
(١) إنما سُمِّيت غزوة مع أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لم يشهدها؛ لكثرةِ جَيْشِ المسلِمِين فيها؛ ولكونها أعظم حرب دامية خاضها المسلمون في حياة الرسول -ﷺ-، وهي مقدمة وتمهيد لفتح بلدان النصارى. انظر شرح المواهب (٣/ ٣٣٩) - الرحيق المختوم ص ٣٨٧. ويُسمى جيشها جيشُ الأمراء، فقد أخرج الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٥٥١) - بسند جيد - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٧٠٤٨) بسند صحيح عن أبي قتادة -﵁- قال: بعث رَسُول اللَّهِ -ﷺ- جيش الأمراء. . . وذكر بقية الغزوة.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٢٩٩): مُؤتة: بضم الميم وسكون الواو. قلتُ: وهي الآن قريَةٌ عامرة بالسكَّان شرقي الأردن.
(٣) لم يختلف في ذلك أحد. وانظر فتح الباري (٨/ ٢٩٩).
(٤) البَلْقاءُ: بفتح الباء وسكون اللام، وهي مدينة معروفة بالشام. انظر شرح المواهب (٣/ ٣٣٩).
[ ٣ / ٥٨٣ ]
فَقَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرَ بِهِ، فَأَوْثِقَ رِبَاطًا، ثُمَّ قَدَّمَهُ فَضَرَبَ عُنقهُ صَبْرًا (١)، وَلَمْ يُقْتَلْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- غَيْرُهُ (٢).
وَكَانَ قَتْلُ السُّفَرَاءِ وَالرُّسُلِ مِنْ أَشْنَعِ الجَرَائِمِ، فَقَدْ جَرَتِ العَادَةُ وَالعُرْفُ بِعَدَمِ قتلِهِمْ أَوِ التَّعَرُّضِ لَهُمْ (٣)، فَكَانَتْ هَذِهِ الحَادِثَةُ بِمَثَابَةِ إِعْلَانِ حَالَةِ الحَرْبِ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ بَلَغَهُ الخَبَرُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ نَدَبَ (٤) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ لِقِتَالِ الغَسَاسِنَةِ، فَتَجَهَّزَ النَّاسُ ثُمَّ تَهَيَّأُوا لِلْخُرُوجِ، فَكَانَ قِوَامُ الجَيْشِ الذِي خَرَجَ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ ثَلَاثَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ، وَهُوَ أَكْبَرُ جَيْشٍ إِسْلَاميٍّ، لَمْ يَجْتَمعْ قَبْلَ ذَلِكَ إِلَّا فِي غَزْوَةِ الأَحْزَابِ (٥).
_________________
(١) كل من قُتِل في غير معركة، ولا حرب، ولا خطأ، فإنه مقتول صبرًا. انظر النهاية (٣/ ٨).
(٢) قال الشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتابه جهاد الدعوة ص ١٥: ماذا تفعلُ أيُّ دولة تُهان دعوتها ويُقتل رجالها على هذا النحو؟ لابد أن تُقاتل، والقتال الذي فرضته الظروف صعبٌ، فإن الرومان شدّوا أزر الأمير القاتل بعشرات الألوف من جيشهم الكثيف، وواجه الرجال الذين قاتلوا في "مؤتة" معركة قاسية، استشهد فيها القادة الثلاثة الذين التَحَمُوا مع الرومان وحلفائهم، واستطاع خالدُ بن الوليد -﵁- أن ينسحب بالجيش، وأن يجنبه خسائر لا آخر لها.
(٣) روى الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٩٨٩) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٨٦٣) بسند صحيح بطرقه وشواهده عن نعيم بن مسعود الأشجعي -﵁- قال: سمعت رسول اللَّه -ﷺ- يقول حين قرأ كتاب مسيلمة الكذاب، قال للرسولين: "فما تقولان أنتما؟ " قالا: نقول كما قال، فقال رسول اللَّه -ﷺ-: "واللَّه لولا أَنَّ الرسل لا تقتل، لضربت أعناقكما".
(٤) يُقال: ندبتُهُ فانتدب: أي بعثته ودعوته فأجاب. انظر النهاية (٥/ ٢٩).
(٥) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٤) - سيرة ابن هشام (٤/ ٢٠) - فتح الباري (٨/ ٢٩٩) - شرح المواهب (٣/ ٣٣٩).
[ ٣ / ٥٨٤ ]
* أُمُرَاءُ الجَيْشِ وَوَصِيَّةُ الرَّسُولِ -ﷺ- لِلْأُمَرَاءِ:
وَأَمَّرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى هَذَا الجَيْشِ مَوْلَاهُ زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ -﵁-، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "عَلَيْكُمْ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ، فَإِنْ أُصِيبَ زَيْدٌ، فَجَعْفَر، فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ، فَعَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ"، فَقَالَ جَعْفَرٌ -﵁-: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا كُنْتُ أَرْغَبُ (١) أَنْ تَسْتَعْمِلَ عَلَيَّ زَيْدًا (٢)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "امْضِ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي فِي أَيِّ ذَلِكَ خَيْرٌ" (٣).
وَعَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِوَاءً أَبْيَضَ، وَدَفَعَهُ إِلَى زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ -﵁-، وَأَوْصَاهُمْ أَنْ يَأتُوا مَقْتَلَ الحَارِثِ بنِ عُمَيْرٍ -﵁-، وَأَنْ يَدْعُوا مَنْ هُنَاكَ إِلَى الإِسْلَامِ، فَإِنْ أَجَابُوا وَإِلَّا اسْتَعَانُوا بِاللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَقَاتَلُوهُمْ، فَأَسْرَعَ النَّاسُ بِالخُرُوجِ وَعَسْكَرُوا بِالجُرْفِ (٤).
_________________
(١) هذه روايةُ ابن حبان في صحيحه. وفي رواية الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٥٥١): أرهب. وفي رواية الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥١٧٠): أذهب.
(٢) قلتُ: لم يبعثْ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- زيدَ بن حارثة -﵁- في سريَّة إلا أمَّره، فقد روى الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٨٩٨) - وابن أبي شيبة في مصنفه - رقم الحديث (٣٢٩٧٣) بسند حسن عن عائشة ﵂ قالت: ما بعث رَسُول اللَّهِ -ﷺ- زيد بن حارثة في جيش قطُّ إلا أمَّره عليهم.
(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٥٥١) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٧٠٤٨) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥١٧٠) وإسناده صحيح.
(٤) الجُرْف: بضم الجيم موضع قريب من المدينة. انظر النهاية (١/ ٢٥٤). وانظر التفاصيل في: سيرة ابن هشام (٤/ ٢١) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٤).
[ ٣ / ٥٨٥ ]
* تَوْدِيعُ النَّاسِ الجَيْشَ:
وَلَمَّا تَهَيَّأَ الجَيْشُ الإِسْلَامِيُّ لِلْخُرُوجِ وَدَّعَ النَّاسُ أُمَرَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَسَلَّمُوا عَلَيْهِمْ، فَعِنْدَهَا بَكَى عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ -﵁-، فَقَالُوا لَهُ: مَا يُبْكِيكَ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ؟
قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا بِي حُبُّ الدُّنْيَا وَلَا صَبَابَةٌ (١) بِكُمْ، وَلَكِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، يَذْكُرُ فِيهَا النَّارَ: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا﴾ (٢)، فَلَسْتُ أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصَّدْرِ (٣) بَعْدَ الوُرُود (٤).
فَقَالَ المُسْلِمُونَ: صَحِبَكُمُ اللَّهُ، وَدَفَعَ عَنْكُمْ، وَرَدَّكُمْ إِلَيْنَا صَالِحِينَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحة -﵁-:
لَكِنَّنِي أَسْأَلُ الرَّحْمَنَ مَغْفِرَةً وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزَّبَدَا (٥)
أَوْ طَعْنَةً بِيَدِي حَرَّانَ مُجْهِزَةً (٦) بِحَرْبَةٍ تَنْفُذُ الأَحْشَاءَ وَالكَبِدَا
_________________
(١) الصَبَابة: بفتح الصاد: الشوق. انظر لسان العرب (٧/ ٢٧٠).
(٢) سورة مريم آية (٧١).
(٣) الصَّدَرُ: الرجوع. انظر لسان العرب (٧/ ٣٠١).
(٤) يُقال: ورد فلان: أي حضر. انظر لسان العرب (١٥/ ٢٦٨).
(٥) ضربة ذات فرغ: أي واسعة يسيل دمها. انظر لسان العرب (١٠/ ٢٤١). الزبد: بفتح الزاي والباء رغوة الدم. انظر لسان العرب (٦/ ٩).
(٦) الحَرَّان: الفارس. انظر لسان العرب (٣/ ١٤٥). مجهِزَة: أي سريعة القتل. انظر النهاية (١/ ٣١٠).
[ ٣ / ٥٨٦ ]
حَتَّى يُقَالَ إِذَا مَرُّوا عَلَى جَدَثِي (١) أَرْشَدَهُ اللَّهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشُدَا (٢)
ثُمَّ أَتَى عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ -﵁- رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَوَدَّعَهُ، ثُمَّ قَالَ:
فَثَبَّتَ اللَّهُ مَا أَتَاكَ مِنْ حُسْنٍ تَثْبِيتَ مُوسَى وَنَصْرًا كَالذِي نُصِرُوا
إِنِّي تَفَرَّسْتُ فِيكَ الخَيْرَ أَعْرِفُهُ وَاللَّه يَعْلَمُ أَنْ مَا خَانَنِي البَصَرُ
أَنْتَ الرَّسُولُ وَمَنْ يُحْرَمْ شَفَاعَتَهُ يَوْمَ الحِسَابِ فَقَدْ أَزْرَى بِهِ القَدَرُ
فَلَمَّا سَمِعَ الرَّسُولُ -ﷺ- ذَلِكَ مِنْهُ قَالَ له: "وَأَنْتَ فَثَبَّتَكَ اللَّهُ يَا ابْنَ رَوَاحَةَ"، فَثَبَّتَهُ اللَّهُ حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا -﵁- (٣).
وَكَانَ ابنُ رَوَاحَةَ -﵁- شَاعِرًا حَادَّ العَاطِفَةِ، وَقَدْ أَحَسَّ مُنْذُ خُرُوجِهِ أَنَّ الِاسْتِشْهَادَ مُقْبِل عَلَيْهِ، فَهُوَ يَتَهَيَّأُ لَهُ بِقَلْبِهِ وَلسَانِهِ (٤).
* تَوْدِيعُ الرَّسُولِ -ﷺ- الجَيْشَ وَوَصِيَّتَهُ لَهُمْ:
وَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُشَيِّعًا (٥) لَهُمْ حَتَّى بَلَغَ ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ، فَوَقَفَ وَوَدَّعَهُمْ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: "أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ، وَبِمَنْ مَعَكُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ خَيْرًا، اغْزُوا بِاسْمِ
_________________
(١) الجَدَث: القبر. انظر النهاية (١/ ٢٣٦).
(٢) أخرج ذلك الطبراني في الكبير - رقم الحديث (٤٦٥٥) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٢١) - وابن سعد في طبقاته (٢/ ٣١٤).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٢١) - البداية والنهاية (٤/ ٦٣٣) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٣٥٩).
(٤) انظر فقه السيرة ص ٣٦٦ للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(٥) شَيَّعه: تابعه. انظر لسان العرب (٧/ ٢٥٩).
[ ٣ / ٥٨٧ ]
اللَّهِ، فَقَاتِلُوا عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ بِالشَّامِ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا رِجَالًا فِي الصَّوَامِعِ (١) مُعْتَزِلِينَ فَلَا تَعْرِضُوا لَهُمْ، وَسَتَجِدُونَ آخَرِينَ لِلشَّيْطَانِ فِي رُؤُوسهِمْ مَفَاحِصُ (٢) فَافْلقوهَا بِالسُّيُوفِ، وَلَا تَقْتُلُوا امْرَأة، وَلَا صَغِيرًا ضَرْعًا (٣)، وَلَا كبِيرًا فَانِيًا، وَلَا تَقْطَعُنَّ شَجَرَةً، وَلَا تَعْقِرَنَّ نَخْلًا، وَلَا تَهْدِمُوا بَيْتًا" (٤).
* تَخَلُّفُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ رَوَاحَةَ -﵁-:
لَمَّا خَرَجَ الجَيْشُ تَخَلَّفَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ -﵁-، قَالَ: أَتَخَلَّفُ فَأُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الجُمُعَةَ، ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَلَمَّا صَلَّى عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ الجُمُعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ: "مَا مَنَعَكَ أَنْ تَغْدُوَ (٥) مَعَ أَصْحَابِكَ؟ ".
قَالَ: أَرَدْتُ أَنْ أُصَلِّيَ مَعَكَ الجُمُعَةَ، ثُمَّ أَلْحَقَهُمْ، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ
_________________
(١) الصوامع: جمع صَوْمَعَة، وهي: مَعْبَد النصارى، يتعبد به رُهبانهم. انظر لسان العرب (٧/ ٤٠٧).
(٢) قال ابن الأثير في النهاية (٣/ ٣٧٣): أي إِنَّ الشيطان قد استوطن رؤوسهم فجعلها له مَفَاحِصَ، كما تَستوطن القطا -وهو طائر معروف- مَفَاحِصَها؛ وهو من الاستعارات اللفظية، لأن من كلامهم إذا وصفوا إنسانًا بشدة الغي والانهماك في الشَّرِّ قالوا: قد فرَّخ الشيطان في رأسه وعشَّ في قلبه، ومِفحص القطا: موضعُها الذي تجثم فيه وتبيض، كأنها تفحص عنه التراب: أي تكشفه.
(٣) الضارع: النحِيفُ الضَّاوي الجسم. انظر النهاية (٣/ ٧٨).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٤) - وأصل وصية الرسول -ﷺ- هذه أخرجها الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث - رقم الحديث (١٧٣١) (٣).
(٥) الغَدْوَة: بفتح العين هو سيرُ أول النهار. انظر النهاية (٣/ ٣١١).
[ ٣ / ٥٨٨ ]
-ﷺ-: "لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ مَا أَدْرَكْتَ فَضْلَ غَدْوَتهِمْ" (١).
* خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ -﵁- يُشَارِكُ فِي هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ:
وَفِي هَذِهِ الغَزْوَةِ العَظِيمَةِ يُشَارِكُ خَالِدُ بنُ الوَليدِ -﵁-، وَهِيَ أَوَّلُ غَزْوَةٍ يُشَارِكُ فِيهَا مَعَ المُسْلِمِينَ.
* وُصُولُ جَيشِ المُسْلِمِينَ إِلَى مَعَانَ (٢)، وَعدَّةُ العَدُوِّ:
تَحَرَّكَ جَيْشُ المُسْلِمِينَ مِنَ المَدِينَةِ إِلَى عَدُوِّهِمْ فِي الشَّامِ، وَبَيْنَمَا هُمْ فِي الطَّرِيقِ إِذْ سَمِعَ بِمَسِيرِهِمْ عَدُوُّهُمْ، فَجَمَعُوا لَهُمْ، وَقَامَ فِيهِمْ شُرَحْبِيلُ بنُ عَمْرٍو فَجَمَعَ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ مُقَاتِلٍ، وَقَدَّمَ الطَّلَائِعَ أَمَامَهُ، فَلَمَّا نَزَلَ المُسْلِمُونَ مَعَانَ مِنْ أَرْضِ الشَّامِ بَلَغَهُمْ أَنَّ هِرَقْلَ قَدْ نَزَلَ مَآبَ (٣) مِنْ أَرْضِ البَلْقَاءَ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنْ لَخْمٍ، وَجُذَامٍ، وَالقَيْنِ، وَتَنُوخَ، وَبَلِيَّ، فَكَانَ قِوَامُ (٤) جَيْشِ الغَسَاسِنَةِ وَالرُّومِ مِائتَيْ أَلْفِ مُقَاتِلٍ (٥).
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٦٦) - والترمذي في جامعه - كتاب الصلاة - باب ما جاء في السفر يوم الجمعة - رقم الحديث (٥٣٥) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٢٩٩٣) - وإسناده ضعيف، ولكن للحديث شواهد بمعناه يتقوى بها.
(٢) مَعَان بفتح الميم مدينة في طرف بادية الشام تلقاء الحجاز من نواحي البلقاء. انظر معجم البلدان (٨/ ٢٨٥).
(٣) مآب: مدينة في طرف الشام من نواحي البلقاء. انظر معجم البلدان (٧/ ١٨٨).
(٤) قِوامُ: قدر. انظر لسان العرب (١١/ ٣٥٧).
(٥) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٢٢) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٤) - البداية والنهاية (٤/ ٦٣٤).
[ ٣ / ٥٨٩ ]
* تَشَاوُرُ المُسْلِمِينَ بِمَعَانَ:
وَلَمْ يَكُنِ المُسْلِمُونَ أَدْخَلُوا فِي حِسَابِهِمْ لِقَاءَ مِثْلَ هَذَا الجَيْشِ العَرَمْرَمِ (١)، الذِي فُوجِئُوا بِهِ، فَأَقَامُوا فِي مَعَانَ لَيْلَتَيْنِ يُفَكِّرُونَ فِي أَمْرِهِمْ، وَيَنْظُرُونَ وَيَتَشَاوَرُونَ، هَلْ يَكْتبونَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُخْبِرُونَهُ بِعَدَدِ عَدُوِّهِمْ، فَإِمَّا أَنْ يُمِدَّهُمْ بِالرِّجَالِ، أَوْ يَأْمُرَهُمْ بِأَمْرِهِ فَيَمْضُوا إِلَيْهِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ رَأْيٌ بِالِانْسِحَابِ، فَانْظُرُوا الشَّجَاعَةَ وَالجُرْأَةَ (٢).
فَعِنْدَ ذَلِكَ قَامَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ -﵁- وَعَارَضَ هَذَا الرَّأْيَ، وَشَجَّعَ النَّاسَ قَائِلًا: يَا قَوْمِ! وَاللَّهِ إِنَّ التِي تَكْرَهُونَ لَلَّتِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ، الشَّهَادَةُ، وَمَا نُقَاتِلُ النَّاسَ بِعَدَدٍ وَلَا قُوَّةٍ وَلَا كَثْرَةٍ، مَا نُقَاتِلُهُمْ إِلَّا بِهَذَا الدِّينِ الذِي أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِهِ، فَانْطَلِقُوا فَإِنَّمَا هِيَ إِحْدَى الحُسْنيَيْنِ، إِمَّا ظُهُورٌ، وَإِمَّا شَهَادَةٌ (٣).
_________________
(١) العرمْرَم: هو الكثير من كل شيء. انظر لسان العرب (٩/ ١٧٢).
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تفسيره (٤/ ٧٢): وقد كان للصحابةِ ﵃ في بابِ الشجاعة والائتمارِ بأمر اللَّه، وامتثالِ ما أرشدهم إليه ما لم يكن لأحدٍ من الأمَمِ والقرون قبلهم، ولا يكون لأحدٍ ممن بعدهم، فإنهم بِبَركة الرسول -ﷺ-، وطاعته فيما أمرهم، فتحوا القلوب والأقاليم شرقًا وغربًا في المدة اليسيرة، مع قلةِ عددهم بالنسبة إلى جُيُوش سائر الأقاليم، من الروم والفرس والترك والصَّقَالِبَة والبَرْبَر والحُبُوش وأصنافِ السودان والقبط، وطوائفِ بني آدم، قَهَرُوا الجميع حتى عَلت كلمة اللَّه، وظهر دينه على سائر الأديان، وامتدت الممالك الإسلامية في مشارِقِ الأرض ومغاربها، في أقل من ثلاثين سنة، فرَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وأرضاهم أجمعين، وحَشَرنا في زمرتهم، إنه كريمٌ وهّاب.
(٣) قال الشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتابه فقه السيرة، ص ٣٦٦: وكان لهذه =
[ ٣ / ٥٩٠ ]
فَقَالَ النَّاسُ: قَدْ صَدَقَ وَاللَّهِ ابْنُ رَوَاحَةَ، وَاسْتَقَرَّ الأَمْرُ عَلَى مُقَاتَلَةِ العَدُوِّ (١).
بَعَثَتْ هَذِهِ العَقِيدَةُ وَالنَّفْسِيَّةُ طُمَأْنِينَةً فِي أَنْفُسِهِمْ، وَسَكِينَةً فِي قُلُوبِهِمْ، وَشَجَاعَةً خَارِقَةً لِلْعَادَةِ، وَاسْتِهَانَةً بِالعَدَدِ وَالعُدَّةِ، وَعَدَمَ عِبَادَةٍ لِلْمَادَّةِ، وَعَدَمَ اتِّخَاذِ الأَسْبَابِ أَرْبَابًا، وَعَرَفُوا أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَ بِقُوَّةِ الدِّينِ، وَيَظْفَرُونَ وَيَغْلِبُونَ ببَرَكَةِ الإِسْلَامِ، فَكَانُوا شَدِيدِي الِاحْتِفَاظِ، كَثِيرِي الِاعْتِدَادِ بِهَا (٢).
* تَحَرُّكُ المُسْلِمِينَ إِلَى عَدوِّهِمْ:
وَبَعْدَ أَنْ قَضَى المُسْلِمُونَ لَيْلَتَيْنِ فِي مَعَانَ، تَحَرَّكُوا إِلَى أَرْضِ العَدُوِّ، فَلَمَّا وَصَلُوا تُخُومَ (٣) البَلْقَاءَ، لَقِيَتْهُمْ جُمُوعُ هِرَقْلَ مِنَ الرُّومِ وَنَصَارَى العَرَبِ، بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا "مُشَارِفٌ"، ثُمَّ دَنَا العَدُوُّ، وَانْحَازَ المُسْلِمُونَ إِلَى قَرْيَةِ مُؤْتَةَ، فَعَسْكَرُوا هُنَاكَ، وَتَعَبَّاَ الجَيْشُ الإِسْلَامِيُّ لِلْقِتَالِ، فَجَعَلَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ -﵁- عَلَى المَيْمَنَةِ: قُطْبَةَ (٤) بنَ قتَادَةَ العُذْرِيَّ (٥)، وَعَلَى المَيْسَرَةِ: عَبَايَةَ بنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ (٦).
_________________
(١) = الكلمة الملتهبة أثرها، فاختفت من صفوف المسلمين مشاعر الترَدُّدِ، وقرروا القتال مهما كانت النتائج.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٢٢) - البداية والنهاية (٤/ ٦٣٤) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٣٦٠).
(٣) انظر كتاب "إلى الإسلام من جديد" ص ٥٩، للشيخ أبي الحسن النَّدْوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(٤) التُّخُوم: الفصلُ بين الأرضَيْنِ من الحُدُود والمعالم. انظر لسان العرب (٢/ ٢١).
(٥) قُطْبة: بضم القاف.
(٦) العُذْري: بضم العين.
(٧) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٢٥) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٤) - شرح المواهب (٣/ ٣٤٤).
[ ٣ / ٥٩١ ]
* بَدْءُ القِتَالِ، وَتَنَاوُبُ القَادَةِ:
وَهُنَاكَ فِي مُؤْتَةَ الْتَقَى الفَرِيقَانِ، وَبَدَأَ القِتَالُ المَرِيرُ، ثَلَاثَةُ آلَافِ مُقَاتِلٍ يُوَاجِهُونَ مِائتَيْ أَلْفِ مُقَاتِلٍ.
فِعْلًا مَعْرَكَة عَجِيبَةٌ تُشَاهِدُهَا الدُّنْيَا بِالدَّهْشَةِ وَالحَيْرَةِ، وَلَكِنْ إِذَا هَبَّتْ رِيحُ الإِيمَانِ جَاءَتِ بِالعَجَائِبِ (١).
* الرَّايَةُ بِيَدِ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ -﵁-:
أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ -﵁- حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَجَعَلَ يُقَاتِلُ بِضَرَاوَةٍ بَالِغَةٍ، وَبَسَالَةٍ نَادِرَةٍ، وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ يُقَاتِلُونَ حَتَّى قُتِلَ طَعْنًا بِالرِّمَاحِ، وَخَرَّ شَهِيدًا -﵁-.
* الرَّايَةُ بِيَدِ جَعْفَرَ -﵁-:
ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، وَطَفِقَ (٢) يُقَاتِلُ قِتَالًا لَيْسَ لَهُ مَثِيلٌ، حَتَّى إِذَا أَلْحَمَهُ (٣) القِتَالُ نَزَلَ عَنْ فَرَسِهِ الشَّقْرَاءَ فَعَقَرَهَا (٤)، فَكَانَ أَوَّلَ فَرَسٍ يُعْقَرُ فِي الإِسْلَامِ (٥)، ثُمَّ أَخَذَ يُقَاتِلُ -﵁- عَلَى رِجْلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
_________________
(١) انظر الرحيق المختوم ص ٣٨٩.
(٢) طَفِقَ: جعل. انظر لسان العرب (٨/ ١٧٤).
(٣) يُقال: ألحم الرجل واستلحم: إذا نشب في الحرب فلم يجد له مخلصًا. انظر النهاية (٤/ ٢٠٦).
(٤) أصل العقر: ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف وهو قائم. انظر النهاية (٣/ ٢٤٥).
(٥) أخرج عقر جعفر -﵁- فرسه: الطحاوي في شرح مشكل الآثار (١٢/ ١٠٧) - وأبو داود =
[ ٣ / ٥٩٢ ]
يَا حَبَّذَا الجَنَّةُ وَاقْتِرَابُهَا طَيِّبَةٌ وَبَارِدٌ شَرَابُهَا
وَالرُّومُ رُومٌ قَدْ دَنَا عَذَابُهَا كَافِرَةٌ بَعِيدَةٌ أَنْسَابُهَا
عَلَيَّ إِنْ لَاقَيْتُهَا ضِرَابُهَا
فَقُطِعَتْ يَمِينُهُ -﵁-، فَأَخَذَ الرَّايَةَ بِشِمَالِهِ، فَقُطِعَتْ شِمَالُهُ -﵁-، فَاحْتَضَنَ الرَّايَةَ بِعَضُدَيْهِ حَتَّى اسْتُشْهِدَ -﵁-، فَأَثَابَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ جَنَاحَيْنِ فِي الجَنَّةِ يَطِيرُ بِهِمَا حَيْثُ شَاءَ، وَلذَلِكَ سُمِّيَ بِجَعْفَرَ الطَّيَّارِ (١).
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: . . . كُنْتُ فِيهِمْ فِي تِلْكَ الغَزْوَةِ، فَالْتَمَسْنَا جَعْفَرَ بنَ أَبِي طَالِبٍ، فَوَجَدْنَاهُ فِي القَتْلَى، وَوَجَدْنَا مَا فِي جَسَدِهِ بِضْعًا وتِسْعِينَ مِنْ طَعْنَةٍ وَرَمْيَةٍ (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄ أَخْبَرَهُ: أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى جَعْفَرَ يَوْمَئِذٍ، وَهُوَ قَتِيلٌ، فَعَدَدْتُ بِهِ خَمْسِينَ بَيْنَ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ لَيْسَ مِنْهَا شَيْءٌ فِي دبرِهِ، يَعْنِي فِي ظَهْرِهِ (٣).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ فَرْطِ شَجَاعَتِهِ وَإِقْدَامِهِ -﵁- (٤).
_________________
(١) = في سننه - كتاب الجهاد - باب في الدابة تعقر في الحرب - رقم الحديث (٢٥٧٣) - وحسن إسناده الحافظ في الفتح (٨/ ٣٠٠).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٢٥ - ٢٦) -البداية والنهاية (٤/ ٦٣٥) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة مؤتة - رقم الحديث (٤٢٦١).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة مؤتة - رقم الحديث (٤٢٦٠).
(٥) انظر فتح الباري (٨/ ٣٠١).
[ ٣ / ٥٩٣ ]
وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَئرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "رَأَيْتُ جَعْفَرًا مَلَكًا يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ فِي الجَنَّةِ" (١).
وَرَوَى الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -ﷺ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَرَّ بِي جَعْفَرٌ اللَّيْلةَ فِي مَلَأٍ مِنَ المَلَائِكَةِ، وَهُوَ مُخَضَّبُ (٢) الجَنَاحَيْنِ بِالدَّمِ" (٣).
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: أَنَّهُ كَانَ إِذَا سَلَّمَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَعْفَرَ قَالَ: "السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابْنَ ذِي الجَنَاحَيْنِ" (٤).
* الرَّايَةُ بِيَدِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ رَوَاحَةَ -﵁-:
ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ -﵁-، وَتَقَدَّمَ بِهَا، وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ، فَتَرَدَّدَ -﵁- بَعْضَ التَّرَدُّدِ مِنْ شِدَّةِ أَمْرِ المَعْرَكَةِ، ثُمَّ أَخَذَ يَقُولُ:
أَقْسَمْتُ يَا نَفْسُ لَتَنْزِلنَّهْ لَتَنْزِلنَّ أَوْ لَتُكْرَهِنَّه
إِنْ أَجْلَبَ النَّاسُ وَشَدُّوا الرِّنَّه (٥) مَالِي أَرَاكِ تَكْرَهِينَ الجَنَّه
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب المناقب - باب ذكر جعفر بن أبي طالب -﵁- رقم الحديث (٧٠٤٧).
(٢) مُخَضَّبٍ: مبلل. انظر لسان العرب (٤/ ١١٧).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر مناقب جعفر بن أبي طالب -﵁- رقم الحديث (٤٩٩٦) - وصحح إسناده الحافظ في الفتح (٧/ ٤٤١).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب مناقب جعفر بن أبي طالب -﵁- رقم الحديث (٣٧٠٩).
(٥) أجْلَبَ الناسُ: تجمَّعوا وتألَّبوا. انظر النهاية (١/ ٢٧٣). الرنة: الصيحة الشديدة. انظر لسان العرب (٥/ ٣٣٤).
[ ٣ / ٥٩٤ ]
وَقَالَ أَيضًا -﵁-:
يَا نَفْسُ إِلَّا تُقْتَلِي تَمُوتِي هَذَا حِمَامُ (١) المَوْتِ قَدْ صَلِيتِ
وَمَا تَمَنَّيْتِ فَقَدْ أُعْطِيتِ إِنْ تَفْعَلِي فَعَلَاهُمَا (٢) هُدِيتِ
ثُمَّ نَزَلَ، فَأَتَاهُ ابنُ عَمٍّ لَهُ بِعَرْقٍ (٣) مِنْ لَحْمٍ، فَقَالَ: شُدَّ بِهَذَا صُلْبَكَ، فَإِنَّكَ قَدْ لَقِيتَ فِي أَيَّامِكَ هَذِهِ مَا لَقِيتَ، فَأَخَذَهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ انْتَهَشَ (٤) مِنْهُ نَهْشَةً، ثُمَّ سَمِعَ الحَطْمَةَ (٥) فِي نَاحِيَةِ النَّاسَ، فَأَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ، ثُمَّ أَخَذَ سَيْفَهُ فَتَقَدَّمَ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ -﵁- (٦).
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا يَسُرُّهُمْ أَنَّهُمْ عِنْدَنَا، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ" (٧).
* الرَّايَةُ إِلَى سَيفِ اللَّه المَسْلُولِ:
فَلَمَّا سَقَطَتِ الرَّايَةُ بِاسْتِشْهَادِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ رَوَاحَةَ -وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لمْ يُكَلِّفْ أَحَدًا بِحَمْلِهَا بَعْدَهُ- تَقَدَّمَ ثَابِتُ بنُ أَقْرَمٍ -﵁-، وَحَمَلَ الرَّايَةَ، وَقَالَ:
_________________
(١) الحِمام: بكسر الحاء: أي قضاء الموت وقَدَرُه. انظر لسان العرب (٣/ ٣٣٩).
(٢) أي فعل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب ﵄.
(٣) العَرْق: بفتح العين وسكون الراء: العظم إذا أخذ عنه معظم اللحم. انظر لسان العرب (٩/ ١٦٢).
(٤) النَّهش: هو أخذ اللحم بمقدم الأسنان. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٠٦).
(٥) حَطْمَةُ الناس: أي ازدحامهم. انظر لسان العرب (٣/ ٢٢٧).
(٦) أخرجه مختصرًا ابن ماجه في سننه - رقم الحديث (٢٧٩٣) - وإسناده حسن - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٢٧).
(٧) ذَرَفَتْ العين: إذا جَرى دمعها. انظر النهاية (٢/ ١٤٧) - والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب تمني الشهادة - رقم الحديث (٢٧٩٨).
[ ٣ / ٥٩٥ ]
يَا مَعْشَرَ المُسْلِمِينَ اصْطَلِحُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ، فَقَالُوا: أَنْتَ، قَالَ: مَا أَنَا بِفَاعِلٍ، فَاصْطَلَحَ النَّاسُ عَلَى خَالِدِ بنِ الوَليدِ -﵁-.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ المُسْلِمِينَ لَمَّا قُتِلَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ -﵁- تَفَرَّقُوا وَانْهَزَمُوا حَتَّى لَمْ يُرَ اثْنَانِ جَمِيعًا، فتَقَدَّمَ ثَابِتُ بنُ أَقْرَمٍ -﵁-، فَأَخَذَ الرَّايَةَ، ثُمَّ سَعَى بِهَا وَأَعْطَاهَا خَالِدَ بنَ الوَليدِ -﵁-، فَقَالَ له خَالِدٌ: لَا آخُذُهَا مِنْكَ، أَنْتَ أَحَقُّ بِهَا، لَكَ سِنٌّ، وَقَدْ شَهِدْتَ بَدْرًا، فَقَالَ ثَابِتٌ: وَاللَّهِ يَا خَالِدُ مَا أَخَذْتُهَا إِلَّا لَكَ، أَنْتَ أَعْلَمُ بِالقِتَالِ مِنِّي، فَأَخَذَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ -﵁- الرَّايَةَ (١).
فَلَمَّا أَخَذَ خَالِدٌ -﵁- الرَّايَةَ وَاجْتَمَعَ المُسْلِمُونَ إِلَيْهِ قَاتَلَ الكُفَّارَ قِتَالًا شَدِيدًا، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ خَالِدِ بنِ الوَليدِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لقدِ انْقَطَعَتْ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ فَمَا بَقِيَ فِي يَدِيَ إِلَّا صَحِيفَةٌ يَمانِيَةٌ (٢).
وَفي لفظٍ: لَقَدْ دُقَّ فِي يَدِي يَوْمَ مُؤْتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، وَصَبَرَتْ فِي يَدِي صَحِيفَةٌ لِي يَمَانِيَةٌ (٣).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَهَذَا الحَدِيثُ عَنْ خَالِدٍ -﵁- يَقْتَضِي أَنَّ المُسْلِمِينَ
_________________
(١) انظر الطثقَات الكُبْرى لابن سعد (٤/ ٤٤٦) - سيرة ابن هشام (٤/ ٢٧) - شرح المواهب (٣/ ٣٤٧).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة مؤتة - رقم الحديث (٤٢٦٥).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة مؤتة - رقم الحديث (٤٢٦٦).
[ ٣ / ٥٩٦ ]
قَتَلُوا مِنَ المُشْرِكِينَ كَثِيرًا (١).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمْ أَثْخَنُوا (٢) فِيهِمْ قَتْلًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمَا قَدِرُوا عَلَى التَّخَلُّصِ مِنْهُمْ، وَهَذَا وَحْدَهُ دَلِيلٌ مُسْتَقِلٌّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣).
* عَبْقَرِيَّةُ خَالِدٍ -﵁- فِي القِتَالِ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ يُخْبِرُ أَصْحَابَهُ بِالمَدِينَةِ -جَاءَهُ الوَحْيُ بِذَلِكَ-: ". . . حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ" (٤).
قَالَ أَبُو قتَادَةَ -﵁-: فَمِنْ يَوْمِئِذٍ سُمِّيَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ سَيْفُ اللَّهِ (٥).
وَقَدِ اسْتَطَاعَ خَالِدُ بنُ الوَليدِ -﵁- أَنْ يَثْبُتَ أَمَامَ هَذَا الطُّوفَانِ مِنَ العَدُوِّ طُولَ النَّهَارِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ جَعَلَ مُقَدِّمَةَ الجَيْشِ سَاقَةً، وَسَاقَتَهُ مُقَدِّمَةً، وَمَيْمَنَتَهُ مَيْسَرَةً، وَمَيْسَرَتَهُ مَيْمَنَةً، فَلَمَّا لَقُوا العَدُوَّ فِي اليَوْمِ التَّالِي أَنْكَرَ عَدُوُّهُمْ حَالَهُمْ
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٣٠٦).
(٢) الإثْخَانُ في الشيء: المبالغةُ فيه والإكثارُ منه، والمراد به هاهنا: المبالغة في قتل الكفار. انظر النهاية (١/ ٢٠٣).
(٣) انظر البداية والنهاية (٤/ ٦٤١).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة مؤتة - رقم الحديث (٤٢٦٢) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٥٠) - (٢٢٥٥١).
(٥) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٥٥١) - وابن حبان في صحيحه - كتاب المناقب - باب ذكر عبد اللَّه بن رواحة -﵁- رقم الحديث (٧٠٤٨) - وإسناده صحيح.
[ ٣ / ٥٩٧ ]
وَقَالُوا: جَاءَهُمْ مَدَدٌ، فَلَمَّا حَمَلَ خَالِدٌ -﵁- عَلَيْهِمْ هَزَمَهُمُ اللَّهُ أَسْوَأَ هَزِيمَةٍ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ أَعْدَادًا كَبِيرَةً، ثُمَّ انْحَازَ خَالِدٌ -﵁- وَانْسَحَبَ بِجَيْشِهِ شَيْئًا فَشَيْئًا، حَتَّى انْصَرَفَ إِلَى المَدِينَةِ، وَلَمْ يُصَبْ فِي جَيْشِهِ أَحَدٌ خِلَالَ هَذَا الِانْسِحَابِ (١).
وَلَيْسَ فِي الدُّنْيَا قَائِدٌ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُنْقِذَ هَذِهِ القَبْضَةَ مِنَ الرِّجَالِ -بَقِيَّةَ الثَّلَاثَةِ آلَافٍ- مِنْ وَسَطِ هَذَا اللَّجِّ (٢)، إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأُعْجُوبَةٍ، وَقَدْ أَتَى بِهَا خَالِدٌ، وَاسْتَطَاعَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ لُجَّةِ (٣) البَحْرِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَبْتَلَّ، وَأَنْ يَنْسَحِبَ مِنْ وَسَطِ اللَّهَبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَرِقَ، وَأَنْ يُسَجِّلَ لِلذَّكَاءَ العَرَبِيِّ الذِي هَذَّبَهُ الإِسْلَامُ، هَذِهِ المَنْقَبَةَ فِي تَارِيخِ الحُرُوبِ (٤).
* قِصَّةُ المَدَدِيِّ (٥):
وَمِمَّا يُؤَكِّدُ مُبَاشَرَةَ المُسْلِمِينَ القِتَالَ قَبْلَ الِانْسِحَابِ، مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ -وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ- عَنْ عَوْفِ بنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ -﵁- قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ مَنْ خَرَجَ مَعَ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ -﵁- مِنَ الْمُسْلِمِينَ،
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢٧١٤) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٤/ ٤٤٦) - البداية والنهاية (٤/ ٦٣٩).
(٢) اللَّجُّ: الابتلاء. انظر لسان العرب (١٢/ ٢٣٩).
(٣) لُجَّة البحر: معظمه. انظر النهاية (٤/ ٢٠١).
(٤) انظر كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٤٧.
(٥) المَدَد: هم الأعوان والأنصار الذين كانوا يمدون المسلمين في الجهاد. انظر النهاية (٤/ ٢٦٣).
[ ٣ / ٥٩٨ ]
فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ، وَرَافَقَنِي مَدَدِيٌّ مِنْ اليَمَنِ لَيْسَ مَعَهُ غَيْرُ سَيْفِهِ، فنَحَرَ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ جَزُورًا (١)، فَسَأَلَهُ المَدَدِيُّ طَائِفَةً مِنْ جِلْدِهِ، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، فَاتَّخَذَهُ كَهَيْئَةِ الدَّرَقِ (٢)، وَمَضَيْنَا فَلَقِينَا جُمُوعَ الرُّومِ، وَفِيهِمْ رَجُلٌ عَلَى فَرَسٍ لَهُ أَشْقَرُ، عَلَيْهِ سَرْجٌ مُذَهَّبٌ، وَسِلَاحٌ مُذَهَّبٌ، فَجَعَلَ الرُّومِيُّ يَفْرِي (٣) بِالمُسْلِمِينَ، فَقَعَدَ لَهُ المَدَدِيُّ خَلْفَ صَخْرَةٍ، فَمَرَّ بِهِ الرُّومِيُّ، فَعَرْقَبَ فَرَسَهُ، فَخَرَّ، وَعَلَاهُ فَقتَلَهُ، وَحَازَ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ، فَلَمَّا فتَحَ اللَّهُ ﷿ لِلْمُسْلِمِينَ بَعَثَ إِلَيْهِ خَالِدُ بنُ الوَليدِ، فَأَخَذَ مِنْهُ السَّلَبَ، قَالَ عَوْفٌ: فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: يَا خَالِدُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَضَى بِالسَّلَبِ لِلْقَاتِلِ؟
قَالَ: بَلَى، وَلَكِنِّي اسْتَكْثَرْتُهُ.
قُلْتُ: لَتَرُدَّنَّهُ إِلَيْهِ، أَوْ لَأُعَرِّفَنَّكَهَا (٤) عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَبَى أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ.
قَالَ عَوْفٌ: فَاجْتَمَعْنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّةَ المَدَدِيِّ، وَمَا فَعَلَ خَالِدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا خَالِدُ، مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ ".
_________________
(١) الجَزُور: البعير ذكرًا كان أو أنثى. انظر النهاية (١/ ٢٥٨).
(٢) الدَّرَقة: هي الترس تتخذ من جلود ليس فيها خشب ولا عقب. انظر لسان العرب (٤/ ٣٣٣).
(٣) يَفري: أي يبالغ في النكاية والقتل. انظر النهاية (٣/ ٣٩٦).
(٤) لأعرفنَّكها: أي لأجازِيَنَّك بها حتى تعرف سوء صَنِيعك، وهي كلمةٌ تقال عند التهديد والوعيد. انظر النهاية (٣/ ١٩٧).
[ ٣ / ٥٩٩ ]
قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لقدِ اسْتَكْثَرْتُهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا خَالِدُ، رُدَّ عَلَيْهِ مَا أَخَذْتَ مِنْهُ".
قَالَ عَوْفٌ: فَقُلْتُ لِخَالِدٍ: دُونَكَ يَا خَالِدُ، أَلَمْ أَفِ لَكَ؟ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَمَا ذَاكَ"، فَأَخْبَرتُهُ.
قَالَ: فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "يَا خَالِدُ، لَا تَرُدَّ عَلَيْهِ، هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي أُمُرَائِي؟ لَكُمْ صِفْوَهُ أَمْرِهِمْ، وَعَلَيْهِمْ كدَرُهُ" (١).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَمَعْنَى الحَدِيثِ أَنَّ الرَّعِيَّةَ يَأْخُذُونَ صَفْوَ الأُمُورِ فتَصِلُهُمْ أُعْطِيَاتُهُمْ بِغَيْرِ نَكَدٍ، وَتُبْتَلَى الوُلَاةُ بِمُقَاسَاةِ الأُمُورِ، وَجَمْعِ الأَمْوَالِ، عَلَى وُجُوهِهَا وَصَرْفِهَا فِي وُجُوهِهَا، وَحِفْظِ الرَّعِيَّةِ وَالشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَالذَّبِّ عَنْهُمْ، وَإِنْصَافِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، ثُمَّ مَتَى وَقَعَ عَلَقَة أَوْ عَتْبٌ فِي بَعْضِ ذَلِكَ تَوَجَّهَ عَلَى الأُمُرَاءِ دُونَ النَّاسِ (٢).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذَا الحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ غَنِمُوا مِنْهُمْ وَسَلَبُوا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَقَتَلُوا مِنْ أُمَرَائِهِمْ (٣).
* مَا المُرَادُ بِقَوْلِهِ -ﷺ-: "حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ":
قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ النَّقْلِ فِي المُرَادِ بِقَوْلهِ -ﷺ-: "حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ"، هَلْ
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب استحقاق القاتل سلب القتيل - رقم الحديث (١٧٥٣) - وأخرجه والإمام اْحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٩٩٧).
(٢) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٢/ ٥٧).
(٣) انظر البداية والنهاية (٤/ ٦٤١).
[ ٣ / ٦٠٠ ]
كَانَ هُنَاكَ قِتَالٌ فِيهِ هَزِيمَةٌ لِلْمُشْرِكِينَ، أَوِ المُرَادُ بِالفَتْحِ انْحِيَازُ خَالِدٍ -﵁- بِالمُسْلِمِينَ حَتَّى رَجَعُوا إِلَى المَدِينَةِ سَالِمِينَ؟
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنَّ خَالِدًا لَمَّا حَازَ المُسْلِمِينَ وَبَاتَ، ثُمَّ أَصْبَحَ وَقَدْ غَيَّرَ هَيْئَةَ العَسْكَرِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَتَوَهَّمَ العَدُوُّ أَنَّهُمْ قَدْ جَاءَ لَهُمْ مَدَدٌ، حَمَلَ عَلَيْهِمْ خَالِدٌ حِينَئِذٍ، فَوَلَّوْا، فَلَمْ يَتْبَعْهُمْ، وَرَأَى الرُّجُوعَ بِالمُسْلِمِينَ هِيَ الغَنِيمَةُ الكُبْرَى (١).
* نَعْيُ الرَّسُولِ -ﷺ- الأُمَرَاءَ الثَّلَاثَةَ:
وَقَدْ أَطْلَعَ اللَّهُ ﷾ رَسُولَهُ -ﷺ- عَلَى مَا حَدَثَ فِي مُؤْتَةَ، وَهُوَ فِي المَدِينَةِ -ﷺ-، فنَعَى لِأَهْلِ المَدِينَةِ أُمَرَاءَ الجَيْشِ الثَّلَاثَةَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيهِمْ خَبَرُهُمْ.
فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: . . . ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- صَعِدَ المِنْبَرَ، وَأَمَرَ أَنْ يُنَادَى: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَلَمَّا اجْتَمَعَ النَّاسُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنْ جَيْشِكُمْ هَذَا الغَازِي، إِنَّهُمُ انْطَلَقُوا حَتَّى لقَوُا العَدُوَّ، فَأُصِيبَ زيدٌ شَهِيدًا، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ"، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ النَّاسُ، "ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ (٢) جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ، فَشَدَّ (٣) عَلَى القَوْمِ
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٤/ ٦٣٩) - ونقله عنه الحافظ في الفتح (٨/ ٣٠٣).
(٢) في رواية الطحاوي في شرح مشكل الآثار قال: الراية.
(٣) الشَّدُّ: العَدْوُ. انظر النهاية (٢/ ٤٠٥).
[ ٣ / ٦٠١ ]
حَتَّى قُتِلَ شَهِيدًا، أَشْهَدُ لَهُ بِالشَّهَادَةِ، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ (١) عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ، فَأَثْبَتَ قَدَمَيْهِ حَتَّى أُصِيبَ شَهِيدًا، فَاسْتَغْفِرُوا لَهُ، ثُمَّ أَخَذَ اللِّوَاءَ (٢) خَالِدُ بنُ الوَليدِ، وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الأُمَرَاءِ، هُوَ أَمَّرَ نَفْسَهُ"، ثُمَّ مَدَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدَيْهِ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ هُوَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِكَ فَانْصُرْهُ" (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ مِنْ بَعْدِهِ -أَيْ مِنْ بَعْدِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ رَوَاحَةَ -﵁- سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ ﷿ خَالِدُ بنُ الوَلِيدِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ" (٤).
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَقَدْ رُفِعُوا إِلَيَّ فِي الجَنَّةِ -أي الثلاثة الأمراء-، فِيمَا يَرَى النَّائِمُ، عَلَى سُرُرٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَرَأَيْتُ فِي سَرِيرِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ رَوَاحَةَ ازْوِرَارًا (٥) عَنْ سَرِيرِ صَاحِبَيْهِ"، فَقِيلَ: عَمَّ هَذَا؟ فَقَالَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "مَضَيَا وَتَرَدَّدَ عَبْدُ اللَّهِ بَعْضَ التَّرَدُّدِ، ثُمَّ مَضَى" (٦).
_________________
(١) في رواية الطحاوي في شرح مشكل الآثار قال: الراية.
(٢) في رواية الطحاوي في شرح مشكل الآثار قال: الراية.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٥٥١) - وابن حبان في صحيحه - كتاب المناقب - باب ذكر عبد اللَّه بن رواحة -﵁- رقم الحديث (٧٠٤٨) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥١٦٩) (٥١٧٠) (٥١٧١).
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥١٦٩) - وإسناده صحيح.
(٥) الزَّوَرُ: المَيْل. انظر النهاية (٢/ ٢٨٧).
(٦) أخرج هذا الحديث ابن أبي شيبة في مصنفه - رقم الحديث (١٩٧١١) - وإسناده رجاله ثقات إلا أنه مرسل - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٢٨).
[ ٣ / ٦٠٢ ]
قَالَ: "دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ مُعْتَرِضًا" (١)، فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا اعْتِرَاضُهُ؟
قَالَ: "لَمَّا أَصَابَتْهُ الجِرَاحَةُ نَكَلَ (٢)، فَعَاتَبَ نَفْسَهُ، فتَشَجَّعَ فَاسْتُشْهِدَ" (٣).
* مَنِ المُنْتَصِرُ فِي هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ؟
جَاءَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ أَنَّ الِانْتِصَارَ كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ، فَقَدْ أَخْرَجَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ". . . حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ" (٤).
وَوَقَعَ عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ أَنَّ الرُّومَ هُمُ الذِينَ انْتَصَرُوا، فَأَخْرَجَ فِي طَبَقَاتِهِ عَنْ أَبِي عَامِرٍ قَالَ: . . . ثُمَّ انْهَزَمَ المُسْلِمُونَ أَسْوَأَ هَزِيمَةٍ رَأَيْتُهَا قَطُّ حَتَّى لَمْ أَرَ اثْنَيْنِ جَمِيعًا (٥).
وَالصَّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ ابنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ: أَنَّ كُلَّ فِئَةٍ انْحَازَتْ عَنِ الأُخْرَى (٦).
_________________
(١) مُعْتَرِضًا: أي مائلًا. انظر النهاية (٣/ ١٩٠).
(٢) نَكَلَ: امتَنَعَ، وترك الإقدام. انظر النهاية (٥/ ١٠٢).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٣/ ٢٧٤) - دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٣٦٩).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة مؤتة - رقم الحديث (٤٢٦٢).
(٥) أخرجه ابن سعد في طبقاته (٢/ ٣١٥).
(٦) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٢٧).
[ ٣ / ٦٠٣ ]
وَهُوَ الذِي رَجَّحَهُ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (١).
وَمَهْمَا تَكُنْ الخَاتِمَةُ التِي لَقِيَتْهَا سَرِيَّةُ مُؤْتَةَ، فَإِنَّ نَتَائِجَهَا وَآثَارَهَا كَانَتْ بَعِيدَةَ المَدَى.
قَالَ الشَّيْخُ صَفِيُّ الرَّحْمَنِ المُبَارَكْفُورِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَاتُ كَثِيرًا فِيمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُ هَذِهِ المَعْرَكَةِ أَخِيرًا، وَيَظْهَرُ بَعْدَ النَّظَرِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ -﵁- نَجَحَ فِي الصُّمُودِ أَمَامَ جَيْشِ الرُّومَانِ طُولَ النَّهارِ، فِي أَوَّلِ يَوْمٍ مِنَ القِتَالِ، وَكَانَ يَشْعُرُ بِمَسِيسِ الحَاجَةِ إِلَى مَكِيدَةٍ حَرْبِيَّةٍ، تُلْقِي الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ الرُّومَانِ، حَتَّى يَنْجَحَ فِي الانْحِيَازِ بِالمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقُومَ الرُّومَانُ بِحَرَكَاتِ المُطَارَدَةِ، فَقَدْ كَانَ يَعْرِفُ جَيِّدًا أَنَّ الإِفْلَاتَ مِنَ بَرَاثِنِهِمْ (٢) صَعْبٌ جدًّا لَوْ انْكَشَفَ المُسْلِمُونَ، وَقَامَ الرُّومَانُ بالمُطَارَدَةِ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ اليَوْمُ الثَّانِي غَيَّرَ أَوْضَاعَ الجَيْشِ، فَلَمَّا رَآهُمْ الأَعْدَاءُ أَنْكَرُوا حَالَهُمْ، وَقَالُوا: جَاءَهُمْ مَدَدٌ، فَرُعِبُوا، وَصَارَ خَالِدٌ -﵁- بَعْدَ أَنْ تَرَاءَى الجَيْشَانِ، وَتَنَاوَشَا سَاعَةً- يَتَأَخَّرُ بِالمُسْلِمِينَ قَلِيلًا قَلِيلًا، مَعَ حِفْظِ نِظَامِ جَيْشِهِ، وَلَمْ يَتَبَعْهُمُ الرُّومَانُ ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ المُسْلِمِينَ يَخْدَعُونَهُمْ، وَيُحَاوِلُونَ القِيَامَ بِمَكِيدَةٍ تَرْمِي بِهِمْ فِي الصَّحْرَاءِ.
_________________
(١) انظر زاد المعاد (٣/ ٣٣٨).
(٢) البَرْثَنُ: مِخْلبُ الأسد. انظر لسان العرب (١/ ٣٥٨).
[ ٣ / ٦٠٤ ]
وَهَكَذَا انْحَازَ العَدُوُّ إِلَى بِلَادِهِ، وَلَمْ يُفَكِّرْ فِي القِيَامِ بِمُطَارَدَةِ المُسْلِمِينَ، وَنَجَحَ المُسْلِمُونَ فِي الِانْحِيَازِ سَالِمِينَ، حَتَّى عَادُوا إِلَى المَدِينَةِ (١).
* مُوَاسَاةُ الرَّسُولِ -ﷺ- لِآلِ جَعْفَرَ -﵁-:
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَعْفَرَ ﵄: أَمْهَلَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- جَعْفَرَ ثَلَاثًا أَنْ يَأْتِيَهُمْ، ثُمَّ أَتَاهُمْ، فَقَالَ: "لَا تَبْكُوا عَلَى أَخِي بَعْدَ اليَوْمِ، ادْعُوا إِلَيَّ ابْنَيْ أَخِي"، قَالَ: فَجِيءَ بِنَا كَأنَّا أَفْرُخٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ادْعُوا لِيَ الحَلَّاقَ" فَجِيءَ بِالْحَلَّاقِ، فَحَلَقَ رُؤُوسَنَا، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "أَمَّا مُحَمَّدٌ، فَشَبِيهُ عَمِّنَا أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ، فَشَبِيهُ خَلْقِي وَخُلُقِي".
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اخْلُفْ جَعْفَرًا فِي أَهْلِهِ، وَبَارِكْ لِعَبْدِ اللَّهِ فِي صَفْقَةِ يَمِينِهِ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ جَعْفَرَ ﵄: فَجَاءَتْ أُمُّنَا (٢)، فَذَكَرَتْ لَهُ يُتْمَنَا، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "العَيْلةَ (٣) تَخَافِينَ عَلَيْهِمْ، وَأَنَا وَلِيُّهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ" (٤).
_________________
(١) انظر الرحيق المختوم ص ٣٩١.
(٢) هي أسماء بنت عُميس الخثعمية ﵂.
(٣) العَيْلة: بفتح العين: الفقر. انظر النهاية (٣/ ٢٩٨). ومنه قوله تعالى في سورة التوبة آية (٢٨): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ. .﴾.
(٤) أخرج ذلك كله: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٥٠) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥١٦٩) - وإسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٣ / ٦٠٥ ]
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ قَتْلُ ابنِ حَارِثَةَ، وَجَعْفَرَ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدِ اللَّهِ بنَ رَوَاحَةَ ﵃، جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَأَنَا أَطَّلِعُ مِنْ صَائِرِ البَابِ -تَعْنِي مِنْ شِقِّ البَابِ- فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ نِسَاءَ (١) جَعْفَرَ وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ الرَّجُلُ، ثُمَّ أَتَى، فَقَالَ: قَدْ نَهَيْتُهُنَّ، وَذَكَرَ أَنَّهُ لَمْ يُطِعْنَهُ، فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَيْضًا، فَذَهَبَ، ثُمَّ أَتَى، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَقَدْ غَلَبْنَنَا، فزَعَمْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ"، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَكَ، فَوَاللَّهِ مَا أَنْتَ تَفْعَلُ، وَمَا تَرَكْتَ رَسُولَ اللَّهِ مِنَ العَنَاءَ (٢).
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَهْلِهِ: "اصْنَعُوا لِآلِ جَعْفَرَ طَعَامًا، فَقَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ يَشْغَلُهُمْ، أَوْ أَتَاهُمْ مَا يَشْغَلُهُمْ" (٣).
* حَدِيثٌ ضَعِيفٌ:
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ رَضِيَ اللَّهُ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٠٤): يحتمل أن يُريد زوجاته، ويحتمل أن يريد من ينسب إليه من النساء في الجملة، وهذا الثاني هو المعتمد؛ لأنَّا لا نعرف لِجعفر زوجة غير أسماء بنت عُميس.
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٣٠٤): العَنَاء: بفتح العين: هو التعب. والحديثُ أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة مؤتة - رقم الحديث (٤٢٦٣) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجنائز - باب التشديد في النياحة - رقم الحديث (٩٣٥).
(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٥١) - وابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في الطعام يبعث إلى أهل الميت - رقم الحديث (١٦١٠) وإسناده حسن.
[ ٣ / ٦٠٦ ]
عَنْهَا قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- اليَوْمَ الثَّالِثَ مِنْ قَتْلِ جَعْفَرَ، فَقَالَ: "لَا تُحِدِّي (١) بَعْدَ يَوْمِكِ هَذَا" (٢).
فَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ؛ وَلِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَينِ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ، أَنْ تُحِدُّ عَلَى مَيْتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا" (٣).
* تَلَقِّي أَهْلِ المَدِينَةِ جَيْشَ مُؤْتَةَ:
قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا دَنَا الجَيْشُ مِنَ المَدِينَةِ تَلَقَّاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالمُسْلِمُونَ، وَلَقِيَهُمُ الصِّبْيَانُ يَشْتَدُّونَ (٤)، . . . فَجَعَلَ النَّاسُ يَحْثُونَ عَلَى الجَيْشِ التُّرَابَ، وَيَقُولُونَ: يَا فُرَّارُ، فَرَرْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ!، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
_________________
(١) قَالَ ابن بطال فيما نقله عنه الحَافِظُ في الفَتْحِ (٣/ ٤٩٠): الإحْدَادُ: هو امتناع المرأة المُتَوَفَّى عنها زوجها من الزينة كلها من لباس وطِيبٍ وغيرهما، وكل ما كان من دواعي الجماع.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٠٨٣).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب إحداد المرأة على غير زوجها - رقم الحديث (١٢٨٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الطلاق - باب وجود الإحداد في عدة الوفاة - رقم الحديث (١٤٩١).
(٤) قال الشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتابه "فقه السيرة"، ص ٣٦٩: إن أولئك الصغار الأغرار يرون انسحاب خالد -﵁- ومن معه فِرارًا يُقابَل بِحَثْوِ التراب، أيّ جيل قوي نابه هذا الجيل الذي صنعه الإيمان بالحق؟ أي نجاح بغلته رسالة الإسلام في صِيَاغة أولئك الأطفال العظام؟ من آباؤهم؟ ومن أمهاتهم؟ كيف كان الآباء يُرَبون؟ وكيف كانت الأمهات يُدللن؟ إن مسلمةَ اليوم بحاجةٍ ماسة إلى أن تعرف هذه الدروس.
[ ٣ / ٦٠٧ ]
-ﷺ-: "لَيْسُوا بِالفُرَّارِ، وَلَكِنَّهُمُ الكُرَّارُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ" (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعِنْدِي أَنَّ ابنَ إِسْحَاقَ قَدْ وَهِمَ في هَذَا السِّيَاقِ، فَظَنَّ أَنَّ هَذَا الجُمْهُورَ الجَيْشُ، وَإِنَّمَا كَانَ للذِينَ فَرُّوا حِينَ الْتَقَى الجَمْعَانِ، وَأَمَّا بَقِيَّتُهُمْ فَلَمْ يَفِرُّوا، بَلْ نُصِرُوا، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلْمُسْلِمِينَ، وَهُوَ عَلَى المِنْبَرِ فِي قَوْلِهِ: "ثُمَّ أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْفٌ مِنْ سُيُوفِ اللَّهِ، فَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ"، فَمَا كَانَ المُسْلِمُونَ لِيُسَمُّونَهُمْ فُرَّارًا بَعْدَ ذَلِكَ، وإِنَّمَا تَلَقَّوْهُمْ إِكْرَامًا وَإِعْظَامًا، وَإِنَّمَا كَانَ التَّأْنِيبُ وَحَثْيُ التُّرَابِ لِلذِينَ فَرُّوا وَتَركُوهُمْ هُنَالِكَ (٢).
وَفِي قَوْلِ النَّاسِ لِجَيْشِ المُسْلِمِينَ: يَا فُرَّارُ، مَا يَدُلُّ عَلَى مَبْلَغِ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ الخُلُقُ الإِسْلَامِيُّ آنَئِذٍ مِنْ حُبِّ البُطُولَةِ وَإِيثَارِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى الفِرَارِ، وَالِاسْتِحْيَاءِ مِنَ المَثَالِبِ (٣) وَالمَسَاوِي، وَتَقْدِيرٍ لِلْقِيَمِ، وَالمَعَانِي الأَدَبِيَّةِ (٤).
* قَتْلَى الفَرِيقَيْنِ:
وَاسْتُشْهِدَ مِنَ المُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ المَعْرَكَةِ العَظِيمَةِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، أَمَّا الرُّومَانُ، فَلَمْ يُعْرَفْ عَدَدُ قتلَاهُمْ غَيْرَ أَنَّ وَصْفَ المَعْرَكَةِ يَدُلُّ عَلَى كَثْرَتِهِمْ (٥).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٣٠) وإسناده مرسل حسن كما قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٦٤٠) - وأخرجه بنحوه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٥٣٨٤) وإسناده ضعيف.
(٢) انظر البداية والنهاية (٤/ ٦٤٠).
(٣) المَثْلَبُ: شدة اللوم والأخذ باللسان. انظر لسان العرب (٢/ ١١٦).
(٤) انظر كتاب السِّيرة النَّبوِيَّة للدكتور محمد أبو شهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى (٢/ ٤٣٠).
(٥) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٣٦).
[ ٣ / ٦٠٨ ]
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذَا عَظِيمٌ جِدًّا أَنْ يَتَقَاتَلَ جَيْشَانِ مُتَعَادِيَانِ فِي الدِّينِ، أَحَدُهُمَا وَهُوَ الفِئَةُ التِي تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ آلَافٍ، وَأُخْرَى كَافِرَةٌ وَعِدَّتُهَا مِائتَا أَلْفِ مُقَاتِلٍ، مِنَ الرُّومِ مِائَةُ أَلْفٍ، وَمِنْ نَصَارَى العَرَبِ مِائَةُ أَلْفٍ، يَتَبَارَزُونَ وَيَتَصَاوَلُونَ، ثُمَّ مَعَ هَذَا كُلِّهِ لَا يُقْتَلُ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَّا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، وَقَدْ قُتِلَ مِنَ المُشْرِكِينَ خَلْقٌ كَثِيرٌ، فَهَذَا خَالدٌ وَحْدَهُ يَقُولُ: "لَقَدِ انْدَقَّتْ فِي يَدِي يَوْمَئِذٍ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، وَمَا صَبَرَتْ فِي يَدِي إِلَّا صَحِيفَةٌ يَمَانِيَةٌ"، فَمَاذَا تَرَى قَدْ قَتَلَ بِهَذِهِ الأَسْيَافِ كُلِّهَا؟
دَعْ غَيْرَهُ مِنَ الأَبْطَالِ وَالشُّجْعَانِ مِنْ حَمَلَةِ القُرْآنِ، وَقَدْ تَحَكَّمُوا فِي عَبَدَةِ الصُّلْبَانِ عَلَيْهِمْ لَعَائِنُ الرَّحْمَنِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ وَفِي كُلِّ أَوَانٍ، وَهَذَا مِمَّا يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (١).
* بَعْضُ الفَوَائِدِ التِي اشْتَمَلَتْ عَلَيْهَا غَزْوَةُ مُؤْتَةَ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - جَوَازُ تَعْلِيقِ الإِمَارَةِ بِشَرْطٍ، وَتَوْليَةُ عِدَّةِ أُمَرَاءَ بِالتَّرْتِيبِ.
_________________
(١) = وقد ذكر ابن إسحاق في السيرة أسماء من استشهد في مؤتة (٤/ ٣٦).
(٢) سورة آل عمران آية (١٣). وانظر كلام الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ٦٥١).
[ ٣ / ٦٠٩ ]
٢ - وَفِيهِ جَوَازُ التَّأَمُّرِ فِي الحَرْبِ بِغَيْرِ تَأْمِيرٍ.
٣ - وَفِيهِ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ-.
٤ - وَفِيهِ عَلَمٌ ظَاهِرٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ.
٥ - وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِخَالِدِ بنِ الوَليدِ -﵁-، وَلِمَنْ ذُكِرَ مِنَ الصَّحَابَةِ (١).
* * *
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٣٠٢).
[ ٣ / ٦١٠ ]
سَرِيَّةُ ذاتِ السَّلاسِلِ (١)
وَكَانَ سَبَبُ هَذِهِ السَّرِيَّةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَلَغَهُ أَنَّ جَمْعًا مِنْ قُضَاعَةَ، وَهُمْ بلِي (٢)، وعُذْرَةَ (٣)، وبَنو القيْنِ، قَدْ تَجَمَّعُوا يُرِيدُونَ الإِغارَةَ عَلى أَطْرَافِ المَدِينَةِ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَمْرَو بنَ العَاصِ -﵁-، فَبَعَثَهُ إِلَيْهِمْ، وَذَلِكَ فِي جُمَادَى الآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ (٤).
قَالَ عَمْرُو بنُ العَاصِ -﵁-: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا عَمْرُو، اشْدُدْ عَلَيْكَ سِلَاحَكَ وَثِيَابَكَ، ثُمَّ ائْتِنِي".
قَالَ عَمْرٌو: فَفَعَلْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ، فَصَعَّدَ فِيَّ النَّظَرَ، ثُمَّ طَأْطَأَهُ (٥) فَقَالَ: "يَا عَمْرُو، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَى جَيْشٍ، فَيُسَلِّمَكَ اللَّهُ وَيُغْنِمُكَ، وَأَزْعَبُ (٦) لَكَ مِنَ المَالِ زَعْبَةً صَالِحَةً".
فَقَالَ عَمْرٌو -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي لَمْ أُسْلِمْ رَغْبَةً فِي المَالِ، إِنَّمَا
_________________
(١) السلاسِلُ: هو ماءٌ بأرض جذام، وبه سميت الغزوة. انظر النهاية (٢/ ٣٥٠).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٤٠٣): بَليّ: بفتح الباء وكسر اللام الخفيفة.
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٤٠٣): عُذْرة: بضم العين وسكون الذال.
(٤) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٣١٥) - سيرة ابن هشام (٤/ ٢٨٠).
(٥) طأطأ رأسه: خفض رأسه. انظر لسان العرب (٨/ ١١٣).
(٦) أزْعَبُ: أي أعطيكَ دُفعة من المال، وأصل الزعب: الدفع والقَسْم. انظر النهاية (٢/ ٢٧٤).
[ ٣ / ٦١١ ]
أَسْلَمْتُ رَغْبَةَّ فَي الجِهَادِ، وَالكَيْنُونَةِ مَعَكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا عَمْرُو، نِعِمَّا (١) بِالمَالِ الصَّالِحِ لِلرَّجُلِ الصَّالِحِ" (٢).
ثُمَّ عَقَدَ له رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِوَاءً أَبْيَضَ، وَبَعَثَهُ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ، وَمَعَهُمْ ثَلَاثُونَ فَرَسًا، فَخَرَجَ عَمْرُو بنُ العَاصِ -﵁- يَسِيرُ اللَّيْلَ وَيَكْمُنُ النَّهَارَ، فَلَمَّا قَرُبَ مِنَ القَوْمِ بَلَغَهُ أَنَّ لَهُمْ جَمْعًا كَثِيرًا، فَبَعَثَ رَافِعَ بنَ مَكِيثٍ الجُهَنِيَّ -﵁- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَسْتَمِدُّهُ، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْهِ أَبَا عُبَيْدَةَ بنَ الجَرَّاحِ -﵁- فِي مِائَتَيْنِ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ، فِيهِمْ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بِعَمْرٍو، وَأَنْ يَكُونَا جَمِيعًا وَلَا يَخْتَلِفَا.
فَخَرَجَ أَبُو عُبَيْدَةَ -﵁- فَلَحِقَ بِعَمْرٍو، فَأَرَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ، فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّمَا قَدِمْتَ عَلَيَّ مَدَدًا وَأَنَا الأَمِيرُ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدةَ: لَا، وَلَكِنِّي عَلَى مَا أَنَا عَلَيْهِ، وَأَنْتَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ عَمْرٌو: بَلْ أَنْتَ مَدَدٌ لِي.
وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ المُهَاجِرُونَ: بَلْ أَنْتَ أَمِيرُ أَصْحَابِكَ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ أَمِيرُ المُهَاجِرِبنَ، فَقَالَ عَمْرٌو: إِنَّمَا أَنْتُمْ مَدَدٌ لَنَا، فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَبُو عُبَيْدَةَ، وَكَانَ
_________________
(١) في رواية البخاري في الأدب المفرد: "نِعْمَ".
(٢) أخرج ذلك كله: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٧٦٣) - والبخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (٢٢٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الزكاة - باب ذكر الإباحة للرجل الذي يجمع المال من حله - رقم الحديث (٣٢١١) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٦٠٥٦) - وإسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٣ / ٦١٢ ]
رَجُلًا حَسَنَ الخُلُقِ لَيِّنَ العَرِيكَةَ (١)، سَهْلًا، هَيِّنًا عَلَيْهِ أَمْرُ الدُّنْيَا، قَالَ: لَتَعْلَمُ يَا عَمْرُو! أَنَّ آخِرَ شَيءٍ عَهِدَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ قَالَ: "إِنْ قَدِمْتَ عَلَى صَاحِبِكَ فَتَطَاوَعَا وَلَا تَخْتَلِفَا"، وَإِنَّكَ إِنْ عَصَيْتَنِي لَأُطِيعَنَّكَ، فَقَالَ عَمْرٌو -﵁-: فَإِنِّي الأَمِيرُ عَلَيْكَ، وَأَنْتَ مَدَدٌ لِي، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: فَدُونَكَ، فَكَانَ عَمْرٌو يُصَلِّي بِالنَّاسِ.
وَسَارَ حَتَّى وَطِئَ بِلَادَ بَلِي وَدَوَّخَهَا (٢)، حَتَّى أَتَى إِلَى أَقْصَى بِلَادِهِمْ وَبِلَادِ عُذْرَةَ وَبَنِي القَيْنِ، وَلَقِيَ فِي آخِرِ ذَلِكَ جَمْعًا لَيْسَ بِالكَثِيرِ، فَاقْتَتَلُوا ساعَةً وَتَرَامَوْا بِالنَّبْلِ، ثُمَّ حَمَلَ المُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، فَهَرَبُوا وَتَفَرَّقُوا فِي البِلَادِ.
وَأَقَامَ عَمْرُو بنُ العَاصِ -﵁- أَيَّامًا، وَكَانَ يَبْعَثُ الخَيْلَ، فَيَأْتُونَ بِالشَّاءِ وَالنَّعَمِ، فَيَنْحَرُونَ وَيَأْكُلُونَ.
وَفِي هَذِهِ السَّرِيَّةِ أَمَرَ عَمْرُو بنُ العَاصِ -﵁- النَّاسَ أَنْ لَا يُوقِدُوا نَارًا، فَغَضِبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-، وَهَمَّ أَنْ يَنَالَ مِنْهُ، فنَهَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁-، وَقَالَ لَهُ: دَعْهُ، فَإِنَّ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لَمْ يَسْتَعْمِلْهُ عَلَيْنَا إِلَّا لِعِلْمِهِ بِالحَرْبِ، فَهَدَأَ عَنْهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ ابنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: فكَلَّمَ النَّاسَ أَبَا بَكْرٍ
_________________
(١) العَرِيكة: الطبيعة، يقال: فلانٌ ليِّن العريكة: إذا كان سَلِسًا مُطاعًا مُنْقادًا قليلَ الخِلاف والنُّفور. انظر النهاية (٣/ ٢٠٠).
(٢) يقال: داخَ يدوخُ: إذا ذَلّ. انظر النهاية (٢/ ١٢٩).
[ ٣ / ٦١٣ ]
الصِّدِّيقَ -﵁- فكلَّمَهُ أَبُو بَكْرٍ -﵁- فِي ذَلِكَ، فَقَالَ عَمْرٌو: لَا يُوقِدُ أَحَدٌ مِنْهُمْ نَارًا إِلَّا قَذَفْتُهُ فِيهَا، ثُمَّ إِنَّهُمْ لَقُوا العَدُوَّ فَهَزَمُوهُمْ، فَأَرَادُوا أَنْ يَتْبَعُوهُمْ فَمَنَعَهُمْ.
* الرُّجُوعُ إِلَى المَدِينَةِ:
فَلَمَّا قَفَلُوا رَاجِعِينَ إِلَى المَدِينَةِ احْتَلَمَ عَمْرُو بنُ العَاصِ -﵁- فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ كَأَشَدِّ مَا يَكُونُ مِنَ البَرْدِ، فَخَرَجَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ: وَاللَّهِ لَقَدِ احْتَلَمْتُ البَارِحَةَ، فَغَسَلَ مَغَابِنَهُ (١) وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ (٢)، ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ، ثُمَّ بَعَثَ عَمْرُو بنُ العَاصِ -﵁- عَوْفَ بنَ مَالِكٍ الأَشْجَعِيَّ -﵁- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُبَشِّرُهُ بِانْتِصَارِهِ، وَأَنَّهُ عَزَّزَ نُفُوذَ المُسْلِمِينَ عَلَى تُخُومِ الشَّامِ، وَيُخْبِرُهُ بِرُجُوعِ الجَيْشِ وَسَلَامَتِهِ.
فَلَمَّا قَدِمَ عَمْرُو بنُ العَاصِ -﵁- عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَالمُسْلِمُونَ مَعَهُ،
_________________
(١) المغابن: هي بواطن الأفخاذ. انظر النهاية (٣/ ٣٠٧).
(٢) وفي رواية أخرى قال: "فتيمَّمْتُ"، ولم يذكر الوضوء. قال ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٣٤٢): اختلفت الرواية عن عمرو بن العاص -﵁-، فَرُوِيَ عنه فيها أنه غسل مغابِنَه وتوضأ وضوءَهُ للصلاة، ثم صلى بهم، ولم يذكر التيمم، وكأن هذه الرواية أقوى من رواية التيمم. قال عبد الحق: وقد ذكرها وذكر رواية التيمم قبلها، ثم قال: وهذا أوصل من الأول؛ لأنه عن عبد الرحمن بن جبير المصري، عن أبي القيس مولى عمرو، عن عمرو، والأولى التي فيها التيمم، من رواية عبد الرحمن بن جبير، عن عمرو بن العاص، لم يذكر بينهما أبا قيس. وقال البيهقي في السنن (١/ ٢٢٦): يحتمل أن يكون قد فعل ما نُقل في الروايتين جميعًا غسل ما قدر على غسله، وتيمم للباقي.
[ ٣ / ٦١٤ ]
سَأَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كَيْفَ وَجَدْتُمْ عَمْرًا وَأَصْحَابَهُ؟ ".
فَأَثْنُوا عَلَيْهِ خَيْرًا، ثُمَّ ذَكَرُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَنْعَ عَمْرٍو لَهُمْ مِنْ إِيقَادِ النِّيرَانِ، وَمِنِ اتِّبَاعِ العَدُوِّ، وَمِنْ صَلَاتِهِ بِهِمْ وَهُوَ جُنُبٌ.
فَسَأَلهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ عَمْرٌو: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي كَرِهْتُ أَنْ آذَنَ لَهُمْ أَنْ يُوقِدُوا نَارًا، فَيَرَى عَدُوُّهُمْ قِلَّتَهُمْ، وَكَرِهْتُ أَنْ يَتْبَعُوهُمْ، فَيَكُوُن لَهُمْ مَدَدٌ فَيَعْطِفُوا عَلَيْهِمْ، وَإِنِّي احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ البَرْدِ، فَأَشْفَقْتُ إِنِ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلَكَ، وَذَكَرْتُ قَوْلَ اللَّهِ ﷿: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (١).
فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى عَمْرٍو، وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا (٢).
* مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
فَلَمَّا عَرَفَ عَمْرُو بنُ العَاصِ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ رَضِيَ عَنْ كُلِّ مَا
_________________
(١) سورة النساء آية (٢٩).
(٢) أخرج خبر هذه السرية بدون تفاصيل: البخاري في صحيحه - كتاب التيمم - باب إذا خاف الجنب على نفسه المرض أو الموت -معلقًا- وأخرجه في المغازي - باب غزوة ذات السلاسل - رقم الحديث (٤٣٥٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أبي بكر الصديق -﵁- رقم الحديث (٢٣٨٤). وأخرج تفاصيلها: ابن حبان في صحيحه - كتاب الطهارة - باب التيمم - رقم الحديث (١٣١٥) - وكتاب السير - باب الخلافة والإمارة - رقم الحديث (٤٥٤٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٨١٢) - والحاكم في المستدرك - كتاب الطهارة - باب عدم الغسل للجنابة في شدة البرد - رقم الحديث (٦٤٧) (٦٤٨) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٤٥٧) بأسانيد صحيحة.
[ ٣ / ٦١٥ ]
فَعَلَ، ظَنَّ أَنَّهُ صَارَتْ لَهُ مَكَانَةً عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَعْظَمَ مِنْ مَكَانَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "عَائِشَةُ".
قُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟
قَالَ -ﷺ-: "أَبُوهَا". قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ فَقَالَ -ﷺ-: "ثُمَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ".
قَالَ عَمْرٌو: فَعَدَّ رِجَالًا، فَسَكَتُّ مَخَافَةَ أَنْ يَجْعَلَنِي فِي آخِرِهِمْ (١).
وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ شَقِيقٍ قَالَ: قَالَ عَمْرٌو -﵁- بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عُمَرَ -﵁-: ثُمَّ مَنْ؟ .
قَالَ -ﷺ-: "أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ" (٢).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَهَذَا يُفَسِّرُ بَعْضَ الرِّجَالِ الذِينَ أُبْهِمُوا فِي الحَدِيثِ (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الفضائل - باب قول النبي -ﷺ-: "لو كنت متخذًا خليلًا" - رقم الحديث (٣٦٦٢) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب غزوة ذات السلاسل - رقم الحديث (٤٣٥٨) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أبي بكر الصديق -﵁- رقم الحديث (٢٣٨٤).
(٢) أخرج رواية عبد اللَّه بن شقيق: ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر أبي عبيدة بن الجراح -﵁- رقم الحديث (٦٩٩٨) - وإسناده صحيح على شرط مسلم.
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٣٧٧).
[ ٣ / ٦١٦ ]
* وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - جَوَازُ تَأْمِيرِ المَفْضُولِ عَلَى الفَاضِلِ، إِذَا امْتَازَ المَفْضُولُ بِصِفَةٍ تَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الوِلَايَةِ.
٢ - وَفِيهِ مَزِيَّةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- عَلَى الرِّجَالِ، وَبِنْتِهِ عَائِشَةَ ﵂ عَلَى النِّسَاءِ.
٣ - وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِعَمْرِو بنِ العَاصِ -﵁- لِتَأْمِيرِهِ عَلَى جَيْشٍ فِيهِمْ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لَا يَقْتَضِي أَفْضَلِيَّتَهُ عَلَيْهِمْ، لَكِنْ يَقْتَضِي أَنَّ لَهُ فَضْلًا فِي الجُمْلَةِ (١).
* * *
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٤٠٤).
[ ٣ / ٦١٧ ]
سَرِيَّةُ أَبِي قَتَادَةَ -﵁- إِلَى خَضِرَةَ (١)
وَكَانَتْ هَذِهِ السَّرِيَّةُ فِي شَعْبَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَبَا قتادَةَ الحَارِثَ بنَ رِبْعِيٍّ -﵁-، فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا إِلَى خَضِرَةَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ غَطَفَانَ كَانُوا يَتَحَشَّدُونَ هُنَاكَ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشُنَّ عَلَيْهِمُ الغَارَةَ، فَسَارَ اللَّيْلَ وَكَمَنَ النَّهَارَ، فَهَجَمَ عَلَى حَاضِرٍ (٢) مِنْهْمُ عَظِيمٍ، فَأَحَاطَ بِهِمْ، وَقَاتَلَ مِنْهُمْ رِجَالًا، فَقَتَلُوا مِنْ أَشْرَافِهِمْ، وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ (٣)، فَكَانَتِ الإِبِلُ مِائَتَيْ بَعِيرٍ، وَالغَنَمَ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَسَبُوا سَبْيًا كَثِيرًا، فنَفَلَهُمْ أَمِيرُهُمْ بَعِيرًا بَعِيرًا لِكُلِّ رَجُلٍ، ثُمَّ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَسَمَ بَيْنَهُمْ غَنِيمَتَهُمْ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَ الخُمُسَ، فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ اثْنَا عَشَرَ بَعِيرًا، وَعَدَلَ البَعِيرَ بِعَشْرٍ مِنَ الغَنَمِ، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً.
وَكَانَ فِي السَّبْي جَارِيَهٌ وَضِيئَةٌ وَقَعَتْ فِي سَهْمِ أَبِي قَتَادَةَ، فَجَاءَ مَحْمِيَةُ (٤) بنُ جَزْءٍ -﵁- (٥)، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبَا قتادَةَ قَدْ أَصَابَ فِي وَجْهِهِ هَذَا
_________________
(١) خَضِرة: بفتح الخاء وكسر الضاد: هي أرض محارب بنجد. انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٦).
(٢) الحاضر: القوم النزول على ماء يقيمون به ولا يرحلون عنه. انظر النهاية (١/ ٣٨٤).
(٣) النَّعم: بفتح النون، وهي الإبل والشاء. انظر لسان العرب (١٤/ ٢١٢).
(٤) مَحْمِية: بفتح الميم الأولى وسكون الحاء وكسر الميم الثانية. انظر الإصابة (٦/ ٣٦).
(٥) جَزْء: بفتح الجيم وسكون الزاي. انظر الإصابة (٦/ ٣٦). =
[ ٣ / ٦١٨ ]
جَارِيَةً، وَقَدْ كُنْتَ وَعَدْتَنِي جَارِيَةً مِنْ أَوَّلِ فَيْءٍ يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْكَ، فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَاسْتَوْهَبَهُ الجَارِيَةَ، فَوَهَبَهَا لَهُ، فَدَفَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِمَحْمِيَةَ بنِ جَزْءٍ -﵁- (١).
* * *
_________________
(١) = قال الحافظ في الإصابة (٦/ ٣٦): كان قديم الإسلام، وهاجر إلى الحبشة.
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣١٦).
[ ٣ / ٦١٩ ]
سَرِيَّةُ عَبْدِ اللَّهِ، بنِ أَبِي حَدْرَدٍ -﵁- إِلَى الغَابَةِ
وَكَانَ سَبَبُهَا أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي جُشَمٍ يُقَالُ لَهُ: رِفَاعَةُ بنُ قَيْسٍ أَوْ قَيْسُ بنَ رِفَاعَةَ، قَدْ نَزَلَ فِي جَمْعٍ عَظِيمٍ مِنْ قَوْمِهِ بِالغَابَةِ يُرِيدُ أَنْ يَجْمَعَ جُمُوعًا لِحَرْبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَبَرَهُ بَعَثَ إِلَيْهِ عَبْدَ اللَّهِ بنَ أَبِي حَدْرَدٍ الأَسْلَمِيَّ -﵁-، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ قَدْ طَلَبَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُعِينَهُ فِي مَهْرِ زَوْجَتِهِ، فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كَمْ أَصْدَقْتَ؟ " (١).
قَالَ: مِائتَيْ دِرْهَمٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَوْ كُنْتُمْ تَغْرِفُونَ الدَّرَاهِمَ مِنْ وَادِيكُمْ (٢) هَذَا مَا زِدْتُمْ (٣)، مَا عِنْدِي مَا أُعْطِيكَ".
ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَبْدَ اللَّهِ بنَ أَبِي حَدْرَدٍ -﵁-، وَرَجُلَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ لِيَخْرُجُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ -قَيْسِ بنِ رِفَاعَةَ أَوْ رِفَاعَةَ بنَ قَيْسٍ-.
_________________
(١) في رواية أخرى في المسند - رقم الحديث (١٥٧٠٦): أمهرتها.
(٢) جاء في رواية أخرى في المسند - رقم الحديث (١٥٧٠٦) - تسمية هذا الوادي: قال: بُطحان. وبُطحان: هو بضم الباء وسكون الطاء: واد في المدينة. انظر النهاية (١/ ١٣٤).
(٣) قال السندي في شرح المسند (٨/ ٤٦٣): أي ما كان لائقًا بكم أن تزيدوا، فكيف تزيدون، وهي لا تحصل إلا بتعب، ويحتمل أن تكون "ما" استفهامية، أي: لزدتم أيّ زيادة.
[ ٣ / ٦٢٠ ]
فَخَرَجُوا وَتَمَكَّنَ ابنُ حَدْرَدٍ -﵁- مِنْ قَتْلِ رِفَاعَةَ بنِ قَيْسٍ، وَهَرَبَ قَوْمُهُ، فَأَخَذُوا مَا قَدِرُوا عَلَيْهِ مِنَ النِّسَاءِ وَالأَوْلَادِ، وَمَا خَفَّ مَعَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ، وَاسْتَاقُوا إِبِلًا عَظِيمَةً وَغَنَمًا كَثِيرَةً، وَجَاؤُوا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَبْدَ اللَّهِ بنَ أَبِي حَدْرَدٍ -﵁- ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا مِنْ تِلْكَ الإِبِلِ (١).
* * *
_________________
(١) أخرج قصة هذه السرية: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٨٨٢) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٢٨٥) - والبيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٣٠٣) - وإسنادها ضعيف.
[ ٣ / ٦٢١ ]
سَرِيَّةُ أَبِي قَتَادَةَ -﵁- إِلَى إِضَمٍ (١)
بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَبَا قَتَادَةَ الحَارِثَ بنَ رِبْعِيٍّ -﵁- فِي سَرِيَّةٍ إِلَى إِضَمٍ، وَمَعَهُ نَفَرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ فِيهِمْ: عَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي حَدْرَدٍ -﵁-، وَمُحَلِّمُ بنُ جَثَّامَةَ بنِ قَيْسٍ، وَذَلِكَ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ لِلْهِجْرَةِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَطْنِ إِضَمٍ مَرَّ بِهِمْ عَامِرُ بنُ الأَضْبَطِ الأَشْجَعِيُّ عَلَى قَعُودٍ (٢) لَهُ، وَمَعَهُ مُتَيِّعٌ (٣) لَهُ وَوَطْبٌ (٤) مِنْ لَبَنٍ، فَلَمَّا مَرَّ بِهِمْ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ بِتَحِيَّةِ الإِسْلَامِ، فَأَمْسَكَ عَنْهُ القَوْمُ، وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلِّمُ بنُ جَثَّامَةَ، فَقتَلَهُ لِشَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَأَخَذَ قَعُودَهُ وَمُتَيِّعَهُ، ثُمَّ انْصَرَفُوا وَلَمْ يَلْقَوْا جَمْعًا، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَخْبَرُوهُ الخَبَرَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِمُحَلِّمِ بنِ جَثَّامَةَ: "أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالِ إِنِّي مُسْلِمٌ"، قَالَ: إِنَّمَا قَالَهَا مُتَعَوِّذًا (٥)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَهَلَّا شَقَقْتَ عَنْ بَطْنِهِ فَعَلِمْتَ مَا فِي قَلْبِهِ؟ ".
_________________
(١) إضَم: بكسر الهمزة وفتح الضاد: اسم موضع. انظر النهاية (١/ ٥٥).
(٢) القَعُودُ من الإبل: ما أمكنَ أن يُركب، وأدناه أن يكون له سنتان. انظر النهاية (٤/ ٧٧).
(٣) متيِّع: تصغير متاع.
(٤) الوَطْب: بفتح الواو وسكون الطاء: هو الوعاء الذي يكون فيه السمن واللبن. انظر النهاية (٥/ ١٧٦).
(٥) مُتَعوذًا: أي إنما قالها ليدفع عنه القتل. انظر النهاية (٣/ ٢٨٧).
[ ٣ / ٦٢٢ ]
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ شَقَقْتُ بَطْنَهُ لَكُنْتُ أَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ! .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَلَا أَنْتَ قَبِلْتَ مَا تَكَلَّمَ بِهِ، وَلَا أَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي قَلْبِهِ".
فَقَالَ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا غَفَرَ اللَّهُ لَكَ". وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ (١).
فَلَمْ يَلْبَثْ مُحَلِّمٌ إِلَّا سَبْعًا حَتَّى مَاتَ، فَلَمَّا دَفَنُوهُ، لفَظَتْهُ (٢) الأَرْضُ، ثُمَّ عَادُوا فَدَفَنُوهُ، فَلَفَظَتْهُ الأَرْضُ، ثُمَّ عَادُوا فَدَفَنُوهُ، فَلَفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَلَمَّا غُلِبَ قَوْمُهُ عَمَدُوا إِلَى صُدَّيْنِ (٣) فَسَطَّحُوهُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ رَضَمُوا (٤) عَلَيْهِ الحِجَارَةَ حَتَّى
_________________
(١) سورة النساء آية (٩٤). قلتُ: وقع في رواية الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٤٥٩١) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (٣٠٢٥) عن ابن عباس ﵄ أنه قال: كان رجل في غنيمة له، فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه، وأخذوا غنيمته، فأنزل اللَّه هذه الآية. قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٩/ ١٣٥): ولا مانع أن تنزل الآية في الأمرين معًا.
(٢) لفظته: أي قذفته ورمته. انظر النهاية (٤/ ٢٢٣).
(٣) الصَّدُّ والصُّدُّ: الجبل. انظر لسان العرب (٧/ ٢٩٨).
(٤) رَضْم الحجارة: جعل بعضها على بعض. انظر لسان العرب (٥/ ٢٣٥).
[ ٣ / ٦٢٣ ]
وَارُوهُ (١)، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُول اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "وَاللَّهِ إِنَّ الأَرْضَ لَتُطَابِقُ عَلَى مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يَعِظَكُمْ فِي حُرْمِ مَا بَيْنَكُمْ بِمَا أَرَاكُمْ مِنْهُ".
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ -ﷺ-: "أَمَا إِنَّهَا -أَي الأَرْضُ- تَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ، وَلَكِنَّ اللَّهَ ﷿ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُ مَوْعِظَةً لَكُمْ لِكَيْلَا يُقْدِمَ رَجُلٌ مِنْكُمْ عَلَى قَتْلِ مَنْ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَوْ يَقُولَ: إِنِّي مُسْلِمٌ" (٢).
قُلْتُ: وَقَعَ فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ قِصَّةٌ أُخْرَى لِرَجُلٍ لفَظَتْهُ الأَرْضُ، فَعَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَجُلٌ نَصْرَانِيٌّ، فَأَسْلَمَ، وَقَرَأَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ، وَكتَبَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَعَادَ نَصْرَانِيًّا، فَكَانَ يَقُولُ: مَا يَقْرَأُ مُحَمَّدٌ إِلَّا مَا كتَبْتُ لَهُ، فَأَمَاتَهُ اللَّهُ ﷿، فَدَفَنُوهُ، فَأَصْبَحَ قَدْ لَفَظَتْهُ الأَرْضُ، وَأَعَادُوا دَفْنَهُ، فَلَفَظَتْهُ الأَرْضُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ (٣).
* * *
_________________
(١) وَرّيت الشيء واريته: أخفيته. انظر لسان العرب (١٥/ ٢٨٣).
(٢) أخرج القصة دون ذكر لفظ الأرض لمحلّم بن جَثّامة: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٨٨١) - وأخرجها مع ذكر لفظ الأرض لمحلّم بن جَثّامة: ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٢٨٢) - والبيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٣٠٩ - ٣١٠) - وإسناده حسن.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإسلام - رقم الحديث (٣٦١٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - رقم الحديث (٢٧٨١) - وأخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٢١١).
[ ٣ / ٦٢٤ ]
«دراسة محققة للسيرة النبوية»
تأليف
موسى بن راشد العازمي
تقريظ
الدكتور محمد رواس قلعه جي
الشيخ عثمان الخميس
[الجزء الرابع]
[ ٤ / ١٩٢٤ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٤ / ٢ ]
[ ٤ / ٣ ]
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمؤلف
فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثْنَاء النشر
٢٣٩ العازمي، مُوسَى بن رَاشد.
اللُّؤْلُؤ الْمكنُون فِي سِيْرَة النَّبِيّ الْمَأْمُون: دراسة مُحَققَة للسيرة النَّبَوِيَّة (الْجُزْء الرابع)
تأليف مُوسَى بن رَاشد العازمي - ط ١ - الكويت: مُوسَى بن رَاشد العازمي، ٢٠١١
ج ٤ (٦٩٦ ص)؛ ٢٤ سم.
ردمك: ٧ - ٠٤ - ٤٤ - ٩٩٩٦٦ - ٩٧٨
١. السِّيرَة النَّبَوِيَّة أ. العنوان
ردمك: ٧ - ٠٤ - ٤٤ - ٩٩٩٦٦ - ٩٧٨
رقم الْإِيدَاع: ٢٤٣/ ٢٠١١
الطبعة الأولى
١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م
تمّ طباعة الْكتاب على نَفَقَة عبد اللَّه الْعلي المطوع - ﵀ -
الناشر
المكتبة العامرية
إعلان وطباعة وَنشر وتوزيع
الكويت - حَولي - شَارِع الْمثنى - مجمع البدري - مَحل رقم ١٣
تلِي فاكس: ٠٠٩٦٥٢٢٦٢٣٨٨٠ - جوال: ٠٠٩٦٥٩٩٨٦٢١٩٧
الْبَرِيد الإلكتروني:
al_aamria@hotmail.com
manaar ١@yahoo.com
موقع المكتبة:
www.sites.google.com/site/amriabookstore
[ ٤ / ٤ ]
دولة الكويت
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
السيد الفاضل/ مدير إدارة الثقافة الإسلامية المحترم
السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته،، وبعد
بالإشارة إلى الكتاب رقم (٣١٥) بشأن مراجعة: مادة بحث عدد (١)
الوارد بتاريخ: ٣/ ٣/ ٢٠١١
بعنوان: اللؤلؤ المكنون في سيرة النبي المأمون ج ٤
إعداد: موسى بن راشد العازمي
نشر: المؤلف
بعد الإطلاع على النسخة المذكورة أعلاه ومراجعتها نحيطكم علمًا بأنه لم تتبين لنا ملاحظات تذكر.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام،،
رئيس لجنة الكتب والمصنفات الفنية
الأصل بتوقيع
خليف مثيب الأذينة
الوكيل المساعد للشئون الثقافية
[ ٤ / ٥ ]