نُزُولُ الْوَحْي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-
وَلَمَّا تَكَامَلَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- أَرْبَعُونَ سَنَةً، وَخَرَجَ إِلَى حِرَاءٍ، كَمَا كَانَ يَخْرُجُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، أَتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇، بِأَمْرِ اللَّهِ ﷿، وَبَعَثَهُ ﷾ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَكَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا.
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَرْبَعِينَ سَنَةً، فَمَكَثَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً يُوحَى إِلَيْهِ، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ، فَهَاجَرَ عَشْرَ سِنِينَ، وَمَاتَ وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ (١).
قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ -ﷺ- بُعِثَ عَلَى رَأْسِ الْأَرْبَعِينَ سَنَةً، هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ (٢).
وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَلَمَّا كَمُلَ لَهُ أَرْبَعُونَ، أَشْرَقَ عَلَيْهِ نُورُ النُّبُوَّةِ، وَأَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِرِسَالَتِهِ، وَبَعَثَهُ إِلَى خِلْقِهِ، وَاخْتَصَّهُ بِكَرَامَتِهِ، وَجَعَلَهُ أَمِينَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عِبَادِهِ (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٢).
(٢) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٨١/ ١٥).
(٣) انظر زاد المعاد (١/ ٧٦).
[ ١ / ١٧٠ ]
وَقَالَ جَمَالُ الدِّينِ أَبُو زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنُ يُوسُفٍ الصَّرْصَرِيُّ (١) رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
وَأَتَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ فَأَشْرَقَتْ شمْسُ النُّبُوَّةِ مِنْهُ فِي رَمَضَانِ
وَكَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ:
قَوْله تَعَالَى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ (٢).
وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ؟ فَقَالَ: "فِيهِ وُلِدْتُ، وَفِيهُ أُنْزِلَ عَلَيَّ" (٣).
* حَدِيثُ عَائِشَةَ ﵂:
وَلْنَسْتَمِعْ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ تَرْوِي لَنَا قِصَّةَ بَدْءِ الْوَحْي، قَالَتْ ﵂: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ
_________________
(١) هو الشَّيخ جمالُ الدِّين أبو زكرِيَّا يحيى بن يُوسف الصَّرْصَرِيُّ نسبة إلى صَرْصَرَ قرية على فرسَخَيْنِ من بَغدادَ، العلَّامةُ الحافظ اللُّغَوي، كان إليه المُنْتَهَى في معرفةِ اللُّغة، وحُسْنِ الشِّعْرِ، وديوانُه ومدائحُهُ سائرةٌ، يُشَبَّهُ في عصرهِ بحسَّان بن ثابت -﵁-، وكان صالحًا قُدوَةً كثيرَ التلاوةِ، عظيمَ الاجتهادِ صَبُورًا قَنُوعًا، قَتَلَهُ التَّتَارُ يومَ دخَلُوا بغدادَ سنة (٦٥٦ هـ). انظر شذرات الذهب (٥/ ٢٨٦).
(٢) سورة البقرة آية (١٨٥).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصيام - باب استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر. . . - رقم الحديث (١١٦٢) (١٩٨).
[ ١ / ١٧١ ]
الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ (١) فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، . . . حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ (٢) وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ، فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأْ، قَالَ -ﷺ-: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ" قَالَ: "فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي (٣) حَتَّى بَلَغَ مِنِّيَ الْجَهْدُ ثُمَّ أَرْسَلَنِي" (٤)، فَقَالَ: اقْرَأْ، قُلْتُ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ (٥) فَأَخَذَنِي، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّيَ الْجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي"، فَقَالَ: اقْرَأْ، فَقُلْتُ: "مَا أَنَا بِقَارِئٍ، فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي (٦) الثَّالِثَةَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي"، فَقَالَ:
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٧٣٥): أي في أوَّل المُبْتَدآت مِنْ إيجاد الوحي الرُّؤيا، وأما مُطْلَقُ ما يدلُّ على نبُوَّته، فتقدَّمَتْ له أشياء مثل: تسليمِ الحَجَر كما ثبت في صحيح مسلم.
(٢) قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٥): أي الأمرُ الحقُّ، وسُمِّيَ حَقًّا لأنه وحيٌ مِنَ اللَّه تَعَالَى.
(٣) في رواية ابن إسحاق في السيرة (١/ ٢٧٣): فَغَتَّنِي. قال ابن الأثير في النهاية (٣/ ٣٠٨): الغَتُّ والغَطُّ سواءٌ، كأنَّه أراد عصَرَنِي عَصْرًا شَدِيدًا حتى وجَدْتُ منه المَشَقَّةَ.
(٤) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٢/ ١٧٢): أرسَلَنِي: أي أطْلَقَنِي.
(٥) قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٥): أي ما أُحْسِنُ القِرَاءَةَ، فلمَّا قال ذلك ثلاثًا قِيلَ له: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ أي لا تقرؤُهُ بقوَّتِكَ ولا بمَعْرِفَتِكَ، لكن بحَوْلِ ربِّكَ وإعانَتِهِ، فهو يُعَلِّمُكَ، كما خلقكَ، وكما نَزَعَ عنكَ عَلَقَ الدَّمِ، وغَمْزَ الشَّيْطَانِ في الصِّغَرِ، وعلّم أُمَّتَكَ حتى صارَتْ تَكْتُبُ بالقلَمِ بعدَ أَنْ كَانَتْ أُمِّيَّةً. . .، والتقدير: لسْتُ بقَارِئٍ البَتَّةَ.
(٦) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٧٣٨): والحكمةُ في هذا الغَطِّ لإظهارِ الشِّدَّةِ، والجِدِّ في الأمر تَنْبِيهًا على ثِقَلِ القولِ الذي سَيُلقى إليه، فلما ظهر أنه صَبَرَ على ذلك أُلْقِيَ إليه. ولعل الحِكْمَةَ في تكريرِ الإقراءِ الإشارةُ إلى انْحِصَارِ الإيمان الذي يَنْشَأُ الوحيُ بسببِهِ في ثلاثٍ: القولُ، والعملُ، والنيَّةُ، وَأَنَّ الوحي يشتملُ على ثلاثٍ: التوحيدُ، والأحكامُ والقصصُ، وفي تكريرِ الغَطِّ الإشارة إلى الشَّدائدِ الثلاثِ التي وقعتْ لهُ -ﷺ- وهي: الحَصْرُ في الشِّعْبِ، وخروجُه في الهجرةِ، وما وقع له يوم أُحدٍ، وفي الإرسالاتِ الثلاثِ إشارة إلى حصولِ التيسيرِ له عقب الثلاث المذكورةِ: في الدنيا، والبَرْزَخِ، والآخرةِ.
[ ١ / ١٧٢ ]
﴿اقْرَأْ بِاسْمِ (١) رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾.
فَرَجَعَ بِهَا (٢) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَرْجُفُ فُؤَادُهُ (٣)، فَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَهَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂، فَقَالَ: "زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي" (٤)، فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ (٥)، فَقَالَ لِخَدِيجَةَ، وَأَخَبَرَهَا الْخَبَرَ: "لَقَدْ خَشِيتُ (٦) عَلَى نَفْسِي"، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ: كَلَّا (٧) وَاللَّهِ مَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا (٨)، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٢/ ١٧٢): هذا دليلٌ صريحٌ في أَنَّ أوَّلَ ما نزلَ من القرآن اقرأ، وهذا هو الصواب الذي عليهِ الجماهيرُ مِنَ السَّلَفِ والخَلَفِ.
(٢) قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٦): أي بالآياتِ أو بالقِصَّةِ.
(٣) قال الحافظ في الفتح (١٤/ ٣٨١): الحكمةُ في العُدُولِ عن القَلْبِ إلى الفُؤَادِ أن الفُؤَادَ وِعَاءُ القَلْبِ على ما قاله أهل اللغة، فإذا حصل للوعاءِ الرَّجَفَانُ حصلَ لِمَا فيهِ، فيكونُ في ذكْرِهِ من تعظيمِ الأمرِ ما ليس في ذِكْرِ القَلْبِ.
(٤) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١/ ١٧٣): معنى زَمِّلُونِي أي: غَطُّونِي بالثياب، ولُفُّونِي بها. وقال الحافظ في الفتح (٩/ ٧٣٩): قال -ﷺ- ذلك لشدَّةِ ما لَحِقَهُ من هَوْلِ الأمر، وجرَتِ العادة بسُكُونِ الرِّعْدَةِ بالتَّلْفِيفِ.
(٥) قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٦): الرَّوْعُ: أي الفَزَعُ.
(٦) قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٦): والخشيةُ المذكورةُ اختلفَ العلماءُ في المُرَادِ بها على اثْنَيْ عَشَرَ قولًا. . . وأولى هذه الأقوال بالصواب، وأسلمها من الارتياب هوَ المَوْتُ من شِدَّةِ الرُّعْبِ أو المَرَضِ.
(٧) قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٦): معناهَا النَّفْي والإبعَادُ.
(٨) قال ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ١٧): انظر كيفَ استَدَلَّتْ ﵂ بما فيه -ﷺ- مِنَ الصِّفَاتِ الفاضلةِ، والأخلاقِ والشِّيَمِ، على أَنَّ مَنْ كان كذلك لا يُخْزَى أبدًا، فَعَلِمَتْ ﵂ بكمَالِ عَقْلهَا وفِطْرَتِهَا، أن الأعمال الصالحةَ، والأخلاقَ الفاضلةَ =
[ ١ / ١٧٣ ]
الْكَلَّ (١)، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ (٢)، وَتُقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ (٣)، فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسِد بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى -ابْنِ عَمِّ خَدِيجَةَ-، وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ، فَيَكْتُبُ مِنَ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ (٤) مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ، فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: يَا ابْنَ عَمِّ! اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: يَا ابْنَ أَخِي! مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ: هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَلَ عَلَى مُوسَى (٥)، يَا لَيْتَنِي فِيهَا. . . .
_________________
(١) = والشِّيَمَ الشَّرِيفَةَ، تناسب أشكالها مِنْ كرامَةِ اللَّهِ، وتأييدهِ، وإحسانِهِ، ولا تناسِبُ الخِزْيُ والخُذْلَانُ، وإنما يُنَاسبه أضدَادُهَا، فمن رَكَّبهُ اللَّه على أحسنِ الصفات وأحسنِ الأخلاق والأعمالِ إنما يَلِيقُ به كرامته وإتمامُ نعمتهِ عليهِ.
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٢/ ١٧٤): الكَلُّ: بفتح الكاف وأصله الثِّقَلُ، ومنه قول اللَّه تَعَالَى في سورة النحل آية (٧٦): ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾، ويدخُلُ في حَمْلِ الكَلِّ الإنفاقُ على الضَّعِيفِ، واليَتِيمِ، والعِيَالِ وغير ذلك.
(٣) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٢/ ١٧٥): أي تُعْطِي الناسَ ما لا يَجِدُونَهُ عندَ غيركَ مِنْ نفائسِ الفَوَائدِ، ومكارمِ الأخلاق، أو تُكْسِب المالَ العظيمَ الذي يَعْجُزُ عنه غيرُك، ثم تَجُودَ به في وجُوهِ الخيرِ وأبواب المكارم.
(٤) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٢/ ١٧٦): النَّوَائِبُ جمعُ ناِئبَةٍ وهي الحَادِثَةُ، وإنما قَالَتْ: نوائِب الحقّ، لأن النائبةَ قد تكون في الخير، وقد تكونُ في الشّرِّ.
(٥) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٦٩٨٢): ". . . وكان يكتبُ الكتابَ العربيَّ، فيكتبُ بالعربيةِ مِنَ الإنْجِيلِ".
(٦) قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٨): قال على موسى ولم يقل على عيسى مع كونه نصرانيًا: لأنَّ كتابَ مُوسى ﵇ مُشْتَمِلٌ على أكثر الأحكامِ، بخلافِ عيسى؛ ولأنَّ موسى عليهِ =
[ ١ / ١٧٤ ]
جَذَعًا (١)، لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَوَمُخْرِجِيَّ (٢) هُمْ؟ " قَالَ: نَعَمْ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ، وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا (٣)، ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ (٤) وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ (٥).
_________________
(١) = السَّلامُ بُعِثَ بالنِّقْمَةِ على فِرْعَوْنَ ومَنْ معه، بخلافِ عيسى، أو قاله تَحْقيقًا للرِّسالةِ، لأن نُزُول جِبريلَ على موسى متَّفقٌ عليه بين أهلِ الكتابِ، بخلافِ عيسى فإنَّ كثيرًا من اليهودِ يُنكرونَ نُبُوَّتَهُ.
(٢) قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٩): الجَذَعُ: هو الصَّغيرُ منَ البَهائمِ، كأنه تمنَّى أن يكون عِنْدَ ظُهور الدُّعاء إلى الإسلام شَابًّا ليكونَ أمكَنَ لنَصْرِهِ، وبهذا يتبيَّنُ سِرُّ وصْفِهِ بكونهِ كان كَبِيرًا أعمى.
(٣) قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٩) (١٤/ ٣٨٢): استبعدَ النبيُّ -ﷺ- أن يُخْرِجُوهُ، لأنه لم يكنْ فيه سببٌ يقتضِي الإخراجَ، لما اشتملَ عليه مِنْ مَكارمِ الأخلاقِ التي تقدَّم من خديجةَ وصْفُهَا. ويحتملُ أن يكون انزعاجُهُ كان مِنْ جِهةِ خَشْيَةِ فَواتِ ما أمَّلهُ من إيمانِ قومهِ باللَّه، وإنقاذِهِمْ من ضُرِّ الشِّرْكِ، وأدْنَاسِ الجاهليةِ، ومنْ عذابِ الآخرةِ، وليتمَّ لهُ المرادُ من إرساله إليهم، ويحتملُ أن يكونَ انْزَعَجَ منَ الأمْرَيْنِ مَعًا.
(٤) قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٩): أي قَوِيًّا، مأخوذٌ من الأزْرِ وهوَ القُوَّة، ويحتمل أن يكون من الإزَارِ، أشار بذلك إلى تَشْمِيرِهِ في نُصْرَتِهِ.
(٥) قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٠): أي لم يَلبثْ، وأصلُ النُّشُوبِ التَعَلُّقُ، أي لم يتعلَّقُ بشيءٍ من الأمورِ حتى مَاتَ.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب بدء الوحي - رقم الحديث (٣) - وأخرجه في كتاب التعبير - باب أول ما بُدئ به رسول اللَّه -ﷺ- من الوحي الرؤيا الصَّالحة - رقم الحديث (٦٩٨٢) - وأخرجه مسلم - كتاب الإيمان - باب بدء الوحي إلى رسول اللَّه -ﷺ- رقم الحديث (١٦٠).
[ ١ / ١٧٥ ]
قَالَ أَحْمَد شَوْقِي ﵀:
وَنُودِيَ اقْرَأْ تَعَالَى اللَّهُ قَائِلُهَا لَمْ تَتَّصِلْ قَبْلَ مَنْ قِيلَتْ لَهُ بِفَمِ
هُنَاكَ أَذَّنَ لِلرَّحْمَنِ فَامْتَلَأَتْ أَسْمَاعُ مَكَّةَ مِنْ قُدْسِيَّةِ النَّغَمِ
فَلَا تَسَلْ عَنْ قُرَيْشٍ كَيْفَ حَيْرتُهَا وَكَيْفَ نُفْرَتُهَا فِي السَّهْلِ وَالْعَلَمِ (١)
تَسَاءَلُوا عَنْ عَظِيمٍ قَدْ أَلمَّ بِهِمْ رَمَى الْمَشَايِخَ وَالْوَالِدَانَ بِاللَّمَمِ (٢)
يَا جَاهِلِينَ عَلَى الْهَادِي وَدَعْوَتِهِ هَلْ تَجْهَلُونَ مَكَانَ الصَّادِقِ الْعَلَم
* رِوَايَةٌ مُرْسَلَةٌ ضَعِيفَةٌ:
قُلْتُ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ عَنْ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: جَاءَنِي جِبْرِيلُ، وَأَنَا نَائِمٌ، بِنَمَطٍ مِنْ دِيبَاجٍ فِيهِ كِتَابٌ، فَقَالَ: اقْرَأْ. . (٣).
وَهَذ الرِّوَايَةُ مَعَ ضَعْفِهَا مُخَالِفَةٌ لِرِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّ نُزُولَ جِبْرِيلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ فِي اليَقَظَةِ لَا فِي المَنَامِ، وَالمُعَوَّلُ عَلَيْهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي اليَقَظَةِ لَا فِي المَنَامِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) العَلَمُ: الجبَلُ. انظر لسان العبر (٩/ ٣٧٣).
(٢) اللَّمَمُ: هي صِغَارُ الذُّنُوبِ. انظر لسان العرب (١٢/ ٣٣٢). ومنهُ قوله تَعَالَى في سورة النَّجم آية (٣٢): ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ. . .﴾.
(٣) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٧٣).
[ ١ / ١٧٦ ]
* فُتُورُ الْوَحْي (١):
فَتَرَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ أَوَّلِ مَرَّةٍ رَأَى جِبْرِيلَ ﵇ فِيهَا، مُدَّةً يَسِيرَةً، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: حُبِسَ الْوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي أَوَّلِ مَرَّةٍ، وَحُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلَاءُ، فَجَعَلَ يَخْلُو فِي حِرَاءٍ (٢).
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَكَانَ ذَلِكَ -أَيْ فُتُورُ الْوَحْي- لِيَذْهَبْ مَا كَانَ -ﷺ- وَجَدَهُ مِنَ الرَّوْعِ، وَليَحْصُلَ لَهُ التَّشَوُّفُ إِلَى الْعَوْدِ (٣).
* رِوَايَةٌ مُرْسَلَةٌ ضَعِيفَةٌ:
قُلْتُ: وَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَوْلُهُ: . . . حَتَّى حَزِنَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِيمَا بَلَغَنَا حُزْنًا غَدَا مِنْهُ مِرَارًا كَيْ يَتَرَدَّى مِنْ رُؤُوسِ شَوَاهِقِ الْجِبَالِ، فَكُلَّمَا أَوْفَى (٤) بِذَرْوَةِ جَبَلٍ لِكَيْ يُلْقِي مِنْهُ نَفْسَهُ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا، فَيَسْكُنُ لِذَلِكَ جَأْشُهُ (٥)، وَتَقَرُّ نَفْسُهُ، فَيَرْجِعُ، فَإِذَا طَالَتْ عَلَيْهِ فَتْرَةُ الْوَحْي غَدَا
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٠): فتورُ الوحي عِبارةٌ عَنْ تأخُّرِهِ مُدَّةً منَ الزَّمانِ.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (١٥٠٣٣).
(٣) انظر فتح الباري (١/ ٤٠).
(٤) أوْفَى: أي أشْرَفَ وطَلَعَ. انظر النهاية (٥/ ١٨٤).
(٥) الجَأْشُ: القَلْبُ، يقال: فلانٌ رابِطُ الجَأْشِ: أي ثَابِتُ القَلْبِ لا يَرْتَاعُ، ولا ينزَعِجُ للعظَائِمِ والشَّدَائِدِ. انظر النهاية (١/ ٢٢٥).
[ ١ / ١٧٧ ]
لِمِثْلِ ذَلِكَ، فَإِذَا أَوْفَى بِذَرْوَةِ جَبَلٍ تَبَدَّى لَهُ جِبْرِيلُ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ (١).
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَهَذِهِ الْقِصَّةُ وَهِيَ مِنْ بَلَاغَاتِ الزُّهْرِيِّ، وَلَيْسَ مَوْصُولًا (٢).
قُلْتُ: وَلذَلِكَ لَمْ يَرْوِ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي كِتَابِ بَدْءِ الْوَحْي، وَإِنَّمَا رَوَاهَا فِي كِتَابِ التَّعْبِيرِ، لِيُبَيِّنَ ضَعْفَهَا.
* مُدَّةُ فُتُورِ الْوَحْي:
أَمَّا مُدَّةُ فُتُورِ الْوَحْي فَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّهَا كَانَتْ أَيَّامًا (٣)، وَهَذَا الَّذِي يَتَرجَّحُ بَلْ يَتَعَيَّنُ، وَأَمَّا مَا اشْتَهَرَ مِنْ أَنَّهَا دَامَتْ سِنَتَيْنِ وَنِصْفٍ أَوْ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ فَلَا يَصِحُّ بِحَالٍ بَعْدَ إِدَارَةِ النَّظَرِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ (٤).
قَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّدْ أَبُو شَهْبَة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَالَّذِي أُرَجِّحُهُ وَأَمِيلُ إِلَيْهِ أَنَّهَا كَانَتْ أَيَّامًا، وَأَنَّ أَقْصَاهَا أَرْبَعُونَ يَوْمًا، أَمَّا أَنْ يَقْضِي النَّبِيُّ -ﷺ- ثَلَاثَ سَنِينَ أَوْ سَنَتَيْنِ وَنِصْف مِنْ عُمُرِ الدَّعْوَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ مِنْ غَيْرِ وَحْيِ وَدَعْوَةٍ فَهَذَا مَا لَا تَقْبَلُهُ الْعُقُولُ، وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ نَقْلٌ صَحِيحٌ (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب التعبيرِ - بابُ أوَّل ما بُدِئَ به رسُولُ اللَّه -ﷺ- من الوحي - رقم الحديث (٦٩٨٢).
(٢) انظر فتح الباري (١٤/ ٣٨٣) - وانظر السِّلسلةَ الضَّعيفة للألباني ﵀ - رقم الحديث (٤٨٥٨).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٩٤).
(٤) انظر الرَّحيق المختوم ص ٦٩.
(٥) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة في ضوءِ القرآنِ والسُّنةِ للدكتور محمد أبو شهبة (١/ ٢٦٤).
[ ١ / ١٧٨ ]
* نُزُولُ الْوَحْي مَرَّةً ثَانِيَةً وَالْأَمْرُ بِالدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى:
لَمَّا عَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعْرِفَةَ الْيَقِينِ أَنَّهُ أَضْحَى نَبِيًّا للَّهِ الْكَبِيرِ الْمُتَعَالِ، وَأَنَّ الَّذِي جَاءَهُ هُوَ الْوَحْيُ مِنَ اللَّهِ ﷾، وَصَارَ تَشَوُّقُهُ وَارْتِقَابُهُ لِمَجِيءِ الْوَحْي سَبَبًا فِي ثَبَاتِهِ، وَاحْتِمَالِهِ عِنْدَمَا يَعُودُ، جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ لِلْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ.
وَكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَثْنَاءَ فَتْرَةِ الْوَحْي يَذْهَبُ إِلَى غَارِ حِرَاءٍ، فَيَخْلُو فِيهِ، وَبَيْنَا هُوَ نَازِلٌ ذَاتَ يَوْمٍ إِذْ سَمِعَ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ فَإِذَا جِبْرِيلُ ﵇ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا سَادًّا مَا بَيْنَ الْأُفُقِ، فَرُعِبَ مِنْهُ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ خَدِيجَةَ -﵂- فَقَالَ -ﷺ-: "زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي"، فزَمَّلُوهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (١).
إِنَّهُ النِّدَاءُ الْعُلْوِيُّ الْجَلِيلُ، لِلْأَمْرِ الْعَظِيمِ الثَّقِيلِ. . . نَذَارَةُ هَذِهِ الْبَشَرِيَّةِ وَإِيقَاظُهَا، وَتَخْلِيصُهَا مِنَ الشَّرِّ فِي الدُّنْيَا، وَمِنَ النَّارِ فِي الْآخِرَةِ، وَتَوْجِيهُهَا إِلَى طَرِيقِ الْخَلَاصِ قَبْلَ فَوَاتِ الْأَوَانِ. . . وَهُوَ وَاجِبٌ ثَقِيلٌ شَاقٌّ، حِينَ يُنَاطُ بِفَرْدٍ مِنَ الْبَشَرِ -مَهْمَا يَكُنْ نَبِيًّا رَسُولًا- فَالْبَشَرِيَّةُ مِنَ الضَّلَالِ وَالْعِصْيَانِ، وَالتَّمَرُّدِ، وَالْعُتُوِّ، وَالْعِنَادِ، وَالْإِصْرَارِ، وَالِالْتِوَاءِ، وَالتَّفَصِّي مِنَ هَذَا الْأَمْرِ، بِحَيْثُ تَجْعَلُ
_________________
(١) سورة المدثر آية (١ - ٥).
[ ١ / ١٧٩ ]
مِنَ الدَّعْوَةِ أَصْعَبَ وَأَثْقَلَ مَا يُكَلَّفُهُ إِنْسَانٌ مِنَ الْمَهَامِّ فِي هَذَا الْوُجُودِ (١).
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵄-: أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَحْي، قَالَ فِي حَدِيثِهِ -ﷺ-: "فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي، إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّمَاءِ، فَرَفَعْتُ بَصَرِي قِبَلَ السَّمَاءِ، فَإِذَا الْمَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءَ قَاعِدٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَجُئِثْتُ (٢) مِنْهُ حَتَّى هَوِيتُ (٣) إِلَى الْأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فَقُلْتُ: زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي، زَمِّلُونِي"، فَأَنَزْلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ إِلَى قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ قَالَ: ثُمَّ حَمِيَ الْوَحْيُ وَتَتَابَعَ (٤).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ قَالَ -ﷺ-: "فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي وَصُبُّوا (٥) عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا".
_________________
(١) في ظلال القرآن لسيد قطب (٦/ ٣٧٥٤).
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٢/ ١٧٩): أي فزِعْتُ ورُعِبْتُ.
(٣) هويت: أي سَقَطْتُ. انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٢/ ١٧٩).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - سورة المدثر - رقم الحديث (٤٩٢٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب بدء الوحي إلى رسول اللَّه -ﷺ- رقم الحديث (١٦١).
(٥) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٧٤٣): كأنَّ الحِكمَةَ في الصَّبِّ بعدَ التَّدَثُّرِ طلبُ حُصُولِ السُّكُونِ لما وقع في الباطنِ من الانزِعَاجِ، أو أَنَّ العادَةَ أَنَّ الرِّعْدةَ تعقبُهُا الحُمَّى، وقد عُرفَ مِنَ الطِّبِّ النبويِّ معالجتُهَا بالماءِ البَارِدِ.
[ ١ / ١٨٠ ]
قَالَ: فَدَثَّرُونِي وَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً بَارِدًا، فنَزَلَتْ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ (١).
كَانَتْ هَذِهِ أَوَّلُ آيَاتٍ نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْي، وَكَانَتْ هَذِهِ الْأَوَامِرُ الْمُتَتَابِعَةُ الْقَاطِعَةُ إِيذَانًا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِأَنَّ الْمَاضِي قَدِ انْتَهَى بِمَنَامِهِ وَهُدُوئِهِ وَسَلَامِهِ، وَأَنَّهُ أَمَامَ عَمَلٍ جَدِيدٍ يَسْتَدْعِي الْيَقَظَةَ، وَالتَّشْمِيرَ، وَالْإِنْذَارَ، وَالْإِعْذَارَ، فَلْيَحْمِلِ الرِّسَالَةَ، وَيُنْذِرِ النَّاسَ، وَلْيَأْنَسْ بِالْوَحْيِ، وَلْيَصْبِرْ عَلَى عَنَائِهِ، فَإِنَّهُ مَصْدَرُ رِسَالَتِهِ وَمَدَدُ دَعْوَتِهِ (٢).
فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَظَلَّ قَائِمًا بَعْدَهَا أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا! لَمْ يَسْتَرِحْ، وَلَمْ يَسْكُنْ، وَلَمْ يَعِشْ لِنَفْسِهِ وَلَا لِأَهْلِهِ، قَامَ وَظَلَّ قَائِمًا عَلَى دَعْوَةِ اللَّهِ. . . يَحْمِلُ عَلَى عَاتِقِهِ الْعِبْءَ الثَّقِيلَ البَاهِظَ، وَلَا يَنُوءُ بِه، عِبْءُ الْأَمَانَةِ الْكُبْرَى فِي هذِهِ الأَرْضِ، عِبْءُ البَشَرِيَّةِ كُلِّهَا، عِبْءُ العَقِيدَةِ كُلِّهَا، وعِبْءُ الكِفَاحِ والجِهَادِ فِي مَيَادِينَ شَتَّى. . . عَاشَ في المَعْرَكَةِ الدَّائِبَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ عَامًا، لَا يُلْهِيهِ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ في خِلَالِ هَذَا الأَمَدِ، مُنْذُ أَنْ سَمِعَ النِّدَاءَ الْعُلْوِيَّ الْجَلِيلَ، وَتَلَقَّى مِنْهُ التَّكْلِيفَ الرَّهِيبَ. . جَزَاهُ اللَّهُ عَنَّا وَعَنِ الْبَشَرِيَّةِ كُلِّهَا خَيْرَ الْجَزَاءِ (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب وربك فكبر - رقم الحديث (٤٩٢٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب بدء الوحي إلى رسول اللَّه -ﷺ- رقم الحديث (١٦١) (٢٥٧).
(٢) انظر فقه السِّيرة للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٩٠.
(٣) في ظلال القرآن (٦/ ٣٧٤٢ - ٣٧٤٣) لسَيِّد قطب ﵀.
[ ١ / ١٨١ ]
* نُزُولُ سُورةِ الْمُزَّمِّلِ:
ثُمَّ نزَلَتْ بَعْدَ سُورَةِ المُدَّثِّرِ مُبَاشَرَةً سُورَةُ الْمُزَّمِّلِ، فقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (٣) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (١).
وَالسُّورَةُ تَعْرِضُ صفْحَةً مِنْ تَارِيخِ هذ الدَّعْوَةِ. . . تَبْدَأُ بِالنِّدَاءَ الْعُلْوِيِّ الكَرِيمِ بِالتَّكْلِيفِ الْعَظِيمِ. . . وَتُصَوِّرُ الإِعْدَادَ لَهُ وَالتَّهْيِئَةَ بِقِيَامِ اللَّيْلِ، وَالصَّلَاةِ، وَتَرْتِيلِ القُرْآنِ، والذِّكْرِ الخَاشِعِ المُتَبَتِّلِ، والِاتِّكَالِ عَلَى اللَّهِ وحْدَهُ، والصَّبْرِ عَلَى الأَذَى، والهَجْرِ الجَمِيلِ للمُكَذِّبينَ.
قُمْ. . قُمْ لِلْأَمْرِ العَظِيمِ الذِي ينتَظِرُكَ، والْعِبْءَ الثَّقِيلِ المُهَيَّأِ لَكَ. قُمْ لِلْجَهْدِ وَالنَّصَبِ وَالْكَدِّ وَالتَّعَبِ. قُمْ فَقَدْ مَضَى وَقْتُ النَّوْمِ وَالرَّاحَةِ. . قُمْ فَتَهَيَّأْ لِهذَا الأمْرِ واسْتَعِدَّ. . . .
أَجَلْ مَضَى عَهْدُ النَّوْمِ ومَا عَادَ مُنْذُ اليَوْمِ إِلَّا السَّهَرُ والتَّعَبُ والجِهَادُ الطَّوِيلُ الشَّاقُّ (٢).
* افْتِرَاضُ قِيَامِ اللَّيْلِ:
وَكَانَ قِيَامُ الليْلِ فُرِضَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، وعَلَى أَصْحَابِهِ الكِرَامِ ﵃، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وأصْحَابُهُ حَوْلًا كَامِلًا حتَّى وَرِمَتْ أَقْدَامُهُمْ، فأنْزَلَ
_________________
(١) سورة المزمل الآيات (١ - ٤).
(٢) في ظلال القرآن (٦/ ٣٧٤٤) لسيِّد قطب ﵀.
[ ١ / ١٨٢ ]
اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى. . .﴾ (١). فصَارَ قِيَامُ الليْلِ تَطَوُّعًا بعْدَ فَرْضِيَّيهِ.
روَى الإِمَامُ مسلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ سَعِيدِ بنِ هِشَامٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رسُول اللَّهِ -ﷺ-. قالَتْ: أَلسْتَ تَقْرأُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟ .
قُلْتُ: بَلَى. قالَتْ: فإنَّ اللَّهَ ﷿ افْتَرَضَ قِيَامَ الليْلِ في أوَّل هذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ-، وَأصحاُبهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا (٢) اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ، حتَّى أنْزَلَ اللَّهُ، في آخِرِ هذِهِ السُّورَةِ، التَّخْفِيفَ، فَصارَ قِيَامُ الليْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ (٣).
قال الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: في قَوْلِ عائِشَةَ ﵂ هَذَا، ظَاهِرُهُ أَنَّهُ صَارَ تَطَوُّعًا فِي حَقِّ رسول اللَّهِ -ﷺ- والأُمَّةِ، فأمَّا الأُمَّةُ فهُوَ تَطَوُّعٌ في حَقِّهِمْ بِالْإِجْمَاعِ، وَأَمَّا النَّبيُّ -ﷺ- فاختَلَفُوا في نَسْخِهِ في حَقِّهِ، والأصَحُّ عِنْدَنَا نَسْخُهُ (٤).
_________________
(١) سورة المزمل آية (٢٠).
(٢) قولُها ﵂: وأمسَكَ اللَّه خَاتِمَتَهَا: تعني أنها مُتَأخِّرَةُ النُّزول عمَّا قبلها، وهي قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ. . .﴾ إلى آخر سورة المزمل.
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب جامع صلاة الليل، ومن نامَ عنه أو مرض - رقم الحديث (٧٤٦).
(٤) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٦/ ٢٣).
[ ١ / ١٨٣ ]
قَالَ أحْمَد شَوْقِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
يَا رَبِّ صَلِّ وَسَلِّم مَا أَرَدْتَ عَلَى نَزِيلِ عَرْشِكَ خَيْرِ الرُّسْلِ كُلِّهِمِ
مُحْيِي اللَّيَالِي صَلَاةً لَا يُقَطِّعُهَا إِلَّا بِدَمْعٍ مِنَ الْإِشْفَاقِ مُنْسَجِمِ
مُسَبِّحًا لَكَ جُنْحَ اللَّيْلِ مُحْتَمِلًا ضُرًّا (١) مِنَ السُّهْدِ (٢) أَوْ ضُرًّا مِنَ الْوَرَمِ
رَضِيَّةً نَفْسُهُ لَا تَشْتَكِي سَأَمًا وَمَا مَعَ الْحُبِّ إِنْ أَخْلَصْتَ مِنْ سَأَمِ
يَا رَبِّ صَلِّ عَلَى آلٍ لَهُ نُخَبٍ جَعَلْتَ فِيهِمْ لِوَاءَ الْبَيْتِ وَالْحَرَمِ
بِيضُ الْوُجُوهِ وَوَجْهُ الدَّهْرِ ذُو حلكٍ شُمُّ الْأُنُوفِ وَأَنْفُ الْحَادِثَاتِ حَمِي
* وَهْمُ ابنِ إسْحَاقَ في نُزُولِ سُورَةِ الضُّحَى:
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ فَتَرَ الوَحْيُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَتْرَةً مِنْ ذَلِكَ، حتَّى شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَأَحْزَنَهُ، فجَاةُ جِبْرِيلُ بِسُورَةِ الضُّحَى، يُقْسِمُ لَهُ رَبُّهُ، وَهُوَ الَّذِي أَكْرَمَهُ بِمَا أَكْرَمَهُ بِهِ، مَا وَدَّعَهُ، وَمَا قَلَاهُ، فَقَالَ تَعَالَ: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا
_________________
(١) الضَّرَة: شدة الحال. انظر لسان العرب (٨/ ٤٥).
(٢) السُّهْدُ: القليل من النوم. انظر لسان العرب (٦/ ٤٠٨).
[ ١ / ١٨٤ ]
سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ (١).
* رِوَايَةُ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا أَصَحُّ:
روَى الشَّيْخَانِ في صحِيحَيْهِمَا عَنْ جُنْدُبِ بنِ سُفْيَانَ الْبَجَلِيِّ قَالَ: اشْتَكَى رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمْ يَقُمْ لَيْلَتِيْنِ، أَوْ ثَلَاثًا، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ (٢) فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ شَيْطَانُكَ قَدْ تَرَكَكَ، لَمْ أَرَهُ قَرُبَكَ مُنْذُ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى. . .﴾ (٣).
وَعَلَى هَذَا فَتَكُونُ سُورَةُ الضُّحَىُ نَزَلَتْ فِي فَتْرَةٍ أخْرَى غَيْرِ هذِهِ الفَتْرَةِ الَّتِي كَانَتْ بَعْدَ ابْتِدَاءَ الْوَحْي، فَإِنَّ تِلْكَ دَامَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْتُ فِي فَتْرَةِ الوَحْي، وَأَمَّا هذِهِ فَلَمْ تَكُنْ أَكْثَرَ مِنْ لَيْلَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، فاخْتَلَطَتَا وَاشْتَبَهَتَا
_________________
(١) سورة الضحى - والخبر في سيرة ابن هشام (١/ ٢٧٨).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٣/ ٣١٣): هي أُمُّ جميلٍ العَوْرَاءُ بنتُ حَرْبٍ، وهي أُختُ أبي سُفيان بنِ حَربٍ، وامرأةُ أبي لَهَبٍ، وكانتْ هذهِ المرأةُ تَمْشِي بالنَّمِيمَةِ بينَ الناسِ، وكانت تُعَيِّرُ رسول اللَّه -ﷺ- بالفَقْرِ، ثم كانت معَ كثْرَةِ مالِهَا تَحْمِلُ الحَطَبَ على ظَهْرِهَا، لشِدَّةِ بُخْلِهَا، وكانت تَطْرَحُ الشَّوْكَ بالليلِ على طريق النبيِّ -ﷺ-، وقد بشَّرَها اللَّه تَعَالَى بالنارِ فقال اللَّه تَعَالَى في سورة المسد آية (٥): ﴿. . . فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾ أي في عُنُقِهَا حبلٌ منْ نَارٍ.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التهجد - باب ترك القيام للمريض - رقم الحديث (١١٢٤) - وأخرجه في كتاب التفسير - باب سورة الضحى - رقم الحديث (٤٩٥٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب ما لقي النبي -ﷺ- من أذى المشركين - رقم الحديث (١٧٩٧) (١٥).
[ ١ / ١٨٥ ]
عَلَى بَعْضِ العُلَمَاءِ (١).
ورَوَى الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "سَأَلْتُ رَبِّي ﷿ مَسْأَلةً وَدِدْتُ أنِّي لَمْ أَكُنْ سَأَلْتُهُ، قُلْتُ: أَيْ رَبِّ قَدْ كَانَتْ قَبْلِيَ الأنْبِيَاءُ، مِنْهُمْ مَنْ سَخَّرْتَ لَهُ الرِّيحَ، ثُمَّ ذَكَرَ سُلَيْمَانَ بْنَ دَاوُدَ -ﷺ-، وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى، ثُمَّ ذَكَرَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ -ﷺ-، ومِنْهُمْ ومِنْهُمْ يَذْكُرُ مَا أُعْطُوا.
قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَيْتُ؟ قُلْتُ: بَلَى، أَيْ رَبِّ.
قَالَ: أَلَمْ أَجِدْكَ ضَالًّا فَهَدَيْتُ؟ قلتُ: بلَى، أيْ رَبِّ.
قَالَ: ألَمْ أَجِدْكَ عَائِلًا (٢) فأَغْنَيْتُ؟ قلتُ: بلَى، أيْ رَبِّ.
قَالَ: ألَمْ أشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْتُ عَنْكَ وِزْرَكَ؟
قلْتُ: بَلَى، أَيْ رَبِّ" (٣).
* مَرَاتبُ الوَحْي وَشِدَّةُ نُزُولِهِ:
لِلْوَحْيِ مَرَاتِبُ شَتَّى بَعْضُهَا أَيْسَرُ مِنْ بَعْضٍ:
إحْدَاهَا: الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ، وَكَانَتْ مَبْدَأَ وَحْيِهِ -ﷺ-، وَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا
_________________
(١) وانظر فتح الباري (٩/ ٧٢٧)، والبداية والنهاية (٣/ ٢١).
(٢) العَائِلُ: الفَقِيرُ. انظر لسان العرب (٩/ ٥٠٢).
(٣) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٩٦٦).
[ ١ / ١٨٦ ]
جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ كَمَا ذَكَرْنَا آنِفًا.
ثَانِيهَا: مَا كَانَ يُلْقِيهِ الْمَلَكُ في رُوعِهِ وقَلْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرَاهُ، فعَنْ ابنِ مسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ". . . إِنَّ رُوحَ الْقُدُسِ، نَفَثَ في رُوعِي أَنَّهُ لَنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمُ اسْتِبْطَاءُ الرِّزْقِ عَلَى أَنْ تَطْلُبُوهُ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ، فَإِنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ لَا يُنَالُ إِلَّا بِطَاعَتِهِ" (١).
ثَالِثُهَا: أَنَّهُ -ﷺ- كَانَ يَتَمَثَّلُ لَهُ المَلَكُ رَجُلًا، فيُخَاطِبُهُ حتَّى يَعِي عَنْهُ ما يَقُولُ لهُ، وفِي هذ المَرْتَبَةِ كَانَ يَرَاهُ الصَّحَابَةُ أحْيَانًا (٢).
رَابِعُهَا: أَنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِ في مِثْلَ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ، وكَانَ أشَدُّهُ عَلَيْهِ، فيَتَلَبَّسُ بِهِ المَلَكُ حتَّى إِنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ (٣) عَرَقًا في اليَوْمِ الشَّدِيدِ البَرْدِ، وحتَّى إِنَّ نَاقَتَهُ لَتَبْرُكُ بِهِ إِلَى الأَرْضِ إِذَا كَانَ رَاكِبَهَا، ولَقَدْ جَاءَهُ -ﷺ- الوَحْيُ كَذَلِكَ، وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -﵁- فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ حَتَّى كَادَتْ تَرُضُّهَا (٤).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب البيوع - باب إن اللَّه لا يُنالُ فَضْلُهُ بمَعْصِيَةٍ - رقم الحديث (٢١٨١) - وأبو نعيم في الحلية (١٠/ ٢٦) - وهو حديث صحيح بشواهده.
(٢) انظر حديث عمر -﵁- في: صحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان - رقم الحديث (٨)، وفيه أن النبي -ﷺ- قال: "يا عُمَرُ أتدرِي مَنِ السَّائِلُ؟ " قلتُ: اللَّهُ ورسوله أعلمُ، قال: "فَإِنَّهُ جبريلُ أتَاكُمْ يُعَلِّمكمْ دِينكُمْ".
(٣) يتفصَّدُ: أي يسيلُ. انظر النهاية (٣/ ٤٠٣).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٩/ ١٣٨): تَرَضُّهَا: أي تَدُقُّهَا.
[ ١ / ١٨٧ ]
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ الحَارِثَ بنَ هِشَامٍ ﵁، سَألَ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فقَالَ: يا رسُولَ اللَّهِ: كيفَ يَأْتِيكَ الوَحْيُ؟ فقَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أحْيَانًا يَأْتِينِي مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهُوَ أشَدُّهُ عَلَيَّ، فيُفْصَمُ عَنِّي، وَقَدْ وَعَيْتُ عَنْهُ مَا قَالَ، وأحْيَانًا يتَمَثَّلُ لِيَ المَلَكُ رَجُلًا فيكَلِّمُنِي فَأَعِي ما يَقُولُ" (١).
وعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: ولَقَدْ رأيْتُهُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ الوَحْيُ في اليَوْمِ الشَّدِيدِ (٢) البَرْدِ فَيَفْصِمُ عَنْهُ، وَإنَّ جَبِينَهُ لَيَتَفَصَّدُ عَرَقًا (٣).
وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عنْهَا أيضًا أَنَّهَا قَالَتْ: . . . فَأخَذَهُ ما كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ البُرَحَاءِ (٤) عِنْدَ الْوَحْي، حتَّى إنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الجُمَانِ (٥) مِنَ العَرَقِ، في
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب بدء الوحي إلى رسول اللَّه -ﷺ- رقم الحديث (٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب عرق النبي -ﷺ- في البردِ، وحينَ يأتيهِ الوحيُ - رقم الحديث (٢٣٣٣) (٨٧).
(٢) قال الحافظ في الفتح (١/ ٣٢): وفي هذا دَلالةٌ على كثرةِ مُعَاناةِ التَّعَبِ، والكَرْبِ عند نُزُولِ الوحيِ، لِما فيه منْ مُخَالَفَةَ العَادَةِ، وهو كثرةُ العرَقِ في شِدَّةِ البردِ، فإنهُ يشعُرُ بوجُودِ أمرٍ طارئٍ زَائدٍ على الطِّباعِ البَشَرِيَّةِ.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب بدء الوحي إلى رسول اللَّه -ﷺ- رقم الحديث (٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب عرق النبي -ﷺ- في البرد - رقم الحديث (٢٣٣٣).
(٤) تأخُذُهُ البُرَحَاءُ: أي شِدَّةُ الكرب مِنْ ثِقَلِ الوَحْي. انظر النهاية (١/ ١١٣).
(٥) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٤١٨): الجُمانُ هو اللُّؤْلُؤُ، فشُبِّهَتْ قَطَرَاتُ عَرَقِهِ -ﷺ- بالجُمَانِ لمُشَابهتها في الصِّفَاتِ والحُسْنِ.
[ ١ / ١٨٨ ]
اليَوْمِ الشَّاتِي مِنْ ثِقَلِ القَوْلِ الذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ (١).
خَامِسُهَا: أَنَّهُ يَرَى الْمَلَكَ فِي صُورَتِهِ التِي خُلِقَ عَلَيْهَا، فَيُوحِي إِلَيْهِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يُوحِيَهُ، وهَذَا وَقَعَ لَهُ -ﷺ- مَرَّتَيْنِ، كَمَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ في سُورَةِ النَّجْمِ (٢).
سَادِسُهَا: مَا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيْهِ، وَهُوَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ لَيْلَةَ المِعْرَاجِ منْ فَرْضِ الصَّلَاةِ، وَغَيْرِهَا (٣).
سَابِعُهَا: كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لهُ مِنْهُ إِلَيْهِ بِلَا وَاسِطَةِ مَلَكٍ، كَمَا كَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ ﵇، وهذِهِ المَرْتَبَةُ هِيَ ثَابِتَةٌ لِمُوسَى ﵇
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا. . .﴾ - رقم الحديث (٤٧٥٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب في حديث الإفك - رقم الحديث (٢٧٧٠).
(٢) أخرج الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب معنى قول اللَّه ﷿: ولقدْ رآهُ نزلةً أخرى - رقم الحديث (١٧٧) عن عائشة ﵂ أن النبي -ﷺ- قال: "لمْ أرَهُ -يعني جبريل ﵇- على صُورتهِ التي خُلِقَ عليها غيرَ هاتينِ المَرَّتَيْنِ، رأيته مُنْهَبطًا مِنَ السماء سَادًّا عِظَمُ خلقهِ ما بين السماء إلى الأرض". وروى الترمذي في جامعه بسند صحيح - كتاب التفسير - باب ومن سورة والنجم - رقم الحديث (٣٥٦٢) عن مَسْروقٍ قال: عن عائشة ﵂ قالت: . . . لم يَرَ محمّد -ﷺ- جبريل ﵇ في صُورتِهِ إلا مرَّتين: مرَّة عند سِدْرَة المُنْتَهَى، ومرَّة في جِيَادٍ لهُ ستمائة جَنَاحٍ قد سَدَّ الأُفُق.
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب المعراج - رقم الحديث (٣٨٨٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الإسْرَاءِ برسول اللَّه -ﷺ- إلى السَّموات وفرض الصلوات - رقم الحديث (١٦٢).
[ ١ / ١٨٩ ]
قَطْعًا بِنَصِّ القُرْآنِ (١)، وَثُبُوُتُهَا لِنَبِيِّنَا -ﷺ- هُوَ فِي حَدِيثِ المِعْرَاجِ (٢).
وقَدْ زَادَ بَعْضُهُمْ مرْتَبَةً ثَامِنَةً، وهيَ: تَكْلِيمُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ كِفَاحًا مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ، وهذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ: إنَّهُ -ﷺ- رَأَى ربَّهُ ﵎، وهِيَ مَسْأَلةُ خِلَافٍ بَيْنَ السَّلَفِ والخَلَفِ (٣).
قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الوَحْيُ مِنَ اللَّهِ ﷿ عَلَى أَنْبِيَائِهِ ﵈ عَلَى أنْوَاعٍ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ (٤)، قَالَ بعْضُ أهْلِ التَّفْسِيرِ:
الوَحْيُ الأَوَّلُ: مَا أرَاهُمْ فِي المَنَامِ، قَالَ عبَيْدُ بنُ عُمَيْرٍ: رُؤْيَا الأنْبِيَاءَ وَحْيٌ وَقَرَأ: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ (٥).
وَقَالَ غَيْرُ واحِدٍ منْ أهْلِ التَّفْسِيرِ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾
_________________
(١) قال تَعَالَى في سورة الأعراف آية (١٤٣): ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب المعراج - رقم الحديث (٣٨٨٧) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الإسراء برسول اللَّه -ﷺ- إلى السموات وفرض الصلوات - رقم الحديث (١٦٢).
(٣) انظر زاد المعاد لابن القيم (١/ ٧٩).
(٤) سورة الشورى آية (٥١).
(٥) سورة الصافات آية (١٠٢).
[ ١ / ١٩٠ ]
كَمَا كَلَّمَ مُوسَى ﵇ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ حتَّى قَالَ: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ (١)، وقولُهُ تَعَالَى: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ فهُوَ إرْسَالُ الرُّوحِ الأمِينِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ (٢).
وقد كان لنبينا -ﷺ- جميع هذه الأنواع، فقال اللَّه ﷿ في رؤياه: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ﴾ (٣).
* خَوْفُ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنْ نِسْيَانِ القُرْآنِ:
وَكَانَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَخَافُ مِنْ نِسْيَانِ الوَحْي، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ ابنِ عبَّاسٍ ﵄، في قولِهِ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُعَالِجُ (٤) مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً، وَكَانَ يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ. . فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (٥) قَالَ: جَمْعَهُ في صَدْرِكَ وَتَقْرَأهُ، . . ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾. .، قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأنْصِتْ، ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾، ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ، فَكَانَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أتَاهُ جِبْرِيلُ ﵇ اسْتَمَعَ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قرَأَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- كَمَا أقْرَأهُ (٦).
_________________
(١) سورة الأعراف آية (١٤٣).
(٢) سورة الشعراء الآية (١٩٣ - ١٩٤).
(٣) سورة الفتح آية (٢٨) - وانظر كلام الإمام البغوي في شرح السنة (١٣/ ٣٢٤).
(٤) قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٣): المعالجة: هي محاولة الشيء بمشقة.
(٥) سورة القيامة آية (١٦ - ١٧).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب بدء الوحي - رقم الحديث (٥) - وأخرجه في كتاب التفسير - باب فإذا قَرَآناهُ فاتَّبعْ قُرْآنَهُ - رقم الحديث (٤٩٢٩) - ومسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الاستماع للقراءة - رقم الحديث (٤٤٨) (١٤٨).
[ ١ / ١٩١ ]
* أدْوَارُ الدَّعْوَةِ في حيَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ- ومَرَاحِلُهَا:
مُنْذُ أَنْ تَلَقَّى النبِيُّ -ﷺ- أمْرَ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ في قولهِ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ. . وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ قامَ مِنْ فَوْرِهِ يدْعُو النَّاسَ إلى عِبَادَةِ اللَّه وحْدَهُ، ويَعْرِضُ عليهِمُ الأَخْذَ بهَذَا الدِّينِ الذِي أرْسَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وقدْ مرَّتِ الدَّعْوَةُ في حَيَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ- مُنْذُ بِعْثَتِهِ إلى وَفَاتِهِ بِفَتْرَتَيْنِ، تَمْتَازُ إحْدَاهُمَا عنِ الأُخْرَى تَمَامَ الامْتِيَازِ، وهُمَا:
١ - الفتْرَةُ المَكِّيَّةُ، واسْتَمَرَّتْ ثلاثَ عَشْرَةَ سَنَةٍ تَقْرِيبًا.
٢ - الفترَةُ المَدَنِيَّةُ، واسْتَمَرَّتْ عَشْرَ سَنوَاتٍ كامِلَةٍ.
وتَشْتَمِلُ كُلٌّ مِنَ الفَتْرَتَيْنِ عَلَى مَرَاحِلَ، لِكُلٍّ منْهَا خِصَائِصُ تَمْتَازُ بِهَا عَنْ غَيْرِهَا، ويظْهَرُ ذلِكَ جَلِيًّا بَعْدَ النَّظَرِ في الظُّرُوفِ التِي مرَّتْ بها الدَّعْوَةُ خِلَالَ الدَّوْرَيْنِ.
يُمْكِنُ تَقْسِيمُ الفَتْرَةِ المَكِيَّةِ إِلَى مَرْحَلَتَيْنِ:
١ - المَرْحَلَةُ الأُولَى: الدَّعْوَةُ السِّرِّيَّةُ، واسْتَمَرَّتْ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ.
٢ - المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ: الدَّعْوَةُ جَهْرًا، وبِاللِّسَانِ فَقَطْ، دُونَ قِتَالٍ، مِنْ بِدَايَةِ السَّنَةِ الرَّابعَةِ للبِعْثَةِ، حتَّى الهِجْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ.
[ ١ / ١٩٢ ]
أمَّا الفَتْرَةُ المَدَنِيَّةُ فيُمْكِنُ تَقْسِيمُهَا إِلَى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ:
* المَرْحَلَةُ الأولَى:
مَرْحَلَةٌ أُثِيرَتْ فيِها القَلَاقِلُ والفِتَنُ، وأُقِيمَتْ فيهَا العَرَاقِيلُ منَ الدَّاخِلِ، وزَحَفَ فيهَا الأعْدَاءُ إِلَى المَدِينَةِ لِاسْتِئْصَالِ خَضْرَائِهَا مِنَ الخَارجِ. واسْتَمَرَّتْ هذهِ المَرْحَلَةُ إِلَى عَامِ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ سنةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ.
* المَرْحَلَةُ الثَّانِيَةُ:
مرْحَلَةُ الهُدْنَةِ معَ الزَّعَامَةِ الوَثَنِيَّةِ، واسْتَمَرَّتْ حتَّى فَتْحِ مكَّةَ، في رَمَضَانَ سنةَ ثَمَانٍ منَ الهِجْرَةِ، وهِيَ مَرْحَلَةُ دَعْوَةِ المُلُوكِ، والأُمَرَاءِ إِلَى الإسْلَامِ.
* المَرْحَلَةُ الثَّالِثَةُ:
مرحَلَةُ دُخُولِ النَّاسِ في دِينِ اللَّهِ أفْوَاجًا، وهِيَ مرْحَلةُ تَوَافُدِ القَبَائِلِ والأقْوَامِ إِلَى المَدِينَةِ، واسْتَمَرَّتْ إِلَى انْتِهَاءِ حَيَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ- في رَبِيعٍ الأَوَّلِ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ مِنَ الهِجْرَةِ (١).
* * *
_________________
(١) انظر الرحيق المختوم ص ٧٤.
[ ١ / ١٩٣ ]
الدَّعْوَةُ السِّرِّيةُ
بَدَأ النبيُّ -ﷺ- يدْعُو إِلَى الإسْلَامِ سِرًّا (١) لِئَلَّا يُفَاجِئَ أَهْلَ مَكَّةَ بِما يُهَيِّجُهُمْ علَيْهِ، فَجَعَلَ يَعْرِض الإسْلامَ عَلَى أَلْصَقِ الناسِ بِهِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وأصْدِقَائِهِ، ويَعْرِضُهُ عَلَى كُلِّ مَنْ يَتَوَسَّمُ فِيهِ خَيْرًا مِمَّنْ يَعْرِفُهُمْ بِحُبِّ الحَقِّ، وَالخَيْرِ، ويَعْرِفُونَهُ بِالصِّدْقِ والصَّلَاحِ (٢).
* إسْلَامُ خَدِيجَةَ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ﵂:
كَانَ أوَّلُ مَن آمنَ به -ﷺ- مِنَ النِّسَاءَ، بَلْ أوَّلُ مَنْ آمنَ به عَلَى الإطْلَاقِ زَوْجُهُ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ﵂.
قَالَ ابنُ الأثِيرِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: خَدِيجَةُ أوَّلُ خَلْقِ اللَّهِ أَسْلَمَ بِإِجْمَاعِ المُسْلِمِينَ، لمْ يَتَقَدَّمْهَا رَجُلٌ ولا امْرَأَةٌ (٣).
_________________
(١) قلتُ: ممَّا يدلُّ على أن الدَّعوة أول ما بدأت كانت سِرِّية، ما رواه الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٨٣٢) عن عمرو بن عَبَسَة -﵁- قال: . . . سمعتُ بِرَجُلٍ بمكَّة يخبرُ أخبارًا، فقعَدْتُ على راحِلَتِي، فقدمتُ عليه، فإذا رسول اللَّه -ﷺ- مُسْتَخْفِيًا. . .
(٢) الرحيق المختوم ص ٧٥.
(٣) انظر أسد الغابة (٥/ ٢٦٠).
[ ١ / ١٩٤ ]
وَقَالَ الحَافِظُ في الإصَابَةِ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ زَوْجُ النبيِّ -ﷺ-، وأوَّلُ مَنْ صَدَّقَتْ ببعْثَتِهِ مُطْلَقًا (١)
وَقَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وآمَنَتْ به خدِيجَةُ بنتُ خُوَيْلِدٍ، وصَدَّقَتْ بِمَا جَاءَهُ مِنَ اللَّهِ، ووَازَرَتْهُ عَلَى أمْرِهِ، وكانَتْ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وبِرَسُولِهِ، وصدَّقَ بِمَا جَاءَ مِنْهُ، فخَفَّفَ اللَّهُ بِذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ -ﷺ-، فكان رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لا يَسْمَعُ شَيْئًا مِمَّا يَكْرَهُهُ مِنْ رَدٍّ عليْهِ، وتَكْذِيبٍ لَهُ، فَيُحْزِنُهُ ذَلِكَ، إِلَّا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ بِهَا إِذَا رَجَعَ إِلَيْهَا، تُثَبِّتُهُ وتُخَفِّفُ عَلَيْهِ، وتُصَدِّقُهُ وتُهَوِّنُ علَيْهِ أمْرَ النَّاسِ، رحِمَهَا اللَّهُ تَعَالَى (٢).
* إسْلامُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- (٣):
ثُمَّ أسْلَمَ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- ابْنُ عَمِّ النبيِّ -ﷺ-، ولَمْ يَبْلُغِ الحُلُمَ حِينَ أسْلَمَ، وكَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ عَلَى الصَّحِيحِ (٤)، ولَمْ يَعْبُدِ الأوْثَانَ قَطُّ لِصِغَرِهِ،
_________________
(١) انظر الإصابة (٨/ ٩٩).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٧٧).
(٣) هو عَلِيُّ بن أَبِي طَالِبٍ، ابنُ عَمِّ النبىِ -ﷺ-، وهو أوَّلُ من أسْلَمَ مِنَ الصِّبْيَانِ، وُلد قبلَ البِعْثَةِ بعشرِ سنينَ على الصَّحيح، فرُبِّيَ في حِجْرِ النبي -ﷺ- ولم يُفَارقْهُ، وشَهِدَ معه المَشَاهِدَ كُلَّها إلا غزْوَةَ تَبُوك، وزوَّجهُ ابنتهُ فاطمةَ، منَاقِبُهُ وفضائِلُهُ كثيرةٌ، حتَّى قال الإمام أحمدُ: لم يُنْقَلْ لِأَحَدٍ منَ الصَّحابَةِ ما نُقلَ لِعَلِيٍّ، قُتل -﵁- في صَبِيحَةَ يومِ الجُمُعة، في السابع عشر من رمضان، سنة أربعين من الهجرة. انظر الإصابة (٤/ ٤٦٤).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٦٦): الأصحُّ في سِنِّ عليّ -﵁- حينَ المبعثِ كَانَ عَشْرَ سنين.
[ ١ / ١٩٥ ]
وكَانَ فِي حِجْرِ (١) النَّبِيِّ -ﷺ- قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الصِّبْيَانِ (٢).
روَى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ وابْنُ إسْحَاقَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ مُجَاهِدِ بنِ جَبْرٍ قَالَ: كَانَ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَى عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، ومِمَّا صَنَعَ اللَّهُ لَهُ، وأرَادَهُ بِهِ مِنَ الخَيْرِ: أَنَّ قُرَيْشًا أصَابَتْهُمْ أزْمَةٌ شَدِيدَةٌ، وكَانَ أَبُو طَالِبٍ ذَا عِيَالٍ كَثِيرٍ، فقَالَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- لِعَمِّهِ العَبَّاسِ، وَكَانَ مِنْ أيْسَرِ بَنِي هَاشِمٍ: يَا أبَا الفَضْلِ إِنَّ أخَاكَ أبَا طَالِبٍ كَثِيرُ العِيَالِ، وقَدْ أصَابَ النَّاسَ مَا ترى مِنْ هَذِهِ الأزْمَةِ، فانْطَلِقْ بِنَا إِلَيْهِ نُخَفِّفْ عَنْهُ مِنْ عِيَالِهِ، آخُذُ مِنْ بَنِيهِ رَجُلًا، وتَأْخُذُ أَنْتَ رَجُلًا فَنَكْفُلُهُمَا عَنْهُ.
فَقَالَ العَبَّاسُ -﵁-: نَعَمْ، فانْطَلَقَا حتَّى أتَيَا أبَا طَالِبٍ، فقَالَا لَهُ: إنَّا نُرِيدُ أَنْ نُخَفِّفَ عنْكَ مِنْ عِيَالِكَ حتَّى تَنْكَشِفَ عنِ النَّاسِ مَا هُمْ فِيهِ، فَقَالَ لَهُمَا أَبُو طَالِبٍ: إِذَا تَرَكْتُمَا لِي عَقِيلًا فَاصْنَعَا مَا شِئْتُمَا، فأخَذَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيًّا -﵁- فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، وأَخَذَ العَبَّاسُ -﵁- جَعْفَرًا -﵁- فَضَمَّهُ إِلَيْهِ، فلَمْ يَزَلْ عَلِيُّ -﵁- مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ نَبِيًّا، فاتَّبَعَهُ عَلِيٌّ -﵁- وَآمَنَ بِهِ، وَصَدَّقَهُ، وأخَذَ العبَّاسُ -﵁- جَعْفَرًا -ﷺ-، ولمْ يَزَلْ جَعْفرُ -﵁-، معَ العبَّاسِ -﵁- حتَّى أسْلَمَ، واسْتَعنَى عَنْهُ (٣).
_________________
(١) يُقالُ: نَشَأ فلانٌ في حِجْرِ فُلانٍ: أي حَفْظِهِ وسِتْرِه. انظر لسان العرب (٣/ ٥٩).
(٢) انظر الرَّوْض الأُنُف (١/ ٤٢٦) - ودلائل النبوة للبيهقي (٢/ ١٦١ - ١٦٥) - سيرة ابن هشام (١/ ٢٨٢).
(٣) أخرج ذلك: الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب كفالة النبي -ﷺ- لعيال أبي طالب - رقم الحديث (٦٥٢٢) - وابن إسحاق في السيرة (١/ ٢٨٢).
[ ١ / ١٩٦ ]
* إسْلامُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ -﵁- (١):
ثمَّ أسلَمَ مَوْلاهُ (٢) زيدُ بنُ حَارِثَةَ الكَلْبِيّ -﵁-، وهُوَ أوَّلُ مَنْ أسْلَمَ مِنَ المَوَالِي، ويُقَالُ لَهُ حِبُّ النبيِّ -ﷺ-، وهُوَ الذِي آثَرَ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى وَالِدِهِ وأهْلِهِ.
وسَبَبُ وُجُودِهِ عِنْدَ النبيِّ -ﷺ- ما رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ وَحَسَّنَهُ، وابْنُ إسْحَاقَ في السِّيرَةِ: أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ (٣) قَدِمَ مِنَ الشَّامِ بِرَقِيقٍ، فِيهِمْ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ -﵁-، فدَخَلَتْ عليهِ خدِيجَةُ بنتُ خُوَيْلِدَ، فَقَالَ لهَا: اخْتَارِي أيَّ هَؤُلَاءِ الغِلْمَانِ شِئْتِ، فهُوَ لَكِ، فاختارَتْ زَيْدًا فأخَذَتْهُ، فلمَّا رآهُ النبيُّ -ﷺ- أعْجَبَهُ فَاسْتَوْهَبَهُ مِنْهَا، فَوَهَبَتْهُ لَهُ، فأعْتَقَهُ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وتَبَنَّاهُ، فَكَانَ يُدْعَى زَيْدَ بنَ مُحَمَّدٍ، وذلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ، وَكَانَ أبُوهُ حَارِثَةُ قَدْ جَزِعَ عليهِ جَزَعًا
_________________
(١) هو زَيْدُ بن حَارِثَةَ بن شُرَحْبِيلَ، أبو أسامة، وحِبُّ رسولِ اللَّهِ -ﷺ-، كان لخديجةَ أوَّلًا، فوَهَبَتْهُ إلى رسول اللَّه -ﷺ- قَبْلَ النُّبوةِ، فتَبَنَّاهُ، فكان يُقال له: زيدُ بن محمد، ولم يَزَل كذلك حتى أنزل اللَّه: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ "الأحزاب آية ٥"، وهاجرَ وشَهِدَ بَدْرًا وما بَعْدَها، إلى أن بَعَثَهُ رسول اللَّه -ﷺ- عامَ ثمانٍ للهجرةِ أمِيرًا على جيش مُؤْتَةَ، فلقُوا الروم هنالك في جَمْعٍ عَظِيمٍ في معركة مُؤْتَةَ، فقُتلَ هنالكَ -﵁-، وعُمْرُه خمس وخمسُونَ سنة. انظر الإصابة (٢/ ٤٩٤).
(٢) المَوْلَى: هو المَمْلُوكُ الذي أُعْتِقَ. انظر النهاية (٥/ ١٩٨).
(٣) هو حَكِيمُ بنُ حِزَامِ بن خُوَيْلِدٍ، ابنُ أخِي خَدِيجة بنتِ خُويلد زَوْجِ النبي -ﷺ-، وُلد في جَوْفِ الكعبَةِ، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ، تأخَّرَ إسلامه حتى أسلَمَ عامَ الفَتْحِ. وَكَانَ مِنَ المُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وأعطاهُ رسُول اللَّه -ﷺ- يومَ حُنَيْن مِائَةَ بَعِيرٍ، ثم حَسُنَ إسْلامُهُ. مات -﵁- سنة (٦٠ هـ)، وقيل غير ذلك. انظر أسد الغابة (٢/ ٤٤).
[ ١ / ١٩٧ ]
شَدِيدًا، وبكَى عليهِ حِينَ فَقَدَهُ، وَقَالَ فِيهِ:
بَكَيْتُ عَلَى زَيْدٍ ولَمْ أدْرِ مَا فَعَلْ أحَيٌّ فَيْرْجَى أمْ أتَى دُونَهُ الأَجَلْ
فَوَ اللَّهِ ما أدْرِي وإنِّي لسَائِلٌ أغَالَكَ بعْدِي السَّهْلُ أمْ غَالَكَ الجَبَلْ
ويَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ لَكَ الدَّهْرُ أَوْبَةٌ (١) فَحَسْبِي مِنَ الدُّنْيَا رُجُوعُكَ لِي بَجَلْ (٢)
تُذَكِّرُنِيهِ الشَّمْسُ عِنْدَ طُلُوعِهَا وَتَعْرِضُ ذِكْرَاهُ إِذَا غَرْبُهَا أَفَلْ (٣)
وإنْ هَبَّتِ الأرْوَاحُ هَيَّجْنَ ذِكْرَهُ فَيَا طُولَ مَا حُزْنِي عَلَيْهِ وَمَا وَجَلْ
سَأُعْمِلُ نَصَّ (٤) العَيْشِ فِي الأَرْضِ جَاهِدًا ولَا أسْأَمُ التَّطْوَافَ أَوْ تَسْأَمُ الإِبِلْ
_________________
(١) الأوب: الرجوع. انظر لسان العرب (١/ ٢٥٨).
(٢) البَجَل: العجب. انظر لسان العرب (١/ ٣١٩).
(٣) أفلت الشمس: غابت. انظر لسان العرب (١/ ١٦٧). ومنه قوله تعالى في سورة الأنعام آية (٧٦) على لسان إبراهيم ﵇: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾.
(٤) النَصُّ: منتهى الأشياء ومبلغ أقصاها. انظر لسان العرب (١٤/ ١٦٣).
[ ١ / ١٩٨ ]
حَيَاتِي أَوْ تَأْتِي عَلَيَّ مَنِيَّتِي فَكُلُّ امْرِئٍ فَانٍ وَإِنْ غَرَّهُ الأَمَلْ
فلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ بِمَكَّةَ قدِمَهَا لِيَفْدِيَهُ، فدَخَلَ حَارِثَةُ وَأخُوهُ عَلَى النبيِّ -ﷺ- فَقَالَ: يا ابنَ عبدِ اللَّهِ! يا ابنَ عبدِ المُطَّلِبِ! يا ابنَ هَاشِمٍ! يا ابنَ سَيِّدِ قَوْمِه! أنْتُمْ أَهْلُ الحَرَمِ، وجِيرَانُهُ وعِنْدَ بَيْتِهِ، تَفُكُّونَ العَانِي، وتُطْعِمُونَ الأسِيرَ، جِئْنَاكَ فِي ابْنِنَا عِنْدَكَ، فَامْنُنْ عَلَيْنَا، وَأحْسِنْ إلَيْنَا في فِدَائِهِ، فإنَّا سَنَرْفَعُ لَكَ فِي الفِدَاءِ. فَقَالَ رسولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ هُوَ"؟ قَالَا: زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ، فَدَعَى رسولُ اللَّهِ -ﷺ- زَيْدًا، فَقَالَ لَهُ: "إنْ شِئْتَ فَأقِمْ عِنْدِي، وإنْ شِئْتَ فَانْطَلِقْ مَعَ أبِيكَ"، فَقَالَ زَيْدٌ: بَلْ أُقِيمُ عِنْدَكَ، ومَا أنَا بِالذِي أَخْتَارُ عَلَيْكَ أحَدًا، أَنْتَ مِنِّي بِمَكَانِ الأبِ وَالأمِّ، فقَالَا: وَيْحَكَ يَا زَيْدُ أتَخْتَارُ العُبُودِيَّةَ عَلَى الحُرِّيَّةِ، وعَلَى أبِيكَ وعَمِّكَ وأَهْلِ بَيْتِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، إنِّي قَدْ رَأيْتُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ شَيْئًا، ما أنَا بِالذي أَخْتَارُ عَلَيْهِ أحَدًا أبَدًا، فَلَمْ يَزَلْ زَيْدٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حتَّى بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى، فَصَدَّقَهُ، وأسْلَمَ، وصَلَّى مَعَهُ، فأنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ (١) قَالَ: أنَا زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ (٢).
_________________
(١) سورة الأحزاب آية رقم (٥).
(٢) أخرج ذلك: الترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب مناقب زيد بن حارثة -﵁- رقم الحديث (٤١٤٩) - وابن إسحاق في السيرة (١/ ٢٨٤).
[ ١ / ١٩٩ ]
* بَنَاتُ النَّبِيِّ -ﷺ-:
كذَلِكَ سَارَعَ إِلَى الإِسْلَامِ بَنَاتُ النبيِّ -ﷺ-، لأنَّهُ لا شَكَّ في تَمَسُّكِهِنَّ قَبْلَ البِعْثَةِ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ أبُوهُنَّ مِنَ الِاسْتِقَامَةِ، وحُسْنِ السِّيرَةِ، والتَّنَزُّهِ عمَّا كَانَ يَفْعَلُهُ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ مِنْ عِبَادَةِ الأصْنَامِ، والوُقُوعِ في الآثَامِ، وفي اقْتِدَائِهِنَّ بِأُمِّهِنَّ في المُسَارَعَةِ إلى الإِيمَانِ.
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وَأَمَّا بَنَاتُهُ -ﷺ- فكُلُّهُنَّ أدْرَكْنَ الإِسْلَامَ، فأسْلَمْنَ وهَاجَرْنَ مَعَهُ -ﷺ- (١).
* إسْلَامُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- (٢):
أوَّلُ مَنْ أسْلَمَ مِنْ خَارجِ بَيْتِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- فَهُوَ أوَّلُ مَنْ آمَنَ بالرَّسُولِ -ﷺ- مِنَ الرِّجَالِ البَالِغِينَ الأَحْرَارِ، وَكَانَ صَدِيقًا للنبيِّ -ﷺ- قَبْلَ البِعْثَةِ، وهُوَ أَصْغَرُ مِنَ الرَّسُولِ -ﷺ- بسَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ تَقْرِيبًا، وَكَانَ يَعْلَمُ مِنْ صِدْقِهِ، وأَمَانَتِهِ، وحُسْنِ سجِيَّيهِ، وكَرَمِ أخْلَاقِهِ مَا يَمْنَعُهُ مِنَ الكَذِبِ عَلَى
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٢٧).
(٢) هوَ عبد اللَّه بن عثمان بن عامرٍ القُرَشِيُّ التَيْمِيُّ، صدِّيقُ هذ الأمةِ، وخَلِيفَة رسول اللَّه -ﷺ-. ولد بعد الفِيل بسنتينِ وأشهر، صَحِبَ النبي -ﷺ- قبلَ البِعْثَةِ، وسبقَ إلى الإيمان، واستَمَرَّ معهُ طُولَ إقامَتِهِ بمَكَّةَ، ورَافَقَهُ في الهِجْرَةِ، وفي الغارِ، وفي المَشَاهِدِ كُلِّهَا إلى أن ماتَ -ﷺ-، كان لَقَبُهُ عَتِيقًا، واشتهِرَ بهِ، وهو أفضَلُ هذهِ الأمَّة بعد نَبِيِّها -ﷺ-، ومناقِبُهُ تَفُوقُ الحَصْرَ. تُوُفي -﵁- يوم الاثنين في جمادى الأولى سنة ثلاث عشرة من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة. انظر الإصابة (٤/ ١٤٥).
[ ١ / ٢٠٠ ]
الخَلْقِ، وَلِهَذَا مَا إِنْ ذَكَرَ لَهُ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ بَادَرَ إِلَى تَصْدِيقِهِ، ولَمْ يتَلَعْثَمْ.
قَالَ الرَّسُولُﷺ- عنَه: "مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الإِسْلَامِ إِلَّا كَانَتْ عِنْدَهُ كبْوَةٌ (١)، ونَظَرٌ، وَتَرَدُّدٌ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ، مَا عَكَمَ (٢) عَنْهُ حِينَ ذَكرْتُهُ لَهُ، وَمَا تَرَدَّدَ فِيهِ" (٣).
* الأَدِلَّةُ عَلَى تَقَدُّمِ إِسْلَامِ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-:
قُلْتُ: الأَدِلَّةُ كَثِيرَةٌ عَلَى أَنَّ أبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقِ﵁- أوَّلُ مَنْ أسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ، فَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- عِنْدَمَا بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ: ألَسْتُ أحَقَّ النَّاسِ بِهَا؟ ألَسْتُ أوَّلَ مَنْ أسْلَمَ؟ (٤).
وروَى الحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ والإِمَامُ أَحْمَدُ في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ ولَهُ شَاهِدٌ عِنْدَ البَغَوِيِّ في مُعْجَمِ الصَّحَابَةِ وسَنَدُهُ حَسَنٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ
_________________
(١) الكَبْوَةُ: هي الوَقْفَةُ كَوَقفةِ العَاثِرِ، أو الوَقْفَةُ عِنْدَ الشَّيءِ يكرَهُهُ الإنسان. انظر النهاية (٤/ ١٢٧).
(٢) قال ابن هشام في السيرة (١/ ٢٨٨): عَكَمَ: أي تَلَبَّث.
(٣) أورد هذا الحديث ابن الأثير في جامع الأصول (٨/ ٥٨٥) -وعزاه إلى الديلمي في مسند الفردوس عن ابن مسعود -﵁- وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (١/ ٢٨٨) وإسناده منقطع.
(٤) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب في مناقب أبي بكر الصديق -﵁- رقم الحديث (٣٩٩٧) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦٤٢٢).
[ ١ / ٢٠١ ]
قَالَ: سَأَلْتُ ابنَ عبَّاسٍ -﵁-: مَنْ أوَّلُ مَنْ أسْلَمَ؟، فَقَالَ -﵁-: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، ثُمَّ قَالَ: أمَا سَمِعْتَ قَوْلَ حَسَّانٍ -﵁-:
إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا (١) مِنْ أخِي ثِقَةٍ فَاذْكُرْ أخَاكَ أبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا
التَّالِيَ الثَّانِيَ المَحْمُودُ مَشْهَدُهُ وأوَّلُ النَّاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُّسُلَا
والثَّانِيَ اثْنَيْنِ فِي الغَارِ المُنِيفِ وَقَدْ طافَ العَدُوُّ بِهِ إذْ صَعَّدَ الجَبَلَا
وَكَانَ حِبَّ (٢) رَسُول اللَّهِ قَدْ عَلِمُوا مِنَ البَرِيَّةِ لَمْ يَعْدِلْ بِهِ رَجُلَا
خَيْرُ البَرِيَّةِ أتْقَاهَا وأرَأَفَهَا بَعْدَ النَّبِيِّ وأوْفَاهَا بِمَا حَمَلَا (٣)
قَالَ الإِمَامُ السُّهَيْلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وفي مَدْحِ حَسَّانَ الذِي قَالَ فِيهِ، وسَمِعَهُ النبيُّ -ﷺ-، ولَمْ يُنْكِرْهُ دَلِيل عَلَى أَنَّهُ أوَّلُ مَنْ أسْلَمَ مِنَ الرِّجَالِ (٤).
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ -﵁- قَالَ: قَالَ النبيُّ -ﷺ-: "إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكُمْ، فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقَ، وَوَاسَانِي
_________________
(١) الشَّجْوُ: الحُزْنُ. انظر النهاية (٢/ ٤٠١).
(٢) الحِبُّ: أي مَحْبُوبُهُ. انظر النهاية (١/ ٣١٦).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب استنشاده -ﷺ- في مَدْحِ الصديق - رقم الحديث (٤٤٧٠) - وأخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة رقم الحديث (١٠٣) - وأخرجه البغوي في معجم الصحابة عن ابن عباس ﵄بسند حسن- وانظر الأبيات في ديوان حسان بن ثابت -﵁- ص ١٧٩.
(٤) الرَّوْض الأُنُف (١/ ٤٣١).
[ ١ / ٢٠٢ ]
بِنَفْسِهِ ومَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكوا لِي صَاحِبِي؟ " مَرَّتَيْنِ (١).
* مَنْزِلَتُهُ -﵁- فِي قُرَيْشٍ وَدَعْوَتُهُ لِلإِسْلَامِ:
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا أسْلَمَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁-، أظْهَرَ إسْلَامَهُ، ودَعَا إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ -ﷺ-، . . . وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مُؤَلَّفًا (٢) لِقَوْمِهِ، مُحَبَّبًا سَهْلًا، وكَانَ أنْسَبَ (٣) قُريْشٍ لِقرَيْشٍ، وأعْلمَ قرَيْشٍ بِهَا وَبِمَا، كَانَ فِيهَا مِنْ خيرٍ وشرٍّ، وكَانَ رَجُلًا تَاجِرًا، ذَا خُلُقٍ ومَعْرُوفٍ، وَكَانَ رِجَالُ قَوْمِهِ يَأْتُونَهُ، ويَأْلفونَهُ لِغَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الأمْرِ، لِعِلْمِهِ، وتِجَارَتهِ، وحُسْنِ مُجَالَسَتِهِ، فَجَعَلَ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَإِلَى الإِسْلَامِ مَنْ وثِقَ به مِنْ قَوْمِهِ، مِمَّنْ يَغْشَاهُ، ويَجْلِسُ إِلَيْهِ (٤).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب قول النبي -ﷺ-: "لوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا" - رقم الحديث (٣٦٦١).
(٢) قال الإمام السندي في شرح المسند (١٥/ ١٠٧): أي هُوَ مَحَلُّ ومَظِنَّةٌ للإِلْفِ، لحُسْنِ خُلُقِهِ، وكَرَمِ طَبْعِهِ، ومَحَبَّتِهِ لغَيْرِهِ، مثلَ ما يُحِبُّ لنفسِهِ.
(٣) يُقالُ: رجُلٌ نَسَّابَةٌ: أي بَليغُ العِلْمِ بالأنسَابِ. انظر النهاية (٥/ ٣٩).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٨٦).
[ ١ / ٢٠٣ ]
ذِكْرُ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-
فأسْلَمَ بِدُعَائِهِ -﵁-: عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ (١)، والزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ (٢)، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ بنُ عَوْفٍ (٣)، وسَعْدُ بنُ أَبِي وقَّاصٍ (٤)، . . . .
_________________
(١) هو عُثْمانُ بنُ عَفَّان بن أَبِي العَاصِ، أميرُ المؤمنينَ، وُلدَ بعدَ الفِيلِ بِسِتِّ سنين على الصَّحيح، أسلمَ قَدِيمًا وهاجَرَ الهجرَتَيْنِ، وزَوَّجَهُ النبي -ﷺ- ابنَتَيْهِ رُقيَّةَ، وأمَّ كُلْثُومٍ ﵄، فلذلكَ كَانَ يُلقَّب ذَا النُّورَيْنِ. وهو أحدُ العشَرَةِ المُبَشَّرِينَ بالجنَّةِ. قُتلَ يومَ الجُمُعَةِ لثمان عشرةَ خَلَتْ من ذِي الحجة بعدَ العَصْر سنة خمس وثلاثين للهجرة، ودُفِن ليلة السبت بين المغرب والعشاء، وهو ابنُ اثنينِ وثَمَانين سنة وأَشهُر على الصحيح المشهور. انظر الإصابة (٤/ ٣٧٧).
(٢) هو الزُّبير بنُ العَوَّام بن خُوَيلد، حَوَاري رسُولِ اللَّه -ﷺ-، وأمه صَفِية بنتُ عبدِ المُطَّلِبِ عَمَّة رسُول اللَّه -ﷺ-. أسلمَ قَدِيمًا، وَكَانَ عُمُرُهُ إذْ ذاكَ خمسَ عشرَةَ سنة على المَشْهُورِ، ولا خِلَافَ أَنَّهُ لم يبلغ العِشرين، وهو أحدُ العشَرَةِ المَشْهُودِ لهم بالجنَّة، قُتِلَ -﵁- في جمادى الأولى سنة ست وثلاثين، وعمرُهُ أربعٌ وسِتُّونَ سنةً، وقيلَ أربعٌ أو سبعٌ وخَمْسُون سنة، قتَلَهُ عَمْرُو بن جُرْمُوزٍ قبَّحه اللَّه. انظر أسد الغابة (٢/ ٢٠٩).
(٣) هو عبد الرحمنِ بن عَوْفٍ، أبو محمد الزهري من السَّابِقِينَ إلى الإسلام. هاجر إلى الحبشةِ، ثُمَّ إلى المدينة، وشهِدَ بَدْرًا، وأُحدًا، والمشَاهِدَ كُلَّها، ومناقبه -﵁- كثيرة، توفي سنة ثنتين وثلاثين عن خمس وسبعين سنة، ودُفِن بالبقِيع. انظر الإصابة (٤/ ٢٩٠).
(٤) هو سعْدُ بن مالكٍ، أبو إسحاق، أسلمَ قَدِيمًا سابع سَبْعَةٍ، وهو ابنُ تِسْعَ عشرة سنة. وهو أحد العشَرَةِ المشهُودِ لهم بالجنَّة، وهو أول من رَمَى بِسَهْمٍ في سبيل اللَّه، وكان مُجابَ الدَّعوَةِ مَشْهورًا بذلك. =
[ ١ / ٢٠٤ ]
وطَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ (١). فكَانَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ الذِينَ سَبَقُوا النَّاسَ هُمُ الرَّعِيلُ الأَوَّلُ، وطَلِيعَةُ الإِسْلَامِ.
فجَاءَ بِهِمْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ اسْتَجَابُوا لَهُ، وأسْلَمُوا وأصْبَحُوا مِنْ جُنُودِ الإِسْلَامِ المُخْلِصِينَ لِدَعْوَتِهِ.
ثمَّ تَلاهُمْ جَمْعٌ آخَرُ منَ المُسْلِمِينَ الأوَائِلِ وهُمْ: أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الجَرَّاحِ (٢)، وأَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الأسَدِ (٣)، والأرْقَمُ بنُ أَبِي الأَرْقَمِ (٤)، وعُثْمَانُ
_________________
(١) = توفِّي -﵁- بقَصْرِهِ بالعَقِيقِ قُرْب المدينة، فحُمِلَ إلى المسجِدِ النبوي، وذلك في سنة إحدى وخمسين، وقيل: لسِت، وقيل: سبع، وعمره ثلاث وثمانون سنة، وهو آخر العشرة المبَشَّرين بالجنةِ وفاةً. انظر أسد الغابة (٢/ ٣٠٧).
(٢) هو طلحَةُ بنُ عُبَيد اللَّه، القُرَشِيُّ التّيْمِيُّ، أحدُ العشَرَةِ المشهُودِ لهم بالجنَّة، وأحدُ السِّتة أصحاب الشُّورى الذين نَصَّ عليهم عُمَر بن الخطاب -﵁-، بقوله: تُوُفِّي رسُول اللَّه -ﷺ- وهوَ عنهُمْ راضٍ. قُتلَ -﵁- يومَ وقْعَةِ الجَمَل في العاشِرِ من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، وقد استَكْمَلَ مِنَ العُمُرِ يومئذٍ أربعًا وسِتِّين سنة. انظر الإصابة (٣/ ٤٣٠).
(٣) هُوَ عامرُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ الجَرَّاحِ، أحدُ العَشَرَةِ المشهُودِ لهم بالجنَّةِ، وأمِينُ هذه الأمَّة. أسلمَ قَدِيمًا وشَهِدَ المَشَاهِدَ كُلَّها، توفي -﵁- بطَاعُونِ عَمَوَاسٍ سنة ثماني عشرة، وله ثمان وخمسون سنة -﵁-. انظر أسد الغابة (٢/ ٥١٨).
(٤) هو عبدُ اللَّه بن عبدُ الأسَدِ القُرَشي المَخْزُومِيُّ، يكنى أبا سَلَمة، وهو ابن عمَّة رسول اللَّه -ﷺ-، أمُّه بَرَّة بنت عبدِ المطلب، وهو أخُو النبي -ﷺ-، وحمزةُ بن عبد المطلب من الرَّضاعةِ، أرضعتْهُمْ ثُوَيْبَةُ مَوْلاةُ أبي لَهَبٍ. منَ السَّابقين الأولين إلى الإسلام، شَهِد بدرًا وأُحُدًا، ومات في جمادى الآخرة سنة أربع من الهجرة. انظر أسد الغابة (٣/ ١١).
(٥) هُوَ الأرْقَمُ بنُ أَبِي الأَرْقَمِ، القُرَشِيُّ المَخْزُومِيُّ، كان مِنَ السَّابقينَ الأولينَ إلى =
[ ١ / ٢٠٥ ]
بنُ مَظْعُونٍ (١) وأخَوَاهُ قُدَامَةُ (٢) وعَبْدُ اللَّهِ (٣)، وعُبَيْدَةُ بنُ الحَارِثِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ (٤)، وَسَعِيدُ بنُ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ (٥)، وامْرَأتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ
_________________
(١) = الإسلام، شَهِدَ بَدْرًا، وهُوَ الذي اسْتَخْفَى رسُول اللَّه -ﷺ- في دَارِهِ، والمسلمون معه بَمَكَّةَ لمَّا خَافُوا المُشْرِكين. توفي -﵁- سنة ثلاث وخمسين، وهو ابنُ ثلاثٍ وثمانينَ سنة، ودُفِنَ بالبقيع -﵁-. انظر الإصابة (١/ ١٩٦).
(٢) هو عُثْمَانُ بن مظعُونٍ الجُمَحِيُّ، من سَاداتِ المُهَاجرين. أسلم بعد ثلاثةَ عشَرَ رَجُلًا، وهاجرَ الهِجْرَتَيْنِ، وشَهِدَ بدرًا، وكان مِنْ أشَدِّ الناس اجْتِهَادًا في العبادة، يصُومُ النَّهَارَ، ويقُومُ اللَّيْلَ، ويعتَزِلُ النِّسَاءَ. توفي -﵁- بعدَ شُهُودِهِ بَدْرًا في السنة الثانية من الهجرة، وهو أوَّل مَنْ مات بالمدينةِ من المُهَاجرين، وأول من دُفن بالبَقِيعِ منهم. انظر الإصابة (٤/ ٣٨١).
(٣) هو قُدَامَةُ بنُ مَظْعُونٍ القرشِيُّ الجُمَحِيُّ، وهو خالُ حَفْصَةَ وعبد اللَّه ابنَيْ عُمَرَ بن الخطاب ﵃ أجمعين، مِنَ السَّابِقِينَ الأوَّلين إلى الإسلام، وشَهِدَ بَدْرًا، وأُحُدًا، وسَائِر المشَاهِدِ معَ رسُولِ اللَّه -ﷺ-. تُوُفِّي -﵁- سنة ست وثلاثين من الهجرةِ، وهو ابن ثمان وستين سنة. انظر أسد الغابة (٣/ ٤٧٨).
(٤) هو عبد اللَّه بن مَظْعُون الجُمَحِيُّ، من السابقين إلى الإسلامِ، هاجَرَ إلى الحبشَةِ الهِجْرة الثانية، وشَهِدَ بَدرًا، وتوفي -﵁- في خِلافَةِ عُثْمَانَ بن عفَّان سنة ثلاثين من الهجرة وهو ابنُ سِتِّين سنة. انظر أسد الغابة (٣/ ٨١).
(٥) هو عُبَيْدَةُ بن الحارِثِ بن عبدِ المطلب القُرَشِيُّ، كان من السَّابقين إلى الإسلام، وشَهِدَ عبيدةُ بدرًا، وقُتِل فيها -﵁- وذلك سنةَ اثنتين من الهجرة. انظر الإصابة (٤/ ٣٥٣).
(٦) هو سَعِيدُ بنُ زَيْدِ بن عَمْرِو بن نُفَيْلٍ القُرَشِيُّ العَدَوِيُّ، أحدُ العَشَرَةِ المَشْهُودِ لهم بالجنة، وهو ابنُ عَمِّ عُمَرَ بن الخَطاب -﵁-، وكان صِهْرَ عُمَرَ زَوْجَ أختِهِ فاطِمَةَ بنتِ الخطاب. أسلمَ قَدِيمًا، وكان مُسْتَجَابَ الدَّعْوة. تُوُفي ﵁ بالعقيق، فحُمِلَ إلى المدينة سنة خمسين، وقيل: إحدى وخمسين، وهو ابن بِضْعٍ وسَبْعِينَ. انظر أسد الغابة (٢/ ٣٢٥).
[ ١ / ٢٠٦ ]
الخَطَّابِ (١)، وأسْمَاءُ (٢) بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وأُمُّ الفَضْلِ، وهِيَ لُبَابَةُ الكُبْرَى بِنْتُ الحَارِثِ (٣)، وخَبَّابُ بنُ الأرَتِّ (٤)، وعُتْبَةُ بنُ غَزْوَانَ (٥)، وعُمَيْرُ بنُ أَبِي
_________________
(١) هي فاطمَةُ بنتُ الخطَّاب القُرَشِيَّةُ العَدَوِيُّة، أختُ عمرَ بن الخطاب ﵃ أجمعين، أسلَمَتْ قَدِيمًّا أَوَّل الإسلام مع زَوْجِهَا سَعِيد، قبل إسلام أخِيهَا عُمَرَ -﵁-. انظر الإصابة (٨/ ٢١٨).
(٢) هي أسماءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدَيق، زوجِ الزُّبَيْرِ بن العوام، ووالِدَةُ عبد اللَّه بنِ الزُّبَيْرِ، وهِيَ أُخْتُ أُمِّ المؤمِنِين عَائشَة لأبيها، أسلمت قَدِيمًا بمَكة، وهي ذاتُ النِّطَاقَيْنِ، بلغتْ ﵂ مائةَ سنةٍ لم يَسْقُطْ لها سِنٌّ، ولم يُنْكَرْ لهَا عَقْلٌ. تُوفيت ﵂ بعدَ مَقْتَلِ ابنها عبدِ اللَّه بأيَّامٍ، وذلك في سنة ثلاث وسبعين للهجرةِ. انظر أسد الغابة (٥/ ٢٠٩). تنبيه مهم جدًّا: ذكر ابن إسحاق في السيرة (١/ ٢٩٠) وغيره إسلامَ عائِشَة ﵂، في السنة الأولى للبعثة، وهو وَهْمٌ؛ لأن عائشَةَ ﵂ لم تكنْ وُلدَتْ، فكيف تكونُ أسلمَتْ؟ وكان مولدُهَا ﵂ سنة أربع، وقيل: سنة خمس بعد النبوة.
(٣) هي لُبَابَةُ بنت الحارث، الهِلَالِيَّة، زوجةُ العبَّاس بنِ عبد المطلب -﵁-، وهيَ أُختُ أُمِّ المؤمنين مَيْمُونَةَ، وخالةُ خَالِدِ بن الوَليدِ، وأختُ أسماءَ بِنْتُ عُمَيْسٍ لِأُمِّهَا. توفِّيت ﵂ في خلافة عُثْمَانَ بن عَفَّان قبل زَوْجِها العباس. انظر الإصابة (٨/ ٢٩٩).
(٤) هو خَبَّابُ بنُ الأرَتِّ، حَلِيفٌ لبَنِي زُهْرَةَ، كان حَدّادًا يعمل السُّيُوفَ في الجاهلية، فأصابه سَبْيٌ فَبِيعَ بمَكَّةَ. كان -﵁- من السَّابقين الأولين إلى الإسلام، ومِمَّنْ عُذِّب في سبيل اللَّه تَعَالَى، وشَهِدَ بَدرًا، وأُحدًا، والمشَاهِدَ كُلَّها مع رسول اللَّه -ﷺ-. نزلَ الكُوفَةَ ومات بها، وهو أوَّل من دُفِنَ بالكوفَةِ مِنَ الصَّحَابة، وكان موته سنة سبع وثلاثين من الهجرة وعمره ثلاث وستون سنة -﵁-. انظر أسد الغابة (٢/ ١٠٣).
(٥) هو عُتْبَةُ بنُ غَزْوَانَ، أسلم سابعَ سَبْعَةٍ في الإِسْلَامِ، وهاجَرَ إلى الحبَشَةِ، وهو ابنُ أربعينَ سنةً، ثم عَاد إلى رسول اللَّه -ﷺ- وهو بمَكةَ، وشَهِدَ بَدْرًا، والمَشَاهِدَ مع رسول اللَّه -ﷺ-، وكان عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- أقرَّهُ على البصْرَةِ، فاستَعْفَى عُمَرَ عن وِلايتها، فأبى أن يُعْفِيَه، =
[ ١ / ٢٠٧ ]
وقَّاصٍ (١) أخُو سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وعَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ (٢) حَليِفُ بنِي زُهْرَةَ ﵃ أجْمَعِينَ.
* تَسَامُعُ النَّاسِ دَعْوَةَ الإِسْلَامِ:
ثُمَّ بَدَأَ النَّاسُ يَتَسَامَعُونَ بِرِسَالَةِ الإِسْلَامِ، وسَارَعَ الفُقَرَاءُ إِلَى الدُّخُولِ في الإِسْلَامِ، فأسْلَمَ مَسْعُودُ بْنُ رَبِيعَةَ القَارِي (٣)، وسَلِيطُ بنُ عَمْرٍو (٤)، وأخُوهُ حَاطِبٌ (٥)، . . . .
_________________
(١) = فقال -﵁-: اللهُمَّ لا تَرُدَّنِي إليها، فَسَقَطَ عن راحلته، فمات سنة سبع عشرة، وهو مُنْصَرِفٌ من مَكَّةَ إلى البصرة بموضعٍ يُقَالُ له: مَعْدِنُ بني سُليم. انظر أسد الغابة (٣/ ٢٠١).
(٢) هو عُمَيْرُ بنُ أَبِي وقَّاصٍ القرشي الزهري، أخُو سَعْدٍ، قَدِيمُ الإسلام، مُهَاجِرِيٌّ، شَهِد بَدرًا مع النبي -ﷺ-، وقُتِل فيها وهو ابن ستّ عشرة سنة، وذلك في السنة الثانية للهجرة. انظر أسد الإصابة (٤/ ٦٠٢).
(٣) هو عبدُ اللَّه بن مسعودٍ، الإمام الحَبْرُ، فقيهُ الأُمَّة. من السَّابِقِينَ الأولينَ، هاجرَ الهِجْرَتَيْنِ إلى الحبشةِ، وإلى المدينةِ، وهُوَ أوَّل من جَهَرَ بالقرآن، وأخذ مِنْ فَمِ الرَّسول -ﷺ- سبعين سورة، ما ينازِعُهُ فيها أحد، وشَهِدَ بدرًا، وأُحُدًا، والخَنْدَقَ، وبيعَةَ الرِّضْوَانِ، وسائرَ المَشَاهِد مع رسول اللَّه -ﷺ-، ومناقِبُهُ غَزِيرَةٌ. توفي -﵁- بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، ودُفِن بالبقيع وعمره ثلاث وستون سنة. انظر أسد الغابة (٣/ ٧٤).
(٤) هو مَسْعُود بن عمرو بن رَبِيعَةَ القَارِئُ، أسلمَ قَديمًا، وكان على المَغَانِمِ يوم حُنَيْن، وأمرَهُ رسول اللَّه -ﷺ- أن يَحْبِسَ السَّبايا والأموال بالجِعرَانَةِ. انظر الإصابة (٦/ ٨٠).
(٥) هو سَلِيطُ بن عَمْرٍو القُرَشي العَامِري، كان من المُهَاجِرِين الأولين مِمَّنْ هاجرَ الهِجْرَتَيْن، وهو الذِي بعثَهُ رسُول اللَّه -ﷺ- إلى هَوْذَةَ بنِ عَلِيٍّ الحَنَفِي مَلِكِ اليَمَامة، وذلك سنة ست أو سبع من الهجرة. انظر أسد الغابة (٢/ ٣٦٦).
(٦) هوَ حاطِبُ بن عَمْرٍو القُرَشي العامري، أسلمَ قَبْلَ دُخُول الرسول -ﷺ- دار الأرقَمِ بن أبي الأرقَمِ، وهو أوَّلُ مَنْ هاجَرَ إلى أَرضِ الحبَشَة، وشَهِدَ بَدْرًا مع النبي -ﷺ-. انظر الإصابة (٢/ ٦).
[ ١ / ٢٠٨ ]
وعَيَّاشُ بنُ أَبِي رَبِيعَةَ (١)، وامْرَأَتُهُ أسْمَاءُ بِنْتُ سَلَامَةَ (٢)، وخُنَيْسُ بنُ حُذَافَةَ (٣) وعَامِرُ بنُ رَبِيعَةَ (٤)، وعبْدُ اللَّهِ بنُ جَحْشٍ (٥)، وأخُوهُ أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ بنُ جَحْشٍ (٦)،
_________________
(١) هو عَيَّاشُ بن أبي رَبِيعة، أخُو أَبِي جَهْلٍ لِأُمِّه، أسلم قَدِيمًا، وهاجر إلى أَرضِ الحَبشَة، وهاجر إلى المدينة، ثم خَدَعَهُ أبو جَهل، والحارِث بن هِشَام، فرجَعَ معهُمَا، فأوثَقَاهُ وحبَسَاهُ بمَكَّةَ، ولما مُنِعَ عيَّاشٌ منَ الهجرة قنَتَ رسُول اللَّه -ﷺ- يَدْعو للمُسْتَضْعَفِينَ بمَكَّة، ويُسَمِّي منهم: الوَليد بن الوَليد، وسَلَمة بن هِشَام، وعَيَّاش بن أبي ربيعة. وقتل عَيَّاش -﵁- في معرَكَةِ اليَرْموك. انظر الإصابة (٣/ ٦٢٣).
(٢) هي أسماءُ بنتُ سَلَامَة، كانت من المُهَاجِرَات، هاجَرَت مع زَوْجِهَا عيَّاش بن أبي ربيعة إلى أَرضِ الحَبَشة، وولَدَتْ لهُ عَبْدَ اللَّه بن عَيَّاشٍ، ثم هاجرَت إلى المدينة. انظر أسد الغابة (٥/ ٢١٠).
(٣) هو خُنَيْسٌ -بالتصغير- بنُ حُذَافَةَ القُرَشِيُّ السَّهْمِيُّ، كان من السّابقين إلى الإسلام، هاجر إلى الحبشة، ثُمَّ رجع فهاجر إلى المدينة، وشَهِدَ بدرًا، وأصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ يوم أُحُدٍ فمات منها، وكان زوج حفصةَ بنت عمر بن الخطاب، فلما تُوُفِّي تزَّوجها رسول اللَّه -ﷺ-. انظر الإصابة (٢/ ٢٩٠).
(٤) هو عامرُ بنُ رَبِيعَةَ، كان أحدَ السَّابقين الأولين، وهاجر إلى الحبشة، ومعه امرأتُهُ لَيْلى بنت أبي حثمة، وهاجر إلى المدينة، وشَهِد بدرًا وما بعدها. توفي -﵁- سنة اثنين وثلاثين، وقيل سبع وثلاثين بعد قَتلِ عُثْمَانَ بأيَّام. انظر الإصابة (٣/ ٤٦٩).
(٥) هو عبدُ اللَّه بن جَحْشٍ، أُمُّهُ أمَيْمَةُ بنتُ عبدِ المطلب عَمَّةُ النبي -ﷺ-. أسلمَ قبلَ دُخُول الرسول -ﷺ- دار الأرقم، وهاجَرَ الهِجْرَتَيْنِ إلى أرض الحَبَشة، وهاجَرَ -﵁- إلى المَدِينة بأهلِهِ، ثم شَهِدَ بَدْرًا، وقُتِلَ -﵁- في أُحُدٍ. وكان عُمُرُهُ حِينَ قُتِلَ في أحُدٍ نَيِّفًا وأربعينَ سَنَةً. انظر أسد الغابة (٢/ ٥٦٥).
(٦) هو عَبد بنُ جَحْشٍ، يُكنى عبدٌ هذا أبا أَحْمَدَ، وغَلَبَتْ عليه كُنْيَتُهُ، وكان -﵁- من السَّابقين الأوَّلين إلى الإسلام، وكان أعمى، وكان شاعرًا، وهو مِمَّنْ هاجرَ إلى أَرضِ الحَبَشة مع =
[ ١ / ٢٠٩ ]
وجَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ (١)، وامْرَأتُهُ أسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ (٢)، وحَاطِبُ بنُ الحَارِثِ (٣)، وامْرَأَتُهُ فَاطِمَةُ بِنْتُ المُجَلَّلِ (٤)، . . . .
_________________
(١) = أخيهِ عبد اللَّه، ثم هاجَرَ إلى المدينةِ، وشَهِدَ بَدْرًا والمشَاهِدَ كُلَّهَا، وتوفي بعد وفَاةِ أُخْتِهِ زَيْنَبَ أُمِّ المُؤْمِنِينَ في سنة عشرين هجرية. انظر الإصابة (٧/ ٥).
(٢) هو جَعْفَرُ بنُ أبي طالِبٍ الهَاشِمِيُّ، ابنُ عَمِّ الرسول -ﷺ-، كان أشْبَهَ الناس برسُول اللَّه -ﷺ- خَلْقًا وخُلُقًا، مِنَ السَّابقين إلى الإسلام. هاجَرَ إلى الحَبَشَة، فأسلم النَّجَاشِيُّ، ومن تَبِعَهُ على يَدَيْهِ، ثم هاجَرَ منها إلى المدينة، فقدِمَ والنبي -ﷺ- بخَيبرَ، فتَلَقَّاهُ الرسول -ﷺ- واعْتَنَقَهُ. ثم أمَّرَهُ رسول اللَّه -ﷺ- على جَيْشِ غزْوَةِ مُؤْتَةَ إن قُتِلَ زَيْدُ بنُ حارِثَةَ -﵁-، واستشْهِدَ -﵁- في مُؤْتَةَ، وكانُ عُمُره -﵁- حين قُتِلَ إحدى وأربعين سنة. انظر الإصابة (١/ ٣٢٧).
(٣) هي أسماءُ بنتُ عُمَيْسٍ الخَثْعَمِيَّةُ. أسلمَتْ قَدِيمًا، وهاجَرَت إلى أرض الحبشةِ مَعَ زَوْجِهَا جعفر بن أبي طالب، ثم هاجَرَت إلى المدينة. ولمَّا استشهِدَ زَوْجُها جعفر في غزوة مُؤْتَة، زوَّجهَا رسول اللَّه -ﷺ- أبا بكْرٍ الصِّدِّيق -﵁-، فولدَتْ لهُ مُحَمَّدًا وقْتَ الإحرَامِ في حَجَّةِ الوَدَاعِ، ثم توفي الصِّدِّيق -﵁- فغَسَّلَتْهُ. فلما ماتَ أَبُو بكرٍ الصديقُ -﵁- تزوَّجَها عليُّ بن أبي طالب -﵁-، فولَدَتْ لهُ يَحْيى، ولا خِلافَ في ذلك. كَانَتْ ﵂ تُفَسِّرُ الأحلامَ، وكان عُمَرُ بن الخَطَّاب -﵁- يسألُهَا عن تَفْسِير الأحلامِ. انظر الإصابة (٨/ ١٤).
(٤) هو حَاطِبُ بنُ الحَارِثِ الجُمَحِيُّ، هاجرَ هو وزوجُهُ فاطمةُ بنت المُجَلَّل القرشية العامرية إلى أرض الحبشة، فولدتْ له ابنَيْه محمدًا والحارث، ومات -﵁- بأرض الحبشة. انظر أسد الغابة (١/ ٤١١).
(٥) هي فَاطِمَةُ بنتُ المُجَلَّلِ القُرَشِيَّةُ العَامِرِيَّةُ، أمُّ جَمِيل، كانت من السَّابقين إلى الإسلام، وممَّنْ هاجرَ إلى الحبشة هي وزوجُهَا حاطِبُ بن الحَارِثِ، وتوفي زوْجُهَا بالحبَشَةِ، وقدِمَتْ هِيَ وابناهَا إلى المَدِينَةِ. انظر الإصابة (٨/ ٢٧٧).
[ ١ / ٢١٠ ]
وأخُوهُ حَطَّابُ بنُ الحَارِثِ (١)، وامرَأتُهُ فُكَيْهَةُ بِنْتُ يَسَارٍ (٢)، ومَعْمَرُ بنُ الحَارِثِ (٣)، والسَّائِبُ بنِ مَظْعُونٍ (٤)، والمُطَّلِبُ بنُ أزْهَرَ (٥)، وامْرَأَتُهُ رَمْلَةُ بِنْتُ أبي عوفٍ (٦)، ونُعَيْمُ بنُ عَبْدِ اللَّه النَّحَّامُ (٧)، . . . .
_________________
(١) هو حَطَّابُ بنُ الحَارِثِ القُرَشي الجُمَحِيُّ، هاجر -﵁- إلى أرض الحبشة مع أخيه حَاطب ومعه امرأته فكيهَةُ بنتُ يَسَار، ومات حَطَّابٌ في الطرِيقِ إلى أرض الحبشةِ، لم يَصِلْ إِلَيْهَا. انظر أسد الغابة (٢/ ٣٣).
(٢) هي فكَيْهَةُ بنتُ يَسَارٍ امرأةُ حَطَّابِ بن الحارثِ الجُمَحِيِّ، ذكرها ابن إسحاق فيمنْ أسْلَمَ قَدِيمًا من المهاجرات، وقال ابن سعد: أسلمَتْ قَدِيمًا بمكة وبايَعَتْ وهَاجَرَتْ الهجرتَيْن. انظر الإصابة (٨/ ٢٨٢).
(٣) هو مَعْمَرُ بنُ الحَارِثِ القُرَشِي الجُمَحِيُّ أخو حَاطِبٍ وحَطَّابٍ، أسلمَ قبلَ دُخُولِ الرسول -ﷺ- دارَ الأَرقمِ، وهاجَرَ إلى المدينة، وشَهِدَ بَدرًا، وأُحُدًا والمشاهِدَ كلهَا، وتوفي في خِلافةِ عُمَر بن الخطاب -﵁-. انظر أسد الغابة (٤/ ١٧٢).
(٤) هو السَّائبُ بن مَظْعُونٍ الجُمَحِيُّ، أسلم في أول الإسلام، وهاجَرَ إلى الحبشة الهجرة الثانيةَ، وشَهِدَ بدرًا، والمشَاهِدَ كلهَا، وقُتل -﵁- في معركةِ اليَمَامة في خلافة أبي بكرٍ الصِّديق -﵁-، وعمره بضع وثلاثون سنة. انظر الإصابة (٣/ ٢٠).
(٥) هو المُطَّلِبُ بنُ أزْهَرِ بنِ عَبْدِ عَوْفٍ القُرَشِيُّ، من السابقين إلى الإسلام، ومِنْ مُهَاجِرَةِ الحبشة، وبها مات. انظر أسد الغابة (٤/ ١٣٩).
(٦) هي رَمْلَةُ بنتُ أَبِي عَوْفِ بن صبرَةَ بنِ سَهْمٍ، أسلمت بمَكة قديمًا، وبايعت وهاجرَت مع زوجها المطلبِ بن أزهرٍ إلى الحبشة، وولدت له ابنهُ عبد اللَّه. انظر الإصابة (٨/ ١٤٣).
(٧) هو نُعَيمُ بن عبدِ اللَّه النَّحَّام القُرَشِي العَدَوِيُّ. أسلم -﵁- قَدِيمًا أوَّل الإسلام. ولم يُهَاجر إلى المدينة إلا بعد سِت سنين للهجرة عام الحُدَيْبِيَةِ، وذلك بسببِ إنْفَاقِهِ على أرَامِلِ قومه، ثم شَهِدَ ما بعدها من المَشَاهِدِ، فلما قَدِمَ المدينة كان معه أربعُونَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، فاعتنَقَهُ النبي -ﷺ- وقبَّلهُ، وقُتِلَ -﵁- يوم اليَرْمُوكِ شَهِيدًا سنة خمس عشرة في =
[ ١ / ٢١١ ]
وعَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ (١) مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، وخَالِدُ بنُ سَعِيدِ بنِ العَاصِ (٢)، وامْرَأَتُهُ أَمَيمَةُ بِنْتُ خَلَفٍ (٣)، وأَبُو حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ (٤)، ووَاقِدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ (٥)، وخَالِدٌ (٦)،
_________________
(١) = خلافة عمر -﵁-، وقيل استُشْهِدَ بأجْنَادِينَ سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر -﵁-. انظر أسد الغابة (٤/ ٢٤٦).
(٢) هو عامرُ بنُ فُهَيْرَةَ، مولى أبي بَكر الصِّدِّيق، وكان مَمْلُوكا للطُّفيْلِ بن عبدِ اللَّه بن سخبرةَ، فأسلم، وهو مَمْلوك، فاشترَاهُ أبو بكر الصِّدِّيق من الطفيْلِ، فأعتقَهُ، وأسلم -﵁- قبل أن يَدْخُلَ النبي -ﷺ- دارَ الأرقمِ، وكان حسَنَ الإسلام، وعُذّبَ في اللَّه -﵁-، وشهد عامِرٌ غزوَةَ بَدْرٍ، وأُحُدٍ، وقُتِل -﵁- يوم بِئْرِ معونة سنة أربع من الهجرة، وهو ابن الأربعين سنة. انظر الإصابة (٣/ ٤٨٢).
(٣) هو خالدُ بن سَعِيدِ بن العاصِ القُرَشي الأمَوِيُّ، أحد السابقين الأولين، وهاجر -﵁- إلى الحبشَةِ مع امرَأتِهِ أُمَيْمَةُ بنتُ خَالِدٍ الخُزَاعِيَّةُ، وولدت له ابنهُ سَعِيد، وهاجر إلى المدينة مع جَعْفَرِ بن أَبِي طالبٍ، والنبي -ﷺ- بخيبر، ثم استعْمَلَهُ أَبُو بكر على جيشٍ من جيوشِ المسلمين حينَ بعثَهُم إلى الشام، فَقُتِل بِمَرْجِ الصُّفْرَةِ سنة أربع عشرة في صَدْرِ خِلافَةِ عمر بن الخطاب -﵁-. انظر الإصابة (٢/ ٢٠٢).
(٤) هي أمَيْمَةُ بنتُ خَلَفٍ الخُزَاعِيَّة، وهي زوج خَالِدِ بن سَعِيدِ بن العاصِ، من السابقات إلى الإسلام، هاجرت إلى الحبشة وولدت له سعيد. انظر أسد الغابة (٥/ ٢٢٠).
(٥) هو أبو حُذَيْفَةَ بن عُتْبَةَ بن رَبِيعَةَ، واسمُهُ مِهْشَمٌ، وقيل: هُشَيْمٌ، من المهاجرين الأوَّلين، وهاجر الهجرتين جميعًا، وشهد بدرًا، وأُحدًا، والمَشَاهد كلها، وقُتِل -﵁- يوم اليمامة شهيدًا وهو ابن ثلاث أو أربع وخمسين سنة. انظر الإصابة (٧/ ٧٤).
(٦) هو وَاقِدُ بنُ عَبْدِ اللَّه بنِ مَنَافٍ اليَرْبُوعِيُّ، أسلم قَبْلَ دخول الرسول -ﷺ- دار الأرقم، وهو أول من قتَل كافرًا في الإسلام، قتَل عَمْرَو بن الحَضْرَمِيِّ أول مَقْتُولٍ من المشركين في الإسلام، وشَهِد بدرًا، وأُحدًا، والمَشَاهِدَ كلهَا مع رسول اللَّه -ﷺ-، تُوفي -﵁- في خِلافة عمر بن الخطاب. انظر أسد الغابة (٤/ ٣٠٣).
(٧) هو خالدُ بن البُكَيْرِ اللَّيْثيُّ الكِنَانيُّ، من السابقين إلى الإسلام، وشهد بدرًا، وقُتِل -﵁- =
[ ١ / ٢١٢ ]
وَعَامِرٌ (١)، وعَاقِلٌ (٢)، وإيَاسٌ (٣) بَنُو البُكَيْرِ بنِ عَبْدِ يَالِيلَ، وعَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ (٤)، وصُهَيْبُ بنُ سِنَانٍ (٥) حَلِيفِ بَنِي تَيْمِ بنِ مُرَّهَ، . . . .
_________________
(١) = يوم الرَّجِيعِ في صفر سنة أربعٍ من الهجرة، وكان عُمُرُه -﵁- لما قُتل: ابن أربع وثلاثين سنة -﵁-. انظر الإصابة (٢/ ١٩٤).
(٢) هو عامرُ بن البُكَيْرِ، من السابقين الأولين، وشَهِدَ بَدْرًا هو وأخوتُهُ: إيَاسٌ، وعَاقِلٌ، وخالدٌ، وقُتِل عامرٌ -﵁- في معركة اليَمَامة شهيدًا. انظر أسد الغابة (٢/ ٥١١).
(٣) هو عاقلُ بن البُكَيْرِ، كان -﵁- من السابقين إلى الإسلام هو وأخوته: خالدٌ، وإيَاسٌ، وعامرٌ، وشهد هو وإخوته بدرًا. انظر الإصابة (٣/ ٤٦٦).
(٤) هو إياسُ بن البُكَيْر، من السابقين إلى الإسلام، أسلم -﵁- ورسول اللَّه -ﷺ- في دارِ الأرقم، وكان -﵁- من المُهَاجِرِينَ الأولين، وشهِدَ هو وأخوتُهُ بدرًا، وشهد -﵁- أُحدًا، والخنْدَقَ، والمشاهِدَ كُلَّها مع رسول اللَّه -ﷺ-، وتوفي -﵁- سنة أربع وثلاثين. انظر أسد الغابة (١/ ١٧٨).
(٥) هو عَمَّارُ بن ياسِرٍ المِذْحَجِيُّ ثم العَنْسِيُّ، مولى بني مَخْزُومٍ، أحد السابقين الأولين، وأمُّه سُمَيَّةُ، وهي أوَّل من استُشْهِدَ في سبيل اللَّه ﷿، واختُلِفَ في هِجْرَته إلى الحبشة، وهاجرَ إلى المدينة، وشَهِدَ بدرًا، والمشاهِدَ كلها مع الرسول -ﷺ-. قُتِل -﵁- مع عليٍّ بن أبي طالب بِصِفِّينَ في ربيع الأول سنة سبع وثلاثين، وله ثلاث وتسعون سنة، ودَفنَهُ عليّ في ثِيَابِهِ، ولم يُغَسِّلْهُ. انظر الإصابة (٤/ ٤٧٣).
(٦) هو صُهَيْبُ بن سِنَانٍ النِّمْرِيُّ، ويُعرف بالرُّومِيِّ، لأنهُ أقام في الرُّومِ مُدَّةً، وهو مِنْ أهل الجزيرةِ، سُبِيَ من قَرْيَةِ نِينَوَى في العراق، ثمَّ إنهُ جُلِبَ إلى مكة، فاشْتَرَاهُ عبد اللَّه بن جَدْعَان القُرَشِيُّ التَيْمِي، وكان -﵁- من السابقين الأوَّلين، وكان -﵁- من المُسْتَضْعَفِينَ بمَكة الذين عُذِّبُوا. وهاجر إلى المدينةِ، وكان -﵁- في لسَانِهِ عُجْمَةٌ شَدِيدَةٌ، وتوفي -﵁- بالمدينة سنة ثمان وثلاثين في شوال، وقيل: سنة تسع وثلاثين وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وقيل وهو ابنُ سَبْعِين سنة ودُفِنَ بالمدينة. انظر أسد الغابة (٢/ ٤٦١).
[ ١ / ٢١٣ ]
وبِلَالُ بنُ رَبَاحٍ الحَبَشِيُّ (١)، ومُصْعَبُ بنُ عُمَيْر (٢)، وعَمْرُو بنُ عبَسَةَ (٣) ﵃ أجْمَعِينَ.
أسْلَمَ هَؤُلَاءَ سِرًّا، وكَانَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- يَجْتَمعُ بِهِمْ، ويُرْشِدُهُمْ إِلَى الدِّينِ مُسْتَخْفِيًا، لِأَنَّ الدَّعْوَةَ كَانَتْ لا تَزَالُ فَرْدِيَّةً وسِرِّيَّةً، وَكَانَ الوَحْيُ قَدْ تَتَابَعَ وحَمِيَ بَعْدَ نُزُولِ أوَائِلِ سُورَةِ المُدَّثِّرِ، وكَانَتِ الآيَاتُ وقِطَعُ السُّوَرِ التِي تَنْزِلُ في هَذَا الزَّمَانِ آيَاتٍ قَصِيرَةً، ذَاتَ فَوَاصِلَ رَائِعَةٍ مَنِيعَةٍ، وإيقَاعَاتٍ هَادِئَةٍ خَلَّابَة تَتَنَاسَقُ معَ ذَلِكَ الجَوِّ الهَامِسِ الرَّقِيقِ، تَشْتَمِلُ عَلَى تَحْسِينِ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ،
_________________
(١) هو بِلالُ بنُ رَبَاحٍ، مَوْلى أبي بكر الصِّدِّيق، مُؤَذِّنُ رسول اللَّه -ﷺ-، من السَّابِقِينَ الأوَّلين. اشتَرَاهُ أبو بكر الصِّدِّيق -﵁-، ثم أعْتَقَهُ، فلزِمَ النَّبِيَّ -ﷺ- وأذَّنَ له، وكان -ﷺ- ممن عُذِّب في اللَّه ﷿، وشَهِدَ -﵁- بدرًا والمَشَاهد كلها، ومات في دمشق، وذلك في سنة عشرين من الهجرة، وهو ابن ثلاث وستين سنة. انظر الإصابة (١/ ٤٥٥).
(٢) هو مُصْعَبُ بن عُمَيْم، البَدْرِيُّ القُرَشِيُّ، كان -﵁- فَتى مَكَّة شَبَابًا وجَمَالًا، أسلمَ قَدِيمًا والنبي -ﷺ- في دار الأرقم بن أَبِي الأرقَمِ، وكتَمَ إسلامَهُ خَوْفًا من أُمِّهِ وقَوْمِهِ، فعلمَهُ عثمانُ بنُ طَلْحَةَ، فأعلَمَ أهْلَهُ فأوْثَقُوهُ، فلمْ يَزَلْ محبُوسًا إلى أن هَرَبَ معَ مَنْ هاجَرَ إلى الحبَشَةِ، ثم هاجَرَ إلى المدينة بعد بَيْعَةِ العَقَبَةِ الأولى ليُعَلِّمَ الناس القُرْآن، ويُصَلِّيَ بِهِمْ، وشَهِدَ مُصْعَبُ بَدرًا، ثم أحدًا، واستشهد بأُحُدٍ، قتلَهُ ابنُ قَمِئَةَ اللَّيْثيُّ لعنَهُ اللَّه. وكان عمره -﵁- عندما استُشْهِدَ أربعينَ سنة أو أكثر قليلًا. انظر أسد الغابة (٤/ ١٣٤).
(٣) هو عَمْرُو بن عَبَسَةَ، أبو نَجِيع السُّلَمِيُّ البَجَلِيُّ، أسلمَ قديمًا أول الإسلام. وهاجر إلى المدينة، وكان قُدُومُهُ المدينة بعد مُضِيِّ بدرٍ، وأُحُدٍ، والخندف، ونزل بعد ذلك بالشام. قال الحافظ: وأظُنُّهُ ماتَ في أواخر خِلافَةِ عُثْمَانَ، فإنني لمْ أرَ لهُ ذِكْرًا في الفِتْنَةِ، ولا في خِلافَةِ مُعَاوِيَةَ -﵁-. انظر الإصابة (٤/ ٥٤٥).
[ ١ / ٢١٤ ]
وتَقْبِيحِ تَلْوِيثِهَا بِالشَّهَوَاتِ، تَصِفُ الجَنَّةَ والنَّارَ كَأَنَّهُمَا رَأْيَ عَيْنٍ، تَسِيرُ بالمُؤْمِنِينَ فِي جَوٍّ آخَرَ غَيْرِ الذِي فِيهِ المُجْتَمَعُ البَشَرِيُّ آنذَاكَ (١).
* * *
_________________
(١) الرحيق المختوم ص ٧٦.
[ ١ / ٢١٥ ]
بدَايَةُ فَرْضِ الوُضُوءِ (١) والصَّلاةِ
كَانَ مِنْ أوَائِلِ مَا نَزَلَ: الأَمْرُ بالوُضُوءَ والصَّلَاةِ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇، أتاهُ في أوَّلِ ما أُوحِيَ إِلَيْهِ، فَعَلَّمَهُ الوُضُوءَ والصَّلَاةَ (٢).
ورَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ حِبَّانَ والحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عنِ ابنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: . . . دَخَلَتْ فَاطِمَةُ ﵂ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وهِيَ تَبْكِي، فقَالَتْ: هَؤُلاءَ المَلَأُ مِنْ قُرَيْشٍ، قَدْ تَعَاقَدُوا عَلَيْكَ لوْ قَدْ رَأَوْكَ، . . . فَقَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا بُنيَّةُ، ايتِيني بِوَضُوءٍ"، فتَوَضَّأَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِمُ المَسْجِدِ (٣).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وهَذَا الحَدِيثُ يَصْلُحُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ وُجُودَ الوُضُوءِ قَبْلَ الهِجْرَةِ، لا عَلَى مَنْ أنْكَرَ وُجُوبَهُ حِينَئِذٍ (٤).
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١/ ٣١٣): الوُضُوءُ بالضمِّ هو الفِعْلُ، وبالفتح الماءُ الذي يتوَضَّأُ به على المشهور فِيهِما، وهو مشْتَقٌّ مِنَ الوضَاءَةِ، وسمِّي بذلك؛ لأنَّ المُصَلِّي يَتَنَظَّفُ فَيَصِيرُ وَضِيئًا.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٤٨٠).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٦٢) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب المعجزات - رقم الحديث (٦٥٠٢) - والحاكم في المستدرك - كتاب الطهارة - باب يغتسل من أربع - رقم الحديث (٦٠٠).
(٤) انظر فتح الباري (١/ ٣١٤).
[ ١ / ٢١٦ ]
* أَمَّا أمْرُ الصَّلَاةِ:
فقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ (١)، قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِير في تَفْسِيرِ هذ الآيَةِ: كَانَتْ الصَّلَاةُ المَفْرُوضَةُ قَبْلَ الإِسْرَاءِ ثِنْتيْنِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ في وَقْتِ الفَجْرِ، وقَبْلَ الغُرُوبِ في وَقْتِ العَصْرِ، وقِيامُ اللَّيْلِ كَانَ وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، وعَلَى أُمَّتِهِ حَوْلًا، ثُمَّ نُسِخَ في حَقِّ الأمَّةِ وُجُوُبهُ، ثمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَسَخَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ كُلَّهُ لَيْلَةَ الإِسْرَاءَ بِخَمْسِ صَلَوَاتٍ (٢).
وَقَالَ القُرْطُبِيُّ في تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ (٣)، قَالَ: هِيَ صَلاةٌ كَانَتْ بِمَكَّةَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَوَاتُ الخَمْسُ رَكْعَتَانِ غُدْوَةً، ورَكْعَتَانِ عَشِيَّةً، فيَكُونُ هذَا مِمَّا نُسِخَ، واللَّهُ أعْلَمُ (٤).
وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: كَانَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- قَبْلَ الإِسْرَاءِ يُصَلِّي قَطْعًا، وكَذَلِكَ أصْحَاُبهُ، ولَكِنِ اخْتُلِفَ هَلْ افترِضَ قَبْلَ الصَّلَواتِ الخَمْسِ شَيْءٌ مِنَ الصَّلَوَاتِ أمْ لَا؟ فَيَصِحُّ عَلَى هَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ الفَرْضَ أوَّلًا كَانَ صَلَاةً قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، وصَلَاةً قَبْلَ غُرُوبِهَا، والحُجَّةُ فِيهِ قَوْلُه تَعَالَى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا. . .﴾ (٥).
_________________
(١) سورة ق آية (٣٩).
(٢) تفسير ابن كثير (٧/ ٤٠٩).
(٣) سورة غافر آية (٥٥).
(٤) انظر تفسير القرطبي (١٨/ ٣٧٢).
(٥) سورة طه آية (١٣٠) - وانظر كلام الحافظ في فتح الباري (٩/ ٦٧٥).
[ ١ / ٢١٧ ]
استِخْفَاءُ النَّبيِّ -ﷺ- والمُسْلِمِينَ في دَارِ الأَرْقَمِ
كَانَ الرَّسُولُ -ﷺ- يَأمُرُ أصْحَابَهُ بِالْتِزَامِ الحَيْطَةِ، والحَذَرِ، والتَّخَفِّي، وعَدَمِ الإعْلَانِ عَنِ الإِسْلَامِ إِلَى أَنْ يَقْضِيَ اللَّهُ أمْرَهُ، فكانُوا إِذَا أرَادُوا الصَّلاةَ خَرَجُوا إِلَى الشِّعَابِ، فَاسْتَخْفَوا فِيهَا بِصَلاتِهِمْ عَنْ أنْظَارِ قُرَيْشٍ، وقَدْ بَقُوا عَلَى ذَلِكَ طِيلَةَ مُدَّةِ الدَّعْوَةِ السِّرِّيَّةِ.
* أوَّلُ دَمٍ أُهْرِيقَ في الإِسْلَامِ:
وبَيْنَمَا سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- فِي نَفَرٍ مِنْ أصْحَابِ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في شِعْبٍ مِنْ شِعَابِ مَكَّةَ، إِذَا بِجَمَاعَةٍ مِنَ المُشْرِكِينَ يَظْهَرُونَ عَلَيْهِمْ، وهُمْ يُصَلُّونَ، فاسْتَنْكَرُوا عَمَلَهُمْ، وعَابُوا عَلَيْهِمْ ما يَصْنَعُونَ، فَلَمْ يَتْرُكْهُمُ المُشْرِكُونَ حتَّى قَاتَلُوهُمْ، واضطر المُسْلِمُونَ أَنْ يُدَافِعُوا عَنْ أَنْفُسِهِمْ، فَضَرَبَ سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- أحَدَ المُشْرِكِينَ بِلَحْيِ (١) بَعِيرٍ فَشَجَّهُ، فكَانَ هَذَا أوَّلَ دَمٍ أُهْرِيقَ فِي الإِسْلَامِ (٢).
رَوَى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ المُسَيِّبِ قَالَ: أَنَّ
_________________
(١) لَحْيُ البَعِيرِ: همَا العَظْمَانِ اللذَنِ فِيهما الأسنانُ مِنْ داخِلِ الفَمِ، ويكونُ للإنسَانِ والدَّابَّةِ. انظر لسان العرب (١٢/ ٢٥٩).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٠٠) - والكامل في التاريخ (١/ ٦٥٨).
[ ١ / ٢١٨ ]
سَعْدَ بنَ أَبِي وقَّاصٍ -﵁- أوَّلُ مَنْ أَهْرَاقَ دَمًا في سَبِيلِ اللَّهِ (١).
هَذَا الحَادِثُ مِنَ الِاعْتِدَاءِ عَلَى المُسْلِمِينَ خِلَالَ صَلاتِهمْ في الشِّعَابِ، حَمَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى نُصْحِ المُسْلِمِينَ بالتَّخَفِّي، والْتِزَامِ البُيُوتِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَنِ حتَّى تَسْتَقِرَّ الأَحْوَالُ، وخَاصَّةً أَنَّ المُسْلِمِينَ لَيْسَ لَهُمْ مِنَ القُوَّةِ مَا يُوَاجِهُونَ بِهِ قُرَيْشًا، ودَخَلَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وأصْحَابهُ دَارَ الأَرْقَمِ بنِ أَبِي الأَرْقَمِ المَخْزُومِيِّ عَلَى الصَّفَا، وكَانَتْ بِمَعْزِلٍ عَنْ أَعْيُنِ المُشْرِكِينَ ومَجَالِسِهِمْ، فاتَّخَذَهَا مَرْكَزًا لِلدَّعْوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، ولِاجْتِمَاعِهِ بالمُسْلِمِينَ مِنْ أَجْلِ الإِرْشَادِ والتَّعْلِيمِ، ويَتَعَهَّدُهُمْ بِالتَّرْبِيَةِ حتَّى كَوَّنَ -ﷺ- مِنْهُمْ أُناسًا يَسْتَهِينُونَ بِكُلِّ الآلَامِ والبَلاءِ في سَبِيلِ دِينهِمْ، وعَقِيدَتِهِمْ، وكَانَ مَنْ يُرِيدُ الإِسْلامَ يَأْتِي إِلَيْهَا مُسْتَخْفِيًا خَشْيَةَ أَنْ يَنَالَهُ أذًى مِنْ قُرَيْشٍ.
ومَكَثَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وأصْحَابُهُ في دَارِ الأَرْقَمِ بنِ أَبِي الأَرْقَمِ إِلَى أَنْ صَدَع رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بالدَّعْوَةِ كَمَا سَيَأْتِي.
مرَّتْ ثَلَاثُ سَنَوَاتٍ، والدَّعْوَةُ لَمْ تَزَلْ سِرِّيَّةً فَرْدِيَّةً، وخِلَالَ هَذِهِ الفَتْرَةِ تَكَوَّنَتْ جَمَاعَةٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَقُومُ عَلَى الأُخُوَّةِ والتَّعَاوُنِ، وتَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ وتَمْكِينهَا مِنْ مَقَامِهَا، ثُمَّ تَنَزَّلَ الوَحْيُ يُكَلِّفُ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِمُعَالَنَتِهِ قَوْمَهُ، ومُجَابَهَةِ بَاطِلِهِمْ، ومُهَاجَمَةِ أصْنَامِهِمْ جِهَارًا (٢).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب كان سعد -﵁- أول من أَهْرَاقَ دَمًا في سبيل اللَّه - رقم الحديث (٦١٦٩).
(٢) انظر فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٩٦.
[ ١ / ٢١٩ ]
الجَهْرُ بالدَّعْوَةِ
وأوَّلُ ما نَزَلَ بهَذَا الصَّدَدِ قولُهُ تَعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (١).
والسُّورَةُ التِي وَقَعَتْ فِيهَا الآيَةُ -وهِيَ سُورَةُ الشُّعَرَاءَ- ذُكِرَتْ فِيهَا أوَّلًا قِصَّةُ مُوسَى ﵇ مِنْ بِدَايَةِ نُبُوَّتِهِ إِلَى هِجْرَتِهِ مَعَ بَنِي إسْرَائِيلَ، ونَجَاتِهِمْ مِنْ فِرْعَونَ وقَوْمِهِ، وإغْرَاقِ آلِ فِرْعَونَ مَعَهُ، وقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلَى جَمِيعِ المَرَاحِلِ التِي مَرَّ بِهَا مُوسَى ﵇ خِلالَ دَعْوَةِ فِرْعَونَ وقَوْمِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
وهَذَا التَّفْصِيلُ إِنَّمَا جِيءَ بِهِ حِينَ أُمِرَ الرَّسُولُ -ﷺ- بِدَعْوَةِ قَوْمِهِ إِلَى اللَّهِ، لِيَكُونَ أَمَامَهُ، وأَمَامَ أَصْحَابِهِ نَمُوذَجًا لِمَا سَيَلْقَونَهُ مِنَ التَّكْذِيبِ، والِاضْطِهَادِ حِينَمَا يَجْهَرُونَ بالدَّعْوَةِ، ولِيَكُونُوا عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ أمْرِهِمْ مُنْذُ بِدَايَةِ دَعْوَتِهِمْ.
_________________
(١) سورة الشعراء الآيات من: (٢١٤ - ٢١٦).
[ ١ / ٢٢٠ ]
ومِنْ نَاحِيَةٍ أخْرَى تَشْتَمِلُ هَذِهِ السُّورَةُ عَلَى ذِكْرِ مَألِ المُكَذِّبِينَ لِلرُّسُلِ، مِنْ قَوْمِ نُوحٍ، وعَادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ إبْرَاهِيمَ، وقَوْمِ لُوطٍ، وأصْحَابِ الأَيْكَةِ -عِلَاوَةً عَلَى مَا ذُكِرَ مِنْ أمْرِ فِرْعَوْنَ وقَوْمِهِ- لِيَعْلَمَ الذِينَ سَيَقُومُونَ بِالتَّكْذِيبِ بِمَا يَؤُولُ إِلَيْهِ أمْرُهُمْ، وبِمَا سَيَلْقَوْنَ مِنْ مُؤَاخَذَةِ اللَّهِ إنِ اسْتَمَرُّوا عَلَى التَّكْذِيبِ، وليَعْرِفَ المُؤْمِنُونَ أَنَّ حُسْنَ العَاقِبَةِ لَهُمْ لَا لِلْمُكَذِّبِينَ (١).
ثُمَّ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (٢).
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ ﷿ أمَرَ رَسُولَهُ -ﷺ- أَنْ يَصْدَعَ بِمَا جَاءَهُ مِنْهُ، وَأَنْ يُبادِيَ النَّاسَ بِأَمْرِهِ، وَأَنْ يَدْعُوَ إِلَيْهِ، وكَانَ بَيْنَ مَا أَخْفَى رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أمْرَهُ، واسْتَترَ بِهِ إِلَى أَنْ أمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِإِظْهَارِ دِينِهِ ثَلاثَ سِنِينَ -فِيمَا بَلَغَنِي- مِنْ مَبْعَثِهِ، ثُمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٣).
رَوَى الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ عَنْ عبدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: ما زَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُسْتَخْفِيًا، حتَّى نَزَلَتْ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ فَخَرَجَ هُوَ وأصْحَابُهُ (٤).
_________________
(١) انظر الرحيق المختوم ص ٧٨.
(٢) سورة الحجر آية (٩٤).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٩٩).
(٤) انظر تفسير الطبري (٧/ ٥٤٩)، وتفسير ابن كثير (٤/ ٥٥١).
[ ١ / ٢٢١ ]
* الدَّعْوَةُ فِي الأَقْرَبِينَ:
بَدَأَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَتَنْفِيذِ أمْرِ ربِّهِ، فكَانَ أوَّلَ شَيْءٍ فَعَلَهُ أَنْ دَعَا جَمِيعَ ذَوِيهِ وأَهْلِ قَرَابَتِهِ، وعَشِيرَتِهِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، ونَفَرٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ، فَاجْتَمَعَ أرْبَعُونَ أَوْ خَمْسَة وأرْبَعُونَ رَجُلًا، فَصَنَعَ لَهُمْ مُدًّا مِنْ طَعَامٍ عَلَيْهِ رِجْلُ شَاةٍ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وبَقِيَ الطَّعَامُ كَمَا هُوَ كَأنَّهُ لَمْ يُمَسَّ، ثُمَّ دَعَا بِغُمَرٍ (١) مِنْ لَبَنٍ، فَشَرِبُوا حتَّى رَوَوْا وبَقِيَ الشَّرَابُ كأنَّهُ لَمْ يُمَسَّ، فَلَمَّا انْتَهَوْا مِنْ طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ بَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُخْبِرُهُمْ بِمَا أنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ، وأرَادَ -ﷺ- أَنْ يُكْمِلَ كَلَامَهُ ويَدْعُوَهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَابْتَدَرَهُ أَبُو لَهَبٍ الْكَلَامَ، وَقَالَ:
هَؤُلَاءَ هُمْ عُمُومَتُكَ وبَنُو عُمُومَتِكَ فتَكَلَّمْ بِمَا تُرِيدُ وَدعَ الصُّبَاةَ (٢)، واعْلَمْ أَنَّهُ لَيْسَ لِقَوْمِكَ بِالْعَرَبِ قَاطِبَةً طَاقَهٌ، وَأَنَّ أحَقَّ مَنْ أخَذَكَ فَحَبَسَكَ بَنُو أبِيكَ، إِنْ أَقَمْتَ عَلَى مَا أَنْتَ عَلَيْهِ، فَهُوَ أيْسَرُ عَلَيْكَ مِنْ أَنْ تَثِبَ عَلَيْكَ بُطُونُ قُرَيْشٍ وتُمِدَّهَا العَرَبُ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا جَاءَ عَلَى بَنِي أبِيهِ بِشَرٍّ مِمَّا جِئْتَهُمْ بِهِ.
فتَفَرَّقَ القَوْمُ، وَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في ذَلِكَ المَجْلِسِ.
ثُمَّ دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثَانِيَةً، وصَنَعَ لَهُمْ مِنَ الطَّعَامِ مِثْلَ مَا صَنَعَ أوَّلَ
_________________
(١) الغُمَر: بضم الغين وفتح الميم، هوَ القَدَحُ الصَّغِيرُ. انظر النهاية (٣/ ٣٤٥).
(٢) يُقالُ: صَبَأَ فُلانٌ إذا خَرَجَ مِنْ دِينٍ إلى دِينٍ غيره، وكانت العرب تُسَمِّي النبي -ﷺ- الصَّابِئَ، لأنه خرجَ مِنْ دِين قُرَيش إلى دينِ الإسلام. انظر النهاية (٣/ ٣).
[ ١ / ٢٢٢ ]
مَرَّةٍ، فأَكَلُوا وشَرِبُوا، ثُمَّ خَطَبَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ: "الحَمْدُ للَّهِ أحْمَدُهُ وأسْتَعِينُهُ، وأؤُمِنُ بِهِ، وأتَوَكَّلُ عَلَيْهِ، وأشهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ"، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "إِنَّ الرَّائِدَ (١) لَا يَكْذِبُ أهْلَهُ، وَاللَّهِ لَوْ كَذَبْتُ النَّاسَ جَمِيعًا مَا كَذَبْتُكُمْ، ولَوْ غَرَرْتُ النَّاسَ جَمِيعًا مَا غَرَرْتُكُمْ، وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهُ إِلَّا هُوَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ خَاصَّةً، وَإِلَى النَّاسِ كَافَّة، وَاللَّهِ لَتَمُوتُنَّ كَمَا تَنَامُونَ، وَلَتُبْعَثُنَّ كَمَا تَسْتَيْقِظُونَ، وَلَتُحَاسَبُنَّ بِمَا تَعْمَلُونَ، وَلَتُجْزَوُنَّ بِالْإِحْسَانِ إِحْسَانًا، وَبِالسُّوءِ سُوءًا، وَإِنَّهَا لَجَنَّةُ أبَدًا أَوْ لَنَارٌ أَبَدًا، وَاللَّهِ يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ مَا أَعْلَمُ شَابًّا فِي العَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلَ مِمَّا جِئْتُكُمْ بِهِ، إنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَقَدْ أمَرَنِي اللَّهُ تَعَالَى أَنْ أَدْعُوَكُمْ إِلَيْهِ، فَأَيُّكُمْ يُبَايِعُنِي عَلَى أَنْ يَكُونَ أخِي وَصَاحِبِي؟ ".
فقَالَ أَبُو طَالِبٍ: مَا أَحَبَّ إِلَيْنَا مُعَاوَنَتَكَ، وَأَقْبَلَنَا لِنَصِيحَتِكَ، وَأَشَدَّ تَصْدِيقًا لِحَدِيثِكَ، وهَؤُلَاءِ بَنُو أبِيكَ مُجْتَمِعُونَ، وَإِنَّمَا أنَا أحَدُهُمْ غَيْرَ أنِّي أسْرَعُهُمْ إِلَى مَا تُحِبُّ، فَامْضِ لِمَا أُمِرْتَ بِهِ، فَوَاللَّهِ لَا أزَالُ أَحُوطُكَ، وَأَمْنَعُكَ غَيْرَ أَنَّ نَفْسِي لَا تُطَاوِعُنِي عَلَى فِرَاقِ دِينِ عَبْدِ المُطَّلِبِ (٢).
ثُمَّ تَكَلَّمَ سَائِرُ القَوْمِ كَلَامًا لَيَّنًا غَيْرَ أَبِي لَهَبٍ فَإِنَّهُ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ
_________________
(١) أصْلُ الرَّائِدِ: الذي يَتَقَّدُم القومَ يُبْصِرُ لهم الكَلَأَ ومَسَاقِطَ الغَيْثِ. انظر النهاية (٢/ ٢٥٠).
(٢) أخرج ذلك كلَّه: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٧١) وأخرجه في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٢٢٠) - وإسناده صحيح.
[ ١ / ٢٢٣ ]
المُطَّلِبِ! هَذِهِ وَاللَّهِ السَّوْأَةُ، خُذُوا عَلَى يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى يَدَيْهِ غَيْرُكُمْ، فَإِنْ أَسْلَمْتُمُوهُ حِينَئِذٍ ذَلَلْتُمْ، وَإِنْ مَنَعْتُمُوهُ قُتِلْتُمْ.
فَقَالَتْ صَفِيَّةُ عَمَّةُ الرَّسُولِ -ﷺ- لِأَبِي طَالِبٍ: أيْ أُخَيَّ! أيَحْسُنُ بِكَ خُذْلَانُ ابْنِ أَخِيكَ؟ فَوَاللَّهِ مَا زَالَ العُلَمَاءُ يُخْبِرُونَ أَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ ضِئْضِئِ عَبْدِ المُطَّلِبِ نَبِيٌّ فَهُوَ هُوَ.
فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: هَذَا وَاللَّهِ البَاطِلُ وَالْأَمَانِيُّ، وكَلَامُ النِّسَاءِ فِي الحِجَالِ (١)، إِذَا قَامَتْ بُطُونُ قُرَيْشٍ، وقَامَتْ مَعَهَا العَرَبُ فَمَا قُوَّتُنَا بِهِمْ؟ فَوَاللَّهِ مَا نَحْنُ عِنْدَهُمْ إِلَّا أَكْلَةُ رَأْسٍ (٢)، فَقَالَ أَبُو طَالبٍ: واللَّهِ لَنَمْنَعَنَّهُ مَا بَقِينَا (٣).
* الدَّعْوَةُ عَلَى جَبَلِ الصَّفَا (٤):
بَعْدَمَا تَأَكَّدَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنْ تَعَهُّدِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ بِحِمَايَتِهِ، أخَذَ -ﷺ- يُفَكِّرُ فِي وَسِيلَةٍ جَدِيدَةٍ يُبَلِّغُ فِيهَا قَوْمَهُ رِسَالَةَ رَبِّهِ، فَصَعِدَ -ﷺ- جَبَلَ الصَّفَا ذَاتَ يَوْمٍ
_________________
(١) الحَجَلَةُ: بَيْتٌ كالقُبَّةِ يُسْتَرُ بالثِّيَابِ، وتُجمَعُ على حِجَالٍ. انظر النهاية (١/ ٣٣٤).
(٢) ما هُمْ إلا أكَلَةُ رَأْسٍ: أي قَلِيلٍ، قدر ما يُشْبعهُم رأسٌ واحِدٌ. انظر لسان العرب (١/ ١٧١).
(٣) انظر الكامل في التاريخ (١/ ٦٦٠)، وسبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد (٢/ ٣٢٢).
(٤) الصَّفَا والمَرْوَةُ: هُمَا جبلانِ بينَ بَطْحَاء مكة والمسجد، أما الصَّفا فمكان مُرْتَفِعٌ من جبلِ أَبِي قُبَيْسٍ بينهُ وبين المسجِدِ الحرام عَرْضُ الوادِي، ومن وَقَفَ على الصَّفا كان بِحِذَاءَ الحَجَرِ الأسوَدِ. انظر معجم البلدان (٥/ ١٩٢).
[ ١ / ٢٢٤ ]
فَقَالَ: "يَا صَبَاحَاهُ" (١)، فَقَالُوا: مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ (٢)؟، قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، وَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أرْسَلَ رَسُولًا لِيَنْظُرَ، فَجَاءَ أَبُو لَهَبٍ وقُرَيْشٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أرَأَيْتُكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ " (٣)، قالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا، قَالَ: "فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ"، فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًا لَكَ سَائِرَ اليَوْمِ! ألِهَذَا جَمَعْتَنَا؟، فنَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ (٤) وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ. . .﴾ (٥).
ورَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-: قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ
_________________
(١) هذه كلمَةٌ تقُولُهَا العرَبُ إذا صاحُوا للغَارَةِ؛ لأنَّهُم أكثر ما يُغِيرُونَ عند الصَّبَاحِ، ويسمُّون يومَ الغارَةِ يومَ الصَّبَاحِ، فكأن القائل: يا صَبَاحَاهُ، يقول: قد غَشِيَنَا العَدُوُّ. انظر لسان العرب (٧/ ٢٧٣).
(٢) يَهْتِفُ: يُنَادِي. انظر النهاية (٥/ ٢١١).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٤٥١): أرادَ بذلكَ تَقْرِيرَهُمْ بأنهم يَعْلَمُونَ صِدْقهُ إذا أخْبَرَ عن الأمرِ الغائِبِ.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٧٦٣): أَبُو لَهَبٍ هوَ ابنُ عبدِ المُطَّلِبِ واسمُهُ عبدُ العُزَّى، وكُنِّيَ أبا لَهَبٍ إما بِابنِهِ لهَب، وإما بشدَّةِ حمْرَةِ وجْنَتِهِ، وقد أخرج الفاكهي من طريق عبد اللَّه بن كثير، قال: إنما سُمِّيَ أبا لَهَب؛ لأن وَجْهَهُ كان يتَلَهَّبُ من حسْنِهِ. ووافق ذلك ما آل إليه أمرُهُ من أنَّه سيَصْلى نارًا ذات لَهَبٍ، ولهذا ذُكر في القرآن بكُنْيَتهِ دونَ اسمه، ولكونه بها أشْهَر.
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب وأنذر عَشِيرتك الأقربين - رقم الحديث (٤٧٧٠) - وباب سورة ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ - رقم الحديث (٤٩٧١) (٤٩٧٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب في قوله تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ - رقم الحديث (٢٠٨).
[ ١ / ٢٢٥ ]
-ﷺ- حِينَ أَنْزَلَ اللَّهُ ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قَالَ: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! اشْتَرُوا أنْفُسَكُمْ (١) لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! لَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، يَا عَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ! لَا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ويَا صَفِيَّةُ عَمَّةُ رَسُولِ اللَّهِ! لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، ويَا فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ! سَلِيني مَا شِئْتِ مِنْ مَالِي، لَا أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا" (٢).
ورَوَى الإِمَامُ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قُرَيْشًا، فَاجْتَمَعُوا، فَعَمَّ وخَصَّ، فَقَالَ: "يَا بَنِي كعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ! أَنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كعْبٍ! أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ! أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ! أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ! يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ! أنْقِذُوا أنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ! أنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبِلَالِهَا" (٣).
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٤٥٢): باعتبار تَخْلِيصِهَا منَ النار، كأنه قال: أسلموا تَسْلَمُوا من العذَاب، فكان ذلك كالشِّراء، كأنهم جَعَلوا الطاعة ثَمَنَ النَّجَاةِ، وفيه إشارةٌ إلى أن النفُوسَ كلها مُلكٌ للَّه تَعَالَى، وَأَنَّ مَنْ أطاعه حقَّ طاعتهِ في امتثالِ أوامرِهِ واجتنابِ نَوَاهيهِ وفَّى ما عليه من الثَّمَنِ.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب وأنذر عَشِيرَتك الأقربين - رقم الحديث (٤٧٧١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب في قوله تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ - رقم الحديث (٢٠٦).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب في قوله تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ - رقم الحديث (٢٠٤). =
[ ١ / ٢٢٦ ]
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وفِي الحَدِيثِ:
١ - أَنَّ الأَقْرَبَ لِلرَّجُلِ مَنْ كَانَ يَجْمَعُهُ هُوَ وَجَدٌّ أعَلَى، وكُلُّ مَنِ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي جَدٍّ دُونَ ذَلِكَ كَانَ أقْرَبَ إِلَيْهِ.
٢ - وَفِيهِ السِّرُّ فِي الأَمْرِ بِإِنْذَارِ الأقْرَبِينَ أوَّلًا أَنَّ الحُجَّةَ إِذَا قَامَتْ عَلَيْهِمْ تَعَدَّتْ إِلَى غَيْرِهِمْ، وإلَّا فكَانُوا عِلَّةً لِلْأَبْعَدِينَ في الِامْتِنَاعِ، وَأَنْ لَا يَأْخُذَهُ مَا يَأْخُذُهُ القَرِيبُ لِلْقَرِيبِ مِنَ العَطْفِ وَالرَّأْفَةِ فِيُحَابِيَهُمْ فِي الدَّعْوَةِ والتَّخْوِيفِ، فَلِذَلِكَ نَصَّ لَهُ عَلَى إنْذَارِهِمْ (١).
هَذِهِ الصَّيْحَةُ العَالِيَةُ هِيَ غَايَةُ البَلَاغِ، فَقَدْ فَاصَلَ الرَّسُولُ -ﷺ- قَوْمَهُ عَلَى دَعْوْتِهِ، وأوْضَحَ لِأَقْرَبِ النَّاسِ إِلَيْهِ أَنَّ التَّصْدِيقَ بِهَذِهِ الرِّسَالَةِ هُوَ حَيَاةُ الصِّلَةِ بَيْنَهُ وبَيْنَهُمْ، وَأَنَّ عَصَبِيَّةَ القَرَابَةِ التِي تَقُومُ عَلَيْهَا العَرَبُ ذَابَتْ فِي حَرَارَةِ هَذَا الإِنْذَارِ الآتِي مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ﷿.
لَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- كَبِيرَ المَنْزِلَةِ فِي بَلَدِهِ مَرْمُوقًا بِالثِّقةِ والمَحَبَّةِ، وهَا هُوَ ذَا يُوَاجِهُ مَكَّةَ بِمَا تَكْرَهُ، وَيَتَعَرَّضُ لِخِصَامِ السُّفَهَاءِ والكُبَرَاءِ، وأوَّلُ قَوْمٍ يُغَامِرُ بِخُسْرَانِ مَوَدَّتهمْ هُمْ عَشِيرَتُهُ الأقْرَبُونَ، لَكِنْ هَذِهِ الآلَامُ تَهُونُ في سَبِيلِ الحَقِّ
_________________
(١) = قال الحافظ في الفتح (١٢/ ٣٠): والبِلَالُ بمعنَى البَلَلِ وهو النَّدَاوَةُ، وأُطْلقَ ذلك على الصِّلَةِ كما أُطْلِقَ اليَبْسُ على القَطِيعَةِ؛ لأن النَّدَاوةَ من شأنهَا تَجْمِيعُ ما يحصلُ فيها وتأليفُهُ، بخلاف اليَبْسِ فمِنْ شأنِهِ التَّفْرِيق.
(٢) انظر فتح الباري (٩/ ٤٥٢).
[ ١ / ٢٢٧ ]
الذِي شَرَحَ اللَّهُ بِهِ صَدْرَهُ، فَلَا عَلَيْهِ أَنْ يَبِيتَ بَعْدَ هَذَا الإنْذَارِ ومَكَّةُ تَمُوجُ بالغَرَابَةِ والِاسْتِنْكَارِ، وتَسْتَعِدُّ لِحَسْمِ هَذِهِ الثَّوْرَةِ التِي انْدَلَعَتْ بَغْتَةً، وتَخْشَى أَنْ تَأْتِيَ عَلَى تَقَالِيدِهَا ومَوْرُوثَاتِهَا (١).
* الصَّدْعُ بالدَّعْوَةِ ورُدُودُ فِعْلِ قُرَيْشٍ:
لَمَّا أظْهَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الدَّعْوَةَ لِلْإِسْلَامِ، وَصَدَعَ بالحَقِّ كَمَا أمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى، لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ قَوْمُهُ، ولَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ، حتَّى ذَكَرَ آلِهَتَهُمْ وعَابَهَا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ، أعْظَمُوهُ ونَاكَرُوهُ (٢)، وأجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ وعَدَاوَتِهِ، إِلَّا عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ الذِي حَدَبَ (٣) عَلَيْهِ، ومَنَعَهُ وقَامَ دُونَهُ (٤).
ومَضَى رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في دَعْوَتِهِ مُظْهِرًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَرُدُّهُ عَنْهُ شَيْءٌ، ومُعَكِّرًا عَلَى خُرَافَاتِ الشِّرْكِ وتُرَّهَاتِهِ (٥)، ويَذْكُرُ حَقَائِقَ الأصْنَامِ، وَمَا لَهَا مِنْ قِيمَةٍ فِي الحَقِيقَةِ، يَضْرِبُ بِعَجْزِهَا الأمْثَالَ، ويُبَيِّنُ بِالبَيِّناتِ أَنَّ مَنْ عَبَدَهَا وجَعَلَهَا وَسِيلَةً بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٦).
_________________
(١) انظر فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٩٧.
(٢) المُنَاكَرَةُ: أي المُحَارَبة. انظر النهاية (٥/ ١٠٠).
(٣) حَدَبَ عليهِ: أي عَطَفَ وأشْفَقَ عَليه. انظر النهاية (١/ ٣٣٧).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٠١).
(٥) التُّرَّهَاتُ: هي كنايةٌ عنِ الأباطيلِ، واحِدُها تُرَّهَة بضم التاء وفتح الراء المشددة، وهي في الأصل الطرق الصِّغار المُتَشَعِّبَةُ عن الطريق الأعظم. انظر النهاية (١/ ١٨٤).
(٦) انظر الرحيق المختوم ص ٨٠.
[ ١ / ٢٢٨ ]
إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ فَاجَأَ العَرَبَ بِمَا لَمْ يَكُوُنوا يَأْلفُونَهُ، وقَدِ اسْتَنْكَرُوا دَعْوَتَهُ أشَدَّ الِاسْتِنْكَارِ، وكَانَ كُلُّ هَمِّهِمُ القَضَاءَ عَلَيْهِ وعَلَى أَصْحَابِهِ، فكَانَ ذَلِكَ رَدًّا تَارِيخِيًّا عَلَى بَعْضِ دُعَاةِ القَوْمِيَّةِ الذِينَ زَعَمُوا أَنَّ مُحَمَّدًا -ﷺ- إِنَّمَا كَانَ يُمَثِّلُ في رِسَالَتِهِ آمَالَ العَرَبِ ومَطَامِحَهُمْ حِينَذَاكَ، وهُوَ زَعْمٌ مُضْحِكٌ تَرُدُّهُ وَقَائِعُ التَّارِيخِ الثَّابِتَةُ كَمَا رَأَيْنَا، وما حَمَلَ هذَا القَائِلُ وأمْثَالُهُ عَلَى هذَا القَوْلِ إِلَّا الغُلُوُّ فِي دَعْوَى القَوْمِيَّةِ وجَعْلِ الإِسْلَامِ أمْرًا مُنْبَثِقًا مِنْ ذَاتيَّةِ العَرَبِ وتَفْكِيرِهِمْ، وهَذَا إنْكَارٌ وَاضِحٌ لِنُبُوَّةِ الرَّسُولِ -ﷺ- وخَفْضٌ عَظِيمٌ لِرِسَالَةِ الإِسْلَامِ (١).
* وَفْدُ قُرَيْشٍ إِلَى أَبِي طَالِبٍ:
فَلَمَّا طَالَ ذَلِكَ وَرَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لا يُعْتِبُهُمْ (٢) مِنْ شَيْءٍ أنْكَرُوهُ عَلَيْهِ مِنْ فِرَاقِهِمْ وَعَيْبِ آلِهَتِهِمْ، ورَأَوْا أَنَّ عَمَّهُ أبا طَالِبٍ قَدْ حَدَبَ عَلَيْهِ وقَامَ دُونَهُ فلَمْ يُسْلِمْهُ لَهُمْ، مَشَى رِجَالٌ مِنْ أشْرَافِ قُرَيْشٍ إِلَى أَبِي طَالِبٍ، وهُمْ: عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وأَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ، وأَبُو البَخْتَرِيِّ، والأسْوَدُ بنُ المُطَّلِبِ، وأَبُو جَهْلٍ عَمْرُو بْنُ هِشَامٍ، والوَليدُ بنُ المغِيرَةِ، ونُبَيْهٌ ومُنَبِّهٌ ابْنَا الحَجَّاجِ، والعَاصُ بنُ وَائِلٍ، فقالُوا: يا أبَا طَالِبٍ! إِنَّ ابنَ أخِيكَ قَدْ شبَّ آلِهَتَنَا وعَابَ دِينَنَا، وسَفَّهَ أحْلَامَنَا (٣)، وضَلَّلَ آبَاءَنَا، فإِمَّا أَنْ تَكُفَّهُ عَنَّا، وإمَّا أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنَا وبَيْنَهُ، فَإِنَّكَ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ، فنكْفِيكَهُ، فقَالَ لَهُمْ أَبُو
_________________
(١) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة دروس وعبر، للدكتور مصطفى السباعي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٤٩.
(٢) لا يُعْتِبُهُمْ: اْي لا يُرْضِيهِمْ. انظر لسان العرب (٩/ ٣٠).
(٣) الأحلام: العقول. انظر النهاية (١/ ٤١٦).
[ ١ / ٢٢٩ ]
طَالِبٍ قَوْلًا رَفِيقًا، ورَدَّهُمْ رَدًّا جَمِيلًا، فانْصَرَفُوا عَنْهُ (١).
* مَوْقِفُ الوَلِيدِ بنِ المُغِيرَةِ:
روَى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صحِيحٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄: أَنَّ الوَليدَ بنَ المُغِيرَةِ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ، فكَأنَّهُ رَقَّ لَهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبَا جَهْلٍ، فأتاهُ فقَالَ: يَا عَمُّ! إِنَّ قَوْمَكَ يَرَوْنَ أَنْ يَجْمَعُوا لكَ مَالًا، قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: لِيُعْطُوكَهُ، فَإِنَّكَ أتَيْتَ مُحَمَّدًا، قَالَ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أنِّي مِنْ أكْثَرِهَا مَالًا، قَالَ: فَقُلْ فِيهِ قَوْلًا يَبْلُغُ قَوْمَكَ أنَّكَ مُنْكِرٌ لَهُ، أَوْ أنَّكَ كَارِهٌ لهُ، قَالَ: ومَاذَا أقُولُ؟ فَوَاللَّهِ ما فِيكُمْ رَجُلٌ أعْلَمَ بِالأشْعَارِ مِنِّي، ولا أعْلَمَ بِرَجَزِهِ، ولَا بِقَصِيدِهِ مِنِّي، ولا بأشْعَارِ الجِنِّ، واللَّهِ مَا يُشْبِهُ الذِي يقُولُ شَيْئًا منْ هَذَا، ووَاللَّهِ إِنَّ لِقَوْلهِ الذِي يَقُولُ حَلَاوَةٌ، وإنَّ عَلَيْهِ لَطَلَاوَةٌ (٢)، وإنَّهُ لَمُثْمِرٌ أعْلَاهُ، مُغْدِقٌ (٣) أسْفَلُهُ، وإنَّهُ لَيَعْلُو ومَا يُعَلَى، وإنَّهُ لَيَحْطِمُ ما تَحْتَهُ، قَالَ: لا يَرْضَى عَنْكَ قَوْمُكَ حتَّى تقُولَ فيهِ، قَالَ: فَدَعْنِي حتَّى أُفكِّرَ، فلَمَّا فكَّرَ قَالَ: هذَا سِحْرٌ يُؤْثَرُ، يَأْثُرُهُ (٤) عَنْ غَيْرِهِ (٥).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٠١ - ٣٠٢).
(٢) الطَّلاوَةُ: أي رَوْنَقًا وحُسْنًا. انظر النهاية (٣/ ١٢٥).
(٣) الغَدَقُ: المَطَرُ الكَثِيرُ. انظر لسان العرب (١٠/ ٢٤). ومنه قوله تَعَالَى في سورة الجن آية (١٦): ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾. -وأراد الوليد: أن القرآن نَدِيٌّ وطَرِيٌّ.
(٤) يُؤْثَرُ: أي يُرْوَي ويُحْكَى عنه. انظر النهاية (١/ ٢٦).
(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب مدح كلام اللَّه تَعَالَى من لسان الكافر - رقم الحديث (٣٩٢٦).
[ ١ / ٢٣٠ ]
فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في الوَليدِ بنِ المُغِيرَةِ: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ﴾ (١).
قَالَ أحْمَد شَوْقِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
الذِّكْرُ آيَةُ رَبِّكَ الكُبْرَى التِي فِيهَا لِبَاغِي المُعْجِزَاتِ غِنَاءُ
صَدْرُ البَيَانِ لَهُ إِذَا الْتَقَتِ اللُّغَى وتَقَدَّمَ البُلَغَاءُ والفُصَحَاءُ
نُسِخَتْ بِهِ التَّوْرَاةُ وهْيَ وَضِيئَةٌ وتَخَلَّفَ الإنْجِيلُ وَهْوَ ذَكَاءُ
لَمَّا تَمَشَّي فِي الحِجَازِ حَكِيمُهُ فُضَّتْ عُكَاظُ بِهِ وقَامَ حِرَاءُ
أزْرَى بِمَنْطِقِ أَهْلِ مَكَّةَ وَبَيَانِهِمْ وَحْيٌ يُقَصِّرُ دُونَهُ البُلَغَاءُ
حَسَدُوا فَقَالُوا شَاعِرٌ أَوْ سَاحِرٌ ومِنَ الحَسُودِ يَكُونُ الِاسْتِهْزَاءُ
قَدْ نَالَ بِالْهَادِي الكَرِيمِ وبِالْهُدَى مَا لَمْ تَنَلْ مِنْ سُؤْدُدٍ سَيْنَاءُ
أمْسَى كَأنَّكَ مِنْ جَلَالِكَ أُمَّةٌ وكَأنَّهُ مِنْ إِنْسِهِ بَيْدَاءُ
يُوحِي إلَيْكَ الفَوْزَ فِي ظُلُمَاتِهِ مُتَتبِّعًا تُجْلَى بهِ الظَّلْمَاءُ
دِينٌ يُشَيَّدُ آيَةً فِي آيَةٍ لَبِنَاتُهُ السُّوَرَاتُ والأضْوَاءُ
الحَقُّ فِيهِ هُوَ الأَسَاسُ وكَيْفَ لَا واللَّهُ ﷻ البَنَّاءُ
_________________
(١) سورة المدثر آية (١١ - ٢٥).
[ ١ / ٢٣١ ]
* تَشَاوُرُ قُرَيْشٍ لِصَدِّ الحُجَّاجِ عَنِ اسْتِمَاعِ الدَّعْوَةِ:
اسْتَمَرَّ الرَّسُولُ -ﷺ- علَى ما هُوَ عَلَيْهِ يُظْهِرُ دِينَ اللَّهِ تَعَالَى، ويَدْعُو إِلَيْهِ حتَّى اقْتَرَبَ مَوْسِمُ الحَجِّ، وعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ وُفُودَ العَرَبِ سَتَقْدُمُ عَلَيْهِمْ، واحْتَارُوا في أمْرِ الرَّسُولِﷺ-، وكَيْفَ يَحُولُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الحُجَّاجِ، لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ صَادِقٌ أمِينٌ، فَاتَّفَقُوا أَنْ يَصِفُوا الرَّسُولَ -ﷺ- بأنَّهُ سَاحِرٌ، وهُوَ رَأْيُ الوَليدِ بنِ المُغِيرَةِ لَعَنَهُ اللَّهُ.
وبَعْدَ أنِ اتَّفَقَتْ قُرَيْشٌ عَلَى هذَا القَرَارِ بَاشَرُوا في تَنْفِيذهِ، فَجَلَسُوا بِسُبُلِ النَّاسِ حِينَ قَدِمُوا المَوْسِمَ، لا يَمُرُّ بهِمْ أَحَدٌ إِلَّا حَذَّرُوهُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وذَكَرُوا لهُ أمْرَهُ.
والذِي تَوَلَّى كِبْرَ ذَلِكَ هُوَ أَبُو لَهَبٍ، فقَدْ كَانَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يتْبَعُ النَّاسَ إِذَا وَافَى المَوْسِمَ في مَنَازِلهِمْ، وفِي عُكَاظٍ (١) ومِجَنَّةٍ (٢) وذِي المَجَازِ (٣) يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، ويُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ نَبِيٌّ مُرْسَلٌ، وأَبُو لَهَبٍ خَلْفَهُ يقُولُ: لا تُطِيعُوهُ ولا تَسْمَعُوا مِنْهُ، فَإِنَّهُ صَابِئٌ كذَّابٌ.
روَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ رَبِيعَةَ بنِ عِبَادٍ الدَّيْلِيِّ (٤) وَكَانَ جَاهِلِيًّا أسْلَمَ، فقَالَ: رأيْتُ رسُولَ اللَّه -ﷺ- بَصَرَ
_________________
(١) عُكَاظٌ: موضِعٌ بِقُرْبِ مَكةَ، كانت تُقَامُ به في الجاهلية سوقٌ يُقِيمونَ فيه أيَّامًا. انظر النهاية (٣/ ٢٥٧).
(٢) مِجَنَّةٌ: هو مَوْضِعٌ بأسفَلِ مَكَّةَ على أميالٍ، وكان يقَامُ بها للعرَبِ سوق. انظر النهاية (٤/ ٢٥٧).
(٣) ذِي المَجَازِ: هو مَوْضِعُ سوق على مسافةِ فرسَخٍ من عَرَفَةَ كانت تقومُ في الجاهليَّة ثمانية أيَّام. انظر معجم البلدان (٥/ ٦٦).
(٤) هو رَبِيعَةُ بن عِبَادٍ الدَّيْلِيُّ يُعدُّ في أهل المدينة، وعُمِّر عُمُرًا طَوِيلًا. قال الحافظ في الإصابة (٢/ ٣٩٠): ماتَ في خِلافةِ الوَليد.
[ ١ / ٢٣٢ ]
عَيْنِي بِسُوقِ ذِي المَجَازِ يقُولُ: "يا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا"، ويَدْخُلُ في فِجَاجِهَا (١)، والنَّاسُ مُقْتَصُّونَ (٢) علَيْهِ، فمَا رأيْتُ أحَدًا يقُولُ شَيْئًا، وهُوَ لا يَسْكُتُ يَقُولُ: "أيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا" إِلَّا أَنَّ وَرَاءَهُ رَجُلًا أحْوَلَ وَضِيئَ الوَجْهِ ذَا غَدِيرَتَيْنِ (٣) يقُولُ: إنَّهُ صَابِئٌ (٤) كَاذِبٌ، فقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قالُوا: مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ وهُوَ يَذْكُرُ النُّبُوَّةَ، قُلْتُ: مَنْ هذَا الذِي يُكَذِّبُهُ؟ قالُوا: عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ (٥).
* قَصِيدَةُ أَبِي طَالِبٍ الشَّهِيرَةُ:
وأدَّى ذلِكَ إِلَى أَنْ صَدَرَتْ (٦) العَرَبُ مِنْ ذَلِكَ المَوْسِمِ، فَانْتشَرَ ذِكْرُ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في بِلَادِ العَرَبِ كُلِّهَا، وخَشِيَ أَبُو طَالِبٍ دَهْمَاءَ العَرَبِ (٧) أَنْ يَرْكَبُوه مَعَ قَوْمِهِ، فقَالَ قَصِيدَتَهُ المَشْهُورَةَ التِي تَعَوَّذَ فِيهَا بِحَرَمِ مَكَّةَ وبِمَكَانِهِ مِنْها، وتَوَدَّدَ فِيهَا أشْرَافَ قَوْمِهِ، وهُوَ عَلَى ذَلِكَ يُخْبِرُهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ مُسَلِّمٍ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، ولا تَارِكَهُ لِشَيْءٍ أبَدًا حتَّى يَهْلِكَ دُونَهُ. فقَالَ:
_________________
(١) الفِجَاجُ: جمعُ فَجٍّ، وهو الطريق الواسع. انظر النهاية (٣/ ٣٧٠).
(٢) قال السِّنْدِيُّ في شرح المسند (٩/ ١٧٦): مقتَصُّونَ عليه: أي مجْتَمِعُونَ عليه تَعَجُّبًا مما يقول.
(٣) غَدِيرَتَيْنِ: هي ضَفَائِرُ، وهي كذلك الذَّوَائِبُ. انظر النهاية (٣/ ٣١٠).
(٤) كانت العربُ تُسَمِّي النبي -ﷺ- الصَّابئ؛ لأنه خرجَ مِنْ دين قُرَيش إلى دينِ الإسلام، ويُسَمُّون مَنْ يدخلُ في دِينِ الإسلام مَصْبُوًّا. انظر النهاية (٣/ ٣).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٠٢٣) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب كتب النبي -ﷺ- رقم الحديث (٦٥٦٢).
(٦) صَدَرَ: رَجَعَ. انظر النهاية (٣/ ١٥).
(٧) الدَّهْمَاءُ: الجمَاعَةُ مِنَ الناس. انظر لسان العرب (٤/ ٤٣١).
[ ١ / ٢٣٣ ]
ولَمَّا رَأَيْتُ القَوْمَ لا وُدَّ فِيهِمُ وقَدْ قَطَعُوا كُلَّ العُرَى والوَسَائِلِ
وقَدْ صَارَ حَوْلَنَا بِالعَدَاوَةِ والأَذَى وقَدْ طَاوَعُوا أمْرَ العَدُوِّ المُزَايِلِ (١)
وقَدْ حَالفوا قَوْمًا عَلَيْنَا أَظِنَّةً (٢) يَعَضُّونَ غَيْظًا خَلْفَنَا بِالأَنَامِلِ (٣)
صَبَّرْتُ لَهُمْ نَفْسِي بِسَمْرَاءَ سَمْحَةٍ (٤) وأبْيَضَ عَضْبٍ مِنْ تُرَاثِ المَقَاوِلِ (٥)
وأحْضَرْتُ عِنْدَ البَيْتِ رَهْطِي وإخْوَتِي وأمْسَكْتُ مِنْ أثْوَابِهِ بالوَصَائِلِ
ومِنْهَا:
أعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مِنْ كُلِّ طَاعِنٍ عَلَيْنَا بِسُوءٍ أَوْ مُلِحٍّ بِبَاطِلِ
ومِنْ كَاشِحٍ (٦) يَسْعَى لَنَا بِمَعِيبَةٍ ومِنْ مُلْحِقٍ في الدِّينِ مَا لَمْ نُحَاوِلِ
وثَوْرٍ ومَنْ أَرْسَى ثَبِيرًا (٧) مَكَانَهُ ورَاقٍ لِيَرْقَى فِي حِرَاءَ ونَازِلِ
وبِالْبَيْتِ حَقُّ البَيْتِ مِنْ بَطْنِ مَكَّةٍ وبِاللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ
وبِالْحَجَرِ المُسَوَّدِ إذْ يَمْسَحُونَهُ إِذَا اكْتَنَفُوهُ بِالضُّحَى والأَصَائِلِ
ومَوْطِئِ إبْرَاهِيمَ فِي الصَّخْرِ رَطْبَةً عَلَى قَدَمَيْهِ حَافِيًا غَيْرَ نَاعِلِ
_________________
(١) المُزَايِلُ: أي التَّبَايُنُ والتَّفَرُّقُ. انظر لسان العرب (٦/ ١٢٨).
(٢) أظِنَّةً: أي مُتَّهَمِينَ. انظر لسان العرب (٨/ ٢٧١).
(٣) الأنَامِلُ: جمعُ أنْمُلَةٍ وهي رؤوس الأصابع. انظر لسان العرب (١٤/ ٢٩٥).
(٤) سَمْرَاء سَمْحَةٍ: أي فَرَسٍ سَرِيعَةٍ. انظر لسان العرب (٦/ ٣٥٦).
(٥) الأبيض: أي السيف، والعَضْبُ: أي القاطع. انظر لسان العرب (٩/ ٢٥٢). المَقَاوِلُ: المُلُوك. انظر لسان العرب (١١/ ٣٥٣).
(٦) الكَاشِحُ: هو العدُوُّ المُبْغِضُ. انظر لسان العرب (١٢/ ٩٩).
(٧) ثَورٌ وثَبِيرٌ وحِرَاءٌ: جبالٌ بمكَّةَ. انظر النهاية (١/ ٢٠٢ - ٢٢٣ - ٣٦٢).
[ ١ / ٢٣٤ ]
ومِنْهَا:
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نَتْرُكَ مَكَّةً وَنَظْعَنُ إِلَّا أمْرُكُمْ فِي بَلَابِلِ (١)
كَذَبْتُمْ وَبَيْتِ اللَّهِ نَبْزِي (٢) مُحَمَّدًا وَلَمَّا نُطَاعِنْ دُونَهُ ونُناضِلِ
ونُسْلِمُهُ حَتَّى نُصَرَّعَ حَوْلَهُ ونُذْهَلَ عَنْ أبْنَائِنَا والحَلَائِلِ (٣)
ويَنْهَضُ قَوْمٌ فِي الحَدِيدِ إلَيْكُمُ نُهُوضَ الرَّوَايَا تَحْتَ ذَاتِ الصَّلَاصِلِ
وحَتَّى ترى ذَا الضِّغْنَ يَرْكَبُ ردعَهُ (٤) مِنْ الطَّعْنِ فِعْلَ الأنْكَبِ (٥) المُتَحَامِلِ
وإنَّا لَعَمْرُ اللَّهِ إِنْ جَدَّ مَا أرَى لَتَلْتَبِسَنَّ أسْيَافُنَا بالْأَمَاثِلِ (٦)
بِكَفَّيْ فَتًى مِثْلَ الشِّهَابِ سَمَيْدَعٍ (٧) أخِي ثِقَةٍ حَامِي الحَقِيقَةِ بَاسِلِ
ومِنْهَا:
ومَا تَرَكَ قَوْمٌ لَا أبَا لَكَ سَيِّدًا يَحُوطُ الذِّمَارَ غَيْرَ ذَرِبٍ مُوَاكِلِ (٨)
_________________
(١) بَلابِلٌ: هي وُسْوَاسُ الصَّدْرِ. انظر لسان العرب (١/ ٤٩٣).
(٢) نَبْزِي مُحَمدًا: أي نَسْلُبُهُ ونَغْلِبُ عليه. انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣١٢).
(٣) الحَلائِلُ: الزَّوْجاتُ، واحِدَتُهَا: حليلة. انظر لسان العرب (٣/ ٢٩٦).
(٤) الضِّغن: الحقد. انظر لسان العرب (٨/ ٦٨). يقال للقتيل: ركب رَدْعه: إذا خَرَّ لوجهه على دمه. انظر لسان العرب (٥/ ١٨٨).
(٥) الأنْكَبُ: المَائِلُ. انظر لسان العرب (١٤/ ٢٧٥).
(٦) أماثل القوم: خيارهم. انظر لسان العرب (١٣/ ٢٣).
(٧) السميدع: الكريم السيد. انظر لسان العرب (٦/ ٣٥٧).
(٨) الذِّمَارُ: ما يَلْزَمُكَ حِمَايَتُهُ. انظر لسان العرب (٥/ ٥٧). ذَرِبٍ: هو الفاحِشُ البذيء. انظر لسان العرب (٥/ ٣١). مواكل: عاجز كثير الاتكال على غيره. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٨٧).
[ ١ / ٢٣٥ ]
وأبْيَضُ يُسْتَسْقَى الغَمَامُ بِوَجْهِهِ ثِمَالُ (١) اليَتَامَى عِصْمَةٌ لِلْأَرَامِلِ
يَلُوذُ بِهِ الهَلَّاكُ مِنْ آلِ هَاشِمٍ فَهُمْ عِنْدَهُ فِي رَحْمَةٍ وَفَوَاضِلِ
ومِنْهَا:
وَكَانَ لَنَا حَوْضُ السِّقَايَةِ فِيهِمُ ونَحْنُ الكَدَى مِنْ غَالِبٍ والكَوَاهِلُ
شَبَابٌ مِنَ المُطَّيِّبِينَ وَهَاشِمٍ كَبِيضِ السُّيُوفِ بَيْنَ أيْدِي الصَّيَاقِلِ (٢)
ومِنْهَا:
لَعَمْرِي لَقَدْ كَلِفْتُ وجْدًا بِأَحْمَدٍ وإِخْوَتِهِ دَأْبَ المُحِبِّ المُوَاصِلِ
فَلَا زَالَ فِي الدُّنْيَا جَمَالًا لِأَهْلِهَا وزَيْنًا لِمَنْ وَاللَّهِ رَبَّ المَشَاكِلِ
فَمَنْ مِثْلُهُ فِي النَّاسِ أيُّ مُؤَمِّلٍ إِذَا قَاسَهُ الحُكَّامُ عِنْدَ التَّفَاضُلِ
حَلِيمٌ رَشِيدٌ عَادِلٌ غَيْرُ طَائِشٍ يُوَالِي إِلَاهًا لَيْسَ عَنْهُ بِغَافِلِ
فَوَاللَّهِ لَوْلَا أَنْ أَجِيءَ بِسُنَّةٍ تَجُرُّ عَلَى أشْيَاخِنَا فِي المَحَافِلِ
لَكُنَّا اتَّبَعْنَاهُ عَلَى كُلِّ حَالَةٍ مِنَ الدَّهْرِ جِدًّا غَيْرَ قَوْلِ التَّهَازُلِ
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٍ لَدَيْنَا ولَا يَعْنِي بِقَوْلِ الأَبَاطِلِ
فَأَصْبَحَ فِينَا أَحْمَدُ فِي أَرُومَةٍ (٣) تَقَصَّرُ عَنْهُ سُورَةُ (٤) المُتَطَاوِلِ
_________________
(١) الثِّمال: الملجأ والغياث والمطعم في الشدة. انظر لسان العرب (٢/ ١٣٠).
(٢) الصياقل: السيوف اللامعة. انظر لسان العرب (٧/ ٣٧٧).
(٣) الأَرُومَةُ: بفتح الهمزة: الأصْلُ. انظر النهاية (١/ ٤٤).
(٤) السُّورَةُ: بضم السين هي المَنْزِلَةُ الرَّفِيعة. انظر لسان العرب (٦/ ٤٢٧).
[ ١ / ٢٣٦ ]
حَدِبْتُ بِنَفْسِي دُونَهُ وحَمَيْتُهُ ودَافَعْتُ عَنْهُ بِالذُّرَا (١) والكَلَاكِلِ (٢)
فأيَّدَهُ رَبُّ العِبَادِ بِنَصْرِهِ وأظْهَرَ دِينًا حَقُّهُ غَيْرُ بَاطِلِ (٣)
إِلَى آخِرِ القَصِيدَةِ، وهِيَ قَصِيدَةٌ طَوِيلَةٌ جِدًّا.
قَالَ فِيهَا الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذِهِ قَصِيدَةٌ عَظِيمَةٌ بَلِيغَةٌ جِدًّا، لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقُولَهَا إِلَّا مَنْ نُسِبَتْ إِلَيْهِ، وهِيَ أفْحَلُ مِنَ المُعَلَّقَاتِ السَّبْعِ، وأبْلَغُ فِي تَأْدِيَةِ المَعْنَى فِيهَا جَمِيعًا (٤).
* مَا نَزَلَ بِشَأْنِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ (٥) -﵁-:
كَانَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدْعُو أشْرَافَ قُرَيْشٍ إِلَى الْإِسْلَامِ، ولَا يَأْلُو (٦) جُهْدًا فِي نُصْحِهِمْ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَوْمًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ زُعَمَائِهِمْ وكُبَرَائِهِمْ، فِيهِمُ: الوَليدُ بنُ المُغِيرَةِ، وعُتْبَةُ، وشَيْبةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، يَتَأَلَّفُهُمْ ويَعْرِضُ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، إذْ أقبَلَ عَمْرُو
_________________
(١) الذُّرا: جمع ذُرْوَة، وهي أعْلَى سَنَامِ البَعِير. انظر لسان العرب (٥/ ٤١).
(٢) الكَلاكِلُ: جمعُ كَلْكَلٍ، وهو الصَّدْرُ من كل شيء. انظر لسان العرب (١٢/ ١٤٦).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٠٩).
(٤) انظر البداية والنهاية (٣/ ٦٣).
(٥) مختلف في اسمه، فأهل المدينة يقولون: عبد اللَّه، وأهل العراق يقولون: عمرو بنُ أمِّ مكتومٍ القُرَشِيُّ، وهو ابنُ خالِ خَدِيجَةَ أمِّ المؤمنين ﵂، أسلمَ قَدِيمًا، كَانَ مِنَ المهاجِرينَ الأوَّلين، قدم المدينةَ قبل أَنْ يُهَاجِرَ النبي -ﷺ-، وكان رسول اللَّه -ﷺ- يَسْتَخْلِفَهُ على المدينةِ في عَامَّةِ غَزَوَاتِهِ يُصَلِّي بالناس، خَرَجَ -﵁- إلى القادِسِيَّةِ، فشَهِدَ القِتَالَ، واستشهِدَ هناك، وكان معه اللِّواءُ حِينئذ. انظر الإصابة (٤/ ٤٩٤).
(٦) لا يألُوا: أي لا يُقَصِّرُ. انظر النهاية (١/ ٦٤).
[ ١ / ٢٣٧ ]
بنُ أمِّ مَكْتُومٍ الأَعْمَى -﵁-، فَجَعَلَ يَسْأَلُ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، ويَسْتَقْرِئُهُ القُرْآنَ، فَشَقَّ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حتَّى أضْجَرَهُ، وذَلِكَ أَنَّهُ شَغَلَهُ عَمَّا كَانَ فِيهِ مِنْ أمْرِ الوَليدِ وأصْحَابِهِ، ومَا طَمعَ فِيهِ مِنْ إسْلَامِهِمْ، فلَمَّا أكْثَرَ عَلَيْهِ القَوْلَ خَافَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَكُونَ الْتِفَاتُهُ إِلَى ذَلِكَ المِسْكِينِ الأَعْمَى يُنَفِّرُ عَنْهُ قُلُوبَ أُولَئِكَ الزُّعَمَاءِ، فأعْرَضَ عَنْهُ وعَبَسَ في وَجْهِهِ، وأقْبَلَ عَلَى الآخَرِينَ، فَعَاتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، ونَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى. . .﴾ إِلَى قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ﴾ (١).
قَالَ ابنُ إسْحَافَ: أيْ يَقُولُ لَهُ: إِنَّمَا بَعَثْتُكَ بَشِيرًا ونَذِيرًا، لَمْ أَخُصَّ بِكَ أحَدًا دُونَ أَحَدٍ، فَلَا تَمْنَعْهُ مِمَّنْ ابْتَغَاهُ، ولا تَتَصَدَّيَنَّ بِهِ لِمَنْ لا يُرِيدُهُ (٢).
رَوَى الحَاكِمُ وصَحَّحَهُ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، وعِنْدَهَا رَجُلٌ مَكْفُوفٌ، وهِيَ تُقَطِّعُ لَهُ الْأُتْرُجَّ (٣) وتُطْعِمُهُ إيَّاهُ بالعَسَلِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ؟، قَالَتْ: هَذَا ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الذِي
_________________
(١) سورة عبس آية (١ - ١٤).
(٢) أخرج قِصَّةَ ابنِ أم مكتوم -﵁-: ابن حبان في صحيحه - كتاب البر والصلة - باب فصل من البرِّ والإحسان - رقم الحديث (٥٣٥) - والترمذي في جامعه - باب ومن سورة عبس - رقم الحديث (٣٦٢١) - وإسناده صحيح على شرط مسلم - وانظر سيرة ابن هشام (١/ ٤٠١) - والطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٤/ ٤٢٢).
(٣) الأتْرُجُّ: هي فاكِهَةٌ مَعْرُوفَةٌ، واحدَتُهُ تُرُنْجَةٌ، وأُتْرُجَّةٌ. انظر فتح الباري (١٠/ ٨٢) - ولسان العرب (٢/ ٢٥).
[ ١ / ٢٣٨ ]
عَاتَبَ اللَّه ﵎ فِيهِ نَبِيَّهُ -ﷺ-، قَالَتْ: أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَعِنْدَهُ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ. فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْهِمَا، فنَزَلَتْ: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى. . .﴾ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ (١).
قَالَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّمَا قَصَدَ النَّبِيُّ -ﷺ- تَأْلِيفَ هَؤُلَاءِ الكُفَّارِ، ثِقَةً بِمَا كَانَ فِي قَلْبِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ مِنَ الإِيمَانِ، كَمَا قَالَ -ﷺ- فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ: "إنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ، خَشْيَةَ أَنْ يُكِبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ" (٢).
ومَعَ ذَلِكَ فَقَدْ عَاتَبَ اللَّهُ ﵎ حَبِيبَهُ ونَبِيَّهُ -ﷺ- حَتَّى لَا تَنْكَسِرَ قُلُوبُ أَهْلِ الصُّفَّةِ (٣)، أَوْ لِيُعْلَمَ أَنَّ المُؤْمِنَ الفَقِيرَ خَيْرٌ مِنَ الغَنِيِّ الكَافِرِ، وكَانَ النَّظَرُ إِلَى المُؤْمِنِ أوْلَى، وإنْ كَانَ فَقِيرًا أصْلَحُ وأَوْلَى مِنَ الأَمْرِ الآخَرِ، وهُوَ الإِقبالُ عَلَى الأَغْنِيَاءِ طَمَعًا في إيمَانِهِمْ، وإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَيْضًا نَوْعًا مِنَ المَصْلَحَةِ (٤).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة ﵃ - باب تعظيمِ أهل بيتِ النبي -ﷺ- لابنِ أمِّ مكتوم - رقم الحديث (٦٧٣٠).
(٢) أخرج هذا الحديث: البخاري في صحيحه - كتاب الإيمان - باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة - رقم الحديث (٢٧) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه - رقم الحديث (١٥٠).
(٣) أهلُ الصُّفَّةِ: هم فُقَرَاءُ المُهَاجرينَ، ومَن لم يكنْ له منهم مَنْزِلٌ يَسْكُنُهُ، فكانوا يأوُون إلى موضِعٍ مُظلّلٍ في مسجدِ المدينةِ يسْكُنُونَهُ. انظر النهاية (٣/ ٣٥).
(٤) انظر تفسير القرطبي (٢٢/ ٧٢).
[ ١ / ٢٣٩ ]
* حَدِيتٌ لَا أَصْلَ لَهُ:
قُلْتُ: وَأَمَّا مَا اشْتُهِرَ مِنْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ إِذَا رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُمِّ مَكْتُومٍ -﵁-، قَالَ لَهُ: "أَهْلًا أَوْ مَرْحَبًا بِالَّذِي عَاتَبَنِي فِيهِ رَبِّي" (١).
قَالَ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي السِّلْسِلَةِ الضَّعِيفَةِ: لَا أَعْلَمُ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلًا يُمْكِنُ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ (٢).
* * *
_________________
(١) أورد هذا الحديث: الواحدي في أسباب النزول (ص ٤٧٩) بدون إسناد - وعلَّقه القرطبي في تفسيره (٢٢/ ٧١) عن سفيان الثوري.
(٢) انظر السلسلة الضعيفة للألباني ﵀ (٣/ ٦٣٥).
[ ١ / ٢٤٠ ]
إِسْلامُ أبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ -﵁-
الذِي يَظْهَرُ أَنَّ إسْلَامَ أَبِي ذَرٍّ الغِفَارِيِّ، واسْمُهُ جُنْدُبُ بْنُ جُنَادَةَ -﵁-، تَأَخَّرَ بَعْدَ البِعْثَةِ بِعِدَّةِ سَنَوَاتٍ كَمَا سَأُبَيِّنُ ذَلِكَ، وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ (١) مِنْ أَنَّهُ -﵁- أسْلَمَ فِي بِدَايَةِ الدَّعْوَةِ السِّرِّيَّةِ، فَفِيهِ نَظَرٌ.
وَكَانَ -﵁- يَبْحَثُ عَنِ الحَقِّ، وقِصَّةُ إسْلَامِهِ -﵁- أخْرَجَهَا الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا مَعَ تَغَايُرٍ بَيْنَهُمَا.
* رِوَايَةُ الإِمَامِ مُسْلِمٍ وأحْمَدَ (٢) واللَّفْظُ لِأَحْمَدَ:
قَالَ أَبُو ذَرٍّ -﵁-: خَرَجْنَا مِنْ قَوْمِنَا غِفَارٍ. . . أنا وأخِي أُنيْسٌ، وأُمُّنَا، . . . فقَالَ أُنَيْسٌ: إِنَّ لِي حَاجَةً بِمَكَّةَ، فاكْفِنِي حتَّى آتِيَكَ.
قَالَ: فَانْطَلَقَ فَرَاثَ (٣) عَلَيَّ، ثمَّ أتانِي، فقُلْتُ: ما حبَسَكَ؟
قَالَ: لَقِيتُ رَجُلًا يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أرْسَلَهُ عَلَى دِينِكَ.
فقُلْتُ: مَا يَقُولُ النَّاسُ لَهُ؟
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٤/ ٤٣١).
(٢) قَدَّمْتُ رواية الإمام مسلم والإمام أحمد على رواية البخاري، لأن فيهَا تَفْصِيلًا أكثر.
(٣) رَاثَ: أي أبْطَأَ. انظر النهاية (٢/ ٢٦١).
[ ١ / ٢٤١ ]
قال: يَقُولُونَ: إنَّهُ شَاعِرٌ وسَاحِرٌ وكَاهِنٌ -وكَانَ أُنَيْسُ شَاعِرًا-.
فقَالَ أُنَيْسٌ: قَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الكُهَّانِ، فَمَا يَقُولُ بِقَوْلهِمْ، وقَدْ وَضَعْتُ قَوْلَهُ عَلَى أقْرَاءِ الشِّعْرِ (١)، فَوَاللَّهِ مَا يَلْتَئِمُ لِسَانُ أَحَدٍ أَنَّهُ شِعْرٌ، واللَّهِ إنَّهُ لَصَادِقٌ، وإنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ.
فقَالَ أَبُو ذَرٍّ -﵁-: هَلْ أَنْتَ كَافِيَّ حتَّى أنْطَلِقَ فَأَنْظُرَ؟ (٢)
قَالَ: نَعَمْ، فكُنْ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ عَلَى حَذَرٍ، فإنَّهُمْ قَدْ شَنِفُوا لَهُ (٣)، وتَجَهَّمُوا (٤) لَهُ.
قَالَ أَبُو ذَرٍّ -﵁-: فَانْطَلَقْتُ حتَّى قَدِمْتُ مَكَّةَ، فتَضعَّفْتُ (٥) رَجُلًا مِنْهُمْ، فَقُلْتُ: أيْنَ هذَا الرَّجُلُ الذِي تَدْعُونَهُ الصَّابِئَ؟
فأشَارَ إِلَيَّ، وَقَالَ: الصَّابِئُ، فَمَالَ أَهْلُ الوَادِي عَلَيَّ بِكُلِّ مَدَرَةٍ (٦)، وَعَظْمٍ حتَّى خَرَرْتُ مَغْشِيًّا عَلَيَّ، فَارْتَفَعَتُ حِينَ ارْتَفَعَتُ، كَأَنِّي نُصُبٌ أحْمَرُ (٧)،
_________________
(١) أقْرَاءُ الشِّعْرِ: أي طرُقُ الشِّعْرِ وأنوَاعهُ وبُحُورُهُ. انظر النهاية (٤/ ٢٨).
(٢) في رواية مسلم في صحيحه قال -﵁-: فاكفِنِي حتَّى أذهَبَ فأنْظُرَ.
(٣) شَنِفُوا له: أي أبْغَضُوهُ. انظر النهاية (٢/ ٤٥١).
(٤) تَجَهَّمَنِي القَوْمُ: إذا لَقُونِي بالغِلْظَةِ، والوجه الكَرِيهِ. انظر النهاية (١/ ٣١١).
(٥) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٦/ ٢٤): يعني نَظَرْتُ إلى أضْعَفِهِمْ، فسألتُهُ؛ لأن الضَّعِيفَ مأمُونُ الغائِلَةِ غَالبًا.
(٦) المَدَرُ: هو الطِّينُ المُتَمَاسِكُ. انظر النهاية (٤/ ٢٦٤).
(٧) النُّصُبُ: بضم النون هو الصَّنَمُ، وكانوا في الجاهلية يَنْصُبُونَ الصنم، ويَذْبَحونَ عنده، فيَحْمَرُّ بالدم، ويَقْصِدُ -﵁-: أَنَّ مِنْ كْرَةِ الدِّماءِ التي سَالتْ منهُ صار كأنَّهُ الصَّنَمُ المُمْتَلِئُ بالدِّماء من كثرةِ ما يُذْبَحُ عنده. انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٦/ ٢٤) - النهاية (٥/ ٥٢).
[ ١ / ٢٤٢ ]
فأتَيْتُ زَمْزَمَ فَشَرِبْتُ مِنْ مَائِهَا، وغَسَلْتُ عَنِّي الدَّمَ، ولقدْ لَبِثْتُ ثَلَاثِينَ، بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، ما كَانَ لِي طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنُ (١) بَطْنِي، ومَما وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سَخْفَةَ (٢) جُوعٍ.
قَالَ -﵁-: فَبَيْنَا أَهْلُ مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ قَمْرَاءَ إضْحِيَانَ (٣)، إذْ ضَرَبَ اللَّهُ عَلَى أصْمِخَةِ (٤) أَهْلِ مَكَّةَ، فَمَا يَطُوفُ بالبَيْتِ غَيْرُ امْرَأَتيْنِ، فَأتتَا عَلَيَّ، وهُمَا تَدْعُوَانِ إسَافَ ونَائِلَةَ (٥)، فَقُلْتُ: أنْكِحُوا أحَدَهُمَا الآخِرَ، فمَا ثنَاهُمَا ذَلِكَ، فَأتتَا عَلَيَّ، فَقُلْتُ: وَهَنٌ (٦) مِثْلُ الخَشَبَةِ، غَيْرَ أنِّي لَمْ أَكْنِي، فَانْطَلَقتَا تُوَلْوِلَانِ، وتَقُولَانِ: لَوْ كَانَ هَاهُنَا أَحَدٌ مِنْ أنْفَارِنَا!
قَالَ: فَاسْتَقْبَلَهُمَا رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وأَبُو بَكْرٍ -﵁-، وهُمَا هَابِطَانِ مِنَ الجَبَلِ، فَقَالَا: "مَا لَكُمَا؟ ".
_________________
(١) العُكَنُ: بضم الغَيْن: الأطْوَاءُ في البَطْنِ منَ السِّمَنِ. انظر لسان العرب (٩/ ٣٤٥).
(٢) قال النووي في شرح مسلم (١٦/ ٢٤): سَخْفَة الجُوعِ: بفتح السين وضمها، وهي رِقَّةُ الجُوع وضَعْفُهُ وهُزَالُهُ.
(٣) قال النووي في شرح مسلم (١٦/ ٢٤): الإضْحِيَانِ: بكسر الهَمْزَةِ والحَاءِ، أي مُضِيئَةٌ.
(٤) قال النووي في شرح مسلم (١٦/ ٢٥): أصْمِخَتُهُمْ: جمع صِمَاخ، وهو الخَرْقُ الذي في الأذُنِ يُفْضِي إلى الرَّأْسِ، والمراد بأصمختِهِمْ هنَا: آذانُهُمْ أي نَامُوا.
(٥) إسافُ ونائِلَة: هما صَنَمانِ تزعُمُ العربُ أنهما كانا رَجُلًا وامرأةً زنيا في الكعبة فمُسِخَا، وإسَاف بكسر الهمزة وقد تُفتح. انظر النهاية (١/ ٥١).
(٦) قال النووي في شرح مسلم (١٦/ ٢٥): وهَنٌ: بفتح الهاء، هو كِنايةٌ عن كل شيءٍ، وأكثر ما يُستعملُ كنايةً عن الفَرْجِ والذَّكر، فقال لهما: ومثل الخشبةِ بالفرجِ، وأراد بذلك سَبَّ إسافٍ ونائلةَ، وغيظِ الكُفار.
[ ١ / ٢٤٣ ]
قَالَتَا: الصَّابِئُ بَيْنَ الكَعْبَةِ وأسْتَارِهَا.
قَالَا: "مَا قَالَ لَكُمَا؟ ".
قَالَتَا: قَالَ لَنَا كَلِمَةً تَمْلَأُ الفَمَ (١).
قال أَبُو ذَرٍّ -﵁-: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- هُوَ وصَاحِبُهُ حتَّى اسْتَلَمَ الحَجَرَ، فَطَافَ بِالْبَيْتِ، ثُمَّ صَلَّى، فلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ أتَيْتُهُ، فكنْتُ أوَّلَ مَنْ حَيَّاهُ بِتَحِيَّةِ الإِسْلَامِ، فَقُلْتُ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يا رَسُولَ اللَّهِ.
فقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وعَلَيْكَ السَّلَامُ ورَحْمَةُ اللَّهِ"، ثُمَّ قَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مِمَّنْ أَنْتَ؟ ".
قُلْتُ: مِنْ غِفَارٍ، قَالَ: فَأَهْوَى بِيَدِهِ، فَوَضَعَهَا عَلَى جَبْهَتِهِ.
فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: كَرِهَ أنِّي انتمَيْتُ إِلَى غِفَارٍ، ثمَّ قَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ومَتَى كُنْتَ هَاهُنَا؟ "
قُلْتُ: كُنْتُ هَاهُنَا مُنْذُ ثَلَاثِينَ بَيْنَ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ.
فقَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَمَنْ كَانَ يُطْعِمُكَ؟ ".
قُلْتُ: مَا كَانَ لِيَ طَعَامٌ إِلَّا مَاءُ زَمْزَمَ، فَسَمِنْتُ حتَّى تَكَسَّرَتْ عُكْنُ بَطْنِي، ومَا وَجَدْتُ عَلَى كَبِدِي سَخْفَةَ جُوعٍ.
فقَالَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إنَّهَا مُبارَكَةٌ، إنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ".
_________________
(١) قال النووي في شرح مسلم (١٦/ ٢٥): أي عَظِيمة لا شيءَ أقْبَحَ منها.
[ ١ / ٢٤٤ ]
فقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: يا رَسُولَ اللَّهِ! ائْذَنْ لِي فِي طَعَامِهِ اللَّيْلَةَ، قَالَ: فَفَعَلَ.
فانْطَلَقَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وأَبُو بَكْرٍ -﵁-، وانْطَلَقْتُ مَعَهُمَا، حتَّى فتَحَ أَبُو بَكْرٍ بَابًا، فَجَعَلَ يَقْبِضُ لَنَا مِنْ زَبِيبِ الطَّائِفِ.
قَالَ أَبُو ذَرٍّ -﵁-: فكَانَ ذَلِكَ أوَّلَ طَعَامٍ أكَلْتُهُ بِهَا، فَلَبِثْتُ مَا لَبِثْتُ، ثُمَّ أَتَيْتُ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فقَالَ: "إِنِّي قَدْ وُجِّهْتُ إِلَى أَرْضٍ ذَاتِ نَخْلٍ، ولَا أحْسِبُهَا إِلَّا يَثْرِبَ، فَهَلْ أَنْتَ مُبَلِّغٌّ عَنِّي قَوْمَكَ؟ لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَنْفَعَهُمْ بِكَ ويَأْجُرَكَ فِيهِمْ؟ ".
قَالَ أَبُو ذَرٍّ -﵁-: فَانْطَلَقْتُ حتَّى أتَيْتُ أخِي أُنَيْسًا، فقَالَ لِي: مَا صَنَعْتَ؟
قُلْتُ: صَنَعْتُ أنِّي أسْلَمْتُ وصَدَّقْتُ.
قَالَ أُنيْسٌ: فَمَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكَ (١)، فإنِّي قَدْ أسْلَمْتُ وَصَدَّقْتُ، ثُمَّ أتَيْنَا أُمَّنَا، فقَالَتْ: فَمَا بِي رَغْبَةٌ عَنْ دِينِكُمَا، فإنِّي أسْلَمْتُ وصَدَّقْتُ، فَاحْتَمَلْنَا حتَّى أتَيْنَا قَوْمَنَا غِفَارٍ، فأسْلَمَ نِصْفُهُمْ، وكَانَ يَؤُمُّهُمْ إيمَاءُ بنُ رَخَصَةَ الْغِفَارِيُّ، وكَانَ سَيِّدَهُمْ.
ثُمَّ قَدِمَتْ قَبِيلَةُ غِفَارٍ عَلَى رسُولِ اللَّه -ﷺ- وهُوَ فِي المَدِينَةِ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَتْ غَزْوَةُ بَدْرٍ، وَأُحُدٍ، وصَادَفَ قُدُومُهُمْ قُدُومَ قَبِيلَةِ أسْلَمَ، فَلَمَّا أعْلَنُوا إسْلَامَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ رسُولُ اللَّه -ﷺ-: "غِفَارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا، وَأَسْلَمُ سَالَمَهَا اللَّهُ" (٢).
_________________
(١) قال النووي في شرح مسلم (١٦/ ٢٦): أي لا أكرهُه، بل أدخُلُ فيه.
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أبي ذر -﵁- رقم الحديث (٢٤٧٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٥٢٥).
[ ١ / ٢٤٥ ]
* رِوَايَةُ الإِمَامِ البُخَارِيِّ:
وفِي رِوَايَةِ البُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ -﵁- مَبْعَثَ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ لِأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي فَاعْلَمْ لِي عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الذِي يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ يَأْتيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، وَاسْمَعْ مِنْ قَوْلهِ ثُمَّ ائْتِنِي، فَانْطَلَقَ الْأَخُ حَتَّى قَدِمَهُ وَسَمعَ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِي ذَرٍّ﵁-، فَقَالَ لَهُ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَكَلامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ -﵁-: مَا شَفَيْتَنِي مِمَّا أَرَدْتُ، فتَزَوَّدَ، وَحَمَلَ شَنَّةً (١) لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأتَى الْمَسْجِدَ، فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ -ﷺ- ولَا يَعْرِفُهُ، وكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ، حتَّى أدْرَكَهُ بَعْضُ اللَّيْلِ، فَرَآه عَلِيٌّ -﵁- فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ، فَلَمَّا رَآه تَبِعَهُ، فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ حتَّى أصْبَحَ، ثُمَّ احْتَمَلَ قِرْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى المَسْجِدِ، وظَلَّ ذَلِكَ اليَوْمَ ولَا يَرَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ- حتَّى أمْسَى فَعَادَ إِلَى مَضْجِعِهِ، فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ -﵁- فقَالَ: أمَا نَالَ (٢) لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ؟
فَأَقَامَهُ، فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ، لَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حتَّى إِذَا كَانَ اليَوْمُ الثَّالِثُ فَعَادَ عَلِيٌّ -﵁- عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ، فأقَامَ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ لِأَبِي ذَرٍّ: ألَا تُحَدِّثُنِي مَا الذِي أقْدَمَكَ؟
قَالَ: إِنْ أعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لتُرْشِدَنَّنِي فَعَلْتُ، فَفَعَلَ، فأخْبَرَهُ.
_________________
(١) الشَّنَّةُ: القربة. انظر النهاية (٢/ ٤٥٣).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٦٦): نَالَ: أي حَانَ.
[ ١ / ٢٤٦ ]
فَقَالَ عَلِيٌّ -﵁-: فَإِنَّهُ حَقٌّ، وهُوَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِذَا أصْبَحْتَ فَاتْبَعْنِي. . . فانْطَلَقَ يَقْفُوهُ (١)، حتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، ودَخَلَ مَعَهُ، فسَمعَ مِنْ قَوْلهِ، وأسْلَمَ مَكَانَهُ.
فقَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: "ارْجعْ إِلَى قَوْمِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيكَ أمْرِي" (٢).
* الأدِلَّةُ عَلَى تَأَخُّرِ إسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ -﵁-:
١ - ضِيَافَةُ عَلِيٍّ -﵁- لِأَبِي ذَرٍّ -﵁-.
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِصَّةَ أَبِي ذَرٍّ وَقَعَتْ بَعْدَ المَبْعَثِ بِأَكْثَرَ مِنْ سِنَتَيْنِ بِحَيْثُ يَتَهَيَّاُ لِعَلِيٍّ -﵁- أَنْ يَسْتَقِلَّ بِمُخَاطَبَةِ الغَرِيبِ ويُضِيفَهُ، فَإِنَّ الأَصَحَّ فِي سِنِّ عَلِيٍّ -﵁- حِينَ المَبْعَث كَانَ عَشْرَ سِنِينَ (٣).
٢ - قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِأَبِي ذَرٍّ -﵁-: "إنِّي قَدْ وُجِّهْتُ إِلَى أَرْضٍ ذَاتِ نَخْلٍ، لَا أَرَاهَا إِلَّا يَثْرِبَ".
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: فإنَّ ذَلِكَ يُشْعِرُ بِأَنَّ وُقُوعَ ذَلِكَ كَانَ قُرْبَ الهِجْرَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٤).
_________________
(١) يَقْفُوهُ: أي يَتْبَعُهُ، وقفاه وراءَهُ وخلفَهُ. انظر النهاية (٤/ ٨٣).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب إسلام أبي ذر الغفاري -﵁- رقم الحديث (٣٨٦١).
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٥٦٦).
(٤) انظر فتح الباري (٧/ ٥٦٨).
[ ١ / ٢٤٧ ]
٣ - قَوْلُ أُنَيْسٍ -﵁- لِأَخِيهِ أَبِي ذَرٍّ -﵁-: لَقِيتُ رَجُلًا يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ عَلَى دِينِكَ.
فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أبَا ذَرٍّ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ لِقَائِهِ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ولَمْ يَنتشِرْ أَمْرُ الرَّسُولِ -ﷺ- فِي الجَزِيرَةِ إِلَّا بَعْدَ عِدَّةِ سَنَوَاتٍ مِنْ بِعْثَتِهِ -ﷺ- مِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَأخُّرِ إسْلَامِهِ -﵁-.
* أحَادِيثُ ضَعِيفَةٌ:
روَى ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، والحَاكِمُ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ رُبُعَ الإِسْلَامِ، أسْلَمَ قَبْلِي ثَلَاثَةٌ، وأنا الرَّابعُ، أتَيْتُ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ لَه: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، أشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُوله، فَرَأَيْتُ الِاسْتِبْشَارَ فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "مَنْ أَنْتَ؟ ".
فَقُلْتُ: إنِّي جُنْدُبٌ، رَجُلٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ (١).
ورَوَى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي رُبُعُ الإِسْلَامِ، لَمْ يُسْلِمْ قَبْلِي إِلَّا النَّبِيُّ -ﷺ-، وأَبُو بَكْرٍ، وبِلَالٌ (٢).
* * *
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر أبي ذر الغفاري -﵁- رقم الحديث (٧١٣٤) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ضربِ قُرَيش أبا ذَرٍّ -﵁- رقم الحديث (٥٥١٠).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ضرب قريش أبا ذَرٍّ -﵁- رقم الحديث (٥٥٠٩).
[ ١ / ٢٤٨ ]
أسَالِيبُ قُرَيْشٍ في مُحَارَبَةِ النَّبيِّ -ﷺ- ودَعْوَتِهِ
لَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مُسْتَمِرٌّ فِيمَا هُوَ عَلَيْهِ، لا يَصْرِفُهُ عَنْ دَعْوَتهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى شَيْءٌ، فَكَّرُوا مَرَّةً أخْرَى، واخْتَارُوا لِقَمْعِ هَذِهِ الدَّعْوَةِ أسَالِيبَ مِنْهَا:
١ - إثَارَةُ الشُّبُهَاتِ حَوْلَ مَصْدَرِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وبَثُّ الدِّعَاياتِ الكاذِبَةِ، ونَشْرُ الإيرَاداتِ الوَاهِيَةِ حَوْلَ تَعَالِيمِهِ، وحَوْلَ شَخْصِيَّتهِ -ﷺ-، والإكثارُ مِنْ ذَلِكَ بِحَيثُ لا يَبْقَى لِلْعَامَّةِ مَجَالٌ في تَدَبُّرِ دَعْوَتِهِ، فكانُوا يَقُولُونَ ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَر﴾ (١)، وكانُوا يَقُولُونَ عنِ القُرْآن: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ (٢)، ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ (٣)، وكانُوا يَقُولُونَ عَنْ رسُولِ اللَّه -ﷺ-: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ (٤).
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: كَانَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- فِيمَا بَلَغَنِي- كَثِيرًا ما يَجْلِسُ عِنْدَ
_________________
(١) سورة النحل آية (١٠٣).
(٢) سورة الفرقان آية (٥).
(٣) سورة الفرقان آية (٤).
(٤) سورة الفرقان آية (٧).
[ ١ / ٢٤٩ ]
المَرْوَةِ إلى مَبْيَعَةِ غُلامٍ نَصْرَانِيٍّ يُقالُ لهُ: جَبْرٌ، عَبْدٌ لابنِ الحَضْرَمِيِّ، فكانُوا يقُولُونَ: واللَّهِ ما يُعَلِّمُ مُحَمَّدًا كَثِيرًا مما يأتِي بهِ إلا جَبْرٌ النَّصْرَانِيُّ، غُلامُ ابنِ الحَضْرَمِيِّ، فأنزلَ اللَّهُ في ذَلِكَ مِنْ قَوْلهِمْ: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾ (١).
قَالَ ابنُ هِشَامٍ: يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ: أي يَمِيلُونَ إِلَيْهِ، والإلْحَادُ: المَيْلُ عَنِ الحَقِّ (٢).
٢ - من أسَالِيبِهِمْ أَيْضًا: مُعَارَضَةُ القُرْآنِ بأسَاطِيرِ الأوَّلينَ لإِشْغَالِ النَّاسِ بها عَنْهُ، فقدْ ذُكِرَ أَنَّ النَّضْرَ بنَ الحَارِثِ (٣) وَكَانَ مِنْ شَيَاطِينِ قُرَيشٍ، ومِمَّنْ يُؤْذِي رسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، ويَنْصُبُ لهُ العَدَاوَةَ، كَانَ قَدِمَ الحِيرَةَ (٤)، وتَعَلَّمَ بها أحادِيثَ مُلُوكِ الفُرْسِ، وأحَادِيثَ رُسْتُمٍ، فَكَانَ إِذَا جَلَسَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- مَجْلِسًا
_________________
(١) سورة النحل آية (١٠٣) - والخبر في سيرة ابن هشام (٦/ ٢) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب تفسير سورة النحل - رقم الحديث (٣٤١٤) عن ابن عباس -﵁- وإسناده صحيح.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٧).
(٣) هذا الرَّجلُ مِنْ أشَدِّ مَنْ عَانَدَ الرَّسول -ﷺ-، ثُمَّ أُسِر في غَزْوَةِ بدرٍ الكبرى، فَقُتِلَ كافرًا، قتَلَهُ عَلِيُّ بن أبي طَالِبٍ -﵁- بأمْرٍ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ-.
(٤) الحِيرَةُ: بكسر الحاء، مدِينةٌ على ثَلاثةِ أمْيَالٍ منَ الكُوفَةِ على مَوْضِعٍ يُقَالُ لهُ النَّجَفُ، كانتْ مَسْكَنَ مُلُوكِ العَرَبِ في الجاهليةِ من زَمَنِ نَضْرٍ ثم لَخْمِ النُّعمانِ وآبائِهِ، وقيل: إنَّما سُمِّيت الحِيرة لأنَّ تُبَّعًا لمَّا أقبلَ بجيوشه فَبَلغَ موضِعَ الحِيرَةِ ضَلَّ دليلُهُ، وتحيَّر فسُمِّيت الحِيرَة. انظر معجم البلدان (٣/ ٢٠١).
[ ١ / ٢٥٠ ]
فَذَكَّرَ فيهِ باللَّهِ، وحَذَّرَ قَوْمَهُ ما أصَابَ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنَ الأمَمِ مِنْ نِقْمَةِ اللَّهِ، خَلفَهُ في مَجْلِسِهِ إِذَا قَامَ، ثُمَّ قَالَ: أنَا وَاللَّهِ يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ أحْسَنُ حَدِيثًا مِنْهُ، وما حَدِيثُهُ إِلَّا أسَاطِيرُ الأوَّلينَ اكْتَتَبَهَا، فَهَلُمَّ إلَيَّ، فأَنَا أُحَدِّثُكُمْ أحْسَنَ مِنْ حَدِيثِهِ، ثُمَّ يُحَدِّثُهُمْ عَنْ مُلُوكِ فَارِسَ ورُسْتُمٍ، ثُمَّ يَقُولُ: بِمَاذَا مُحَمَّدٌ أحْسَنُ حَدِيثًا مِنِّي؟ .
قَالَ ابنُ هِشَامٍ: وهُوَ الذِي قَالَ -فِيمَا بَلَغَنِي-: سَأُنْزِلُ مِثْلَ ما أنْزَلَ اللَّهُ (١).
رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: نَزَلَ في النَّضْرِ بنِ الحَارِثِ ثَمَانُ آيَاتٍ مِنَ القُرْآنِ الكَرِيمِ: قَوْلُ اللَّهِ ﷿: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ (٢)، وكُلُّ ما ذُكِرَ فِيهِ مِنَ الأسَاطِيرِ (٣) مِنَ القُرْآنِ (٤).
ونَزَلَ في النَّضْرِ بنِ الحَارِثِ -قبَّحَهُ اللَّهُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٥).
_________________
(١) سورة الأنعام آية (٩٣) - والخبَرُ في سيرة ابن هشام (١/ ٣٣٧). اختُلِفَ فيمن نَزَلت فيهِ هذه الآية، فقِيل: في مُسَيْلَمَةَ الكذَّاب، وقيل: عبدِ اللَّه بن سَعْدِ بنِ أَبِي السَّرْحِ، وقيل: النَّضْرِ بنِ الحَارث، واللَّهُ أعلم. وانظر تفسير ابن كثير (٣/ ٣٠٢) - تفسير القرطبي (٨/ ٤٥٧).
(٢) سورة القلم آية (١٥).
(٣) قال الإمام السُّهيلي في الرَّوْض الأُنُف (٢/ ٥٣): واحدُ الأسَاطِيرِ أُسْطُورَةٌ كأُحْدُوثَة وأحَادِيث، وهو ما سَطَرَهُ الأوَّلُونَ.
(٤) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٣٧).
(٥) سورة الجاثية آية (٧ - ٨).
[ ١ / ٢٥١ ]
٣ - ومِنْ أسَالِيبِهِمْ: السُّخْرِيةُ والاسْتِهْزَاءُ والتَّكْذِيبُ، وقدْ لَجَأَتْ قُرَيْشٌ إلى هَذَا الأُسْلُوبِ لِتَخْذِيلِ المُسْلِمِينَ، وتَوْهِينِ قُوَاهُمُ المَعْنَوِيَّةَ، فَرَمَوْا النَّبِيَّ -ﷺ- بالجُنُونِ: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾ (١).
ووَصَمُوهُ (٢) بالسِّحْرِ والكَذِبِ وقَوْلِ الشِّعْرِ: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ (٣)، ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ (٤).
قال ابنُ إسحاقَ: وَكَانَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- إذا تَلا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، ودَعَاهُمْ إلى اللَّهِ تَعَالَى، قالُوا يَهْزَؤُونَ بِهِ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ (٥) مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ (٦) وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ﴾ (٧)، فانزلَ اللَّهُ تَعَالَى عَليهِ في ذَلِكَ مِنْ قَوْلهِمْ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا
_________________
(١) سورة الحجر (٦).
(٢) وصم الشيء: عابه. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٢٠).
(٣) سورة ص آية (٤).
(٤) سورة الأنبياء آية (٥).
(٥) قَالَ الرَّاغِبُ الأصفَهَانيُّ في مُفْرَداتِ القرآن ص ٤٤٤: الكِنَانُ: الغِطَاءُ الذي يُكَنُّ فيه الشَّيْءُ، والجَمْعُ أكِنَّةٌ نحوُ غِطَاءٌ وأغْطِيَةٌ، قال اللَّه تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ قِيلَ مَعْنَاهُ في غِطَاءٍ عَنْ تَفَهُّمِ مَا تُورِدُهُ عَلَيْنَا. . .
(٦) قال الراغِبُ الأصْفَهاني في مُفردات القرآن ص ٥٤٤: الوَقْر: الثِّقَلُ في السَّمْعِ. وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ١٦١): أي آذاننا صَمَمٌ عمَّا جِئْتَنَا به.
(٧) سورة فصلت آية (٥).
[ ١ / ٢٥٢ ]
يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾.
أيْ كَيْفَ فَهِمُوا تَوْحِيدَكَ ربَّكَ إِنْ كُنْتَ جَعَلْتَ عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً، وفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا، وبَيْنَكَ وبَيْنَهُمْ حِجَابًا بِزَعْمِهِمْ، أي: إنِّي لَمْ أفْعَلْ ذَلِكَ: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ أي ذَلِكَ ما تَوَاصَوْا بِهِ مِنْ تَرْكِ ما بَعَثْتُكَ بهِ إِلَيْهِمْ ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ أيْ أَخْطَؤُوا المَثَلَ الذِي ضَرَبُوا لكَ، فَلا يُصِيبُونَ بهِ هُدًى، ولا يَعْتَدِلُ لَهُمْ فيهِ قَوْلٌ: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ أي: قَدْ جِئْتَ تُخْبِرُنَا أنَّا سَنُبْعَثُ بَعْدَ مَوْتِنَا إِذَا كُنَّا عِظَامًا ورُفَاتًا، وذَلِكَ ما لا يَكُونُ ﴿قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (٥٠) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (١) أيْ: الذِي خَلَقَكُمْ مِمَّا تَعْرِفُونَ، فَلَيْسَ خَلْقُكُمْ مِنْ تُرَابٍ بِأَعَزَّ مِنْ ذَلِكَ عَلَيْهِ (٢).
٤ - مُسَاوَمَاتٌ حَاوَلُوا بِهَا أَنْ يَلْتَقِي الإسْلامُ والجَاهِلِيَّةُ في مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ بأنْ يَتْرُكَ المُشْرِكُونَ بَعْضَ ما هُمْ عَلَيْهِ، ويَتْرُكَ النَّبِيُّ -ﷺ- بَعْضُ مَا هُوَ عَلَيْهِ، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ (٣) فَيُدْهِنُونَ﴾ (٤).
_________________
(١) سورة الإسراء آية (٤٥ - ٥١).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٣).
(٣) قال الإمام القرطبي في تفسيره (٢١/ ١٤٧): الإدِّهَانُ: هُوَ اللِّين والمُصَانَعَةُ.
(٤) سورة القلم آية (٩).
[ ١ / ٢٥٣ ]
قَالَ الإِمَامُ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ في تَفْسِيرِهِ: وَدَّ هَؤُلَاءِ المُشْرِكُونَ يَا مُحَمَّدُ لَوْ تَلِينُ لَهُمْ في دِينِكَ بِإِجَابَتِكَ إيَّاهُمْ إِلَى الرُّكُونِ إِلَى آلِهَتِهِمْ، فَيَلِينُونَ لَكَ في عِبَادَتِكَ إِلَهَكَ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثنَاؤُهُ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ وَإِنَّمَا هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الدُّهْنِ شَبَّهَ التَّلْيِينَ في القَوْلِ بِتَلْيِينِ الدُّهْنِ (١).
قَالَ ابنُ إسْحَاقٍ: اعْترَضَ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وهُوَ يَطُوفُ بِالكَعْبَةِ -فِيمَا بَلَغَنِي- الأَسْوَدُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ بنِ أسَدِ بنِ عَبْدِ العُزَّى، والوَليدُ بنُ المُغِيرَةِ، وأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، والعَاصُ بنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وكانُوا ذَوِي أَسْنَانٍ (٢) في قَوْمِهِمْ، فقَالُوا: يا مُحَمَّدُ هَلُمَّ فَلْنَعْبُدْ مَا تَعْبُدُ، وتَعْبُدُ ما نَعْبُدُ، فنَشْتَرِكَ نَحْنُ وَأَنْتَ فِي الأَمْرِ، فَإِنْ كَانَ الذِي تَعْبُدُ خَيْرًا مِمَّا نَعْبُدُ، كُنَّا قَدْ أَخَذْنَا بِحَظِّنَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَا نَعْبُدُ خَيرًا مِمَّا تَعْبُدُ، كُنْتَ قَدْ أخَذْتَ بِحَظِّكَ مِنْهُ، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣) وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ (٤) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ (٣).
أيْ: إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ، إِلَّا أَنْ أعْبُدَ مَا تَعْبُدُونَ، فَلا حَاجَةَ لِي بِذَلِكَ مِنْكُمْ، لَكُمْ دِينُكُمْ جَمِيعًا وَليَ دِينِ (٤).
_________________
(١) انظر تفسير ابن جرير الطبري (١٢/ ١٨٢).
(٢) ذَوِي الأسْنَانِ: هُمُ الأكَابِرُ والأشْرَافُ. انظر النهاية (٢/ ٣٧١).
(٣) سورة الكافرون بكاملها.
(٤) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٤٠٠).
[ ١ / ٢٥٤ ]
وحَسَمَ اللَّهُ مُفَاوَضَاتهمُ المُضْحِكَةَ بِهَذِهِ المُفَاصَلَةِ الجَازِمَةِ (١)
. . . لَعَلَّ اخْتِلاطَ تَصَوُّرَاتِهِمْ، واعْتِرَافِهِمْ بِاللَّهِ تَعَالَى مَعَ عِبَادَةِ آلِهَةٍ أُخْرَى مَعَهُ. . . لَعَلَّ هَذَا كَانَ يُشْعِرُهُمْ أَنَّ المَسَافَةَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- قَرِيبَةٌ، يُمْكِنُ التَّفاهُمُ عَلَيْهَا، بِقِسْمَةِ البَلَدِ بَلَدَيْنِ، والِالْتِقَاءِ في مُنْتَصَفِ الطَّرِيقِ، مَعَ بَعْضِ التَّرْضِيَاتِ الشَّخْصِيَّةِ! .
ولِحَسْمِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ، وَقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَى المُحَاوَلَةِ، والمُفَاصَلَةِ الحَاسِمَةِ بينَ عِبَادَةٍ وعِبَادَةٍ، ومَنْهَجٍ ومَنْهَجٍ، وتَصَوُّرٍ وتَصَوُّرٍ، وطَرِيقٍ وطَرِيقٍ. . نَزَلَتْ هذِهِ السُّورَةُ (٢)، بِهَذا الجَزْمِ، وبِهَذَا التَّوْكِيدِ. وبِهَذَا التَّكْرَارِ. لِتُنْهِيَ كُلَّ قَوْلٍ، وتَقْطَعَ كُلَّ مُسَاوَمَةٍ، وتُفَرِّقَ نِهَائِيًّا بَيْنَ التَّوْحِيدِ والشِّرْكِ، وتُقِيمَ المَعَالِمَ وَاضِحَةً، لا تَقْبَلُ المُسَاوَمَةَ والجَدَلَ في قَلِيلٍ ولا كَثِيرٍ (٣).
قال ابنُ إسْحَاقَ: وَكَانَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا جَلَسَ في المَسْجِدِ، فَجَلَسَ إِلَيْهِ المُسْتَضعَفُونَ مِنْ أَصْحَابِهِ: خَبَّابٌ، وَعَمَّارٌ، وأَبُو فكَيْهَةَ يَسَارٌ مَوْلَى صَفْوَانَ بنِ أُمَيَّةَ، وصُهَيْبٌ، وأشْبَاهُهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ، هَزَأَتْ بِهِمْ قُرَيْشٌ، فقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: هَؤُلَاءِ أَصْحَاُبهُ كَمَا تَرَوْنَ، أهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا بِالهُدَى الحَقِّ؟ لَوْ كَانَ مَا جَاءَ بهِ مُحَمَّدٌ خَيْرًا ما سَبَقَنَا هَؤُلَاءِ إِلَيْهِ، ومَا خَصَّهُمُ اللَّهُ بهِ
_________________
(١) انظر الرحيق المختوم ص ٨٥.
(٢) سورة الكافرون بكاملها.
(٣) انظر في ظلال القرآن (٦/ ٣٩٩١).
[ ١ / ٢٥٥ ]
دُونَنَا، فأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إِلَى قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
ورَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- قَالَ: كُنَّا معَ النَّبِيِّ -ﷺ- سِتَّةَ نَفَرٍ، فَقَالَ المُشْرِكُونَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: اطْرُدْ هَؤُلَاءَ لَا يَجْتَرِؤُنَ عَلَيْنَا، قَالَ: وكُنْتُ أَنَا، وابْنُ مَسْعُودٍ، ورَجُلٌ مِنْ هُذَيْلٍ، وبِلَالٌ، ورَجُلَانِ لَسْتُ أُسَمِّيهِمَا، فَوَقَعَ في نَفْسِ رسُولِ اللَّه -ﷺ- ما شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقَعَ، فَحَدَّثَ نَفْسَهُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ (٢).
* * *
_________________
(١) سورة الأنعام آية (٥٢ - ٥٤) - والخبر في سيرة ابن هشام (٢/ ٦).
(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب في فضل سعد بن أبي وقَّاص -﵁- رقم الحديث (٢٤١٣) (٤٦) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب ذكر سُؤالِ المُشركين رسول اللَّه -ﷺ- طرْدَ الفُقَراءِ عنه - رقم الحديث (٦٥٧٣).
[ ١ / ٢٥٦ ]
تَعْذِيبُ قُرَيْشٍ لِلْمُسْلِمِينَ
مَضَى رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدْعُو إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، ويَئِسَتْ قُرَيْشٌ مِنْهُ، وأدْرَكَتْ ألَّا جَدْوَى مِنْ تِلْكَ الأَسَالِيبِ التِي سَلَكَتْهَا مَعَهُ في كَفِّ الدَّعْوَةِ الإِسْلَامِيَّةِ والقَضَاءِ علَيْهَا، فاجْتَمَعَ رُؤُوسُ المُشْرِكِينَ وقَرَّرُوا اللُّجُوءَ إِلَى العُنْفِ، والقُوَّةِ في مُحَارَبَةِ الإِسْلَامِ والمُنْتَمِينَ إِلَيْهِ، وأصْدَرُوا أوَامِرَهُمْ إِلَى القَبَائِلِ لِيَصُبُّوا العَذَابَ والْأَذَى عَلَى كُلِّ مَنِ اتَّبَعَ النَّبِيَّ -ﷺ-.
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: فَوَثَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلَى مَنْ فِيهَا مِنَ المُسْلِمِينَ، فَجَعَلُوا يَحْبِسُونَهُمْ، ويُعَذِّبُونَهُمْ بالضَّرْبِ، والجُوعِ، والعَطَشِ، وبِرَمْضَاءِ مَكَّةَ إِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ (١).
فكَانَتْ فِتْنَةً شَدِيدَةَ الزِّلْزَالِ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ، فَافْتُتِنَ مَنِ افْتُتِنَ، وعَصَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ مَنْ شَاءَ، ومَنَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ -ﷺ- مِنْهُمْ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: . . . فحَمَى اللَّهُ رَسُولَهُ -ﷺ- بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ شَرِيفًا مُعَظَّمًا في قُرَيْشٍ، مُطَاعًا في أهْلِهِ، وأَهْلُ مَكَّةَ لا يَتَجَاسَرُونَ عَلَى
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٤).
[ ١ / ٢٥٧ ]
مُكَاشَفَتِهِ بِشَيْءٍ مِنَ الأَذَى، وَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ أحْكَمِ الحَاكِمِينَ ﷾ بَقَاؤُهُ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، لِمَا في ذَلِكَ مِنَ المَصَالِحِ التِي تَبْدُو لِمَنْ تَأَمَّلَهَا (١).
* المُجَاهِرُونَ بِالظُّلْمِ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَكَانَ المُجَاهِرُونَ بِالظُّلْمِ لرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ولِكُلِّ مَنْ آمَنَ بِهِ:
١ - عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ (٢).
٢ - ابنُ عَمِّهِ أَبُو سُفْيَانَ بنُ الحَارِثِ (٣).
٣ - عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ (٤).
٤ - شَيْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ (٥).
٥ - عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْطٍ (٦).
٦ - أَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ (٧).
٧ - الحَكَمُ بنُ أَبِي العَاصِ بنِ أُمَيَّةَ (٨).
_________________
(١) انظر زاد المعاد (٣/ ١٩ - ٢٠).
(٢) ماتَ بعدَ غَزْوَةِ بَدْرٍ الكبرى كَافرًا.
(٣) أسْلَمَ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ وحَسُنَ إسْلامُهُ.
(٤) قُتِلَ كافِرًا في غزْوَةِ بَدْر الكبرى.
(٥) قُتِلَ كافِرًا في غزْوَةِ بَدْر الكبرى.
(٦) أُسِرَ في غزوَةِ بَدرٍ الكبرى، ثم أمَرَ الرَّسول -ﷺ- بقتْلِهِ، فقُتِلَ كافرًا.
(٧) أسْلَمَ في فَتْحِ مَكةَ وحَسُن إسلامه.
(٨) أسْلَمَ في فَتْحِ مَكةَ وحَسُن إسلامه.
[ ١ / ٢٥٨ ]
٨ - النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ (١).
٩ - أَبُو البَخْتَرِيِّ بنُ العَاصِي بنِ هِشَامٍ (٢).
١٠ - أَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ (٣).
١١ - الوَليدُ بنُ المُغِيرَةِ (٤).
١٢ - العَاصُ بنُ وَائِلٍ (٥).
١٣ - أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ (٦).
١٤ - أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ (٧).
فَهَؤُلاءَ كَانُوا أشَدَّ عَلَى المُؤْمِنِينَ مُثَابَرَةً بالأذَى، ومَعَهُمْ سَائِرُ قُرَيْشٍ، فَمِنْهُم يُعَذِّبُونَ مَنْ لا مَنَعَةَ لَهُ، ولا جِوَارَ مِنْ قَوْمِهِ، ومِنْهُمْ مَنْ يُؤْذُونَ.
قَالَ ابنُ إسْحَاقٍ: وَكَانَ أَبُو جَهْلٍ الفَاسِقُ الذِي يُغْرِي بِهِمْ في رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ، إِذَا سَمعَ بالرَّجُلِ قَدْ أسْلَمَ، لهُ شَرَفٌ ومَنَعَةٌ، أنَّبَهُ وأخْزَاهُ، وَقَالَ: ترَكْتَ دِينَ أبِيكَ وهُوَ خَيْرٌ مِنْكَ، لنُسَفِّهَنَّ حِلْمَكَ، ولنُفَيِّلَنَّ (٨) رَأْيَكَ، ولَنَضَعَنَّ
_________________
(١) أُسِرَ في غزوةِ بَدْرٍ الكُبْرى، وأمَرَ النبي -ﷺ- بِقَتْلِهِ، فقُتل كَافرًا.
(٢) قُتِلَ في غَزْوَةِ بدرٍ الكُبْرى كافرًا.
(٣) هُوَ فِرْعَونُ هذِهِ الأمَّة قُتِلَ في غَزْوَةِ بَدرٍ الكُبْرى كافرًا لعَنَه اللَّه تَعَالَى.
(٤) ماتَ قَبْلَ غزوةِ بَدرٍ الكُبْرى كافرًا.
(٥) ماتَ قَبْلَ غزوةِ بَدرٍ الكُبْرى كافرًا.
(٦) قُتل في غزوةِ بَدرٍ الكُبْرى كافرًا قتَله بِلال -﵁-.
(٧) قتله النبي -ﷺ- في غَزْوة أُحُدٍ كافرًا، وهو الوَحِيدُ الذي قتلهُ النبي -ﷺ-.
(٨) فَيَّلَ رأيَهُ: أي ضَعَّفَهُ وخَطَّأَهُ. انظر الوسيط (٢/ ٧١٥).
[ ١ / ٢٥٩ ]
شَرَفَكَ، وَإِنْ كَانَ تَاجِرًا قَالَ: واللَّهِ لنكْسِدَنَّ تِجَارَتَكَ، ولَنُهْلِكَنَّ مَالَكَ، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا ضَرَبَهُ وأَغْرَى بِهِ (١)
* صُوَرٌ مِنَ التَّعْذِيبِ والإِيذَاءِ:
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وابنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عنِ ابنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: كَانَ أوَّلَ مَنْ أظْهَرَ إِسْلامَهُ سَبْعَةٌ: رسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وأَبُو بَكْرٍ، وعَمَّارٌ، وأُمُّهُ سُمَيَّةُ، وصُهَيْبٌ، وبِلالٌ، والمِقْدَادُ، فأمَّا رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فمَنَعَهُ اللَّه ﷿ بِعَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَمَنَعَهُ اللَّهُ بِقَوْمِهِ، وَأَمَّا سَائِرُهُمْ فأخَذَهُمُ المُشْرِكُونَ وألْبَسُوهُمُ أدْرَاعَ الحَدِيدِ، وصَهَرُوهُمْ في الشَّمْسِ، فَمَا مِنْهُمْ مِنْ أحَدٍ إِلَّا وقَدْ وَاتَاهُمْ (٢) عَلَى ما أرَادُوا إِلَّا بِلالٌ، فَإِنَّهُ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ في اللَّهِ، وهَانَ عَلَى قَوْمِهِ، فأَخَذُوهُ فَأَعْطَوْهُ الوِلْدَانَ، فجَعَلُوا يَطُوفُونَ بهِ في شِعَابِ مَكَّةَ، وهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ (٣).
* تَعْذِيبُ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ -﵁-:
كَانَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ -﵁- يأخُذُهُ عَمُّهُ الحَكَمُ بنُ أَبِي العَاصِ فيُوثِقُهُ رِبَاطًا ويَقُولُ لهُ: أتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ آبَائِكَ إلى دِينٍ مُحْدَثٍ؟
واللَّهِ لا أَحُلُّكَ أبَدًا حتَّى تَدَعَ ما أَنْتَ عَلَيْهِ مِنْ هَذَا الدِّينِ، فيَقُولُ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٧).
(٢) واتَاهُمْ: أي وَافَقَهُمْ. انظر لسان العرب (١/ ٦٧).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٨٣٢) - وأخرجه ابن ماجه في سننه - في المقدمة - رقم الحديث (١٥٠).
[ ١ / ٢٦٠ ]
عُثْمَانُ -﵁-: واللَّهِ لا أدَعُهُ أبَدًا ولا أُفَارِقُهُ، فَلَمَّا رَأَى الحَكَمُ صَلَابَتَهُ في دِينِهِ ترَكَهُ (١).
* تَعْذِيبُ الزُّبَيْرِ بنِ العَوَّامِ -﵁-:
وَكَانَ الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ -﵁- يَأْخُذُهُ عَمُّهُ ويَلُفُّهُ في حَصِيرٍ، ويُدَخِّنُ عَلَيْهِ بالنَّارِ، ويَقُولُ لَهُ: ارْجعْ إِلَى الكُفْرِ، فيَقُولُ الزُّبَيْرُ -﵁-: لا أكْفُرُ أَبَدًا (٢).
* تَعْذِيبُ زِنِّيرَةَ ﵂:
مِنَ الذِينَ عُذِّبُوا: امْرَأَةٌ يُقَالُ لهَا: زِنِّيرَةٌ ﵂، أعْتَقَهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَذَهَبَ بَصَرُهَا حِينَ أعْتَقَهَا، فقَالَتْ قُرَيْشٌ: ما أذْهَبَ بَصَرَهَا إِلَّا اللَّاتُ والعُزَّى، فَقَالَتْ: كَذَبُوا وبَيْتِ اللَّهِ، ما تَضُرُّ اللَّاتُ والعُزَّى ومَا تَنْفَعَانِ، فَرَدَّ اللَّهُ بَصَرَهَا (٣).
* تَعْذِيبُ مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ -﵁-:
أَمَّا مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ -﵁- فَقَدْ رَوَى ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: أَنَّ مُصْعَبَ بنَ عُميْرٍ كَانَ فتَى مَكَّةَ شَبَابًا وجَمَالًا، وَكَانَ أبَوَاهُ يُحِبَّانِهِ، وَكَانَتْ أُمُّهُ مَليئَةً كَثِيرَةَ المَالِ تَكْسُوهُ أحْسَنَ ما يَكُونُ مِنَ الثِّيَابِ وأَرَقَّهُ، وَكَانَ أعْطَرَ أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَانَ
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى (٣/ ٣١).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة ﵃ - باب كان عَمُّ الزُّبير يُعلِّق الزبير في حصير - رقم الحديث (٥٦٠١) - وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ١١٣) - وهو مرسل صحيح.
(٣) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٥) - البداية والنهاية (٣/ ٦٤) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٢٨٣).
[ ١ / ٢٦١ ]
رسُولُ اللَّه -ﷺ- يَذْكُرُهُ ويَقُولُ: "ما رَأيْتُ بِمَكَّةَ أحَدًا أحْسَنَ لِمَّةً (١)، ولا أرَقَّ حُلَّةً ولا أنْعَمَ نِعْمَةً مِنْ مُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ"، فبَلَغَهُ أَنَّ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَدْعُو إِلَى الإِسْلامِ في دَارِ الأَرْقَمِ بنِ أَبِي الأَرْقَمِ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ فأسْلَمَ وصَدَّقَ بهِ، وخَرَجَ فكَتَمَ إسْلامَهُ خَوْفًا مِنْ أُمِّهِ وقَوْمِهِ، فَكَانَ يَخْتَلِفُ إِلَى رسُولِ اللَّه -ﷺ- سِرًّا، فَبَصُرَ بهِ عُثْمَانُ بنُ طَلْحَةَ يُصَلِّي فأخْبَرَ أُمَّهُ وقَوْمَهُ، فأخَذُوهُ فَحَبَسُوهُ فلَمْ يَزَلْ مَحْبُوسًا حتَّى خَرَجَ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ في الهِجْرَةِ الأُولَى، ثُمَّ رَجَعَ مَعَ المُسْلِمِينَ حِينَ رَجَعُوا، فَرَجَعَ مُتَغَيِّرَ الحَالِ قَدْ حَرَجَ -يَعْنِي غَلُظَ- فكفَّتْ أُمُّهُ عَنْهُ (٢).
* تَعْذِيبُ النَّهْدِيَّةِ وبِنْتِهَا:
مِنَ الذِينَ عُذِّبُوا امْرَأَةٌ يُقالُ لَهَا: النَّهْدِيَّةُ وبِنْتُهَا، وكانتا لِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَمَرَّ بِهِمَا أَبُو بَكْرٍ -﵁-، وقَدْ بَعَثَتْهُمَا سَيِّدَتُهُمَا بِطَحِينٍ لَهَا، وهِيَ تَقُولُ: واللَّهِ لا أُعْتِقُكُمَا أبَدًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: حِلْ يَا أُمَّ فُلانٍ (٣)، فَقالَتْ: حِلْ، أَنْتَ أفْسَدْتَهُمَا فَأعْتِقْهُمَا، قَالَ: قَدِ ابْتَعْتُهُمَا (٤)، وهُمَا حُرَّتَانِ (٥).
* تَعْذِيبُ سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ -﵁-:
وَكَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ -يُوثِقُ سَعِيدَ بنَ زَيْدِ بنِ عَمْرِو بنِ نُفَيْلٍ -﵁- ويُعَذِّبُهُ عَلَى إسْلَامِهِ.
_________________
(١) اللِّمَةُ: بكسْرِ اللامِ، شَعْرُ الرَّأس إذا كَانَ فَوقَ الوَفْرَةِ. انظر لسان العرب (١٢/ ٣٣٣).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٣/ ٦٢).
(٣) حِلْ يا أُمَّ فُلانٍ: أي تَحَلَّلِي مِنْ يَمِينِكِ. انظر لسان العرب (٣/ ٣٠٠).
(٤) ابتاع الشيء: اشتراه. انظر لسان العرب (١/ ٥٥٧).
(٥) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٥) - البداية والنهاية (٣/ ٦٤) - سبل الهدى والرشاد (٢/ ٣٦١).
[ ١ / ٢٦٢ ]
رَوى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ سَعِيدِ بنِ زَيْدٍ -﵁- قَالَ: واللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي (١) وإنَ عُمَرَ لَمُوثِقِي (٢) عَلَى الإِسْلامِ وقَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ عُمَرُ (٣).
* تَعْذِيبُ جَارِيَةِ بَنِي مُؤَمَّلٍ:
مِنَ الذِينَ عُذِّبُوا جَارِيَةٌ لِبَنِي مُؤَمَّلٍ -وهُمْ حَيٌّ مِنْ بَنِي عَدِيِّ بنِ كَعْبٍ- وَكَانَ الذِي يُعَذِّبُهَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- وَكَانَ عَلَى الشِّرْكِ، فَيُعَذِّبُهَا حتَّى يَمَلَّ، فيَقُولُ لَهَا: إنِّي اعْتَذِرُ إلَيْكِ، إنِّي لَمْ أتْرُكْكِ إِلَّا مَلَالَةً، فتَقُولُ -﵁-: كذَلِكَ فَعَلَ اللَّهُ بِكَ (٤).
* تَعْذِيبُ بِلالِ بنِ رَبَاحٍ -﵁-:
وَكَانَ بِلالُ بنُ رَبَاحٍ -﵁-، مَوْلَى لِبَعْضِ بَنِي جُمَحٍ، يُخْرِجُهُ سَيِّدُهُ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ- إِذَا حَمِيَتِ الشَّمْسُ وَقْتَ الظَّهِيرَةِ، فَيَطْرَحُهُ عَلَى ظَهْرِهِ في بَطْحَاءَ مَكَّةَ، ثُمَّ يَأْمُرُ بالصَّخْرَةِ العَظِيمَةِ، فَتُوضَعُ عَلَى صَدْرِهِ، ثُمَّ يَقُولُ لَهُ: لا تَزَالُ هَكَذَا حتَّى تَمُوتَ، أَوْ تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ، وتَعْبُدَ اللَّاتَ والعُزَّى، فيَقُولُ وهُوَ في ذَلِكَ البَلَاءَ: أَحَدٌ أَحَدٌ (٥).
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٦٩): والمعنَى رأيتُ نَفسي.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٦٩): أي رَبَطه بسبَبِ إسلامِهِ إهانَةً لهُ وإلْزَامًا بالرُّجوع عن الإسلام.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب إسلام سعيد بن زيد -﵁- رقم الحديث (٣٨٦٢).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٦) - البداية والنهاية (٣/ ٦٤) - سبل الهدى والرشاد (٢/ ٣٦١).
(٥) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٤) - زاد المعاد (٣/ ٢٠).
[ ١ / ٢٦٣ ]
قَالَ الشَّيخُ عَلِي الطَّنْطاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وتَشْغَلُهُ لَذَّةُ المُنَاجَاةِ، عَنْ لَذْعَةِ العَذَابِ، ونَشْوَةُ الأمَلِ بالجَنَّةِ، عَنْ شِقْوَةِ الألَمِ فِي الدُّنْيَا (١).
* رِوَايَةٌ ضعِيفَةٌ:
وَأَمَّا ما رَواهُ ابنُ إسْحَاقَ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، قَالَ: كَانَ وَرَقَةُ بنُ نَوْفَلٍ يَمُرُّ عَلَيْهِ -أيْ عَلَى بِلالٍ -﵁- وهُوَ يُعَذَّبُ، وهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ، . . . فَقَالَ وَرَقَةُ لِأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ: لَئِنْ قتَلْتُمُوهُ عَلَى هَذَا -أيْ عَلَى الإِسْلامِ- لَأتَّخِذَنَّهُ حَنَانًا (٢).
قال الحَافِظُ ابنُ كثِيرٍ بَعْدَ أَنْ سَاقَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ: وفِيهِ نَظَرٌ (٣).
وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: هذا مُرْسَلٌ، ووَرَقَةُ لَوْ أدْرَكَ هَذَا لَعُدَّ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَإِنَّمَا مَاتَ الرَّجُلُ في فترَةِ الوَحْي بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وقَبْلَ الرِّسَالَةِ، كَمَا في الصَّحِيحِ (٤).
* تَعْذِيبُ آل يَاسِرٍ ﵃:
كَانَ عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ وأُمُّهُ وأبُوهُ ﵃، مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ الذِينَ يُعَذَّبُونَ بِمَكَّةَ لِيَرْجِعُوا عَنْ دِينِهِمْ، فَكَانَتْ بَنُو مَخْزُومٍ، وعَلَى رَأْسِهِمْ أَبُو جَهْلٍ
_________________
(١) انظر كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ١٤.
(٢) الحَنَانُ: الرَّحْمةُ والعَطْفُ، أرادَ: لَأَجْعَلَنَّ قبرَهُ مَوْضِعَ حَنَانٍ، أي مَظَنَّةً منْ رَحْمة اللَّه، فأتمَسَّح بهِ مُتَبَرِّكًا، فيرجعُ ذلك عَارًا عليكم، وسُبَّةً عِند الناس. انظر النهاية (١/ ٤٣٥). وانظر الخَبَر في سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٥).
(٣) انظر البداية والنهاية (٣/ ٦٤).
(٤) انظر سير أعلام النبلاء (١/ ٣٥٢).
[ ١ / ٢٦٤ ]
لَعَنَهُ اللَّهُ يَخْرُجُونَ بِهِمْ إِلَى الأَبْطُحِ إِذَا حَمِيَتِ الرَّمْضَاءُ، فَيُعَذِّبُونَهُمْ بِحَرِّهَا، فَمَرَّ بهم رسُولُ اللَّه -ﷺ-، وهُمْ يُعَذَّبُونَ فقال: "صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ فإنَّ مَوْعِدَكُمُ الجَنَّةُ" (١).
فَمَاتَ ياسِرٌ في العَذَابِ، وَأَمَّا سُمَيَّةُ أُمّ عَمَّارٍ فَطَعَنَهَا أَبُو جَهْلٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ- بِحَرْبَةٍ في قُبُلِهَا فَمَاتَتْ، وهِيَ أوَّلُ شَهِيدَةٍ في الإِسْلامِ (٢)
وَأَمَّا عَمَّارٌ -﵁- فنَزَلَ عَلَيْهِ أَبُو جَهْلٍ بالعَذَابِ الشَّدِيدِ بالحَرْقِ تَارَةً، وبالتَغْرِيقِ تَارَةً أُخْرَى، ولَمْ يَزَلِ المُشْرِكُونَ يُعَذِّبُونَهُ حتَّى سَبَّ النَّبِيَّ -ﷺ-، وذَكَرَ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ فترَكُوهُ، فأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- وهُوَ يَبْكِي، فَجَعَلَ رسُولُ اللَّه -ﷺ- يَمْسَحُ عَنْ عَيْنَيْهِ، ويَقُولُ له: "مَا وَرَاءَكَ؟ " قال شَرٌّ يا رَسُولَ اللَّهِ! مَا تُرِكْتُ حتَّى نِلْتُ مِنْكَ وذَكَرْتُ آلِهَتَهُمْ بِخَيْرٍ، فَقَالَ لَهُ -ﷺ-: "كيْفَ تَجِدُ قَلْبَكَ؟ " قَالَ مُطْمَئِنًّا بالإيمَانِ، فقَالَ لَهُ -ﷺ-: "إِنْ عَادُوا فَعُدْ"، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ (٣).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب مَعْرفة الصحابة ﵃ - باب إيذَاءِ الكفار آل ياسِرٍ - رقم الحديث (٥٦٩٦) - وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجه، ووافقه الذهبي - والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٨٢).
(٢) انظر البداية والنهاية (٣/ ٦٥) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٢٨٢) - سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٧).
(٣) سورة النحل آية (١٠٦). والخبرُ أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب تفسير سورة النحل - رقم الحديث (٣٤١٣) - وقال: هذا حديث صحيح على شَرْط الشيخين، ولم يخرجاه، وأقرَّه الذهبي.=
[ ١ / ٢٦٥ ]
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اتَّفَقَ العُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوَالِيَ المُكْرَهُ عَلَى الكُفْرِ، إبْقَاءً لِمُهْجَتِهِ (١)، ويَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَقْتِلَ، كَمَا كَانَ بِلالٌ -﵁- يَأْبى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وهُمْ يَفْعَلُونَ بهِ الأفَاعِيلَ، حتَّى إِنَّهُمْ لَيَضَعُونَ الصَّخْرَةَ العَظِيمَةَ عَلَى صَدْرِهِ في شِدَّةِ الحَرِّ، ويَأْمُرُونَهُ أَنْ يُشْرِكَ باللَّهِ فَيَأْبَى عَلَيْهِمْ، وهُوَ يَقُولُ: أَحَدٌ أَحَدٌ. ويَقُولُ: واللَّهِ لَوْ أعْلَمُ كَلِمَةً هِيَ أغْيَظُ لَكُمْ مِنْهَا لَقُلْتُهَا، ﵁ وأرْضَاهُ، وكذَلِكَ حَبِيبُ بنُ زَيْدٍ الأنْصَارِيُّ -﵁- (٢) لَمَّا قَالَ لَهُ مُسَيْلَمَةُ الكَذَّابُ: أتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ. فَيَقُولُ: أتَشْهَدُ أنِّي رسُولُ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: لا أسْمَعُ، فَلَمْ يَزَلْ يُقَطِّعُهُ إِرَبًا إرَبًا (٣) وهُوَ ثَابِتٌ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى قَتَلَهُ.
ثُمَّ قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: والأَفْضَلُ والأَوْلَى أَنْ يَثْبُتَ المُسْلِمُ عَلَى دِينِهِ، ولَوْ أَفْضَى إِلَى قتلِهِ (٤).
_________________
(١) = وأوردَهُ الحافظ في الفتح (١٢/ ٢٧٨) وقال: هو مُرْسل ورجاله ثِقاتٌ، وذكره من عدة طُرق مُرسلة، وقال: وهذه المَرَاسيل يُقوِي بَعْضُهَا بِبَعْضٍ.
(٢) المُهْجَةُ: الرُّوحُ. انظر لسان العرب (١٣/ ٢٠٦).
(٣) هوَ حَبِيبُ بنُ زَيْدٍ الأنْصَارِيُّ الخَزْرَجِيُّ، شَهِدَ العَقَبَةَ، وشَهِدَ أُحُدًا والخَنْدَقَ والمشَاهِدَ معَ رسولِ اللَّه -ﷺ-، أرسَلَهُ الرسولُ -ﷺ- إلى مُسَيْلَمَةَ الكَذَّاب، صَاحِبَ اليَمَامَةِ، فَكَانَ مُسيلمَةُ إذا قال له: أتشهَدُ أَنَّ محمدًا رسول اللَّه؟ قال: نَعَمْ، وإذا قال: أتشهَدُ أني رسول اللَّه؟ قال: أنا أصَمُّ لا أسْمَعُ، فَفَعَلَ ذلك مِرَارًا، فَقَطَّعَهُ مُسيلمَةُ عُضْوًا عُضْوًا حتى ماتَ -﵁-. انظر أسد الغابة (١/ ٤٢١).
(٤) الإرَبُ: العُضْوُ. انظر النهاية (١/ ٣٩).
(٥) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٦٠٦).
[ ١ / ٢٦٦ ]
* تَعْذِيبُ أَبِي فكَيْهَةَ -﵁- (١):
وَكَانَ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يُخْرِجُونَ أَبَا فكَيْهَةَ -﵁- نِصْفَ النَّهَارِ في حَرٍّ شَدِيدٍ، وهُوَ مُقَيَّدٌ بالحَدِيدِ، فيَبْطَحُونَهُ في الرَّمْضَاءِ، ويَضَعُونَ الصَّخْرَةِ عَلَى ظَهْرِهِ حتَّى لا يَعْقِلَ، فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حتَّى هاجَرَ إلى الحَبَشَةِ في الهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ (٢).
* تَعْذِيبُ خَالِدِ بنِ سَعِيدِ بنِ العَاصِ -﵁-:
مِنَ الذِين عُذِّبُوا خَالِدُ بنُ سَعِيدِ بنِ العَاصِ -﵁-، وَكَانَ يَلْزَمُ رسُول اللَّه -ﷺ-، ويُصَلِّي في نواحِي مَكَّةَ خَالِيًا، فَبَلَغَ ذَلِكَ أبَا أُحَيْحَةَ فَدعَاهُ فكلَّمَهُ أَنْ يَدَعَ ما هُوَ عَلَيْهِ، فقال خَالِدٌ: لا أدعُ دِينَ مُحَمَّدٍ حتَّى أمُوتَ عَلَيْهِ، فضَرَبَهُ أَبُو أُحَيْحَةَ بِقَرَّاعَةٍ (٣) في يَدِهِ حتَّى كَسَرَها عَلَى رَأْسِهِ، ثُمّ أمَرَ بهِ إلى الحَبْسِ، وضَيَّقَ عَلَيْهِ، وأجَاعَهُ وأعْطَشَهُ، حتَّى لقَدْ مَكَثَ في حَرِّ مَكَّةَ ثَلاثًا ما يَذُوقُ مَاءً، فَرَأَى خَالِدٌ فُرْجَةً فَخَرَجَ، فتَغَيَّبَ عَنْ أبِيهِ في نَوَاحِي مَكَّةَ حتَّى هَاجَرَ إلى الحَبَشَةِ في الهِجْرَةِ الثَّانِيَة (٤).
_________________
(١) اسمُهُ يَسَارٌ -﵁-، وكان يُعذَّب في اللَّه، فاشتراه أبو بكر الصديق وأعتقَهُ، وهاجَرَ إلى الحبشَةِ الهجرةَ الثانية، ومات -﵁- قبلَ غزوَةِ بَدْرٍ الكُبْرى. انظر الإصابة (٧/ ٢٦٨).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى (٤/ ٣٨٠).
(٣) القَرَّاعُ: التِّرْسُ. انظر لسان العرب (١١/ ١٢١).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٤/ ٣٦٦).
[ ١ / ٢٦٧ ]
* تَعْذِيبُ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ -﵁-:
مِنَ الصَّحَابَةِ المُسْتَضْعَفِينَ الذِينَ عُذِّبُوا في مَكَّةَ صُهَيْبُ بنُ سِنَانٍ الرُّومِيُّ -﵁-.
رَوَى ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ أنَّهُ قَالَ: كَانَ صُهَيْبُ بنُ سِنَانٍ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ الذِينَ كَانُوا يُعَذَّبُونَ في اللَّهِ بِمَكَّةَ (١).
* مِحْنَةُ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- مَعَ أُمِّهِ:
أَمَّا سَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁-، فإنَّ أُمَّهُ (٢) حَلفَتْ أَنْ لا تُكَلِّمَهُ أبَدًا حتَّى يَكْفُرَ بِدِينِهِ، وقالَتْ لَهُ: زَعَمْتَ أَنَّ اللَّهَ أوْصَاكَ بِوَالِدَيْكَ، وأنَا أُمُّكَ وأنَا آمُرُكَ بِهَذَا، لَتَدَعَنَّ دِينَكَ هَذَا أَوْ لا آكُلُ ولا أَشْرَبُ حتَّى أمُوتَ، فتعَيَّرُ بِي فيُقَالُ: يا قَاتِلَ أُمِّهِ. فَقَالَ سَعْدٌ -﵁-: لا تَفْعَلِي يَا أُمَّهْ! فإنِّي لا أدَعُ دِينِي هَذَا لِشَيْءٍ، فمَكَثَتْ ثَلاثًا لَمْ تَأْكُلْ حتَّى غُشِيَ عَلَيْهَا مِنَ الجَهْدِ، فَلَمَّا رَأى ذَلِكَ سَعْدٌ -﵁-، قَالَ: يَا أُمَّهْ! واللَّهِ لَوْ كَانَتْ لَكِ مِائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا، ما ترَكْتُ دِينِي هَذَا لِشَيْءٍ، فَإِنْ شِئْتِ فَكُلِي، وَإِنْ شِئْتِ لا تَأْكُلِي. فَلَمَّا رَأَتْ مِنْهُ الجِدَّ أكَلَتْ. فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٣/ ١٢١).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٤/ ١٢): اسمُ أمِّ سَعْدِ بنِ أَبِي وقَّاصٍ -﵁-: حَمْنَةُ بفتح الحاء وسكون الميم، بنتُ سُفيانَ بنِ أمَيَّة، وهي ابنَةُ عَمِّ أبي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ، ولمْ أرَ في شَيْءٍ من الأخبار أنَّها أسْلَمَتْ.
[ ١ / ٢٦٨ ]
بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ (١)، وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ (٢).
* تَعْذِيبُ خَبَّابِ بنِ الأرَتِّ -﵁-:
أَمَّا أشَدُّ مَنْ عُذِّبَ مِنَ الصَّحَابَةِ فَهُوَ خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ -﵁-، وَكَانَ -﵁- مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ، قال عَنْ نَفْسِهِ -﵁-: لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمًا أخَذُونِي فَأَوْقَدُوا لِي نَارًا ثُمَّ سَلَقُونِي (٣) فِيهَا، ثُمَّ وَضَعَ رَجُلٌ رِجْلَهُ عَلَى صَدْرِي، فمَا اتَّقَيْتُ الأرْضَ إِلَّا بِظَهْرِي، قَالَ: ثُمَّ كُشِفَ عَنْ ظَهْرِهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ بَرَصَ (٤).
وفي رِوَايَةٍ: أَنَّهُمْ كَانُوا يُوقِدُونَ لَهُ نَارًا فَمَا يُطْفِئُهَا إِلَّا وَدَكُ (٥) ظَهْرِهِ (٦).
وَرَوَى الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ حَارِثَةَ بنِ مُضَرِّبٍ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى خَبَّابٍ، وقَدِ اكْتَوَى في بَطْنِهِ، فَقَالَ: ما أَعْلَمُ أحَدًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- لَقِيَ مِنَ البَلاءِ مَا لَقِيتُ (٧).
_________________
(١) سورة العنكبوت آية (٨).
(٢) سورة لقمان آية (١٥). والخبر أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة ﵃ - باب فضل سعد بن أبي وقاص ﵁ - رقم الحديث (٢٧٤٨).
(٣) سَلَقَهُ: أحْرَقَهُ. انظر لسان العرب (٦/ ٣٣٥).
(٤) أخرجه ابن ماجه في سننه - المقدمة - باب فضائل خباب - رقم الحديث (١٥٣) - وإسناده صحيح - وابن سعد في طبقاته (٣/ ٨٨).
(٥) الوَدَكُ: هو دَسَمُ اللَّحْمِ، ودُهْنُهُ الذِي يَخْرُجُ منه. انظر النهاية (٥/ ١٤٨).
(٦) انظر حلية الأولياء لأبي نعيم (١/ ١٩٥).
(٧) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في النهي عن التمني للموت - رقم الحديث (٩٧٠) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (١٠٣٠) =
[ ١ / ٢٦٩ ]
ولَمَّا مَرَّ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- عَلَى قَبْرِهِ، وهُوَ مُنْصَرِفٌ مِنْ صِفِّينَ قَالَ: رَحِمَ اللَّهُ خَبَّابًا أسْلَمَ رَاغِبًا، وهَاجَرَ طَائِعًا، وعَاشَ مُجَاهِدًا، وابْتُلِيَ في جِسْمِهِ أحْوَالًا، ولَنْ يُضِيعَ اللَّهُ أَجْرَهُ (١).
وقَائِمَةُ المُعَذَّبِينَ في اللَّهِ طَوِيلَةٌ ومُؤْلمَةٌ جِدًّا، فَمَا مِنْ أحَدٍ عَلِمُوا بِإِسْلَامِهِ إِلَّا تَصَدَّوْا لَهُ وآذَوْهُ.
قَالَ الشَّيْخُ عَلِيّ الطَّنْطَاوِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: احْتَمَلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ كُلَّ شَيْءٍ الضَّرْبَ، والجَرْحَ، والحَرْقَ، والجُوعَ، والسَّهَرَ، واسْتَحْلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ المَرَائِرَ، واسْتَحَبُّوا بَعْضَ المَكَارِهِ إلى النُّفُوسِ إِنْ كَانَ فِيهَا رِضَا اللَّهِ تَعَالَى (٢).
فَلَمْ تَلْقَ قُرَيْشٌ نَجَاحًا في صَرْفِ الصَّحَابَةِ ﵃ عَنْ دِينِهِمْ.
قَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد سَعِيد رَمَضَان البُوطِي: أوَّلُ ما قَدْ يَخْطُرُ في بَالِ المُتَأَمِّلِ، حِينَمَا يَرَى قِصَّةَ ما لَقِيَهُ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وأصْحَابُهُ مِنَ المُشْرِكِينَ، مِنْ صُنُوفِ الإيذَاءِ والعَذَابِ، هُوَ أَنْ يَتَسَاءَلَ: فِيمَ هَذَا العَذَابُ الذِي لَقِيَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- وأصْحَابُهُ وهُمْ عَلَى حَقٍّ؟ ولِمَاذَا لَمْ يَعْصِمْهُمُ اللَّهُ ﷿ مِنْهُ، وهُمْ جُنُودُهُ
_________________
(١) = وأصل الحديث في صحيح البخاري - كتاب المرضى - باب تمني المريض الموت - رقم الحديث (٥٦٧٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الذكر والدعاء - باب تمني كراهة الموت - رقم الحديث (٢٦٨١).
(٢) انظر تحفة الأحوذي (٤/ ١٣).
(٣) انظر كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ١٤.
[ ١ / ٢٧٠ ]
وفيهِمْ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدْعُونَ إلى دِينِهِ، ويُجَاهِدُونَ في سَبِيلِهِ؟ .
والجَوَابُ: مِنْ أجْلِ إظْهَارِ صِدْقِ الصَّادِقِينَ، وَكَذِبِ الكَاذِبِينَ، فَلَوْ تُرِكَ النَّاسُ لِدَعْوَى الإِسْلامِ، وَمَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ فَقَطْ، لاسْتَوَى الصَّادِقُ والكَاذِبُ، ولَكِنَّ الفِتْنَةَ والِابْتِلَاءَ، هُمَا المِيزَانُ الذِي يُمَيِّزُ الصَّادِقَ مِنَ الكَاذِبِ (١).
* * *
_________________
(١) انظر فقه السيرة للبوطي (٧٧ - ٧٨).
[ ١ / ٢٧١ ]
إِعْتَاقُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- لِلْمُسْتَضْعَفِينَ
أَمَّا وَاهِبُ الحُرِّيَّاتِ ومُحَرِّرُ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَهُوَ الذِي عُرِفَ بَيْنَ قَوْمِهِ بأنَّهُ يَكْسِبُ المَعْدُومَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَحْمِلُ الكَلَّ، ويَقْرِي الضَّيْفَ، ويُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ (١)، لَمْ يَنْغَمِسْ في إثْمٍ فِي جَاهِلِيَّتِهِ، مَأْلُوفٌ في قَوْمِهِ، يَسِيلُ قَلْبُهُ رِقَّةً ورَحْمَةً عَلَى الضُّعَفَاءَ والأرِقَّاءَ، أنْفَقَ جُزْءًا كَبِيرًا مِنْ مَالِهِ في شِرَاءَ العَبِيدِ، وعِتْقِهِمْ للَّهِ، وفي اللَّهِ، ذَلِكُمُ المُحَرِّرُ لِلْعَبِيدِ هُوَ صِدِّيقُ هَذِهِ الأمَّةِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- (٢).
* ومِنْ هَؤُلاءِ الكِرَامِ الذِينَ أَعْتَقَهُمْ أَبُو بَكْرٍ -﵁-:
١ - بِلالُ بنُ رَبَاحٍ -﵁-:
فَقَدْ رَوى ابنُ إسْحَاقٍ أَنَّ أبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ -﵁- مَرَّ عَلَى أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، وهُوَ يُعَذِّبُ بِلَالًا -﵁-، فَقَالَ لهُ أَبُو بَكْرٍ: ألَا تَتَّقِي اللَّهَ في هَذَا المِسْكِينِ؟ حتَّى مَتَى؟
قال: أَنْتَ الذِي أفْسَدْتَهُ فأنْقِذْهُ مِمَّا تَرَى، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: أفْعَلُ،
_________________
(١) انظر شُهرةَ أبي بكر الصديق -﵁- بهذه الصِّفات: في صحيح البخاري - كتاب مناقب الأنصار- باب هِجْرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٥).
(٢) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة (١/ ٣٤٥) للدكتور محمد أبو شهبة ﵀.
[ ١ / ٢٧٢ ]
عِنْدِي غُلَامٌ أَسْوَدُ أَجْلَدُ (١) منهُ وأقْوَى، عَلَى دِينِكَ، أُعْطِيكَهُ بِهِ.
قَالَ أُمَيَّةُ: قَدْ قَبِلْتُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: هُوَ لَكَ، فأعْطَاهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- غُلَامَهُ ذَلِكَ، وأخَذَ بِلالًا ﵁، فَأَعْتَقَهُ (٢).
وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى في مُسْنَدِ مُسَدَّدٍ (٣) عَنْ مَعْمَرِ بنِ أَبِي هِنْدٍ قَالَ:
كَانَ بِلالٌ -﵁- لِأَيْتَامِ أَبِي جَهْلٍ، فَعَذَّبَهُ، فَبعَثَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا، فقَالَ له: اشْتَرِ بِلالًا، فَأَعْتِقْهُ (٤)
وفي رِوَايَةِ ابنِ أَبِي شَيْبَةَ في مُصَنَّفِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ قَيْسِ بنِ أَبِي حَازِمٍ، قال: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ بِلَالًا بِخَمْسِ أوَاقٍ، قالُوا: لَوْ أَبَيْتَ إِلَّا أُوقِيَّةً لَبِعْنَاكَهُ، فَقَالَ -﵁-: لَوْ أبَيْتُمْ إِلَّا مِائَةَ أُوقِيَّةٍ لَأَخَذْتُهُ (٥).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَيُجْمَعُ بَيْنَ القِصَّتَيْنِ بأنَّ كُلًّا مِنْ أُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ،
_________________
(١) الجَلَدُ: القُوَّةُ والصَّبْرُ. انظر النهاية (١/ ٢٧٥).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٥).
(٣) هو الإمام الحافظُ الحُجَّة مُسَدَّدُ بنُ مُسَرْهَدٍ، أحدُ أعْلام الحديث، وُلد في حُدودِ الخَمْسِينَ ومِئَةٍ من الهجرة، وتُوفي في سنة ثمانٍ وعِشرين ومئتينِ، وهو شيخُ الإمامِ البُخاري، وأبي داود، وأبي زُرْعة، وغيرهم. انظر سير أعلام النبلاء (١٠/ ٥٩١).
(٤) أورده الحافظ في الفتح (٥/ ١٦١).
(٥) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه - رقم الحديث (٣٧٧٤٤) - وأورده الحافظ في الفتح (٧/ ٤٧٠) - وصحح إسناده. الأُوقِيَّةُ: بِضَمِّ الهمزَةِ: تُسَاوِي أرْبَعِينَ دِرْهمًا، يَعْنِي اشْترَاهُ مِنْ أَبِي جَهْلٍ بمِائتَيْ دِرْهَمٍ. انظر النهاية (١/ ٨٠).
[ ١ / ٢٧٣ ]
وأبِي جَهْلٍ كَانَ يُعَذِّبُ بِلَالًا، ولَهُمَا نَصِيبٌ فِيهِ (١).
رَوى الإمامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- قَالَ: أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا، وأعْتَقَ سَيِّدَنَا، يَعْنِي بِلَالًا (٢).
٢ - أَبُو فكَيْهَةَ -﵁- اشْتَرَاهُ، وأَعْتَقَهُ.
٣ - عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ -﵁- اشْترَاهُ، وأعْتَقَهُ لِوَجْهِ اللَّهِ، وقَدْ شَهِدَ عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ غَزْوَةَ بَدْرٍ، وأُحُدٍ، وقُتِل في فَاجِعَةِ بِئْرِ مَعُونَةَ شَهِيدًا سنة أَرْبَعٍ لِلْهِجْرَةِ.
٤ - زَنِّيرَةُ اشْتراهَا، وأعْتَقَهَا.
٥ - جَارِيَةُ بَنِي مُؤَمَّلٍ، وَكَانَ الذِي يُعَذِّبُهَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ، فاشْترَاهَا، وأعْتَقَهَا.
٦ - النَّهْدِيَّةُ وابْنَتُهَا، وكانَتَا لِامْرَأَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَمَرَّ بِهِمَا، فاشْتَرَاهُمَا، وأعْتَقَهُمَا (٣).
* إِنَّمَا أُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ:
ولَمْ يَكُنْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- يَقْصِدُ بِعَمَلِهِ مَحْمَدَةً، ولا جَاهًا، وَلا
_________________
(١) انظر فتح الباري (٥/ ١٦٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب مناقب بلال بن رباح -﵁- رقم الحديث (٣٧٥٤).
(٣) انظر تفاصيل تحرير أبي بكر الصديق -﵁- للعَبيدِ في: سِيرة ابن هشام (١/ ٣٥٥) - والبداية والنهاية (٣/ ٦٤) - زاد المعاد (٣/ ٢١).
[ ١ / ٢٧٤ ]
دُنْيَا، وَإِنَّمَا كَانَ يُرِيدُ وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى ذِي الجَلَالِ والإكْرَامِ.
رَوى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ ﵄ قال: قَالَ أَبُو قُحَافَةَ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ: يا بُنَيَّ إنِّي أرَاكَ تُعْتِقُ رِقَابًا ضِعَافًا، فَلَوْ أنَّكَ إذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ أعْتَقْتَ رِجَالًا جُلْدًا يَمْنَعُونَكَ، ويَقُومُونَ دُونَكَ؟
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: يا أبَتِ إنِّي إِنَّمَا أُرِيدُ مَا أُرِيدُ، للَّهِ ﷿، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فيه -﵁-: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١) إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣) فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦) وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَاتِ: ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ أَنَّ هَذِهِ الآيَاتِ نَزَلَتْ في أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-، حتَّى إِنَّ بَعْضَهُم حَكَى الإجْمَاعَ مِنَ المُفَسِّرِينَ عَلَى ذَلِكَ، ولا شَكَّ أَنَّهُ دَاخِلٌ فِيهَا، وأَوْلَى الأمَّةِ بِعُمُومِهَا، فإنَّ لفظَهَا لفظُ العُمُومِ، وهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧)
_________________
(١) سورة الليل آية (٥ - ٢١) - والخبر أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب تفسير سورة ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ - رقم الحديث (٣٩٩٧) - والإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (٦٦) - وابن إسحاق في السيرة (١/ ٣٥٦).
[ ١ / ٢٧٥ ]
الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى﴾، ولَكنَّهُ مُقَدَّمُ الأمَّةِ، وسَابِقُهُمْ في جَمِيعِ هَذِهِ الأوْصَافِ، وسَائِرِ الأوْصَافِ الحَمِيدَةِ، فَإِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا تَقِيًّا كَرِيمًا جَوَادًا بَذَّالًا لِأَمْوَالِهِ فِي طَاعَةِ مَوْلاهُ، ونُصْرَةِ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَكَمْ مِنْ دَرَاهِمَ ودَنَانِيرَ بَذَلَهَا ابْتِغَاءَ وَجْهِ ربِّهِ الكَرِيمِ، ولَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ عِنْدَهُ مِنَّةٌ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُكَافِئَهُ بِهَا، ولَكِنْ كَانَ فَضْلُهُ وإحْسَانُهُ عَلَى السَّادَاتِ والرُّؤَسَاءِ مِنْ سَائِرِ القَبَائِلِ، وَلِهَذَا قَالَ لَهُ عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ الثّقَفِيُّ -﵁- (١) وهُوَ سَيِّدُ ثَقِيفٍ، يَوْمَ صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ وَكَانَ عَلَى الكُفْرِ مَا أَسْلَمَ بَعْدُ-: أمَا وَاللَّهِ لَوْلَا يَدٌ لَكَ كَانَتْ عِنْدِي لَمْ أجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُكَ (٢)، وَكَانَ الصِّدِّيقُ -﵁- قَدْ أغْلَظَ لَهُ فِي المَقَالَةِ، فَإِذَا كَانَ هَذَا حَالُهُ مَعَ سَادَاتِ العَرَبِ ورُؤَسَاءِ القَبَائِلِ، فكَيْفَ بِمَنْ عَدَاهُمْ؟ .
وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى﴾ (٣).
_________________
(١) هو عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودِ الثَّقَفِيُّ، أحدُ الأكابرِ في قَوْمِهِ، وهو الذِي عنَاه اللَّه تَعَالَى في القُرآن على لِسَان الكفَّار في سورة الزخرف آية (٣١): ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. والمَقْصُودُ بالرَّجلينِ الوَليدُ بنُ المُغِيرةِ في مَكةَ، وعُرْوَةُ بن مَسْعُودٍ في الطَّائف، وأسلَمَ -﵁- بعدَ غزوَةِ الطَّائِفِ في السنة الثامنة للهجرة، واسْتَأْذَنَ النبي -ﷺ- أن يَرْجعَ إلى قومه يَدْعُوَهم إلى الإسلام، فقال له الرسول -ﷺ-: إنِّي أخَافُ أن يَقْتُلُوكَ، فخرج إلى قومه يَدْعُوَهُمْ إلى الإسلامِ، فَقتَلُوه -﵁- انظر الإصابة (٤/ ٤٠٦).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الشروط - باب الشروط في الجهاد، والمُصَالحة مع أهلِ الحُرُوب - رقم الحديث (٢٧٣١) - وأخرجه الإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (١٨٩٢٨) - (١٨٩١٠).
(٣) انظر تفسير ابن كثير (٨/ ٤٢٢).
[ ١ / ٢٧٦ ]
* أَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بِالقُرْآنِ:
ومَعَ كُلِّ هَذِهِ الابْتِلَاءَاتِ التِي تَعَرَّضَ لَهَا الصَّحَابَةُ ﵃، إِلَّا أَنَّ الحَمَاسَ فِيهِمْ كَانَ عَظِيمًا لِدَعْوَةِ اللَّهِ ﷿، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَكُوُنوا يَجْرُؤُونَ عَلَى الجَهْرِ بالقُرْآنِ أَمَامَ قُرَيْشٍ، وأَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بالقُرْآنِ بِمَكَّةَ بَعْدَ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ -﵁-، وَكَانَ رَجُلًا ضَعِيفًا رَقِيقًا، ولَكِنَّهُ فِي المِيزَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ أثْقَلُ مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ (١).
وَكَانَ -﵁- مِنْ أوَائِلِ مَنْ أسْلَمَ، فَقَدْ أخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، والحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْهُ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنِي سَادِسَ سِتَّةٍ مَا عَلَى الأَرْضِ مُسْلِمٌ غَيْرُنَا (٢).
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مُرْسَلٍ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ -﵁- قَالَ: كَانَ أَوَّلُ مَنْ جَهَرَ بِالْقُرْآنِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بمَكَّةَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ -﵁- اجْتَمَعَ يومًا أصْحَابُ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فقَالُوا: واللَّهِ ما سَمِعَتْ قُرَيْشٌ هَذَا القُرْآنَ يُجْهَرُ لَهَا بِهِ قَطُّ، فَمَنْ رَجُلٌ يُسْمِعُهُمُوهُ؟ .
_________________
(١) روى الإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (٣٩٩١) - وأبو داوود الطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٣٥٣) - بسند صحيح عن ابن مسعود -﵁- أنَّه كان يَجْتَنِي سِواكًا من الأرَاكِ، وكان دَقِيقَ السَّاقَيْن، فجعلتِ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ، فَضَحِكَ القَوْمُ منه، فَقَالَ رسول اللَّه -ﷺ-: "مِمَّ تَضْحَكُونَ"؟ قالوا: يا نَبِيَّ اللَّه، من دِقَّةِ سَاقَيْهِ، فقال -ﷺ-: "والذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أثْقَلُ في المِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ".
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر عبد اللَّه بن مسعود -﵁- رقم الحديث (٧٠٦٢) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذِكْرِ منَاقب عبد اللَّه بن مسعود -﵁- رقم الحديث (٥٤١٩)
[ ١ / ٢٧٧ ]
فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ: أنَا، قَالُوا: إنَّا نَخْشَاهُمْ عَلَيْكَ، إِنَّمَا نُرِيدُ رَجُلًا لَهُ عَشِيرَةٌ يَمْنَعُونَهُ مِنَ القَوْمِ إِنْ أرَادُوهُ، قَالَ: دَعُونِي فإنَّ اللَّهَ ﷿ سَيَمْنَعُنِي، قَالَ: فَغَدَا ابنُ مَسْعُودٍ حتَّى أَتَى المَقَامَ في الضُّحَى، وقُرَيْشٌ في أنْدِيَتِهَا، فَقَامَ عِنْدَ المَقَامِ، ثُمَّ قَرَأَ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ رَافِعًا صَوْتَهُ: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ قَالَ: ثُمَّ اسْتَقْبَلَهَا يَقْرَأُ فِيهَا، قَالَ: وتَأَمَّلُوهُ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ: مَا يَقُولُ ابنُ أُمِّ عَبْدٍ؟ قَالَ: ثُمَّ قَالُوا: إنَّهُ لَيَتْلُو بَعْضَ ما جَاءَ بهِ مُحَمَّدٌ -ﷺ- فَقَامُوا إِلَيْهِ، فَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ في وَجْهِهِ، وجَعَلَ يَقْرَأُ حتَّى بلَغَ ما شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَبْلُغَ، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى أَصْحَابِهِ، وقَدْ أثَّرُوا في وَجْهِهِ، فقَالُوا لَهُ: هَذَا الذِي خَشِينَا عَلَيْكَ، فقَالَ: ما كَانَ أعْدَاءُ اللَّهِ أهْوَنَ عَلَيَّ مِنْهُمْ الآنَ، ولَئِنْ شِئْتُمْ لَأُغَادِيَنَّهُمْ بِمِثْلِهَا، قَالُوا: حَسْبُكَ فَقَدْ أسْمَعْتَهُمْ مَا يَكْرَهُونَ (١).
ورَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صحِيحِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ بنِ اليَمَانِ -﵁- قَالَ: مَا أعْرِفُ أحَدًا أقْرَبَ سَمْتًا (٢) وَهَدْيًا (٣) وَدَلًّا (٤) بِالنَّبِيِّ -﵁- مِنِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ (٥).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٥٣٥) - وابن إسحاق في السيرة (١/ ٣٥١).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٤٧٤): سَمْتًا: أي خُشُوعًا.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٤٧٤): هَدْيًا: أي طَرِيقَةً.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٤٧٤): دَلًّا: أي سِيرَةً وحَالَةً وهَيْئَة، وكأنَّهُ مأخُوذٌ ممَّا يَدُلُّ ظاهرُ حالهِ على حُسْنِ فِعَالِهِ.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب مناقب عبد اللَّه بن مسعود -﵁- رقم الحديث (٣٧٦٢) - وأخرجه الإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (٢٣٣٠٨).
[ ١ / ٢٧٨ ]
* اشْتِدَادُ أَذَى قُرَيْشٍ:
واشْتَدَّتْ ضَرَاوَةُ المُشْرِكِينَ بِالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، حتَّى سَامُوهُمْ أَلْوَانًا مِنَ العَذَابِ فكانُوا يَأْخُذُونَهُمْ، ويُلْبِسُونَهُمْ أدْرَاعَ الحَدِيدِ، ثُمَّ يَصْهَرُونَهُمْ في الشَّمْسِ (١).
رَوَى ابنُ إسْحَاقَ عَنْ سَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ قال: قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ: أكَانَ المُشْرِكُونَ يَبْلُغُونَ مِنْ أصْحَابِ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ العَذَابِ مَا يُعْذَرُونَ في تَرْكِ دِينِهِمْ؟
قال: نَعَمْ واللَّهِ، إِنْ كَانُوا لَيَضْرِبُونَ أحَدَهُمْ، ويُجِيعُونَهُ، ويُعَطِّشُونَهُ حتَّى ما يَقْدِرُ أَنْ يَسْتَوِيَ جَالِسًا مِنْ شِدَّةِ الضُّرِّ الذِي نَزَلَ بِهِ، حَتَّى يُعْطِيَهُمْ ما سَأَلُوهُ مِنَ الفِتْنَةِ، حتَّى يَقُولُوا له: اللَّاتُ والعُزَّى إِلَهُكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟
فَيَقُولُ: نَعَمْ، حتَّى إِنَّ الجُعْلَ (٢) لَيَمُرُّ بِهِمْ، فَيَقُولُونَ لَهُ: أَهَذَا الجُعْلَ إلَهُكَ مِنْ دُونِ اللَّهِ؟ فَيَقُولُ: نَعَمْ، افْتِدَاءً مِنْهُمْ مِمَّا يَبْلُغُونَ مِنْ جَهْدِهِ (٣).
* شَكْوَى الصَّحَابَة ﵃ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
فلَمَّا طَالَ العَذَابُ عَلَى المُسْلِمِينَ ذَهَبَ خَبَّابُ بنُ الأَرَتِّ -﵁- إِلَى رسُولِ
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٨٣٢) - ابن ماجه في سننه - المقدمة - باب في فضائل أصحاب رسول اللَّه -ﷺ- رقم الحديث (١٥٠) وإسناده حسن.
(٢) الجُعْلُ: هو حَيَوان مَعرُوفٌ كالخُنْفُسَاءِ. انظر النهاية (١/ ٢٦٨).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٧).
[ ١ / ٢٧٩ ]
اللَّهِ -ﷺ- يَسْتَنْجِدُ بِهِ مِنْ هَذَا العَذَابِ، فَيَضْرِبُ لَهُمْ الرَّسُولُ -ﷺ- الأمْثَالَ، ويَعِظُهُمْ ويُذَكِّرُهُمْ، فَيَرْجِعُونَ رَاضِينَ مُطْمَئِنِّينَ صَابِرِينَ عَلَى البَلَاءِ.
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ خَبَّابِ بنِ الأرَتِّ -ﷺ- قَالَ: شَكَوْنَا إِلَى رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وهُوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ فِي ظِلِّ الكَعْبَةِ، قُلْنَا لَهُ: ألَا تَسْتَنْصِرُ لَنَا؟ ألَا تَدْعُو لَنَا (١)؟ .
فَقَالَ -ﷺ-: "كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ (٢) يُحْفَرُ لَهُ في الأَرْضِ، فيجْعَلُ فِيهَا، فَيُجَاءُ بالمِنْشَارِ فيوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فيشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ، ومَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، ويُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أَوْ عَصَبٍ، ومَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، واللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرُ (٣) حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صنْعَاءَ (٤) إِلَى حَضْرَمَوْتٍ لا يَخَافُ إِلَّا اللَّهَ، أَوِ الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ" (٥).
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١٤/ ٣٢٧): طَلَبُ خبَّابٍ الدُّعاءَ منَ النبي -ﷺ- على الكفَّارِ دَالٌّ على أَنَّهُمْ كانوا قدِ اعْتَدَوْا عليهِ بالأذَى ظُلْمًا وعُدْوَانًا.
(٢) قال الحافظ في الفتح (١٤/ ٣٢٨): فيهِ تَسْلِيَةٌ لهُم وإشارَةٌ إلى الصَّبرِ حتى تَتَقَضَّى المُدَّةُ المَقْدُورَةُ، وإلى ذلكَ الإشارةُ بقولهِ -ﷺ- "ولكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ".
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٥٦): المرادُ بالأمرِ الإسْلَام.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٣٢٦): يحتملُ أن يُريدَ صَنْعَاءَ اليَمَنِ، وبينها وبينَ حَضْرَمَوت وهي من اليَمن أيضًا مسَافَة بعيدةٌ نحو خَمْسَة أيامٍ، ويحتمل أَنْ يُريدَ صَنْعَاء الشَّام والمسافَةُ بينَهَا أكْترُ بِكَثِيرٍ، والأوَّلُ أقْرَبُ.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب علامات النبوة في الإسلام - رقم الحديث (٣٦١٢) - وأخرجه في كتاب مناقب الأنصار - بابُ ما لَقِيَ النبي -ﷺ- وأصحابه من المشركين بمكة - رقم الحديث (٣٨٥٢) - وأخرجه في كتاب الإكراه - باب من =
[ ١ / ٢٨٠ ]
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: إِنَّ رسُولَ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وسَلامُهُ عَلَيْهِ لَمْ يَجْمَعْ أصْحَابَهُ عَلَى مَغْنَمٍ عَاجِلٍ أَوْ آجِلٍ، إنَّهُ أزَاحَ الغِشَاوَةَ عَنِ الأعْيُنِ، فأبْصَرَتِ الحَقَّ الذِي حُجِبَتْ عَنْهُ دَهْرًا، ومَسَحَ الرَّانَ عَنِ القُلُوبِ، فَعَرَفَتِ اليَقِينَ الذِي فُطِرَتْ عَلَيْهِ، وحَرَمَتْهَا الجَاهِلِيَّةُ مِنْهُ.
إنَّهُ وصَلَ البَشَرَ بِرَبِّهِمْ، فرَبَطَهُمْ بِنَسَبِهِمُ العَرِيقِ، وسَبَبِهِمُ الوَثِيقِ، وَكَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ حَيَارَى مَحْسُورِينَ، إنَّهُ وازَنَ للنَّاسِ بَيْنَ الخُلُودِ والفَنَاءِ، فآثَرُوا الدَّارَ الآخِرَةَ عَلَى الدَّارِ الزَّائِلَةِ، وخَيَّرَهُمْ بَيْنَ أصْنَامٍ حَقِيرَةٍ وإِلَهٍ عَظِيمٍ، فازْدَرَوا الأوْثَانَ المَنْحُوتَةَ، وتَوَجَّهُوا لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ.
وَكَانَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَبُثُّ عَنَاصِرَ الثِّقَةِ في قُلُوبِ رِجَالِهِ، ويُفِيضُ عَلَيْهِمْ ما أفَاضَهُ اللَّهُ عَلَى فؤادِهِ مِنْ أمَلٍ رَحِيبٍ في انْتِصَارِ الإِسْلَامِ، وانْتِشَارِ مَبَادِئِهِ وزَوَالِ سُلْطَانِ الطُّغَاةِ أَمَامَ طَلَائِعِهِ المُظَفَّرَةِ في المَشَارِقِ والمَغَارِبِ (١).
* * *
_________________
(١) = اختَار الضَّرب والقتال والهَوَان على الكفر - رقم الحديث (٦٩٤٣) - وأخرجه الإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (٢١٠٥٧).
(٢) انظر فقه السيرة ص ١٠٥ للشيخ محمد الغزالي.
[ ١ / ٢٨١ ]
اسْتِهْزَاءُ المُشْرِكِينَ بالنَّبيِّ -ﷺ-
كَانَتْ تِلْكَ الاعْتِدَاءَاتُ بالنِّسْبَةِ للمُسْلِمِينَ ولا سِيَّمَا المُسْتَضْعَفِينَ مِنْهُمْ، أَمَّا بالنِّسْبَةِ إِلَى رسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا شَهْمًا وَقُورًا، ذَا شَخْصِيَّةٍ فَذَّةٍ تَتَعَاظَمُهُ نُفُوسُ الأعْدَاءِ والأصْدِقَاءِ بِحَيْثُ لا يُقَابَلُ مِثْلُهَا إِلَّا بالإِجْلالِ والتَّشْرِيفِ مِنْ قِبَلِ الخَاصَّةِ والعَامَّةِ، وكان مَعَ ذَلِكَ في مَنَعَةِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ.
لِذَلِكَ لَمْ تَسْتَطِعْ قُرَيْشٌ -بَادِئَ الأمْرِ- أَنْ تَبْطِشَ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- وتَعْتَدِيَ عَلَيْهِ كَمَا فَعَلَتْ بِالمُسْلِمِينَ، فجَعَلُوا يَهْمِزُونَهُ ويَسْتَهْرئُونَ بهِ ويُخَاصِمُونَهُ، وَكَانَ عَلَى رَأْسِ المُسْتَهْزِئِينَ: أَبُو لَهَبٍ عَمُّهُ، وعُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْطٍ، والحَكَمُ بنُ أَبِي العَاصِ، والأسْوَدُ بنُ المُطَّلِبِ أَبُو زَمْعَةَ، والأسْوَدُ بنُ عَبْدِ يَغُوثَ، والوَليدُ بنُ المُغِيرَةِ، والعَاصُ بنُ وَائِلٍ، وأَبُو جَهْلِ بنِ هِشَامٍ (١).
* عَدَاوَةُ أُمِّ جَمِيلٍ زَوْجَةِ أَبِي لَهَبٍ:
رَوَى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ، بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ قَالَتْ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، أَقْبَلَتِ
_________________
(١) انظر دلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٢٦٨) - الرَّوْض الأُنُف (٢/ ١٣٤).
[ ١ / ٢٨٢ ]
الْعَوْرَاءُ أُمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ، وَلَهَا وَلْوَلَةٌ، وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ (١)، وَهِيَ تَقُولُ:
مُذَمَّمًا أَبَيْنَا ودِينَهُ قَلَيْنَا (٢)
وأمْرَهُ عَصَينَا
وَالنَّبِيُّ -ﷺ- جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ -﵁-، فَلَمَّا رَآهَا أَبُو بَكْرٍ -﵁- قَالَ: يَا رسُولَ اللَّهِ! قَدْ أَقْبَلَتْ وأَنَا أَخَافُ أَنْ تَرَاكَ، فقَالَ -ﷺ-: "إنَّهَا لَنْ تَرَانِي"، وقَرَأَ قُرآنا فَاعْتَصَمَ بِهِ كَمَا قَالَ، وقَرَأَ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ (٣).
فَوَقَفَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ -﵁-، وَلَمْ تَرَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَي أُخْبِرْتُ أَنَ صَاحِبَكَ هَجَانِي، فَقَالَ -﵁-: وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ "مَا هَجَاكِ، فَوَلَّتْ، وَهِيَ تَقُولُ: قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي بِنْتُ سَيِّدِهَا (٤)
وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ بِشَوَاهِدِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾، جَاءَتَ امْرَأَةُ أَبِي
_________________
(١) الفِهرُ: هوَ الحَجَرُ مِلْءُ الكف، وقيل: هو الحجر مُطلقًا. انظر لسان العرب (١٠/ ٣٤١).
(٢) قَلَيْتُهُ: أبْغَضْتُهُ وكَرِهْتُهُ. انظر لسان العرب (١١/ ٢٩٣). ومنه قوله تَعَالَى في سورة الضحى آية (٣): ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾.
(٣) سورة الإسراء آية (٤٥).
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب أم جميل عميت عن رؤية رسول اللَّه -ﷺ- رقم الحديث (٣٤٢٨).
[ ١ / ٢٨٣ ]
لَهَبٍ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ -﵁-، فَلَمَّا رَآهَا أَبُو بَكْرٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّهَا امْرَأَةٌ بَذِيئَةٌ (١)، وَأَخَافُ أَنْ تُؤْذِيَكَ، فَلَوْ قُمْتَ، فَقَالَ -ﷺ-: "إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي" فَجَاءَتْ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا بَكْرٍ، إِنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي، قَالَ: لَا، وَمَا يَقُولُ الشِّعْرَ، قَالَتْ: أَنْتَ عِنْدِي مُصَدَّقٌ، وَانْصَرَفَتْ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ تَرَكَ؟ قَالَ -ﷺ-: "لَا، لَمْ يَزَلْ مَلَكٌ يَسْترنِي عَنْهَا بِجَنَاحِهِ" (٢).
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تُسَمِّي رسُولَ اللَّه -ﷺ- مذَمَّمًا ثُمَّ يَسُبُّونَهُ، فكَانَ رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "ألَا تَعْجَبُونَ كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ ولَعْنَهُمْ، يَشْتُمُونَ مُذَمَّمًا، ويَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا، وأنَا مُحَمَّدٌ" (٣).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: كَانَ الكُفَّارُ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ شِدَّةِ كَرَاهِيَتَهِمْ فِي النَّبِيِّ -ﷺ- لا يُسَمُّونَهُ بِاسْمِهِ الدَّالِّ عَلَى المَدْحِ فَيَعْدِلُونَ إِلَى ضِدِّهِ، فَيَقُولُونَ مُذَمَّمٌ، وَإِذَا ذَكَرُوهُ بِسُوءٌ قَالُوا: فَعَلَ اللَّهُ بِمُذَمَّمٍ، وُمذَمَّمٌ لَيْسَ هُوَ اسْمُهُ، ولا يُعْرفُ بِهِ فكَانَ الذِي يَقَعُ مِنْهُمْ في ذَلِكَ مَصْرُوفًا إِلَى غَيْرِهِ (٤).
* شِدَّةُ عَدَاوَةِ أَبِي لَهَبٍ لِلرَّسُولِ -ﷺ-:
أَمَّا زَوْجُهَا أَبُو لَهَبٍ فَقَدْ بَلَغَ مِنْ أمْرِهِ أَنَّهُ كَانَ يَتْبَعُ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي
_________________
(١) البذيء: الفاحش من الرجال، والأنثى: بذيئة. انظر لسان العرب (١/ ٣٥٠).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاربخ - باب المعجزات - رقم الحديث (٦٥١١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب ما جاء في أسماء رسول اللَّه الحديث (٣٥٣٣) - وأخرجه الإمام أحمد في السند - رقم الحديث (٧٣٣١).
(٤) انظر فتح الباري (٧/ ٢٥٠).
[ ١ / ٢٨٤ ]
الأسْوَاقِ، والمَجَامِعِ، ومَوَاسِمِ الحَجِّ، ويُكَذِّبُهُ، فَقَدْ روَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ رَبِيعَةَ بنِ عِبَادٍ -﵁- قَالَ: رَأَيْتُ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِسُوقِ ذِي المَجَازِ يَقُولُ: "يا أيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا"، وَيَدْخُلُ فِي فِجَاجِهَا (١)، والنَّاسُ مُقْتَصُّونَ (٢) عَلَيْهِ، وورَاءَهُ رَجُلٌ وَضِيءُ الوَجْهِ ذَا غَدِيرَتَيْنِ يَقُولُ إنَّهُ صَابِئٌ كَاذِبٌ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا الذِي يُكَذِّبُهُ؟ قَالُوا عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ (٣).
وفِي رِوَايَةِ ابنِ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، قَالَ: ورَجُلٌ يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بالحِجَارَةِ، وقَدْ أَدْمَى عُرْقُوبَيْهِ (٤) وكَعْبَيْهِ (٥).
* شِدَّةُ عَدَاوَةِ عُتَيْبَةَ (٦) بنِ أَبِي لَهَبٍ:
وتَسَلَّطَ عُتَيْبَةُ بنُ أَبِي لَهَبٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالأَذَى، وشَقَّ قَمِيصَهُ،
_________________
(١) الفج: الطريق الواسع. انظر لسان العرب (١٠/ ١٨٥).
(٢) قال السندي في شرح المسند (٩/ ١٧٦): مُقتصُّون: مجتمعون.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٠٢٣) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب كتب النبي -ﷺ- رقم الحديث (٦٥٦٢).
(٤) العُرْقُوبُ: هوَ الوَتَرُ الذِي خَلْفَ الكَعْبَيْنِ بَيْنَ مِفْصَلِ القَدَمِ والسَّاقِ من ذَوَاتِ الأرْبَعِ، وهو منِ الإنسَان فُوَيْقَ العَقِبِ. انظر النهاية (٣/ ٢٠٠).
(٥) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب ذكر مُقَاسَاة النبي -ﷺ- ما كان يُقاسي من قومِه في إظهارِ الإسلام - رقم الحديث (٦٥٦٢).
(٦) قال الحافظ في الفتح (٥/ ٥٠٨): عُتَيْبَةُ بالتَّصْغيرِ مَاتَ كَافرًا.
[ ١ / ٢٨٥ ]
فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِ كَلْبًا (١) مِنْ كِلَابِكَ".
فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَ رسُولهِ -ﷺ-، فَخَرَجَ عُتَيْبَةُ فِي قَافِلَةٍ إِلَى الشَّامِ، فنَزَلَ مَنْزِلًا، وَقَالَ لِمَنْ مَعَهُ: إنِّي أخَافُ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ، قَالُوا لَهُ: كَلَّا، فَحَطُّوا مَتَاعَهُمْ حَوْلَهُ، وقَعَدُوا يَحْرُسُونَهُ، فجَاءَ الأسَدُ وهَجَمَ عَلَيْهِ، فَقتَلَهُ (٢).
* أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ وهَمْزُهُ لِلرَّسُولِ -ﷺ-:
وَكَانَ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ إِذَا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- هَمَزَهُ (٣) ولَمَزَهُ، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ (٥) نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ (٦) الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ (٧) إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ (٤).
تَعْكِسُ هَذِهِ السُّورَةُ صُورَةً مِنَ الصُّوَرِ الوَاقِعِيَّةِ في حَيَاةِ الدَّعْوَةِ فِي عَهْدِهَا الأَوَّلِ، وهِيَ فِي الوَقْتِ ذَاتِهِ نَمُوذَجٌ يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ بِيئَةٍ. . . صورَةُ اللَّئِيمِ الصَّغِيرِ
_________________
(١) الكَلْبُ في اللغة: يُطْلَقُ على كُلِّ سَبُعٍ عَقُورٍ. انظر لسان العرب (١٢/ ١٣٤).
(٢) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب سورة أبي لهب - رقم الحديث (٤٠٣٧) - وقال صحيح الإسناد - وأورده الحافط في الفتح (٢/ ٥١٤): وحسن إسناده وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (٩/ ٢٣٤): وحسن إسناده.
(٣) قال ابن هشام في السيرة (١/ ٣٩٤): الهُمَزَةُ: هوَ الذِي يشْتُمُ الرَّجُلَ عَلانِيَةً.
(٤) سورة الهمزة بكَاملهَا - وانظر الخبر في: سيرة ابن هشام (١/ ٣٩٤) - سبل الهدى والرشاد (٢/ ٤٦٤).
[ ١ / ٢٨٦ ]
النَّفْسِ، الذِي يُؤْتَى المَالَ فَتُسَيْطِرُ نَفْسُهُ بِهِ، حَتَّى مَا يُطِيقُ نَفْسَهُ! ويَرُوحُ يَشْعُرُ أَنَّ المَالَ هُوَ القِيمَةُ العُلْيَا فِي الحَيَاةِ. القِيمَةُ التِي تَهُونُ أمَامَهَا جَمِيعُ القِيَمِ وجَمِيعُ الأقْدَارِ. أقْدَارُ النَّاسِ، وأقْدَارُ المَعَانِي. وأقْدَارُ الحَقَائِقِ. وأنَّهُ وقَدْ مَلَكَ المَالَ فَقَدْ مَلَكَ كَرَامَاتِ النَّاسِ وأقْدَارَهُمْ بِلَا حِسَابٍ.
ومِنْ ثَمَّ يَنْطَلِقُ في هَوَسٍ (١) بِهَذَا المَالِ يَعُدُّهُ ويَسْتَلِذُّ تَعْدَادَهُ، وتَنْطَلِقُ فِي كَيَانِهِ نَفْخَةٌ فَاجِرَةٌ، تَدْفَعُهُ إلى الاسْتِهَانَةِ بأقْدَارِ النَّاسِ وكَرَامَتِهِمْ، ولَمْزِهِمْ وهَمْزِهِمْ. . . يَعِيبُهُمْ بِلِسَانِهِ ويَسْخَرُ مِنْهُمْ بِحَرَكَاتِهِ. سَوَاءً بِحِكَايَةِ حَرَكَاتِهِمْ وأصْوَاتِهِمْ، أَوْ بِتَحْقِيرِ صِفَاتِهِمْ وسِمَاتِهِمْ. . . وبالقَوْلِ والإشَارَةِ، بالغَمْزِ واللَّمْزِ، باللَّفْتَةِ السَّاخِرَةِ والحَرَكَةِ الهَازِئَةِ! .
وهِيَ صُورَةٌ لَئِيمَةٌ حَقِيرَةٌ مِنْ صُوَرِ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ حِينَ تَخْلُو مِنَ المُرُوءَةِ وتَعْرَى مِنَ الإيمَانِ. والإسْلَامُ يَكْرَهُ هَذِهِ الصُّورَةَ الهَابِطَةَ مِنْ صُوَرِ النُّفُوسِ بِحُكْمِ تَرَفُّعِهِ الأخْلَاقِيِّ، وقَدْ نَهَى عَنِ السُّخْرِيَةِ واللَّمْزِ والعَيْبِ فِي مَوَاضِعَ شَتَّى. إِلَّا أَنَّ ذِكْرَهَا هُنَا بِهَذَا التَّشْنِيعِ والتَّقْبِيحِ مَعَ الوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ، يُوحِي بأنَّهُ كَانَ يُوَاجِهُ حَالَةً وَاقِعِيَّةً مِنْ بَعْضِ المُشْرِكِينَ تِجَاهَ الرَّسُولِ -ﷺ- وتِجَاهَ المُؤْمِنِينَ. . فَجَاءَ الرَّدُّ عَلَيْهَا في صُورَةِ الرَّدْعِ الشَّدِيدِ، والتَّهْدِيدِ الرَّعِيبِ (٢).
_________________
(١) الهَوَس: طرفٌ من الجنون. انظر لسان العرب (١٥/ ١٥٩).
(٢) انظر في ظلال القرآن (٦/ ٣٩٧٢).
[ ١ / ٢٨٧ ]
* مُجَادَلةُ أُبِيِّ بنِ خَلَفٍ:
أَمَّا أَخُوهُ أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ (١) فَجَاءَ يَوْمًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِعَظْمٍ بَالٍ، فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ! أَنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ هَذَا بَعْدَ مَا أَرِمَ (٢)، ثُمَّ فتَّهُ بِيَدِهِ، ثُمَّ نَفَخَهُ نَحْوَ رسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: نَعَمْ أنَا أقُولُ ذَلِكَ، يَبْعَثُهُ اللَّهُ وإِيَّاكَ بَعْدَمَا تَكُونَانِ هَكَذَا، ثُمَّ يُدْخِلُكَ النَّارَ. فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٣).
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، والطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ ﵄، قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الصَّلاةَ يَوْمًا، فَقَالَ: "مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وبُرْهَانًا ونَجَاةً يَوْمَ
_________________
(١) أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ قتَلهُ الرسول -ﷺ- يومَ أُحُدٍ، وهو الوَحِيدُ الذي قتلهُ الرَّسول -ﷺ-، فلمَّا قتلَهُ: قال -ﷺ-: "اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ على رَجُلٍ قتَلَهُ رسول اللَّه". أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب ما أصاب النبي -ﷺ- من الجِرَاح يوم أُحد - رقم الحديث (٤٠٧٣) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب اشْتِدَاد غضب اللَّه على مَنْ قتله -ﷺ- رقم الحديث (١٧٩٣).
(٢) أَرِمَ: أي بَلِيَ. انظر النهاية (١/ ٤٣).
(٣) الآيات من سورة يس (٧٨ - ٨٣) - والخبر في سيرة ابن هشام (١/ ٣٩٩).
[ ١ / ٢٨٨ ]
القِيَامَةِ، ومَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا، لَمْ تَكُنْ لَهُ نُورًا ولَا بُرْهَانًا ولَا نَجَاةً، وكَانَ يَوْمَ القِيَامَةِ مَعَ فِرْعَونَ، وقَارُونَ، وهَامَانَ، وأُبِيٍّ صَاحِبِ العِظَامِ" (١).
وَعِنْدَ الحَاكِمِ في المُسْتَدْرَكِ أَنَّ هَذِهِ الآيَاتِ نَزَلَتْ في: العَاصِ بنِ وَائِلٍ.
فأخْرَجَ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ العَاصُ بنُ وَائِلٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِعَظْمٍ حَائِلٍ (٢) فَفَتَّهُ، فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ أيَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا بَعْدَمَا أَرِمَ؟ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ يَبْعَثُ اللَّهُ هَذَا، يُمِيتُكَ، ثُمَّ يُحْيِيكَ، ثُمَّ يُدْخِلُكَ نَارَ جَهَنَّمَ".
قَالَ: فنَزَلَتِ الآيَاتُ: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ. . .﴾ (٣).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ سَوَاءً كَانَتْ هَذهِ الآيَاتُ نَزَلَتْ في أُبَيِّ بنِ خَلَفٍ، أَوْ فِي العَاصِ بنِ وَائِلٍ، أو فِيهِمَا، فَهِيَ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ أنْكَرَ البَعْثَ، والأَلِفُ واللَّامُ في قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ﴾ لِلْجِنْسِ، يَعُمُّ كُلَّ مُنْكِرٍ لِلْبَعْثِ (٤).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٥٧٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣١٨٠).
(٢) حاَئِلٌ: أي مُتَغَيِّرٌ قدْ غَيَّرَه البِلَى. انظر النهاية (١/ ٤٤٥).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب تفسير سورة يس - رقم الحديث (٣٦٥٩).
(٤) انظر تفسير ابن كثير (٦/ ٥٩٤).
[ ١ / ٢٨٩ ]
* أشْقَى القَوْمِ عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعِيطٍ لَعَنَهُ اللَّهُ:
رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ في دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ عُقْبَةَ بنَ أَبِي مُعَيْط صَنَعَ طَعَامًا، ثُمَّ دَعَا إِلَيْهِ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "مَا أنَا بِالذِي آكُلُ مِنْ طَعَامِكَ حَتَّى تَشْهَدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وأنِّي رَسُولُ اللَّهِ"، فَقَالَ عُقْبَةُ: اطْعَمْ يَا ابْنَ أخِي، قَالَ -ﷺ-: "مَا أنَا بِالذِي أفْعَلُ حَتَّى تَقُولَ"، فتَشَهَّدَ عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْطٍ بِذَلِكَ، فَطَعِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ طَعَامِهِ.
فَبَلَغَ ذَلِكَ أُبَيَّ بنَ خَلَفٍ -وَكَانَ صَاحِبَهُ- فأتَاهُ فَقَالَ: صَبَوْتَ يَا عُقْبَةُ؟ .
فَقَالَ عُقْبَةُ: لا، وَاللَّهِ مَا صَبَوْتُ، ولَكِنْ دَخَلَ عَلَيَّ الرَّجُلُ فَأَبَى أَنْ يَطْعَمَ مِنْ طَعَامِي إِلَّا أَنْ أشْهَدَ لَهُ، فَاسْتَحْيَيْتُ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْتِي قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ، فَشَهِدْتُ لَهُ، فَطَعِمَ، فَقَالَ أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ: ما أنَا الذِي أرْضَى عَنْكَ أبَدًا حَتَّى تَأْتِيَهُ فتَبْزُقَ فِي وَجْهِهِ، فذَهَبَ عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعِيطٍ لَعَنَهُ اللَّهُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَبزَقَ في وَجْهِ الرَّسُولِ -ﷺ-، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمَا ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (١).
_________________
(١) انظر دلائل النبوة لأبي نعيم (٢/ ٤٧٠) - سيرة ابن هشام (١/ ٣٩٩) - البداية والنهاية (٣/ ٩٧).
[ ١ / ٢٩٠ ]
هُنَا يَعْرِضُ القُرْآنُ مَشْهَدًا مِنْ مَشَاهِدِ ذَلِكَ اليَوْمِ، يُصَوِّرُ نَدَمَ الظَّالِمِينَ الضَّالِّينَ. يَعْرِضُ عَرْضًا طَوِيلًا مَدِيدًا، يُخَيَّلُ لِلسَّمْعِ أَنَّهُ لَنْ يَنْتهِيَ ولَنْ يَبْرَحَ. مَشْهَدُ الظَّالِمِ يَعَضُّ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ النَّدَمِ، وَالأَسَفِ، وَالأَسَى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾.
ويَصْمُتُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ حَوْلهِ، ويَرُوحُ يَمُدُّ في صَوْتِهِ المُتَحَسِّرِ، ونَبَرَاتِهِ الأَسِيفَةِ، والإيقَاعُ المَمْدُودُ يَزيدُ المَوْقِفَ طُولًا ويَزِيدُ أثَرَهُ عُمْقًا. حَتَّى لَيَكَادُ القَارِئُ لِلْآيَاتِ، والسَّامِعُ يُشَارِكَانِ في النَّدَمِ والأَسَفِ والأسَى! (١).
* الأخْنَسُ بنُ شُرَيْقٍ (٢):
وهَذَا الرَّجُلُ هُوَ مِنْ أشْرَافِ القَوْمِ، ومِمَّنْ يُسْتَمَعُ مِنْهُ، وَكَانَ مِمَّنْ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، ويُصِيبُ مِنْهُ ويَرُدُّ عَلَيْهِ، ونَزَلَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن (٥/ ٢٥٦٠).
(٢) هو الأخْنَسُ الثَّقَفِيُّ، حَلِيفُ بنِي زُهْرَةَ، اسمُهُ أُبَيّ، وإنَّما لقّبَ الأخْنَسَ، لأنه رَجَعَ بِبَنِي زُهْرَةَ من بَدْرٍ لمَّا جاءهُمُ الخَبَرُ أن أبا سُفْيان نَجَا بالعِيرِ، فقيل: خَنَسَ الأخْنَسُ بِبَنِي زُهرة، فُسمي بذلك، ثمَّ أسْلَم الأخنس فكان من المُؤَلَّفَة قُلوبهم، وشَهِدَ حُنَينًا، ومات في أوَّل خِلافةِ عمر بن الخطاب -﵁-. قال ابن عطية: ما ثَبَتَ قَطُّ أن الأخنس أسْلَمَ، وتعقَّبه الحافظُ في الإصابة (١/ ١٩٢) بقولِهِ: قدْ أثبَتَهُ في الصَّحابَةِ من تقدم ذكره، ولا مَانِعَ أن يُسْلِم ثم يَرْتَدَّ ثم يَرْجعَ إلى الإسلام، واللَّه أعلمُ.
[ ١ / ٢٩١ ]
هَمَّازٍ (١) مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (٢) (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ (٣) بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ (٤).
* الوَلِيْدُ بنُ المُغِيرَةِ:
وَكَانَ الوَليدُ بنُ المُغِيرَةِ مِمَّنْ يُجَادِلُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ويَنَالُ مِنْهُ، وَيَقُولُ: أيُنْزَلُ عَلَى مُحَمَّدٍ، وأُتْرَكُ وأنَا كَبِيرُ قُرْيْشٍ وسَيِّدُهَا؟ ويُتْرَكُ أَبُو مَسْعُودٍ عُرْوَةُ بنُ مَسْعُودٍ الثَّقَفِيُّ سَيِّدُ ثَقِيفٍ، فنَحْنُ عَظِيمَا القَرْيَتَيْنِ، فنَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ (٥) عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ (٦) نَحْنُ
_________________
(١) الهَمْزُ: الغِيبَةُ والوَقِيعَةُ في النَّاسِ، وذكر عيوبهم. انظر النهاية (٥/ ٢٣٦).
(٢) يعنِي الذِي يَمْشِي بينَ الناسِ، ويُحَرِّشُ بينَهُم، وينقلُ الحَدِيثَ لفَسَادِ ذاتِ البَيْنِ، وهي الحَالِقَةُ. انظر النهاية (٥/ ١٠٥).
(٣) العُتُلُّ: هوَ الفَظُّ الغَلِيظُ. انظر لسان العرب (٩/ ٣٩). روى الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٤٩١٨) - والإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٨٥٣) عن حارِثَة بن وَهْبٍ الخُزَاعي قال: سمعتُ النبي -ﷺ- يقولُ: "ألَا أخبِرُكمْ بأهْلِ النَّارِ؟ كُلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِر". والجَوَّاظُ: هو المُخْتَالُ في مَشْيَتِهِ. انظر النهاية (١/ ٣٠٤).
(٤) الزَّنيمُ: هو المُلْصَقُ في القَوْمِ، وليسَ مِنْهم. انظر تفسير ابن كثير (٨/ ١٩٣) - وانظر النهاية (٢/ ٢٨٥). والخَبَرُ في: سيرة ابن هشام (١/ ٣٩٨) - والرَّوْض الأُنُف (٢/ ١٤٦).
(٥) قال ابنُ عباسٍ، وعكرِمَة، ومحمَّد بنُ كعبٍ، وقتادَةُ، والسّدِّي: المُرَادُ بالقَرْيَتَيْنِ مكَّة والطَّائف، واختلفُوا في تَعْيِينِ الرَّجلِ المُرَادِ، فعنْ قتادَةَ: أرَادُوا الوَليدَ بنَ المُغِيرة مِنْ أهل مَكة، وعُرْوَةَ بنَ مَسعُود الثَّقَفي منْ أَهْلِ الطَّائفِ. انظر الإصابة (٤/ ٤٠٦).
(٦) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٢٦): أيْ ليْسَ الأمْرُ مَرْدُودًا إِلَيْهِمْ، بلْ إلى اللَّه تَعَالَى، واللَّه أعلم حيثُ يَجْعَلُ رِسالاتِهِ، فإنه لا يُنْزِلُهَا إلا على أزْكَى الخَلْقِ قَلْبًا ونَفْسًا، وأشْرَفِهِمْ بَيْتًا، وأطْهَرِهِمْ أَصْلًا.
[ ١ / ٢٩٢ ]
قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (١).
* تَهَكُّمُ (٢) العَاصِ بنِ وَائِلٍ (٣) بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
أَمَّا العَاصُ بنُ وَائِلٍ فَإِنَّهُ كَانَ أَيْضًا مِنْ أشَدِّ النَّاسِ عَدَاوَة لِلرَّسُولِ -ﷺ-، فَلَمَّا مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ الرَّسُولِ -ﷺ-، قَالَ العَاصُ بنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ: لقدِ انْقَطَعَ نَسْلُهُ، وَكَانَ إِذَا ذُكِرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: دَعُوهُ، فإنَّمَا هُوَ رَجُلٌ أبْتَرُ لا عَقِبَ لَهُ، لَوْ قَدْ مَاتَ لانْقَطَعَ ذِكْرُهُ (٤) واسْتَرَحْتُمْ مِنْهُ.
_________________
(١) سورة الزخرف آية (٣١ - ٣٢) - وانظر الخبر في سيرة ابن هشام (١/ ٣٩٨) - البداية والنهاية (٣/ ٩٧) - الرَّوْض الأُنُف (٢/ ١٤٧) - سبل الهدى والرشاد (٢/ ٤٦٧).
(٢) التهكم: التكبر. انظر لسان العرب (١٥/ ١١١).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٣٥٦): هوَ العَاصُ بنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وهوَ والِدُ عَمْرِو بنِ العَاصِ -﵁- الصَّحابِيُّ المَشْهُورُ، وَكَانَ لهُ قَدْر في الجَاهِلِيَّةِ، ولم يُوَفَّقْ للإسلامِ، وَكَانَ مَوْتُهُ بمَكَّةَ قبلَ الهِجْرَةِ، وهوَ أحَدُ المُسْتَهْزِئِينَ. قال عبدُ اللَّه بنُ عمرِو بنِ العَاصِ ﵄: سمِعْتُ أَبِي يقولُ: عاشَ أَبِي خَمْسًا وثَمَانِينَ سَنَة، وإنه ليَرْكَبُ حِمَارًا إلى الطائِفِ فيَمْشِي عنْهُ أكثَرَ مِمَّا يَرْكَبُ، ويُقَالُ: إِنَّ حِمَارَهُ رَمَاهُ على شَوْكَةٍ أصَابَتْ رِجْلَهُ، فانتفَخَتْ فمَاتَ مِنْهَا.
(٤) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٨/ ٥٠٥): حاشَا وكَلَّا، بلْ قدْ أبقَى اللَّهُ ذِكْرَهُ على رُؤُوسِ الأشْهَادِ، وأوجَبَ شَرْعهُ على رِقَابِ العِبادِ، مُسْتَمِرًّا على دَوَامِ الآبَادِ، إلى يَوْمِ الحَشْرِ والمَعَادِ، صلواتُ اللَّه وسلامُهُ عليهِ دَائِمًا إلى يَوْمِ التَّنَادِ. وقال حَسَّان بن ثابت -﵁-: أغَرٌّ عليهِ لِلنُّبُوَّةِ خَاتَمٌ منَ اللَّهِ مشْهُودٌ يلُوحُ ويَشْهَدُ وضَمَّ الإلَه اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ إِذَا قَالَ في الخَمْسِ المُؤَذِّنُ أشْهَدُ وشَقَّ له مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ فَذُو العَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذَا مُحَمَّدُ
[ ١ / ٢٩٣ ]
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في ذَلِكَ: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١) صَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ (١).
* قِصَّةٌ تُبَيِّنُ شِدَّةَ كُفْرِ العَاصِ بنِ وَائِلٍ:
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ خَبَّابِ بنِ الأَرَتِّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ قَيْنًا (٢) في الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ لِي عَلَى العَاصِ بنِ وَائِلٍ دَيْنٌ، فَأَتَيْتُهُ أَتقَاضَاهُ، فَقَالَ: لا أُعْطِيكَ حتَّى تَكْفُرَ بِمُحَمَّدٍ.
فَقُلْتُ: لَا أَكْفُرُ حَتَّى يُمِيتَكَ اللَّهُ ثُمَّ تُبْعَثَ.
قَالَ: دَعْنِي حَتَّى أمُوتَ وأُبْعَثَ، فَسَأُوتَى مَالًا وَوَلَدًا فَأَقْضِيَكَ.
فنَزَلَتْ: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ
_________________
(١) سورة الكوثر بكاملها - والخبر في سيرة ابن هشام (٢/ ٧). قال الإمام السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (٢/ ١٨٢): الأبتَرُ: هوَ الذِي لا عَقِبَ لهُ يَتْبَعُهُ، فإذا نَظَرْتَ إلى العاصِ بنِ وَائِلٍ الذِي نزلتْ فيه هذهِ الآيةُ، وكان ذَا وَلَدٍ وعَقِبٍ، وولدُهُ عمرٌو وهِشَام ابنَا العَاصِ بنِ وائلٍ، فكيفَ يَثْبُتُ لهُ البَتْرُ، وانْقِطَاعُ الوَلَدِ، وهوَ ذُو وَلَدٍ ونَسْلٍ؟ . فالجوابُ: أَنَّ العاصَ وَإِنْ كَانَ ذَا وَلَدٍ فقد انقَطَعَتِ العِصْمَةُ بينَهُ وبَيْنَهُمْ، فليسُوا بأتْبَاعٍ لَهُ؛ لأنَّ الإسلامَ قدْ حَجَزَهُمْ عنْهُ، فلا يَرِثُهُمْ ولا يَرِثُونَهُ، وهمْ مِنْ أتْبَاعِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، وأزْوَاجُهُ -ﷺ- أمَّهَاتُهُمْ، فهُم وجَمِيعُ المُؤْمنِينَ أتْبَاعُ النبيِّ -ﷺ- في الدنُّيا، وأتباعُهُ في الآخِرَةِ ليَسْقِيَهُمْ منْ حوضِهِ الكَوْثَرِ يوَم القِيَامَةِ، وَأَمَّا عدوُّ اللَّه العَاصُ بنُ وائِلٍ على هذا هُوَ الأبتَرُ على الحَقِيقةِ، إذْ قدِ انقطَعَ ذَنَبُهُ وأتْبَاعُهُ، وصارُوا تَبَعًا لمُحمَّد -ﷺ-.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٥/ ٤٢): القَيْنُ بفتحِ القافِ هو الحَدَّادُ، ثمَّ صارَ كل صَائِغٍ عندَ العَرَبِ قَينًا.
[ ١ / ٢٩٤ ]
الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ (١).
* الكَافِرُ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فِي الآخِرَةِ:
رَوَى أَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: أَنَّ العَاصَ بنَ وَائِلٍ السَّهْمِيَّ أَوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ، فَأَعْتَقَ ابْنُهُ هِشَامٌ خَمْسِينَ رَقَبَةً، فَأرَادَ ابْنُهُ عَمْرٌو أَنْ يُعْتِقَ عَنْهُ الخَمْسِينَ البَاقِيَةَ، فَقَالَ: حَتَّى أسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فأتَى النَّبِيَّ -ﷺ-، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَبِي أوْصَى أَنْ يُعْتَقَ عَنْهُ مِائَةُ رَقَبَةٍ، وَإِنَّ هِشَامًا أعْتَقَ عَنْهُ خَمْسِينَ، وبَقِيَتْ عَلَيْهِ خَمْسُونَ رَقَبَةً، أَفَأُعْتِقُ عَنْهُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّهُ لَوْ كَانَ مُسْلِمًا فَأَعْتَقْتُمْ عَنْهُ، أَوْ تَصَدَّقْتُمْ عَنْهُ، أَوْ حَجَجْتُمْ عَنْهُ: بَلَغَهُ ذَلِكَ" (٢).
* النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ وعَبْدُ اللَّهِ بنُ الزِّبَعْرَى:
وكَانَ النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، وعَبْدُ اللَّهِ بنُ الزِّبَعْرَى (٣) مِمَّنْ نَصَبَ العَدَاوَةَ
_________________
(١) سورة مريم الآيات (٧٧ - ٨٠). والخبر أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب البيوع - باب ذكر القَيْنِ والحَدَّاد - رقم الحديث (٢٠٩١) - وأخرجه في كتاب التفسير - باب ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا﴾ - رقم الحديث (٤٧٣٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - باب سؤال اليهود الرسول -ﷺ- عن الروح - رقم الحديث (٢٧٩٥).
(٢) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الوصايا - باب ما جاء في وصية الحربي يُسلم - رقم الحديث (٢٨٨٣) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٩٢٦٠).
(٣) هو عبدُ اللَّه بن الزِّبَعْرَى القُرَشِيُّ السَّهْمِيُّ، كَانَ مِنْ أشَدِّ الناسِ على رَسُول اللَّهِ -ﷺ- =
[ ١ / ٢٩٥ ]
لرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَدْ أخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا مَعَ الوَليدِ بنِ المُغِيرَةِ في المَسْجِدِ، فَجَاءَ النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ حَتَّى جَلَسَ مَعَهُمْ، وفِي المَجْلِسِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ رِجَالِ قُرَيْشٍ، فتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَعَرَضَ لَهُ النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، فكَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حتَّى أفْحَمَهُ، ثُمَّ تَلَا عَلَيْهِ وعَلَيْهِمْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩) لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ﴾ (١).
ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وأقْبَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزِّبَعْرَى السَّهْمِيُّ حَتَّى جَلَسَ، فَقَالَ الوَليدُ بنُ المُغِيرَةِ لعَبْدِ اللَّهِ بنِ الزِّبَعْرَى: وَاللَّهِ مَا قَامَ النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ لابْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ آنِفًا ومَا قَعَدَ، وقَدْ زَعَمَ مُحَمَّد أنَّا ومَا نَعْبُدُ مِنْ آلِهَتِنَا هَذِهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ، فقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ الزِّبَعْرَى: أمَا وَاللَّهِ لَوْ وَجَدْتُهُ لَخَصَمْتُهُ، فَسَلُوا مُحَمَّدًا: أَكُلُّ مَا يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ في جَهَنَّمَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ؟ .
فنَحْنُ نَعْبُدُ المَلَائِكَةَ، واليَهُودُ تَعْبُدُ عُزَيْرًا، والنَّصَارَى تَعْبُدُ عِيسَى ابنَ
_________________
(١) = وعلى المسلمينَ بلِسَانِهِ ونفْسِه وَكَانَ مِنْ أشْعَرِ الناسِ وأبْلَغِهِمْ، حتى قالوا: أَنَّهُ أشْعَرُ قريشٍ قَاطِبَةً. ثمَّ أسلمَ في فَتْحِ مَكَّةَ، وحسُنَ إسلامُهُ، واعتذرَ إلى رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، فَقَبِلَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- عُذْرَهُ. انظر الإصابة (٤/ ٧٦).
(٢) سورة الأنبياء آية (٩٨ - ١٠٠).
[ ١ / ٢٩٦ ]
مَرْيَمَ، فَعَجِبَ الوَليدُ، ومَنْ كَانَ مَعَهُ في المَجْلِسِ مِنْ قَوْلِ عَبْدِ اللَّه بنِ الزِّبَعْرَى، ورَأَوْا أَنَّهُ قَدِ احْتَجَّ وخَاصَمَ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ قَوْلِ ابنِ الزِّبَعْرَى، فَقَالَ -ﷺ-: "كُلُّ مَنْ أحَبَّ أَنْ يُعْبَدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَهُوَ مَعَ مَنْ عَبَدَهُ، إِنَّهُمْ إِنَّمَا يَعْبُدُونَ الشَّيَاطِينَ، ومَنْ أمَرَتْهُمْ بِعِبَادَتِهِ".
فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في ذَلِكَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ (١).
يَعْنِي عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ، وعُزَيْرٌ ﵉، ومَنْ عُبِدُوا مِنَ الأحْبَارِ والرُّهْبَانِ الذِينَ مَضَوْا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ، فَاتَّخَذَهُمْ مَنْ يَعْبُدُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الضَّلَالَةِ أرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ، أُولَئِكَ عَنِ النَّارِ مُبْعَدُونَ لا يَدْخُلُونَهَا أَبَدًا.
ونَزَلَ فِيمَا ذُكِرَ مِنْ أمْرِ عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ ﵇ أَنَّهُ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وعَجِبَ الوَليدُ، ومَنْ حَضَرَهُ مِنْ حُجَّتِهِ وخُصُومَتِهِ، قوله تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٢) (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (٣).
_________________
(١) سورة الأنبياء آية (١٠١ - ١٠٢).
(٢) أي يَضْحَكُونَ. انظر تفسير ابن كثير (٧/ ٢٣٤).
(٣) سورة الزخرف آية (٥٧).
[ ١ / ٢٩٧ ]
ثُمَّ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ ﵇، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (٦٠) وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ (١) فَلَا تَمْتَرُنَّ (٢) بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾ (٣).
رَوَى الإِمَامُ أحمَدُ في مُسْنَد بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: . . . إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لِقُرَيْشٍ: "يَا مَعْشَرَ قُريْشٍ، إنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ فِيهِ خَيْرٌ"، وقَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ النَّصَارَى تَعْبُدُ عِيسَى ابنَ مَرْيَمَ، ومَا تَقُولُ فِي مُحَمَّدٍ، فقَالُوا: يا مُحَمَّدُ، ألَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى كَانَ نَبِيًّا وعَبْدًا مِنْ عِبَادِ
_________________
(١) قال ابن إسحاق في السيرة (١/ ٣٩٨) في تفسير هذه الآية: أي ما وُضِعت على يديه من الآيات، من إحْيَاءِ المَوْتى، وإبراءِ الأسقام، فكفَى به دَلِيلًا على عِلْمِ السَّاعَةِ. وتعقَّبه الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٣٦) فقال: وفي هذا نَظَم. . . والمرادُ بذلك نُزُولُهُ ﵇ قبل يَوْم القِيَامَةِ، كَمَا قال ﵎: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي: قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى ﵇، ثم ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [سورة النساء آية (١٥٩)]، ويؤيِّدُ هذا المَعْنى القراءَةُ الأخْرَى "وإنه لَعَلَمٌ للسَّاعَةِ" أي: أمَارَةٌ ودَلِيلٌ على وُقُوعِ السَّاعة. وقد تواتَرَت الأحاديثُ عن رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، أنه أخْبَرَ بِنُزُولِ عِيسَى ابنِ مريمَ ﵇ قبلَ يَوْمِ القِيَامَةِ إمَامًا عَادِلًا، وحَكَمًا مُقْسِطًا.
(٢) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ٢٣٦): أي لا تشُكُّو فيها، إنهَا واقِعَةٌ وكائِنَةٌ لا مَحَالة.
(٣) سورة الزخرف آية (٥٩ - ٦١). والخبر أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٩٨٦) (٩٨٨) - والحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب مذاكرة الساعة - رقم الحديث (٣٥٠١) - وابن إسحاق في السيرة (١/ ٣٩٧).
[ ١ / ٢٩٨ ]
اللَّهِ صَالِحًا، فَلَئِنْ كُنْتَ صَادِقًا، فَإِنَّ آلِهَتَهُمْ لَكُمَا تَقُولُونَ. قَالَ: فأنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ قَالَ: قُلْتُ: مَا يَصِدُّونَ؟ قَالَ: "يَضُجُّونَ"، ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ قَالَ: "هُوَ خُرُوجُ عِيسَى ابنُ مَريمَ ﵇ يَوْمِ القِيَامَةِ" (١).
وروَى الإمامُ أَحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إِلَّا أُوتُوا الجَدَلَ" (٢)، ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ (٣).
* فِرْعَونُ هَذِهِ الأُمَّةِ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
أَمَّا أَبُو جَهْل -لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى- فَإِنَّهُ كَانَ مِنْ أشَدِّ النَّاسِ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- وعَلَى أَصْحَابِهِ ﵃، فَكَانَ لَعَنَهُ اللَّهُ يَهْزَأُ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ومَا جَاءَ بِهِ مِنَ الحَقِّ، ويُؤْذِيهِ بِالقَوْلِ.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٩١٨) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب ذكر البيان بأنَّ عيسى ابن مريم ﵇ مِنْ أعْلام الساعة - رقم الحديث (٦٨١٧).
(٢) قال المباركفوري رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تحفة الأحوذي (٩/ ١٢٤): والمعنى ما كَانَ ضَلَالتُهُمْ ووقُوعُهُمْ في الكفرِ إلا بِسَبَبِ الجِدَالِ، وهو الخُصُومةُ بالباطلِ مع نَبِيِّهِمْ، وطلبُ المُعْجِزَةِ منهُ عِنَادًا أو جُحُودًا.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢١٦٤) - والترمذي في جامعه - كتاب تفسير القرآن - باب ومن سورة الزخرف - رقم الحديث (٣٥٣٥).
[ ١ / ٢٩٩ ]
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ والنَّسَائِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ -لَعَنَهُ اللَّهُ- يَوْمًا: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! يُخَوِّفُنَا مُحَمَّدٌ بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ، يَزْعُمُ أَنَّهَا شَجَرَةٌ في النَّارِ يُقَالُ لَهَا شَجَرَةُ الزَّقُومِ، والنَّارُ تَأْكُلُ الشَّجَرَ، إِنَّمَا الزَّقُومُ التَّمْرُ والزُّبْدُ، هَاتُوا تَمْرًا وزُبْدًا وتَزَقَّمُوا (١)، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤) كَالْمُهْلِ (٢) يَغْلِي فِي الْبُطُونِ (٤٥) كَغَلْيِ الْحَمِيمِ﴾ (٣).
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَوْ أَنَّ قَطْرَةً مِنَ الزَّقُّومِ قُطِرَتْ لَأَمَرَّتْ عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ عَيْشَهُمْ، فكَيْفَ مَنْ لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا الزَّقُّومُ" (٤).
ولَقِيَ أَبُو جَهْل مَرَّةً رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ لَهُ: واللَّهِ يا مُحَمَّدُ لَتَتْرُكَنَّ سَبَّ آلِهَتِنَا أَوْ لَنَسُبَّنَّ إلَهَكَ الذِي تَعْبُدُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ
_________________
(١) الزَّقُّومُ: من الزَّقَمِ: أي اللَّقْمِ الشَّدِيدِ. انظر النهاية (٢/ ٢٧٧).
(٢) المُهْلُ: هوَ القَيْحُ والصَّدِيدُ الذي يَذُوبُ فَيَسِيلُ منَ الجَسَدِ، ومنهُ قِيلَ للنُّحَاسِ الذَّائِبِ: مُهْلٌ. انظر النهاية (٤/ ٣١٩).
(٣) سورة الدخان آية (٤٣ - ٤٦) -والخبر أخرجه الإمام أحمد في مسنده- رقم الحديث (٣٥٤٦) - والنسائي في السنن الكبرى - رقم الحديث (١١٤٢٠).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٣٥) - وأخرجه الطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٢٧٦٥) - وأخرجه الترمذي في جامعه - كتاب صفة جهنم - باب ما جاء في صفة شراب أهل النار - رقم الحديث (٢٧٦٧).
[ ١ / ٣٠٠ ]
يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (١) فكَفَّ عَنْدَئِذٍ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ سبِّ (٢) آلِهَتِهمْ، وجَعَلَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّه تَعَالَى (٣).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَقُولُ اللَّه تَعَالَى نَاهِيًا لِرَسُولِهِ -ﷺ- والمُؤْمِنِينَ عَنْ سَبِّ المُشْرِكِينَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، إِلَّا أَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ أعْظَمُ مِنْهَا، وهِيَ مُقَابَلَةُ المُشْرِكِينَ بِسَبِّ إِلَهِ المُؤْمِنِينَ، وهُوَ اللَّه لَا إلَهَ إِلَّا هُوَ.
ومِنْ هَذَا القَبِيلِ -وهُوَ تَرْكُ المَصْلَحَةِ لِمَفْسَدَةٍ أرْجَحَ مِنْهَا- مَا جَاءَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "إِنَّ مِنْ أكْبَرِ الكَبَائِرِ أَنْ يَلْعَنَ الرَّجُلُ والِدَيْهِ"، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وكَيْفَ يَلْعَنُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟
قَالَ: "يَسُبُّ الرَّجُلُ أبا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أبَاهُ، ويَسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ" (٤).
_________________
(١) سورة الأنعام آية (١٠٨).
(٢) لم يكنْ رسُول اللَّه -ﷺ- سَبَّابًا، ولا شَتَّامًا، ولا فَحَّاشًا، وإنما كان يَنْفِي عن آلهة المُشْرِكين ما كانوا يتَوَهَّمُونَهُ لها من صِفَاتٍ لا تليقُ إلا باللَّه ﷾، ويَصِفُهَا بما وصَفَهَا اللَّه به في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾، وقوله تَعَالَى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾ وقوله تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ﴾ وقوله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ وغير ذلكَ ممَّا أنزلهُ اللَّه عليه في تَعْرِيَةِ آلهتهم المَزْعُومةِ ممَّا كانوا يعتقدونَهُ فيها.
(٣) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٩٥) - سبل الهدى والرشاد (٢/ ٤٧٠).
(٤) أخرج هذا الحديث: الإمام البخاري في صحيحه -كتاب الأدب - باب لا يسب الرجل والديه - رقم الحديث (٥٩٧٣) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب بيان الكبائر وأكبرها - رقم الحديث (٩٠) - وانظر كلام الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ٣١٤ - ٣١٥).
[ ١ / ٣٠١ ]
* قِصَّةُ الإِراشِيِّ:
قَالَ ابنُ إسْحاقَ: وَقَدْ كَانَ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلِ بنُ هِشامٍ مَعَ عَداوَيهِ لرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وبُغْضِهِ إيّاهُ، وَشِدَّتِهِ عَلَيْهِ، يُذِلُّهُ اللَّهُ له إِذَا رَآهُ (١).
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ قَالَ: قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ إراشٍ (٢) بِإِبِلٍ له إِلَى مَكَّةَ، فابْتَاعَهَا (٣) مِنْهُ أَبُو جَهْلٍ، فَمَطَلَهُ (٤) بِأَثْمانِها، فَأقْبَلَ الإرَاشِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى نَادٍ (٥) مِنْ قُرَيْشٍ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في ناحِيَةِ المَجْلِسِ جالِسٌ، فَقالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! مَنْ رَجُلٌ يُؤْدِينِي (٦) عَلَى أَبِي الحَكَمِ بنِ هِشامٍ، فَإِنِّي رَجُلٌ غَرِيبٌ، ابْنُ سَبِيلٍ، وَقَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقِّي، فَقالَ لَهُ أَهْلُ المَجْلِسِ: أتَرَى ذَلِكَ الرَّجُلَ الجالِسَ -لرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وهُمْ يَهْزَؤُونَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُونَ بَيْنَهُ وبَيْنَ أَبِي جَهْلٍ مِنَ العَداوَةِ- اذْهَبْ إِلَيْهِ فَإِنَّهُ يُؤْدِيكَ عَلَيْهِ، فأَقْبَلَ الإرَاشِيُّ حتَّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقالَ: يا عَبْدَ اللَّهِ إِنَّ أبا الحَكَمِ بنَ هِشامٍ قَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقٍّ لِي، وأنَا غَرِيبٌ، ابْنُ سَبِيلٍ، وقَدْ سَأَلْتُ هَؤُلاءَ القَوْمَ عَنْ رَجُلٍ يُؤْدِيني عَلَيْهِ، يَأْخُذُ لِي حَقِّي مِنْهُ، فأشَارُوا لِي إلَيْكَ، فَخُذْ لِي حَقِّي مِنْهُ، يَرحَمُكَ اللَّهُ.
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٤٢٦).
(٢) إرَاشٌ: بكسر الهمْزَة: اسمُ قَبِيلَةٍ وهُمْ بَطْن من خَثْعَمٍ. انظر الرَّوْض الأُنُف (٢/ ١٧٧).
(٣) ابْتاعَ: اشْتَرَى. انظر لسان العرب (١/ ٥٥٧).
(٤) المَطْلُ: هو التَّسْوِيفُ والمُدَافَعَةُ بالعِدَةِ والدَّينِ. انظر لسان العرب (١٣/ ١٣٤).
(٥) النَّادِي: مجْتَمَعُ القَوْمِ وأهْلُ المَجْلِسِ. انظر النهاية (٥/ ٣١).
(٦) يُؤْدِيني على فلانٍ: أي يُعِينُنِي على أخْذِ حَقِّي مِنْهُ. انظر لسان العرب (١/ ١٠٠).
[ ١ / ٣٠٢ ]
فَقَالَ -ﷺ-: انْطَلِقْ إِلَيْهِ، وَقامَ مَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَلَمَّا رَأَوْهُ قامَ مَعَهُ قالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُمْ: اتْبَعْهُ انْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُ؟
فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى جَاءَهُ فَضَرَبَ عَلَيْهِ بابَهُ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: مُحَمَّدٌ، فَاخْرُجْ إِلَيَّ، فخَرَجَ إِلَيْهِ، وما في وَجْهِهِ قَطْرَةُ دَمٍ، وقَدِ انْتَقَعَ لَوْنُهُ، فَقَالَ -ﷺ-: أَعْطِ هَذَا الرَّجُلَ حَقَّهُ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: نَعَمْ، لا تَبْرَحْ حَتَّى أُعْطِيَهُ الذِي لَهُ، فَدَخَلَ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ بِحَقِّهِ، فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ لِلْإِراشِيِّ "الْحَقْ لِشَأْنِكَ"، فَأَقْبَلَ الإِرَاشِيُّ حَتَّى وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ المَجْلِسِ، فَقَالَ: جَزاهُ اللَّهُ خَيْرًا، فَقَدْ واللَّهِ أَخَذَ لِي حَقِّي.
فَلَمَّا جَاءَ الرَّجُلُ الذِي أرْسَلُوهُ لِيَرَى ما يَصْنَعُ أَبُو جَهْلٍ، قالُوا لَهُ: وَيْحَكَ مَاذَا رَأَيْتَ؟ قَالَ: عَجَبًا مِنَ العَجَبِ، واللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيْهِ بابَهُ، فَخَرَجَ، فَقَالَ لَهُ: أَعْطِ هَذَا الرَّجُلَ حَقَّهُ، فَأَعْطَاهُ.
ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ أَبُو جَهْلٍ، فَلَامُوهُ، وقَالُوا لَهُ: وَيْلَكَ! مَا لَكَ؟ واللَّهِ مَا رَأيْنا مِثْلَ مَا صَنَعْتَ قَطُّ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَيْحَكُمْ! ! واللَّهِ ما هُوَ إِلَّا أَنْ ضَرَبَ عَلَيَّ بابِي، وسَمِعْتُ صَوْتَهُ، فَمُلِئْتُ مِنْهُ رُعْبًا، ثُمَّ خَرَجْتُ إِلَيْهِ، وإِنَّ فَوْقَ رَأْسِهِ فَحْلًا مِنَ الإِبِلِ، مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هامَتِهِ (١)، وَلَا قَصَرَتِهِ (٢)، وَلَا أَنْيابِهِ لِفَحْلٍ قَطُّ، فَواللَّهِ لَوْ أَبَيْتُ لَأَكَلَنِي (٣).
_________________
(١) الهَامَةُ: الرَّأسُ. انظر لسان العرب (١٥/ ١٦٢).
(٢) القَصَرَةُ: أصْلُ العُنُقِ. انظر لسان العرب (١١/ ١٨٩).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٤٢٧).
[ ١ / ٣٠٣ ]
* قِصَّةٌ أُخْرَى:
مِنَ الْقِصَصِ التِي تُبَيِّنُ اسْتِهْزاءَ أَبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ (١) قَالَ أَبُو جَهْلٍ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أَنَّ جُنُودَ اللَّهِ الذِينَ يُعَذِّبُونَكُمْ في النَّارِ، ويَحْبِسُونَكُمْ فِيها تِسْعَةَ عَشَرَ، وأنْتُمْ أكْثَرُ النَّاسِ عَدَدًا، وَكَثْرَةً، أفَيَعْجُزُ كُلُّ مِائَةِ رَجُلٍ مِنْكُمْ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ؟ .
فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى في ذَلِكَ: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ﴾ (٢).
قَالَ الحافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تَفْسِيرِهِ: أيْ ما يَعْلَمُ عَدَدَهُمْ وَكَثْرَتَهُمْ إِلَّا هُوَ ﷾، لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أنَّمَا هُمْ تِسْعَةَ عَشَرَ فَقَطْ، . . . وَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ الإِسْراءِ الْمَروِيِّ في الصَّحِيحَيْنِ وغَيْرِهِما، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ في صِفَةِ البَيْتِ المَعْمُورِ الذِي في السَّماءِ السَّابِعَةِ: ". . . فَإِذا هُوَ يَدخُلهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألْفَ مَلَكٍ، ثُمَّ لا يَعُودُونَ إِلَيهِ" (٣).
_________________
(١) سورة المدثر آية (٣٠).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٠).
(٣) أخرج هذا القدر من حديث الإسراء والمعراج: الإمام البخاري في صحيحه - كتاب =
[ ١ / ٣٠٤ ]
* تيَقُّنُ أَبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ مِنْ صِدْقِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
رَوَى التِّرْمِذِيُّ في جامِعِهِ والحاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: قَدْ نَعْلَمُ يا مُحَمَّدُ إنَّكَ تَصِلُ الرَّحِمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، ولا نُكَذِّبُكَ، ولَكِنْ نُكذِّبُ الذِي جِئْتَ بِهِ، فأنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (١).
تِلْكَ صُوَرٌ مِنِ اسْتِهْزاءِ المُشْرِكِينَ بِالنَّبِيِّ -ﷺ-، وقَدْ كَانَ -ﷺ- يُحزِنُهُ ما يَلْقَى مِنْهُمْ كَغَيْرِهِ مِنَ الأنْبِياءَ.
قَالَ ابنُ إسْحاقَ: ومَرَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بالوَليدِ بنِ المُغِيرَةِ، وأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ وبِأَبِي جَهْلِ بنِ هِشامٍ فَهَمَزُوهُ واسْتَهْزَؤُوا بِهِ، فَغاظَهُ ذَلِكَ -ﷺ-، فأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ في ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ
_________________
(١) = بدء الخلق - باب ذكر الملائكة ﵈ - رقم الحديث (٣٢٠٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الإسراء برَسُول اللَّهِ -ﷺ- إلى السماوات - حديث رقم (١٦٢) - وانظر كلام الحافظ ابن كثير في تفسيره (٨/ ٢٧٠).
(٢) سورة الأنعام آية (٣٣). والخبرُ أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة الأنعام - رقم الحديث (٣٣١٧) - والحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب تفسير سورة الأنعام - رقم الحديث (٣٢٨٣) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦١٥).
[ ١ / ٣٠٥ ]
سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ (١).
قَالَ الحافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى في هَذِهِ الآيَةِ: هَذَا تَسْلِيَةٌ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- في تَكْذِيبِ مَنْ كَذَّبَهُ مِنْ قَوْمِهِ، وَوَعْدٌ له، وللْمُؤْمِنِينَ بِهِ بالنُّصْرَةِ والعاقِبةِ الحَسَنَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ (٢).
ومضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي رِسالَةِ الدَّعْوَةِ والبَلَاغِ صابِرًا مُحْتَسِبًا، مُؤَدِّيًا إِلَى قَوْمِهِ النَّصِيحَةَ، فَلَمَّا تَمَادَوْا في الشَّرِّ، وأكْثَرُوا الِاسْتِهْزاءَ كَفاهُ اللَّهُ تَعَالَى المُسْتَهْزِئِينَ بِهِ فأنْزَلَ اللَّه تَعَالَى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ (٣).
* رُكَانَةُ بنُ عَبْدِ يَزِيدَ (٤) يُصارع الرَّسُولَ -ﷺ-:
رَوَى أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ رُكَانَةَ بنَ عَبْدِ يَزِيدَ صارَعَ النَّبِيَّ -ﷺ-، فَصَرَعَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- ثَلاثَ مَرَّاتٍ، كُلُّ مَرَّةٍ عَلَى مِائَةٍ مِنَ الغَنَمِ، فَلَمَّا كَانَ في الثَّالِثَةِ، قَالَ: يا مُحَمَّدُ ما وَضَعَ
_________________
(١) سورة الأنعام آية (١٠) - والخبر في سيرة ابن هشام (٢/ ٩) - والبداية والنهاية (٣/ ١١٤).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٣/ ٢٤٢).
(٣) سورة الحجر آية (٩٥ - ٩٦) - والخبر في سيرة ابن هشام (٢/ ٢٢ - ٢٣).
(٤) هو رُكَانَةُ بنُ عبدِ يزِيدَ بنِ هاشِمٍ المُطَّلبِيُّ، كان مِنْ أشَدِّ الناس، وهو الذِي صارَعَهُ الرَّسول -ﷺ- مرَّتينِ أو ثَلاث، وأسلمَ رُكانَةُ يوم فتح مكَّةَ، وقيل أسلمَ عَقِبَ مُصارَعَتِهِ الرَّسولَ -ﷺ-. وتوفى في خلافَةِ عُثمان، وقيل: تُوفي سنةَ اثنتينِ وأربعين. انظر أسد الغابة (٢/ ١٩٩).
[ ١ / ٣٠٦ ]
ظَهْرِي عَلَى الأَرْضِ أَحَدٌ قَبْلَكَ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ أبْغَضَ إِلَيَّ مِنْكَ، وأَنَا أشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقامَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ورَدَّ عَلَيْهِ غَنَمَهُ (١).
* رُسُلُ قُرَيْشٍ إِلَى أحْبَارِ يَهُودَ وامْتِحَانُهُمُ الرَّسُولَ -ﷺ-:
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قالَتْ قُرَيْشٌ لِلْيَهُودِ:
أَعْطُونَا شَيْئًا نَسْأَلُ عَنْهَ هَذَا الرَّجُلَ، فَقَالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ (٢)، فَسَأَلُوهُ، فنَزَلَتْ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٣).
فَقَالُوا: لَمْ نُؤْتَ مِنَ العِلْمِ نَحْنُ إِلَّا قَلِيلًا، وقَدْ أُوتِينَا التَّوْرَاةَ، وَمَنْ يُؤْتَ التَّوْرَاةَ، فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (٤).
_________________
(١) أورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ١١٢) - وعزاه إلى أبي بكر الشافعي وجود إسناده.
(٢) زاد ابن إسحاق في السيرة (١/ ٣٣٧): أنهم سألُوه أيضًا عن أصحابِ الكهْفِ، وعن ذِي القَرنَيْنِ.
(٣) سورة الإسراء آية (٨٥).
(٤) سورة الكهف آية (١٠٩). والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٠٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب العلم - باب إباحَةِ كتْمَان العالمِ بعضَ ما يعلم - رقم الحديث (٩٩).
[ ١ / ٣٠٧ ]
* آيَةُ الرُّوحِ مَكِّيَّةٌ أَمْ مَدَنِيَّةٌ؟ .
قُلْتُ: وَقَعَ في الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ اليَهُودَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الرُّوحِ، وهُوَ في المَدِينَةِ، فَعَنِ ابنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: بَيْنَمَا أنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- في حَرْثٍ (١)، وهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى عَسِيبٍ (٢)، إذْ مَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؟ فقالُوا: مَا رَابَكُمْ إِلَيْهِ (٣)؟ لا يَسْتَقْبِلُكُمْ بِشَيْءِ تَكْرَهُونَهُ، فَقَالُوا: سَلُوهُ فَأَسْكَتَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا، فَعَلِمْتُ أَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ مَكانِي، فَلَمَّا نَزَلَ الوَحْيُ قَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (٤).
قَالَ الحافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: قَدْ يُجابُ عَنْ هَذَا: بأنَّهُ قَدْ يَكُونُ نَزَلَتْ عَلَيْهِ بالمَدِينَةِ مَرَّةً ثَانِيَةً كَمَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ بأَنَّهُ يُجِيبُهُمْ عَمَّا سَأَلُوهُ بِالآيَةِ المُتَقَدِّمِ إنْزالُها عَلَيْهِ (٥).
وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: يُمْكِنُ الجَمْعُ بِأَنْ يَتَعَدَّ النُّزُولُ بِحَمْلِ سُكُوتِهِ في
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٧/ ١١٣): أي موضع الزرع.
(٢) العَسِيبُ: هو جَرِيدَةُ النَّخْلِ. انظر النهاية (٣/ ٢١٢).
(٣) ما رَابَكُمْ إليهِ: ما حاجتكم إليه. انظر النهاية (٢/ ٢٦٠).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ - رقم الحديث (٤٧٢١) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين - باب سُؤالِ اليهُودِ للنبي -ﷺ- عن الروح - رقم الحديث (٢٧٩٤).
(٥) انظر تفسير ابن كثير (٥/ ١١٤).
[ ١ / ٣٠٨ ]
المَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى تَوَقُّعِ مَزِيدِ بَيَانٍ في ذَلِكَ، وَإِنْ ساغَ هَذَا وإلَّا فَمَا فِي الصَّحِيحِ أصَحُّ (١).
* عِنَادُ الكُفَّارِ ومَوْقِفُهُمْ مِنَ القُرآنِ الكَرِيمِ:
قَالَ ابنُ إسْحاقَ: فَلَمَّا جاءَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِما عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ، وعَرَفُوا صِدْقَهُ فِيمَا حَدَّثَ، ومَوْقِعَ نُبُوَّتِهِ فِيمَا جَاءَهُمْ بهِ مِنْ عِلْمِ الغُيُوبِ حِينَ سَأَلُوهُ عَمَّا سَأَلُوُهُ عَنْهُ، حَالَ الحَسَدُ مِنْهُمْ له بَيْنَهُمْ وبَيْنَ اتِّبَاعِهِ وتَصْدِيقِهِ، فَعَتَوْا عَلَى اللَّهِ، وتَرَكُوا أمْرَهُ عَيانًا، ولَجُّوا فِيمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، فَقَالَ قائِلُهُمْ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢): أيْ اجْعَلُوهُ لَغْوًا وباطِلًا، واتَّخِذُوهُ هُزُوا لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَهُ بِذَلِكَ، فإِنَّكُمْ إِنْ ناظَرتُمُوهُ أَوْ خاصَمْتُمُوهُ يَوْمًا غَلَبَكُمْ.
فلَمَّا قالَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، جَعَلُوا إِذَا جَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالقُرْآنِ، وهُوَ يُصَلِّي، يتفَرَّقُونَ عَنْهُ، ويأبَوْنَ أَنْ يَسْتَمِعُوا له، فَكَان الرَّجُلُ مِنْهُمْ إِذَا أرادَ أَنْ يَسْتَمعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَعْضَ ما يَتْلُو مِنَ القُرآنِ وهُوَ يُصلِّي، اسْتَرَقَ (٣) السَّمْعَ دُونَهُمْ فَرَقًا (٤) مِنْهُمْ، فَإِنْ رَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ يَسْتَمعُ مِنْهُ ذَهَبَ خَشْيَةَ أذَاهُمْ، فَلَمْ يَسْتَمعْ، وَإِنْ خَفَضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَوْتَهُ، فَظَنَّ الذِي يَسْتَمعُ أَنَّهُمْ
_________________
(١) انظر فتح الباري (٩/ ٣١٩).
(٢) سورة فصلت آية (٢٦).
(٣) استَرَقَ السَّمْعَ: أي أنَّه يَسْتَمِعُهُ مُخْتَفِي كما يفعَلُ السَّارِقُ. انظر النهاية (٢/ ٣٢٦).
(٤) الفَرَقُ: بالتحريكِ الخَوْفُ والفَزَعُ. انظر النهاية (٣/ ٣٩٢).
[ ١ / ٣٠٩ ]
لا يَسْتَمِعُونَ شَيْئًا مِنْ قِراءَتِهِ، وسَمِعَ هُوَ شَيْئًا دُونَهُمْ أصَاخَ (١) لَهُ يَسْتَمِعُ مِنْهُ (٢)
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ ﵄، في سَبَبِ نُزُولِ قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا﴾ (٣).
قَالَ: نَزَلَتْ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مخْتَفٍ بِمَكَّةَ، كَانَ إِذَا صَلَّى بأصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالقُرْآنِ، فإذَا سَمِعَ المُشْرِكُونَ سَبُّوا القُرْآنَ ومَنْ أنْزَله، ومَنْ جَاءَ بِهِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ -ﷺ-: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ﴾: أيْ بِقِراءَتِكَ، فَيَسْمَعَ المُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوا القُرْآنَ، ﴿وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ عَنْ أَصْحَابِكَ، فَلا تُسْمِعْهُمْ ﴿وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا. . .﴾ (٤).
* اسْتِماعُ زُعَماءِ قُرَيْشٍ إِلَى القُرْآنِ سِرًّا:
وَكَانَ أشْرَافُ قُرَيْشٍ يَسْتَشْعِرُونَ حَلاوَةَ القُرْآنِ في قُلُوبِهِمْ، ولَكِنَّهُمْ يُكَابِرُونَ.
_________________
(١) أصاخ له: استمع وأنصت له. نظر لسان العرب (٧/ ٤٥٠).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٠).
(٣) سورة الإسراء آية (١١٠).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا﴾ - رقم الحديث (٤٧٢٢) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب التوسُّط في القراءة في الصَّلاة الجهرِيَّة - رقم الحديث (٤٤٦).
[ ١ / ٣١٠ ]
رَوَى ابنُ إسْحَاقَ: أَنَّ ثَلاثَةً مِنْ زُعَماءِ قُريْشٍ، هُمْ: أَبُو سُفْيَانَ بنُ حَربٍ، وأَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ، والأَخْنَسُ بنُ شُرَيْقٍ، خَرَجُوا لَيْلَةً لَيَسْتَمِعُوا مِنْ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وهُوَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ في بَيْتهِ، فأخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسًا يَسْتَمعُ فِيهِ، وَكُلٌّ لا يَعْلَمُ بِمَكانِ صاحِبِهِ، فباتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَهُمُ الطَّرِيقُ، فتَلاوَمُوا، وَقَالَ بَعْضهُمْ لِبَعْضٍ: لا تَعُودُوا، فَلَوْ رَآكُمْ بَعْضُ سُفَهائِكُمْ لَأَوْقَعْتُمْ في نَفْسِهِ شَيْئًا، ثُمَّ انْصَرَفُوا، حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ عَادَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَى مَجْلِسِهِ، فَباتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حتَّى إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَهُمُ الطَّرِيقُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مِثْلَ ما قَالُوا أوَّلَ مَرَّةٍ، ثُمَّ انْصَرَفُوا. حَتَّى إِذَا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الثَّالِثَةُ أَخَذَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَجْلِسَهُ، فَباتُوا يَسْتَمِعُونَ لَهُ، حَتَّى إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ تَفَرَّقُوا، فَجَمَعَهُمُ الطَّرِيقُ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لا نَبْرَحُ حَتَّى نَتَعاهَدَ ألَّا نَعُودَ، فتَعاهَدُوا عَلَى ذلك، ثُمَّ تَفَرَّقُوا.
فَلَمَّا أَصْبَحَ الأَخْنَسُ بنُ شُرَيْقٍ أَخَذَ عصَاهُ، ثُمَّ خَرَجَ حَتَّى أتَى أبَا سُفْيَانَ فِي بَيْتِهِ، فَقَالَ لَهُ: أخْبِرْنِي يا أبَا حَنْظَلَةَ عَنْ رَأْيِكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ مُحَمَّدٍ، فَقَالَ: يا أبا ثَعْلَبَةَ: واللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ أشْياءً أعْرِفُهَا وأعْرِفُ ما يُرادُ بِهَا، وسَمِعْتُ أشْيَاءَ ما عَرَفْتُ مَعْنَاهَا، ولا مَا يُرَادُ بِهَا.
قَالَ الأَخْنَسُ: وأَنَا والذِي حَلَفْتُ بِهِ كَذَلِكَ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ حَتَّى أتى أبَا جَهْلٍ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ لَهُ: يا أبَا الحَكَمِ: ما رَأْيُكَ فِيمَا سَمِعْتَ مِنْ
[ ١ / ٣١١ ]
مُحَمَّدٍ؟ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: مَاذَا سَمِعْتُ؟ تَنازَعْنا نَحْنُ وَبَنُو عَبْدِ مَنَافٍ الشَّرَفَ، أطْعَمُوا فَأَطْعَمْنا، وحَمَلُوا فَحَمَلْنا، وأعْطُوا فَأَعْطَيْنا، حَتَّى إِذَا تحَاذَيْنا عَلَى الرَّكْبِ، وكُنَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ (١)، قَالُوا: مِنّا نَبِيٌّ يَأْتِيهِ الوَحْيُ مِنَ السَّمَاءِ، فَمَتَى نُدْرِكُ مِثْلَ هَذِهِ؟ واللَّهِ لا نُؤْمِنِ بِهِ أبَدًا وَلَا نُصَدِّقُهُ. فَقامَ عَنْهُ الأخْنَسُ وتَرَكَهُ (٢).
* الْكِبْرُ والْحَسَدُ مَنَعَا أَبَا جَهْلٍ مِنَ الْإِسْلامِ:
رَوَى البَيْهَقِيُّ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ: عَنِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ -﵁- قَالَ: إِنَّ أوَّلَ يَوْمٍ عَرَفْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أنِّي كُنْتُ أمْشِي أنَا وأَبُو جَهْلِ بنُ هِشامٍ في بَعْضِ أزِقَّةِ (٣) مَكَّةَ، إِذْ لَقِيَنا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَبِي جَهْلٍ: "يا أبَا الحَكَمِ! هَلُمَّ إِلَى اللَّهِ ﷿، وَإِلَى رَسُولِهِ أدْعُوكَ إِلَى اللَّهِ".
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يا مُحَمَّدُ هَلْ أَنْتَ مُنْتهٍ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنا، هَلْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ نَشْهَدَ أَنْ قَدْ بَلَّغْتَ؟ .
فنَحْنُ نَشْهَدُ أَنْ قَدْ بَلَّغْتَ، فوَاللَّهِ لَوْ أنِّي أعْلَمُ أَنَّ ما تَقُولُ حَقًّا ما اتَّبَعتُكَ فانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وأقْبَلَ عَلَيَّ أَبُو جَهْلٍ، فَقَالَ: فَواللَّهِ إنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ مَا
_________________
(١) أي تَساوَيْنا في الشَّرَفِ والمَنْزِلَةِ.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٢ - ٣٥٣) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٢٠٦). قال الحافظ في الإصابة (١/ ١٩٢): ذكر الذُّهلي في "الزُّهريات" بسند صحيح عن الزهري عن سعيد بن المسيب. . . وذكر قصة استماع زعماء قريش.
(٣) الزُّقاقُ: الطَّرِيقُ. انظر النهاية (٢/ ٢٧٧).
[ ١ / ٣١٢ ]
يَقُولُ حَقٌّ، ولَكِنْ بَنِي قُصَيٍّ قَالُوا: فِينَا الحِجَابَةُ، فَقُلْنا نَعَمْ، فَقَالُوا فِينَا النَّدْوَةُ، فَقُلْنا: نَعَمْ، ثُمَّ قَالُوا: فِينَا اللِّوَاءُ، فَقُلْنا: نَعَمْ، قَالُوا: فِينَا السِّقايَةُ، فَقُلْنا: نَعَمْ، ثُمَّ أطْعَمُوا وَأَطْعَمْنَا، حتَّى إِذَا تَحاكَّتِ الرُّكَبُ، قَالُوا: مِنَّا نَبِيٌّ، واللَّهِ لا أَفْعَلُ (١).
* * *
_________________
(١) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٢٠٧).
[ ١ / ٣١٣ ]
الهِجْرَةُ الأُولَى إِلَى الحَبَشَةِ
اسْتَمَرَّتْ قُرَيْشٌ في قَسْوَتها عَلَى المُسْلِمِينَ، وَتَفَنَّنُوا في إِيذائِهِمْ، فَلَمْ يَرْعَوا فِيهِمْ قَرابَةً، وتَخَطَّوا حُدُودَ الإِنْسانِيَّةِ، وَكَانَ اضْطِهادُهُمْ لَهُمْ يَزْدادُ ضَراوَةً يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ حَتَّى ضَاقَ بِالمُسْلِمِينَ المُقَامُ في مَكَّةَ، وأخَذُوا يُفَكِّرُونَ في حِيلَةٍ تنجِّيهِمْ مِنَ العَذابِ الألِيمِ.
وفي هَذِهِ الظُّرُوفِ الصَّعْبَةِ كَانَتْ سُورَةُ الكَهْفِ قَدْ نَزَلَتْ، وفِيها إِشَارَةٌ إِلَى الهِجْرَةِ مِنْ أَرْضِ الكُفْرِ عِنْدَ خَشْيَةِ الفِتْنَةِ، ثُمَّ نَزَلَتْ سُورَةُ الزُّمَرِ تُشِيرُ إِلَى الهِجْرَةِ أَيْضًا، وتُعْلِنُ بِأنَّ أرْضَ اللَّهِ لَيْسَتْ ضَيِّقَةً ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (١).
وَكَانَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- قَدْ عَلِمَ أَنَّ أصْحَمَةَ النَّجاشِيَّ مَلِكَ الحَبَشَةِ مَلِكٌ عادِلٌ، لا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ أبَدًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَصحابِهِ، وقَدْ رَأَى ما يَنْزِلُ بِهِمْ مِنَ البَلَاءِ، وما يُصِيبُهُمْ مِنَ القَهْرِ والأَذَى، وهُوَ لا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِمَّا هُمْ فِيهِ، قَالَ لَهُمْ: "لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ، فإنَّ بِهَا مَلِكًا لا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا مِمَّا أَنْتُمْ فِيهِ" (٢).
_________________
(١) سورة الزمر آية (١٠). وانظر الرحيق المختوم ص ٩٢.
(٢) أخرج هذا الحديث ابن هشام في السيرة (١/ ٣٥٨) بدون سند - والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٠١) - وأورده الألباني في السلسلة الصحيحة - رقم الحديث (٣١٩٠) وجود إسناده.
[ ١ / ٣١٤ ]
قَالَ الشَّيْخُ عَلِي الطَّنْطاوِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ودَعاهُمُ الرَّسُولُ -ﷺ- إِلَى مَا هُوَ أشَدُّ مِنْ هَذَا كُلِّهِ، إِلَى فِراقِ الوَطَنِ، وتَركِ الأَهْلِ، وَأَنْ يَمْشُوا فِرارًا بِدِينِهِمْ إِلَى بِلادٍ لَيْسُوا مِنْهَا، ولَيْسَتْ مِنْهُمْ، ولا لِسَانها لِسانُهُمْ، ولا دِينُها دِينُهُمْ، إِلَى الحَبَشَةِ، فَخَرَجُوا مِنْ مَنازِلهِمْ وهَجَرُوا أهْلِيهِمْ، ومَشَوْا إِلَى الحَبَشَةِ، فَلَحِقَهُمْ أَذَى قُرَيْشٍ إلى الحَبَشَةِ، وأَوْغَلَتْ قُرَيْشٌ في كُفْرِها وصَدِّها وعِنادِها، ولَكِنْ هَلْ تَقْدِرُ قُرَيْشٌ أَنْ تُطْفِئَ نُورَ اللَّهِ تَعَالَى؟ (١).
* عَدَدُ المُهاجِرِينَ إِلَى الحَبَشَةِ:
فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ جَماعَةٌ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ مَخَافَةَ الفِتْنَةِ، وفرارًا إِلَى اللَّهِ بِدِينِهِمْ، فَكَانَتْ أَوَّلُ هِجْرَةٍ في الإِسْلامِ، وَذَلِكَ في رَجَبٍ مِنَ السَّنَةِ الخَامِسَةِ لِلْبِعْثَةِ، وَكَانُوا أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وأرْبَعَ نِسْوَةٍ (٢).
وأَوَّلُ مَنْ خَرَجَ إِلَى الحَبَشَةِ هُوَ عُثْمانُ بنُ عَفَّانَ -﵁-، ومَعَهُ زَوْجُهُ رُقَيَّةُ بِنْتُ الرَّسُولِ -ﷺ-.
رَوَى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمنِ بنِ إسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعْدٌ قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: "إنَّهُما -أَيْ عُثْمانُ وَرُقَيَّةُ- لَأَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ بَعْدَ لُوطٍ وإبْراهِيمَ ﵉" (٣).
_________________
(١) انظر كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ١٤.
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى (١/ ٩٨) - زاد المعاد (٣/ ٢٦) - البداية والنهاية (٣/ ٧٤) - وفتح الباري (٧/ ٥٨٤).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة ﵃ - باب ذكر أوَّل =
[ ١ / ٣١٥ ]
أَمَّا البَاقُونَ مِنَ الرِّجَالِ، وهُمُ العَشَرَةُ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ -﵁- الحَادِيَ عَشَرَ: أَبُو حُذَيْفَةَ بنُ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، والزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ، ومُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ، وعَبْدُ الرَّحمَنِ بنُ عَوْفٍ، وأَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الأسَدِ، وعُثْمانُ بنُ مَظْعُونٍ، وعامِرُ بنُ رَبِيعَةَ، وأَبُو سَبْرَةَ بنُ أَبِي رُهْمٍ، وسُهَيْلُ بنُ بَيْضاءَ، وَأَبُو حاطِبُ بنُ عَمْرٍو.
وَأَمَّا النِّسْوَةُ الثَّلَاثُ ورابِعَتُهُنَّ رُقَيَّةُ بنتُ الرَّسُولِ -ﷺ- كمَا ذَكَرْتُ آنفًا فَهُنَّ: سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو زَوْجَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ بنِ عُتْبَةَ، وَوَلَدَتْ بِالحَبَشَةِ ابْنَها مُحَمَّدَ بنَ أَبِي حُذَيْفَةَ، وأُمُّ سَلَمَةَ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ زَوْجَةُ أَبِي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الأسَدِ، وَوَلَدَتْ بِالحَبَشَةِ ابْنَتَها زَيْنَبَ بِنْتَ أَبِي سَلَمَةَ، ولَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ زَوْجَةُ عامِرِ بنِ رَبِيعَةَ، فَهَؤُلاءُ أوَّلُ مَنْ خَرَجَ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَى الحَبَشَةِ، وَكَانَ أَمِيرًا عَلَيْهِمْ عُثْمانُ بنُ مَظْعُونٍ ﵁ (١).
وَكَانَ رَحِيلُهُمْ ﵃ تَسَلُّلًا في الخَفَاءَ، وَقَدْ خَرَجُوا مُتَّجِهِينَ إِلَى البَحْرِ، مِنْهُمُ الرَّاكِبُ والمَاشِي، ووَفَّقَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْمُسْلِمِينَ سَاعَةَ جاؤُوا سَفِينَتَيْنِ لِلتِّجَارَةِ حَمَلُوهُمْ فِيهِمَا إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ بِنِصْفِ دِينَارٍ، وفَطِنَتْ لَهُمْ قُرَيْشٌ، فَخَرَجَتْ فِي آثَارِهِمْ، لَكِنْ عِنْدَمَا بَلَغَتْ قُرَيْشٌ السَّاحِلَ كَانَ
_________________
(١) = من هاجر بعدَ لُوط وإبراهيم ﵉ - رقم الحديث (٦٩٣٣) - وأورده الحافظ في الإصابة (٨/ ١٣٨) ونسبه إلى ابن منده، وقال: إسناده واهٍ - وانظر السلسلة الضعيفة للألباني - رقم الحديث (٤٤٦٤).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٥٩ - ٣٦٠) - فتح الباري (٧/ ٥٨٤) - الطبَّقات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٩٨).
[ ١ / ٣١٦ ]
المُسْلِمُونَ قَدِ انْطَلَقُوا آمِنِينَ (١).
وأقامَ المُسْلِمُونَ في الحَبَشَةِ بِخَيْرِ دارٍ عِنْدَ خَيْرِ جارٍ بَقِيَّةَ رَجَبٍ، وشَعْبَانَ إِلَى رَمَضَانَ، ثُمَّ عادُوا إِلَى مَكَّةَ (٢) -كَمَا سَيَأْتِي-.
* سُجُودُ كُفَّارِ قُرَيْشٍ:
في رَمَضانَ مِنَ السَّنَةِ الخامِسَةِ لِلْبِعْثَةِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الحَرَمِ، وَكَانَ هُنَاكَ جَمْعٌ كَبِيرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، كَانَ فِيهِ سَادَاتُها وكُبَرَاؤُهَا، فَأخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَتْلُو سُورَةَ النَّجْمِ، حَتَّى إِذَا بَلَغَ السَّجْدَةَ سَجَدَ، وسَجَدَ مَعَهُ القَوْمُ جَمِيعًا، المُسْلِمُونَ والمُشْرِكُونَ، إِلَّا رَجُلَانِ، هُما: أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، والمُطَّلِبُ بنُ أَبِي وَدَاعَةَ.
رَوى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِما عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: أوَّلَ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيها سَجْدَةٌ "والنَّجْمِ"، قَالَ: فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَسَجَدَ مَنْ خَلْفَهُ، إِلَّا رَجُلًا رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ تُرَابٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ، فرَأَيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كَافِرًا، وهُوَ أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ (٣).
ورَوَى الإِمَامُ أحمَدُ في مُسْنَدِهِ والحاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عنِ المُطَّلِبِ بنِ أَبِي وَداعَةَ -﵁- قَالَ: رَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- سَجَدَ في النَّجْمِ، وسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ،
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٩٨) - زاد المعاد (٣/ ٢١).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٩٩).
(٣) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ - رقم الحديث (٤٨٦٣) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب المساجد - باب سجود التلاوة - رقم الحديث (٥٧٦).
[ ١ / ٣١٧ ]
ولَمْ أسْجُذ مَعَهُمْ -وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ- فَلا أدَعُ السُّجُودَ فِيهَا أبَدًا (١).
قَالَ الإِمَامُ السِّنْدِيُّ في شَرحِ المُسْنَدِ: قَوْله -﵁-: فَلا أَدَعُ السُّجُودَ فِيهَا أبَدًا: تَقْرِيعٌ عَلَى فَوْتهِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، أيْ حَيْثُ فاتَنِي في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَكَيْفَ أتْرُكُ بَعْدَهُ، بلْ ألْتَزِمُ بَعْدُ جَبْرًا لِمَا فَاتَ (٢).
* قِصَّةُ الغَرانِيقِ (٣):
ذَكَرَ بَعْضُ المُؤَرِّخِينَ قِصَّةً باطِلَةً مُخْتَلَقَةً تُعْرَفُ بِاسْمِ "قِصَّةِ الغَرَانِيقِ"، وهِيَ قِصَّةٌ افْتَرَاهَا بَعْضُ الزَّنادِقَةِ، وزَعَمُوا فِيهَا أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- تَقَرَّبَ إِلَى المُشْرِكِينَ بِمَدْحِ أصْنَامِهِمْ، وأنَّهُ قَالَ عَنْها بَعْدَ أَنْ تَلا قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾ (٤) قَالَ: "تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى"، وزَعَمُوا أَنَّ المُشْرِكِينَ أعْلَنُوا رِضَاهُمْ عَمَّا تَلا النَّبِيُّ -ﷺ- فَسَجَدُوا مَعَهُ حِينَ سَجَدَ (٥).
واسْتِنادًا إِلَى القُرْآنِ والسُّنَّةِ فَإِنَّ القِصَّةَ باطِلَةٌ ومَوْضُوعَةٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٤٦٤) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر المطلب بن أبي وَداعة -﵁- رقم الحديث (٦٧٢٢) - وأورده الحافظ في الإصابة (٦/ ١٠٤) - وصحح إسناده.
(٢) انظر شرح السندي لمسند الإمام أحمد (٨/ ٣٢٣).
(٣) الغَرَانِيقُ: هاهُنَا الأصنَامُ، وهي في الأصلِ الذُّكُورُ منْ طُيُورِ الماءِ، واحدها: غُرنُوقٌ سُمِّي به لِبَيَاضِهِ. انظر النهاية (٣/ ٣٢٧).
(٤) سورة النجم آية (١٩ - ٢٠).
(٥) انظر الطبَّقَات الكُبْرى (١/ ٩٩).
[ ١ / ٣١٨ ]
﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ﴾ (١)، وَقَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ (٢).
وصَحَّ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمْ يَتَقَرَّبْ لِصَنَمٍ قَطُّ حتَّى أكْرَمَهُ اللَّه بِالنُّبُوَّةِ، وأنَّهُ ما هَمَّ بِعَمَلٍ مِنْ أعْمَالِ الجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ النُّبُوَّةِ إِلَّا عَصَمَهُ اللَّه تَعَالَى -كمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ-، فكَيْفَ يَكُونُ في الإِسْلامِ؟ .
* أقْوالُ العُلَمَاءِ في بُطْلانِ هَذِهِ القِصَّةِ:
وَقَدْ طَعَنَ في صِحَّةِ القِصَّةِ جَمْعٌ مِنَ العُلَمَاءِ:
قَالَ القاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ هَذِهِ القِصَّةَ لَمْ يُخْرِجْها أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الصِّحَّةِ، ولا رَوَاهَا ثِقَةٌ بِسَنَدٍ سَلِيمٍ مُتَّصِلٍ، وإنَّمَا أُولِعَ بِهَا، وبِمِثْلِها المُفَسِّرُونَ والمُؤَرِّخُونَ المُولَعُونَ بِكُلِّ غَرِيبٍ، المُتَلَقِّفُونَ مِنَ الصُّحُفِ كُلَّ صَحِيحٍ وسَقِيمٍ، ومَنْ حُكِيَتْ هَذِهِ الحِكَايَةُ عَنْهُ مِنَ المُفَسِّرِينَ والتَّابِعِينَ لَمْ يُسْنِدْها أَحَدٌ مِنْهُمْ، ولا رَفَعَها إِلَى صَاحِبٍ، وأَكْثَرُ الطُّرُقِ عَنْهُمْ فِيهَا ضَعِيفَةٌ واهِيَةٌ (٣).
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا ما يَروِيهِ الإِخْبَارِيُّونَ والمُفَسِّرُونَ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ ما جرَى عَلَى لِسانِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الثَّناءِ عَلَى
_________________
(١) سورة الحاقة آية (٤٤ - ٤٦)، والوَتينُ هو: العِرقُ الذي القَلْبُ مُعَلَّقٌ فِيهِ. انظر تفسير ابن كثير (٨/ ٢١٨).
(٢) سورة النجم آية (٣ - ٤).
(٣) انظر كتاب الشِّفا بتعريف حقوق المصطفى (٢/ ١٣٢ - ١٣٣) للقاضي عياض.
[ ١ / ٣١٩ ]
آلِهَةِ المُشْرِكِينَ في سُورَةِ النَّجْمِ فَباطِلٌ لا يَصِحُّ فِيهِ شَيْءٌ، لا مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ، وَلَا مِنْ جِهَةِ العَقْلِ؛ لِأَنَّ مَدْحَ إِلَهٍ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى كُفْرٌ، ولا يَصِحُّ نِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلا أَنْ يَقُولَهُ الشَّيْطانُ عَلَى لِسَانِهِ، ولا يَصِحُّ تَسْلِيطُ الشَّيْطانِ عَلَى ذَلِكَ، واللَّهُ أعْلَمُ (١).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ ذَكَرَ كَثِيرٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ هاهُنا قِصَّةَ الغَرَانِيقِ، وَمَا كَانَ مِنْ رُجُوعِ كَثِيرٍ مِنَ المُهَاجِرَةِ مِنْ أَرْضِ الحَبَشَةِ، ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّ مُشْرِكِي قُرَيْشٍ قَدْ أَسْلَمُوا، وَلَكِنَّهَا مِنْ طُرُقٍ كُلّها مُرْسَلَةٌ، ولَمْ أرَهَا مُسْنَدَةً مِنْ وَجْهٍ صحِيحٍ، واللَّهُ أعْلَمُ (٢).
وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يَزْعُمُ بَعْضُ المُغَفَّلِينَ أَنَّهُ وَقَعَتْ هُدْنَةٌ حَقًّا بَيْنَ الإِسْلامِ والوَثَنِيَّةِ أساسُها أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تَقَرَّبَ إِلَى المُشْرِكينَ بِمَدْحِ أصْنَامِهِمْ، والاعْتِرافِ بِمَنْزِلَتِهَا! وَأَنَّ هَذِهِ الهُدْنَةَ الوَاقِعَةَ هِيَ التِي أعَادَتِ المُسْلِمِينَ مِنَ الحَبَشَةِ. . .
ومَاذَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَدْحِ الأَصْنَامِ؟ يُجِيبُ هَؤُلاءَ المُغَفَّلُونَ بِأنَّهُ قَالَ: تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلَا. وَإِنَّ شَفاعَتَهُنَّ لتُرْتَجَى؟
وأيْنَ وَضَعَ هَذِهِ الكَلِماتِ؟ وَضَعَها في سُورَةِ (النَّجْمِ) مُقْحَمَةٌ وَسَطَ الآياتِ التِي جَاءَ فِيهَا ذِكْرُ هَذِهِ الأصْنَامِ.
_________________
(١) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٥/ ٦٤).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٥/ ٤٤١).
[ ١ / ٣٢٠ ]
فَأَصْبَحَتْ هَكَذا: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ. . .﴾.
ويَكُونُ مَعْنَى الكَلامِ عَلَى هَذَا: خَبِّرُوني عَنْ أصنامِكُمْ أهِيَ كَذَا كَذَا؟ إِنَّ شَفاعَتَها مَرجُوَّةٌ، إِنَّها أسْمَاءٌ لا حَقَائِقَ لَها. إنَّها خُرافاتٌ ابْتُدِعَتْ واتُّبِعَتْ. ما لَكُمْ جَعَلْتُمُوهَا إِنَاثًا ونَسَبْتُمُوها للَّهِ تَعَالَى، وأَنْتُمْ تَكْرَهُونَ نِسْبَةَ الإنَاثِ لَكُمْ؟ تِلْكَ قِسْمَةٌ جائِرَةٌ!
فَهَلْ هَذَا كَلامٌ يصْدُرُ عَنْ عاقِلٍ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَنْزِلَ به وَحْيٌ حَكِيمٌ؟ ولَكِنْ هَذَا السُّخْفُ وُجِدَ مَنْ يَكْتبُهُ ويَنْقُلُهُ.
إِنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- لَوْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ بِاخْتِلاقِ كَلامٍ عَلَيْهِ لقطِعَ عُنقهُ بِنَصِّ الكِتَابِ الذِي جَاءَ بِهِ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (١).
والذِي في الصَّحِيحِ أَنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- قَرَأَ سُورَةَ (النَّجْمِ) في مَحْفَلٍ يَضُمُّ مُسْلِمِينَ ومُشْرِكِينَ، وخَواتِيمُ هَذِهِ السُّورَةِ -أيْ سُورَةِ النَّجْمِ- قَوَارعُ تَطِيرُ لَها القُلُوبُ، فَلَمَّا أخَذَ صَوْتُ الرَّسُولِ -ﷺ- يَهْدُرُ بِهَا، ويَرْعُدُ بِنَذْرِها حَتَّى وَصَلَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥)
_________________
(١) سورة الحاقة آية (٤٤ - ٤٧).
[ ١ / ٣٢١ ]
هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (١)، كَانَتْ رَوْعَةُ الحَقِّ قَدْ صَدَّعَتِ العِنادَ في نُفُوسِ المُسْتَكْبِرِينَ والمُسْتَهْزِئِينَ، فَمَا تَمالَكُوا أَنْ يَخِرُّوا للَّهِ سَاجِدِينَ، مَعَ غَيْرِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ. . . (٢).
* لِمَاذَا سَجَدَ الكُفَّارُ إذًا؟
والصَّحِيحُ أَنَّ هَؤُلاءِ الكُفَّارَ إنَّمَا سَجَدُوا لِبَلاغَةِ القُرْآنِ الكَرِيمِ، وأنَّهُمْ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ يَسْمَعُونَ القُرآنَ مِنْ غَيْرِ تَشْوِيشٍ.
قَالَ الشَّيْخُ صَفِيُّ الرَّحْمَنِ المُبارَكْفُورِيُّ: إِنَّ أُولَئِكَ الكُفَّارَ لَمْ يَكُوُنوا سَمِعُوا كَلامَ اللَّهِ قَبْلَ ذَلِكَ، لِأَنَّ أسْلُوبَهُمْ المُتَواصِلَ كَانَ هُوَ العَمَلُ بِما تَواصَى بِهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، مِنْ قَوْلهِمْ: ﴿لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٣) فَلَمَّا باغَتَهُمْ بِتِلاوَةِ هَذِهِ السُّورَةِ -أيِ النَّجْمِ- وَقَرَعَ آذانَهُمْ كَلامٌ إلَهِيٌّ رائِعٌ خَلَّابٌ لا يُحَاطُ بِرَوْعَتِهِ وجَلالَتِهِ البَيَانِ، تَفانَوْا عَمَّا هُمْ فِيهِ، وبَقِيَ كُلُّ واحِدٍ مُصْغِيًا إِلَيْهِ، لا يَخْطُرُ بِبالِهِ شَيْءٌ سِواهُ، حَتَّى إِذَا تَلا خَواتِيمَ هَذهِ السُّورَةِ قَوارعَ تَطِيرُ لَها القُلُوبُ: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)
_________________
(١) سورة النجم آية (٥٣ - ٦١).
(٢) انظر فقه السيرة ص (١١١ - ١١٢).
(٣) سورة فصلت آية (٢٦).
[ ١ / ٣٢٢ ]
فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكَ تَتَمَارَى (٥٥) هَذَا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ ثم قرأ ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ (١).
ثُمَّ سَجَدَ، لَمْ يَتَمالَكْ أَحَدٌ نَفْسَهُ حَتَّى خَرَّ ساجِدًا، وفِي الحَقِيقَةِ كَانَتْ رَوْعَةُ الحَقِّ قَدْ صَدَّعَتِ العِنادَ في نُفُوسِ المُسْتَكْبِرِينَ والمُسْتَهْزِئِينَ، فَمَا تَمَالَكُوا إِلَّا أَنْ يَخِرُّوا للَّهِ ساجِدِينَ.
وسُقِطَ في أيْدِيهِمْ لَمَّا أحَسُّوا أَنَّ جَلالَ كَلامِ اللَّهِ لَوَى زِمامَهُمْ، فارْتَكَبُوا عَيْنَ ما كَانُوا يَبذُلُونَ قُصَارَى جُهْدِهِمْ في مَحوِهِ وإفْنائِهِ، وَقَدْ تَوالَى عَلَيْهِمُ اللَّوْمُ والعِتابُ مِنْ كُلِّ جانِبٍ، مِمَّنْ لَمْ يَحضُرْ هَذَا المَشْهَدَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وعِنْدَ ذَلِكَ كَذَبُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وافتروْا عَلَيْهِ أَنَّهُ عَطَفَ عَلَى أصنامِهِمْ بِكَلِمَةِ تَقْدِيرٍ، وأنَّهُ قَالَ عَنْها: "تِلْكَ الغَرانِيقُ العُلَى، وَإِنَّ شَفاعَتَهُمْ لَتُرْتَجَى" جاؤُوا بِهَذا الإِفْكِ المُبِينِ، لِيَعْتَذِرُوا عَنْ سُجُودِهِمْ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، ولَيْسَ يُسْتَغْرَبُ هَذَا مِنْ قَوْمٍ كَانُوا يَألَفُونَ الكَذِبَ، ويُطِيلُونَ الدَّسَّ والِافْتِراءَ (٢).
* قِصَصٌ كَثِيرَة تَدُلُّ عَلَى انْبِهَارِ الكُفَّارِ بِالقُرآنِ:
قُلْتُ: القِصَصُ كَثِيرَةٌ التِي تَدُلُّ عَلَى انْبِهارِ الكُفَّارِ بِالقُرآنِ الكَرِيمِ، وأنَّهُمْ
_________________
(١) سورة النجم آية (٥٣ - ٦٢).
(٢) انظر الرحيق المختوم ص ٩٣.
[ ١ / ٣٢٣ ]
لا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَقِفُوا أمَامَ بَلاغَتِهِ، فَمِنْ ذَلِكَ ما أخْرَجَهُ الإِمَامُ البُخارِيُّ في صَحِيحِهِ في قِصَّةِ إسْلامِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ -﵁- قَالَ جُبيْرٌ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- يَقْرَأُ في المَغْرِبِ بِالطُّورِ، فَلَمَّا بَلَغَ هَذهِ الآيَةَ: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لَا يُوقِنُونَ (١) (٣٦) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ﴾ كادَ قَلْبِي أَنْ يَطِيرَ (٢).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ صَعْصَعَةَ بنِ مُعاوِيَةَ عَمِّ الفَرَزْدَقِ، قَالَ: أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَقَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾، قَالَ: حَسْبِي لا أُبالِي أَنْ لا أَسْمَعَ غَيْرَها (٣).
* عَوْدَةُ مُهاجِرِي الحَبَشَةِ:
وَتَرَامَتْ هَذِهِ الأَخْبَارُ إِلى مُهَاجِرَةِ الحَبَشَةِ، ولَكِنْ في صُوَرَةٍ تَخْتَلِفُ تَمامًا عَنْ صُورَتها الحَقِيقِيَّةِ، بَلَغَهُمْ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ أسْلَمُوا، وَقَدْ سَجَدُوا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ المُهاجِرُونَ: عَشائِرُنا أحَبُّ إِلَيْنَا، فَخَرَجُوا مِنَ الحَبَشَةِ راجِعِينَ إِلَى مَكَّةَ،
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٥٨٤): ذكرَ اللَّه ﷾ العلَّة التي عاقَتْهُمْ عن الإيمانِ، وهيَ عدمُ اليَقِينَ الذِي هوَ مَوْهِبَةٌ مِنْ اللَّه تَعَالَى ولا يَحْصُلُ إلا بِتَوْفِيقِهِ.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحة - كتاب التفسير - باب سورة الطور - رقم الحديث (٤٨٥٤) وراجع ما كتبه القاضي عياض رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتابه الشفا بتعريف حقوق المصطفى - (فصل إعجازُ القُرآن) لتِرَى القِصَصَ الكثيرَةَ في انبِهارِ هؤلاءِ الكُفَّارِ بالقُرآن.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٥٩٣).
[ ١ / ٣٢٤ ]
وهَذا في شَوَّالٍ مِنَ السَّنَةِ الخامِسَةِ لِلْبِعْثَةِ، حَتَّى إِذَا كَانُوا دُونَ مَكَّةَ بِساعَةٍ تَبَيَّنَتْ لَهُمُ الحَقِيقَةُ، وعَرَفُوا أَنَّ المُشْرِكِينَ أشَدُّ ما يَكُوُنونَ خُصُومًا للَّهِ ورَسُولِهِ وللْمُسْلِمِينَ، فَهَمُّوا بالرُّجُوعِ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ، فَقَالُوا: قَدْ بَلَغْنا مَكَّةَ، فَدَخَلُوا مَكَّةَ، وَلَمْ يَدْخُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا مُسْتَخْفِيًا، أَوْ في جِوَارِ رَجُلٍ مِنْ قُريْشٍ، وَعَادَ بَعْضُهُمْ إِلَى الحَبَشَةِ (١).
* عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ -﵁- يَدْخُلُ بِجِوَارٍ:
كَانَ مِمَّنْ دَخَلَ مَكَّةَ فِي جِوارٍ عُثْمَانُ بنُ مَظْعُونٍ -﵁-، دَخَلَ في جِوَارِ الوَلِيدِ بنِ المُغِيرَة، فَلَمَّا رَأَى ما يُفْعَلُ بالمُسْلِمِينَ مِنَ الأَذَى، قَالَ: واللَّهِ إِنَّ غُدُوِّي ورَواحِي آمِنًا بِجِوارِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، وأصْحَابِي وأهْلُ دِيني يَلْقَوْنَ مِنَ البَلَاءَ وَالْأَذَى في اللَّهِ مَا لَا يُصِيبُنِي، لَنَقْصٌ كَبِيرٌ في نَفْسِي، فَمَشَى إلى الوَليدِ بنِ المُغِيرَةِ، فَقَالَ لَهُ: يَا أبَا عَبْدِ شَمْسٍ، وَفَتْ ذِمَّتُكَ، وَقَدْ رَدَدْتُ إلَيْكَ جِوارَكَ، فَقَالَ لَهُ الوَليدُ: لِمَ يا ابْنَ أخِي؟ لَعَلَّهُ آذاكَ أحدٌ مِنْ قَوْمِي، وَأَنْتَ في ذِمَّتِي؟ قَالَ: لا، ولَكِنِّي أرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ، وَلَا أُرِيدُ أَنْ أَسْتَجِيرَ بِغَيْرِهِ، فَقَالَ الوَليدُ لَهُ: فانْطَلِقْ إِلَى المَسْجِدِ، فارْدُدْ عَلَيَّ جِوارِي عَلانِيَة كَمَا أجَرتُكَ عَلانِيَةً، فانْطَلَقا حَتَّى أتَيَا المَسْجِدَ، ققالَ الوَليدُ: هَذَا عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ قَدْ جَاءَ يَرُدُّ عَلَيَّ جِوارِي، فَقَالَ عُثْمَانُ: صَدَقَ، وَقَدْ وَجدْتُهُ وَفيًّا كَرِيمَ الجِوارِ، ولَكِنِّي قَدْ أحْبَبْتُ أَلَّا أسْتَجِيرَ بِغَيْرِ
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٩٩) - البداية والنهاية (٣/ ٧٤) - زاد المعاد (٣/ ٢١) - سيرة ابن هشام (١/ ٤٠٢).
[ ١ / ٣٢٥ ]
اللَّهِ، فَقَدْ رَدَدْتُ عَلَيْهِ جِوَارَهُ، فَقَالَ الوَلِيدُ: أُشْهِدُكُمْ أنِّي بَرِيءٌ مِنْ جِوارِهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ عُثْمَانٌ، ولَبِيدُ بنُ رَبِيعَةَ في مَجْلِسٍ مِنْ قُرَيْشٍ يُنْشِدُهُمْ -قَبْلَ إسْلَامِهِ- فَجَلَسَ عُثْمَانُ مَعَهُمْ، فَقَالَ لَبِيدٌ:
أَلَا كُلُّ شَيْءٍ ما خَلا اللَّه باطِلُ . . . . . . . . . . .
فَقَالَ عُثْمَانُ: صَدَقْتَ، فَقَالَ لَبِيدٌ:
. . . . . . . . . وَكُلُّ نَعِيمٍ لا مَحالَةَ زائِلُ
قَالَ عُثْمَانُ: كَذَبْتَ، نَعِيمُ الجَنَّةِ لا يَزُولُ.
فَقَالَ لَبِيدٌ: يا مَعْشَرَ قُريْشٍ! واللَّهِ ما كَانَ يُؤْذَى جَلِيسُكُمْ، فَمَتَى حَدَثَ هَذَا فِيكُمْ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: إِنَّ هَذَا سَفِيهٌ في سُفَهاءً مَعَهُ، قَدْ فارَقُوا دِينَنا، فَلا تَجِدَنَّ في نَفْسِكَ مِنْ قَوْلِهِ، فَرَدَّ عَلَيْهِ عُثْمَانُ حَتَّى شَرِيَ (١) أَمْرُهُمَا، فَقَامَ إِلَيْهِ ذَلِكَ الرَّجُلُ فَلَطَمَ عَيْنَهُ، والوَليدُ بنُ المُغِيرَةِ قَرِيبٌ يَرَى ما بَلَغَ مِنْ عُثْمَانَ، فَقَالَ الوَلِيدُ لِعُثْمانَ: أَمَا وَاللَّهِ يا ابْنَ أخِي إِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ عَمَّا أصابَها لَغَنِيَّةٌ، لَقَدْ كُنْتَ في ذِمَّةٍ مَنِيعَةٍ، فَخَرَجْتَ مِنْهَا، وكُنْتَ عَنِ الذِي لَقِيتَ غَنِيًّا، ثُمَّ ضَحِكُوا، فَقَالَ عُثْمَانُ: بَلْ كُنْتُ إِلَى الذِي لَقِيتُ فَقِيرًّا، واللَّهِ إِنَّ عَيْنيَ الصَّحِيحَةَ التِي لَمْ تُلْطَمْ لفَقِيرَةٌ إِلَى مَا أصَابَ أُخْتَها في اللَّهِ ﷿، وَلِي فِيمَنْ هُوَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْكُمْ أُسْوَةٌ، وإِنِّي واللَّهِ لَفِي جِوارِ مَنْ هُوَ أعَزُّ مِنْكَ، وَأَقْدَرُ يا أبا عَبْدِ شَمْسٍ، فَقَالَ لَهُ
_________________
(١) شَرِيَ الأَمرُ بينهُما: أي عَظُمَ وتَفاقَمَ. انظر النهاية (٢/ ٤٢٠).
[ ١ / ٣٢٦ ]
الوَلِيدُ: إِنْ شِئْتَ أجَرتُكَ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ عُثْمَانُ: لا حاجَةَ لِي في جِوارِكَ (١).
* أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الأَسَدِ -﵁- يدخلُ مَكَّةَ في جِوارٍ:
ودَخَلَ أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ -﵁- في جِوَارِ خَالِهِ أَبِي طَالِبٍ، فَسَعَى إِلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَقَالُوا له: يا أبا طَالِبٍ، لَقَدْ مَنَعْتَ ابْنَ أخِيكَ مُحَمَّدًا، فَمَا لَكَ ولِصَاحِبِنا تَمْنَعُهُ مِنَّا؟ .
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: إنَّهُ اسْتَجارَ بِي وهُوَ ابْنُ أُخْتِي، وَإِنْ أنَا لَمْ أمْنَعْ ابْنَ أُخْتِي لَمْ أَمْنَعْ ابنَ أَخِي، فَقامَ أَبُو لَهَبٍ غاضِبًا، وَقَالَ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، واللَّهِ لَقَدْ أكْثَرتُمْ عَلَى الشَّيْخِ، ما تَزالُونَ تَتَواثَبُونَ عَلَيْهِ في جِوارِهِ مِنْ بَيْنِ قَوْمِهِ! واللَّهِ لَتَنْتَهُنَّ عَنْهُ، أَوْ لَنَقُومَنَّ مَعَهُ في كُلِّ ما قامَ فِيهِ، حَتَّى يَبْلُغَ مَا أرَادَ!
فَقَالُوا: بَلْ نَنْصَرِفُ عَمَّا تَكْرَهُ يا أبَا عُتْبَةَ، وَكَانَ أَبُو لَهَبٍ وَليًّا ومُناصِرًا لَهُمْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فأبْقَوْا عَلَى ذَلِكَ، فَلَمَّا سَمعَ أَبُو طَالِبٍ مِنْهُ ذَلِكَ طَمِعَ فِيهِ ورَجَا أَنْ يَقُومَ مَعَهُ في شَأْنِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ قَصِيدَةً يُحَرِّضُ فِيهَا أبَا لَهَبٍ عَلَى نُصرَتِهِ، ونُصرَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ:
وَإِنَّ امْرَأً أَبُو عُتَيْبَةَ عَمُّهُ لَفِي رَوْضَةٍ مَا أَنْ يُسامَ المَظَالِمَا
أَقُولُ لَهُ وَأَيْنَ مِنْهُ نَصِيحَتِي أبا مُعْتِبٍ ثَبَتْ سَوادَكَ قائِما
ولَا تَقْبَلَنَّ الدَّهْرَ مَا عِشْتَ خُطَّةً تُسَبُّ بِهَا إِمَّا هَبَطْتَ المَواسِمَا
وَوَلِّ سَبِيلَ العَجْزِ غَيْرَكَ مِنْهُمُ فَإِنَّكَ لَمْ تُخْلَقْ عَلَى العَجْزِ لازِمَا
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٤٠٧).
[ ١ / ٣٢٧ ]
وَحَارِبْ فَإِنَّ الحَرْبَ نُصْفٌ ولَنْ تَرَى أَخَا الحَرْبِ يُعْطَى الخَسْفَ حَتَّى يُسَالِمَا
وكَيْفَ وَلَمْ يَجْنُوا عَلَيْكَ عَظِيمَةً وَلَمْ يَخْذُلُوكَ غانِمًا أَوْ مُغارِمَا
جَزَى اللَّهُ عَنَّا عَبْدَ شَمْسٍ ونَوْفَلًا وَتَيْمًا ومَخْزُومًا عُقُوقًا ومَأْثَما
بِتَفْرِيقِهِمْ مِنْ بَعْدِ وُدٍّ وَأُلْفَةٍ جَمَاعَتَنا كَيْمَا يَنالُوا المَحَارِمَا
كَذَبْتُمْ وبَيْتِ اللَّهِ نُبْزِي مُحَمَّدًا ولَمَّا تَرَوْا يَوْمًا لَدَى الشِّعْبِ قائِمَا (١)
ولَكِنَّ أبَا لَهَبٍ لَمْ يَسْتَجِبْ لِأَخِيهِ أَبِي طَالِبٍ في نُصْرَةِ الرَّسُولِ -ﷺ-، وسَارَ في رَكْبِ قُرَيْشٍ.
* وَهْمُ ابنِ سَعْدٍ في أَنَّ ابنَ مَسْعُودٍ -﵁- رَجَعَ إِلَى الحَبَشَةِ:
قُلْتُ: ذَكَرَ ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ (٢): أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ مَسْعُودٍ -﵁- لَمْ يَدْخُلْ مَكَّةَ، وأنَّهُ رَجَعَ إِلَى الحَبَشَةِ حتَّى قَدِمَ في المَرَّةِ الثَّانِيَةِ إِلَى المَدِينَةِ مَعَ مَنْ قَدِمَ.
وتَعَقَّبَهُ ابنُ القَيِّمِ فَقَالَ: وَرُدَّ هذا بِأنَّ ابنَ مَسْعُودٍ شَهِدَ -﵁- بَدرًا، وأجْهَزَ عَلَى أَبِي جَهْلٍ، وأصْحَابُ هَذِهِ الهِجْرَةِ إنَّمَا قَدِمُوا المَدِينَةَ مَعَ جَعْفَرِ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- وأَصْحَابِهِ بَعْدَ بَدْرٍ بأرْبَعِ سِنِينَ أَوْ خَمْسٍ.
فَإنْ قِيلَ: بَلْ هَذَا الذِي ذَكَرَهُ ابنُ سَعْدٍ يُوافِقُ قَوْلَ زَيْدِ بنِ أرْقَمَ -﵁-: كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلاةِ، يُكَلِّمُ الرَّجُلُ صَاحِبَهُ، وهُوَ إِلَى جَنْبِهِ في الصَّلاةِ حتَّى
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٤٠٩).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى (١/ ٩٩).
[ ١ / ٣٢٨ ]
نَزَلَتْ، ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ (١) فأُمِرْنَا بِالسُّكُوتِ، وَنُهِينَا عَنِ الكَلَامِ (٢).
وزَيْدُ بنُ أَرْقَمٍ -﵁- (٣) مِنَ الأنْصَارِ، والسُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ، وحِينَئِذٍ فابْنُ مَسْعُودٍ -﵁- سَلَّمَ عَلَيْهِ لَمَّا قَدِمَ وهُوَ في الصَّلاةِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى سَلَّمَ، وأعْلَمَهُ بِتَحْرِيمِ الكَلَامِ، فاتَّفَقَ حَدِيثُهُ وحَدِيثُ زَيْدِ بنِ أرْقَمٍ.
ونَقُولُ: يُبْطِلُ هَذَا شُهُودُ ابنِ مَسْعُودٍ -﵁-، بَدْرًا، وأَهْلُ الهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ إنَّمَا قَدِمُوا عامَ خَيْبَرَ مَعَ جَعْفَرٍ -﵁- وأَصْحَابِهِ، ولَوْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ -﵁- مِمَّنْ قَدِمَ قَبْلَ بَدْرٍ، لَكانَ لِقُدُومِهِ ذِكْرٌ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ قُدُومَ مُهاجِرِي الحَبَشَةِ إِلَّا في القَدْمَةِ الأُولَى بِمَكَّةَ، والثَّانِيَةُ عامَ خَيْبَرٍ مَعَ جَعْفَرٍ -﵁-، فَمَتَى قَدِمَ ابنُ مَسْعُودٍ -﵁- في غَيْرِ هاتَيْنِ المَرَّتَيْنِ، وَمَعَ مَنْ؟ .
_________________
(١) سورة البقرة آية (٢٣٨).
(٢) أخرجَ هذا الحديثَ الإِمَامُ البخارِيُّ في صحيحه - كتاب العمل بالصلاة - باب ما يُنْهى منَ الكلام في الصلاة - رقم الحديث (١٢٠٠) - وأخرجه في كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ - رقم الحديث (٤٥٣٤) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب المَساجد ومواضع الصلاة - باب تحريم الكلام في الصلاة - رقم الحديث (٥٣٩).
(٣) هو زيدُ بن أرْقَمٍ الخَزْرَجِيُّ الأنصَاريُّ، استُصْغِرَ يومَ أُحُدٍ، وأَوَّلُ مشاهِدِهِ الخَنْدَقُ، وقِيلَ المُرَيْسِيعُ، وغزَا معَ النَّبِيِّ -ﷺ- سبعَ عشْرَةَ غَزْوَة ثَبتَ ذلكَ في الصّحيح، وله قِصَّةٌ مشهُورةٌ في نزول سُورة المُنَافِقِينَ، وهوَ الذي سَمعَ عبدَ اللَّه بنَ أبَيِّ بنِ سَلُولَ يقُول: ليُخرِجَنَّ الأعَزُّ منها الأذَلَّ، فأخبر رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فسَأل رسُولُ اللَّه -ﷺ- ابنَ سَلُولٍ فأنْكَرَ، فأنزل اللَّه تَعَالَى تصديقَ زَيْدٍ -﵁-، ثبتَ ذلك في الصَّحيحين، وفيه قال -ﷺ-: "إِنَّ اللَّه قدْ صَدَّقَكَ يا زَيْدُ"، ماتَ -﵁- بالكوفة أيامَ المُخْتار سنة ست وستين وقيل سنة ثمان وستين. انظر الإصابة (٢/ ٤٨٧).
[ ١ / ٣٢٩ ]
وبِنَحْوِ الذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ ابنُ إسْحَاقَ، قَالَ: وبَلَغَ أصْحَابَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- الذِينَ خَرَجُوا إِلَى الحَبَشَةِ إِسْلامُ أَهْلِ مَكَّةَ، فأقْبَلُوا لَمَّا بَلَغَهُمْ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى إِذَا دَنَوْا مِنْ مَكَّةَ، بَلَغَهُمْ أَنَّ إسْلامَ أَهْلِ مَكَّةَ كَانَ باطِلًا، فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بِجِوارٍ، أَوْ مُسْتَخْفِيًا، فَكَانَ مِمَّنْ قَدِمَ مِنْهُمْ، فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ، فَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا فَذَكَرَ مِنْهُمْ: عَبْدَ اللَّهِ بنَ مَسْعُودٍ -﵁- (١).
فَإِنْ قِيلَ: فَمَا تَصْنَعُونَ بِحَدِيثِ زَيْدِ بنِ أرْقَمٍ -﵁-؟
قِيلَ: قَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِجَوابَيْنِ، أحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْهُ قَدْ ثَبَتَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ أُذِنَ فِيهِ بِالمَدِينَةِ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْهُ.
والثَّانِي: أَنَّ زَيْدَ بنَ أرْقَمٍ -﵁- كَانَ مِنْ صِغارِ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ يَتَكَلَّمُونَ في الصَّلَاةِ عَلَى عَادَتِهِمْ، وَلَمْ يَبْلُغْهُمُ النَّهْيُ، فَلَمَّا بَلَغُهُمْ انْتَهَوْا، وزَيْدٌ لَمْ يُخْبِرْ عَنْ جَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ بأنَّهُمْ كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ في الصَّلَاةِ إِلَى حِينِ نُزُولِ هَذِهِ الآيَةِ، ولَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ لَكانَ وَهْمًا مِنْهُ (٢).
* مُفاوَضَاتُ قُرَيْشٍ مَعَ أَبِي طَالِبٍ في أَمْرِ النَّبِيِّ -ﷺ-:
أيْقَنَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ بَطْشَهَا بِالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَنَيْلَهَا مِنْ غَيْرِهِمْ،
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٤٠٢).
(٢) انظر زاد المعاد (٣/ ٢٢ - ٢٣).
[ ١ / ٣٣٠ ]
لَمْ يَصْرِفِ النَّاسَ عَنِ الاسْتِجابَةِ لِدَعْوَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّ طُرُقَ الِاسْتِهْزاءِ أَوْ تَشْوِيهِ مَعالِمِ الدِّينِ لَمْ تُفْلحْ في الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، فَلَجَأَتْ قُرَيْشٌ إِلَى أسْلُوبِ المُفاوَضَاتِ مَرَّةً أُخْرَى (١).
فَذَهَبُوا إِلَى أَبِي طَالِبٍ مَرَّةً أُخْرَى، فَقَالُوا لَهُ: يَا أبَا طَالِبٍ، إِنَّ لَكَ سِنًّا وشَرَفًا ومَنْزِلَةً فِينَا، وإِنَّ ابْنَ أخِيكَ يُؤْذِينَا في نَادِينَا وفِي مَجْلِسِنَا، وإنَّا قَدِ اسْتَنْهَيْناكَ مِنِ ابْنِ أخِيكَ فَلَمْ تَنْهَهُ عَنَّا، وَإنَّا واللَّه لا نَصبِرُ عَلَى هَذَا مِنْ شَتْمِ آبائِنا، وتَسْفِيهِ أحْلامِنا (٢) وعَيْبِ آلِهَتِنا، حَتَّى تَكُفَّهُ عَنَّا، أَوْ ننازِلَهُ وإيَّاكَ في ذَلِكَ حَتَّى يَهْلِكَ أحَدُ الفَرِيقَيْنِ.
فَعَظُمَ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فِراقُ قَوْمِهِ وعَداوَتُهُمْ، وَلَمْ يَطِبْ نَفْسًا بِإِسْلَامِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَلَا خُذْلانِهِ، فَبَعَثَ عَقِيلًا (٣) ابْنَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا جَاءَ
_________________
(١) لا تذكرُ المصادر التاريخية زمَنَ هاتَيْنِ الوِفادَتَيْن -أقصدُ الوِفادَةَ الثانِيَةَ، وهي طلبَ قُرَيْشٍ مِنْ أبي طالبٍ تَسْليمَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وستأتي في الفِقْرَةِ التاليةِ- لكنْ يَبْدُو بعدَ التأمُّل في القرائن والشَّواهد أنهما كانَتَا في أواسطِ السنَةِ السَّادسَةِ منَ النبوَّة. انظر الرحيق المختوم ص ٩٨.
(٢) سَفَّهَ أحلامَنا: أي اسْتَخَفَّ بعُقُولِنَا، وأولُو الأحْلامِ: أي ذَوُوا الألبابِ، والعُقُولِ. انظر النهاية (١/ ٤١٦).
(٣) هو عَقِيلُ بنُ أبي طَالبٍ، ابنُ عمِّ النبي -ﷺ-، وكان عَقِيلٌ ممَّنْ خرجَ معَ المُشْرِكينَ إلى بَدْرٍ مُكْرهًا، فأُسِرَ يومئذٍ وكان لا مالَ لَهُ، فَفداهُ عمُّهُ العَبَّاسُ -﵁-. ثم أتى عَقِيل مُسْلِمًا قبلَ الحُدَيْبِيَةِ، وهاجرَ إلى النبيِّ -ﷺ- سنةَ ثمانٍ منَ الهجرةِ، وشهِدَ غزوَةَ مُؤْتَةَ. قال الحافظ في الإصابة (٤/ ٤٣٨): ولمْ يُسْمَعْ لَهُ بذِكْرٍ في غزوَةِ الفتْحِ ولا حُنَيْنٍ كأنَّه كان مَرِيضًا، أشارَ إلى ذلكَ ابنُ سعد في طبقاته (٤/ ٣٤١)، لكنْ روى الزُّبير بن بَكَّار بسندهِ =
[ ١ / ٣٣١ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لَهُ: يا ابْنَ أخِي، إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جاؤُوني، فزَعَمُوا أنَّكَ تُؤْذِيهِمْ في نادِيهِمْ، وفِي مَجْلِسِهِمْ فَانْتَهِ عَنْ ذَلِكَ، وأَبْقِ عَلَيَّ، وَعَلَى نَفْسِكَ، وَلَا تُحَمِّلْنِي مِنَ الأَمْرِ ما لا أُطِيقُ.
فَحَلَّقَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِبَصَرِهِ إِلَى السَّماءِ، فَقَالَ: "تَرَوْنَ هَذِهِ الشَّمْسَ؟ ".
قَالُوا: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "ما أنَا بِأَقْدَرَ عَلَى أَنْ أدَعَ ذَلِكَ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ تُشْعِلُوا مِنْهَا شُعْلَةً".
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: واللَّهِ، ما كَذَبَ ابْنُ أخِي قَطُّ، فَارْجِعُوا (٢)
ثُمَّ أطْلَقَ أَبُو طَالبٍ أبْيَاتَهُ المَشْهُورَةَ في نُصْرَةِ الرَّسُولِ -ﷺ-، فَقاَل:
واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إلَيْكَ بَجَمْعِهِمْ حَتَّى أُوَسَّدَ في التُّرابِ دَفِينَا
فامْضِي لِأَمْرِكَ ما عَلَيْكَ غَضَاضَةً (٣) أَبْشِرْ وَقَرَّ بِذاكَ مِنْكَ عُيُونَا
_________________
(١) = إلى الحسنِ بنِ عليّ: أن عَقِيلًا كان ممَّن ثبتَ يومَ حُنَيْنٍ، وكان -﵁- عالِمًا بأنسابِ قُرَيْشٍ ومآثِرِها ومَثَالِبهَا. وفي تاريخ البخاري الأصغر بسندٍ صحيحٍ أَنَّ عَقِيلًا ماتَ في أوَّل خلافةِ يَزِيد قبل الحَّرة. انظر الإصابة (٤/ ٤٣٨).
(٢) حلّقَ بِبَصرِهِ إلى السَّماء: رفَعَهُ. انظر النهاية (١/ ٤٠٩).
(٣) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة ﵃ - باب ذكر عقيل بن أبي طالب -﵁- رقم الحديث (٦٥٢٦) - وإسناده حسن - وانظر السلسلة الصحيحة للألباني ﵀ - رقم الحديث (٩٢).
(٤) ما عليك غضاضة: أي ذل. انظر لسان العرب (١٠/ ٨٢).
[ ١ / ٣٣٢ ]
وَدَعَوْتَنِي وَعَلِمْتُ أنَّكَ نَاصِحِي فَلَقَدْ صَدَقْتَ وكُنْتَ قِدَمَ أَمِينَا
وَعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّهُ مِنْ خَيْرِ أدْيَانِ البَرِيَّةِ دِينَا
لَوْلا المَلَامَةُ أَوْ حَذَارِي سُبَّةً لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذاكَ أَمِينَا (١)
* رِوايَةٌ مَشْهُورَةٌ ضَعِيفَةٌ:
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ المَشْهُورَةُ، وهِيَ قَوْلُ الرَّسُولِ -ﷺ-: "يا عَمُّ، واللَّهِ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ في يَمِينِي، والقَمَرَ في يَسَارِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ، ما تَرَكْتُهُ. . . " (٢).
فَهِيَ رِوايَةٌ ضَعِيفَةٌ.
* طَلَبُ قُرَيْشٍ تَسْلِيمَ الرَّسُولِ -ﷺ-:
فَلَمَّا رَأَتْ قُريشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَاضٍ في دَعْوَتِهِ، وَأَنَّ أبَا طَالِبٍ قَدْ أَبَى خُذْلانَ ابْنِ أخِيهِ وإسْلامَهُ، وإجْمَاعَهُ لِفِراقِهِمْ في ذَلِكَ وعَداوَتهِمْ، مَشَوْا إِلَيْهِ بِعُمارَةَ بنِ الوَليدِ بنِ المُغِيرَةِ فَقَالُوا لَهُ: يا أبَا طَالِبٍ: قَدْ جِئْناكَ بِفَتَى قُرَيْشٍ جَمالًا، ونَسَبًا، ونَهادَةً (٣)، وشِعْرًا.
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٠٣) - البداية والنهاية (٣/ ٤٧) - الرَّوْض الأُنُف (٢/ ٧).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٠٣) - وانظر السلسلة الضعيفة للألباني ﵀ - رقم الحديث (٩٠٩).
(٣) نَهادَةٌ: أي قَوِيًا ضَخْمًا. انظر النهاية (٥/ ١١٨).
[ ١ / ٣٣٣ ]
فَخُذْهُ فَلَكَ نَصْرُهُ وعَقْلُهُ (١) ومِيراثُهُ، واتَّخِذْهُ وَلَدًا فَهُوَ لَكَ، وأَسْلِمْ إِلَيْنَا ابْنَ أخِيكَ هَذَا الذِي قَدْ خَالَفَ دِينَكَ، ودِينَ آبائِكَ، وفَرَّقَ جَماعَةَ قَوْمِكَ، وسَفَّهَ أحْلامَهُمْ، فَنَقُلَهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ أجْمَعُ لِلْعَشِيرَةِ، وأفْضَلُ في عَواقِبِ الْأُمُورِ مَغَبَّةً، وإنَّما هُوَ رَجُلٌ بِرَجُلٍ.
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: واللَّهِ ما أنْصَفْتُمُونِي، أتُعْطُونَنِي ابْنَكُمْ أكْفُلُهُ لَكُمْ، وأُعْطِيَكُمْ ابْنِي تَقْتُلُونَهُ؟ ما هَذَا بِالنَّصَفِ، تَسُومُونَنِي (٢) سَوْمَ العَرِيرِ (٣) الذَّلِيلِ، هَذَا واللَّهِ لا يَكُونُ أَبَدًا.
فَقَالَ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ: واللَّهِ يا أبَا طَالِبٍ لَقَدْ أنْصَفَكَ قَوْمُكَ، وجَهِدُوا عَلَى التَّخَلُّصِ مِمَّا تَكْرَهُهُ، فَمَا أرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمْ شَيْئًا، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: واللَّهِ ما أنْصَفْتُمُونِي، ولَكِنَّكَ قَدْ أجْمَعْتَ خُذْلانِي ومُظاهَرَةً عَلَيَّ، فاصْنَعْ ما بَدَا لَكَ (٤).
* مُنَاصَرَةُ بَنِي هَاشِمٍ والمُطَّلبِ لِأَبِي طَالِبٍ:
فَهُنَا قَامَ أَبُو طَالِبٍ حِينَ رَأَى ما تَصْنَعُ قُرَيْشٌ بِالمُسْلِمِينَ، في بَنِي هاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ، فَدَعَاهُمْ إلى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ مَنع رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، والقِيامِ دُونَهُ،
_________________
(١) العَقْلُ: الدِّيَةُ. انظر النهاية (٣/ ٢٥٢).
(٢) المُسَاوَمَةُ: المُجاذَبَةُ بينَ البائِعِ والمُشْتَرِي على السِّلعَةِ وفضلِ ثَمَنِها. انظر النهاية (٢/ ٣٨٢).
(٣) العَرِيرُ: أي دَخِيلًا غَرِيبًا ولمْ أكُنْ مِنْ صَمِيمِهِمْ. انظر النهاية (٣/ ١٨٥).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٩٧) - سيرة ابن هشام (١/ ٣٠٣) - الرَّوْض الأُنُف (٢/ ٨).
[ ١ / ٣٣٤ ]
فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، وَقَامُوا مَعَهُ، وأجَابُوهُ إِلَى ما دَعاهُمْ إِلَيْهِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ أَبِي لَهَبٍ عَمِّ الرَّسُولِ -ﷺ-، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ في ذَلِكَ قَصِيدَةً يَمْدَحُهُمْ، ويُحَرِّضُهُمْ عَلَى مَا وافَقُوهُ عَلَيْهِ مِنَ الحَدْبِ (١) عَلَى رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، والنُّصْرَةِ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ مِنْهَا:
إِذَا اجْتَمَعَتْ يَوْمًا قُرَيْشٌ لِمَفْخَرٍ فَعَبْدُ مَنَافٍ سِرُّها، وصَمِيمُهَا
وَإِنْ حُصِّلَتْ أشْرافُ عَبْدِ مَنَافِهَا فَفِي هَاشِمٍ أشْرافُهَا، وقَدِيمُهَا
وَإِنْ فَخَرَتْ يَوْمًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا هُوَ المُصْطَفَى مِنْ سِرِّهَا وكَرِيمِهَا
تَداعَتْ قُرَيْشٌ غَثُّهَا وسَمِينُهَا عَلَيْنا فَلَمْ تَظْفَرْ، وَطَاشَ حُلُومُهَا (٢)
* مُحَاوَلَةُ الطُّغَاةِ اغْتِيَالَ الرَّسُولِ -ﷺ-:
وبَعْدَ فَشَلِ مُفَاوَضَاتِ قُرَيْشٍ مَعَ أَبِي طَالِبٍ، اشْتَدَّ مَكْرُ زُعَمَائِهَا، وأجْمَعُوا عَلَى قتلِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَلَمَّا كَانَ مَساءُ اللَّيْلَةِ التِي عَرَضُوا فِيهَا عُمارَةَ بنَ الوَليدِ عَلَى أَبِي طَالِبٍ، فُقِدَ رَسُولُ -ﷺ-، وجاءَ أَبُو طَالِبٍ وعُمُومَتُهُ إِلَى مَنْزِلهِ فَلَمْ يَجِدُوهُ، فَجَمَعَ أَبُو طَالِبٍ فِتْيانًا مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وبَنِي المُطَّلِبِ ثُمَّ قَالَ: لِيَأْخُذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ حَدِيدَةً صَارِمَةً، ثُمَّ لِيَتْبَعْنِي إِذَا دَخَلْتُ المَسْجِدَ، فَلْيَنْظُرْ كُلُّ فَتًى مِنْكُمْ فَلْيَجْلِسْ إِلَى عَظِيمٍ مِنْ عُظَمائِهِمْ فِيهِمْ ابنُ الحَنْظَلِيَّةِ، يَعْنِي أبا جَهْلٍ، فَإِنَّهُ
_________________
(١) الحَدْبُ: العَطْفُ. انظر النهاية (١/ ٣٣٧).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٠٦).
[ ١ / ٣٣٥ ]
لَمْ يَغِبْ عَنْ شَرٍّ إِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ قَدْ قُتِلَ.
فَقَالَ الفِتْيانُ: نَفْعَلُ، فَجاءَ زَيْدُ بنُ حارِثَةَ -﵁- فَوَجَدَ أبَا طَالِبٍ عَلَى تِلْكَ الحَالِ، فَقَالَ: يا زَيْدُ: أحْسَسْتَ ابنَ أخِي؟ قَالَ: نَعَمْ كُنْتُ مَعَهُ آنِفًا، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: لا أدْخُلُ بَيْتيَ أبَدًا حَتَّى أراهُ، فَخَرَجَ زَيْدٌ سَرِيعًا حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وهُوَ فِي دَارِ الأَرْقَمِ، ومَعَهُ أصْحَابُهُ يَتَحَدَّثُونَ، فأخْبَرَهُ الخَبَرَ، فَجاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أَبِي طَالِبٍ، فَقَالَ: يا ابْنَ أخِي أيْنَ كُنْتَ؟ أَكُنْتَ في خَيْرٍ؟ قَالَ -ﷺ-: نَعَمْ، قَالَ: ادْخُلْ بَيْتَكَ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا أصْبَحَ أَبُو طَالِبٍ غَدَا عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَوَقَفَ بِهِ عَلَى أنْدِيَةِ قُرَيْشٍ، ومَعَهُ الفِتْيانُ الهَاشِمِيُّونَ والمُطَّلِبِيُّونَ، فَقَالَ: يا مَعْشَرَ قُريْشٍ هَلْ تَدْرُونَ ما هَمَمْتُ بِهِ؟ قَالُوا: لا، فَأَخْبَرَهُمُ الخَبَرَ، وَقَالَ لِلْفِتْيَانِ: اكْشِفُوا عَمَّا في أيْدِيكُمْ، فكشَفُوا، فإذا كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ مَعَهُ حَدِيدَةٌ صَارِمَةٌ، فَقَالَ: واللَّهِ لَوْ قَتَلْتُمُوهُ ما بَقيت مِنْكُمْ أحَدًا حَتَّى نَتَفَانَى نَحْنُ وأنْتُمْ، فانْكَسَرَ القَوْمُ، وَكَانَ أشَدُّهُمُ انْكِسارًا أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى (١).
ورَوى البَيْهَقِيُّ في دَلائِلِ النُّبُوَّةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَنَّ أُنَاسًا مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ تَوَاصَوْا بِالنَّبِيِّ -ﷺ- لِيَقْتُلُوهُ، مِنْهُمْ: أَبُو جَهْلٍ، والوَلِيدُ بنُ المُغِيرَةِ، وَنفَرٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ، فَبَيْنَا النَّبِيُّ -ﷺ- قَائِمٌ يُصَلِّي، فَلَمَّا سَمِعُوا قِراءَتَهُ أرْسَلُوا الوَليدَ لِيَقْتُلَهُ، فانْطَلَقَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى المَكَانِ الذِي كَانَ يُصَلِّي النَّبِيُّ -ﷺ- فِيهِ، فَجَعَلَ يَسْمَعُ قِراءتَهُ وَلَا يَراهُ، فانْصَرَفَ إِلَيْهِمْ فَأَعْلَمَهُمْ ذَلِكَ، فأَتَاهُ أَبُو
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لأبي سعد (١/ ٩٧).
[ ١ / ٣٣٦ ]
جَهْلٍ، والْوَلِيدُ، ونَفَرٌ مِنْهُمْ، فَلَمَّا انْتَهَوْا إِلَى المَكَانِ الذِي هُوَ فِيهِ -ﷺ- يُصَلِّي سَمِعُوا قِراءَتَهُ، فَيَذْهَبُونَ إِلَى الصَّوْتِ فَإِذا الصَّوْتُ مِنْ خَلْفِهِمْ، فَيَنتهُونَ إِلَيْهِ فَيَسْمَعُونَ أَيْضًا مِنْ خَلْفِهِمْ، فانْصَرَفُوا وَلَمْ يَجِدُوا إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَذَلِكَ قَوْلهُ تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (١).
وَلَمْ تَزَلْ فِكْرَةُ اغْتِيالِ النَّبِيِّ -ﷺ- تَزْدادُ في قُلُوبِ المُشْرِكِينَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، رَوَى ابْنُ إسْحَاقَ وغَيْرُهُ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ أَبَى إِلَّا ما تَرَوْنَ مِنْ عَيْبِ دِينِنَا، وشَتْمِ آبَائِنَا، وتَسْفِيهِ أحْلامِنَا، وشَتْمِ آلِهَتِنَا، وإنِّي أُعاهِدُ اللَّه لَأَجْلِسَنَّ لَهُ غَدًا بِحَجَرٍ ما أُطِيقُ حَمْلَهُ، فَإِذا سَجَدَ فِي صَلاتِهِ فَضَخْتُ بِهِ رَأْسَهُ، فَأَسْلِمُونِي عِنْدَ ذَلِكَ أَوِ امْنَعُونِي، فَلْيَصْنَعْ بَعْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ مَنافٍ مَا بَدَا لَهُمْ، فَقَالُوا: واللَّهِ ما نُسْلِمُكَ لِشَيْءٍ أبَدًا، فامْضِ لِمَا تُرِيدُ.
فَلَمَّا أصبَحَ أَبُو جَهْلٍ أخَذَ حَجَرًا كَمَا وَصَفَ، ثُمَّ جَلَسَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَنتظِرُهُ، وَغَدا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كَمَا كَانَ يَغْدُو، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ وَقِبْلَتُهُ إِلَى الشَّامِ، فَكَان إِذَا صَلَّى صَلَّى بَيْنَ الرّكْنِ اليَمانِيِّ والحَجَرِ الأَسْوَدِ، وجَعَلَ الكَعْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشَّامِ، فَقامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي، وَقَدْ غَدَتْ قُرَيْشٌ فَجَلَسُوا في أنْدِيَتهِمْ يَنتظِرُونَ ما أَبُو جَهْلٍ فَاعِلٌ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- احْتَمَلَ
_________________
(١) سورة يس آية (٩)، والخبر في دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ١٩٦).
[ ١ / ٣٣٧ ]
أَبُو جَهْلٍ الحَجَرَ، ثُمَّ أقبَلَ نَحْوَهُ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُ رَجَعَ مُنْهَزِمًا مُنْتَقِعًا (١) لَوْنُهُ مَرْعُوبًا، قَدْ يَبِسَتْ يَداهُ عَلَى حَجَرِهِ، حَتَّى قَذَفَ الحَجَرَ مِنْ يَدِهِ، وقَامَتْ إِلَيْهِ رِجَالُ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُ: مالَكَ يَا أبَا الحَكَمِ؟ قَالَ: قُمْتُ إِلَيْهِ لِأَفْعَلَ بِهِ ما قُلْتُ لَكُمُ البَارِحَةَ، فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ عَرَضَ لِي دُونَهُ فَحْلٌ مِنَ الإِبِلِ، لا واللَّهِ ما رَأَيْتُ مِثْلَ هامَتِهِ (٢) وَلَا مِثْلَ قَصَرَتِهِ (٣) وَلَا أَنْيابِهِ لِفَحْلٍ قَطُّ، فَهَمَّ بِي أَنْ يَأْكُلَنِي.
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: فَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ: "ذَلِكَ جِبْرِيلُ ﵇ لَوْ دَنَا لَأَخَذَهُ" (٤).
* * *
_________________
(١) مُنْتَقِع: متغير. انظر لسان العرب (١٤/ ٢٦٧).
(٢) الهَامَةُ: الرَّأسُ. انظر لسان العرب (١٥/ ١٦٢).
(٣) القَصَرَةُ: أصلُ العُنُقِ. انظر لسان العرب (١١/ ١٨٩).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٣٥) - دلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٢٠٦) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ١٩٠).
[ ١ / ٣٣٨ ]
إِسْلامُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -﵁- (١)
وَخِلَالَ هَذَا الْجَوِّ الْمَشْحُونِ بِالظُّلْمِ والطُّغْيانِ أَسْلَمَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ -﵁-، وَهُوَ عَمُّ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَأَخُوة مِنَ الرَّضاعَةِ، وَكانَ -﵁- أسَنَّ مِنَ الرَّسُولِ -ﷺ- بِسَنَتَيْنِ، وَقِيلَ بِأَرْبَعِ سِنِينَ والْأَوَّلُ أَصَحُّ (٢).
* سَبَبُ إِسْلامِهِ -﵁-:
وَسَبَبُ إِسْلامِهِ -﵁- أَنَّ أَبا جَهْلٍ مَرَّ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَ الصَّفا فَآذَاهُ، وشَتَمَهُ، وَنالَ مِنْهُ بَعْضَ ما يَكْرَهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَاكِتٌ لَا يُكَلِّمُهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ لَعَنَهُ اللَّهُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ عِنْدَ الْكَعْبَةِ، فَجَلَسَ مَعَهُمْ، وَكَانَتْ مَوْلاةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَدْعانَ في مَسْكَنٍ لَهَا عَلَى الصَّفَا تَسْمَعُ ذَلِكَ، فَلَم يَلْبَثْ أَنْ أَقْبلَ حَمْزَةُ -﵁-
_________________
(١) اختُلِفَ في سَنَةِ إسلامِهِ -﵁-، فعنْدَ ابن سعد في طبقاته (٣/ ٧) بسند ضعيفٍ: أنهَا في السنَةِ السَّادسةِ منَ البعثَةِ. وقِيل: في السنةِ الثانيِةِ منَ البِعثةِ، وبه جزمَ الحافظُ في الإصابةِ (٢/ ١٠٥)، وابنُ الأثير في أسد الغابة (٢/ ٥٠).
(٢) قال ابن عبد البر في الاستيعاب (١/ ٤٢٣): قيل: إِنَّ حَمزة -﵁- أسَنُّ مِنْ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بأربعِ سنينَ، وهذا لا يَصِحُّ عندي؛ لأنَّ الحديثَ الثابِتَ أن حمزة وأبا سَلَمة عبد اللَّه بن عبدِ الأسد، أرضَعَتْهُما ثُوَيْبَةُ مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، إلا أَنْ تكونَ أرضعتهُما في زَمانَيْنِ.
[ ١ / ٣٣٩ ]
مُتَوَشِّحًا (١) قَوْسَهُ راجِعًا مِنْ قَنْصٍ (٢) لَهُ.
فَلَمَّا رَأَتْهُ الْمَوْلاةُ، قالَتْ لَهُ: يَا أبَا عُمَارَةَ! لَوْ رَأَيْتَ ما لَقِيَ ابْنُ أَخِيكَ مُحَمَّدٌ آنِفًا مِنْ أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، وَجَدَهُ هَاهُنَا جَالِسًا فَآذَاهُ وَسَبَّهُ، وبَلَغَ مِنْهُ ما يَكْرَهُ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، وَلَمْ يُكَلِّمْهُ مُحَمَّدٌ.
فَاحْتَمَلَ حَمْزَةَ -﵁- الغَضَبُ لِمَا أرادَ اللَّهُ بِهِ مِنْ كَرامَتِهِ -وَكَانَ حَمْزَةُ أَعَزَّ فَتًى في قُرَيْشٍ وَأَشَدَّ شَكِيمَةً (٣) - فانْطَلَقَ يَسْعَى مُصَمِّمًا أَنَّهُ إِذَا لَقِيَ أبَا جَهْلٍ بَطَشَ بِهِ، فَلَمَّا دَخَلَ الْمَسْجِدَ نَظَرَ إِلَيْهِ جالِسًا في الْقَوْمِ، فَأقبلَ نَحْوَهُ حَتَّى إِذَا قَامَ عَلَى رَأْسِهِ رَفَعَ القَوْسَ، فَضَرَبَهُ بِهِ، فَشَجَّهُ شَجَّةً مُنْكَرَةً، ثُمَّ قَالَ لَهُ: أتَشْتُمُ ابْنَ أخِي وأَنَا عَلَى دِينِهِ أَقُولُ ما يَقُولُ؟ فَرُدَّ عَلَيَّ ذَلِكَ إنِ اسْتَطَعْتَ، فَقامَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ إِلَى حَمْزَةَ لِيَنْصُرُوا أبَا جَهْلٍ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو جَهْلٍ: دَعُوا أبَا عُمَارَةَ، فَإِنِّي واللَّهِ قَدْ سَبَبْتُ ابْنَ أخِيهِ سَبًّا قَبِيحًا.
وَعَادَ حَمْزَةُ -﵁- إِلَى بَيْتهِ، وَقَدْ ساوَرَتْهُ الْوَسَاوِسُ الشَّيْطَانِيَّةُ والهَواجِسُ النَّفْسِيَّةُ، كَيْفَ ترَكْتَ دِينَ قَوْمِكَ، واتَّبَعْتَ هَذَا الصَّابِئَ، لَلْمَوْتُ خَيْرٌ لَكَ مِمَّا صَنَعْتَ، ثُمَّ الْتَمَسَ -﵁- التَّوْفِيقَ والرُّشْدَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ رُشْدًا فاجْعَلْ تَصْدِيقَهُ في قَلْبِي، وإلَّا فاجْعَلْ لِي مِمَّا وَقَعْتُ فِيهِ مَخْرَجًا، فبَاتَ
_________________
(١) مُتَوَشِّحًا: أي مُتَقَلِّدًا. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٠٦).
(٢) القَنَصُ: الصَّيْدُ. انظر لسان العرب (١١/ ٣١٩).
(٣) يُقال: فلانٌ شديدُ الشَّكِيمَةِ: إذا كان عَزيزَ النفْسِ أبِيًّا قَويًا. انظر النهاية (٢/ ٤٤٤).
[ ١ / ٣٤٠ ]
-﵁- بِلَيْلَةٍ لَمْ يَبِتْ مِثْلَهَا مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطانِ حَتَّى أصْبَحَ، فَغَدا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَقَالَ لَهُ: يا ابْنَ أخِي! إنِّي وَقَعْتُ في أمْرٍ لا أعْرِفُ المَخْرَجَ مِنْهُ، وإقامَةُ مِثْلِي عَلَى مَا لَا أَدْرِي: أَرُشْدٌ هُوَ أمْ غَيٌّ شَدِيدٌ (١)! !
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ -ﷺ- فَحَدَّثَهُ بِحَدِيثهِ الذِي يُنِيرُ القُلُوبَ، ويُطَمْئِنُ النُّفُوسَ، ويُذْهِبُ ظُلُمَاتِ الشَّكِّ والوَسَاوِسِ، فَذَكَّرَهُ وبَشَّرَهُ، وأنْذَرَهُ، فَثبَتَ اللَّهُ تَعَالَى الإيمَانَ في قَلْبِهِ، فَقَالَ -﵁-: أشْهَدُ إنَّكَ لَصادِقٌ، فَأَظْهِرْ دِينَكَ يا ابْنَ أخِي، فَواللَّهِ ما أُحِبُّ أَنَّ لِي ما أظَلَّتْهُ السَّماءُ، وأَنَا عَلَى دِينيَ الْأَوَّلِ.
وسُرَّ الرَّسُولُ -ﷺ- بِإِسْلامِ عَمِّهِ حَمْزَةَ -﵁- أيَّما سُرُورٍ، وعَرَفَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ عَزَّ وامْتَنَعَ، وَأَنَّ حَمْزَةَ سَيَمْنَعُهُ (٢).
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وكمَا يَقُولُ البَعْضُ طَلَبْنَا العِلْمَ لِلدُّنْيَا فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِلدِّينِ (٣)! كَانَ إسْلامُ حَمْزَةَ -﵁- أوَّلَ الأَمْرِ
_________________
(١) قال الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه السيرة النَّبوِيَّة (١/ ٣٠٠): هذا يدلُّ على حصَافَةٍ في العقلِ، وأصَالةٍ في التفكيرِ، واعتدِادٍ بالنَّفْسِ، وَأَنَّ القوم كانوا أصحابَ عُقُولٍ ومَواهِبَ، وأنَّهُمْ كانوا أهلًا لكل تَوْجيهٍ نَبَوِيٍّ كَريمٍ حتى صارُوا خيرَ أُمَّةٍ أُخرجَتْ للنَّاسِ.
(٢) أخرج قِصةَ إسلام حمزةَ بن عبد المطلب -﵁-: الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة ﵃ - باب ذكر إسلام حمزة -﵁- رقم الحديث (٤٩٣٠) - وابن إسحاق في السيرة (١/ ٣٢٨) - وإسناده صحيح.
(٣) قائِلُ هذهِ العبارةِ: هُوَ الإِمَامُ البحر أبو حامد الغزالي، المتوفى سنة ٥٠٥ هـ. قال عنه الذهبي في السير (١٩/ ٣٢٢): الشيخ الإمام البحر، حجة الإِسلام، أعجوبة =
[ ١ / ٣٤١ ]
أَنَفَةَ رَجُلٍ أبَى أَنْ يُهَانَ ابْنُ أخِيهِ، ثُمَّ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ فاسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى، واعْتَزَّ بِهِ المُسْلِمُونَ أيَّمَا اعْتِزازٍ (١).
* * *
_________________
(١) = الزمان، زين الدين أبو حامد محمد بن محمد الطوسي، الشافعي، الغزالي، صاحب التصانيف، والذكاء المفرط.
(٢) انظر فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ١١٦.
[ ١ / ٣٤٢ ]
إسْلامُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ (١) -﵁-
ثُمَّ أيَّدَ اللَّهُ ﷾ الإِسْلَامَ والمُسْلِمِينَ بإِسْلامِ الفارُوقِ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ العَدَوِيِّ -﵁-، وَكَانَ رَجُلًا مَعْرُوفًا بِحِدَّةِ الطَّبْعِ وقُوَّةِ الشَّكِيمَةِ، وَكَانَ مِنْ أشَدِّ النَّاسِ عَداوَةً للمُسْلِمِينَ، وطالَما لَقُوا مِنْهُ ألْوانَ الْأذَى حتَّى يَئِسُوا مِنْ إسْلامِهِ.
* دُعاءُ الرَّسُولِ -ﷺ- لِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁-:
رَوَى الإِمامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلامَ بِأَحَبِّ
_________________
(١) هو عُمَرُ بن الخَطَّابِ بنِ نُفَيْل القُرَشِيُّ العَدَوِيُّ، أبو حفصٍ، أميرُ المؤمنينِ، كَانَ فِي أوَّلِ الأَمْرِ شَدِيدًا عَلى المُسلمِينَ، ثُمَّ أسلمَ، فَكَانَ إسلامُهُ فتحًا لَهُمْ، وفَرَجًا لهم من الضِّيقِ. قال ابن مسعود -﵁-: ما عبَدْنا اللَّه جَهْرًا حتَّى أسلمَ عُمَرُ. ويكفِي في فَضْلِهِ -﵁- ما جاء في الصحيح: أنه -ﷺ- رَأى الناسَ وعليهِمْ قُمُصٌ، منهَا مَا يبلُغُ الثَّدْيَ، ومنها دونَ ذلك، ورأى عمرَ فإذا عليه قَمِيصٌ يَجُرهُ، فأوَّلَهُ الدِّين، ورأى أنه أُتي له بِقَدَحٍ من لبنٍ، فشربَ وأعطى فضْلَهُ عُمَرَ، وأوَّلَهُ العِلْمَ. كانت خلافتُه -﵁- عشرَ سنينَ وستةَ أشهرٍ، ضرَبَهُ أَبُو لؤْلُؤَةَ المجُوسي قبَّحه اللَّه لأربعٍ بَقِينَ من ذي الحجة، ومكَثَ ثَلاثًا وتُوفي، وقُبِرَ مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ- وأبِي بكر، تُوفي وهو ابنُ ثمان أو تسع وخمسون سنة. انظر تهذيب التهذيب (٣/ ٢٢٢).
[ ١ / ٣٤٣ ]
هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إِلَيْكَ، بِأَبِي جَهْلِ بنِ هِشَامٍ، أَوْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ"، فَكَانَ أحَبَّهُما إِلَيْهِ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ (١).
ورَوَى ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مُرسَلٍ عَنْ سَعِيدِ بنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: كان النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ إِذَا رَأَى عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ -﵁-، أَوْ أبا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ قَالَ: "اللَّهُمَّ اشْدُدْ دِينَكَ بِأَحَبِّهِمَا إلَيْكَ" (٢).
وَرَوَى الْحاكِمُ في الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ بِعُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ خاصَّةً" (٣).
* بِدايَةُ اللِّينِ عِنْدَ عُمَرَ -﵁-:
ذَكَرْنا فِيمَا تَقَدَّمَ أَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ -﵁- كَانَ مِنْ أشَدِّ النّاسِ عَلَى
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخبار النبي -ﷺ- عن مناقب الصحابة ﵃ باب ذكر البيانِ بأنَّ عِزَ المسلمين بإسلام عمر - رقم الحديث (٦٨٨١) وأخرجه الإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (٥٦٩٦) وأخرجه أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (٣١٢) - والترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب في مناقب عمر بن الخطاب -﵁- رقم الحديث (٤٠١٣).
(٢) أخرجه ابن سعد في طبقاته (٣/ ١٤٢) - وأورده الحافظ في الفتح (٧/ ٤٠٤) - وصحح إسناده إلى سعيد بن المسيب.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ومن مناقب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رقم الحديث (٤٥٤١) - وأورده الحافظ في الفتح (٧/ ٤٠٤) وصحح إسناده - وأخرجه ابن ماجه في سننه - في المقدمة - باب فضائل عمر -﵁- رقم الحديث (١٠٥) - وإسناده ضعيف.
[ ١ / ٣٤٤ ]
المُسْلِمِينَ، حَتَّى يَئِسَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ مِنْ إسْلامِهِ، لَكِنْ لَمَّا أرَادَ اللَّهُ لَهُ الهِدَايَةَ صَدَرَتْ مِنْهُ -﵁- بَعْضُ التَّصَرُّفاتِ التِي تُعْطِي الأَمَلَ بإسْلامِهِ.
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في فَضائِلِ الصَّحَابَةِ، والحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ لَيْلَى بِنْتِ أَبِي حَثَمَةَ ﵂ زَوْجِ الصَّحابِيِّ الجَلِيلِ عامِرِ بنِ رَبِيعَةَ -﵁- قَالَتْ: إنَّا لَنَرتَحِلُ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ عامِرٌ في بَعْضِ حَاجَاتِنا، إِذْ أقْبَلَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- حَتَّى وَقَفَ عَلَيَّ، وهُوَ عَلَى شِرْكِهِ، قَالَتْ: وكُنَّا نَلْقَى مِنْهُ البَلَاءَ أذًى لَنَا، وَشِدَّةً عَلَيْنا.
فَقَالَ عُمَرُ: إنَّهُ الانْطِلاقُ يا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ؟
قَالَتْ: فَقُلْتُ: نَعَمْ، واللَّهِ لَنَخْرُجَنَّ في أَرْضِ اللَّهِ، آذَيْتُمُونَا وقَهَرْتُمُونَا، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّه لنَا مَخْرَجًا، فَقَالَ: صَحِبَكُمُ اللَّه.
قَالَتْ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ: ورَأَيْتُ لَهُ رِقَّةً لَمْ أَكُنْ أَرَاهَا، ثُمَّ انْصَرَفَ، وَقَدْ أَحْزَنَهُ فِيمَا رَأَى خُرُوجُنا، قَالَتْ: فَجاءَ عامِرٌ -زَوْجُهَا-، فَقُلْتُ لَهُ: يا أبا عَبْدِ اللَّهِ! لَوْ رَأَيْتَ عُمَرَ آنِفًا، وَرِقَّتَهُ، وحُزْنَهُ عَلَيْنا، قَالَ: أطَمِعْتِ في إسْلَامِهِ؟
قَالَتْ: نَعَمْ.
قَالَ: لا يُسْلِمُ الذِي رَأَيْتِ حَتَّى يُسْلِمَ حِمارُ الخَطَّابِ.
قَالَتْ: قَالَ عامِرٌ ذَلِكَ يَأْسًا لِمَا كَانَ يَرَى مِنْ غِلْظَتِهِ وَقَسْوَتهِ عَلَى الْإِسْلَامِ (١).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (٣٧١) - والحاكم في =
[ ١ / ٣٤٥ ]
* إسْلَامُ أُخْتِهِ فَاطِمَةَ وَزَوْجِهَا:
وَكَانَتْ فاطِمَةُ بِنْتُ الخَطَّابِ ﵂ قَدْ سَبَقَتْهُ إِلَى الْإِسْلَامِ هِيَ وَزَوْجُها سَعِيدُ بنُ زَيْدٍ وَهُوَ أحَدُ العَشَرَةِ المبشَّرِينَ بِالْجَنَّةِ، وهُوَ ابْنُ عَمِّهَا، وكانَا يُخْفِيانِ إسْلامَهُمَا، وَكانَ خَبَّابُ بنُ الْأَرَتِّ -﵁- مِنْ قُدَماءَ المُسْلِمِينَ يَخْتَلِفُ إِلَى فاطِمَةَ وزَوْجِها يُقْرِئُها القُرْآنَ (١).
* قِصَّةُ إِسْلَامِ عُمَرَ -﵁-:
فَلَمَّا رَجَعَ عُمَرُ -﵁- إِلَى بَيْتهِ أخَذَ يُفَكِّرُ في أمْرِ لَيْلَى بِنْتِ أَبِي حَثَمَةَ وزَوْجِهَا عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ، وكَيْفَ تَفَرَّقَتْ قُرَيْشٌ، وهَاجَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى الحَبَشَةِ، فَقَالَ: كَيْفَ يَحْدُثُ هَذَا؟ مَنْ وَراءَ كُلِّ هَذه الأَحْدَاثِ؟ وَراءَ كُلِّ هَذِهِ الأَحْدَاثِ مُحَمَّدٌ فَعَزَمَ عَلَى قتلِ النَّبِيِّ -ﷺ-.
فَخَرَجَ -﵁- مُتَوَشِّحًا سَيْفَهُ يُرِيدُ قتلَ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَقَدْ ذَكَرُوا لَهُ أَنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- يَجْتَمعُ مَعَ أصْحَابِهِ في بَيْتٍ عِنْدَ الصَّفا، وَهُمْ قَرِيبٌ مِنْ أرْبَعِينَ ما بَيْنَ رِجالٍ وَنساءٍ، مِنْهُمْ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وعَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وحَمْزَةُ ﵃ أجْمَعِينَ آثرُوا المُقامَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَمْ يَخْرُجُوا إِلَى الحَبَشَةِ.
_________________
(١) = المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر أم عبد اللَّه ليلى بنت أبي حثمة ﵂ - رقم الحديث (٦٩٧٩).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٨٠) - الرَّوْض الأُنُف (٢/ ١٢٠) - البداية والنهاية (٣/ ٨٦).
[ ١ / ٣٤٦ ]
فَلَقِيَهُ نُعَيْمُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّحَّامُ العَدَوِيُّ -﵁-، وَكَانَ يُخْفِي إِسْلَامَهُ، فَقَالَ: أيْنَ تُرِيدُ يا عُمَرُ؟ قَالَ: أُرِيدُ مُحَمَّدًا هَذَا الصَّابِئَ، الذِي فَرَّقَ أَمْرَ قُرَيْشٍ، وسَفَّهَ أحْلامَهَا، وَعَابَ دِينَهَا، وَسَبَّ آلِهَتَها، فَأَقْتُلَهُ! .
فَقَالَ لَهُ نُعَيْمٌ: واللَّهِ لَقَدْ غَرَّتْكَ نَفْسُكَ يا عُمَرُ! أترَى بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، وبَنِي زُهْرَةَ تارِكِيكَ تَمْشِي عَلَى الأَرْضِ، وَقَدْ قتلْتَ مُحَمَّدًا؟ .
أَفَلَا تَرْجعُ إِلَى أَهْلِ بَيْتِكَ فَتُقِيمَ أَمْرَهُمْ؟ قَالَ: وَأَيُّ أَهْلِ بَيْتي؟ قَالَ: أُخْتُكَ فَاطِمَةُ، وزَوْجُها سَعِيدُ بنُ زَيْدٍ قَدْ واللَّهِ أَسْلَمَا، وتَابَعَا مُحَمَّدًا عَلَى دِينهِ، وتَرَكَا دِينَكَ الذِي أَنْتَ عَلَيْهِ، فارْجعْ إِلَى أَهْلِ بَيْتكَ، فَأَقِمْ أمْرَهُمْ.
فَرَجَعَ عُمَرُ -﵁- عامِدًا إِلَى أُخْتِهِ وزَوْجِهَا، وعِنْدَهُما خَبَّابُ بنُ الْأَرَتِّ -﵁- مَعَهُ صَحِيفَةٌ فِيهَا (سُورَةُ طَهَ) يُقْرِئُهُما إيَّاهَا -وَكَانَ خَبَّابٌ يَخْتَلِفُ إلَيْهِما ويُقْرِئُهُما القُرآنَ- وفي رِوايَةٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَجْمَعُ الرَّجُلَ والرَّجُلَيْنِ إِذَا أسْلَما عِنْدَ الرَّجُلِ الذِي في يَدِهِ السَّعَةُ يَكُونَانِ مَعَهُ يُصِيبَانِ مِنْ طَعَامِهِ، وَقَدْ ضَمَّ إِلَى زَوْجِ أُخْتِ عُمَرَ رَجُلَيْنِ مِمَّنْ أَسْلَمَ أحَدُهُمَا: خَبَّابٌ، فَلَمَّا سَمِعُوا حِسَّ عُمَرَ، تَغَيَّبَ خَبَّابٌ -﵁- في مَخْدَعٍ (١) لَهُمْ، وأخَذَتْ فاطِمَةُ الصَّحِيفَةَ فَجَعَلَتْها فَخِذَها -أيْ تَحْتَ فَخِذِها-، وَقَدْ سَمِعَ عُمَرُ حِينَ دَنَا إِلَى البَيْتِ قِراءَةَ خَبَّابٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِما قَالَ: ما هَذِهِ الهَيْنَمَةُ (٢) التِي سَمِعْتُها عِنْدَكُمْ؟ فَقَالا: مَا عَدَا حَدِيثًا
_________________
(١) المَخْدَعُ: هوَ البيتُ الصَّغيرُ الذي يكون داخلَ البيتِ الكبيرِ. انظر النهاية (٢/ ١٥).
(٢) الهَيْنَمَةُ: الكلامُ الخَفِيُّ الذي لا يُفهم. انظر لسان العرب (١٥/ ١٤٨).
[ ١ / ٣٤٧ ]
تَحَدَّثْنَاهُ بَيْنَنَا، قَالَ: فَلَعَلَّكُمَا قَدْ صَبَوتُمَا؟ فَقَالَ لَهُ سَعِيدُ بنُ زَيْدٍ زَوْجُ فاطِمَةَ: يَا عُمَرُ أرَأَيْتَ إِنْ كَانَ الحَقُّ في غَيْرِ دِينِكَ؟ فَضَرَبَ عُمَرُ سَعِيدَ بنَ زَيْدٍ ضَربَةً شَدِيدَةً، فَسَقَطَ، فَقامَتْ فاطِمَةُ لَتَمْنَعَ زَوْجَها سَعِيدًا مِنْ عُمَرَ، فَضَرَبَهَا عُمَرُ فَشَجَّهَا حَتَّى سَالَ مِنْهَا الدَّمُ، فَلَمَّا فَعَلَ عُمَرُ بِهِمْ ذَلِكَ قَالا لَهُ: نَعَمْ قَدْ أَسْلَمْنَا، وآمَنَّا بِاللَّهِ وَرَسُولهِ، فاصْنَعْ ما بَدا لَكْ! ! .
فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ ما بِأُخْتِهِ مِنَ الدَّمِ نَدِمَ عَلَى ما صَنَعَ، وارْعَوَى (١)، وهَدَأَتْ نَفْسُهُ، فَقَالَ لِأُخْتِهِ: أعْطِينِي هَذِهِ الصَّحِيفَةَ التِي سَمِعْتُكُمْ تَقْرَأُونَها آنِفًا، أنْظُرْ ما هَذَا الذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ -وَكانَ عُمَرُ يَقْرَأُ وَيَكْتُبُ- فَقالَتْ لَهُ أُخْتُهُ فاطِمَةُ: إنَّا نَخْشاكَ عَلَيْهَا، قَالَ: لا تَخافِي، وحَلَفَ لَهَا بآلِهَتِهِ لَيَرُدَّنَّهَا إلَيْهَا إِذَا قَرَأَها، فَلَمَّا قَالَ ذَلِكَ، طَمِعَتْ في إسْلامِهِ، فَقالَتْ لَهُ: يا أخِي إنَّكَ نَجِسٌ عَلَى شِرْكِكَ، وإنَّهُ لا يَمَسُّها إِلَّا المُطَهَّرُونَ، فَقُمْ فاغْتَسِلْ، فَقامَ عُمَرُ فاغْتَسَلَ، فَأَعْطَتْهُ الصحِيفَةُ، فَقَرَأَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٢).
حَتَّى انتهَى إِلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (٣).
_________________
(١) ارْعَوَى: كفَّ وارْتَدَع. انظر لسان العرب (٥/ ٢٥٣).
(٢) سورة طه آية (١ - ٥).
(٣) سورة طه آية (١٤).
[ ١ / ٣٤٨ ]
فَرَقَّ قَلْبُهُ، وَقَالَ: ما أحْسَنَ هَذَا الكَلَامَ وأكْرَمَهُ، ما يَنْبَغِي لِمَنْ يَقُولُ هَذَا الكَلَامَ أَنْ يُعْبَدُ مَعَهُ غَيْرُهُ، دُلُّونِي عَلَى مُحَمَّدٍ، فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ خَبَّابٌ خَرَجَ إِلَيْهِ فَقَالَ له: أَبْشِر يا عُمَرُ، فَإِنِّي واللَّهِ لَأَرجُو أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ خَصَّكَ بِدَعْوَةِ نَبِيِّهِ -ﷺ-، فَإِنِّي سَمِعْتُهُ وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ أَعِزَّ الإِسْلَامَ بِعُمَرَ بنِ الخَطَّابِ أَوْ بِعَمْرِو بْنِ هِشَامٍ"، فَاللَّهَ اللَّه يا عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: فَدُلَّنِي يا خَبَّابُ عَلَى مُحَمَّدٍ حَتَّى آتِيَهُ فَأُسْلِمَ، فَقَالَ له خَبَّابٌ: هُوَ في دارِ أَرْقَمِ بْنِ أَبِي الْأَرْقَمِ بِأَسْفَلِ الصَّفَا، مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَأَخَذَ عُمَرُ سَيْفَهُ، فتَوَشَّحَهُ، ثُمَّ انْطَلَقَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وأَصْحَابِهِ في دَارِ الأَرْقَمِ، فَضَرَبَ البَابَ، فَقامَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فنَظرَ مِنْ خَلَلِ (١) البابِ فَرَآهُ مُتَوَشِّحًا السَّيْفَ، فَرَجَعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وهُوَ فَزِعٌ، فَقَالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ مُتَوَشِّحًا السَّيْفَ، وَوَجِلَ القَوْمُ، فَقَالَ لَهُمْ حَمْزَةُ -﵁-: مَا لَكُمْ؟ قَالُوا: عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، فَقَالَ: افْتَحُوا لَهُ البَابَ، فَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ خَيْرًا بَذَلْناهُ لَهُ، وَإِنْ كَانَ جَاءَ يُرِيدُ شَرًّا قتَلْنَاهُ بِسَيْفِهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ائْذَنْ لَهُ"، فَفَتَحُوا لَهُ، ونَهَضَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى لَقِيَهُ، فَأَخَذَ بِمَجامِعِ ثَوْبِهِ، ثُمَّ جَذَبَهُ جَذْبَةً شَدِيدَةً، فَمَا تَمالَكَ عُمَرُ أَنْ وَقَعَ عَلَى رُكبتَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ، فَقَالَ لَهُ -ﷺ-: "مَا جَاءَ بِكَ يا ابْنَ الخَطَّابِ؟، فَواللَّهِ مَا أرَى أَنْ تَنْتَهِيَ حَتَّى يُنْزِلَ اللَّهُ بِكَ قَارِعَةً".
فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! جِئْتُ لِأُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وبِمَا جَاءَ مِنْ عِنْدِ
_________________
(١) خَلَلُ البابِ: شِقُّ البابِ أو الفُرْجَةُ. انظر النهاية (٢/ ٦٩).
[ ١ / ٣٤٩ ]
اللَّهِ، أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وأشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسولُهُ.
فكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تَكْبِيرَةً، عَرَفَ مِنْهَا أَهْلُ البَيْتِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، أَنَّ عُمَرَ قَدْ أَسْلَمَ، وَكَبَّرَ الصَّحَابَةُ ﵃ تَكْبِيرَةً سَمِعَها أَهْلُ مَكَّةَ (١).
* قِصَّةٌ أُخْرَى فِي خَبَرِ إِسْلَامِهِ -﵁-:
رَوَى الإِمامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ لِانْقِطاعِهِ عَنْ شُرَيْحِ بنِ عُبَيْدٍ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-: خَرَجْتُ أتَعَرَّضُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَى المَسْجِدِ، فَقُمْتُ خَلْفَهُ، فَقُلْتُ: هَذَا واللَّهِ شَاعِرٌ كَمَا قَالَتْ قُرَيْشٌ، قَالَ: فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
_________________
(١) أخرج قِصةَ إسلام عمر -﵁-: الإمام أحمدُ في فضائل الصحابة - رقم الحديث (٣٧٦) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب استقامة فاطمة على الإِسلام - رقم الحديث (٦٩٨١) - وابن سعد في طبقاته (٣/ ١٤٢) - وسندها ضعيف - وأخرجها ابن إسحاق في السيرة (١/ ٣٨١) بدون سند. قال الإمام البخاري فيما نقله عنه الحافظ في لسان الميزان (٥/ ٥٠٢) في ترجمة: قاسم بن عثمان البصري - أحدِ رُواةِ قِصةِ إسلامِ عُمر -﵁-: له أحاديث لا يتابع عليها. وقال الحافظ في لسان الميزان (٥/ ٥٠٣): في ترجمةِ قاسمِ بنِ عُثمان البصري حدث عنه إسحاق الأزرقُ بمتنٍ محفُوظٍ، وبقصَّة إسلام عُمَر -﵁-، وهي مُنْكَرَةٌ جِدًا.
(٢) سورة الحاقة آية (٤١).
[ ١ / ٣٥٠ ]
قُلْتُ: كَاهِنٌ، قَالَ، فَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ (١) إِلَى آخِرِ السُّورَةِ، قَالَ -﵁-: فَوَقَعَ الإِسْلَامُ فِي قَلْبِي كُلَّ مَوْقِعٍ (٢).
* مَتَى كَانَ إِسْلَامُ عُمَرَ -﵁-؟
وَقَعَ عِنْدَ ابنِ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ (٣) أَنَّ إِسْلَامَ عُمَرَ -﵁- كَانَ فِي ذِي الحِجَّةِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْبِعْثَةِ، وهَذَا فِيهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ -﵁- يَوْمَ أسْلَمَ أبُوهُ عُمَرُ -﵁- كَانَ عُمُرُهُ سِتَّ سِنِينَ كَمَا عِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ (٤)، وقَدِ اسْتُصْغِرَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَوْمَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، وهُوَ ابْنُ أرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً، وكَانَتْ غَزْوَةُ أُحُدٍ سَنَةِ ثَلَاثٍ مِنَ الهِجْرَةِ، فعَلَى هَذَا يَكُونُ إسْلَامُ عُمَرَ -﵁- قَبْلَ الهِجْرَةِ بِنَحْوٍ مِنْ أرْبَعِ سِنِينَ وذَلِكَ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ لِلْبِعْثَةِ، وَاللَّهُ أعْلَمُ (٥).
وكَانَ -﵁- فِي السَّادِسَةِ والعِشْرِينَ مِنْ عُمُرِهِ يَوْمَ أَسْلَمَ، بَعْدَ أَنْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- دَارَ الأَرْقَمِ، وبَعْدَ أرْبَعِينَ نَفْسًا بَيْنَ رِجَالٍ وَنِسَاءٍ أحْرَارًا، قَدْ أسْلَمُوا قَبْلَهُ (٦).
_________________
(١) سورة الحاقة آية (٤٢ - ٤٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٠٧).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٣/ ١٤٣).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى (٣/ ١٤٣).
(٥) انظر البداية والنهاية (٣/ ٨٩) - وفتح الباري (٧/ ٥٧١).
(٦) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٣/ ١٤٣).
[ ١ / ٣٥١ ]
* انْتِشَارُ خَبَرِ إِسْلَامِهِ -﵁-:
رَوَى ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ والإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: لَمَّا أَسْلَمَ أَبِي عُمَرُ -﵁-، لَمْ تَعْلَمْ قُرَيْشٌ بِإِسْلَامِهِ، فَقَالَ: أَيُّ قُرَيْشٍ أَنْقَلُ لِلْحَدِيثِ؟ قَالَ: قِيلَ لَهُ: جَمِيلُ بنُ مَعْمَرٍ الجُمَحِيُّ (١)، قَالَ: فَغَدَا عَلَيْهِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ: وَغَدَوْتُ أَتْبَعُ أَثَرَهُ، أنْظُرُ مَا يَفْعَلُ، وأَنَا غُلَامٌ، أعْقِلُ كُلَّ مَا رَأَيْتُ، فَأَتَاهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: أَمَا عَلِمْتَ يَا جَمِيلُ أَنِّي قدْ أسْلَمْتُ، ودَخَلْتُ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ؟ قَال: فَوَاللَّهِ مَا رَاجَعَهُ حَتَّى قَامَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ، وأَتْبَعُهُ عُمَرُ، واتَّبَعْتُ أَبِي، حَتَّى إِذَا قَامَ عَلَى بَابِ المَسْجِدِ صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! -وَهُمْ فِي أنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الكَعْبَةِ-، ألَا إِنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ قَدْ صَبَأَ، قَالَ: فَقَالَ عُمَرُ مِنْ خَلْفِهِ: كَذَبَ، ولَكِنِّي قَدْ أسْلَمْتُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَثَارُوا إِلَيْهِ، فَمَا بَرِحَ يُقَاتِلُهُمْ ويُقَاتِلُونَهُ حَتَّى قَامَتِ الشَّمْسُ عَلَى رُؤُوسِهِمْ، ونَالَ مِنْهُ الْإِعْيَاءُ (٢) فَقَعَدَ.
قَالَ: فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ أَقْبَلَ شَيْخٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَيْهِ حُلَّةٌ (٣) حَتَّى وَقَفَ
_________________
(١) هو جميلُ بنُ معمرِ بنِ حبيبٍ الجُمَحِيُّ، وكان لا يكتُمُ ما استُودِعه مِنْ سِرٍّ، وخبره في ذلكَ مع عمر بن الخطاب -﵁- مشهورٌ لمَّا أسلم عمر، أسلمَ جميلٌ عام الفتح، وكان مُسِنًّا وشهدَ مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ- حُنَينًا، ومات فِي خلافةِ عُمر، وحزنَ عليهِ عُمر حُزنًا شديدًا.
(٢) أي عَجَزَ وتَعِبَ. انظر النهاية (٣/ ٣٠١).
(٣) الحُلَّةُ: واحدةُ الحُلَلِ، وهِيَ بُرودُ اليَمَنِ، ولا تُسمَّى حُلَّة إلا أن تكونَ ثَوبيْنِ منْ جِنْسٍ واحِدٍ. انظر النهاية (١/ ٤١٥).
[ ١ / ٣٥٢ ]
عَلَيْهِمْ، فَقَالَ: مَا شَأْنُكُمْ؟ قَالُوا: صَبَأَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ، قَالَ: فَمَهْ؟ رَجُلٌ اخْتَارَ لِنَفْسِهِ أَمْرًا فَمَاذَا تُرِيدُونَ؟
أتُرِيدُونَ بَنِي عَدِيِّ بنِ كَعْبٍ يُسْلِمُونَ لَكُمْ صَاحِبَهُمْ هَكَذَا؟ خَلُّوا عَنِ الرَّجُلِ، قَالَ: فَتَرَكُوهُ.
قَالَ ابنُ عُمَرَ: فَقُلْتُ لِأَبِي بَعْدَ أَنْ هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ: يَا أَبَتِ! مَنِ الرَّجُلُ الذِي زَجَرَ القَوْمَ عَنْكَ بِمَكَّةَ يَوْمَ أسْلَمْتَ، وهُمْ يُقَاتِلُونَكَ؟ فَقَالَ: ذَاكَ العَاصُ بنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ (١).
قَالَ ابنُ هِشَامٍ: حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ، قَالَ لِعُمَرَ: يَا أَبَتِ! مَنِ الرَّجُلُ الذِي زَجَرَ القَوْمَ عَنْكَ يَوْمَ أسْلَمْتَ، وهُمْ يُقَاتِلُونَكَ، جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا؟
قَالَ: يَا بُنَيَّ، ذَاكَ العَاصُ بنُ وَائِلٍ، لَا جَزَاهُ اللَّهُ خَيْرًا (٢).
* زَحْفُ المُشْرِكِينَ لِقَتْلِ عُمَرَ -﵁-:
ثُمَّ زَحَفَ المُشْرِكُونَ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى بَيْتِ عُمَرَ -﵁- يُرِيدُونَ قَتْلَهُ، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ فِي
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب مناقب الصحابة - باب وصف إسلام عمر -﵁- رقم الحديث (٦٨٧٩) - والإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (٣٧٢) - وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٨٩) - وقال: إسناده جيد قَويّ.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٨٧).
[ ١ / ٣٥٣ ]
الدَّارِ -أيْ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ- خَائِفًا إِذْ جَاءَهُ العَاصُ بنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ أَبُو عَمْرٍو، وَهُوَ مِنْ بَنِي سَهْمٍ، وَهُمْ حُلَفَاؤُنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ لَهُ: مَا بَالُكَ؟ قَالَ: زَعَمَ قَوْمُكَ أَنَّهُمْ سَيَقْتُلُونَنِي أَنْ أسْلَمْتُ، قَالَ: لَا سَبِيلَ إلَيْكَ، فَخَرَجَ العَاصُ، فَلَقِيَ النَّاسَ قَدْ سَالَ بِهِمُ الوَادِي، فَقَالَ: أيْنَ تُرِيدُونَ؟ فَقَالُوا: نُرِيدُ هَذَا ابْنَ الخَطَّابِ الذِي صَبَأَ، قَالَ: لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ (١)، قَالَ: فكَرَّ (٢) النَّاسُ (٣).
* عِزَّةُ المُسْلِمِينَ:
وَبِإِسْلَامِ عُمَرَ -﵁- عَزَّ الإِسْلَامُ والمُسْلِمُونَ، وصَارُوا يَغْشَوْنَ الكَعْبَةَ ويَطُوفُونَ حَوْلَهَا، ويُصَلُّونَ لَا يَخَافُونَ قُرَيْشًا.
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: مَا زِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- (٤).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: لِمَا كَانَ فِيهِ مِنَ الجَلَدِ والقُوَّةِ فِي أمْرِ اللَّهِ تَعَالَى (٥).
ورَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، والحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ
_________________
(١) في رواية أخرى في الصحيح، قال العاص بن وائل: فأنا له جار.
(٢) كَرَّ: رجَع. انظر لسان العرب (١٢/ ٦٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب إسلام عمر بن الخطاب -﵁- رقم الحديث (٣٨٦٤) (٣٨٦٥).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب مناقب عمر بن الخطاب -﵁- رقم الحديث (٣٦٨٤).
(٥) انظر فتح الباري (٧/ ٤٠٤).
[ ١ / ٣٥٤ ]
حَسَنٍ عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: كَانَ إسْلَامُ عُمَرَ فَتْحًا، وهِجْرتُهُ نَصْرًا، وإمَارَتُهُ رَحْمَةً، واللَّهِ مَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نُصَلِّيَ حَوْلَ البَيْتِ ظَاهِرِينَ حَتَّى أَسْلَمَ عُمَرُ (١).
قَالَ الحَافِظُ فِي الإِصَابَةِ: ثُمَّ أَسْلَمَ عُمَرُ -﵁-، فكَانَ إسْلَامُهُ فَتْحًا عَلَى المُسْلِمِينَ، وفَرَجًا لَهُمْ مِنَ الضِّيقِ (٢).
* آيَةٌ نَزَلَتْ:
ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى أنْزَلَ فِي عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁-، وأبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى، قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (٣).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: والصَّحِيحُ أَنَّ الآيَةَ عَامَّةٌ، يَدْخُلُ فِيهَا كُلُّ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ (٤).
_________________
(١) قُلْتُ: يُرِيدُ ابنُ مَسْعُودٍ -﵁- الضُّعَفَاءَ مِنْهُمْ، وإلَّا فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وحَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ وأمْثَالُهُمْ ﵃ مِمَنْ لَهُ مَنَعَةٌ يُصَلُّونَ عِنْدَ الكَعْبَةِ. والخبر أخرجه الإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (٣٠٧) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب النهي عن لبس الديباج والحرير - رقم الحديث (٤٥٤٣).
(٢) انظر الإصابة (٤/ ٤٨٤).
(٣) سورة الأنعام آية (١٢٢).
(٤) انظر تفسير ابن كثير (٣/ ٣٣٠).
[ ١ / ٣٥٥ ]
وَقَالَ سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى: أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾ (١).
قَالَا: إِنَّ هَذِهِ الآيةَ نَزَلَتْ حِينَ أَسْلَمَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-، وَكَمُلَ بِهِ الأَرْبَعُونَ.
وَرَدَّ الحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ ذَلِكَ، وَقَالَ: وَفِي هَذَا نَظَرٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وَإِسْلَامُ عُمَرَ -﵁- كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الهِجْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ، وَاللَّه أعْلَمُ (٢).
* * *
_________________
(١) سورة الأنفال آية (٦٥).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٨٧).
[ ١ / ٣٥٦ ]
إغْرَاءَاتُ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-
لَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَاضٍ فِي دَعْوَتِهِ، وأصْحَابُهُ يَزِيدُونَ ويَكْثُرُونَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ، وَأَنَّ كُلَّ مُحَاوَلَاتِهَا فِي الصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وَصَرْفِ النَّاسِ عَنِ الاسْتِجَابَةِ لِدَاعِي اللَّهِ تَعَالَى قَدْ فَشِلَتْ، رَأَتْ أَنْ تُجَرِّبَ أُسْلُوبًا آخَرَ مِنَ المُفَاوَضَاتِ والإِغْرَاءَ، تَعْرِضُ فِيهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- المَالَ، أَوِ الجَاهَ، أَوِ المُلْكَ والسُّلْطَانَ، ظنًّا مِنْهُمْ أَنَّهُ رُبَّمَا يُغْرِيهِ بَرِيقُ هَذهِ العُرُوضِ.
* حِوَارُ عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
رَوَى ابنُ إسْحَاقَ: أَنَّ عُتْبَةَ بن ربِيعَةَ (١) -وكَانَ سَيِّدًا مُطَاعًا فِي قَوْمِهِ، وكَانَ قَدْ جَاوَزَ الثَّمَانِينَ مِنْ عُمُرِهِ- قَالَ يَوْمًا وَهُوَ جَالِسٌ فِي نَادِي قُرَيْشٍ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسٌ فِي المَسْجِدِ وَحْدَهُ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! أَلَا أَقُومُ إِلَى مُحَمَّدٍ فَأُكُلِّمَهُ وَأَعْرِضَ عَلَيْهِ أُمُورًا لَعَلُّهُ يَقْبَلُ بَعْضَهَا، فَنُعْطِيَهُ أيَّهَا شَاءَ، ويَكُفَّ عَنَّا؟ فَقَالُوا: بَلَى يَا أبَا الوَليدِ، قُمْ إِلَيْهِ فَكَلِّمْهُ، فَقَامَ إِلَيْهِ عُتْبَةُ حَتَّى جَلَسَ إِلَى رَسُولِ
_________________
(١) هو عتبةُ بنُ ربيعةَ بنِ عبدِ شمسٍ، أَبُو الوليدِ، كبيرُ قُريشٍ وأحدُ ساداتِهَا فِي الجاهليةِ، كان مَوصوفًا بالرأيِ، والحِلْمِ، والفضلِ، خَطِيبًا، نافذَ القولِ، نشَأَ يَتِيمًا فِي حِجْرِ حَرب بن أميَّة، أدركَ الإِسلامَ، وطَغَى، فشهِدَ بدرًا مع المشركين، وكان ضَخْمَ الجُثَّةِ، عظيمَ الهامةِ، طلبَ خَوْذَةً يلبسُهَا يومَ بدرٍ فلم يجِدْ ما يسَعُ هامَتَهُ، فاعتَجَرَ على رأسِهِ بثوبٍ لَهُ، وقُتلَ فِي غزوةِ بدرٍ الكبرى كَافرًا لعنهُ اللَّه تَعَالَى. انظر كتاب الأعلام للزركلي (٤/ ٢٠٠).
[ ١ / ٣٥٧ ]
اللَّهِ -ﷺ- فَقَال: يَا ابْنَ أخِي! إِنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ مِنَ السِّطَةِ (١) فِي العَشِيرَةِ، والمَكَانِ فِي النَّسَبِ، وَإِنَّكَ قَدْ أتَيْتَ قَوْمَكَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ، فَرَّقْتَ بِهِ جَمَاعَتَهُمْ، وسَفَّهْتَ بِهِ أحْلَامَهُمْ، وَعِبْتَ بِهِ آلِهَتَهُمْ ودِينَهُمْ، وَكَفَّرْتَ بِهِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ، فَاسْمَعْ مِنِّي أعْرِضْ عَلَيْكَ أُمُورًا تَنْظُرُ فِيهَا لَعَلَّكَ تَقْبَلُ مِنْهَا بَعْضَهَا، قَالَ: قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قُلْ يَا أبَا الْوَليدِ أَسْمَعْ"، قَال: يَا ابْنَ أَخِي! إِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُرِيدُ بِمَا جِئْتَ بِهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ مَالًا جَمَعْنَا لَكَ مِنْ أمْوَالِنَا حَتَّى تَكُونَ أَكْثَرَنَا مَالًا، وإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ شَرَفًا سَوَّدْنَاكَ عَلَيْنَا، حَتَّى لا نَقْطَعَ أمْرًا دُونَكَ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ بِهِ مُلْكًا مَلَّكْنَاكَ عَلَيْنَا، وَإِنْ كَانَ هَذَا الذِي يَأْتِيكَ رِئْيًا تَرَاهُ، لا تَسْتَطِيعُ رَدَّهُ عَنْ نَفْسِكَ، طَلَبْنَا لَكَ الطِّبَّ، وبَذَلْنَا فِيهِ أمْوَالَنَا حَتَّى نُبْرِئَكَ مِنْهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ قَوْلِهِ ورَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْتَمعُ مِنْهُ، قَالَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "أَقَدْ فَرَغْتَ يَا أبَا الوَليدِ؟ "، قال: نَعَمْ، قَالَ: "فَاسْتَمعْ مِنِّي"، قَالَ: أفْعَلُ، فَقَال رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-:
"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ (٢).
ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِيهَا يَقْرَؤُهَا عَلَيْهِ، فَلَمَّا سَمِعَهَا مِنْهُ عُتْبَةُ، أَنْصَتَ لَهَا، وَأَلْقَى يَدَيْهِ خَلْفَ ظَهْرِهِ مُعْتَمِدًا عَلَيْهَا يَسْمَعُ مِنْهُ، ثُمَّ انتهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) وسَطَ فلانٌ فِي حَسَبِهِ سِطَةً: أي كَانَ مِنْ خِيارِ قَومه نَسَبًا وأرفعِهِم مَجْدًا. انظر لسان العرب (١٥/ ٢٩٦).
(٢) سورة فصلت آية (١ - ٥).
[ ١ / ٣٥٨ ]
إِلَى السَّجْدَةِ مِنْهَا، فَسَجَدَ، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "قَدْ سَمِعْتَ يَا أبَا الوَلِيدِ مَا سَمِعْتَ، فَأَنْتَ وَذَاكَ! " (١).
وفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ: أَنَّ عُتْبَةَ اسْتَمَعَ حتَّى وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (٢)، فَقَامَ عُتْبَةُ مَذْعُورًا، فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَمِ الرَّسُولِ -ﷺ- يُنَاشِدُهُ اللَّهَ وَالرَّحِمَ أَنْ يَكُفَّ عَنْهُ، وذَلِكَ مَخَافَةَ أَنْ يَقَعَ النَّذِيرُ (٣).
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الحَسَنِ النَّدْوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كُلَّ ذَلِكَ فِي هُدُوءٍ وتَأَنٍّ، ثُمَّ رَفَضَهُ فِي غَيْرِ شَكٍّ وتَأْخِيرٍ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا العَرْضُ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى شَخْصِ الرَّسُولِ -ﷺ- فَحَسْبُ، بَلْ كَانَ عَلَى هَذِهِ الأُمَّةِ التِي يُمَثِّلُهَا ويَقُودُهَا، وَلَمْ يَكُنْ رَفْضُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِمَا عَرَضَتْ قُرَيْشٌ، رَفْضًا عَنْ نَفْسِهِ الكَرِيمَةِ فَقَطْ، بَلْ كَانَ رَفْضًا عَنْ أُمَّتِهِ إِلَى آخِرِ الْأَبَدِ. . . فَاقْتَنَعَتْ قُرَيْشٌ بِهَذِهِ المُحَاوَرَةِ، ويَئِسَتْ مِنْ مُسَاوَمَةِ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَلَمْ تَعُدْ تَعْرِضُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُباشَرَةً، وَعَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ بِوَاسِطَةٍ مَا عَرَضَتْهُ مِنْ قَبْلُ، وقَطَعَتْ مِنْهَا أَمَلَهَا (٤).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٣٠) - الرَّوْض الأُنُف (٢/ ٤٧).
(٢) سورة فصلت آية (١٣).
(٣) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥).
(٤) انظر كتاب إلى الإسلام من جديد لأبي الحسن النَّدْوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ١٣.
[ ١ / ٣٥٩ ]
* مَا أشَارَ بِهِ عُتْبَةُ عَلَى قُرَيْشٍ:
فَلَمَّا سَمِعَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ مَا سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ، وَرَجَعَ إلى أَصْحَابِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: نَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أَبُو الوَليدِ بِغَيْرِ الْوَجْهِ الذِي ذَهَبَ بِهِ، فَلَمَّا جَلَسَ إِلَيْهِمْ، قَالُوا: مَا وَرَاءَكَ يَا أبَا الوَليدِ؟ فَقَالَ لَهُمْ: ورَائِي أنِّي سَمِعْتُ قَوْلًا، وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، ومَا دَرَيْتُ مَا أَرُدُّ عَلَيْهِ، وَاللَّهِ مَا هُوَ بِالشِّعْرِ، وَلَا بِالسِّحْرِ، وَلَا بِالْكَهَانَةِ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! أطِيعُونِي واجْعَلُوهَا بِي، وفِي رِوَايَةٍ: أطِيعُونِي فِي هَذَا اليَوْمِ وَاعْصُونِي فِيمَا بَعْدَهُ، وخَلُّوا بَيْنَ هَذَا الرَّجُلِ وَبَيْنَ مَا هُوَ فِيهِ، فَاعْتَزِلُوهُ، فَوَاللَّهِ لَيَكُونَنَّ لِقَوْلِهِ الذِي سَمِعْتُ مِنْهُ نَبَأٌ عَظِيمٌ، فَإِنْ تُصِبْهُ العَرَبُ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُ بِغَيْرِكُمْ، وَإِنْ يَظْهَرْ عَلَى العَرَبِ فَمُلْكُهُ مُلْكُكُمْ، وعِزُّهُ عِزُّكُمْ، وَكُنْتُمْ أسْعَدَ النَّاسِ بِهِ، قَالُوا: سَحَرَكَ وَاللَّهِ يَا أبَا الوَلِيدِ بِلِسَانِهِ، قَالَ: هَذَا رَأْيِي فِيهِ، فَاصْنَعُوا مَا بَدَا لَكُمْ (١).
* تَصْوِيرٌ لِمَوْقِفِ قُرَيْشٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
قَالَ الشَّيْخُ عَلِي الطَّنْطَاوِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وهُوَ يُصَوِّرُ مَوْقِفَ قُرَيْشٍ مِنْ دَعْوَةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، قَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِقُرَيْشٍ: افتحُوا لِيَ الطَّرِيقَ لِأَخْرُجَ إِلَى الأَرْضِ الفَضَاءِ، فَأَنْصُرَ الضَّعِيفَ، وأُنْجِدَ المَظْلُومَ، وأُعِيدَ
_________________
(١) أخرج قصَّة إرسالِ قريشٍ عُتبة بن ربيعة إلى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- ليحاوره: ابن إسحاق في السيرة (١/ ٣٣٠) - والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٠٤ - ٢٠٥) - وحسن إسنادها الألباني في تحقيقه لفقه السيرة للشيخ محمد الغزالي.
[ ١ / ٣٦٠ ]
لِلْبَشَرِيَّةِ كَرَامَتَهَا، ولِلْعَقْلِ سُلْطَانَهُ، قَالُوا: لَا.
قَالَ: افْسَحُوا لِرِسَالَتِي لِتَنْطَلِقَ فِي الزَّمَانِ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ لِبَلَدٍ وَاحِدٍ، وَلَا لِيَوْمٍ وَاحِدٍ، قَالُوا: لَا! وَلَكِنْ تَعَالَ نُمَلِّكْكَ إِنْ شِئْتَ عَلَيْنَا، ونَمْنَحَكَ أمْوَالَنَا ونَجْعَلَكَ سَيِّدَ هذَا البَلَدِ كُلِّهِ.
وسَخِرَ التَّارِيخُ مِنْ قُرَيْشٍ. . . يَدْعُوهُمْ مُحَمَّدٌ -ﷺ- ليُعْطِيَهُمْ سِيَادَةَ الْأَرْضِ، وزَعَامَةَ الدُّنْيَا، ويَضَعَ فِي أيْدِيهِمْ مَفَاتِيحَ الكُنُوزِ: كُنُوزَ المَالِ، وكُنُوزَ العِلْمِ، ويَمْنَحَهُمْ مَا يَمْلِكُ كِسْرَى وقَيْصَرُ، وهُمْ يَدْعُونَهُ لِيُعْطُوهُ إمَارَةَ هَذهِ القَرْيَةِ، النَّائِمَةِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، ورَاءَ رِمَالِ الصَّحْرَاءَ (١).
* * *
_________________
(١) انظر كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ١٣.
[ ١ / ٣٦١ ]
تَعَنُّتُ قُرَيْشٍ وَطَلَبُهُمُ الآيَاتِ وَالمُعْجِزَاتِ
وهَكَذَا لَمْ تُفْلِحْ طُرُقُ الإِغْرَاءِ، ولَا الْإِرْهَابِ فِي كَفِّ النَّبِيِّ -ﷺ- عَنْ دَعْوَتِهِ فَهُنَا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنْ تَطْلُبَ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ- الخَوَارِقَ، والمُعْجِزَاتِ المَادِيَّةَ والحِسِّيَّةَ.
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حَدِيثَ زُعَمَاءِ قُرَيْشٍ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- وإغْرَاءَاتِهِمْ لَهُ، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ! فَإِنْ كُنْتَ غَيْرَ قَابِلٍ مِنَّا شَيْئًا مِمَّا عَرَضْنَاهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّكَ قَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أضْيَقَ بَلَدًا، ولَا أقَلَّ مَاءً، وَلَا أشَدَّ عَيْشًا مِنَّا، فَسَلْ لَنَا رَبَّكَ الذِي بَعَثَكَ بِمَا بَعَثَكَ بِهِ، فَلْيُسَيِّرْ عَنَّا هَذِهِ الجِبَالَ التِي قَدْ ضَيَّقَتْ عَلَيْنَا، ولْيَبْسُطْ لَنَا بِلَادَنَا، ولْيُفَجِّرْ لَنَا فِيهَا أنْهَارًا كَأنْهَارِ الشَّامِ والعِرَاقِ، ولْيَبْعَثْ لَنَا مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِنَا، ولْيَكُنْ فِيمَنْ يَبْعَثُ لَنَا مِنْهُمْ: قُصَيَّ بنَ كِلَابٍ، فَإِنَّهُ كَانَ شَيْخَ صِدْقٍ، فَنَسْأَلهُمْ عَمَّا تَقُولُ: أحَقٌّ هُوَ أمْ بَاطِلٌ، فَإِنْ صَدَّقَكَ وَصَنَعْتَ مَا سَأَلْنَاكَ صَدَّقْنَاكَ، وعَرَفْنَا بِهِ مَنْزِلَتَكَ مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ بَعَثَكَ رَسُولًا كَمَا تَقُولُ، فَقَالَ لَهُمْ -ﷺ-: "مَا بِهَذَا بُعِثْتُ إلَيْكُمْ، إِنَّمَا جِئْتُكُمْ مِنَ اللَّهِ بِمَا بَعَثَنِي بِهِ، وَقَدْ بَلَّغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إلَيْكُمْ، فَإِنْ تَقْبَلُوهُ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى، حتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي
[ ١ / ٣٦٢ ]
وبَيْنَكُمْ"، قَالُوا: فَإِذَا لَمْ تَفْعَلْ هَذَا لَنَا، فَخُذْ لِنَفْسِكَ، سَلْ رَبَّكَ أَنْ يَبْعَثَ مَعَكَ مَلَكًا يُصَدِّقُكَ بِمَا تَقُولُ، ويُرَاجِعُنَا عَنْكَ، وسَلْهُ فَلْيَجْعَلْ لَكَ جِنَانًا وقُصورًا وكُنُوزًا مِنْ ذَهَبٍ وفِضَّةٍ، يُغْنِيكَ بِهَا عَمَّا نَرَاكَ تَبْتَغِي، فَإِنَّكَ تَقُومُ بِالْأَسْوَاقِ كَمَا نَقُومُ، وتَلْتَمِسُ المَعَاشَ كَمَا نَلْتَمِسُ، حتَّى نَعْرِفَ فَضْلَكَ ومَنْزِلَتَكَ مِنْ رَبِّكَ إِنْ كُنْتَ رَسُولًا كَمَا تَزْعُمُ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا أنَا بِفَاعِلٍ، ومَا أنَا بِالذِي يَسْأَلُ رَبَّهُ هَذَا (١)، وَمَا بُعِثْتُ إلَيْكُمْ بِهَذَا، ولَكِنَّ اللَّه بَعَثَنِي بَشِيرًا ونَذِيرًا، فَإِنْ تَقْبَلُوا مَا جِئْتُكُمْ بِهِ فَهُوَ حَظُّكُمْ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ، وَإِنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصبِرُ لِأَمْرِ اللَّهِ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وبَيْنَكُمْ".
قَالُوا: فأسْقِطِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا كِسَفًا (٢)، كَمَا زَعَمْتَ أَنَّ رَبَّكَ إِنْ شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّا لا نُؤْمِنُ لَكَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ أَنْ يَفْعَلَهُ بِكُمْ فَعَلَ".
قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، أفَمَا عَلِمَ رَبُّكَ أنَّا سَنَجْلِسُ مَعَكَ، ونَسْأَلُكَ عَمَّا سَأَلْنَاكَ عَنْهُ، ونَطْلُبُ مِنْكَ مَا نَطْلُبُ، فَيَتَقَدَّمَ إلَيْكَ فَيُعْلِمَكَ مَا تُرَاجِعُنَا بِهِ، ويُخْبِرَكَ مَا هُوَ صَانِعٌ فِي ذَلِكَ بِنَا، إِذَا لَمْ نَقْبَلْ مِنْكَ مَا جِئْتَنَا بِهِ؟ .
إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكَ إِنَّمَا يُعَلِّمُكَ هَذَا رَجُلٌ بِاليَمَامَةِ، يُقَالُ لَهُ: الرَّحْمَنُ، وَإِنَّا
_________________
(١) قال الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه السِّيرة النَّبوِيَّة (١/ ٣١٦): لأنه لا يسألُ هذا إلا من جَهِلَ رسالتَهُ، وجهِلَ سُنَنَ ربهِ، ورَسُول اللَّهِ -ﷺ- بريءٌ منهما.
(٢) قال ابن هشام في السيرة (١/ ٣٤٧): الكِسَفُ: القِطَعُ منَ العَذَابِ، وواحدتهُ: كِسْفَةٌ.
[ ١ / ٣٦٣ ]
وَاللَّهِ لَا نُؤْمِنُ بالرَّحْمَنِ أَبَدًا، فَقَدْ أعْذَرْنَا إِلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ! .
وَإِنَّا وَاللَّهِ لَا نَتْرُكُكَ، ومَا بَلَغْتَ مِنَّا حَتَّى نُهْلِكَكَ أَوْ تُهْلِكَنَا، وَقَالَ قَائِلُهُمْ: نَحْنُ نَعْبُدُ المَلَائِكَةَ، وهِيَ بَنَاتُ اللَّهِ، وَقَالَ آخَرُ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَأْتِيَنَا بِاللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (١).
* مَقَالَةُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي أُمَيَّةَ المَخْزُومِيِّ (٢):
فَلَمَّا قَالُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَامَ عَنْهُمْ، وقَامَ مَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ بنِ المُغِيرَةِ المَخْزُومِيُّ -وهُوَ ابنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ -ﷺ- عَاتِكَةَ بِنْتِ عَبْدِ المُطَّلِبِ- فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، عَرَضَ عَلَيْكَ قَوْمُكَ مَا عَرَضُوا فَلَمْ تَقْبَلْهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوكَ لِأَنْفُسِهِمْ أُمُورًا لِيَعْرِفُوا بِهَا مَنْزِلَتَكَ مِنَ اللَّهِ فَلَمْ تَفْعَلْ، ثُمَّ سَأَلُوكَ أَنْ تَأْخُذَ لِنَفْسِكَ مَا يَعْرِفُونَ بِهِ فَضْلَكَ عَلَيْهِمْ، ومَنْزِلَتَكَ مِنَ اللَّهِ، فَلَمْ تَفْعَلْ، ثُمَّ سَأَلُوكَ أَنْ تُعَجِّلَ لَهُمْ بَعْضَ مَا تُخَوِّفُهُمْ بِهِ مِنَ العَذَابِ، فَلَمْ تَفْعَلْ، فَوَاللَّهِ لَا أُؤْمِنُ بِكَ أبَدًا حَتَّى تَتَّخِذَ إلى السَّمَاءِ سُلَّمًا، ثُمَّ تَرْقَى فِيهِ، وَأَنَا أنْظُرُ إِلَيْكَ حَتَّى تَأْتِيَهَا، وتَأْتِيَ مَعَكَ بِنُسْخَةٍ مَنْشُورَةٍ، ثُمَّ تَأْتِيَ مَعَكَ أرْبَعَةٌ مِنَ المَلَائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ أَنَّكَ كَمَا تَقُولُ، وأَيْمُ اللَّهِ، لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ مَا ظَنَنْتُ أنِّي أُصَدِّقُكَ، ثُمَّ انْصَرَفَ
_________________
(١) قال ابن هشام في السيرة (١/ ٣٤٧): القبيلُ: يكونُ مُقابلةً ومُعاينةً، وهو كقوله تَعَالَى في سورة الكهف آية (٥٥): ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ أي عيانًا -والخبر في سيرة ابن هشام (١/ ٣٣٣ - ٣٣٤).
(٢) أسلمَ -﵁- في فَتْحِ مكةَ وحسُن إسلامه.
[ ١ / ٣٦٤ ]
عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى أهْلِهِ حَزِينًا آسِفًا مِمَّا فَاتَهُ، مِمَّا كَانَ يَطْمَعُ بِهِ مِنْ قَوْمِهِ حِينَ دَعَوْهُ، وَلِمَا رَأَى مِنْ مُبَاعَدَتِهِمْ إيَّاهُ (١).
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: فَدَعَا رَسُول اللَّهِ -ﷺ- قَوْمَهُ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَكَلَّمَهُمْ، فَأَبْلَغَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُ زَمْعَةُ بنُ الْأَسْوَدِ، والنَّضْرُ بنُ الحَارِثِ، والْأَسْوَدُ بنُ عَبْدِ يَغُوثَ، وأُبَيُّ بنُ خَلَفٍ، والعَاصُ بنُ وَائِلٍ: لَوْ جُعِلَ مَعَكَ يَا مُحَمَّدُ مَلَكٌ يُحَدِّثُ عَنْكَ النَّاسَ وَيُرَى مَعَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلهِمْ: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ﴾ (٢).
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ -ﷺ- فِيمَا سَأَلَهُ قَوْمُهُ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ تَسْيِيرِ الجِبَالِ، وتَقْطِيعَ الأَرْضِ، وبَعْثِ مَنْ مَضَى مِنْ آبَائِهِمْ مِنَ المَوْتَى، قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ جَمِيعًا﴾ (٣).
وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولهِ -ﷺ- فِي قَوْلِهِمْ: خُذْ لِنَفْسِكَ، مَا سَأَلُوهُ أَنْ يَأْخُذَ لِنَفْسِهِ، أَنْ يَجْعَلَ لَهُ جِنَانًا وقُصُورًا وكُنُوزًا، ويَبْعَثَ مَعَهُ مَلَكًا يُصَدِّقُهُ بِمَا يَقُولُ ويَرُدُّ عَنْهُ، قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٣٤ - ٣٣٥).
(٢) سورة الأنعام آية (٨ - ٩).
(٣) سورة الرعد آية (٣١) - والخبر في سيرة ابن هشام (١/ ٣٤٥).
[ ١ / ٣٦٥ ]
الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩) تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا﴾ (١).
وأنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ قَوْلِهِمْ، قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ (٢) وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ (٣)، أيْ: جَعَلْتُ بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ بَلَاءً لِتَصْبِرُوا، ولَوْ شِئْتُ أَنْ أجْعَلَ الدُّنْيَا مَعَ رُسُلِي فَلَا يُخَالَفُوا لفَعَلْتُ.
وأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي أُمَيَّة: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ
_________________
(١) سورة الفرقان آية (٧ - ١٠) - والخبر في سيرة ابن هشام (١/ ٣٤٦).
(٢) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٦/ ١٠٠): يقول اللَّه تَعَالَى مُخْبرًا عن جميعَ من بَعَثَهُ من الرُّسل المتقدمينَ: أنَّهم كانوا يأكُلُون الطعامَ، ويحتاجُون إلى التَّغَذِّي به ﴿وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ أي: للتكَسُّبِ والتجارَةِ، وليسَ ذلك بمُنَافٍ لحالِهم ومَنْصبهم، فإنَّ اللَّه جعل لهم من السِّمات الحسنةِ، والصِّفاتِ الجميلةِ، والأقوالِ الفاضلةِ، والأعمالِ الكاملةِ، والخوارقِ البَاهِرةِ، والأدلَّة القاهِرَة، ما يَستدلُّ به كل ذِي لُبٍّ سَليم، وبصيرةٍ مُسْتقيمة، على صِدْق ما جاؤُوا به منَ اللَّه ﷿.
(٣) سورة الفرقان آية (٢٠) - والخبر في سيرة ابن هشام (١/ ٣٤٦).
[ ١ / ٣٦٦ ]
خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (١).
وأنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ -ﷺ- قَوْلِهِمْ: إنَّا قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكَ إِنَّمَا يُعَلِّمُكَ رَجُلٌ بِاليَمَامَةِ، يُقَالُ لَهُ: الرَّحْمَنُ، ولَنْ نُؤْمِنَ بِهِ أبَدًا: ﴿كَذَلِكَ أَرْسَلْنَاكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ لِتَتْلُوَ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ قُلْ هُوَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ مَتَابِ﴾ (٢).
* الحِكْمَةُ فِي أَنَّهُمْ لَمْ يُجَابُوا لِمَا طَلَبُوا:
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، والحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ -ﷺ- أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ الصَّفَا ذَهَبًا، وَأَنْ يُنَحِّيَ الجِبَالَ عَنْهُمْ، فَيَزْرَعُوا، فَقِيلَ لَهُ -أيْ النَّبِيِّ -ﷺ-: إِنْ شِئْتَ أَنْ تَسْتَأْنِي بِهِمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ نُؤْتِيَهُمُ الذِي سَأَلُوا، فَإِنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَمَا أَهْلَكْتُ مَنْ قَبْلَهُمْ، فَقَالَ -ﷺ-: "لَا، بَلْ أسْتَأْنِي بِهِمْ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ (٣).
_________________
(١) سورة الإسراء آية (٩٠ - ٩٣)، والخبر في سيرة ابن هشام (١/ ٣٤٦).
(٢) سورة الرعد آية (٢٠)، والخبر في سيرة ابن هشام (١/ ٣٤٨).
(٣) سورة الإسراء آية (٥٩) -والحديث أخرجه الإمام أحمد فِي مسنده- رقم الحديث =
[ ١ / ٣٦٧ ]
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلِهَذَا اقْتَضَتِ الحِكْمَةُ الإِلهِيَّةُ، والرَّحْمَةُ الرَّبَّانِيَّةُ، ألَّا يُجَابُوا إِلَى مَا سَأَلُوا؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى عَلِمَ أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ بِذَلِكَ فَيُعَاجِلَهُمْ بِالعَذَابِ (١).
وَقَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد أَبُو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: واللَّهُ ﷾ لَمْ يُجِبْهُمْ عَلَى مَا سَأَلُوا -وهُوَ القَادِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ- لِأَنَّهُمْ لَمْ يَسْأَلُوا مُسْتَرْشِدِينَ وجَادِّينَ، وَإِنَّمَا سَأَلُوا مُتَعَنِّتِينَ ومُسْتَهْزِئِينَ، وَقَدْ عَلِمَ ﷾ أَنَّهُمْ لَوْ عَايَنُوا وشَاهَدُوا مَا طَلَبُوا لَمَا آمَنُوا، ولَظَلُّوا فِي غَيِّهِمْ، وضَلالِهِمْ يَترَدَّدُونَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩) وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠) وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ﴾ (٢).
وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ (٣).
_________________
(١) = (٢٣٣٣) - وأخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب سأل أهل مكة أن تتنحى عنهم الجبال - رقم الحديث (٣٤٣١).
(٢) انظر البداية والنهاية (٣/ ٥٧).
(٣) سورة الأنعام آية (١٠٩ - ١١١).
(٤) سورة الأنعام آية (٧).
[ ١ / ٣٦٨ ]
وَلهَذَا اقْتَضتِ الحِكْمَةُ الإِلهِيَّةُ، والرَّحْمَةُ الرَّبَّانِيَّةُ ألَّا يُجَابُو عَلَى مَا سَأَلُوا، لِأَنَّ سُنَّتَهُ ﷾ أَنَّهُ إِذَا طَلَبَ قَوْمٌ آيَاتٍ فَأُجِيبُوا، ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا عَذَّبَهُمْ عَذَابَ الِاسْتِئْصَالِ، كَمَا فَعَلَ بِعَادٍ، وثَمُودَ، وقَوْمِ فِرْعَوْنَ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ (١).
فَلَوْ أُعْطِيَتْ قُرَيْشٌ مَا سَأَلُوا مِنَ الآيَاتِ الحِسِّيَّةِ التِي اقْترَحُوهَا ثُمَّ لَمْ يُؤْمِنُوا لَأُهْلِكُوا، ولَكِنَّ اللَّه تَعَالَى -جَلَّتْ حِكْمَتُهُ- رَفَعَ عَنْ هَذِهِ الأُمَّةِ عَذَابَ الِاسْتِئْصَالِ بِفَضْلِ نَبِيِّهَا مُحَمَّدٍ -ﷺ-، فَقَدْ بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى رَحْمَةً، وَلَمْ يَبْعَثْهُ نِقْمَةً، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (٢).
وَلِهَذَا قِيلَ:
لَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ آيَاتٌ مُبَيَّنَةٌ كَانَتْ بَدَاهَتُهُ تُنْبِيكَ بِالخَبَرِ
رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ عَلَى المُشْرِكِينَ، فَقَالَ -ﷺ-: "إنِّي لَمْ أُبْعَثْ لَعَّانًا، وَإِنَّمَا بُعِثْتُ رَحْمَةً" (٣).
_________________
(١) سورة الإسراء آية (٥٩).
(٢) سورة الأنبياء آية (١٠٧) - وانظر كلام الدكتور محمد أبو شهبة فِي كتابه السِّيرة النَّبوِيَّة (١/ ٣١٩ - ٣٢٠).
(٣) أخرجه الإِمام مسلم فِي صحيحه - كتاب البر والصلة والآداب - باب النهي عن لعن الدواب وغيرها - رقم الحديث (٢٥٩٩).
[ ١ / ٣٦٩ ]
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَتْ قُرَيْشٌ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُصْبِحْ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا، فَإِنْ أَصْبَحَتْ ذَهبًا اتَّبَعْنَاكَ، وعَرَفْنَا أَنَّ مَا قُلْتَ كَمَا قُلْتَ، فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَبَّهُ ﷿، فَأَتاهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَقَالَ: إِنْ شِئْتَ أصْبَحَتْ لَهُمْ هَذِهِ الصَّفَا ذَهَبًا، فَمَنْ كَفَرَ مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ، عَذَّبْتُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ العَالَمِينَ، وَإِنْ شِئْتَ، فَتَحْنَا لَهُمْ أبْوَابَ التَّوْبَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا رَبِّ، لَا، بَلِ افْتَحْ لَهُمْ أَبْوَابَ التَّوْبَةِ" (١).
* القُرْآنُ مُعْجِزَةُ المُعْجِزَاتِ:
وَلَيْسَ أدَلَّ عَلَى أَنَّ القَوْمَ كَانُوا مُتَعَنِّتِينَ وسَاخِرِينَ، ومُعَوِّقِينَ لَا جَادِّينَ مِنْ أَنَّ عِنْدَهُمُ القُرْآنُ، وهُوَ آيَةُ الآيَاتِ، وبَيِّنَةُ البَيِّنَاتِ.
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وأوْجُهُ إعْجَازِ القُرْآنِ كَثِيرَةٌ، فَمِنْهَا:
١ - حُسْنُ تَأْلِيفِهِ وَالْتِئَامِ كَلِمِهِ مَعَ الإِيجَازِ والبَلاغَةِ.
٢ - ومِنْهَا صُورَةُ سِيَاقِهِ وأُسْلُوبِهِ المُخَالِفِ لِأَسَالِيبِ كَلَامِ أَهْلِ البَلَاغَةِ مِنَ العَرَبِ نَظْمًا ونَثْرًا حَتَّى حَارَتْ فِيهِ عُقُولُهُمْ، وَلَمْ يَهْتَدُوا إِلَى الإتْيَانِ بِشَيْءٍ مِثْلِهِ مَعَ تَوَفُّرِ دَوَاعِيهِمْ عَلَى تَحْصِيلِ ذَلِكَ، وتَقْرِيعِهِ لَهُمْ عَلَى العَجْزِ عَنْهُ.
٣ - ومِنْهَا مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الأَخْبَارِ عَمَّا مَضَى مِنْ أَحْوَالِ الأُمَمِ السَّالِفَةِ
_________________
(١) أخرجه الإِمام أَحْمد فِي مسنده - رقم الحديث (٣٢٢٣).
[ ١ / ٣٧٠ ]
والشَّرَائِعِ الدَّائِرَةِ مِمَّا كَانَ لَا يُعْلَمُ مِنْهُ بَعْضَهُ إِلَّا النَّادِرُ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ.
٤ - ومِنْهَا الإِخْبَارُ بِمَا سَيَأْتِي مِنَ الكَوَائِنِ التِي وَقَعَ بَعْضُهَا فِي العَصْرِ النَّبَوِيِّ، وبَعْضُهَا بَعْدَهُ.
٥ - ومِنْهَا الرَّوْعَةُ التِي تَحْصُلُ لِسَامِعِهِ.
٦ - ومِنْهَا أَنَّ قَارِئَهُ لَا يَمَلُّ مِنْ تَرْدَادِهِ، وسَامِعَهُ لَا يَمُجُّهُ، ولا يَزْدَادُ بِكَثْرَةِ التَّكْرَارِ إِلَّا طَرَاوَةً وَلَذَاذَةً.
٧ - ومِنْهَا أَنَّهُ آيَةٌ بَاقِيَةٌ لَا تُعْدَمُ مَا بَقِيَتِ الدُّنْيَا.
٨ - ومِنْهَا جَمْعُهُ لِعُلُومٍ، وَمَعَارِفَ لَا تَنْقَضِي عَجَائِبُهَا وَلَا تَنْتَهِي فَوَائِدُهَا (١).
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ (٢).
* * *
_________________
(١) انظر فتح الباري (١٠/ ٩).
(٢) سورة العنكبوت آية (٥٠ - ٥٢).
[ ١ / ٣٧١ ]
الهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ إِلَى الحَبَشَةِ
هُنَا عَادَتْ قُرَيْشٌ إلى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ التَّنْكِيلِ والِاضْطِهَادِ كَأَشَدِّ مَا كَانَتْ، وأغْرَتْ سَائِرَ القَبَائِلِ بِمُضَاعَفَةِ الأَذَى لِلْمُسْلِمِينَ، فَسَطَتْ (١) بِهِمْ عَشَائِرُهُمْ ولَقُوا مِنْهُمْ أذًى شَدِيدًا، حَتَّى بَلَغَ الجَهْدُ واشْتَدَّ عَلَيْهِمُ البَلَاءُ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَا أصَابَ أصْحَابَهُ ﵃ مِنَ البَلَاءِ أَذِنَ لَهُمْ بِالهِجْرَةِ إِلَى الحَبَشَةِ مَرَّةً ثَانِيَةً.
وَكَانَتِ الهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ أشَقَّ مِنْ سَابِقَتِهَا، ولَقِيَ المُسْلِمُونَ مِنْ قُرَيْشٍ تَعَنِيفًا شَدِيدًا، ونَالُوهُمْ بِالأَذَى.
* الشَّكُّ فِي هِجْرَةِ عَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ -﵁-:
وكَانَ عِدَّةُ مَنْ خَرَجَ فِي هَذِهِ الهِجْرَةِ مِنَ الرِّجَالِ: ثَلَاثَةٌ وثَمَانُونَ رَجُلًا -إِنْ كَانَ فِيهِمْ عَمَّارُ بنُ يَاسِرٍ -﵁- فَإِنَّهُ يُشَكُّ فِيهِ، واثْنَانِ وثَمَانُونَ رَجُلًا إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ (٢).
قَالَ الإِمَامُ السُّهَيْلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وشَكَّ ابنُ إسْحَاقَ فِي عَمَّارِ بنِ
_________________
(١) السطو: القهر بالبطش. انظر لسان العرب (٦/ ٢٦٠).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٦٨).
[ ١ / ٣٧٢ ]
يَاسِرٍ -﵁-: هَلْ هَاجَرَ إِلَى الحَبَشَةِ أمْ لَا؟ . والأَصَحُّ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ كَالْوَاقِدِيِّ وابْنِ عُقْبَةَ، وغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ (١).
ومِنَ النِّسَاءِ ثَمَانِي عَشْرَةَ امْرَأَةً: إحْدَى عَشْرَةَ قُرَشِيَّاتٍ، وسَبْعٌ غَيْرُ قُرَشِيَّاتٍ، وذَلِكَ عَدَا أبْنَائِهِمْ الذِينَ وُلدُوا لَهُمْ فِي الحَبَشَةِ (٢).
وكَانَ أَمِيرُهُمْ فِي هَذِهِ الهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- (٣).
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الحَسَنِ النَّدْوِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: واسْتِعْرَاضُ قَائِمَةِ المُهَاجِرِينَ يَدُلُّ عَلَى سَعَةِ الدَّائِرَةِ البَشَرِيَّةِ، وتَنَوُّعِهَا، وشُمُولِهَا لِلطَّبَقَاتِ والمُسْتَوَيَاتِ فِي المُجْتَمَعِ المَكِّيِّ، فَفِيهَا الغَنِيُّ والفَقِيرُ، والكَهْلُ والشَّابُّ، والرِّجَالُ والنِّسَاءُ، ويَنْتَمِي أغْلَبُهُمْ إِلَى أُسْرَةٍ مَكِّيَّةٍ عَرِيقَةٍ، فَدَلَّ عَلَى شِدَّةِ تَأْثِيرِ الدَّعْوَةِ وقُوَّتِهَا وشُمُولِهَا (٤).
* وَهْمُ ابنِ إسْحَاقَ وغَيْرِهِ:
قُلْتُ: وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ (٥)، وابْنِ إسْحَاقَ (٦)،
_________________
(١) انظر الرَّوْض الأُنُف (٢/ ٩٩).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٦٨).
(٣) انظر طبقات ابن سعد (٤/ ٣٣٦).
(٤) انظر كتاب السِّيرة النَّبوِيَّة لأبي الحسن النَّدْوي ص ١٣٢.
(٥) أخرجه الإِمام أَحْمد فِي مسنده - رقم الحديث (٤٤٠٠) - وإسناده ضعيف، فيه حُدَيْج بن معاوية، وهو ضعيف، ومع ذلك حسن إسناده الحافظ فِي الفتح (٧/ ٥٨٥) - وجوده إسناده الحافظ ابن كثير فِي البداية والنهاية (٣/ ٧٦).
(٦) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٦٠) بدون سند.
[ ١ / ٣٧٣ ]
والطَّيَالِسِيِّ فِي مُسْنَدِهِ (١)، أَنَّ فِي هَذِهِ الهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ لِلْحَبَشَةِ عُثْمَانَ بنَ عَفَّانَ -﵁-، وَعْبْدَ اللَّهِ بنَ مَسْعُودٍ -﵁-، وجَمَاعَةً مِمَّنْ شَهِدُوا بَدْرًا، وهَذَا فِيهِ نَظَرٌ.
قَالَ الإِمَامُ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قَدْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ -﵁-، وجَمَاعَةٌ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا وَهْمًا، وإمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ قَدْمَةٌ أُخْرَى قَبْلَ بَدْرٍ، فَيَكُونُ لَهُمْ ثَلَاثُ قَدَمَاتٍ: قَدْمَةٌ قَبْلَ الهِجْرَةِ، وقَدْمَةٌ قَبْلَ بَدْرٍ، وقَدْمَةٌ عَامَ خَيْبَرَ، ولذَلِكَ قَالَ ابنُ سَعْدٍ، وغَيْرُهُ: إِنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا مُهَاجَرَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ، رَجَعَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ وثَلَاثُونَ رَجُلًا، ومِنَ النِّسَاءِ ثَمَانُ نِسْوَةٍ، فمَاتَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ بِمَكَّةَ، وَحُبِسَ بِمَكَّةَ سَبْعَةٌ، وشَهِدَ بَدْرًا مِنْهُمْ أرْبَعَةٌ وعِشْرُونَ رَجُلًا (٢).
* وَهْمٌ آخَرُ لِابْنِ إسْحَاقَ وَغَيْرِهِ:
قُلْتُ: وَقَعَ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ (٣)، وابْنِ إسْحَاقَ (٤)، والبَيْهَقِيِّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ (٥) أَنَّ أبَا مُوسَى الأشْعَرِيِّ -﵁- فِيمَنْ هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الحَبَشَةِ.
_________________
(١) أخرجه الطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٣٤٤) - وإسناده ضعيف، لضعف حُدَيْج بن معاوية.
(٢) انظر زاد المعاد (٣/ ٢٣).
(٣) أخرجه الإِمام أَحْمد في مسنده - رقم الحديث (٤٤٠٠) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٣٤٤) - وإسناده ضعيف لضعف حُدَيْج بن معاوية، ومع ذلك حسن إسناده الحافظ في الفتح (٧/ ٥٨٥)، وجود إسناده الحافظ ابن كثير فِي البداية والنهاية (٣/ ٧٦).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٦١) بدون سند.
(٥) أخرج ذلك البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٩٨) - وإسناده ضعيف، لضعف حُديج بن معاوية.
[ ١ / ٣٧٤ ]
قَالَ البَيْهَقِيُّ: وظَاهِرُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أبَا مُوسَى كَانَ بِمَكَّةَ، وأنَّهُ خَرَجَ مَعَ جَعْفَرِ بنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ.
والصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي مُوسَى -﵁- قَالَ: بَلَغَنَا مَخْرَجُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ونَحْنُ بِالْيَمَنِ فَخَرَجْنَا فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إِلَى النَّجَاشِيِّ بالحَبَشَةِ فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بنَ أَبِي طَالِبٍ فأَقَمْنَا مَعَهُ حَتَّى قَدِمْنَا فَوَافَقْنَا النَّبِيَّ -ﷺ- حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ (١).
وَتَكَلَّفَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ (٢) الجَمْعَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ (٣)، وَالْأَجْوَدُ أَنْ يُقَالَ: هَذِهِ الرِّوَايَةُ ضَعِيفَةٌ لَا تُعَارِضُ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ التِي رَوَاهَا البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ.
* مَوْتُ خَالِدٍ بْنِ حِزَامٍ -﵁-:
وَفِي طَرِيقِ الْهِجْرَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ، مَاتَ خَالِدُ بنُ حِزَامٍ -﵁-، مِنْ حَيَّةِ نَهَشَتْهُ (٤)، فقدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ الزُّبَيْرِ بنِ الْعَوَّامِ -﵁-
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة الحبشة - رقم الحديث (٣٨٧٦) - انظر كلام البيهقي فِي دلائل النبوة (٢/ ٣٠٠).
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٥٨٥).
(٣) أعني الرواية الضعيفة التي رواها الإِمام أحمد - رقم الحديث (٤٤٠٠) - والطيالسي - رقم الحديث (٤٤٣) - وابن إسحاق في السيرة (١/ ٣٦١) - والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٠٠) - ورواية الإمام البخاري في صحيحه.
(٤) نهشته: أي لسعته. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٠٦).
[ ١ / ٣٧٥ ]
قَالَ: هَاجَرَ خَالِدُ بنُ حِزَامٍ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، فنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ فِي الطَّرِيقِ فَمَاتَ، فنَزَلَتْ فِيهِ: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ (١).
قَالَ الزُّبَيْرُ -﵁-: وَكُنْتُ أَتَوَقَّعُهُ، وَأَنْتَظِرُ قُدُومَهُ وَأَنَا بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ، فَمَا أَحْزَنَنِي شَيْءٌ حُزْنَ وَفَاتِهِ حِينَ بَلَغَنِي، لِأَنَّهُ قَلَّ أَحَدٌ مِمَّنْ هَاجَرَ مِنْ قُرَيْشٍ إِلَّا مَعَهُ بَعْضُ أَهْلِهِ، أَوْ ذَوِي رَحِمِهِ، وَلَمْ يَكُنْ مَعِي أَحَدٌ مِنْ بَنِي أَسَدِ بنِ عَبْدِ الْعُزَّى، وَلَا أَرْجُو غَيْرَهُ (٢).
قَالَ الْحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَهَذَا الْأَثَرُ غَرِيبٌ جِدًّا، فَإِنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مَكِّيَّةٌ، وَنُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ مَدَنِيَّةٌ، فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّهَا أُنْزِلَتْ تَعُمُّ حُكْمَهُ مَعَ غَيْرِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ سَبَبَ النُّزُولِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٣).
* نُبْذَةٌ عَنْ خَالِدٍ بْنِ حِزَامٍ -﵁-:
وَخَالِدُ بنُ حِزَامٍ -﵁-، أَخُو حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ -﵁-، وَابْنُ أَخِي خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدَ ﵂، أَسْلَمَ قَدِيمًا، وَهَاجَرَ إِلَى الْحَبَشَةِ الهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ، فنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ، فَمَاتَ فِي الطَّرِيقِ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ (٤).
_________________
(١) سورة النساء، آية (١٠٠) - قلت: المشهور أن هذه الآية نزلت في جُندب بن ضَمرة -﵁-، وهو الذي رجحه الحافظ في الإصابة (٢/ ١٦٩).
(٢) أورد هذا الخبر: ابن كثير في تفسيره (٢/ ٣٩٢) - والألباني في السلسلة الصحيحة - رقم الحديث (٣٢١٨) - وحسَّن إسناده.
(٣) انظر تفسير ابن كثير (٢/ ٣٩٢).
(٤) انظر أسد الغابة (٢/ ٨٣).
[ ١ / ٣٧٦ ]
* تَعَقَّبُ قُرَيْشٍ لِمُهَاجِرَةِ الحَبَشَةِ:
فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ أصْحَابَ النَّبِيِّ -ﷺ- قدْ أَمِنُوا وَاطْمَأَنُّوا بِأَرْضِ الحَبَشَةِ، وأنَّهُمْ قَدْ أصَأبُوا بِهَا دَارًا وَاسْتِقْرَارًا، وحُسْنَ جِوَارٍ مِنَ النَّجَاشِيِّ -﵁-، ائْتَمَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ أَنْ يَبْعَثُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ وَفْدًا مِنْهُمْ فَيَرُدَّهُمْ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَارُوا رَجُلَيْنِ جَلْدَيْنِ (١) وهُمَا: عَمْرُو بنُ العَاصِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وأرْسَلُوا مَعَهُمَا الهَدَايَا لِلنَّجَاشِيِّ وَلبَطَارِقَتِهِ (٢)، وكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتيهِ مِنْهَا الأُدْمُ (٣).
فَجَمَعُوا لَهُ أُدْمًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إِلَّا أَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً، فَقَالُوا لِكُلِّ بِطْرِيقٍ مِنْهُمْ بَعْدَ أَنْ دَفَعَا إِلَيْهِ هَدِيَّتَهُ -قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ-: إِنَّهُ قَدْ ضَوَى (٤) إِلَى بَلَدِ المَلِكِ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ، وجَاؤُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ، لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتُمْ، وَقَدْ بَعَثَنَا قَوْمُنَا لِيَرُدَّهُمُ المَلِكُ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا كَلَّمْنَا المَلِكَ فِيهِمْ، فَأَشِيرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يُسْلِمَهُمْ إلَيْنَا، وَلَا يُكَلِّمَهُمْ، فإنَّ قَوْمَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا (٥)، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ.
_________________
(١) الجَلدُ: أي القَوِيُّ. انظر النهاية (١/ ٢٧٥).
(٢) البَطَارقَةُ: جمعُ بِطْرِيقٍ وهوَ الحَاذِقُ بالحَرْبِ وأمُورِهَا بِلُغَةِ الرُّومِ، وهو ذُو مَنْصِبٍ مُتَقَدِّمٍ عِندهم. انظر النهاية (١/ ١٣٤).
(٣) الأُدْمُ: جمع أديم، وهو الجِلْدُ. انظر لسان العرب (١/ ٩٦).
(٤) ضَوَى إليه: أي انضَمَّ ولجَأ. انظر لسان العرب (٨/ ١٠٤).
(٥) أعَلْى بِهِمْ عَيْنًا: أي أبْصَرُ بهِم، وأعلَمُ بحَالِهم. انظر النهاية (٣/ ٢٦٧).
[ ١ / ٣٧٧ ]
ثُمَّ إنَّهُمَا حَضَرَا إِلَى النَّجَاشِيِّ، وقَدَّمَا لَهُ الهَدَايَا، وكَانَ فِيهَا أُدْمٌ كَثِيرٌ وفَرَسٌ، وَجُبَّةُ دِيبَاجٍ، ثُمَّ كَلَّمَاهُ، فَقَالَا لَهُ: أيُّهَا المَلِكُ! إِنَّهُ قَدْ ضَوَى إِلَى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ، وجَاؤُوا بِدِينٍ ابْتَدَعُوهُ لَا نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وأعْمَامِهِمْ وعَشَائِرِهِمْ لِتَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، فَهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأْعَلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ وعَاتَبُوهُمْ فِيهِ، فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ: صَدَقَا أيُّهَا المَلِكُ، قَوْمُهُمْ أَعْلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بِمَا عَابُوا عَلَيْهِمْ فَأَسْلِمْهُمْ إلَيْهِمَا فَلْيَرُدَّاهُمْ إِلَى بِلَادِهِمْ وقَوْمِهِمْ.
فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ، وَأَبَى أَنْ يَقْبَلَ كَلَامَهُمْ، وَحَلَفَ ألَّا يُسَلِّمَ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ وإِلَى بِلَادِهِ حَتَّى يَدْعُوَهُمْ، فَيَسْأَلَهُمْ عَمَّا يَقُولُ هَذَانِ فِي أمْرِهِمْ.
* إِحْضَارُ النَّجَاشِيِّ لِلْمُسْلِمِينَ وسُؤَالُهُمْ:
ثُمَّ أرْسَلَ النَّجَاشِيُّ إِلَى أصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ودَعَاهُمْ، فَحَضَرُوا، وكَانُوا قَدْ أجْمَعُوا عَلَى صِدْقِهِ (١) فِيمَا سَاءَهُ، وسَرَّهُ كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ.
_________________
(١) قال الحافظ ابن كثير فِي تفسيره (٤/ ٢٣٣) فِي قوله تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (سورة التوبة آية ١١٩)، قال: أي اصدُقُوا والْزَمُوا الصِّدق تكُونوا معَ أهلهِ، وتَنْجوا من المَهَالك، ويجعل لكم فَرَجًا من أمُوركُمْ، ومَخْرجًا. وروى الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٦٠٩٤) - والإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٦٠٧) - عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "عَلَيْكُمْ بالصِّدْق، فإن الصدق يَهْدِي إلى البِرِّ، وإن البِرَّ يَهدِي إلى الجنةِ، وما يزال الرَّجلُ يَصدقُ ويتحرى الصدق حتَّى يُكتبَ عِندَ اللَّه صِدِّيقًا"
[ ١ / ٣٧٨ ]
فَقَالَ لَهُمُ النَّجَاشِيُّ: مَا هَذَا الدِّينُ الذِي قَدْ فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ، وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي دِينِي، وَلَا دِينِ أَحَدٍ مِنَ المِلَلِ؟
فتَوَلَّى الكَلَامَ عَنِ الصَّحَابَةِ جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- (١)، فَقَالَ لَهُ: أيُّهَا المَلِكُ! كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ، نَعْبُدُ الأصْنَامَ، ونَأْكُلُ المَيْتَةَ، وَنَأْتِي الفَوَاحِشَ، ونَقْطَعُ الأَرْحَامَ، وَنُسِيءُ الجِوَارَ، ويَأْكُلُ القَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ.
فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ، حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إلَيْنَا رَسُولَا مِنَّا، نَعْرِفُ نَسَبَهُ وصِدْقَهُ، وأمَانَتَهُ وعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ، لِنوحِّدَهُ ونَعْبُدَهُ، ونَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنَ الحِجَارَةِ والأَوْثَانِ، وأمَرَنَا بِصِدْقِ الحَدِيثِ، وأدَاءِ الأمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وحُسْنِ الجِوَارِ، والكَفِّ عَنِ المَحَارِمِ والدِّمَاءِ، ونَهَانَا عَنِ الفَوَاحِشِ، وقَوْلِ الزُّورِ، وأَكْلِ مَالِ اليَتِيمِ، وقَذْفِ المُحْصَنَاتِ (٢)، وأمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّه وَحْدَهُ لَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وأَمَرَنَا بِالصَّلَاةِ (٣)، والزَّكَاةِ (٤) وَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الإِسْلَامِ، فَصَدَّقْنَاهُ وَآمَنَّا بِهِ، واتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ مِنَ اللَّهِ، فَعَبَدْنَا اللَّه
_________________
(١) قال أبو نعيم فِي الحلية (١/ ١٦٠): ومنهم الخَطِيبُ المِقْدَامُ، السَّخِيُّ المِطْعَامُ، خَطِيبُ العارفينَ، ومُضِيفُ المَسَاكِين، ومُهَاجرُ الهجرتينِ، ومُصَلِّي القبلتين، البَطَلُ الشُّجَاعُ الجَوَادُ الشَّعْشَاعُ، جَعْفَرُ بنُ أبي طالبٍ -﵁- فَارِقُ الخَلْقِ، ورَامِقُ الحَقِّ.
(٢) المحصنات: العفائف من النساء. انظر لسان العرب (٣/ ٢٠٩).
(٣) قولُ جعفرَ للنَّجاشِيِّ ﵄: وأمَرَنا بالصلاةِ، أي الصَّلاة التي كانت قَبْلَ فَرْضِ الصلوات الخمسِ في الإسراءِ والمِعْراج، وقد بَيَّنْتُ ذلكَ فِي بِدَايةِ أمْرِ البِعْثَةِ، فراجِعْهُ.
(٤) وقوله -﵁-: الزَّكَاةُ، أَرادَ مُطْلَقَ الصَّدَقَةِ؛ لأنَّ زكاةَ المَالِ إِنَّمَا فُرِضَتْ بالمدِينَةِ.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وَحْدَهُ، فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شيْئًا، وَحَرَّمْنا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وأحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لنَا، فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا، فَعَذَّبُونَا وفتَنُونَا عَنْ دِينِنَا، لَيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ الأوْثَانِ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنَ الخَبَائِثِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا، وَحَالُوا بَيْنَنَا وبَيْنَ دِينِنَا، خَرَجْنَا إِلَى بِلَادِكَ، واخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ، ورَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ، ورَجَوْنَا أَنْ لَا نُظْلَمَ عِنْدَكَ أيُّهَا المَلِكُ (١).
فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ -﵁-: هَلْ مَعَكَ مِمَّا جَاءَ بِهِ عَنِ اللَّهِ شَيْءٌ؟ فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ، فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: فَاقْرَأْهُ عَلَيَّ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ سُورَةِ مَرْيَمَ، فَبَكَى النَّجَاشِيُّ حَتَّى اخْضلَّتْ (٢) لِحْيَتُهُ، وبَكَتْ أسَاقِفَتُهُ (٣)، حَتَّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ حِينَ سَمِعُوا مَا تَلَا عَلَيْهِمْ جَعْفَرُ -﵁-، ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ -﵁-: إِنَّ هَذَا
_________________
(١) قال الشيخُ أَبُو الحسنِ النَّدْوي فِي كتابه السِّيرة النَّبوِيَّة، ص ١٣٤: إِنَّ كلامَ جعفر بن أبي طالب -﵁- أمامَ مَلِك الحَبَشَةِ، وتصوِيرَهُ للإسْلام، كلامُ حَكِيمٍ قد جَاءَ فِي أوَانِهِ ومَكانِهِ، وقدْ دَلَّ على بلاغةِ صَاحبِهِ العَقْلِيَّةِ، قبلْ أن يدُلَّ على بلاغَتِهِ العَرَبِيَّةِ البَيَانِيَّةِ، ولا يعَلَّلُ ذلكَ إِلَّا بالإلهَامِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، وتأيِيدِ هذَا الدِّينِ الذي أَرادَ اللَّه أَنْ يُتِمَّ نُوره، وأن يُظْهِره على كُل دِين، ويدلُّ كذلك على سَلامةِ الفِطْرَةِ، ورَجَاحَةِ العقلِ، اللَّتَيْنِ فَاقَ فيهما بنو هاشم قريشًا، وفاقت فيهما قريش العرب كلهم، فقد فضّل جعفر -﵁- أن يكون جوابه حِكايةَ حَالٍ لِمَا كان عليهِ أهلُ الجاهليةِ فِي الجزيرةِ العَرَبيةِ، ولمَا آلَ إليه أمرُهُم بعدما أرسل اللَّه تَعَالَى رسوله -ﷺ- فيهم، ودعا إلى اللَّه تَعَالَى وإلى الدِّين الحنيفِ السَّمْحِ، ومكارِمِ الأخلاقِ، وآمَنُوا بهِ واتَّبَعُوهُ، وحِكايةُ الحَالِ -خُصُوصًا إذا لم يُجَانِبْ فيه صاحِبُهَا الصَّوَابَ- أبعدُ شيءٍ عنِ المُنَاقشةِ والمُنَاظرَةِ، وأقدرُ شَيْءٍ على غَرْسِ المعاني المَقْصُودةِ، وتحقيقِ الأهداف المَنْشُودة، والتَّهَيُّؤِ للتأمُّلِ والإنصَافِ وحُسْنِ الاستِمَاعِ.
(٢) اخضَلَّتْ: أي ابْتَلَّتْ. انظر النهاية (٢/ ٤٢).
(٣) الأسَاقِفَةُ: جمعُ أُسُقُفٍ بِضمِّ الهمزةِ وهُم علماءُ النصارى. انظر النهاية (٢/ ٣٤١).
[ ١ / ٣٨٠ ]
وَالذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى (١) لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ (٢) وَاحِدَةٍ، ثُمَّ أقْبَلَ عَلَى رَسُولَيْ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمَا: انْطَلِقَا! فَوَاللَّهِ لَا أُسْلِمُهُمْ إلَيْكُمَا أَبَدًا، وَلَا يُكَادُونَ.
أخْرَجَ الإِمَامُ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ -﵁- قَالَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي النَّجَاشِيِّ وأصْحَابِهِ ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٣).
ورَدَّ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ، فَقَالَ: وهَذَا القَوْلُ فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ، وقِصَّةُ جَعْفَرَ مَعَ النَّجَاشِيِّ قَبْلَ الهِجْرَةِ (٤).
* مُحَاوَلَةٌ أُخْرَى لِلْوَقِيعَةِ بَيْنَ المُهَاجِرِينَ والنَّجَاشِيِّ:
فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ، قَالَ عَمْرُو بنُ العَاصِ: وَاللَّهِ لَآتِيَنَّهُ غَدًا
_________________
(١) هذه رواية الإِمام أحمد في مسنده - قال السندي فِي شرح المسند (٢/ ٢١٧): لم يقل عيسى، مع أنه نبيُّهم، لما فيه من خلاف اليهود، بخلاف موسى، فلم يختلف أحدٌ من الطوائف المعلومة في نبوَّته. وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (١/ ٣٧٤): قال: عيسى.
(٢) المِشْكَاةُ: هي الكُوَّةُ غيرُ النَّافِذَةِ، وقيل هي الحَديدةُ التي يُعلَّق عليها القَنَاديلُ، أراد أن القرآنَ والإنجيلَ كَلامُ اللَّهِ، وأنهما مِنْ شيءٍ واحدٍ، وهوَ الوحْيُ. انظر النهاية (٤/ ٢٨٥).
(٣) سورة المائدة آية (٨٣). والخبر أخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب (٩) - رقم الحديث (١١٠٨٣).
(٤) انظر تفسير ابن كثير (٣/ ١٦٦).
[ ١ / ٣٨١ ]
عَنْهُمْ بِمَا أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ (١)، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي رَبِيعَةَ: لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ لَهُمْ أرْحَامًا، وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُونَا، لَكِنَّ عَمْرَو بنَ الْعَاصِ أَصَرَّ عَلَى رَأْيِهِ.
فَلَمَّا كَانَ الغَدُ غَدَا عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَقَالَ لَهُ: أيُّهَا المَلِكُ! إِنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ قَوْلًا عَظِيمًا، فَأَرْسَلَ إلَيْهِمُ النَّجَاشِيُّ يَسْأَلُهُمْ عَنْ عِيسَى ﵇، فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ النَّجَاشِيِّ إِلَيْهِمْ. قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ لِبَعْضٍ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابنِ مَرْيَمَ، إِذَا سَأَلَكُمْ عَنْهُ؟ .
قَالُوا: نَقُولُ وَاللَّهِ مَا قَالَ اللَّهُ، وَمَا جَاءَنَا بِهِ نَبِيُّنَا، كَائِنًا فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ.
فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى النَّجَاشِيِّ، قَالَ لَهُمْ: مَاذَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ؟
فَقَالَ جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁-: نَقُولُ فِيهِ الذِي جَاءَنَا بِهِ نَبِيُّنَا -ﷺ-، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولَهُ، ورُوحُهُ، وكَلِمَتُهُ (٢) ألقاهَا إِلَى مَرْيَمَ العَذْرَاءَ البَتُولِ (٣).
فَضَرَبَ النَّجَاشِيُّ بِيَدِهِ الأرْضَ، فَأَخَذَ مِنْهَا عُودًا، ثُمَّ قَالَ: مَا عَدَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ مَا قُلْتَ هَذَا العُودَ (٤).
_________________
(١) خَضْرَاءُهُمْ: أي دَهْمَاؤُهُم وسَوَادُهُم ومُعْظمُهُم. انظر النهاية (٢/ ٤٠).
(٢) قال الإِمام السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (٢/ ١١٣): ومعنى كلمتِهِ: أي قال له، كما قال لِآدمَ حينَ خلقهُ من تُرابٍ: كُنْ فَيَكُونُ.
(٣) امرأةٌ بَتُولٌ: أي مُنْقَطِعَةٌ عن الرِّجالِ لا شهوَةَ لهَا فِيهِمْ. انظر النهاية (١/ ٩٥).
(٤) قال السندي في شرح المسند (٢/ ٢١٨): أي: هذا القدر، يريد: أن قدره هذا، ولا يتجاوز عنه إلى ما يقوله الظلمة من البنوة، وغيرها.
[ ١ / ٣٨٢ ]
فتَنَاخَرَتْ (١) بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ حِينَ قَالَ مَا قَالَ، فَقَالَ: وَإِنْ نَخَرْتُمْ وَاللَّهِ، ثُمَّ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي -والسُّيُومُ: الآمِنُونَ بِلِسَانِ الحَبَشَةِ- مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، ثُمَّ قَالَ: مَنْ سَبَّكُمْ غَرِمَ، مَا أُحِبُّ أَنَّ لِيَ جَبَلًا مِنْ ذَهَبٍ، وأَنِّي آذَيْتُ رَجُلًا مِنْكُمْ.
ثُمَّ قَالَ لِبَطَارِقَتِهِ: رُدُّوا عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا، فَلَا حَاجَةِ لِي بِهَا.
فخَرَجَ عَمْرُو بنُ العَاصِ وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي رَبِيعَةَ مِنْ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ خَائِبِيْنِ، وأقَامَ المُسْلِمُونَ عِنْدَ النَّجَاشِيِّ بِخَيْرِ دَارٍ، مَعَ خَيْرِ جَارٍ (٢).
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا النَّجَاشِيَّ كَانَ رَجُلًا رَاشِدًا نَظِيفَ العَقْلِ، حَسَنَ المَعْرِفَةِ للَّهِ، سَلِيمَ الِاعْتِقَادِ فِي عِيسَى عَبْدِ اللَّهِ ورَسُولهِ ﵇، وَكَانَتْ مُرُونَةُ فِكْرِهِ سِرَّ المُعَامَلَةِ الجَمِيلَةِ التِي وَفَّرَهَا لِأُولَئِكَ اللَّاجِئِينَ إِلَى مَمْلَكَتِهِ، فَارِّينَ بِدِينِهِمْ مِنَ الفِتَنِ (٣).
وَقَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد أَبُو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وهَكَذَا نَرَى مِنْ هَذِهِ
_________________
(١) تنَاخَرَتْ: أي تَكَلَّمَتْ، وكأنه كلامٌ معَ غضَبٍ ونُفُورٍ، والنَّخِيرُ: صَوْتُ الأنْفِ. انظر لسان العرب (١٤/ ٨١)، النهاية (٥/ ٢٧).
(٢) أخرج قصة النجاشي مع جعفر -﵁- وأصحابه: الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٤٠) - (٢٢٤٩٨) - والحاكم فِي المستدرك - كتاب التفسير - باب قصة إسلام النجاشي - رقم الحديث (٣٢٦١) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٥٩٨) - وابن إسحاق في السيرة (١/ ٣٧٢) - وإسنادها حسن.
(٣) انظر فقه السيرة للشيخ محمَّد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ١١٤.
[ ١ / ٣٨٣ ]
القِصَّةِ أَنَّ مَنْ يَصْدُقِ اللَّهِ يَصْدُقْهُ، ويَنْصُرْهُ عَلَى مَنْ يُرِيدُ بِهِ سُوءًا، ويَجْعَلُ لَهُ مِنْ ضِيقِهِ وأزَمَاتِهِ فَرَجًا وَمَخْرَجًا، وعَسَى أَنْ يَكُونَ فِيهَا عِبْرَةٌ لِلذِينَ يَتَصَدَّوْنَ لِلدَّعْوَةِ الإسْلَامِيَّةِ، وذَلِكَ بِأَنْ يَلْتَزِمُوا جَانِبَ الحَقِّ وَالصِّدْقِ فِي دَعْوَتِهِمْ، وَأَنْ لَا يَحُرِّفُوا فِيهَا، أَوْ يُغَيِّرُوا، أَوْ يُدَاهِنُوا تَبَعًا لِلْأَهْوَاءَ السِّيَاسِيَّةِ وغَيْرِهَا، ولْيُجَاهِرُوا بِالحَقَائِقِ الإِسْلَامِيَّةِ، ولْيَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ (١).
* إِسْلَامُ النَّجَاشِيِّ -﵁-:
وَأسْلَمَ النَّجَاشِيُّ -﵁- عَلَى يَدِ جَعْفَرَ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، وصَدَّقَ بِنُبُوَّةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وكَانَ يُخْفِي إسْلَامَهُ عَنْ قَوْمِهِ.
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ فِي السِّيَرِ: النّجَاشِيُّ، وَاسْمُهُ أَصْحَمَةُ مَلِكُ الْحَبَشَةِ، مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ ﵃، وكَانَ مِمَّنْ حَسُنَ إسْلَامُهُ، وَلَمْ يُهَاجِرْ، وَلَا لَهُ رُؤْيَةٌ، فَهُوَ تَابِعِيٌّ مِنْ وَجْهٍ، وَصَاحِبٌ مِنْ وَجْهٍ، وَقَدْ تُوُفِّيَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَصَلَّي عَلَيْهِ الرَّسُولُ -ﷺ- بالنَّاسِ صَلَاةَ الغَائِبِ (٢) وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ صَلَّى -ﷺ- عَلَى غَائِبٍ سِوَاهُ، وسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَاتَ بَيْنَ قَوْمٍ نَصَارَى، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ يُصَلِّي عَلَيْهِ، لِأَنَّ الصَّحَابَةَ الذِينَ كَانُوا مُهَاجِرِينَ عِنْدَهُ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ مُهَاجِرِينَ إِلَى المَدِينَةِ عَامَ خَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ (٣).
_________________
(١) انظر كتاب السِّيرة النَّبوِيَّة للدكتور محمد أبي شهبة ﵀ (١/ ٣٨٠).
(٢) قلتُ: سأذكرُ في وفَاتِهِ -ﷺ- فِي سنةِ تِسْع للهجرةِ تفصِيلَ صلاةِ النبي -ﷺ- عليه صلاة الغَائِبِ.
(٣) انظر سير أعلام النبلاء (١/ ٤٢٨).
[ ١ / ٣٨٤ ]
وَقَالَ الحَافِظُ فِي الإِصَابَةِ: النَّجَاشِيُّ اسْمُهُ أصْحَمَةُ بنُ أبْحَرٍ مَلِكُ الحَبَشَةِ، والنَّجَاشِيُّ لَقَبٌ لَهُ، أَسْلَمَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَلَمْ يُهَاجِرْ إِلَيْهِ، وكَانَ رِدْءًا (١) لِلْمُسْلِمِينَ نَافِعًا (٢).
قُلْتُ: وَمَاتَ النَّجَاشِيُّ -﵁- فِي رَجَبَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ.
* التَّمْكِينُ للنَّجَاشِيِّ فِي مُلْكِهِ:
قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: . . . فَوَاللَّهِ إنَّا عَلَى ذَلِكَ إِذْ نَزَلَ بِهِ -أي النَّجَاشِيُّ- مَنْ يُنَازِعُهُ فِي مُلْكِهِ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا حُزْنًا قَطُّ كَانَ أَشَدَّ مِنْ حُزْنٍ حَزِنَّاهُ عِنْدَ ذَلِكَ، تَخَوُّفًا أَنْ يَظْهَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى النَّجَاشِيِّ، فَيَأْتِيَ رَجُلٌ لَا يَعْرِفُ مِنْ حَقِّنَا مَا كَانَ النَّجَاشِيُّ يَعْرِفُ مِنْهُ، قَالَتْ: وَسَارَ إِلَيْهِ النَّجَاشِيُّ، وبَيْنَهُمَا عُرْضُ نَهْرِ النِّيلِ، قَالَتْ: فَقَالَ أصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ حَتَّى يَحْضُرَ وَقْعَةَ القَوْمِ، ثُمَّ يَأْتِيَنَا بِالخَبَرِ؟
فَقَالَ الزُّبَيْرُ بنُ العَوَّامِ -﵁-: أنَا، وَكَانَ مِنْ أحْدَثِ القَوْمِ سِنًّا.
قَالَتْ: فنَفَخُوا لَهُ قِرْبَةً، فَجَعَلَهَا فِي صَدْرِهِ، ثُمَّ سَبِح حَتَّى خَرَجَ إِلَى نَاحِيَةِ النِّيلِ التِي بِهَا مُلْتَقَى القَوْمِ، ثُمَّ انْطَلَقَ حَتَّى حَضَرَهُمْ، قَالَتْ: ودَعَوْنَا اللَّه
_________________
(١) رِدْءًا: أي عَوْنًا ونَاصِرًا. انظر النهاية (٢/ ١٩٥).
(٢) انظر الإصابة (١/ ٣٤٧).
[ ١ / ٣٨٥ ]
تَعَالَى لِلنَّجَاشِيِّ بِالظُّهُورِ عَلَى عَدُوِّهِ، والتَّمْكِينِ لَهُ فِي بِلَادِهِ (١).
قَالَتْ: ثُمَّ جَاءَ الزُّبَيْرُ -﵁- وهُوَ يَسْعَى، فَلَمَعَ بِثَوْبِهِ (٢)، وهُوَ يَقُولُ: ألَا أبْشِرُوا، فَقَدْ ظفَرَ النَّجَاشِيُّ، وأهْلَكَ اللَّهُ عَدُوَّهُ، ومَكَّنَ لَهُ فِي بِلَادِهِ، قَالَتْ أُمُّ سلَمَةَ ﵂: فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْنَا فَرِحْنَا فَرْحَةً قَطُّ مِثْلَهَا (٣).
* بَقَاءُ المُسْلِمِينَ فِي الحَبَشَةِ:
وَبَقِيَ جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- مَعَ عَدَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي الحَبَشَةِ إِلَى سَنَةِ سَبْعٍ مِنَ الهِجْرَةِ، ثُمَّ قَدِمَ جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ، فكَانَ بَقَاؤُهُ فِي الحَبَشَةِ أكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سَنَوَاتٍ، وهِيَ مُدَّةٌ طَوِيلَةٌ، لَابُدَّ أَنَّ جَعْفَرًا قَدِ انتفَعَ بِهَا فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلامِ، والتَّعْرِيفِ بِهِ فِي بَلَدٍ امْتَازَ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ البِلَادِ النَّصْرَانِيَّةِ بِالتَّسَامُحِ وإيوَاءِ المُضْطَهَدِينَ، وعُرِفَ حَاكِمُهُ بِالعَدْلِ والإِنْسَانِيَّةِ، ولَكِنْ العَهْدَ لَمْ يَكُنْ عَهْدَ تَسْجِيلِ الحَوَادِثِ، ولَيْسَتْ أَمَامَنَا وثَائِقُ تَارِيخِيَّةٌ تُثْبِتُ ذَلِكَ، ولَكِنِ القِيَاسَ يَقْتَضِيهِ (٤).
_________________
(١) قال الشيخ أبو الحسن النَّدْوي فِي كتابه السِّيرة النَّبوِيَّة، ص ١٣٥: وَكَانَ هذا الدُّعاء من المسلمينَ للنجاشِيِّ اعتِرَافًا بحُسْنِ مَوقفِهِ منَ المهاجِرينَ المُضْطَهَدِينَ، ومكافأتَهُ على حُسْنِ صَنِيعِهِ، وَكَانَ ذلكَ مُطَابقًا لتعاليمِ الإِسلامِ الخُلُقِيَّةِ، وَلائِقًا بأخلاقِ المُسْلِمِينَ.
(٢) لَمَعَ بِثَوْبِهِ: إِذَا رَفَعَهُ وحرَّكَهُ ليَرَاهُ غيرهُ فيَجِيءَ إليه. انظر النهاية (٤/ ٢٣٣).
(٣) أخرج قِصَّة التمكين للنجاشي في ملكه: الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٤٠) (٢٢٤٩٨) - وابن إسحاق في السيرة (١/ ٣٧٥) - وإسناده حسن. .
(٤) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة لأبي الحسن النَّدْوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ١٣٥.
[ ١ / ٣٨٦ ]
* بَعْضُ الفَوَائِدِ مِنْ قِصَّةِ الهِجْرَةِ إِلَى الحَبَشَةِ:
قَالَ الإِمَامُ السُّهَيْلِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وفِي قِصَّةِ الهِجْرَةِ إِلَى الحبَشَةِ مِنَ الفِقْهِ: - الخُرُوجُ عَنِ الوَطَنِ، وَإِنْ كَانَ الوَطَنُ مَكَّةَ عَلَى فَضْلِهَا، إِذَا كَانَ الخُرُوجُ فِرَارًا بِالدِّينِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إِلَى إسْلَامٍ، فَإِنَّ الحَبَشَةَ كَانُوا نَصَارَى يَعْبُدُونَ المَسِيحَ، وَلَا يَقُولُونَ: هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ جَعْفَرَ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- مَعَ النَّجَاشِيِّ، وكَيْفَ نَخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ، وسُمُّوا بِهَذ الهِجْرَةِ مُهَاجِرِينَ، وَهُمْ أصْحَابُ الهِجْرَتَيْنِ الذِينَ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِالسَّبْقِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ (١).
- وَجَاءَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: أَنَّهُمْ الذِينَ صَلُّوا القِبْلَتَيْنِ، وهَاجَرُوا الهِجْرَتَيْنِ، وَقَدْ قِيلَ أَيْضًا: هُمُ الذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، فَانْظُرْ كَيْفَ أثْنَى
_________________
(١) سورة التوبة آية (١٠٠). قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٠٣): أخبرَ اللَّهُ العظيمُ أنَّه قد رضِيَ عن السَّابقين الأوَّلينَ منَ المُهَاجرينَ والأنصارِ، والذينَ اتَّبَعُوهم بإحسَانٍ، فيَا وَيْلَ من أبغَضَهُمْ أو سَبَّهُمْ، أو أبغضَ أو سَبَّ بعضهم، ولا سيما سَيِّدُ الصَّحَابَة بعد الرسول -ﷺ- وخيرهم، وأفضلهم، أعْنِي الصديق الأكبر والخَلِيفة الأعظَم أبَا بكر بن أبي قُحافة -﵁-، فإنَّ الطائِفَةَ المَخْذُولةَ منَ الرَّافضَةِ يُعَادُونَ أفضلَ الصحابةِ ويُبْغِضُونَهُمْ ويَسُبُّونهُم، عِيَاذًا باللَّه من ذلك، وهذا يدُل على أن عُقُولهُم مَعْكُوسة، وقلوبهم مَنْكُوسة، فأينَ هؤلاءِ مِنَ الإيمان بالقرآنِ، إذ يَسُبُّون مَنْ رضيَ اللَّه تَعَالَى عنهم؟ وَأَمَّا أهل السُّنَّةِ فإنهم يتَرَضَّوْنَ عمَّن ﵁، ويسُبُّونَ من سبَّهُ اللَّه ورسولُهُ، ويُوَالونَ مَنْ يُوَالي اللَّه، ويعادونَ من يُعادِي اللَّهَ، وهم مُتَّبِعُونَ لا مُبْتَدِعُونَ، ويقتَدُونَ ولا يَبْتَدِرُونَ ولهذا هُمْ حِزْبُ اللَّهِ المُفْلِحُونَ، وعِبَادُهُ المُؤمنون.
[ ١ / ٣٨٧ ]
اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الهِجْرَةِ، وهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ بَيْتِ اللَّهِ الحَرَامِ إِلَى دَارِ كُفْرٍ، لِمَا كَانَ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ احْتِيَاطًا عَلَى دِينِهِمْ، ورَجَاءَ أَنْ يُخَلَّى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عِبَادَةِ رَبِّهِمْ، يَذْكُرُونَهُ آمِنِينَ مُطْمَئِنِّينَ، وهَذَا حُكْمٌ مُسْتَمِرٌّ مَتَى غَلَبَ المُنْكَرُ فِي بَلَدٍ، وَأُوذِيَ عَلَى الحَقِّ مُؤْمِنٌ، ورَأَى البَاطِلَ قَاصِرًا لِلْحَقِّ، ورَجَاءَ أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ آخَرَ يُخَلَّى بَيْنَهُ وبَيْنَ دِينِهِ، ويُظْهِرَ فِيهِ عِبَادَةَ رَبِّهِ، فَإِنَّ الخُرُوجَ عَلَى هَذَا الوَجْهِ حَتْمٌ عَلَى المُؤْمِنِ، وهَذ الهِجْرَةُ التِي لَا تَنْقَطِعُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ (١).
وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: فَالهِجْرَةُ وَاجِبَةٌ مِنْهَا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ، وخَشِيَ أَنْ يُفْتَنَ عَنْ دِينِهِ (٢).
* أوَّلُ وَفْدٍ قَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-:
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: ثُمَّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وهُوَ بِمَكَّةَ، عِشْرُونَ رَجُلًا، أَوْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنَ النَّصَارَى، حِينَ بَلَغَهُمْ خَبَرُهُ مِنَ الحَبَشَةِ، فَوَجَدُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي المَسْجِدِ، فَجَلَسُوا إِلَيْهِ وكَلَّمُوهُ، وسَأَلُوهُ، ورِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الكَعْبَةِ، فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ مَسْأَلةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَمَّا أرَادُوا، دَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وتَلَا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرْآنَ فَاضَتْ أعْيُنُهُمْ مِنَ الدَّمْعِ، ثُمَّ اسْتَجَابُو اللَّهِ، وآمَنُوا بِهِ، وصَدَّقُوهُ، وعَرَفُوا مِنْهُ مَا كَانَ يُوصَفُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أمْرِهِ.
_________________
(١) انظر الرَّوْض الأُنُف (٢/ ١١١ - ١١٢).
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٦٣٥).
[ ١ / ٣٨٨ ]
فَلَمَّا قَامُوا عَنْهُ اعْترَضَهُمْ أَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ لَعَنَهُ اللَّهُ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالُوا لَهُمْ: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ مِنْ رَكْبٍ، بَعَثَكُمْ مَنْ وَرَاءَكُمْ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ تَرْتَادُونَ (١) لَهُمْ لِتَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ الرَّجُلِ، فَلَمْ تَطْمَئِنَّ مَجَالِسُكُمْ عِنْدَهُ، حَتَّى فَارَقْتُمْ دِينَكُمْ وصَدَّقْتُمُوهُ بِمَا قَالَ، مَا نَعْلَمُ رَكْبًا أَحْمَقَ مِنْكُمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ، لَا نُجَاهِلُكُمْ، لَنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، ولَكُمْ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، لَمْ نَأْلُ (٢) أنْفُسَنَا خَيْرًا.
وَيُقَالُ -وَاللَّهُ أعْلَمُ- إِنَّ فِيهِمْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَات: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٥٤) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾ (٣).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَاتِ: يُخْبِرُ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ العُلَمَاءِ الأَوْليَاءِ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِالقُرْآنِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ
_________________
(١) ارْتَادَ يَرْتَادُ: أي يَنْظُرُ ويَطْلُبُ ويختَارُ الأفضلَ، مِنَ الرَّائِدِ الذي يتَقَدَّمُ القومَ يُبْصِرُ لهم الكَلَأ ومَسَاقِطَ الغَيْثِ. انظر لسان العرب (٥/ ٣٦٥).
(٢) لَمْ نَأْلُ أنفُسَنَا خَيْرًا: أيْ لَمْ نَقْتَصِرْ بِهَا عَنْ بُلُوغِ الخَيْرِ، يُقالُ مَا أَلوْتُ: أي ما فَعَلْتُ كَذَا، وكَذَا، أي ما قَصَّرْتُ. انظر سبل الهدى والرشاد (٢/ ٤٢٢).
(٣) سورة القصص آية (٥٢ - ٥٥). والخبر في سيرة ابن هشام (٢/ ٥ - ٦) - والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٠٦).
[ ١ / ٣٨٩ ]
الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ (١).
وقَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا﴾ (٢).
أيْ هَؤُلَاءِ المُتَّصِفُونَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ الذِينَ آمَنُوا بِالكِتَابِ الأَوَّلِ ثُمَّ بِالثَّانِي، يُؤْتَوْنَ أجْرَهُمْ مَرّتَيْنِ بِإِيمَانِهِمْ بِالرَّسُولِ الأوَّلِ ثُمَّ بالثَّانِي، وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ -ﷺفَآمَنَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ، وعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ سَيِّدِهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَغَذَاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، ثُمَّ أعْتَقَهَا فتَزَوَّجَهَا" (٣).
وقَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ (٤). أيْ: لَا يُخَالِطُونَ أهْلَهُ ولَا يُعَاشِرُونَهُمْ، بَلْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ (٥).
وأيًّا مَنْ كَانَ الذِينَ نَزَلَتْ فِي أمْرِهِمْ هَذِهِ الآيَاتُ، فَالقُرْآنُ يَرُدُّ المُشْرِكِينَ
_________________
(١) سورة البقرة آية (١٢١).
(٢) سورة القصص آية (٥٤).
(٣) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب العلم - باب تعليم الرجل أمته وأهله - رقم الحديث (٩٧) - وأخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد -ﷺ- إلى جميع الناس - رقم الحديث (١٥٤).
(٤) سورة القصص آية (٥٥).
(٥) سورة الفرقان آية (٧٢) - وانظر كلام الحافظ ابن كثير في تفسيره (٦/ ٢٤٤).
[ ١ / ٣٩٠ ]
إِلَى حَادِثٍ وَقَعَ، يَعْلَمُونَهُ، وَلَا يُنْكِرُونَهُ، كَيْ يَقِفَهُمْ وَجْهًا لِوَجْهٍ أمَامَ نَمُوذَجٍ مِنَ النُّفُوسِ الخَالِصَةِ كَيْفَ تَتَلَقَّى هَذَا القُرْآنَ، وتَطْمَئِنَّ إِلَيْهِ، وتَرَى فِيهِ الحَقَّ، وتَعْلَمَ مُطَابَقتَهُ لِمَا بَيْنَ أيْدِيهَا مِنَ الكِتَابِ، ولَا يَصُدُّهَا عَنْهُ صَادٌّ مِنْ هَوَى وَلَا مِنْ كِبْرِياءٍ، وتَحْتَمِلُ فِي سَبِيلِ الحَقِّ الذِي آمَنَتْ بِهِ ما يُصِيبُهَا مِنْ أَذًى وَتَطَاوُلٍ مِنَ الجُهَلَاءِ، وتَصْبِرُ عَلَى الحَقِّ فِي وَجْهِ الأَهْوَاءِ وَوَجْهِ الإيذَاءَ. . . إنَّهَا صُورَةٌ وَضِيئَةٌ لِلنَّفْسِ المُؤْمِنَةِ المُطْمَئِنَّةِ إِلَى إيمَانِهَا. . تَفِيضُ بِالتَّرَفُّعِ عَنِ اللَّغْوِ. . كَمَا تَفِيضُ بِالسَّمَاحَةِ والوُدِّ. . وتَرْسُمُ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَتَأَدَّبَ بِأَدَبِ اللَّهِ طَرِيقَهُ وَاضِحًا لَا لُبْسَ فِيهِ. فَلَا مُشَارَكَةَ لِلْجُهَّالِ، وَلَا مُخَاصَمَةَ لَهُمْ، وَلَا مُوْجِدَةَ عَلَيْهِمْ، وَلَا ضَيْقَ بِهِمْ. إِنَّمَا هُوَ التَّرَفُّعُ، والسَّمَاحَةُ، وحُبُّ الخَيْرِ حَتَّى لِلْجَارِمِ (١) المُسِيءِ (٢).
* * *
_________________
(١) جَرَمَهُ: قَطَعَهُ. انظر لسان العرب (٢/ ٢٥٧).
(٢) انظر في ظلال القرآن (٥/ ٢٧٠٠ - ٢٧٠١) لسيد قطب ﵀.
[ ١ / ٣٩١ ]
مُقَاطَعَةُ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وحِصَارَ الشِّعْبِ
لَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ أمْرَ الإِسْلَامِ يَنْتَشِرُ ويَعْلُو، وَأَنَّ أسَالِيبَهَا كُلَّهَا بَاءَتْ بِالفَشَلِ، وَلَمْ تَمْنَعْ مِنِ انْتِشَارِ الإِسْلَامِ، وَأَنَّ مُسَاوَمَتَهَا لِأَبِي طَالِبٍ، وَللنَّبِيِّ -ﷺ- مِنْ بَعْدِه قَدْ قُوبِلَتْ بِالرَّفْضِ، أجْمَعُوا أمْرَهُمْ عَلَى المُقَاطَعَةِ.
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ أصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ نَزَلُوا بَلَدًا، وأَصَأبُوا بِهِ أَمْنًا وَقَرَارًا، وأَنَّ النَّجَاشِيَّ قَدْ مَنَعَ مَنْ لَجَأَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ، وَأَنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ -﵁- قَدْ أَسْلَمَ، فكَانَ هُوَ وحَمْزَةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁- مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وأصْحَابِهِ، وجَعَلَ الإِسْلَامُ يَفْشُو في القَبَائِلِ، اجْتَمَعُوا وَائْتَمُّوا بَيْنَهُمْ أَنْ يَكْتبوا كِتَابًا يَتَعَاقَدُونَ فِيهِ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ، وبَنِي المُطَّلِبِ: عَلَى أَنْ لَا يُنْكِحُوا إِلَيْهِمْ، ولَا يُنْكِحُوهُمْ، وَلَا يَبِيعُوهُمْ شَيئًا، وَلَا يَبْتَاعُوا (١) مِنْهُمْ، وَأَنْ يُضَيِّقُوا عَلَيْهِمْ، وَلَا يُجَالِسُوهُمْ، ولَا يُخَالِطُوهُمْ حَتَّى يُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لِلْقَتْلِ.
فَلَمَّا اجْتَمَعُوا لِذَلِكَ كَتَبُوهُ فِي صَحِيفَةٍ، ثُمَّ تَعَاهَدُوا وتَوَاثَقُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ عَلَّقُوا الصَّحِيفَةَ فِي جَوْفِ الكَعْبَةِ تَوْكِيدًا عَلَى أنْفُسِهِمْ.
_________________
(١) ابْتَاعَ الشيءَ: أي اشتَرَاه. انظر لسان العرب (١/ ٥٥٧).
[ ١ / ٣٩٢ ]
وكَانَ كَاتِبُ الصَّحِيفَةِ مَنْصُورُ بنُ عِكْرِمَةَ بنِ عَامِرِ بنِ هَاشِمِ بنِ عَبْدِ مَنَافٍ بنِ عَبْدِ الدَّارِ (١)
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: والمَشْهُورُ أَنَّ مَنْصُورَ بنَ عِكْرِمَةَ هُوَ الذِي كَتَبَ الصَّحِيفَةَ كَمَا ذَكَرَهُ ابنُ إسْحَاقَ، فَدَعَا عَلَيْهِ الرَّسُولُ -ﷺ- فَشُلَّتْ يَدُهُ فَمَا كَانَ يَنْتَفِعُ بِهَا (٢).
فَلَمَّا رَأَى أَبُو طَالِبٍ تَأَلُّبَ (٣) قُرَيْشٍ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ -ﷺ-، قَامَ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وبَنِي المُطَّلِبِ، ودَعَاهُمْ إلى مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ مَنْعِ ابْنِ أخِيهِ، وَحِيَاطَتِهِ والقِيَامِ دُونَهُ، فَأَجَابُوا إلى ذَلِكَ، وَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ عَلَى أَنْ يُدْخِلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- شِعْبَهُمْ (٤): شِعْبَ بَنِي هَاشِمٍ، ويَمْنَعُوهُ مِمَّنْ أَرَادَ قَتْلَهُ، فَأَجَابُوا لِذَلِكَ فَانْحَازَتْ بَنُو هَاشِمٍ، وبَنُو المُطَّلِبِ إِلَى أَبِي طَالِبٍ، فَدَخَلُوا مَعَهُ فِي شِعْبِهِ، حَتَّى كُفَّارُهُمْ دَخَلُوا الشِّعْبَ حَمِيَّةً لِلرَّحِمِ، وَالقَرَابَةِ، وَلَمْ يَشُذَّ عَنْ هَذَا الإِجْمَاعِ إِلَّا أَبُو لَهَبِ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَدِ انْحَازَ إِلَى قُرَيْشٍ، وَفَارَقَ بَنِي هَاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ.
وكَانَ أَبُو طَالِبٍ يَخَافُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فكَانَ إِذَا أَخَذَ النَّاسُ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٨٨).
(٢) انظر البداية والنهاية (٣/ ٩٤).
(٣) تألَّبوا عليه: تَجَمَّعوا. انظر لسان العرب (١/ ١٧٧).
(٤) الشِّعْبُ: هو الطرِيقُ فِي الجَبَل، وما انفَرَجَ بينَ جَبَلين. انظر لسان العرب (٧/ ١٢٨).
[ ١ / ٣٩٣ ]
مَضَاجِعَهُمْ، أَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فَأَتَى فِرَاشَهُ حَتَّى يَرَاهُ مَنْ أَرَادَ بِهِ مَكْرًا، فَإِذَا نَامَ النَّاسُ، أَخَذَ أَحَدَ بَنِيهِ أَوْ إخْوَتَهُ أَوْ بَنِي عَمِّهِ، فَأَضْجَعَهُ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وأَمَرَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَأْتِيَ بَعْضَ فُرُشِهِمْ فَيَرْقُدَ عَلَيْهَا (١).
* شِدَّةُ الحِصَارِ:
لَبِثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَالمُسْلِمُونَ فِي الشِّعْبِ ثَلَاثَ سِنِينَ، واشْتَدَّ عَلَيْهِمْ فِيهِنَّ البَلَاءُ وَالجَهْدُ (٢)، فَقَدْ قَطَعَتْ عَنْهُمْ قُرَيْشٌ المِيرَةَ (٣) والمَادَّةَ، وَقَطَعَتْ عَلَيْهِمُ الأَسْوَاقَ، فكَانُوا لَا يَتْرُكُونَ طَعَامًا يَدْنُو مِنْ مَكَّةَ وَلَا بَيْعًا إِلَّا بَادَرُوا إِلَيْهِ فَاشْتَرَوْهُ دُونَهُمْ لَيَقْتُلَهُمُ الجُوعُ، وكَانَ أَبُو لَهَبٍ يَدُورُ بَيْنَ التُّجَّارِ، وَيَقُولُ لَهُمْ: غَالُوا عَلَى أصْحَابِ مُحَمَّدٍ، حَتَّى لَا يُدْرِكُوا مَعَكُمْ شَيْئًا، وَأَنَا أدْفَعُ لَكُمْ أضْعَافًا مُضَاعَفَةً، فَيَزِيدُونَ عَلَيْهِمْ فِي السِّلْعَةِ قِيمَتَهَا أَضْعَافًا حَتَّى يَرْجعَ الرَّجُلُ إِلَى أَطْفَالِهِ، وهُمْ يَتَضَاغَوْنَ (٤) مِنَ الجُوعِ، ولَيْسَ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ يُطْعِمُهُمْ بِهِ، ويَغْدُو التُّجَّارُ عَلَى أَبِي لَهَبٍ فيُرْبِحُهُمْ، حَتَّى جَهِدَ المُؤْمِنُونَ، وَمَنْ مَعَهُمْ جُوْعًا وَعُرْيًا،
_________________
(١) انظر دلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٢٧٣).
(٢) قُلتُ: هذه إحدى الشَّدَائِدِ الثلاثِ التي دَلَّ عليها تأوِيلُ الغَطَّاتِ الثلاثِ التي غَطّ جِبرِيلُ ﵇ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- حينَ قَال له: اقرأ، قال: ما أنا بِقَارِيٍّ فغطَّهُ جبريلُ ﵇ ثلاثَ مرَّاتٍ، وقد فصَّلْتُ فِي ذلكَ فِي بِداية نُزُولِ الوَحْي، فراجعه.
(٣) المِيرَةُ: هي الإبلَ التي تُحمَلُ عليهَا المِيرَةُ، وهي الطعَامُ ونحوُهُ، مما يُجلَبُ للبَيْعِ. انظر النهاية (٤/ ٣٢٣).
(٤) يتضاغون: يبكون. انظر لسان العرب (٨/ ٦٩).
[ ١ / ٣٩٤ ]
وحَتَّى سُمِعَ أصْوَاتُ صِبْيَانِهِمْ مِنْ وَرَاءِ الشِّعْبِ، واضْطُرُّوا إِلَى أَكْلِ وَرَقِ الشَّجِرَ والجُلُودِ، وهَلَكَ مِنْهُمْ مَنْ هَلَكَ.
أخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الحِلْيَةِ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: . . . خَرَجْتُ مِنَ اللَّيْلِ أَبُولُ، وَإِذَا أَنَا أَسْمَعُ بِقَعْقَعَةِ تَحْتَ بَوْلِي، فَإِذَا قِطْعَةٌ جِلْدِ بَعِيرٍ، فَأَخَذْتُهَا وغَسَلْتُهَا، ثُمَّ أحْرَقْتُهَا، ثُمَّ رَضَضْتُهَا (١) وسَفَفْتُهَا بِالمَاءَ (٢)، وَشَرِبْتُ عَلَيْهَا مِنَ الْمَاءِ، فَقَوِيتُ بِهَا ثَلَاثًا (٣).
وَضُيِّقَ الحِصَارُ عَلَى المُسْلِمِينَ، وَانْقَطَعَ عَنْهُمُ العَوْنُ، وَقَلَّ الغِذَاءُ حَتَّى بَلَغَ الجَهْدُ أَقْصَاهُ، وسُمِعَ بُكَاءُ أطْفَالِهِمْ مِنْ وَرَاءِ الشِّعْبِ، وعَضَّتْهُمُ الأَزَمَاتُ العَصِيبَةُ حَتَّى رَثَى لِحَالِهِمُ الخُصُومُ، ومَعَ اكْفِهْرَارِ (٤) الجَوِّ فِي وُجُوهِهِمْ، فَقَدْ تَحَمَّلُوا فِي ذَاتِ اللَّهِ الوَيْلَاتِ (٥).
وَقَدْ سَرَّ هَذَا الأَمْرُ كُفَّارَ قُرْيَشٍ، وَكَانَ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَبْعَث إِلَى المُحْصُورِينَ طَعَامًا إِلَّا سِرًّا مُسْتَخْفِيًا مِمَّنْ أَرَادَ صِلَتَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانَ مِمَّنْ يَصِلُهُمْ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ (٦) ابْنُ أَخِي السَّيِّدَةِ خَدِيجَةَ ﵂، وهِشَامُ بنُ
_________________
(١) رُضَاضُ الشَّيْءِ: فُتاتُهُ، وكلُّ شيءٍ كَسَرْتَهُ، فقد رضدته. انظر لسان العرب (٥/ ٢٣٠).
(٢) سَفَفْتُهَا بالمَاءَ: أي خَلَطْتُهَا بالماءِ. انظر لسان العرب (٦/ ٢٨٢).
(٣) انظر حلية الأولياء (١/ ١٣٦).
(٤) اكْفَهَرَّ: تَغَيَّرَ إلى الغُبْرَةِ مَعَ الغِلَظِ. انظر لسان العرب (١٢/ ١٣٠).
(٥) انظر فقه السيرة للشيخ محمَّد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ١١٨.
(٦) أسلم حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ -﵁- فِي فَتْحِ مكةَ وحسُن إسلامه.
[ ١ / ٣٩٥ ]
عَمْرٍو العَامِرِيُّ (١) وكَانَ أوْصَلَهُمْ لِبَنِي هَاشِمٍ، فكَانَ يَأْتِي بِالبَعِيرِ لَيْلًا فَيُوقِرُهُ (٢) طَعَامًا، ثُمَّ يَضْرِبُهُ بِاتِّجَاهِ الشِّعْبِ، ويَتْرُكُ زِمَامَهُ لِيَصِلَ إِلَى المَحْصُورِينَ (٣).
* بَيْنَ حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ وَأَبي جَهْلٍ:
وفِي ذَاتِ يَوْمٍ كَانَ حَكِيمُ بنُ حِزَامٍ، مَعَهُ غُلَامٌ يَحْمِلُ قَمْحًا يُرِيدُ بِهِ عَمَّتَهُ خَدِيجَةَ بِنْتَ خُوَيْلِدٍ ﵂، وهِيَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَمَعَهُ فِي الشِّعْبِ فَقَابَلَهُ أَبُو جَهْلٍ فتَعَلَّقَ بِهِ، وقَال لَهُ: أَتَذْهَبُ بِالطَّعَامِ إِلَى بَنِي هَاشِمٍ؟ فَوَاللَّهِ لَا تَبْرَحُ أَنْتَ وطَعَامُكَ حَتَّى أفْضَحَكَ بِمَكَّةَ، فَجَاءَهُ أَبُو البَخْتَرِيِّ بنُ هِشَامٍ، فَقَالَ: مَالَكَ وَلَهُ؟
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَحْمِلُ الطَّعَامَ إلى بَنِي هَاشِمٍ! .
فَقَالَ لَهُ أَبُو البَخْتَرِيِّ: طَعَامٌ كَانَ لِعَمَّتِهِ عِنْدَهُ بَعَثَتْ إِلَيْهِ، أفَتَمْنَعُهُ أَنْ يَأْتِيَهَا بِطَعَامِهَا؟
خَلِّ سَبِيلَ الرَّجُلِ، فَأَبَى أَبُو جَهْلٍ حَتَّى نَالَ أَحَدُهُمَا مِنَ الْآخَرِ، فَأَخَذَ أَبُو البَخْتَرِيِّ لَحْيَ (٤) بَعِيرٍ فَضَرَبَهُ بِهِ فَشَجَّهُ، ووَطِئَهُ وَطْئًا شَدِيدًا، وحَمْزَةُ بنُ
_________________
(١) أسلم هِشَامُ بن عَمرو العَامِرِيُّ -﵁- فِي فَتْحِ مَكةَ، وهوَ مِنَ المُؤَلَّفَةِ قُلوبُهم أعْطَاه الرسول -ﷺ- دُونَ المِائَةِ مِنْ غَنَائِمِ حُنَيْنٍ. انظر الإصابة (٦/ ٤٢٦).
(٢) أوْقَرَ رَاحِلَتَهُ: حَمَّلها. انظر النهاية (٥/ ١٨٠).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٤١٢).
(٤) اللَّحْيَانِ: هُمَا العَظْمَانِ اللذَانِ فيهِمَا الأسنَان من داخِلِ الفَمِ. انظر لسان العرب (١٢/ ٢٥٩).
[ ١ / ٣٩٦ ]
عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁- قَرِيبٌ يَرَى ذَلِكَ، وهُمْ يَكْرَهُونَ أَنْ يَبْلُغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وأصْحَابَهُ، فَيَشْمَتُوا بِهِمْ.
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: ومَعَ كُلِّ ذَلِكَ فَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدْعُو قَوْمَهُ لَيْلًا ونَهَارًا، سِرًّا وَجَهْرًا، مُبَادِيًا بِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَّقِي فِيهِ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ (١).
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -مُعَلِّقًا عَلَى كَلَامِ ابْنِ إِسْحَاقَ-: لِأَنَّ الِاضْطِهَادَ لَا يَقْتُلُ الدَّعَوَاتِ، بَلْ يَزِيدُ جُذُورَهَا عُمْقًا وفُرُوعَهَا امْتِدَادًا، وَقَدْ كَسِبَ الإِسْلَامُ أنْصَارًا كَثِيرًا فِي هَذِهِ المَرْحَلَةِ، وكَسِبَ إِلَى جَانِبِ ذَلِكَ أَنَّ المُشْرِكِينَ قَدْ بَدَؤُوا يَنْقَسِمُونَ عَلَى أنْفُسِهِمْ، ويَتَسَاءَلُونَ عَنْ صَوَابِ مَا فَعَلُوا، وشَرَعَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَعْمَلُ عَلَى إبْطَالِ هَذِهِ المُقَاطَعَةِ، ونَقْضِ الصَّحِيفَةِ التِي تَضَمَّنَتْهَا (٢).
* وِلَادَةُ حَبْرِ الأُمَّةِ وتَرْجُمَانِ القُرْآن:
وَفِي فَتْرَةِ المُقَاطَعَةِ فِي الشِّعْبِ وُلدَ حَبْرُ الْأُمَّةِ، وتَرْجُمَانُ القُرْآنِ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَبَّاسٍ ﵄.
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هُوَ حَبْرُ الأُمَّةِ، وفَقِيهُ العَصْرِ، وإمَامُ التَّفْسِيرِ، أَبُو العَبَّاسِ، عَبْدُ اللَّهِ ابنُ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- العَبَّاسِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٣٩٢) - دلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٢٧٦).
(٢) انظر كتاب فقه السيرة ص ١٢١.
[ ١ / ٣٩٧ ]
القُرَشِيِّ الهَاشِمِيِّ، مَوْلدُهُ بِشِعْبِ بَنِي هَاشِمٍ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ.
صَحِبَ النَّبِيَّ -ﷺ- نحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ شَهْرًا، وَحَدَّثَ عَنْهُ بِجُمْلَةٍ صَالِحَةٍ.
وَكَانَ -﵁- وَسِيمًا، جَمِيلًا، مَدِيدَ القَامَةِ، مَهِيبًا، كَامِلَ العَقْلِ، ذَكِيَّ النَّفْسِ، مِنْ رِجَالِ الكَمَالِ.
تُوُفِّيَ -﵁- بِالطَّائِفِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ (١).
* نَقْضُ الصَّحِيفَةِ وإنْهَاءُ المُقَاطَعَةِ:
مَكَثَ بَنُو هَاشِمٍ وبَنُو المُطَّلِبِ بِالشِّعْبِ ثَلَاثَ سِنِينَ (٢)، حَتَّى بَلَغَ مِنْهُمُ الجَهْدُ وَالأَذَى مَبْلَغَهُ كَمَا رَأَيْنَا، ثُمَّ قَامَ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْ أَهْلِ المُرُوءَةِ، وَالضَّمَائِرِ، فِي مُقَدِّمَتِهِمْ: هِشَامُ بنُ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ، الذِي تَصِلُهُ بِبَنِي هَاشِمٍ صِلَةُ قَرَابَةٍ، وَكَانَ ذَا شَرَفٍ فِي قَوْمِهِ، وكَانَ قَدْ بَذَلَ جُهْدَهُ أيَّامَ الحِصَارِ، فَقَدْ مَشَى إِلَى زُهَيْرِ بنِ أَبِي أُمَيَّةَ المُخْزُومِيِّ -وكَانَتْ أُمُّهُ عَاتِكَةَ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ- فَقَالَ: يَا زُهَيْرُ! أَقَدْ رَضِيتَ أَنْ تَأْكُلَ الطَّعَامَ، وَتَلْبَسَ الثِّيَابَ، وتَنْكِحَ النِّسَاءَ، وَأَخْوَالُكَ حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ، لَا يُبَاعُونَ وَلَا يُبْتَاعُ (٣) مِنْهُمْ، وَلَا يَنْكِحُونَ وَلَا
_________________
(١) انظر سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٣١).
(٢) قلتُ: وعَلى هذا يكُونُ حِصَارُ الشِّعْبِ فِي مُحرم سنة سبع من المَبْعَثِ إلى السنة العاشرة من المَبعثِ، وفيها تُوفي أبو طالب. وانظر فتح الباري (٧/ ٥٩٠) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٠١).
(٣) ابْتَاعَ الشَّيْءَ: اشْتَرَاهُ. انظر النهاية (١/ ١٧٠).
[ ١ / ٣٩٨ ]
يُنْكَحُ إِلَيْهِمْ، أمَا إِنِّي أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَوْ كَانُوا أَخْوَالَ أَبِي الحَكَمِ بنِ هِشَامٍ، ثُمَّ دَعَوتُهُ إلى مِثْلِ مَا دَعَاكَ إِلَيْهِ مِنْهُمْ، مَا أَجَابَكُمْ إِلَيْهِ أَبَدًا، قَالَ: وَيْحَكَ يَا هِشَامُ! فَمَاذَا أَصْنَعُ؟ إِنَّمَا أَنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، وَاللَّهِ لَوْ كَانَ مَعِيَ رَجُلٌ آخَرُ لَقُمْتُ فِي نَقْضِهَا حَتَّى أَنْقُضَهَا، قَالَ: قَدْ وَجَدْتُ رَجُلًا، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ .
قَالَ: أَنَا، قَالَ لَهُ زُهَيْرٌ: ابْغِنَا رَجُلًا ثَالِثًا.
فَذَهَبَ إلى المُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ، فَقَالَ: يَا مُطْعِمُ! أَقَدْ رَضِيتَ أَنْ يَهْلِكَ بَطْنَانِ (١) مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَأَنْتَ شَاهِدٌ عَلَى ذَلِكَ، مُوَافِقٌ لِقُرَيْشٍ فِيهِ؟
أَمَا وَاللَّهِ لَئِنْ أَمْكَنْتُمُوهُمْ مِنْ هَذِهِ لَتَجِدُنَّهُمْ إِلَيْهَا مِنْكُمْ أَسْرَعُ، قَالَ: وَيْحَكَ! فَمَاذَا أصْنَعُ؟ إِنَّمَا أنَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، قَالَ: قَدْ وَجَدْتُ ثَانِيًا، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: أنَا، قَالَ: ابْغِنَا ثَالِثًا، قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ، قَالَ: مَنْ هُوَ؟ قَالَ: زُهَيْرُ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ، قَالَ: ابْغِنَا رَابِعًا، فَذَهَبَ إلى أَبِي البَخْتَرِيِّ بنِ هِشَامٍ، فَقَالَ لَهُ نَحْوًا مِمَّا قَالَ لِلْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ، فَقَالَ: وَهَلْ مِنْ أَحَدٍ يُعِينُ عَلَى هَذَا؟
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَنْ هُوَ؟، قَالَ: زُهَيْرُ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ، وَالمُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ، وَأَنَا مَعَكَ، قَالَ: ابْغِنَا خَامِسًا.
فَذَهَبَ إلى زَمْعَةَ بنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ فكَلَّمَهُ، وَذَكَرَ لَهُ قَرَابَتَهُمْ وَحَقَّهُمْ، فَقَالَ لَهُ: وَهَلْ عَلَى هَذَا الأَمْرِ الذِي تَدْعُونِي إِلَيْهِ مِنْ أَحَدٍ؟ .
_________________
(١) البَطْنُ: مَا دُونَ القَبِيلَةِ وفَوْقَ الفَخِذِ. انظر النهاية (١/ ١٣٧).
[ ١ / ٣٩٩ ]
قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ سَمَّى لَهُ القَوْمَ.
فَاتَّعَدُوا (١) الحَجُونِ (٢) لَيْلًا بِأَعْلَى مَكَّةَ.
فَاجْتَمَعُوا هُنَالِكَ، فَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ، وتَعَاقَدُوا عَلَى القِيَامِ فِي الصَّحِيفَةِ حَتَّى يَنْقُضُوهَا، وَقَالَ زُهَيْرٌ: أنَا أَبْدَؤُكُمْ، فَأَكُونُ أَوَّلَ مَنْ يَتَكَلَّمُ، فَلَمَّا أصْبَحُوا غَدَوْا إِلَى أنْدِيَتِهِمْ (٣)، وغَدَا زُهَيْرٌ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ عَلَيْهِ حُلَّةٌ، فَطَافَ بِالبَيْتِ سَبْعًا، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ! أنَأْكُلُ الطَّعَامَ، ونَلْبَسُ الثِّيَابَ، وبَنُو هَاشِمٍ هَلْكَى لَا يُبَاعُونَ وَلَا يُبْتَاعُ مِنْهُمْ؟ وَاللَّهِ لَا أَقْعُدُ حَتَّى تُشَقَّ هَذِهِ الصَّحِيفَةُ القَاطِعَةُ الظَّالِمَةُ.
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ، وَكَانَ فِي نَاحِيَةِ المَسْجِدِ: كَذَبْتَ وَاللَّهِ لَا تُشَقُّ، فَقَالَ زَمْعَةُ بنُ الأَسْوَدِ: أَنْتَ وَاللَّهِ أَكْذَبُ، مَا رَضِينَا كِتَابَهَا حَيْثُ كُتِبَتْ! .
فَقَالَ أَبُو البَخْتَرِيِّ: صَدَقَ زَمْعَةُ، لَا نَرْضَى مَا كُتِبَ فِيهَا، وَلَا نُقِرُّ بِهِ.
فَهُنَا قَامَ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ، فَقَالَ: صَدَقْتُمَا، وَكَذَبَ مَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ، نَبْرَأُ إلى اللَّهِ مِنْهَا، وَمِمَّا كُتِبَ فِيهَا، وَقَالَ هِشَامُ بنُ عَمْرٍو نَحْوًا مِنْ ذَلِكَ.
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ: هَذَا أَمْرٌ قُضِيَ بِلَيْلٍ، تُشُووِرَ فِيهِ فِي غَيْرِ هَذَا المَكَانِ.
_________________
(١) اتَّعَدُوا: أي تَوَاعَدُوا. انظر لسان (١٥/ ٣٤٢).
(٢) الحَجُونِ: هوَ الجَبَل المُشْرف ممَّا يلي شِعْبَ الجَزَّارِينَ بمكةَ. انظر النهاية (١/ ٣٣٥).
(٣) النَّادِي: مُجْتَمَعُ القَوْمِ وأهْلُ المَجْلِسِ. انظر النهاية (٥/ ٣١).
[ ١ / ٤٠٠ ]
* إِخْبَارُ الرَّسُولِ -ﷺ- عَمَّهُ بِنَقْضِ الصَّحِيفَةِ:
وكَانَ الرَّسُولُ -ﷺ- قَدْ أَخْبَرَ عَمَّهُ أبَا طَالِبٍ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَطْلَعَهُ عَلَى أمْرِ الصَّحِيفَةِ، وأنَّهُ سَلَّطَ عَلَيْهَا الأَرَضَةَ (١) فَلَحَسَتْ كُلَّ مَا كَانَ فِيهَا مَنْ جَوْرٍ، أَوْ ظُلْمٍ أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ أَوْ بُهْتَانٍ (٢)، وَلَمْ تَدَعْ فِيهَا اسْمًا للَّهِ إِلَّا أَثْبَتَتْهُ فِيهَا.
وفِي رِوَايَةٍ: لَمْ تَتْرُكِ الأَرَضَةُ اسْما للَّهِ ﷿ إِلَّا لَحَسَتْهُ، وبَقِيَ مَا فِيهَا مِنْ شِرْكٍ، أَوْ ظُلْمِ بَغْيٍ، وَالرِّوَايَةُ الأُولَى أَثْبَتُ (٣)، فَلَمَّا ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَلِكَ لِعَمِّهِ، قَالَ لَهُ: أرَبُّكَ أخْبَرَكَ بِهَذَا؟
قَالَ: "نَعَمْ"، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: لَا وَالثَّوَاقِبِ (٤) مَا كَذَبْتَنِي.
* صِدْقُ الرَّسُولِ -ﷺ- فِيمَا قَالَ:
فَانْطَلَقَ يَمْشِي فِي جَمَاعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي عَبدِ المُطَّلِبِ، حَتَّى أَتَوا المَسْجِدَ، فَلَمَّا رَأَتْهُمْ قُرشٌ ظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ شِدَّةِ البَلَاءِ لِيُسْلِمُوهُمْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فتَكَلَّمَ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَتْ أُمُورٌ بَيْنَنَا وبَيْنَكُمْ، فَأْتُوا بِصَحِيفَتِكُمْ التِي فِيهَا مَوَاثِيقُكُمْ، فَلَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ صُلْحٌ -وَإِنَّمَا قَالَ أَبُو طَالِبٍ ذَلِكَ خَشْيَةَ أَنْ يَنْظُرُوا فِي الصحِيفَةِ قَبْلَ أَنْ يَأْتُوا بِهَا- ثُمَّ قَالَ أَبُو طَالِبٍ: إِنَّمَا أَتَيْتُكُمْ لِأُعْطِيَكُمْ أَمْرًا
_________________
(١) الأرَضَةُ: هِيَ دُوَيْبَةٌ تَأْكُلُ الخَشَبَ ونحوه. انظر لسان العرب (١/ ١١٩).
(٢) البُهْتَانُ: هوَ الكَذِبُ والافْتِرَاءُ. انظر النهاية (١/ ١٦٢).
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٥٩٠).
(٤) الثَّوَاقِبُ: هي الكَوَاكبُ المُضِيئَةُ. انظر لسان العرب (٢/ ١١١).
[ ١ / ٤٠١ ]
فِيهِ نَصَفٌ (١) بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ، إِنَّ ابْنَ أَخِي قَدْ أخْبَرَنِي وَلَمْ يَكْذِبْنِي قَطُّ، أَنَّ اللَّهَ سَلَّطَ عَلَى صَحِيفَتِكُمْ التِي كتَبْتُمُ الأَرَضَةَ، فَأَكَلَتْ جَمِيعَ مَا فِيهَا إِلَّا: "بِاسِمِكَ اللَّهُمَّ" (٢).
وفِي رِوَايَةٍ قَالَ: لَمْ تَتْرُكْ فِيهَا اسْمًا للَّهِ إِلَّا لَحَسَتْهُ، وتَرَكَتْ فِيهَا غَدْرَكُمْ وتَظَاهُرَكُمْ عَلَيْنَا بِالظُّلْمِ، فَإِنْ كَانَ الحَدِيثُ كَمَا يَقُولُ فَأَفِيقُوا، فَوَاللَّهِ لَا نُسْلِمُهُ حَتَّى نَمُوتَ عَنْ آخِرِنَا، وإِنْ كَانَ الذِي يَقُولُ بَاطِلًا دَفَعْنَا إِلَيْكُمْ صَاحِبَنَا، فَقتَلْتُمْ أَوِ اسْتَحْيَيْتُمْ، فَقَالُوا: قَدْ أَنْصَفْتَنَا رَضِينَا بِالذِي تَقُولُ، فَفَتَحُوا الصَّحِيفَةَ، فَوَجَدُوا الأَمْرَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ المَصْدُوقُ -ﷺ-، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ صِدْقَ مَا جَاءَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ سُقِطَ في أَيْدِيهِمْ، وَنُكِسُوا عَلَى رُؤِوسِهِمْ، ثُمَّ قَالُوا: هَذَا سِحْرُ ابنِ أَخِيكَ، وزَادَهُمْ ذَلِكَ بَغْيًا وعُدْوَانًا.
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ! عَلَامَ نُحْبَسُ ونُحْصَرُ، وَقَدْ بَانَ الأَمْرُ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ أنَكُمْ أَوْلَى بِالظُّلْمِ، وَالقَطِيعَةِ، والإِسَاءَةِ؟
ثُمَّ دَخَلَ هُوَ وأصْحَابُهُ بَيْنَ أسْتَارِ الكَعْبَةِ وَالكَعْبَةِ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ! انْصُرْنَا عَلَى مَنْ ظَلَمَنَا، وَقَطَعَ أرْحَامَنَا، واسْتَحَلَّ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنَّا، ثُمَّ انْصَرَفُوا إِلَى الشِّعْبِ.
_________________
(١) النَّصَفُ: أيْ أمْرٌ وَسَطٌ. انظر لسان العرب (١٤/ ١٦٦).
(٢) قال الإمام الطبري في تاريخه (١/ ٥٥٣): وهي فَاتِحَةُ ما كَانَتْ تَكْتُبُ قُرَيْشٌ، تَفْتَتِحُ بها كِتَابَهَا إذا كتَبَتْ.
[ ١ / ٤٠٢ ]
وعِنْدَ ذَلِكَ قَامَ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ إِلَى الصَّحِيفَةِ فَمَزَّقَهَا، ثُمَّ مَشَى إِلَى أُولَئِكَ الرَّهْطِ مِنْ قُرَيْشٍ الذِينَ أجْمَعُوا أمْرَهُمْ عَلَى نَقْضِ الصَّحِيفَةِ، فَلَبِسُوا السِّلَاحَ ثُمَّ خَرَجُوا إِلَى بَنِي هَاشِمٍ وبَنِي المُطَّلِبِ فَأَمَرُوهُمْ بِالخُرُوجِ إِلَى مَسَاكِنِهِمْ، فَفَعَلُوا.
وكَانَ خُرُوجُهُمْ مِنَ الشِّعْبِ في أَوَّلِ السَّنَةِ العَاشِرَةِ مِنَ البِعْثَةِ (١).
* آخِرُ مُفَاوَضَاتِ قُريشٍ مَعَ أَبِي طَالِبٍ:
خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الشِّعْبِ يَدْعُو إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وعَادَتْ قُرَيْشٌ لِشَرِّ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وَالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى، وَالشِّدَّةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وأصْحَابِهِ، وَظَلَّ أَبُو طَالِبٍ يَحُوطُ ابنَ أخِيهِ، ويَمْنَعُهُ إِلَى أَنْ لَاحَقَهُ المَرَضُ وَاشْتَدَّ بِهِ، وحِينَئِذٍ حَاوَلَ المُشْرِكُونَ مَرَّةً أُخْرَى أَنْ يُفَاوِضُوا النَّبِيَّ -ﷺ- بَيْنَ يَدَيْ أَبِي طَالِبٍ، لِخَوْفِهِمْ أَنْ تُعَيِّرَهُمُ العَرَبُ إِنْ أتَوْا بَعْدَ وَفَاتِهِ بِمُنْكَرٍ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ، فَيَقُولُونَ: تَرَكُوهُ حَتَّى إِذَا مَاتَ عَمُّهُ تَنَاوَلُوهُ.
فَلَمَّا اشْتَكَى (٢) أَبُو طَالِبٍ وبَلَغَ قُريْشًا ثِقَلُهُ، قَالَتْ قُرَيْشٌ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ: إِنَّ
_________________
(١) انظر تفاصيل المقاطعة في: سيرة ابن هشام (١/ ٣٨٨) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٠٠) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٣١١) - دلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٢٧١) - فتح الباري (٧/ ٥٨٩) - البداية والنهاية (٣/ ٩٣) - وروى البخاري في صحيحه - كتاب الأنصار - باب تقاسم المشركين علي النبي -ﷺ- رقم الحديث (٣٨٨٢) - مختصرًا جدًّا عن المقاطعة.
(٢) أي مَرِضَ.
[ ١ / ٤٠٣ ]
حَمْزَةَ وعُمَرَ قَدْ أسْلَمَا، وَقَدْ فَشَا أَمْرُ مُحَمَّدٍ في قبائِلِ قُرَيْشٍ كُلِّهَا، فَانْطَلِقُوا بِنَا إِلَى أَبِي طَالِبٍ، فَلْيَأْخُذْ لَنَا عَلَى ابْنِ أَخِيهِ، ولْيُعْطِهِ مِنَّا، وَاللَّهِ مَا نَأْمَنُ أَنْ يَبْتَزُّونَا (١) أَمْرَنَا.
فَمَشَى إِلَيْهِ أشْرَافُهُمْ، وَكَانُوا خَمْسَةٌ وعِشْرُونَ رَجُلًا، مِنْهُمْ: عُتْبَةُ وشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ، وأَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، وأَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ، وَالعَاصُ بنُ وَائِلٍ، والأَسْوَدُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، والأَسْوَدُ بنُ عَبْدِ يَغُوثَ، فَقَدَّمُوا رَجُلًا مِنْهُمْ، فَاسْتَأْذَنَ لَهُمْ عَلَى أَبِي طَالِبٍ، فَأَذِنَ لَهُمْ، فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ، قَالُوا: يَا أبَا طَالِبٍ! إِنَّكَ كَبِيرُنَا وسَيِّدُنَا، فَأَنْصِفْنَا مِنِ ابْنِ أَخِيكَ، فَمُرْهُ فَلْيَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا ونَدَعَهُ وإِلَهَهُ -وفِي لفظٍ: قَالُوا يَا أبَا طَالِبٍ! إِنَّكَ مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مَا تَرَى، وتَخَوَّفْنَا عَلَيْكَ، وَقَدْ عَلِمْتَ الذِي بَيْنَنَا وبَيْنَ ابْنِ أخِيكَ، فَادْعُهُ، فَخُذْ لَه مِنَّا، وخُذْ لَنَا مِنْهُ، لِيَكُفَّ عَنْهُ، وَنَكُفَّ عَنْهُ، وليَدَعَنَا ودِينَنَا، ونَدَعَهُ ودِينَهُ.
فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ، فَجَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَدَخَلَ البَيْتَ، وبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَبِي طَالِبٍ قَدْرُ مَجْلِس رَجُلٍ، فَخَشِيَ أَبُو جَهْلٍ إِنْ جَلَسَ الرَّسُولُ -ﷺ- إِلَى جَنْبِ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يَكُونَ أَرَقَّ لَهُ عَلَيْهِ، فَوَثَبَ فَجَلَسَ في ذَلِكَ المَجْلِسِ، وَلَمْ يَجِدِ
_________________
(١) ابتَزَّهُ: أي قَهَرَهُ وغَلَبَهُ. انظر النهاية (١/ ١٢٥).
[ ١ / ٤٠٤ ]
النَّبِيُّ -ﷺ- مَجْلِسًا قُرْبَ عَمِّهِ فَجَلَسَ عِنْدَ البَابِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو طَالِبٍ: يَا ابْنَ أَخِي! هَؤُلَاءِ أشْرَافُ قَوْمِكَ، قَدِ اجْتَمَعُوا لَكَ، لِيُعْطُوكَ وليَأْخُذُوا مِنْكَ، وفِي لفظٍ: هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ، وَقَدْ سَأَلُوكَ أَنْ تَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ، ويَدَعُوكَ وإِلَهَكَ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ فَقَدْ أنْصَفُوكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أرَأَيْتُمْ إِنْ أَعْطَيْتُكُمْ هَذِهِ، هَلْ أَنْتُمْ مُعْطِيَّ كلِمَةً إِنْ أَنْتُمْ تَكَلَّمْتُمْ بِهَا مَلَكْتُمْ بِهَا العَرَبَ، ودَانَتْ لَكُمْ بِهَا العَجَمُ؟ ".
وفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: يَا ابْنَ أَخِي! مَا تُرِيدُ مِنْ قَوْمِكَ؟
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أُرِيدُ مِنْهُمْ كلِمَةً وَاحِدَةً تَدِينُ لَهُمْ بِهَا العَرَبُ، وتُؤَدِّي إلَيْهِمُ العَجَمُ الجِزْيَةَ"، قَالَ أَبُو طَالِبٍ: كَلِمَةً وَاحِدَةً؟ قَالَ -ﷺ-: "كَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ"، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ: نَعَمْ وأَبِيكَ، وعَشْرَ كَلِمَاتٍ.
وفِي رِوَايَةٍ: قَالَ أَبُو جَهْلِ مِنْ بَيْنِ القَوْمِ: إِنَّ هَذِهِ لَكَلِمَةٌ مُرْبِحَةٌ، لَنُعْطيَنَّكَهَا وَعَشرًا مَعَهَا فمَا هِيَ؟ .
قَالَ -ﷺ-: "تَقُوُلونَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وتَخْلَعُونَ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ".
فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ: وَاللَّهِ يَا ابْنَ أَخِي مَا رَأَيْتُكَ سَأَلْتَهُمْ شَطَطًا (١).
_________________
(١) أي ما ظَلَمْتَهُم بسُؤَالِكَ. انظر النهاية (٢/ ٤٢٥). الشَّطَطُ: هوَ الجَوْرُ في الحُكْم. انظر لسان العرب (٧/ ١١٩). ومنهُ قوله تَعَالَى في سورة الكهف آية (١٤): ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوْا فَقَالُوْا رَبُّنَا =
[ ١ / ٤٠٥ ]
أَمَّا زُعَمَاءُ المُشْرِكِينَ فَصفَّقُوا بِأَيْدِيهِمْ، ثُمَّ قَالُوا: أَتُرِيدُ يَا مُحَمَّدُ أَنْ تَجْعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا؟ إِنَّ أَمْرَكَ لَعَجَبٌ، ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا هَذَا الرَّجُلُ بِمُعْطِيكُمْ شَيْئًا مِمَّا تُرِيدُونَ، فَانْطَلِقُوا وَامْضُوا عَلَى دِينِ آبَائِكُمْ، حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَكُمْ وبَيْنَهُ، ثُمَّ قَامُوا مِنْ عِنْدِهِ وَهُمْ يَقُولُونَ: وَاللَّهِ لَنَشْتُمَنَّكَ، وَإِلَهَكَ الذِي يَأْمُرُكَ بِهَذَا.
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١) (١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢) (٢) كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ (٣) حِينَ مَنَاصٍ (٣) وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤) أَجَعَلَ
_________________
(١) = رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾.
(٢) قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وإسماعيل بن أبي خالد، وابن عيينه: أي ذِي الشَّأنِ والمَكَانَةِ. انظر تفسير ابن كثير (٧/ ٥١).
(٣) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ٥١): أي إِنَّ في هذا القرآن لَذِكْرًا لمن يتذَكَّر، وعِبْرة لمن يَعْتَبِرَ، وإنما لم يَنتفِعْ بهِ الكافِرُونَ لأنَّهُمْ "في عِزَّةٍ" أي اسْتِكْبَارًا عنهُ وحَمِيَّة، و"شِقَاق" أي: مُخَالفَةٍ له ومُعَانَدَةٍ ومُفَارَقَةٍ.
(٤) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ٥٢ - ٥٣): هذه الكلمة وهي "لَاتَ"، هِي: "لا" التِي للنَّفْي، زِيدتْ معها "التَّاءُ"، كما تزادُ في "ثَمَّ"، فيقولون: ثَمَّتَ، و"رُبَّ"، فيقولون: رُبَّتْ، وهي مَفْصُولةٌ، والوَقْفُ عليها. وأنشدَ بعضُهُم: وَلَاتَ سَاعَةَ مَنْدَمٍ. بِخَفْضِ السَّاعة، وأهلُ اللغةِ يَقولونَ: النَّوَصُ: التَّأْخُّرُ، والبَوَصُ: التَقَدُّمُ، ولهذَا قَال تَعَالَى: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾: أي ليسَ الحِينُ حِينَ فِرَارٍ ولا ذَهَابٍ.
[ ١ / ٤٠٦ ]
الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ (١) يُرَادُ (٦) مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ (٢).
* * *
_________________
(١) قال الإمام الطبري في تفسيره (١٠/ ٥٥٢): أي: أن هذا القول الذي يقول محمد، ويدعونا إليه، من قول لا إله إلا اللَّه، شيءٌ يريده منا محمد يطلب به الاستعلاء علينا، وأن نكون له فيه أتباعًا، ولسنا مجيبيه إلى ذلك.
(٢) أخرج هذه القصة: الإمام الترمذي في جامعه - كتاب تفسير القرآن - باب سورة ص - رقم الحديث (٣٥١٢) - وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٠٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب ذكر الإخبار عن أداء العجم الجزية إلى العرب - رقم الحديث (٦٦٨٦) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٣١) - وإسنادها ضعيف - وأخرجها الحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب سورة ص - رقم الحديث (٣٦٧٠) - وإسناده حسن.
[ ١ / ٤٠٧ ]
وَفَاةُ أَبِي طَالِبٍ (١)
وَلَمْ يَلْبَثْ أَبُو طَالِبٍ أَنْ وَافَتْهُ المَنِيَّةُ، وكَانَتْ وَفَاتُهُ بَعْدَ خُرُوجِهِمْ مِنَ الشِّعْبِ في آخِرِ السَّنَةِ العَاشِرَةِ مِنَ المَبْعَثِ (٢)، وذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ وهُوَ يَوْمَئِذٍ ابْنُ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً (٣).
ولَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ (٤) دَخَلَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ-، وعِنْدَهُ أَبُو جَهْلٍ وعَبْدُ اللَّهُ
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٩١) والإصابة (٧/ ١٩٦): أبو طالب، واسمُهُ عندَ الجَمِيعِ عَبْدُ مَنَافٍ، وُلدَ قبل النبي -ﷺ- بخمس وثلاثين سنة، وكان شَقِيقَ عبدِ اللَّهِ والدَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، ولذلكَ أَوْصَى به عبدُ المُطَّلِبِ عِنْدَ موتِهِ فكفِلَهُ إلى أن كَبُرَ، واستمَرَّ علي نَصْرِهِ بعد أن بُعِث إلى أن مات أبو طالب، وكان يَذُبُّ عن النبي -ﷺ-، ويَرُدُّ عنه كل من يُؤْذِيهِ، وأخباره في حِيَاطَتِهِ، والذَّبِّ عنه مَعروفة مشهورَة، ومما اشتهر من شِعْرِهِ في ذلك قوله: واللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إليكَ بِجمِعِهِمْ حتَّى أُوسَّدَ في التُّرَابِ دَفِينَا وهو مُقيمٌ مع ذلك علي دِين قومهِ، وتوفي بعد خُرُوجه -ﷺ- من الشِّعبِ في العَام العاشر منَ المَبْعَثِ.
(٢) قلتُ: اخْتُلِفَ في الشهر الَّذي مات فيه أبو طالب، فقيل: في رمضان، وقيل: في شوال، وقيل: في رجب. واللَّه أعلم.
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٥٩١) - زاد المعاد (١/ ٩٥) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٥٩).
(٤) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١/ ١٩٠): المراد قربَتْ وفاته، وحضَرَت دلائلها، وذلك قبل المُعَايَنهِ والنَّزْعِ، ولو كان في حالِ المُعاينة لما نَفَعَهُ الإيمان لقوله تَعَالَى في سورة النساء آية (١٨): ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾. ويدُل علي أنَّه قبل المُعَاينة محاوَرَتُهُ للنبي -ﷺ-، ومعَ كُفَّارِ قريش.
[ ١ / ٤٠٨ ]
بنُ أَبِي أُمَيَّةَ في نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "أَيْ عَمِّ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ كَلِمَة أُحَاجُّ (١) لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ" فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟
فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ، وَيُعِيدُ لَهُ تِلْكَ الْمَقَالَةَ، حَتَّى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَ مَا كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (٢).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَاللَّهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ، مَا لَمْ أُنْهَ عَنْهُ" (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ مُسْلِمٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِعَمِّهِ: "قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، أَشهَدُ لَكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ"، قَالَ: لَوْلَا أَنْ تُعَيِّرَنِي قُرَيْشٌ: يَقُولُونَ:
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٩٣): أُحَاجُّ: بتشديدِ الجيم وأصلُهُ أُحَاجِجُ، وكأنهُ -ﷺ- فَهِمَ من امتِنَاع أبي طالب منَ الشَّهادَةِ في تلك الحالةِ أنَّه ظَنَّ أن ذلك لا يَنْفَعُهُ لِوُقُوعِهِ عند المَوْتِ، أو لكونه لم يتمكَّنْ من سائر الأعمالِ كالصلاةِ وغيرها، فلذلك ذَكَرَ لَهُ المُحَاجَجَةَ.
(٢) قلتُ: انظروا وتأمَّلُوا أثر الصُّحبة الفاسدةِ كيفَ جعلت أبا طالب يموتُ علي الكفر، وصَدَقَ الرسول -ﷺ- عندَما قال: "المرءُ علي دِينِ خَليلِهِ، فليَنْظُرْ أحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلْ"، وفي رِواية: "مَنْ يُخَالِطْ". رواه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨٤١٧)، (٤٠٢٨) - وأبو داود في سننه - كتاب الأدب - باب من يؤمر أن يجالس - رقم الحديث (٤٨٣٣) وإسناده جيد. وَقَالَ الشَّاعر: عنِ المرءِ لا تَسَلْ وسَلْ عن قَرِينِهِ فكُلُّ قَرِينٍ بالمُقَارَنِ يَقْتَدِي فَإِنْ كَانَ ذَا شَرٍّ فَجَنِّبْهُ سُرْعَةً وَإِنْ كَانَ ذَا خَيْرٍ فَقَارِنْهُ تَهْتَدِي إِذَا كُنْتَ في قومٍ فَصَاحِبْ خِيَارَهُمْ ولا تَصحَبِ الأرْدَى فتَرْدَى مَعَ الرَّدِي
(٣) أخرج ذلك: البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب قصة أبي طالب - رقم الحديث (٣٨٨٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت. . - رقم الحديث (٢٤).
[ ١ / ٤٠٩ ]
إِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَزَعُ، لَأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١).
* فَوَائِدُ الْحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وفِي هَذَا الحَدِيثِ:
١ - جَوَازُ زِيَارَةِ القَرِيبِ المُشْرِكِ وَعِيَادَتُهُ.
٢ - وَفِيهِ أَنَّ التَّوْبَةَ مَقْبُولَةٌ وَلَوْ في شِدَّةِ مَرَضِ المَوْتِ، حتَّى يَصِلَ إِلَى المُعَايَنَةِ فَلَا يُقْبَلُ، لِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَ﴾ (٢).
٣ - وَفِيهِ أَنَّ الكَافِرَ إِذَا شَهِدَ شَهَادَةَ الحَقِّ نَجَا مِنَ العَذَابِ؛ لِأَنَّ الإِسْلَامَ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ.
٤ - وَفِيهِ أَنَّ عَذَابَ الكُفَّارِ مُتَفَاوِتٌ، وَالنَّفْعُ الذِي حَصَلَ لِأَبِي طَالِبٍ مِنْ خَصَائِصِهِ بِبَرَكَةِ النِّبِيِّ -ﷺ-، وَإِنَّمَا عَرَضَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَلَمْ يَقُلْ فِيهَا مُحَمَّد رَسُولُ اللَّهِ؛ لِأَنَّ الكَلِمَتَيْنِ صَارَتَا كَالكَلِمَةِ الوَاحِدَةِ، ويَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو طَالِبٍ كَانَ يَتَحَقَّقُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَلَكِنْ لَا يُقِرُّ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ، وَلهَذَا قَالَ في الأَبْيَاتِ النُّونِيَّةِ:
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت .. - رقم الحديث (٢٥) (٤٢).
(٢) سورة غافر آية (٨٥).
[ ١ / ٤١٠ ]
وَدَعَوْتَنِي وَعَلِمْتُ أَنَّكَ صَادِقٌ وَلقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ قَبْلُ أَمِينَا
فَاقْتَصَرَ عَلَى أَمْرِهِ بِقَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا أَقَرَّ بِالتَّوْحِيدِ لَمْ يَتَوَقَّفْ عَلَى الشَّهَادَةِ بِالرِّسَالَةِ (١).
* اسْتِغْفَارُ المُسْلِمِينَ لِمَوْتَاهُمُ الكُفَّارِ:
وَأَخَذَ المُسْلِمُونَ يَسْتَغْفِرُونَ لِمَوْتَاهُمُ الذِينَ مَاتُوا وَهُمْ مُشْرِكُونَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢).
وأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى كَذَلِكَ: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (٣).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٧/ ٥٩٤).
(٢) سورة التوبة آية (١١٣).
(٣) سورة القصص آية (٥٦). قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٩٣) - (٩/ ٤٥٩): أما نُزول هذهِ الآيةِ الثانيةِ فَوَاضِحٌ في قِصَّةِ أبي طالب، وأما نُزُولُ التي قبلها فَفِيهِ نظرٌ، ويظهرُ أَنَّ المُراد أن الآية المُتَعَلِّقَةَ بالاستغفارِ نَزَلت بعدَ أبي طالب بِمُدَّةٍ، وهي عامَّة في حقِّه وفي حَقِّ غيره، ويُؤَيِّدُ تأخيرَ النُّزُولِ، ما تقدَّمَ في تفسِيرِ براءَة من استغفارِ النبيِّ -ﷺ- للمُنَافِقِينَ حتَّى نَزَلَ النهيُ عن ذلك، فإن ذلك يَقْتَضِي تأخِيرَ النُّزُولِ، وإن تَقَدَّمَ السَّبب، ويُشير إلى ذلك أيضًا قوله في حديثِ البابِ وأنزل اللَّه في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ لأنهُ يُشْعِرُ بأن الآية الأولى نزلت في أَبِي طالب وفي غيره، والثانية نزلت فيه وَحْدَه، ويؤيِّدُ تعدُّدَ السَّبَبِ ما أخرجَ أحمدُ في مسندِهِ بسندٍ حسن - رقم الحديث (٧٧١) من طريق أبي إسحاق عن =
[ ١ / ٤١١ ]
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: هُوَ أعْلَمُ ﷾ بِمَنْ يَسْتَحِقُّ الهِدَايَةَ مِمَّنْ يَسْتَحِقُّ الغِوَايَةَ، وَقَدْ ثَبَتَ في الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهَا نزلَتْ في أَبِي طَالِبٍ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَدْ كَانَ يَحُوطُهُ وَيَنْصُرُهُ، ويَقُومُ في صَفِّهِ ويُحِبُّهُ حُبًّا شَدِيدًا طَبِيعِيًّا لَا شَرْعِيًّا، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ وَحَانَ أَجَلُهُ، دَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الإيمَانِ، وَالدُّخُولِ في الإِسْلَامِ، فَسَبَقَ القَدَرُ فِيهِ، وَاخْتُطِفَ مِنْ يَدِهِ، فَاسْتَمَرَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، وَللَّهِ الحِكْمَةُ التَّامَّةُ (١).
* عِبْرَةٌ وَعِظَةٌ لِمَنْ تَدَبَّرَ:
وَإِنَّ الإِنْسَانَ لَيَقِفُ أمَامَ هَذَا الخَبَرِ مَأْخُوذًا بِصَرَامَةِ هَذَا الدِّينِ وَاسْتِقَامَتِهِ، فَهَذَا عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَافِلُهُ وحَامِيهِ وَالذَّائِدُ عَنْهُ، لَا يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ الإِيمَانَ، عَلَى شِدَّةِ حُبِّهِ لرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وشِدَّةِ حُبِّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُؤْمِنَ. ذَلِكَ أَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ إِلَى عَصَبِيَّةِ القَرَابَةِ وحُبِّ الْأُبُوَّةِ، وَلَمْ يَقْصِدْ إِلَى العَقِيدَةِ. وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ هَذَا مِنْهُ، فَلَمْ يُقَدَّرْ لَهُ مَا كَانَ يُحِبُّهُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ويَرْجُوهُ. فَأَخْرَجَ هَذَا الأَمْرَ -أَمْرَ الهِدَايَةِ- مِنْ حِصَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَجَعلَهُ خَاصًّا بِإِرَادَتِهِ سُبْحَانَهُ وتَقْدِيرِهِ. ومَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا البَلَاغُ، ومَا عَلَى الدَّاعِينَ بَعْدَهُ إِلَّا النَّصِيحَة. وَالقُلُوبُ بَعْدَ
_________________
(١) = أبي الخَلِيلِ عن علي قال: سمعتُ رَجُلًا يستغْفِرُ لأبويه، وهُمَا مشْرِكَانِ، فقلتُ: أيَسْتَغْفِرُ الرجلُ لأبويهِ وهُما مشركان؟ فقال: أوَلَمْ يَسْتَغْفِرْ إبرَاهِيمُ لأبيهِ؟ فذكرتُ ذلكَ للنبيِّ -ﷺ- فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ. . . إلى قوله تَعَالَى: تَبَرَّأَ مِنْه﴾ (سورة التوبة آية ١١٣ - ١١٤).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٦/ ٢٤٦).
[ ١ / ٤١٢ ]
ذَلِكَ بيْنَ أَصَابعِ الرَّحْمَنِ، وَالهُدَى وَالضَّلَالُ وِفْقَ مَا يَعْلَمُهُ مِنْ قُلُوبِ العِبَادِ وَاسْتِعْدَادِهِمْ لِلْهُدَى أَوْ لِلضَّلَالِ (١).
* دَفْنُ أَبِي طَالِبٍ:
رَوَى أَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ، وَالطَّيَالِسِيُّ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا مَاتَ أَبُو طَالِبٍ، أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ: إِنَّ عَمَّكَ الشَّيْخَ الضَّالَّ قَدْ مَاتَ.
فَقَالَ -ﷺ-: "اذْهَبْ فَوَارِ (٢) أبَاكَ، ثُمَّ لَا تُحْدِثَنَّ شَيْئًا حَتَّى تَأْتِيَنِي".
قَالَ -﵁-: فَوَارَيْتُهُ، ثُمَّ جِئْتُهُ، فَأَمَرَنِي، فَاغْتَسَلْتُ، وَدَعَا لِي (٣).
* مَصِيرُ أَبِي طَالِبٍ:
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الحَارِثِ عَنِ العَبَّاسَ بنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁- قَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: مَا أَغْنَيْتَ عَنْ عَمِّكَ، فَوَاللَّهِ كَانَ يَحُوطُكَ (٤)
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن (٥/ ٢٧٠٣).
(٢) التَّوَارِي: الاستِتَارُ، أرادَ بهِ الدَّفْنَ. انظر جامع الأصول (٧/ ٣٣٧).
(٣) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجنائز - باب الرجل يموت وله قرابة مشرك - رقم الحديث (٣٢١٤) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٢٢) - وأورده الذهبي في السيرة النبوية (١/ ١٩٣) وقال: هذا حديث حسن متصل.
(٤) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٣/ ٧١): يُقال: حَاطَهُ يَحُوطُهُ حَوْطًا وحِيَاطَةً: إذا صَانَهُ وحَفِظَهُ وذَبَّ عَنْهُ.
[ ١ / ٤١٣ ]
ويَغْضَبُ لَكَ، فَقَالَ -ﷺ-: "هُوَ في ضَحْضَاحٍ (١) مِنْ نَارٍ، وَلَوْلَا أَنَا لَكَانَ في الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ" (٢).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ-، وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ فَقَالَ: "لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فيجْعَلُ في ضَحْضَاحٍ مِنَ النَّارِ يَبْلُغُ كعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ دِمَاغُهُ" (٣).
وأخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا أَبُو طَالِبٍ، وَهُوَ مُنْتَعِلٌ بِنَعْلَيْنِ يَغْلِي مِنْهُمَا دِمَاغُهُ" (٤).
قَالَ الإِمَامُ السُّهَيْلِيُّ: الحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ أبَا طَالِبٍ كَانَ تَابِعًا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِجُمْلَتِهِ، إِلَّا أَنَّهُ مُثَبِّتٌ لِقَدَمَيْهِ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَسُلِّطَ العَذَابُ عَلَى قَدَمَيْهِ
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٩٢) الضَّحْضَاحُ: هوَ استِعَارَةٌ، فإن الضَّحْضَاحَ منَ الماء ما تئلُغُ الكَعْبَ، والمعنَى أنَّه خَفَّفَ عنهُ العذابَ.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب قصة أبي طالب - رقم الحديث (٣٨٨٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب شفاعة النبي -ﷺ- لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه - رقم الحديث (٢٠٩).
(٣) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب قصة أبي طالب - رقم الحديث (٣٨٨٥) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب شفاعة النبي -ﷺ- لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه - رقم الحديث (٢١٠).
(٤) رواه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب أهون أهل النار عذابًا - رقم الحديث (٢١٢) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٣٦).
[ ١ / ٤١٤ ]
خَاصَّةً لِتَثْبِيتِهِ إِيَّاهُمَا عَلَى مِلَّةِ آبَائِهِ (١).
قُلْتُ: فَلَمْ يُفْلحْ أَبُو طَالِبٍ رَغْمَ كُلِّ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنَ الحِيَاطَةِ وَالنَّصْرِ لِرَسُول اللَّهِ -ﷺ-.
* * *
_________________
(١) انظر الرَّوْض الأُنُف (٢/ ٢٥٥).
[ ١ / ٤١٥ ]
وَفَاةُ خَدِيجَةَ ﵂
إِنَّ خَدِيجَةَ ﵂ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ تَعَالَى الجَلِيلَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَدْ آزَرَتْهُ في أَحْرَجِ الأَوْقَاتِ، وَأَعَانَتْهُ عَلَى إبْلَاع رِسَالَتِهِ، وشَارَكَتْهُ مَغَارِمَ الجِهَادِ المُرِّ، وَوَاسَتْهُ بِنَفْسِهَا وَمَالِهَا، وَإِنَّكَ لِتُحِسُّ قَدْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ عِنْدَمَا تَعْلَمُ أَنَّ مِنْ زَوْجَاتِ الأَنْبِيَاءِ مَنْ خُنَّ (١) الرِّسَالة وَكَفَرْنَ بِرِجَالِهِنَّ، وَكُنَّ مَعَ المُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمِهِنَّ وَآلِهِنَّ حَرْبًا عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ (٢).
* وَقْتُ وَفَاتِهَا ﵂:
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: تُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ مَخْرَجِ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ (٣).
_________________
(١) قال اللَّه تَعَالَى في سورة التحريم آية (١٠): ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ﴾. قال الحافظ ابن غير في تفسيره (٨/ ١٧١) في قوله تَعَالَى ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ قال: وليسَ المرادُ في فاحِشَةٍ، بل في الدِّين، فإن نساءَ الأنبياءِ مَعْصُومَاتٌ عن الوُقُوعِ في الفاحِشَةِ، لحُرْمَةِ الأنبِيَاءِ.
(٢) انظر كتاب فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ١٢٢.
(٣) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب تزويج النبي -ﷺ- عائشة، =
[ ١ / ٤١٦ ]
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَكَانَ مَوْتُهَا ﵂ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، وَذَلِكَ بَعْدَ المَبْعَثِ عَلَى الصَّوَابِ بِعَشْرِ سِنِينَ (١).
قُلْتُ: مَاتَتْ ﵂ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الصَّلَاةُ في الإِسْرَاءَ والمِعْرَاجِ، لَكِنْ اخْتُلِفَ في تَعْيِينِ اليَوْمِ وَالشَّهْرِ، فَقِيلَ: بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ بِثَلَاثَةِ أيَّامٍ، وقِيلَ: بِشَهْرٍ، وَقِيلَ: بِشَهْرَيْنِ (٢).
وَدُفِنَتْ ﵂ بِالحَجُونِ في مَقَابِرِ أَهْلِ مَكَّةَ، ونَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في حُفْرَتِهَا، وَلَمْ تَكُنْ صَلَاةُ الجَنَازَةِ شُرِعَتْ، وَكَانَتْ مُدَّةُ إِقَامَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- مَعَهَا خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً، فَقَدْ تُوُفِّيتْ ﵂ وَلَهَا مِنَ العُمُرِ خَمْسٌ وسِتُّونَ سَنَةً، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذْ ذَاكَ في الخَمْسِينَ مِنْ عُمُرِهِ (٣).
* حُزْنُ الرَّسُولِ -ﷺ- عَلَيْهَا ﵂:
وَقَدْ وَجِدَ (٤) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِفَقْدِ خَدِيجَةَ ﵂، وَلَزِمَ
_________________
(١) = وقدومها المدينة - رقم الحديث (٣٨٩٦).
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٥١٣).
(٣) انظر اختلاف الروايات في موتها ﵂ في: دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٣٥٢) - سبل الهدى والرشاد (٢/ ٤٣٤).
(٤) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ١١١ - ١١٢).
(٥) وَجِدَ: أي حَزِنَ. انظر لسان العرب (١٥/ ٢٢٠).
[ ١ / ٤١٧ ]
بَيْتَهُ، وَأَقَلَّ الخُرُوجَ.
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ: لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ﵂. . . اجْتَمَعَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مُصِيبَتَانِ (١)، فَلَزِمَ بَيْتَهُ، وَأَقَلَّ الخُرُوجَ (٢).
* هَدْيُهُ -ﷺ- عِنْدَ المُصِيبَةِ:
كَانَ مِنْ هَدْيِهِ -ﷺ- عِنْدَ المُصِيبَةِ السُّكُونُ، وَالرِّضَى بِقَضَاءَ اللَّهِ، والحَمْدُ للَّهِ، وَالِاسْتِرْجَاعُ، ويَبْرَأُ مِمَّنْ خَرَّقَ لِأَجْلِ المُصِيبَةِ ثِيَابَهُ، أَوْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالنَّدْبِ والنِّيَاحَةِ، أَوْ حَلَقَ لَهَا شَعْرَهُ (٣).
* فَضْلُ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂:
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيِّ -ﷺ- فَقَالَ: "يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ (٤) مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ، أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا (٥) وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ
_________________
(١) وهُمَا: مَوْتُ عمِّه أبي طالب، وخَدِيجة ﵂.
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى (١/ ١٠١).
(٣) انظر زاد المعاد (١/ ٥٠٨).
(٤) في رواية الإمام مسلم في صحيحه قال: أتَتْكَ.
(٥) قال ابن القيم في جلاء الأفهام ص ٣٤٩: وهذه لعَمْرُ اللَّهِ خاصَّةٌ لم تَكُنْ لِسِوَاهَا.
[ ١ / ٤١٨ ]
في الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ (١)، لَا صَخَبَ (٢) فِيهِ ولَا نَصَبَ" (٣).
قَالَ السُّهَيْلِيُّ: مُنَاسَبَةُ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ -أَعْنِي المُنَازَعَةَ وَالتَّعَبَ- أَنَّهُ -ﷺ- لَمَّا دَعَا إِلَى الإِسْلَامِ أَجَابَتْ خَدِيجَةُ طَوْعًا فَلَمْ تُحْوِجْهُ إِلَى رَفْعِ صَوْتٍ، وَلَا مُنَازَعَةٍ، وَلَا تَعَبٍ في ذَلِكَ، بَلْ أَزَالَتْ عَنْهُ كُلَّ نَصبٍ، وَآنسَتْهُ مِنْ كُلِّ وِحْشَةٍ، وَهَوَّنَتْ عَلَيْهِ كُلَّ مَكْرُوهٍ، فنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ مَنْزِلُهَا الذِي بَشَّرَهَا بِهِ رَبُّها بِالصِّفَةِ المُقَابِلَةِ لِفِعَالِهَا (٤).
وَرَوَى ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ والتِّرْمِذِيُّ والإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسولُ اللَّهِ -ﷺ-: "حَسْبُكَ مِنْ نِسَاءِ العَالَمِينَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ،
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٥/ ١٦٢): القَصَبُ: قال جمهُورُ العلماءِ: المرادُ به اللُّؤْلُؤُ المُجَوَّفُ. وقال الإمام السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (١/ ٤١٧): وإنما بشَّرهَا ببَيْتٍ في الجنَّةِ من قَصَبٍ، لأنها حازَتْ قَصَبَ السَّبْقِ إلى الإيمَانِ. قال ابنُ الأثير في النهاية (٤/ ٥٩): ومعنى قَصَبُ السَّبْقِ: أي استَوْلَى عَلَى الأمر.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥١٨): الصَّخَبُ: هو الصِّيَاحُ والمُنَازَعَةُ برفعِ الصَّوْتِ.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥١٨): النَّصَبُ: هو التَّعَبُ. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب تزويج النبي -ﷺ- خديجة وفضلها ﵂ - رقم الحديث (٣٨٢٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل خديجة أم المؤمنين - رقم الحديث (٢٤٣٢).
(٤) انظر الرَّوْض الأُنُف (١/ ٤١٧).
[ ١ / ٤١٩ ]
وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ" (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَالقَدْرُ المُشْتَرَكُ بَيْنَ آسِيَةَ، ومَرْيَمَ، وخَدِيجَةَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُنَّ كَفِلَتْ نَبِيًّا مُرْسَلًا، وَأَحْسَنَتِ الصُّحْبَةَ في كَفَالَتِهَا وصَدَّقتهُ، فَآسِيَةُ رَبَّتْ مُوسَى ﵇، وأحْسَنَتْ إِلَيْهِ، وصَدَّقَتْهُ حِينَ بُعِثَ، ومَريَمُ ﵍ كَفِلَتْ وَلَدَهَا أَتَمَّ كَفَالَةٍ، وأعْظَمَهَا، وصَدَّقَتْهُ حِينَ أُرْسِلَ، وخَدِيجَةُ ﵂ رَغِبَتْ في تَزْوِيجِ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بِهَا، وَبَذَلَتْ في ذَلِكَ أمْوَالَهَا، وصَدَّقَتْهُ حِينَ نَزَلَ عَلَيْهِ الوَحْيُ مِنَ اللَّهِ ﷿ (٢).
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ، وخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ" (٣).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وَالأَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا خَيْرُ نِسَاءِ الأَرْضِ في عَصْرِهَا (٤)
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر خديجة ﵂ - رقم الحديث (٧٠٠٣) - والترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب فضل خديجة ﵂ رقم الحديث (٣٢١٦) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٣٩١).
(٢) انظر البداية والنهاية (٣/ ١٤١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب تزويج النبي -ﷺ- خديجة وفضلها ﵂ - رقم الحديث (٣٨١٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل خديجة أم المؤمنين ﵂ - رقم الحديث (٢٤٣٠).
(٤) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٥/ ١٦١).
[ ١ / ٤٢٠ ]
ورَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في الأَرْضِ خُطُوطًا أَرْبَعَةً قَالَ: "أتَدْرُونَ مَا هَذَا؟ " قَالُوا: اللَّهُ ورَسُولُهُ أعْلَمُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، ومَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأةُ فِرْعَوْنَ" (١).
وَرَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: مَا غِرْتُ عَلَى أحَدٍ مِنْ نِسَاءِ النَّبِيِّ -ﷺ- مَا غِرْتُ (٢) عَلَى خَدِيجَةَ، وَمَا رَأَيْتُهَا، ولَكِنْ كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُكْثِرُ ذِكْرَهَا، ورُبَّمَا ذَبَحَ الشَّاةَ ثُمَّ يُقَطِّعُها أَعْضَاءً ثُمَّ يَبْعَثُهَا في صَدَائِقِ خَدِيجَةَ، فربَّمَا قُلْتُ لَهُ: كَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ في الدُّنْيَا امْرَأَةٌ إلا خَدِيجَةُ؟ فَيَقُولُ: "إنَّهَا كَانَتْ وَكَانَتْ (٣)، وكَانَ لِي مِنْهَا وَلَدٌ" (٤).
وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في المُسْنَدِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٦٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- مناقب الصحابة - باب ذكر البيان بأن خديجة من أفضل نساء أهل الجنة - رقم الحديث (٧٠١٠).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥١٥): فيه إثباتُ الغَيْرَةِ وأنها غيرُ مُسْتَنْكَرٍ، وُقُوعها من فاضِلاتِ النسَاءِ فضلًا عمَّنْ دُونَهُنَّ، وأن عائشة ﵂ كانت تَغَارُ من نساء النبي -ﷺ- لكن كانت تغَارُ من خديجَةَ أكثر، وقد بَيّنَتْ سببَ ذلك وأنه لكثرة ذكر النبي -ﷺ- إياها.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥١٦) أي كانت فاضِلةً وكانت عَافِلَةً، ونحو ذلك.
(٤) رواه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب تزويج النبي -ﷺ- خديجة وفضلها ﵂ - رقم الحديث (٣٨١٨).
[ ١ / ٤٢١ ]
قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِذَا ذَكَرَ خَدِيجَةَ، أَثْنَى عَلَيْهَا، فَأَحْسَنَ الثَّنَاءَ، قَالَتْ: فَغِرْتُ يَوْمًا، فَقُلْتُ: مَا أكْثَرَ مَا تَذْكُرُهَا حَمْرَاءَ الشِّدْقِ (١)، قَدْ أَبْدَلَكَ اللَّهُ ﷿ خَيْرًا مِنْهَا، فَقَالَ -ﷺ-: "مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ ﷿ خَيْرًا مِنْهَا، قَدْ آمَنَتْ بِي إِذْ كَفَرَ بِيَ النَّاسُ، وصَدَّقَتْنِي إِذْ كَذَّبَنِي النَّاسُ، وَوَاسَتْنِي بِمَالِهَا إِذْ حَرَمَنِي النَّاسُ، ورَزَقَنِي اللَّهُ ﷿ وَلَدَهَا (٢) إِذْ حَرَمَنِي أَوْلَادَ النِّسَاءِ" (٣).
* مُكَافَأَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- لِخَدِيجَةَ ﵂:
وَمِمَّا كَافَأَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِهِ خَدِيجَةَ ﵂ في الدُّنْيَا أَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْ في حَيَاتِهَا غَيْرَهَا، فَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِم في صَحِيحِهِ (٤) مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: لَمْ يَتَزَوَّجِ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَى خَدِيجَةَ حَتَّى مَاتَتْ، وهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيه بِيْنَ أَهْلِ العِلْم بِالأَخْبَارِ، وفِيهِ دَلِيل عَلَى عِظَمِ
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٢١): والمرادُ بالشّدْقَيْنِ: ما في باطنِ الفمِ فكَنَّتْ بذلِكَ عن سُقُوطِ أسنَانِهَا حتَّى لا يَبْقَى داخلِ فَمِهَا إلا اللحمِ الأحمرِ من اللِّثَةِ وغيرها. وقال النووي في شرح مسلم (١٥/ ١٦٤): معناه عجوزٌ كبيرَةٌ جِدًا، حتَّى سقَطَتْ أسنَانُهَا من الكِبَرِ، ولم يبقَ لِشِدْقِهَا بياضُ شيءٍ من الأسنان، إنمَا بقِيَ فيه حُمْرَةُ لِثَاتِهَا.
(٢) قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ١٤٠): كان هذا الحديثُ قبل أن يُولَدَ إبراهيمُ ابن النبي -ﷺ- من مارِيَة، وقبل مقدَمِهَا بالكليَّةِ وهذا مُعيَّن، فإن جميعَ أولادِ النبي -ﷺ- من خديجةَ ﵂ إلا إبراهيم فمن مَارِيَهَ القِبْطِيَّة المِصْرِيَّة ﵂.
(٣) رواه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٨٦٤) - وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ١٤٠) وقال: تفرد به أحمد، وإسناده لا بأس به.
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضائل خديجة أم المؤمنين ﵂، رقم الحديث (٢٤٣٦).
[ ١ / ٤٢٢ ]
قَدْرِهَا عِنْدَهُ، وَعَلَى مَزِيدِ فَضْلِهَا لِأَنَّهَا أَغْنَتْهُ عَنْ غَيْرِهَا وَاخْتَصَّتْ بِهِ بِقَدْرِ مَا اشْتَرَكَ فِيهِ غَيْرُهَا مَرَّتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ -ﷺ- عَاشَ بَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَهَا ثَمَانِيَةً وَثَلَاثِينَ عَامًا، انْفَرَدَتْ خَدِيجَةُ مِنْهَا بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ عَامًا، وَهِيَ نَحْوُ الثُّلُثَيْنِ مِنَ المَجْمُوعِ، وَمَعَ طُولِ المُدَّةِ فَصَانَ قَلْبَهَا فِيهَا مِنَ الغَيْرَةِ، ومِنْ نَكَدِ الضَّرَائِرِ (١) الذِي رُبَّمَا حَصَلَ لَهُ هُوَ مِنْهُ مَا يُشَوِّشُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَهِيَ فَضِيلَةٌ لَمْ يُشَارِكْهَا فِيهَا غَيْرُهَا، وَمِمَّا اخْتُصَّتْ بِهِ سَبْقُهَا نِسَاءَ هَذِهِ الأُمَّةِ إِلَى الإِيمَانِ، فَسَنَّتْ ذَلِكَ لِكُلِّ مَنْ آمَنَتْ بَعْدَهَا، فَيَكُونُ لَهَا مِثْلُ أَجْرِهِنَّ، لِمَا ثَبَتَ في الحَدِيثِ الذِي أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ (٢) فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ "مَنْ سَنَّ في الإِسْلَامِ سُنَّةً حَسَنَةً، كَانَ لَهُ أجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ" الحَدِيثَ.
وَقَدْ شَارَكَهَا في ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- بِالنِّسْبَةِ إِلَى الرِّجَالِ، وَلَا يَعْرِفُ قَدْرَ مَا لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الثَّوَابِ بِسَبَبِ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ ﷿ (٣).
وَقَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: في هَذهِ الأَحَادِيثِ دَلِيلٌ لِحُسْنِ العَهْدِ، وحِفْظِ الوُدِّ، ورِعَايَةِ حُرْمَةِ الصَّاحِبِ، وَالعَشِيرَةِ حَيًّا وَمَيْتًا، وَإِكْرَامِ أَهْلِ ذَلِكَ الصَّاحِبِ (٤).
_________________
(١) الضَّرَائِرُ: زوجاتُ الرَّجُلِ. انظر لسان العرب (٨/ ٤٨).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، رقم الحديث (١٩١٥٦).
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٥١٧).
(٤) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٥/ ١٦٤).
[ ١ / ٤٢٣ ]
* خَصَائِصُ خَدِيجَةَ ﵂:
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَمِنْ خَصَائِصِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ ﵂:
١ - أَنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- لَمْ يتَزَوَّجْ عَلَيْهَا غَيْرَهَا.
٢ - وَمِنْهَا: أَنَّ أَوْلَادَهُ -ﷺ- كُلَّهُمْ مِنْهَا إِلَّا إِبْرَاهِيمَ -﵁-، فَإِنَّهُ مِنْ سُرِّيَتِهِ (١) مَارِيَةَ ﵂.
٣ - وَمِنْهَا: أَنَّهَا خَيْرُ نِسَاءِ الأُمَّةِ.
٤ - ومِنْهَا: أَنَّهَا ﵂ لَمْ تَسُؤْهُ -ﷺ- قَطُّ، وَلَمْ تُغَاضِبْهُ، وَلَمْ يَنَلْهَا مِنْهُ بَلَاءٌ، ولَا عَتْبٌ قَطُّ، وَلَا هَجْرٌ، وَكَفَى بِهَذِهِ مَنْقَبَةً وَفَضِيلَةً.
٥ - وَمِنْ خَوَاصِّهَا ﵂: أَنَّهَا أَوَّلُ امْرَأَةٍ آمَنَتْ بِاللَّهِ وَرَسُولِه -ﷺ- مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهَا.
٦ - وَمِنْهَا: أَنَّ اللَّهَ ﷾ بَعَثَ السَّلَامَ مَعَ جِبْرِيلَ ﵇، وَهَذِهِ لَعَمْرُ اللَّهِ خَاصَّةٌ لَمْ تَكُنْ لِسِوَاهَا، ﵂ (٢).
_________________
(١) السُّرِّيَّةُ: بضم السِّين وتشدِيد الراءِ المكسُورة: هي الجارِيَةُ المُتَّخَذَةُ للمِلْكِ والجِمَاعِ. انظر لسان العرب (٦/ ٢٣٥).
(٢) انظر جلاء الأفهام ص ٣٤٨.
[ ١ / ٤٢٤ ]
* النَّبِيُّ -ﷺ- يَعْقِدُ عَلَى عَائِشَةَ ﵂:
رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ وأحْمَدُ في المُسْنَدِ، وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا كَبِرَتْ سَوْدَةُ، وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِي، فكَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقْسِمُ لِي بِيَوْمِهَا مَعَ نِسَائِهِ، قَالَتْ: وكَانَتْ أَوَّلَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَهَا بَعْدِي (١).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: مَعْنَاهُ عَقَدَ عَلَيْهَا -أَيْ عَلَى سَوْدَةَ- بَعْدَ أَنْ عَقَدَ عَلَى عَائِشَةَ، وَأَمَّا دُخُولُهُ -ﷺ- عَلَيْهَا -أيْ سَوْدَةُ- فكَانَ قَبْلَ دُخُولهِ عَلَى عَائِشَةَ بِالاتِّفَاقِ (٢).
ورَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في شَوَّالَ، وَبَنَى (٣) بِي في شَوَّال (٤)، فَأَيُّ نِسَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) رواه مسلم في صحيحه - كتاب الرضاع - باب جواز هبتها نوبتها لضرتها - رقم الحديث (١٤٦٣) - والإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (٢٤٣٩٥).
(٢) انظر فتح الباري (١٠/ ٣٩١).
(٣) البِنَاءُ: هو الدُّخُول بالزَّوجَةِ. انظر النهاية (١/ ١٥٦).
(٤) شَوَّالُ: من أسمَاء الشُّهور معروفٌ، اسم الشهر الَّذي يَلِي شهر رمضان، وهو أوَّل أشهر الحج، قيل: سُمي بتشوِيلِ لَبَن الإبل، وهو تَوَلِّيهِ وإدبَارُهُ، وكانت العرب تَطَّيَّر من عقدِ المناكحٍ فيه، وتقولُ: إن المنكوحَةَ تَمتنعُ من ناكِحِهَا كما تَمتنعُ طُروقةُ الجَمَل إذا لقحتْ وشَالتْ بِذَنَبِهَا، فأبطلَ النبي -ﷺ- طِيَرَتَهُمْ، وتزوَّج عائشة ﵂ في شوال. انظر لسان العرب (٧/ ٢٤٣). قال الإمام النووي في شرح مسلم (٩/ ١٧٩): قَصَدت عائشة ﵂ بهذا الكلامِ رَدَّ ما كانت الجاهليةُ عليه، وما يتخيَّلُه بعض العوَامِّ اليوم من كَراهة التزوُّجِ والتزويج، =
[ ١ / ٤٢٥ ]
كَانَ أحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي (١).
وَكَانَ عُمُرُهَا ﵂ عِنْدَمَا عَقَدَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ -ﷺ- سِتُّ سِنِينَ، ودَخَلَ بِهَا في المَدِينَةِ بَعْدَ الهِجْرَةِ، وعُمْرُهَا تِسْعُ سِنِينَ.
فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ ومُسْلِم في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَنَا بِنْتُ سِتِّ سِنِينَ، وبَنَى بِي وَأنَا بِنْتُ تِسعِ سِنِينَ (٢).
وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُتَوَفَّى خَدِيجَةَ، قَبْلَ مَخْرَجِهِ إِلَى المَدِينَةِ بِسَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ، وَأَنَا بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ (٣).
قَالَ الإِمَامُ النَووِيُّ: وَأَمَّا قَوْلُهَا ﵂ في رِوَايَةٍ: تَزَوَّجَنِي وَأَنَا بِنْتُ سَبْعٍ، وفِي أكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِنْتُ سِتٍّ فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ كَانَ لَهَا سِتٌّ وكَسْرٌ فَفِي
_________________
(١) = والدخولِ في شوال، وهذا باطلٌ لا أصلَ له، وهو من آثارِ الجاهليةِ كانوا يتطيَّرون بذلك لما في اسم شوَّال من الإشَالةِ والرَّفع.
(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب استحباب التزوج والتزويج في شوال، واستحباب الدخول فيه - رقم الحديث (١٤٢٣).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب النكاح - باب إنكاحِ الرجل ولده الصغار - رقم الحديث (٥١٣٣) - (٥١٣٤) - وأخرجه في مناقب الأنصار - باب تزويج النبي -ﷺ- عائشة - رقم الحديث (٣٨٩٤) - (٣٨٩٦) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب تزويج الأب البكر الصغيرة - رقم الحديث (١٤٢٢) (٧٠).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٣٩٧).
[ ١ / ٤٢٦ ]
رِوَايَةٍ اقْتَصَرَتْ عَلَى السِّنِينَ، وفِي رِوَايَةٍ عَدَّتِ السَّنَةَ التِي دَخَلَتْ فِيهَا، وَاللَّهُ أعْلَمُ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذِهِ السِّيَاقَاتُ كُلُّهَا دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ العَقْدَ عَلَى عَائِشَةَ كَانَ مُقَدَّمًا عَلَى العَقْدِ بِسَوْدَةَ (٢).
* زَوَاجُ النَّبِيِّ -ﷺ- بِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ ﵂:
ثُمَّ عَقَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ ﵂ بَعْدَ عَائِشَةَ ﵂.
وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ دَخَلَ بِهَا الرَّسُولُ -ﷺ- بَعْدَ خَدِيجَةَ ﵂، وانْفَرَدَتْ بِهِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ أكْثَرَ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ، وكَانَتْ سَيِّدَةً جَلِيلَةً نَبِيلَةً ضَخْمَةً (٣).
وكَانَتْ سَوْدَةُ ﵂ عِنْدَ ابْنِ عَمِّهَا السَّكْرَانُ بنُ عَمْرٍو -﵁- أَخِي سُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو -﵁-، وَكَانَ السَّكْرَانُ أَسْلَمَ مَعَهَا قَدِيمًا، وَهَاجَرَ بِهَا إِلَى أَرْضِ الحَبَشَةِ الهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ، ثُمَّ رَجَعَ بِهَا إِلَى مَكَّةَ، فَمَاتَ بِهَا قَبْلَ الهِجْرَةِ، وقِيلَ إِنَّهُ مَاتَ بِالحَبَشَةِ (٤).
_________________
(١) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٩/ ١٧٧).
(٢) انظر البداية والنهاية (٣/ ١٤٥).
(٣) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٦٥).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٧/ ٢٦٨) - الإصابة (٣/ ١١٣) - البداية والنهاية (٣/ ١٤٥).
[ ١ / ٤٢٧ ]
أخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، والحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ويَحْيَى، قَالَا: لَمَّا هَلَكَتْ خَدِيجَةُ ﵂، جَاءَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ (١) امْرَأَةُ عُثْمَانَ بنِ مَظْعُونٍ -﵁- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلَا تَزَوَّجُ؟ قَالَ: "مَنْ؟ " قَالَتْ: إِنْ شِئْتَ بِكْرًا، وَإِنْ شِئْتَ ثَيِّبًا، قَالَ: "فَمَنِ البِكْرُ؟ " قَالَتْ: ابْنَةُ أَحَبِّ خَلْقِ اللَّهِ ﷿ إِلَيْكَ، عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، قَالَ: "وَمَنِ الثَّيِّبُ؟ " قَالَتْ: سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ، آمَنَتْ بِكَ واتَّبَعَتْكَ عَلَى مَا تَقُولُ، قَالَ: "فَاذْهَبِي فَاذْكُرِيهِمَا عَلَيَّ". . . قَالَتْ: فَذَهَبْتُ إِلَى سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ، فَقُلْتُ لَهَا: مَاذَا أدْخَلَ اللَّهُ ﷿ عَلَيْكِ مِنَ الخَيْرِ وَالبَرَكَةِ؟ قَالَتْ: وَمَا ذَاكَ؟ قَالَتْ: أرْسَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أخْطِبُكِ عَلَيْهِ، قَالَتْ: وَدِدْتُ، ادْخُلِي إِلَى أَبِي، فَاذْكُرِي ذَاكَ لَهُ، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ أدْرَكَتْهُ السِّنُّ، قَدْ تَخَلَّفَ عَنِ الحَجِّ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ، فَحَيَّتهُ بِتَحِيَّةِ الجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: مَنْ هَذِهِ؟ فَقَالَتْ: خَوْلَةُ بِنْتُ حَكِيمٍ، قَالَ: فَمَا شَأنكِ؟ قَالَتْ: أرْسَلَنِي مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ، أخْطِبُ عَلَيْهِ سَوْدَةَ، قَالَ: كُفْءٌ (٢) كَرِيمٌ، مَاذَا تَقُولُ صَاحِبَتُكِ؟ قَالَتْ: تُحِبُّ ذَاكَ، قَالَ: ادْعُهَا لِي، فَدَعَتْهَا، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّةُ، إِنَّ هَذِهِ تَزْعُمُ أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ،
_________________
(١) هي خَولة بنتُ حَكِيمٍ السُّلَمِيَّةُ امرأةُ عثمان بن مَظْعون ﵁. كنيتها أمُّ شَرِيكٍ، وكانت ﵂ صالحةً فاضلةً، روت عن النبي -ﷺ-، وروى عنها سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن المسيب. انظر الإصابة (٨/ ١١٦).
(٢) الكُفْءُ: النظِيرُ والمُسَاوِي، ومنه الكفاءةُ في النِّكَاحِ، وهو أن يكونَ الزوجُ مُسَاويا للمرأةِ في حَسَبِهَا ودِينها ونسَبها وبَيْتها، وغير ذلك. انظر النهاية (٤/ ١٥٦).
[ ١ / ٤٢٨ ]
قَدْ أَرْسَلَ يَخْطِبُكِ، وَهُوَ كُفْءٌ كَرِيمٌ، أَتُحِبِّينَ أَنْ أُزَوِّجَكِ بِهِ؟
قَالَتْ: نَعَمْ، قَالَ: ادْعِيهِ لِي، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْهِ، فزَوَّجَهَا إيَّاهُ (١).
* شِدَّةُ اتِّبَاعِ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ ﵂ لِأَمْرِ النَّبِيِّ -ﷺ-:
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِنِسَائِهِ عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ: "هَذِهِ، ثُمَّ ظُهُورُ الحُصُرِ" (٢)، قَالَ: فكُنَّ كُلُّهُنَّ يَحْجُجْنَ إِلَّا زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، وسَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ، وكَانتا تَقُولَانِ: وَاللَّهِ لَا تُحَرِّكُنَا دَابَّةٌ بَعْدَ أَنْ سَمِعْنَا ذَلِكَ مِنَ النَّبِيِّ -ﷺ- (٣).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٧٦٩) - والحاكم في المستدرك - كتاب النكاح - باب تزوِيجِ عائشة ﵂ - رقم الحديث (٢٧٥٢).
(٢) أي: أنكُنَّ لا تَعُدْنَ تَخْرُجْنَ من بيوتكُنَّ وتلزَمْنَ الحُصُرَ، وهي جمع الحَصِيرِ الَّذي يُبْسَطُ في البيوت. انظر النهاية (١/ ٣٨٠). قال البيهقي فيما نقله الحافظ عنه في الفتح (٤/ ٥٥٦): في هذا الحديث دليلٌ على أن المُراد وجوبُ الحج مرَّة واحدةً كالرجالِ، لا المنعَ من الزِّيارة، وفيه دليل على أن المراد بالقرار في البيوتِ ليسَ على سبيلِ الوُجُوب. قُلتُ: ولذلك قالت عائشة ﵂ كما في صحيح البخاري - كتاب جزاء الصيد - بابُ حج النساء - رقم الحديث (١٨٦١) قالت: قلتُ: يا رَسُول اللَّهِ ألا نَغْزُو ونُجَاهِدُ معكم؟ فقال -ﷺ-: "لكِنْ أحْسَنُ الجهادِ وأجمَلُهُ الحجُّ حجٌ مَبْرُورٌ" فقالت عائشة ﵂: فلا أدَعُ الحجَّ بعد إذا سمعتُ هذا من رَسُول اللَّهِ -ﷺ-.
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٩٠٥) - (٢٦٧٥١) - وأخرجه أبو داود في سننه - كتاب المناسك - باب فرض الحج - رقم الحديث (١٧٢٢) - وأخرجه الطحاوي في شرح المشكل - رقم الحديث (٥٦٠٣).
[ ١ / ٤٢٩ ]
* جَعْلُ سَوْدَةَ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ:
ولَمَّا كَبِرَتْ سَوْدَةُ ﵂، خَشِيَتْ أَنْ يُفَارِقَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَسَأَلتْهُ أَنْ يَجْعَلَ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ ﵂، وَلَا يُفَارِقَهَا، فَفَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.
فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَشِيَتْ سَوْدَةُ أَنْ يُطَلّقَهَا النَّبِيُّ -ﷺ- فَقَالَتْ: لَا تُطَلِّقْنِي وأَمْسِكْنِي، وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَةَ، فَفَعلَ، فنَزَلَتْ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلحُ خَيْرٌ﴾ (١).
* وَفَاةُ سَوْدَةَ ﵂:
مَكَثَتْ سَوْدَةُ ﵂ عِنْدَ الرَّسُولِ -ﷺ- حَتَّى تُوُفِّيَتْ بِالمَدِينَةِ في آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁-، هَذَا هُوَ المَشْهُورُ في وَفَاتِهَا ﵂ (٢).
* * *
_________________
(١) سورة النساء آية (١٢٨) - والحديث أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة النساء - رقم الحديث (٣٢٨٩) - وأورده الحافظ في الإصابة (١٩٦١٨) - وحسَّن إسناده.
(٢) انظر الإصابة (١٩٧١٨) - سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٦٦).
[ ١ / ٤٣٠ ]
اشْتِدَادُ إيذَاءِ قُرَيْشٍ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- بَعْدَ وَفَاةِ عَمِّهِ أبي طَالِبٍ
رَأَيْنَا كَيْفَ تَتَابَعَتِ المَصَائِبُ عَلَى رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ مِنَ الشِّعْبِ في العَامِ العَاشِرِ مِنَ البِعْثَةِ، حَتَّى تُوُفِّيَ أَبُو طَالِبٍ، وخَدِيجَةُ ﵂، في العَامِ نَفْسِهِ، ثُمَّ لَمْ تَزَلْ تَتَوَالَى عَلَيْهِ -ﷺ- المَصَائِبُ مِنْ قَوْمِهِ، فَقَدِ اجْترَؤُوا عَلَيْهِ، ونَالُوهُ بِالنَّكَالِ، وَالأَذَى بِالقَوْلِ وَالفِعْلِ، بَعْدَ أَنْ كَانَ مُقْتَصِرًا عَلَى الكَلَامِ وَالِاسْتِهْزَاءِ قَبْلَ وَفَاةِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ.
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وعِنْدِي أَنَّ غَالِبَ مَا رُوِيَ مِنْ طَرْحِ الكُفَّارِ سَلَا الجَزُورِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ -ﷺ-، وهُوَ يُصَلِّي، وكَذَلِكَ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ العَاصِ مِنْ خَنْقِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- خَنْقًا شَدِيدًا، حَتَّى حَالَ دُونَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁-، وَكَذَلِكَ عَزْمُ أَبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ عَلَى أَنْ يَطَأَ عَلَى عُنُقِهِ -ﷺ-، وهُوَ يصَلِّي، فَحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ ذَلِكَ، مِمَّا أشْبَهَ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ، وَاللَّهُ أعْلَمُ (١).
رَوَى الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا زَالَتْ قُرْيشٌ كَاعَةً (٢) حَتَّى توفِّيَ أَبُو طَالِبٍ" (٣).
_________________
(١) البداية والنهاية (٣/ ١٤٦).
(٢) كَاعَةً: جمع كَاعٍ، وهو الجَبَانُ، أرادَ أنهم كَانُوا يجبُنُونَ عن أذى النبي -ﷺ- في حيَاةِ أبي طالب، فلمَّا ماتَ اجتَرَؤُوا عليهِ. انظر النهاية (٤/ ١٥٦).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الهجرة الأولى إلى الحبشة - رقم الحديث =
[ ١ / ٤٣١ ]
وَرَوَى البَيْهَقِيُّ في الدَّلَائِلِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا نَالَتْ مِنِّي قُرَيْشٌ شَيْئًا أَكْرَهُهُ حَتَّى مَاتَ أَبُو طَالِبٍ" (١).
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: فَلَمَّا هَلَكَ أَبُو طَالِبٍ نَالَتْ قُرَيْشٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الأَذَى مَا لَمْ تَكُنْ تَطْمَعُ بِهِ في حَيَاةِ أَبِي طَالِبٍ، حَتَّى اعْترَضَهُ سَفِيهٌ مِنْ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ، فنَثَرَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْتَهُ، وَالتُّرَابُ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَامَتْ إِلَيْهِ إِحْدَى بَنَاتِهِ فَجَعَلَتْ تَغْسِلُ عَنْهُ التُّرَابَ، وهِيَ تَبْكِي، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ لَهَا: "لَا تَبْكِي يَا بُنَيَّةُ، فَإِنَّ اللَّهَ مَانِعُ أَبَاكِ" (٢).
رَوَى ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ ضعِيفٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كُنْتُ بَيْنَ شَرِّ جَارَيْنِ، بَيْنَ أَبِي لَهَبٍ وعُقْبَةَ بنِ أَبِي مُعَيْطٍ، إِنْ كَانَا لَيَأْتِيَانِ بِالفُرُوثِ فَيَطْرَحَانِهَا عَلَى بَابِي، حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَأْتُونَ بِبَعْضِ مَا يَطْرَحُونَ مِنَ الأَذَى فَيَطْرَحُونَهُ عَلَى بَابِي"، فَيَخْرُجُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَيَقُولُ: "يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! أَيُّ جِوَارٍ هَذَا؟ "، ثُمَّ يُلْقِيهِ (٣).
_________________
(١) = (٤٣٠٢) - والبيهقي في الدلائل (٢/ ٣٥٠).
(٢) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٥٠) - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٣٠) بسند صحيح إلى عروة، لكنه مرسلًا.
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٣٠).
(٤) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ٩٧) - وانظر السلسلة الضعيفة - رفم الحديث (٤١٥١) - وضعيف الجامع - رقم الحديث (٤٢٧٧) - للألباني ﵀.
[ ١ / ٤٣٢ ]
* قِصَّةٌ في إيذَاءِ الكُفَّارِ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ ابنَ عَمْرِو بنِ العَاصِ أخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَئٍ صَنَعَهُ المُشْرِكُونَ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ -ﷺ- يُصَلِّي في حِجْرِ الكَعْبَةِ، إِذْ أقْبَلَ عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْط -لَعَنَهُ اللَّهُ- فَوَضَعَ ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكبِهِ ودَفَعَهُ عَنِ النَبِيِّ -ﷺ-، وَقَالَ: ﴿أَتَقَتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِيَ اللَّهُ﴾ (١).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَهَذَا الذِي أَجَابَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمْرِو بنِ العَاصِ ﵄ يُخَالِفُ حَدِيثَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ -ﷺ- قَالَ لَهَا: "وَكَانَ أشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ. . . "، فَذَكَرَ قِصَّتَهُ بِالطَّائِفِ مَعَ ثَقِيفٍ، وَالجَمْعُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عَمْرِو بنِ العَاصِ ﵄ اسْتَنَدَ إِلَى مَا رَوَاهُ، وَلَمْ يَكُنْ حَاضِرًا لِلْقِصَّةِ التِي وَقَعَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالطَّائِفِ (٢).
* قِصَّةٌ أُخْرَى في إيذَاءِ الرَّسُولِ -ﷺ-:
ومِمَّا لَقِيَهُ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنْ قُرَيْشٍ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ مَا رَوَاهُ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: لَقَدْ ضَرَبُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى غُشِيَ عَلَيْهِ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-، فَجَعَلَ يُنَادِي، وَيَقُولُ: أتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ
_________________
(١) سورة غافر آية (٢٨) - والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب ما لقي النبي -ﷺ- من المشركين بمكة - رقم الحديث (٣٨٥٦).
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٥٥٨).
[ ١ / ٤٣٣ ]
يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ؟ فَقَالُوا مَنْ هَذَا؟
قَالُوا: هَذَا ابنُ أَبِي قُحَافَةَ المَجْنُونُ (١).
* قِصَّة أُخْرَى في إيذَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَرَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ يُصَلِّي عِنْدَ البَيْتِ، وأَبُو جَهْلٍ وأصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ، أيُّكُّمْ يَجِيءُ بِسَلَى (٢) جَزُورِ (٣) بَنِي فُلَانٍ، فَيَضَعُهُ عَلَى ظَهْرِ مُحَمَّدٍ إِذَا سَجَدَ، فَانْبَعَثَ أشْقَى القَوْمِ فَجَاءَ بِهِ، وهُوَ عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فنَظَرَ (٤) حَتَّى إِذَا سَجَدَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَضَعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَأَنَا أنْظُرُ لَا أُغْنِي (٥) شَيْئًا، لَوْ كَانَ لِي مَنَعَةٌ (٦)، قَالَ: فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ، وَيُحِيلُ (٧) بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ، ورَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَاجِدٌ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ، حَتَّى جَاءَتْهُ
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب خلافة أبي بكر - رقم الحديث (٤٤٨١).
(٢) السَّلَى: هو الجلدُ الرقيقُ الَّذي يَخرج فيهِ الولدُ من بطنِ أُمِّهِ مَلْفُوفًا فيه، وهو بالنسبة للآدمِيَّات يسمى المَشِيمَةَ. انظر النهاية (٢/ ٣٥٧).
(٣) الجَزُورُ: البَعيرُ ذكرًا كان أو أنثى. انظر النهاية (١/ ٢٥٨).
(٤) أي: انتَظِرْ.
(٥) قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٦٥): أي لا أُغْنِي في كِفِّ شرِّهم، أو لا أغيِّرُ شيئًا من فِعلهم.
(٦) قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٦٥): المَنَعَةُ بفتح النون القُوَّة، وإنما قال ذلك ابن مسعود؛ لأنه لم يكن له بمكَّة عشيرة؛ لكونه هُذَليًا.
(٧) في رواية الإمام مسلم: "ويَمِيل" أي من كثرةِ الضحِكِ أخذوا يتمَايلُونَ.
[ ١ / ٤٣٤ ]
فَاطِمَةُ (١) فَطَرَحَتْ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ (٢) بِقُرَيْشٍ" ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إِذْ دَعَا عَلَيْهِمْ.
قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَكَانُوا يَرَوْنَ (٣) أَنَّ الدَّعْوَةَ في ذَلِكَ البَلَدِ (٤) مُسْتَجَابَةٌ. ثُمَّ سَمَّى -ﷺ-: "اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَبِي جَهْلٍ، وعَلَيْكَ بِعُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، وشَيْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، والوَليدِ بنِ عُتْبَةَ، وأُمَيَّةَ بنِ خَلَفٍ، وعُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ"، قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ: فَوَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ الذِينَ عَدَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- صَرْعَى في القَلِيبِ (٥)، قَلِيبِ بَدْرٍ (٦).
_________________
(١) هىِ فاطمةُ بنت رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وقد وقع التصريح باسمها في رواية الإمام مسلم في صحيحه. قال الشيخ محمد الغزالي في كتابه فقه السيرة ص ١٢٤: والبنتُ في المجتمَعِ العربي تعيشُ في كنَفِ أبِيها، وتفخَرُ بقوَّتهِ، وتأنَسُ بحمايَتِه، ومما يَحُزُّ في قلب الرجل أن يرى نفسه في وضع تدفَعُ عنه ابنتهُ، وتشعُرُ بالعجزِ وقِلَّةِ النَّاصِرِ.
(٢) قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٦٦): أيْ بإهلاكِ قُريشٍ، والمرادُ الكفارُ منهم أو ممن سمي منهم، فهوَ عام أُريدَ به الخُصُوص.
(٣) قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٦٦): أي يعتقدونَ.
(٤) قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٦٦): المراد بالبلدِ مكة.
(٥) قال العلماء: إنما أمرَ بإلقائِهِم فيه لئلا يتأذَّى الناس برِيحِهِم، وإلا فالحربيُّ لا يجبُ دفنهُ، والظاهرُ أن البِئْرَ لم يكن فيها ماء. انظر فتح الباري (١/ ٤٦٨).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الوضوء - باب إذا ألقى علي ظَهْرِ المصَلِّي قَذَر أو جِيفَة لم تفسد عليه صلاته - رقم الحديث (٢٤٠)، وأخرجه كذلك في غير موضع في الصحيح - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب ما لقي النبي -ﷺ- من أذى المشركين والمنافقين - رقم الحديث (١٧٩٤).
[ ١ / ٤٣٥ ]
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - تَعْظِيمُ الدُّعَاءِ بِمَكَّةَ عِنْدَ الكُفَّارِ، وَمَا ازْدَادَتْ عِنْدَ المُسْلِمِينَ إِلَّا تَعْظِيمًا.
٢ - وَفِيهِ مَعْرِفَةُ الكُفَّارِ بِصِدْقِهِ -ﷺ- لِخَوْفِهِمْ مِنْ دُعَائِهِ، وَلَكِنْ حَمَلَهُمُ الحَسَدُ عَلَى تَرْكِ الِانْقِيَادِ لَهُ.
٣ - وَفِيهِ حِلْمُهُ -ﷺ- عَمَّنْ آذَاهُ، فَفِي رِوَايَةِ الطَّيَالِسِيِّ في مَسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ في هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ ابنَ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: لَمْ أَرَهُ دَعَا عَلَيْهِمْ إِلَّا يَوْمَئِذٍ (١)، وَإِنَّمَا اسْتَحَقُّوا الدُّعَاءَ حِينَئِذٍ لِمَا أقْدَمُوا عَلَيْهِ مِنَ الِاسْتِخْفَافِ بِهِ حَالَ عِبَادَةِ رَبِّهِ.
٤ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ ثَلَاثًا.
٥ - وَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِ، لَكِنْ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَحَلُّهُ مَا إِذَا كَانَ كَافِرًا، فَأَمَّا المُسْلِمُ فَيُسْتَحَبُّ الِاسْتِغْفَارُ لَهُ، والدُّعَاءُ، وَالتَّوْبَةُ.
٦ - وَفِيهِ قُوَّةُ نَفْسِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءِ مِنْ صِغَرِهَا، لِشَرَفِهَا في قَوْمِهَا ونَفْسِهَا، لِكَوْنِهَا صَرَّحَتْ بِشَتْمِهِمْ، وَهُمْ رُؤُوسُ قُرَيْشٍ، فَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهَا كَمَا وَرَدَ في بَعْضِ الرِّوَايَاتِ.
٧ - وَفِيهِ أَنَّ المُبَاشَرَةَ آكَدُ مِنَ السَّبَبِ، والإِعَانَةِ لِقَوْلهِ في عُقْبَةَ: "أشْقَى
_________________
(١) أخرجه الطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٣٢٣) - وإسناده صحيح.
[ ١ / ٤٣٦ ]
القَوْمِ"، مَعَ أَنَّهُ كَانَ فِيهِمْ: أَبُو جَهْلٍ، وهُوَ أَشَدُّ مِنْهُ كُفْرًا، وأَذًى لِلنَّبِيِّ -ﷺ- لكِنَّ الشَّقَاءَ هُنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى هَذِهِ القِصَّةِ لِأَنَّهُمُ اشْتَرَكُوا في الأَمْرِ والرِّضَا، وانْفَرَدَ عُقْبَةُ بِالمُبَاشَرَةِ فكَانَ أشْقَاهُمْ، وَلِهَذَا قُتِلُوا في الحَرْبِ، وقُتِلَ عُقْبَةُ صَبْرًا (١).
أيْ أَنَّ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ قُتِلُوا في غَزْوَةِ بَدْرٍ الكُبْرَى بِاسْتِثْنَاءَ عُقْبَةَ فَإِنَّهُ كَانَ أسِيرًا فَأَمَرَ الرُّسُولُ -ﷺ- بقَتْلِهِ بِالسَّيْفِ.
* قِصَّةٌ أُخْرَى في إيذَاءِ الرَّسُولِ -ﷺ-:
ومِمَّا لَقِيَهُ -ﷺ- مِنَ المُشْرِكِينَ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَلْ يُعَفِّرُ (٢) مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ، فَقَالَ لَعَنَهُ اللَّهُ: واللَّاتِ وَالعُزَّى! لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَن عَلَى رَقَبَتِهِ، أَوْ لَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ في التُّرَابِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-: فَأتى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وهُوَ يُصَلِّي، زَعَمَ لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، قَالَ: فَمَا فَجِئَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وهُوَ يَنْكُصُ (٣) عَلَى عَقِبَيْهِ ويَتَّقِي بَيَدَيْهِ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَالَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَيْنِي وبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ وَهَوْلًا، وأجْنِحَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطفَتْهُ
_________________
(١) كل من قُتِل في غير معركة، ولا حرب، ولا خطأ، فإنه مقتول صبرًا. انظر النهاية (٣/ ٨). وانظر كلام الحافظ في فتح الباري (١/ ٤٦٨).
(٢) يُريدُ به سُجوده علي التراب، من التَّعفِيرِ، وهو التَّمْرِيغِ في التراب. انظر النهاية (٣/ ٢٣٧).
(٣) النُّكوصُ: الرجُوعُ إلى وراءٍ، وهو القَهْقَرَى. انظر النهاية (٥/ ١٠١).
[ ١ / ٤٣٧ ]
المَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا" (١)، قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﷿: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧) إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجْعَى (٨) أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨) كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾ (٢).
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ، وهُوَ جَالِسٌ حَزِينًا قَدْ خُضِبَ (٣) بالدِّمَاءَ، ضَرَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ، قَالَ: فَقَالَ لَهُ: مَالَكَ؟
قَالَ: فَقَالَ لَهُ: "فَعَلَ بِي هَؤُلَاءِ وفَعَلُوا" قَالَ: فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ ﵇: أَتُحِبُّ أَنْ أرِيَكَ آيَةً (٤)؟
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٧٤٦) أنما شُدَّد الأمر في حقِّ أبي جهل، ولم يقعْ مثل ذلك لِعُقبَةَ بن أبي مُعيط حيث طرَحَ سَلَى الجزورِ علي ظهره -ﷺ- وهو يصلي -كما مر معنا- لأنهما وإن اشترَكا في مطلقِ الأذيَّة حالةَ صلاتهِ -ﷺ- لكن زادَ أبو جهل بالتهديدِ، وبدعْوَى أهلِ طاعته، وبإرادَةِ وطءِ العُنُقِ الشَّريف، وفي ذلك من المُبَالغةِ ما اقتَضَى تعجِيلَ العُقوبة لو فعل ذلك، ولأن سَلَى الجزور لم يتحقَّق نجاسَتُها، وقد عوقب عُقبةُ بدعائه -ﷺ- عليه، وعلى من شاركه في فعله، فقُتِلُوا يوم بدر.
(٢) سورة العلق من آية (٦ - ١٩) - والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾ - رقم الحديث (٤٩٥٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - باب قوله تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ - رقم الحديث (٢٧٩٧).
(٣) خُضِب: أي ابْتُلَّ. انظر لسان العرب (٤/ ١١٧).
(٤) قال الإمام السندي في شرح المسند (٧/ ١٤١): قولُ جبريل ﵇: أتُحِبُّ أن =
[ ١ / ٤٣٨ ]
قَالَ: "نَعَمْ" قَالَ: فنَظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَاءِ الوَادِي، فَقَالَ: ادْعُ بِتِلْكَ الشَّجَرَةِ، فَدَعَاهَا فَجَاءَتْ تَمْشِي، حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: مُرْهَا فَلْتَرْجِعْ، فَأَمَرَهَا فَرَجَعَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "حَسْبِي" (١).
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَد وابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لقَدْ أُوذِيتُ في اللَّهِ، وَمَا يُؤْذَى أَحَدٌ، وَأُخِفْتُ (٢) في اللَّهِ (٣)، ومَا يُخَافُ أَحَدٌ، وَلقَدْ أتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثَةٌ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وَمَالِي وَبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ، إِلَّا مَا يُوَارِي إبْطَ بِلَالٍ" (٤).
قَالَ الْمُبَارَكْفُورِي: وَالْمَعْنَى: أَنَّ بِلَالًا كَانَ رَفِيقِي في ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَمَا كَانَ لَنَا مِنَ الطَّعَامِ إِلَّا شَيْءٌ قَلِيل، بِقَدْرِ مَا يَأْخُذُهُ بِلَالٌ تَحْتَ إِبْطِهِ (٥).
وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ في المُسْنَدِ والتِّرْمِذِيِّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لقَدْ أُخِفْتُ في اللَّهِ، ومَا يُخَافُ أَحَدٌ، ولقدْ أُوذِيتُ في اللَّهِ ومَا يُؤْذَى أَحَدٌ، ولقدْ
_________________
(١) = أرِيَكَ آية، تدل علي مالك عند اللَّه تَعَالَى من الكرامةِ، والشَّرَف الَّذي تنسى في جنبه ما يلحقُ بك من التَّعِبِ في تبيلغِ الرسالةِ.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (١٢١١٢) - وابن ماجة في سننه - كتاب الفتن - باب الصبر علي البلاء - رقم الحديث (٤٠٢٨) - والبيهقي في الدلائل (٢/ ١٥٤).
(٣) قال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٧/ ٢١٤): أي هُدِّدْتُ وتُوُعِّدْتُ بالتَّعْذِيبِ والقتلِ.
(٤) قال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٧/ ٢١٤): أي في إظهَارِ دِينه.
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٢١٢) - وابن ماجة في سننه في المقدمة - فضل سلمان وأبي ذر والمقداد ﵃ - رقم الحديث (١٥١).
(٦) تحفة الأحوذي (٧/ ٢١٥).
[ ١ / ٤٣٩ ]
أتَتْ عَلَيَّ ثَلَاثُونَ مِنْ بَيْنِ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (١) وَمَالِي وَلَا لبِلَالٍ طَعَامٌ يَأْكُلُهُ ذُو كَبِدٍ إِلَّا شَيْءٌ يُوَارِيهِ إِبْطُ بِلَالٍ" (٢).
* قَوْلَةٌ جَمِيلَةٌ لِلشَّيْخِ عَلِي الطَّنْطَاوِي:
قَالَ الشَّيْخُ عَلِي الطَّنْطَاوِي ﵀: وانْطَلَقُوا يُؤْذُونَهُ -ﷺ-، ويَتَوَعَّدُونَهُ، لَعَلَّ التَّرْهِيبَ يَفْعَلُ فِيهِ مَا لَمْ يَفْعَلِ التَّرْغِيبُ. . . رَمَوْا في طَرِيقِهِ الشَّوْكَ وَهُوَ مَاشٍ، وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ أحْشَاءَ النَّاقَةِ وهُوَ سَاجِدٌ، ورَمَوْهُ في الطَّائِفِ بِالحِجَارَةِ، وأَسَالُوا دَمَهُ، وهَزئُوا بِهِ، وسَلَّطُوا عَلَيْهِ سُفَهَاءَهُمْ.
فَلَمْ يُثِرْ هَذَا كُلَّهُ غَضَبَهُ -ﷺ- ولَكِنْ أثَارَ إشْفَاقه، إشْفَاقَ الكَبِيرِ عَلَى الأطَفْالِ المُؤْذِينَ، والعَاقِلِ عَلَى المَجَانِينَ، وكَانَ جَوَابُهُ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اهْدِ قَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ" (٣).
وَأَوْغَلَتْ قُرَيْشٌ في كُفْرِهَا، وصَدِّهَا، وعِنَادِهَا، ولَكِنْ هَلْ تَقْدِرُ قُرَيْشٌ أَنْ تُطْفِئَ نُورَ اللَّهِ؟ (٤).
_________________
(١) قال الطيبِي: تأكيد للشُّمول: أي ثلاثين يومًا وليلةً متواتِرَات، لا ينقصُ منها شيءٌ من الزَّمان. انظر تحفة الأحوذي (٧/ ٢١٥).
(٢) والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٠٥٥) - والترمذي في جامعه - كتاب صفة القيامة والرقائق والورع - باب رقم (٢٨) - رقم الحديث (٢٦٤٠).
(٣) أخرج هذا الحديث: ابن حبان في صحيحه - كتاب الرقائق - باب الأدعية - رقم الحديث (٩٧٣) وإسناده حسن - لكن بلفظ: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" - وأخرجه البخاري في صحيحه - كتاب أحاديث الأنبياء - باب (٥٤) - رقم الحديث (٣٤٧٧) عن النبي -ﷺ- يحكي قصة نبي من الأنبياء مع قومه، فدعا لقومه بمثل هذا الدعاء.
(٤) انظر كلام الشيخ علي الطنطاوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتابه: رجال من التاريخ ص ١٣ - ١٤.
[ ١ / ٤٤٠ ]
اسْتِئْذَانُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- النَّبِيَّ -ﷺ- فِي الهِجْرَةِ إِلَى الحَبَشَةِ
قَالَ ابنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- حِينَ ضَاقَتْ عَلَيْهِ مَكَّةُ وأصَابَهُ فِيهَا الأَذَى، وَرَأَى مِنْ تَظَاهُرِ قُرَيْشٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وأصْحَابِهِ مَا رَأَى، اسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- في الهِجْرَةِ فَأَذِنَ لَهُ (١).
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ (٢) إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ (٣)، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَرَفَي النَّهَارِ بُكْرَةً وعَشِيَّةً، فَلَمَّا ابْتُلِيَ المُسْلِمُونَ، خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا نَحْوَ أَرْضِ الحَبَشَةِ (٤) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَرْكَ الغِمَادِ (٥)، لَقِيَهُ ابنُ الدُّغُنَّةِ (٦)، -وَهُوَ سَيِّدُ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٤١٠).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٢/ ١٤١): المراد بأبَوَي عائشة ﵂ أَبُو بكر وأم رُومَان، وهو دالٌّ علي تقدُّم إسلام أمِّ رُومان ﵂.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٣٨): أي بدينِ الإسلام.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٣٨): أي ليلحَقَ بمَنْ سبقه إليها من المسلمين، وقد قدمت أن الذين هاجَرُوا إلى الحبشة أوَّلًا ساروا إلى جُدَّة وهي ساحِلُ مَكَّةَ، ليركبوا منها البحر إلى الحبشة.
(٥) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٣٩): بَرْكُ الغِمَادِ: هو موضعٌ علي خمسِ لَيالٍ من مكة إلى جِهَةِ اليَمَنِ.
(٦) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٣٩): ابنُ الدُّغُنَّةِ: بضمِّ المهملة والمعجمة وتشديد النون =
[ ١ / ٤٤١ ]
القَارَّةِ (١) -. فَقَالَ: أيْنَ تُرِيدُ يَا أبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أخْرَجَنِي قَوْمِي (٢) فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ (٣) في الأَرْضِ وأَعْبُدَ رَبِّي، قَالَ ابْنُ الدُّغُنَّةِ: فَإِنَّ مِثْلَكَ يَا أبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ ولَا يُخْرَجُ، إِنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ (٤)، فأَنَا لَكَ جَارٌ (٥). ارْجعْ وَاعْبُدْ رَبَّكَ بِبَلَدِكَ، فَرَجَعَ، وارْتَحَلَ مَعَهُ ابنُ الدُّغُنَّةِ، فَطَافَ ابنُ الدُّغُنَّةِ عَشِيَّةً في أشْرَافِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ مِثْلُهُ (٦) ولَا يُخْرَجُ (٧)، أتُخْرِجُونَ
_________________
(١) = عند أهل اللغة، وعند الرواة بفتح أوله وكسر ثانيه وتخفيف النون. والدغنَّةُ هي أمُّه، وقيل: أمُّ أبيه، وقيل دابَّته، ومعنى الدُّغنة: المُسْتَرْخِيَةُ وأصلها الغَمَامَةُ الكثيرة المَطَر.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٣٩): القَارَّة: هي قبيلةٌ مشهورةٌ من بَنِي الهون، بالضم، والتخفيف، ابن خزيمةَ بن مدركةَ بنِ إلياسَ بن مُضَر، وكانوا حلفاءَ بني زُهرة من قريش، وكانوا يضرب بهم المثل في قوة الرَّمْي.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٣٩): أي تسببوا في إخراجي.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٤٠): لعل أبا بكر طَوَى عن ابنِ الدُّغُنَّةِ تعيينَ جهة مَقصده لكونه كان كَافرًا، وإلا فقد تقدَّم أنَّه قَصَد التوجُّهَ إلى أرض الحبشةِ، ومن المعلومِ أنَّه لا يَصِلُ إليها من الطريق التي قصدها حتَّى يسيرَ في الأرضِ وحدَهُ زَمَانًا فيَصْدُق أنَّه سَائِحٌ، لكن حقيقةُ السياحة أن لا يَقْصِدَ مَوْضِعًا بعييهِ يَسْتَقِرُّ فيه.
(٥) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٤٠): وفي موافقةِ وصْفِ ابنِ الدُّغُنَّةِ لأبي بكر بمِثْلِ ما وصَفَتْ به خَدِيجَةُ النبي -ﷺ- ما يدُل علي عَظِيم فَضْلِ أبي بكر -﵁-، واتِّصَافِهِ بالصفاتِ البالغَةِ في أنواعِ الكمال.
(٦) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٤٠): أي مجير أمنع من يؤذيك.
(٧) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٤٠): أي مِنْ وطنِهِ باختيارِهِ علي نيَّةِ الإقامة في غيره مع ما فيه من النَّفعِ المُتَعَدِّي لأهل بلدِهِ.
(٨) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٤٠): أي ولا يخرجه أحد بغيرِ اختيارِهِ للمعنى المذكور، =
[ ١ / ٤٤٢ ]
رَجُلًا يَكْسِبُ المَعْدُومَ، ويَصِلُ الرَّحِمَ، ويَحْمِلُ الكَلَّ، ويَقْرِي الضيْفَ، ويُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ؟ .
فَلَمْ تَكْذِبْ (١) قُرَيْشٌ بِجِوَارِ ابنِ الدُّغُنَّةِ، وقَالُوا لِابْنِ الدُّغُنَّةِ: مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبّه في دَارِهِ، فَلْيُصَلِّ فِيهَا ولْيَقْرَأْ مَا شَاءَ، وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ، وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ، فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وأبْنَاءَنَا، فَقَالَ ذَلِكَ ابنُ الدُّغُنَّةِ لِأَبِي بَكْرٍ، فَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ لِذَلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ في دَارِهِ، ولَا يَسْتَعْلِنُ بِصَلَاتِهِ ولَا يَقْرَأُ في غَيْرِ دَارِهِ، ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ (٢) فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ (٣) وكَانَ يُصلِّي فِيهِ، ويَقْرَأُ القُرْآنَ فَيَنْقَذِفُ (٤) عَلَيْهِ نِسَاءُ المُشْرِكِينَ وأبْنَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ ويَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وكَانَ أَبُو بَكْر رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ (٥) إِذَا قَرَأَ
_________________
(١) = واستَنْبَطَ بعضُ المالكيةِ مِنْ هذا أَنَّ من كانت فيه مَنفعة مُتَعَدِّية لا يُمكّن من الانتقالِ عن البَلَدِ إلى غيرِهِ بغيرِ ضَرُوَةٍ رَاجِحَةٍ.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٤٠): أي لَمْ تَرُدَّ عليه قوله في أمَانِ أبي بَكر -﵁-، وكل من كَذَّبَكَ فقد رَدَّ قولك.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٤٠): أي ظَهَرَ له رأيٌ غيرُ الرأي الأول.
(٤) الفِنَاء: بكسر الفَاء، وهو المُتَّسَعُ أمَامَ الدَّار. انظر النهاية (٣/ ٤٢٨).
(٥) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٢٢٩٧) -: فيتَقَصَّفُ: أي يزدَحِمُونَ عليه. انظر النهاية (٤/ ٦٥). قال الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه السِّيرة النَّبوِيَّة (١/ ٣٨٣): وهذه القصة تَدُل دلالةً واضحة على تأثيرِ القرآن وإعجازِهِ البيانِيِّ والبلاغي في نُفوس العَرَب الخُلَّصِ، وسَواء في ذلك الرجال والنساء، بل والصبيان. قلتُ: قد مرَّ معنا تأثير القرآنِ علي العرب في قِصَّةِ سجودِ الكفار عندما نزلت سورة النجم.
(٦) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٤١): أي لا يُطِيقُ إمساكهُمَا عن البُكَاءَ من رقَّةِ قلبه.
[ ١ / ٤٤٣ ]
القُرآنَ، فَأَفْزَعَ ذَلِكَ (١) أشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنَ المُشْرِكِينَ، فَأَرْسَلُوا إِلَى ابنِ الدُّغُنَّةِ، فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ، فَقَالُوا: إنَّا كُنَّا أجَرْنَا أبَا بَكْرٍ بِجِوَارِكَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّه في دَارِهِ، فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفَنَاءِ دَارِهِ، فَأَعْلَنَ بِالصَّلَاةِ والقِرَاءَةِ فِيهِ، وَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وأبْنَاءَنَا، فَانْهَهُ، فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّه في دَارِهِ فَعَلَ، وَإِنْ أَبَى إِلَّا أَنْ يُعْلِنَ بِذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْكَ ذِمَّتَكَ (٢)، فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نُخْفِرَكَ، ولَسْنَا مُقِرِّينَ لِأَبِي بَكْرٍ الِاسْتِعْلَانَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَتَى ابنُ الدُّغُنَّةِ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ: قَدْ عَلِمْتَ الذِي عَاقَدْتُ لَكَ عَلَيْهِ، فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ، وإمَّا أَنْ تُرْجعَ إِلَيَّ ذِمَّتِي، فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ العَرَبُ أَنِّي أُخْفِرْتُ في رَجُلٍ عَقَدْتُ لَهُ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: فَإِنِّي أَرُدُّ إِلَيْكَ جِوَارَكَ، وأَرْضَى بِجِوَارِ (٣) اللَّهِ ﷿ (٤).
* * *
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٤١): أي أخافَ الكفار لِمَا يعلمونَهُ من رِقَّةِ قلوبِ النساء والشَّباب أن يَمِيلُوا إلى دين الإسلام.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٤١): أي أمَانَكَ له.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٤١): أي أمانَهُ وحمايَتَهُ، وفيه جوازُ الأخذِ بالأشَدِّ في الدين، وقوَّة يقينِ أبي بكر -﵁-.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٥) - وأخرجه في كتاب الكفالة - باب جوار أبي بكر في عهد النبي -ﷺ- رقم الحديث (٢٢٩٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب ذكر وصف كيفية خروج المصطفى -ﷺ- من مكة - رقم الحديث (٦٢٧٧).
[ ١ / ٤٤٤ ]
خُرُوجُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى الطَّائِفِ
لَمَّا ازْدَادَتْ وَطْأَةُ قُرَيْشٍ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، واشْتَدَّ أذَاهَا لَهُ بَعْدَ أَنْ صَارَ وَحِيدًا بِلَا نَصِيرٍ يَحْمِيهِ ويُؤْوِيهِ مِنَ النَّاسِ، ولَمَّا زَهِدَتْ قُرَيْشٌ في الإِسْلَامِ، وانْصَرَفَتْ عَنْهُ، رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّ الدَّعْوَةَ في قُرَيْشٍ لَمْ تَعُدْ مُجْدِيَةً، وبَدَأَ يُفَكِّرُ بِالخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ لَعَلَّهُ يَجِدُ فِيهِ نَصِيرًا، وقَبُولًا، واسْتِجَابَةً لِمَا جَاءَ بِهِ مِنَ اللَّهِ ﷿.
فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ إِلَى الطَّائِفِ حَيْثُ تَقْطُنُ (١) ثَقِيفٌ (٢)، يَلْتَمِسُ نُصْرَتَهُمْ، والمَنَعَةَ بِهِمْ مِنْ قَوْمِهِ.
وَقَصَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الطَّائِفَ، إمَّا لِأَنَّهُ المَرْكَزُ الثَّانِي لِلْقُوَّةِ والسِّيَادَةِ في الحِجَازِ بَعْدَ مَكَّةَ، أَوْ لِأَنَّ أخْوَالَهُ مِنْ بَنِي ثَقِيفٍ مِنْ جِهَةِ حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ، فَرَأَى أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الطَّائِفِ، يَلْتَمِسُ مِنْ ثَقِيفٍ النَّصْرَ والمَنَعَةَ لَهُ مِنْ قَوْمِهِ، وكَانَ يَرْجُو أَنْ يَهْدِيَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فَيَسْتَجِيبُوا لِدَعْوَتِهِ (٣).
_________________
(١) قَطَنَ المكان: إِذَا لَزِمَهُ. انظر لسان العرب (١١/ ٢٣١).
(٢) قال الشيخ أبو الحسن في كتابه السِّيرة النَّبوِيَّة ص ١٤٤: مما يُذْكَر لثقيفٍ منَ المَآثِرِ أنَّه ارتَدَّ كثيرٌ من العرَبِ بعدَ وفاةِ النبي -ﷺ- إلا قُرَيشًا وثَقِيفًا، وكان لهم أثرٌ وبَلاء في الحُرُوب الإسلامية، ومواقِفَ بُطُولية مَحْمُودة.
(٣) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة لأبي الحسن النَّدْوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ١٤٤.
[ ١ / ٤٤٥ ]
وَالطَّائِفُ بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ بَيْنَهَا وبَيْنَ مَكَّةَ اليَوْمَ (٨٠) كيلُو مِتر تَقْرِيبًا، قَطَعَهَا رَسُول اللَّهِ -ﷺ- وَمَعَهُ مَوْلَاهُ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ (١) مَاشِيًا عَلَى الأَقْدَامِ ذَهَابًا ورُجُوعًا.
وَكَانَ خُرُوجُهُ إِلَيْهَا لِثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالَ سَنَةَ عَشْرٍ مِنَ البِعْثَةِ (٢).
* وُصُولُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى الطَّائِفِ:
فَلَمَّا انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الطَّائِفِ عَمَدَ إِلَى نَفَرٍ مِنْ ثَقِيفٍ، هُمْ يَوْمَئِذٍ سَادَةُ ثَقِيفٍ وأَشْرَافُهُمْ، وهُمْ إِخْوَةٌ ثَلَاثَةٌ: عَبْدُ يَالِيلَ بنُ عَمْرِو بنِ عُمَيْرٍ، ومَسْعُودُ بنُ عَمْرِو بنِ عُمَيْرٍ، وحَبِيبُ بنُ عَمْرِو بنِ عُمَيْرٍ (٣)، وعِنْدَ أَحَدِهِمُ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ بَنِي جُمَحٍ، فَجَلَسَ إِلَيْهِمْ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وكَلَّمَهُمْ بِمَا جَاءَهُمْ لَهُ مِنْ نُصْرَتِهِ عَلَى الإِسْلَامِ، والقِيَامِ مَعَهُ عَلَى مَنْ خَالفهُ مِنْ قَوْمِهِ.
فَقَال أحَدُهُمْ: هُوَ يَمْرُطُ (٤) ثِيَابَ الكَعْبَةِ إِنْ كَانَ اللَّهُ أرْسَلَكَ.
وقَال الثَّانِي: أمَا وَجَدَ اللَّهُ أَحَدًا يُرْسِلُهُ غَيْرُكَ؟
_________________
(١) هذا الذي رواه ابن سعد في طبقاته (١/ ١٠٢) عن جبير بن مطعم، وذكر موسى بن عقبة، وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٣٢) وغيرهما: أنَّه -ﷺ- خرج وحده ماشيًا، فيمكن الجمعُ أن زيدًا -﵁- لحِقَهُ بعد ذلك. انظر شرح المواهب (٢/ ٥٠).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٠٢) - سيرة ابن هشام (٢/ ٣٣) - دلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٢٩٥) - شرح المواهب (٢/ ٤٩).
(٣) هؤلاءَ الإخوَةُ أسلموا جَمِيعًا وجاؤُوا مع قومِهِم في عامِ الوُفُود من السنة التاسعة للهجرة.
(٤) يَمْرُطُ: يَنْتِفُ. انظر لسان العرب (١٣/ ٨١).
[ ١ / ٤٤٦ ]
وَقَالَ الثَّالِثُ: وَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا، لَئِنْ كُنْتَ رَسُولًا مِنَ اللَّهِ كَمَا تَقُولُ لَأَنْتَ أَعْظَمُ خَطَرًا مِنْ أَنْ أَرُدَّ عَلَيْكَ الكَلَامَ، ولَئِنْ كُنْتَ تَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ مَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أُكَلِّمَكَ.
فَلَمَّا يَئِسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- منْ خَيْرِهِمْ، قَالَ لَهُمْ: "إِذَا فَعَلْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ فَاكْتُمُوا عَنِّي"، وَكَرِهَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَبْلُغَ قَوْمَهُ خَبَرَ قُدُومِهِ عَلَى الطَّائِفِ فَيَجْتَرِؤُا عَلَيْهِ، وَتَزْدَادَ عَدَاوَتُهُمْ وَشَمَاتَتُهُمْ، ولَكِنَّ القَوْمَ لَمْ يَفْعَلُوا، وقَالُوا لَهُ: اخْرُجْ مِنْ بَلَدِنَا، وأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ وعَبِيدَهُمْ، فَجَعَلُوا يَسُبُّونَهُ ويَصِيحُونَ بِهِ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ، وقَعَدُوا لَهُ صَفَّيْنِ عَلَى طَرِيقِهِ، وأخَذُوا لَا يَرْفَعُ رِجْلَيْهِ وَلَا يَضَعُهُمَا إِلَّا رَضَخُوهُمَا بِالحِجَارَةِ حَتَّى أدْمَوْهُمَا، وهُمْ في ذَلِكَ يَسْتَهْزِئُونَ ويَسْخَرُونَ، وكَانَ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ -﵁- يَقِيهِ بِنَفْسِهِ حَتَّى لَقَدْ أصَابَهُ شِجَاجٌ (١) في رَأْسِهِ، وَلَمْ يَزَلْ بِهِ السُّفَهَاءُ حَتَّى ألْجَؤُوهُ إِلَى حَائِطٍ (٢) لِعُتْبَةَ وشَيْبَةَ (٣) ابْنَيْ رَبِيعَةَ، فَلَمَّا دَخَلَ الحَائِطَ رَجَعَ عَنْهُ مَنْ كَانَ يَتْبَعُهُ مِنْ سُفَهَاءَ ثَقِيفٍ، وعَمَدَ إِلَى ظِلِّ شَجَرَةٍ مِنْ عِنَبٍ، فَجَلَسَ فِيهِ هُوَ وزَيْدُ بنُ حَارِثَةَ -﵁-.
_________________
(١) الشَّجُّ: في الرأس خاصَّةً، وهو أن يضربَهُ بشيءٍ فيجرحَهُ فيه ويشقَّه، ثم استعمل في غيره من الأعضاء. انظر النهاية (٢/ ٣٩٩).
(٢) الحائطُ: البُستان من النَّخيل إذا كان عليه حائط وهو الجدار. انظر النهاية (١/ ٤٤٤).
(٣) هذانِ الرَّجُلانِ من سادَاتِ مَكة، وهما من أشدُّ من آذى الرسول -ﷺ-، وقد قُتلا كافرين في غزوة بدر الكبرى.
[ ١ / ٤٤٧ ]
* هِمَّةٌ عَجِيبَةٌ:
هَلْ تَرَوْنَ كُلَّ هَذِهِ المَصَائِبَ والأَهْوَالَ أثَّرَتْ في عَزِيمَةِ الرَّسُولِ -ﷺ-؟ أَوْ نَقَصَتْ مِنْ إيمَانِهِ بِدَعْوَتِهِ وحَمَاسَتِهِ لَهَا؟
. . . واسْتَمَرَّ هَذَا البَلَاءُ، وامْتَدَّ، لَا يَوْمًا وَلَا يَوْمَيْنِ، وَلَا أُسْبُوعًا، وَلَا شَهْرًا، امْتَدَّ سَنَوَاتٍ طِوَالًا، وَلَوْ أَنَّ رَجُلا غَيْرَ الرَّسُولِ -ﷺ-، لقالَ: حَسْبِي. لَقَدْ عَمِلْتُ مَا عَلَيَّ، وبَذَلْتُ الجُهْدَ، فَإِذًا النَّجَاحُ مُسْتَحِيلٌ، وَقَدْ آنَ لِي أَنْ أَنْسَحِبَ، وَأَقْعُدَ في بَيْتِي.
ولَكِنَّ الِانْسِحَابَ لَا مَكَانَ لَهُ في مَنْهَجِ الرَّسُولِ -ﷺ-، وكَلِمَةُ مُسْتَحِيلٌ لَا وُجُودَ لَهَا في مُعْجَمِهِ -ﷺ-، وَإِذَا لَمْ يَنْجَحْ في مَكَّةَ فَلْيَنْتَقِلْ إِلَى غَيْرِهَا. فَإِنَّ الدَّعْوَةَ لِلدُّنْيَا كُلِّهَا، وَلِلْعُصُورِ كُلِّهَا (١).
* تَضَرُّعٌ وَدُعَاءٌ:
وَهُنَا وَقَدْ بَلَغَ الهَوْلُ هَذَا المَبْلَغَ، دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- دُعَاءً، مَا تَلَوْتُهُ مَرَّةً إِلَّا فَاضَتْ عَيْنَايَ، ومَا أَحْسَبُ أَحَدًا يَسْمَعُهُ ويَفْهَمُهُ، يَمْلِكُ قَلْبَهُ أَنْ يَسِيلَ مِنَ الرِّقَّةِ دَمْعًا مِنْ عَيْنَيْهِ (٢).
فَلَمَّا اطْمَأَنَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في الْحَائِطِ تَوَجَّهَ إِلَى رَبِّهِ ﷾ بِهَذَا
_________________
(١) انظر كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٢٦.
(٢) انظر كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ص ٢٦.
[ ١ / ٤٤٨ ]
الدُّعَاءِ المَشْهُورِ فَقَالَ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ إِلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوَّتِي، وَقِلَّةَ حِيلَتِي، وهَوَانِي عَلَى النَّاسِ، يَا أرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، أَنْتَ رَبُّ المُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبِّي، إِلَى مَنْ تَكِلُنِي؟ إِلَى بَعِيدٍ يَتَجَهَّمُنِي (١)؟ ! أَمْ إِلَى عَدُوٍّ مَلَّكْتَهُ أَمْرِي؟ ! إِنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ عَلَيَّ غَضَبٌ فَلَا أُبَالِي، وَلَكِنَّ عَافِيَتَكَ هِيَ أوْسَعُ لِي، أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظُّلُمَاتُ، وصَلَحَ عَلَيْهِ أمْرُ الدُّنْيَا والَآخِرَةِ مِنْ أَنْ تُنْزِلَ بِي غَضَبَكَ، أَوْ يَحِلَّ عَلَيَّ سَخَطُكَ. لَكَ العُتْبَى حَتَّى تَرْضَى، وَلَا حَوْلَ ولَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ" (٢)
* قِصَّةُ عَدَّاسٍ:
فَلَمَّا رَآهُ ابْنَا رَبِيعَةَ عُتْبَةُ وشَيْبَةُ، وَكَانَا في الحَائِطِ، وَرَأَيَا مَا لَقِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ سُفَهَاءَ أَهْلِ الطَّائِفِ، تَحَرَّكَتْ لَهُ رَحِمُهُمَا، فَدَعَوْا غُلَامًا لَهُمَا نَصْرَاييًّا، يُقَالُ لَهُ: عَدَّاسٌ، فَقَالَا لَهُ: خُذْ قِطْفًا مِنْ هَذَا العِنَبِ فَضَعْهُ في هَذَا الطَّبَقِ، ثُمَّ اذْهَبْ بِهِ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَقُلْ لَهُ يَأْكُلْ مِنْهُ، فَفَعَلَ عَدَّاسٌ، ثُمَّ أقْبَلَ بِهِ حَتَّى وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ لَهُ: كُلْ، فَلَمَّا وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِيهِ يَدَهُ قَالَ: "بِسْمِ اللَّهِ" (٣) ثُمَّ أَكَلَ، فنَظَرَ عَدَّاسٌ في وَجْهِهِ مُسْتَغْرِبًا، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ
_________________
(١) يَتَجَهَّمُنِي: أي يَلْقَاني بالغِلْظَةِ والوجهِ الكَرِيهِ. انظر النهاية (١/ ٣١٢).
(٢) انظر سيرة بن هشام (٢/ ٣٣) - البداية والنهاية (٣/ ١٤٧) - زاد المعاد (٣/ ٢٨) - ودلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٢٩٦).
(٣) قال ابن القيم في زاد المعاد (١/ ١٤٣): كان رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يُسَمِّي اللَّه تَعَالَى على أول طعَامِهِ، ويحمدُهُ في آخره فيقول عندَ انقضائِهِ: "الحمد للَّه الَّذي أطْعَمَ وسَقى، وسَوَّغه =
[ ١ / ٤٤٩ ]
إِنَّ هَذَا الكَلَامَ مَا يَقُولُهُ أَهْلُ هَذِهِ البِلَادِ، فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "مِنْ أَهْلِ أَيِّ البِلَادِ أَنْتَ يَا عَدَّاسُ؟ وَمَا دِينُكَ؟ " (١)
قَالَ: نَصْرَانِيٌّ، وَأَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نِينَوَى (٢)، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مِنْ قَرْيَةِ الرَّجُلِ الصَّالِحِ يُونُسَ بنِ مَتَّى؟ " فَقَالَ عَدَّاسٌ: وَمَا يُدْرِيكَ مَا يُونُسُ بنُ مَتَّى؟ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ذَاكَ أَخِي كَانَ نَبِيًّا وَأَنَا نَبِيٌّ".
فَأَكَبَّ عَدَّاسٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يُقَبِّلُ رَأْسَهُ، ويَدَيْهِ، وَقَدَمَيْهِ، وأَسْلَمَ (٣).
_________________
(١) = وجعلَ لَهُ مَخْرجًا". أخرجه ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٥٢٢٠) - وإسناده صحيح علي شرط الشيخين. وقال الإمام أحمد رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فيما نقله عنه ابن القيم في زاد المعاد (٤/ ٢١٣): إذا جَمَعَ الطعامُ أربعًا، فقد كَمُلَ: إذا ذُكر اسمُ اللَّهِ في أوَّلِه، وحُمِدَ اللَّه في آخرِه، وكثُرَتْ عليهِ الأيدِي، وكان مِنْ حَلَالٍ.
(٢) قال الشيخ علي الطنطاوي في كتابه رجال من التاريخ ص ٢٧: وهنا مَوْقِفٌ عَجَبٌ من العَجَبِ، الرسول -ﷺ- في هذه الحالِ من الشدَّة، وفي هذا الموقف الذِي يُقنطُ أجْلد الأبطَالِ، رأى بادِرَةَ قبولٍ للدعوَةِ عندَ عبدٍ ضَعِيفٍ يُقال له: عَدَّاسٌ، فلم يمنعْهُ كلُّ ما لَقِيَ من أن يُبَلِّغَهُ دعوةَ اللَّه تَعَالَى، وينصَرِفَ إليه، ويَنْسَى ألَمَهُ وتعَبَهُ -ﷺ- حتَّى أسلم عَدَّاس، هذا موقفٌ صَغِيرٌ بالنسبةِ للرسول -ﷺ-، ولكنَّه عَظِيمٌ عَظِيم بالنسبةِ إلى دُعَاة البَشَرِ في كل تَوَاريخِهم، ولا يستطيعُ باحِثٌ أن يلقى في الإخلاص للدعوَةِ، ونسيانِ الذَّات في سَبِيلها، مَوقِفًا مثلَهُ لِرَجل آخرَ غير الرسول -ﷺ-.
(٣) نِينَوَى: بكسر أوله، وسكون ثانيه، هي قريةُ يُونس بن متى ﵇ بالموصل في العِراق. انظر معجم البلدان (٥/ ٣٩١).
(٤) أسلَمَ عَدَّاس -﵁-، وهو معدودٌ في الصحابة، وفي سِيَرِ التيميِّ أن عَدَّاسًا قال: وأنا أشهدُ أنك عبدُ اللَّه ورسوله. انظر الإصابة (٤/ ٣٨٥).
[ ١ / ٤٥٠ ]
فَقَالَ ابْنَا رَبِيعَةَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: أَمَّا غُلَامُكَ فَقَدْ أَفْسَدَهُ عَلَيْكَ، فَلَمَّا جَاءَهُمَا عَدَّاسٌ، قَالَا لَهُ: وَيْلَكَ يَا عَدَّاسُ! مَالَكَ تُقَبِّلُ رَأْسَ هَذَا الرَّجُلِ وَيَدَيْهِ وَقَدَمَيْهِ؟
قَالَ: يَا سَيِّدِي! مَا فِي الأَرْضِ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، لَقَدْ أَخْبَرَنِي بِأَمْرٍ مَا يَعْلَمُهُ إِلَّا نَبِيٌّ، قَالَا لَهُ: وَيْحَكَ يَا عَدَّاسُ! لَا يَصْرِفَنَّكَ عَنْ دِينِكَ، فَإِنَّ دِينَكَ خَيْرٌ مِنْ دِينِهِ (١).
* رُجُوعُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى مَكَّةَ:
ثُمَّ عَادَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الطَّائِفِ، وهُوَ مَهْمُومٌ ومَحْزُونٌ، فَلَمْ يَسْتَفِقْ -ﷺ- إِلَّا وَهُوَ بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ.
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: هَلَ أَتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كَانَ أشَدَّ مِنْ يَوْمِ أُحُدٍ؟ قال: "لَقَدْ لَقِيتُ مِنْ قَوْمِكِ (٢) مَا لَقِيتُ، وَكَانَ أَشَدَّ مَا لَقِيتُ مِنْهُمْ يَوْمَ العَقَبَةِ إِذْ عَرَضْتُ نَفْسِي عَلَى ابْنِ عَبْدِ يَالِيلَ بنِ عَبْدِ كِلَالٍ فَلَمْ يُجِبْنِي إِلَى مَا أَرَدْتُ، فَانْطَلَقْتُ وَأَنَا مَهْمُومٌ عَلَى
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٣٤) - البداية والنهاية (٣/ ١٤٧) - شرح المواهب (٢/ ٥٠) - طبقات ابن سعد (١/ ١٠٢) - زاد المعاد (٣/ ٢٨).
(٢) قال الحافظ في الفتح: المرادُ بقومِ عائشةَ ﵂ في قوله -ﷺ-: "لقد لَقِيتُ من قَوْمِكِ": قريشٌ، لا أهلَ الطائف الذين هُم ثَقِيف، لأنهم -أي قريش- كانوا السبب الحَامِلَ على ذهابه -ﷺ- لثَقِيفٍ، ولأن ثَقِيفًا ليسُوا قوم عائشة ﵂.
[ ١ / ٤٥١ ]
وَجْهِي (١)، فَلَمْ أسْتَفِقْ إِلَّا وَأَنَا بِقَرْنِ الثَّعَالِبِ (٢)، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإِذَا أنَا بِسَحَابَةٍ قَدْ أظَلَّتْنِي، فنَظَرْتُ فَإِذَا فِيهَا جِبْرِيلُ، فَنَادَانِي فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وَمَا رَدُّوا عَلَيْكَ، وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْكَ مَلَكَ الجِبَالِ لِتَأْمُرَهُ بِمَا شِئْتَ فِيهِمْ، فنَادَانِي مَلَكُ الجِبَالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: يَا مُحَمَّدُ، فَقَالَ: ذَلِكَ فِيمَا شِئْتَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ أُطْبِقَ عَلَيْهِمُ الأَخْشَبَيْنِ" (٣)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بَلْ أَرْجُو (٤) أَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِنْ أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وَحْدَهُ لا يُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا" (٥).
قُلْتُ: وَقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى دَعْوَةَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي هَؤُلَاءِ الكُفَّارِ، فَأَخْرَجَ مِنْ صُلْبِ أَبِي طَالِبٍ، عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، وَجَعْفَرَ بنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁-،
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٦/ ٤٦٢): أي على الجِهَةِ المُوَاجِهَةِ لي.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٦/ ٤٦٢): قَرْنُ الثعَالِبِ: هو مِيقَاتُ أهلِ نَجْدٍ، ويقال له: قرنُ المَنَازِلِ أيضًا. قلتُ: وقرنُ المنازل يبعُدُ اليوم عن مكة (٨٠) كيلو متر تقريبًا.
(٣) الأخْشَبَانِ: الجَبَلَانِ المُطِيفَانِ بمكةَ، وهما أبو قُبَيْسٍ والأحمر، وهو جبل مُشرِفٌ وجهه على جبل قُعَيْقِعَان، والأخشبُ كل جبلٍ خَشِن غَلِيظ الحجارة. انظر النهاية (٢/ ٣١).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٦/ ٤٦٢): وفي هذا الحديث بيان شفقة النبي -ﷺ- على قومه، ومزيدُ صبرِه وحلمِهِ، وهو موافقٌ لقوله تَعَالَى في سورة آل عمران آية (١٥٩): ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾، وقوله تَعَالَى في سورة الأنبياء آية (١٠٧): ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب بدء الخلق - باب إذا قال أحدكم آمين - رقم الحديث (٣٢٣١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد - باب ما لقي النبي -ﷺ- من أذى المشركين والمنافقين - رقم الحديث (١٧٩٥) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب صبر المصطفى -ﷺ- على أذى المشركين - رقم الحديث (٦٥٦١).
[ ١ / ٤٥٢ ]
وأخْرَجَ مِنْ صُلْبِ أَبِي جَهْلٍ، عِكْرَمَةَ بنَ أَبِي جَهْلٍ -﵁-، وأخْرَجَ مِنْ صُلْبِ الوَليدِ بنِ المُغِيرَةِ، خَالِدَ بنَ الوَلِيدِ -﵁-، وأخْرَجَ مِنْ صُلْبِ العَاصِ بنِ وَائِلٍ، عَمْرَو بنَ العَاصِ -﵁-، وأخْرَجَ مِنْ صُلْبِ المُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ، جُبَيْرَ بنَ مُطْعِمٍ -﵁-، وغَيْرَهُمْ كَثِيرٌ الذِينَ خَرَجُوا مِنْ أصْلَابِ هَؤُلَاءِ الكُفَّارِ.
* وَهْمُ ابْنِ إِسْحَاقَ وَابْنِ سَعْدٍ وَغَيْرِهِمَا فِي إِسْلَامِ الْجِنِّ:
ذَكَرَ ابنُ إسْحَاقَ (١)، وابْنُ سَعْدٍ (٢)، وابْنُ القَيِّمِ فِي زَادِ المَعَادِ (٣): أَنَّ سَمَاعَ الجِنِّ لِقِرَاءَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَوَّلَ مَرَّةٍ وإسْلَامَهُمْ كَانَ عِنْدَمَا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الطَّائِفِ حِينَ بَاتَ بِنَخْلَةٍ (٤)، وهَذَا فِيهِ نَظَرٌ، فَإِنَّ استِمَاعَهُمْ لَهُ -ﷺ- كَانَ فِي ابْتِدَاءِ المَبْعَثِ، كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِيمَا تَقَدَّمَ.
* دُخُولُ الرَّسُولِ -ﷺ- مَكَّةَ فِي جِوَارِ المُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ:
ثُمَّ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَكَّةَ، وقَوْمُهُ أشَدُّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ، وفِرَاقِ دِينِهِ.
فَلَمَّا أَرَادَ الرَّسُولُ -ﷺ- دُخُولَ مَكَّةَ، قَالَ لَهُ زَيْدُ بنُ حَارِثَةَ -﵁-: كَيْفَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ، وَهُمْ أخْرَجُوكَ؟
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٣٥).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى (١/ ١٠٢).
(٣) انظر زاد المعاد (٣/ ٢٩).
(٤) نخلة: موضع بالحجاز قريب من مكة، فيه نخل وزرع. انظر معجم البلدان (٨/ ٣٨١).
[ ١ / ٤٥٣ ]
فَقَالَ -ﷺ-: "يَا زَيْدُ! إِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لِمَا تَرَى فَرَجًا ومَخْرَجًا، وَإِنَّ اللَّهَ نَاصِرُ دِينِهِ، ومُظْهِرُ نَبِيِّهِ".
ثُمَّ انْتَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى حِرَاءٍ، فَبَعَثَ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ هُوَ: عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُرَيْقِطٍ إلى الأَخْنَسِ بنِ شَرِيقٍ لِيُجِيرَهُ، فَقَالَ الأَخْنَسُ: أنَا حَلِيفُ قُرَيْشٍ، وَرَفَضَ إِجَارَةَ النَّبِيِّ -ﷺ-.
فَبَعَثَ إِلَى سُهَيْلِ بنِ عَمْرٍو لِيُجِيرَهُ، فَقَالَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو: إِنَّ بَنِي عَامِرِ بنِ لُؤَيٍّ لَا تُجِيرُ عَلَى بَنِي كَعْبٍ، ورَفَضَ سُهَيْلُ بنُ عَمْرٍو أَنْ يُجِيرَ الرَّسُولَ -ﷺ-.
فَبَعَثَ الرَّسُولُ -ﷺ- إلى المُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ (١) لِيُجِيرَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ المُطْعِمُ: نَعَمْ وَأَجَابَهُ إِلَى ذَلِكَ، وَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بنِ أُرَيْقِطٍ: قُلْ لِمُحَمَّدٍ فَلْيَأْتِ.
فَرَجَعَ إلى الرَّسُولِ -ﷺ- فَبَاتَ عِنْدَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَلَمَّا أصْبَحَ خَرَجَ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ، وَقَدْ لَبِسَ سِلَاحَهُ هُوَ وبَنُوهُ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ فَدَخَلُوا المَسْجِدَ، وَقَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: طُفْ، وأَمَرَ بَنِيهِ أَنْ يَكُونُوا عِنْدَ أرْكَانِ البَيْتِ لِحِمَايَةِ الرَّسُولِ -ﷺ-.
فَهُنَا أقْبَلَ أَبُو سُفْيَانَ إلى المُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ، وَقَالَ لَهُ: أَمُجِيرٌ أَمْ تَابعٌ (٢)؟ .
_________________
(١) المُطعِمُ بن عَدِيٍّ: ماتَ كافرًا.
(٢) أي: اتَّبَعْتَهُ ودخلتَ دِينَهُ.
[ ١ / ٤٥٤ ]
فَقَالَ المُطْعِمُ: بَلْ مُجِيرٌ.
قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: إِذَنْ لَا نَخْفِرُ ذِمَّتَكَ (١) قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتَ. فَجَلَسَ مَعَهُ حَتَّى قَضَى رَسُولُ اللَّهِ طَوَافَهُ، فَلَمَّا انْصَرَفَ الرَّسُولُ -ﷺ- انْصَرَفُوا مَعَهُ، ورَجَعَ أَبُو سُفْيَانَ إلى مَجْلِسِهِ (٢).
* وَفَاءُ الرَّسُولِ -ﷺ- لِلْمُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ:
وَلِهَذَا الصَّنِيعِ الذِي فَعَلَهُ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي أُسَارَى بَدْرٍ: "لَوْ كَانَ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ حَيًّا، ثُمَّ كَلَّمَنِي في هَؤُلَاءِ النَّتْنَى (٣) لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ" (٤).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: أَيْ بِغَيْرِ فِدَاءِ، ثُمَّ ذَكَرَ الحَافِظُ سَبَبَ تَرْكِهِمْ لَهُ: مِنْ أَنَّ المُطْعِمُ بنَ عَدِيٍّ كَانَ مِنْ أَشَدِّ مَنْ قَامَ فِي نَقْضِ الصَّحِيفَةِ التِي كَتَبَتْهَا قُرَيْشٌ
_________________
(١) لا نَخْفِرُ ذمَّتَكَ: أي لا نَنْقُضُ ولا نَغْدِرُ بجوارِكَ وعهدِكَ. انظر النهاية (٢/ ٥٠).
(٢) انظر تفاصيل ذهاب الرسول -ﷺ- إلى الطائف والرجوع منها في: زاد المعاد (٣/ ٣٨ - ٤٠) - شرح المواهب (٢/ ٤٩ - ٦٦) - سيرة ابن هشام (٢/ ٣٢ - ٣٥) - البداية والنهاية (٣/ ١٤٧) - سبل الهدى والرشاد (٢/ ٤٣٨ - ٤٤٠) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٠١ - ١٠٢) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤١٥ - ٤١٧).
(٣) النَّتَنُ: الرائِحَةُ الكريهَةُ، والمراد بالنَّتَنِ في هذا الحديث أُسَارى بدرٍ من المشركين. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٦).
(٤) أخرج هذا الحديث: البخاري في صحيحه - كتاب الخمس - باب ما مَنّ النبي -ﷺ- على الأسارى من غير أن يخمس - رقم الحديث (٣١٣٩) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب رقم (١٢) - رقم الحديث (٤٠٢٤)
[ ١ / ٤٥٥ ]
عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَمَنْ مَعَهُمْ مِنَ المُسْلِمِينَ حِينَ حَصَرُوهُمْ فِي الشِّعْبِ، والسَّبَبُ الثَّانِي إِجَارَتُهُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- عِنْدَمَا أَرَادَ دُخُولَ مَكَّةَ عِنْدَمَا رَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ -ﷺ- (١).
قَالَ الزُّرْقَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وهَذَا مِنْ شِيَمِهِ -ﷺ- الكَرِيمَةِ تَذَكَّرَ وَقْتَ النَّصْرِ، والظَّفَرِ لِلْمُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ هَذَا الجَمِيلَ (٢).
* اسْتِهْزَاءُ أَبِي جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ:
وَقَدْ أَرَادَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَسْتَهْزِئَ بِالرَّسُولِ -ﷺ- كَيْفَ يَحْتَاجُ نَبِيٌّ إِلَى جِوَارٍ، وَكَأَنَّهُ يَتَسَاءَلُ لِمَ لَمْ تَنْزِلِ المَلَائِكَةُ لِحِفْظِهِ -ﷺ-؟
فَقَالَ لَعَنَهُ اللَّهُ لَمَّا رَأَى الرَّسُولَ -ﷺ- دَخَلَ المَسْجِدَ الحَرَامَ، وَالمُشْرِكُونَ عِنْدَ الكَعْبَةِ: هَذَا نَبِيُّكُمْ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ! فَرَدَّ عَلَيْهِ عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَقَالَ: ومَا تُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ مِنَّا نَبِيٌّ أَوْ مَلَكٌ؟
فَلَمَّا سَمِعَهُمُ الرَّسُولُ -ﷺ- أتَاهُمْ، فَقَالَ: "أَمَّا أَنْتَ يَا عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، فَوَاللَّهِ مَا حَمَيْتَ للَّهِ وَلَا لِرَسُولهِ، ولكِنْ حَمَيْتَ لِنَفْسِكَ، وَأَمَّا أَنْتَ يَا أبَا جَهْلِ بنَ هِشَامٍ، فَوَاللَّهِ لَا يَأْتِي عَلَيْكَ غَيْرُ كبِيرٍ مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى تَضْحَكَ قَلِيلًا، وتَبْكِيَ كَثِيرًا، وَأَمَّا أَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ المَلَأِ مِنْ قُرَيْشٍ، فَوَاللَّهِ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ غَيْرُ كبِيرٍ مِنَ الدَّهْرِ حَتَّى تَدْخُلُوا فِيمَا تُنْكِرُونَ، وأَنْتُمْ كَارِهُونَ" (٣).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٥٩ - ٦٠).
(٢) انظر شرح المواهب (٢/ ٦٧).
(٣) أخرج ذلك الطبري في تاريخه (١/ ٥٥٥) بدون إسناد - وابن سعد في طبقاته (١/ ١٠٢) من طريق الواقدي، وإسناده ضعيف.
[ ١ / ٤٥٦ ]
الإِسْرَاءُ والمِعْرَاجُ
جَاءَتْ هَذِهِ الحَادِثَةُ حَادِثَةُ الإِسْرَاءِ والمِعْرَاجِ تَثْبِيتًا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وتَكْرِيمًا لَهُ فِي أَعْقَابِ سِنِينَ طَوِيلَةٍ مِنَ الدَّعْوَةِ، والصَّبْرِ عَلَى أَذَى المُشْرِكِينَ واضْطِهَادِهِمْ، ونُكْرَانِهِمْ، وجَفَائِهِمْ.
* المَقْصُودُ بِالْإِسْرَاءِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: أَسْرَى، مَأْخُوذَةٌ مِنَ السَّرَى: وهُوَ سَيْرُ اللَّيْلِ، تَقُولُ: أسْرَى وسَرَى إِذَا سَارَ لَيْلًا بِمَعْنًى (١).
وَالمَقْصُودُ بِقَوْلهِ تَعَالَى: أسْرَى بِعَبْدِهِ: أيْ جَعَلَ البُرَاقَ يَسْرِي بِهِ.
والمَقْصُودُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: بِعَبْدِهِ: مُحَمَّدٍ -ﷺ- اتِّفَاقًا، وَالضَّمِيرُ للَّهِ تَعَالَى والإِضَافَةُ لِلتَّشْرِيفِ.
وقَوْله تَعَالَى: لَيْلًا: ظَرْفٌ لِلْإِسْرَاءَ وهُوَ لِلتَّأْكِيدِ، ويُقَالُ بَلْ هُوَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ فِي بَعْضِ اللَّيْلِ لَا فِي جَمِيعِهِ، والعَرَبُ تَقُولُ: سَرَى فُلَانٌ لَيْلًا إِذَا سَارَ بَعْضَهُ، وَسَرَى لَيْلَةً إِذَا سَارَ جَمِيعِهَا، وَلَا يُقَالُ أَسْرَى إِلَّا إِذَا وَقَعَ سَيْرُهُ فِي أثْنَاءِ اللَّيْلِ، وإِذَا وَقَعَ فِي أَوَّلِهِ يُقَالُ أَدْلَجَ (٢).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٧/ ٥٩٧) - لسان العرب (٦/ ٢٥٢).
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٥٩٧).
[ ١ / ٤٥٧ ]
ويُقْصَدُ بِالْإِسْرَاءِ هُنَا: الرِّحْلَةُ التِي أَكْرَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا نَبِيَّهُ -ﷺ- مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ بِمَكَّةَ المُكَرَّمَةِ إلى المَسْجِدِ الأَقْصَى بِالقُدْسِ.
* المَقْصُودُ بِالمِعْرَاجِ (١):
أَمَّا المِعْرَاجُ: فَهُوَ مَا أَعْقَبَ هَذِهِ الرِّحْلَةَ مِنَ العُرُوجِ بِهِ -ﷺ- إِلَى السَّمَوَاتِ العُلَا حَتَّى الوُصُولِ إِلَى مُسَتَوَى تَنْقَطِعُ عِنْدَهُ عُلُومُ الخَلَائِقِ.
وَقَدْ أشَارَ اللَّهُ ﷾ فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ إِلَى تِلْكَ الحَادِثَةِ فِي سُورَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ، فَذَكَرَ قِصَّةَ الإِسْرَاءِ فِي سُورَةِ الإِسْرَاءِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (٢).
وَذَكَرَ ﷾ قِصَّةَ المِعْرَاجِ فِي سُورَةِ النَّجْمِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٣).
* تَوَاتَرَتِ الأَخْبَارُ فِي الإِسْرَاءِ والمِعْرَاجِ:
قَالَ الحَافِظُ أَبُو الخَطَّابِ عُمَرُ بنُ دِحْيَةَ فِي كِتَابِهِ: "التَّنْوِير فِي مَوْلدِ السِّرَاجِ المُنِير" فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الرِّوَايَاتُ فِي حَدِيثِ الإِسْرَاءِ
_________________
(١) المِعْرَاجُ: بكسر الميم هو السُلم والعُرُوجُ: الصُّعود. انظر النهاية (٣/ ١٨٤).
(٢) سورة الإسراء آية (١).
(٣) سورة النجم آية (١٣ - ١٨).
[ ١ / ٤٥٨ ]
عَنْ: عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ، وَعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأَبِي ذَرٍّ، ومَالِكِ بنِ صَعْصَعَةَ، وأَبِي هُرَيْرَةَ، وأَبِي سَعِيدٍ، وابْنِ عَبَّاسٍ، وشَدَّادِ بنِ أَوْسٍ، وأُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، وعَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ قُرْطٍ، وأَبِي حَبَّةَ وأَبِي لَيْلَى الأَنْصَارِيَّيْنِ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، وجَابِرٍ، وحُذَيْفَةَ، وبريْدَةَ، وأَبِي أيُّوبَ، وأَبِي أُمَامَةَ، وَسَمُرَةَ بنِ جُنْدُبٍ، وأَبِي الحَمْرَاءِ، وصهَيْبٍ الرُّومِيِّ، وأُمِّ هَانِئٍ، وعَائِشَةَ وأسْمَاءَ ابْنَتَيْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ، ﵃ جَمِيعًا.
مِنْهُمْ مَنْ سَاقَهُ بِطُولِهِ، ومِنْهُمْ مَنْ اخْتَصَرَهُ عَلَى مَا وَقَعَ فِي المَسَانِيدِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ رِوَايَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى شَرْطِ الصِّحَّةِ، فَحَدِيثُ الإِسْرَاءَ أَجْمَعَ عَلَيْهِ المُسْلِمُونَ، واعْتَرَضَ فِيهِ الزَّناَدِقَةُ المُلْحِدُونَ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١).
* مَتَى حَدَثَ الإِسْرَاءُ والمِعْرَاجُ؟:
اخْتُلِفَ فِي وَقْتِ وُقُوعِ الإِسْرَاءِ والمِعْرَاجِ، فَقِيلَ: قَبْلَ الهِجْرَةِ بِسَنَةٍ قَالَهُ ابْنُ سَعْدٍ (٢)، وغَيْرُهُ، وَبِهِ جَزَمَ النَّوَوِيُّ، وباَلغَ ابنُ حَزْمٍ فنَقَلَ الإِجْمَاعَ فِيهِ، وهُوَ مَرْدُودٌ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا يَزِيدُ عَلَى عَشَرَةِ أَقْوَالٍ (٣).
_________________
(١) سورة الصف آية (٦). وانظر تفسير ابن كثير (٥/ ٤٥).
(٢) قال ابن سعد في طبقاته (١/ ١٠٣): كان الإسراءَ والمعراج ليلة السابع عشر من شهر ربيع الأول قبل الهجرة بسنة.
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٦٠٢).
[ ١ / ٤٥٩ ]
وقِيلَ: كَانَ فِي رَجَبَ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ وجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ، وَقِيلَ: قَبْلَ الهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ حَكَاهُ ابنُ الأَثِيرِ (١).
قُلْتُ: وَالذِي لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ العُلَمَاءَ أَنَّ الإِسْرَاءَ والمِعْرَاجَ كَانَ بَعْدَ عَوْدَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنَ الطَّائِفِ، لَكِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ بِالضَّبْطِ اليَوْمُ، والشَّهْرُ، والسَّنَةُ التِي وَقَعَ فِيهَا (٢).
* الإِسْرَاءُ والمِعْرَاجُ بِالجَسَدِ والرُّوحِ:
الصَّحِيحُ أَنَّ الإِسْرَاءَ والمِعْرَاجَ كَانَ بِجَسَدِهِ ورُوحِهِ -ﷺ-.
قَالَ الإِمَامُ ابنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: والصَّوَابُ مِنَ القَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ أَسْرَى بِعَبْدِهِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- مِنَ المَسْجِدِ الحَرَامِ إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى، كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ، وَكَمَا تَظَاهَرَتْ بِهِ الأَخْبَارُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وأَنَّ اللَّه تَعَالَى حَمَلَهُ عَلَى البُرَاقِ حَيْثُ أتَاهُ بِهِ، وَصَلَّى هُنَالِكَ بِمَنْ صَلَّى مِنَ الأَنْبِيَاءَ والرُّسُلِ، فَأَرَاهُ مَا أَرَاهُ مِنَ الآيَاتِ، وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: أسْرَى بِرُوحِهِ دُونَ جَسَدِهِ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى نُبُوَّتِهِ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ عَلَى رِسَالَتِهِ، وَلَا كَانَ الذِينَ أنْكَرُوا حَقِيقَةَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، وَكَانُوا يَدْفَعُونَ بِهِ عَنْ صِدْقِهِ فِيهِ، إِذْ لَمْ
_________________
(١) انظر الكامل في التاريخ لابن الأثير (١/ ٦٥٠).
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٦٠٢).
[ ١ / ٤٦٠ ]
يَكُنْ مُنْكَرًا عِنْدَهُمْ، وَلَا عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ ذَوِي الفِطْرَةِ الصَّحِيحَةِ مِنْ بَنِي آدَمَ أَنْ يَرَى الرَّائِي مِنْهُمْ فِي المَنَامِ مَا عَلَى مَسِيرَةِ سَنَةٍ، فَكَيْفَ مَا هُوَ عَلَى مَسِيرَةِ شَهْرٍ أَوْ أَقَلَّ؟ وبَعْدُ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِنَّمَا أَخْبَرَ فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ أَنَّهُ أسْرَى بِعَبْدِهِ، وَلَمْ يُخْبِرْنَا أَنَّهُ أسْرَى بِرُوحِ عَبْدِهِ، ولَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَدَّى مَا قَالَ اللَّهُ إِلَى غَيْرِهِ. . وَلَا دَلَالَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَوْلِهِ: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ أَسْرَى بِرُوحِ عَبْدِهِ، بَلْ الأَدِلَّةُ الوَاضِحَةُ، والأَخْبَارُ المُتَتَابِعَةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أسْرَى بِهِ عَلَى دَابَّةٍ يُقَالُ لَهَا: البُرَاقُ، ولَوْ كَانَ الإِسْرَاءُ بِرُوحِهِ لَمْ تَكُنِ الرُّوحُ مَحْمُولَةً عَلَى البُرَاقِ، إِذْ كَانَتِ الدَّوَابُّ لَا تَحْمِلُ إِلَّا الْأَجْسَامَ (١).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الأَكْثَرُونَ مِنَ العُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ -ﷺ- أُسْرِيَ بِبَدَنِهِ ورُوحِهِ يَقَظَةً لَا مَنَامًا، والدَّلِيلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ ﷿: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ فَالتَّسْبِيحُ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ الْأُمُورِ الْعِظَامِ، وَلَوْ كَانَ مَنَامًا لَمْ يَكُنْ فِيهِ كَبِيرُ شَيْءٍ وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَعْظَمًا، وَلَمَا بَادَرَتْ كُفَّارُ قُرَيْشٍ إِلَى تَكْذِيبِهِ، وَلَمَا ارْتَدَّ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَبْدَ عِبَارَةٌ عَنْ مَجْمُوعِ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ، وَقَدْ قَالَ عَزَّ شَأْنُهُ: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (٢)
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ أُرِيَهَا
_________________
(١) انظر تفسير الطبري (٨/ ١٦).
(٢) سورة الإسراء آية (٦٠). وانظر كلام الحافظ ابن كثير في تفسيره (٥/ ٤٣ - ٤٤).
[ ١ / ٤٦١ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةَ أُسْريَ بِهِ، والشَّجَرَةُ المَلْعُونَةُ: شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (١)
ثُمَّ قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وقَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ (٢) وَالبَصَرُ مِنْ آلَاتِ الذَّاتِ لَا الرُّوحِ، وأَيْضًا فَإِنَّهُ -ﷺ- حُمِلَ عَلَى البُرَاقِ، وهُوَ دَابَّةٌ بَيْضَاءُ بَرَّاقَةٌ لَهَا لَمَعَانٌ، وَإِنَّمَا يَكُونُ هَذَا لِلْبَدَنِ لَا لِلرُّوحِ، لِأَنَّهَا لَا تَحْتَاجُ فِي حَرَكَتِهَا إلى مَرْكَبٍ تَرْكَبُ عَلَيْهِ، وَاللَّهُ أعْلَمُ (٣).
وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ بِحَسْبِ اخْتِلَافِ الأَخْبَارِ الوَارِدَةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ ذَهَبَ إلى أَنَّ الإِسْرَاءَ والمِعْرَاجَ وَقَعَا فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي اليَقَظَةِ بِجَسَدِ النَّبِيِّ -ﷺ- ورُوحِهِ بَعْدَ المَبْعَثِ، وإِلَى هَذَا ذَهَبَ الجُمْهُورُ مِنْ عُلَمَاءِ المُحَدِّثِينَ والفُقَهَاءِ والمُتَكَلِّمِينَ، وتَوَارَدَتْ عَلَيْهِ ظَوَاهِرُ الأَخْبَارِ الصِّحِيحَةِ، وَلَا يَنْبَغِي العُدُولُ عَنْ ذَلِكَ، إِذْ لَيْسَ فِي العَقْلِ مَا يُحِيلُهُ حَتَّى يَحْتَاجَ إلى تَأْوِيلٍ (٤).
* الإِسْرَاءُ والمِعْرَاجُ كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً:
وَإِذَا حَصَلَ الوُقُوفُ عَلَى مَجْمُوعِ الأَحَادِيثِ صَحِيحِهَا، وحَسَنِهَا، وضَعِيفِهَا،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحة - كتاب التفسير - باب وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس - رقم الحديث (٤٧١٦) - وأخرجه في مناقب الأنصار - باب المعراج - رقم الحديث (٦٨٨٨) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩١٦).
(٢) سورة النجم آية (١٧).
(٣) انظر تفسير ابن كثير ٥/ ٤٤.
(٤) انظر فتح الباري (٧/ ٥٩).
[ ١ / ٤٦٢ ]
يَحْصُلُ مَضْمُونُ مَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَسْرَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ مَكَّةَ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، وأَنَّهُ مَرَّةً وَاحِدَةً، وإنِ اخْتَلفَتْ عِبَارَاتُ الرُّوَاةِ فِي أدَائِهِ، أَوْ زَادَ بَعْضُهُمْ فِيهِ أَوْ نَقَصَ مِنْهُ، فَإِنَّ الخَطَأَ جَائِزٌ عَلَى مَنْ عَدَا الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ، ومَنْ جَعَلَ مِنَ النَّاسِ كُلَّ رِوَايَةٍ خَالَفَتِ الأُخْرَى مَرَّةً عَلَى حِدَةٍ، فَأَثْبَتَ إِسْرَاءَاتٍ مُتَعَدِّدَةً فَقَدْ أبْعَدَ وأغْرَبَ، وهَرَبَ إلى غَيْرِ مَهْرَبٍ، وَلَمْ يَحْصُلْ عَلَى مَطْلِبٍ.
وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ مِنَ المُتَأَخِّرِينَ بِأَنَّهُ -ﷺ- أُسْرِيَ بِهِ مَرَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ فَقَطْ، ومَرَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى السَّمَاءَ فَقَطْ، ومَرَّةً إلى بَيْتِ المَقْدِسِ وَمِنْهُ إلى السَّمَاءَ، وفَرِحَ بِهَذَا المَسْلَكِ، وأنَّهُ قَدْ ظَفِرَ بِشَيْءٍ يَخْلُصُ بِهِ مِنَ الإِشْكَالَاتِ، وهَذَا بَعِيدٌ جِدًّا، وَلَمْ يُنْقَلْ هَذَا عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ، وَلَوْ تَعَدَّدَ هَذَا التَّعَدُّدَ لَأَخْبَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- بِهِ أُمَّتَهُ، ولَنَقَلَتْهُ النَّاسُ عَلَى التَّعَدُّدِ والتَّكْرَارِ (١).
قَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: والصَّوَابُ الذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ النَّقْلِ أَنَّ الإِسْرَاءَ كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً بِمَكَّةَ بَعْدَ البِعْثَةِ (٢).
* قِصَّةُ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ:
أَمَّا قِصَّةُ الإِسْرَاءِ والمِعْرَاجِ فَقَدْ رَوَاهَا الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا، كَمَا رَوَاهَا غَيْرُهُمَا مِنْ أَئِمَّةِ الحَدِيثِ وَعُلَمَاءَ السِّيَرِ، وَسَأُفَصِّلُ هَذِهِ الحَادِثَةَ، وأجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ.
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (٧/ ٤٢).
(٢) انظر زاد المعاد (٣/ ٣٨).
[ ١ / ٤٦٣ ]
عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ مَالِكَ بنَ صَعْصَعَةَ -﵁- قَالَ: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -ﷺ- حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةِ أُسْرِيَ بِهِ، قَالَ -ﷺ-: "بَيْنَمَا أنَا فِي الحَطِيمِ -وَرُبَّمَا قَالَ فِي الحِجْرِ (١) - مُضْطَجِعًا (٢)، إِذْ أَتَانِي آتٍ (٣) فَقَدَّ" (٤) -قَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: "فَشَقَّ مَا بَيْنَ هَذِهِ إلى هَذِهِ". فَقُلْتُ لِلْجَارُودِ وهُوَ إلى جَنْبِي: مَا يَعْنِي بِهِ؟ قَالَ: "مِنْ ثُغرَةِ (٥)
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٠٣): هو شَكٌّ من قتادة كما بيَّنه الإِمام أحمد في مسنده رقم الحديث (١٧٨٣٥) عن عفَّان عن هَمَّام، ولفظه: "بينَا أنا نائمٌ في الحَطِيمِ"، وربما قال قتادة في الحِجر، والمراد بالحَطِيمِ هنا الحِجرُ، وأبعدَ مَنْ قَالَ المراد به -أي الحَطِيم- ما بينَ الركن والمقامِ أو بينَ زمزم والحِجر، وهو وإن كان مختلفًا في الحَطِيم هل هو الحِجر أم لا؟، لكن المراد هنا بيان البقعة التي وقع ذلك فيها، وقد وقع في أول بدء الخلق في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣٢٠٧): بلفظ "بَيْنَا أنا عندَ البيت" وهو أعمُّ، ووقع في رواية الزهري في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣٤٩): عن أنس عن أبي ذر "فُرِجَ عن سقفِ بَيْتِي وأنا بمَكَّةَ"، وفي رواية الواقدي بأسانيده: أنه أسري به من شعب أبي طالب، وفي حديث أم هانئ عند الطبراني أنه بات في بيتها قالت: ففقدته من الليلِ فقال: "إِنَّ جبريلَ أتاني". والجَمْعُ بين هذه الأقوال أنه نَامَ في بيتِ أمِّ هَانِئٍ، وبيتها عند شِعْبِ أبي طالب، ففُرِجَ سقفُ بيتِهِ، وأضافَ البيتَ إليهِ لكَونِهِ كان يسكُنُهُ، فنزل منه المَلَك فأخرجَهُ من البيتِ إلى المسجد فكان به مُضْطَجِعًا، وبه أثرُ نُعَاسٍ، ثم أخرجه الملك إلى المسجد فأركبَهُ البُراق.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٠٤): زاد في بدء الخلق -أي البخاري في صحيحه- رقم الحديث (٣٢٠٧) - قال: "بينَ النائمِ واليَقْظَانِ"، وهو مَحْمولٌ على ابتداءِ الحال، ثم لما أخرجَ به إلى بابِ المسجدِ فأركبَهُ البُرَاق استَمَرَّ في يَقَظَتِهِ.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٠٤): هو جِبريل ﵇.
(٤) القَدُّ: هو القَطْعُ طُولًا كالشَّقِّ. انظر النهاية (٤/ ٢٠)
(٥) الثُّغْرَةُ: هي نُقْرَةُ النَّحْرِ فوقَ الصَّدْرِ. انظر النهاية (١/ ٢٠٨).
[ ١ / ٤٦٤ ]
نَحْرِهِ (١) إلى شِعْرَتِهِ (٢)، فَاسْتَخْرَجَ قَلْبِي، ثُمَّ أُتِيتُ بِطَسْتٍ (٣) مِنْ ذَهَبٍ (٤) مَمْلُوءَةٍ (٥) إِيمَانًا (٦)، فَغَسَلَ قَلْبِي (٧)، ثُمَّ حُشِيَ (٨)، ثُمَّ أُعِيدَ، ثُمَّ أُتِيتُ بِدَابَّةٍ
_________________
(١) النَّحْرُ: هو أعْلَى الصَّدر. انظر النهاية (٥/ ٢٣).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٠٤): قوله: شِعْرَتِهِ بكسر الشين، أي شعر العَانة. وفي رواية الإِمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٦٤) قال: إلى أسفَلِ بَطْنِهِ.
(٣) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (٢/ ١٨٦): هي إناءٌ معروفٌ وهي مُؤَنَّثَة. وقال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٠٥): خص الطَّستُ لكونِهِ أشهَر آلاتِ الغُسْلِ عُرفًا.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٠٥): خُصَّ الذهبُ لكونهِ أغْلَي أنواعِ الأواني الحِسِّيَّةِ وأصفَاهَا؛ ولأن فيه خَوَاصٌ ليستْ لغيرهِ ويظهَرُ لها هنا مُنَاسباتٌ: منها أنه مِنْ أوَانِي الجنةِ، ومنها أنه لا تأكُلُهُ النارُ، ولا التُّرابُ، ولا يلحَقُهُ الصَّدَأ، ومنها أنه أثقَلُ الجَوَاهر فنالسَبَ ثِقَلَ الوَحْي.
(٥) قال الحافظ في الفتح (٢/ ٦): والمعنَى أن الطَّسْتَ جُعِلَ فيها شَيءٌ يحصُلُ به كمَالُ الإيمانِ والحِكْمَةِ فسُمِّيَ حكمةً وإيمانًا مَجَازًا، أو مُثِّلا له بناء على جوازِ تَمثِيل المعاني، كما يُمَثَّلُ الموتُ كَبْشًا في الآخرة. حديث: "يُؤْتَى بالموتِ يومَ القِيامَةِ كأنه كبْشٌ أمْلَحُ". أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب هوَ ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾ - رقم الحديث (٤٣٧٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجنة وصفتها - باب النار يدخلها الجبارون - رقم الحديث (٢٨٤٩).
(٦) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٠٥): هذا المِلْءُ يحتمل أن يكون على حَقِيقته، وتَجْسِيد المعاني جائِزٌ كما جاء أن سورة البقرة وآل عمران تأتِيَانِ يوم القيامة كأنهما غَمَامَتَان.
(٧) في رواية الإِمام مسلم في الصحيح - رقم الحديث (١٦٣): "ثم غسله -أي قلبه- من ماء زمزم".
(٨) في رواية شريك في صحيح البخاري - رقم الحديث (٧٥١٧)، قال: فحَشَا به صدرُه ولَغَادِيدُهُ -ﷺ-. وهو بفتح اللام والغين أي عروق حلقه. =
[ ١ / ٤٦٥ ]
دُونَ البَغْلِ وفَوْقَ الحِمَارِ أَبْيَضَ"، فَقَالَ لَهُ الجَارُودُ: هُوَ البُرَاقُ (١) يَا أبَا حَمْزَةَ؟ قَالَ أنَسٌ: نَعَمْ، "يَضَعُ خَطْوَهُ عِنْدَ أقصى طَرْفِهِ" (٢)، وكَاَنَ مُسْرَجًا مُلَجَّمًا (٣). فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ -ﷺ- أَنْ يَرْكَبَهُ، اسْتَصْعَبَ عَلَيْهَ، فَقَال لَهُ جِبْرِيلُ ﵇: أبِمُحَمَّدٍ تَفْعَلُ هَذَا؟ فَمَا رَكِبَكَ (٤) أَحَدٌ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْهُ، قَالَ: "فَارْفَضَّ (٥) عَرَقًا" (٦).
_________________
(١) = قال الحافظ (٧/ ٦٠٦): وقد اشتَمَلت هذه القصة من خَوَارق العادَةِ على ما يُدْهِشُ سامعه فضلًا عمَّن شاهده، فقد جَرَت العادة بأن من شُقَّ بطنه، وأُخرجَ قلبه يمُوتَ لا مَحَالة، ومع ذلك فلم يُؤَثِّر فيه ذلك ضَرَرًا ولا وَجَعًا فضلًا عن غير ذلك.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٠٧): سُمي البُرَاقَ لأنه مشتَقٌّ من البَرِيقِ، فقد جاء في لونه أنه أبيضُ، أو من البَرْقِ لأنه وصفه بسُرعَةِ السَّير، أو من قَولهم شاة بَرْقاء إذا كان خلال صُوفها الأبيض طَاقَاتٌ سُود، ولا يُنافِيه وصفُهُ في الحديث بأن البُرَاق أبيض لأن البَرْقَاءَ مِنَ الغنم معدُودَةٌ في البَيَاض.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٠٦): أي يضَعُ رجلهُ عندَ مُنْتَهَى ما يَرى بَصَرُهُ. إلى هذا القدر أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب المعراج - رقم الحديث (٣٨٨٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٨٣٥).
(٤) اللِّجَامُ: هو حَبْلٌ أو عَصا تدخل في فَمِ الدَّابةِ، وتُلْزَف إلى قَفَاهُ. انظر لسان العرب (١٢/ ٢٤٢)
(٥) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٠٧): فيه دلالة على أن البُرَاق كَانَ مُعَدًا لرُكُوبِ الأنبياءِ، خِلافًا لِمَنْ نَفَى ذلك، وقد روى النسائي من طَريق يَزِيد بن أبي مَالكٍ عن أنس مَوْصُولًا وزاد: وَكَانَتْ تُسَخَّرُ للأنبياءِ قَبْلَهُ، ويؤيِّدُهُ ظاهِرُ قَوْلِهِ. وجاء في صحيح مسلم رقم الحديث (١٦٢) قال -ﷺ-: "فَرَبَطْتُهُ -أي البراق- بالحلقة التي يَرْبط به الأنبياء". وقال الإِمام السهيلي في الرَّوْض الأُوُنف (٢/ ١٩٤): إنما استَصْعَبَ عليه لبُعْدِ عَهْدِ البُراق برُكوبِ الأنبياء قَبْله، وطولِ الفترة بينَ عِيسَى ﵇ ومُحَمَّد -ﷺ-.
(٦) فَارْفَضَّ عَرَقًا: أي جَرَى عرَقُهُ، وسالَ، ثم سَكَنَ، وانقادَ وترَكَ الاستِصْعَابَ. انظر لسان العرب (٥/ ٢٦٧).
(٧) أخرج ذلك: ابن حبان في صحيحه - كتاب الإسراء - باب استصعاب البراق عند ركوب النبي =
[ ١ / ٤٦٦ ]
"فَرَكِبْتُهُ -أَيِ الْبُرَاقُ- حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ المَقْدِسِ (١)، فَرَبَطْتُهُ بِالحَلْقَةِ التِي يَرْبِطُ بِهَا الأَنْبِيَاءُ، ثُمَّ دَخَلْتُ المَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ" (٢).
* الآيَاتُ التِي رَآهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي طَرِيقِهِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ:
رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَعْضَ المَشَاهِدِ، وهُوَ فِي طَرِيقِهِ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، مِنْهَا:
* المَشْهَدُ الأَوَّلُ:
رَوَى الإِمَامُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَرَأَى عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ يَطْلُبُهُ بِشُعْلَةٍ مِنْ نَارٍ، كُلَّمَا الْتَفَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَآهُ، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَفَلَا أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ تَقُولُهُنَّ، إِذَا قُلْتَهُنَّ طُفِئَتْ شُعْلَتُهُ وَخَرَّ لِفِيهِ (٣)؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بَلَى".
_________________
(١) = -ﷺ- رقم الحديث (٤٦) - والترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة بني إسرائيل - رقم الحديث (٣٣٩٧) - وإسناده صحيح.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٩٥): والحكمةُ في الإسراء إلى بَيْت المَقْدس حتى يجمع -ﷺ- في تلك الليلة بين رُؤْية القِبْلَتَيْنِ، أو لأنَّ بيتَ المقدس كان هِجرَةَ غالبِ الأنبياء قَبْله فحصل له الرَّحيل إليه ليجمع بين أشتَاتَ الفضائلِ، أو لأنه محَلّ المَحْشر، وغالب ما اتفق له في تلك الليلة يُنَاسب الأحوالَ الأخروية، فكان المِعْراج منه ألْيَقَ بذلك، أو للتفاؤلِ بِحُصُولِ أنواعِ التَّقْدِيسِ له حِسًّا ومَعْنى.
(٣) أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الإسراء بالرسول -ﷺ- رقم الحديث (١٦٢).
(٤) خَرَّ لِفِيهِ: أي سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ. انظر لسان العرب (٤/ ٥٧).
[ ١ / ٤٦٧ ]
فَقَالَ جِبْرِيلُ: فَقُلْ: أعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الكَرِيمِ، وبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ اللَّاتِي لَا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلَا فَاجِرٌ، مِنْ شَرِّ مَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءَ، وشَرِّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا، وشَرِّ مَا ذَرَأَ (١) فِي الأَرْضِ، وشَرِّ مَا يَخْرُجُ فِيهَا، ومِنْ فِتَنِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ، ومِنْ طَوَارِقِ (٢) اللَّيْلِ والنَّهَارِ، إِلَّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَنُ (٣).
* المَشْهَدُ الثَّانِي:
وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الدَّجَّالَ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صحِيحٍ عَنْ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَحَدَّثَهُمْ بِمَسِيرِهِ فَقَالَ: . . . وَرَأَى الدَّجَّالَ فِي صُورَتِهِ رُؤْيَا عَيْنٍ. . . فَسُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنِ الدَّجَّالِ؟ فَقَالَ: "رَأَيْتُهُ فَيْلَمَانِيًّا (٤)، أَقْمَرَ (٥) هِجانًا (٦)، إِحْدَى عَيْنَيْهِ قَائِمَةٌ (٧) كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ، كأَنَّ شَعْرَ رَأْسِهِ أغْصَانُ شَجَرَةٍ" (٨).
_________________
(١) ذَرَأَ: أي خَلَقَ. انظر لسان العرب (٥/ ٢٩).
(٢) طَوَارِقُ الليْلِ: أي حَوَادِثُهُ التي تأتِي لَيْلًا. انظر جامع الأصول (٤/ ٣٦٧).
(٣) أخرجه الإِمام مالك في الموطأ - كتاب الشعر - باب ما يؤمر به من التعوذ - رقم الحديث (١٠) -مرسلًا- ووصله الإِمام أحمد في مسنده -وإسناده حسن- وانظر جامع الأصول (٤/ ٣٦٧) - والسلسلة الصحيحة للألباني ﵀ - رقم الحديث (٨٤٠).
(٤) الفَيْلَمَانِيُّ: بفتح الفاء وسكون الياء هو العظيمُ الجُثَّة. انظر النهاية (٣/ ٤٢٦).
(٥) أقْمَر: هو الشديد البياض، والأنثى: قَمْراء. انظر النهاية (٤/ ٩٣).
(٦) الهِجان: هو الأبيض. انظر النهاية (٥/ ٢١٥).
(٧) العينُ القَائِمَة: هي البَاقيةُ في مكانها صحيحة.
(٨) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٥٤٦) - وأورده الحافظ ابن كثير في =
[ ١ / ٤٦٨ ]
* المَشْهَدُ الثَّالِثُ:
رَوَى البَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ فِي حَدِيثِ الإِسْرَاءِ: . . . وَسَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَإِذَا هُوَ بِعَجُوزٍ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، وفِي رِوَايَةٍ قَالَ -ﷺ-: "إِذَا أنَا بِامْرَأَةٍ حَاسِرَةٍ عَنْ ذِرَاعَيْهَا، وعَلَيْهَا مِنْ كُلِّ زِينَةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ"، فَقَالَتْ: يَا مُحَمَّدُ، أَنْظِرْنِي أَسْأَلُكَ، فَلَمْ أَلْتَفِتْ إِلَيْهَا، وَلَمْ أَقُمْ عَلَيْهَا، فَقَالَ -ﷺ-: "مَا هَذِهِ يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: سِرْ يَا مُحَمَّدُ، فَسَارَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسِيرَ، فَإِذَا شَيْءٌ يَدْعُوهُ مُتَنَحِّيًا عَنِ الطَّرِيقِ، يَقُولُ: هَلُمَّ يَا مُحَمَّدُ!، فَقَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: سِرْ يَا مُحَمَّدُ، فَسَارَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَسِيرَ، حَتَّى انْتَهَى إلى بَيْتِ المَقْدِسِ، . . . ثُمَّ قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ: أَمَّا العَجُوزُ التِي رَأَيْتَ عَلَى جَانِبِ الطَّرِيقِ، فَلَمْ يَبْقَ مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا مَا بِقَيَ مِنْ عُمُرِ تِلْكَ العَجُوزِ، وأَمَّا الذِي أَرَادَ أَنْ تَمِيلَ إِلَيْهِ، فَذَلِكَ عَدُوُّ اللَّهِ إِبْلِيسُ أَرَادَ أَنْ تَمِيلَ إِلَيْهِ (١).
* المَشْهَدُ الرَّابِعُ:
وَوَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي طَرِيقِهِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ رِيحَ قَبْرِ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ التِي
_________________
(١) = تفسيره (٥/ ٢٨) - وصحح إسناده.
(٢) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٦٢ - ٣٩٠).
[ ١ / ٤٦٩ ]
أُسْرِيَ بِي فِيهَا، أَتَتْ عَلَيَّ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ، فَقُلْتُ: يَا جِبْرِيلُ: مَا هَذِهِ الرَّائِحَةُ الطَّيِّبَةُ؟ ".
قَالَ: هَذِهِ رَائِحَةُ مَاشِطَةِ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ وَأَوْلَادِهَا.
قُلْتُ: وَمَا شَأْنُهَا؟
قَالَ: بَيْنَا هِيَ تَمْشُطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ ذَاتَ يَوْمٍ، إِذْ سَقَطَتْ المِدْرَى (١) مِنْ يَدِهَا، فَقَالَتْ: "بِسْمِ اللَّهِ". فَقَالَتْ لَهَا ابْنَةُ فِرْعَوْنَ: أَبِي؟ قَالَتْ: لَا، وَلَكِنْ رَبِّي وَرَبُّ أَبِيكِ اللَّهُ.
قَالَتْ: أُخْبِرُهُ بِذَلِكَ! قَالَتْ: نَعَمْ، فَأَخْبَرَتْهُ فَدَعَاهَا، فَقَالَ: يَا فُلَانَةُ، وَإِنَّ لَكِ رَبًّا غَيْرِي؟ فَقَالَتْ: نَعَمْ، رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ.
قَالَ: فَأَمَرَ بِنُقْرَةٍ (٢) مِنْ نُحَاسٍ فَأَحْمِيَتْ، ثُمَّ أُمِرَ بِهَا أَنْ تُلَقَى هِيَ وَأَوْلَادُهَا فِيهَا، قَالَتْ لَهُ: إِنَّ لِي إِلَيْكَ حَاجَةً، قَالَ: وَمَا حَاجَتُكِ؟ قَالَتْ: أُحِبُّ أَنْ تَجْمَعَ عِظَامِي وَعِظَامَ وَلَدِي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، وَتَدْفِنَّا، قَالَ: ذَاكَ لَكِ عَلَيْنَا، قَالَ: فَأَمَرَ بِأَوْلَادِهَا فَأُلْقُوا بَيْنَ يَدَيْهَا، وَاحِدًا وَاحِدًا، إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَى صَبِيٍّ لَهَا مُرْضَعٍ، كَأَنَّهَا تَقَاعَسَتْ مِنْ أَجْلِهِ: قَالَ: يَا أُمَّه، اقْتَحِمِي، فَإِنَّ عَذَابَ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الآخِرَةِ، فَاقْتَحَمَتْ.
_________________
(١) قال السندي في شرح المسند (٣/ ٩٢): المِدْرى: بكسر الميم ما يُسَوَّى به شعر الرأس.
(٢) النُّقْرَة: قِدْرٌ يسَخَّن فيها الماءُ وغيره. انظر النهاية (٥/ ٩٢).
[ ١ / ٤٧٠ ]
قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: تَكَلَّمَ أرْبَعَة وَهُمْ صِغَارٌ: ابْنُ مَاشِطَةِ اِبْنَةِ فِرْعَوْنَ، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وَعِيسَى ابنُ مَرْيَمَ ﵇ (١)
* المَشْهَدُ الخَامِسُ:
وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَالَ المُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَيْ كُشِفَ لَهُ عَنْ حَالِهِمْ فِي دَارِ الجَزَاءِ بِضَرْبِ مِثَالِهِ، فَرَأَى قَوْمًا يَزْرَعُونَ فِي يَوْمٍ، وَيَحْصُدُونَ فِي يَوْمٍ، كُلَّمَا حَصَدُوا عَادَ كَمَا كَانَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءِ؟ "، قَالَ: هَؤُلَاءِ المُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تُضَاعَفُ لَهُمُ الحَسَنَةُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ، وَمَا أَنْفَقُوا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٢).
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٨٢١) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الجنائز - رقم الحديث (٢٩٠٣). قلتُ: في هذا الحَصْر نَظَرٌ، فقد ثبتَ أن هناك من تَكلم في المَهْدِ غير هؤلاء الأربعة، فمنهم: الذي كان يَرضع من أمه، فمَرَّ به رجل راكبٌ ذو شارَةٍ -أي صاحب هَيئَةٍ ومَنْظرٍ ومَلْبَسٍ حسن يُتَعجب منه ويُشار إليه-، فقالت أمه: اللهم اجعل ابنِي مِثله، فتركَ ثَدْيَهَا، وأقبلَ إليه فنظر، فقال: اللهم لا تجعلنِي مثله، ثمَّ أقبل علي ثَدْيِهَا يَمُصُّهُ، ثم مَرَّ بأَمةٍ وهو يضربونها، ويقولون: زنت، سرقت، فقالت: اللهم لا تجعل ابنِي مثل هَذِهِ، فتركَ ثَدْيَهَا، فقال: اجعَلْنِي مِثْلَهَا. فقالت: لِمَ ذَاكَ؟ فقال: الرَّاكب جبَّارٌ من الجبابرةِ، وهذه الأمة يقولونَ: سَرَقَتْ وزَنَيَتْ ولم تَفْعَل. وقد أخرج ذلك البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٣٤٣٦) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٥٥٠). ومنهم الصبي الذي طَرَحَتْهُ أمه في الأُخْدُودِ، وقد أخرج قصته الإِمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٣٠٠٥).
(٢) انظر تفسير الطبري (٨/ ٨) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٣٩٨).
[ ١ / ٤٧١ ]
* المَشْهَدُ السَّادِسُ:
وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ قَوْمًا تُرْضَخُ رُؤُوسُهُمْ بِالصَّخْرِ، كُلَّمَا رُضِخَتْ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ لَا يُفْتَّرُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَقَالَ -ﷺ-: "يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَؤُلَاءَ؟ " قَالَ: هَؤُلَاءَ الذِينَ تَتَثَاقَلُ رُؤُوسُهُمْ عِنْدَ الصَّلَاةِ (١).
* المَشْهَدُ السَّابعُ:
ثُمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى قَوْمٍ عَلَى أَقْبَالِهِمْ رِقَاعٌ، وَعَلَى أَدْبَارِهِمْ رِقَاعٌ يَسْرَحُونَ كَمَا تَسْرَحُ الأَنْعَامُ، وَيَأْكُلُونَ الضَّرِيعَ (٢)، والزَّقُّومَ (٣)، وَرَضَفَ جَهَنَّمَ (٤)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ "، فَقَالَ: هَؤُلَاءَ الذِينَ لَا يُؤَدُّونَ صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ (٥).
_________________
(١) انظر تفسير الطبري (٨١٨) دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٣٩٨). قلتُ: أما تَرْكُ الصلاة فهو من الأمُورِ الخَطِيرَةِ جِدًا، وقد جاءت أحاديث كثيرة في عُقُوبة تارِكِ الصلاة، منها ما أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٨٢) عن جابر -﵁- قال: سمعت النبي -ﷺ- يقول: "إِنَّ بينَ الرَّجُلِ وبَيْنَ الشِّرْكِ والكُفرِ تَرْكُ الصَّلاة". وروى الإِمام مالك في الموطأ بسند صحيح عن عمر بن الخطاب -﵁- أنه قال: لَا حَظَّ في الإِسلام لِمَنْ تَرَكَ الصلاة. وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٥٢٢٥).
(٢) الضَّرِيعُ: هو نَبْتٌ له شَوْكٌ كِبَار. انظر لسان العرب (٨/ ٥٤).
(٣) الزَّقُّومُ: هو كُل طعام يَقْتُلُ، وهو ما وَصَف اللَّه تَعَالَى في كتابه، وهو فعول من الزَّقْمِ: أي: اللَّقْمِ الشدِيدِ والشُّرب المُفْرِط. انظر لسان العرب (٦/ ٦١) - النهاية (٢/ ٢٧٧).
(٤) رَضَفُ جَهَنَّمَ: هي الحِجَارة المُحَمَّاةُ على النار. انظر النهاية (٢/ ٢١٠).
(٥) انظر تفسير الطبري (٨/ ٨) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٣٩٨).
[ ١ / ٤٧٢ ]
* المَشْهَدُ الثَّامِنُ:
ثُمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى خَشَبَةٍ عَلَى الطَّرِيقِ، لَا يَمُرُّ بِهَا شَيْءٌ إِلَّا قَطَعَتْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: هَذَا مَثَلُ أَقْوَامٍ مِنْ أُمَّتِكَ يَقْعُدُونَ عَلَى الطَّرِيقِ فَيَقْطَعُونَهَا، وَتَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ (١).
* المَشْهَدُ التَّاسِعُ:
ثُمَّ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ فِي طَرِيقِهِ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ رَجُلًا قَدْ جَمَعَ حِزْمَةَ حَطَبٍ عَظِيمَةً، لَا يَسْتَطِيعُ حَمْلَهَا، وهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: هَذَا الرَّجُلُ مِنْ أُمَّتِكَ تَكُونُ عِنْدَهُ أَمَانَاتُ
_________________
(١) = قلتُ: أما الذين لا يؤدُّون زكاة أموالهم، فقد أخرج ابن ماجه في سننه - رقم الحديث (١٧٨٤) بسند صحيح عن عبد اللَّه بن مسعود -﵁- عن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- قال: "ما مِنْ أحَدٍ لا يُؤَدِّي زكاةَ مَالِهِ إلا مُثِّل له يوم القيامةِ شُجَاعًا أقرَعَ حتى يُطَوّق عُنُقه"، ثم قرَأ علينا رسول اللَّه -ﷺ- مِصْدَاقُهُ من كتاب اللَّه تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية. سورة آل عمران آية (١٨٠).
(٢) سورة الأعراف آية (٨٦) - والخبر في تفسير الطبري (٨١٨) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٣٩٨). قلتُ: أما قَطْعُ الطريق، فقد أخرج البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٢٤٦٥) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٣٠٩) عن أبي سعيد الخدري -﵁- قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "إيَّاكم والجُلُوسَ على الطُّرُقاتِ" فقالوا: ما لنا بُدٌّ، إنما هي مجالسُنَا نتحَدَّثُ فيها. قال: "فَإِذَا أتيتُمْ إلى المَجَالِسِ فأعطُوا الطَّريقَ حَقَّهَا"، قالوا: وما حَقُّ الطريق؟ قال -ﷺ-: "غَضُّ البَصَرِ، وكَفُّ الأذَى، ورَدُّ السلام، والأمرُ بالمعروفِ، والنَّهْيُ عنِ المُنْكَرِ".
[ ١ / ٤٧٣ ]
النَّاسِ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَدَائِهَا، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا (١).
* المَشْهَدُ العَاشِرُ:
ثُمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى قَوْمٍ تُقْرَضُ أَلْسِنَتُهُمْ وَشِفَاهُهُمْ بِمَقَارِيضَ مِنْ نَارٍ، كُلَّمَا قُرِضَتْ عَادَتْ كَمَا كَانَتْ، لَا يَفْتُرُ عَنْهُمْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- "يَا جِبْرِيلُ مَنْ هَوُلَاءِ؟ "، قَالَ: هَؤُلَاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ، يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ، وَيَنْسَوْنَ أنْفُسَهُمْ، وَهُمْ يَتْلُونَ الكِتَابَ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٢).
* المَشْهَدُ الحَادِي عَشَرَ:
ثُمَّ أَتَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى جُحْرٍ صَغِيرٍ يَخْرُجُ مِنْهُ ثَوْرٌ عَظِيمٌ، فَجَعَلَ الثَّوْرُ يُرِيدُ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ حَيْثُ خَرَجَ فَلَا يَسْتَطِيعُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ "، قَالَ: هَذَا الرَّجُلُ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ عَظِيمَةٍ، ثُمَّ يَنْدَمُ عَلَيْهَا فَيُرِيدُ أَنْ يَرُدَّهَا وَلَا يَسْتَطِيعُ (٣).
_________________
(١) انظر تفسير الطبري (٨/ ٨) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٣٩٨). قلتُ: وأما أمانَاتُ الناس وتأدِيَةُ حقِّها، فقد أخرج البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٧١٥٠) والإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٤٢) - عن مَعْقِل بن يسار -﵁- قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ- "ما من عَبْدٍ يَسْتَرْعِيهِ اللَّه رَعِيَّةً فلم يَحُطْهَا بنُصْحِهِ لم يَجِدْ رائحةَ الجنَّة".
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٢١١) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٢١٧٢) وإسناده صحيح.
(٣) انظر تفسير الطبري (٨/ ٨) ودلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٣٩٨). قلتُ: يصدقُ هذا المثل قوله -ﷺ- في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٦٤٧٨)، وأخرجه مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٩٨٨)، عن =
[ ١ / ٤٧٤ ]
* المَشْهَدُ الثَّانِي عَشَرَ:
وَكُشِفَ لَهُ -ﷺ- عَنْ حَالِ آكِلِ الرِّبَا فِي دَارِ الجَزَاءِ بِضَرْبِ مِثَالٍ: فَرَأَى رَجُلًا يَسْبَحُ فِي نَهْرٍ مِنْ دَمٍ، ويُلْقَمُ الحِجَارَةَ، فَقَالَ -ﷺ-: "مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ " قَالَ: هَذَا آكِلُ الرِّبَا (١).
* المَشْهَدُ الثَّالِثَ عَشَرَ:
ثُمَّ رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُوسَى ﵇ وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "أَتَيْتُ أَوْ مَرَرْتُ عَلَى مُوسَى لَيْلَةَ أُسْريَ بِي عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ، وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي قَبْرِهِ" (٢).
_________________
(١) = أبي هريرة -﵁- قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: ". . . وإن العَبْدَ ليتكلَّمُ بالكلمةِ مِنْ سَخَطِ اللَّه، لا يُلْقِى لها بَالًا، يَهْوِي بها في جهنم". وفي رواية مسلم قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "يَهْوِي بها في النارِ، أبْعَدَ ما بينَ المَشْرِق والمَغْرِبِ".
(٢) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده (٢٠١٠١) - وإسناده قوي. ووقع في صحيح البخاري - رقم الحديث (٧٠٤٧) أن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- شَاهَدَ مِثْلَ هذا المَشْهَدِ لِآكلِ الرِّبا، لكنَّها رُؤْيَا مَنَام. قلتُ: وقد هَدَّدَ اللَّه ﷾ آكل الربا تهديدًا شديدًا في القرآن فقال تَعَالَى في سورة البقرة آية (٢٧٥): ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾، وقال اللَّه تَعَالَى في سورة البقرة الآيتان (٢٧٨ و٢٧٩): ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾.
(٣) أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب من فضائل موسى ﵇ =
[ ١ / ٤٧٥ ]
* صَلَاةُ الرَّسُولِ -ﷺ- بِالأَنْبِيَاء عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ:
ثُمَّ وَصَلَ الرَّسُولُ -ﷺ- إِلَى المَسْجِدِ الأَقْصَى (١)، وَمَعَهُ جِبْرِيلُ ﵇، فَوَجَدَ الأَنْبِيَاءَ قَدْ جُمِعُوا لَهُ، فَقَدَّمَ جِبْرُيلُ ﵇ الرَّسُولَ -ﷺ-، وَصَلَّى بِالأَنْبِيَاءِ إِمَامًا.
رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَحَانَتِ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتُهُمْ" (٢).
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: فَلَمَّا دَخَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- المَسْجِدَ الأَقْصَى قَامَ يُصَلِّي، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا النَّبِيُّونَ أَجْمَعُونَ يُصَلُّونَ مَعَهُ (٣).
* مَتَى صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالأَنْبِيَاءِ؟
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: والأظْهَرُ أَنَّ صَلَاتَهُ -ﷺ- بِالأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ
_________________
(١) = - رقم الحديث (٢٣٧٥).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٣/ ٣٨٥): والمسجد الأقْصَى هو بيتُ المَقْدِس، وسُمِّي الأقْصَى لِبُعْده عن المسجد الحرام في المَسَافَةِ، وقيل: لأنه لم يكن وراءَهُ مَسجد، والمقدِسُ المُطَهَّرُ، ولبيتِ المقْدِسِ عِدَّةُ أسماء منها: إيلْيَاءَ، وبيتُ المَقْدِسِ، وغيرها.
(٣) أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب ذكر المسيح ابن مريم - رقم الحديث (١٧٢).
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٢٤) - وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (٥/ ٢٨) وصحح إسناده.
[ ١ / ٤٧٦ ]
والسَّلَامُ كَانَتْ قَبْلَ العُرُوجِ إِلَى السَّمَاوَاتِ (١).
بَيْنَمَا يَرَى الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ أَنَّ صَلَاتَهُ -ﷺ- بِالأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ والسَّلَامُ كَانَتْ بَعْدَ العُرُوجِ إلى السَّمَاوَاتِ، قَالَ: وَالصَّحِيحُ أَنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- إِنَّمَا اجْتَمَعَ بِالأَنْبِيَاءِ فِي السَّمَوَاتِ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ ثَانِيًا، وَهُمْ مَعَهُ، وَصَلَّى بِهِمْ فِيهِ، ثُمَّ إِنَّهُ رَكِبَ البُرَاقَ وَكَرَّ رَاجِعًا إلى مَكَّةَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢).
وَقَالَ فِي البِدَايَةِ وَالنِّهَايَةِ: ثُمَّ هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، والظَّاهِرُ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ هَبَطُوا مَعَهُ تَكْرِيمًا لَهُ، وتَعْظِيمًا عِنْدَ رُجُوعِهِ مِنَ الحَضْرَةِ الإِلَهِيَّةِ العَظِيمَةِ، كَمَا هِيَ عَادَةُ الوَافِدِينَ لَا يَجْتَمِعُونَ بِأَحَدٍ قَبْلَ الذِي طُلِبُوا إِلَيْهِ، وَلِهَذَا كَانَ كُلَّمَا مَرَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ جِبْرِيلُ ﵇ عِنْدَمَا يَتَقَدَّمُ ذَاكَ لِلسَّلَامِ عَلَيْهِ: هَذَا فُلَانٌ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَلَوْ كَانَ قَدِ اجْتَمَعَ بِهِمْ قَبْلَ صُعُودِهِ لَمَا احْتَاجَ إِلَى التَّعَرُّفِ بِهِمْ مَرَّةً ثَانِيَةً، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا حَانَتِ الصَّلَاةُ أَمَمْتُهُمْ، وَلَمْ يَحِنْ وَقْتُ إِذْ ذَاكَ إِلَّا صَلَاةَ الفَجْرِ، فتَقَدَّمَهُمْ إِمَامًا بِهِمْ عَنْ أَمْرِ جِبْرِيلَ ﵇ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ ﷿، فَاسْتَفَادَ بَعْضُهُمْ مِنْ هَذَا أَنَّ الإِمَامَ الأَعْظَمَ يُقَدَّمُ فِي الإِمَامَةِ عَلَى رَبِّ المَنْزِلِ حَيْثُ كَانَ بَيْتُ المَقْدِسِ مَحَلَّهُمْ ودَارَ إِقَامَتِهِمْ (٣).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٧/ ٦١٠).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٥/ ٣١).
(٣) انظر البداية والنهاية (٣/ ١٢٣).
[ ١ / ٤٧٧ ]
قَالَ أحْمَد شَوْقِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
أَسْرَى بِكَ اللَّهُ لَيْلًا إِذْ مَلَائِكُهُ وَالرُّسْلُ في المَسْجِدِ الأَقْصَى عَلَى قَدَمِ
لَمَّا خَطَرْتَ بِهِ الْتَفُّوا بِسَيِّدِهِمْ كَالشُّهْبِ بِالبَدْرِ أَوْ كَالجُنْدِ بِالعَلَمِ
صَلَّى وَرَاءَكَ مِنْهُمْ كُلُّ ذِي خَطَرٍ وَمَنْ يَفُزْ بِحَبِيبِ اللَّهِ يَأْتْمِمِ
جُبْتَ السَّمَاوَاتِ أَوْ مَا فَوْقَهُنَّ بِهِمْ عَلَى مُنَوَّرَةٍ دُرِّيَّةِ اللَّجَمِ
رَكُوبَةً لَكَ مِنْ عِزٍّ وَمِنْ شَرَفٍ لَا في الْجِيَادِ وَلَا فِي الأَيْنُقِ الرُّسُمِ
مَشِيئَةُ الخَالِقِ البَارِي وَصنْعَتُهُ وَقُدْرَةُ اللَّهِ فَوْقَ الشَّكِّ والتُّهَمِ
حَتَّى بَلَغْتَ سَمَاءً لَا يُطَارُ لَهَا عَلَى جَنَاحٍ وَلَا يُسْعَى عَلَى قَدَمِ
وَقِيلَ كُلُّ نَبِيٍّ عِنْدَ رُتْبَتِهِ وَيَا مُحَمَّدُ هَذَا العَرْشُ فَاسْتَلِمِ
* عَرْضُ الآنِيَةِ فِي بَيْتِ المَقْدِسِ:
وبَعْدَ أَنْ فَرَغَ النَّبِيُّ -ﷺ- مِنْ صَلَاتِهِ بِالأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمُ الصلَاةُ والسَّلَامُ، أُتِيَ بِقَدَحَيْنِ أَحَدُهُمَا فِيهِ لَبَنٌ، وَالآخَرُ فِيهِ خَمْرٌ.
فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: ". . . ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكعَتَيْنِ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ ﵇ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءِ مِنْ لَبَنٍ، فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ (١)،
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١١/ ٢٠٠): والحكمةُ في التَّخْيِير بين الخمرِ مع كونه حَرَامًا واللَّبَنِ مع كونِهِ حَلالًا؛ إِمَّا لأنَّ الخَمْرَ حِينَئِذٍ لم تكن حُرِّمت، أو لأنَّها من الجنة، وخمرُ الجنَّة ليست حَرَامًا.
[ ١ / ٤٧٨ ]
فَقَالَ جِبْرِيلُ ﵇: اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ. . " (١).
* صُعُودُ الرَّسُولِ -ﷺ- فِي المِعْرَاجِ إِلَى السَّمَاوَاتِ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ". . . ثُمَّ أَخَذَ بِيَدِي -أَيْ جِبْرِيلُ ﵇- فَعَرَجَ (٢) بِي إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، فَلَمَّا جِئْتُ إِلَى السَّمَاءَ الدُّنْيَا، قَالَ جِبْرِيلُ ﵇ لِخَازِنِ السَّمَاءِ: افْتَحْ" (٣). فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ .
قَالَ: جِبْرِيلُ.
قَالَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ (٤).
قَالَ: مُحَمَّدٌ -ﷺ-.
_________________
(١) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١/ ١٨٤): فسَّرُوا الفِطْرة هنا بالإِسلام والاستِقَامة، ومعنَاهُ واللَّه أعلم: اختَرْتُ عَلامَةَ الإِسلام والاستقامةِ، وجُعِلَ اللبن علامةً لكونه سَهْلًا طَيِّبًا طاهرًا سَائِغًا للشاربين، واللَّه أعلم. والحديث أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الإسراء برَسُول اللَّهِ -ﷺ- إلى السماوات - رقم الحديث (١٦٢) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٥٠٥).
(٢) العروج: الصعود. انظر النهاية (٣/ ١٨٤). قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ١٢١): ولم يكن صُعُودُ الرسول -ﷺ- إلى السماوات على البُرَاق كما قد يَتَوَهَّمُهُ بعضُ الناس، بل كان البُرَاق مَرْبُوطًا على باب مسجِدِ بيتِ المقدس لِيَرْجعَ عليه إلى مَكَّةَ، فصَعِدَ من سَمَاءٍ إلى سماء في المِعْرَاجِ.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٢/ ٧): وهذا يَدُلُّ على أن البابَ كان مُغْلَقًا.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦١٠): يشعر بأنهم أحسُّوا معه بِرَفِيقٍ وإلا لكان السُّؤال بلفظِ: أمَعَكَ أحدٌ، وذلك الإحساسُ إما بمُشَاهَدَةٍ لكونِ السماء شَفَّافة، وإما بأمرٍ معنَوِيٍّ كزيادةِ أنوارٍ، أو نحوها يشعر بتجَدُّدِ أمرٍ يَحْسُنُ معه السُّؤال بهذه الصِّيغَةِ.
[ ١ / ٤٧٩ ]
فَقَالَ: وَقَدْ أُرْسِلَ (١) إِلَيْهِ؟
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: مَرْحَبًا بِهِ (٢)، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ. فَفُتِحَ لَنَا.
قَالَ -ﷺ-: "فَلَمَّا عَلَوْنَا السَّمَاءَ الدُّنْيَا، فَإِذَا رَجُلٌ قَاعِدٌ عَنْ يَمِينهِ أسْوِدَةٌ (٣) وَعَنْ يَسَاور أَسْوِدَةٌ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وإِذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا يَا جِبْرِيلُ"؟
قَالَ: هَذَا أَبُوكَ آدَمُ، فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ.
ثُمَّ قَالَ: مَرْحبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ، وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ.
ثُمَّ قَالَ جِبْرِيلُ: وَهَذِهِ الأَسْوِدَةُ عَنْ يَمِينِهِ، وَعَنْ شِمَالِهِ نَسَمُ بَنِيهِ (٤)، فَأَهْلُ
_________________
(١) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١/ ١٨٥): أي أرسل إليه للإسراء وصُعُود السموات، وليس مُرَادهُ الاستفهامُ عن أصلِ البِعْثَةِ والرِّسالة، فإن ذلك لا يَخْفى عليه إلى هذه المُدَّة، فإذا هو الصحيح. وقال الحافظ في الفتح (٧/ ٦١٠): والحكمةُ في سُؤَال الملائكة: وقد أُرْسِلَ إليه؟ أن اللَّه تَعَالَى أراد إطلاعَ نَبِيِّهِ -ﷺ- على أنه معروفٍ عند الملأ الأعلى؛ لأنهم قالوا: وقد أُرْسِلَ إليه. . . فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سَيَقَعُ له، وإلا لكانُوا يقولون: ومن مُحَمَّد؟ مثلًا.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦١٠): أي أصابَ رَحْبًا وسَعَةً.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٢/ ٧): أسوِدَة: بوزن أزمِنَة، وهي الأشخَاصُ.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٢/ ٧): النَّسَمُ جمعُ نَسَمَةٍ، وهي الرُّوح، وظاهره أن أروَاحَ بَنِي آدَمَ من أهلِ الجنَّة والنار في السماء، وهو مُشْكِلٌ، قال القاضي عياض رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: قد جَاءَ أَنَّ أرواحَ الكفَّار في سِجِّين، وأن أرواح المؤمنين مُنَعَّمَةٌ في الجنة، يعني فكيفَ تكونُ مُجْتَمِعَةً في سَمَاءِ الدُّنيا؟ وأجابَ: بأنه يحتمل أنها تُعْرَض على آدم أوْقَاتًا، فصادفَ وقتُ عرضها مُرُورَ النبي -ﷺ-، ويدل على أن كونهم في الجنة والنار إنما هو في أوقات دونَ أوقاتٍ قوله تَعَالَى في سورة غافر آية (٤٦): ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾.
[ ١ / ٤٨٠ ]
اليَمِينِ أَهْلُ الجَنَّةِ، وَالأَسْوِدَةُ التِي عَنْ شِمَالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فَإِذَا نَظَرَ قِبَلَ يَمِينِهِ ضَحِكَ، وإذَا نَظَرَ قِبَلَ شِمَالِهِ بَكَى (١).
* المَشَاهِدُ التِي شَاهَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي السَّمَاءِ الدُّنْيَا:
١ - حَالُ أَكَلَةِ أمْوَالِ اليَتَامَى ظُلْمًا:
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَمَّا دَخَلْتُ السَّمَاءَ الدُّنْيَا. . . رَأَيْتُ رِجَالًا لَهُمْ مَشَافِرُ (٢) كَمَشَافِرِ الإِبِلِ، فِي أَيْدِيهِمْ قِطَعٌ مِنْ نَارٍ كَالأَفْهَارِ (٣) يَقْذِفُونَهَا فِي أَفْوَاهِهِمْ فَتَخْرُجُ مِنْ أدْبَارِهِمْ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ ".
قَالَ: هَؤُلَاءِ، أَكَلَةُ أمْوَالِ اليَتَامَى ظُلْمًا (٤).
٢ - حَالُ النِّسَاءِ اللَّاتِي يُدْخِلْنَ عَلَى الأَزْوَاجِ مَا لَيْسَ مِنْهُمْ:
قَالَ -ﷺ-: "ثُمَّ رَأَيْتُ نِسَاءً مُعَلَّقَاتِ بِثَدْيِهِنَّ، فَقُلْتُ: مَنْ هَؤُلَاءَ يَا جِبْرِيلُ؟ ".
_________________
(١) أخرج ذلك: البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء؟ - رقم الحديث (٣٤٩) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الإسراء برسول اللَّه -ﷺ- إلى السماوات - رقم الحديث (١٦٣).
(٢) المشَافِرُ: جمع مِشْفَر، والمِشْفَرُ للبعيرِ كالشَّفَةِ للإنسان. انظر النهاية (٤/ ٢٨٤).
(٣) الأفْهَارُ: جمع فِهْرٍ، وهو الحَجَرُ مِلْءُ الكف، وقيل الحجرُ مُطْلَقًا. انظر النهاية (٣/ ٤٣٣).
(٤) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٣٩٢) سيرة ابن هشام (٢/ ١٩). قُلتُ: توعَّد اللَّه تَعَالَى أكلةَ أموالِ اليتامى ظُلمًا بالنارِ، فقال تَعَالَى في سورة النساه آية (١٠): ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾.
[ ١ / ٤٨١ ]
قَالَ: هَؤُلَاءِ اللَّاتِي أَدْخَلْنَ عَلَى الرِّجَالِ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ (١).
٣ - حَالُ المُغْتَابِينَ (٢):
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِه، وأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَمَّا عَرَجَ بِي رَبِّي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ، يَخْمِشُونَ (٣) وُجُوهَهُمْ وصُدُروَهُمْ، فَقُلْتُ، مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ ".
قَالَ: هَؤُلَاءِ الذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ، ويَقَعُونَ فِي أعْرَاضِهِمْ (٤).
٤ - حَالُ الزُّنَاةِ:
قَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالًا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ لَحْمٌ سَمِينٌ طَيِّبٌ، إِلَى جَنْبِهِ لَحْمٌ غَثٌّ (٥) مُنْتِنٌ (٦)، فَيَأْكُلُونَ مِنَ الغَثِّ المُنْتِنِ، ويَتْرُكُونَ السَّمِينَ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٩).
(٢) الغِيبَةُ: فسَّرَهَا رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٥٨٩) قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "أتَدْرُونَ ما الغِيبَةُ؟ "، قَالُوا: اللَّهُ ورسوله أعلم، قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "ذِكْرُكَ أخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ". قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ٣٨٠): الغِيبَةُ مُحَرَّمَةٌ بالإجمَاعِ.
(٣) يَخْمِشُونَ: أي يَخْدِشُونَ. انظر النهاية (٢/ ٧٥).
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٣٤٠) وأبو داود في سننه - كتاب الأدب - باب في الغيبة - رقم الحديث (٤٨٧٨).
(٥) الغَثُّ: الضَّعيف المَهْزُول. انظر النهاية (٣/ ٣٠٨).
(٦) النَّتَّنُ: الرَّائحَةُ الكَرِيهَةُ. انظر لسان العرب (١٤/ ٣٦).
[ ١ / ٤٨٢ ]
الطَّيِّبَ"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ ".
قَالَ: هَؤُلَاءِ الذِينَ يَتْرُكُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ النِّسَاءِ، وَيَذْهَبُونَ إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْهُنَّ (١).
٥ - حَالُ أَكلَةِ الرِّبَا:
قَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "ثُمَّ رَأَيْتُ رِجَالًا لَهُمْ بُطُونٌ لَمْ أَرَ مِثْلَهَا قَطُّ".
وَفِي رِوَايَةٍ: "بُطُونُهُمْ أَمْثَالُ البُيُوتِ بِسَبِيلِ (٢) آلِ فِرْعَوْنَ يَمرُّونَ عَلَيْهِمْ كَالإِبِلِ المَهْيُومَةِ (٣) حِينَ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ، يَطَؤُونَهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى أَنْ يَتَحَوَّلُوا مِنْ مَكَانِهِمْ ذَلِكَ"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟ "، قَالَ: هَؤُلَاءَ أَكَلَةُ الرِّبَا (٤).
* صُعُودُ النَّبِيِّ -ﷺ- إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ:
قَالَ -ﷺ-: "ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّانِيَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇"، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: جِبْرِيلُ. فَقِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ:
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٩) - دلائل النبوة للبهيقي (٢/ ٣٩٢).
(٢) السبيل: هو الطريق. انظر لسان العرب (٦/ ١٦٢). ومنه قوله تعالى في سورة الأعراف، آية (١٤٦): ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾.
(٣) الهُيَامُ: هو دَاءٌ يُشْبِهُ الحُمَّى يأخذُ الإبلَ فيُكْسِبُهَا العَطَشَ الشَّديدَ، فتَهِيمُ في الأرض لا تَرْوَى ولا تَرْعى حتى تَهْلِكَ. انظر لسان العرب (١٥/ ١٨٤).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٩) دلائل النبوة للبهيقي (٢/ ٣٩٢).
[ ١ / ٤٨٣ ]
وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرْحبًا بِهِ، فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ.
قَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنَا بِابْنَيِ الخَالَةِ يَحْيَى بنِ زَكَرِيَّا، وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵉".
فَقَالَ: جِبْرِيلُ: هَذَا يَحْيَى (١)، وَعِيسَى (٢) فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا، فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّا.
ثُمَّ قَالَا: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَدَعَوَا لِي بِخَيْرٍ.
* صُعُودُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ:
قال -ﷺ-: "ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءَ الثَّالِثَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ"، فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟
_________________
(١) أما يَحْيَى ﵇، فقد قال اللَّه تَعَالَى فيه في سورة مريم آية (١٢): ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾. قال الحافظ ابن كثير في تفسير هذه الآية (٥/ ٢١٦): أي يا يَحْيَي تَعَلَّمِ الكتاب وهُوَ التَّوْرَاةُ بِقُوَّةٍ، أي بِجِا وحِرْصٍ واجتِهَاب، واَتينَاهُ الحُكْمَ صَبِيًّا، أي الفَهمَ، والعِلم، والجِدَّ، والعَزْم، والإقبَالَ على الخَيْرِ، والإِكْبَابَ عليه، والاجتِهَاد فيه.
(٢) جاء في وصفِ عِيسَى ﵇، ما أخرجه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٣٤٣٧) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٦٨) - عن أبي هريرة -ﷺ- قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ- حين أسرى به: ". . . ولَقِيتُ عِيسَى ﵇ رَبْعَة أحمَرُ، كأنه أُخرِجَ من دِيمَاسٍ"، يعني الحَمَّام. قال الحافظ في الفتح (٧/ ١٥٧): رَبْعَة: يعني ليس بطوِيل جدًا، ولا قَصِير جدًا بل وسط. والمرادُ من ذلك وصفه ﵇ بصَفَاءِ اللونِ ونَضَارَة الجسم، وكَثْرَةِ ماءِ الوجه حتى كأنه كان في حمَّام، فخرج منه وهو عَرْقَان. وجاء في رواية الإِمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٦٧) عن جابر -﵁- قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: ". . . ورأيتُ عِيسَى ابن مريم ﵇، فإذا أقرَبَ من رأيتُ به شَبَهًا عُرْوةُ بنُ مَسْعُودٍ -﵁-".
[ ١ / ٤٨٤ ]
قَالَ: جِبْرِيلُ.
فَقِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟
قَالَ: مُحَمَّدٌ.
فَقِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟
قَالَ: نَعَمْ
قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أَنَا بِيُوسُفَ ﵇".
قَالَ جِبْرِيلُ: هَذَا يُوسُفُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ
ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ.
يَقُولُ الرَّسُولُ -ﷺ-: "فَإِذَا هُوَ قَدْ أُعْطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ".
* صُعُودُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ:
قال -ﷺ-: "ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الرَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ".
فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟
قَالَ: جِبْرِيلُ
فَقِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟
قَالَ: مُحَمَّدٌ.
[ ١ / ٤٨٥ ]
قَالَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنَا بِإِدْرِيسَ ﵇".
قَالَ جِبْرِيلُ: هَذَا إِدْرِيسُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ.
فَرَدَّ عَلَيَّ، ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ.
ثُمَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ إِدْرِيسَ ﵇: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ (١).
* صُعُودُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى السَّمَاءِ الخَامِسَةِ:
قال -ﷺ-: "ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ الخَامِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ".
فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟
قَالَ: جِبْرِيلُ
فَقِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟
قَالَ: مُحَمَّدٌ.
_________________
(١) سورة مريم آية (٥٧). قال الشيخ المباركفوي في تحفة الأحوذي (٨/ ٥٧٧): ولا شكَّ في كونها مَكَانًا عليًا، واستُشْكِلَ بأنَّ غيرَهُ من الأنبياء أرفَعُ مكانًا منه، وهذا الاستشكال ليس بشيءٍ؛ لأنه لم يذكر أنه أعْلَى من كُل أحد.
[ ١ / ٤٨٦ ]
قَالَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟
قَالَ: نَعَمْ
قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنَا بِهَارُونَ ﵇".
قَالَ جِبْرِيلُ ﵇: هَذَا هَارُونُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، وَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ والنَّبِيِّ الصَّالِحِ، وَدَعَا لِي بِخَيْرٍ (١).
* صُعُودُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ:
قال -ﷺ-: "ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إلى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇".
فَقِيلَ: مَنْ أَنْتَ؟
قَالَ: جِبْرِيلُ
فَقِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟
قَالَ: مُحَمَّدٌ.
قَالَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
_________________
(١) هذه رواية الشيخين في صحيحيهما، وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٠) قال -ﷺ-: "فإذا فيها كَهْلٌ أبيض الرأىس واللحية، لم أرَ كهلًا أجمل منه، فقلت: من هذا يا جبريل"؟ قال هذا المحبب في قومه هارون ﵇.
[ ١ / ٤٨٧ ]
قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ.
قَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنَا بِمُوسَى ﵇".
قَالَ جِبْرِيلُ ﵇ لِلرَّسُولِ -ﷺ-: هَذَا مُوسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ السَّلَامَ.
وَقَالَ: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ.
وَصَفَ رَسُولُ -ﷺ- مُوسَى ﵇ فَقَالَ: "مَرَرْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي عَلَى مُوسَى بنِ عِمْرَانَ ﵇ رَجُلٍ آدَمَ (١) طِوَالٍ جَعْدٍ (٢) كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ" (٣).
قَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: فَلَمَّا تَجَاوَزْتُهُ بَكَى.
قِيلَ لَهُ: مَا يُبْكِيكَ؟
_________________
(١) الأدَمَةُ: أي السُّمْرَةُ الشَّدِيدة. انظر النهاية (١/ ٣٦).
(٢) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١/ ١٩٥): وأما الجَعْدُ في صِفَة موسى ﵇: فيه معنيَان: أحدهما: هو اكتِنَازُ الجِسْمِ، واجتماعُهُ، والثاني: جُعُودَةُ الشَّعر، والأول أصَحُّ؛ لأنه جَاءَ في رِوايةِ أبي هريرة في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣٤٣٧) أنه ﵇ رَجِل الشعر.
(٣) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١/ ١٩٤): شَنُوءَةَ هي قَبِيلَةٌ معروفة، سُمُّوا بذلك من قولكَ رجُلٌ فيه شَنُوءَة، أي تَقَزُّز وهو التَّبَاعُدُ من الأدنَاسِ. وهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الإسراء برَسُول اللَّهِ -ﷺ- رقم الحديث (١٦٥) (٢٦٧).
[ ١ / ٤٨٨ ]
قَالَ: أَبْكِي (١)؛ لِأَنَّ غُلَامًا (٢) بُعِثَ بَعْدِي يَدْخُلُ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِهِ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَدْخُلُهَا مِنْ أُمَّتِي.
* صُعُودُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ:
قال -ﷺ-: "ثُمَّ عُرِجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ السَّابِعَةِ، فَاسْتَفْتَحَ جِبْرِيلُ ﵇".
فَقِيلَ مَنْ أَنْتَ؟
قَالَ: جِبْرِيلُ.
فَقِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟
قَالَ: مُحَمَّدٌ.
قَالَ: وَقَدْ أُرْسلَ إِلَيْهِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦١٣): قال العُلَماءُ: لم يَكُنْ بُكَاءُ مُوسَى ﵇ حَسَدًا، مَعَاذَ اللَّهِ، فإن الحَسَد في ذلك العالم مَنْزُوعٌ عن آحادِ المؤمنين، فكيفَ بمَنِ اصطَفَاه اللَّه تَعَالَى، بل كان أسَفًا على ما فاتَهُ من الأجْرِ الذي يترتَّبُ عليه رفعِ الدَّرَجَةِ بسببِ ما وقع من أمَّته من كثرَةِ المُخَالفَةِ المُقْتَضِيَةِ لتَنْقِيصِ أجُورِهم المستَلْزِم لتنقِيص أجْرِهِ؛ لأن لكل نَبِيٍّ مِثْلُ أجرِ كلِّ من اتَّبعه، ولهذا كان من اتَّبعه من أمته في العدد دُون من اتبع نبينا محمَّد -ﷺ- مع طولِ مُدَّتهم بالنسبة لهذهِ الأمةِ.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦١٣): قوله -ﷺ-: "غُلَامًا"، فليسَ على سبيل النَّقْص، بل على سبيلِ التَّنْوِيهِ بقُدرَةِ اللَّه تَعَالَى، وعظيمِ كَرَمِهِ إذ أعطى لمن كان في ذلك السّن ما لم يُعطِهِ أحدًا قبلَهُ ممَّنْ هو أسَنُّ منه.
[ ١ / ٤٨٩ ]
قِيلَ: مَرْحَبًا بِهِ فَنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ.
قَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "فَفُتِحَ لَنَا، فَإِذَا أنَا بِإِبْرَاهِيمَ ﵇، مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى البَيْتِ المَعْمُورِ، وَإِذَا هُوَ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُونَ ألفَ مَلَكٍ (١)، لَا يَعُودُونَ إِلَيهِ (٢) ".
فَقَالَ جِبْرِيلُ: هَذَا أَبُوكَ إبْرَاهِيمُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ.
ثُمَّ قَالَ: مَرْحَبًا بِالِابْنِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ (٣).
رَوَى الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَقِيتُ إِبْرَاهِيمَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ، عَذْبَةُ المَاءِ، وأنَّهَا قِيعَانٌ (٤)، وأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالحَمْدُ
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦١٧): استدل به على أن الملائكةَ أكثرُ المخلوقاتِ لأنَّه لا يُعرف من جَمِيع العوَالم من يتجدَّد من جِنْسِه في كل يوم سبعون ألفًا غير ما ثَبَت عن الملائكة في هذا الخَبَر.
(٢) زاد ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٠): إلى يوم القيامة.
(٣) أخرج ذلك كله: البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء؟ - رقم الحديث (٣٤٩) - وأخرجه في كتاب أحاديث الأنبياء - باب ذكر إدريس ﵇ - رقم الحديث (٣٣٤٢) - وأخرجه في كتاب مناقب الأنصار - باب المعراج - رقم الحديث (٣٨٨٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الإسراء برسول اللَّه -ﷺ- إلى السماوات - رقم الحديث (١٦٢) (١٦٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٥٠٥).
(٤) قيعَان: جمع قَاعٍ وهو المكان المُسْتَوي في وطأةٍ من الأرض يعلوُه ماءُ السماء فيُمسِكُهُ، ويستَوِي نَبَاتُهُ. انظر النهاية (٤/ ١١٦).
[ ١ / ٤٩٠ ]
للَّهِ، وَلَا إِلَهِ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ" (١).
* الْحِكْمَةُ فِي لِقَاءِ هَؤلَاءِ الْأَنْبِيَاءِ:
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْحِكْمَةِ فِي اخْتِصَاصِ كُلٍّ مِنْ هَؤُلَاءَ الأَنْبِيَاءِ بِالسَّمَاءِ التِي تَلَقَّاهُ بِهَا، فَقِيلَ أُمِرُوا بِمُلَاقَاتِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَدْرَكَهُ فِي أَوَّلِ وَهْلَةٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَخَّرَ فَلَحِقَ، وَمِنْهُمْ مَنْ فَاتَهُ.
وَقِيلَ: الْحِكْمَةُ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى هَؤُلَاءِ الأَنْبِيَاءِ الْمَذْكُورِينَ: لِلْإِشَارَةِ إِلَى مَا سَيَقَعُ لَهُ -ﷺ- مَعَ قَوْمِهِ مِنْ نَظِيرِ مَا وَقَعَ لِكُلٍّ مِنْهُمْ:
أ - فَأَمَّا آدَمُ ﵇ فَوَقَعَ التَّنْبِيهُ بِمَا وَقَعَ لَهُ مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الْجَنَّةِ إِلَى الأَرْضِ بِمَا سَيَقَعُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- مِنَ الْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَالْجَامِعُ بَيْنَهُمَا مَا حَصَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنَ الْمَشَقَّةِ وَكَرَاهَةِ فِرَاقِ مَا أَلِفَهُ مِنَ الْوَطَنِ، ثُمَّ كَانَ مَآلُ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجعَ إلى مَوْطِنِهِ الذِي أُخْرِجَ مِنْهُ.
ب- وَبِعِيسَى وَيَحْيَي ﵉ عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ -ﷺ- مِنْ أَوَّلِ الْهِجْرَةِ مِنْ عَدَاوَةِ اليَهُودِ وَتَمَادِيهِمْ عَلَى الْبَغْي عَلَيْهِ وَإِرَادَتِهِمْ وُصُولَ السُّوءَ إِلَيْهِ.
ج- وَبِيُوسُفَ ﵇ عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ -ﷺ- مِنْ إِخْوَتِهِ مِنْ قُرَيشٍ فِي
_________________
(١) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب الدعوات - باب ما جاء في فضل التسبيح والتكبير والتهليل والتحميد رقم الحديث (٣٧٦٧) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٥٥٢).
[ ١ / ٤٩١ ]
نَصْبِهِمُ الْحَرْبَ لَهُ وَإِرَادَتِهِمْ هَلَاكَهُ، وَكَانَتِ الْعَاقِبَةُ لَهُ، وَقَدْ أَشَارَ إلى ذَلِكَ -ﷺ- بِقَوْلِهِ لِقُرَيْشٍ يَوْمَ الْفَتْحِ: "أَقُولُ كَمَا قَالَ يُوسُفُ: لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمْ. . . ".
د - وَبِإِدْرِيسَ ﵇ عَلَى رَفِيعِ مَنْزِلَتِهِ -ﷺ- عِنْدَ اللَّهِ.
هـ - وَبِهَارُونَ ﵇ عَلَى أَنَّ قَوْمَهُ -ﷺ- رَجَعُوا إِلَى مَحَبَّتِهِ بَعْدَ أَنْ آذَوْهُ.
و- وَبِمُوسَى ﵇ عَلَى مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ مُعَالجَةِ قَوْمِهِ، وَقَدْ أَشَارَ -ﷺ- إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: "لَقَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ".
ز - وَبِإِبْرَاهِيمَ ﵇ فِي اسْتِنَادِهِ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ بِمَا خُتِمَ لَهُ -ﷺ- في آخِرِ عُمُرِهِ مِنْ إِقَامَةِ مَنْسَكِ الحَجِّ وتَعْظِيمِ البَيْتِ (١).
* دُخُولُ الرَّسُولِ -ﷺ- الجَنّةَ وَمَا رَآهُ فِيهَا:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ثُمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ فَإِذَا فِيهَا حبَايِلُ (٢) اللُّؤْلُؤِ، وَإِذَا تُرَابُهَا المِسْكُ" (٣).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٧/ ٦١٢).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٢/ ١٠): كذَا وقَعَ لجَمِيعِ رُوَاةِ البخاري في هذا الموضع بالحاء المهملة ثم الموحدة، وبعد الألف تحتانية ثم لام، وذكر كثير من الأئمة أنه تَصْحِيف وإنما هو (جَنَابِذُ) كما وقع عند المصنف -أي البخاري- في أحاديث الأنبياء - باب ذكر إدريس ﵇ - رقم الحديث (٣٣٤٢) من رواية ابن المبارك وغيره عن يونس. وقال ابن الأثير في النهاية (١/ ٢٩٤ - ٣٢٢): هكذا جاء في كتَاب البخاري، والمعروفُ جَنَابِذُ اللؤلُؤِ، والجنَابِذُ جمعُ جنبذة: وهي القبة.
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب كيف فرضت الصلوات في =
[ ١ / ٤٩٢ ]
". . . وإِذَا أنَا بِأَنْهَارٍ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ (١)، وأنْهَارٍ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ (٢)، وأنْهَارٍ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٣)، وأنْهَارٍ مِنْ عَسَلٍ مُصَفَّى (٤)، وإِذَا رُمَّانُهَا كَأَنَّهُ الدِّلَاءُ (٥) عِظَمًا، وإِذَا أنَا بِطَيْرٍ كَالَبخَاتِي (٦) هَذِهِ"، فَقَالَ عِنْدَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يُحَدِّثُ أصْحَابَهُ: "إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَدَّ لِعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ" (٧).
_________________
(١) = الإسراء؟ - رقم الحديث (٣٤٩) - وأخرجه في كتاب أحاديث الأنبياء - باب ذكر إدريس ﵇ - رقم الحديث (٣٣٤٢).
(٢) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ٣١٢): يعني الصَّافي الذي لا كَدَرَ فيه.
(٣) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ٣١٣): في غايةِ البَيَاض والحلاوَةِ والدُّسُومَةِ.
(٤) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ٣١٣): ليست كَرِيهَةَ الطعم والرائحَةِ، كخمرِ الدُّنيا، بل هي حَسَنة المَنْظر والطعْمِ والرَّائحة والفعل. . ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ﴾ سورة الصافات آية (٤٧) ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ﴾ سورة الواقعة آية (١٩) ﴿بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾ سورة الصافات آية (٤٦).
(٥) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ٣١٣): أي في غايَةِ الصَّفَاءِ، وحُسْنِ اللَّوْنِ والطَّعْمِ والرَّيح. روى الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٠٥٢) - والترمذي في جامعه - كتاب صفة الجنة - باب ما جاء في صفة أنهار الجنة - رقم الحديث (٢٧٤٤)، بسند حسن، عن حكيمِ بن معاويةَ أبي بَهْزٍ عن أبيه قال: سمعت رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، يقول: "إِنَّ في الجنة بَحْرُ اللبَنِ، وبحرُ المَاء، وبحرُ العَسَل، وبحرُ الخَمْرِ، ثُمَّ تشقق الأنهارُ مِنهَا بَعْدُ".
(٦) الدِّلاءُ: معرُوفةٌ، وهي التي يُسْتَقَى بها. انظر لسان العرب (٤/ ٣٩٧).
(٧) البَخَاتِي والبُخْتُ: هي جِمَالٌ طِوَالُ الأعنَاق. انظر النهاية (١/ ١٠١).
(٨) أخرج ذلك: البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٩٤ - ٤٠١).
[ ١ / ٤٩٣ ]
* رُؤْيَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- نَهْرَ الكَوْثَرِ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بَيْنَمَا أنَا أَسِيرُ فِي الجَنَّةِ، وَإِذَا أنَا بِنَهَرٍ حَافَّتَاهُ مِنْ ذَهَب، ومَجْرَاهُ عَلَى الدُّرِّ وَاليَاقُوتِ، تُرْبَتُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وَمَاؤُهُ أَحْلَى مِنَ العَسَلَ وأَبْيَضُ مِنَ الثَّلْجِ" (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَتَيْتُ عَلَى نَهَرٍ حَافَّتَاهُ قِبَابُ اللُّؤلُؤِ مُجَوَّفًا" (٢).
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَضَرَبْتُ بِيَدِي إِلِى مَا يَجْرِى فِيهِ المَاءُ، فَإِذَا مِسْكٌ أَذْفَرُ (٣)، قُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ قَالَ: هَذَا الكَوْثَرُ الذِي أَعْطَاكَهُ اللَّهُ" (٤).
* جَارِيَةٌ لِزَيْدِ بنِ حَارِثَةَ -﵁-:
وَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي الجَنَّةِ جَارِيَةً شَابَّةً، قَالَ: "فَسَأَلْتُهَا لِمَنْ أَنْتِ؟ وَقَدْ أَعْجَبَتْنِي حِينَ رَأَيْتُهَا"، فَقَالَتْ: لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ، فَبَشَّرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- زَيْدًا -﵁- (٥).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الرقائق - باب في الحوض - رقم الحديث (٦٥٨١) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣١٥٦).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ - رقم الحديث (٤٩٦٤).
(٣) أذْفَرُ: أي طيِّبُ الرَّائحة. انظر النهاية (٢/ ١٤٩).
(٤) أخرجه الإِمام في مسنده - رقم الحديث (١٢٠٠٨) وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٥) أورد ذلك الذهبي في سير أعلام النبلاء (١/ ٢٣٠) - وقال: إسناده حسن - والألباني في السلسلة الصحيحة - رقم الحديث (١٨٥٩) وقال: إسناده صحيح - وقيّد ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢١) هذا الخبر في الإسراء والمعراج.
[ ١ / ٤٩٤ ]
* صَوْتُ بِلَالٍ -﵁- فِي الجَنَّةِ:
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِنَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ-، ودَخَلَ الجَنَّةَ، فَسَمِعَ فِي جَانِبِهَا وَجْسًا (١)، قَالَ: يَا جِبْرِيلُ مَا هَذَا؟ قَالَ: هَذَا بِلَالٌ المُؤَذِّنُ، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ جَاءَ إِلَى النَّاسِ: "قَدْ أَفْلَحَ بِلَالٌ" (٢).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَة -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا بِلَالُ! حَدِّثْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْتَهُ عِنْدَكَ فِي الإِسْلَامِ مَنْفَعَةً، فَإِنِّي سَمِعْتُ اللَّيْلةَ خَشْفَ (٣) نَعْلَيْكَ بَيْنَ يَدَيَّ فِي الجَنَّةِ".
قَالَ بِلَالٌ: مَا عَمِلْتُ عَمَلًا فِي الإِسْلَامِ أَرْجَى عِنْدِي مَنْفَعَةً، مِنْ أَنِّي لَا أَتَطَهَّرُ طُهُورًا تَامًّا، فِي سَاعَةٍ مِنْ لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ، إِلَّا صَلَّيْتُ بِذَلِكَ الطُّهُورِ، مَا كتَبَ اللَّهُ لِي (٤) أَنْ أُصَلِّيَ (٥).
_________________
(١) الوَجْسُ: هو الصَّوْتُ الخَفِيّ. انظر النهاية (٥/ ١٣٧).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٢٤) - وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (٥/ ٢٧) وصحح إسناده.
(٣) الخَشْفُ: بسكون الشين الحس والحركة. انظر النهاية (٢/ ٣٣).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٣/ ٣٤٥): والذي يظهرُ أن المُرادَ بالأعمال التي سَأَله عن إرجَائِهَا الأعمال المتطوَّعُ بها، وإلا فالفريضةُ أفضَلُ قَطْعًا، ويستفادُ منه جوازُ الاجتهَادِ في توقيتِ العِبَادَةِ؛ لأن بِلالًا توصل إن ما ذكرنا بالاستنبَاطِ، فصوَّبَهُ النبي -ﷺ-.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التهجد - باب فضل الطهور بالليل والنهار - رقم الحديث (١١٤٩) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضل بلال -﵁- رقم الحديث (٢٤٥٨).
[ ١ / ٤٩٥ ]
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لبِلَالَ -﵁-.
٢ - وفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِدَامَةِ الطَّهَارَةِ، ومُنَاسَبَةُ المُجَازَاةِ عَلَى ذَلِكَ بِدُخُولِ الجَنَّةِ؛ لِأَنَّ مَنْ لَازَمَ الدَّوَامَ عَلَى الطَّهَارَةِ أَنْ يَبِيتَ المَرْءُ طَاهِرًا، ومِنْ بَاتَ طَاهِرًا عَرَجَتْ رُوحُهُ، فَسَجَدَتْ تَحْتَ العَرْشِ، كَمَا رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ في الشُّعَبِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ العَاصِ، والعَرْشُ سَقْفُ الجَنَّةِ.
٣ - وفِيهِ سُؤَالُ الصَّالِحِينَ عَمَّا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ لَهُ مِنَ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ لِيَقْتَدِيَ بِهَا غَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ.
٤ - وفِيهِ سُؤَالُ الشَّيْخِ عَنْ عَمَلِ تِلْمِيذِهِ لِيَحُضَّهُ عَلَيْهِ، وَيُرَغِّبَهُ فِيهِ إِنْ كَانَ حَسَنًا، وَإِلَّا فَيَنْهَاهُ.
٥ - وَفِيهِ أَنَّ الجَنَّةَ مَوْجُودَةٌ الآنَ خِلَافًا لِمَنْ أنْكَرَ ذَلِكَ مِنَ المُعْتَزِلَةِ (١).
* عَرْضُ الآنِيَةِ عَلَى الرَّسُولِ -ﷺ-:
يَقُولُ الرَّسُولُ -ﷺ-: "ثُمَّ رُفِعَ لِيَ البَيْتُ المَعْمُورُ، ثُمَّ أُتِيتُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ، وَإِنَاءٍ مِنْ عَسَلٌ، فَأَخَذْتُ الذِي فِيهِ اللَّبَنَ، فَشَرِبْتُ" (٢)،
_________________
(١) انظر فتح الباري (٣/ ٣٤٦).
(٢) قال ابن المنيِّر فيما نقله عن الحافظ في الفتح (١١/ ٢٠٣): ولعل السِرَّ في عُدُوله -ﷺ- عن العَسَلِ إلى اللبَنِ: كون اللبن أنفَع، وبه يشتَدُّ العَظْمُ وينبُتُ اللحْمُ، وهو بمجرَّدِهِ =
[ ١ / ٤٩٦ ]
فَقِيلَ لِي: هِيَ الفِطْرَةُ التِي أَنْتَ عَلَيْهَا وَأُمَّتُكَ (١).
وفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ، قَالَ: أصبت الفِطْرَةَ أَنْتَ وَأُمَّتُكَ (٢).
* انْتِهَاءُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى سِدْرَةِ المُنْتَهَى:
ثُمَّ انْطَلَقَ جِبْرِيلُ بِالرَّسُولِ -ﷺ- فَوْقَ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ حَتَّى انْتَهَى بِهِ إِلَى سِدرَةِ (٣) المُنْتَهَى (٤).
_________________
(١) = قُوتٌ، ولا يدخل في السَّرَفِ بوَجهٍ، وهو أقربُ إلى الزُّهدِ، وأما العَسَلُ وإن كَانَ حَلَالًا لكنه من المُسْتَلَذَّاتِ التي قد يُخْشَى على صاحبها أن يَنْدَرجَ في قوله تَعَالَى سورة الأحقاف آية (٢٠): ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾. وقال الحافظ في الفتح (١١/ ٢٠٣): ويحتمل أن يكون السِّرُّ فيه ما وقع في بعضِ طُرُق الإسراء أنه -ﷺ- عَطِشَ، فآثرَ اللبَنَ دونَ غيرِهِ لما فيه من حصولِ حاجتِهِ دونُ الخَمْرِ والعَسَلِ، فإذا هو السببُ الأصلي في إيثَارِ اللبن، وصادفَ مع ذلكَ رُجْحَانه عليهما من عدة جهات.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب المعراج - رقم الحديث (٣٨٨٧) - والإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الإسراء برَسُول اللَّهِ -ﷺ- رقم الحديث (٢٦٤).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأشربة - باب شرب اللبن - رقم الحديث (٥٦١٠).
(٤) قال ابن دِحيَةَ فيمَا نقلهُ عنه الحافظ في الفتح (٧/ ٦١٦): اختيرت السِّدْرَةُ دون غيرها؛ لأن فيها ثلاثُ أوصافٍ: ظِلٌّ مَمْدُود، وطعَامُ لَذِيذٌ، ورائحةٌ زَكِيَّةٌ، فكانت بِمَنزلة الإيمان الذي يَجْمَعُ القولَ والعملَ والنِّيةَ، والظل بمنزلةِ العمل، والطعمُ بمنزلةِ النية، والرائحةُ بمنزلة القَوْل.
(٥) وفي رواية أخرى في صحيح مسلم - رقم الحديث (١٧٣) عن ابن مسعود -﵁- قال: إن سِدْرَةَ المُنْتَهى في السماء السَّادسة، وهذا تعارض لا شكَّ فيه، وطريق الجَمْعِ بينهما، =
[ ١ / ٤٩٧ ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: ". . . ثُمَّ رُفِعْتُ إِلَى سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، فَإِذَا نَبْقُهَا (١) كَأَنَّهُ قلَالُ (٢) هَجَرَ (٣)، وَوَرَقُهَا كَأَنَّهُ آذَانُ الفِيَلَةِ، وَغَشِيَهَا أَلْوَانٌ (٤) لَا أَدْرِي مَا هِيَ، فَمَا أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَصِفَهَا مِنْ حُسْنِهَا" فَقَالَ جِبْرِيلُ ﵇: هَذِهِ سِدْرَةُ الْمُنْتَهَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَإِذَا أَرْبَعَةُ أَنهَارٍ (٥): نَهْرَانِ بَاطِنَانِ، وَنَهْرَانِ ظَاهِرَانِ، فَقُلْتُ: مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ؟ "
قَالَ: أَمَّا الْبَاطِنَانِ فَنَهْرَانِ فِي الْجَنَّةِ، وَأَمَّا الظَّاهِرَانِ فَالنِّيلُ وَالْفُرَاتُ (٦).
_________________
(١) = كما قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦١٥) أن يقال: إن أصلَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى في السماء السادسة، وأغصانُهَا وفروعُهَا في السماء السابعة. قال عبد اللَّه بن مسعود -﵁-: وسُمِّيَتْ سَدْرَةَ المُنْتَهَى؛ لأن إليها يَنْتَهي ما يُعْرَجُ به من الأرض، فَيُقْبَضُ منها، وإليها يَنْتَهِي ما يَهْبِطُ به من فوقها، فَيُقْبَضُ منها. أخرجه مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٧٣).
(٢) النَّبْقُ: هو ثَمَرُ السِّدْرِ. انظر النهاية (٥/ ٨).
(٣) قال الإِمام الخطابي فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٧/ ٦١٥): القِلالُ بالكسر جمعُ قُلَّة بالضم وهي الجِرَارُ، يريد أن ثمرها في الكِبَر مثل القِلَال، وكانت معروفةً عند المُخَاطَبِينَ، فلذلك وقَعَ التَّمْثِيلُ بها.
(٤) هَجَر: هي مدينةٌ الإحسَاء. انظر معجم البلدان (٥/ ٤٥٢).
(٥) وغَشِيَهَا ألوَانٌ: أي تَعْلُوها. انظر النهاية (٣/ ٣٣٢).
(٦) في رواية أخرى في صحيح البخاري، قال -ﷺ-: "فإذا في أصلها أربعة أنهار". قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦١٦): يحتمل أن تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة، والأنهار تخرج من تحتها.
(٧) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الفضائل - باب المعراج - رقم الحديث (٣٨٨٧) - وأخرجه في كتاب أحاديث الأنبياء - رقم الحديث (٣٣٤٢) - وأخرجه الإِمام مسلم في صحيحه كتاب الإيمان - باب الإسراء برسول اللَّه -ﷺ- رقم الحديث (١٦٢) - وباب ذكر سدرة المنتهى - رقم الحديث (١٧٣).
[ ١ / ٤٩٨ ]
* رُؤْيَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- جِبْرِيلَ ﵇ عَلَى صُورَتِهِ الحَقِيقِيَّةِ:
وَهُنَاكَ عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهَى رَأَى -ﷺ- جبْرِيلَ ﵇ عَلَى الصُّورَةِ التِي خَلَقَهُ اللَّهُ ﷿ عَلَيْهَا، فِي حُلَّةٍ مِنْ رَفْرَفٍ (١) أَخْضَرَ، لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ، كُلُّ جَنَاحٍ مِنْهَا قَدْ سَدَّ الأُفُقَ، يَتَنَاثَرُ مِنْ أَجْنِحَتِهِ التَّهَاوِيلُ، والدُّرُّ واليَاقُوتُ (٢)، وكَانَ الرَّسُولُ -ﷺ- قَبْلَ ذَلِكَ لَا يَرَى جِبْرِيلَ إِلَّا عَلَى صُورَةٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَأَكْثَرُ مَا يَرَاهُ -ﷺ- عَلَى صُورَةِ دِحْيَةَ الكَلْبِيِّ -﵁- (٣).
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ هَذَا المَشْهَدِ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (٤) (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (٥) (١٧)
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٥٩٣): وأصل الرَّفْرَفِ ما كان من الدِّيباجِ رَقِيقًا حَسَنَ الصَّنْعَةِ.
(٢) التَّهَاوِيلُ والدُّرَرُ واليَاقُوتُ: أي الأشياء المختلفَةُ الألوانِ، أرادَ بالتهَاويلِ، تَزَايِينُ رِيشِهِ وما فيه من صُفْرَةٍ وحُمْرَةٍ ويَيَاضٍ وخُضْرَةٍ مثل تَهَاوِيلِ الرِّيَاض. انظر لسان العرب (١٥/ ١٦١).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب لقد رأى من آيات ربه الكبرى - رقم الحديث (٤٨٥٨) - وأخرجه في كتاب بدء الخلق - باب إذ قال أحدكم آمين والملائكة في السماء - رقم الحديث (٣٢٣٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب ولقد رآه نزلة أخرى - رقم الحديث (١٧٧).
(٤) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ٤٥١): هذه هي المرة الثانية التي رأى رسول اللَّه -ﷺ- فيها جبريل ﵇ على صورته التي خلقه اللَّه عليها، وكانت ليلة الإسراء. وروى الإِمام أحمد في مسنده بسند حسن عن ابن مسعود -﵁- قال: في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ - سورة النجم آية (١٣) قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "رأيتُ جبريلَ عند سِدْرَةِ المُنْتَهَى عليه سِتُّ مِائَةِ جَنَاحٍ، ينتَثِرُ من رِيشِهِ التَّهَاوِيلُ: الدُّرُّ واليَاقُوتُ".
(٥) روى الحاكم في المستدرك بسند صحيح على شرط مسلم - رقم الحديث (٣٨٠١) عن ابن عباس ﵄ في قوله تَعَالَى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾، قال: ما ذهب يمينًا ولا شمالًا، ﴿وَمَا طَغَى﴾، قال: ما جاوز. =
[ ١ / ٤٩٩ ]
لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (١).
رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، والإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂، قَالَ: قُلْتُ: ألَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ (٢)، وَقَالَ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٣)، قَالَتْ: أنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَنْهَا، فَقَالَ: "إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ". لَمْ يَرَهُ فِي صُورَتِهِ التِي خُلِقَ عَلَيْهَا إِلَّا مَرَّتَيْنِ: رَآهُ مُنْهَبِطًا مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ، سَادًّا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءَ وَالأَرْضِ (٤).
* افْتِرَاضُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ:
ثُمَّ نَظَرَ الرَّسُولُ -ﷺ- إِلَى جِبْرِيلَ ﵇، فَوَجَدَهُ كَالحِلْسِ (٥) البَالِي مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ (٦)، ثُمَّ غَشِيَتْ تِلْكَ السِّدْرَةَ سَحَابَةٌ، فتَأَخَّرَ جِبْرِيلُ ﵇،
_________________
(١) = وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ١٢٢): وهذه صفة عظيمة في الثبات والطاعة، فإنه -ﷺ- ما فعل إلا بما أُمِرَ به، ولا سأل فوق ما أعطي.
(٢) سورة النجم آية (١٣ - ١٨).
(٣) سورة التكوير آية رقم (٢٣).
(٤) سورة النجم آية رقم (١٣).
(٥) أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب في ذكر سدرة المنتهى - رقم الحديث (١٧٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٠٤٠).
(٦) الحِلْسُ: وهو البِسَاطُ والحَصِيرُ. انظر لسان العرب (٣/ ٢٨٣).
(٧) أورد ذلك الهيثمي في مجمع الزوائد (١/ ٧٨) وقال: رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح - وأورد طرقه الألباني في السلسلة الصحيحة - رقم الحديث (٢٢٨٩) وقال: وبالجملة: فالحديث بمجموع الطريقين حسن أو صحيح، واللَّه أعلم.
[ ١ / ٥٠٠ ]
وعُرِجَ بِالرَّسُولِ -ﷺ- حَتَّى وَصَلَ إِلَى مُسْتَوًى سَمعَ فِيهِ صَرِيفَ الأَقْلَامِ، قَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ مَا أَوْحَى، فَفَرَضَ عَلَيَّ خَمْسِينَ صَلَاةً فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَرَجَعْتُ فَمَرَرْتُ عَلَى مُوْسَى ﵇"، فَقَالَ: بِمَا أُمِرْتَ؟
وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: مَا فَرَضَ اللَّهُ لَكَ عَلَى أُمَّتِكَ؟
فَقَالَ -ﷺ-: "فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسِينَ صَلَاةً كُلِّ يَوْمٍ".
فَقَالَ ﵇: ارْجعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَإِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، وإِنِّي وَاللَّهِ قَدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ، وعَالَجْتُ بَنِي إسْرَائِيلَ أشَدَّ المُعَالَجَةِ، فَارْجعْ إِلَى رَبِّكَ، فَاسْاَلْهُ التَّخْفِيفَ لِأُمَّتِكَ، قال -ﷺ-: "فَرَجَعْتُ إِلَى رَبِّي فَحَطَّ عَنِّي خَمْسًا"، فَقُلْتُ: "حَطَّ عَنِّي خَمْسًا"، قَالَ: إِنَّ أُمَّتَكَ لَا يُطِيقُونَ ذَلِكَ، فَارْجعْ إِلَى رَبِّكَ فَسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ. قَالَ -ﷺ-: "فَلَمْ أَزَلْ أَرْجعُ بَيْنَ رَبِّي ﵎ وبيْنَ مُوسَى"، حَتَّى قَالَ اللَّهُ ﷿: يَا مُحَمَّدُ، إنَّهُنَّ خَمْسُ صَلَوَاتٍ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ صَلَاةٍ عَشْرٌ، فَذَلِكَ خَمْسُونَ صَلَاةً، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ لَهُ عَشْرًا، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ تَكْتَبْ شَيْئًا، فَإِنْ عَمِلَهَا كُتِبَتْ سَيِّئَةً وَاحِدَةً (١).
قال -ﷺ-: فنَزَلْتُ حَتَّى انتهَيْتُ إِلَى مُوسَى فَأَخْبَرتهُ، فَقَالَ: ارْجعْ إِلَى رَبِّكَ
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦١٩): هذا من أقوَى ما استدل به على أَنَّ اللَّه ﷾ كلَّمَ نبيَّهُ محمد -ﷺ- ليلةَ الإسراءِ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ١٢٢): فحصَلَ له التكلِيمُ من الرَّبِّ ﷿ ليلْتَئِذَ وأئمَّة السنة كالمطبِقِينَ على هذا.
[ ١ / ٥٠١ ]
فَسْأَلْهُ التَّخْفِيفَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "قَدْ رَجَعْتُ إِلَى رَبِّي حَتَّى اسْتَحْيَيْتُ مِنْه".
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَلَمَّا جَاوَزْتُ نَادَانِي مُنَادٍ: أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفَّفْتُ عَنْ عِبَادِي" (١)
* مَا خُصَّ بِهِ الرَّسُولُ -ﷺ- وَأمتُهُ:
رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: . . . فَأُعْطِيَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- ثَلَاثًا: أُعْطِيَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، وأُعْطِيَ خَوَاتِمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وغُفِرَ لِمَنْ لَمْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا، المُقْحِمَاتُ (٢).
_________________
(١) أخرج ذلك كله: البخاري في صححيحه - كتاب المناقب - باب المعراج - رقم الحديث (٣٨٨٧) - وأخرجه في كتاب الصلاة - باب كيف فرضت الصلاة - رقم الحديث (٣٤٩) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الإسراء برَسُول اللَّهِ -ﷺ- رقم الحديث (١٦٢) - وباب ذكر سدرة المنتهى - رقم الحديث (١٧٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٥٠٥).
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٢/ ٣ - ٤): المُقْحِمَاتُ: الذُّنوبُ العَظَائِمُ الكبائرُ التي تُهْلِكُ أصحابَهَا وتُورِدُهُمُ النارَ وتُقْحِمُهُم إياهَا، والتَّقَحُّمُ الوُقُوع في المهالكِ، ومعنى الكلام: من مَاتَ من هذه الأمة غير مشركٍ باللَّه غفر له المُقْحِمَات، والمراد واللَّه أعلم بغُفْرَانها أنه لا يخلُدُ في النار بخلافِ المشركين، وليس المرادُ أنه لا يُعَذَّبُ أصلًا، فقد تقرَّرَتْ نصُوصُ الشَّرعِ، وإجماعُ أهل السنة على إثبات عذابِ بعضِ العُصَاة من المُوَحِّدِينَ. والحديث أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب ذكر سدرة المنتهى - رقم الحديث (١٧٣) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٦٦٥).
[ ١ / ٥٠٢ ]
* هَلْ رَأَى الرَّسُولُ -ﷺ- رَبَّهُ لَيْلةَ الْإِسْرَاءِ؟:
اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي رُؤْيَةِ الرَّسُولِ -ﷺ- لِرَبِّهِ ﵎ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ والمِعْرَاجِ، فَرَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: قُلْتُ لِعَائِشَةَ ﵂: يَا أُمِّتَاهُ هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌ -ﷺ- رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: لَقَدْ قَفَّ (١) شَعْرِي مِمَّا قُلْتَ، أَيْنَ أَنْتَ (٢) مِنْ ثَلَاثٍ مَنْ حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ:
مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا -ﷺ- رَأَى رَبَّهُ؟ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (٣)، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ (٤).
وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي غَدٍ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَتْ ﴿. . . وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ (٥).
وَمَنْ حَدَّثَكَ أَنَّهُ -ﷺ- كتَمَ فَقَدْ كَذَبَ، ثُمَّ قَرَأَت ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ (٦).
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٥٨٨): أي قامَ من الفَزَع، لما حصل عِندَهَا من هَيْبَةِ اللَّه واعتقدته من تَنْزِيهِهِ واستِحَالَة وقوع ذلك.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٩/ ٥٨٨): أي كيفَ يَغِيبُ فَهمُكَ عن هذه الثلاث؟ وكان ينبغي لك أن تكونَ مُسْتَحْضِرها ومعتقدًا كَذِبَ من يَدَّعي وقوعها.
(٣) سورة الأنعام آية (١٠٣).
(٤) سورة الشورى آية (٥١).
(٥) سورة لقمان آية (٣٤).
(٦) سورة المائدة آية (٦٧). =
[ ١ / ٥٠٣ ]
وأخْرَجَ الشَّيْخَانِ كَذَلِكَ عَنِ ابنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (١)، قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ (٢).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صحِيحِهِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قال: "نُورٌ أَنَّى أرَاهُ" (٣).
وَرَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ فِي قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (٤)، وَقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٥)، قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ (٦).
قَالَ البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فِي حَدِيثِ شَرِيكٍ زِيَادَةٌ تَفَرَّدَ بِهَا (٧)، عَلَى
_________________
(١) = والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب سورة النجم - رقم الحديث (٤٨٥٥) - وأخرجه مسلم في صحيحه كتاب الإيمان - باب معنى قوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ - رقم الحديث (١٧٧).
(٢) سورة النجم آية (٩).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ - رقم الحديث (٤٨٥٧) - وأخرجه مسلم - كتاب الإيمان - باب ذكر سدرة المنتهى رقم الحديث (١٧٤).
(٤) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب في قوله ﵇ - نورا أنى أراه - رقم الحديث (١٧٨).
(٥) سورة النجم آية (١١).
(٦) سورة النجم آية (١٣).
(٧) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب معني قوله تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ - رقم الحديث (١٧٦) (٢٨٥).
(٨) حديث شريك أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التوحيد - باب ما جاء في قوله =
[ ١ / ٥٠٤ ]
مَذْهَبِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ -ﷺ- رَأَى رَبَّهُ، وَقَوْلُ عَائِشَةَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وأَبِي هُرَيْرَة ﵃ أَجْمَعِينَ فِي حَمْلِهِمْ هَذِهِ الآيَاتِ عَلَى رُؤْيَتِهِ، جِبْرِيلَ ﵇، أصَحُّ (١).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وهَذَا الذِي قَالَهُ البَيْهَقِيُّ هُوَ الحَقُّ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ (٢).
وَقَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا الرُّؤْيَةُ فَالذِي ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبّه بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ، وعَائِشَةُ أنْكَرَتِ الرُّؤْيَةَ، فَمِنَ النَّاسِ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ: عَائِشَةُ أنْكَرَتْ رُؤْيَةَ العَيْنِ، وابنُ عَبَّاسٍ أثْبَتَ رُؤْيَةَ الفُؤَادِ. والأَلْفَاظُ الثَّابِتَةُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ هِيَ مُطْلَقَةٌ، أَوْ مُقَيَّدَةٌ بِالفُؤَادِ، تَارَةً يَقُولُ: رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ، وتَارَةً يَقُولُ: رَآهُ مُحَمَّد، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ لَفْظٌ صَرِيحٌ بِأنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ.
وَكَذَلِكَ الإِمَامُ أَحْمَدُ، تَارَةً يُطْلِقُ الرُّؤْيَةَ، وتَارَةً يَقُولُ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّهُ سَمعَ أَحْمَدَ يَقُولُ رَآهُ بِعَيْنِهِ، لَكِنَّ طَائِفَةً مِنْ أَصْحَابِهِ سَمِعُوا بَعْضَ
_________________
(١) = تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ - رقم الحديث (٧٥١٧). ولفظ الزيادة التي تفرد بها شريك: "ودنا الجبار رب العزة، فتدلى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى".
(٢) انظر دلائل النبوة (٢/ ٣٨٥).
(٣) انظر تفسير ابن كثير (٥/ ٨).
[ ١ / ٥٠٥ ]
كَلَامِهِ المُطْلَقَ، فَفَهِمُوا مِنْهُ رُؤْيَةَ العَيْنِ، كَمَا سَمعَ بَعْضُ النَّاسِ مُطْلَقَ كَلَامِ ابنِ عَبَّاسٍ، فَفَهِمَ مِنْهُ رُؤْيَةَ العَيْنِ.
وَلَيْسَ فِي الأَدِلَّةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ رَآهُ بِعَيْنِهِ، وَلَا ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَا فِي الكِتَابِ والسُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ، بَلِ النُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ عَلَى نَفْيِهِ أَدَلُّ، كَمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِم عَنْ أَبِي ذَرٍّ -﵁- قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: "نُورٌ أنَّى أرَاهُ" (١).
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ (٢)، وَلَوْ كَانَ قَدْ أَرَاهُ نَفْسَهُ بِعَيْنِهِ لَكَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ أَوْلَى.
وَكَذَلِكَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ (٣) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ (٤)، وَلَوْ كَانَ رَآهُ بِعَيْنِهِ لَكَانَ ذِكْرُ ذَلِكَ أَوْلَى.
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ (٥)، قَالَ -﵁-: هِيَ رُؤْيَا عَيْنٍ
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب في قوله ﵇: "نور أنى أراه" - رقم الحديث (١٧٨).
(٢) سورة الإسراء آية (١).
(٣) سورة النجم آية (١٢).
(٤) سورة النجم آية (١٨).
(٥) سورة الإسراء آية (٦٠).
[ ١ / ٥٠٦ ]
أُرِيَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ (١)، وَهَذ رُؤْيَا الآيَاتِ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ النَّاسَ بِمَا رَآهُ بِعَيْنِهِ لَيْلَةَ المِعْرَاجِ، فَكَانَ ذَلِكَ فِتْنَةً لَهُمْ، حَيْثُ صَدَّقَهُ قَوْمٌ وَكَذَّبَهُ قَوْمٌ، وَلَمْ يُخْبِرْهُمْ بِأَنَّهُ رَأَى رَبَّهُ بِعَيْنِهِ وَلَيْسَ فِي شَيءٍ مِنْ أَحَادِيثِ المِعْرَاجِ الثَّابِتَةِ ذِكْرُ ذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ لَذَكَرَهُ كَمَا ذَكَرَ مَا دُونَهُ. وَقَدْ ثَبَتَ بِالنُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ وَاتِّفَاقِ سَلَفِ الأُمَّةِ أَنَّهُ لَا يَرَى اللَّهَ أَحَدٌ فِي الدُّنْيَا بِعَيْنِهِ، إِلَّا مَا نَازَعَ فِيهِ بَعْضُهُمْ مِنْ رُؤْيَةِ نَبِيَنِّاَ مُحَمَّدٍ -ﷺ- خَاصَّةً، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ المُؤْمِنِينَ يَرَوْنَ اللَّهَ يَوْمَ القِيَامَةِ عَيَانًا، كَمَا يَرَوْنَ الشَّمْسَ وَالقَمَرَ (٢).
وَقَالَ أَيْضًا شَيْخُ الإِسْلَامِ ابنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَمَّا قَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّهُ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ، فَإِنْ كَانَ اسْتِنَادُهُ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ (٣).
ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ (٤) وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُسْتَنَدَهُ، فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ -ﷺ- أَنَّ هَذَا المَرْئِيَّ جِبْرِيلُ، رَآهُ مَرَّتَيْنِ فِي صُورَتِهِ التِي خُلِقَ عَلَيْهَا، وَقَوْلُ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ هَذَا هُوَ مُسْتَنَدُ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي قَوْلهِ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
_________________
(١) أخرجه البخارىِ في صحيحه - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ - حديث (٤٧١٦) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩١٦).
(٢) انظر مجموع الفتاوى (٦/ ٥٠٩ - ٥١٠).
(٣) سورة النجم آية (١١).
(٤) سورة النجم آية (١٣).
[ ١ / ٥٠٧ ]
وَأَمَّا قَوْلَهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النَّجْمِ: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ (١) فَهُوَ غَيْرُ الدُّنُوِّ والتَّدَلِّي فِي قِصَّةِ الإِسْرَاءِ، فَإِنَّ الذِي فِي سُورَةِ النَّجْمِ هُوَ دَنُوُّ جِبْرِيلَ وتَدَلِّيهِ، كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ وابنُ مَسْعُودٍ، والسِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ (٢) وَهُوَ جِبْرِيلُ ﴿ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ فَالضَّمَائِرُ كُلُّهَا رَاجِعَةٌ إِلَى هَذَا المُعَلِّمِ الشَّدِيدِ القُوَى، وَهُوَ ذُو المِرَّةِ، أيِ: القُوَّةِ، وهُوَ الذِي اسْتَوَى بِالأُفُقِ الأَعْلَى، وَهُوَ الذِي دَنَى فتَدَلَّى، فكَانَ مِنْ مُحَمَّدٍ -ﷺ- قَدْرَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٣).
وَقَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: فِي قَوْلهِ -ﷺ-: "رَأَيْتُ رَبِّي" (٤) قَالَ: مَا قَيَّدَ الرُّؤْيَةَ بِالنَّوْمِ، وبَعْضُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- رَأَى رَبّه لَيْلة المِعْرَاجِ يَحْتَجُّ بِظَاهِرِ الحَدِيثِ، والذِي دَلَّ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ مَعَ إمْكَانِهَا، فنَقِفُ عَنْ هَذِهِ المَسْأَلةِ، فَإِنَّ "مِنْ حُسْنِ إِسْلَامِ المَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ" (٥)، فَإِثْبَاتُ ذَلِكَ أَوْ نَفْيُهُ صَعْبٌ، والوُقُوفُ سَبِيلُ السَّلَامَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَإِذَا ثَبَتَ شَيْءٌ قُلْنَا بِهِ، وَلَا نُعَنِّفُ مَنْ أثْبَتَ الرُّؤْيَةَ لِنَبِيِّنَا -ﷺ- فِي الدُّنْيَا، وَلَا مَنْ نَفَاهَا، بَلْ نَقُولُ: اللَّهُ وَرَسُوله أعْلَمُ، بَلْ نُعَنِّفُ وَنُبَدِّعُ مَنْ أنْكَرَ الرُّؤْيَةَ فِي الآخِرَةِ، إِذْ رُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى
_________________
(١) سورة النجم آية (٨).
(٢) سورة النجم آية (٥).
(٣) انظر زاد المعاد (٣/ ٣٤).
(٤) هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٨٠) وإسناده صحيح.
(٥) هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٣٧) وأخرجه الترمذي في جامعه - كتاب الزهد - باب رقم (٩) - رقم الحديث (٢٤٧٠) وإسناده حسن.
[ ١ / ٥٠٨ ]
فِي الآخِرَةِ ثَبَتَتْ بِنُصُوصٍ مُتَوَاتِرَةٍ (١)
* عَوْدَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى مَكَّةَ وإِخْبَارُهُ النَّاسَ بِمَسْرَاهُ:
ثُمَّ هَبَطَ جِبْرِيلُ ﵇ بِالرَّسُولِ -ﷺ- مِنَ السَّمَاوَاتِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، ثُمَّ رَكِبَ البُرَاقَ مُنْصَرِفًا إِلَى مَكَّةَ بِصُحْبَةِ جِبْرِيلَ ﵇، ثُمَّ أَتَى مَكَّةَ قَبْلَ الصُّبْحِ.
* بَعَضُ المَشَاهِدِ وَهُوَ فِي طَرِيقِ العَوْدَةِ إِلَى مَكَّةَ:
يَقُولُ الرَّسُولُ -ﷺ-: "مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ فَأَنْفَرَهُمْ حِسُّ الدَّابَّةِ، -أَي البُرَاقُ- فَنَدَّ (٢) لَهُمْ بَعِيرٌ، فَدَلَلْتُهُمْ عَلَيْهِ، وَأَنَا مُتَوَجِّهٌ إِلَى الشَّامِ، ثُمَّ أَقْبَلْتُ حَتَّى إِذَا كنْتُ بِضَجْنَانَ (٣) مَرَرْتُ بِعِيرِ بَنِي فُلَانٍ فَوَجَدْتُ القَوْمَ نِيَامًا، وَلَهُمْ إِنَاءٌ فِيهِ
_________________
(١) انظر كلام الذهبي في: سير أعلام النبلاء (١٠/ ١١٤). قلتُ: جاء في رُؤيَةِ اللَّه ﵎ يوم القيامة أحاديث كثيرة منها: ما أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التوحيد - باب قوله تَعَالَى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ - رقم الحديث (٧٤٣٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب المساجد - باب فضل صلاتي الصبح والعصر - رقم الحديث (٦٣٣) - عن جرير بن عبد اللَّه قال: كنا جلوسًا عند النبي -ﷺ- إذ نظر إلى القمر ليلة البدر، فقال: "إنكم سَتَرون ربَّكم كما ترونَ هذا القَمَر لا تُضَامُونَ في رُؤيَتِهِ، فإن استطعتُمْ أن لا تُغْلَبُوا عن صَلاةٍ قبلَ طُلُوع الشَّمسِ وصلاةٍ قَبْلَ غُرُوبِ الشمسِ فافعلوا". لا تُضَامُونَ: أي لا تَتخَالَفُونَ ولا تَتَجَادَلُونَ في صحة النظر إليه. انظر فتح الباري (١٥/ ٣٨٩).
(٢) نَدَّ البعير: أي شَرَدَ وذهب على وجهه. انظر النهاية (٥/ ٣٠).
(٣) ضَجْنَانُ: هو جبلٌ بناحِيَةِ تِهَامَة. انظر معجم البلدان (٥/ ٢٢٥).
[ ١ / ٥٠٩ ]
مَاءٌ قَدْ غَطُّوا عَلَيْهِ بِشَيْءٍ، فكَشَفْتُ غِطَاءَهُ وَشَرِبْتُ (١) مَا فِيهِ، ثُمَّ غَطَّيْتُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ، وَعَلَى رَأْسِ العِيرِ جَمَلٌ أَوْرَقُ (٢) عَلَيْهِ غَرَارَتَانِ (٣)، إِحْدَاهُمَا سَوْدَاءُ، والأُخْرَى بَرْقَاءُ (٤) ".
* هَلْ صَدَّقَتْ قُرَيْشٌ الرَّسُولَ -ﷺ- فِي إِسرَائِهِ ومِعْرَاجِهِ؟
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ -ﷺ- إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ جَاءَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَحَدَّثَهُمْ بِمَسِيرِهِ، وَبِعَلَامَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَبِعِيرِهِمْ. . . (٥).
قَالَ الرَّسُولُ -ﷺ-: "لَمَّا كَانَ لَيْلةَ أُسرِيَ بِي، وَأَصْبَحْتُ بِمَكَّةَ، . . . عَرَفْتُ أَنَّ النَّاسَ مُكَذِّبِيَّ، فَقَعَدْتُ مُعْتَزِلًا حَزِينًا، فَمَرَّ عَدُوُّ اللَّهِ أَبُو جَهْلٍ، فَجَاءَ حَتَّى جَلَسَ إِلَيَّ".
_________________
(١) قال الإمام السهيلي في الرَّوْض الأُنُف (٢/ ١٩٧): كيف استَبَاح الرسول -ﷺ- شُرْبَ الماء وهو مِلْكٌ لغيره؟ والجوابُ أن العَرَبَ في الجاهلية كان في عُرفِ العادَةِ عندهُم إباحَةُ اللَّبَنِ لابنِ السَّبيل فَضْلًا عن الماء، وكانوا يَعْهَدُونَ بذلك إلى رُعَائِهِم، ويشتَرِطُونه عليهم عند عَقْدِ إجارتهم ألا يَمْنَعُوا اللبن من أحَدٍ مَرَّ بهم.
(٢) الأورَقُ من الإبلِ: هو الذي في لَونُهُ بياضٌ إلى سَوَاد. انظر لسان العرب (١٥/ ٢٧٥).
(٣) الغَرَارَةُ: وِعَاءٌ من الخَيْشِ ونحوه يُوضعُ فيه القَمْح ونحوه. انظر الوسيط (٢/ ٢٦٢).
(٤) يقالُ لِكُلِّ شَيءٍ اجتمَعَ فيه سَوَادٌ وبياضٌ أبرَقُ. انظر لسان العرب (١/ ٣٨٣). وانظر الخبر في سيرة ابن هشام (٢/ ١٦).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٥٤٦) - وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (٥/ ٢٨) وصحح إسناده.
[ ١ / ٥١٠ ]
فَقَالَ كَالمُسْتَهْزِئِ: يَا مُحَمَّدُ هَلْ كَانَ مِنْ شَيْءٍ؟
قُلْتُ: "نَعَمْ".
قَالَ: مَا هُوَ؟
قُلْتُ: "إِنَّهُ أُسْرِيَ بِيَ اللَّيْلَةَ".
قَالَ: إِلَى أَيْنَ؟
قُلْتُ: "إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ".
قَالَ: ثُمَّ أصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانِينَا؟
قُلْتُ: "نَعَمْ".
فَلَمْ يُرِهِ أَنْ يُكَذِّبَهُ؛ مَخَافَةَ إِنْ يَجْحَدَهُ الحَدِيثَ إِذَا دَعَا قَوْمَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أرَأَيْتَ إِنْ دَعَوْتُ قَوْمَكَ أتُحَدِّثُهُمْ بِمَا حَدَّثْتَنِي؟ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ".
فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ: هَيَا مَعْشَرَ بَنِي كَعْبِ بنِ لُؤَيٍّ! فَانْفَضَّتْ إِلَيْهِ المَجَالِسُ، وجَاؤُوا حَتَّى جَلَسُوا إِلَيْهِمَا، قَالَ: حَدِّثْ قَوْمَكَ بِمَا حَدَّثْتَنِي يَا مُحَمَّدُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي أُسْرِيَ بِيَ اللَّيْلةَ".
قَالوا: إِلَى أَيْنَ؟
[ ١ / ٥١١ ]
قَالَ: "إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ"
قَالُوا: ثُمَّ أَصْبَحْتَ بَيْنَ ظَهْرَانِينَا؟
قَالَ: "نَعَمْ".
فَضَجَّ المُشْرِكُونَ وَأَعْظَمُوا ذَلِكَ، فَصَارَ بَعْضُهُمْ يُصَفِّقُ، وَبَعْضُهُمْ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ تَعَجُّبًا (١).
وَكَانَتْ فِتْنَةً عَظِيمَةً، ارْتَدَّ بَعْضُ مَنْ أسْلَمَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنِ ارْتَدَّ عَنْ إِسْلَامِهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا﴾ (٢).
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح على شرط الشيخين - رقم الحديث (٢٨١٩). وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب التفسير - باب سورة الإسراء - رقم الحديث (١١٢٢١) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ١٢).
(٢) سورة الإسراء آية (٦٠). وأخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب المعراج - باب حديث (٣٨٨٨) وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩١٦) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب الأحاديث المشعرة بتسمية أبي بكر صديقًا -﵁- رقم الحديث (٤٤٦٣). قال الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره (٨/ ١٠٣): وأولَى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ قولُ من قَالَ: عني به رُؤْيا رَسُول اللَّهِ -ﷺ- ما رأى من الآيات والعِبَر في طريقَهِ إلى بيت المقدس ليلةَ أُسْرِي به، قال: وإنما قُلنا ذلك أولى بالصواب، لإجمَاعِ الحُجَّة من أهل التأويلِ على أن هذه الآية إنما نزلت في ذلك، وإيَّاه عنى اللَّه ﷿ بها، فإذا كان =
[ ١ / ٥١٢ ]
* مَوْقِفُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-:
ذَهَبَ النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ -﵁-، فَقَالُوا: هَلْ لَكَ يَا أبَا بَكْرٍ فِي صَاحِبِكَ؟ يَزْعُمُ أَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، وَصَلَّى فِيهِ، وَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فِي لَيْلَةٍ.
فَقَالَ: إنَّكُمْ تَكْذِبُونَ عَلَيْهِ، فَقَالُوا: بَلَى، هَا هُوَ ذَاكَ فِي المَسْجِدِ، يُحَدِّثُ بِهِ النَّاسَ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ قَالَهُ لَقَدْ صَدَقَ، فَقَالُوا: أَوَتُصَدِّقه أَنَّهُ ذَهَبَ اللَّيْلَةَ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، وَجَاءَ قَبْلَ أَنْ يُصْبِحَ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَمَا يُعْجِبُكُمْ مِنْ ذَلِكَ؟
إِنِّي لَأُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، أُصَدِّقُهُ بِخَبَرِ السَّمَاءَ يَأْتِيهِ فِي غَدْوَةٍ أَوْ رَوْحَةٍ، فَهَذَا أَبْعَدُ مِمَّا تَعْجَبُونَ مِنْهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَحَدَّثْتَ هَؤُلَاءِ القَوْمَ أَنَّكَ جِئْتَ بَيْتَ المَقْدِسِ هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟
قَالَ: "نَعَمْ".
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقْتَ.
_________________
(١) = ذلك كذلك، فتأويلُ الكلامِ: وما جعلنا رُؤْيَاكَ التي أرينَاكَ ليلةَ أسرَيْنَا بكَ من مكة إلى بيتِ المقدس، إِلَّا فتنة للناس يقول: إِلَّا بلاءً للناس الذين ارتدُّوا عن الإسلام، لما أُخبِروا بالرؤيا التي رآها ﵊، وللمشركين من أهل مكة الذين ازدادُوا بسماعهم ذلك من رَسُول اللَّهِ -ﷺ- تَمَاديًا في غَيِّهِمْ، وكُفْرًا إلى كفرهم.
[ ١ / ٥١٣ ]
فَقَالَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لِأَبِي بَكْرٍ: "وَأَنْتَ يَا أبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقُ"، فَيَوْمَئِذٍ سُمِّيَ الصِّدِّيقَ (١).
قَالَ أَبُو مِحْجَنٍ الثَّقَفِيُّ:
وَسُمِّيتَ صِدِّيقًا وَكُلُّ مُهَاجِرٍ سِوَاكَ يُسَمَّى بِاسْمِهِ غَيْرَ مُنْكَرِ
سَبَقْتَ إِلَى الإِسْلَامِ وَاللَّهُ شَاهِدٌ وَكُنْتَ جَلِيسًا بِالعَرِيشِ المُشَهَّرِ
وَبِالغَارِ إِذْ سُمِّيتَ بِالغَارِ صَاحِبًا وَكُنْتَ رَفِيقًا لِلنَّبِيِّ المُطَهَّرِ (٢)
* طَلَبُ قُرْيَشٍ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَصِفَ لَهُمْ بَيْتَ المَقْدِسِ:
قَالُوا: هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصِفَ لَنَا بَيْتَ المَقْدِسِ، وَفِي القَوْمِ مَنْ قَدْ سَافَرَ إِلَى ذَلِكَ البَلَدِ، وَرَأَى المَسْجِدَ.
فَقَامَ المُطْعِمُ بنُ عَدِيٍّ (٣) وَقَالَ: أنَا أعْلَمُ النَّاسِ بِبَيْتِ المَقْدِسِ، وَكَيْفَ
_________________
(١) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب الأحاديث المشعرة بتسمية أبي بكر صديقًا -﵁- رقم الحديث (٤٤٦٣) - وقال: صحيح الإسناد - ووافقه الذهبي - وانظر السلسلة الصحيحة للألباني - رقم الحديث (٣٠٦).
(٢) انظر الأبيات في كتاب الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر (٣/ ٩٤).
(٣) قلتُ ذكر البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٥٥) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ١٢) أن الذي قال لرَسُول اللَّهِ -ﷺ-: صِفْ لنا بيتَ المَقْدِسِ هو أبو بكر الصديق -﵁-، وهذا غير صحيح، بل الذي قال له: صِفْ لنا بيتَ المَقْدِسِ، هو المُطْعِمُ بن عدي، كما روى ذلك أبو يعلى في مسنده من حديث أم هانئ. وانظر فتح الباري (٧/ ٥٩٩) - (٩/ ٣٠٧). قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٥/ ٢٧): ولا شَكَّ أن هذا الحديث الذي ساقَهُ البيهقي أعني الحديث المروي عن شَدَّادِ بن أَوْس مشتَمِلٌ على أشياء منها ما هو صحيح كما ذكره البيهقي ومنها ما هو منكرٌ: كالصلاة في بيتِ لَحْمٍ، وسؤال الصديق عن نعتِ بيت المقدس.
[ ١ / ٥١٤ ]
بِنَاؤُهُ، وكَيْفَ هَيْئَتُهُ، فَإِنْ يَكُنْ مُحَمَّد صَادِقًا فَسَأُخْبِرُكُمْ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَسَأُخْبِرُكُمْ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! أنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِبَيْتِ المَقْدِسِ فَأَخْبِرْنِي كَيْفَ بِنَاؤُهُ وكَيْفَ هَيْئتُهُ؟ .
يَقُولُ الرَّسُولُ -ﷺ-: "لَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي الحِجْرِ، وقُرَيْشٌ تَسْأَلُنِي عَنْ مَسْرَايَ، فَسَأَلتْنِي عَنْ أشْيَاءَ مِنْ بَيْتِ المَقْدِسِ لَمْ أُثْبِتْهَا، فكُرِبْتُ كُرْبَة مَا كُرِبْتُ مِثْلَهُ قَطُّ، فَرَفَعَهُ اللَّهُ لِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، مَا يَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلَّا أَنْبَأْتُهُمْ بِهِ" (١).
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ البُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ قَالَ -ﷺ-: "فَجَلَّى (٢) اللَّهُ لِيَ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ (٣) أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ، وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ" (٤).
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ -ﷺ-: "فَذَهَبْتُ أَنْعَتُ (٥)، فَمَا زِلْتُ أَنْعَتُ حَتَّى التْبَسَ عَلَيَّ بَعْضُ النَّعْتِ"، قَالَ: "فَجِيءَ بِالمَسْجدِ (٦) وَأَنَا أَنْظُرُ حَتَّى
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب ذكر المسيح ابن مريم - رقم الحديث (١٧٢).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٩٩): معناه كشف الحجب بيني وبينه حتى رأيته.
(٣) طَفِقَ: أخَذَ وجَعَلَ. انظر النهاية (٣/ ١١٨).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب حديث الإسراء - رقم الحديث (٣٨٨٦) - وأخرجه في كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ - رقم الحديث (٤٧١٠).
(٥) النَّعْتُ: هو وَصْفُ الشَّيْءِ بما فيهِ من حُسْنٍ، ولا يقال في القَبِيح. انظر النهاية (٥/ ٦٨).
(٦) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٩٩): وهذا أبَّلَغُ في المعجزةِ، ولا استِحَالةِ فيه، فقد أُحضِرَ عرشُ بلقيس في طَرْفَةِ عينٍ لسليمانَ ﵇، وهو يَقتَضِي أنه أُزِيلَ من مكانِه حتى أُحضِرَ إليه، وما ذاك في قُدرة اللَّه بِعَزِيز.
[ ١ / ٥١٥ ]
وُضِعَ دُونَ دَارِ عَقِيلٍ فنعَتُّهُ، وأنَا أنْظُرُ إِلَيْهِ".
فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ نَعْتِهِ قَالَ المُشْرِكُونَ: أَمَّا النَّعْتُ فَوَاللَّهِ لَقَدْ أَصَابَ (١).
ثُمَّ إِنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- قَالَ لَهُمْ: "آيَةُ ذَلِكَ أَنِّي مَرَرْتُ بِعِيرٍ لَكُمْ بِمَكَانِ كذَا وَكَذَا، فَأَنْفَرَهُمْ حِسُّ الدَّابَّةِ -أَي الْبُرَاقِ- فَنَدَّ لَهُمْ بَعِيرٌ، فَدَلَلْتُهُمْ عَلَيْهِ، وَلَهُمْ إِنَاءٌ فِيهِ مَاءٌ قَدْ غَطَّوْا عَلَيْهَ بِشَيءٍ، فكَشَفْتُ غِطَاءَهُ وَشَرِبْتُ مَا فِيهِ، ثُمَّ غَطَّيْتُ عَلَيْهِ كَمَا كَانَ، وَعَلَى عِيرِهِمْ جَمَلٌ أَوْرَقُ عَلَيْهِ غَرَارَتَانِ، إِحْدَاهُمَا سَوْدَاءُ، وَالأُخْرَى بَرْقَاءُ"، فَلَمَّا جَاءَتِ الْعِيرُ، إِذَا عَلَيْهَا ذَلِكَ الجَمَلُ الذِي وَصَفَهُ الرَّسُولُ -ﷺ-، وسَأَلُوهُمْ عَنِ الإِنَاءِ، فَأَخْبَرُوهُمْ أَنَّهُمْ وَضَعُوهُ مَمْلُوءًا مَاءً، ثُمَّ غَطَّوْهُ، وَأَنَّهُمْ ذَهَبُوا فَوَجَدُوهُ مُغَطًّى كَمَا غَطَّوْهُ، وَلَمْ يَجِدُوا فِيهِ مَاءً، وَسَأَلُوهُمْ: هَلْ ضَلَّ لَكُمْ بَعِيرٌ؟ قَالُوا: نَعَمْ، نَدَّ لَنَا بَعِيرٌ فَسَمِعْنَا صَوْتَ رَجُلٍ يَدْعُونَا إِلَيْهِ حَتَّى أَخَذْنَاهُ (٢).
فَعَجِبَ الكُفَّارُ لَمَّا عَرَفُوا صِدْقَ الرَّسُولِ -ﷺ-، ومَا زَادَهُمْ ذَلِكَ إِلَّا نُفُورًا وَطُغْيَانًا كَبِيرًا.
قُلْتُ: وَقَدْ أَخْبَرَ الرَّسُولُ -ﷺ- قَوْمَهُ بِالإِسْرَاءِ أَوَّلًا، فَلَمَّا ظَهَرَتْ لَهُمْ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٨١٩) - وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٦).
[ ١ / ٥١٦ ]
أَمَارَاتُ صِدْقِهِ عَلَى تِلْكَ المُعْجِزَةِ أَخْبَرَهُمْ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا، وَهُوَ المِعْرَاجُ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ عَايَنَ -ﷺ- فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ مِنَ الآيَاتِ وَالأُمُورِ التِي لَوْ رَآهَا أَوْ بَعْضَهَا غَيْرُهُ لَأَصْبَحَ مُنْدَهِشًا أَوْ طَائِشَ الْعَقْلِ، وَلَكِنَّهُ -ﷺ- أَصْبَحَ ساكِنًا، يَخْشَى إِنْ بَدَأَ فَأَخْبَرَ قَوْمَهُ بِمَا رَأَى أَنْ يُبَادِرُوا إِلَى تَكْذِيبِهِ، فتَلَطَّفَ بِإِخْبَارِهِمْ أَوَّلًا بِأَنَّهُ جَاءَ بَيْتَ المَقْدِسِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ (٢).
_________________
(١) انظر تفاصيل قصة الإسراء والمعراج في: صحيح البخاري - كتاب الصلاة - باب كيف فرضت الصلاة - رقم الحديث (٣٤٩) - كتاب الحج - باب ما جاء في زمزم - رقم الحديث (١٦٣٦) - وكتاب بدء الخلق - باب ذكر الملائكة ﵈ - رقم الحديث (٣٢٠٧). وكتاب أحاديث الأنبياء - باب ذكر إدريس ﵇ - رقم الحديث (٣٣٤٢) وكتاب المناقب - باب حديث الإسراء - رقم الحديث (٣٨٨٦) - وكتاب المناقب - باب المعراج - رقم الحديث (٣٨٨٧) - (٣٨٨٨) وصحيح مسلم - كتاب الإيمان - باب الإسراء برَسُول اللَّهِ -ﷺ- رقم الحديث (١٦٢) - (١٦٣) - (١٦٤) - (١٦٥) - (١٦٦) - (١٦٧) - (١٧٢) ومسند الإمام أحمد - رقم الحديث (١٢٥٠٥) - (١٢٦٧٣) - (١٤٠٥٠) - (١٢٥٥٨) - (١٣٧٣٩) - (١٢٦٤١) وصحيح ابن حبان - كتاب الإسراء الأحاديث من (٤٥ - ٦٠) - السنن الكبرى للنسائي - كتاب الصلاة - باب فرض الصلاة - رقم الحديث (٣٠٩) - (٣١٠) - (٣١١) السنن الصغرى للنسائي - كتاب الصلاة - باب فرض الصلاة - رقم الحديث (٤٤٨) (٤٤٩) (٤٥٠) (٤٥١) دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٣٥٤) وما بعدها - البداية والنهاية (٣/ ١١٨ - ١٢٨) - زاد المعاد (٣/ ٣٠ - ٣٨) - سيرة ابن هشام (٢/ ٩ - ٢١) الرَّوْض الأُنُف (٢/ ١٨٧) - تفسير ابن كثير - تفسير سورة الإسراء - تفسير الطبري - تفسير سورة الإسراء.
(٢) انظر البداية والنهاية (٣/ ١٢٣).
[ ١ / ٥١٧ ]
* فَوَائِدُ قِصَّةِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي حَدِيثِ الإِسْرَاءِ وَالمِعْرَاجِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - أَنَّ لِلسَّمَاءِ أَبْوَابًا حَقِيقِيَّةً وَحَفَظَةً مُوَكَّلِينَ بِهَا.
٢ - وَفِيهِ إثْبَاتُ الِاسْتِئْذَانِ.
٣ - وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِمَنْ يَسْتَأْذِنُ أَنْ يَقُولَ أنَا فُلَانٌ، وَلَا يَقْتَصِرَ عَلَى أنَا لِأَنَّهُ منَافِي مَطْلُوبَ الِاسْتِفْهَامِ.
٤ - وَأَنَّ المَارَّ يُسَلِّمُ عَلَى القَاعِدِ، وَإِنْ كَانَ المَارُّ أفْضَلَ مِنَ القَاعِدِ.
٥ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَلَقِّي أَهْلِ الفَضْلِ بِالبِشْرِ، والتَّرْحِيبِ، والثَّنَاءِ، وَالدُّعَاءِ.
٦ - وَفِيهِ جَوَازُ مَدْحِ الإِنْسَانِ المَأْمُونِ عَلَيْهِ الِافْتِتَانُ فِي وَجْهِهِ.
٧ - وَفِيهِ جَوَازُ الِاسْتِنَادِ إِلَى القِبْلَةِ بِالظَّهْرِ وَغَيْرِهِ، مَأْخُوذٌ مِنِ اسْتِنَادِ إبْرَاهِيمَ ﵇ إِلَى البَيْتِ المَعْمُورِ، وَهُوَ كَالكَعْبَةِ فِي أَنَّهُ قِبْلَةٌ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ.
٨ - وَفِيهِ جَوَازُ نَسْخِ الحُكْمِ قَبْلَ وُقُوعِ الفِعْلِ.
٩ - وَفِيهِ فَضْلُ السَّيْرِ بِاللَّيْلِ عَلَى السَّيْرِ بِالنَّهَارِ لِمَا وَقَعَ مِنَ الإِسْرَاءِ بِاللَّيْلِ، وَلذَلِكَ كَانَتْ أَكْثَرُ عِبَادَتِهِ -ﷺ- بِاللَّيْلِ، وَكَانَ أَكْثرُ سَفَرِهِ -ﷺ- بِاللَّيْلِ، وَقَالَ -ﷺ- فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ الذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ: "عَلَيْكُمْ بِالدُّلْجَةِ (١)، فَإِنَّ الأَرْضَ تُطْوَى بِاللَّيْلِ" (٢).
_________________
(١) الدُّلجَةُ: هو السَّيرُ في الليل. انظر النهاية (٢/ ١٢٠).
(٢) رواه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٠٩١).
[ ١ / ٥١٨ ]
١٠ - وَفِيهِ أَنَّ التَّجْرِبَةَ أَقْوَى فِي تَحْصِيلِ المَطْلُوبِ مِنَ المَعْرِفَةِ الكَثِيرَةِ، يُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ مُوسَى ﵇ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ عَالَجَ النَّاسَ قَبْلَهُ وجَرَّبَهُمْ، ويُسْتَفَادُ مِنْهُ تَحْكِيمُ العَادَةِ، والتَّنْبِيهُ بِالْأَعْلَى عَلَى الأَدْنَى لِأَنَّ مَنْ سَلَفَ مِنَ الأُمَمِ كَانُوا أَقْوَى أَبْدَانًا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَقَدْ قَالَ مُوسَى ﵇ فِي كَلَامِهِ أَنَّهُ عَالَجَهُمْ عَلَى أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَمَا وَافَقُوهُ، ويُسْتَفَادُ مِنْهُ أَنَّ مَقَامَ الخُلَّةِ مَقَامُ الرِّضَا والتَّسْلِيمِ، وَمَقَامُ التَّكْلِيمِ مَقَامُ الإِدْلَالِ والِانْبِسَاطِ، وَمِنْ ثَمَّ اسْتَبَدَّ مُوسَى ﵇ بِأَمْرِ الرَّسُولِ -ﷺ- بِطَلَبِ التَّخْفِيفِ دُونَ إبْرَاهِيمَ ﵇، مَعَ أَنَّ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- مِنَ الِاخْتِصَاصِ بِإِبْرَاهِيمَ ﵇ أَزْيَدُ مِمَّا لَهُ مِنْ مُوسَى ﵇ لِمَقَامِ الأُبُوَّةِ، وَرِفْعَةِ المَنْزِلَةِ، وَالاتِّبَاعِ فِي المِلَّةِ.
١١ - وَفِيهِ أَنَّ الجَنَّةَ وَالنَّارَ قَدْ خُلِقَتَا، لِقَوْلِهِ -ﷺ-: "عُرِضَتْ عَلَيَّ الجَنَّة والنَّارُ" (١).
١٢ - وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الإِكْثَارِ مِنْ سُؤَالِ اللَّهِ تَعَالَى، وَتَكْثِيرِ الشَّفَاعَةِ عِنْدَهُ، لِمَا وَقَعَ مِنْهُ -ﷺ- في إِجَابَتِهِ مَشُورَةَ مُوسَى ﵇ فِي سُؤَالِ التَّخْفِيفِ.
١٣ - وَفِيهِ فَضِيلَةُ الِاسْتِحْيَاءِ.
١٤ - وَفِيهِ بَذْلُ النَّصِيحَةِ لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا، وَإِنْ لَمْ يُسْتَشَرِ النَّاصِحُ فِي ذَلِكَ (٢).
_________________
(١) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٣٩٤).
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٦٢١).
[ ١ / ٥١٩ ]
* مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ:
لَمَّا أَصْبَحَ الرَّسُولُ -ﷺ- مِنْ صَبِيحَةِ لَيْلَةِ الإِسْرَاءِ جَاءَهُ جِبْرِيلُ ﵇ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، فَبَيَّنَ لَهُ كَيْفِيَّةَ الصَّلَاةِ، وَأَوْقَاتَهَا (١).
فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فنَادَى بِأَصْحَابِهِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ (٢)، فَاجْتَمَعُوا، فَصَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ، وَصَلَّى الرَّسُولُ -ﷺ- بِالنَّاسِ (٣)، وسُمِّيَتْ تِلْكَ الصَّلَاةُ الظُّهْرَ لِأَنَّهَا أَوَّلُ صَلَاةٍ ظَهَرَتْ، أَوْ لِأَنَّهَا فُعِلَتْ عِنْدَ قِيَامِ الظَّهِيرَةِ (٤).
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ والحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- جَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ جَاءَهُ العَصْرُ، فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى العَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُهُ أَوْ قَالَ: صَارَ ظِلُّهُ مِثْلُهُ، ثُمَّ جَاءَهُ المَغْرِبَ، فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى حِينَ وَجَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ جَاءَهُ العِشَاءَ، فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ جَاءَهُ الفَجْرَ، فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى حِينَ بَرَقَ الفَجْرُ أَوْ قَالَ: حِينَ
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٢/ ١٨٤): وفي هذا رَدٌّ على من زَعَم أن بيان الأوقات إنما وقع بعد الهجرة، والحقُّ أن ذلك وقَعَ قبلهَا بِبَيَان جبريل ﵇، وبعدَهَا ببيانُ الرَّسول -ﷺ-.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٢/ ١٨٤): إنما دعَاهُم إلى الصلاة بقوله: الصلاة جامِعَة؛ لأن الأذانَ لم يكُنْ شُرعَ حينئذ.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٢/ ١٨٤): واستدل بهذا الحديث على جوازِ الائْتِمَامِ بمَنْ يأتَمُّ بغيره، ويجابُ عنه بما يُجَابُ عن قِصَّة أبي بكر -﵁- في صلاتِهِ خلفِ الرسول -ﷺ-، وصلاةُ الناسِ خلفِهِ، فإنه محمُولٌ على أنه مُبَلِّغٌ فَقَط.
(٤) انظر سيرة ابن هشام (١/ ٢٨٢).
[ ١ / ٥٢٠ ]
سَطَعَ الفَجْرُ، ثُمَّ جَاءَهُ فِي الغَدِ لِلظُّهْرِ، فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى الظُّهْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُهُ، ثُمَّ جَاءَهُ لِلْعَصْرِ، فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى العَصْرَ حِينَ صَارَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَيْهِ، ثُمَّ جَاءَهُ لِلْمَغْرِبِ وَقْتًا وَاحِدًا لَمْ يَزَلْ عَنْهُ، ثُمَّ جَاءَ لِلْعِشَاءَ حِينَ ذَهَبَ نِصْفُ اللَّيْلِ أَوْ قَالَ: ثُلُثُ اللَّيْلِ فَصَلَّى العِشَاءَ، ثُمَّ جَاءَهُ لِلْفَجْرِ حِينَ أَسْفَرَ جِدًّا فَقَالَ: قُمْ فَصَلِّهْ، فَصَلَّى الفَجْرَ، ثُمَّ قَالَ: مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ (١).
* فُرِضَتِ الصَّلَاةُ الرُّبَاعِيَّةُ رَكْعَتَانِ:
كَانَتِ الصَّلَاةُ عِنْدَمَا فُرِضَتْ عَلَى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ رَكْعَتَيْنِ: الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالعِشَاءَ وَالفَجْرَ، وَالمَغْرِبَ ثَلَاثًا، ثُمَّ هَاجَرَ الرَّسُولُ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَذَلِكَ بَعْدَ مَقْدَمِهِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ، وتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الأُولَى.
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ في صحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ حِينَ فَرَضَهَا رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ (٢) فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ، وَزِيدَ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ (٣).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٥٣٨) - والحاكم في المستدرك - كتاب الصلاة - باب وقت صلاة العشاء - رقم الحديث (٧٣٠).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٢/ ١١): كُرِّرَتْ لفظُ ركعتَيْنِ لتُفِيدُ عُمُومَ التَّثْنِيَةِ لكل صلاة.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الصلاة - باب كيف فرضت الصلاة في الإسراء - رقم الحديث (٣٥٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب صلاة المسافرين - باب صلاة المسافرين وقصرها - رقم الحديث (٦٨٥).
[ ١ / ٥٢١ ]
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فُرِضَتِ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ هَاجَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وتُرِكَتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى الأُولَى (١).
ورَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا افترِضَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الصَّلَاةِ: رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، إِلَّا المَغْرِبَ، فَإِنَّهَا كَانَتْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَتَمَّ اللَّهُ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالعِشَاءَ الآخِرَةَ أَرْبَعًا فِي الحَضَرِ، وَأَقَرَّ الصَّلَاةَ عَلَى فَرْضِهَا الأَوَّلِ فِي السَّفَرِ (٢).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: يُعَارِضُ حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا حَدِيثَ ابنَ عَبَّاسٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، قَالَ: فَرَضَ اللَّهُ الصلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ فِي الحَضَرِ أَرْبعًا، وفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ (٣)، والذِي يَظْهَرُ لِي وَبِهِ تَجْتَمعُ الأَدِلَّةُ أَنَّ الصَّلَوَاتِ فُرِضَتْ لَيْلَةَ الإِسْرَاءِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، إِلَّا المَغْرِبَ، ثُمَّ زِيدَتْ بَعْدَ الهِجْرَةِ إِلَّا الصُّبْحَ، كَمَا رَوَى ذَلِكَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فُرِضَتْ صَلَاةُ الحَضَرِ والسَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ، فَلَمَّا قَدِمَ الرَّسُولُ -ﷺ- المَدِينَةَ وَاطْمَأَنَّ زِيدَ فِي صَلَاةِ الحَضَرِ رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ، وتُرِكَتْ صَلَاةُ الفَجْرِ لِطُولِ
_________________
(١) أخرجه البخاري - كتاب مناقب الأنصار - باب التاريخ - رقم الحديث (٣٩٣٥).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٦٣٣٨).
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب صلاة المسافرين وقصرها - رقم الحديث (٦٨٧).
[ ١ / ٥٢٢ ]
القِرَاءَةِ، وَصَلَاةُ المَغْرِبِ؛ لِأَنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ (١).
ثُمَّ بَعْدَ أَنِ اسْتَقَرَّ فَرْضُ الرُّبَاعِيَّةِ خُفِّفَ مِنْهَا فِي السَّفَرِ عِنْدَ نُزُولِ قَوْلهِ تَعَالَى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ (٢). فَعَلَى هَذَا: المُرَادُ بِقَوْلِ عَائِشَةَ ﵂: فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ، أَيْ بِاعْتِبَارِ مَا آلَ إِلَيْهِ الأَمْرُ مِنَ التَّخْفِيفِ، لَا أَنَّهَا اسْتَمَرَّتْ مُنْذُ فُرِضَتْ، فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ القَصْرَ عزِيمَةٌ (٣).
* الصَّلَاةُ كَانَتْ إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ يُصَلِّي إِلَى بَيْتِ المَقْدِسِ، وَيَجْعَلُ الكَعْبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ بَيْتِ المَقْدِسِ، حَتَّى هَاجَرَ وَنَزَلَ الوَحْيُ بِتَحْوِيلِ القِبْلَةِ -كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى-.
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُصَلِّي وَهُوَ بِمَكَّةَ نَحْوَ بَيْتِ المَقْدِسِ، والكَعْبَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَبَعْدَمَا هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، ثُمَّ صُرِفَ إِلَى الكَعْبَةِ (٤).
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب فصل في صلاة السفر - رقم الحديث (٢٧٣٨).
(٢) سورة النساء آية (١٠١).
(٣) انظر فتح الباري (٢/ ١١ - ١٢).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٩٩١).
[ ١ / ٥٢٣ ]
انْشِقَاقُ القَمَرِ
قَالَ القَاضِي عِيَاضٌ: انْشِقَاقُ القَمَرِ مِنْ أُمَّهَاتِ مُعْجِزَاتِ نَبِيِّنَا -ﷺ-، وَقَدْ رَوَاهَا عِدَّةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ أَجْمَعِينَ مَعَ ظَاهِرِ الآيَةِ الْكَرِيمَةِ وسِيَاقِهَا (١).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: أَجْمَعَ المُسْلِمُونَ عَلَى وُقُوعِ ذَلِكَ فِي زَمَانِهِ -ﷺ-، وَجَاءَتْ بِذَلِكَ الأَحَادِيثُ المُتَوَاتِرَةُ مِنْ طُرُقٍ مُتَعَدِّدَةٍ تُفِيدُ القَطْعَ عِنْدَ مَنْ أحَاطَ بِهَا، ونَظَرَ فِيهَا (٢).
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فَأَرَاهُمُ القَمَرَ شِقَّتَيْنِ، حَتَّى رَأَوْا حِرَاءَ (٣) بَيْنَهُمَا (٤).
_________________
(١) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (١٧/ ١١٩).
(٢) انظر البداية والنهاية (٣/ ١٢٩).
(٣) حِراء: جبلٌ معروف بمكة. انظر النهاية (١/ ٣٦٢).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب انشقاق القمر - رقم الحديث (٣٨٦٨) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - باب انشقاف القمر - رقم الحديث (٢٨٠٢).
[ ١ / ٥٢٤ ]
وَرَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَبْد اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: انْشَقَّ القَمَرُ ونَحْنُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- بِمِنًى (١) فَقَالَ: "اشْهَدُوا" (٢)، وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ نَحْوَ الجَبَلِ (٣).
ورَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ والإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَاللَّفْظُ لِأَحْمَدَ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: سَأَلَ أَهْلُ مَكَّةَ النَّبِيَّ -ﷺ- آيَةً، فَانْشَقَّ القَمَرُ بِمَكَّةَ مَرَّتَيْنِ (٤)، فَقَالَ: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً (٥) يُعْرِضُوا (٦) وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ (٧).
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٧٩): وهذا يُعارِضُ قول أنس -﵁- أن ذلك كان بمكة، لأنه لم يُصَرِّح بأن النبي -ﷺ- كان لَيْلَتَئِذٍ بمكة، وعلى تقدير تصريحِهِ، فمِنَى من جُملَةِ مَكة فلا تَعَارض.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٧٩): أي اضْبِطُوا هذا القَدْر بالمُشَاهدة.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب انشقاق القمر - رقم الحديث (٣٨٦٩) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - باب انشقاق القمر - رقم الحديث (٢٨٠٠).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٥٧٨): وقد خَفِيَ على بعضِ الناس، فادَّعى أن انشقاقَ القمر وقعَ مرتين، وهذا مما يَعلم أهل الحديث والسِّيَر أنه غَلَط، فإنه لم يَقَعْ إِلَّا مرَّةً واحدة. وقال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ١٣٢): وقوله مرتين: فيهِ نظر، والظاهر أنه أرادَ فِرْقَتَيْنِ، واللَّه أعلم.
(٥) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ٤٧٥): أي دَلِيلًا وحُجَّةً وبُرْهانًا.
(٦) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ٤٧٥): أي لا يَنْقَادُونَ له، بل يُعرضُونَ عنه ويتركُونهُ ورَاءَ ظُهُورهم.
(٧) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ٤٧٥): أي يقولونَ هذا الذي شَاهدنَاهُ من الحُجَجِ =
[ ١ / ٥٢٥ ]
وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ، والطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: انْشَقَّ القَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: هَذَا سِحْرُ ابْنِ أَبِي كَبْشَةَ (١)، وقَالُوا: انْتَظِرُوا مَا يَأْتِيكُمْ بِهِ السُّفَّارُ (٢)، فَإِنَّ مُحَمَّدًا لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ، فَجَاءَ السُّفَّارُ، فَقَالُوا: ذَاكَ (٣).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ شُوهِدَ ذَلِكَ -أَي انْشِقَاقُ القَمَرِ- فِي كَثِيرٍ مِنْ بِقَاعِ الأَرْضِ، ويُقَالُ أَنَّهُ أُرِّخَ ذَلِكَ فِي بَعْضِ بِلَادِ الهِنْدِ (٤).
وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: لَوْ وَقَعَ انْشِقَاقُ القَمَرِ لَجَاءَ مُتَوَاتِرًا واشْتركَ أَهْلُ الأَرْضِ فِي مَعْرِفَتِهِ وِلَمَا اخْتُصَّ بِهَا أَهْلُ مَكَّةَ.
وَجَوَابُهُ: أَنَّ ذَلِكَ وقَعَ لَيْلًا، وَأَكْثَرُ النَّاسِ نِيَامٌ، وَالأَبْوَابُ مُغْلَقَةٌ، وَقَلَّ مَنْ يَرْصُدُ السَّمَاءَ إِلَّا النَّادِرُ، وَقَدْ يَقَعُ بِالمُشَاهَدَةِ فِي العَادَةِ أَنْ يَنْكَسِفَ القَمَرُ،
_________________
(١) = سِحْرٌ سَحَرَنا به. والحديث أخرجه مسلم في صحيحه - صفات المنافقين وأحكامهم - باب انشقاق القمر - رقم الحديث (٢٨٠٢) وأخرجه أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٦٨٨).
(٢) قال الحافظ في الفتح (١/ ٥٨): وابن أبي كَبْشَةَ أرادُوا به رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وأبو كَبْشَةَ هو الحارِثُ بن عَبْدِ العُزَّى والد الرسول -ﷺ- من الرضاعة، زوجُ حَلِيمَةَ السعدية.
(٣) السُّفَّار: أي المُسَافرون. انظر النهاية (٢/ ٣٣٥).
(٤) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٦٩٧) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٢٩٣).
(٥) انظر البداية والنهاية (٣/ ١٣١).
[ ١ / ٥٢٦ ]
وتَبْدُو الكَوَاكِبُ العِظَامُ وغَيْرُ ذَلِكَ فِي اللَّيْلِ، وَلَا يُشَاهِدُهَا إِلَّا الآحَادُ، فكَذَلِكَ الِانْشِقَاقُ كَانَ آيَةً وَقَعَتْ فِي اللَّيْلِ لِقَوْمٍ سَأَلُوا، وَاقْتَرَحُوا فَلَمْ يَتَأَهَّبْ غَيْرُهُمْ لَهَا، ويُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ القَمَرُ لَيْلَتَئِذٍ كَانَ فِي بَعْضِ المَنَازِلِ التِي يَظْهَرُ لِبَعْضِ أَهْلِ الآفَاقِ دُونَ بَعْضٍ كَمَا يَظْهَرُ الكُسُوفُ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ (١).
وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا، لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا طَلَبُوا ذَلِكَ اسْتِكْبَارًا وَعِنَادًا.
* * *
_________________
(١) انظر فتح الباري (٧/ ٥٨٠).
[ ١ / ٥٢٧ ]
عَرْضُ الرَّسُولِ -ﷺ- نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ عَلَى القَبَائِلِ وَالأَفْرَادِ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مكَّةَ في السَّنَةِ العَاشِرَةِ لِلْبِعْثَةِ، في جِوَارِ المُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ، -وَذَلِكَ عِنْدَمَا رَجَعَ مِنَ الطَّائِفِ- وَقَوْمُهُ أَشَدُّ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ وَفِرَاقِ دِينِهِ، وَكَانَ مَوْسِمُ الحَجِّ في ذَلِكَ العَامِ قَد اقْتَرَبَ، فَأَخَذَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَتَهَيَّاُ لِدَعْوَةِ قَبَائِلِ العَرَبِ إِلَى الإِسْلَامِ، كَمَا كَانَ شَأْنُهُ كُلَّ عَامٍ مُنْذُ أَنْ جَهَرَ بالدَّعْوَةِ في السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِلْبِعْثَةِ، وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ الأَمْرِ حَتَّى آخِرِ مَوْسِمٍ لِلْحَجِّ قَبْلَ هِجْرَتِهِ -ﷺ- إلى المدِيْنَةِ، فَكَانَ كُلَّمَا اجْتَمَعَ لَهُ النَّاسُ بالمَوْسِمِ أَتَاهُمْ يَدْعُو القَبَائِلَ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الإِسْلَامِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، وَمَا جَاءَ بِهِ مِنَ اللَّهِ مِنَ الهُدَى وَالرَّحْمَةِ، وَيَسْأَلُهُمْ أَنْ يُصَدِّقُوهُ، وَيَمْنَعُوهُ حَتَّى يُبَيِّنَ مَا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ (١).
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ -﵁- قَالَ: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ عَشَرَ سِنِينَ يَتَّبَّعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلهمْ بِعُكَاظٍ (٢)،
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٣٥).
(٢) عُكَاظٌ: هو مَوْضِعٌ بِقُرْبِ مكةَ، كَانَتْ تُقامُ بِهِ في الجَاهِليّةِ سُوقٌ يُقيمونَ فيهِ أيّامًا. انظر النهاية (٣/ ٢٥٧).
[ ١ / ٥٢٨ ]
وَمِجَنَّةٍ (١)، وَفِي المَوَاسِم بِمِنًى، يَقُولُ: "مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يْنُصُرُنِي؟ حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالةَ رَبِّي، وَلَهُ الجَنَّةُ"، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَخْرُجُ مِنَ اليَمَنِ أَوْ مِنْ مِصْرَ، فَيَأْتِيهُ قَوْمُهُ، فَيَقُوُلونَ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ لَا يَفْتِنُكَ (٢).
وَرَوَى أَبُو دَاودَ وابنُ مَاجَه وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ فِي المَوْقِفِ (٣)، فَيَقُولُ: "أَلَا رَجُلٌ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمِهِ، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُوني أَنْ أُبَلغِّ كَلَامَ رَبِّي" (٤).
* شِدَّةُ عَدَاوَةِ أَبِي لَهَبٍ لِلإِسْلَامِ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كُلَّمَا مَرَّ عَلَى قَوْمٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى الإِسْلَامِ تَبِعَهُ عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ وَرَاءَهُ يَرْمِيْهِ بِالحِجَارَةِ.
فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ رَبِيْعَةَ بنِ عِبَادٍ الدَّيْلِيِّ -﵁- قَالَ: رَأَيْتُ رَسُوْلَ اللَّهِ -ﷺ- بَصَرَ عَيْنِي بِسُوْقِ ذِي
_________________
(١) مِجَنَّة: هو مَوْضِعٌ بأسْفَلِ مكةَ على أمْيالٍ، وَكَانَ يُقامُ بها للعربِ سُوقًا. انظر النهاية (٤/ ٢٥٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٤٥٦).
(٣) المَوْقِفُ: أي المَوْسم، مَوسم الحج. انظر تحفة الأحوذي (٨/ ٢٤٢).
(٤) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب السنة - باب في القرآن - رقم الحديث (٤٧٣٤)، وابن ماجه في المقدمة - باب فيما أنكرت الجهمية - رقم الحديث (٢٠١)، وأخرجه الترمذي في جامعه - كتاب فضائل القرآن - باب رقم (٢٥) - رقم الحديث (٣١٥٢).
[ ١ / ٥٢٩ ]
المَجَازِ (١) يَقُولُ: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، تُفْلِحُوا"، وَيَدْخُلُ فِي فِجَاجِهَا (٢)، وَالنَّاسُ مُتَقَصِّفُونَ (٣) عَلَيْهِ، فَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا يَقُولُ شَيْئًا، وَهُوَ لَا يَسْكُتُ يَقُولُ: "أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا"، إِلَّا أَنَّ وَرَاءَهُ رَجُلٌ أَحْوَلُ (٤) وَضِيْءُ الوَجْهِ ذَا غَدِيْرَتَيْنِ (٥) يَقُولُ: إِنَّهُ صَابِئٌ كَاذِبٌ (٦). فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ يَذْكُرُ النُّبُوَةَ، قُلْتُ: مَنْ هَذَا الذِي يُكَذِّبُهُ؟ قَالُوا: عَمُّهُ أَبُو لَهَبٍ (٧).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي المُسْنَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، قَالَ: وَإِذَا رَجُلٌ خَلْفَهُ يَحْثِي (٨) عَلَيْهِ التُّرَابَ، فَإِذَا هُوَ أَبُو جَهْلٍ (٩).
_________________
(١) ذُو المَجَازِ: موضعُ سُوقٍ لمكة في الجاهلية بِعَرَفة على فَرْسَخٍ منها، كانت تُقَام إذا أهَلَّ هِلالُ ذي الحجة، وتستَمِرُّ إلى يومِ التَّرْوِيَةِ، وهو يوم الثامن من ذي الحجة. معجم البلدان (٧/ ٢٠٧). وفي رواية أخرى عند الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٠٢٤) قال: رأيتُ رسول اللَّه -ﷺ- يَطُوف على الناس بِمِنَى.
(٢) الفِجَاجُ: جمعُ فَجٍّ، وهو الطريقُ الوَاسِع. انظر النهاية (٣/ ٣٧٠).
(٣) قال السندي في شرح المسند (٩/ ١٧٦): مُتَقَصِّفُونَ: مُجْتمعون عليه.
(٤) قال السندي في شرح المسند (٩/ ١٧٦): الحَوَلُ: هو عَيْبٌ في العين مَعروف.
(٥) غَدِيرَتَيْنِ: هي الذَّوَائِبُ، واحدَتُهَا غَدِيرَةٌ. انظر النهاية (٣/ ٣١٠).
(٦) في رواية ابن حبان في صحيحه قال. ورجلٌ يَتْبعُهُ يَرْمِيه بالحجارة، وقد أدْمَى عُرْقُوبَيْهِ وكَعْبَيْهِ.
(٧) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٠٢٣) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب ذكر مقاساة المصطفى -ﷺ- ما كان يقاسي من قومه - رقم الحديث (٦٥٦٢).
(٨) حَثَا: رَمَى. انظر النهاية (١/ ٣٢٧).
(٩) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٦٠٣) - (٢٣١٥١).
[ ١ / ٥٣٠ ]
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: كَذَا قَالَ فِي هَذَا السِّيَاقِ: أَبُو جَهْلٍ، وَقَدْ يَكُونُ وَهْمًا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَارَةً يَكُونُ ذَا، وَتَارَةً يَكُونُ ذَا، وَأَنَّهُمَا كَانَا يَتَنَاوَبَانِ عَلَى إِيْذَائِهِ -ﷺ- (١).
* القَبَائِلُ التِي عَرَضَ عَلَيْهَا الرَّسُولُ -ﷺ- الإِسْلَامَ:
قَالَ ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ: فَكَانَ مَنْ سَمَّى لَنَا مِنَ القَبَائِلِ الذِيْنَ أَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: بَنُو عَامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ، وَمُحَارِبِ بنِ خَصْفَةَ، وَبَنُو فِزَارَةَ، وَغَسَّانٍ، وَبَنُو مُرَّةَ، وَبَنُو حَنِيفَةَ، وَبَنُو سُلَيْمٍ، وَبَنُو عَبْسٍ، وَبَنُو نَصْرٍ مِنْ هَوَازِنَ، وَبَنُو البُكَاءِ، وَكِنْدَةٍ، وَكَلْبٍ، وَبَنُو الحَارِثِ بنِ كَعْبٍ، وَبَنُو عُذْرَةَ، وَهَمَدَانَ، وَثَقِيفٍ (٢).
١ - قَبِيلَةُ هَمَدَانَ:
رَوَى الإِمَامَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ عَنْ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى النَّاسِ بِالمَوْقِفِ، فَيَقُولُ: "هَلْ مِنْ رَجُلٍ يَحْمِلُنِي إِلَى قَوْمهِ؟، فَإِنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أَنْ أُبَلِّغَ كَلَامَ رَبِّي".
فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ هَمَدَانَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مِمَّنْ أَنْتَ؟ ".
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٣/ ١٥١).
(٢) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١٠٤) - ودلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٢٩٣).
[ ١ / ٥٣١ ]
قَالَ: مِنْ هَمَدَانَ.
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَهَلْ عِنْدَ قَوْمِكَ مِنْ مَنَعَةٍ؟ ".
قَالَ: نَعَمْ، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ خَشِيَ أَنْ يُخْفِرَهُ (١) قَوْمُهُ، فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ: آتِيْهِمْ فَأُخبِرُهُمْ، ثُمَّ آتِيْكَ مِنْ عَامٍ قَابِلٍ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ"، فَانْطَلقَ، وَجَاءَ وَفْدُ الأنْصَارِ فِي رَجَبَ (٢).
٢ - قَبِيلة بَنِي عَامِرِ بنِ كلَ معْصَعَةَ:
قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَتَى بَنِي عَامِرِ بنِ صَعْصَعَةَ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ ﷿، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ -ﷺ-، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ: بَيْحَرَةُ بنُ فِرَاسٍ: وَاللَّهِ لَوْ أَنِّي أَخَذْتُ هَذَا الفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ لأكَلْتُ بِهِ العَرَبَ، ثُمَّ قَالَ للنَّبِيِّ -ﷺ-: أَرَأَيْتَ إِنْ نَحْنُ تَابَعْنَاكَ عَلَى أَمْرِكَ، ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ عَلَى مَنْ خَالفَكَ، أَيَكُونُ لَنَا الأمْرُ مِنْ بَعْدِكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الأمْرُ إِلَى اللَّهِ يَضَعُهُ حَيْثُ يَشَاءُ".
فَقَالَ لَهُ بَيْحَرَةُ بنُ فِرَاسٍ: أَفنهْدِفُ نُحُورَنَا (٣) لِلْعَرَبِ دُونَكَ، فَإِذَا أَظْهَرَكَ اللَّهُ كَانَ الأمْرُ لِغَيْرِنَا؟ لَا حَاجَةَ لَنَا بِأَمْرِكَ، فَأَبَوْا عَلَيْهِ.
_________________
(١) أَخْفَرْتَ الرَّجُلَ: إِذَا نَقَضْتَ عَهْدَهُ انظر النهاية (٢/ ٥٠).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥١٩٢).
(٣) أيْ: نجعلها هَدَفًا لِسِهَامِهِم. انظر الروض الأنف (٢/ ٢٣٧).
[ ١ / ٥٣٢ ]
فَلَمَّا صَدَرَ (١) النَّاسُ رَجَعَتْ بَنُو عَامِرٍ إِلَى شَيْخٍ لَهُمْ، قَدْ كَانَتْ أَدْرَكَتْهُ السِّنُّ، حَتَّى لَا يَقْدِرَ أَنْ يُوَافِيَ مَعَهُمُ المَوَاسِمَ، فكَانُوا إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِ حَدَّثُوهُ بِمَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ المَوْسِمِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ العَامَ سَأَلَهُمْ عَمَّا كَانَ فِي مَوْسِمِهِمْ، فَقَالُوا: جَاءَنَا فَتًى مِنْ قُرَيْشٍ، ثُمَّ أَحَدُ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، يَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَمْنَعَهُ، وَنَقُومَ مَعَهُ، وَنَخْرُجَ بِهِ إِلَى بِلَادِنَا.
فَوَضَعَ الشَّيْخُ يَدَيْهِ عَلَى رَأْسِهِ ثُمَّ قَالَ: يَا بَنِي عَامِرٍ! هَلْ لَهَا مِنْ تَلَافٍ؟ هَلْ لِذُنَابَاهَا مِنْ مَطْلَبٍ (٢)؟ وَالذِي نَفْسُ فُلَانٍ بِيَدِهِ، مَا تَقَوَّلَهَا إِسْمَاعِيلِيٌّ (٣) قَطُّ، وَإِنَّهَا لَحَقٌّ، فَأَيْنَ رَأْيُكُمْ كَانَ عَنْكُمْ (٤).
قَالَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدٌ أَبُو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي هَذِهِ القِصَّةِ دِلَالَةٌ قَوِيَّةٌ عَلَى صِدْقِهِ -ﷺ-، فَلَوْ كَانَ طَالِبَ مُلْكٍ، أَوْ جَاهٍ، أَوْ يَتَّجِرُ بِالمَبَادِئِ يَصْنَعُ كَمَا يَصْنَعُ دِهَاقِينُ (٥) السِّيَاسَةِ فِي القَدِيمِ، وَالحَدِيثِ مِنْ اسْتِمَالَةِ النَّاسِ بِالأحَادِيثِ الكَاذِبَةِ، وَالوُعُودِ الخَادِعَةِ البَرَّاقَةِ، وَيُمَنِّيهِم الأمَانِي الفَارِغَةَ حَتَّى إِذَا تَمَّ لَهُ مَا أَرَادَ نَسِيَ مَا قَالَ، وَرَجَعَ فِي وُعُودِهِ، بَلْ قَدْ يَتَنَكَّرُ لَهُمْ، وُيُسَفِّهَ عَلَيْهِمْ، وَيُنَكِّلُ
_________________
(١) الصَّدَرُ: بالتحريك هو رُجوعُ المُسَافِر من مَقْصِد. انظر النهاية (٣/ ١٥).
(٢) هذا مَثَلٌ يُضْرَبُ لِمَا فَاتَ، وَأَصْلُهُ مِنْ ذُنَابَى الطّائِرِ، وهو مَنْبَتُ ذَنبِ الطّائِرِ، إذا أُفْلِتَ مِنْ الحِبَالَةِ، فَطَلَبْتَ الأخْذَ بِذُنَابَاهُ. انظر الروض الأنف (٢/ ٢٣٧) - النهاية (٢/ ١٥٧).
(٣) أي: ما ادَّعَى النُّبَوُّةَ كَاذبًا أَحَدٌ مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ. انظر الروض الأنف (٢/ ٢٣٧).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٣٨).
(٥) الدِّهْقَانُ: هو القَوِيُّ عَلَى التَّصَرُّفِ مَعَ حِدَّةِ. انظر لسان العرب (٤/ ٤٢٩).
[ ١ / ٥٣٣ ]
بِهِمْ، وَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَ النُّبُوَّةِ وَغَيْرِهَا، وَمَا بَيْنَ الدَّاعِي إِلَى الحَقِّ وَطَالِبِ الدُّنْيَا (١).
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَن ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَامِرٍ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرِنِي الخَاتَمَ الذِي بَيْنَ كَتِفَيْكَ (٢)، فَإِنِّي مِنْ أَطَبِّ النَّاسِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَلَا أُرِيكَ آيَةً؟ " قَالَ: بَلَى. قَالَ: فنَظَرَ إِلَى نَخْلَةٍ، فَقَالَ -ﷺ-: "ادْعُ ذَلِكَ العَذْقَ" (٣). قَالَ: فَدَعَاهُ، فَجَاءَ يَنْقُزُ (٤) حَتَّى قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ارْجعْ". فَرَجَعَ إِلَى مَكَانِهِ، فَقَالَ العَامِرِيُّ: يَا آلَ بَنِي عَامِرٍ، مَا رَأَيْتُ كَاليَوْمِ رَجُلًا أَسْحَرَ (٥).
٣ - قَبِيلَةُ كِنْدَةَ:
رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي دَلَائِلِهِ عَنْ أُمِّ رُومَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي بَكْرٍ وَغَيْرِهِمَا قَالُوا: جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كِنْدَةَ في مَنَازِلهِم بِعُكَاظٍ، فَلَمْ يَأْتِ حَيًّا مِنَ العَرَبِ كَانَ أَلْيَنَ مِنْهُمْ، فَلَمَّا رَأَى لِيْنَهُمْ، وَقُوَّةَ جَبَهِهِمْ (٦) لَهُ، جَعَلَ يُكَلِّمُهُمْ وَيَقُولُ:
_________________
(١) انظر السيرة النبوية (١/ ٤٣٠) للدكتور محمد أبو شهبة ﵀.
(٢) الخاتَمُ: هو خَاتَمُ النُّبُوَّةِ الذي بَيْنَ كَتِفَي النّبِي -ﷺ- وقد فصَّلتُ ذلك فيما تقدم، فَرَاجِعه-.
(٣) العَذْقُ: بفتح العين هو النَّخْلَةُ. انظر النهاية (٣/ ١٨١).
(٤) نَقَزَ: أي وَثَبَ. انظر النهاية (٥/ ٩٢).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٥٤) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب المعجزات - رقم الحديث (٦٥٢٣).
(٦) جَبَهُهُمْ: أي اسْتِقْبَالُهُم. انظر لسان العرب (٢/ ١٧٣).
[ ١ / ٥٣٤ ]
"أَدْعُوكُمْ إِلَى اللَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ فَإِنْ أَظْهَرْ فَأَنْتُمْ بِالخِيَارِ"، فَقَالَ عَامَّتُهُمْ: مَا أَحْسَنَ هَذَا القَوْلَ، وَلَكِنَّا نَعْبُدُ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا، فَقَالَ أَصْغَرُ القَوْمِ: يَا قَوْمُ! اسْبِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ تُسْبَقُوا إِلَيْهِ، فَوَاللَّهِ إِنَّ أَهْلَ الكِتَابِ لَيُحَدِّثُونَ أَنَّ نَبِيًّا يَخْرُجُ مِنَ الحَرَمِ قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، وَكَانَ فِي القَوْمِ إِنْسَانٌ أَعْوَرُ، فَقَالَ: أَمْسِكُوا عَلَيَّ، أَخْرَجَتْهُ عَشِيرتُهُ وَتُؤْوُونَهُ أَنْتُمْ؟ تَحْمِلُونَ حَرْبَ العَرَبِ قَاطِبَةً، لَا، ثُمَّ لَا، فَانْصَرَفَ عَنْهُمْ حَزِينًا، فَانْصَرَفَ القَوْمُ إِلَى قَوْمِهِمْ فَخَبَّرُوهُمْ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ اليَهُودِ: وَاللَّهِ إِنَّكُمْ مُخْطِئُونَ بِخَطَئِكُمْ لَوْ سَبَقْتُمْ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ لَسُدْتُمْ العَرَبَ، وَنَحْنُ نَجِدُ صِفَتَهُ فِي كِتَابِنَا، فَوَصَفَهُ لِلْقَوْمِ الذِينَ رَأَوْهُ، كُلُّ ذَلِكَ يُصَدِّقُونَهُ بِمَا يَصِفُ مِنْ صِفَتِهِ، ثُمَّ قَالَ: نَجِدُ مَخْرَجَهُ بِمَكَّةَ، وَدَارَ هِجْرَتِهِ يَثْرِبَ، فَأَجْمَعَ القَوْمُ لِيُوَافُوهُ فِي المَوْسِمِ القِادِمِ، فَحَبَسَهُمْ سَيِّدٌ لَهُمْ عَنْ تِلْكَ السَّنَةِ، فَلَمْ يُوَافِ أَحَدٌ مِنْهُمْ (١).
٤ - قَبِيْلَةُ بَنِي حَنِيفَةَ:
قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَتَى بَنِي حَنِيفَةَ فِي مَنَازِرلهِمْ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ العَرَبِ أَقْبَبحَ عَلَيْهِ رَدًا مِنْهُمْ (٢).
_________________
(١) انظر دلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٢٩٧).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٣٧).
[ ١ / ٥٣٥ ]
٥ - قَبِيلَةُ عَبْسٍ:
رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي الدَّلَائِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ وَابِصَةَ العَبْسِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَنَازِلِنَا بِمِنًى، وَنَحْنُ نَازِلُونَ بِالجَمْرَةِ الأوْلَى التِي تَلِي مَسْجِدَ الخَيْفِ، وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، مُرْدِفًا خَلْفَهُ زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ، فَدَعَانَا، فَوَاللَّهِ مَا اسْتَجَبْنَا لَهُ، وَلَا خَيْرَ لَنَا، قَالَ: وَقَدْ كُنَّا سَمِعْنَا بِهِ وَبِدُعَائِهِ فِي المَوْسِمِ، فَوَقَفَ عَلَيْنَا لَدْعُونَا، فَلَمْ نَسْتَجِبْ لَهُ، وَكَانَ مَعَنَا مَيْسَرَةُ بنُ مَسْرُوقٍ العَبْسِيُّ، فَقَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَوْ صَدَّقْنَا هَذَا الرَّجُلَ وَحَمَلْنَاهُ حَتَّى نَحُلَّ بِهِ وَسَطَ رِحَالِنَا لَكَانَ الرَّأْيُ، فَأَحْلِفُ بِاللَّهِ لَيَظْهَرَنَّ أَمْرُهُ حَتَّى يَبْلُغَ كُلَّ مَبْلَغٍ، فَقَالَ لَهُ القَوْمُ: دَعْنَا عَنْكَ لَا تُعَرِّضْنَا لِمَا لَا قِبَلَ لَنَا بِهِ، فَطَمعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي مَيْسَرَةَ، فكَلَّمَهُ، فَقَالَ مَيْسَرَةُ: مَا أَحْسَنَ كَلَامَكَ وَأَنْوَرَهُ، وَلَكِنَّ قَوْمِي يُخَالِفُونَنِي، وَإِنَّمَا الرَّجُلُ بِقَوْمِهِ، فَإِنْ لَمْ يَعْضُدُوهُ (١) فَالعِدَا أَبْعَدُ، فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَخَرَجَ القَوْمُ صَادِرِينَ (٢) إِلَى أَهْلِهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ مَيْسَرَهُ: مِيلُوا بِنَا إِلَى فَدَكَ (٣)، فَإِنَّ بِهَا يَهُودًا، نَسْأَلُهُمْ عَنْ هَذَا الرَّجُلِ، فَمَالُوا إِلَى يَهُودٍ، فَأَخْرَجُوا سِفْرًا (٤) لَهُمْ، فَوَضَعُوهُ، ثُمَّ
_________________
(١) يَعْضُدُ فلان: أي يُعِينُهُ. انظر لسان العرب (٩/ ٢٥٣).
(٢) الصَّدَرُ: بالتحريك رجوع المسافر من مقصده. انظر النهاية (٣/ ١٥).
(٣) فَدَكٌ: هي قريةٌ بالحِجَازِ، بينها وبينَ المَدِينَةِ يومَانِ، وقيل: ثلاثةٌ، أفاءَهَا اللَّهُ على رسوله -ﷺ- في سنةَ سبعٍ من الهِجرةِ صُلْحًا، فكانت خَالِصَةً لرسولِ اللَّه -ﷺ-، وفيها عينٌ فَوَّارَةٌ ونَخِيلٌ كَثير. انظر معجم البلدان (٦/ ٤١٧).
(٤) السِفْرُ: بكسر السِّين: هو الكتاب. انظر لسان العرب (٦/ ٢٧٩). =
[ ١ / ٥٣٦ ]
دَرَسُوا ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- النَّبِيِّ الأمِّيِّ العَرَبِيِّ، يَرْكَبُ الجَمَلَ، وَيَجْتَزِئُ بِالكِسْرَةِ، وَلَيْسَ بِالطَّوِيلِ وِلَا بِالقَصِيرِ، وَلَا بِالجَعْدِ (١) وَلَا بِالسَّبِطِ (٢)، فِي عَيْنَيْهِ حُمْرَةٌ، مُشْرَبُ (٣) اللَّوْنِ، فَإِنْ كَانَ هُوَ الذِي دَعَاكُمْ فَأَجِيبُوهُ، وَادْخُلُوا فِي دِينِهِ، فَإِنَّا نَحْسُدُهُ فَلَا نَتَّبِعُهُ، وَلَنَا مِنْهُ فِي مَوَاطِنَ بَلَاءٌ عَظِيْمٌ، وَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِنْ العَرَبِ إِلَّا اتَّبَعَهُ أَوْ قَاتَلَهُ، فكُونُوا مِمَّنْ يَتَّبِعُهُ، فَقَالَ مَيْسَرَةُ: يَا قَوْمُ! إِنَّ هَذَا الأمْرَ بَيِّنٌ، فَقَالَ القَوْمُ: نَرْجعُ إِلَى المَوْسِمِ فَنَلْقَاهُ، فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ، وَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ رِجَالُهُمْ، فَلَمْ يَتْبَعْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المَدِيْنَةَ، وَحَجَّ حَجَّةَ الوَدَاعِ، لَقِيَهُ مَيْسَرَةُ، فَعَرَفَهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا زِلْتُ حَرِيصًا عَلَى اتِّبَاعِكَ مِنْ يَوْمِ أَنَخْتَ بِنَا، حَتَّى كَانَ مَا كَانَ، وَأَبَى اللَّهُ إِلَّا مَا تَرَى مِنْ تَأْخِيرِ إِسْلَامِي، فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَقَالَ: الحَمْدُ للَّهِ الذِي اسْتَنْقَذَنِي بِكَ مِنْ النَّارِ (٤).
_________________
(١) = ومنه قوله تعالى في سورة الجمعة آية (٥): ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا. . .﴾.
(٢) جَعْدُ الشَّعْرِ: هو ضِدُّ السَّبِطِ. انظر النهاية (١/ ٢٦٦).
(٣) السَّبِطُ مِنَ الشَّعْرِ: المُنْبَسِطُ المُسْتَرْسِلُ، أي كَانَ شَعْرُهُ -ﷺ- وسَطًا بينَهُمَا. انظر النهاية (٢/ ٣٠١).
(٤) الإشْرَابُ: هو خَلْطُ لونٍ بِلَونٍ، كأنَّ أحدَ اللَّوْنَيْنِ سُقِيَ اللونَ الآخَرَ. انظر النهاية (٢/ ٤٠٧). روى ابن حبان في صحيحه بسند صحيح - كتاب التاريخ - باب صفة الرسول -ﷺ- رقم الحديث (٦٣١١) عن علي بن أبي طالب -﵁- أنه كان إذا وصف النبي -ﷺ- قال: كان عظيم الهامة، أبيض، مشربًا حُمْرةً.
(٥) انظر دلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٢٩٣) - أسد الغابة (٤/ ٢٠٦) - البداية والنهاية (٣/ ١٥٧).
[ ١ / ٥٣٧ ]
٦ - قَبِيلَةُ كَلْبٍ:
قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ حُصيْنٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَتَى كَلْبًا فِي مَنَازِلهِمْ إِلَى بَطْنٍ مِنْهُمْ، يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَبْدِ اللَّهِ، فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَقُولُ لَهُمْ: "يَا بَنِي عَبْدِ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ ﷿، قَدْ أَحْسَنَ اسْمَ أَبِيكُمْ"، فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ (١).
٧ - قَبِيلَةُ بَنِي شَيْبَانَ:
مِمَّنْ عَرَضَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نَفْسَهُ جَمَاعَةً مِنْ بَنِي شَيْبَانَ، فِيْهِمْ مَفْرُوقُ بنُ عَمْرٍو، وَهَانِئُ بنُ قَبِيصَةَ، وَالمُثَنَّى بنُ حَارِثَةَ، وَالنُّعْمَانُ بنُ شَرِيكٍ، فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الإِسْلَامِ، وَتَلَا عَلَيْهِمْ القُرْآنَ، فَاسْتَحْسَنُوا قَوْلَهُ وَأَعْجَبَهُمْ مَا يَدْعُوا إِلَيْهِ، وَلَكِنَّهُمْ اعْتَذَرُوا عَنْ نُصْرَتِهِ لِكَوْنِ كِسْرَى، قَدْ أَخَذَ عَلَيْهِمْ عَهْدًا أَلَا يُحْدِثُوا حَدَثًا (٢) وَلَا يُؤْوُوا مُحْدِثًا (٣)، وَكَانَتْ أَرْضُهُمْ مِمَّا يَلِيْ بِلَادَ فَارِسٍ (٤).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٣٧) - البداية والنهاية (٣/ ١٥١).
(٢) الحَدَثُ: الأمْرُ الحَادِثُ المُنْكَرُ الذِي لَيْسَ بِمُعْتَادٍ، وَلَا مَعْرُوفٍ. انظر النهاية (١/ ٣٣٨).
(٣) المُحْدث: يُروَى بِكَسْرِ الدَّالِ وفتحِهَا -فَمَعْنَى الكَسْرِ: مَنْ نَصَرَ جَانِيًا أو آواهُ مِنْ خَصْمِهِ- وَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ. وبالفَتْحِ: هو الأمْرُ المُبْتَدَعُ نَفْسُهُ، ويَكونُ معنى الإيواءِ فِيْهِ الرِّضَا بِهِ، والصَّبْرَ عَلَيْهِ. انظر النهاية (١/ ٣٣٨).
(٤) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٢٢) - دلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٢٨٨).
[ ١ / ٥٣٨ ]
٨ - قَبِيلَةُ بَنِي مُحَارِبٍ:
رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: انتهَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى بَنِي مُحَارِبِ بنِ خَصْفَةَ، فَوَجَدَ فِيْهِمْ شَيْخًا ابنَ مائةِ سَنَةٍ وَعِشْرِينَ سَنَةٍ، فكلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَدَعَاهُ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَنْ يَمْنَعَهُ حَتَّى يُبَلِّغَ رِسَالة رَبِّهِ، فَقَالَ الشَّيْخُ: أَيّها الرَّجُلُ! قَوْمُكَ أَعْلَمُ بِنَبَئِكَ، وَاللَّهِ لَا يَؤُوبُ (١) بِكَ رَجُلٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا آبَ بِشَرِّ مَا يَؤُوبُ بِهِ أَهْلُ المَوْسِمِ، فَأَغْنِ عَنَّا نَفْسَكَ، وَإِنَّ أَبَا لَهَبٍ لقائِمٌ يَسْمَعُ كَلَامَ المُحَارِبِيِّ، ثُمَّ وَقَفَ أَبُو لَهَبٍ عَلَى المُحَارِبِيِّ فَقَالَ: لَوْ كَانَ أَهْلُ المَوْسِمِ كُلُّهُمْ مِثْلَكَ لَتَرَكَ هَذَا الدِّيْنَ الذِي هُوَ عَلَيْهِ، إِنَّهُ صَابِئٌ (٢) كَذَّابٌ، فَقَالَ المُحَارِبِيُّ، أَنْتَ وَاللَّهِ أَعْرَفُ بِهِ، هُوَ ابنُ أَخِيكَ، لُحْمَتُكَ (٣)، ثُمَّ قَالَ المُحَارِبِيُّ: لَعَلَّ بِهِ يَا أَبَا عُتْبَةَ لَمَمًا (٤)، فَإِنَّ مَعَنَا رَجُلًا مِنْ الحَيِّ يَهْتَدِي لِعِلَاجِهِ، فَلَمْ يَرْجعْ أَبُو لَهَبٍ بِشَيْءٍ، غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا رَآهُ وَقَفَ عَلَى حَيٍّ مِنْ أَحْيَاءَ العَرَبِ صَاحَ بِهِ أَبُو لَهَبٍ: إِنَّهُ صَابِئٌ كَذَّابٌ (٥).
_________________
(١) الأَوْبُ: الرُّجُوعُ. انظر النهاية (١/ ٧٩). ومنه قوله تعالى في سُورة ق آية (٣٢): ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ﴾. قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٧/ ٤٠٦): أي رَجَّاعٌ تائِبُ مُقْلِعٌ.
(٢) يُقالُ صَبَأَ فلانٌ: إذا خَرَجَ مِنْ دِينٍ إلى دِينٍ غَيْرِهِ، وكانت العربُ تُسَمِّي النبيَّ -ﷺ- الصَابِئَ؛ لأنَّهُ خَرَجَ مِنْ دِينِ قُرَيْشٍ إلى دِيْنِ الإسلامِ. انظر النهاية (٣/ ٣).
(٣) اللُّحْمَةُ بالضَّمِّ: القَرَابَةُ. انظر لسان العرب (١٢/ ٢٥٤).
(٤) اللَّمَمُ: هو طَرَفٌ مِنْ الجُنونِ يُلِمُّ بالإنسانِ: أيْ يَقْرَبُ مِنْهُ ويَعْتَرِيهِ. انظر النهاية (٤/ ٢٣٣).
(٥) انظر دلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٢٩٣).
[ ١ / ٥٣٩ ]
* الأفْرَادُ الذِينَ عَرَضَ عَلَيْهِمْ الرَّسُولُ -ﷺ- الإِسْلَامَ:
قَالَ ابنَ إِسْحَاقَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يَسْمَعُ بِقَادِمٍ يَقْدُمُ مَكَّةَ مِنْ العَرَبِ، لَهُ اسْمٌ وَشَرَفٌ، إِلَّا تَصَدَّى لَهُ، فَدَعَاهُ إِلَى الإِسْلَامِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ مَا عِنْدَهُ (١).
فَمِنْ هَؤُلَاءِ الأفْرَادِ الذِينَ عَرَضَ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الإِسْلَامَ:
* سُوَيْدُ بنُ الصَّامِتِ:
كَانَ شَاعِرًا مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ، يُسَمِّيهِ قَوْمُهُ الكَامِلَ لِجَلَدِهِ (٢) وَشَرَفِهِ، وَنَسَبِهِ، قَدِمَ مَكَّةَ حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا، فتَصَدَّى لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِيْنَ سَمعَ بِهِ، فَدَعَاهُ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الإِسْلَامِ، فَقَالَ لَهُ سُوَيْدُ: فَلَعَلَّ الذِي مَعَكَ مِثْلَ الذِي مَعِي، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: وَمَا الذِي مَعَكَ؟
قَالَ مَجَلَّةُ (٣) لُقْمَانَ -يَعْنِي حِكْمَةَ لُقْمَانَ- فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: اعْرِضْهَا
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٣٨).
(٢) الجَلَدُ: القُوَّةُ. انظر النهاية (١/ ٢٧٥).
(٣) يُرِيدُ كِتَابًا فيه حِكْمَةَ لقمَانَ، وَكُلُّ كِتابٍ عندَ العربِ مَجَلَّةٌ. انظر النهاية (٤/ ٢٥٦). وَأَمَّا لقمانُ ﵇ فقد اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فيهِ هَلْ كَانَ نَبِيًّا، أو عَبْدًا صَالحًا مِنْ غَيرِ نُبُوَّةٍ؟ على قَولَينِ، والأكثرون على أَنَّهُ لَيْسَ نَبيًا. قال ابن عباس ﵄: كَانَ لُقمانُ عبدًا حبَشيًا نَجَارًا. وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٦/ ٣٣٤) بعد أَنْ سَاقَ بعضَ الآثارِ: فهذِهِ الآثارُ منهَا ما هُو مُصَرَّحٌ فيهِ بِنَقْيِ كَوْنِهِ نبيًا، ومنهَا ما هو مُشْعِرٌ بِذَلِكَ؛ لأنَّ كَوْنَهُ عَبْدًا قَدْ مَسَّهُ الرِّقُّ =
[ ١ / ٥٤٠ ]
عَلَيَّ، فَعَرَضَهَا عَلَيْهِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: إِنَّ هَذَا لَكَلَامٌ حَسَنٌ، وَالذِي مَعِي أَفْضَلُ مِنْ هَذَا، قُرْآنٌ أَنْزَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيَّ، هُوَ هُدًى وَنُورٌ، فتَلَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- القُرْآنَ، وَدَعَاهُ إِلَى الإِسْلَامِ، فَلَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ، وَقَالَ: إِنَّ هَذَا لقوْلٌ حَسَنٌ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ، فَقَدِمَ المَدِينَةَ عَلَى قَوْمِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ قتَلَتْهُ الخَزْرَجُ، فَكَانَ رِجَالٌ مِنْ قَوْمِهِ يَقُولُونَ: إِنَّا لَنرَاهُ قَدْ قُتِلَ وَهُوَ مُسْلِمٌ، وَكَانَ قَتْلُهُ قَبْلَ يَوْمِ بُعَاثٍ (١).
قَالَ ابنُ عَبْدِ البَرِّ: أَنَا شَاكٌّ فِي إِسْلَامِ سُوَيْدِ بنِ الصَّامِتِ كَمَا شَكَّ فِيهِ غَيْرِي مِمَّنْ أَلَّفَ فِي هَذَا الشَّأْنِ قَبْلِي (٢).
وَقَالَ الحَافِظُ فِي الإصَابَةِ: فَإِنْ صَحَّ مَا قَالُوا -أَنَّهُ أَسْلَمَ- لَمْ يُعَدَّ فِي الصَّحَابَةِ؛ لِأنَّهُ لَمْ يَلْقَ النَّبِيَّ -ﷺ- مُؤْمِنًا (٣).
* ضِمَادُ بنُ ثَعْلَبَةَ:
وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ (٤) مِنْ اليَمَنِ، كَانَ صَدِيقًا لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فِي
_________________
(١) = يُنافي كونَهُ نبيًا، لأنَّ الرُّسُلَ كَانَتْ تُبْعَثُ في أَحْسَابِ قَومِهَا، ولهذا كَانَ جمهورُ السَّلَفِ على أنَّه لم يكنْ نبيًا.
(٢) يَومُ بُعَاث: بضم الباء هو يومٌ مَشْهورٌ كَانَ فيهِ حَرْبٌ بَيْنَ الأوْسِ والخَزْرَجِ -وبُعَاثٌ اسْمُ حِصْنٍ للأوْسِ. انظر النهاية (١/ ١٣٨) - وسَيَأْتِي ذِكْرُ تَفْصِيلِ هذهِ الوَقْعَةِ. انظر تفاصيل لقاء الرسول -ﷺ- بسويد بن الصامت في: سِيرَةِ ابنِ هِشَامٍ (٢/ ٣٩) - البِدايَةِ والنِّهَايَةِ (٣/ ١٥٨) - دَلائِلِ النُّبُوَّةِ للبيهقي (٢/ ٤١٩) - الرَّوْضِ الأنُفِ (٢/ ٢٤١).
(٣) انظر الاستيعابَ (٢/ ٢٣٦).
(٤) انظر الإصابةَ (٣/ ٢٤٧).
(٥) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِي في شَرْحِ مُسْلِمٍ (٢/ ١٩٤): شَنُوءَةُ: هي قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ، سُمُّوا بِذَلِكَ =
[ ١ / ٥٤١ ]
الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ يَرْقِي (١) مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ (٢)، قَدِمَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا، فَجَلَسَ مَجْلِسًا فِيهِ أَبُو جَهْلٍ، وَعُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا الرَّجُلُ الذِي فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَسَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَأَضَلَّ مَنْ مَاتَ مِنَّا، وَعَابَ آلِهَتَنَا، فَقَالَ أُمَيَّةُ: الرَّجُلُ مَجْنُونٌ غَيْرُ شَكٍّ، قَالَ ضِمَادُ: فَوَقَعَتْ فِي نَفْسِي كَلِمَتُهُ، فَقُلْتُ: لَوْ أَنِّي رَأَيْتُ هَذَا الرَّجُلَ لَعَلَّ اللَّهَ يَشْفِيَهُ عَلَى يَدَيَّ، فَلَقِيَهُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إِنِّي أَرْقِي مِنْ هَذِهِ الرِّيحِ، وَإِنَّ اللَّهَ يَشْفِي عَلَى يَدَيَّ مَنْ شَاءَ، فَهَلْ لَكَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ الحَمْدَ للَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ، مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَمَّا بَعْدُ. . . "
فَقَالَ ضِمَادُ بنُ ثَعْلَبَةَ: أَعِدْ عَلَيَّ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءَ، فَأَعَادَهُنَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثلَاثَ مَرَّاتٍ، فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعْتُ قَوْلَ الكَهَنَةِ، وَقَوْلَ السَّحَرَةِ، وَقَوْلَ الشُّعَرَاءَ، فَمَا سَمِعْتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلَاءِ، وَلقدْ بَلَغْنَ نَاعُوسَ (٣) البَحْرِ.
فَقَالَ: هَاتِ يَدَكَ أُبَايِعْكَ عَلَى الإِسْلَامِ، فَبَايَعَهُ.
_________________
(١) = مِنْ قَولكَ رَجُلٌ فِيهِ شَنُوءَةٌ أيْ تَقَزُّزٌ، وهُمْ حَيٌّ مِنْ اليَمَنِ.
(٢) يُقالُ رَقَى الرَّاقِي رُقْيَةً: إِذَا عَوَّذَ وَنَفَثَ في عُوذَتِهِ. انظر لِسَانَ العَرَبِ (٥/ ٢٩٣). وَقَالَ ابنُ الأثِيرِ: الرُّقْتةُ: العُوذَةُ التِي يُرْقَى بِهَا صَاحِبُ الآفَةِ كالحُمَّى وَالصَّرَعِ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الآفَاتِ. انظر النِّهَايَةَ (٢/ ٢٣١).
(٣) قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِي في شَرْحِ مُسْلِمٍ (٦/ ١٣٧): المُرَادُ بِالرِّيحِ هُنَا الجُنُونُ، وَمَسُّ الجِنُّ.
(٤) نَاعُوسٌ: هكذا في صحيح مسلم، وفي غَيْره: قَامُوسُ البَحْرِ: وهو وسَطُهُ ولُجَّتُهُ. انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٦/ ١٣٧).
[ ١ / ٥٤٢ ]
فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَعَلَى قَوْمِكَ".
قَالَ: وَعَلَى قَوْمِي (١).
* الطُّفَيْلُ بنُ عَمْرٍو الدُّوسِيُّ:
وَكَانَ -﵁- رَجُلًا شَرِيفًا شَاعِرًا لَبِيبًا، رَئِيسَ قَبِيلَةِ دَوْسٍ بِاليَمَنِ، قَدِمَ مَكَّةَ، وَذَلِكَ بَعْدَ عَوْدَةِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنْ الطَّائِفِ، فَمَشَى إِلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ، وَكَانُوا لَا يَسْمَعُونَ بِقُدُومِ أَحَدٍ مِنْ العَرَبِ عَلَيْهِمْ، إِلَّا اسْتَقْبَلُوهُ، وَحَذَّرُوهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَوَصَفُوهُ بِكُلِّ نَقِيصَةٍ خَشْيَةَ أَنْ يُسْلِمَ، فَقَالُوا لَهُ: يَا طفيْلُ! إِنَّكَ قَدِمْتَ بِلَادَنَا، وَهَذَا الرَّجُلُ الذِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا قَدْ أَعْضَلَ (٢) بِنَا، وَقَدْ فَرَّقَ جَمَاعَتَنَا، وَشَتَّتَ أَمْرَنَا، وَإِنَّمَا قَوْلَهُ كَالسِّحْرِ، يُفَرِّقُ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ أَبِيهِ، وَبَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ أَخِيهِ، وَبَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ، وَإِنَّا نَخْشَى عَلَيْكَ وَعَلَى قَوْمِكَ مَا قَدْ دَخَلَ عَلَيْنَا، فَلَا تُكَلِّمْهُ، وَلَا تَسْمَعَنَّ مِنْهُ شَيْئًا. قَالَ الطُّفَيْلُ: فَوَاللَّهِ مَا زَالَوا بِي -أَيْ مَا زَالُوا يُخَوِّفُونِي- حَتَّى أَجَمَعْتُ أَلَّا أَسْمَعَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا أُكَلِّمُهُ، وَحَتَّى حَشَوْتُ فِي أَذُنِي حِيْنَ غَدَوْتُ إِلَى المَسْجِدِ كُرْسُفًا (٣)، فَرَقًا (٤) مِنْ أَنْ يَبْلُغَنِي
_________________
(١) أخرج هذه القصة: الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الجمعة - باب تخفيف الصلاة والخطبة - رقم الحديث (٨٦٨) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٤٩).
(٢) أعضَلَ الأمرُ: اشتَدَّ واسَتْغَلْقَ. انظر لسان العرب (٩/ ٢٦٠).
(٣) الكُرْسُفُ: القُطْنُ. انظر النهاية (٤/ ١٤٢).
(٤) الفَرَقُ: بالتحريك أي الخَوْفُ والفَزَعُ. انظر النهاية (٣/ ٣٩٢).
[ ١ / ٥٤٣ ]
شَيْءٌ مِنْ قَوْلهِ، وَأَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَسْمَعَهُ. قَالَ الطُّفَيْلُ: فَغَدَوْتُ إِلَى المَسْجِدِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَائِمٌ يُصَلِّي عِنْدَ الكَعْبَةِ، قَالَ: فَقُمْتُ مِنْهُ قَرِيبًا، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُسْمِعَنِي بَعْضَ قَوْلهِ، قَالَ: فَسَمِعْتُ كَلَامًا حَسَنا، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: وَاثُكْلَ (١) أُمِّي، وَاللَّهِ إِنِّي لَرَجُلٌ لَبِيبٌ شَاعِرٌ مَا يَخْفَى عَلَيَّ الحَسَنُ مِنْ القَبِيحِ، فَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَسْمَعَ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ مَا يَقُولُ؟ فَإِنْ كَانَ الذِي يَأْتِي بِهِ حَسَنًا قَبِلْتُهُ، وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا تَرَكْتُهُ.
قَالَ: فَمَكَثْتُ حَتَّى انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى بَيْتِهِ، فَاتَّبَعْتُهُ، حَتَّى إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ دَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ قَالُوا لِي كَذَا وَكَذَا، لِلَّذِي قَالُوا، فَوَاللَّهِ مَا بَرِحُوا (٢) يُخَوِّفُونَنِي أَمْرَكَ حَتَّى سَدَدْتُ أُذُنَيَّ بِكُرْسُفٍ لِئَلَّا أَسْمَعَ قَوْلَكَ، ثُمَّ أَبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُسْمِعَنِي قَوْلَكَ، فَسَمِعْتُهُ قَوْلًا حَسَنًا، فَاعْرِضْ عَلَيَّ أَمْرَكَ، قَالَ: فَعَرَضَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيَّ القُرْآنَ، فَلَا وَاللَّهِ مَا سَمِعْتُ قَوْلًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ، وَلَا أَمْرًا أَعْدَلَ مِنْهُ، فَأَسْلَمْتُ وَشَهِدْتُ شَهَادَةَ الحَقِّ، وَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنِّي امْرُؤٌ مُطَاعٌ فِي قَوْمِي، وَأَنَا رَاجعٌ إِلَيْهِمْ، وَدَاعِيهِمْ إِلَى الإِسْلَامِ، فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لِي آيَةً، تَكُونُ لِي عَوْنًا عَلَيْهِمْ فِيمَا أَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ لَهُ آيَةً".
_________________
(١) ثَكِلَتْكُ أُمُّكَ: أيْ فَقَدَتْكَ، وَالثَّكْلُ: فَقْدُ الوَلَدِ. انظر النهاية (١/ ٢١٢).
(٢) مَا بَرِحَ: أيْ ما زَالَ. انظر لِسانَ العربِ (١/ ٣٦١).
[ ١ / ٥٤٤ ]
* خُرُوجُ الطُّفَيْلِ -﵁- إِلَى قَوْمِهِ دَاعِيًا إِلَى الإِسْلَامِ:
قَالَ الطُّفَيْلُ -﵁-: فَخَرَجْتُ إِلَى قَوْمِي، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِثَنِيَّةٍ (١) تُطْلِعُنِي عَلَى الحَاضِرِ (٢)، وَقَعَ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيَّ مِثْلُ المِصْبَاحِ، قُلْتُ: اللَّهُمَّ فِي غَيْرِ وَجْهِي، إِنِّي أَخْشَى أَنْ يَظُنُّوا أَنَّهَا مُثْلَةٌ (٣) وَقَعَتْ فِي وَجْهِي لِفِرَاقِي دِيْنِهِمْ، قَالَ: فتَحَوَّلَ النُّورُ فَوَقَعَ فِي رَأْسِ سَوْطِي، قَالَ: فَجَعَلَ الحَاضِرُ يَترَاءَوْنَ ذَلِكَ النُّورَ فِي سَوْطِي كَالقِنْدِيلِ المُعَلَّقِ، وَأَنَا أَهْبِطُ لَهُمْ مِنْ الثَّنِيَّةِ، حَتَّى جِئْتُهُمْ فَأَصْبَحْتُ فِيهِمْ، فَلَمَّا نَزَلْتُ أَتَانِي أَبِي، وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا، فَقُلْتُ: إِلَيْكَ عَنِّي يَا أَبَتِ، فَلَسْتُ مِنْكَ وَلَسْتَ مِنِّي، قَالَ: لِمَ يَا بُنَيَّ؟ قُلْتُ: أَسْلَمْتُ وَتَابَعْتُ دِينَ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، قَالَ: أَيْ بُنَيَّ! فَدِينِي دِينُكَ، فَقُلْتُ: فَاذْهَبْ فَاغْتَسِلْ، وَطَهِّرْ ثِيَابَكَ، ثُمَّ تَعَالَ حَتَّى أُعَلِّمَكَ مَا عُلِّمْتُ، قَالَ: فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ، وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ جَاءَ فَعَرَضْتُ عَلَيهِ الإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ، ثُمَّ أَتَتْنِي صَاحِبَتِي (٤)، فَقُلْتُ: إِلَيكِ عَنِّي، فَلَسْتُ مِنْكِ وَلَسْتِ مِنِّي، قَالَتْ: لِمَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي؟ قَالَ: فَرَّقَ بَيْنِي وَبَيْنَكِ الإِسْلَامُ، وَتَابَعْتُ ديِنَ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، قَالَتْ: فَدِينِي دِينُكَ، قَالَ: فَاذْهَبِي وَاغْتَسِلِي، فَذَهَبَتْ فَاغْتَسَلَتْ، ثُمَّ جَاءَتْ فَعَرَضْتُ عَلَيْهَا الإِسْلَامَ فَأَسْلَمَتْ.
_________________
(١) الثَّنِيَّةُ في الجَبَلِ: الطَّرِيقُ العالِي فيهِ. انظر النهاية (١/ ٢٢٠).
(٢) الحَاضِرُ: الحَيُّ، القَوْمُ النُّزُولُ عَلى ماءٍ يُقِيمُونَ بِهِ ولا يَرْتَحِلُونَ عنهُ. انظر النهاية (١/ ٣٨٤).
(٣) المُثْلَةُ: العُقُوبَةُ والتَّنْكِيلُ. انظر لسان العرب (١٣/ ٢٥).
(٤) صَاحِبَتِي: أيْ زَوْجَتِي.
[ ١ / ٥٤٥ ]
* دُعَاءُ الرَّسُولِ -ﷺ- لقَبِيلَةِ دَوْسٍ بِالهِدَايَةِ:
قَالَ الطُّفَيْلُ -﵁-: وَدَعَوْتُ دَوْسًا إِلَى الإِسْلَامِ فَأَبْطَأُوا عَلَيَّ، ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ فَقُلْتُ: يَا رَسُولُ اللَّهِ! إِنَّ دَوْسًا قَدْ عَصَتْ وَأَبَتْ، فَادْعُ اللَّهَ عَلَيْهَا، فَاسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- القِبْلَةَ، وَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ النَّاسُ: هَلَكُوا.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بِهِمْ، اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا وَائْتِ بِهِمْ" (١).
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- للطُّفَيْلِ -﵁-: "ارْجعْ إِلَى قَوْمِكَ فَادْعُهُمْ وَارْفُقْ بِهِمْ".
قَالَ الطُّفَيْلُ: فَرَجَعْتُ إِلَيْهِمْ، فَلَمْ أَزَلْ بِأَرْضِ دَوْسٍ أَدْعُوهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ حَتَّى هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ، وَقَضَى بَدْرًا وَأُحُدًا وَالخَنْدَقَ، ثُمَّ قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بمَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِي، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِخَيْبَرَ (٢)، حَتَّى نَزَلْتُ المَدِينَةَ بِسَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ بَيْتًا مِنْ دَوْسٍ، ثُمَّ لَحِقَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِخَيْبَرَ.
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الدعاء للمشركين بالهُدى ليتألفهم - رقم الحديث (٢٩٣٧) - وأخرجه في كتاب الدعوات - باب الدعاء للمشركين - رقم الحديث (٦٣٩٧) - وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل غفار وأسلم ودوس - رقم الحديث (٢٥٢٤) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٣١٥).
(٢) سيأتي خبرُ هِجرته -﵁- في وَفْدِ دَوْسٍ في أحدَاثِ غزْوَةِ خَيْبَرَ إن شاء اللَّه.
[ ١ / ٥٤٦ ]
وَكَانَ مِنْ بَيْنِ قَبِيلَةِ دَوْسٍ الذِينَ أَسْلَمُوا عَلَى يَدِ الطُّفَيْلِ بنِ عَمْرٍو الدَّوْسِي -﵁- رَاوِيَةُ الإِسْلَامِ أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-.
* اسْتِشْهَادُ الطُّفَيْلِ بنِ عَمْرٍو -﵁-:
وَأَقَامَ الطُّفَيْلُ -﵁- بِالمَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى قَبَضَ اللَّهُ رَسُولَهُ -ﷺ-، فَلَمَّا ارْتَدَّتِ العَرَبُ، خَرَجَ مَعَ المُسْلِمِينَ لِقِتَالِ المُرْتَدِّينَ، وَاسْتُشْهِدَ -﵁- فِي مَعْرَكَةِ اليَمَامَةِ، وَقَدْ رَأَى رُؤْيَا فِي المَنَامِ قَبْلَ مَعْرَكَةِ اليَمَامَةِ، فَقَالَ لأصْحَابِهِ: إِنَّي قَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا فَاعْبِرُوهَا لِي: رَأَيْتُ أَنَّ رَأْسِي حُلِقَ، وَأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ فَمِي طَائِرٌ، وَأَنَّهُ لَقِيَتْنِي امْرَأَةٌ فَأَدْخَلَتْنِي فِي فَرْجِهَا، وَأُرَى ابْنِي يَطْلُبُنِي طَلبًا حَثِيثًا، ثُمَّ رَأَيْتُهُ حُبِسَ عَنِّي، قَالُوا: خَيْرًا، قَالَ: أَمَّا أَنَا وَاللَّهِ فَقَدْ أَوَّلْتُهَا، قَالُوا: مَاذَا؟ قَالَ: أَمَّا حَلْقُ رَأْسِي فَقَطْعُهُ، وَأَمَّا الطَّائِرُ الذِي خَرَجَ مِنْ فَمِي فروحِي، وَأَمَّا المَرْأَةُ التِي أَدْخَلَتْنِي فَرْجَهَا فَالأَرْضُ تُحْفَرُ لِي فَأَغِيبُ فِيهَا، وَأَمَّا طَلَبُ ابْنِي إِيَّايَ ثُمَّ حَبْسُهُ عَنِّي، فَإِنِّي أَرَاهُ سَيَجْهَدُ أَنْ يُصِيبَهُ مَا أَصَابَنِي.
فقُتِل -﵁- فِي مَعْرَكَةِ اليَمَامَةِ، ثُمَّ قُتِلَ ابْنُهُ فِي مَعْرَكَةِ اليَرْمُوكِ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ وَقَعَ الأمْرُ كَمَا أَوَّلَهَا -﵁- (٢).
_________________
(١) انظر تفاصيل قصة إسلام الطفيل بن عمرو -﵁- في: سيرة ابن هشام (٢/ ٤٢٠) - دلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٢٣٩) - الطبقات الكبرى لابن سعد (٤/ ٤٣٩).
(٢) انظر البداية والنهاية (٦/ ٧٣١).
[ ١ / ٥٤٧ ]
* إِسْلَامُ إِيَاسِ بنِ مُعَاذٍ:
كَانَ إِيَاسُ بنُ مُعَاذٍ غُلَامًا حَدَثًا مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، قَدِمَ مَكَّةَ فِي وَفْدِ الأوْسَ يَلْتَمِسُونَ الحِلْفَ (١) مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنْ الخَزْرَجِ، وَذَلِكَ قُبَيْلَ حَرْبِ بُعَاثٍ، فنَزَلُوا عَلَى عُتْبَةَ بنِ رَبِيعَةَ، فَأَكْرَمَهُمْ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ وَإِلَى قُرَيْشٍ أَنْ يُحَالِفُوهُمْ عَلَى قِتَالِ الخَزْرَجِ، فَسَمعَ بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَأَتَاهُمْ وَجَلَسَ إِلَيْهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ: هَلْ لَكُمْ فِي خَيْرٍ مِمَّا جِئتمْ لَهُ؟ فَقَالُوا لَهُ: وَمَا ذَاكَ؟
قَالَ: أَنَا رَسُولُ اللَّهِ بَعَثَنِي إِلَى العِبَادِ، أَدْعُوهُمْ إِلَى أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْزَلَ عَلَيَّ الكِتَابَ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمُ الإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ القُرْآنَ، فَقَالَ إِيَاسُ بنُ مُعَاذٍ: أَيْ قَوْمُ! هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِمَّا جِئْتُمْ لَهُ.
فَأَخَذَ أَبُو الحَيْسَرِ، وَاسْمُهُ أَنَسُ بنُ رَافِعٍ حَفْنَةً (٢) مِنْ تُرَابِ البَطْحَاءِ فَضَرَبَ بِهَا وَجْهَ إِيَاسِ بنِ مُعَاذٍ، وَقَالَ: دَعْنَا مِنْكَ، فَلَعَمْرِي لَقَدْ جِئْنَا لِغَيْرِ هَذَا، مَا قَدِمَ وَفْدٌ إِذًا عَلَى قَوْمٍ بِشَرِّ مِمَّا قَدِمْنَا بِهِ عَلَى قَوْمِنَا، إِنَّا خَرَجْنَا نَطْلُبُ حِلْفَ قُرَيْشٍ عَلَى عَدُوِّنَا، فنَرْجعُ بِعَدَاوَةِ قُرَيْشٍ مَعَ عَدَاوَةِ الخَزْرَجِ، فَصَمَتَ إِيَاسٌ، وَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْهُمْ، وَانْصَرَفُوا إِلَى المَدِينَةِ، وَكَانَتْ وَقْعَةُ بُعَاثٍ بَيْنَ الأوْسِ وَالخَزْرَجِ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ إِيَاسُ بنُ مُعَاذٍ أَنْ هَلَكَ، وَكَانَ يُهَلِّلُ اللَّهَ تَعَالَى، وَيُكَبِّرُهُ، وَيَحْمَدُهُ، وَيُسَبِّحُهُ عِنْدَ
_________________
(١) أصْلُ الحَلِفِ: المُعَاقَدَةُ والمُعَاهد على التَّعَاضُدِ والتَّسَاعُدِ والاتَفاقِ. انظر النهاية (١/ ٤٠٧).
(٢) الحَفْنَةُ: مِلْءُ الكَفِّ. انظر النهاية (١/ ٣٩٣).
[ ١ / ٥٤٨ ]
مَوْتِهِ، فَلَا يَشُكُّ قَوْمُهُ أَنَّهُ مَاتَ مُسْلِمًا (١)
قُلْتُ: ذَكَرَهُ الإِمَامُ البُخَارِي فِي تَارِيْخِهِ الأوْسَطِ فِيمَنْ مَاتَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنَ المُهَاجِرِينَ الأوَّلينَ وَالأنْصَارِ، وَتَرْجَمَ لَهُ فِي التَّارِيخِ الكَبِيرِ.
* يَوْمُ بُعَاثٍ:
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرسُول -ﷺ-، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَدْ افترقَ مَلَؤُهُمْ، وَقُتِلَتْ سَرَوَاتُهُمْ (٢) وَجُرِحُوا، فَقدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولهِ -ﷺ- في دُخُولِهِم فِي الإِسْلَامِ (٣).
وَبُعَاثٌ هُوَ مَكَانٌ، وَيُقَالُ حِصْنٌ، وَقِيلَ مَزْرَعَةٌ، عِنْدَ بَنِي قُرَيْظَةَ عَلَى مِيلَيْنِ مِنَ المَدِينَةِ، وَكَانَتْ بِهِ وَقْعَةٌ بَيْنَ الأوْسِ وَالخَزْرَجِ، فَقُتِل فِيهَا كَثِيرٌ مِنْهُمْ، وَكَانَ رَئِيسَ الأوْسِ فِيهِ: حُضَيْرٌ وَالِدُ أُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ -﵁-، وَكَانَ رَئِيسَ الخَزْرَجِ يَوْمَئِذٍ: عَمْرُو بنُ النُّعْمَانِ البَيَاضِيُّ فَقُتِلَ فِيهَا، وَكَانَ النَّصْرُ فِيهَا أَوَّلًا لِلْخَزْرَجِ، ثُمَّ ثبَّتَهُمْ حُضَيْرٌ فَرَجَعُوا، وَانتصَرَت الأوْسُ، وَجُرِحَ حُضَيْرٌ يَوْمَئِذٍ
_________________
(١) أخرج قصة إيَاسُ بن معاذ -﵁-: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٦١٩) والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر إياس بن معاذ - رقم الحديث (٤٨٨٤) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٤١) - وإسناده حسن.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٤٨٥): سَرَوَاتُهُم: خِيَارُهُم، والسُّرَاةُ جَمْعَ سَرِي، وهو الشَّريف.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب مناقب الأنصار - رقم الحديث (٣٧٧٧) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٣٢٠).
[ ١ / ٥٤٩ ]
فَمَاتَ فِيهَا، وَذَلِكَ قَبْلَ الهِجْرَةِ بِخَمْسِ سِنِينَ.
وَقَدْ قُتِلَ فِيهَا مِنْ أَكَابِرِهِمْ مَنْ كَانَ لَا يُؤْمِنُ، أَيْ يَتَكَبَّرُ وَيَأْنَفُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الإِسْلَامِ، حَتَّى لَا يَكُونَ تَحْتَ حُكْمِ غَيْرِهِ، وَقَدْ كَانَ بَقِيَ مِنْهُمْ مِنْ هَذَا النَّحْوِ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ المُنَافِقُ لَعَنَهُ اللَّهُ (١).
قَالَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ أَبُو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَقَدْ شَاءَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الوَقْعَةُ العَظِيمَةُ قُبَسْلُ مَقْدَمِ النَّبِيِّ -ﷺ- المَدِينَةَ لِتَتَهَيَّأَ النُّفُوسُ لِقَبُولِ الإِسْلَامِ وَالإيْمَانِ بِالرَّسُولِ -ﷺ-، وَليَظْهَرَ فَضْلُ الإِسْلَامِ عَلَى الأنْصَارِ، فَقَدْ جَمَعَهُمْ بَعْدَ الفُرْقَةِ، وَغَرَسَ فِي قُلُوبِهِمُ المَحَبَّةَ بَعْدَ العَدَاوَةِ، وَالوِئَامَ بَعْدَ الشِّقَاقِ (٢).
* * *
_________________
(١) انظر فتح الباري (٧/ ٤٨٤).
(٢) انظر كتاب السيرة النبوية (١/ ٤٣٢) للدكتور محمد أبو شهبة رحمه اللَّه تعالى.
[ ١ / ٥٥٠ ]
بَدْءُ إِسْلامِ الأَنْصَارِ (١)
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّد الغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: مَا وَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي هذِهِ القَبَائِلِ التِي عَرَضَ عَلَيْهَا نَفْسَهُ الشَّرِيفَةَ قَلْبًا مَفْتُوحًا، وَلَا صَدرًا مَشْرُوحًا، بَلْ كَانَ الرَّاحِلُونَ وَالمُقِيمُونَ يَتَوَاصَوْنَ بِالبُعدِ عَنْهُ، وَيُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالأصَابعِ.
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١/ ٩١) - (٧/ ٤٨٤): الأنصارُ: جمعُ نَاصر كأصحَابٍ وصاحِبٍ، أو جمعُ نَصِيرٍ كأشرافٍ وشريفٍ، واللامُ فيه للعهدِ أي أنصارُ رسولِ اللَّه -ﷺ-، والمرادُ الأوسُ والخزرَجُ، والأوسُ يُنسبُون إلى أوْسِ بنِ حَارِثَةَ، والخَزْرَجُ يُنسبونَ إلى الخَزْرَجِ بنِ حَارِثَةَ، وكانوا قَبْل ذلك يُعرفون بِبَنِي قَيْلَةَ -بقاف مفتوحة-، وهي الأمُّ التي تَجْمَعُ القَبِيلَتَيْنِ، فسمَّاهم رسول اللَّه -ﷺ- الأنصار، أخرج البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٣٧٧٦) - عن غَيْلان بن جَرير قال: قلتُ لأنسٍ: أرأيتَ اسمَ الأنصارِ كُنتم تُسَمَّون به، أم سَمَّاكم اللَّهُ؟ قال: بل سَمَّانا اللَّهُ. فصارَ ذلك عَلمًا عليهم، وأُطْلِق أيضًا على أولادهم وحُلفائهم ومَوَاليهم، وخُصُّوا بهذه المَنْقَبَة العُظمى لما فَازُوا به دون غيرهم من والقبائل من إيوَاءِ النبي -ﷺ- هو ومَنْ مَعَهُ، والقيامِ بأمرهم، ومُوَاسَاتهم بأنفسِهم وأموالِهِم وإيثَارِهِمْ إياهُم في كثيرٍ من الأمُورِ على أنفسهم، فكان صَنِيعُهُم لذلكَ مُوجِبًا لمُعَادَاتهم جَمِيعَ الفِرَقِ المَوْجُودِينَ من عَرَبٍ وعَجَبم، والعَدَاوة تَجُرُّ البُغْضَ، ثم كان ما اختُصُّوا به مما ذُكِرَ مُوجِبًا للحَسَدِ، والحَسَدُ يَجُرُّ البُغْضَ، فلهذا جاء التَّحْذِيرُ من بُعْضِهم، والتَّرغِيب في حبّهم حتى جُعِلَ ذلك آية الإيمان والنِّفاق، تَنْويها بِعَظِيم فَضْلِهم، وتَنْبيهًا على كَريم فِعلهم. روى الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (١٧) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (٧٤) عن أنس -﵁- قال: قال رسول اللَّه عن: "آيةُ الأيمانِ حُبُّ الأنصَارِ، وآيةُ النفَاقِ بُغْضُ الأنصَارِ".
[ ١ / ٥٥١ ]
وَكَانَ الرَّجُلُ يَجِيءُ مِنَ الآفَاقِ البَعِيدَةِ فيزَوِّدُهُ قَوْمُهُ بِهذِهِ الوَصَاةِ: احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ لَا يَفْتِنُكَ (١).
وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- فِي هذَا الجَوِّ القَابِضِ، لَمْ يُخَامِر (٢) اليَأْسُ قَلْبَهُ، وَاسْتَمَرَّ مُثَابِرًا فِي جِهادِ الدَّعوَةِ حَتَّى تَأَذَّنَ الحَقُّ أَخِيرًا بِالفَرَجِ (٣).
دَخَلَت السَّنَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ مِنَ البِعثَةِ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُومُ بِالدَّعوَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا يَفْتُرُ عَنْ ذَلِكَ رغْمَ ازْدِيَادِ تَضْيِيقِ قُرَيْشٍ عَلَيْهِ، وَإِثَارَتِهِمْ حَوْلَهُ الشَّائِعَاتِ، وَالأَكَاذِيبِ لِيَصُدُّوا النَّاسَ عَن الِاسْتِجَابَةِ لَهُ، فَلَمَّا اقْترَبَ مَوْسِمُ الحَجِّ مِنْ هذِهِ السَّنَةِ رَاحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْتَعِدُّ لِدَعْوَةِ الوُفُودِ وَالقَبَائِلِ، كَمَا كَانَ يَفْعَلُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ.
فَلَمَّا كَانَ مَوْسِمُ حَجِّ السَّنَةِ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ مِنَ البعثَةِ، وَأَرَادَ اللَّه عَزَّ رَجَلَّ إِظْهار دِينِهِ، وَإِعْزَازَ نَبِيِّهِ -ﷺ-، وَإِنْجَازَ مَوْعِدِهِ لَهُ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَبَيْنَمَا هُوَ عِنْدَ العَقَبَةِ (٤) لَقِيَ رَهْطًا (٥) مِنْ الخَزْرَجِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا، فَقَالَ
_________________
(١) هذا جُزءٌ من حَديثٍ أخرجه الإمام أحمد في مسنده بسندٍ صحيح على شرط مسلم - رقم الحديث (١٤٤٥٦) - وقد مَرَّ قبلَ قَلِيلٍ.
(٢) التَّخْمِيرُ: التَّغْطِيَةُ. انظر لسان العرب (٤/ ٢١١).
(٣) انظر فِقة السيرة للشيخ محمد الغزالي رحمه اللَّه تعالى ص ١٤٠.
(٤) العَقَبَةُ: الجَبَلُ الطَّويل -يعرض للطريق فيأخذ فيهِ- وهو طَوِيلٌ صعْبٌ شَدِيد. انظر لسان العرب (٩/ ٣٠٦).
(٥) الرَّهْطُ: ما دُونَ العشرة. انظر لسان العرب (٥/ ٣٤٣).
[ ١ / ٥٥٢ ]
لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ هو: "مَنْ أَنْتُمْ؟ ".
قَالُوا: نَفَرٌ مِنْ الخَزْرَجِ.
قَالَ: "أَمِنْ مَوَالِي (١) اليَهُودِ؟ ".
قَالُوا: نَعَمْ.
قَالَ -ﷺ-: "أَفَلَا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ؟ ".
قَالُوا: بَلَى، فَجَلَسُوا مَعَهُ، فَدَعَاهُم إِلَى اللَّهِ ﷿، وَعَرَضَ عَلَيْهِم الإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِم القُرآنَ.
وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّه لَهُمْ بِهِ فِي الإِسْلَامِ، أَنَّ يَهُودَ كَانُوا مَعَهم فِي بِلَادِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَعِلْمٍ، وَكَانُوا هُم -أَيْ الأوْسُ وَالخَزْرَجُ- أَهْلَ شِركٍ وَأَصْحَابَ أَوْثَانٍ، وَكَانُوا قَدْ عَزُّوهُمْ (٢) ببلَادِهِمْ، فكَانُوا إِذَا كَانَ بَيْنَهُم شَيْءٌ، قَالُوا لَهُمْ: إِنَّ نَبِيًّا مَبْعُوث الآنَ، قَدْ أَظَلَّ زَمَانُهُ، نَتَّبِعُهُ فنَقْتُلُكُم مَعَهُ قتلَ عَادٍ (٣) وإِرَمٍ (٤).
_________________
(١) قال الإمام السهيلي في الروض الأنف (٢/ ٢٤٦): أي مِنْ حُلفَائِهِم.
(٢) عَزُّوهُم: أي غَلَبُوهُم. انظر لسان العرب (٩/ ١٨٧).
(٣) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٨/ ٣٩٤): عادٌ قومٌ كانوا مُمَرِّدِينَ عُتَاةً جَبَّارِين، وهم الذين بَعَثَ اللَّه فيهم رسوله هُودًا ﵇، فكذبُوه وخَالفُوه، فأنجَاهُ اللَّه من بين أظهُرِهم، ومن آمن معه منهم، وأهلكَهُم اللَّه تعالى بِرِيحٍ صَرصَرٍ عَاتِيَة.
(٤) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٨/ ٣٩٥): إرَمٌ هي قبيلةٌ وأمةٌ منَ الأمم، لم يُخْلَق مثل تلك القَبِيلة في البلادِ، يعني في زَمَانِهِم. يقول اللَّه تعالى عن اليهُودِ وهم يُهدِّدُونَ الأوسَ والخزْرَجَ بخُرُوج الرسول -ﷺ-: =
[ ١ / ٥٥٣ ]
فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أُولَئِكَ النَّفَرَ، وَدَعَاهُم إِلَى اللَّهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبعضٍ: يَا قَوْمُ!، تَعْلَمُوا وَاللَّهِ إِنَّهُ للنَّبِيُّ الذِي تَوَعَّدَكم بِهِ يَهُودُ، فَلَا تَسْبِقَنَكُمْ إِلَيْهِ، فَأَجَابُوهُ فِيمَا دَعَاهُم إِلَيْهِ، بِأَنْ صَدَّقُوهُ وَقَبِلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الإِسْلَامِ، وَكَانُوا -أَيْ هؤُلَاءِ النَّفَرُ مِنَ الخَزْرَجِ- مِنْ عُقَلَاءِ يَثْرِبَ، أَنْهكَتْهُمْ الحَرْبُ الأَهْلِيَّةِ التِي مَضَتْ مِنْ قَرِيبٍ (١)، وَالتِي لَا يَزَالُ لَهِيبُهَا مُسْتَعِرًا، فَأَمَّلُوا أَنْ تَكُونَ دَعْوَتُهُ -ﷺ- سَبَبًا لِوَضْعِ الحَرْبِ، فَقَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: إِنَّا قَدْ تَرَكْنَا قَوْمَنَا، وَلَا قَوْمَ بَيْنَهُم مِنَ العَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُم، فَعَسَى أَنْ يَجْمَعَهُمُ اللَّهُ بِكَ، فَسَنَقْدُمُ عَلَيْهِمْ، فنَدْعُوهُم إِلَى أَمْرِكَ، وَنَعْرِضُ عَلَيْهِمْ الذِي أَجَبْنَاكَ إِلَيْهِ مِنْ هذَا الدِّينِ، فَإِنْ يَجْمَعهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ فَلَا رَجُلَ أَعَزُّ مِنْكَ.
* أَوَّلُ مَسْجِدٍ يُقْرَأُ فِيهِ القُرآنُ بِالمَدِينَةِ:
ثُمَّ انْصَرُفوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَقَدْ آمَنُوا وَصَدَّقُوا، فَكَانَ أَوَّلَ مَسْجِدٍ قُرِئَ فِيهِ القُرآنُ بِالمَدِينَةِ مَسْجِدُ بَنِي زُرَيْقٍ (٢).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: زُرَيْقٌ بِتَقْدِيْمِ الزَّايِ مُصَغَّرًا، وَيُسْتَفَادُ مِنْهُ جَوَازُ
_________________
(١) = ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ سورة البقرة آية (٨٩).
(٢) هي حربُ بُعَاث التي ذكرتها قَبْل قليل.
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٤٢) - زاد المعاد (١/ ٩٧) - البداية والنهاية (٣/ ١٦٠) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٣١) - الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١٠٥).
[ ١ / ٥٥٤ ]
إِضَافَةِ المَسَاجِدِ إِلَى بَانِيهَا، أَو المُصَلِّي فِيهَا، وَيُلْتَحَقُ بِهِ جَوَازُ إِضَافَةِ أَعْمَالِ البِرِّ إِلَى أَرْبَابِهَا (١).
* عَدَدُ وَأَسْمَاءُ رَهْطِ الخَزْرَجِ ﵃:
وَكَانَ هَؤُلَاءِ الرَّهْطُ سِتَّةَ نَفَرٍ مِنَ الخَزْرَجِ، كَمَا ذَكَرَ ابنُ إِسْحَاقَ، وَهُمْ:
• من بني النجار:
١ - أَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ -﵁- (٢) - ٢ - عَوْف بنُ الحَارِثِ -﵁- (٣) -وَهُوَ ابنُ عَفرَاء -﵁-.
• مِنْ بَنِي زُرَيْقٍ:
٣ - رَافِعُ بنُ مَالِكٍ الْعَجْلَانِيُّ -﵁- (٤).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٢/ ٧٧).
(٢) هو أسعَدُ بنُ زُرَارَةَ بن النجَّار الأنصاري، أبو أُمامَة، غلبت عليه كُنْيته واشتهرَ بها، كان عَقَبِيًّا نَقِيبًا، شَهِدَ العَقَبَةَ الأولى والثانية وبايعَ فيهما، ومات أسعدُ بن زُرارة -﵁- قبل غزوة بدرٍ الكبرى، والمسجدُ النبوي يُبْنَى، فكوَاهُ الرسول -ﷺ-، ومات فىِ تلكَ الأيامِ، وذلك في السنة الأولى من الهجرة، ودُفِنَ بالبقِيعِ -﵁-، وهو أوَّل من دُفِنَ بها من الأنصار. انظر الإصابة (١/ ٢٠٨).
(٣) هو عوفُ بن عَفْرَاءَ، ذكره ابن إسحاق في السيرة فيمن شَهِد بدرًا، وقُتِلَ فيها. انظر أسد الغابة (٣/ ٤٢٦).
(٤) هو رافعُ بنُ مَالِكِ بن العَجْلانِ بنِ زُرَيْقٍ الأنصَاري، يُكْنَى أبا مَالِكٍ، وقيل: أبا رِفَاعَة، شهد العَقَبَة، وكان أحدَ النُّفَبَاءِ، وشهد بَدرًا فيما ذكره موسى بن عُقْبة، ولم يذكره ابن إسحاق في البَدرِيِّينَ. انظر الإصابة (٢/ ٣٦٩).
[ ١ / ٥٥٥ ]
• مِنْ بَنِي سَلِمَة:
٤ - قُطْبَةُ بنُ عَامِرٍ -﵁- (١)
• مِنْ بَنِي حَرَامِ بْنِ كَعبٍ:
٥ - عُقْبَةُ بنُ عَامِرٍ -﵁- (٢)
• مِنْ بَنِي عُبَيْدِ بنِ عَدِيٍّ:
٦ - جَابِرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ رِئَابٍ -﵁- (٣)، وَهُوَ غَيْرُ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ حَرَامٍ المَشْهُورِ -﵁- (٤).
* رِوَايَةُ مُوسَى بنِ عُقْبَةَ:
وَذَكَرَ مُوسَى بنُ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا ثَمَانِيَةً، مِنْهُم مَنْ ذَكَرَهُ ابنُ إِسْحَاقَ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يَذْكُرْهُ وَهُمْ:
_________________
(١) هو قُطبَةُ بنُ عامِرٍ الخزرجِيُّ الأنصاريّ، شهد العقبَةَ الأولى والثانِيَة، ولم يختلفوا في ذلك، وشَهِدَ بدرًا، وأحُدًا، والخنَدَق، والمَشَاهِدَ كلَّها مع رسول اللَّه -ﷺ-، وكانت معه رايَةُ بَنِي سلِمَةَ يوم الفَتْحِ، وجُرِحَ يومَ أُحُدٍ تِسْعَ جِرَاحَاتٍ، وتوفي -﵁- في خلافة عُثمان -﵁-. انظر أسد الغابة (٣/ ٤٨٦).
(٢) هو عُقْبَةُ بنُ عَامِرٍ الخَزْرَجِيُّ الأنصارِيُّ، شهد العَقَبة الأولى وبَدرًا وأُحدًا والخَنْدق، وسائرَ المَشَاهد، واستشهد بمعركةِ اليَمَامة في قِتال مُسَيْلَمَةَ الكذَّاب في خِلافة أبي بكر الصديق -﵁-. انظر أسد الغابة (٣/ ٢٥٩).
(٣) هو جابر بن عبد اللَّه بن رِئاب بن سلمة الأنصاري السُلمي، شهد العقبة وبدرًا وأحدًا والخندق، وسائر المشاهد مع رسول اللَّه -ﷺ-. انظر أسد الغابة (١/ ٢٩٣).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٤٢).
[ ١ / ٥٥٦ ]
١ - أَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ -﵁-.
٢ - رَافِعُ بنُ مَالِك -﵁-.
٣ - مُعَاذُ بنُ عَفْرَاء -﵁- (١).
٤ - يَزِيدُ بنُ ثَعْلَبَةَ -﵁- (٢).
٥ - أَبُو الهيْثَمِ بنُ التّيِّهَان -﵁- (٣).
٦ - عُوَيْمُ بنُ سَاعِدَةَ -﵁- (٤)
٧ - عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ -﵁- (٥).
_________________
(١) هو مُعَاذُ بنُ عَفْرَاءَ، ونُسِبَ إلى أمِّه عَفْرَاءَ بنتِ عُبَيدِ بنِ مَالك، وهو مُعاذُ بنُ الحَارِثِ، شَهِدَ العَقَبَة الأولى وشَهِدَ بَدرًا، وشارَكَ في قتلِ أبي جَهْلٍ، وعاشَ بعدَ ذَلِكَ، وقيلَ: بل جُرِحَ بِبَدْرٍ فمَاتَ من جِرَاحَتِهِ. انظر الإصابة (٦/ ١١٠).
(٢) هو يزِيدُ بن ثَعْلَبَةَ الخزرجي شهدَ العقبةَ الأولى والثانية. انظر أسد الغابة (٤/ ٣٣٤).
(٣) هو مالكُ بن عَتِيكٍ مشهُورٌ بكنيتِهِ الخَزْرَجيُّ، كان أحدَ النُّقَبَاءِ ليلَةَ العَقَبَة، وآخَى رسولُ اللَّه -ﷺ- بينهُ وبينَ عُثْمَانَ بن مَظْعُونٍ، ثم شَهِدَ بدرًا، واختُلِف في وقتِ وفَاتِهِ، والأصوَبُ أنه تُوفي سنة عِشرين أو إحدى وعشرين للهجرة. انظر الإصابة (٧/ ٣٦٥).
(٤) هو عُوَيْمُ بن سَاعِدَةَ الأنصاري الأوسِي، شهِدَ العَقَبَتَيْنِ، آخَى الرسولُ -ﷺ- بينه وبين حَاطِبِ بن أَبِي بَلْتَعة، وشهد بدرًا، وأحدًا، والخندق، والمشاهد كلها مع رسول اللَّه -ﷺ-. وتوفي -﵁- في خِلافَةِ عمر بن الخطاب -﵁-. انظر أسد الغابة (٣/ ٤٣١).
(٥) هو عُبَادَةُ بنُ الصَّامِت الخزرجي الأنصاري، يُكنى أبَا الوليد، شهِدَ العقبةَ الأولى والثانيةَ، وشهِدَ بدرًا والمشَاهد كلها مع رسول اللَّه -ﷺ-، ثم وجَّههُ عمرُ بن الخطابِ إلى الشام قَاضِيًا ومُعَلمًا، فأقام بِحمص، ثم انتقل إلى فِلِسْطِين، ومات بها، وهو ابن اثنتين وسبعين سنة. انظر الإصابة (٣/ ٥٠٦).
[ ١ / ٥٥٧ ]
٨ - ذَكْوَانُ بنُ عَبْدِ قَيْسٍ (١).
وَذَكَرَ ابنُ سَعدٍ فِي الطَّبَقَاتِ القَوْلَيْنِ، وَعِنْدَمَا ذَكَرَ الرِّوَايَةَ التِي تَقُولُ بِأَنَّهُمْ سِتَّةٌ -وَهِيَ رِوَايَةُ ابنِ إِسْحَاقَ- قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بنُ عُمَرَ الوَاقِدِيُّ: هذَا عِنْدَنَا أَثْبَتُ مَا سَمِعنَا فِيهِمْ، وَهُوَ المُجْتَمُع عَلَيْهِ (٢).
* * *
_________________
(١) هو ذَكْوَانُ بن عَبْدِ قَيْسِ، يكنى أبا السَّبُع، شهد العقبة الأولى والثانية، ثم خرجَ من المدينة مهاجرًا إلى النبي -ﷺ-، وهو بمكة، فَكَانَ يُقال له: أنصَارِي مُهاجِري، وشهد بدرًا، وقُتِل -﵁- يوم أحد شهيدًا. انظر أسد الغابة (٢/ ١٤٥).
(٢) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١٠٥).
[ ١ / ٥٥٨ ]
[* النفر الذين دعوا قومهم إلى الإسلام]
بَيْعَةُ العَقَبَةِ الأوْلَى
فَلَمَّا رَجَعَ هَؤُلَاءِ النَّفَرُ إِلَى المَدِينَةِ ذَكَرُوا لِقَوْمِهِم رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَدَعَوْهم إِلَى الإِسْلَامِ حَتَّى فَشَا (١) فِيهِمْ، فَلَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الأنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا ذِكْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، حَتَّى إِذَا كَانَ العَامُ المُقْبِلُ، وَذَلِكَ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مِنَ البِعثَةِ وَافَى (٢) مَوْسِمَ الحَجِّ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، اثْنَانِ مِنَ الأوْسِ، وَعَشَرَةٌ مِنَ الخَزْرَجِ، فِيهِمْ خَمسَةٌ مِنَ السِّتَّةِ الذِينَ اجْتَمَعُوا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي العَامِ السَّابِقِ، وَهُمْ:
• مِنَ الخَزْرَجِ مِنْ بَنِي النَّجَارِ:
١ - أَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ -﵁-
٢ - ٣ - عَوْفُ وَمُعَاذُ ابْنَا الحَارِثِ وَهُمَا ابْنَا عَفْرَاءَ.
• مِنْ بَنِي زُرَيْقِ بنِ عَامِرٍ:
٤ - رَافِعُ بنُ مَالِكٍ الْعَجْلَانِيُّ -﵁-
٥ - ذَكْوَانُ بُن عَبْدِ قَيْسِ -﵁-.
• مِنْ بَنِي عَوْفٍ بنِ الخَزْرَجِ:
٦ - عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ -﵁-
٧ - يَزِيدُ بنُ ثَعْلَبَةَ -﵁-.
_________________
(١) فَشَا: انتَشَر وذَاعَ. انظر لسان العرب (١٠/ ٢٦٩).
(٢) وافَى: أي أَتَى. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٥٩).
[ ١ / ٥٥٩ ]
• مِنْ بَنِي سَالِمِ بنِ عَوْفٍ:
٨ - العَبَّاسُ بنُ عُبَادَةَ بنِ نَضْلَةَ -﵁- (١).
• مِنْ بَنِي سَلِمَة:
٩ - قُطْبَةُ بنُ عَامِرٍ -﵁-.
• مِنْ بَنِي حَرَامِ بنِ كَعبٍ:
١٠ - عُقْبَةُ بنُ عَامِرٍ -﵁-.
• مِنَ الأوْسِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ:
١١ - أَبُو الهَيْثَمِ بنُ التَّيِّهَانِ -﵁-.
• مِنْ بَنِي عَمرِو بنِ عَوْفٍ:
١٢ - عُوَيْمُ بنُ سَاعِدَةَ -﵁-.
لَقِيَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- هَؤُلَاءِ عِنْدَ العَقَبَةِ بِمِنًى، فبايَعُوهُ (٢)
* عَلَامَ كَانَتِ البَيْعَةُ؟:
رَوَى ابنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ عَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ -﵁- قَالَ: كُنْتُ مِمَّنْ
_________________
(١) هو العباسُ بن عُبَادةَ بن نَضْلَة الأنصاري الخزرجي، شهد بيعة العَقَبَتين، ثم إنه خرج إلى رسول اللَّه -ﷺ- وهو بمَكَّة، وقام معه حتى هاجر إلى المدينة فكان أنصَارِيًا مُهَاجِرِيًا، لم يشهَدْ بَدْرًا، وقُتِلَ -﵁- في غَزْوَةِ أحُدٍ. انظر الإصابة (٣/ ٥١١).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٤٤) - الروض الأنف (٢/ ٢٤٨) - البداية والنهاية (٣/ ١٦٢) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٣٥).
[ ١ / ٥٦٠ ]
حَضَرَ العَقَبَةَ الأوْلَى، وَكُنَّا اثْنَي عَشَرَ رَجُلًا، فَبَايَعنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءَ (١)، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الحَرْبُ: عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِي، وَلَا نَقْتُلَ أَوْلَادَنَا، وَلَا نَأْتِي بِبُهْتَانٍ نَفْتَرِيهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِينَا وَأَرجُلِنَا، وَلَا نَعْصِيهِ فِي معرُوفٍ، فَإِنْ وَفَّيْتُم فَلَكُمُ الجَنَّةَ، وَإِنْ غَشِيتُم مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَأمرُكُم إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَذَّبَ، وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ (٢).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ -﵁- قَالَ: أَنَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ، وَحَوْله عِصَابَةٌ (٣) مِنْ أَصْحَابِهِ: "بَايِعُونِي (٤) عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، وَلَا تَسْرِقُوا، وَلَا تَزْنُوا، وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ (٥)، وَلَا تَأتوا بِبُهْتَانٍ (٦) تَفْتَرُونَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ، وَلَا تَعْصُوا فِي مَعْرُوفٍ، لَمَنْ وَفَّى (٧)
_________________
(١) قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ١٦٢): يعنِي على وَفْقِ ما نَزَلَتْ عليهِ آيةُ بيعَةِ النِّسَاء بعد ذلكَ عامَ الحُدَيْبِيَة -وهي في سورة الممتحنة آية (١٢).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٤٧).
(٣) العِصَابةُ: بكسر العين الجَمَاعَةُ من العَشرةِ إلى الأربعين. انظر لسان العرب (٩/ ٢٣٢).
(٤) البايَعَةُ: هي عبارةٌ عن المعاقدة والمعاهدة. انظر النهاية (١/ ١٧١).
(٥) قال الحافظ في الفتح (١/ ٩٢): خَصَّ القتلَ بالأولادِ لأنَّهُ قتلٌ وقطِيعَةُ رَحِمٍ، فالعِنَاية بالنهيِ عنه آكَدُ؛ ولأنه كان شَائِعًا فيهم، وهو وَأْدُ البَنَاتِ، وقتلُ البَنِينَ خَشْيَةَ الإملاقِ أي الفَقْرِ.
(٦) قال الحافظ في الفتح (١/ ٩٢): البُهْتَانُ: الكَذِبُ الذي يبهتُ سَامِعَه، وخَصَّ الأيدي والأرْجُل بالافتراء لأن مُعْظَم الأفعَالِ تَقَعُ بهما، إذ كانت هِيَ العَوَامل والحَوَامل للمبَاشرة والسَّعي، وقد يُعاقَبُ الرجل بجنَايَةٍ قولية، فيقال: هذا بما كَسَبَتْ يَدَاكَ.
(٧) فمَنْ وَفَى منكم: أي ثَبَتَ على العَهْدِ. انظر فتح الباري (١/ ٩٣).
[ ١ / ٥٦١ ]
مِنْكُمْ، فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ (١)، وَمَنْ أَصَابَ (٢) مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا، فَعُوقِبَ بِهِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كفَّارَةٌ (٣) لَهُ، وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا ثُمَّ سَتَرَهُ اللَّهُ فَهُوَ إِلَى اللَّهِ، إِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ، وَإِنْ شَاءَ عَاقَبهُ" (٤)، فَبَايَعْنَاهُ عَلَى ذَلِكَ (٥).
وَلَيْسَ فِي هذِهِ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ هذِهِ البَيْعَةَ كَانَتْ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ آيَةَ بَيْعَةِ النِّسَاءَ نَزَلَتْ بَعدَ الحُدَيْبِيَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَأَيْنَ العَقَبَةُ الأوْلَى مِنَ الحُدَيْبِيَةِ؟
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١/ ٩٣): أطلقَ هذا على سَبِيلِ التَّفْخِيمِ، وعبر هنا بلفظ "عَلَى" للمبالغةِ في تحقُّقِ وقُوعِهِ كالواجبات، ويتعيَّنُ حملهُ على غير ظاهِرِهِ للأدلَّةِ القائِمَةِ على أنه لا يَجِبُ على اللَّه شيءٌ، فإن قيلَ: لِمَ اقتصَرَ على المَنْهِيَّاتِ ولم يذكُر المأمُورَات؟ فالجوابُ أنه لم يُهْمِلْهَا، بل ذكرَها على طريقِ الإجمَالِ في قَوْلهِ -ﷺ-: "وَلَا تَعْصُوا" إذِ العصيَانُ مُخَالفَةُ الأمرِ، والحِكْمَةُ في التَنْصِيصِ على كثيرٍ من المَنْهِيَّاتِ دُونَ المَأْموُرَاتِ أن الكَفَّ أيسَرُ من إنشَاءِ الفعلِ؛ لأن اجتِنَابَ المفاسد مُقَدَّمٌ على اجتِلابِ المصالح، والتخَلِّي عن الرَّذَائِلِ قبل التحَلِّي بالفَضَائِلِ.
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١١/ ١٨٦): المرادُ به ما سِوَى الشِّرْكِ، وإلا فالشِّرْكُ لا يُغْفَرُ لَهُ، وتكونُ عُقُوبَتُهُ كفَّارته له.
(٣) قال الحافظ في الفتح (١/ ٩٧): يُستفاد من الحديث أن إقامَةَ الحدِّ كفَّارة للذنبِ، ولو لم يَتُب المَحْدُودُ، وهو قولُ الجمهور.
(٤) قال الحافظ في الفتح (١/ ٩٧): ذهبَ الجمهورُ إلى أن مَنْ تَابَ لا يَبْقَى عليه مُؤَاخَذَةٌ، ومع ذلك فلا يأمن مَكْرَ اللَّه؛ لأنه لا اطلاعَ لَهُ هل قُبِلَتْ توبتُهُ أم لا.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الإيمان - باب (١١) - رقم الحديث (١٨) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحدود - باب الحدود كفارات لأهلها - رقم الحديث (١٧٠٩).
[ ١ / ٥٦٢ ]
فَمنْ ثَمَّ سَلَكَ العُلَمَاءُ المُحَقِّقُونَ فِي مَقَالَةِ ابنِ إِسْحَاقَ عَلَى "بَيْعَةِ النِّسَاءِ" مَسَالِكَ:
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَقَوْلُهُ -أَيْ ابنُ إِسْحَاقَ- عَلَى بَيْعَةِ النِّسَاءَ، يَعْنِي: عَلَى وَفْقِ مَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ آيِةُ بَيْعَةِ النِّسَاءِ بَعْدَ ذَلِكَ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ، وَكَانَ هَذَا مِمَّا نَزَلَ عَلَى وَفْقِ مَا بَايَعَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، وَلَيْسَ هَذَا بِعَجِيبٍ، فَإِنَّ القُرآنَ نَزَلَ بِمُوَافَقَةِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- فِي غَيْرِ مَا مَوْطِنٍ كَمَا بَيَنَّاهُ فِي سِيرَتِهِ، وَفِي التَّفْسِيرِ، وَإِنْ كَانَتْ هذِهِ البَيْعَةُ وَقَعَتْ عَنْ وَحْيٍ غَيْرِ مَتْلُوٍّ فَهُوَ أَظْهرُ، وَاللَّهُ أعلَمُ (١).
* الصَّحِيحُ فِي هذِهِ البَيْعَةِ:
وَالصَّحِيحُ هُوَ مَا قَالَهُ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: أَنَّ المبايَعَةَ المَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ -﵁- عَلَى الصِّفَةِ المَذْكُورَةِ لَمْ تَقَعْ لَيْلَةَ العَقَبَةِ، وَإِنَّمَا كَانَ الذِي وَقَعَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ مَا ذَكَرَ ابنُ إِسْحَاقَ (٢) وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ المَغَازِي أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِمَنْ حَضَرَ مِنَ الأنْصَارِ: "أُبايِعُكُم عَلَى أَنْ تَمنَعُوني مِمَّا تَمنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَكُم وَأَبْنَاءَكُم"، فبَايَعُوهُ عَلَى ذَلِكَ، وَعَلَى أَنْ يَرحَلَ إِلَيْهم هُوَ وَأَصحَابهُ، وَمِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ -﵁- أَيْضًا عِنْدَ البُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ قَالَ: بَايَعنَا
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٣/ ١٦٢).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٤٧).
[ ١ / ٥٦٣ ]
رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى السَّمعِ وَالطَّاعَةِ فِي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَأَنْ لَا نُنَازعَ الأمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ (١).
وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ فِي هَذَا المُرَادِ مَا أَخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ عُبَادَةَ -﵁- أَنَّهُ جَرَتْ قِصَّة مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عِنْدَ مُعَاوِيَةَ -﵁- بِالشَّامِ، فَقَالَ عُبَادَةُ -﵁-: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، إِنَّكَ لَمْ تَكُنْ مَعَنَا إِذْ بَايَعنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالكَسَلِ، وَعَلَى الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ نَقُولَ الحَقَّ، وَلَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ نَنْصُرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَدِمَ عَلَيْنَا يَثْرِبَ، فنَمنَعُهُ مِمَّا نَمنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا، وَأَزْوَاجَنَا، وَأَبْنَاءَنَا، وَلَنَا الجَنَّةُ، فَةذ بَيْعَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- التِي بَايَعنَاهُ عَلَيْهَا (٢).
فَهَذَا هُوَ الذِي وَقَعَ فِي هَذِهِ البَيْعَةِ الأوْلَى، ثُمَّ صَدَرَتْ مبايَعَات أُخْرَى، مِنْهَا هَذِهِ البَيْعَةُ التِي فِي حَدِيثِ البَابِ فِي الزَّجْرِ عَنِ الفَوَاحِشِ المَذْكُورَةِ، وَالذِي يُقَوِّي أَنَّهَا وَقَعَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ الآيَةُ التِي فِي المُمتَحِنَةِ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأحكام - باب كيف يبايع الإمام الناس - رقم الحديث (٧١٩٩) - (٧٢٠٠) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٧٠٩) (٤٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٧٦٩).
(٣) سورة الممتحنة آية (١٢).
[ ١ / ٥٦٤ ]
وَنُزُولُ هذِهِ الآيَةِ مُتَأَخِّرٌ بَعْدَ قِصَّةِ الحُدَيْبِيَةِ بِلَا خِلَافٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ -﵁- هَذَا: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- لَمَّا بَايَعَهُم قَرَأَ الآيَةَ كُلَّهَا (١)، وَعِنْدَ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ قَالَ: فتَلَا عَلَيْنَا آيَةَ النِّسَاءِ قَالَ: ﴿. . . أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ (٢).
وَللطَّبَرَانِيِّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ قَالَ عُبَادَةُ -﵁-: بَايَعنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى مَا بَايَعَ عَلَيْهِ النِّسَاءُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، ولمُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عُبَادَةَ -﵁- قَالَ: أَخَذَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كَمَا أَخَذَ عَلَى النِّسَاءِ (٣).
فَهَذِهِ أَدِلَّةٌ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ هذِهِ البَيْعَةَ إِنَّمَا صَدَرَتْ بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ، بَلْ بَعْدَ صُدُورِ البَيْعَةِ، بَلْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، . . . وَإِنَّمَا حَصَلَ الِالْتِبَاسُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ عُبَادَةَ بنَ الصَّامِتِ -﵁- حَضَرَ البَيْعَتَيْنِ مَعًا: بَيْعَةَ العَقَبَةَ الأُولَى، وَالبَيْعَةَ عَلَى مِثْلِ بَيْعَةِ النِّسَاءَ يَوْمَ الفَتْحِ، وَكَانَتْ بَيْعَةُ العَقَبَةِ مِنْ أَجْلِّ مَا يُمتَدَحُ بِهِ، فَكَانَ يَذْكُرُها إِذَا حَدَّثَ تَنْوِيهًا بِسَابِقَتِهِ، فَلَمَّا ذَكَرَ هذِهِ البَيْعَةَ التِي صَدَرَتْ عَلَى مِثْلِ بَيْعَةِ النِّسَاءِ عَقِبَ ذَلِكَ تَوَهَّمَ مَنْ لَمْ يَقِفْ عَلَى حَقِيقَةِ الحَالِ أَنَّ البَيْعَةَ الأوْلَى وَقَعَتْ عَلَى ذَلِكَ، وَالرَّاجِحُ أَنَّ التَّصْرِيحَ بِذَلِكَ -بَأَنَّ بَيْعَةَ العَقَبَةِ الأوْلَى كَانَتْ عَلَى بَيْعَةِ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحدود - باب الحدود كفارة - رقم الحديث (٦٧٨٤).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحدود - باب الحدود كفارات لأهلها - رقم الحديث (١٧٠٩) (٤٢)
(٣) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحدود - باب الحدود كفارات لأهلها - رقم الحديث (١٧٠٩) (٤٣).
[ ١ / ٥٦٥ ]
النِّسَاءِ- وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (١).
قَالَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ أَبُو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهذَا الذِي ذَكَرَهُ الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ ﵀ هُوَ الذِي يَجِبُ أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ، فَهُوَ ﵀ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِالقُرآنِ وَتَنَزُّلَاتِهِ، وَالسُّنَةِ وَطُرُقِ الجَمْعِ بَيْنَ رِوَايَاتِها المُخْتَلِفَةِ، وَبِالسِّيرَةِ وَتَوَارِيخِ الصَّحَابَةِ، وله انْتِقَادَاتٌ كَثِيرَةٌ صَائبةٌ عَلَى ابنِ إِسْحَاقَ، وَغَيْرِهِ مِنْ كتَابِ السِّيَرِ وَتَارِيخِ الرِّجَالِ.
وَهذه التَّحْقِيقَاتُ وَالتَّنْبِيهُ إِلَى المَغَالِطِ وَالأوْهامِ فِي الرِّوَايَةِ، هِيَ مِنْ أَهمِّ مَا يُعْنَى بِهِ الدَّارِسُونَ لِلسِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ فِي ضَوْءَ القُرْآنِ وَالسُّنَةِ، وَهِيَ قَدْ تَخْفَى عَلَى غَيْرِ المُتَخَصِّصِينَ فِي عُلُومِ القرآنِ وَالسُّنَّةِ وَعُلُومِها، فَالحَمْدُ للَّهِ الذِي هدَانَا لِهَذَا (٢).
وَالخُلَاصَةُ: أَنَّ المبايَعَةَ فِي العَقَبَةِ الأوْلَى كَانَتْ عَلَى السَّمْعِ وَالطَاعَةِ فِي العُسْرِ وَاليُسْرِ، وَفي المَنْشَطِ وَالمَكْرَهِ، وَالأمرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ وَقَولِ الحَقِّ، وَأَنْ لَا يَخَافُونَ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ، وَعَلَى الوَلَاءِ وَالنُّصرَةِ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِمْ المَدِينَةَ، وَأَنْ يمنَعُوهُ مِمَّا يَمنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَهم وَأَزْوَاجَهُمْ، وَأَوْلَادَهُمْ (٣)، وَأَمَّا المُبَايَعَةُ عَلَى مِثْلِ بَيْعَةِ النِّسَاءَ فَقَد كَانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ.
_________________
(١) انظر فتح الباري (١/ ٩٥).
(٢) انظر كتاب السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة (١/ ٤٣٩) للدكتور محمد أبو شهبة رحمه اللَّه تعالى.
(٣) أخرج هذه البيعة على هذا النحو: البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٧٠٥٥) (٧٠٥٦) - (٧١٩٩) (٧٢٠٠) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٧٠٩) (٤٢).
[ ١ / ٥٦٦ ]
* أَوَّلُ جُمُعَةٍ (١) جُمِعَتْ فِي المَدِينَةِ قَبْلَ الهِجْرَةِ:
كَانَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ الجُمُعَةَ قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَأَصْحَابِهِ إِلَى المَدِينَةِ هُوَ: أَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ -﵁-.
فَقَدْ أَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاودَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنْتُ قَائِدَ أَبِي بَعدَمَا ذَهبَ بَصَرُهُ، وَكَانَ لَا يَسْمَعُ الأذَانَ بِالجُمُعَةِ إِلَّا قَالَ: رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَسْعَدَ بنِ زُرَارَةَ، قُلْتُ: يَا أَبَتِ، إِنَّهُ لتعجِبُنِي صَلَاتُكَ (٢) عَلَى أَبِي أُمَامَةَ (٣) كُلَّمَا سَمِعتَ الأذَانَ بِالجُمُعَةِ، فَقَالَ: أَيْ بُنَيَّ، كَانَ أَوَّلَ مَنْ جَمّعَ الجُمُعَةَ بِالمَدِينَةِ فِي حَرَّةِ (٤)
_________________
(١) قال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٨/ ١١٩): إنما سُميت الجمعة جُمُعة؛ لأنها مشتَقَّة من الجَمْعِ، فإن أهل الإسلام يجتَمِعُون فيه في كُلَّ أسبوع مرَّة بالمسَاجِدِ الكبار. وقال الحافظ في الفتح (٣/ ٣): واختلف في تسمية اليوم بذلك، . . . فقيل: لأن خلق آدم ﵇ جُمعَ فيه، فأخرج الإمام أحمد في مسنده بسند صحيح - رقم الحديث (٢٣٧١٨) عن سلمان الفارسي -﵁- قال: قال لي النبي -ﷺ-: "أتدري ما يوم الجمعة؟ " قلتُ: هو اليوم الذي جمع اللَّه فيه أباكم. وهذا أوضح الأقوال، ويليه ما أخرجه عبد بن حميد، وابن حبان في قصة تجميع الأنصار مع أسعد بن زرارة -﵁-. وقال ابن القيم في زاد المعاد (١/ ٣٦٣): وكان من هَدْيِهِ -﵁- في يومِ الجُمُعَةِ تعظِيم هذا اليومِ وتشرِيفُهُ، وتخصِيصُهُ بعبادَاتٍ يَختص بها عن غيره.
(٢) المقصود بالصلاة هنا الدعاء، لأن معنى الصلاةُ في اللغة: الدُّعاء. انظر النهاية (٣/ ٤٦).
(٣) أبو أُمَامة هي كُنية أسعدِ بن زُرارة -﵁-.
(٤) الحرة: أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة. انظر النهاية (١/ ٣٥١).
[ ١ / ٥٦٧ ]
بَنِي بَيَاضَةَ، فِي نَقِيعٍ يُقَالُ لَهُ: الخَضَمَاتُ (١)، قُلْتُ: وَكَم أَنْتم يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ: أَرْبَعُونَ رَجُلًا (٢).
* * *
_________________
(١) نقيع الخضمات: موضع كان يستنقع فيه الماء: أي يجتمع. انظر النهاية (٥/ ٩٤).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر البيان بأن أسعدَ بن زُرارة هو الذي جمعَ أوَّل جمعةٍ بالمدينةِ - رقم الحديث (٧٠١٣) - وأخرجه أبو داود في سننه - كتاب الصلاة - باب الجمعة في القرى - رقم الحديث (١٠٦٩).
[ ١ / ٥٦٨ ]
بَعْثُ مُصْعَبِ بنِ عُمَيرٍ -﵁- إِلَى المَدِينَةِ لِلدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلَامِ
لَمَّا انْتَهَى المَوْسِمُ وَانْصَرَفَ القَوْمُ رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعَهُمْ شَابًّا مِنْ شَبَابِ المُسْلِمِينَ، السَّابِقِينَ الأوَّلينَ إِلَى الإِسْلَامِ، وَهُوَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ -﵁-، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُم القُرآنَ، وَيُعَلِّمَهُمْ الإِسْلَامَ، وَيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ، فَكَانَ مُصْعَبٌ -﵁- يُسَمَّى بِالمَدِينَةِ: المُقْرِئَ.
وَكَانَ نُزُولُ مُصْعَبٍ -﵁- بِالمَدِينَةِ عَلَى السَّيِّدِ الجَلِيلِ السَّابِقِ إِلَى الخَيْرِ أَسْعَدِ بنِ زُرَارَةَ -﵁- (١).
* نَجَاحُ مُصْعَبٍ -﵁- فِي مُهِمَّتِهِ:
وَقَدْ نَجَحَ مُصْعَبٌ -﵁- أَيَّمَا نَجَاحٍ فِي نَشْرِ الإِسْلَامِ، وَجَمْعِ النَّاسِ عَلَيْهِ، وَاسْتَطَاعَ أَنْ يتخَطَّى الصِّعَابَ التِي تُوجَدُ دَائِمًا فِي طَرِيقِ كُلِّ نَازِحٍ غَرِيبٍ، يُحَاوِلُ أَنْ يَنْقُلَ النَّاسَ مِنْ مَوْرُوثَاتٍ أَلِفُوها إِلَى نِظَامٍ جَدِيدٍ، يَشْمَلُ الحَاضِرَ وَالمُسْتَقْبَلَ، وَيَعُمَّ الإيمَانَ وَالعَمَلَ، وَالخُلُقَ وَالسُّلُوكَ. . . وَمَا كَانَ مُصْعَبٌ -﵁- يَمْلِكُ مِنْ وَسَائِلِ الإِغْرَاءِ مَا يَطْمَعُ طُلَابُ الدُّنْيَا وَنَهازِي الفُرَصِ، كُلُّ مَا لَدَيْهِ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٤٨) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٣١) - الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ٦٣) - سبل الهدى والرشاد (٣/ ١٩٧).
[ ١ / ٥٦٩ ]
ثَرْوَةٌ مِنَ الكِيَاسَةِ وَالفِطْنَةِ، قَبَسَهَا (١) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وِإِخْلَاصٌ للَّهِ، جَعَلَهُ يُضَحِّي بِمَالِ أُسْرَتِهِ وَجَاهِها فِي سَبِيلِ عَقِيدَتِهِ، . . . ثُمَّ هَذَا القُرْآنُ الذِي يَتَأَنَّقُ فِي تِلَاوَيهِ، وَيَتَخَيَّرُ مِنْ رَوَائِعِهِ مَا يَغْزُو بِهِ الألْبَابَ، فَإِذَا الأفْئِدَةُ تَرِقُّ لَهُ، وَتَنْفَتِحُ لِلدِّينِ الجَدِيدِ (٢).
* إِسْلَامُ سَعْدِ بنِ مُعَاذٍ وَأُسَيد بنِ حُضَيْرٍ ﵄:
وَكَانَ مِمَّنْ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ مُصْعَبٍ -﵁-: سَيِّدَا بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ: سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ (٣)، وَأُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ (٤) ﵄، وَبِإِسْلَامِهِمَا أَسْلَمَ جَمِيعُ بَنِي
_________________
(١) قَبسَها: أخَذَها. انظر لسان العرب (١١/ ١١).
(٢) انظر فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي رحمه اللَّه تعالى ص ١٤٧.
(٣) هو سعدُ بن معاذِ بن النُّعمان الأوسي الأنصاري، البدري الذي اهتزَّ عرشُ الرحمن لِمَوْتهِ. أسلمَ على يَدِ مُصعبَ بنِ عُمَيْرٍ -﵁-، وبإسلامهِ أسلم كلُّ بنِي عبدِ الأشهَلِ، فكان من أعظَمِ الناسِ بَرَكَةً على قَوْمِهِ في الإسلامِ. شهِدَ بَدْرًا باتِّفاقِ، وأُحدًا، ورُمِيَ بسهمٍ يوم الخَنْدق، فعاشَ بعد ذلك شَهْرًا، حتى حَكَمَ في بني قُرَيْظَةَ، وأجِيبَتْ دعوتُهُ في ذلك، ثم انتفَضَ جرحُهُ، فَمَاتَ -﵁-. انظر الإصابة (٣/ ٧٠).
(٤) هو أُسَيْدُ بن حُضَيْرٍ الأوسي الأشْهَلي الأنصاري، كان ممَّن شهدَ العقبة الثانيةَ، وهو من النُّقباء الاثنى عشر ليلةَ العقبةِ، أسلم قَدِيمًا على يَدِ مُصعَبِ بنِ عُمَيْر -﵁-. لم يشهدْ بَدرًا، وشَهِد أُحدًا، وجُرح يوم أُحُد سبع جِرَاحات، وثبتَ مع رسول اللَّه -ﷺ- حين انكشفَ الناس، وشهد باقي المَشَاهد مع رسول اللَّه -ﷺ-. توفي -﵁- في شعبان سنة عشرين على الصَّحِيحِ من الهجرةِ، وحمَلَهُ عُمَرُ بن الخطاب -﵁- وصلَّى عليه، ودُفِنَ بالبَقِيعِ -﵁-. انظر أسد الغابة (١/ ١٠٩).
[ ١ / ٥٧٠ ]
عَبْدِ الأشْهَلِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الأُصَيْرِمِ وَهُوَ عَمْرُو بنُ ثَابِتٍ (١)، فَإِنَّهُ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ إِلَى يَوْمِ أُحُدٍ، فكَانَتْ أَوَّلَ دَارٍ منْ دُورِ الأنْصَارِ أَسْلَمَتْ بِأَسْرِهَا.
رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ أَسْعَدَ بنَ زُرَارَةَ -﵁- خَرجَ بِمُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ -﵁- يُرِيدُ بِهِ دَارَ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، وَدَارَ بَنِي ظفَرٍ، فَدَخَلَ بِهِ حَائِطًا (٢) مِنْ حَوَائِطِ بَنِي ظفَرٍ، عَلَى بِئْرٍ يُقَالُ لَهَا: بِئْرُ مَرَقٍ، فَجَلَسَا فِي الحَائِطِ، وَاجْتَمَعَ إِلَيْهِمَا رِجَال مِمَّنْ أَسْلَمَ، وَكَانَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ، وَأُسَيْدُ بنُ حُضَيرٍ يَوْمَئِذٍ سَيِّدَا قَوْمِهِمَا مِنْ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ، وَكِلَاهُمَا مُشْرِكٌ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، فَلَمَّا سَمِعَا بِمُصْعَبِ بنِ عُمَيرٍ -﵁-، وَنَشَاطِهِ فِي الدَّعْوَةِ إِلَى الإِسْلَامِ، قَالَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ لِأُسَيْدِ بنِ حُضَيرٍ: لَا أَبَالَكَ، انْطَلِقْ إِلَى هذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَينِ قَدْ أتيا دَارَيْنَا لِيُسَفِّهَا ضُعَفَاءَنَا، فَازْجُرْهُمَا، وَانْهَهُمَا عَنْ أَنْ يَأْتِيَا دَارَيْنَا، فَإِنَّه لَوْلَا أَنَّ أَسْعَدَ بنَ زُرَارَةَ مِنِّي حَيْثُ قَدْ عَلِمتَ كَفَيْتُكَ ذَلِكَ، هُوَ ابنُ خَالَتِي، وَلَا أَجِدُ عَلَيْهِ مَقْدَمًا.
فَأَخَذَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ حَرْبَتَهُ ثُمَّ أَقْبَلَ إِلَيْهِمَا، فلَمَّا رَآه أَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ، قَالَ لِمُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ: هَذَا سَيِّدُ قَوْمِهِ قَدْ جَاءَكَ، فَاصْدُقِ اللَّهَ فِيهِ، قَالَ
_________________
(١) هو عَمْرُو بن ثابتِ بن وَقْشِ بن عبد الأشهل الأنصاري، ويُعرف عمرو هذا بأُصَيْرِم، وهو ابنُ أختِ حُذَيْفَةَ بن اليَمَانِ -﵁-. تأخَّر إسلامه -﵁- إلى يومِ أُحد، واستُشْهِدَ في أُحُدٍ، فهو الذي دخلَ الجنة ولم يُصَلِّ للَّه رَكعة. انظر الإصابة (٤/ ٥٠٠).
(٢) الحَائِطُ: البُسْتَانُ من النَّخيل إذا كان عليه حَائط وهو الجدار. انظر النهاية (١/ ٤٤٤).
[ ١ / ٥٧١ ]
مُصْعَبٌ: إِنْ يَجْلِسْ أُكَلِّمْهُ. فَجَاءَ أُسَيْدٌ فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا مُتَشَتِّمًا (١)، فَقَالَ: مَا جَاءَ بِكُمَا إِلَيْنَا تُسَفّهانِ ضُعَفَاءَنَا؟ اعْتَزِلَانَا إِنْ كَانَتْ لَكُمَا بِأَنْفُسِكُمَا حَاجَةٌ، فَقَالَ لَهُ مُصْعَبٌ بِلِسَانِ المُؤْمِنِ الهادِئِ الوَاثِقِ مِنْ سَمَاحَةِ دَعْوَتِهِ: أَوَتَجْلِسُ فتَسْمَعُ، فَإِنْ رَضِيتَ أَمْرًا قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ كُفَّ عَنْكَ مَا تَكْرَهُ، فَقَالَ: أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ -﵁-: أَنْصَفْتَ، ثُمَّ رَكَزَ حَربَتَهُ، وَجَلَسَ إِلَيْهِمَا، فكَلَّمَهُ مُصْعَبٌ بِالإِسلَامِ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ القُرْآنَ.
فَقَالَا -أَيْ مُصْعَبٌ وَأَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ ﵄-: وَاللَّهِ لَعَرَفْنَا فِي وَجْهِهِ الإِسلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ فِي إِشْرَاقِهِ وَتَسَهُّلِهِ، ثُمَّ قَالَ أُسَيْدٌ: مَا أَحَسَنَ هذا الكَلَامَ وَأَجْمَلَهُ! كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَرَدْتُم أَنْ تَدْخُلُوا فِي هَذَا الدِّينِ؟
قَالَا لَهُ: تَغْتسِلُ فتَطَّهَرُ وَتُطَهِّرُ ثَوْبَيْكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الحَقِّ، ثُمَّ تُصَلِّي، فَقَامَ فَاغْتَسَلَ وَطَهَّرَ ثَوْبَيْهِ، وَشَهِدَ شَهادَةَ الحَقِّ، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: إِنَّ وَرَائِي رَجُلًا إِن اتَّبَعَكُمَا لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِ، وَسَأُرْسِلُهُ إِلَيْكُمَا الآنَ: سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ.
ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ وَانْصَرَفَ إِلَى سَعْدٍ وَقَوْمِهِ، وَهُمْ جُلُوسٌ فِي نَادِيهِمْ (٢)، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيْهِ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ مُقْبِلًا، قَالَ: أَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ جَاءَكُمْ أُسَيْدٌ بِغَيْرِ
_________________
(١) مُتَشَتِّمًا: أي عَابِسَ الوجه. انظر لسان العرب (٧/ ٢٨).
(٢) النَّادِي: مجتَمَع القوم وأهلُ المَجْلس. انظر النهاية (٥/ ٣١).
[ ١ / ٥٧٢ ]
الوَجْهِ الذِي ذَهبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ عَلَى النَّادِي، قَالَ لَهُ سَعْدٌ: مَا فَعَلْتَ؟ .
فَقَالَ: كَلَّمْتُ الرَّجُلَيْنِ، فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ بِهِمَا بَأْسًا، وَقَدْ نَهيْتُهُمَا فَقَالَا: نَفْعَلُ مَا أَحْبَبْتَ، وَقَدْ حُدِّثْتُ أَنَّ بَنِي حَارِثَةَ خَرَجُوا إِلَى أسْعَدِ بنِ زُرَارَةَ لِيَقْتُلُوهُ، وَذِلَك أَنَّهُمْ عَرَفُوا أَنَّهُ ابنُ خَالَتِكَ لِيُخْفِرُوكَ (١).
فَقَامَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ -﵁- مُغْضَبًا مُبَادِرًا، تَخَوُّفًا لِلَّذِي ذُكِر لَهُ مِنْ بَنِي حَارِثَةَ، فَأَخَذَ الحَرْبَةَ مِنْ يَدِ أُسَيْدِ بنِ حُضَيْرٍ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ مَا أَرَاكَ أَغْنَيْتَ شَيْئًا، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمَا، فَلَمَّا رَآهُمَا سَعْدٌ مُطْمَئِنِّينَ، عَرَفَ أَنَّ أُسَيْدَ بنَ حُضَيْرٍ إِنَّمَا أَرَادَ مِنْهُ أَنْ يَسْمَعَ مِنْهُمَا، فَوَقَفَ سعدُ بنُ مُعَاذٍ عَلَى أَسْعَدِ بنِ زُرَارَةَ وَمُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ مُتَشَمِّتًا، ثُمَّ قَالَ لِأَسْعَدِ بنِ زُرَارَةَ: يَا أَبَا أُمَامَةَ! أَمَا وَاللَّهِ لَوْلَا مَا بَيْنِي وَبَيْنَكَ مِنَ القَرَابَةِ مَا رُمْتَ (٢) هَذَا مِنِّي، أتَغْشَانَا فِي دَارِنَا بِمَا نَكْرَهُ؟ .
وَكَانَ أَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ قَدْ قَالَ لِمُصْعَبِ بنِ عُمَيْرٍ: لقَد جَاءَكَ وَاللَّهِ سَيِّدُ مَنْ وَرَاءِهِ مِنْ قَوْمِهِ، إِنْ يَتَّبِعْكَ لَا يَتَخَلَّفُ مِنْهُم اثْنَانِ.
فَقَالَ مُصْعَبٌ لِسَعْدِ بنِ مُعَاذٍ: أَوَتَقْعُدَ فتَسْمَعَ؟ فَإِنْ رَضِيتَ أَمرًا،
_________________
(١) قال الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه السيرة النبوية (١/ ٤٤٢): كان غَرَضُ أُسَيْدِ بن حُضَيْر -﵁- إثارَةُ حميَّةِ سعدِ بن مُعَاذٍ -﵁- ليَقُومَ ويذهبَ إلى أسعَدَ بنِ زُرارة -﵁- وصاحِبِهِ مُصْعَب -﵁-، ويسمع منه.
(٢) رُمْتَ: أي بَلَغْتَ.
[ ١ / ٥٧٣ ]
وَرَغِبْتَ فِيهِ قَبِلْتَهُ، وَإِنْ كَرِهْتَهُ عَزَلْنَا مِنْكَ مَا تَكْرَهُ. فَقَالَ سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ -﵁-: أَنْصَفْتَ، ثُمَّ رَكَزَ الحَرْبَةَ وَجَلَسَ فَعَرَضَ مُصْعَبٌ عَلَيْهِ الإِسْلَامَ، وَقَرَأَ عَلَيْهِ آيَاتٍ مِنْ سُورَةِ الزُّخْرُفِ: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١).
قَالَا -أَيْ مُصْعَبٌ وَأَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ-: فَعَرَفْنَا وَاللَّهِ فِي وَجْهِهِ الإِسْلَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ، لِإِشْرَاقِهِ وِتَسَهُّلِهِ.
ثُمَّ قَالَ لَهُمَا: كَيْفَ تَصْنَعُونَ إِذَا أَنْتُم أَسْلَمْتُمْ، وَدَخَلْتُمْ فِي هَذَا الدِّينِ؟
قَالَا: تَغْتَسِلُ، فتَطَّهَّرُ وَتُطَهِّرُ ثِيَابَكَ، ثُمَّ تَشْهَدُ شَهَادَةَ الحَقِّ، ثُمَّ تُصَلِّي، فَقَامَ وَاغْتَسَلَ، وَطَهَّرَ ثِيَابَهُ، ثُمَّ شَهِدَ شَهَادَةَ الحَقِّ، ثُمَّ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَخَذَ حَرْبَتَهُ، فَأَقْبَلَ عَائِدًا إِلَى نَادِي قَوْمِهِ، وَمَعَهُ أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ، فَلَمَّا رَآه قَوْمُهُ مُقْبِلًا قَالُوا: نَحْلِفُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَجَعَ إِلَيْكُم سَعْدٌ بِغَيْرِ الوَجْهِ الذِي ذَهبَ بِهِ مِنْ عِنْدِكُمْ، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ: يَا بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ! كَيْفَ تَعْلَمُونَ أَمْرِي فِيكُمْ؟
قَالُوا: سَيِّدُنَا وَأَفْضَلُنَا رَأْيًا، وَأَيْمَنُنَا نَقِيبَةً (٢)، قَالَ: فَإِنَّ كَلَامَ رِجَالِكُمْ وَنسَائِكُمْ عَلَيَّ حَرَامٌ حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ.
قَالَا -أَيْ أَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ -﵁- وَمُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ -﵁-: فَوَاللَّهِ مَا أَمْسَى فِي
_________________
(١) سورة الزخرف - آية (١ - ٣).
(٢) ميَمُونُ النَّقِيبَةِ: أي مُنَجَّح الفِعَالِ، مُظفَّرُ المَطَالِبِ، والنَّقِيبَةُ: النَّفس، وقيل الطبِيعَة والخَلِيقَة. انظر النهاية (٥/ ٨٩).
[ ١ / ٥٧٤ ]
دَارِ بَنِي عَبْدِ الأَشْهَلِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إِلَّا مُسْلِمًا وَمُسْلِمَةً إِلَّا الأُصَيْرِمُ عَمْرُو بنُ ثَابِتٍ، فَإِنَّهُ تَأَخَّرَ إِسْلَامُهُ إِلَى يَوْمِ أُحُدٍ فَأَسْلَمَ، وَاسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ، وَلَم يُصَلِّ للَّهِ سَجْدَةً قَطُّ، وَأَخْبَرَ رَسولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ (١).
وَأَقَامَ مُصْعَبٌ -﵁- فِي مَنْزِلِ أَسْعَدِ بنِ زُرَارَةَ يَدعُو النَّاسَ إِلَى الإِسْلَامِ، حَتَّى لَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الأنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا رِجَالٌ وَنِسَاءٌ مُسْلِمُونَ (٢).
* * *
_________________
(١) أخرج قصة إسلام سعد بن معاذ -﵁-، وأسيد بن حضير -﵁-: ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٤٩) - والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٤٣١) - وأخرج قصة إسلام الأصيرم يوم أُحد واستشهاده فيها: ابن إسحاق في السيرة (٣/ ١٠٠) - وأوردها الحافظ في الإصابة (٤/ ٥٠٠) - وصحح إسناده.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٤٩) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٣١) - الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ٢٢٣).
[ ١ / ٥٧٥ ]
سَبَبُ تَهَيُّؤِ الأَنْصَارِ لِلإِسْلَامْ
قَبْلَ أَنْ نَتَكَلَّمَ عَنْ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ، نَذْكُرُ سبَبَ سُرعَةِ إِسْلَامِ الأنْصَارِ.
سَاعَدَتْ عَلَى سُرعَةِ إِسْلَامِ الأنْصَارِ عِدَّةُ عَوَامِلٍ، هِيَ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَيْسِيرِهِ وَصُنْعِهِ، كَانَتْ فَارِقَة بَيْنَ قُرَيْشٍ وَأَهْلِ مَكَّةَ، وَقبائِلِ يَثْرِبَ العَرَبِيَّةِ:
١ - مِنْهَا مَا طَبَعَها اللَّهُ عَلَيْهِ مِنَ الرِّقَّةِ وَاللِّينِ، وَعَدَمِ المُغَالَاةِ فِي الكِبْرِيَاءَ وَجُحُودِ الحَقِّ، وَذَلِكَ يَرجعُ إِلَى الخَصَائِصِ الدَّمَوِيَّةِ وَالسُّلَالِيَّةِ التِي أَشَارَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ وَفَدَ وَفْدٌ مِنْ اليَمَنِ، بِقَوْلهِ: "أَتَاكُمْ أَهْلُ اليَمَنِ، هُمْ أَرَقُّ أَفْئِدَةً، وَأَلْيَنُ (١) قُلُوبًا" (٢) وَهُمَا -أَيْ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ- تَرْجِعَانِ فِي أَصْلِهِمَا إِلَى اليَمَنِ، نَزَحَ أَجْدَادُهُمَا مِنْهَا فِي الزَّمَنِ القَدِيمِ.
٢ - وَمِنْهَا أَنَّهُمَا -أَيْ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ- قَدْ أَنْهكَتْهُمَا الحُرُوبُ الدَّاخِلِيَّةُ،
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٢/ ٢٨): وأما وصفها باللِّين والرَّقةِ والضعف، فمعنَاهُ: أنها ذَاتُ خَشْيَةٍ واستِكَانَةٍ، سرِيعة الاستجابَةِ، والتأثُّرِ بقَوَارع التذْكِيرِ، سالِمَة من الغِلَظِ والشِّدَّةِ والقَسْوَة.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن - رقم الحديث (٤٣٨٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب تفاضل أهل الإيمان فيه ورجحان أهل اليمن فيه - رقم الحديث (٥٢) (٩٠).
[ ١ / ٥٧٦ ]
وَمَا يَوْمُ بُعَاثٍ بِبَعِيدٍ، وَقَدْ اكْتَوَوْا بِنَارِهَا، وَذَاقُوا مَرَارَتَهَا، وَعَافُوهَا، وَنَشَأَتْ فِيهِمْ رَغْبَةٌ فِي اجْتِمَاعِ الكَلِمَةِ، وَانْتِظَامِ الشَّمْلِ، وَالتّفادِي مِنَ الحُرُوبِ، وَذَلِكَ مَا عَبَّرُوا فِيهِ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّا قَدْ تَرَكْنَا قَوْمَنَا، وَلَا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنَ العَدَاوَةِ وَالشَّرِ مَا بَيْنَهُمْ، فَعَسَى أَنْ يَجْمَعَهُمُ اللَّهُ بِكَ، فَإِنْ يَجْمَعهُمُ اللَّهُ بِكَ، فَلَا رَجُلَ أَعَزَّ مِنْكَ (١).
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِرَسُولِهِ -ﷺ- (٢).
٣ - وَمِنْهَا أَنَّ قُرَيْشًا، وَسَائِرَ العَرَبِ قَدْ طَالَ عَهْدُهُم بِالنُّبُوَّاتِ وَالأنْبِيَاءِ، وَأَصْبَحُوا يَجْهَلُونَ مَعَانِيهَا بِطُولِ العَهْدِ، وَبِحُكْمِ الأُمِّيَّةِ وَالإِمْعَانِ فِي الوَثَنِيَّةِ، وَالبُعْدِ عَن الأمَمِ التِي تَنْتَسِبُ إِلَى الأَنْبِيَاءِ، وَتَحْمِلُ الكُتُبَ السَّمَاوِيَّةَ -عَلَى مَا دَخَلَ فِيهَا مِنَ التَّحْرِيفِ وَالعَبَثِ- وَذَلِكَ مَا يُشِيرُ إِلَيْهِ القُرْآنُ بِقَوْلهِ تَعَالَى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ (٣).
أَمَّا الأوْسُ وَالخَزْرَجُ فكَانُوا يَسْمَعُونَ اليَهُودَ يتَحَدَّثُونَ عَن النُّبُوَّةِ وَالأنْبِيَاءِ، وَيَتْلُونَ صُحُفَ التَّوْرَاةِ وَيُفَسِّرُونَهَا، بَلْ كَانُوا يتَوَعَّدُونَهُمْ بِهِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ سَيبعَثُ نَبِيٌّ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمٍ، وَفِي
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٤٢).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب مناقب الأنصار - رقم الحديث (٣٧٧٧) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٣٢٠).
(٣) سورة يس آية (٦).
[ ١ / ٥٧٧ ]
ذَلِكَ يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (١).
وَبِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ بَيْنَ أَبْنَاءِ الأوْسِ وَالخَزْرَجِ وَسُكَّانِ المَدِينَةِ مِنَ العَرَبِ المُشْرِكِينَ تِلْكَ الفَجْوَةُ العَمِيقَةُ الوَاسِعَةُ مِنَ الجَهْلِ وَالنُّفُورِ مِنَ المَفَاهِيمِ الدِّينِيَّةِ، وَالسُّنَنِ الإلهِيَّة، التِي كَانَتْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَهْلِ مَكَّةَ وَجِيرَانِهِم مِنْ العَرَبِ، بَلْ قَدْ عَرَفُوهَا وَأَلِفُوهَا عَنْ طَرِيقِ اليَهُودِ وَأَهْلِ الكِتَابِ، الذِينَ كَانُوا يَخْتَلِطُونَ بِهم بِحُكْمِ البَلَدِ وَالجِوَارِ وَالصُّلْحِ وَالحَرْبِ وَالمُحَالفَاتِ، فَلَمَّا تَعَرَّفُوا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَدْ حَضَرُوا المَوْسِمَ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الإِسْلَامِ، ارْتَفَعَتْ الغِشَاوَةُ عَنْ عُيُونِهِمْ، وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ هَذِهِ الدَّعوَةِ عَلَى مِيعَادٍ (٢).
* * *
_________________
(١) سورة البقرة آية (٨٩) - وانظر سيرة ابن هشام (٢/ ٤٢).
(٢) انظر السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي رحمه اللَّه تعالى ص ١٥٦ - ١٥٧.
[ ١ / ٥٧٨ ]
بَيْعَةُ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ
لَمَّا اقْتربَ مَوْسِمُ الحَجِّ مِنَ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ عَشْرَةَ لِلْبِعثَةِ اجْتَمَعَ ثَلَاثَةٌ وَسَبعُونَ رَجُلًا مِنَ الأنْصَارِ فَقَالُوا: حَتَّى مَتَى نَذَرُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يُطْرَدُ فِي جِبَالِ مَكَّةَ وَيَخَافُ؟ .
فتَوَاعَدُوا عَلَى المَسِيرِ إِلَى الحَجِّ، وَمُلَاقَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَخَرَجُوا مَعَ حُجَّاجِ قَوْمِهِم مِنْ أَهْلِ الشِّركِ، وَهُمْ خَمْسُمِائَةٍ، حَتَّى قَدِمُوا مَكَّةَ مَعَ الحَجِيجِ فِي مَنَازِلِهِمْ مُسْتَخْفِينَ بِإِسْلَامِهْمْ، وَكَانَ مَعَهُمْ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ -﵁-، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ جَاءَ مَنْزِلُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَوَّلًا، وَلَمْ يَقْرَبْ مَنْزِلَهُ، فَجَعَلَ يُخْبِرُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَن الأنْصَارِ، وَسُرعَتِهِمْ إِلَى الإِسْلَامِ، وَيَقُصُّ عَلَيْهِ خَبَرَ قَبَائِلِ يَثْرِبَ، وَمَا لَهَا مِنْ قُوةٍ وَمَنَعَةٍ، فَسُرَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِذَلِكَ، وَدَعَا لهُ.
ثُمَّ جَرَتْ بَيْنَ الأَنْصَارِ الثَّلَاثَةِ وَالسَّبْعُونَ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- اتِّصَالَاتٌ سِرِيَّةٌ أَدَّتْ إِلَى اتِّفَاقِ الفَرِيقَيْنِ عَلَى أَنْ يَتَجَمَّعُوا فِي أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (١) فِي الشِّعبِ (٢) الذِي عِنْدَ العَقَبَةِ حَيْثُ الجَمْرَةُ الأولَى مِنْ مِنًى، لِإِبْرَامِ اتِّفَاقٍ هُوَ مِنْ
_________________
(١) أيامُ التشْرِيقِ: هي ثلاثةُ أيامٍ تَلِي عِيدَ الأضحَى، سُمِّيَتْ بذلك لأنَّ الهَدْيَ والضَّحَايا لا تُنْحَرُ حتى تُشْرِقَ الشَّمْسُ، أي تَطْلُعَ. انظر النهاية (٢/ ٤١٦).
(٢) الشِّعْبُ: ما انفَرَجَ بين جبَلَيْنِ، وقيلَ هوَ الطريقُ في الجبَلِ. انظر لسان العرب (٧/ ١٢٨).
[ ١ / ٥٧٩ ]
أَعْظَمِ، وَأَهَمِّ الِاتِّفَاقِيَّاتِ فِي تَارِيخِ الإِسْلَامِ، وَأَنْ يَتِمَّ هَذَا الِاجْتِمَاعُ فِيِ سِرِيَّةٍ تَامَّةٍ فِي ظَلَامِ اللَّيْلِ (١).
* سِيَاقُ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ:
وَلْنَتْرُكْ أَحَدَ قَادَةِ الأنْصَارِ يَصِفُ لَنَا هَذَا الِاجْتِمَاعَ التَّارِيْخِيَّ، الذِي حَوَّلَ مَجْرَى الأيَّامِ فِي صِرَاعِ الوَثَنِيَّةِ وَالإِسْلَامِ، قَالَ كَعْبُ بنُ مَالِكٍ -﵁-: خَرَجْنَا إِلَى الحَجِّ مَعَ حُجَّاجِ قَوْمِنَا مِنْ المُشْرِكِينَ، وَقَدْ صَلَّيْنَا وَفَقِهْنَا، وَمَعَنَا البَرَاءُ بنُ مَعْرُورٍ كَبِيرُنَا وَسَيِّدُنَا، فَلَمَّا تَوَجَّهْنَا لِسَفَرِنَا، وَخَرَجْنَا مِنَ المَدِينَةِ. . . قَالَ: فَخَرَجْنَا نَسْأَلُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ، وَكُنَّا لَا نَعْرِفُهُ، لَمْ نَرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، فَلَقِيَنَا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَسَأَلْنَاهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: هَلْ تَعْرِفَانِهِ؟ قُلْنَا: لَا وَاللَّهِ، قَالَ: فَهَلْ تَعرِفَانِ العَبَّاسَ بنَ عَبْدَ المُطَّلِبِ، عَمَّهُ؟ قُلْنَا: نَعَمْ، وَكُنَّا نَعْرِفُ العَبَّاسَ، كَانَ لَا يَزَالُ يَقْدُمُ عَلَيْنَا تَاجِرًا. قَالَ: فَإِذَا دَخَلْتُمَا المَسْجِدَ، فَهُوَ الرَّجُلُ الجَالِسُ مَعَ العَبَّاسِ، تَرَكْتُهُ مَعَهُ الآنَ جَالِسًا. قَالَ كَعْبُ بنُ مَالِكٍ -﵁-: فَدَخَلْنَا المَسْجِدَ، فَإِذَا العَبَّاسُ جَالِسٌ وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعَهُ جَالِسٌ، فَسَلَّمنَا عَلَيْهِمَا، ثُمَّ جَلَسْنَا إِلَيْهِمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلْعَبَّاسِ: "هَلْ تَعرِفُ هذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ يا عَبَّاسُ؟ ".
قَالَ: نَعَمْ، هذَانِ الرَّجُلَانِ مِنَ الخَزْرَجِ -وَكَانَتِ الأنْصَارُ إِنَّمَا تُدْعَى فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ أَوْسَهَا وَخْزَرَجَها- هَذَا البَرَاءُ بنُ مَعْرُورٍ، وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ رِجَالِ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٥٢) - الرحيق المختوم ص ١٤٧ - طبقات ابن سعد (١/ ١٠٦).
[ ١ / ٥٨٠ ]
قَوْمِهِ، وَهذَا كَعْبُ بنُ مَالِكٍ.
قَالَ كَعْبٌ: فَوَاللَّهِ مَا أَنْسَى قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: "الشَّاعِرُ؟ " (١).
قَالَ كَعْبٌ: نَعَمْ.
قَالَ كَعْبٌ: . . . وَخَرَجْنَا إِلِى الحَجِّ، فَوَاعَدَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- العَقَبَةَ مِنْ أَوْسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، فَلَمَّا فَرعْنَا مِنَ الحَجِّ، وَكَانَت اللَّيْلَةُ التِي وَعَدَنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَمَعَنَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمرِو بنِ حَرَامٍ، أَبُو جَابِرٍ سَيِّدٌ مِنْ سَادَاتِنَا، وَكُنَّا نَكْتُمُ مَنْ مَعَنَا مِنْ قَوْمِنَا مِنَ المُشْرِكِينَ أَمْرَنَا، فَكَلَّمْنَاهُ، وَقُلْنَا لَهُ: يَا أَبَا جَابِرٍ، إِنَّكَ سَيِّدٌ مِنْ سَادَتِنَا، وَشَرِيفٌ مِنْ أَشْرَافِنَا، وَإِنَّا نَرْغَبُ بِكَ عَمَّا أَنْتَ فِيهِ أَنْ تَكُونَ حَطَبًا لِلنَّارِ غَدًا، ثُمَّ دَعَوْتُهُ إِلَى الإِسْلَامِ، وَأَخْبَرتُهُ بِمِيعَادِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَسْلَمَ، وَشَهِدَ مَعَنَا العَقَبَةَ، وَكَانَ نَقِيبًا.
قَالَ كَعْبٌ: فَنِمنَا تِلْكَ اللَّيْلَةَ مَعَ قَوْمِنَا فِي رِحَالِنَا (٢)، حَتَّى إِذَا مَضَى ثُلُثُ اللَّيْلِ، وَهدَأَت الرِّجْلُ (٣)، خَرَجْنَا مِنْ رِحَالِنَا لِمِيعَادِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- نَتَسَلَّلُ (٤) مُسْتَخْفِينَ تَسَلُّلَ القَطَا (٥)، حَتَّى اجْتَمَعنَا فِي الشِّعْبِ عِنْدَ العَقَبَةِ، وَنَحْنُ ثَلَاثَةٌ
_________________
(١) قلتُ: سبَبُ فَرَحِ الرَّسُولِ -ﷺ- بكعبِ بنِ مَالِكٍ -﵁- كونه شاعِرًا؛ لأنَّ الشِّعْرَ يُعْتَبَرُ من أهمِّ وسائِلِ الإعلام المَوْجُودَةِ في ذلكَ الوَقْتِ، فكأنَّهُ سَيَنْشُرُ الدعوةَ بشِعرِهِ كما لا يَنْشُرُهَا أحدٌ غيرُهُ لا يملِكُ هذه المَوْهِبَةَ.
(٢) الرِّحَالُ: يعنِي الدُّورُ والمَسَاكِنُ والمنازل. انظر لسان العرب (٥/ ١٦٩).
(٣) أي قَلّ المَشْيُ، وقلَّتْ حركَةُ النَّاس.
(٤) تَسَلَّلَ: انطلَقَ في استِخْفَاءٍ. انظر لسان العرب (٦/ ٣٣٨).
(٥) القَطَا: طائِرٌ مَعْرُوف، سُمي بذلك لثِقَلِ مَشْيِهِ. انظر لسان العرب (١١/ ٢٣٣).
[ ١ / ٥٨١ ]
وَسَبْعُونَ، فِيهِمْ أَرْبَعُونَ رَجُلًا مِنْ ذَوِي أَسْنَانِهِم وَأَشْرَافِهِم، وَثَلَاثُونَ شَابًّا، وَمَعَنَا امْرَأَتَانِ مِنْ نِسَائِنَا: نُسَيبةُ بِنْتُ كَعْبٍ أُمُّ عُمَارَةَ (١)، إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي مَازِنِ بنِ النَّجَارِ، وَأَسْمَاءُ (٢) بِنْتُ عَمرٍو أُمُّ مَنِيعٍ إِحْدَى نِسَاءِ بَنِي سَلِمَةَ.
* اسْتِيثَاقُ العَبَّاسِ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-؛ وَعَزْمُ الأَنْصَارِ عَلَى البَيْعَةِ:
وَاجْتَمَعَت الأَنْصَارُ بِالشِّعبِ يَنتظِرُونَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى جَاءَهُمْ وَمَعَهُ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ، إِلَّا أَنَّهُ أَحَبَّ أَنْ يَحْضُرَ أَمْرَ ابنَ أَخِيهِ، وَيَتَوَثَّقَ لَهُ.
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ قَدْ سَبَقَهُمْ إِلَى ذَلِكَ المَوْضعِ وَمَعَهُ عَمُّهُ العَبَّاسُ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ طَلَعَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَافِعُ بنُ مَالِكٍ -﵁-، فَلَمَّا نَظَرَ العَبَّاسُ فِي وُجُوهِهِم قَالَ: هؤُلَاءَ قَوْمٌ لَا أَعْرِفُهُمْ، هَؤُلَاءِ أَحدَاثٌ (٣).
وَبَعْدَ أَنْ تَكَامَلَ المَجْلِسُ بَدَأَتْ المُحَادَثَاتُ لِإِبْرَامِ التَّحَالُفِ الدِّيِنِّي وَالعَسْكَرِيِّ، وَكَانَ أَوَّلَ المُتَكَلِّمِينَ هُوَ العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، تَكَلَّمَ لِيَشْرَحَ لَهُمْ -بِكُلِّ صَرَاحَةٍ- خُطُورَةَ المَسْؤُوليَّةِ التِي سَتُلْقَى عَلَى
_________________
(١) هي نُسَيْبَةُ بنتُ كَعْبِ بن عَمْرٍو الفاضلة المُجَاهدة الأنصارية الخزرجية النَّجَّارية المَازِنِيَّة المدنيَّة أمُّ عُمَارة، مشهُورَةٌ بكُنْيَتِهَا واسمها معًا. شهِدَت العقبةَ، وشهدت أُحُدًا، والحديبيةَ، ويومَ حُنَيْن، ويوم اليمامةِ، وجاهدَت، وقُطِعَتْ يَدُها في الجِهاد. انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٧٨).
(٢) هي أسماءُ بنتُ عمرٍو الأنصارية السُّلَمية، أم مُعَاذِ بن جَبَل -﵁-، وكنيتُها أم مَنِيع، شهدَت العقبة الثانية. انظر الإصابة (٨/ ١٤).
(٣) أحدَاثٌ: جمعُ حَدَثٍ أي شَبَاب. انظر لسان العرب (٣/ ٧٦).
[ ١ / ٥٨٢ ]
كَوَاهِلِهِمْ (١) نَتِيجَةَ هَذَا التَّحَالُفِ. فَقَالَ العَبَّاسُ؛ يَا مَعشَرَ الخَزْرَجِ -وَكَانَتِ العَرَبُ يُسَمُّونَ هَذَا الحَيَّ مِنْ الأنْصَارِ خَزْرَجَها وَأَوْسَهَا- إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ، وَقَدْ مَنَعْنَاهُ مِنْ قَوْمِنَا مِمَّنْ هُوَ عَلَى مِثْلِ رَأْيِنَا فِيهِ، فهُوَ في عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ، وَمَنَعَةٍ (٢) فِي بَلَدِهِ، وإنَّهُ قَدْ أَبَى إِلَّا الِانْحِيَازَ إِلَيْكُمْ، وَاللُّحُوقَ بِكُمْ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ له بِمَا دَعَوتُمُوهُ إِلَيْهِ، وَمَانِعُوهُ مِمَّنْ خَالفَهُ، فَأَنْتُمْ وَمَا تَحَمَّلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ مُسْلِمُوهُ وَخَاذِلُوهُ بَعْدَ الخُرُوجِ بِهِ إِلَيْكُمْ، فَمِنَ الآنَ فَدَعُوهُ، فَإِنَّهُ فِي عِزٍّ وَمَنَعَةٍ مِنْ قَوْمِهِ وَبَلَدِهِ.
قَالَ كَعْبُ بنُ مَالِكٍ -﵁- فَقُلْنَا لَهُ: قَدْ سَمِعْنَا مَا قُلْتَ، فتَكَلَّمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَخُذْ لِنَفْسِكَ وَلرَبِّكَ مَا أَحْبَبْتَ (٣).
فَتَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فتَلَا عَلَيْنَا القُرْآنَ، وَدَعَا إِلَى اللَّهِ ﷿، وَرَغَّبَ فِي الإِسْلَامِ، فَأَجَبْنَاهُ، وَصَدَّقْنَاهُ، وَآمَنَّا بِهِ، وَرَضِينَا بِمَا قَالَ، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "تُبَايِعُونِي عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي النَّشَاطِ وَالكَسَلِ، وَعَلَى النَّفَقَةِ فِي العُسْرِ وَاليُسْرِ، وَعَلَى الأمرِ بِالمَعرُوفِ وَالنَّهْي عَنِ المُنْكَرِ، وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللَّهِ لَا يَأْخُذُكُمْ فِيهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إِذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ يَثْرِبَ، فتَمْنَعُونِي
_________________
(١) الكَوَاهِلُ: جمعُ كَاهِلٍ، وهو مُقَدَّمُ أعلَى الظَّهْرِ. انظر لسان العرب (١٢/ ١٧٩).
(٢) مَنَعَةٌ: أي قُوَّةٌ تَمْنَعُ مَن يريدُه بِسُوءٍ. انظر لسان العرب (١٣/ ١٩٥).
(٣) قال الشيخُ صفيُّ الرحمن المباركفُورِي في الرحيق المختوم ص ١٤٨: وهذا الجواب يدلُّ على ما كانوا عليه من عَزْمٍ وتصمِيمٍ، وشجاعَةٍ وإيمانٍ وإخلاصٍ في تحمُّل هذه المسؤُوليَّةِ العظِيمة، وتحمل عَوَاقِبها الخَطِيرة.
[ ١ / ٥٨٣ ]
مِمَا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ، وَلَكُمُ الجَنَّةُ".
فأَخَذَ البَرَاءُ بنُ مَغرُورٍ -﵁- بِيَدِهِ، ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، لَنَمْنَعَكَ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أُزُرَنَا (١)، فبايِعنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَنَحْنُ أَهْلُ الحُرُوبِ، وَأَهْلُ الحَلْقَةِ (٢)، وَرِثْنَاها كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ.
فَاعْتَرَضَ القَوْلَ -وَالبَرَاءُ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَبُو الهَيْثَمِ بنُ التَّيِّهَانِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ -يَعنِي اليَهُودَ- حِبَالًا (٣)، وَإِنَّا قَاطِعُوهَا، فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ، ثُمَّ أَظْهرَكَ اللَّهُ، أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ .
فتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ: "بَلِ الدَّمُ الدَّمُ، وَالهَدْمُ الهَدْمُ (٤)، أَنَا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مِنِّي، أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ، وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ".
فَقَالَ البَرَاءُ بنُ مَعْرُورٍ -﵁- لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: ابْسُطْ يَدَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ نُبَايِعْكَ.
_________________
(١) أُزُرَنا: أي نِسَاءنا وأهلنا، كنى عنهُن بالأُزُرِ، وقيل: أرادَ أنفُسَنا، وقد يُكنى عن النفس بالإزَارِ. انظر النهاية (١/ ٤٧).
(٢) الحَلْقَة: بسكون اللام السلاح وقيل الدُّرُوع. انظر النهاية (١/ ٤١٠).
(٣) حِبَالًا: أي عُهُودًا ومَوَاثِيق. انظر النهاية (١/ ٣٢١).
(٤) الهَدْمُ: يُروى بسكون الدال وفتحها، فالهَدَم بالتحريك: القَبْر يعني إني أُقبَر حيث تُقْبَرون. وقيل: هو المَنْزِل: أي منزلُكم مَنزلي، لا أفَارِقُكم. والهدم بالسكون وبالفتح أيضًا: هو إهدَارُ دَمِ القَتِيل. والمعنى: إن طُلِبَ دَمُكم فقد طُلِبَ دمي، وإن أُهدر دمُكم فقد أُهدِرَ دمي، لاستِحْكَامِ الألفَةِ بَيْنَنَا، وهو قول معروفٌ للعرَبِ، يقولون: دَمِي دمُكَ وهَدْمي هَدْمُكَ، وذلك عند المُعَاهدَة والنُّصْرَة. انظر النهاية (٥/ ٢١٨).
[ ١ / ٥٨٤ ]
* انْتِخَابُ النُّقَبَاءِ (١) وَعَقْدُ البَيْعَةِ:
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا لِيَكُونُوا عَلَى قَوْمِهِمْ بِمَا فِيهِمْ".
فتَمَّ انْتِخَابُهُم فِي الحَالِ، وَكَانُوا تِسْعَةً مِنَ الخَزْرَجِ، وَثَلَاثَةً مِنَ الأوْسِ، وَهاكَ أَسْمَاءَهُم:
* نُقَبَاءُ الخَزْرَجِ:
• نَقِيبُ بَنِي النَّجَارِ:
١ - أَسْعَدُ بن زُرَارَةَ -﵁-.
• نَقِيبُ بَنِي سَلِمَةَ:
٢ - البَرَاءُ بنُ مَعْرُورٍ -﵁- ٣ - عَبْدُ اللَّهِ بنُ عَمرِو بنِ حَرَامٍ وَالِدُ جَابِرٍ -﵁-
• نَقِيبُ بَنِي سَاعِدَةَ:
٤ - سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ -﵁- ٥ - المُنْذِرُ بنُ عَمرٍو -﵁-.
• نَقِيبُ بَنِي زُرَيْقٍ:
٦ - رَافِعُ بنُ مَالِكِ بنِ العَجْلَانِ -﵁-.
_________________
(١) النُّقَبَاءُ: جمعُ نَقِيبٍ، وهو كالعَرِيفِ على القومِ المُقَدَّم عليهم، الذي يَتعَرَّف أخبارهم. انظر النهاية (٥/ ٨٨).
[ ١ / ٥٨٥ ]
• نَقِيبُ بَنِي الحَارِثِ بنِ الخَزْرَجِ:
٧ - عَبْدُ اللَّهِ بنُ رَوَاحَةَ -﵁- ٨ - سَعْدُ بنُ الرَّبِيعِ -﵁-.
• نَقِيبُ بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفِ بنِ الخَزْرَجِ:
٩ - عُبَادَةُ بنُ الصَّامِتِ -﵁-.
* نُقَبَاءُ الأوْسِ:
• نَقِيبُ بَنِي عَبْدِ الأشْهَلِ:
١٠ - أُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ -﵁-.
• نَقِيبُ بَنِي عَمرِو بنِ عَوْفٍ:
١١ - سَعْدُ بنُ خَيْثَمَةَ -﵁- ١٢ - رِفَاعَةُ بنُ عَبْدِ المُنْذِر -﵁- (١).
* التَّأْكِيدُ مِنْ خُطُورَةِ البَيْعَةِ:
وَبَعْدَ أَنْ تَمَّت المُحَادَثَةُ حَوْلَ شُرُوطِ البَيْعَةِ، وَأَجْمَعُوا عَلَى الشُّرُوعِ فِي عَقْدِهَا، قَامَ رَجُلَانِ مِنَ الرَّعِيلِ الأوَّلِ مِمَّنْ أَسْلَمَ فِي مَوَاسِمِ سَنَتَيْ الحَادِيَةِ عَشْرَةَ، وَالثَّانِيَةِ عَشْرَةَ مِنَ البِعْثَةِ، قَامَ أَحَدُهُمَا تِلْوَ الآخَرِ، لِيُؤَكِّدَا لِلْقَوْمِ خُطُورَةَ المَسْؤُوليَّةِ، حَتَّى لَا ويبايِعُوهُ إِلَّا عَلَى وُضُوحٍ مِنَ الأمْرِ، وَليَعْرِفَا مَدَى اسْتِعْدَادِ القَوْمِ لِلتَّضْحِيَةِ (٢).
_________________
(١) قال ابن هشام في السيرة (٢/ ٥٨): وأهلُ العِلمِ يَعُدُّونَ فيهم أبا الهَيْثَم بن التيِّهان، ولا يعُدُّونَ رِفَاعة.
(٢) انظر الرحيق المختوم ص ١٥٠.
[ ١ / ٥٨٦ ]
قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا اجْتَمُعوا لِلْبَيْعَةِ، قَالَ العَبَّاسُ بنُ عُبَادَةَ بنِ نَضْلَةَ -﵁-: يَا مَعْشَرَ الخَزْرَجِ! هَلْ تَدْرُونَ عَلَامَ تبايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ؟
قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: إِنَّكُمُ تبايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِ الأحْمَرِ وَالأسْوَدِ مِنَ النَّاسِ، فَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ إِذَا نُهِكَتْ (١) أَموَالَكُمْ مُصِيبَةٌ، وَأَشْرَافُكُمْ قَتْلًا أَسْلَمتُمُوهُ، فَمِنَ الآنَ، فَهُوَ وَاللَّهِ إِنْ فَعَلْتُم خِزْيُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَإِنْ كُنْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّكُمْ وَافُونَ لَهُ بِمَا دَعَوْتُمُوهُ إِلَيْهِ عَلَى نُهِكَةِ الأمْوَالِ، وَقَتْلِ الأشْرَافِ، فَخُذُوهُ، فَهُوَ وَاللَّهِ خَيْرُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ.
قَالُوا: فَإِنَّا نَأْخُذُهُ عَلَى مُصِيبَةِ الأمْوَالِ، وَقَتْلِ الأشْرَافِ، فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ نَحْنُ وَفَّيْنَا؟ .
قَالَ -ﷺ-: "الجَنَّةُ"، قَالُوا: ابْسُطْ يَدَكَ، فَبَسَطَ يَدَهُ فَبَايَعُوهُ.
وَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ عِنْدَ ابنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، وَالإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ: فَأَخَذَ أَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ -﵁- بِيَدِ رِسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ أَصغَرُ السَّبْعِينَ- وَقَالَ: رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ، إِنَّا لَمْ نَضْرِبْ إِلَيْهِ أَكْبَادَ المَطِيِّ (٢) إِلَّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، وَإِنَّ إِخْرَاجَهُ اليَوْمَ مُفَارَقَةُ العَرَبِ كَافَّةً، وَقَتْلُ خِيَارِكُم، وَأَنْ
_________________
(١) النَّهَكُ: النَّقْصُ. انظر النهاية (٥/ ١٢١).
(٢) المَطِيُّ: جمع مَطِيَّة، وهي النَّاقة التي يُركَبُ مَطَاها: أي ظَهْرها. انظر النهاية (٤/ ٢٩٠). يُقال: فلانٌ تَضْرِب إليه أكبادُ الإبل: أي يُرحل إليهِ في طَلَبِ العلمِ وغَيره. انظر لسان العرب (٨/ ٣٦).
[ ١ / ٥٨٧ ]
تَعَضَّكُمُ السُّيُوفُ (١)، فَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَصبِرُونَ عَلَى السُّيُوفِ إِذَا مَسَّتْكُمْ، وَعَلَى قَتْلِ خِيَارِكُمْ، وَعَلَى مُفَارَقَةِ العَرَبِ كَافَّةً، فَخُذُوهُ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللَّهِ ﷿، وَإِمَّا أَنْتُمْ قَوْمٌ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً فَذَرُوهُ، فَهُوَ أَعْذَرُ عِنْدَ اللَّهِ.
فَقَالُوا: يَا أَسْعَدُ! أَمِطْ (٢) عَنَّا يَدَكَ، فَوَاللَّهِ لَا نَذَرُ هذه البَيْعَةَ وَلَا نَسْتَقِيلُهَا (٣).
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِلنُّقَبَاءِ: "أَنْتُمْ عَلَى قَوْمِكُمْ بِمَا فِيهِمْ كفَلَاءُ، كَكَفَالَةِ الحَوَارِيِّينَ لِعِيسَى ابنِ مَرْيَمَ -﵇-، وَأَنَا كَفِيلٌ عَلَى قَوْمِي" -يَعنِي المُسْلِمِينَ-، قَالُوا: نَعَمْ.
فَقَامُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- رَجُلًا رَجُلًا، يَأْخُذُ عَلَيْهِمْ بِشَرطِهِ -أَيْ بِشَرْطِ الرَّسُولِ -ﷺ- العَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ -﵁-، وَيُعْطِيهِمْ عَلَى ذَلِكَ الجَنَّةَ (٤).
* أَوَّلُ مَنْ بَايَعَ:
وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايعَ البَرَاءُ بنُ مَعْرُورٍ -﵁-، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي
_________________
(١) أعضَضْتُهُ سَيْفِي: أي ضَرَبْتُه به. انظر لسان العرب (٩/ ٢٥٦).
(٢) أَمِطْ: أيْ أبْعِد. انظر النهاية (٤/ ٣٢٥).
(٣) استَقَالَ العَهْدَ: أي طَلَبَ أن يُفْسَخَ. انظر لسان العرب (١١/ ٢٨٨).
(٤) أخرج قصة بيعة العقبة الثانية: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٦٥٣) (١٥٧٩٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -﵁- عن مناقب الصحابة - باب ذكر أسعد بن زرارة -﵁- رقم الحديث (٧٠١١) (٧٠١٢) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٥٢ - وما بعدها) - وأوردها الحافظ في الإصابة (٨/ ١٤) وصحح إسنادها - وهو كما قال.
[ ١ / ٥٨٨ ]
مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسن عَنْ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- البَرَاءُ بنُ مَعْرُورٍ -﵁-، ثُمَّ تَتَابَعَ القَوْمُ (١).
وَرَوَى الحَاكِمُ فِي المُسْتدرَكِ بِسَندٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ البَرَاءُ بنُ مَعْرُورٍ أَوَّلَ مَنْ ضَرَبَ عَلَى يَدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي البِيْعَةِ لَهُ لَيْلَةَ العَقَبَةِ (٢).
وَقَالَ ابنُ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ بَايَعَهُ لَيْلَتَئِذٍ البَرَاءُ بنُ مَعْرُورٍ -﵁-، وَكَانَتْ لَهُ اليَدُ البَيْضَاءُ، إِذْ أَكَّدَ العَهْدَ، وَبَادَرَ إِلَيْهِ (٣).
* بَيْعَةُ المَرْأَتيْنِ:
فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ بَيْعَةِ الرِّجَالِ بَايَعَ المَرأَتيْنِ قَوْلًا مِنْ غَيْرِ مُصَافَحَةٍ، لأنَّهُ -ﷺ- كَانَ لَا يُصَافِحُ النِّسَاءَ (٤)، وَإِنَّمَا كَانَ يَأْخُذُ عَلَيْهِنَّ، فَإِذَا أَقْرَرْنَ قَالَ: "اذْهَبْنَ فَقَدْ بَايَعتُكُنَّ" (٥).
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٧٩٨).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب كَانَ أوّل من تكَلَّم من النُّقباء البراء بن معرور -﵁- رقم الحديث (٤٨٨٦).
(٣) انظر زاد المعاد (٣/ ٤٣).
(٤) روى الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٥٢٨٨) - (٧٢١٤) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٨٦٦) - عن عائشة ﵂ قالت: واللَّه ما مسَّت يدُ رسول اللَّه -ﷺ- يَدَ امرأةٍ قَط، غير أنه بايعهن بالكلام، واللَّه ما أخَذ رسول اللَّه -ﷺ- على النِّساء إلا بما أمره اللَّه، يقول لهن إذا أخذ عليهن: "قد بايَعتُكنَّ" كَلامًا.
(٥) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٧٩) - الطبقات الكبرى لابن سعد (٨/ ٤٤٠).
[ ١ / ٥٨٩ ]
* شَيْطَانٌ يَكْتَشِفُ المُعَاهَدَةَ:
قَالَ كعبُ بنُ مَالِكٍ -﵁-: فَلَمَّا بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، صَرَخَ الشَّيْطَانُ مِنْ رَأْسِ العَقَبَةِ بِأَنْفَذِ صَوْتٍ سَمِعتُهُ قَطُّ: يَا أَهْلَ الجَبَاجِبِ -وَالجَبَاجِبُ: المَنَازِلُ- هَلْ لَكُمْ فِي مُذَمَّمٍ (١) وَالصُّبَاةُ (٢) مَعَهُ؟ قَدْ اجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَذَا أَزَبُّ (٣) العَقَبَةِ، هَذَا ابنُ أَزْيَبَ، اسْمَعْ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ، أَمَا وَاللَّهِ لَأَفْرَغَنَّ لَكَ".
* صِدْقُ الأَنْصَارِ -﵃- فِي بَيْعَتِهِمْ:
فَقَالَ العَبَّاسُ بنُ عُبَادَةَ بنَ نَضْلَةَ -﵁- لَلرَّسُولِ -ﷺ-: وَالذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ، إِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ عَلَى أَهْلِ مِنى غَدًا بِأَسْيَافِنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَمْ نُؤْمَرْ بِذَلِكَ، وَلَكِنْ ارجِعُوا إِلَى رِحَالِكُمْ".
_________________
(١) روى الإمام البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب ما جاء في أسماء رسول اللَّه -ﷺ- رقم الحديث (٣٥٣٣) - عن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "ألا تَعْجَبُونَ كيفَ يَصْرِفُ اللَّه عني شَتْمَ قُرَيْشٍ ولعنَهُمْ؟ يشتُمُون مُذَمَّمًا، ويلعَنُونَ مُذَمَّمًا، وأنا مُحَمَّد". قَالَ الحافظ في الفتح (٧/ ٢٥٠): كان الكفارُ من قُرَيش من شِدَّة كَرَاهتِهِم في النبي -ﷺ- لا يُسَمُّونه باسمه الدَّالِّ على المدحِ فيعدِلُونَ إلى ضِدِّه فيقولون مُذَّمم، وإذا ذكرُوهُ بِسُوءٍ قالوا: فعل اللَّهُ بمذمَّم، ومذمَّمٌ ليس هو اسمه -ﷺ- ولا يُعرف به فكان الذي يَقَع منهم في ذلك مَصْرُوفًا إلى غيره.
(٢) يُقال: صَبَأَ فُلان: إذا خَرج من دِينٍ إلى دِين غيره، وكانت العرب تُسمي النبي -ﷺ- الصَّابِئَ، لأنه خرج من دِين قريش إلى دين الإسلام. انظر النهاية (٣/ ٣).
(٣) أَزَبُّ العقَبَة: اسم شَيْطَانٍ كان بالعَقَبَة. انظر النهاية (١/ ٤٦).
[ ١ / ٥٩٠ ]
فَرَجَعُوا إِلَى رِحَالهم وَنَامُوا حَتَّى أصبَحُوا (١).
* قُرَيْشٌ تَبْحَثُ عَنِ الأخْبَارِ عِنْدَ رُؤَسَاءِ يَثْرِبَ:
وَلَمَّا قَرَعَ هَذَا الخَبَرُ آذَانَ قُرَيْشٍ وَقَعَتْ فِيهِمْ ضَجَّة أثَارَتِ القَلَاقِلَ وَالأحْزَانَ، لأَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مَعرِفَةٍ تَامَّةٍ مِنْ عَوَاقِبِ مِثْلِ هَذِهِ البَيْعَةِ وَنتائِجِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَنْفُسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَمَا إِنْ أَصْبَحُوا حَتَّى تَوَجَّة وَفْدٌ كَبِيرٌ مِنْ زُعَمَاءَ مَكَّةَ وَأَكَابِرِ مُجْرِمِيهَا إِلَى مَنَازِلِ أَهْلِ يَثْرِبَ فِي مِنًى، فَقَالُوا: يَا مَعْشَرَ الخَزْرَجِ! إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنَا أَنَّكُمْ قَدْ جِئْتُمْ إِلَى صَاحِبِنَا (٢) هَذَا تَسْتَخْرِجُونَهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، وَتُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِنَا، وَإِنَّهُ وَاللَّهِ مَا مِنْ حَيٍّ مِنَ العَرَبِ أَبْغَضُ إِلَيْنَا أَنْ تَنْشُبَ الحَرْبُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مِنْكُمْ (٣).
فَانْبَعَثَ مِنْ هُنَاكَ مِنْ مُشْرِكِي الخَزْرَجِ يِحْلِفُونَ بِاللَّهِ: مَا كَانَ مِنْ هَذَا شَيْءٌ، وَمَا عَلِمْنَاهُ، حَتَّى إِنَّهُم -أَيْ زُعَمَاءُ قُرَيْشٍ- أَتوْا عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُبَيِّ بنِ سَلُولٍ، فَجَعَلَ يَقُولُ: هَذَا بَاطِلٌ، وَمَا كَانَ هَذَا، وَمَا كَانَ قَوْمِي لِيَفْتَاتُوا (٤) عَلَيَّ مِثْلَ هَذَا، لَوْ كُنْتُ بِيَثْرِبَ مَا صَنَعَ قَوْمِي هَذَا حَتَّى يُؤَامِرُوني.
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٧٩٨) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٦١) وإسناده حسن.
(٢) أي الرَّسول -ﷺ-.
(٣) أخرج ذلك: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٧٩٨) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٦١) وإسناده حسن.
(٤) افتَاتَ عليهِ: إذا انفَرَد بِرَأيه دونه في التصرف فيه. انظر النهاية (٣/ ٤٢٩).
[ ١ / ٥٩١ ]
أَمَّا المُسْلِمُونَ فنَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ، ثُمَّ لَاذُوا بِالصَّمْتِ، فَلَمْ يَتَحَدَّثْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِنَفْيٍ أَوْ إثْبَاتٍ.
وَصَدَّقَ زُعَمَاءُ قُرَيْشٍ المُشْرِكِينَ مِنْ يَثْرِبَ، فَرَجَعُوا خَائِبِينَ (١)
* تَأَكُّدُ قُرَيْشٍ مِنْ صِحَةِ الخَبرِ وَمُلَاحَقَتُهَا المُبَايِعِينَ:
وَنَفَرَ (٢) النَّاسُ مِنْ مِنًى، فتَنَطَّسَتْ (٣) قُرَيْشٌ الخَبَرَ، فَوَجَدُوا أَنَّ الخَبَرَ صَحِيحٌ، وَالبَيْعَةُ قَدْ تَمَّتْ فِعلًا، فَخَرَجُوا فِي طَلَبِ القَوْمِ، فَأَدْرَكُوا سَعْدَ بنَ عُبَادَةَ، وَالمُنْذِرَ بنَ عَمرٍو ﵄، وَكِلَاهُمَا كَانَ نَقِيبًا، فَأَمَّا المُنْذِرُ بنُ عَمرٍو فَأَعْجَزَ القَوْمَ، وَاسْتَطَاعَ أَنْ يَفِرَّ، وَأَمَّا سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ فَأَخَذُوهُ، فَرَبَطُوا يَدَيْهِ إِلَى عُنُقِهِ، ثُمَّ أَقْبَلُوا بِهِ حَتَّى أَدْخَلُوهُ مَكَّةَ يَضْرِبُونَهُ، وَيَجْذِبُونَهُ بِشَعْرِهِ، وَكَانَ ذَا شَعْرٍ كَثِيرٍ.
قَالَ سَعْدٌ: فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي أَيْدِيهِمْ إِذْ طَلَعَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ رَجُلٌ وَضِيءٌ أَبْيَضُ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: إِنْ يَكُ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ القَوْمِ خَيْرٌ، فَعِنْدَ هَذَا، فَلَمَّا دَنَا مِنِّي رَفَعَ يَدَهُ فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: لَا وَاللَّهِ مَا عِنْدَهُم بَعْدَ هَذَا مِنْ خَيْرٍ، قَالَ سَعدٌ: فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي أَيْدِيهِم يَسْحَبُونَنِي إِذْ
_________________
(١) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٧٩٨) - والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٤٤٩) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٦١) وإسناده حسن.
(٢) النَّفْرُ: التَّفَرُّق. انظر لسان العرب (١٤/ ٢٣١).
(٣) كلُّ من تَأَنَّقَ في الأمور، ودقَّق النظر فيها: فهو نَطِسٌ ومُتَنَطِّسٌ. انظر النهاية (٥/ ٦٣).
[ ١ / ٥٩٢ ]
آوَى (١) لِي رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُم، فَقَالَ: وَيْحَكَ! ! أَمَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ قُرَيْشٍ جِوَارٌ وَلَا عَهْدٌ؟ فَقَالَ سَعْدٌ: بَلَى وَاللَّهِ، لَقَدْ كُنْتُ أُجِيرُ لِحُبَيْرِ بنِ مُطْعِمِ بنِ عَدِيٍّ تُجَّارَهُ، وَأَمْنَعُهُم مِمَّنْ أَرَادَ ظُلْمَهُم بِبلَادِي، وَلِلْحَارِثِ بنِ حَرْبِ بنِ أُمَيَّةَ، فَقَالَ لَهُ: وَيْحَكَ! ! فَاهْتِفْ بِاسْمِ الرَّجُلَيْنِ، وَاذْكُر مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَهُمَا، قَالَ: فَفَعَلْتُ، وَخَرَجَ ذَلِكَ الرَّجُلُ إِلَيْهِمَا، فَوَجَدَهُمَا فِي المَسْجِدِ عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَقَالَ لَهُمَا: إِنَّ رَجُلًا مَنَ الخَزْرَجِ الآنَ يُضْرَبُ بِالأَبْطَحِ (٢) يَهْتِفُ بِكُمَا، وَيَذْكُرُ أَنَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَكُمَا جِوَارًا، قَالَا: مَنْ هُوَ؟
قَالَ: سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ، قَالَا: صَدَقَ وَاللَّهِ، إِنْ كَانَ لَيُجِيرُ لَنَا تُجَّارَنَا، وَيَمْنَعُهُمْ أَنْ يُظْلَمُوا بِبَلَدِهِ، قَالَ: فَجَاءَا فَخَلَّصَا سَعدًا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِم، فَانْطَلَقَ، وَكَانَ الذِي لَكَمَ سعْدًا، سُهيْلُ بنُ عَمرٍو (٣)، وَالرَّجُلُ الذِي آوَى لَهُ أَبَا البَخْتَرِيِّ بنَ هِشَامٍ (٤).
وَكَانَتِ الأَنْصَارُ ائْتَمَرَتْ حِينَ فَقَدُوا سَعْدًا -﵁-، أَنْ يَكُرُّوا (٥) إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ، فَرَحَلَ القَوْمُ جَمِيعًا إِلَى المَدِينَةِ (٦).
_________________
(١) آوى له: أي رَقَّ ورَحمَ. انظر لسان العرب (١/ ٢٧٥).
(٢) الأبطُح: هو أبْطُح مكة، وهو مَسِيلُ وَادِيها. انظر النهاية (١/ ١٣٤).
(٣) سُهيل بن عَمرو أسلم -﵁- في فتح مكة وحسن إسلامه.
(٤) أبو البُخْتُرِي بن هشام قُتِل كَافرًا في غزوة بدر الكبرى.
(٥) الكَرُّ: الرُّجوع. انظر لسان العرب (١٢/ ٦٤).
(٦) أخرج تفاصيل بيعة العقبة الثانية: الإمام أحمد في مسنده بأسانيد قوية وحسنة - رقم الحديث (١٥٧٩٨) - (١٤٦٥٣) - (١٤٤٥٦) - وابن حبان في صحيحه بسند صحيح =
[ ١ / ٥٩٣ ]
* وَهْمُ ابنِ إِسْحَاقَ:
ذَكَرَ ابنُ إِسْحَاقَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- بَايَعَ الأنْصَارَ فِي العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ بَيْعَةَ الحَربِ حَيْثُ أَذِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ -ﷺ- فِي القِتَالِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لِرَسُولِهِ -ﷺ- فِي الحَرْبِ، فَلَمَّا أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِيهَا، وَبَايَعَهم رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي العَقَبَةِ الأخِيرَةِ عَلَى حَربِ الأحْمَرِ وَالأسْوَدِ أَخَذَ لِنَفْسِهِ وَاشْترَطَ عَلَى القَوْمِ لِرَبِّهِ، وَجَعَلَ لَهُمْ عَلَى الوَفَاءَ بِذَلِكَ الجَنَّةَ، ثُمَّ ذَكَرَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ فِي القِتَالِ: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ (١).
وَهذَا مِنْ أَوْهامِ ابنِ إِسْحَاقَ عَلَى جَلَالَتِهِ، فَالجِهادُ لَمْ يُشْرَع إِلَّا فِي السَّنَةِ الأُولَى مِنَ الهِجْرَةِ، وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَى هَذَا الوَهْمِ ابنُ هِشَامٍ أَيْضًا.
وَلَيْسَ أَدَلُّ عَلَى عَدَمِ فَرْضِيَّةِ الجِهَادِ قَبْلَ العَقَبَةِ مِنْ أَنَّ العَبَّاسَ بنَ عُبَادَةَ بنِ نَضْلَةَ -﵁- لَمَّا قَالَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: وَالذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ إِنْ شِئْتَ لَنَمِيلَنَّ عَلَى أَهْلِ مِنًى غَدًا بِأَسْيَافِنَا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَمْ نُؤْمَرْ بِذَلِكَ" (٢).
_________________
(١) = على شرط مسلم - كتاب التاريخ - باب وصف بيعة الأنصار رسول اللَّه -ﷺ- ليلة العقبة - رقم الحديث (٦٢٧٤) - وكتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة -﵃- باب ذكر أسعد بن زرارة -﵃- رقم الحديث (٧٠١٢) - وباب ذكر البراء بن معرور -﵁- رقم الحديث (٧٠١١) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٥٢) وما بعدها - والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٤٤٢).
(٢) سورة الحج - آية (٣٩) - وانظر الخبر في سيرة ابن هشام (٢/ ٨١).
(٣) أخرج ذلك: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٧٩٨) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٦١) - وإسناده حسن.
[ ١ / ٥٩٤ ]
* فَضْلُ مَنْ شَهِدَ بَيْعَةَ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ:
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَقَدْ شَهِدْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- لَيْلَةَ العَقَبَةِ حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الإِسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَد بَدْرٍ (١)، وَإِنْ كَانَتْ بَدرٌ أَذْكَرَ (٢) فِي النَّاسِ مِنْهَا (٣).
قَالَ الشَّيْخُ صَفِيُّ الرَّحْمَنِ المُبَارَكْفُورِي: هَذِهِ هِيَ بَيْعَةُ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ -التِي تُعْرَفُ بِبَيْعَةِ العَقَبَةِ الكُبْرَى- وَقَدْ تَمَّتْ فِي جَوٍّ تَعلُوهُ عَوَاطْفُ الحُبِّ وَالوَلَاءِ وَالتَّنَاصُرِ بَيْنَ أَشْتَاتِ المُؤْمِنِينَ، وَالثِّقَةَ وَالشَّجَاعَةِ وَالِاسْتِبْسَالِ فِي هَذَا السَّبِيلِ، فَمُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ يَحْنُو عَلَى أَخِيهِ المُسْتَضْعَفِ فِي مَكَّةَ، وَيَتَعَصَّبُ لَهُ، وَيَغْضَبُ مِنْ ظَالِمِهِ، وَتَجِيشُ (٤) فِي حَنَايَاهُ مَشَاعِرُ الوُدِّ لِهذَا الأَخِ الذِي أَحَبَّهُ فِي ذَاتِ اللَّهِ.
وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ المَشَاعِرُ وَالعَوَاطِفُ نَتِيجَةَ نَزْعَةٍ عَابِرَةٍ تَزُولُ عَلَى مَرِّ الأيَّامِ، بَلْ كَانَ مَصْدَرُهَا هُوَ الإيمَانَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ -ﷺ- وِبِكِتَابِهِ، إِيمَانٌ لَا يَزُولُ أَمَامَ أَيِّ
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٢٤): لأن مَن شهِدَ غزوة بدر كان كان فاضلًا بِسَبَب أنها أول غزوة نُصِرَ فيها الإسلام، لكن بَيْعَةَ العقبة كانت سَببًا في فَشُوِّ الإسلام، ومنها نشَأَ مشهدُ بدرٍ.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٢٤): أي أكثر ذِكرًا بالفَضْلِ، وشهرَةً بين الناس.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب وفود الأنصار إلى النبي -ﷺ- بمكة - رقم الحديث (٣٨٨٩) - ومسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه - رقم الحديث (٢٧٦٩).
(٤) تجيش: تفيض. انظر لسان العرب (٢/ ٤٣٥).
[ ١ / ٥٩٥ ]
قُوَّةٍ مِنْ قُوَّاتِ الظُّلْمِ وَالعُدْوَانِ، إِيمَانٌ إِذَا هَبَّتْ رِيحُهُ جَاءَتْ بِالعَجَائِبِ فِي العَقِيدَةِ وَالعَمَلِ، وَبِهَذَا الإِيمَانِ اسْتَطَاعَ المُسْلِمُونَ أَنْ يُسَجِّلُوا عَلَى أَوْرَاقِ الدَّهْرِ أَعمَالًا، وَيتْرُكُوا عَلَيْهَا آثارًا، خَلَا عَنْ نَظَائِرهَا، الغَابِرُ وَالحَاضِرُ، وَسَوْفَ يَخْلُو المُسْتَقْبَلُ (١).
وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ الغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى: تِلْكم بَيْعَةُ العَقَبَةِ، وَمَا أُبْرِمَ (٢) فِيهَا مِنْ مَوَاثِيقَ، وَمَا دَارَ فِيهَا مِنْ مُحَاوَرَاتٍ. . . إِنَّ رُوحَ اليَقِينِ وَالفِدَاءِ وَالِاسْتِبْسَالِ سَادَتْ هَذَا الجَمْعَ وَتَمَشَّتْ فِي كُلِّ كَلِمَةٍ قِيلَتْ، وَبَدَا أَنَّ العَوَاطِفَ الفَائِرَةَ لَيْسَتْ وَحدها التِي توجِّهُ الحَدِيثَ أَوْ تُمْلِي العُهُودَ كَلَّا، فَإِنَّ حِسَابَ المُسْتَقْبَلِ رُوجعَ مَعَ حِسَابِ اليَوْمِ، وَالمَغَارِمُ (٣) المُتَوَقَّعَةُ نُظِرَ إِلَيْها قَبْلَ المَغَانِمِ المَوْهُومَةِ.
مَغَانِمُ؟ أَيْنَ مَوْضُوعُ المَغَانِمِ فِي هذه البَيْعَةِ؟ لقد قَامَ الأَمْرُ كُلُّهُ عَلَى التَّجَرُّدِ المَحْضِ وَالبَذْلِ الخَالِصِ.
هؤُلَاءَ السَّبْعُونَ مُثَلٌ لِانْتِشَارِ الإِسْلَامِ، عَنْ طَرِيقِ الفِكْرِ الحُرِّ وَالِاقْتِنَاعِ الخَالِصِ.
فَقَدْ جَاءُوا مِنْ يَثْرِبَ مُؤْمِنِينَ أَشَدَّ الإيمَانِ، وَمُلَبِّينَ دَاعِيَ التَّضْحِيَةِ، مَعَ أَنَّ مَعرِفتَهُم بِالنَّبِيِّ -ﷺ- كَانَتْ لَمحَةً عَابِرَةً، غَبَرَتْ عَلَيْهَا الأيَّامُ، وَكَانَ الظَّنُّ بِهَا
_________________
(١) انظر الرحيق المختوم ص ١٥٤.
(٢) أبرَمَ الأمرَ: أحكمَهُ. انظر لسان العرب (١/ ٣٩١).
(٣) المَغْرَمُ: هو الدَّين. انظر لسان العرب (١٠/ ٥٩).
[ ١ / ٥٩٦ ]
أَنْ تَزُولَ، لَكِنَّنَا لَا يَجُوزُ أَنْ نَنْسَى مَصْدَرَ هَذِهِ الطَّاقةِ المُتَأَجِّجَةِ مِنَ الشَّجَاعَةِ وَالثِّقَةِ، إِنَّهُ القُرْآنُ! ! لَئِنْ كَانَ الأَنْصَارُ قَبلَ بَيْعَتِهِمْ الكُبْرَى لَمْ يَصْحَبُوا الرَّسُولَ -ﷺ- إِلَّا لِمَامًا (١) فَإِنَّ الوَحْيَ المُشِّعَ مِنَ السَّمَاءِ أَضَاءَ لَهُمُ الطَّرِيقَ، وَأَوْضَحَ الغَايَةَ (٢).
* إِسْلَامُ عَمْرِو بنِ الجَمُوحِ -﵁- (٣):
لَمَّا رَجَعَ الأَنْصَارُ الذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ليْلَةَ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى المَدِينَةِ أَظْهرُوا الإِسْلَامَ بِهَا، وَدَعَوْا أَهْلِيهِم إِلَيْهِ، وَكَانَ فِي قَوْمِهِم بَقَايَا مِنْ شُيُوخٍ لَهُمْ عَلَى دِينهِم مِنَ الشِّرْكِ، مِنْهُمْ عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ -﵁- مِنْ سَادَاتِ بَنِي سَلِمَةَ وَأَشْرَافِهِمْ، وَكَانَ ابْنُهُ مُعَاذٌ شَهِدَ العَقَبَةَ، وَبَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِهَا.
وَكَانَ عَمْرٌو قَدْ اتَّخَذَ فِي دَارِهِ صَنَمًا مَنْ خَشَبٍ، يُقَالُ له (مَنَاةٌ)، كَمَا كَانَ الأَشْرَافُ يَصْنَعُونَ، فَلَمَّا أَسْلَمَ فِتْيَانُ بَنِي سَلِمَةَ: مُعْاذُ بنُ جَبَلٍ، وَابْنُهُ مُعَاذُ بنُ عَمْرٍو، فِي فِتْيَان مِنْهُمْ مِمَّنْ أَسْلَمَ وَشَهِدَ العَقَبَةَ، كَانُوا يُدْلِجُونَ (٤) بِاللَّيْلِ عَلَى
_________________
(١) اللِّمام: اللقاء اليسير. انظر لسان العرب (١٢/ ٣٣٣).
(٢) انظر فقه السيرة للشيخ محمد الغزالي رحمه اللَّه تعالى ص ١٤٨.
(٣) هو عمرُو بن الجَمُوح الأنصاري الخَزْرَجِي، كان -﵁- أعْرَجًا، وشَهِدَ بَدرًا في قول، ولم يذكره ابن إسحاق فيهم، واستشهِدَ في أُحُدٍ. ودفن هو وعبد اللَّه بن عمرو بن حرامٍ في قبْرٍ واحدٍ. وكان عمرُو بن الجَمُوحِ -﵁- كَرِيمًا جَوَادًا، سَيِّدًا من ساداتِ الأنصار، وشريفًا من أشرافهم. انظر الإصابة (٤/ ٥٠٦).
(٤) الدُّلجَةُ: سَيْرُ الليل. انظر النهاية (٢/ ١٢٠).
[ ١ / ٥٩٧ ]
صَنَمِ عَمرِو بنِ الجَمُوحِ، فَيَحْمِلُونَهُ، فَيَطْرَحُونَهُ فِي بَعْضِ حُفَرِ بَنِي سَلِمَةَ، وَفِيهَا عِذَرُ (١) النَّاسِ، مُنَكَّسًا عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا أصبَحَ عَمْرٌو، قَالَ: وَيْلَكُمْ! ! مَنْ عَدَا عَلَى إِلَهِنَا هَذِهِ اللَّيْلَةَ؟ ثُمَّ يَغْدُو يَلْتَمِسُهُ، حَتَّى إِذَا وَجَدَهُ غَسَّلَهُ وَطَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ، ثُمَّ قَالَ لِلصَّنَمِ: أَمَا وَاللَّهِ لَوْ أَعلَمُ مَنْ فَعَلَ بِكَ هَذَا لَأُخْزِيَنَّهُ، فَإِذَا أَمْسَى وَنَامَ عَمْرٌو عَدَوْا عَلَيْهِ، فَفَعَلُوا بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، فَيَغْدُو فَيَجِدُهُ فِي مِثْلِ مَا كَانَ فِيهِ مِنَ الأَذَى، فَيُغَسِّلُهُ وَيُطَهِّرُهُ وَيُطَيِّبُهُ، ثُمَّ يَعْدُونَ عَلَيْهِ إِذَا أَمْسَى، فَيَفْعَلُونَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ.
فَلَمَّا أَكْثروا عَلَيْهِ اسْتَخْرَجَهُ مِنْ حَيْثُ أَلْقَوْهُ يَوْمًا، فَغَسَّلَهُ وَطَهَّرَهُ وَطَيَّبَهُ، ثُمَّ جَاءَ بِسَيْفِهِ فَعَلَّقَهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ لِلصَّنَمِ: إِنِّي وَاللَّهِ لَا أَعلَمُ مَنْ يَصْنَعُ بِكَ مَا أَرَى، فَإِنْ كَانَ فِيكَ خَيْرٌ فَامْتَنِعْ، فَهَذَا السَّيْفُ مَعَكَ، فَلَمَّا أَمْسَى وَنَامَ عَمْرٌو عَدَوْا عَلَيْهِ، فَأَخَذُوا السَّيْفَ فِي عُنقهِ، ثُمَّ أَخَذُوا كَلْبًا مَيْتًا فَقَرَنُوهُ بِهِ بِحَبْلٍ، ثُمَّ أَلْقَوْهُ فِي بِئْرٍ مِنْ آبَارِ بَنِي سَلِمَةَ فِيهَا عِذَرُ النَّاسِ، وَغَدَا عَمْرُو بنُ الجَمُوحِ فَلَمْ يَجِدْهُ فِي مَكَانِهِ الذِي كَانَ بِهِ، فَخَرَجَ يَتْبَعُهُ حَتَّى وَجَدَهُ فِي تِلْكَ البِئْرِ مُنَكَّسًا مَقْرُونًا بِكَلْبٍ مَيْتٍ، فَلَمَّا رَآهُ وَأَبْصَرَ شَأْنَهُ، وَبَانَ له صَوَابُهُ، وَرَجَعَ إِلَيْه عَقْلُهُ، وَعَلِمَ أَنَّهَا أَصْنَامٌ لَا تَضُرُّ وَلَا تَنْفَعُ، فَمَا إِنْ كَلَّمَهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ حَتَّى أَسْلَمَ، وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ -﵁-، وَقَالَ حِينَ اسْتَبَانَ له الرُّشْدُ، يَذْكُرُ صَنَمَهُ هَذَا، وَمَا كَانَ
_________________
(١) العَذِرَةُ: الغَائِطُ الذي يُلْقِيهِ الإنسان. انظر النهاية (٣/ ١٨٠).
[ ١ / ٥٩٨ ]
مِنْ أَمرِهِ، وَيَشْكُرُ اللَّهَ الذِي أَنْقَذَهُ مِمَّا كَانَ فِيهِ مِنَ العَمَى وَالضَّلَالَةِ:
وَاللَّهِ لَوْ كُنْتَ إِلَهًا لَمْ تَكُنْ أَنْتَ وَكَلْبٌ وَسْطَ بِئْرٍ فِي قَرَنْ (١)
أُفٍ لِمَلْقَاكَ إِلَهًا مُسْتَدَنْ (٢) الآنَ فَتَّشْنَاكَ عَنْ سُوءِ الغَبَنْ (٣)
الحَمْدُ للَّهِ العَلِيِّ ذِي المِنَنْ الوَاهِبِ الرَّزَّاقِ دَيَّانِ الدِّيَنْ
هُوَ الذِي أَنْقَذَنِي مِنْ قَبْلِ أَنْ أَكُونَ فِي ظُلْمَةِ قَبْرٍ مُرْتَهَنْ
بِأَحْمَدَ المَهْدِيِّ النَّبِيِّ المُؤْتَمَنْ (٤)
* * *
_________________
(١) القَرَنُ: بالتحريك الحَبْلُ. انظر لسان العرب (١١/ ١٣٩).
(٢) المُسْتَدنِ: الدَّني الخَسِيس. انظر لسان العرب.
(٣) الغَبَن: السَّفَه. انظر الروض الأنف (٢/ ٢٧٩).
(٤) انظر قصة إسلام عمرو بن الجموح -﵁- في: سيرة ابن هشام (٢/ ٦٥) - الروض الأنف (٢/ ٢٧٨) - سبل الهدى والرشاد (٣/ ٢٢٢).
[ ١ / ٥٩٩ ]
خَصَائِصَ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ
قَبْلَ أَنْ نَدخُلَ فِي أَمرِ الهِجْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ، نتكَلَّمُ عَنْ خَصَائِصِ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ أَوَّلًا.
كَانَ مِنْ حِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي اخْتِيَارِ المَدِينَةِ دَارًا لِلْهِجْرَةِ، وَمَرْكَزًا لِلدَّعوَةِ، عَدَا مَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ إِكْرَامِ أَهْلها، وَأَسْرَار لَا يَعلَمُها إِلَّا اللَّهُ أُمُورٌ، مِنْهَا:
١ - أَنَّهَا امْتَازَتْ بِتَحَصُّنٍ طَبِيعِيٍّ حَربِيٍّ، لَا تُزَاحِمُها فِي ذَلِكَ مَدِينَةٌ قَرِيبَةٌ فِي الجَزِيرَةِ، فكَانَتْ حَرَّةُ (١) الوَبْرَةِ مُطْبِقَةً عَلَى المَدِينَةِ مِنَ النَّاحِيَةِ الغَرْبِيَّةِ، وَحَرُّة وَاقِمٍ مُطْبِقَةً عَلَى المَدِينَةِ مَنَ النَّاحِيَةِ الشَّرْقِيَّةِ، وَكَانَتِ المَنْطِقَةُ الشَّمَالِيَّةُ مِنَ المَدِينَةِ، هِيَ النَّاحِيَةَ الوَحِيدَةُ المَكْشُوفَةُ (٢).
٢ - كَانَتِ الجِهاتُ الأُخْرَى مِنْ أَطْرَافِ المَدِينَةِ مُحَاطَةً بِأَشْجَارِ النَّخِيلِ، وَالزُّرُوعِ الكَثِيفَةِ، لَا يَمُرُّ مِنْهَا الجَيْشُ إِلَّا فِي طُرُقٍ ضَيِّقَةٍ، لَا يَتَّفِقُ فِيهَا النِّظَامُ
_________________
(١) الحَرَّةُ: هي الأرضُ ذاتُ الحِجَارة السُّود، يمتنع فيها المَشْي بالأقدام، ومشي الإبل والخيل، فضلًا عن مُرُور الجيش. انظر النهاية (١/ ٣٥١).
(٢) وهي التي حَصَّنها رسول اللَّه -ﷺ- بالخندَق سنة خمس من الهجرة في غزوة الخندق، كما سيأتي عند الحديث عن غزوة الخندق.
[ ١ / ٦٠٠ ]
العَسْكَرِيُّ وَتَرْتِيبُ الصُّفُوفِ.
٣ - كَانَتْ خَفَارَاتٌ عَسْكَرِيَّةٌ صَغِيرَةٌ، كَافِيَةً لإِفْسَادِ النِّظَامِ العَسْكَرِيِّ، وَمَنْعِهِ مِنَ التَّقَدُّمِ، يَقُولُ ابنُ إِسْحَاقَ: كَانَ أَحَدُ جَانِبَيِ المَدِينَةِ عَوْرَةً وَسَائِرُ جَوَانِبِهَا مُشَكَّكَةً بِالبُنْيَانِ وَالنَّخِيلِ، لَا يَتَمَكَّنُ العَدُوُّ مِنْهَا.
وَلَعَلَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَدْ أَشَارَ إِلَى هَذِهِ الحِكْمَةِ الإِلهِيَّةِ في اخْتِيَارِ المَدِينَةِ بِقَوْلِهِ -ﷺ- لِأَصْحَابِهِ قَبْلَ الهِجْرَةِ: "إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابتَيْنِ (١) " -وَهُمَا الحَرَّتَانِ- فَهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَل المَدِينَةِ.
٤ - كَانَ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنَ الأوْسِ وَالخَزْرَجِ أَصْحَابَ نَخْوَةٍ (٢) وَإِبَاءٍ (٣) وَفُرُوسِيَّةٍ، وَقُوَّةٍ، وَشَكِيمَةٍ (٤)، ألِفوا الحُرِّيَّةَ، وَلمْ يَخْضَعُوا لِأَحَدٍ، وَلمْ يَدْفعُوا إِلَى قَبِيلَةٍ أَوْ حُكُومَةٍ إِتَاوَةً (٥) أَوْ جِبَايَةً (٦)، وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ صَرِيحًا في الكَلِمَةِ التِي قَالَهَا سَعْدُ بنُ مُعَاذٍ -﵁- سَيِّدُ الْأَوْسِ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ الخَنْدَقِ: قَدْ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الكفالة - باب جوار أبي بكر في عهد النبي -ﷺ- وعقده - رقم الحديث (٢٢٩٧) - وكتاب المناقب - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٥).
(٢) يُقال: رجل فيه نَخْوَة: أي أنَفَة وحَمِيَّة وكِبْرٌ. انظر النهاية (٥/ ٢٩).
(٣) الإبَاء: هو أشدُّ الامتناع. انظر النهاية (١/ ٢٤).
(٤) يُقال: فلان شديد الشَّكِيمَةِ إذا كان عزِيزَ النفس أبِيًّا قَوِيًّا. انظر النهاية (٢/ ٤٤٤).
(٥) الإتَاوَةُ: الرشوَةُ والخَرَاج. انظر لسان العرب (١/ ٦٧).
(٦) الجِبَايَةُ: هي استخراجُ الأموالِ من مَظَانِّها. انظر لسان العرب (٢/ ١٧٤).
[ ١ / ٦٠١ ]
كُنَّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ القَوْمُ عَلَى الشِّرْكِ بِاللَّهِ وَعِبَادَةِ الأَوْثَانِ، لَا نَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا نَعْرِفُهُ، وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا تَمْرَةً إِلَّا قِرًى (١) أَوْ بَيْعًا (٢).
وَجَاءَ في العِقْدِ الفَرِيدِ: وَمِنَ الأَزْدِ الأَنْصَارُ، وَهُمُ الأَوْسُ وَالخَزْرَجُ، وَهُمَا ابْنَا حَارِثَةَ بنِ عَمْرِو بنِ عَامِرٍ، وَهُمْ أَعزُّ النَّاسِ أَنْفُسًا، وَأَشْرَفُهُمْ هِمَمًا، وَلَمْ يُؤَدُّوا إِتَاوَةً قَطُّ إِلَى أَحَدِ المُلُوكِ (٣).
فكَانَتِ المَدِينَةُ -لِكُلِّ ذَلِكَ- أَصْلَحَ مَكَانٍ لهِجْرَةِ الرَّسُولِ -ﷺ- وَأَصْحَابِهِ، وَاتِّخَاذِهِمْ لَهَا دَارًا وَقَرَارًا، حَتَّى يَقْوَى الإِسْلَامُ، وَيَشُقَّ طَرِيقَهُ إِلَى الأَمَامِ، وَيَفْتَحَ الجَزِيرَةَ، ثُمَّ يَفْتَحَ العَالَق المُتَمَدِّنَ (٤).
* * *
_________________
(١) القِرَى: ما يُصنع للضيْفِ من الطعام. انظر لسان العرب (١١/ ١٤٩).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٣/ ٢٤٦).
(٣) انظر العقد الفريد (٣/ ٢٩٧).
(٤) انظر السيرة النبوية لأبي الحسن الندوي رحمه اللَّه تعالى ص ١٥٨.
[ ١ / ٦٠٢ ]
«دراسة محققة للسيرة النبوية»
تأليف
موسى بن راشد العازمي
تقريظ
الدكتور محمد رواس قلعه جي
الشيخ عثمان الخميس
[الجزء الثاني]
[ ٢ / ٦٠٠ ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ ٢ / ٢ ]
[ ٢ / ٣ ]
حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة للمؤلف
فهرسة مكتبة الكويت الوطنية أثْنَاء النشر
٢٣٩ العازمي، مُوسَى بن رَاشد.
اللُّؤْلُؤ الْمكنُون فِي سِيْرَة النَّبِيّ الْمَأْمُون: دراسة مُحَققَة للسيرة النَّبَوِيَّة (الْجُزْء الثاني)
تأليف مُوسَى بن رَاشد العازمي - ط ١ - الكويت: مُوسَى بن رَاشد العازمي، ٢٠١١
ج ٢ (٧٢٥ ص)؛ ٢٤ سم.
ردمك: ٣ - ٠٢ - ٤٤ - ٩٩٩٦٦ - ٩٧٨
١. السِّيرَة النَّبَوِيَّة أ. العنوان
ردمك: ٣ - ٠٢ - ٤٤ - ٩٩٩٦٦ - ٩٧٨
رقم الْإِيدَاع: ٢٤١/ ٢٠١١
الطبعة الأولى
١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م
تمّ طباعة الْكتاب على نَفَقَة عبد اللَّه الْعلي المطوع - ﵀ -
الناشر
المكتبة العامرية
إعلان وطباعة وَنشر وتوزيع
الكويت - حَولي - شَارِع الْمثنى - مجمع البدري - مَحل رقم ١٣
تلِي فاكس: ٠٠٩٦٥٢٢٦٢٣٨٨٠ - جوال: ٠٠٩٦٥٩٩٨٦٢١٩٧
الْبَرِيد الإلكتروني:
al_aamria@hotmail.com
manaar ١@yahoo.com
موقع المكتبة:
www.sites.google.com/site/amriabookstore
[ ٢ / ٤ ]
دولة الكويت
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية
السيد الفاضل / مدير إدارة الثقافة الإسلامية المحترم
السلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته،، وبعد
بالإشارة إلى الكتاب رقم (٣١٥) بشأن مراجعة: مادة بحث عدد (١)
الوارد بتاريخ: ٣/ ٣/ ٢٠١١
بعنوان: اللؤلو المكنون في سيرة النبي المأمون ج ٢
إعداد: موسى بن راشد العازمي
نشر: المؤلف
بعد الإطلاع على النسخة المذكورة أعلاه ومراجعتها نحيطكم علمًا بأنه لم تتبين لنا ملاحظات تذكر.
وتفضلوا بقبول فائق الاحترام،،
رئيس لجنة الكتب والمصنفات الفنية
الأصل بتوقيع
خليف مثيب الأذينة
الوكيل المساعد للشئون الثقافية
[ ٢ / ٥ ]
* الإِذْنُ بالهجْرَةِ (١) إِلَى المَدِينَةِ
قَالَ الشَّيْخُ عَلِي الطَّنْطَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَاجَرَ المُسْلِمُونَ مَرَّةً ثَانِيَةَ وَلَكِنَّهَا هِجْرَةٌ إِلَى دِيَارٍ عَرَبِيَّةٍ، إِلَى قَرْيَةٍ قُدِّرَ لَهَا أَنْ تَبْقَى الدَّهْرَ كُلَّهُ خَامِلَةً (٢) ضَائِعَةً وَرَاءَ الرِّمَالِ، حَتَّى تَتَشَرَّفَ بِمُحَمَّدٍ -ﷺ-، فَإِذَا هِيَ أُمُّ المَدَائِنِ، وَعَاصِمَةُ العَوَاصِمِ، مِنْهَا تَنْبَعُ عُيُونُ الخَيْرِ وَالهُدَى لِتَسِيحَ في الأَرْضِ، فتَسْقِيهَا وَتَعُمُّهَا بِالخَيْرَاتِ، وَإِلَيْهَا تَنْصَبُّ أَنْهَارُ المُلْكِ وَالغِنَى وَالسُّلْطَانِ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ (٣).
رَوَى ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا صَدَرَ (٤) رِجَالُ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، طَابَتْ نَفْسُهُ -ﷺ- وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١/ ٢٤ - ٢٥): الهجرةُ: أي التَّرك، والهجرةُ إلى الشيء الانتقالُ إليه عن غيره، وفي الشَّرع: تركُ ما نَهَى اللَّه عنه، وقد وقَعَت في الإسلام على وَجْهَين: الأول: الانتِقالُ من دار الخَوْفِ إلى دار الأمْنِ كما في هِجْرَتَي الحبَشَة وابتداءِ الهِجْرَةِ من مَكَّة إلى المدينةِ، والثاني: الهِجْرَة من دارِ الكُفْرِ إلى دارِ الإيمانِ، وذلك بعدَ أن استَقَرَّ النبي -ﷺ- بالمدينةِ، وهاجَرَ إليه مَنْ أمكَنَهُ ذلك من المسلمين، وكانت الهجرةُ إذ ذاك تختَصُّ بالانتقال إلى المدينةِ، إلى أن فُتحت مكة فانقَطَع الاختِصَاص، وبقي عُمُوم الانتقالِ من دارِ الكفر لمن قَدِرَ عليه بَاقيًا.
(٢) الخَامِلُ: الخَفِيُّ السَّاقط الَّذي لا نَبَاهة له. انظر لسان العرب (٤/ ٢٢١).
(٣) انظر كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي رحمه اللَّه تعالى ص ١٥.
(٤) الصَّدَرُ: بالتحريك رُجُوع المُسَافِرِ من مَقْصِدِهِ. انظر النهاية (٣/ ١٥).
[ ٢ / ٧ ]
مَنَعَةً وَقَوْمًا أَهْلَ حَرْبٍ وَعُدَّةٍ وَنَجْدَةٍ، وَجَعَلَ البَلَاءَ يَشْتَدُّ عَلَى المُسْلِمِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ لِمَا يَعْلَمُونَ مِنْ خُرُوجِهِمْ إِلَى المَدِينَةِ، فَضَيَّقُوا عَلَيْهِمْ، وَنَالُوا مِنْهُمْ مَا لَمْ يَكُوُنوا يَنَالُونَ مِنَ الشَّتْمِ وَالأَذَى، فَشَكَا ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَاسْتَأْذَنُوهُ في الهِجْرَةِ (١).
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ، ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ، وَهُمَا الحَرَّتَانِ" (٢)، ثُمَّ مَكَثَ أَيَّامًا ثُمَّ خَرَجَ إِلَى أَصْحَابِهِ مَسْرُورًا، فَقَالَ: "قَدْ أُخْبِرْتُ بِدَارِ هِجْرَتِكُمْ وَهِيَ يَثْرِبُ، فَقنْ أَرَادَ الخُرُوجَ فَلْيَخْرُجْ إِلَيْهَا" (٣).
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -﵁- أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "رَأَيْتُ فِي المَنَامِ أَنِّي أُهَاجِرُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى أَرْضٍ بِهَا نَخْلٌ، فَذَهَبَ وَهَلِي (٤) إِلَى أنَّهَا اليَمَامَةُ أَوْ هَجَرُ، فَإِذَا هِيَ المَدِينَةُ يَثْرِبُ" (٥).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ (٦). . . .
_________________
(١) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١٠٨).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المناقب، باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة، رقم الحديث (٣٩٠٥).
(٣) أخرج هذا الحديث ابن سعد في طبقاته (١/ ١٠٩).
(٤) قال النووي في شرح مسلم (١٥/ ٢٥): الوهل: بفتح الهاء ومعناه وهمي واعتقادي.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب علامات النبوة - رقم الحديث (٣٦٢٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب الرؤيا - باب رؤيا النبي -ﷺ- رقم الحديث (٢٢٧٢).
(٦) قال الحافظُ في الفتح (٤/ ٥٧٢): أي أمَرَني ربِّي بالهجرَةِ إليها.
[ ٢ / ٨ ]
تَأْكُلُ القُرَى (١)، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ (٢)، وَهِيَ المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ (٣) خَبَثَ (٤) الحَدِيدِ" (٥).
ثُمَّ إِنَّهُ -ﷺ- أَمَرَ جَمِيعَ المُسْلِمِينَ بِالهِجْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ، وَاللُّحُوقِ بِإِخْوَانِهِمْ مِنَ الأَنْصَارِ، فَقَالَ لَهُمْ: "إِنَّ اللَّهَ ﷿ قَدْ جَعَلَ لَكُمْ إِخْوَانًا وَدَارًا تَأْمَنُونَ بِهَا" (٦). فَخَرَجُوا أَرْسَالًا (٧)، مُتَخَفِّينَ، مُشَاةً، وَرُكْبَانًا.
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٤/ ٥٧٢): أي تغلبهم، وكنى بالأكلِ عن الغَلَبة، لأن الآكل غالِبُ على المَأْكول. وقال ابن بطالٍ فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (٤/ ٥٧٢): معناهُ يفتَحُ أهلها القُرى فيأكلون أموالهم ويَسْبُون ذَرَارِيهم، قال: وهذا من فَصِيح الكلام، تقول العرب: أكلنَا بلَدَ كذا إِذَا ظَهَرُوا عَلَيْهَا.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٤/ ٥٧٢): أي أَنَّ بعضَ المنافقِين يُسَمِّيها يثرب، واسمُها الَّذي يَلِيقُ بها المدينة، وفَهِمَ بعض العلماء من هذا كرَاهة تسمية المدينةِ يَثْرِب، وقالوا: ما وَقع في القرآن وهو قوله تعالى في سورة الأحزاب آية (١٣): ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَاأَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾. إنما هو حِكَايَةٌ عن قول غَيْر المؤمنين.
(٣) الكِيرُ: هو الزِّقُّ الَّذي يُنْفَخُ بهِ النار. انظر فتح الباري (٤/ ٥٧٣) - والنهاية (٤/ ١٨٨).
(٤) الخَبَثُ: هو الوَسَخُ الَّذي تُخرجه النار. انظر فتح الباري (٤/ ٥٧٣).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل المدينة - باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس - رقم الحديث (١٨٧١) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب المدينة تنفي شِرَارها - رقم الحديث (١٣٨٢).
(٦) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٨١).
(٧) أرسالًا: أي جماعات وفِرَقًا متقطعة بعضهم يتلو بعضًا. انظر لسان العرب (٥/ ٢١٢).
[ ٢ / ٩ ]
وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ يَنْتَظِرُ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ رَبُّهُ فِي الخُرُوجِ مِنْ مَكَّةَ، وَالهِجْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ.
* هِجْرَةُ مُهَاجِرِي الحَبَشَةِ إِلَى المَدِينَةِ:
وَحِينَ سَمِعَ مَنْ بِالحَبَشَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ هِجْرَةَ إِخْوَانِهِمْ إِلَى المَدِينَةِ رَجَعَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا وَثَمَانِيَ نِسْوَةٍ، فَمَاتَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ بِمَكَّةَ، وَحُبِسَ بِمَكَّةَ سَبْعَةُ نَفَرٍ، مِنْهُمْ: هِشَامُ بنُ العَاصِ بنِ وَائِلٍ، وَسَلَمَةُ بنُ هِشَامِ بنِ المُغِيرَةِ، وَهَاجَرَ البَاقُونَ إِلَى المَدِينَةِ، وَبَقِيَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ جَعْفَرُ بنُ أَبِي طَالِبٍ، وَحَاطِبُ بنُ الحَارِثِ، وَمَعْمَرُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ العَدَوِيُّ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَرِجَالٌ ذَوُو عَدَدٍ مِنَ المُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ حَالَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الحَرْبُ التِي وَقَعَتْ بَيْنَ النَّجَاشِيِّ، وَمَنْ خَرَجُوا عَلَيْهِ، ثُمَّ قَدِمُوا عَلَى الرَّسُولِ -ﷺ- عَامَ خَيْبرَ سَنَةَ سَبْعٍ لِلْهِجْرَةِ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ (١).
* أَوَّلُ المُهَاجِرِينَ:
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءَ بنِ عَازِبٍ ﵄ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا القُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ، وَبِلَالٌ، وَسَعْدٌ، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- في عِشْرِينَ، ثُمَّ جَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- (٢).
_________________
(١) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٥٩) - سيرة ابن هشام (١/ ٤٠٤).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير - سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلىَ﴾ رقم =
[ ٢ / ١٠ ]
وَقَالَ ابنُ إِسْحَاقَ وَابنُ سَعْدٍ وَبِهِ جَزَمَ مُوسَى بنُ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ: كَانَ أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ المُهَاجِرِينَ مِنْ قُرَيْشٍ، مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: أَبُو سَلَمَةَ بنُ عَبْدِ الأَسَدِ، وَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ، هَاجَرَ إِلَى المَدِينَةِ قَبْلَ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ بِسَنَةٍ، وَكَانَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَكَّةَ مِنْ أَرْضِ الحَبَشَةِ، فَلَمَّا آذَتْهُ قُرَيْشٌ وَبَلَغَهُ إِسْلَامُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الأَنْصَارِ، خَرَجَ إِلَى المَدِينَةِ مُهَاجِرًا (١).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَيُمْكِنُ الجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ البُخَارِيِّ وَحَدِيثِ أَهْلِ المَغَازِي وَالسِّيَرِ بِحَمْلِ الأَوَّليَّةِ فِي أَحَدِهِمَا عَلَى صِفَةٍ خَاصَّةٍ، هِيَ أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ -﵁- خَرَجَ لَا لِقَصْدِ الإِقَامَةِ بِالمَدِينَةِ بَلْ فِرَارًا مِنَ المُشْرِكِينَ، بِخِلَافِ مُصْعَبٍ -﵁- فَإِنَّهُ خَرَجَ إِلَيْهَا لِلإِقَامَةِ بِهَا، وَتَعْلِيِمِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِهَا بِأَمْرِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَلِكُلٍّ أَوَّليَّةٌ مِنْ جِهَةٍ (٢).
* المَصَاعِبُ التِي وَاجَهَهَا المُهَاجِرُونَ -﵃-:
وَلَمْ تَكُنْ هِجْرَةُ المُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ هَيِّنَةً سَهْلَةً، تَسْمَعُ بِهَا قُرَيْشٌ، وَتَطِيبُ بِهَا نَفْسًا، بَلْ كَانُوا يَضَعُونَ العَرَاقِيلَ فِي سَبِيلِ الِانْتِقَالِ مِنْ مَكَّةَ
_________________
(١) = الحديث (٤٩٤١) - وأخرجه في كتاب المناقب - باب مقدم النبي -ﷺ- وأصحابه المدينة - رقم الحديث (٣٩٢٤) - (٣٩٢٥).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٨٢) - الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ١٢٨) - شرح المواهب (٢/ ٩٠) - فتح الباري (٧/ ٦٧٧).
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٦٧٧).
[ ٢ / ١١ ]
إِلَى المَدِينَةِ، وَيَمْتَحِنُونَ المُهَاجِرِينَ بِأَنْوَاعٍ مِنَ المِحَنِ، وَكَانَ المُهَاجِرُونَ لَا يَعْدِلُونَ عَنْ هَذِهِ الفِكْرَةِ، وَلَا يُؤْثِرُونَ البَقَاءَ فِي مَكَّةَ، . . . وَهُمْ يَعْلَمُونَ أَنَّ مَعْنَى الهِجْرَةِ إِهْدَارُ المَصَالِحِ، وَالتَّضْحِيَةُ بِالأَمْوَالِ، وَالنَّجَاةُ بِالشَّخْصِ فَحَسْبُ، مَعَ الإِشْعَارِ بَأَنَّهُ مُسْتَبَاحٌ مَنْهُوبٌ، قَدْ يَهْلِكُ فِي أَوَائِلِ الطَّرِيقِ أَوْ نِهَايَتِهَا، وَبِأَنَّهُ يَسِيرُ نَحْوَ مُسْتَقْبَلٍ مُبْهَمٍ (١)، لَا يَدْرِي مَا يَتَمَخَّضُ عَنْهُ مِنْ قَلَاقِلَ وَأَحْزَانٍ (٢).
* مِحْنَةُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂:
أُمُّ سَلَمَةَ اسْمُهَا هِنْدُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ بنِ المُغِيرَةِ ﵂، زَوْجُ أَبِي سَلَمَةَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ الأَسَدِ، وَهُوَ أَخُو الرَّسُولِ -ﷺ- مِنَ الرَّضَاعَةِ، وَأُمُّهُ هِيَ بَرَّةُ بِنْتُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَهُوَ ابنُ عَمَّةِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَكَانَ -﵁- قَدِيمَ الإِسْلَامِ، وَقَدْ مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ -﵁- بَعْدَ غَزْوَةِ أُحُدٍ، فَلَمَّا مَاتَ تَزَوَّجُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أُمَّ سَلَمَةَ، فَصَارَتْ أُمَّ المُؤْمِنِينَ ﵂.
وَهِيَ أَوَّلُ امْرَأَةٍ هَاجَرَتْ إِلَى المَدِينَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدَ قَالَ: كَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ أَوَّلَ ظَعِينَةٍ (٣) قَدِمَتْ المَدِينَةَ مُهَاجِرَةً (٤).
_________________
(١) طَرِيقٌ مُبْهَمٌ: إذا كَانَ خَفِيًّا لا يَسْتَبِينُ. انظر لسان العرب (١/ ٥٢٤).
(٢) انظر السيرةُ النبوية لأبي الحسن الندوي رحمه اللَّه تعالى ص ١٦١ - والرحيق المختوم ص ١٥٥.
(٣) الظَّعِينة: المرأة، وأصلُ الظَّعينة: الرَّاحِلَةُ التي يُرحل ويُظْعَنُ عليها، أي يُسَارُ، وقيل للمرأةِ ظَعِينَةٌ، لأنها تَظْعَنُ مع الزوج حيثُمَا ظَعَن. انظر النهاية (٣/ ١٤٣).
(٤) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب التفسير - باب ومن سورة النساء - رقم الحديث =
[ ٢ / ١٢ ]
وَأَمَّا مِحْنَةُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ فَذَكَرَهَا ابنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، وَلْنَتْرُكْ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ تَرْوِي لَنَا قِصَّةَ هِجْرَتِهَا مَعَ زَوْجِهَا وَابْنِهَا -﵃- أَجْمَعِينَ، تَقُولُ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂: لَمَّا أَجْمَعَ أَبُو سَلَمَةَ الخُرُوجَ إِلَى المَدِينَةِ رَحَلَ لِي بَعِيرَهُ (١)، ثُمَّ حَمَلَنِي عَلَيْهِ، وَحَمَلَ مَعِي ابْنِي سَلَمَةَ بنَ أَبِي سَلَمَةَ فِي حِجْرِي، ثُمَّ خَرَجَ بِي يَقُودُ بِي بَعِيرَهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ رِجَالُ بَنِي المُغِيرَةِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ بنِ مَخْزُومٍ قَامُوا إِلَيْهِ، فَقَالُوا: هَذِهِ نَفْسُكَ غَلَبْتَنَا عَلَيْهَا، أَرَأَيْتَ صَاحِبَتَكَ (٢) هَذِهِ، عَلَامَ نَتْرُكُكَ تَسِيرُ بِهَا فِي البِلَادِ؟ قَالَتْ: فنَزَعُوا خِطَامَ (٣) البَعِيرِ مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذُونِي مِنْهُ، قَالَتْ: وَغَضِبَ عِنْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ الأَسَدِ، رَهْطُ أَبِي سَلَمَةَ، فَقَالُوا: لَا وَاللَّهِ، لَا نَتْرُكُ ابْنَنَا عِنْدَهَا إِذْ نَزَعْتُمُوهَا مِنْ صَاحِبِنَا، قَالَتْ: فتَجَاذَبُوا ابْنِي سَلَمَةَ بَيْنَهُمْ، حَتَّى خَلَعُوا يَدَهُ، وَانْطَلَقَ بِهِ بَنُو عَبْدِ الأَسَدِ،
_________________
(١) = (٣٠٢٢) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٥٦٣). قال الترمذي بعد أن أورد هذا الأثر عن مجاهد: هذا حديث مرسل. وردَّ العلامة أحمد شاكر ﵀ في تعليقِهِ على الطبري قول الترمذي: "حديث مرسل"، فقال: إنه جزم بلا دليل، ومجاهِد أدرك أم سلمة يَقِينًا وعاصَرَها، فإنه وُلدَ سنة (٢١ هـ)، وأم سلمة ماتت بعد سنة ٦٠ هـ، على اليقين، فثبت عندنا اتصال الحديث وصحته، والحمد للَّه.
(٢) أي جعلَ عَلَيْهِ الرَّحْل، وَالرَّحْلُ ما يُوضَعُ على ظَهْرِ البَعِيرِ لِلرُّكُوبِ، وهو لِلْبَعِيرِ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ. انظر لسان العرب (٥/ ١٧٠).
(٣) صاحبتك: أي زوجتك. ومنه قوله تعالى في سورة عبس ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ﴾.
(٤) خِطَامُ البَعِيرِ: هو الحَبْل الَّذي يُقادُ به البعير. انظر النهاية (٢/ ٤٩).
[ ٢ / ١٣ ]
وَحبَسَنِي بَنُو المُغِيرَةِ عِنْدَهُمْ، وَانْطَلَقَ زَوْجِي أَبُو سَلَمَةَ إِلَى المَدِينَةِ، قَالَتْ: فَفُرِّقَ بَيْنِي وَبَيْنَ زَوْجِي وَبَيْنَ ابْنِي، قَالَتْ: فكُنْتُ أَخْرُجُ كُلَّ غَدَاةٍ (١) فَأَجْلِسُ بِالأَبْطَحِ (٢)، فَمَا أَزَالُ أَبْكِي، حَتَّى أُمْسِي، سَنَةٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا، حَتَّى مَرَّ بِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي عَمِّي، أَحَدِ بَنِي المُغِيرَةِ، فَرَأَى مَا بِي، فَرَحِمَنِي، فَقَالَ لِبَنِي المُغِيرَةِ: أَلَا تُحَرِّجُونَ (٣) مِنْ هَذِهِ المِسْكِينَةِ؟ فَرَّقْتُمْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا، قَالَتْ: فَقَالُوا لِي: الْحَقِي بِزَوْجِكِ إِنْ شِئْتِ، قَالَتْ: وَرَدَّ بَنُو عَبْدِ الأَسَدِ إِلَيَّ عِنْدَ ذَلِكَ ابْنِي، قَالَتْ: فَارْتَحَلْتُ بَعِيرِي، ثُمَّ أَخَذْتُ ابْنِي فَوَضَعْتُهُ فِي حِجْرِي، ثُمَّ خَرَجْتُ أُرِيدُ زَوْجِي بِالمَدِينَةِ، قَالَتْ: وَمَا مَعِي أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ، فَقُلْتُ: أَتَبْلَّغُ بِمَنْ لَقِيتُ حَتَّى أَقْدُمَ عَلَى زَوْجِي، حَتَّى إِذَا كُنْتُ بِالتَّنْعِيمِ (٤) لَقِيتُ عُثْمَانَ بنَ طَلْحَةَ بنِ أَبِي طَلْحَةَ -﵁-، أَخَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ، فَقَالَ لِي: إِلَى أَيْنَ يَا بْنَتَ أَبِي أُمَيَّةَ؟
قُلْتُ قَالَتْ: فَقُلْتُ: أُرِيدُ زَوْجِي بِالمَدِينَةِ، قَالَ: أَوَ مَا مَعَكِ أَحَدٌ؟ قَالَتْ: قُلْتُ: لَا وَاللَّهِ، إِلَّا اللَّهُ وَابْنِي هَذَا، قَالَ: وَاللَّهِ مَالَكِ مِنْ مَتْرَكٍ، فَأَخَذَ خِطَامَ
_________________
(١) الغُدْوَة: بضم الغين: البُكْرَة ما بَيْنَ صلاةِ الفجرِ وطلوعِ الشَّمس. انظر لسان العرب (١٠/ ٢٦).
(٢) الأبْطَح: يعني أبطَحَ مكَّة، وهو مسيل واديها. انظر النهاية (١/ ١٣٤).
(٣) تحَرَّجَ فلانٌ: إذا فعَلَ فِعْلًا يتَحَرَّج به منَ الحَرَجِ، والحَرَجُ: هو الإثْمُ والضِّيق. انظر لسان العرب (٣/ ١٠٧).
(٤) التَّنْعِيمُ: موضعٌ بمكة فِي الحِلِّ، وهو بين مكة وسَرِفَ على فَرْسَخين من مكة. انظر معجم البلدان (١/ ٤٥٨).
[ ٢ / ١٤ ]
البَعِيرِ، فَانْطَلَقَ مَعِي يَهْوِي (١) بِي، فَوَاللَّهِ مَا صَحِبْتُ رَجُلًا مِنَ العَرَبِ قَطُّ، أَرَى أَنَّهُ كَانَ أَكْرَمَ مِنْهُ، كَانَ إِذَا بَلَغَ المَنْزِلَ (٢) أَنَاخَ بِي، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا نَزَلْتُ اسْتَأْخَرَ بِبَعِيرِي، فَحَطَّ عَنْهُ -أَيْ الرَّحْلَ- ثُمَّ قَيَّدَهُ فِي الشَّجَرِةِ، ثُمَّ تَنَحَّى عَنِّي إِلَى شَجَرَةٍ، فَاضْطَجَعَ تَحْتَهَا، فَإِذَا دَنَا الرَّوَاحُ، قَامَ إِلَى بَعِيرِي فَقَدَّمَهُ فَرَحَلَهُ (٣)، ثُمَّ اسْتَأْخَرَ عَنِّي، فَقَالَ: ارْكَبِي، فَإِذَا رَكِبْتُ وَاسْتَوَيْتُ عَلَى بَعِيرِي أَتَى فَأَخَذَ بِخِطَامِهِ، فَقَادَهُ حَتَّى يَنْزِلَ بِي، فَلَمْ يَزَلْ يَصْنَعُ ذَلِكَ بِي حَتَّى أَقْدَمَنِي المَدِينَةَ، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَى قَرْيَةِ عَمْرِو بنِ عَوْفٍ بِقُبَاءَ قَالَ: زَوْجُكِ فِي هَذِهِ القَرْيَةِ -وَكَانَ أَبُو سَلَمَةَ بِهَا نَازِلًا- فَادْخُلِيهَا عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إِلَى مَكَّةَ.
فَكَانَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ تَقُولُ: وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَهْلَ بَيْتٍ فِي الإِسْلَامِ أَصَابَهُمْ مَا أَصَابَ آلَ أَبِي سَلَمَةَ، وَمَا رَأَيْتُ صَاحِبًا قَطُّ أَكْرَمَ مِنْ عَثْمَانَ (٤) بنِ طَلحَة (٥).
قَالَ الدُّكْتُورُ مُحَمَّدُ أَبُو شَهْبَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَإِنَّ لَنَا هُنَا لَوَقْفَةً عِنْدَ قِصَّةِ
_________________
(١) يَهوِي: أي يُسْرع. انظر النهاية (٥/ ٢٤٥).
(٢) أي المكان الَّذي يسْتَرِيحُونَ فيه فِي السَّفَر.
(٣) أي وضَعَ عليه الرَّحل، وهو للبَعِير كالسَّرْج للفرس. انظر النهاية (٢/ ١٩٢).
(٤) أسلَمَ عثمَانُ بن طلحَةَ -﵁- بعد الحُدَيْبِيَةِ، وهاجر إلى المدينة، ودفع إليه رسول اللَّه -ﷺ- يوم فتح مكةَ مفاتيح الكعبة. انظر أسد الغابة (٣/ ٢١١).
(٥) أخرج قِصة محنة أم سلمة ﵂ فِي: ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٨٢) - وأوردها الحافظ ابن كثير فِي البداية والنهاية (٣/ ١٨٣).
[ ٢ / ١٥ ]
عُثْمَانَ هَذَا، فَقَدْ كَانَ يَوْمَئِذٍ كَافِرًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ إِلَّا بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ، وَهِيَ تَشْهَدُ لِمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ نَفَاسَةِ مَعْدَنِ العَرَبِ، وَفَضائِلِهِمْ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَلَا سِيَّمَا خُلُقَ المُرُوءَةِ وَالنَّجْدَةِ، وَحِمَايَةِ الضَّعِيفِ، فَقَدْ أَبَتْ عَلَيْهِ مُرُوءَتُهُ وَخُلُقُهُ العَرَبِيُّ الأَصِيلُ أَنْ يَدَعَ امْرَأَةً شَرِيفَةً تَسِيرُ وَحْدَهَا فِي هَذِهِ الصَّحْرَاءَ المُوحِشَةِ، وَإِنْ كَانَتْ عَلَى غَيْرِ دِينِهِ، فَأَيْنَ مِنْ هَذِهِ الأَخْلَاقِ -يَا قَوْمِي المُسْلِمِينَ وَالعَرَبَ- أَخْلَاقُ الحَضَارَةِ فِي القَرْنِ العِشْرِينَ، مِنْ سَطْوٍ عَلَى الحُرِّيَّاتِ، وَاغْتِصَابٍ لِلأَعْرَاضِ، بَلْ وَعَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ (١).
* هِجْرَةُ عَامِرِ بنِ رَبِيعَةَ وَزَوْجِهِ:
ثُمَّ كَانَ أَوَّلَ مَنْ قَدِمَ المَدِينَةَ بَعْدَ أَبِي سَلَمَةَ: عَامِرُ بنُ رَبِيعَةَ حَلِيفُ بَنِي عَدِيِّ بنِ كَعْبٍ، وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثَمَةَ ﵂، وَهِيَ أَوَّلُ ظَعِينَةٍ قَدِمَت المَدِينَةَ (٢)
* هِجْرَةُ بَنِي جَحْشٍ:
ثُمَّ هَاجَرَ عَبْدُ اللَّهِ بنَ جَحْشٍ حَلِيفُ بَنِي أُمَيَّةَ بنِ عَبْدِ شَمْسٍ، احْتَمَلَ
_________________
(١) انظر السيرة النبوية للدكتور محمد أبو شهبة ﵀ (٤٦١١١).
(٢) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٦٩٧٨) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٨٣). ذكرْنَا قبلَ قَلِيلٍ أن أُمَّ سلمَةَ ﵂ هي أوَّل امرَأَةٍ هاجرَت إلى المدينة، ويمكن الجمع بين الروايتين بأن لَيْلى أول امرأةٍ قَدِمت مع زوجها، وأم سلمة أولُ امرأةٍ قَدِمت وَحْدَها.
[ ٢ / ١٦ ]
بِأَهْلِهِ وَبِأَخِيهِ أَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ بنُ جَحْشٍ، وَكَانَ أَبُو أَحْمَدَ رَجُلًا ضَرِيرَ (١) البَصَرِ، وَكَانَ يَطُوفُ بِمَكَّةَ، أَعْلَاهَا وَأَسْفَلَهَا، بِغَيْرِ قَائِدٍ، وَكَانَ شَاعِرًا، وَكَانَتْ عِنْدَهُ الفَارِعَةُ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بنِ حَرْبٍ، وَكَانَ مَعَهُمَا مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَحْشٍ، وَكَذَلِكَ هَاجَرَ نِسَاؤُهُمْ: زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ، وَأُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ جَحْشٍ، فَغُلِّقَتْ دَارُ بَنِي جَحْشٍ بِسَبَبِ الهِجْرَةِ، فَمَرَّ بِهَا عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ، وَالعَبَّاسُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَأَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ، وَهُمْ مُصْعِدُونَ إِلَى أَعْلَى مَكَّةَ، فنَظَرَ إِلَيْهَا عُتْبَةُ بنُ رَبِيعَةَ تَخْفِقُ أَبْوَابُهَا يَبَابًا (٢)، لَيْسَ فِيهَا سَاكِنٌ، فَلَمَّا رَآهَا كَذَلِكَ تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ (٣) ثُمَّ قَالَ:
كُلُّ دَارٍ وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهَا يَوْمًا سَتُدْرِكُهَا النَّكْبَاءُ وَالحَوْبُ (٤)
ثُمَّ قَالَ عُتْبَةُ: أَصْبَحَتْ دَارُ بَنِي جَحْشٍ خَلَاءً مِنْ أَهْلِهَا، فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَمَا تَبْكِي عَلَيْهِ مِنْ قُلِّ بنِ قُلِّ (٥)، ثُمَّ قَالَ لِلْعَبَّاسِ: هَذَا مِنْ عَمَلِ ابنِ أَخِيكَ هَذَا، فَرَّق جَمَاعَتَنَا، وَشَتَّتَ أَمْرَنَا، وَقَطَعَ بَيْنَنَا (٦).
قَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الغَزَالِي: وَأَبُو جَهْلٍ بِهَذَا الْكَلَامِ تَبْرُزُ فِيهِ طَبَائِعُ الطُّغَاةِ
_________________
(١) أي أعمَى.
(٢) التتابُ: الخَالِي لا شيءَ فيه. انظر لسان العرب (١٥/ ٤٣٣).
(٣) تَنَفَّسَ الصُّعَدَاءَ: النّفسُ إلى فَوْقي مَمْدُودٍ، وقيلَ النَّفَسُ بتَوَجُّعٍ. انظر لسان العرب (٧/ ٣٤٣).
(٤) قال ابن هشام في السيرة (٢/ ٨٥): الحَوْبُ: التَّوَجُّعُ. وانظر لسان العرب (٣/ ٣٧٥).
(٥) القُلُّ مِنَ الرِّجال: الخَسِيسُ. انظر لسان العرب (١١/ ٢٨٧).
(٦) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٨٤ - ٨٥) - البداية والنهاية (٣/ ١٨٤).
[ ٢ / ١٧ ]
كَامِلَةً، فَهُمْ يُجْرِمُونَ وَيَرْمُونَ الْوِزْرَ عَلَى أَكْتَافِ غَيْرِهِمْ، وَيَقْهَرُونَ الْمُسْتَضْعَفِينَ، فَإِذَا أَبَوا الِاسْتِكَانَةَ، فَإِبَاؤُهُمْ عِلَّةُ الْمُشْكِلَاتِ، وَمَصْدَرُ القلاقِلِ (١).
* هِجْرَةُ مُصْعَبٍ، وَابنِ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَبِلَالٍ، وَسَعْدٍ، وَعَمَّارٍ ﵃ أَجْمَعِينَ:
ثُمَّ خَرَجَ الصَّحَابَةُ -﵃- أَرْسَالًا يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَهَاجَرَ مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ، وَعَمْرُو بنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَكَانَا يُقْرِئَانِ القُرْآنَ لِلأَنْصَارِ، وَبِلَالُ بنُ رَبَاحٍ، وَسَعْدُ بنُ أَبِي وَقَّاصٍ ﵃ أَجْمَعِينَ.
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ البَرَاءَ بنِ عَازِبٍ (٢) ﵄ قَالَ: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-: مُصْعَبُ بنُ عُمَيْرٍ، وَابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، فَجَعَلَا يُقْرِئَانِنَا القُرْآنَ، ثُمَّ جَاءَ عَمَّارٌ -﵁- وَسَعْدٌ (٣).
_________________
(١) انظر فقه السيرة (ص ١٥٦) للشيخ محمد الغزالي ﵀.
(٢) هو البَرَاء بن عازب الأوسِي الأنصاري له ولأبيه صحبة، استصغره الرسول -ﷺ- يوم بدر، فرده، فقد روى البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٣٩٥٦) عن البراء بن عازب أنَّه قال: استُصْغِرْتُ أنا وابن عُمَرَ يوم بدر، وغَزَا مع رسول اللَّه -ﷺ- أربع عشرة غَزْوة، وهو الذي افتَتَح الرّيَّ سنة أربع وعشرين من الهجرة. انظر الإصابة (١/ ٤١١).
(٣) أخرجه البخاري - كتاب مناقب الأنصار - باب مقدم النبي -ﷺ- وأصحابه المدينة - رقم الحديث (٣٩٢٤) - (٣٩٢٥) - وأخرجه في كتاب التفسير - باب سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ - رقم الحديث (٤٩٤١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٥١٢).
[ ٢ / ١٨ ]
قُلْتُ: زَعَمَ مُوسَى بنُ عُقْبَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِ أَنَّ سَعْدَ بنَ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- هَاجَرَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ هَاجَرَ قَبْلَ الرَّسُولِ -ﷺ- كَمَا فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ (١).
* هِجْرَةُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ وَعَيَّاشِ بنِ أَبِي رَبِيعَةَ فِي رَكْبٍ مِنَ المُسْلِمِينَ:
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ البَرَاءَ بنِ عَازِبٍ -﵁- قَالَ: . . . ثُمَّ قَدِمَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ فِي عِشْرِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- (٢).
وَقَدْ سَمَّى ابنُ إِسْحَاقَ مِنْهُمْ: زَيْدَ بنَ الخَطَّابِ، وَسَعِيدَ بنَ زَيْدٍ، وَعَمْرَو بنَ سُرَاقَةَ، وَأَخَاهُ عَبْدَ اللَّهِ، وَوَاقِدَ بنَ عَبْدِ اللَّهِ، وَخَالِدَ، وَإِيَاسَ، وَعَامِرَ، وَعَاقِلَ بَنِي البُكَيْرِ، وَخُنَيْسَ بنَ حُذَافَةَ -وَكَانَ زَوْجَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ-، وَعَيَّاشَ بنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَخَوْليَّ بنَ أَبِي خَوْلي، وَمَالِكَ بنَ أَبِي خَوْلي، وَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مِنْ أَقَارِبِ عُمَرَ -﵁- وَحُلفَائِهِمْ (٣).
وَلَمْ يَذْكُرِ ابنُ إِسْحَاقَ غَيْرَ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةَ عَشَرَ.
_________________
(١) وانظر البداية والنهاية (٣/ ١٨٧).
(٢) أخرجه البخاري - كتاب مناقب الأنصار - باب مقدم النبي -ﷺ- وأصحابه المدينة - رقم الحديث (٣٩٢٥) - وأخرجه فِي كتاب التفسير - باب سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ - رقم الحديث (٤٩٤١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٥١٢).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٩٠) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٦٠).
[ ٢ / ١٩ ]
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: فَلَعَلَّ بَقِيَّةَ العِشْرِينَ كَانُوا مِنْ أَتْبَاعِهِمْ (١).
رَوَى ابنُ إِسْحَاقَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- قَالَ: اتَّعَدْتُ (٢)، لَمَّا أَرَدْنَا الهِجْرَةَ إِلَى المَدِينَةِ، أَنَا وَعَيَّاشُ بنُ أَبِي رَبِيعَةَ، وَهِشَامُ بنُ العَاصِ بنِ وَائِلٍ السَّهْمِىِّ التَّنَاضُبَ (٣) مِنْ أَضَاةِ (٤) بَنِى غِفَارٍ، فَوْقَ سَرْفٍ (٥)، قُلْنَا: أَيُّنَا لَمْ يُصْبحْ عِنْدَهَا فَقَدْ حُبِسَ فَلْيَمْضِ صَاحِبَاهُ. قَالَ: فَأَصْبَحْتُ أَنَا وَعَيَّاشُ بنُ أَبِي رَبِيعَةَ عِنْدَ التَّنَاضُبِ، وَحُبِسَ عَنَّا هِشَامٌ، وَفُتِنَ فَافْتَتَنَ (٦).
وَهَذَا الخَبَرُ الصَّحِيحُ فِي هِجْرَةِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- يُخَالِفُ الخَبَرَ الضَّعِيفَ المَشْهُورَ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ مِنْ أَنَّ عُمَرَ -﵁- أَعْلَنَ هِجْرَتَهُ، وَقَالَ لِلْمُشْرِكِينَ: مَنْ أَرَادَ أَنْ تَثْكَلَهُ أُمُّهُ، أَوْ يُؤْتَمَ وَلَدُهُ، أَوْ تُرَمَّلَ زَوْجَتُهُ، فَلْيَلْقَنِي وَرَاءَ هَذَا الوَادِي. . . القِصَّةَ (٧).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٧/ ٦٧٧).
(٢) اتَّعَدْتُ: أي تَوَاعَدْتُ. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٤٢).
(٣) التَّنَاضُبُ: اسم مكان.
(٤) الأضَاةُ: الماء المُسْتَنْقَعِ من سَيْلٍ أو غيره. انظر لسان العرب (١/ ١٥٧).
(٥) سَرِف: بكسر الراء، موضع من مكة على عَشرة أميال، وفي منطقة سَرِف قَبْر أم المؤمنين مَيْمُونة زوجة الرسول -ﷺ-. انظر النهاية (٢/ ٣٢٦).
(٦) أخرج ذلك: ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٨٨) - وأورده الحافظ في الإصابة (٦/ ٤٢٣) - وصحح إسناده.
(٧) أخرج هذا الخبر: ابن الأثير في أسد الغابة (٣/ ٣٢٤) - وابن عساكر في تاريخه كما ذكر الصَّالحي في سيرته (٣/ ٢٢٥).
[ ٢ / ٢٠ ]
قُلْتُ: وَمِمَّا يُؤَكِّدُ ضَعْفَ هَذَا الخَبَرَ أَنَّ عُمَرَ -﵁- رُغْمَ قُوَّتِهِ، وَشِدَّتِهِ لَا يَسْتَطِيعُ وَحْدَهُ أَنْ يُقَاتِلَ كُلَّ قُرَيْشٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: بَيْنَمَا هُوَ فِي الدَّارِ -أَيْ عُمَرُ -﵁- (١) خَائِفًا، إِذْ جَاءَهُ العَاصُ بنُ وَائِلٍ السَّهْمِيُّ، وَهُمْ حُلَفَاؤُنَا فِي الجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ لَهُ: مَا بَالُكَ؟ قَالَ: زَعَمَ قَوْمُكَ أَنَّهُمْ سَيَقْتُلُونَنِي أَنْ أَسْلَمْتُ، قَالَ: لَا سَبِيلَ إِلَيْكَ، فَخَرَجَ العَاصُ، فَلَقَى النَّاسَ قَدْ سَالَ بِهِمُ الوَادِي، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُونَ؟ قَالُوا: نُرِيدُ هَذَا ابنَ الخَطَّابِ الذِي صَبَأَ، قَالَ: فَأَنَا لَهُ جَارٌ، لَا سَبِيلَ إِلَيْهِ، فكَرَّ (٢) النَّاسُ (٣).
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ كُلَّمَا عَلِمَتْ بِأَحَدٍ يُرِيدُ الهِجْرَةَ آذَتْهُ، وَحَاوَلَتْ فِتْنَتَهُ أَوْ حَبْسَهُ، وَلذَلِكَ لَمْ يَكُنْ أَحَد يَجْرُؤُ عَلَى الخُرُوجِ إِلَّا خُفْيَةً.
* قِصَّةُ أَبِي جَهْلٍ مَعَ عَيَّاشٍ -﵁-:
وَلَمَّا قَدِمُوا المَدِينَةَ خَرَجَ أَبُو جَهْلٍ بنُ هِشَامٍ وَأَخُوهُ الحَارِثُ (٤) إِلَى عَيَّاشِ بنِ أَبِي رَبِيعَةَ -﵁-، وَكَانَ ابنَ عَمِّهِمَا وَأَخَاهُمَا لِأُمِّهِمَا، حَتَّى قَدِمَا المَدِينَةَ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يَزَالُ بِمَكَّةَ، فَكَلَّمَ أَبُو جَهْلٍ عَيَّاشًا، وَقَالَ لَهُ:
_________________
(١) وهذا الحادث حدث عندما أسلم عمر -﵁-.
(٢) الكَرُّ: الرجوع. انظر لسان العرب (١٢/ ٦٤).
(٣) أخرجه الإمام البخاري في صحيحه فِي قصة إسلام عمر -﵁- كتاب مناقب الأنصار - باب إسلام عمر بن الخطاب -﵁- رقم الحديث (٣٨٦٤).
(٤) الحارث بن هشام أخو أبو جهل، أسلم -﵁- في فتح مكة وحسن إسلامه.
[ ٢ / ٢١ ]
إِنَّ أُمَّكَ نَذَرَتْ أَنْ لَا يَمَسَّ رَأْسَهَا مِشْطٌ حَتَّى تَرَاكَ، وَلَا تَسْتَظِلَّ عَنْ شَمْسٍ حَتَّى تَرَاكَ، فَرَقَّ لَهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁-: يَا عَيَّاشُ، إِنَّه وَاللَّهِ مَا يُرِيدُكَ القَوْمُ إِلَّا لِيَفْتِنُوكَ عَنْ دِينِكَ فَاحْذَرْهُمْ، فَوَاللَّهِ لَوْ آذَى أُمَّكَ القَمْلُ لَامْتَشَطَتْ، وَلَوْ قَدِ اشْتَدَّ عَلَيْهَا حَرُّ مَكَّةَ لَاسْتَظَلَّتْ، فَقَالَ لَهُ عَيَّاشٌ: أَبَرُّ قَسَمَ أُمِّي، وَلِي هُنَاكَ مَالٌ فَآخُذُهُ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَاللَّهِ إِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنِّي لَمِنْ أَكْثَرِ قُرَيْشٍ مَالًا، فَلَكَ نِصْفُ مَالِي، وَلَا تَذْهَبْ مَعَهُمَا، وَلَكِنَّهُ أَبَى عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَخْرُجَ مَعَهُمَا، فَقَالَ لَهُ -﵁-: أَمَا إِذْ قَدْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ، فَخُذْ نَاقَتِي هَذِهِ، فَإِنَّهَا نَاقَةٌ نَجِيبَةٌ (١) ذَلُولُ (٢)، فَالزَم (٣) ظهْرَهَا، فَإِنْ رَابَكَ (٤) مِنَ القَوْم رَيْبٌ، فَانْجُ عَلَيْهَا.
فَخَرَجَ عَلَيْهَا مَعَهُمَا، حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ، قَالَ أَبُو جَهْلٍ: يَا ابْنَ أَخِي، وَاللَّهِ لَقَدِ اسْتَغْلَظْتُ بَعِيرِي هَذَا، أَفَلَا تُعْقِبَنِي (٥) عَلَى نَاقَتِكَ هَذِهِ؟
قَالَ عَيَّاشٌ: بَلَى، فَأَنَاخَ عَيَّاشٌ، وَأَنَاخَا لِيَتَحَوَّلَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا اسْتَوَوْا
_________________
(١) النَّجِيبُ: الفاضِلُ من كلِّ حيَوَان، إذا كان فَاضِلًا نَفِيسًا في نوعه. انظر النهاية (٥/ ١٥).
(٢) دَابَّةٌ ذَلُولٌ: أي لَيِّنَةٌ سَهْلة. انظر لسان العرب (٥/ ٥٥).
(٣) اللِّزَامُ: هو المُلازَمَةُ للشَّيْءِ والدَّوَامُ عليه. انظر النهاية (٤/ ٢١٤).
(٤) الرَّيْبُ: بمعنى الشَّكّ. انظر لسان العرب (٥/ ٣٨٥) - ومنه قوله تعالى في سورة البقرة آية (٢): ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾.
(٥) اعتَقَبْتُ فُلانَا مِنَ الرُّكوب: أي نَزلْتُ فَرَكِبَ، والعقبةُ: النَّوبةُ: هذا مَرَّة، والآخر مَرَّة. انظر لسان العرب (٩/ ٣٠٤).
[ ٢ / ٢٢ ]
بِالأَرْضِ عَدَوا عَلَيْهِ، فَأَوْثَقَاهُ، وَرَبَطَاهُ، ثُمَّ دَخَلَا بِهِ مَكَّةَ، وَفَتَنَاهُ، فَافْتَتَنَ، وَكَانَ دُخُولُهُمَا بِهِ مَكَّة نَهَارًا مُوثَقًا، فَصَارَا يَقُولَانِ: يَا أَهْلَ مَكَّةَ، هَكَذَا فَافْعَلُوا بِسُفَهَائِكُمْ، كَمَا فَعَلْنَا بِسَفِيهِنَا هَذَا (١).
رَوَى ابنُ إِسْحَاقَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- قَالَ: فَكُنَّا نَقُولُ: مَا اللَّهُ بِقَابِلٍ مِمَّنِ افْتُتَنَ صَرْفًا (٢) وَلَا عَدْلًا (٣) وَلَا تَوْبَةً، قَوْمٌ عَرَفُوا اللَّهَ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الكُفْرِ لِبَلَاءَ أَصَابَهُمْ، وَكَانُوا يَقُولُونَ ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ، فَلَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ، أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ، وَفِي قَوْلنَا، وَقَوْلهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (٥٤) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٤).
فَكتَبَهَا عُمَرُ -﵁- بِيَدِهِ فِي صَحِيفَةٍ، وَبَعَثَ بِهَا إِلَى هِشَامِ بنِ العَاصِ، قَالَ هِشَامٌ: فَلَمَّا أَتَتْنِي جَعَلْتُ أَقْرَؤُهَا بِذِي طُوَى (٥)، أُصَعِّدُ بِهَا فِيهِ وَأُصَوِّبُ، وَلَا أَفْهَمُهَا، حَتَّى قُلْتُ: اللَّهُمَّ فَهِّمْنِيهَا، قَالَ: فَأْلقى اللَّهُ فِي قَلْبِي أَنَّهَا إِنَّمَا أُنْزِلَتْ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٨٨).
(٢) الصَّرْف: التَّوبة. انظر النهاية (٣/ ٢٣).
(٣) العَدْلُ: الفِدْيَة. انظر النهاية (٣/ ٢٣).
(٤) سورة الزمر آية (٥٣ - ٥٥).
(٥) ذِي طُوى: بضم الطاء وفتح الواو المخفَّفة، موضعٌ بأسفلِ مَكة. انظر النهاية (٣/ ١٣٣).
[ ٢ / ٢٣ ]
فِينَا، وَفِيمَا كُنَّا نَقُولُ فِي أَنْفُسِنَا، فَرَجَعْتُ إِلَى بَعِيرِي، فَرَكِبْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَحِقْتُ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ بِالمَدِينَةِ (١).
* دُعَاءُ الرَّسُولِ -ﷺ- لِعَيَّاشٍ -﵁-:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدْعُوا لِعَيَّاشِ بنِ أَبِي رَبِيعَةَ -﵁-، وَغَيْرِهِ مِنَ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: حِينَ يَفْرَغُ مِنْ صَلَاةِ الفَجْرِ مِنَ القِرَاءَةِ، وَيُكَبِّرُ، وَيَرْفَعُ رَأْسَهُ: "سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الحَمْدُ"، ثُمَّ يَقُولُ، وَهُوَ قَائِمٌ: "اللَّهُمَّ أَنْجِ الوَلِيدَ بنَ الوَلِيدِ (٢)، وَسَلَمَةَ بنَ هِشَامٍ (٣)، وَعَيَّاشَ بنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَالمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ" (٤).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٨٩).
(٢) هو الوليد بن الوليد بن المغيرة -﵁-، أخُو خالدِ بن الوليد -﵁-، وممَّن شهد بَدْرًا مع المشركِينَ، وأُسِرَ فافتَداهُ أخواهُ: هشامٌ، وخالد، ثم أسلم فحبسَهُ أخوالُهُ، فكان النبي -ﷺ- يدعُو له فِي القُنُوت، ثم أفلَتَ من أسرِهِم، ولحق بالنبي -ﷺ- فِي عُمْرة القضية. انظر الإصابة (٦/ ٤٨٤).
(٣) هو سَلَمة بن هشام بن المُغِيرة، وهو ابن عَمِّ الوليد، وهو أخُو أبي جهل، كان من السابقين إلى الإسلام، وكانوا قد حبَسُوهُ عن الهجرَةِ، وآذَوْه، ثم استطاع أن يَهْرُب من الكفار، واستشهِدَ فِي معركة أجْنَادِينَ سنة أربع عشرة من الهجرة. انظر أسد الغابة (٢/ ٣٦٢).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب ﴿لَيْسَ لَكِ مِنَ الأَمْرِ شَىْءٌ﴾ - رقم الحديث (٤٥٦٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب =
[ ٢ / ٢٤ ]
وَرَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَدْعُوا: "اللَّهُمَّ خَلِّصِ الوَليدَ بنَ الوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بنَ أَبِي رَبِيعَةَ، وَضَعَفَةَ المُسْلِمِينَ مِنْ أَيْدِي المُشْرِكِينَ الذِينَ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا" (١).
* سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ يُصَلِّي إِمَامًا بِالمُهَاجِرِينَ:
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابنِ عُمَرَ -﵄- قَالَ: لَمَّا قَدِمَ المُهَاجِرُونَ الأَوَّلُونَ العُصْبَةَ (٢) -مَوْضِعٌ بِقُبَاءٍ- قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ يَؤُمُّهُمْ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ، وَكَانَ أَكْثَرَهُمْ قُرآنًا (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ البُخَارِيِّ قَالَ ابنُ عُمَرَ ﵄: كَانَ سَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ يَؤُمُّ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلينَ وَأَصْحَابَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ، فِيهِمْ: أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَأَبُو سَلَمَةَ، وَزَيْدٌ وَعَامِرُ بنُ رَبِيعَةَ (٤).
قَالَ الحَافِظُ: وَاسْتُشْكِلَ ذِكْرُ أَبِي بَكْرٍ فِيهِمْ إِذْ فِي الحَدِيثِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ
_________________
(١) = استحباب القنوت فِي جميع الصلاة، إذا نزلت بالمسلمين نازلة - رقم الحديث (٦٧٥) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٢٦٠).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٩٢٨٥).
(٣) قال ابن الأثير في النهاية (٣/ ٢٢٢): وضبطه بعضهم بفتح العين والصاد.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب إمامة العبد والمولى - رقم الحديث (٦٩٢).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأحكام، باب استقضاء الموالي واستعمالهم، رقم الحديث (٧١٧٥).
[ ٢ / ٢٥ ]
قَبْلَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ كَانَ رَفِيقُهُ، وَالجَوَابُ عَنْ هَذَا الِاسْتِشْكَالِ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَالِمٌ اسْتَمَرَّ يَؤُمُّهُمْ بَعْدَ أَنْ تَحَوَّلَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ، وَنَزَلَ دَارَ أَبِي أَيُّوبَ قَبْلَ بِنَاءَ مَسْجِدِهِ بِهَا، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ: فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي خَلْفَهَ إِذَا جَاءَ إِلَى قُبَاءٍ (١).
قُلْتُ: وَصَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عِنْدَمَا قَالَ: "إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخِرِينَ" (٢).
* نُبْذَةٌ عَنْ سَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ -﵁-:
وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ هُوَ سَالِمُ بنُ مَعْقِلٍ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ فَارِسٍ مِنْ اصْطَخَرَ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءَ المَوَالِي، وَمِنْ خِيَارِ الصَّحَابَةِ وَكِبَارِهِمْ، وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي المُهَاجِرِينَ، لِأَنَّهُ أَعْتَقَتْهُ مَوْلَاتُهُ زَوْجُ أَبِي حُذَيْفَةَ فتَبَنَّاهُ أَبُو حُذَيْفَةَ فَنَسِبَ إِلَيْهِ، وَلذَلِكَ عُدَّ مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَكَانَ يَؤُمُّ المُهَاجِرِينَ بِقُبَاء، وَذَلِكَ قَبْلَ مَقْدَمِ الرَّسُولِ -ﷺ- المَدِينَةَ (٣).
* أَنْصَارِيُّونَ مُهَاجِرُونَ:
وَكَانَ نَفَرٌ مِنَ الأَنْصَارِ بَايَعُوا النَّبِيَّ -ﷺ- فِي العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى
_________________
(١) انظر فتح الباري (٢/ ٤١٦) (٥/ ٧٣١)
(٢) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه - رقم الحديث (٨١٧).
(٣) انظر الإصابة (٣/ ١١) - الاستيعاب (٢/ ١٣٥).
[ ٢ / ٢٦ ]
المَدِينَةِ، فَلَمَّا قَدِمَ أَوَّلُ مَنْ هَاجَرَ إِلَى قُبَاءٍ خَرَجُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ، حَتَّى قَدِمُوا مَعَ أَصْحَابِهِ فِي الهِجْرَةِ، فَهُمْ مُهَاجِرُونَ أَنْصَارِيُّونَ، وَهُمْ: ذَكْوَانُ بنُ عَبْدِ قَيْسٍ، وَعُقْبَةُ بنُ وَهْبِ بنِ كَلَدَةَ، وَالعَبَّاسُ بنُ عُبَادَةَ بنِ نَضْلَةَ، وَزِيَادُ بنُ لَبِيدٍ ﵃ أَجْمَعِينَ (١).
وَقِيلَ: كَانَ مِنَ الأَنْصَارِ مُهَاجِرُونَ، لِأَنَّ المَدِينَةَ كَانَتْ دَارَ شِرْكٍ، فَجَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلَةَ العَقَبَةِ.
فَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ فِي السُّنَنِ الكُبْرَى بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاس ﵄ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ، وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَصحَابَ النَّبِيِّ -ﷺ- كَانُوا مِنَ المُهَاجِرِينَ، لِأَنَّهُمْ هَجَرُوا المُشْرِكِينَ، وَكَانَ مِنَ الأَنْصَارِ مُهَاجِرُونَ، لِأَنَّ المَدِينَةَ كَانَتْ دَارَ شِرْكٍ، فَجَاءُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَيْلةَ العَقَبَةِ (٢).
* انْتِظَارُ النَّبِيِّ -ﷺ- الإِذْنَ لَهُ بِالهِجْرَةِ:
وَهَكَذَا لَمْ يَمْضِ شَهْرَانِ أَوْ أَكْثَرُ عَلَى بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ حَتَّى لَمْ يَبْقَ بِمَكَّةَ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ ﵄، أَوْ مَفْتُون مَحْبُوسٌ، أَوْ مَرِيضٌ، أَوْ ضَعِيفٌ عَنِ الخُرُوجِ (٣).
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٧٣ - ٧٩) - الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١٠٩).
(٢) أخرجه النسائي فِي السنن الكبرى - كتاب البيعة - باب تفسير الهجرة - رقم الحديث (٧٧٤١) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٩٢١١).
(٣) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١٠٩) - سيرة ابن هشام (٢/ ٩٣) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٦٤).
[ ٢ / ٢٧ ]
وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- كَثِيرًا مَا يَسْتَأْذِنُ رَسُولَ اللَّهِ فِي الهِجْرَةِ، فَيَقُولُ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تَعْجَلْ لَعَلَّ اللَّهَ يَجْعَلُ لَكَ صَاحِبًا"، فَيَطْمَعُ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يَكُونَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- هُوَ الصَّاحِبُ (١).
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ فِي حَدِيثِ الهِجْرَةِ الطَّوِيلِ: . . . فهَاجَرَ مَنْ هَاجَرَ قِبَلَ المَدِينَةِ، وَرَجَعَ عَامَّةُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ بِأَرْضِ الحَبَشَةِ إِلَى المَدِينَةِ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ قِبَلَ المَدِينَةِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "عَلَى رِسْلِكَ (٢)، فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي" فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَهَلْ تَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ؟ قَالَ: "نَعَمْ"، فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِيَصْحَبَهُ، وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ وَرَقَ السَّمُرِ (٣) -وَهُوَ الخَبَطُ- أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ (٤).
* اجْتِمَاعُ قُرَيْشٍ فِي دَارِ النَّدْوَةِ وَائْتِمَارُهَا عَلَى قَتْلِ النَّبِيِّ -ﷺ-:
وَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ صَارَتْ لَهُ شِيعَةٌ (٥)، وَأَصْحَابٌ مِنْ غَيْرِهِمْ بِغَيْرِ بَلَدِهِمْ، وَرَأَوْا خُرُوجَ أَصْحَابِهِ مِنَ المُهَاجِرِينَ بِذَرَارِيهِمْ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٩٤) - الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١٠٩).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٤٢): الرِسْل: بكسر الراء أي على مَهْلِكَ. وفي رواية ابن حبان في صحيحه بسند صحيح - رقم الحديث (٦٢٧٩) قال رسول اللَّه -ﷺ- لأبي بكر: "اصبِر".
(٣) السَّمُر: هو نوعٌ من شجر الطَّلْحِ. انظر النهاية (٢/ ٣٥٩).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٥).
(٥) الشِّيعة: الأتباع والأنصار، انظر النهاية (٢/ ٤٦٤).
[ ٢ / ٢٨ ]
وَنِسَاءِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ إِلَيْهِمْ، عَرَفُوا أَنَّهُمْ قَدْ نَزَلُوا دَارًا، وَأَصَابُوا مِنْهُمْ مَنَعَةً، لِأَنَّ الأَنْصَارَ قَوْمٌ أَهْلُ حَلْقَةٍ (١) وَبَأْسٍ، فَشَعَرُوا بِخُطُورَةِ الأَمْرِ، وَخَافُوا خُرُوجَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَيْهِمْ، وَأَنْ يَجْمَعَ لِحَرْبِهِمْ، فَاجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ -وَهِيَ دَارُ قُصَيِّ بنِ كِلَابٍ التِي كَانَتْ قُرَيْشٌ لَا تَقْضِي أَمْرًا إِلَّا فِيهَا- يَتَشَاوَرُونَ فِيهَا مَا يَصْنَعُونَ فِي أَمْرِ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَسُمِّيَ ذَلِكَ اليَوْمُ الذِي اتَّعَدُوا لَهُ "يَوْمَ الزَّحْمَةِ". وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الخَمِيسِ السَّادِسِ وَالعِشْرِينَ مِنْ صَفَرٍ، سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنَ البِعْثَةِ، أَيْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ هَذَا الِاجْتِمَاعِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ وَالعَقْلِ فِيهِمْ، وَهُمْ:
١ - مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ: أَبُو جَهْلِ بنِ هِشَامٍ (٢).
٢ - وَمِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ: عُتْبَةُ وَشَيمةُ ابْنَا رَبِيعَةَ (٣)، وَأَبُو سُفْيَانَ بنُ حَرْبٍ (٤).
٣ - وَمِنْ بَنِي نَوْفَل بنِ عَبْدِ مَنَافٍ: طُعَيْمَةُ بنُ عَدِيٍّ (٥)، وَجُبَيْرُ بنُ مُطْعِمٍ (٦)، وَالحَارِثُ بنُ عَامِرٍ.
_________________
(١) الحَلْقَة: بسكون اللام السلاح. انظر النهاية (١/ ٤١٠).
(٢) قُتِل لعنه اللَّه كافرًا في غزوة بدر الكبرى.
(٣) قُتِلا كافرين في غزوة بدر الكبرى.
(٤) أسلم في فتح مكة وحَسُنَ إسلامه -﵁-.
(٥) قُتِل كافرًا في غزوة بدر الكبرى.
(٦) أسلم -﵁- وحَسُنَ إسلامه.
[ ٢ / ٢٩ ]
٤ - وَمِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ: النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ (١).
٥ - وَمِنْ بَنِي أَسَدِ بنِ عَبْدِ العُزَّى: أَبُو البَخْتَرِيِّ بنُ هِشَامٍ (٢)، وَزَمْعَةُ بنُ الأَسْوَدِ (٣)، وَحَكِيمُ بنُ حِزَامٍ (٤).
٦ - وَمِنْ بَنِي سَهْمٍ: نُبَيْهُ ومُنبِّهُ ابْنَا الحَجَّاجِ (٥)
٧ - وَمِنْ بَنِي جُمَحٍ: أُمّيَّةُ بنُ خَلَفٍ (٦)، وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا يُعَدُّ مِنْ قُرَيْشٍ.
فَلَمَّا جَاءَ اليَوْمُ الذِي اتَّعَدُوا لَهُ -وَذَلِكَ فِي صَفَرٍ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ مِنْ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ- اعْترَضَهُمْ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ، فِي هَيْئَةِ شَيْخٍ جَلِيلٍ (٧) عَلَيْهِ بَتٌّ (٨)، فَوَقَفَ عَلَى بَابِ الدَّارِ، فَلَمَّا رَأَوْهُ وَاقِفًا عَلَى بَابِهَا، قَالُوا: مَنِ الشَّيْخُ؟
قَالَ: شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ (٩) سَمِعَ بِالذِي اتَّعَدْتُمْ لَهُ، فَحَضَرَ مَعَكُمْ لِيَسْمَعَ مَا تَقُولُونَ، وَعَسَى أَنْ لَا يُعْدِمَكُمْ مِنْهُ رَأْيًا وَنُصْحًا، قَالُوا: أَجَل، فَادْخُلْ، فَدَخَلَ مَعَهُمْ لَعَنَهُ اللَّهُ.
_________________
(١) قُتِل كافرًا في غزوة بدر الكبرى.
(٢) قُتِل كافرًا في غزوة بدر الكبرى.
(٣) قُتِل كافرًا في غزوة بدر الكبرى.
(٤) أسلم فِي فتح مكة وحسن إسلامه -﵁-.
(٥) قُتِلا كافِرَيْنِ في غزوة بدر الكبرى.
(٦) قُتِل كافرًا في غزوة بدر الكبرى.
(٧) أي مُسِنّ. انظر النهاية (١/ ٢٧٨).
(٨) البَتُّ: كساءٌ غَلِيظٌ. انظر النهاية (١/ ٩٣).
(٩) قال الإمام السهيلي في الروض الأنف (٢/ ٣٠٧): إنما قال لهم: إني من أهل نجدٍ، لأنهم قالوا: لا يَدخلنَّ معكم فِي المُشَاورة أحدٌ من أهل تِهامة لأن هواهُم مع محمد -ﷺ-.
[ ٢ / ٣٠ ]
فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ -أَيْ الرَّسُولَ -ﷺ- قَدْ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا قَدْ رَأَيْتُمْ، فَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَأْمَنُهُ عَلَى الوُثُوبِ عَلَيْنَا فِيمَنْ قَدِ اتَّبَعَهُ مِنْ غَيْرِنَا فَأَجْمِعُوا فِيهِ رَأْيًا، فتَشَاوَرُوا، ثُمَّ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ، وَهُوَ أَبُو البَخْتَرِيِّ بنُ هِشَامٍ: احْبِسُوهُ فِي الحَدِيدِ، وَأَغْلِقُوا عَلَيْهِ بَابًا، ثُمَّ تَرَبَّصُوا بِهِ مَا أَصَابَ أَشْبَاهَهُ مِنَ الشُّعَرَاءَ، الذِينَ كَانُوا قَبْلَهُ، زُهَيْرًا وَالنَّابِغَةَ، وَمَنْ مَضَى مِنْهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَهُ المَوْتُ.
فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ وَهُوَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ: لَا وَاللَّهِ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، وَاللَّهِ لَئِنْ حبَسْتُمُوهُ كَمَا تَقُولُونَ لَيَخْرُجَنَّ أَمْرُهُ مِنْ وَرَاءَ البَابِ الذِي أَغْلَقْتُمْ دُونَهُ إِلَى أَصْحَابِهِ، فَلَأَوْشَكُوا أَنْ يَيبُوا عَلَيْكُمْ، فَيَنتزِعُوهُ مِنْ أَيْدِيكُمْ، ثُمَّ يُكَاثِرُوكُمْ بِهِ حَتَّى يَغْلِبُوكُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، فَانْظُرُوا فِي غَيْرِهِ.
ثُمَ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: نُخْرِجُهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا، فنَنْفِيْهِ مِنْ بِلَادِنَا، فَإِذَا أُخْرِجَ عَنَّا فَوَاللَّهِ مَا نُبَالِي أَيْنَ ذَهَبَ، وَلَا حَيْثُ وَقَعَ، وَتَعُودُ لَنَا وِحْدَتُنَا، وَأَلْفَتُنَا كَمَا كَانَتْ.
قَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ لَعَنَهُ اللَّهُ: لَا وَاللَّهِ، مَا هَذَا لَكُمْ بِرَأْيٍ، أَلمْ تَرَوْا حُسْنَ حَدِيثِهِ، وَحَلَاوَةَ مَنْطِقِهِ (١)، وَغَلَبَتَهُ عَلَى قُلَوبِ الرِّجَالِ بِمَا يَأتِي بِهِ، فَوَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ ذَلِكَ مَا أَمِنْتُمْ أَنْ يَحِلَّ (٢) عَلَى حَيٍّ مِنَ العَرَبِ، ثُمَّ يَسِيرُ بِهِمْ إِلَيْكُمْ بَعْدَ
_________________
(١) المَنْطِق: الكلام. انظر لسان العرب (١٤/ ١٨٨).
(٢) يَحِل: بكسر الحاء وضمها، ينزل. انظر لسان العرب (٣/ ٢٩٥).
[ ٢ / ٣١ ]
أَنْ يُتَابِعُوهُ حَتَّى يَطَأَكُمْ بِهِمْ فِي بِلَادِكُمْ، فَيَأْخُذَ أَمْرَكُمْ مِنْ أَيْدِيكُمْ، ثُمَّ يَفْعَلُ بِكُمْ مَا أَرَادَ، دَبِّرُوا فِيهِ رَأْيًا غَيْرَ هَذَا.
فَقَالَ كَبِيرُ مُجْرِمي مَكَّةَ أَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ لَعَنَهُ اللَّهُ: وَاللَّهِ إِنَّ لِي فِيهِ لَرَأْيًا مَا أَرَاكُمْ وَقَعْتُمْ عَلَيِهْ بَعْدُ، قَالُوا: مَا هُوَ يَا أَبَا الحَكَمِ؟ .
قَالَ: أَرَى أَنْ نَأْخُذَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى شَابًّا جَلِيدًا (١) نَسِيبًا (٢) وَسِيطًا فِينَا، ثُمَّ نُعْطِي كُلَّ فَتًى مِنْهُمْ سَيْفًا صَارِمًا (٣)، ثُمَّ يَعْمَدُوا إِلَيْهِ، فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَيَقْتُلُوهُ، فنَسْتَرِيحَ مِنْهُ، فَإِنَّهُمْ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ تَفَرَّقَ دَمُهُ فِي القَبَائِلِ جَمِيعًا، فَلَمْ يَقْدِرْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى حَرْبِ قَوْمِهِمُ جَمِيعًا، فَرَضُوا مِنَّا بِالعَقْلِ (٤)، فَعَقَلْنَا لَهُمْ.
فَقَالَ الشَّيْخُ النَّجْدِيُّ لَعَنَهُ اللَّهُ: القَوْلُ مَا قَالَ الرَّجُلُ، هَذَا الرَّأْيُ، لَا رَأْيَ غَيْرَهُ (٥)، وَوَافَقَ القَوْمُ عَلَى هَذَا الِاقْتِرَاحِ الآثِمِ بِالإِجْمَاعِ، وَرَجَعَ القَوْمُ إِلَى
_________________
(١) الجَلَد: القوة والصبر. انظر النهاية (١/ ٢٧٥).
(٢) رجُلٌ نَسِيب: أي ذو حَسَب. انظر لسان العرب (١٤/ ١١٩).
(٣) صَارمًا: أي قَاطعًا. انظر لسان العرب (٧/ ٣٣٢).
(٤) العَقْل: هو الدِّية، سميت بذلك لأن القاتل كان إذا قتل قَتِيلًا جَمع الدية من الإبل فَعَقَلها بفِنَاءِ أولياءَ المَقتول أي شدَّها فِي عَقْلِها؛ ليُسلمها إليهم، والعِقَال: هو الحبلُ الَّذي تُشَدُّ به الإبل حتَّى لا تُفْلت. انظر النهاية (٣/ ٢٥٢).
(٥) قلتُ: تأمَّلوا كيف جاء هذا الخبيثُ برأيٍ خَبِيثٍ لا يستطيع حتَّى الشَيطان أن يأتي بمثله، نسألُ اللَّه السلامةَ والعافيةَ.
[ ٢ / ٣٢ ]
بُيَوتِهِمْ، وَقَدْ صَمَّمُوا عَلَى تَنْفِيذِ هَذَا القَرَارِ فَوْرًا (١).
* إِخْبَارُ اللَّهِ تَعَالَى رَسُولَهُ -ﷺ- بِمَكْرِ المُشْرِكينَ لَهُ:
وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ -ﷺ- بِهَذِهِ المُؤَامَرَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄، قال فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٢).
قَالَ -﵁-: تَشَاوَرَتْ قُرَيْشٌ لَيْلَةً بِمَكَّةَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: إِذَا أَصْبَحَ، فَأَثْبِتُوهُ بَالوَثَاقِ، يُرِيدُونَ النَّبِيَّ -ﷺ-، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلِ اقْتُلُوهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بَلْ أَخْرِجُوهُ، فَأَطْلَعَ اللَّهُ ﷿ نَبِيَّهُ -ﷺ- عَلَى ذَلِكَ، فَبَاتَ عَلِيٌّ -﵁- عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ -ﷺ- تِلْكَ اللَّيْلَةِ (٣).
وَقَالَ عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾.
_________________
(١) انظر تفاصيل اجتماع قريش فِي دار الندوة في: سيرة ابن هشام (٢/ ٩٤) - البداية والنهاية (٣/ ١٨٩) - الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١٠٩) - دلائل النبوة لأبي نعيم (١/ ٢٠٢) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٦٧) - الروض الأنف (٢/ ٣٠٦) - شرح المواهب (٢/ ٩٤).
(٢) سورة الأنفال - آية (٣٠).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٢٥١) - وأورده الحافظ في الفتح (٧/ ٦٤٥) وحسن إسناده.
[ ٢ / ٣٣ ]
قَالَ: أَيْ فَمَكَرْتُ بِهِمْ بِكَيْدِي المَتِينِ، حَتَّى خَلَّصْتُكَ مِنْهُمْ (١).
قَالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الطَّنْطَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: اتَّفَقَ زُعَمَاءُ قُرَيْشٍ عَلَى ارْتِكَابِ أَكْبَرِ جَرِيمَةٍ فِي تَارِيخِ الجِنْسِ البَشَرِيِّ، وَهِيَ قَتْلُ الرَّسُولِ -ﷺ-.
جَرِيمَةٌ لَوْ تَمَّتْ، لَمَا كَانَتْ فِي التَّارِيخِ دِمَشْقُ، وَلَا بَغْدَادُ، وَلَا القَاهِرَةُ، وَلَا قُرْطُبَةُ، وَلَا كَانَتْ لِلرَّاشِدِينَ دَوْلَةٌ، وَلَا لِلْأُمَوِيِّينَ، وَلَا لِلْعَبَّاسِيِّينَ، وَلَا فتَحَ بَنُو عُثْمَانَ القَسْطَنْطِينِيَّةَ، وَلَا بُنِي الأُمَوِيُّ، وَلَا النِّظَامِيَّةُ وَلَا الحَمْرَاءُ، وَلَمَا قَامَتِ الحَضَارَةُ التِي قَبَسَتْ مِنْهَا أَورُبَّا حَضَارَتَهَا مِنَ الشَّامِ فِي الحُرُوبِ الصَّلِيبِيَّةِ، وَمِنَ الأَنْدَلُسِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَبَدَّلَ التَّارِيخُ طَرِيقَهُ، وَلَكِنَّا اليَوْمَ عَلَى حَالٍ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللَّهُ (٢).
* * *
_________________
(١) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٤٦).
(٢) انظر كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي رحمه اللَّه تعالى ص ١٥.
[ ٢ / ٣٤ ]
هِجْرَةُ النَّبِيِّ -ﷺ-
ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ -ﷺ- فِي الهِجْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالحَاكِمُ وَالتِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمَكَّةَ، ثُمَّ أُمِر بِالهِجْرَةِ، وَأُنِزِلَ عَلَيْهِ: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ (١).
قَالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الطَّنْطَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَاجَرَ المُسْلِمُونَ جَمِيعًا، وَلَمْ يَبْقَ فِي مَكَّةَ إِلَّا النَّبِيُّ -ﷺ- وَرَجُلَانِ اثْنَانِ، مُرَافِقُهُ فِي السَّفَرِ، وَوَكِيلُهُ فِي مَكَّةَ، رَجُلَانِ كَانَا أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ، وَآخِرَ مَنْ هَاجَرَ: سَيِّدُ الكُهُولِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِيقُ (٢)،
_________________
(١) سورة الإسراء آية (٨٠). والخبر أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٤٨) - والحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب مكث النبي -ﷺ- بمكة - رقم الحديث (٣٠١٠) - والترمذي فِي جامعه، كتاب تفسير القرآن - باب ومن سورة بني إسرائيل - رقم الحديث (٣٤٠٦) - وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٢) أخرج ابن ماجة في سننه - في المقدمة - باب فضائل أبي بكر الصديق -﵁- رقم الحديث (١٠٠) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٦٩٠٤) بسند صحيح عن أبي جحيفة عن أبيه قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "أَبُو بكرٍ وعمر سيِّدا كُهُول أهل الجنة في الأولين والآخرين، إِلَّا النَّبِيِّين والمُرسلين". الكهل من الرجال: من زاد على ثلاثين سنة إلى الأربعين. انظر النهاية (٤/ ١٨٤).
[ ٢ / ٣٥ ]
وَسَيِّدُ الشَّبَابِ عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁-.
تَأَخَّرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كَمَا يَتَأَخَّرُ الرُّبَّانُ الشَّرِيفُ عَلَى ظَهْرِ البَاخِرَةِ المَيْئُوسِ مِنْهَا فَلَا يَنْزِلُ حَتَّى يَنْزِلَ الرّكَّابُ جَمِيعًا، وَكَمَا يَتَأَخَّرُ الرَّاعِي الأَمِينُ، عِنْدَ المَفَازَةِ (١) فَلَا يَجُوزُ حَتَّى يَجُوزَ القَطِيعُ كلُّهُ، تَأَخَّرَ -ﷺ- يَحْمِي أَتْبَاعَهُ، وَيَسْتَقْبِلُ بِصَدْرِهِ الخَطَرَ (٢).
* اطْلَاعُ اللَّهِ تَعَالَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِأَمْرِ قُرَيْشٍ:
وَقَدْ أَطْلَعَ اللَّهُ ﷾ نَبِيَّهُ -ﷺ- عَلَى تَبْيِيتِ المُشْرِكِينَ قَتْلَهُ، كَمَا ذَكَرْنَا قَبْلَ قَلِيلٍ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ (٣)، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيَّ بنَ أَبِي طَالِبٍ -﵁- أَنْ يَبِيتَ فِي فِرَاشِهِ -ﷺ-.
وَلَمَّا أُذِنَ لَهُ -ﷺ- بِالهِجْرَةِ قَالَ لِجِبْرِيلَ ﵇: "مَنْ يُهَاجِرُ مَعِي؟ ".
قَالَ: أَبُو بَكْرٍ الصِّدِيقُ (٤).
فَذَهَبَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَى أَبِي بَكْرٍ -﵁- لِيُخْبِرَهُ بِذَلِكَ، وَليُرَتِّبَ مَعَهُ أَمْرَ الهِجْرَةِ.
_________________
(١) المَفَازَةُ: هي البرية القَفْرُ، سُميت بذلك؛ لأنها مُهْلِكة. انظر النهاية (٣/ ٤٣٠).
(٢) انظر كتاب رجال من التاربخ للشيخ علي الطنطاوي رحمه اللَّه تعالى ص ١٥.
(٣) سورة الأنفال آية (٣٠).
(٤) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الهجرة - باب هجرة أبي بكر إلى المدينة مع جميع أمواله - رقم الحديث (٤٣٢٥) - وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد والمتن ولم يخرجاه - وقال الذهبي: صحيح غريب.
[ ٢ / ٣٦ ]
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ (١) قَطُّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ (٢)، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَرَفَي النَّهَارِ: بُكْرَةً وَعَشِيَّةً (٣)، . . . فَبَيْنَمَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةْ (٤)، قَالَ قَائِلٌ (٥) لِأَبِي بَكْرٍ: هَذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مُتَقَنِّعًا (٦) فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتينَا فِيهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: فِدَاءٌ لَهُ أَبِي وَأُمِّي، وَاللَّهِ مَا جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ إِلَّا أَمْرٌ، قَالَتْ عَائِشَةُ: فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَاسْتَأْذَنَ، فَأُذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فتَأَخَّرَ أَبُو بَكْرٍ عَنْ سَرِيرِهِ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ إِلَّا أَنَا وَأُخْتِى أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-
_________________
(١) لم أعقِلْ أبَوَيَّ: يعني أبا بكر وأم رُومَان. انظر فتح الباري (٧/ ٦٣٨).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٣٨): أي يَدِينانِ بدِين الإسلام.
(٣) قال الحافظ في الفتح (١٢/ ١٢٤): وقد اسْتُشْكِلَ كونُ أبي بكر كان يُحْوِجُ النبي -ﷺ- إلى أن يَتَكَلَّفَ المجيءَ إليه، وكان يُمكنه هو أن يفعل ذلك؟ وأجيبَ: بأنه ليس فِي الخَبَرِ ما يَمنع أن أبا بكر كَانَ يَجِيءُ إليه -ﷺ- في الليل والنهار أكثر من مرَّتين، ويحتمل أن يقال: كان سبب ذلك أنَّه -ﷺ- كان إذا جَاءَ إلى بيتِ أبي بكر كان يأمَنُ من أذَى المُشرِكِينَ بخلاف ما لو جاء أبو بكر إليه، ويحتمل أن يكون منزِلُ أبي بكر كان بين بيتِ النبي -ﷺ- وبين المسجدِ، فكان يمُرُّ به، والمقصودُ المسجد، وكان يشهده كلما مَرّ به.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٤٣): أي أوَّل الزوال، وهو أشد ما يكون فِي حَرَارة النهار، والغالب في أيامِ الحَرِّ القَيْلُولَة فيها.
(٥) قال الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه السيرة النبوية (١/ ٤٧٣): الظاهر أنها ابنتُهُ أسماء ﵂.
(٦) أي مُغَطِّيًا رأسه. انظر فتح الباري (٧/ ٦٤٣).
[ ٢ / ٣٧ ]
لِأَبِي بَكْرٍ: "أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَكَ" (١)، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّمَا هُمْ أَهْلُكَ (٢) بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَإِنِّي قَدْ أُذِنَ لِي فِي الخُرُوج وَالهِجْرَةِ"، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ الصُّحْبَةُ (٣)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الصُّحْبَةُ" (٤).
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَبْكِي، وَمَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنَّ أَحَدًا يَبْكِي مِنَ الفَرَحِ، حَتَّى رَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ يَوْمَئِذٍ يَبْكِي مِنَ الفَرَح (٥).
_________________
(١) قلتُ: هكذا كان حِرْصُ الرسول -ﷺ- على كتمِ أمرِ الهِجْرة خشيةَ أن يَنْتَشِرَ خبر هجرته -ﷺ-، ففي مثل هذه الأحوال يتطلَّب الحذر الشديد، وكِتْمان الأمر، وقد أخرج ابن حبان فِي روضة العقلاء ص ١٨٧ بسند حسن من حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -﵁-: "استَيِعنُوا على قَضَاءِ حَوَائِجكُمْ بالكِتْمَان".
(٢) هذه هي رِواية الإمام البخاري وابن حبان في صحيحيهما. قال الإمام السهيلي في الروض الأنف (٢/ ٣١٢) في قول أبي بكر -﵁- للرسول -ﷺ-: إنما هُمْ أهلُكَ. قال: وذلك أن رسول اللَّه -ﷺ- كان قد عَقَدَ على عائِشَةَ ﵂، وأما أسماءُ صارَتْ بمنزِلة الأهل بعد زَوَاج أختها، أو أن هذا من أبي بكر تَنْزِيلٌ لأهله منزلةَ أهل النبي -ﷺ-. وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (٢/ ٩٨) قال أبو بكر: يا رسول اللَّه إنما هما ابنَتَايَ.
(٣) وفي رواية أخرى فِي صحيح البخاري وابن حبان في صحيحه قال أبو بكر: الصحابة بأبي أنت يا رسول اللَّه.
(٤) وفي رواية أخرى في صحيح البخاري، وابن حبان في صحيحه قال رسول اللَّه -ﷺ-: "نَعَمْ".
(٥) قال الإمام السهيلي في الروض الأنف (٢/ ٣١٤): قالت عائشة ﵂ ذلك لصِغَرِ سنها -كان عُمرها ثمان سنوات ﵂- وأنها لم تكن علمَتْ بذلك قبل، وقد تطرَّق الشعراء لهذا المعنى، فقال الطائي يَصِفُ السَّحَابَ: دُهمٌ إذا وكفَتْ فِي رَوْضَةٍ طَفِقَتْ عُيُونُ أزهَارِهَا تَبْكِي منَ الفَرَحِ
[ ٢ / ٣٨ ]
ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي نَاقَتَانِ، قَدْ كُنْتُ أَعْدَدْتُهُمَا لِلْخُرُوجِ، فَخُذْ اِحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بِالثَّمَنِ" (١)، فَأَعْطَى النَّبِيَّ إِحْدَاهُمَا وَهِيَ: الجَدْعَاءُ (٢).
* اسْتِئْجَارُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُرَيْقِطَ (٣) دَلِيلًا:
وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ -﵁-، عَبْدَ اللَّهِ بنَ أُرَيْقِطَ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيْلِ بنِ بَكْرٍ، هَادِيًا خِرِّيتًا -وَالخِرِّيتُ المَاهِرُ بِالهِدَايَةِ -أَيْ هِدَايةِ الطَّرِيقِ-،
_________________
(١) قال الإمام السهيلي في الروض الأنف (٢/ ٣١٣): إنما اشتَرَط النبي -ﷺ- أن يكون أخذ الناقة بالثمن مع أن أبا بكر أنفَقَ ماله كله على رسول اللَّه -ﷺ-، لأنه -ﷺ- أحَبَّ أن تكون هجرته إلى اللَّه بنفسه ومالِهِ رغبَةً منه ﵊ فِي استكمَالِ فضلِ الهجرة، والجِهَاد على أتمِّ أحوالهما.
(٢) قلتُ: ذكر ابن سعد في طبقاته (١/ ١٠٩): أن الناقَةَ التي أخذَهَا رسول اللَّه -ﷺ- من أبي بكر هِيَ القَصْوَاءُ، والصحيح ما في الصحيح وأنها: الجَدْعَاءُ، وسُمِّيَتْ بذلك قيل لأنها كانت مَقْطُوعَةَ الأذُنِ، وقيل: لم تكن مَقْطُوعَةَ الأذُنِ، وإنما كان هذا اسْمًا لها. انظر النهاية (١/ ٢٣٩). وأخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٥) - وأخرجه فِي كتاب المغازي - باب غزوة الرجيع - رقم الحديث (٤٠٩٣) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب في هجرته -ﷺ- إلى المدينة - رقم الحديث (٦٢٧٧) - (٦٨٦٨) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٩٨).
(٣) قال الحافظ في الإصابة (٤/ ٥): عبد اللَّه بن أُرَيقِطٍ دليلُ النبي -ﷺ-، وأبي بكر -﵁- لما هَاجَرَ إلى المدينة، وأنه على دِين قومه، ولم أرَ مَنْ ذكره فِي الصحابة إِلَّا الذهبي فِي التجريد، وقد جزَمَ عبد الغني المقدسي في السيرة له: بأنه لا يُعرف له إسلامًا، وتبِعَه النووي فِي تهذيب الأسماء.
[ ٢ / ٣٩ ]
وَهُوَ عَلَى دِينِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ (١)، فَأَمِنَاهُ، فَدَفَعَا إِلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا، وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ بِرَاحِلَتَيْهِمَا، اللَّتَيْنِ أَعَدَّهُمَا أَبُو بَكْرٍ لِلْهِجْرَةِ (٢).
* تَنَاقُضٌ غَرِيبٌ:
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ رُغْمَ عَدَائِهَا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَرَمْيِهِ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، عَظِيمَةَ الثِّقَةِ بِأَمَانَتِهِ، وَصِدْقِهِ، وَفتوته، فَلَيْسَ بِمَكَّةَ أَحَدٌ عِنْدَهُ شَيْءٌ يَخْشَى عَلَيْهِ إِلَّا وَضَعَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لثِقَتِهِ بِهِ، فَكَانَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الشَّيْءُ الكَثِيرُ مِنْ هَذِهِ الوَدَائِعِ، فَأَمَرَ عَلِيًّا -﵁- بِأَنْ يَتَخَلَّفَ بِمَكَّةَ حَتَّى يَؤَدِّيَهَا عَنْهُ.
وَصَدَقَ اللَّهُ العَظِيمُ إِذْ يَقُولُ: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ (٣).
* تَطْوِيقُ المُشْرِكِينَ مَنْزِلَ الرَّسُولِ -ﷺ-:
رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى مَنْزِلي يَنْتَظِرُ مَجِيءَ اللَّيْلِ، وَهُوَ عَلَى عِلْمٍ بِمَا ائْتَمَرَتْ بِهِ قُرَيْشٌ مِنَ المَكْرِ، فَلَمَّا كَانَتْ عَتَمَةُ (٤) اللَّيْلِ اجْتَمَعَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ عَلَى
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٥/ ٢٠١): وفي الحديث استِئْجَار المسلم الكافر على هِدَاية الطريق إذا أمِنَ إليه، واستئجار الاثنين وَاحدًا على عَمَلٍ واحد.
(٢) أخرج ذلك: البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٥) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب في هجرته -ﷺ- وإلى المدينة - رقم الحديث (٦٢٧٧) - (٦٨٦٨).
(٣) سورة الأنعام آية (٣٣) - وانظر الخبر فِي سيرة ابن هشام (٢/ ٩٩).
(٤) عَتَمَةُ اللَّيْلِ: أي ظُلْمَتُهُ. انظر النهاية (٣/ ١٦٤).
[ ٢ / ٤٠ ]
بَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- يَرْصُدُونَهُ مَتَى يَنَامُ، فَيَثبُونَ عَلَيْهِ، وَهُمْ: أَبُو جَهْلِ بنُ هِشَامٍ - الحَكَمُ بنُ أَبِي العَاصِ - عُقْبَةُ بنُ أَبِي مُعَيْطٍ - أُمَيَّةُ بنُ خَلَفٍ - زَمْعَةُ بنُ الأَسْوَدِ - طُعَيْمَةُ بنُ عَدِيٍّ - أَبُو لَهَبٍ - أُبَيُّ بنُ خَلَفٍ - نُبَيْهُ بنُ الحَجَّاجِ.
وَكَانُوا عَلَى ثِقَةٍ وَيَقِينٍ جَازِمٍ مِنْ نَجَاحِ هَذِهِ المُؤَامَرَةِ الدَّنِيَّةِ، حَتَّى وَقَفَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ وَقْفَةَ الخُيَلَاءِ، وَقَالَ: مُخَاطِبًا لِأَصْحَابِهِ المُطَوِّقِينَ فِي سُخْرِيَةٍ وَاسْتِهْزَاءٍ: إِنَّ مُحَمَّدًا يَزْعُمُ أَنَّكُمْ إِنْ تَابَعْتُمُوهُ عَلَى أَمْرِهِ، كُنْتُمْ مُلُوكَ العَرَبِ وَالعَجَمِ، ثُمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، فَجُعِلَتْ لَكُمْ جِنَانٌ كَجِنَانِ الأُرْدُنِ، وَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ لَهُ فِيكُمْ ذَبْحٌ، ثُمَّ بُعِثْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ، ثُمَّ جُعِلَتْ لَكُمْ نَارٌ تُحْرَقُونَ فِيهَا.
فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَكَانَهُمْ قَالَ لِعَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ: "نَمْ عَلَى فِرَاشِي، وَتَسَجَّ (١) بِبُرْدِي (٢) هَذَا الحَضْرَمِيِّ الأَخْضَرِ، فَإِنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إِلَيْكَ شَيْءٌ تَكْرَهُهُ مِنْهُمْ" (٣).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَنَامُ فِي برْدِهِ ذَلِكَ إِذَا نَامَ، ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلِيًّا بِخُرُوجِهِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ -﵁- (٤).
_________________
(١) سُجِّيَ بِبُرْدٍ: أي غُطِّي، والمُتَسَجِّي: المُتَغَطِّي. انظر النهاية (٢/ ٣١٠).
(٢) البُرْدُ: هي نَوْعٌ مِنَ الثياب، والبُرْدَةُ: كِسَاء أسود. انظر النهاية (١/ ١١٦).
(٣) قلتُ: وبهذه الفِدَائِيَّة من علي بن أبي طالب -﵁- صارَ أوَّل فِدَائِي فِي الإسلام، فقد وَقَى رسول اللَّه -ﷺ- بنفسه.
(٤) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٧٠) - شرح المواهب (٩٦١٢) - الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١٠٩) - سيرة ابن هشام (٢/ ٩٦).
[ ٢ / ٤١ ]
* خُرُوجُ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنْ بَيْتِهِ إِلَى بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ:
وَمَعَ غَايَةِ اسْتِعْدَادِ قُرَيْشٍ لِتَنْفِيذِ خُطَّتِهِمْ، وَإِذَا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَخْرُجُ (١)، وَيَخْتَرِقُ صُفُوفَهُمْ، وَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ أَبْصَارَهُمْ عَنْهُ فَلَا يَرَوْنَهُ، وَأَخَذَ -ﷺ- حَفْنَةً (٢) مِنْ تُرَابٍ فِي يَدِهِ فَجَعَلَ يَنْثُرُهُ عَلَى رُءُوسِهِمْ، وَهُوَ يَتْلُو قَولَهُ تَعَالَى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦) لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧) إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ (٣).
حَتَّى إِذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ رَجُلٌ إِلَّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، مَضَى إِلَى بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-.
وَبَقِيَ المُشْرِكُونَ يَنتظِرُونَ خُرُوجَ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَقَدْ خَرَجَ، وَأَعْمَى اللَّهُ أَعْيُنَهُمْ عَنْهُ (٤).
_________________
(١) قال الشيخ علي الطنطاوي في كتابه رجال من التاريخ ص ١٦: هنا تتجلى رُجُولة الرَّسول -ﷺ- وشجاعتُه، وثباتُ أعصَابِهِ، وهُنَا يظهَرُ نَصْرُ اللَّه لأوليائِهِ، حينَ فتَحَ رسول اللَّه -ﷺ- الباب، وخرج يَشُقُّ صُفوفهم، يَقْتَحِمُ الجموعَ، التي جاءت تطلُبُ دَمَه، أرادوا قتله وأراد اللَّه حياته، فتَمَّ ما أرادَ اللَّه، وروعَتهم المفاجأة وأعَمْت أبصارهم، وما عادوا إلى أنفسهم حتى كان رسول اللَّه -ﷺ- قَدْ مضى.
(٢) الحَفْنَةُ: هي مِلْءُ الكف. انظر النهاية (١/ ٣٩٣).
(٣) سورة يس الآيات من (١/ ٩).
(٤) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١١٠).
[ ٢ / ٤٢ ]
* خُرُوجُ الرَّسُولِ -ﷺ- وَأَبِي بَكْرٍ إِلَى غَارِ ثَوْرٍ:
غَادَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَنْزِلَهُ إِلَى مَنْزِلِ أَبِي بَكْرٍ -﵁-، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- يَتَرَقَّبُ وُصُولَ الرَّسُولِ -ﷺ- فِي أَيَّةِ سَاعَةٍ بَعْدَ أَنْ اتَّفَقَا عَلَى الصُّحْبَةِ فِي الهِجْرَةِ.
فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-، وَإِلَّا أَبُو بَكْرٍ -﵁- قَدْ أَعَدَّ لِلسَّفَرِ عُدَّتَهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ (١) الجَهَازِ (٢).
وَفِي اللَّيْلِ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ -﵁- مِنْ خَوْخَةٍ (٣) لِأَبِي بَكْرٍ فِي ظَهْرِ بَيْتِهِ حَتَّى لَا يَرَاهُمَا أَحَدٌ، وَسَلَكَا طَرِيقًا غَيْرَ مَعْهُودَةٍ (٤)، فَبَدَلًا مِنْ
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٤٤): من الحَثِّ وهو الإسراعُ، والجَهَازُ بفتح الجيم وقد تكسر، وهو ما يحتاج إليه في السفر.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٥).
(٣) الخَوْخَةُ: بابٌ صَغِيرٌ كالنافذةِ الكبيرةِ. انظر النهاية (٢/ ٨١).
(٤) قلتُ: وقعَ فِي مسند الإمام أحمد - رقم الحديث (٣٠٦١) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٠٨٣) - وابن جرير الطبري في تاريخه (١/ ٥٦٧) بسند ضعيف عن ابن عباس ﵄ قال: أن أبا بكر -﵁- جاء إلى بيت الرسول -ﷺ-، وعلي -﵁- نائم على فِرَاش الرسول -ﷺ-، يحسب أنَّه نبي اللَّه، فقال: يا نبي اللَّه، فكشف علي -﵁- البرد، وقال له: إن نبي اللَّه -ﷺ- قد انطلق نحو بئر ميمون، فأدِرِكْهُ، فانطلق أبو بكر، فدخَلَ معه الغار. =
[ ٢ / ٤٣ ]
أَنْ يَسِيرَا نَحْوَ الشِّمَالِ ذَهَبَا إِلَى الجَنُوبِ حَيْثُ يُوجَدُ غَارُ ثَوْرٍ، وَهُوَ جَبَلٌ (١) وَفِيهِ الغَارُ، اخْتَارَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِيَأْوِي إِلَيْهِ لِتَضْلِيلِ المُشْرِكِينَ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ قُرَيْشًا سَتَجِدُّ (٢) فِي طَلَبِهِ، وَأَنَّ الطَّرِيقَ الذِي سَتَتَّجِهُ إِلَيْهِ الأَنْظَارُ لِأَوَّلِ وَهْلَةٍ (٣) هُوَ طَرِيقُ المَدِينَةِ الرَّئِيسِيُّ المُتَّجِهُ شَمَالًا، فَقَدْ سَلَكَ الطَّرِيقَ الذِي يُضَادُّهُ تَمَامًا، وَهُوَ الطَّرِيقُ الوَاقِعُ جَنُوبَ مَكَّةَ (٤).
* آخِرُ نَظْرَةٍ لِمَكَّةَ:
وَلَمَّا خَرَجَ الرَّسُولُ -ﷺ- منْ مَكَّةَ أَخَذَ يَنْظُرُ إِلَى مَكَّةَ نَظْرَةَ الوَدَاعِ، وَهُوَ يَقُولُ: "وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ" (٥).
_________________
(١) = وهذه الرواية مخالفَةٌ لما وقَع فِي الصحيح من أن رسول اللَّه -ﷺ- وأبو بكر الصديق -﵁- خَرَجَا مَعًا من بيتِ أبي بكر. قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ١٩٣): وقد حكى ابن جرير عن بعضهم: أن رسول اللَّه -ﷺ- سَبَقَ الصدِّيقَ -﵁- فِي الذَّهَابِ إلى غَارِ ثَوْرٍ، وأمَرَ عَلِيًّا أن يَدُلَّهُ على مَسِيرِهِ ليَلْحَقَهُ، فلحِقَهُ فِي أثنَاءِ الطريقِ، وهذا غَريب جدًا، وخلافُ المشهور من أنهما -أي رسول اللَّه -ﷺ- وأبو بكر- خَرَجا معًا.
(٢) غارُ ثَوْرٍ: هو جبلٌ شَامِخٌ فِي مكة، وعِرُ الطريق، صَعْبُ المُرْتَقَى، ذُو أحجارٍ كثيرة. انظر النهاية (١/ ٢٢٣).
(٣) جَدَّ فِي السير: أي إذا اهتَمَّ به وأسرَعَ فيه. انظر النهاية (١/ ٢٣٧).
(٤) أوَّل وَهْلَة: أي أول شيء، انظر لسان العرب (١٥/ ٤١٦).
(٥) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٩٩) - الرحيق المختوم ص ١٦٤.
(٦) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨/ ١٨٧) - وابن ماجة في سننه، كتاب المناسك - باب فضل مكة - رقم الحديث (٣١٠٨) وإسناده صحيح.
[ ٢ / ٤٤ ]
وَرَوَى ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلْدَةٍ وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُوبي مِنْكِ، مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ" (١).
قَالَ الشَّيْخُ عَلِيٌّ الطَّنْطَاوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: . . . وَلقدْ شَرَّقْتُ مِنْ بَعْدُ وَغَرَّبْتُ، وَرَأَيْتُ بِلَادًا لَا أُحْصِيهَا عَدَدًا، فَمَا رَأَيْتُ فِيهَا أَجْمَلَ مِنْ دِمَشْقَ، أَفَهِيَ كَذَلِكَ، أَمْ تَجْمُلُ فِي عَيْنِي لِانَّهَا بَلَدِي، وَكُلُّ إِنْسَانٍ يُؤثِرُ بَلَدَهُ عَلَى سَائِرِ البُلْدَانِ؟ .
لَقَدْ عَرَفْتُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَمْرِيكَا وَعَاشَ فِي أَكبرِ مُدُنِهَا، وَاسْتَمْتَعَ بِمُنتجَاتِ حَضَارَتِهَا، وَوَسَائِلِ التَّرَفِ فِيهَا، فَمَا أَنْسَتْهُ نُيُوُيورْكُ وَنَاطِحَاتُ السَّحَابِ فِيهَا، مَا أَنْسَتْهُ إِلَّا قَريتَهُ وَبَيْتَهُ المَبْنِيَ مِنَ الخَشَبِ وَاللَّبِنِ، وَكَانَ يُحِسُّ أنّهُ فِي أَمْرِيْكَا غَرِيبٌ، نَزِيلٌ فِي فُنْدُقٍ، مَا شَعَرَ بِالِاسْتِقْرَارِ إِلَّا لَمَّا وَصَلَ القَريَةَ وَوَلَجَ (٢) الدَّارَ، وَهَذِي لَعَمْرِي مِنْ حَكِيمِ مَا قَدَّرَ اللَّهُ، وَلَهُ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ فِي كُلِّ مَا قَدَّرَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاجْتَمَعَ النَّاسُ كُلُّهُمْ فِي مَوَاضِعِ المَالِ وَالجَمَالِ، وَخَرَبَتِ البِلَادُ الفَقِيرَةُ، وَأَقْفَرَتْ (٣).
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل مكة - رقم الحديث (٣٧٠٩) - والترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب فِي فضل مكة - رقم الحديث (٣٩٣٤).
(٢) وَلَجَ: دخل. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٩١).
(٣) أقْفَرَتْ: أي خَلَتْ. انظر لسان العرب (١١/ ٢٥٣) - وانظر كلام الشيخ علي الطنطاوي ﵀ في ذكرياته (٢/ ٢٣٤).
[ ٢ / ٤٥ ]
* تَبْشِيرُ الرَّسُولِ -ﷺ- بِرَدِّهِ إِلَى مَكَّةَ:
وَلقدْ بَشَّرَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ -ﷺ- بِأنَّهُ سَيُرْجِعُهُ إِلَى مَكَّةَ مُنْتَصِرًا، فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ (١).
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾، قَالَ: إِلَى مَكَّةَ (٢).
وَقَالَ القُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةَ: خَتَمَ اللَّهُ السُّورَةَ (٣) ببشَارَةِ نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- بِرَدِّهِ إِلَى مَكَّةَ قَاهِرًا لِأَعْدَائِهِ (٤).
* إِذْ هُمَا فِي الغَارِ:
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ فِي الحَدِيثِ الطَّوِيلِ -حَدِيثِ الهِجْرِةِ-: . . . ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلِ ثَوْرٍ، فكَمَنَا (٥). . . . .
_________________
(١) سورة القصص آية (٨٥).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه -كتاب التفسير - باب ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ﴾ رقم الحديث - (٤٧٧٣).
(٣) أي سورة القصص.
(٤) انظر تفسير القرطبي (١٦/ ٣٢٩).
(٥) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٤٥): فكَمَنَا: بفتح الميم ويجوز كسرها أي اختَفَيَا.
[ ٢ / ٤٦ ]
فِيهِ (١) ثَلَاثَ ليَالٍ (٢).
فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الغَارِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: مَكَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أَسْتَبْرِيَ (٣) لَكَ الغَارَ، فَدَخَلَ وَاسْتَبْرَاهُ، ثُمَّ تَذَكَّرَ أَنَّهُ لَمْ يَسْتَبْرِي الجُحْرَ الذِي فِيهِ، فَقَالَ: مَكَانَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ حَتَّى أَسْتَبْرِيَ، فَدَخَلَ فَاسْتَبْرَى، ثُمَّ قَالَ: انْزِلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فنَزَلَ الرَّسُولُ -ﷺ- فِي الغَارِ (٤).
_________________
(١) في رواية ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٦٢٧٩) قالت عائشة ﵂: فركِبَا حتَّى أَتَيَا الغارَ وهو ثَوْرٌ، فتوَارَيَا فيه. قال الشيخ علي الطنطاوي في كتابه رجال من التاريخ ص ٢٨: هاجر -ﷺ- مُخَتَفيًا مع صَفِيِّه وخليلهِ شيخِ المسلمين أبي بكر -﵁-، لم يخْتَفِ -ﷺ- من ضَعْفٍ ولا جُبْنٍ، ولكنه كان كالقائدِ المُسَافر ليُدِيرَ المعركةَ الكبرى، فهل يُظْهِرُ نفسهُ ويقِفُ على الطريق، ليُحَارِبَ فصِيلةً لَحِقَتْ بهِ، فيَظْفَرَ عليها، ويُعَطِّلَ المعركة الكبرى؟ إنها تنتظرُ رسول اللَّه -ﷺ- معارك أكبر، تنَتِظُره بدرٌ، والفتحُ، وهوازِن، والقادِسِيَّة، واليرمُوك، وجبلُ طَارق، ومعاركُ الفتح الإسلامي، التي امتدَّت من بعده، سلسِلَة مُظَفّرة خيِّرة، نثرَتْ شُهَداء الحقِّ فِي كل أرض، ونصَبَتْ رايةَ العدلِ على كل جبل، وأضاءت بالإسلام القُلُوب والبلادَ فِي كل مكانٍ، وتنتظرُه -ﷺ- المعركة مع الجَهْلِ والفَقْرِ والظلم والفُسُوقِ، وسائرِ الأوضاعِ الخلقيَّة التي جاء ليُطَهِّر المجتمع البشري من آثارِها.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٥).
(٣) أستَبْرِي: أي أختَبِرَهُ وأنظُرَ هل فيهِ أحدٌ أو شيءٌ يُؤْذِي. انظر النهاية (٢/ ٣٠١).
(٤) أخرج ذلك: البيهقي فِي دلائل النبوة (٢/ ٤٧٦) بإسناد مرسل؛ لأنه موقُوفٌ على ابن سِيرِين - وابن سيرين لم يُدْرِك عمر - وأخرجه الحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٤٣٢٧) - وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد على شرط الشيخين لولا إرسال فيه - ولم يخرجاه - ووافقه الذهبي في تلخيصه.
[ ٢ / ٤٧ ]
قَالَ ابنُ هِشَامٍ: فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَسَ الغَارَ، لِيَنْظُرَ أَفِيهِ سَبْعٌ أَوْ حَيَّةٌ، يَقِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِنَفْسِهِ (١).
* مَوَاقِفُ مُشَرِّفَةٌ لِآلِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-:
وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- يَبِيتُ عِنْدَهُمَا، وَهُوَ غُلَامٌ شَابٌّ ثقِفٌ (٢) لَقِنٌ (٣)، فَيُدلِجُ (٤) مِنِ عْنِدِهَما بِسَحَرٍ، فيصْبِحُ مَع قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ كَبَائِتٍ، فَلَا يَسْمَعُ أَمْرًا يُكْتَادَانِ (٥) بِهِ إِلَّا وَعَاهُ حَتَّى يَأْتِيَهُمَا بِخَبَرِ ذَلِكَ حِينَ يَخْتَلِطُ الظَّلَامُ (٦).
* دَوْرُ عَامِرِ بنِ فُهَيْرَةَ -﵁-:
وَيَرْعَى عَلَيْهِمَا عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ -﵁- مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ مِنْحَةً (٧) مِنْ
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٩٩).
(٢) ثَقِفٌ: أي ذُو فِطْنَةٍ وذَكاء، والمراد أنَّه ثابِتُ المعرفة بما يَحتاج إليه. انظر النهاية (١/ ٢١١).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٤٦): لَقِن: بفتح اللام وكسر القاف: أي السريع الفهم.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٤٦): أي يخرج بسَحَر إلى مكة.
(٥) وفي رواية يَكَادَانِ به: أي يطلب لهما فيه المَكْروه، وهو من الكَيْد. انظر فتح الباري (٧/ ٦٤٦).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٥) - وأخرجه فِي كتاب اللباس - باب التقنّع - رقم الحديث (٥٨٠٧) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - فصل في هجرته -ﷺ- إلى المدينة - رقم الحديث (٦٢٧٩).
(٧) مِنْحَة: بكسر الميم وسكون النون: أي غنم فيها لبن، ومنحة اللبن: أن يُعطيه ناقة أو شاة، ينتفع بلبنها ويعيدها. انظر النهاية (٤/ ٣١٠).
[ ٢ / ٤٨ ]
غَنَمٍ، فَيُرِيحُهَا عَلَيْهِمَا حِينَ تَذْهَبُ سَاعَةٌ مِنَ العِشَاءِ فَيَبِيتَانِ -أَيْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ- فِي رِسِلٍ (١).
ثُمَّ يَسْرَحُ عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ -﵁- فَيُصْبِحُ فيِ رِعْيَانِ النَّاسِ كَبَائِتٍ، فَلَا يُفْطَنُ بِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثِ فِي الغَارِ (٢).
وَكَانَ عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ -﵁- يَتْبَعُ بِغَنَمِهِ أَثَرَ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ بَعْدَ ذَهَابِهِ إِلَى مَكَّةَ لِيُعْفِي (٣) عَلَيْهِ (٤).
* دَوْرُ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂:
وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ (٥) تَأْتيهِمَا بِالطَّعَامِ.
_________________
(١) رِسْل: بكسر الراء: أي اللبن الطري. انظر فتح الباري (٧/ ٦٤٦).
(٢) أخرج ذلك: البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار- باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٥) - وأخرجه في كتاب اللباس - باب التقنّع - رقم الحديث (٥٨٠٧) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - فصل في هجرته -ﷺ- إلى المدينة - رقم الحديث (٦٢٧٩).
(٣) عَفَا الأثر: أي دَرَس وانْمَحى. انظر النهاية (٣/ ٢٤٠).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٠٠).
(٥) قال الشيخ علي الطنطاوي رحمه اللَّه تعالى في كتابه رجال من التاريخ ص ٣٧: هذه السيِّدة أبوها عظيمٌ، وزوجُها عظيم، وابنُهَا عظيم، وهي عَظِيمة في مَوَاهبها ومَوَاقِفها، عظيمة في نفسها وفي أعمالها. سيدة شارَكَتْ في أجَلِّ الأحدَاثِ، في السِّلْم وفىِ الحَرْبِ. سيدة كانت ربَّة بيتٍ صبرت على مُرِّهِ ولم تَبْطَرْ بِحُلْوِهِ، سيدة كان لها من نُبْل القلب، وكِبَر العقل، وثَبَات الأعصاب، ما لم يكن مثله إلا للقليل من عُظماء الرجال.
[ ٢ / ٤٩ ]
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صحِيحِهِ عَنْ أَسْمَاءَ ﵂ قَالَتْ: صَنَعْتُ سُفْرَةً (١) لِلنَّبِيِّ -ﷺ- وَأَبِي بَكْرٍ حِينَ أَرَادَا المَدِينَةَ، فَقُلْتُ لِأَبِي: مَا أَجِدُ شَيْئًا أَرْبِطُهُ (٢) إِلَّا نِطَاقِي (٣)، قَالَ: فَشُقِّيهِ (٤)، فَفَعَلْتُ، فَسُمِّيَتْ "ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ" وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ ﵄: أَسْمَاءُ ذَاتُ النِّطَاقِ (٥).
فَنَرى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ -﵁- سَخَّرَ كُلَّ مَا يَمْلِكُ مِنْ أَهْلٍ، وَمِنْ مَالٍ، وَمَوْلًى عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فِي هِجْرَتِهِ إِلَى المَدِينَةِ، فَأَيُّ فَضْلٍ هَذَا، وَأَيُّ شَرَفٍ هَذَا الذِي حَازَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁-.
* أَنْفَقَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- كُلَّ أَمْوَالِهِ فِي الهِجْرَةِ:
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ وَالحَاكِمُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَخَرَجَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ، احْتَمَلَ أَبُو بَكْرٍ مَالَهُ كُلَّهُ مَعَهُ: خَمْسَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، أَوْ سِتَّةُ آلَافِ دِرْهَمٍ. قَالَتْ: وَانْطَلَقَ بِهَا مَعَهُ.
_________________
(١) السُّفرَة: طعام يتَّخِذُهُ المسافر، وأكثر ما يُحمل في جِلد مُسْتَدير، فَنُقِل اسم الطعام إلى الجلدِ وسُمي به. انظر النهاية (٢/ ٣٣٦).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٦٠): أي المتاعُ الذي في السُّفْرَة أو رأس السُّفْرَة.
(٣) النِّطَاقُ: بكسر النون وهو ما تَشُدُّ به المرأةُ وَسْطها ليَرْتَفِعَ به ثَوْبُهَا من الأرض عند المِهْنَة. انظر النهاية (٥/ ٦٥).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٦٠): يُستفاد من هذا أن الذي أمرَهَا بشقِّ نِطَاقِهَا لترِبَط به السُّفرة هو أبوها -﵁-.
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٧).
[ ٢ / ٥٠ ]
قَالَتْ: فَدَخَلَ عَلَيْنَا جَدِّي أَبُو قُحَافَةَ (١) وَقَدْ ذَهَبَ بَصَرُهُ، فَقَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأَرَاهُ قَدْ فَجَعَكُمْ بِمَالِهِ مَعَ نَفْسِهِ.
قَالَتْ: قُلْتُ: كَلَّا يَا أَبَتِ، إِنَّهُ قَدْ تَرَكَ لَنَا خَيْرًا كَثِيرًا.
قَالَتْ: فَأَخَذْتُ أَحْجَارًا، فَوَضَعْتُهَا فِي كُوَّةِ (٢) البَيْتِ، كَانَ أَبِي يَضَعُ فِيهَا مَالَهُ، ثُمَّ وَضَعْتُ عَلَيْهَا ثَوْبًا، ثُمَّ أَخَذْتُ بِيَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ ضَعْ يَدَكَ عَلَى هَذَا المَالِ.
قَالَتْ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: لَا بَأْسَ، إِنْ كَانَ قَدْ تَرَكَ لَكُمْ هَذَا، فَقَدْ أَحْسَنَ، وَفِي هَذَا بَلَاغٌ لَكُمْ.
قَالَتْ أَسْمَاءُ: وَلَا وَاللَّهِ مَا تَرَكَ لَنَا شَيْئًا، وَلَكِنِّي قَدْ أَرَدْتُ أَنْ أُسَكِّنَ (٣) الشَّيْخَ بِذَلِكَ (٤).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا نَفَعَنِي مَالٌ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ".
_________________
(١) أبو قُحَافَةَ هو والد أبي بكر الصديق -﵁-، وقد أسلم أبو قُحَافة يوم فتح مكة.
(٢) الكُوَّةُ: هو الخَرْقُ في الحائط والثُّقْبُ في البيت. انظر لسان العرب (١٢/ ١٩٨).
(٣) سَكَنَ الرجُلُ: سَكَت. انظر لسان العرب (٦/ ٣١١).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٩٥٧) - والحاكم في المستدرك، كتاب الهجرة - باب هجرة أبي بكر إلى المدينة مع جميع أمواله - رقم الحديث (٤٣٢٦).
[ ٢ / ٥١ ]
فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ -﵁-، وَقَالَ: هَلْ أَنَا وَمَالِي إِلَّا لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ (١).
وَرَوَى ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنْفَقَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَرْبَعِينَ أَلْفًا (٢).
* خُرُوجُ قُرَيْشٍ فِي طَلَبِ الرَّسُولِ -ﷺ- وصَاحِبِهِ:
أَمَّا المُشْرِكُونَ فَقَدْ بَقَوا يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنْ بَيْتِهِ، وَقَدْ خَرَجَ، وَأَعْمَى اللَّهُ أَعْيُنَهُمْ عَنْهُ، فَمَا شَعَرُوا إِلَّا وَرَجُلٌ يَقُولُ لَهُمْ: مَا تَنْتَظِرُونَ هَهُنَا؟
قَالُوا: مُحَمَّدٌ، قَالَ: خَيَّبَكُمُ اللَّهُ! قَدْ وَاللَّهِ خَرَجَ عَلَيْكُمْ مُحَمَّدٌ، ثُمَّ مَا تَرَكَ مِنْكُمْ رَجُلًا إِلَّا وَقَدْ وَضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تُرَابًا، وَانْطَلَقَ لِشَأْنِهِ، أَفَمَا تَرَوْنَ مَا بِكُمْ؟
فَوَضَعَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ، فَإِذَا عَلَيْهِ تُرَابٌ، فكَأَنَّهُمْ لَمْ يُصَدِّقُوا، فَجَعَلُوا يَتَطَلَّعُونَ مِنْ شِقِّ البَابِ فَيَرَوْنَ النَّائِمَ عَلَى فِرَاشِهِ مُسَجَّيًا بِبُرْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَيَقُولُونَ: وَاللَّهِ إِنَّ هَذَا لَمُحَمَّدٌ نَائِمًا، عَلَيْهِ بُرْدُهُ.
فَمَا زَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى أَصْبَحُوا (٣)، فَدَخَلُوا عَلَيْهِ، وَكَشَفُوا البُرْدَ، فَإِذَا بِهِ
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٤٤٦) - وابن حبان في صحيحه - كتاب مناقب الصحابة - باب ذكر البيان بأن المصطفى -ﷺ- ما انتَفَع بمال أحد ما انتفع بمال أبي بكر الصديق -﵁- رقم الحديث (٦٨٥٨).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب ذكر عدد ما أنفق أبو بكر على رسول اللَّه -ﷺ- من المال - رقم الحديث (٦٨٥٩).
(٣) قال الإمام السهيلي في الروض الأنف (٢/ ٣٠٩): ذكر بعض أهل التفسير أن السبب المانِعَ لهم من التقحمِ عليه في الدار مع قِصَرِ الجدار، وأنهم إنما جاؤُوا لقتله، فذكر =
[ ٢ / ٥٢ ]
عَلِيٌّ -﵁-، فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ صَدَقنَا الذِي كَانَ حَدَّثنَا، فَسَأَلُوهُ: أَيْنَ صَاحِبُكَ؟
فَقَالَ: لَا أَدْرِي (١).
فَجُنَّ جُنُونُ قُرَيْشٍ حِينَمَا تَبَيَّنَ لَهَا خُرُوجُ النَّبِيِّ -ﷺ- وَصَاحِبِهِ، وَصَارُوا يَهِيمُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ طَلَبًا لَهُ، وَجَعَلُوا لِمَنْ يَأْتِي بِالنَّبِيِّ -ﷺ- وَصَاحِبِهِ مُكَافَأَةً ضَخْمَةً قَدْرُهَا مِائَةُ نَاقَةٍ (٢) لِمَنْ يَأْتِي بِهِمَا إِلَى قُرَيْشٍ حَيَّيْنِ أَوْ مَيْتَيْنِ (٣).
* أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ يَلْطِمُ أَسْمَاءَ ﵂:
قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: فَحُدِّثْتُ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵄ أَنَّهَا قَالَتْ: لَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ -﵁-، أَتَانَا نَفَرٌ مِنْ قُرَيْشٍ، فِيهِمْ أَبُو جَهْلٍ ابنُ هِشَامٍ، فَوَقَفُوا عَلَى بَابِ أَبِي بَكْرٍ، فَخَرَجْتُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: أَيْنَ أَبُوكِ يَا بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ؟
_________________
(١) = في الخبر أنهم هَمُّوا بالوُلوج عليه -أي الدخول عليه- فصاحَتِ امرأة من الدار، فقال بعضهم لبعض: واللَّه إنها للسُّبَّةُ في العرب أن يتحدث عنا أنَّا تسَوَّرْنَا الحيطان على بَنَاتِ العَمِّ، وهتَكْنَا سِرَّ حُرْمَتِنَا، فهذا الذي أقامهم بالبابِ، حتى أصبَحُوا ينتظرون خروجَهُ، ثم طُمِسَتْ أبصَارُهُمْ عنه حين خَرَجَ.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ٩٧) - الروض الأنف (٢/ ٣٠٨).
(٣) قلتُ: مائةُ ناقةٍ في زماننا ثَرْوَةٌ عظيمَةٌ، فما بالكم في ذلك الزمن.
(٤) قِصَّةُ المكافأةِ لمن يأتي برسول اللَّه -ﷺ- وصَاحِبِهِ: أخرَجَهَا البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٦).
[ ٢ / ٥٣ ]
قَالَتْ: قُلْتُ: لَا أَدْرِي وَاللَّهِ أَيْنَ أَبِي، فَرَفَعَ أَبُو جَهْلٍ لَعَنَهُ اللَّهُ يَدَهُ، وَكَانَ فَاحِشًا خَبِيثًا، فَلَطَمَ خَدِّي لَطْمَةً (١) طَرَحَ مِنْهَا قُرْطِي (٢)، قَالَتْ: ثُمَّ انْصَرَفُوا (٣).
* لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا:
عِنْدَ ذَلِكَ رَكِبَ الفُرْسَانُ وَقُصَّاصُ (٤) الأَثَرِ فِي كُلِّ وَجْهٍ، وَانْتَشَرُوا فِي الجِبَالِ وَالوُدْيَانِ يَطْلَبُونَهُمَا -أَيْ الرَّسُولُ -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ -﵁- وَاشْتَدَّ الطَّلَبُ، لَكِنْ مِنْ دُونِ جَدْوَى.
حَتَّى انْتَهَوْا إِلَى الجَبَلِ الذِي فِيهِ الغَارُ، وَصَعَدُوا الجَبَلَ، وَوَصَلُوا إِلَى فَمِ الغَارِ، وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ العُثُورِ عَلَى الرَّسُولِ -ﷺ- وَصَاحِبِهِ إِلَّا أَنْ يَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى تَحْتِ قَدَمَيْهِ.
وَكَانَتْ أَدَقَّ لَحْظَةٍ مَرَّتْ بِهَا الإِنْسَانِيَّةُ فِي رِحْلَتِهَا الطَّوِيلَةِ، وَكَانَتْ لَحْظَةً حَاسِمَةً، فَإِمَّا امْتِدَادُ شَقَاءٍ لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَإِمَّا افْتِتَاحُ سَعَادَةٍ لَا آخِرَ لَهَا، وَقَدْ حَبَسَتِ الإِنْسَانِيَّةُ أَنْفَاسَهَا، وَوَقَفَتْ خَاشِعَةً حِينَ وَصَلَ البَاحِثُونَ إِلَى فَمِ الغَارِ،
_________________
(١) قال الشيخ علي الطنطاوي في كتابه رجال من التاريخ ص ٤٠: وكذلك يفعلُ الجَبَان، عَجَزَ عن أن يضرِبَ الرجال فضرَبَ امرأةً حَامل في عبد اللَّه بن الزبير، وكذلك يَفْعل الجُبَنَاء في كل عَصْرٍ.
(٢) القُرْطُ: هو نوعٌ من حُلي الأذُن معروف. انظر النهاية (٤/ ٣٧).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٠١).
(٤) قَصَّ الأثَرَ: أي تَتَبَّعه. انظر النهاية (٤/ ٦٤)، ومنه قوله تعالى في سورة القصص آية (١١) في قصة موسى ﵇: ﴿وَقَالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾.
[ ٢ / ٥٤ ]
وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ العُثُورِ عَلَى مَنْشُودِهِمْ إِلَّا أَنْ يَنْظُرَ أَحَدُهُمْ إِلَى تَحْتِ قَدَمَيْهِ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ ذَلِكَ (١).
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ -﵁- قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ-: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، لَأَبْصَرَنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "يَا أَبا بَكْرٍ! مَا ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا" (٢).
وَفي رِوَايَةِ عُرْوَةِ بنِ الزُّبَيْرِ فِي مَغَازِيهِ، قَالَ: وَأَتَى المُشْرِكُونَ عَلَى الجَبَلِ الذِي فِيهِ الغَارِ، الذِي فِيهِ النَّبِيُّ -ﷺ-، حَتَّى طَلَعُوا فَوْقَهُ، وَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ أَصْوَاتَهُمْ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ الهَمُّ وَالخَوْفُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ، قَالَ لَهُ النَّبِيُّ -ﷺ-: "لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا".
وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ السَّكِينَةُ (٣).
_________________
(١) انظر السيرة النبوية للشيخ أبو الحسن الندوي ص ١٦٧.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٧٥): ومعنى ثالثهما: أي نَاصرهما ومُعِينهما، وإلا فهو ﷾ مع كل اثنين بعلمه كما قال سبحانه في سورة المجادلة آية (٧): ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾. والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب مناقب المهاجرين وفضلهم منهم أبو بكر -﵁- رقم الحديث (٣٦٥٣) - وأخرجه في كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٢٢) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أبي بكر الصديق -﵁- رقم الحديث (٢٣٨١).
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٣٥٨). =
[ ٢ / ٥٥ ]
وَفِي هَذَا نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
فَلَمَّا انْتَهَى هَؤُلَاءَ الكُفَّارُ إِلَى بَابِ الغَارِ، قَالُوا: هَاهُنَا انْقَطَعَ الأَثَرُ، وَاخْتَلَطَ عَلَيْهِمُ الأَمْرُ، فَلَمَّا رَأَوْا نَسْجَ العَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِ الغَارِ قَالُوا: لَوْ دَخَلَ هَاهُنَا أَحَدٌ لَمْ يَكُنْ نَسْجُ العَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِهِ (٢)، فَانْصَرَفُوا.
قُلْتُ: كَانَتْ مُعْجِزَةً، أَكْرَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا نَبِيَّهُ -ﷺ-، وَتَتَجَلَّى هَذِهِ المُعْجِزَةُ فِي أَنَّ هَؤُلَاءَ الكُفَّارِ لَمْ يَتَكَلَّفْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَنْظُرَ دَاخِلَ الغَارِ، وَإِنَّمَا وَقَفُوا عَلَى بَابِ الغَارِ، فَلَمَّا رَأَوْا نَسْجَ العَنْكَبُوتِ، قَالُوا: لَوْ دَخَلَ هَاهُنَا لَمْ يَكُنْ نَسْجُ العَنْكَبُوتِ عَلَى بَابِهِ، ثُمَّ انْصَرَفُوا.
_________________
(١) = قال الإمام النووي في شرح مسلم (٥/ ١٢٢): وفي هذا الحديث فضيلة لأبي بكر -﵁- وهي من أجلِّ مناقبه، ولفضيلته أوْجُه منها: بَذْله نفسه، ومُفَارَقتهُ أهله وماله ورِيَاسَتِهِ في طاعة اللَّه تعالى ورسوله، وملازمَة النبي -ﷺ- ومعادَاتُ الناس فيه، ومنها جعله نفسه وِقَاية عنه.
(٢) سورة التوبة، آية (٤٠).
(٣) قِصَّة نسج العنكبوت على فَمِ الغار أخرجها: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٢٥١) - وغيره، وحسن إسنادها الحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ٦٤٥) - والحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ١٩٥). مع أن في سَنَدِهِ عثمان بن عمرو بن سَاجٍ الجَزري، قال عنه الحافظ في التقريب: فيه ضَعف.
[ ٢ / ٥٦ ]
قَالَ أَحْمَدُ شَوْقِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى:
سَلْ عُصَبَة الشِّركِ حَولَ الغارِ سَائِمَةً لَوْلَا مُطَارَدَةُ المُختَارِ لَمْ تَسُمِ
هَلْ أَبْصَرُوا الأَثَرَ الوَضَّاءَ أَمْ سَمِعُوا هَمْسَ التّسَابِيحِ وَالقُرْآنَ مِنْ أَمَمِ (١)
وَهَلَ تَمَثَّلَ نَسْجُ العَنْكَبُوتِ لَهُمْ كَالغَابِ (٢)، وَالحَائِمَاتُ الزُّغْبُ (٣) كَالرُّخُمِ (٤)
فَأَدْبَرُوا وَوُجُوهُ الأَرْضِ تَلْعَنُهُمْ كَبَاطِلٍ مِنْ جَلَالِ الحَقِّ مُنهَزِمِ
* مُغَادَرَةُ النَّبِيِّ -ﷺ- وَصَاحِبِهِ الغَارَ:
أَقَامَ الرَّسُولُ -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- فِي الغَارِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، حَتَّى إِذَا خَمَدَتْ عَنْهُمَا نَارُ الطَّلَبِ، وَسَكَنَ عَنْهُمَا النَّاسُ، جَاءَهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُرَيْقِطٍ بِالرَّاحِلَتَيْنِ، فَارْتَحَلَا، وَانْطَلَقَ مَعَهُمَا عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ يَخْدِمُهُمَا (٥).
_________________
(١) أَمَمِ: بفتح الهمزة: القُرب، يقال: أخذت ذلك من أَمم: أي من قُرب. انظر لسان العرب (١/ ٢١٦).
(٢) غَبِيَ الشيء عنه: لم يَفْطَن له. انظر لسان العرب (١٠/ ١٦).
(٣) الزُّغْب: أول ما يبدُو من شَعْر فَرْخِ الطائر. انظر لسان العرب (٦/ ٥٠).
(٤) أرخَمَتِ الحَمَامَةُ على بَيْضِهَا: إذا حَضَنَتْهُ. انظر لسان (٥/ ١٧٩).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٥) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب غزوة الرجيع - رقم الحديث (٤٠٩٣) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب هجرته -ﷺ- إلى المدينة - رقم الحديث (٦٢٧٧).
[ ٢ / ٥٧ ]
وَكَانَ خُرُوجُ الرَّسُولِ -ﷺ- وَصَاحِبِهِ مِنَ الغَارِ فِي آخِرِ لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ فِي السَّحَرِ لِأَرْبَعِ لَيِالٍ خَلَوْنَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ (١).
قَالَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ: تَوَاتَرَتِ الأَخْبَارُ أَنَّ خُرُوجَهُ -ﷺ- كَانَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَدُخُولَهُ المَدِينَةَ كَانَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، إِلَّا أَنَّ مُحَمَّدَ بنَ مُوسَى الخَوَارِزْمِيَّ قَالَ: إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ الخَمِيسِ (٢).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ خُرُوجَهُ -ﷺ- مِنْ مَكَّةَ كَانَ يَوْمَ الخَمِيسِ، وَخُرُوجَهُ مِنَ الغَارِ كَانَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ، لِأَنَّهُ أَقَامَ فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَهِيَ لَيْلَةُ الجُمُعَةِ، وَلَيْلَةُ السَّبْتِ، وَلَيْلَةُ الأَحَدِ، وَخَرَجَ فِي أَثْنَاءَ لَيْلَةِ الِاثْنَيْنِ (٣).
* الطَّرِيقُ إِلَى المَدِينَةِ:
ثُمَّ ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ -﵁-، وَارْتَحَلَ مَعَهُمَا عَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ -﵁- أَرْدَفه أَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ، لِيَخْدِمَهُمَا فِي الطَّرِيقِ، لَيْسَ مَعَهُمَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَغَيْرَهُ، وَغَيْرَ الدَّلِيلِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ أُرَيْقِطٍ، فَانْطَلَقَ الأَرْبَعَةُ إِلَى المَدِينَةِ (٤).
قَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا خَرَجَ بِهِمَا دَلِيلُهُمَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُرَيْقِطٍ، سَلَكَ بِهِمَا أَسْفَلَ مَكَّةَ، ثُمَّ مَضَى بِهِمَا عَلَى السَّاحِلِ، حَتَّى عَارَضَ الطَّرِيقُ أَسْفَلَ مِنْ
_________________
(١) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١١٢).
(٢) انظر كلام الحاكم في المستدرك - كتاب الهجرة - بعد حديث (٤٣١٦).
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٦٤٤).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٠٠).
[ ٢ / ٥٨ ]
عُسْفَانَ (١)، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا عَلَى أَسْفَلِ أَمَجٍ (٢)، ثُمَّ اسْتَجَازَ بِهِمَا، حَتَّى عَارَضَ بِهِمَا الطَّرِيقُ، بَعْدَ أَنْ أَجَازَ (٣) قُدَيْدًا (٤)، ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا مِنْ مَكَانِهِ ذَلِكَ، فَسَلَكَ بِهِمَا الخَرَّارَ (٥)، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا ثَنِيَّةَ (٦) المُرَّةِ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا لِقْفًا (٧)، ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا مَدْلَجَةَ لِقْفٍ، ثُمَّ اسْتَبْطَنَ (٨) بِهِمَا مَدْلَجَةَ مَحَاجٍ، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا مَرْجِح مجاج، ثُمَّ تَبَطَّنَ بِهِمَا مَرْجِح مِنْ ذِي الغَضْوَيْنِ، ثُمَّ بَطْنَ ذِي كَشْرٍ (٩)، ثُمَّ أَخَذَ بِهِمَا عَلَى الجَدَاجِدِ (١٠)، ثُمَّ عَلَى الأَجْرَدِ (١١)، ثُمَّ سَلَكَ بِهِمَا ذَا سَلَمٍ، مِنْ بَطْنِ أَعْدَا مَدْلِجَةً تِعْهن، ثُمَّ عَلَى العَبَابِيدِ، ثُمَّ أَجَازَ بِهِمَا الفَاجَةَ، ثُمَّ هَبَطَ بِهِمَا العَرْجَ (١٢)، ثُمَّ سَلَكَ
_________________
(١) عُسْفَان: هي قريةٌ جَامِعة بين مكة والمدينة. انظر النهاية (٣/ ٢١٤).
(٢) أَمَجٍ: بفتحتين وهو موضع بين مكة والمدينة. انظر النهاية (١/ ٦٦)، ومعجم البلدان (١/ ٢٠٠).
(٣) جَازَ الموضِعَ: سارَ فيه وسَلَكَهُ حتى قَطَعَهُ. انظر لسان العرب (٢/ ٤١٦).
(٤) قُدَيْدٌ: مُصَغَّرًا، وهو موضعٌ بين مكةَ والمدينةِ. انظر النهاية (٤/ ٢٠).
(٥) الخَرَّارُ: بفتح الخاء وتشديد الراء الأولى: موضع قُرب الجُحفة. انظر النهاية (٢/ ٢١).
(٦) الثَنِيَّةَ: هو الطريق العالي في الجبل. انظر النهاية (١/ ٢٢٠).
(٧) لِقفًا: هو ماءُ آبارٍ كثيرةٍ عَذْبٍ ليس عليها مُزَارع، ولا نخل فيها لِغِلَظِ مَوضعها، وخُشُونَتِهِ. انظر معجم البلدان (٤/ ١٨١).
(٨) استَبْطَنَ بهما: أي دخَل بهما. انظر لسان العرب (١/ ٤٣٥).
(٩) ذِي كَشْر: هو جبلٌ بين مكة والمدينة. انظر معجم البلدان (٤/ ١٣٨).
(١٠) الجَدَاجِدُ: هي آبار قديمة. انظر معجم البلدان (٢/ ٣٧).
(١١) الأجْرَدُ: هو جبل جُهَيْنَةَ بين المدينة والشام. انظر معجم البلدان (١/ ٩٠).
(١٢) العَرْجُ: بفتح العين وسكون الراء: قرية جامعة من عمل الفُرْع، على أيام من المدينة. انظر النهاية (٣/ ١٨٤).
[ ٢ / ٥٩ ]
بِهِمَا ثَنِيَّةَ العَائِرِ، عَنْ يَمِينِ رَكُوبَةِ، حَتَّى هَبَطَ بِهِمَا بَطْنَ رِئْمٍ، ثُمَّ قَدِمَ بِهِمَا قُبَاءَ عَلَى بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ (١).
* أَحْدَاثٌ جَرَتْ فِي الطَّرِيقِ إِلَى المَدِينَةِ:
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ، وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ (٢)، وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ (٣) يُعْرَفُ وَنَبِيُّ اللَّهِ -ﷺ- شَابٌّ (٤) لَا يُعْرَفُ، قَالَ: فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ
_________________
(١) أخرج ذلك الحاكم في المستدرك - كتاب الهجرة - باب ذكر مقامات مرور النبي -ﷺ- عند الهجرة - رقم الحديث (٤٣٣١) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ١٠٥) وإسناده حسن.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٢/ ٩١): كان النبي -ﷺ- أردَفَهُ تَشْرِيفًا له وتَنْوِيهًا بِقَدْرِه، وإلا فقد كان لأبي بكر ناقةٌ هاجَرَ عليها.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٦٤): يريد أنه قد شاب، وقوله: يُعرف، لأن أبا بكر -﵁- كان يمُرُّ على أهل المدينة في سفر التجارة، بخلاف النبي -ﷺ- فإنه كان بعيد العهد بالسفر من مكة. قلتُ: ويؤيِّد قولَ الحافظ ما رواه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٢٣٤) بسند صحيح على شرط مسلم عن أنس -﵁- قال: . . . وكان أبو بكر يُعرف في الطريق لاخِتَلافه إلى الشام.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٦٤): ظاهره أن أبا بكر -﵁- كان أسن من النبي -ﷺ-، وليس كذلك، فقد ثبت في صحيح مسلم - رقم الحديث (٢٣٥٢) - عن معاوية -﵁- قال: "مات أبو بكر -﵁- وهو ابن ثلاث وسِتِّين"، وكان قد عاش بعد النبي -ﷺ- سنتين وأشهرًا، فيلزم على الصحيح في سن أبي بكر أن يكون أصغَرَ من النبي -ﷺ- بأكثر من سَنَتين.
[ ٢ / ٦٠ ]
فَيَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ يَهْدِينِي السَّبِيلَ، قَالَ: فَيَحْسِبُ الحَاسِبُ أَنَّهُ إِنَّمَا يَعْنِي الطَّرِيقَ، وَإِنَّمَا يَعْنِي سَبِيلَ الخَيْرِ (١).
* شَأْنُ سُرَاقَةَ بنِ مَالِكٍ -﵁-:
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُرَاقَةَ بنِ مَالِكٍ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا جَالِسٌ فِي مَجْلِسٍ مِنْ مَجَالِسِ قَوْمِي بَنِي مُدْلِجٍ إِذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حَتَّى قَامَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ جُلُوسٌ، فَقَالَ: يَا سُرَاقَةُ، إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ آنِفًا أَسْوِدَةً (٢) بِالسَّاحِلِ أَرَاهَا مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ، قَالَ سُرَاقَةُ: فَعَرَفْتُ أَنَّهُمْ هُمْ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُمْ لَيْسُوا بِهِمْ (٣)، وَلَكِنَّكَ رَأَيْتَ فُلَانًا وَفُلَانًا انْطَلَقُوا يَبْتَغُونَ ضَالَّةً لَهُمْ. فَقَالَ الرَّجُلُ: لَعَلَّ، وَسَكَتَ.
قَالَ سُرَاقَةُ: ثُمَّ لَبِثْتُ فِي المَجْلِسِ سَاعَةً، ثُمَّ قُمْتُ فَدَخَلْتُ بَيْتِي فَأَمَرْتُ جَارِيَتِي أَنْ تُخْرِجَ لِي فَرَسِي، وَأَخَذْتُ رُمْحِي، فَخَرَجْتُ بِهِ أَتْبَعُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩١١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٢٣٤).
(٢) أسوِدَة: أي أشْخَاصًا. النهاية (٢/ ٣٧٧).
(٣) قلتُ: في إنكارِ سُرَاقة للسائل ما يدل على أنه أَرَادَ الجائِزَةَ لنفسه، وهي مائة نَاقَةٍ لمن يأتي بالنبي -ﷺ- وصاحبه حَيَّيْنِ أو مَيْتَيْنِ، وقد بَيَّنتْ رواية ابن إسحاق في السيرة (٢/ ١٠٣) ذلك، قال سُرَاقة: وكنت أرجو أن أرُدَّه على قريش، فآخُذَ المِئَة الناقة.
[ ٢ / ٦١ ]
وَصَاحِبَهُ أَبَا بَكْرٍ -﵁-. قَالَ سُرَاقَةُ: فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُمْ حَيْثُ يُسْمِعُهُمُ الصَّوْتُ، عَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، فَقُمْتُ فَأَهْوَيْتُ بِيَدِي إِلَى كِنَانَتِي، فَاسْتَخْرَجْتُ مِنْهَا الأَزْلَامَ، فَاسْتَقْسَمْتُ بِهَا، أَضُرُّهُمْ أَمْ لَا؟ فَخَرَجَ الذِي أَكْرَهُ: أَنْ لَا أَضُرَّهُمْ، فَرَكِبْتُ فَرَسِي، وَعَصَيْتُ الْأَزْلَامَ، فَرَفَعْتُهَا تُقَرِّبُ بِي، حَتَّى إِذَا دَنَوْتُ مِنْهُمْ، عَثَرَتْ بِي فَرَسِي، فَخَرَرْتُ عَنْهَا، فَقُمْتُ، وَرَكِبْتُ فَرَسِي، حَتَّى إِذَا دَنَوْتُ مِنْهُمْ، وَسَمِعْتُ قِرَاءَةً رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وهُوَ لَا يَلْتَفِتُ، وَأَبُو بَكْرٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الطَّلَبُ (١) قَدْ لَحِقَنَا، فَقَال -ﷺ-: "لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا".
حَتَّى إِذَا دَنَوْتُ مِنْهُمْ، فَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ قَدْرَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةِ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا، وَبَكَى، فَقَالَ -ﷺ-: "لِمَ تَبْكِي؟ ".
قَالَ: أَمَا وَاللَّهِ مَا عَلَى نَفْسِي أَبْكِي، وَلَكِنْ أَبْكِي عَلَيْكَ.
فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى سُرَاقَةَ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اكْفِنَاهُ بِمَا شِئْتَ" (٢).
قَالَ سُرَاقَةُ: فَسَاخَتْ (٣) يَدَا فَرَسِي فِي الأَرْضِ حَتَّى بَلَغتا الرُّكْبَتَيْنِ (٤)،
_________________
(١) الطَّلَبُ: أي أهلُ الطَّلَبِ. انظر النهاية (٣/ ١١٩).
(٢) وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣٩١١) قال رسول اللَّه -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ".
(٣) سَاخَتْ: أي غَاصَتْ. انظر النهاية (٢/ ٣٧٤).
(٤) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣٦١٥) - ومسلم - رقم الحديث =
[ ٢ / ٦٢ ]
فَخَرَرْتُ عَنْهَا، ثُمَّ زَجَرتُهَا (١)، فنَهَضَتْ (٢) فَلَمْ تَكَدْ تُخْرِجُ يَدَيْهَا، فَلَمَّا اسْتَوَتْ قَائِمَةً إِذَا لِأَثَرِ يَدَيْهَا عُثَانٌ (٣) سَاطِعٌ فِي السَّمَاءَ مِثْلُ الدُّخَانِ.
قَالَ سُرَاقَةُ: فَاسْتَقْسَمْتُ بِالأَزْلَامِ (٤)، فَخَرَجَ الذِي أَكْرَهُ، فنَادَيْتُهُمْ بِالأَمَانِ (٥)، فَوَقَفُوا، فَرَكِبْتُ فَرَسِي حَتَّى جِئْتُهُمْ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي حِينَ لَقِيتُ مِنَ الحَبْسِ عَنْهُمْ أَنْ سَيَظْهَرُ أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَعَلُوا فِيكَ الدِّيَةَ، وَأَخْبَرتُهُمْ أَخْبَارَ مَا يُرِيدُ النَّاسُ بِهِمْ، وَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ الزَّادَ
_________________
(١) = (٢٠٠٩) - قال أبو بكر -﵁-: فارتَطَمَتْ -أي غَاصَتْ- به فرسه إلى بطنِها، أُرى في جَلَد من الأرض. جَلَد من الأرض: أي أرض صلبة. انظر النهاية (١/ ٢٧٥).
(٢) زَجَرَهَا: أي حَثَّهَا. انظر النهاية (٢/ ٢٦٨).
(٣) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣٩١١) - قال أبو بكر الصديق -﵁-: فصَرَعه الفرس، ثم قامت تُحَمْحِمُ -الحَمْحَمَةُ: صوتُ الفَرَس دُونَ الصَّهِيل-. انظر النهاية (١/ ٤١٩).
(٤) عُثان: أي دُخان. انظر النهاية (٣/ ١٦٦).
(٥) الأزْلَام: هي القِدَاح التي كانت في الجاهلية عليها مكتوبٌ الأمر والنهي، افعل ولا تفعل، كان الرجل منهم يَضَعُهَا في وِعَاءٍ له، فإذا أراد سَفَرًا أو زَوَاجًا، أو أمرًا مهمًا أدخل يده فأخرج منها زِلمًا، فإن خرج الأمر مضى لشأنه، وإن خَرج النهي كَفَّ عنه، ولم يفعله. انظر النهاية (٢/ ٢٨١).
(٦) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣٦١٥) - ومسلم - رقم الحديث (٢٠٠٩)، قال سُراقة: إني أراكما قد دَعَوْتُمَا عليَّ، فادعوا لي، فاللَّه لكما أن أرد عنكما الطلَبَ، فدعا له النبي -ﷺ-، فنَجَا.
[ ٢ / ٦٣ ]
وَالمَتَاعَ، فَلَمْ يَرْزَآنِي (١)، وَلَمْ يَسْأَلَانِي إِلَّا أَنْ قَالَ: "أَخْفِ عَنَّا" (٢).
قَالَ سُرَاقَةُ: فَسَأَلْتُهُ أَنْ يَكْتُبَ لِي كِتَابَ أَمَانٍ، فَأَمَرَ عَامِرَ بنَ فُهَيْرَةَ فكَتَبَ لِي فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدَمٍ بَيْضَاءَ (٣)، ثُمَّ مَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.
فَجَعَلَ سُرَاقَةُ لَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا قَالَ: كَفَيْتُكُمْ مَا هُنَا، فَلَا يَلْقَى أَحَدًا إِلَّا رَدَّهُ، قَالَ: وَوَفَّى لَنَا. فَكَانَ أَوَّلَ النَّهَارِ جَاهِدًا عَلَى نَبِيِّ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَ آخِرَ النَّهَارِ مَسْلَحَةً (٤) لَهُ (٥).
* رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ مَشْهُورَةٌ:
وَأَمَّا الرِّوَايَةُ المَشْهُورَةُ عَنْ سُرَاقَةُ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لَهُ: "كَيْفَ
_________________
(١) فلم يَرْزَآنِي: أي لم يَسْأَلَانِي، ولم يأخُذَا مني شيئًا. انظر النهاية (٢/ ١٩٩).
(٢) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣٩١١) قال له رسول اللَّه -ﷺ-: "لا تتركنّ أحدًا يلحق بنا".
(٣) رقعة من أدم: أي من جلد. انظر لسان العرب (١/ ٩٦).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٥٣): أي حارسًا له بسلاحه.
(٥) أخرج مطاردة سراقة بن مالك -﵁- للرسول -ﷺ-: البخاري في صحيحه - كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام - رقم الحديث (٣٦١٥) - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٦) - (٣٩١١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الزهد والرقائق - باب في حديث الهجرة - رقم الحديث (٢٠٠٩) (٩١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣) - (١٧٥٩١) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - فصل هجرته -ﷺ- إلى المدينة - رقم الحديث (٦٢٨٠) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ١٠٣).
[ ٢ / ٦٤ ]
بِكَ إِذَا لَبِسْتَ سِوَارَيْ كِسْرَى؟ ".
فَلَمَّا كَانَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁-، وَفُتِحَتِ المَدَائِنُ جِيئَ بِسِوَارَيْ كِسْرَى إِلَى عُمَرَ -﵁-، فَدَعَا سُرَاقَةَ بنَ مَالِكٍ فَأَلْبَسَهُ إِيَّاهُمَا، وَقَالَ لَهُ: ارْفَعْ يَدَيْكَ، فَقَالَ: اللَّهُ أَكْبَرُ، الحَمْدُ للَّهِ الذِي سَلَبَهُمَا كِسْرَى بنَ هُرْمُزٍ، الذِي كَانَ يَقُولُ: أَنَا رَبُّ النَّاسِ، وَأَلْبَسَهُمَا سُرَاقَةَ بنَ مَالِكِ بنِ جُعْشُمٍ، أَعْرَابِيًّا مِنْ بَنِيُ مدْلِجٍ.
فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَوْرَدَهَا الحَافِظُ فِي الإِصَابَةِ (١)، وَابنُ عَبْدِ البَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ (٢)، بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ.
قُلْتُ: مَجِيءُ كُنُوزِ كِسْرَى إِلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- ثَابِتٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ البَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ عَوْفٍ قَالَ: لَمَّا أُتِيَ عُمَرُ -﵁- بِكُنُوزِ كِسْرَى، قَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ الأَرْقَمِ الزُّهْرِيُّ: أَلَا تَجْعَلُهَا فِي بَيْتِ المَالِ حَتَّى تَقْسِمَهَا؟
قَالَ: لَا يُظِلُّهَا سَقْفٌ حَتَّى أُمْضِيَهَا، فَأَمَرَ بِهَا، فَوُضِعَتْ فِي صُوحِ المَسْجِدِ، وَبَاتُوا يَحْرُسُونَهَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ، أَمَرَ بِهَا، فَكُشِفَ عَنْهَا، فَرَأَى فِيهَا مِنَ
_________________
(١) انظر الإصابة (٣/ ٣٥).
(٢) انظر الاستيعاب (٢/ ١٤٨).
[ ٢ / ٦٥ ]
الحَمْرَاءَ (١) وَالبَيْضَاءِ (٢) مَا يَكَادُ يَتَلَأْلَأُ مِنْهُ البَصرُ، قَالَ: فَبَكَى عُمَرُ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: مَا يُبْكِيكَ يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ؟ فَوَاللَّهِ إِنْ كَانَ هَذَا لَيَوْمُ شُكْرٍ، وَيَوْمُ سُرُورٍ، وَيَوْمُ فَرَحٍ، فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: كَلَّا إِنَّ هَذَا لَمْ يُعْطَهُ قَوْمٌ إِلَّا أُلْقِيَ بَيْنَهُمُ العَدَاوَةُ وَالبَغْضَاءُ. . . (٣).
* سُقْيَا اللَّبَنِ:
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- قَالَ: ارْتَحَلْنَا مِنْ مَكَّةَ، فَأَحْيَيْنَا (٤) أَوْ سَرَيْنَا لَيْلَتَنَا وَيَوْمَنَا حَتَّى أَظْهَرْنَا (٥) وَقَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ (٦)، فَرَمَيْتُ بِبَصَرِي هَلْ أَرَى مِنْ ظِلٍّ فَآوِي إِلَيْهِ، فَإِذَا صَخْرَةٌ (٧) أَتَيْتُهَا، فنَظَرْتُ بَقِيَّةَ ظِلٍّ لَهَا فَسَوَّيْتُهُ، ثُمَّ فَرَشْتُ (٨) لِلنَّبِيِّ -ﷺ- فِيهِ، ثُمَّ قُلْتُ
_________________
(١) الحمراء: الذهب. انظر النهاية (١/ ٤٢٠).
(٢) البيضاء: الفضة. انظر النهاية (١/ ٤٢٠).
(٣) أخرجه البغوي في شرح السنة - رقم الحديث (٢٧٤٢).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٧١): من الإحياء، أي أنهم لم يناموا الليل.
(٥) أظْهَرْنَا: أي إذا دخَل في وقتُ الظُّهر. انظر النهاية (٣/ ١٥٠).
(٦) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٣٣١): أي نصف النهار، وسُمي قائمًا لأن الظل لا يَظهر حينئذٍ فكأنه وَاقِف.
(٧) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣٦١٥)، قال أبو بكر -﵁-: فرُفِعَت لنا صخرة: أي ظَهَرت.
(٨) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣٦١٥) قال أبو بكر -﵁-: وبسطتُ عليه فَرْوَة، وقلت له: نَمْ يا رسول اللَّه.
[ ٢ / ٦٦ ]
لَهُ: اضْطَجِعْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَاضْطَجَعَ النَّبِيُّ -ﷺ-، ثُمَّ انْطَلَقْتُ أَنْظُرُ مَا حَوْلِي: هَلْ أَرَى مِنَ الطَّلَبِ أَحَدًا؟ فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي (١) غَنَمٍ يَسُوقُ غَنَمَهُ إِلَى الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا الذِي أَرَدْنَا (٢).
فَسَأَلْتُهُ فَقُلْتُ لَهُ: لِمَنْ أَنْتَ يَا غُلَامُ؟ فَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ سَمَّاهُ فَعَرَفْتُهُ، فَقُلْتُ: هَلْ فِي غَنَمِكَ مِنْ لَبَنٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَهَلْ أَنْتَ حَالِبٌ لَنَا (٣)؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَمَرْتُهُ. . . .
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٣٥٧): ذكر بعضهم أن هذا الرَّاعي هو عبد اللَّه بن مسعود -﵁-، وذكروا حديثه الذي أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٤١٢) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٣٥١) بسند حسن - عن ابن مسعود -﵁- أنه قال: كنتُ غُلَامًا يَافِعًا أرْعَى غَنَمًا لعقبةَ بنِ أَبِي مُعيط، فجاء النبي -ﷺ- وأبو بكر -﵁-، وقد فَرَّا من المشركين، فقالا: يا غلام، هل عندك من لَبَنٍ تسقينَا؟ قلت: إني مُؤْتَمَنٌ، ولستُ سَاقِيكُمَا، فقال النبي -ﷺ-: "هل عندكَ من جَذَعَةٍ لم يَنْزُ عليها الفَحْلُ"؟ قلت: نعم، فأتيتهما بها، . . . الحديث. وهذا لا يصح أن يفسر به الراعي في حديث البراء؛ لأن ذاك قِيل له: هل أنت حالبٌ؟ ففال: نعم، وهذا أشار بأنه غير حالبٍ، وذاك حلبَ من شاةٍ حَافِلٍ -أي كثيرة اللبن- وهذا من شَاةٍ لم تُطرق ولم تَحْمل، ثم إن في بقيةِ حديث ابن مسعود -﵁- ما يدلُّ على أن قِصته كانت قبل الهجرةِ لقوله فيه: ثم أتيته بعد هذا فقلت: يا رسول اللَّه علِّمني من هذا القول، فإن هذا يُشعر بأنها كانت قبل إسلام ابن مسعود -﵁-، وإسلامُ ابن مسعود كان قَدِيمًا قبل الهجرة بزَمَان، فبطل أن يكون هو صاحبَ القصة في الهجرة، واللَّه أعلم.
(٢) أراد الظل.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٣٣٢): الظاهر أن مُراده بهذا الاستفهام أمَعَك إذنٌ في الحَلْب لمن يَمُرُّ بك على سبيلِ الضيافة؟ ويحتمل أن يكون أبو بكر -﵁- لما عرفه -أي عرف سَيِّد الراعي- عرف رضاه بذلك بِصَداقته له أو إذْنِهِ العامِّ لذلك.
[ ٢ / ٦٧ ]
فَاعْتَقَلَ (١) شَاةً مِنْ غَنَمِهِ، ثُمَّ أَمَرْتُهُ أَنْ يَنْفُضَ ضَرْعَهَا (٢) مِنَ الغُبَارِ، ثُمَّ أَمَرتُهُ أَنْ يَنْفِضَ كَفَّيْهِ فَقَالَ هَكَذَا، ضَرَبَ إِحْدَى كَفَّيْهِ بِالأُخْرَى، فَحَلَبَ لِي (٣) كُثْبَةً (٤) مِنْ لَبَنٍ، وَقَدْ جَعَلْتُ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِدَاوَةً (٥) عَلَى فَمِهَا خِرْقَةٌ، فَصَبَبْتُ عَلَى اللَّبَنِ (٦) حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فَانْطَلَقْتُ بِهِ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فَوَافَقْتُهُ قَدِ اسْتَيْقَظَ، فَقُلْتُ: اشْرَبْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَشَرِبَ حَتَّى رَضِيتُ (٧).
ثُمَّ قُلْتُ: قَدْ آنَ الرَّحِيلُ (٨) يَا رَسُولَ اللَّهِ.
_________________
(١) اعتَقَلَ الشاة: هو أن يضَعَ رِجْلَهَا بين ساقِهِ وفخذه ثم يحلبها. انظر النهاية (٣/ ٢٥٥).
(٢) الضَّرْعُ: هو ثَدْيُ الشاة. انظر فتح الباري (٧/ ٣٣٢).
(٣) في رواية أخرى في صحيح البخاري، رقم الحديث (٣٦١٥)، قال أبو بكر -﵁-: فحَلَبَ في قَعْبٍ [والقَعْبُ: هو القدح الضخم. انظر لسان العرب (١١/ ٢٣٥)].
(٤) كُثْبَة: أي القليل من اللبن، والكُثْبَة: هي كل قليل جمعته من طعام أو لَبَن أو غير ذلك. انظر النهاية (٤/ ١٣٢).
(٥) الإِدَاوَة: بالكسر: هي إناءٌ صَغير من جِلد يُتَّخذ للماء. انظر النهاية (١/ ٣٦). وهذه الإدَاوَة كان فيها ماء، فقد جاء في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣٦١٥) قال أبو بكر -﵁-: ومعي إداوَةٌ حملتُهَا للنبي -ﷺ- يَرْتَوي منها يشْرَبُ ويَتَوَضَّأ.
(٦) أي صَببت الماء الذي في الإدَاوة على اللبن.
(٧) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٣/ ١٥٢): معناه شَرِبَ حتى عِلْمْتُ أنه شرب حاجتَهُ وكِفَايته. وقال الحافظ في الفتح (٧/ ٣٥٧): كأنها مُشعِرة بأنه أمْعَنَ -أي بالغ- في الشرب، وعادَتُه -ﷺ- المألوفُة كانت عدم الإمعَانِ.
(٨) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٣٥٧): أي دَخَلَ وقْته. وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣٦١٥) قال رسول اللَّه -ﷺ- لأبي بكر -﵁ -: "ألَمْ يأنِ لِلرَّحِيل؟ "، قلت: بلى. =
[ ٢ / ٦٨ ]
قَالَ: "بَلَى"، فَارْتَحَلْنَا وَالقَوْمُ يَطْلُبُونَنَا (١).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَفِي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - خِدْمَةُ التَّابِعِ الحُرِّ لِلْمَتْبُوعِ فِي يَقَظَتِهِ، وَالذَّبُّ عَنْهُ عِنْدَ نَوْمِهِ.
٢ - وَفِيهِ شِدَّةُ مَحَبَّةِ أَبِي بَكْرٍ -﵁-، لِلنَّبِيِّ -ﷺ-، وَأَدَبُهُ مَعَهُ، وَإِيثَارُهُ لَهُ عَلَى نَفْسِهِ.
٣ - وَفيهِ أَدَبُ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، وَاسْتِحْبَابُ التَّنْظِيفِ لِمَا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ.
٤ - وَفِيهِ اسْتِصْحَابُ آلَةِ السَّفَرِ، كَالإِدَاوَةِ وَالسُّفْرَةِ، وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِي التَّوَكُّلِ (٢).
* إِسْلَامُ الرَّاعِى:
رَوَى الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ وَالبَيْهَقِيُّ فِي الدَّلَائِلِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ عَنْ قَيْسِ بنِ النُّعْمَانِ قَالَ: لَمَّا انْطَلَقَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ
_________________
(١) = فيجمعُ بينهما بأن يكون النبي -ﷺ- بَدَأ فسأل، فقال له أبو بكر -﵁-: بلى، ثم أعادَ عليه بقوله: قَدْ آن الرحيل.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المناقب - باب علامات النبوة - رقم الحديث (٣٦١٥) - وأخرجه في كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب مناقب المهاجرين وفضلهم منهم أبو بكر - رقم الحديث (٣٦٥٢) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الأشربة - باب جواز شرب اللبن - رقم الحديث (٢٠٠٩).
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٣٥٧).
[ ٢ / ٦٩ ]
مُسْتَخْفِيَيْنِ مَرَّا بِعَبْدٍ يَرْعَى غَنَمًا فَاسْتَسْقَيَاهُ مِنَ اللَّبَنِ، فَقَالَ: مَا عِنْدِي شَاةٌ تُحْلَبُ غَيْرَ أَنَّ هَاهُنَا عَنَاقًا (١) حَمَلَتْ أَوَّلَ الشِّتَاءِ، وَقَدْ أَخْرَجَتْ، وَمَا بَقِيَ لَهَا لَبَنٌ، فَقَالَ: "ادْعُ بِهَا"، فَدَعَا بِهَا فَاعْتَقَلَهَا (٢) النَّبِيُّ -ﷺ- وَمَسَحَ ضَرْعَهَا (٣) وَدَعَا حَتَّى أَنْزَلَتْ، قَالَ: وَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- بِمِحْجَنٍ (٤)، فَحَلَبَ فَسَقَى أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ حَلَبَ فَسَقَى الرَّاعِي، ثُمَّ حَلَبَ فَشَرِبَ، فَقَالَ الرَّاعِي: بِاللَّهِ مَنْ أَنْتَ؟ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَكَ قَطُّ، فَقَالَ -ﷺ-: "أَوَتُرَاكَ تَكْتُمُ عَلَيَّ حَتَّى أَخْبِرُكَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: "فَإِنِّي مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ"، فَقَالَ الرَّاعِي: أَنْتَ الذِي تَزْعُمُ قُرَيْشٌ أَنَّهُ صَابِئٌ (٥)، فَقَالَ -ﷺ-: "إِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ ذَلِكَ"، فَقَالَ الرَّاعِي: فَأَشْهَدُ إِنَّكَ نَبِيٌّ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ حَقٌّ، وَإِنَّهُ لَا يَفْعَلُ مَا فَعَلْتَ إِلَّا نَبِيٌّ وَأَنَا مُتَّبِعُكَ، فَقَالَ -ﷺ-: "إِنَّكَ لَا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ فَإِذَا بَلَغَكَ أَنِّي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِنَا" (٦).
_________________
(١) العَنَاق: هي الأنْثَى من أولاد المَعْزِ ما لم يتمَّ له سَنة. انظر النهاية (٣/ ٢٨١).
(٢) اعتَقَل الشاة: هو أن يضعَ رِجْلها بين ساقِهِ وفخذِه ثم يَحلب، وقد مرَّ شرحها. انظر النهاية (٣/ ٢٥٥).
(٣) الضَّرْعُ: ثديُ الشاة، وقد مر شرحها. انظر فتح الباري (٧/ ٣٣٢).
(٤) المِحْجَنُ: عَصا مُعَقَّفَةُ الرأس. انظر النهاية (١/ ٣٣٥).
(٥) يُقال: صَبَأَ فلان: إذا خرَجَ من دينٍ إلى دينٍ غيره، وكانتِ العربُ تُسمي الرسول -ﷺ- الصابِئَ؛ لأنه خَرج من دينِ قُريش إلى دين الإسلام. انظر النهاية (٣/ ٣).
(٦) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الهجرة - باب ذكر مقامات مرور النبي -ﷺ- عند الهجرة - رقم الحديث (٤٣٣٢) - وأخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٤٩٧).
[ ٢ / ٧٠ ]
* قِصَّةُ أُمِّ مَعْبَدٍ الخُزَاعِيَّةُ:
أَكْمَلَ الرَّسُولُ -ﷺ- طَرِيقَهُ إِلَى المَدِينَةِ وَمَعَهُ صَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- وَعَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ -﵁-، وَالدَّلِيلُ عَبْدُ اللَّهِ بنُ أُرَيْقِطٍ، وَفِي الطَّرِيقِ مَرُّوا عَلَى خَيْمَةِ أَمٍّ مَعْبَدٍ الخُزَاعِيَّةِ، وَكَانَ مَنْزِلُهَا بِقُدَيْدٍ (١)، وَكَانَتْ امْرَأَةً بَرْزَةً (٢) جَلْدَةً (٣) تَحْتَبِي (٤) بِفِنَاءِ (٥) الخَيْمَةِ، ثُمَّ تَسْقِي وَتُطْعِمُ مَنْ مَرَّ بِهَا، فَسَأَلَاهَا: لَحْمًا وَتَمْرًا لِيَشْتَرُوا مِنْهَا، فَلَمْ يَجْدُوا عِنْدَهَا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، وَكَانَ القَوْمُ مُرْمِلِينَ (٦) مُسْنِتِينَ (٧)، فنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى شَاةٍ فِي جَانِبِ الخَيْمَةِ، فَقَالَ -ﷺ-: "مَا هَذِهِ الشَّاةُ يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟ "، قَالَتْ: شَاةٌ خَلَّفَهَا الجَهْدُ (٨) عَنِ الغَنَمِ، قَالَ -ﷺ-: "هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ؟ "، قَالَتْ: هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ -ﷺ-: "أَتأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلِبَهَا؟ "، قَالَتْ: إِنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلَبًا، فَاحْلِبْهَا، فَدَعَا بِهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَمَسَحَ بِيَدِهِ
_________________
(١) قُدَيدٌ: مُصَغَّرًا، وهو موضعٌ بين مكةَ والمدينة. انظر النهاية (٤/ ٢٠).
(٢) يُقال: امرأة بَرْزَة إذا كانت كَهْلة لا تَحْتَجِبُ احتِجَابَ الشَّوابِّ، وهي مع ذلك عَفِيفة عاقلة تجلسُ للناسِ وتُحَدِّثهم، من البُرُوزِ وهو الظُّهور والخروج. انظر النهاية (١/ ١١٨).
(٣) جَلْدَة: أي قوية في نفسها وجسمها. انظر النهاية (١/ ٢٧٥).
(٤) الاحتِبَاء: هو أن يَضُم الإنسان رِجليه إلى بَطْنِهِ بثوبٍ يجمعهما به مع ظَهره، ويَشُدُّه عليها، وقد يكون الاحتباءُ باليدين عِوَض الثوب. انظر النهاية (١/ ٣٢٤).
(٥) الفِنَاء: بكسر الفاء، وهو المُتَّسَع أمام الدار. انظر النهاية (٣/ ٤٢٨).
(٦) مُرْمِلِينَ: أي نَفِدَ زَادُهم. وأصله من الرَّمل، كأنهم لصقوا بالرمل. انظر النهاية (٢/ ٢٤٠).
(٧) مسْنِتِينَ: أي أصابتهم السَّنَة، والسَّنَة هي الجَدْبُ، يُقال أخذتهم السَّنَة إذا أجدبوا وأُقحطوا. انظر النهاية (٢/ ٣٧١).
(٨) الجَهْدُ: بفتح الجيم أي المشقَّة. انظر النهاية (١/ ٣٠٨).
[ ٢ / ٧١ ]
ضَرْعَهَا، وَسَمَّى اللَّهَ تَعَالَى، وَدَعَا لَهَا فِي شَاتِهَا، فتَفَاجَّتْ (١) عَلَيْهِ، وَدَرَّتْ فَاجْتَرَّتْ (٢)، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِإِنَاءٍ يُرْبِضُ الرَّهْطَ (٣)، فَحَلَبَ فِيهِ ثَجًّا (٤) حَتَّى عَلَاهُ البَهَاءُ (٥)، ثُمَّ سَقَاهَا حَتَّى رَوِيَتْ، وَسَقَى أَصْحَابَهُ حَتَّى رَوُوا، وَشَرِبَ آخِرَهُمْ حَتَّى أَرَاضُوا (٦)، ثُمَّ حَلَبَ فِيهِ ثَانِيَةً عَلَى هَدَّةٍ (٧) حَتَّى مَلأَ الإِنَاءَ، ثُمَّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا، وَارْتَحَلُوا عَنْهَا.
فَقَلَّ مَا لَبِثَتْ حَتَّى جَاءَ زَوْجُهَا أَبُو مَعْبَدٍ، يَسُوقُ أَعْنُزًا عِجَافًا (٨)، يَتَسَاوَكْنَ (٩) هِزَالًا، فَلَمَّا رَأَى أَبُو مَعْبَدٍ اللَّبَنَ عَجِبَ، فَقَالَ: مِنْ أَيْنَ لَكِ هَذَا يَا أُمَّ مَعْبَدٍ؟ وَالشَّاءُ عَازِبٌ (١٠) حَائِلٌ (١١)، وَلَا حَلُوبَ (١٢) فِي البَيْتِ؟
_________________
(١) التَفَاجُّ: المبالغة في تَفْرِيج ما بين الرجلين. انظر النهاية (٣/ ٣٧٠).
(٢) الجِرَّة: ما يُخرجُهُ البعيرُ من بطنهِ ليَمْضَغَهُ ثم يَبْلَعه، ومنه شاة أم معبد، انظر النهاية (١/ ٢٥١).
(٣) يُرْبِضُ الرَّهطَ: أي يَرويهم ويُثقلهم حتى يَنَاموا ويَمْتَدُّوا على الأرض. انظر النهاية (٢/ ١٦٩).
(٤) فَحَلَبَ فيه ثَجًّا: أي لَبَنًا سَائِلًا كثِيرًا. انظر النهاية (١/ ٢٠٢).
(٥) أرَاد بهاء اللبن، وهو بَرِيق رغوته. انظر النهاية (١/ ١٦٦).
(٦) أرَاضُوا: أي شَرِبوا حتى رَوَوْا. انظر النهاية (١/ ٤٢).
(٧) الهَدَّة: الصَّوت الشديد. انظر لسان العرب (١٥/ ٤٩).
(٨) عِجَافًا: جمعُ عَجْفَاء، وهي المَهْزُولَة من الغَنَم. انظر النهاية (٣/ ١٦٩).
(٩) يَتَسَاوَكْنَ: يُقالُ تَسَاوَكَت الإبل إذا اضْطَرَبَت أعنَاقُهَا من الهُزَالِ، أراد أنها تتمَايَلُ من ضَعْفِها. انظر النهاية (٢/ ٣٨١).
(١٠) عَازِبٌ: أي بعيدة المَرعى. انظر النهاية (٣/ ٢٠٥).
(١١) حَائِل: هي التي لم تَحْمل. انظر النهاية (٣/ ٢٠٥).
(١٢) ولا حَلُوب: أي ولا شاة تُحلب. انظر النهاية (١/ ٤٠٥).
[ ٢ / ٧٢ ]
قَالَتْ: لَا وَاللَّهِ إِلَّا أَنَّهُ مَرَّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ مِنْ حَالِهِ كَذَا وَكَذَا، فَقَالَ: صِفِيهِ لِي يَا أُمَّ مَعْبَدٍ، فَقَالَتْ: رَأَيْتُ رَجُلًا ظَاهِرَ الوَضَاءَةِ (١)، أَبْلَجَ الوَجْهِ (٢)، حَسَنَ الخَلْقِ، لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَةٌ (٣)، وَلَمْ تُزْرِيهِ (٤) صُعْلَةٌ (٥)، وَسِيمٌ (٦) قَسِيمٌ (٧)، فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ (٨)، وَفِي أَشْفَارِهِ (٩) وَطَفٌ (١٠)، وَفِي صَوْتِهِ صَهَلٌ (١١)، وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ (١٢)، وَفِي لحْيَتِهِ كَثَاثَةٌ (١٣)، أَزَجُّ (١٤)، أَقْرَنُ (١٥)، إِنْ صَمَتَ فَعَلَيْهِ
_________________
(١) الوَضَاءَة: هي الحُسن والبهجة. انظر النهاية (٥/ ١٦٩).
(٢) أبْلَج الوجه: أي مُشرِقُ الوجه مُسْفِرُه. انظر النهاية (١/ ١٤٩).
(٣) ثُجْلَة: أي ضخم البَطن. انظر النهاية (١/ ٢٠٢).
(٤) الإزدراءُ: الاحتقار والانتقاص والعيب. انظر النهاية (٢/ ٢٧٣).
(٥) صُعْلَة: هي صغرُ الرأس، وهي أيضًا الدِّقة والنُّحول في البدن. انظر النهاية (٣/ ٣٠).
(٦) الوَسَامة: هي الحُسْنُ الوضيءُ الثابت. انظر النهاية (٥/ ١٦١).
(٧) القَسَامة: هي الحُسن، ورجل مُقسَّم الوجه: أي جميلٌ كله، كأن كل موضِعٍ منه أخذَ قِسمًا من الجمال. انظر النهاية (٤/ ٥٦).
(٨) الدَّعَجُ والدُّعْجَةُ: هو السَّوَادُ في العين وغيرها، تريد أن سَوَادَ عينَيْهِ كان شديدَ السواد، وقيلَ الدَّعَجُ: شدَّة سوادِ العينِ في شِدَّةِ بياضها. انظر النهاية (٢/ ١١١).
(٩) الأشْفَارُ: هي جفنُ العينِ الذي يَنْبُتُ عليه الشعر. انظر النهاية (٢/ ٤٣٣).
(١٠) وَطَفٌ: أي أن في شعر أجفَانه طول. انظر النهاية (٥/ ١٧٧).
(١١) صَهَل: أي حِدَّة وصلابة. انظر النهاية (٣/ ٥٩).
(١٢) سَطَع: أي ارتفاعٌ وطول. انظر النهاية (٢/ ٣٢٩).
(١٣) الكثَاثَةُ في اللحية: أن تكون غير رقيقةٍ ولا طَوِيلة، ولكن فيها كَثَافة. انظر النهاية (٤/ ١٣٢).
(١٤) أَزَجُّ: أي تقوس في الحاجب مع طول في طرفه وامتداد. انظر النهاية (٢/ ٢٦٨).
(١٥) قال ابن الأثير في النهاية (٤/ ٤٨): جاء في صفته -ﷺ-: سَوابغ في غير قَرَن، القَرَن =
[ ٢ / ٧٣ ]
الوَقَارُ (١)، وَإِنْ تَكَلَّمَ سَمَاهُ وَعَلَاهُ البَهَاءُ (٢)، أَجْمَلُ النَّاسِ، وَأَبْهَاهُ مِنْ بَعِيدٍ، وَأَحْسَنُهُ وَأَجْمَلُهُ مِنْ قَرِيبٍ، حُلْوُ المَنْطِقِ (٣)، فَصْلًا (٤) لَا نَزْرَ (٥) وَلَا هَذَرَ (٦)، كَأَنَّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدَّرْنَ (٧)، رَبْعَةٌ (٨) لَا تَشْنَؤُهُ (٩) مِنْ طُولٍ، وَلَا تَقْتَحِمُهُ (١٠) عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ، غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ، فَهُوَ أَنْضَرُ (١١) الثَّلَاثَةِ مَنْظَرًا،
_________________
(١) = -بالتحريك- التقاءُ الحَاجبين، وهذا خلاف ما روت أمُّ معبد، فإنها قالت في صفته -ﷺ-: أَزَجُّ أقرن: أي مَقْرُون الحاجبين، والأول الصحيح في صفته -ﷺ-.
(٢) الوَقَارُ: هو الحِلْمُ والرَّزَانة. انظر النهاية (٥/ ١٨٥).
(٣) البهاءُ: المَنْظَرُ الحسَنُ الرائع المالِئُ للعين. انظر لسان العرب (١/ ٥٢٩).
(٤) المنطِقُ: الكلام. انظر لسان العرب (١٤/ ١٨٨).
(٥) فَصْلًا: أي بَيّن ظاهر، يفصلُ بين الحق والباطل. انظر النهاية (٣/ ٤٠٤). روى الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٠٧٧) - وأبو داود في سننه - كتاب الأدب - باب الهدي في الكلام - رقم الحديث (٤٨٣٩) بسند حسن عن عائشة ﵂ قالت: كان كلامُ النبي -ﷺ- فَصْلًا، يَفهمُهُ كل مَنْ سَمِعه.
(٦) النَّزْرُ: القليلُ، أي ليس بقليلٍ فيدل على عِيٍّ أي الجهل، ولا كثيرٍ فاسد. انظر النهاية (٥/ ٣٤).
(٧) هَذَرٌ: أي لا قَليل ولا كثير، والهَذَرَ، بالتحريك: الهَذَيان. انظر النهاية (٥/ ٢٢٢).
(٨) قال الدكتور محمد أبو شهبة في كتابه السيرة النبوية (١/ ٤٨٩): أي كلامه -ﷺ- مُتَناسق، ومُتَّصل بعضه ببعض، يُشبه في تناسقه الدُّرَّ، وفي تواليهِ الخَرَزَات إذا تَتَابعت.
(٩) رَبْعة: أي بينَ الطويل والقصير. انظر النهاية (٢/ ١٧٤).
(١٠) لا تَشْنَؤُهُ من طول: أي لا يُبْغَضُ لِفَرْطِ طُوله. انظر النهاية (٢/ ٤٥٠).
(١١) ولا تقتحمه عينٌ من قِصَر: أي لا تتجاوزهُ إلى غيره احتِقَارًا له، وكل شيء ازدريتَهُ فقد اقتَحَمْتَه. انظر النهاية (٤/ ١٨).
(١٢) النَّضَارَةُ: هي حُسن الوجه، والبريق. انظر النهاية (٥/ ٦١).
[ ٢ / ٧٤ ]
وَأَحْسَنُهُمْ قَدْرًا، لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفُّونَ (١) بِهِ، إِنْ قَالَ سَمِعُوا لِقَوْلهِ، وَإِنْ أَمَرَ تَبَادَرُوا إِلَى أَمْرِهِ، مَحْفُودٌ (٢) مَحْشُودٌ (٣)، لَا عَابِسَ (٤)، وَلَا مُفَنِّدَ (٥).
فَقَالَ أَبُو مَعْبَدٍ: هَذَا وَاللَّهِ صَاحِبُ قُرَيْشٍ الذِي ذُكِرَ لَنَا مِنْ أَمْرِهِ مَا ذُكِرَ، وَلَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَصْحَبَهُ، وَلَأَفْعَلَنَّ إِنْ وَجَدْتُ إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا.
وَأَصْبَحَ صَوْتٌ بِمَكَّةَ عَالِيًا، يَسْمَعُونَهُ وَلَا يَدْرُونَ مَنْ صَاحِبُهُ، وَهُوَ يَقُولُ:
جَزَى اللَّهُ رَبُّ النَّاسِ خَيْرَ جَزَائِهِ رَفِيقَيْنِ حَلَّا خَيْمَةَ أُمِّ مَعْبَدٍ
هُمَا نَزَلَا بِالغَارِ وَارْتَحَلَا بِهِ فَيَا سَعْدَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمَّدِ
فَيَالَ قُصَيٍّ مَا زَوَى اللَّهُ عَنْكُمُ بِهِ مِنْ فِعَالٍ لَا تُجَازُ وَسُؤْدَدِ
لِيَهْنَ أَبَا بَكْرٍ سَعَادَةَ جَدِّهِ بِصُحْبَتِهِ مَنْ يُسْعِدِ اللَّهُ يَسْعَدِ
سَلُو أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا فَإِنَّكُمْ إِنْ تَسْأَلُوا الشَّاةَ تَشْهَدِ
دَعَاهَا بِشَاةٍ حَائِلٍ فتَحَلَّبَتْ عَلَيْهِ صَرِيحًا دَرَّةُ الشَّاةِ مُزْبِدِ
_________________
(١) يَحُفُّون به: يُحِيطون به من جميعِ جوانبه. انظر لسان العرب (٣/ ٢٤٤).
(٢) المَحْفُودُ: الذي يَخْدِمه أصحابه ويُعظمونه ويُسرعُون في طاعته. انظر النهاية (١/ ٣٩٠).
(٣) المَحْشُودُ: أي أن أصحابه يخدمونه ويجتمعون إليه. انظر النهاية (١/ ٣٧٣).
(٤) العَابِسُ: الكريهُ المَلْقى، مُقَطِّب الوجه. انظر النهاية (٣/ ١٥٦).
(٥) مفنِّد: هو الذي لا فائدةَ من كلامه لكِبْرٍ أصَابه. انظر النهاية (٣/ ٤٢٧). ومنه قوله تعالى في سورة يوسف آية (٩٤) على لسان يعقوب ﵇: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾.
[ ٢ / ٧٥ ]
قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵂: مَكَثْنَا ثَلَاثَ لَيَالٍ، وَمَا نَدْرِي أَيْنَ وُجِّهَ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنَ الجِنِّ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ فَأَنْشَدَهُ هَذِهِ الأَبْيَاتَ، وَالنَّاسُ يَتْبَعُونَهُ يَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَمَا يَرَوْنَهُ حَتَّى خَرَجَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ، قَالَتْ: فَلَمَّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ عَرَفْنَا حَيْثُ وُجِّهَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَنَّ وَجْهَهُ إِلَى المَدِينَةِ (٢).
* إِسْلَامُ بُرَيْدَةَ بنِ الحُصِيبِ -﵁-:
أَخْرَجَ ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ عَنْ عَاصِمٍ الْأَسْلَمِيِّ قَالَ: لَمَّا هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ فَانْتَهَى إِلَى الغَمِيمِ (٣) أَتَاهُ بُرَيْدَةُ بنُ الحُصَيْبِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الإِسْلَامِ، فَأَسْلَمَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ، وَكَانُوا زُهَاءَ (٤) ثَمَانِينَ بَيْتًا، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- العِشَاءَ، فَصَلُّوا خَلْفَهُ (٥).
وَأَقَامَ بُرَيْدَةُ -﵁- بِأَرْضِ قَوْمِهِ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَعْدَ أُحُدٍ، فَشَهِدَ مَعَهُ مَشَاهِدَهُ، وَشَهِدَ الحُدَيْبِيَةَ، وَبَيْعَةَ الرِّضْوَانِ.
_________________
(١) أينَ وجّه: أي أين تَوجه. انظر النهاية (٥/ ١٣٩).
(٢) أخرج قصة أم معبد: الحاكم في المستدرك - كتاب الهجرة - باب حديث أم معبد في الهجرة - رقم الحديث (٤٣٣٣) - والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٤٩١) - وابن سعد في طبقاته (١/ ١١١) - وإسنادها حسن.
(٣) الغَمِيم: بفتح أوله وكسر ثانيهِ هو موضعٌ قرب المدينة بين رَابِغَ والجُحْفة. انظر معجم البلدان (٣/ ٣٩٨).
(٤) زُهَاء: أي قَدْر. انظر النهاية (٢/ ٢٩١).
(٥) انظر الطبقات الكبرى (٤/ ٤٤١) - الإصابة (١/ ٤١٨) - سير أعلام النبلاء (٢/ ٤٦٩).
[ ٢ / ٧٦ ]
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ -﵁- قَالَ: غَزَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- سِتَّ عَشْرَةَ غَزْوَةً (١).
وَكَانَ بُرَيْدَةُ -﵁- مِمَّنْ تَطَاوَلَ لِأَخْذِ اللِّوَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ، عَنْ بُرَيْدَةَ -﵁- قَالَ: حَاصَرْنَا خَيْبَرَ، فَأَخَذَ اللِّوَاءَ أَبُو بَكْرٍ، فَانْصَرَفَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَهُ مِنَ الغَدِ عُمَرُ، فَخَرَجَ، فَرَجَعَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ، وَأَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ شِدَّةٌ وَجَهْدٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنِّي دَافِعٌ اللِّوَاءَ غَدًا إِلَى رَجُلٍ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، لَا يَرْجعُ حَتَّى يُفْتَحَ لَهُ".
فَبِتْنَا طَيِّبَةً أَنْفُسُنَا أَنَّ الفَتْحَ غَدًا، فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، صَلَّى الغَدَاةَ، ثُمَّ قَامَ قَائِمًا، فَدَعَا بِاللِّوَاءِ وَالنَّاسُ عَلَى مَصَافِّهِمْ، فَدَعَا عَلِيًّا وَهُوَ أَرْمَدُ (٢)، فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ، وَدَفَعَ إِلَيْهِ اللِّوَاءَ، وَفُتِح لَهُ.
قَالَ بُرَيْدَةُ -﵁-: وَأَنَا فِيمَنْ تَطَاوَلَ لَهَا (٣).
وَكَانَ بُرَيْدَةُ -﵁- مِنْ سَاكِنِي المَدِينَةِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إِلَى البَصْرَةِ، وَابْتَنَى بِهَا دَارًا، ثُمَّ خَرَجَ غَازِيًا إِلَى خُرَاسَانَ، فَأَقَامَ بِمَرْوٍ حَتَّى مَاتَ وَدُفِنَ فِيهَا، وَهُوَ آخِرُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب كم غزا النبي -ﷺ-، رقم الحديث (٤٤٧٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب عدد غزوات النبي -ﷺ-، رقم الحديث (١٨١٤) (١٤٧) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٩٥٣).
(٢) الرَّمَدُ: هو وجعُ العينِ وانتِفَاخُها. انظر لسان العرب (٥/ ٣١١).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٩٩٣).
[ ٢ / ٧٧ ]
مَنْ مَاتَ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي خُرَاسَانَ، وَكَانَ ذَلِكَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ لِلْهِجْرَةِ (١).
* إِهْدَاءُ الزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ ثِيَابًا لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبِي بَكْرٍ -﵁-:
وَقَبْلَ قُدُومِ الرَّسُولِ -ﷺ- المَدِينَةَ، لَقِيَ الزُّبَيْرَ بنَ العَوَّامِ -﵁-، فِي رَكْبٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، كَانُوا تُجَارًا قَافِلِينَ (٢) مِنَ الشَّامِ، فكَسَا الزُّبَيْرُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَبَا بَكْرٍ ثِيَابًا بَيَاض (٣).
وَعِنْدَ ابنِ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا ارْتَحَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الخَرَّارِ (٤) فِي هِجْرَتِهِ إِلَى المَدِينَةِ، فَكَانَ مِنَ الغَدِ لَقِيَهُ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ -ﷺ-، قَادِمًا مِنَ الشَّامِ فِي عِيرٍ (٥)، فكسَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبَا بَكْرٍ مِنْ ثِيَابِ الشَّامِ، وَخَبَّرَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنَّ مَنْ بِالْمَدِينَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ، قِدِ اسْتَبْطَؤُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَعَجَّلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- السَّيْرَ، وَمَضَى طَلْحَةُ -﵁- إِلَى مَكَّةَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ حَاجَتِهِ، ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ ذَلِكَ مَعَ آلِ أَبِي بَكْرٍ -﵁-، فَهُوَ الذِي قَدِمَ بِهِمُ المَدِينَةَ (٦).
_________________
(١) انظر الإصابة (١/ ٤١٨) - أسد الغابة (١/ ٢٠٣).
(٢) قافِلِينَ: أي رَاجِعين. انظر النهاية (٤/ ٨٢).
(٣) أخرج ذلك: البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٦) - والحاكم في المستدرك كتاب الهجرة، باب استقبال الأنصار لرسول اللَّه -ﷺ- رقم الحديث (٤٣٣٤) - والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٤٩٨).
(٤) الخَرّارُ: بفتح الخاء وتشديد الراء الأولى: موضعٌ قُرب الجحفة. انظر النهاية (٢/ ٢١).
(٥) العِيرُ: هي الإبل والدوابُّ التي كانوا يُتاجرون عليها. انظر النهاية (٣/ ٢٩٧).
(٦) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ١١٥) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٤٩٨).
[ ٢ / ٧٨ ]
نُزُولُ الرَّسُولِ -ﷺ- وصَاحِبِهِ أَبِي بَكْرٍ -﵁- فِي قُبَاءَ (١)
وَكَانَ الأَنْصَارُ لَمَّا بَلَغَهُمْ مَخْرَجُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ مَكَّةَ مُهَاجِرًا إِلَى المَدِينَةِ، يَخْرُجُونَ كُلَّ يَوْمٍ إِذَا صَلُّوا الصُّبْحَ إِلَى الحَرَّةِ (٢) يَنْتَظِرُونَهُ أَوَّلَ النَّهَارِ، فَإِذَا اشْتَدَّ الحَرُّ رَجَعُوا إِلَى مَنَازِلهِمْ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ رَبِيعِ الأَوَّلِ (٣) سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنَ البِعْثَةِ -وَهِيَ السَّنَةُ الأُولَى مِنَ الهِجْرَةِ، المُوَافِق الثَّالِثِ وَالعِشْرِينَ مِنْ سِبْتَمْبَرَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَسِتُمِائَةٍ مِنَ المِيلَادِ- خَرَجُوا عَلَى عَادَتِهِمْ، فَلَمَّا حَمِيَ الحَرُّ رَجَعُوا، فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى بُيُويهِمْ أَوْفَى (٤) رَجُلٌ مِنْ يَهُودَ عَلَى أُطُمٍ (٥) مِنْ آطَامِهِمْ، لِأَمْرٍ يَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَرَأَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابَهُ مُبيِّضِينَ (٦) يَزُولُ بِهِمُ السَّرَابُ (٧)، فَلَمْ يَمْلِكِ اليَهُودِيُّ أَنْ صَرَخَ
_________________
(١) قُبَاء: بضم القاف، سُمِّي بذلك لوجودِ بِئْرٍ هناكَ عُرفت القرية بها، وهي مساكن بني عمرِو بنِ عوفٍ من الأنصار، وهي قرية على ميلينِ من المدينةِ على يسارِ القاصد إلى مكة. انظر معجم البلدان (٧/ ١٤).
(٢) الحَرَّة: هي أرضٌ بظاهرِ المدينةِ بها حجارة سُود كثيرة. انظر النهاية (١/ ٣٥١).
(٣) هذا هو المشهورُ من رواية ابن إسحاق في السيرة (٢/ ١٠٥) - وانظر فتح الباري (٧/ ٦٥٥).
(٤) أوْفَى: أي طَلع إلى مكان عالٍ فأشرفَ منه. انظر لسان العرب (١٥/ ٣٥٩).
(٥) أُطُم: هو الحِصْن. انظر النهاية (١/ ٥٧).
(٦) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٥٤): أي عليهم الثياب البيض التي كسَاهم إياها الزُّبير وطلحة.
(٧) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٥٤): أي يزولُ السَّراب عن النظرِ بسبب عُرُوضهم له، =
[ ٢ / ٧٩ ]
بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا مَعْشَرَ العَرَبِ (١)، هَذَا جَدُّكُمْ (٢) الذِي تَنْتَظِرُونَ، فَثَارَ المُسْلِمُونَ إِلَى السِّلَاحِ، فتَلَقَّوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بِظَهْرِ الحَرَّةِ، وَسُمْعَتِ الرَّجَّةُ (٣) وَالتَّكْبِيرُ فِي بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ، وَكَبّرَ المُسْلِمُونَ فَرَحًا بِقُدُومِ الرَّسُولِ -ﷺ-، وَخَرَجُوا لِلِقَائِهِ، فَتَلَقَّوْهُ وَحَيَّوْهُ بِتَحِيَّةِ النُّبُوَّةِ، فَطَفِقَ (٤) مَنْ جَاءَ مِنَ الأَنْصَارِ، مِمَّنْ لَمْ يَرَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَبَا بَكْرٍ، حَتَّى أَصَابَتِ الشَّمْسُ (٥) رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى ظَلَّلَ عَلَيْهِ بِرِدَائِهِ، فَعَرَفَ النَّاسُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- (٦)
_________________
(١) = وقيل معناهُ: ظهرَتْ حركَتُهُم للعين.
(٢) في رواية ابن إسحاق في السيرة (٢/ ١٠٦): يا بَنِي قَيْلَة: بفتح القاف وهي الجَدَّة الكبرى للأنصارِ والِدَةُ الأوسِ والخَزْرَجِ، وهي قَيْلةُ بنتُ كَاهِلٍ.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٥٤): جدكم: بفتح الجيم أي حَظكم، وصاحبُ دَوْلَتكم الذي تتوقَّعُونه.
(٤) الرَّجَّةُ: الحركة الشديدة. انظر النهاية (٢/ ١٨١). ومنه قوله تعالى في سورة الواقعة آية (٤): ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا﴾.
(٥) فطَفِقَ: أي فجَعَلَ. انظر لسان العرب (٨/ ١٧٤).
(٦) قُلتُ: وقَع في رواية الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الزهد والرقائق - باب في حديث الهجرة - رقم الحديث (٣٠٠٩) عن البراء بن عازب ﵄، عن الرسول -ﷺ- أنه قال: "فقدِمْنَا المدينةَ ليلًا". قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٥٥): ويجمعُ بينهما بأن القُدُوم كان آخرَ الليل فدخل نهارًا.
(٧) قال الشيخ علي الطنطاوي في كتابه رجال من التاريخ ص ١٨: لأنه -ﷺ- لم يَكُن مَلِكًا، ولا يلبسُ الحَرِير، ولا تلوحُ عليه شاراتُ المُلْك، ولا يتألقُ على جبينه التَّاج، بل كان عَبْدًا للَّه مُتَواضعًا، يَلْبَسُ ما يلبسُ الناس، ويأكلُ ما يأكلونَ، ويَجُوع إن جاعوا، ويشْبَع إن شَبِعوا، ولقد كان فىِ أصحابه الأغنياء المُوسِرون، ولكن محمدًا -ﷺ- أحبَّ أن يعيش فقيرًا، وأن يَمُوت فقيرًا.
[ ٢ / ٨٠ ]
عِنْدَ ذَلِكَ، فَأَحْدَقُوا بِهِ مُطِيفِينَ حَوْلَهُ، وَالسَّكِينَةُ تَغْشَاهُ، وَالوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ (١).
* مَنْزِلُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَصَاحِبِهِ:
نزلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى كُلْثُومِ بنِ الهِدْمِ (٢) أَحَدِ بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ، وَقِيلَ: بَلْ نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بنِ خَيْثَمَةَ (٣)، وَالأَوَّلُ أَثْبَتُ.
يَقُولُ مَنْ يَذْكُرُ أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى كُلْثُومٍ: إِنَّمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِ كُلْثُومٍ جَلَسَ لِلنَّاسِ فِي بَيْتِ سَعْدِ بنِ خَيْثَمَةَ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ عَزَبًا لَا أَهْلَ
_________________
(١) سورة التحريم آية (٩). وأخرج ذلك كله: البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٦) - والحاكم في المستدرك - كتاب الهجرة - باب استقبال الأنصار لرسول اللَّه -ﷺ- رقم الحديث (٤٣٣٤) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ١٠٦) - وانظر زاد المعاد (٣/ ٥٢).
(٢) قال الحافظ في الإصابة (٥/ ٤٦٢): الهِدْم: بكسر الهاء وسكون الدال، وهو كلثومُ بن الهِدْمِ الأنصاري، نزلَ عليه النبي -ﷺ- حين قُدُومه في هجرته من مكة إلى المدينة، توفي كُلْثُوم بن الهِدْم -﵁- قبل غزو بدرٍ الكبرى بيَسِير، وقيل: إن كلثومَ بنَ الهِدْم أول مَن ماتَ من أصحاب النبي -ﷺ- بعد قدومه المدينة، ولم يدرك شيئًا من المَشَاهد.
(٣) هو سعدُ بن خيثَمَة الأنصار الأوسي البَدْرِي، كان أحد النُّقباء الاثنى عشر يوم العقبة، وشهد غزوة بدر الكبرى، واستشهد بها -﵁-. قال الحافظ ابن حجر: وزَعَم أبو نعيم أن سعدَ بن خيثمةَ هذا هو أبو خيثمة الذي تخَلَّفَ يوم تبوكٍ ثم لَحِقَ، والحَق أنه غيره، لإطباق أهلِ السِّيَر على أن صاحب هذه الترجمة استشهدَ ببدر. انظر الإصابة (٣/ ٤٦).
[ ٢ / ٨١ ]
لَهُ، وَكَانَ مَنْزِلَ العُزَّابِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ المُهَاجِرِينَ، فَمِنْ هُنَالِكَ يُقَالُ: نَزَلَ عَلَى سَعْدِ بنِ خَيْثَمَةَ، وَكَانَ يُقَالُ لِبَيْتِ سَعْدِ بنِ خَيْثَمَةَ بَيْتَ العُزَّابِ، فَاللَّهُ أُعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ (١).
أَمَّا أَبُو بَكْرٍ -﵁-، فنَزَلَ عَلَى خَارِجَةَ بنِ زَيْدٍ، أَخِي بَنِي الحَارِثِ بنِ الخَزْرَجِ بِالسُّنْحِ (٢)، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَتَزَوَّجَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- بَعْدَ ذَلِكَ حَبِيبَةَ بِنْتَ خَارِجَةَ بنِ زَيْدٍ ﵂، وَوَلَدَتْ لَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ، وَكَانَ وِلَادَتُهَا بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي بَكْرٍ -﵁- (٣).
رَوَى الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- ماتَ، وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ. . . (٤).
وَرَوَى الْإِمَامُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: نَحَلَنِي أَبِي جَادَّ (٥). . . .
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٠٦) - شرح المواهب (٢/ ١٥٦).
(٢) السُّنْحُ: بضم السين، موضع بعَوَالي المدينة فيه منازِل بني الحارث بن الخزرج. انظر النهاية (٢/ ٣٦٦).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٠٧).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب قول النبي -ﷺ-: "لو كنت متخذًا خليلًا" - رقم الحديث (٣٦٦٧).
(٥) الجاد: نخل يُجَدُّ منه -أي يقطع من ثمرته- مقدار معلوم. انظر جامع الأصول (٤/ ١١٠).
[ ٢ / ٨٢ ]
عِشْرِينَ وَسْقًا (١) مِنْ مَالِهِ بِالْغَابَةِ (٢)، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ، قَالَ لَهَا: . . . إِنَّمَا هُوَ الْآنَ مَالُ وَارِثٍ، وَإِنَّمَا هُوَ أَخَوَاكِ (٣) وَأُخْتَاكِ (٤)، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى، قَالَتْ: فَقُلْتُ: يَا أَبَتِ، إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ فَمَنِ الْأُخْرَى؟
قَالَ: ذَو بَطْنٍ (٥) بِنْتُ خَارِجَةَ، أُرَاهَا جَارِيَةً، ثُمَّ أَوْصَى أَنْ تُغَسِّلَهُ امْرَأَتُه -وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ الْخَثْعَمِيَّةُ ﵂- (٦).
وَقِيلَ: نَزَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- عَلَى خُبَيْبِ بنِ إِسَافٍ الأَنْصَارِيِّ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ، لِأَنَّ خُبَيْبًا كَانَ مُشْرِكًا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ، وَلَمْ يُسْلِمْ بَعْدُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثَارِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ -لَكِنْ يَتَحَسَّنُ بِشَوَاهِدِهِ- عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ خُبَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ يُرِيدُ غَزْوًا، أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ قَوْمِي، وَلَمْ نُسْلِمْ، فَقُلْنَا: إِنَّا نَسْتَحْيِي
_________________
(١) الوَسْقُ: بفتح الواو وسكون السين ستون صاعًا. انظر النهاية (٥/ ١٦١).
(٢) الغابة: موضع قرب المدينة من ناحية الشام فيه أموال لأهل المدينة. انظر معجم البلدان (٦/ ٣٧٣).
(٣) إخوة عائشة الذكور: عبد الرحمن، ومحمد الذي ولد في حجة الوداع من أسماء بنت عميس، وأما عبد اللَّه الذي كان يأتي بالأخبار لرسول اللَّه -ﷺ- في الهجرة، فقد استشهد في غزوة الطائف.
(٤) أما أُختاها ﵂: أسماء، وأم كلثوم.
(٥) ذو بطن: أي التي في بطن حبيبة بنت خارجة.
(٦) أخرجه الإمام مالك في الموطأ - كتاب الأقضية - باب ما لا يجوز من النحل - رقم الحديث (٤٠) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٢٠٨٠) - وأورده الحافظ في الفتح (٥/ ٥٣٢) وصحح إسناده.
[ ٢ / ٨٣ ]
أَنْ يَشْهَدَ قَوْمُنَا مَشْهَدًا لَا نَشْهَدُهُ مَعَهُمْ، فَقَالَ -ﷺ-: "أَوَأَسْلَمْتُمَا؟ " قُلْنَا: لَا، فَقَالَ -ﷺ-: "فَلَا نَسْتَعِينُ بِالْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ" قَالَ: فَأَسْلَمْنَا، وَشَهِدْنَا مَعَهُ. . . . (١).
* * *
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٧٦٣) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٥٧٧).
[ ٢ / ٨٤ ]
فَضْلُ وَمَكَانَةُ المُهَاجِرِينَ
هَذَا هُوَ حَدِيثُ الهِجْرَةِ التِي كَانَتْ فَاتِحَةَ تَارِيخٍ جَلِيل لَمْ يُكْتَبْ مِثْلُهُ، . . . وَكَانَتِ الهِجْرَةُ النُّقْطَةَ الفَاصِلَةَ فِي التَّارِيخِ بَيْنَ عَهْدٍ مُظْلِمٍ مُضْطَرِبٍ تُحْتَضَرُ فِيهِ الحَضَارَةُ، وَعَهْدٍ زَاهِرٍ سَعِيدٍ وُلدَتْ فِيهِ حَضَارَةٌ جَدِيدَةٌ أَضَاءَتْ لِلْعَالَمِ طَرِيقَ المَجْدِ وَالفَلَاحِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَانَ المُهَاجِرُونَ الذِينَ تركُوا دُورَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَبِلَادَهُمْ وَأَوْطَانَهُمْ، وَخَرَجُوا مُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَفْضَلَ المُسْلِمِينَ، وَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً، وَأَكْثرهُمْ ثَوَابًا (١).
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ (٢).
قَالَ الإِمَامُ البَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: خَرَجُوا إِلَى دَارِ الهِجْرَةِ طَلَبًا لِرِضَا اللَّهِ ﷿ (٣).
وَقَالَ قَتَادَةُ: هَؤُلَاءَ المُهَاجِرِينَ الذِينَ تركُوا الدِّيَارَ وَالأَمْوَالَ وَالعَشَائِرَ
_________________
(١) انظر كتاب "أبو بكر الصديق" للشيخ علي الطنطاوي رحمه اللَّه تعالى ص ١١٤.
(٢) سورة الحشر آية (٨).
(٣) انظر تفسير البغوي (٤/ ٣٥٨).
[ ٢ / ٨٥ ]
وَخَرَجُوا حُبًّا للَّهِ وَلرَسُولهِ -ﷺ-، وَاخْتَارُوا الإِسْلَامَ عَلَى مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ شِدَّهٍ، حَتَّى ذُكِرَ لَنَا أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَعْصِبُ (١) الحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ لِيُقِيمَ بِهِ صُلْبَهُ مِنَ الجُوعِ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَتَّخِذُ الحَفِيرَةَ (٢) فِي الشِّتَاءِ مَا لَهُ دِثَارٌ (٣) غَيْرُهَا (٤).
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ صَعَالِيكِ (٥) المُهَاجِرِينَ بِالفَوْزِ التَّامِّ يَوْمَ القِيَامَةِ، تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ بِنِصْفِ يَوْمٍ، وَذَلِكَ مِقْدَارُ خَمْسَمِائَةِ سَنةٍ" (٦).
* هِجْرَةُ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁-:
أَمَّا عَلِيُّ بنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، فَقَدْ أَقَامَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ لَيِالٍ وَأَيَّامِهَا، حَتَّى أَدَّى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الوَدَائِعَ التِي كَانَتْ عِنْدَهُ لِلنَّاسِ، ثُمَّ لَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأَدْرَكَهُ فِي قُبَاءَ، فنَزَلَ مَعَهُ عَلَى كُلْثُومِ بنِ الهِدْمِ -﵁- (٧).
_________________
(١) يَعْصِبُ: أي يَشُدُّ. انظر لسان العرب (٩/ ٢٣١).
(٢) الحفيرة: هي البِئْر الموسعة. انظر لسان العرب (٣/ ٢٣٦).
(٣) الدِّثَار: هو الثّوبُ الذي يُسْتَدْفَأ به. انظر لسان العرب (٤/ ٢٩٠).
(٤) انظر تفسير البغوي (٤/ ٣٥٨).
(٥) الصُّعْلوكُ: هو الفقيرُ الذي لا مالَ له. انظر لسان العرب (٧/ ٣٥٠).
(٦) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٦٠٤) - والبغوي في شرح السنة - (١٤/ ١٩٢).
(٧) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٠٧).
[ ٢ / ٨٦ ]
* مِنْ فَضَائِلِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ (١) -﵁-:
وَقَدْ لَاحَظَ سَيِّدُنَا عَلِيٌّ -﵁- مُدَّةَ إِقَامَتِهِ بِقُبَاءَ امْرَأَةً مُسْلِمَةً لَا زَوْجَ لَهَا، وَرَأَى إِنْسَانًا يَأْتيهَا مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَيَضْرِبُ عَلَيْهَا بَابَهَا، فتَخْرُجُ إِلَيْهِ فَيُعْطِيهَا شَيْئًا مَعَهُ، فَتَأْخُذُهُ، قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: فَاسْترَبْتُ (٢) بِشَأْنِهِ، فَقُلْتُ لَهَا: يَا أَمَةَ اللَّهِ! مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الذِي يَضْرِبُ عَلَيْكِ بَابَكِ كُلَّ لَيْلَةٍ، فتَخْرُجِينَ إِلَيْهِ فيعْطِيكِ شَيْئًا لَا أَدْرِي مَا هُوَ، وَأَنْتِ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ لَا زَوْجَ لَكِ؟
قَالَتْ: هَذَا سَهْلُ بنُ حُنَيْفِ بنِ وَاهِبٍ، قَدْ عَرَفَ أَنِّي امْرَأَةٌ لَا أَحَدَ لِي، فَإِذَا أَمْسَى عَدَا عَلَى أَوْثَانِ قَوْمِهِ فكسَرَهَا، ثُمَّ جَاءَنِي بِهَا، فَقَالَ: احْتَطِبِي بِهَذَا، فَكَانَ عَلِيٌّ -﵁- يَأْثِرُ (٣) ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ -﵁-، حِينَ هَلَكَ عِنْدَهُ بِالعِرَاقِ (٤).
وَقَدْ كَانَ لَا يَزَالُ بِالمَدِينَةِ مَقْدَمَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَوْثَانٌ يَعْبُدُهَا رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ، فَأَقْبَلَ قَوْمُهُمْ عَلَى تِلْكَ الأَوْثَانِ فَهَدَمُوهَا.
_________________
(١) هو سَهْلُ بن حُيفٍ الأوسي الأنصاري، من السابقين، شَهِد بدرًا وثبت يوم أُحد حين انكشفَ الناس، وبايعَ يومئذ على الموت، وكان ينفحُ عن رسول اللَّه -ﷺ- بالنَّبْلِ، وشهد أيضًا الخندق، والمشاهد كلها، واستخلفَهُ علي -﵁- على البصرة بعد معركةِ الجَمَل، ثم شهد معه صِفِّين. توفي -﵁- بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلى عليه عليّ -﵁-. انظر أسد الغابة (٢/ ٣٨٨).
(٢) استرَبْتُ: أي شَكَكْتُ بشأنِهِ. انظر النهاية (٢/ ٢٦٠).
(٣) يأثِر ذلك: أي يَرْوِي ويحكي عنه ذلك. انظر النهاية (١/ ٢٦).
(٤) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٠٧).
[ ٢ / ٨٧ ]
* هِجْرَةُ صُهَيْبٍ الرُّومِيِّ -﵁-:
لَمَّا أَرَادَ صُهَيْبُ بنُ سِنَانٍ الرُّومِيُّ -﵁- الهِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى المَدِينَةِ، صَدَّهُ نَاسٌ مِنْ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، قَالُوا له: أَتَيْتَنَا صُعْلُوكًا حَقِيرًا، فكَثُرَ مَالُكَ عِنْدَنَا، وَبَلَغْتَ الذِي بَلَغْتَ، ثُمَّ تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ بِمَالِكَ وَنَفْسِكَ، وَاللَّهِ لَا يَكُونُ ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُمْ صهَيْبٌ -﵁-: أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي أَتُخْلُونَ سَبِيلِي؟ قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي جَعَلْتُ لَكُمْ مَالِي.
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ صُهَيْبٌ -﵁-: هَلْ لَكُمْ أَنْ أُعْطِيَكُمْ أَوَاقِي (١) مِنْ ذَهَبٍ، وَتُخْلُونَ سَبِيلِي، وَتُوفُونَ لِي، فَفَعَلُوا، فتَبِعْتُهُمْ إِلَى مَكَّةَ، فَقُلْتُ لَهُمْ: احْفُرُوا تَحْتَ أَسْكِفَةِ (٢) البَابِ، فَإِنَّ تَحْتَهَا الأَوَاقِي.
قَالَ صُهَيْبٌ -﵁-: وَخَرَجْتُ حَتَّى قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَبْلَ أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْهَا، يَعْنِي قُبُاءَ، فَلَمَّا رَآنِي قَالَ: "يَا أَبَا يَحْيَى! رَبِحَ البَيْعُ" ثَلَاثًا، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا سَبَقَنِي إِلَيْكَ أَحَدٌ، وَمَا أَخْبَرَكَ إِلَّا جِبْرِيلُ ﵇.
وَفيهِ نَزَل قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي (٣) نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ (٤).
_________________
(١) الأُوقية: بضم الهمزة وتشديدِ الياء: هي أربعون دِرْهمًا. انظر النهاية (١/ ٨٠).
(٢) الأسكِفَة: هي عَتَبة الباب التي يُوطَأُ عليها. انظر لسان العرب (٦/ ٣٠٨).
(٣) يَشْري: معناه يَبِيع. انظر لسان العرب (٧/ ١٠٣). ومنه قوله تعالى في سورة يوسف آية (٢٠): ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ أي باعوه.
(٤) سورة البقرة آية (٢٠٧). =
[ ٢ / ٨٨ ]
* إِسْلَامُ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ -﵁-:
وَبَيْنَمَا الرَّسُولُ -ﷺ- فِي قُبَاءَ، قَدِمَ عَلَيْهِ سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ -﵁-، وَقِصَّتُهُ -﵁- طَوِيلَةٌ فِي بَحْثِهِ عَنِ الحَقِيقَةِ، وَعَنِ الدِّينِ الحَقِّ، وَلْنَتْرُكَ سَلْمَانَ -﵁- يُحَدِّثُنَا عَنْ قِصَّةِ إِسْلَامِهِ، يَقُولُ سَلْمَانُ -﵁-: كُنْتُ رَجَلًا فَارِسِيًّا مِنْ أَهْلِ أَصْبَهَانَ (١) مِنْ أَهْلِ قَرْيَةٍ مِنْهَا يُقَالُ لَهَا: جَيُّ، وَكَانَ أَبِي دِهْقَانَ (٢) قَرييهِ، وَكُنْتُ أَحَبَّ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حُبُّهُ إِيَّايَ حَتَّى حبَسَنِي فِي بَيْتِهِ كَمَا تُحْبَسُ الجَارِيَةُ، وَاجْتَهَدْتُ فِي المَجُوسِيَّةِ (٣) حَتَّى كُنْتُ قَطِنَ النَّارِ (٤) الذِي يُوقِدُهَا لَا يَتْرُكُهَا تَخْبُو (٥) سَاعَةً، قَالَ: وَكَانَتْ لِأَبِي ضَيْعَةٌ (٦) عَظِيمَةٌ، قَالَ: فَشُغِلَ فِي بُنْيَانٍ لَهُ يَوْمًا، فَقَالَ لِي: يَا بُنَيَّ، إِنِّي قَدْ شُغِلتُ فِي بُنْيَانِ هَذَا اليَوْمِ عَنْ ضَيْعَتِي، فَاذْهَبْ فَاطَّلِعْهَا، وَأَمَرَنِي
_________________
(١) = أخرج قصة هجرة صهيب -﵁-: الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة -﵃- باب ذكر هجرة صهيب بن سنان - رقم الحديث (٥٧٥٣) - (٥٧٥٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة -﵃- باب ذكر صهيب بن سنان -﵁- رقم الحديث (٧٠٨٢) - والإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٥٠٩) - والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٥٢٢) وإسناده بمجموع طرقه صحيح.
(٢) أصبَهَان: هي مدينةٌ في إيران.
(٣) الدِّهْقَان: بكسر الدال وضمِّها: رئيس القرية. انظر النهاية (٢/ ١٣٥).
(٤) المَجُوسِيَّة: يعبُد أصحابها النار.
(٥) قَطِنَ النار: أي خَازِنَهَا وخادِمَها: أراد أنه كان لازِمًا لها لا يُفارقها، من قطن في المكان إذا لزمه. انظر النهاية (٤/ ٧٥).
(٦) خَبِئَت النار: خَمَدَت. انظر لسان العرب (٤/ ٦).
(٧) ضَيْعَة الرجل: ما يكونُ منه معاشِهِ، كالصَّنْعة والتجارةِ والزراعة وغير ذلك. انظر النهاية (٣/ ٩٨).
[ ٢ / ٨٩ ]
فِيهَا بِبَعْضِ مَا يُرِيدُ، فَخَرَجْتُ أُرِيدُ ضَيْعَتَهُ، فَمَرَرْتُ بِكَنِيسَةٍ مِنْ كَنَائِسِ النَّصَارَى، فَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ فِيهَا وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَكُنْتُ لَا أَدْرِي مَا أَمْرُ النَّاسِ لِحَبْسِ أَبِي إِيَّايَ فِي بَيْتِهِ، فَلَمَّا مَرَرْتُ بِهِمْ، وَسَمِعْتُ أَصْوَاتَهُمْ، دَخَلْتُ عَلَيْهِمْ أَنْظُرُ مَا يَصْنَعُونَ، قَالَ: فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ أَعْجَبَنِي صَلَاتُهُمْ، وَرَغِبْتُ فِي أَمْرِهِمْ، وَقُلْتُ: هَذَا وَاللَّهِ خَيْرٌ مِنَ الدِّينِ الذِي نَحْنُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا تَرَكْتُهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَتَرَكْتُ ضَيْعَةَ أَبِي وَلَمْ آتِهَا، فَقُلْتُ لَهُمْ: أَيْنَ أَصْلُ هَذَا الدِّينِ؟
قَالُوا: بِالشَّامِ. قَالَ: ثُمَّ رَجَعْتُ إِلَى أَبِي، وَقَدْ بَعَثَ فِي طَلَبِي وَشَغَلْتُهُ عَنْ عَمَلِهِ كُلِّهِ، قَالَ: فَلَمَّا جِئْتُهُ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، أَيْنَ كُنْتَ؟ أَلمْ أَكُنْ عَهِدْتُ إِلَيْكَ مَا عَهِدْتُ؟ قَالَ: قُلْتُ: يَا أَبَتِ، مَرَرْتُ بِنَاسٍ يُصَلُّونَ فِي كَنِيسَةٍ لَهُمْ فَأَعْجَبَنِي مَا رَأَيْتُ مِنْ دِينِهِمْ، فَوَاللَّهِ مَا زِلْتُ عِنْدَهُمْ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، لَيْسَ فِي ذَلِكَ الدِّينِ خَيْرٌ، دِينُكَ وَدِينُ آبَائِكَ خَيْرٌ مِنْهُ، قَالَ: قُلْتُ: كَلَا وَاللَّهِ إِنَّهُ لَخَيْرٌ مِنْ دِينِنَا. قَالَ: فَخَافَنِي، فَجَعَلَ فِي رِجْلِي قَيْدًا، ثُمَّ حبَسَنِي فِي بَيْتِهِ.
قَالَ سَلْمَانُ: وَبَعَثْتُ إِلَى النَّصَارَى فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَدِمَ عَلَيْكُمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنَ النَّصَارَى فَأَخْبِرُونِي بِهِمْ. قَالَ: فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ رَكْبٌ مِنَ الشَّامِ تُجَّارٌ مِنَ النَّصَارَى، قَالَ: فَأَخْبَرُونِي بِهِمْ.
قَالَ: فَقُلْتُ لَهُمْ: إِذَا قَضَوْا حَوَائِجَهُمْ وَأَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلَادِهِمْ فَآذِنُونِي بِهِمْ.
[ ٢ / ٩٠ ]
قَالَ: فَلَمَّا أَرَادُوا الرَّجْعَةَ إِلَى بِلَادِهِمْ أَخْبَرُونِي بِهِمْ، فَأَلْقَيْتُ الحَدِيدَ مِنْ رِجْلِي، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُمْ حَتَّى قَدِمْتُ الشَّامَ، فَلَمَّا قَدِمْتُهَا، قُلْتُ: مَنْ أَفْضَلُ أَهْلِ هَذَا الدِّينِ؟ قَالُوا: الأُسْقُفُ (١) فِي الكَنِيسَةِ قَالَ: فَجِئْتُهُ، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ رَغِبْتُ فِي هَذَا الدِّينِ، وَأَحْبَبْتُ أَنْ أَكُونَ مَعَكَ أَخْدِمُكَ في كَنِيسَتِكَ، وَأَتَعَلَّمُ مِنْكَ وَأُصَلِّي مَعَكَ، قَالَ: فَادْخُلْ، فَدَخَلْتُ مَعَهُ، قَالَ سَلْمَانُ: فَكَانَ رَجُلَ سَوْءٍ، يَأْمُرُهُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا، فَإِذَا جَمْعُوا إِلَيْهِ مِنْهَا أَشْيَاءَ، اكْتَنَزَهُ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْطِهِ المَسَاكِينَ، حَتَّى جَمَعَ سَبْعَ قِلَالٍ (٢) مِنْ ذَهَبٍ وَوَرِقٍ (٣)، قَالَ سَلْمَانُ: وَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا لِمَا رَأَيْتُهُ يَصْنَعُ، ثُمَّ مَاتَ، فَاجْتَمَعَتْ إِلَيْهِ النَّصَارَى لِيَدْفِنُوهُ، فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنَّ هَذَا كَانَ رَجُلَ سَوْءٍ يَأْمُرُكُمْ بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُكُمْ فِيهَا، فَإِذَا جِئْتُمُوهُ بِهَا اكْتَنَزَهَا لِنَفْسِهِ وَلَمْ يُعْطِ المَسَاكِينَ مِنْهَا شَيْئًا. قَالُوا: وَمَا عِلْمُكَ بِذَلِكَ؟
قَالَ: قُلْتُ: أَنَا أَدُلُّكُمْ عَلَى كَنْزِهِ، قَالُوا: فَدُلَّنَا عَلَيْهِ، قَالَ سَلْمَانُ: فَأَرَيْتُهُمْ مَوْضِعَهُ، قَالَ سَلْمَانُ: فَاسْتَخْرَجُوا مِنْهُ سَبْعَ قِلَالٍ مَمْلُوءَةً ذَهَبًا وَوَرِقًا، قَالَ: فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا: وَاللَّهِ لَا نَدْفِنُهُ أَبَدًا، فَصَلَبُوهُ، ثُمَّ رَجَمُوهُ بِالحِجَارَةِ.
ثُمَّ جَاءُوا بِرَجُلٍ آخَرَ، فَجَعَلُوهُ بِمَكَانِهِ، قَالَ: يَقُولُ سَلْمَانُ: فَمَا رَأَيْتُ
_________________
(١) الأُسقُفُ: هو العالِمُ الرئيسُ من عُلَماء النصارى. انظر لسان العرب (٦/ ٢٩٨).
(٢) القِلالُ: هو إناءٌ للعربِ كالجَرَّةِ الكبيرة، سُميت قِلالًا لأنها تُقَل أي تُرْفَع إذا مُلِئت وتُحْمل. انظر لسان العرب (١١/ ٢٨٨).
(٣) الوَرِق: بكسر الراء: هي الفِضة. انظر النهاية (٥/ ١٥٣).
[ ٢ / ٩١ ]
رَجُلًا لَا يُصَلِّي الخَمْسَ، أُرَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْهُ، أَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا وَلَا أَرْغَبَ فِي الآخِرَةِ، وَلَا أَدْأَبَ (١) لَيْلًا وَنَهَارًا مِنْهُ. قَالَ سَلْمَانُ: فَأَحْبَبْتُهُ حُبًا لَمْ أُحِبَّهُ مِنْ قَبْلِهِ، فَأَقَمْتُ مَعَهُ زَمَانًا، ثُمَّ حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنِّي كُنْتُ مَعَكَ وَأَحْبَبْتُكَ حُبًّا لَمْ أُحِبَّهُ مِنْ قَبْلِكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مَا ترَى مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي، وَمَا تَأْمُرُنِي؟
قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا اليَوْمَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، لقَدْ هَلَكَ النَّاسُ وَبَدَّلُوا وَترَكُوا أَكْثَرَ مَا كَانُوا عَلَيْهِ، إِلَّا رَجُلًا بِالمَوْصِلِ (٢)، وَهُوَ فُلَانٌ، فَهُوَ عَلَى مَا كُنْتُ عَلَيْهِ، فَالْحَقْ بِهِ. قَالَ سَلْمَانُ: فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ (٣)، لَحِقْتُ بِصَاحِبِ المَوْصِلِ فَقُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنَّ فُلَانًا أَوْصَانِي عِنْدَ مَوْيهِ أَنْ أَلْحَقَ بِكَ، وَأَخْبَرَنِي أَنَّكَ عَلَى أَمْرِهِ. قَالَ: فَقَالَ لِي: أَقِمْ عِنْدِي فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ، فَوَجَدْتُهُ خَيْرَ رَجُلٍ عَلَى أَمْرِ صَاحِبِهِ، فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ، فَلَمَّا حَضَرَتْهُ الوَفَاةُ، قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنَّ فُلَانًا أَوْصَى بِي إِلَيْكَ، وَأَمَرَنِي بِاللُّحُوقِ بِكَ، وَقَدْ حَضَرَكَ مِنَ اللَّهِ ﷿ مَا تَرَى، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي، وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ رَجُلًا عَلَى مِثْلِ مَا كُنَّا عَلَيْهِ إِلَّا رَجُلًا بِنَصِيبينَ (٤)، وَهُوَ فُلَانٌ، فَالْحَقْ بِهِ.
_________________
(١) الدَّأب: هو العادةُ والشأن، وأصله من دأب في العمل إذا جَدّ وتَعِب، إلا أن العرب حَوَّلت معناه إلى العادةِ والشأن. انظر النهاية (٢/ ٩٠).
(٢) المَوْصِل: مدينة في العراق.
(٣) غيّب: أي دُفِنَ في قبره. انظر لسان العرب (١٠/ ١٥١).
(٤) نَصِيبين: بفتح النون وكسر الصاد، هي مدينةٌ عامرةٌ من بلاد الجزيرة العربية على جادَّة القوافل من المَوصل إلى الشام. انظر معجم البلدان (٨/ ٣٩٠).
[ ٢ / ٩٢ ]
قَالَ سَلْمَانُ: فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصاحِبِ نَصِيبينَ، فَجِئْتُهُ فَأَخْبَرتُهُ خَبَرِي، وَمَا أَمَرَنِي بِهِ صَاحِبِي، قَالَ: فَأَقِمْ عِنْدِي. فَأَقَمْتُ عِنْدَهُ، فَوَجَدْتُهُ عَلَى أَمْرِ صَاحِبَيْهِ، فَأَقَمْتُ مَعَ خَيْرِ رَجُلٍ، فَوَاللَّهِ مَا لَبِثَ أَنْ نَزَلَ بِهِ المَوْتُ، فَلَمَّا حُضِرَ، قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنَّ فُلَانًا كَانَ أَوْصَى بِي إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي، وَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ عَلَى أَمْرِنَا آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ إِلَّا رَجُلًا بِعَمُّورِيَّةَ (١)، فَإِنَّهُ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَحْبَبْتَ فَأْتِهِ، قَالَ: فَإِنَّهُ عَلَى أَمْرِنَا.
قَالَ سَلْمَانُ: فَلَمَّا مَاتَ وَغُيِّبَ لَحِقْتُ بِصَاحِبِ عَمُّورِيَّةَ، وَأَخْبَرتُهُ خَبَرِي، فَقَالَ: أَقِمْ عِنْدِي، فَأَقَمْتُ مَعَ رَجُلٍ عَلَى هَدْيِ أَصْحَابِهِ وَأَمْرِهِمْ، قَالَ سَلْمَانُ: وَاكْتَسَبْتُ حَتَّى كَانَ لِي بَقَرَاتٌ وَغُنَيْمَةٌ، قَالَ: ثُمَّ نَزَلَ بِهِ أَمْرُ اللَّهِ، فَلَمَّا حُضِرَ قُلْتُ لَهُ: يَا فُلَانُ، إِنِّي كُنْتُ مَعَ فُلَانٍ، فَأَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، وَأَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَى فُلَانٍ، ثُمَّ أَوْصَى بِي فُلَانٌ إِلَيْكَ، فَإِلَى مَنْ تُوصِي بِي؟ وَمَا تَأْمُرُنِي؟
قَالَ: أَيْ بُنَيَّ، وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُهُ أَصْبَحَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أَحَد مِنَ النَّاسِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ (٢) زَمَانُ نَبِيٍّ هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ يَخْرُجُ بِأَرْضِ العَرَبِ، مُهَاجِرًا إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ (٣) بَيْنَهُمَا نَخْلٌ، بِهِ عَلَامَاتٌ لَا تَخْفَى:
_________________
(١) عَمُّورية: مدينة في تركيا.
(٢) أظَلَّك زمان نبي: أي أقبلَ عليك ودَنَا منك، كأنه ألقى عليكَ ظِلَّه. انظر النهاية (٣/ ١٤٦).
(٣) الحَرَّة: أرض بظاهر المدينة بها حِجَارة سُودٌ كثيرة. انظر النهاية (١/ ٣٥١).
[ ٢ / ٩٣ ]
يَأْكُلُ الهَدِيَّةَ (١)، وَلَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ (٢)، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ (٣)، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ البِلَادِ فَافْعَلْ.
قَالَ سَلْمَانُ: ثُمَّ مَاتَ وَغُيِّبَ، فَمَكَثْتُ (٤) بِعَمُّورِيَّةَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَمْكُثَ، ثُمَّ مَرَّ بِي نَفَرٌ مِنْ كَلْبٍ تِجَارًا، فَقُلْتُ لَهُمْ: تَحْمِلُونِي إِلَى أَرْضِ العَرَبِ، وَأُعْطِيكُمْ بَقَرَاتِي هَذِهِ وَغُنَيْمَتِي هَذِهِ؟
_________________
(١) قال ابن القيم في زاد المعاد (٢/ ٤٢٥): كان -ﷺ- إذا أهدِيَت إليهِ هدية فقبِلَها، كافَأَ عليها بأكثرَ منها، فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٢٥٨٥) عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول اللَّه -ﷺ- يَقبل الهدية ويُثِيب عليها. وإن ردَّها -ﷺ- اعتذرَ إلى مُهْدِيها، كقوله -ﷺ- للصَّعبِ بن جَثّامة لما أهدَى إليه لحمَ صَيْدٍ قال له -ﷺ-: "أما إنَّا لم نردَّه عليك إلا أنا حُرُم" - أخرجه البخاري - رقم الحديث (٢٥٧٣).
(٢) أما الصَّدقة فإنها لا تَحِلُّ له -ﷺ-، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٠٧٢) عن المطلب بن ربيعة -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إن الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس". قال الإمام النووي في شرح مسلم (٧/ ١٥٧): في هذا الحديث دليلٌ على أن الصدقة مُحرمة على بني هاشم وبني المطلب سواء كانت بسببِ العمل أو بسببِ الفقرِ والمَسْكنة وكيرهما من الأسباب الثمانية، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وجوَّز بعض أصحابنا لِبَني هاشم وبني المطلب العمل عليها بِسَهم العامل لأنه إجارَة، وهذا ضعيفٌ أو باطلٌ وهذا الحديث صريح في رده، وقد نَبَّه -ﷺ- على العلة في تحريمها على بني هاشم وبني المطلب، وأنها لكرامتهم وتنزِيهِهم عن الأوساخِ، ومعنى أوساخ الناس أنها تطهِير لأموالهِم ونُفُوسهم كما قال اللَّه تعالى في سورة التوبة آية (١٠٣): ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ فهي كغسالة الأوساخ.
(٣) خاتَم النبوة تقدَّم الكلامُ عليه مفصلًا في رضاعه -ﷺ- في بني سعد عند حَلِيمة السعدية ﵂، فانظره هناك.
(٤) المُكْثُ: هو الإقامة مع الانتظار، والتَّلبُّث في المكان. انظر النهاية (٤/ ٢٩٧).
[ ٢ / ٩٤ ]
قَالُوا: نَعَمْ، فَأَعْطَيْتُهُمُوهَا وَحَمَلُونِي، حَتَّى إِذَا قَدِمُوا بِي وَادِي القُرَى (١)، ظَلَمُونِي فَبَاعُونِي مِنْ رَجُلٍ مِنْ يَهُودَ عَبْدًا، فكُنْتُ عِنْدَهُ، وَرَأَيْتُ النَّخْلَ، وَرَجَوْتُ أَنْ تَكُونَ البَلَدَ الذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي، وَلَمْ يَحِقَّ لِي فِي نَفْسِي، فَبَيْنَمَا أَنَا عِنْدَهُ، قَدِمَ عَلَيْهِ ابنُ عَمٍّ لَهُ مِنَ المَدِينَةِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ فَابْتَاعَنِي (٢) مِنْهُ، فَاحْتَمَلَنِي إِلَى المَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ رَأَيْتُهَا فَعَرَفْتُهَا بِصَفَةِ صَاحِبِي، فَأَقَمْتُ بِهَا وَبَعَثَ اللَّهُ رَسُولَهُ -ﷺ-، فَأَقَامَ بِمَكَّةَ مَا أَقَامَ لَا أَسْمَعُ لَهُ بِذِكْرٍ مَعَ مَا أَنَا فِيهِ مِنْ شُغْلِ الرِّقِّ، ثُمَّ هَاجَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَفِي رَأْسِ عَذْقٍ (٣) لِسَيِّدِي أَعْمَلُ فِيهِ بَعْضَ العَمَلِ، وَسَيِّدِي جَالِسٌ، إِذَا أَقْبَلَ ابنُ عَمٍّ له حَتَّى وَقَفَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: فُلَانُ، قَاتَلَ اللَّهُ بَنِي قَيْلَةَ (٤)، وَاللَّهِ إِنَّهُمُ الْآنَ لَمُجْتَمِعُونَ بِقُبَاءَ عَلَى رَجُلٍ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ مَكَّةَ اليَوْمَ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَبِيٌّ.
قَالَ سَلْمَانُ: فَلَمَّا سَمِعْتُهَا أَخَذَتْنِي العُرَواءُ (٥)، حَتَّى ظَنَنْتُ سَأَسْقُطُ عَلَى سَيِّدِي، وَنَزَلْتُ عَنِ النَّخْلَةِ، فَجَعَلْتُ أَقُولُ لِابنِ عَمِّهِ ذَلِكَ: مَاذَا تَقُولُ؟ مَاذَا تُقُولُ؟ .
_________________
(١) وادى القُرَى: هو وادٍ بين المدينة والشام من أعمال المدينة كثير القرى، وفتَحَها النبي -ﷺ- سنة سبع للهجرة عنوةً ثم صُولحوا على الجِزْيَة، وكان يسكنها يَهُود. انظر معجم البلدان (٨/ ٤٣٣).
(٢) ابتاعَ الشيء: اشترَاه. انظر لسان العرب (١/ ٥٥٧).
(٣) العَذْقُ: بالفتح: النخلة. انظر النهاية (٣/ ١٨١).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٥٤): قَيلة: بفتح القاف وسكون الياء وهي الجدة الكبرى للأنصار والدةُ الأوس والخزرج، وهي قَيْلة بنت كَاهل بن عذرة.
(٥) العُرَواء: الرِّعدة. انظر النهاية (٣/ ٢٠٤).
[ ٢ / ٩٥ ]
قَالَ سَلْمَانُ: فَغَضِبَ سَيِّدِي فَلَكَمَنِي لَكْمَةً شَدِيدَةً، ثُمَّ قَالَ: مَا لَكَ وَلهَذَا! أَقْبِلْ عَلَى عَمَلِكَ. قَالَ سَلْمَانُ قُلْتُ: لَا شَيْءَ، إِنَّمَا أَرَدْتُ أَنْ أَسْتَثْبِتَهُ عَمَّا قَالَ. قَالَ سَلْمَانُ: وَقَدْ كَانَ عِنْدِي شَيْءٌ قَدْ جَمَعْتُهُ، فَلَمَّا أَمْسَيْتُ أَخَذْتُهُ ثُمَّ ذَهَبْتُ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ بِقُبَاءَ، فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: إِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّكَ رَجُلٌ صَالِحٌ، وَمَعَكَ أَصْحَابٌ لَكَ غُرَبَاءُ ذَوُو حَاجَةٍ، وَهَذَا شَيْءٌ كَانَ عِنْدِي لِلصَّدَقَةِ، فَرَأَيْتُكُمْ أَحَقَّ بِهِ مِنْ غَيْرِكُمْ. قَالَ: فَقَرَّبْتُهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَصْحَابِهِ: "كلُوا"، وَأَمْسَكَ يَدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ، قَالَ سَلْمَانُ: فَقُلْتُ فِي نَفْسِي: هَذِهِ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ انْصَرَفْتُ عَنْهُ فَجَمَعْتُ شَيْئًا، وَتَحَوَّلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى المَدِينَةِ، ثُمَّ جِئْتُهُ بِهِ، فَقُلْتُ: إِنِّي رَأَيْتُكَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَهَذِهِ هَدِيَّةٌ أَكْرَمْتُكَ بِهَا. قَالَ: فَأَكَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْهَا، وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَأَكَلُوا مَعَهُ، قَالَ: فَقُلْتُ في نَفْسِي: هَاتَانِ اثْنَتَانِ، قَالَ: ثُمَّ جِئْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ بِبَقِيعِ الغَرْقَدِ (١)، قَالَ: وَقَدْ تَبعَ جَنَازَةً مِنْ أَصْحَابِهِ، عَلَيْهِ شَمْلَتَانِ (٢) لَهُ، وَهُوَ جَالِسٌ فَي أَصْحَابِهِ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، ثُمَّ اسْتَدَرْتُ أَنْظُرُ إِلَى ظَهْرِهِ، هَلْ أَرَى الخَاتَمَ الذِي وَصَفَ لِي صَاحِبِي؟
فَلَمَّا رَآنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- اسْتَدْبَرتُهُ (٣)، عَرَفَ أَنِّي أَسْتَثْبِتُ فِي شَيْءٍ وُصِفَ لِي، قَالَ: فَأَلقى رِدَاءَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، فنَظَرْتُ إِلَى الخَاتَمِ فعرَفْتُهُ، فَانَكَبَبْتُ عَلَيْهِ أُقَبِّلُهُ
_________________
(١) بَقِيعُ الغَرْقَدِ: موضعٌ بظاهرِ المدينة فيه قُبُور أهلها، كان به شَجَر الغرقد، فذهبَ وبَقِيَ اسمه. انظر النهاية (١/ ١٤٥).
(٢) الشَّمْلَةُ: هو كِسَاءٌ يُتغطى به ويُتَلفف فيه. انظر النهاية (٢/ ٤٤٨).
(٣) استدبَرَه: أتاهُ من ورَائه. انظر لسان العرب (٤/ ٢٨٢).
[ ٢ / ٩٦ ]
وَأَبْكِي، قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "تَحَوَّلْ" (١) فتَحَوَّلْتُ، فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ حَدِيثي فَأَعْجَبَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ يَسْمَعَ ذَلِكَ أَصْحَاُبهُ.
ثُمَّ شَغَلَ سَلْمَانَ الرِّقُّ حَتَّى فَاتَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَدْرٌ وَأُحُدٌ.
قَالَ سَلْمَانُ: ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كَاتِبْ (٢) يَا سَلْمَانُ"، كَاتَبْتُ صَاحِبِي عَلَى ثَلَاثِ مِئَةِ نَخْلَةٍ أُحْيِيهَا لَهُ بِالفَقِيرِ (٣) وَبِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً (٤)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَصْحَابِهِ: "أَعِينُوا أَخَاكُمْ"، فَأَعَانُونِي بِالنَّخْلِ: الرَّجُلُ بِثَلَاثِينَ وَدِيَّةٍ (٥)، وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ، وَالرَّجُلُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ، وَالرَّجُلُ بِعَشْرَةٍ -يَعْنِي: الرَّجُلُ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ- حَتَّى اجْتَمَعَتْ لِي ثَلَاثُ مِئَةِ وَدِيَّةٍ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ لَهَا (٦)، فَإِذَا فَرَغْتَ فَأْتني أَكُونُ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدِي".
قَالَ سَلْمَانُ: فَفَقَّرْتُ لَهَا، وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي، حَتَّى إِذَا فَرَغْتُ مِنْهَا جِئْتُهُ فَأَخْبَرْتُهُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَعِي إِلَيْهَا فَجَعَلْنَا نُقَرِّبُ لَهُ الوَدِيَّ وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِيَدِهِ، فَوَالذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ، مَا مَاتَتْ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ، فَأَدَّيْتُ
_________________
(١) تحَوَّل: من حالَ يَحُول إذا تحرَّك. انظر النهاية (١/ ٤٤٥).
(٢) المُكاتَبَة: هو أن يُكاتِبَ الرجل عَبْده على مالٍ يؤدِّيه إليه مُفَرقًا، فإذا أدَّاه صارَ حُرًّا. انظر النهاية (٤/ ١٢٩) - جامع الأصول (٨/ ٩٠).
(٣) فَقِير النخلةِ: حُفرةٌ تُحْفَرُ للفَسِيلَة إذا حُوّلت لتُغْرَس فيها. انظر النهاية (٣/ ٤١٥).
(٤) الأُوقِيَّة: بضم الهمزة وتشديد الياء، هي أربعون دِرْهمًا. انظر النهاية (١/ ٨٠).
(٥) الوَدِيُّ: بتشديد الياء: صِغَار النخل، الواحدة وديَّة. انظر النهاية (٥/ ١٤٨).
(٦) فَقّر لها: أي أحفر لها مَوضعًا تُغْرَس فيه. انظر النهاية (٣/ ٤١٥).
[ ٢ / ٩٧ ]
النَّخْلَ، وَبَقِيَ عَلَيَّ المَالُ، فَأُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِمِثْلِ بَيْضَةِ الدَّجَاجَةِ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ بَعْضِ الْمَغَازِي، فَقَالَ -ﷺ-: "مَا فعلَ الفَارِسِيُّ المُكَاتَبُ؟ "، قَالَ: فَدُعِيتُ لَهُ، فَقَالَ: "خُذْ هَذِهِ فَأَدِّ بِهَا مَا عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ"، فَقُلْتُ: وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّا عَلَيَّ؟
قَالَ: "خُذْهَا، فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْكَ"، قَالَ سَلْمَانُ: فَأَخَذْتُهَا فَوَزَنْتُ لَهُمْ مِنْهَا -وَالذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ- أَرْبَعِينَ أُوقِيَّة، فَأَوْفَيْتُهُمْ حَقَّهُمْ وَعَتَقْتُ، فَشَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الخَنْدَقَ، ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ (١).
وَرَوَى البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ -﵁-: أَنَّهُ تَدَاوَلَهُ (٢) بِضْعَةَ (٣) عَشَرَ مِنْ رَبٍّ (٤) إِلى رَبٍّ (٥).
_________________
(١) أخرج قصة سلمان الفارسي -﵁-: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٩٩٧) - (٢٣٧٣٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر سلمان الفارسي -﵁- رقم الحديث (٧١٢٤) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة -﵃- باب ذكر من لقي سلمان الفارسي قبل الإسلام من الراهبيين - رقم الحديث (٦٦٠٣) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٧٧٢) - وابن إسحاق في السيرة (١/ ٢٥١) -وإسنادها حسن- وذكر البخاري في صحيحه - مكاتبة سلمان -﵁- وأنه كان حرًا فظلموه وباعوه - في كتاب البيوع - باب شراء المملوك من الحربي وهبته وعتقه.
(٢) التداول: هو التَّناقل. انظر النهاية (٢/ ١٣١).
(٣) البِضْعُ: ما بين الثلاث إلى العشر. انظر لسان العرب (١/ ٤٢٦).
(٤) الربّ: يطلق في اللغة على المالك، والسيد. انظر لسان العرب (٥/ ٩٥).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب إسلام سلمان الفارسي -﵁- رقم الحديث (٣٩٤٦).
[ ٢ / ٩٨ ]
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- فَأُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الجُمُعَةِ: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ (١).
قَالَ: قُلْتُ: مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَلَمْ يُرَاجِعْهُ حَتَّى سَأَلَ ثَلَاثًا، وَفِينَا سَلْمَانُ الفَارِسِيُّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدَهُ عَلَى سَلْمَانَ، ثُمَّ قَالَ: "لَوْ كَانَ الإِيمَانُ (٢) عِنْدَ الثُّرَيَّا (٣) لَنَالَهُ رِجَالٌ، أَوْ رَجُلٌ مِنْ هَؤُلَاء" (٤).
_________________
(١) سورة الجمعة آية (٣). وفي رواية أخرى عند ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٧١٢٣) - قال أبو هريرة -﵁-: فتلا رسول اللَّه -ﷺ- هذه الآية: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾. سورة محمد آية (٣٨). قال الحافظ في الفتح (٩/ ٦٣٦): يحتمل أن يكون ذلك صدر منه -ﷺ- عند نزول كل من الآيتين.
(٢) في رواية أخرى في صحيح مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٥٤٦) (٢٣٠) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٧١٢٣)، قال -ﷺ-: "لو كان الدِّينُ عندَ الثُّرَيَّا".
(٣) الثُّريَّا: نجمٌ مَعْرُوف. انظر النهاية (١/ ٢٠٥).
(٤) وفي رواية أخرى عند الإمام مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٥٤٦) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٧١٢٣) - قال رسول اللَّه -ﷺ-: "لتناوله رِجَالٌ مِنْ فَارس". والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب سورة الجمعة - رقم الحديث (٤٨٩٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب فضل فارس - رقم الحديث (٢٥٤٦) (٢٣١).
[ ٢ / ٩٩ ]
قَالَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ: وَقَدْ وَقَعَ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَيَانًا، فَإِنَّهُ وُجِدَ مِنهُمْ -أَيْ أَهْلِ فَارِسَ- مَنِ اشْتَهَرَ ذِكْرُهُ مِنْ حُفَّاظِ الآثارِ وَالعِنَايَةِ بِهَا، مَا لَمْ يُشَارِكْهُمْ فِيهِ كَثِير مِنْ أَحَدٍ غَيْرِهِمْ (١).
* كَمْ أَقَامَ الرَّسُولُ -ﷺ- بِقُبَاءَ؟:
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنسٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ نزلَ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ، فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ: بَنِي عَمْرِو بنِ عَوفِ، فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً (٢).
وَقَالَ ابنُ إِسْحَاقَ: أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِقُبَاءَ، فِي بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَالثُّلَاثاءِ، وَالأَرْبِعَاءِ، وَالخَمِيسِ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ اللَّه مِنْ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَبَنُو عَمْرِو بنِ عَوْفٍ يَزْعُمُونَ أنَّه مَكَثَ فِيهِمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ (٣).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: أَنَسٌ -﵁- لَيْسَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ، فَإِنَّهُمْ مِنَ الأَوْسِ، وَأَنسٌ مِنَ الخَزْرَجِ، وَقَدْ جَزَمَ بِمَا ذَكَرَ فَهُوَ أَوْلَى بِالقَبُولِ مِنْ غَيْرِهِ (٤).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٩/ ٦٣٦).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب مقدم النبي -ﷺ- وأصحابه المدينة - رقم الحديث (٣٩٣٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب ابتناء مسجد النبي -ﷺ- رقم الحديث (٥٢٤).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٠٨).
(٤) انظر فتح الباري (٧/ ٦٥٦).
[ ٢ / ١٠٠ ]
تَأْسِيسُ مَسْجِدِ قُبَاءَ
كَانَ أَوَّلَ عَمَلٍ قَامَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا قَدِمَ قُبَاءَ أَنْ أَسَّسَ مَسْجِدَ قُباءَ، وَهُوَ المَسْجِدُ الذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى وَصَلَّى فِيهِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ بُنِيَ فِي الإِسْلَامِ (١).
قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَهُوَ أَوَّلُ مَسْجِدٍ صَلَّى النَّبِيُّ -ﷺ- فِيهِ بِأَصْحَابِهِ جَمَاعَةً ظَاهِرًا، وَأَوَّلُ مَسْجِدٍ بُنِيَ لِجَمَاعَةِ المُسْلِمِينَ عَامَّةً (٢).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: فَكَانَ هَذَا المَسْجِدُ -أَيْ مَسْجِدُ قباء- أَوَّلَ مَسْجِدٍ بُنِيَ فِي الإِسْلَامِ بِالمَدِينَةِ، بَلْ أَوَّلَ مَسْجِدٍ جُعِلَ لِعُمُومِ النَّاسِ فِي هَذِهِ المِلَّةِ، وَاحْترزْنَا بِهَذَا عَنِ المَسْجِدِ الذِي بَنَاهُ الصِّدِّيقُ بِمَكَّةَ عِنْدَ بَابِ دَارِهِ (٣) يَتَعَبَّدُ فِيهِ وَيُصَلِّي؛ لِأَنَّ ذَاكَ كَانَ لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ عَامَّة، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٤).
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٦).
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٦٥٦).
(٣) أخرج بناء أبي بكر الصديق -﵁- لهذا المسجد: البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٥) -وقد ذكرنا تفصيل ذلك فيما تقدم-.
(٤) انظر كلام الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٢٣).
[ ٢ / ١٠١ ]
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: . . . ثُمَّ حَثَّ اللَّه تَعَالَى رَسُولَهُ -ﷺ- عَلَى الصَّلَاةِ فِي مَسْجِدِ قُبَاءَ الذِي أُسِّسَ مِنْ أَوَّلِ يَوْمِ بِنَائِهِ عَلَى التَّقْوَى، وَهِيَ طَاعَةُ اللَّهِ، وَطَاعَةُ رَسُولهِ -ﷺ-، وَجَمْعًا لِكَلِمَةِ المُؤْمِنِينَ، وَمَعْقِلًا، وَمَوْئِلًا لِلإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَلهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾، وَالسِّيَاق إِنَّمَا هُوَ فِي مَعْرِضِ مَسْجِدِ قباءٍ (٢).
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ حَجَر: وَقَدْ اخْتُلِفَ فِي المُرَادِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾ فَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ المُرَادَ بِهِ مَسْجِدُ قباءٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ الآيَةِ (٣).
لَكِنْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّه -ﷺ- عَنِ المَسْجِدِ الذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، فَقَالَ: "هُوَ مَسْجِدُكُمْ هَذَا" -لِمَسْجِدِ المَدِينَةِ (٤).
_________________
(١) سورة التوبة آية (١٠٨).
(٢) انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٢١٢).
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٦٥٦).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب بيان أن المسجد الذي أسس على التقوى - رقم الحديث (١٣٩٨).
[ ٢ / ١٠٢ ]
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِه بِسَنَدٍ صحِيحٍ عَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْب -﵁-: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ: "المَسْجِدُ الذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى: مَسْجِدِي هَذَا" (١).
وَأَخْرَج الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: اخْتَلَفَ رَجُلَانِ فِي المَسْجِدِ الذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّه -ﷺ-، وَقَالَ الآخَرُ: هُوَ مَسْجِدُ قباء، فَأَتَيَا رَسُولَ اللَّه -ﷺ- فَسَأَلَاهُ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ -ﷺ-: "هُوَ هَذَا المَسْجِدُ"، لِمَسْجِدِ رَسُولِ اللَّه -ﷺ-، وَقَالَ: "فِي ذَاكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ"، يَعْنِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ (٢).
قَالَ الإِمَامُ القُرْطُبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: هَذَا السُّؤَالُ صَدَرَ مِمَّنْ ظَهَرَتْ لَهُ المُسَاوَاةُ بَيْنَ المَسْجِدَيْنِ فِي اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًا مِنْهُمَا بَنَاهُ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَلِذَلِكَ سُئِلَ النَّبِيُّ -ﷺ- عَنْهُ فَأَجَابَ بِأَنَّ المُرَادَ مَسْجِدُهُ، وَكَأَنَّ المَزِيَّةَ التِي اقْتَضَتْ تَعْيِينَهُ دُونَ مَسْجِدِ قباءٍ لِكَوْنِ مَسْجِدِ قباء لَمْ يَكُنْ بِنَاؤُهُ بِأَمْرٍ جَزْمٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ، أَوْ كَانَ رَأْيًا رَآهُ بِخِلَافِ مَسْجِدِهِ، أَوْ كَانَ حَصَلَ لَهُ أَوْ لِأَصْحَابِهِ فِيهِ مِنَ الأَحْوَالِ القَلبِيَّةِ مَا لَمْ يَحْصلْ لِغَيْرِهِ (٣).
وَقَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ المَزِيَّةُ لِمَا اتَّفَقَ مِنْ طُولِ إِقَامَتِهِ -ﷺ- بِمَسْجِدِ المَدِينَةِ، بِخِلَافِ مَسْجِدِ قُباءٍ فَمَا أَقَامَ بِهِ إِلَّا أَيَّامًا قَلَائِلَ،
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١١٠٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١١٧٨).
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٦٥٦).
[ ٢ / ١٠٣ ]
وَكَفَى بِهَذِهِ مَزِيَّة مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إِلَى مَا تَكَلَفهُ القُرْطُبِيُّ، وَالحَقُّ أَنَّ كُلًا مِنْهُمَا أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى، وَقَوْلُه تَعَالَى فِي بَقِيَةِ الآيَةِ: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ يُؤَكِّدُ كَوْنَ المُرَادِ مَسْجِدَ قباءٍ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- قَالَ: "نَزَلَتْ ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا﴾ فِي أَهْلِ قُبَاءٍ" (١)، وَعَلَى هَذَا فَالسِّرُّ فِي جَوَابِهِ -ﷺ- بِأَنَّ المَسْجِدَ الذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مَسْجِدُهُ رَفع تَوَهُّمِ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِمَسْجِدِ قُباءٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ (٢).
* فَضَائِلُ مَسْجِدِ قُباءٍ:
أَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالحَاكِمُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بنِ سَهْلِ بنِ حُنَيْفٍ ﵄ قَالَ: قَالَ أَبِي: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: "مَنْ خَرَجَ حَتَّى يَأْتِي هَذَا المَسْجِدَ" -يَعْنِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ- "فَيُصَلِّي فِيهِ، كَانَ كَعَدْلِ عُمْرَةٍ" (٣).
وَأَخْرَجَ ابنُ مَاجَه وَالتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنْ أُسَيْدِ بنِ ظَهِيرٍ الأَنْصَارِيِّ -﵁- وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ- يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- أَنَّهُ قَالَ: "صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ كعُمْرَةٍ" (٤).
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الطهارة - باب في الاستنجاء بالماء - رقم الحديث (٤٤).
(٢) انظر فتح الباري (٧/ ٦٥٧).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٩٨١) - والحاكم في المستدرك - كتاب الهجرة - باب من صلى في مسجد قباء - رقم الحديث (٤٣٣٦).
(٤) أخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها - باب ما جاء في الصلاة =
[ ٢ / ١٠٤ ]
وَرَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -ﷺ- يأْتِي مَسْجِدَ قبَاءٍ كُلَّ سَبْتٍ مَاشِيًا وَرَاكِبًا (١).
وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ، وَعُمَرُ بنُ شَبَّةَ فِي أَخْبَارِ المَدِينَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ سَعْدِ بنِ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- قَالَ: لِأَنْ أُصَلِّي فِي مَسْجِدِ قُبَاءٍ رَكْعَتَيْنِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ آتِيَ بَيْتَ المَقْدِسِ مَرَّتَيْنِ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي قبَاءٍ لَضَرَبُوا إِلَيْهِ أَكْبادَ الإِبِلِ (٢).
* * *
_________________
(١) = في مسجد قباء - رقم الحديث (١٤١١) - والترمذي في جامعه - كتاب الصلاة - باب ما جاء في الصلاة في مسجد قباء - رقم الحديث (٣٢٤).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة - باب من أتى مسجد قباء كل سبت - رقم الحديث (١١٩٣) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل مسجد قباء - رقم الحديث (١٣٩٩).
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الهجرة - باب من صلى في مسجد قباء - رقم الحديث (٤٣٣٧) - وأورده الحافظ في الفتح (٣/ ٣٩١) وعزاه إلى عمر بن شبة في أخبار المدينة، وصحح إسناده.
[ ٢ / ١٠٥ ]
ارْتِحَالُ الرَّسُولِ -ﷺ- مِنْ قُبَاءٍ وَأَوَّلُ جُمُعَةٍ صَلاهَا
وَلَمَّا كَانَ يَوْمَ الجُمُعَةِ رَكِبَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- رَاحِلَتَهُ، وَأَبُو بَكْرٍ -﵁- رَدِفَهُ، وَأَرْسَلَ إِلَى مَلأٍ مِنْ بَنِي النَّجَارِ، فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِي سُيُوفَهُمْ، فَسَارَ بِهِمْ نَحْوَ المَدِينَةِ، وَهُمْ مُحْدِقُونَ (١) بِهِ (٢).
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ البَيْهَقِيِّ فِي الدَّلَائِلِ: وَكَانَتِ الأَنْصَارُ قَدِ اجْتَمَعَتْ فتَلَقَّوْهُ -ﷺ- قَبْلَ أَنْ يَرْكَبَ مِنْ بَنِي عَمْرِو بنِ عَوْفٍ، فَمَشَوْا حَوْلَ نَاقَتِهِ لَا يَزَالُ أَحَدُهُمْ ينَازعُ صَاحِبَهُ زِمَامَ النَّاقَةِ شُحًّا (٣) عَلَى كَرَامَةِ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- وَتَعْظِيمًا لَهُ (٤).
فَأَدْرَكَتِ الرَّسُولَ -ﷺ- صَلَاةُ الجُمُعَةِ فِي دِيَارِ بَنِي سَالِمِ بنِ عَوْفٍ،
_________________
(١) كل شيءٍ استدارَ بشيءٍ وأحاطَ به، فقد أحْدَق به. انظر لسان العرب (٣/ ٨٧).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار- باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٦) - وباب مقدم النبي -ﷺ- وأصحابه المدينة - رقم الحديث (٣٩٣٢) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٢٠٥) - (١٣٣١٨) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ١٠٨).
(٣) الشُّحُّ: هو أشدُّ البُخْل. انظر النهاية (٢/ ٤٠١). أراد أن كل واحدٍ منهم بَخِلَ على صاحبِهِ في إكرَامِ النبي -ﷺ-.
(٤) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٥٠١).
[ ٢ / ١٠٦ ]
فَصَلَّاهَا فِي المَسْجِدِ الذِي فِي بَطْنِ وَادِي رَانُونَاءَ (١) بِمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَهُمْ مِئَةٌ، وَاسْتَقْبَلَ بَيْتَ المَقْدِسِ، فَلَمَّا أَبْصَرَتْهُ اليَهُودُ صَلَّى إِلَى قِبْلَتِهِمْ تَذَاكَرُوا بَيْنَهُمْ أَنَّهُ النَّبِيُّ الذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ (٢).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: فَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالمُسْلِمِينَ بِالمَدِينَةِ، أَوْ مُطْلَقًا، لِأَنَّه واللَّه أَعْلَمُ لَمْ يَكنْ -ﷺ- يَتَمَكَّنُ هُوَ وَأَصْحَاُبهُ بِمَكَّةَ مِنَ الِاجْتِمَاعِ حَتَّى يُقِيمُوا بِهَا جُمُعَةً ذَاتَ خُطْبةٍ وإعْلَانٍ بِمَوْعِظَةٍ، وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِشِدَّةِ مُخَالفَةِ المُشْرِكِينَ لَهُ، وَأَذِيَّتِهِمْ إِيَّاهُ، وَسُمِّيَتِ الجُمُعَةُ جُمُعَةً؛ لِأنَّهَا مُشْتَقَّةً مِنَ الجَمْعِ، فَإِنَّ أَهْلَ الإِسْلَامِ يَجْتَمِعُونَ فِيهِ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً (٣).
* استِقْبَالُ أَهْلِ المَدِينَةِ الرَّسُولَ -ﷺ- وَفَرَحُهُمْ بِهِ:
ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- نَاقتهُ مِنْ دِيَارِ بَنِي سالِمِ بنِ عَوْفٍ، وَأَرْخَى (٤) لَهَا الزِّمَامَ، فَأتاهُ عِتْبَانُ بنُ مَالِكٍ، وَعَبَّاسُ بنُ عُبَادَةَ بنِ نَضْلَةَ فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي سالِمِ بنِ عَوْفٍ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه! أَقِمْ عِنْدَنَا فِي العَدَدِ وَالعُدَّةِ (٥)
_________________
(١) رَانُوناء: بوزن عاشوراء وادٍ بين قباء والمدينة. انظر معجم البلدان (٤/ ٣٨٤).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٠٨)، دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٥٠٠)
(٣) انظر تفسير ابن كثير (٨/ ١١٩) - البداية والنهاية (٣/ ٢٢٦).
(٤) يُقال: أرْخِ له الحبل: أي وسِّع عليه الأمر في تصرُّفه حتى يذهب حيث شاء. انظر لسان العرب (٥/ ١٨١).
(٥) العُدَّة: بضم العين ما أعددته لحوَادِث الدهر من المال والسلاح. انظر لسان العرب (٩/ ٧٩).
[ ٢ / ١٠٧ ]
وَالمَنَعَةِ (١)، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ"، فَخَلُّوا سَبِيلَهَا، فَانْطَلَقَتْ، حَتَّى إِذَا وَازَنَتْ دَارَ بَنِي بَيَاضَةَ، تَلَقَّاهُ زِيَادُ بنُ لَبِيدٍ -﵁-، وَفَرْوَةُ بنُ عَمْرٍو -﵁-، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي بَيَاضَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه! هَلُمَّ إِلَيْنَا، إِلَى الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ وَالْمَنَعَةِ، فَقَالَ -ﷺ-: "خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ" فَخَلُّوا سَبِيلَهَا، فَانْطَلَقَتْ، حَتَّى إِذَا مَرَّتْ بِدَارِ بَنِي سَاعِدَةَ، اعْترَضَهُ سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ -﵁-، وَالْمُنْذِرُ بنُ عَمْرٍو -﵁-، فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّه، هَلُمَّ إِلَيْنَا إِلَى الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ وَالْمَنَعَةِ، فَقَالَ -ﷺ-: "خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ"، فَانْطَلَقَتْ، حَتَّى دَخَلَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- المَدِينَةَ (٢) بَعْدَ الجُمُعَةِ، فِي جَوٍّ مَشْحُونٍ بِالفَرَحِ وَالبَهْجَةِ وَالسُّرُورِ، وَكَانَ يَوْمًا تَارِيخِيًّا مَشْهُودًا، فَقَدْ كَانَتِ البُيُوتُ وَالسِّكَكُ تَرْتَجُّ (٣) بِأَصْوَاتِ التَّحْمِيدِ وَالتَّكْبِيرِ.
قَالَ القَسْطَلَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَأَشْرَقَتِ المَدِينَةُ بِحُلُولهِ فِيهَا -ﷺ-، وَسَرَى السُّرُورُ إِلَى القُلُوبِ (٤).
_________________
(١) المَنَعَة: القوة التي تَمنع من يُريدهم بسُوءٍ. انظر النهاية (٤/ ٣١٠).
(٢) قال الشيخ علي الطنطاوي في كتابه رجال من التاريخ ص ٢٩: . . . دخل -ﷺ- المدينة لا يُرَفْرِف على رأسهِ علم، ولا يمشي وراءَهُ موكِبٌ، ولا يُقرع له طبل، ولكن تُرَفرف على رأسه رايةُ القُرآن، وتمشِي وراءه العُصُور القَوَادِمُ، ويخفِقُ له قلبُ التاريخِ ما بقي في الدنيا تَارِيخ.
(٣) الرَّجُّ: هو الحركة الشديدة. انظر النهاية (٢/ ١٨١).
(٤) انظر شرح المواهب (٢/ ١٦٥).
[ ٢ / ١٠٨ ]
قُلْتُ: وَكَيْفَ لَا تَفْرَحُ القُلُوبُ بِحُلُولهِ -ﷺ- وَهُوَ الحَبِيبُ المَحْبُوبُ بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي -ﷺ-.
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: إِنِّي لَأَسْعَى فِي الغِلْمَانِ يَقُولُونَ: جَاءَ مُحَمَّدٌ، فَأَسْعَى فَلَا أَرَى شَيْئًا، ثُمَّ يَقُولُونَ: جَاءَ مُحَمَّدٌ، فَأَسْعَى فَلَا أَرَى شَيْئًا، قَالَ: حَتَّى جَاءَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ، فكَمَنَّا (١) فِي بَعْضِ حِرَارِ (٢) المَدِينَةِ، ثُمَّ بَعَثَا رَجُلًا مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ لِيُؤْذِنَ بِهِمَا الأَنْصَارَ، فَاسْتَقْبَلَهُمَا زُهَاءَ (٣) خَمْسِ مِئَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ حَتَّى انتهَوا إِلَيْهِمَا، فَقَالَ الأَنْصَارُ: انْطَلِقَا آمِنَيْنِ مُطَاعَيْنِ، فَأَقْبلَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- وَصَاحِبُهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، فَخَرَجَ أَهْلُ المَدِينَةِ حَتَّى إِنَّ العَوَاتِقَ (٤) لفَوْقَ البُيُوتِ يَترَاءَيْنَهُ، يَقُلْنَ: أَيّهُمْ هُوَ؟ أَيُّهُمْ هُوَ؟
فَمَا رَأَيْنَا مَنْظَرًا شَبِيهًا بِهِ يَوْمَئِذٍ (٥).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ -﵁- قَالَ: . . . فَمَا رَأَيْتُ أَهْلَ المَدِينَةِ فَرِحُوا بِشَيءٍ فَرَحَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، حَتَّى جَعَلَ
_________________
(١) كمن: اختفى. انظر لسان العرب (١٢/ ١٦٠).
(٢) حرار المدينة: هي أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة. انظر النهاية (١/ ٣٥١).
(٣) زُهاء: أي قَدْر، يقال: هم زُهاء مائة: أي قدرها. انظر لسان العرب (٦/ ١٠٦).
(٤) العاتق: الشابة أول ما تدرك. انظر النهاية (٣/ ١٦٢).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٢٠٥)، (١٣٣١٨).
[ ٢ / ١٠٩ ]
الإِمَاءُ (١) يَقُلْنَ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (٢).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ بنِ عازِبٍ -﵁- قَالَ: . . . فَصَعَدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ البُيُوتِ، وَتَفَرَّقَ الغِلْمَانُ وَالخَدَمُ فِي الطُّرُقِ، ينَادُونَ: يَا مُحَمَّدُ! يَا رَسُولَ اللَّه! يَا مُحَمَّدُ! يَا رَسُولَ اللَّهِ (٣).
وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ البُخَارِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- قَالَ: . . . فَخَرَجَ النَّاسُ حِينَ قَدِمْنَا المَدِينَةَ فِي الطُّرُقِ، وَعَلَى البُيُوتِ مِنَ الغِلْمَانِ وَالخَدَمِ يَقُولُونَ: جَاءَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ (٤).
وَرَوَى البَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ عِنْ أَنسٍ -﵁- قَالَ: فَخَرَجَتْ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَارِ يَضْرِبْنَ بِالدُّفِ وَهُنَّ يَقُلْنَ:
نَحْنُ جَوَارٍ مِنْ بَنِي النَّجَارِ يَا حَبَّذَا مُحَمَّدٌ مِنْ جَارِ (٥)
وَأَخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا كَانَ اليَوْمُ الذِي دَخَلَ رَسُولُ
_________________
(١) الإماءُ: جمع أمَةٍ وهي المملوكَةُ، عكسُ الحرة. انظر القاموس المحيط ص ١٢٦٠.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب مقدم النبي -ﷺ- وأصحابه المدينة - رقم الحديث (٣٩٢٥).
(٣) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الزهد والرقائق - باب في حديث الهجرة - رقم الحديث (٣٠٠٩).
(٤) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب وصف قدوم المصطفى -ﷺ- المدينة - رقم الحديث (٦٢٨١).
(٥) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٥٠٨).
[ ٢ / ١١٠ ]
اللَّه -ﷺ- فِيهِ المَدِينَةَ، أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ (١).
وَأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: . . . فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا قَطُّ أَنْوَرَ وَلَا أَحْسَنَ مِنْ يَوْمِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ المَدِينَةَ (٢).
وَكَانَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- لَا يَمُرُّ بِدَارٍ مِنْ دُورِ الأَنْصَارِ إِلَّا أَخَذُوا خِطَامَ (٣) رَاحِلَتِهِ قَائِلِينَ: هَلُمَّ يَا رَسُولَ اللَّه إِلَى العَدَدَ وَالعُدَّةِ وَالمَنَعَةِ، فَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ -ﷺ-: "خَلُّوا سَبِيلَهَا فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ" (٤)، وَلَمْ تَزَلْ نَاقَتُهُ -ﷺ- سَائِرَةً بِه حَتَّى إِذَا أَتَتْ دَارَ بَنِي مَالِكِ ابنِ النَّجَارِ -وَهُوَ مَوْضِعُ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ اليَوْمَ- بَرَكَتْ فَلَمْ يَنْزِلْ عَنْهَا -ﷺ-، حَتَّى نَهَضَتْ وَسَارَتْ قَلِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَتْ، وَرَجَعَتْ وَبَرَكَتْ فِي مَوْضِعِهَا الأَوَّلِ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مَرْبِدٌ (٥) لِلتَّمْرِ لِسَهْلٍ وَسُهَيْلٍ ابْنَيْ عَمْرٍو غُلَامَيْنِ
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب ذكر إنكار الصحابة قلوبهم عند دفن الرسول -ﷺ- رقم الحديث (٦٦٣٤) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٨٣٠).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٢٣٤).
(٣) الخِطَام: هو الحَبْلُ الذي يُقَادُ به البعير. انظر النهاية (٢/ ٤٩).
(٤) قال الشيخ علي الطنطاوي في كتابه رجال من التاريخ ص ١٨: وأقبل الأنصار يدعونه -ﷺ- لينزِلَ فيهم يتسابقُونَ على هذا الشَّرَف الخالد، فماذا صَنَع -ﷺ-؟ انظروا إلى لُطفه ولَبَاقته -ﷺ-، إنه لا يريد أن يُؤْذِي أحدًا بالرَّفض، فقال: اتركوا الناقة فإنها مأمُورَة.
(٥) المِرْبَد: بكسر الميم وسكون الراء وفتح الباء، هو الموضع الذي يُجعل فيه التَّمر ليَنْشَف. انظر النهاية (٢/ ١٦٨).
[ ٢ / ١١١ ]
يَتِيمَيْنِ مِنْ بَنِي مَالِكِ بنِ النَّجَارِ، وَهُمَا فِي حِجْرِ أَسْعَدِ بنِ زُرَارَةَ -﵁-.
فَلَمَّا بَرَكَتْ وَضَعَتْ جِرَانَهَا (١)، فنَزَلَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّه -ﷺ-، وَذَلِكَ فِي بَنِي النَّجَارِ (٢) أَمَامَ دَارِ أَبِي أَيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ -﵁-، فَقَالَ -ﷺ-: "هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ المَنْزِلُ"، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ تَوْفِيقِ اللَّه تَعَالَى لِلنَّاقَةِ، فَإِنَّهُ -ﷺ- أَحَبَّ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ بَنِي النَّجَارِ (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: "أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ، أَخْوَالِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ" (٤).
_________________
(١) الجِرَان: بكسر الجيم، وهو باطن العُنُق. انظر النهاية (١/ ٢٥٥).
(٢) قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢١٦): وفي نزوله -ﷺ- في دارِ بني النجار، واختيارِ اللَّه له ذلك مَنْقبةٌ عظيمةُ، وقد كان في المدينة دُورُ كثيرة تبلغ تِسْعًا كل دار محلة مستَقِلة بمساكِنِها ونخِيلها وزروعها وأهلها، كل قبيلةِ من قبائلهم قد اجتمعوا في مَحلتهم، وهي كالقرى المتلاصقة، فاختار اللَّه لرسوله -ﷺ- دار بني مَالك بن النجار، وقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٣٧٨٩) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٥١١) عن أبي أُسيد -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "خيرُ دور الأنصار بنو النجار، ثم بنُو عبد الأشهَل، ثم بنُو الحارث بن الخَزْرج، ثم بنو سَاعِدة، وفي كل دور الأنصار خير".
(٣) أخرج ذلك كله: البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب ابتناء مسجد النبي -ﷺ- رقم الحديث (٥٢٤) - والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٥٠٤) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ١٠٩).
(٤) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الزهد والرقائق - باب حديث الهجرة - رقم الحديث (٣٠٠٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب فصل في هجرته -ﷺ- إلى المدينة - رقم الحديث (٦٢٨١).
[ ٢ / ١١٢ ]
ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "أَيُّ بُيُوتِ أَهْلِنَا (١) أَقْرَبُ؟ ".
فَقَالَ أَبُو أَيُّوبَ: أَنَا يَا نَبِيَّ اللَّه، هَذِهِ دَارِي، وَهَذَا بَابِي، فَقَالَ لَهُ -ﷺ-: "فَانْطَلِقْ فَهَيِّئْ لَنَا مَقِيلًا" (٢)، فَاحْتَمَلَ أَبُو أَيُّوبَ -﵁-، رَحْلَ (٣) النَّبِيِّ -ﷺ- فَوَضَعَهُ فِي بَيْتهِ، فَأَتَى رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّه! أَيْنَ تَحِلُّ؟
قَالَ -ﷺ-: "المَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ"، وَجَاءَ أَسْعَدُ بنُ زُرَارَةَ فَأَخَذَ بِزِمَامِ رَاحِلَتِهِ -ﷺ- وَكَانَتْ عِنْدَهُ (٤).
وَنَزَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- عَلَى خَارِجَةَ بنِ زَيْدٍ -﵁- بِالسُّنْحِ (٥)، كما تقدم (٦).
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٦٦): أطلَقَ عليهم -ﷺ- أهلَه لقرابةِ ما بينهم من النِّسَاء؛ لأن منهم -أي بني النجار- والدةُ عبد المطلب جدّه، وهي سلمى بنتِ عَوف من بَنِي مالك بن النجار.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٦٦): أي مكانًا تقع فيه القيلُولَة، والقيلولة هي: الاستِرَاحة نصف النهار، وإن لم يكن معها نَوْم. وأخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩١١).
(٣) الرَّحْلُ: هو للبعيرِ كالسَّرج للفرس. انظر النهاية (٢/ ١٩٢).
(٤) أخرج ذلك ابن سعد في طبقاته (١/ ١١٤) - وقال بعد إيراده هذه الرواية: وهذا الثبت.
(٥) السُّنْحُ: بضم السين، موضعٌ بعوالي المدينة فيه منازِلِ بني الحارث بن الخزرج. انظر النهاية (٢/ ٣٦٦).
(٦) انظر تفاصيل هجرة الرسول -ﷺ- في: صحيح البخاري - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٦) - (٣٩١١) - (٣٩٣٢) - صحيح مسلم - كتاب الزهد والرقائق - باب في حديث الهجرة - رقم الحديث (٢٠٠٩) -=
[ ٢ / ١١٣ ]
* هَذِهِ الْأَبْيَاتُ فِيهَا نَظَرٌ:
طَلَعَ البَدْرُ عَلَيْنَا مِنْ ثَنِيَّاتِ الوَدَاع
وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا مَا دَعَا للَّهِ دَاع (١)
_________________
(١) = ومسند الإمام أحمد - رقم الحديث (٣١٢٠٥) - (١٣٣١٨) - وصحيح ابن حبان - باب التاريخ - فصل في هجرته -ﷺ- إلى المدينة - رقم الحديث (٦٢٨١) - سيرة ابن هشام (٢/ ١٠٨ - ١٠٩) - دلائل النبوة للبيهقي (٢/ ٥٠٨ - ٥٠٩) - زاد المعاد (٣/ ٥٣) - الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١١٤).
(٢) روى ذلك البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٢٦٦) بإسنادٍ ضعيف، وأورده الإمام أبو حامد الغزالي في "الإحياء" (٢/ ٣٨٦)، وأعلَّه الحافظ العراقي في تخريجه على الإحياء بقوله: إسناده معضل. [الحديث المعضل: ما سقط من إسناده إثنان فأكثر على التوالي]. قال ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٤٨٢): وبعض الرواة يَهم في هذا ويقول: إنما كان ذلك -أي إنشادُ هذه الأبيات- عند مقدمِهِ -ﷺ- إلى المدينة من مكةَ، وهو وَهْمٌ ظاهر؛ لأن ثنيَّات الوداع إنما هي من ناحيةِ الشام، لا يراها القادم من مكة إلى المدينة، ولا يمُرُّ بها إلا إذا توجَّه إلى الشام. وقال الحافظ في الفتح (٨/ ٤٧٣): وقد روينا بسند منقطع في "الحلبيَّات" قول النِّسْوة لما قدم النبي -ﷺ- المدينة: طلعَ البدرُ علينا من ثنيَّات الوداع. تنبيه: أورد الغزالي هذه الأبيات بزيادة "بالدف والألحان"، وتعقَّبه الحافظ العراقي بقوله: وليس فيه ذكر للدُّفّ والألحان.
[ ٢ / ١١٤ ]
مَظَاهِرُ الهِجْرَةِ وَعَوَامِلُ نَجَاحِهَا
قَالَ الأُسْتَاذُ أَحْمَدُ عَبْدُ العَظِيمِ فِي كِتَابِهِ التَّخْطِيطُ لِلْهِجْرَةِ: نَجَحَتْ خُطَّةُ الهِجْرَةِ نَجَاحًا يُعْتَبَرُ بِمَقَايِيسِ الزَّمَنِ إِعْجَازًا، وَحَقَّقَتْ أَهْدَافًا جَعَلَتْهَا تَسْتَحِقُّ أَنْ تَكُونَ بِدَايَةً لِلتَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ، فَمَا مَظَاهِرُ هَذَا النَّجَاحِ؟
١ - بَعْدَ الهِجْرَةِ خَسِرَتْ قُرَيْشٌ مَوَازِينَ القُوَّةِ وَالمَكَانَةِ التِي تَوَارَثتهَا عَلَى مَدَى قُرُونٍ وَزَالَ عَنْهَا سُلْطَانُهَا. . . وَدَبَّ الخِلَافُ بَيْنَ أَبْنَائِهَا وَتَسَلَّلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ إِلَى المَدِينَةِ فَأَسْلَمُوا.
٢ - لَمْ تَعْدُ قُرَيْشٌ حَاجِزًا فِي وَجْهِ الدَّعْوَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، إِذْ أَسْقَطَتْ الهِجْرَةُ رَهْبَتَهَا مِنْ نُفُوسِ المُسْتَضْعَفِينَ وَالخَائِفِينَ، كَمَا أُسْقِطَتْ هَيبتُهَا مِنْ قُلُوبِ العَرَبِ، فَلَمْ تَعُدْ مِثْلَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ، فَبَدَأَتِ الغَشَاوَةُ تَنْزَاحُ عَنْ عُيُونِهِمْ، وَنَظَرُوا إِلَى مُحَمَّدٍ -ﷺ-، وَدَعْوتهِ نَظْرَةً مُحَايِدَةً خَالِصَةً مِنْ تَأْثِيرِ قُرَيْشٍ وَضَلَالَاتِهَا فَدَخَلُوا فِي دِينِ اللَّه أَفْوَاجًا، وَهَكَذَا جَاءَتْ قبَائِلُ العَرَبِ مِنْ تَبُوكَ وَالطَّائِفِ وَمِنْ كُلِّ جِهَةٍ يُبَايِعُونَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-.
٣ - وَبِالهِجْرَةِ ارْتَفَعَتْ مَكَانَةُ المَدِينَةِ، وَأَصْبَحَتْ هِيَ مَحَطُّ الأَنْظَارِ،
[ ٢ / ١١٥ ]
وَتَحْتَ لِوَائِهَا تَوَحَّدَتِ الجَزِيرَةُ العَرَبِيَّةُ، وَأَصْبَحَتْ هِيَ العَاصِمَةُ وَالمَرْكَزُ وَالقَلْبُ. . . وَبَيْنَ رُبُوعِهَا قَامَتْ أَوَّلُ جَمَاعَةٍ عَلَى أَسَاسِ العَقِيدَةِ، لَا عَلَى أَسَاسِ القَبِيلَةِ، وَمِنْهَا بَعَثَ العَرَبُ قُوَّةً مُحَرِكَّةً فَعَالَةً لِأَدَاءِ رِسَالَتِهِمُ الإِسْلَامِيَّةِ.
٤ - وَبِالهِجْرَةِ تَغَيَّرَتْ حَيَاةُ العَرَبِ مِنْ قَوْمٍ يَشِنُّونَ الحُرُوبَ وَيَسْفِكُونَ الدِّمَاءَ لِأَتْفَهِ الأَسْبَابِ إِلَى أَصْحَابِ قِيمٍ وَمبَادِئَ يَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ، وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ، وَقَوِيتْ رَوَابِطُ الأُخُوَّةِ وَالمَحَبَّةِ بِيْنَهُمْ، وَزَالَتْ بَوَاعِثُ البُغْضِ وَالكَرَاهِيَةِ وَالثَّأْرِ وَالِانْتِقَامِ حَتَّى أَنَّ الأَنْصَارَ وَالمُهَاجِرِبنَ اقْتَسَمُوا دُورَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ، وَاشْترَكُوا فِي مَشَاعِرَ وَاحِدَةٍ مُتَعَاوِنِينَ مُتَرَاحِمِينَ، وَقَدْ حَرَّرَهُمُ الإِسْلَامُ مِنَ التَّقْلِيدِ وَالجَهَالَةِ وَالرَّذِيلَةِ، وَجَمَعَهُمْ عَلَى الأَخْلَاقِ فَعَمَّتِ الفَضِيلَةُ وَانْتَشَرَتِ العُلُومُ وَالمَعَارِفُ وَاخْتَفَى الجَهْلُ وَالجَاهِلِيَّةُ.
قَالَ الفَيْلَسُوفُ الإِنْجِلِيزِيُّ (تُومَاسْ كَارْلِيلْ) عَنِ العَرَبِ:
قَوْمٌ يَضْرِبُونَ فِي الصَّحْرَاءِ لَا يُعْتَنَى بِهِمْ عِدَّةَ قُرُونٍ، فَلَمَّا جَاءَهُمُ النَّبِيُّ العَرَبِيُّ صَارُوا قِبْلَةَ الأَنْظَارِ فِي العُلُومِ وَالمَعَارِفِ، وَكَثُرُوا بَعْدَ أَنْ كَانُوا قِلَّةً، وَعَزُّوا بَعْدَ أَنْ كَانُوا أَذِلَّاءَ، وَلَمْ يَمْضِ قَرْنٌ بَعْدَ الإِسْلَامِ حَتَّى اسْتَضَاءَتْ أَطْرَافُ الأَرْضِ بِعُقُولهِمْ وَعُلُومِهِمْ.
٥ - ظَهَرَتْ بِالهِجْرَةِ أُمَّةٌ إِسْلَامِيَّةٌ جَمَعَهَا الإِسْلَامُ، وَلَمْ تَجْمَعْهَا عَصَبِيَّاتٌ قَبَلِيَّةٌ، فَتَمَيَّزَتْ فِي تَكْوِينهَا، وَكَانَتْ حَضَارَتُهَا سَامِقَةً بَيْنَ حَضَارَاتِ التَّارِيخِ،
[ ٢ / ١١٦ ]
أُمَّةٌ تَرْبِطُ بَيْنَ أَفْرَادِهَا مَشَاعِرُ الحُبِّ وَالإِخَاءَ القَائِمِ عَلَى ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّه تَعَالَى، وَوَفْقِ إِرَادَتِهِ: ﴿وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
٦ - كَانَ المُجْتَمَعُ الإِسْلَامِيُّ بَعْدَ الهِجْرَةِ يَقُومُ عَلَى المَبَادِئِ وَالأَخْلَاقِ، وَيَعْتَصِمُ بِأَحْكَامِ الإِسْلَامِ، فَاسْتَقَرَّتْ فِيهِ الفَضَائِلُ، فَأَصْبَحَتِ المَدِينَةُ قَاعِدَةً لِأُمَّةٍ فَاضِلَةٍ، انْطَلَقَتْ لِتَزْرَعَ مَبَادِئَهَا فِي العَالَمِ كُلِّهِ مُغَيِّرةً بِذَلِكَ وَجْهَ التَّارِيخِ.
٧ - الهِجْرَةُ أَعْطَتِ الإِسْلَامَ حُرِيَّةَ الحَرَكَةِ دَاخِلَ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ وَخَارِجَهَا فَقَدْ بَادَرَ الرَّسُولُ -ﷺ- فَوْرَ اسْتِقْرَارهِ بِالمَدِينَةِ إِلَى مُمَارَسَةِ الِاتِّصَالَاتِ المُباشِرَةِ مَعَ القَبَائِلِ العَرَبِيَّةِ عَنْ طَرِيقِ الرَّسَائِلِ. . . كَمَا بَادَرَ بِإِرْسَالِ السُّفَرَاءِ إِلَى المُلُوكِ وَالرُّؤَسَاءَ فِي الدُّوَلِ المُجَاوِرَةِ، وَلقدْ أتتْ هَذِهِ الِاتِّصَالَاتُ بِنَتَائِجَ إِيجَابِيَّةٍ كَانَ لَهَا صَدَاهَا طَوالَ مَرَاحِلِ التَّارِيخِ الإِسْلَامِيِّ.
٨ - كَانَتِ الهِجْرَةُ مُقَدِّمَةً لِإِنْهَاءِ العُصُورِ الوَثَنِيَّةِ، وقِيَامِ عَصْرٍ جَدِيدٍ شِعَارُهُ الإِيمَانُ، وكَرَامَةُ الإِنْسَانِ، وَتَحْرِيرُ النَّاسِ مِنْ عُبُودِيَّةِ الأَوْثَانِ إِلَى عُبُودِيَّةِ الإِلَهِ الوَاحِدِ.
٩ - الهِجْرَةُ كَانَتْ إِعْلَانًا ببدَايَةِ الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ وَفْقًا لِلْأُسُس والنُّظُمِ
_________________
(١) سورة الأنفال آية (٦٣).
[ ٢ / ١١٧ ]
المُتَعَارَفِ عَلَيْهَا فِي العُرْفِ الدُّوَليِّ السَّائِدِ الْآنَ وهِيَ: الشَّعْبُ، والأرْضُ، والسُّلْطَةُ.
١٠ - الهِجْرَةُ كَانَتْ هِيَ السَّبَبُ فِي انْتِصَارَاتِ المُسْلِمِينَ الكُبْرَى، وفِي الفُتُوحَاتِ الإِسْلَامِيَّةِ في دِمَشْقَ، وبَغْدَادَ، والفُسْطَاطِ، والقَيْرَوَانِ، وفَارِسَ، وقُرْطُبَةَ، وهِيَ السَّبَبُ فِي دُخُولِ الإِسْلَامِ إِلَى كُلِّ عَوَاصِمِ العَالَمِ، وتَكْوِينِ الإِمبرَاطُورِيَّةِ الإسْلَامِيَّةِ مِنَ الهِنْدِ شَرْقًا إِلَى المُحِيطِ الأَطْلَنْطِيِّ غَرْبًا.
١١ - الهِجْرَةُ هِيَ التِي حَقَّقَتْ عَالَمِيَّةَ الإِسْلَامِ، وَنَشَرَتْ مَبَادِئَهُ فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَخَلَّصَتِ العَالَمَ مِنْ بَرَاثِنِ الإِمبرَاطُورِيَّاتِ التِي ذَاقَتِ الأَمَرَّينِ مِنَ الظُّلْمِ وَالِاضْطِهَادِ فِي الشَّامِ، وآسِيَا الصُّغْرَى، والشَّمَالِ الإِفْرِيقِيِّ.
١٢ - بِالهِجْرَةِ تَخَلَّصَ العَالَمُ بِأَجْمَعِهِ مِنَ الفَوْضَى والهَمَجِيَّةِ، وانْتَقَلَ إِلَى مَرْحَلَةِ التَّحَضُّرِ والإِنْسَانيَّةِ. . . لَيْسَ هَذَا مِنْ قَبِيلِ المُبالَغَةِ لَكِنَّهَا شَهَادَةُ حَقٍّ شَهِدَ بِهَا الأَعْدَاءُ قَبْلَ الأَصْدِقَاءِ.
١٣ - أعَادَتِ الهِجْرَةُ صَقْلَ (١) الخَامَاتِ البَشَرِيَّةِ فِي العَالَمِ الإِسْلَامِيِّ، وسَاعَدَ الِاسْتِقْرَارُ عَلَى إبْرَازِ المَوَاهِبِ، والطَّاقَاتِ التِي كَانَتْ كَامِنَةً تَحْتَ ظُلُمَاتِ الجَاهِلِيَّةِ والكُفْرِ، والخُلُودِ إِلَى الأَرْضِ، فَانْطَلَقُوا وقَدِ اسْتَضَاؤُوا بِنُورِ الإِسْلَامِ، عَبْقَرِيَّات تَفْتَحُ البِلَادَ، وتُقِيمُ العَدْلَ، وتُؤَسِّس الدُّوَلَ، وتُحْسَبُ فِي
_________________
(١) الصَّقْل: الجِلاء. انظر لسان العرب (٧/ ٣٧٧).
[ ٢ / ١١٨ ]
عِدَادِ العُظَمَاءِ فِي كُلِّ العُصُورِ، ولَوْلَا الهِجْرَةُ مَا وَجَدَ هَؤُلَاءِ مَنَاخَ الِانْطِلَاقِ.
لَا شَكَّ بَعْدَ هَذَا. . . أَنَّ الهِجْرَةَ كَانَتْ بِدَايَةَ انْطِلَاقِ الإِسْلَامِ إِلَى كُلِّ الآفَاقِ، وفَاتِحَةَ خَيْرٍ لبنَاءِ الدَّوْلَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، وبُشْرَى تَخْلِيصِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنْ بَرَاثِنِ الظُّلْمِ وَالطُّغْيَانِ، وإرْهَاصَةَ (١) قِيَامِ الحَضَارَةِ الإِسْلَامِيَّةِ، لِهَذَا كَانَ الإِصْرَارُ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى أَنْ تَكُونَ الهِجْرَةُ، ولَيْسَتِ البِعْثَةُ أَوْ وَفَاةُ الرَّسُولِ -ﷺ- هِيَ بِدَايَةُ التَّأْريخِ الإِسْلَامِيِّ (٢).
إِنَّ إِلْهَامَ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- وَصِدْقَ فِرَاسَتِهِ فِي الِاعْتِدَادِ بِالهِجْرَةِ، وجَعْلِهَا بِدَايَةَ التَّأْرِيخِ (٣) الإِسْلَامِيِّ كَانَ فِي مَحَلِّهِ ومَوْضِعِهِ.
_________________
(١) الإرهاص: المقدمة للشيء. انظر لسان العرب (٥/ ٣٤٣).
(٢) انظر كتاب التخطيط للهجرة مبادئ علمية وإلهامات ربانية ص ١١٥ - ١٢٣ للأستاذ أحمد عبد العظيم.
(٣) أخرج الإمام البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب التاريخ، من أين أرَّخُوا التاريخ؟ - رقم الحديث (٣٩٣٤) عن سهل بن سعد -﵁- قال: ما عَدُّوا من مَبْعَث النبي -ﷺ- ولا من وَفَاته، ما عدّوا إلا من مقدمه المدينة. وأخرج الحاكم في المستدرك وصححه - كتاب الهجرة - باب مشاورة عمر -﵁- في أمْرِ تاريخ الإسلام - رقم الحديث (٤٣٤٤) عن سعيد بن المسيب قال: جمَعَ عمر -﵁- الناس فسألهم: من أي يومٍ يكتب التاريخ؟ فقال علي بن أبي طالب -﵁-: من يوم هَاجر رسول اللَّه -ﷺ- وترَكَ أرضَ الشرك، ففعله عمر -﵁-. قال الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٢٠): اتفق الصحابة -﵃- أجمعين في سنة ست عشرة وقيل سنة سبع عشرة، أو ثماني عشرة في الدولة العُمَرية على جعل ابتداء =
[ ٢ / ١١٩ ]
* النَّبِيُّ -ﷺ- فِي بَيْتِ أَبِي أيُّوبٍ الأَنْصَارِيِّ:
ذَكَرْنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّه -ﷺ- لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَبِي أَيُّوبٍ الْأَنْصَارِيِّ -﵁-، وَقَدْ فرِحَ أَبُو أَيُّوبٍ -﵁- بِنُزُولِ الرَّسُولِ -ﷺ- عِنْدَهُ، وكَان -﵁- شَدِيدَ الحِرْصِ عَلَى رَاحَةِ الرَّسُولِ -ﷺ-.
نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي القِسْمِ السُّفْلِيِّ مِنْ بَيْتِ أَبِي أيُّوبٍ، وأَبُو أَيُّوبَ
_________________
(١) = التاريخ الإسلامي من سنة الهجرة، وذلك أن أمير المؤمنين عمر -﵁- رُفِعَ إليه صَكٍّ -أي حُجَّة- لرجلٍ على آخر وفيه: إنه يحل عليه في شعبان، فقال عمر -﵁-: أي شَعْبان؟ أشَعْبَان هذه السنة التي نحن فيها، أم السنة الماضية، أم الآتية؟ ثم جَمَعَ الصحابة فاستشارهم في وضع تاريخ يتعرَّفُون به حُلُولَ الديون وغير ذلك، فقال قائل: أرِّخوا كتاريخِ الفرس فكَرِه عمر -﵁- ذلك، وكانت الفرس يؤرخون بمُلُوكهم واحد بعد واحد، وقال قائل: أرخوا بتاريخ الرُّوم، وكانوا يؤرخون بملك إسكندر بن فلبس المَقْدُوني فكَرِه عمر -﵁- ذلك، وقال آخرون أرخوا بمولد رسول اللَّه -ﷺ-، وقال آخرون: بل بمبعثه، وقال آخرون: بل بهجرته، وقال آخرون: بل بوفَاته، فمال عمر -﵁- إلى التاريخ بالهجرة لظهورهِ واشتهارِه، واتفقوا معه على ذلك. وقال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٨٧): وقد أبدى بعضهم للبداءة بالهجرة مُناسبة، فقال: كانت القضايا التي اتفقت له، ويمكن أن يُؤَرَّخ بها أربعة: مولده، ومبعثه، وهجرته، ووفاته -ﷺ-، فرجح عندهم جعلها من الهجرة لأن المولِدَ والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين السنة، وأما الوفاة فأعرضوا عنه لما تُوقِع بذكره من الأسَفِ عليه -ﷺ-، فانحَصَر في الهِجْرة، وإنما أخَّروه من ربيع الأول إلى المحرم لأن ابتداءَ العزْمِ على الهجرة كان في المحرم، إذ البيعة -أي بيعة العقبة الثانية- وقعت أثناء ذي الحجة وهي مقدمة الهجرة، فكان أول هلالٍ استهل بعد البيعة، والعزم على الهجرة هلال المحرم فناسبَ أن يجعل مبتدأ، وهذا أقْوَى ما وقفتُ عليه من مناسبةِ الابتداء بالمحرم.
[ ٢ / ١٢٠ ]
وَزَوْجَتُهُ فِي القِسْمِ العُلْوِيِّ، فَانْتَبَهَ أَبُو أيُّوبٍ لَيْلَةً فَقَالَ: نَمْشِي فَوْقَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-!
فتَنَحَّوا فَكَانُوا فِي جَانِبٍ، فَلَمْ يَزَلْ سَاهِرًا حَتَّى أصْبَحَ، وفي الصَّبَاحِ أتَى الرَّسُولَ -ﷺ- فقَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي إِنِّي لَأَكْرَهُ، وَأُعْظِمُ أَنْ أَكُونَ فَوْقَكَ، وتَكُونَ تَحْتِي، فكُنْ أَنْتَ فِي العُلْوِ، ونَنْزِلُ نَحْنُ فَنَكُونُ فِي السُّفْلِ، فَقَالَ لَهُ -ﷺ-: "يَا أبَا أيُّوبَ السُّفْلُ أرْفَقُ بِنَا وبِمَنْ يَغْشَانَا" (١).
قَالَ أَبُو أيُّوبٍ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- في سُفْلِهِ، وكُنَّا فَوْقَهُ فِي المَسْكَنِ، فَلَقَدِ انْكَسَرَ حُبٌّ (٢) لَنَا فِيهِ مَاءٌ، فَقُمْتُ أنَا وَأُمُّ أيُّوب بِقَطِيفَةٍ (٣) لنَا، مَا لَنَا لِحَافٌ غَيْرُهَا، نَنَشِّفُ بِهَا المَاءَ تَخَوُّفًا أَنْ يَقْطُرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْهُ شَيْءٌ فيؤْذِيَهُ، فنَزَلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّه -ﷺ- فَقُلْتُ: لَا أَعْلُو سَقِيفَةً أَنْتَ تَحْتَهَا، وَلَمْ يَزَلْ أَبُو أيُّوبٍ بِالرَّسُولِ -ﷺ-، يَرْجُوهُ ويُلحُّ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ هُوَ -ﷺ- فِي الأَعْلَى، وَأَنْ يَكُونَ أَبُو أيُّوب فِي الأَسْفَلِ، فَقَبِلَ الرَّسُولُ -ﷺ- أَنْ يَكُونَ فِي الأَعْلَى.
قَالَ أَبُو أيُّوب -﵁-: وكُنَّا نَصْنَعُ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- العَشَاءَ، ثُمَّ نَبْعَثُ بِهِ إِلَيْهِ، فَإِذَا رَدَّ عَلَيْنَا فَضْلَهُ تَيَمَّمْتُ (٤) أنَا وَأُمُّ أيُّوبٍ مَوْضعَ أصَابِعِهِ، فَأَكَلْنَا مِنْهُ نَبْتَغِي بِذَلِكَ
_________________
(١) غَشَوْهُ: أي ازدَحَمُوا عليه وكثروا. انظر النهاية (٣/ ٣٣١).
(٢) الحُبُّ: بضم الحاء: هي الجَرَّة، أو الضخمة منها. انظر القاموس المحيط (١/ ٧١).
(٣) القَطِيفة: كِسَاء. انظر النهاية (٤/ ٧٥).
(٤) يُقال يمَّمْته وتيمَّمته: إذا قَصَدْته. انظر النهاية (٥/ ٢٥٩).
[ ٢ / ١٢١ ]
البَرَكَةَ، حَتَّى بَعَثْنَا إِلَيْهِ لَيْلَةً بِعَشَائِهِ، وَقَدْ جَعَلْنَا لَهُ فِيهِ بَصَلًا أَوْ ثُومًا، فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-، وَلَمْ أرَ لِيَدِهِ فِيهِ أَثَرًا، قَالَ: فَجِئْتُهُ فَزِعًا، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّه! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، رَدَدْتَ عَشَاءَكَ، وَلَمْ أَرَ فِيهِ مَوْضعَ يَدِكَ، وكُنْتَ إِذَا رَدَدْتَهُ عَلَيْنَا، تيَمَّمْتُ أنا وَأُمُّ أيُّوبٍ موضع يَدِكَ، نَبْتَغِي بِذَلِكَ البَرَكَةَ، فَمَا مَنَعَكَ مِنْهُ؟
قَالَ -ﷺ-: "إنِّي وَجَدْتُ فِيهِ رِيحَ هَذِهِ الشَّجَرَةِ، وأنَا رَجُلٌ أُنَاجِي"، فَقَالَ أبُو أيُّوبٍ: أحَرَامٌ هُوَ؟
قَالَ: "لَا، وَلَكِنِّي أَكْرَهُهُ" (١)، فَقَالَ أَبُو أيُّوبٍ: فَإِنِّي أكْرَهُ مَا تَكْرَهُ (٢).
وذَلِكَ لِأَنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- كَانَتْ تَأْتِيهِ المَلَائِكَةُ (٣).
قَالَ أَبُو أيُّوبٍ: وَلَمْ نَصْنَعْ لِلرَّسُولِ -ﷺ- طَعَامًا فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الثَّوْمِ أَوِ البَصَلِ بَعْدُ (٤).
_________________
(١) في رواية ابن حبان في صحيحه بسند صحيح - رقم الحديث (٢٠٩٢) قال أبو أيوب -﵁-: لم أرَ أدرَك فيه يا رسول اللَّه، فقال النبي -ﷺ-: "أستَحْى من ملائكة اللَّه، وليَس بمُحَرَّم".
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٤/ ١٠): وأما كراهة أبي أيوب -﵁- فمن الأدب المَحْبُوب الجميل، وفيه إجلال أهل الفضل والمبالغة في الأدب معهم.
(٣) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٤/ ١٠): وفي الحديث منقبة ظاهرةٌ لأبي أيوب الأنصاري -﵁- من أوجُهٍ منها: نُزُوله أسفلَ النبي -ﷺ-، ومنها أدبُه معه، ومنها موافقتُه في تَرْكِ الثُّومِ.
(٤) أخرج نزول الرسول -ﷺ- عند أبي أيوب -﵁-: الإمام مسلم في صحيحه - كتاب الأشربة - باب إباحة أكل الثوم - رقم الحديث (٢٠٥٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم=
[ ٢ / ١٢٢ ]
وَمَا كَانَتْ تَمُرُّ لَيْلَةٌ إِلَّا وَعَلَى بَابِ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- الثَّلَاثَةُ والأَرْبَعَةُ مِنَ الصَّحَابَةِ الأَنْصَارِ، يَتَنَاوَبُونَ فِي حَمْلِ طَعَامِهِمْ إِلَى الرَّسُولِ -ﷺ-، حَتَّى تَحَوَّلَ مِنْ بَيْتِ أَبِي أَيُّوبٍ إِلَى حُجُرَاتِهِ -ﷺ- (١).
* مُدَّةُ إِقَامَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي بَيْتِ أَبِي أيُّوبٍ -﵁-:
كَانَتْ مُدَّةُ إِقَامَةِ الرَّسُولِ -ﷺ- فِي بَيْتِ أَبِي أيُّوبٍ -﵁- شَهْرًا وَاحِدًا (٢).
ورَوَى ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ: أَنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- أقَامَ فِي بَيْتِ أَبِي أَيُّوبٍ سَبْعَةَ أشْهُرٍ (٣).
قُلْتُ: وَالذِي نَمِيلُ إِلَيْهِ هُوَ مَا قَاله الحَافِظُ ابنُ حَجَرٍ مِنْ أَنَّهُ -ﷺ- أَقَامَ فِي بَيْتِ أَبِي أيُّوبٍ الأنْصَارِيِّ -﵁- شَهْرًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ بِنَاءَ المَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وبِنَاءَ حُجُرَاتِهِ -ﷺ- لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ إِلَّا أيَّامًا قَلِيلَةً؛ لِأَنَّ البِنَاءَ كَانَ فِي أبْسَطِ صُورَةٍ، كَمَا سَيَأْتِي.
_________________
(١) = الحديث (٢٣٥٠٧) - (٢٣٥١٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب فرض الجماعة والأعذار التي تبيح تركها - رقم الحديث (٢٠٩٢) - (٢٠٩٤) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب قيام النبي -ﷺ- في بيت أبي أيوب - رقم الحديث (٥٩٩٢) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ١١٢).
(٢) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١١٤).
(٣) ذكر ذلك الحافظ في تهذيب التهذيب (١/ ٥١٩).
(٤) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١١٤).
[ ٢ / ١٢٣ ]
* إِكْرَامُ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ لِأَبِي أيُّوبٍ -﵁-:
وَتَمُرُّ الأيَّامُ، ويَقْدُمُ هَذَا الرَّجُلُ الكَرِيمُ أَبُو أيُّوبٍ الأَنْصَارِيُّ -﵁- البَصْرَةَ، وكَانَ وَالِيهَا يَوْمَئِذٍ عَبْدُ اللَّه بنُ عَبَّاسٍ ﵄ مِنْ قِبَل عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، فَوَجَدَ ابنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الفُرْصَةَ العَظِيمَةَ لِرَدِّ الجَمِيلِ لِأَبِي أيُّوبٍ -﵁-، فَقَدْ أخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ حَبِيبِ بنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ: أَنَّ أبَا أيُّوبٍ الأَنْصَارِيَّ قَدِمَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ البَصْرَةَ، فَفَرَّغَ لَهُ بَيْتَهُ، وَقَالَ لَهُ: لَأَصْنَعَنَّ بِكَ كَمَا صَنَعْتَ بِرَسُولِ اللَّه -ﷺ-، ثُمَّ قَالَ ابنُ عَبَّاس لِأَبِي أيُّوبٍ: كَمْ عَلَيْكَ مِنَ الدَّيْنِ؟ قَالَ: عِشْرُونَ أَلْفًا، قَالَ: فَأَعْطَاهُ أرْبَعِينَ أَلْفًا، وعِشْرِينَ مَمْلُوكًا، وَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَكَ مَا فِي البَيْتِ (١).
قَالَ الدُّكتُور مُحَمَّد أَبُو شَهْبَة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: ومَا كَانَ أَبُو أيُّوبٍ -﵁عَلِمَ اللَّه- لِيَرْجُوَ عَلَى مَا عَمِلَ مِنْ ضِيَافَةِ الرَّسُولِ -ﷺ- وإكْرَامِهِ جَزَاءً مِنْ أحَدٍ، مَا كَانَ يَرْجُو إِلَّا رِضَاءَ اللَّه وَرَسُولهِ، ولَكِنَّهُ الأَدَبُ الذِي أَدَّبَ اللَّه بِهِ هَذِهِ الأُمَّةَ، وهُوَ رَدُّ المَعْرُوفِ بِمِثْلِهِ أَوْ بِخَيْرٍ مِنْهُ، وَأَحَقُّ مَنْ رَعَى هَذَا الأَدَبَ الرَّسُولُ -ﷺ- وَآله الكِرَامُ، وَقَدْ أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ والإِمَامُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب إعطاء ابن عباس أبا أيوب مالًا كثيرًا - رقم الحديث (٥٩٩٠).
[ ٢ / ١٢٤ ]
قَالَ: ". . . وَمَنْ صَنَعَ إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فكَافِئُوهُ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مَا تُكَافِئُونَهُ، فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَرَوْا أنَّكُمْ قَدْ كَافَأتمُوُهُ" (١).
* قُدُومُ آلِ النَّبِيِّ -ﷺ- وعِيَالُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-:
بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وهُوَ فِي بَيْتِ أَبِي أَيُّوبٍ -﵁-، زَيْدَ بنَ حَارِثَةَ وأبَا رَافِعٍ مَوْلَاهُ ﵄، إِلَى مَكَّةَ، وأعْطَاهُمَا بَعِيرَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ درْهَمٍ لِيَأْتِيَاهُ بِأَهْلِهِ، فَقَدِمَا بِفَاطِمَةَ ﵂، وأُمِّ كُلْثُومٍ ﵂ ابْنَتَيْهِ -ﷺ-، وسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ ﵂ زَوْجَتِهِ -ﷺ-، وأُمِّ أيْمَنَ ﵂ حَاضِنَةِ الرَّسُولِ -ﷺ-، وزَوْجِ زَيْدِ بنِ حَارِثَةَ -﵁-، وابْنِهَا أُسَامَةَ بنِ زَيْدٍ -﵁-.
وَأَمَّا زَيْنَبُ بِنْتُ الرَّسُولِ -ﷺ-، فَمَنَعَهَا زَوْجُهَا أَبُو العَاصِ بنُ الرَّبِيعِ -وَكَانَ لَا يَزَالُ مُشْرِكًا- مِنَ الهِجْرَةِ (٢)، وَأَمَّا رُقيّةُ ﵂ بِنْتُ الرَّسُولِ -ﷺ- فَهَاجَرَتْ مِنْ قَبْلُ مَعَ زَوْجِهَا عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ ﵄.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الزكاة - باب عطية من سأل باللَّه - رقم الحديث (١٦٧٢) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٥٣٦٥) - وانظر كلام الدكتور محمد أبو شهبة ﵀ في كتابه السيرة النبوية (٢/ ٢٧).
(٢) ثم إِنَّ أبا العاص بن الربيعِ -﵁- أُسِرَ في غزوة بدر الكبرى، ففدَتْه زوجته زينب ﵂ - بنتُ رسول اللَّه -ﷺ- وهي في مكة بِقلادةٍ لأمها خديجة ﵂ فتأثر رسول اللَّه -ﷺ-، فأمرِ بإطلاقِ سَرَاح أبي العاص بن الربيع، وقد وَعَد أبو العاص الرسول -ﷺ- أن يُرسل زينبَ إلى المدينة إن رَجَع إلى مكة، وفَعْلًا وفَّى بكلامه -﵁-، ثم إنه أسلم وحسن إسلامه، وسأذكر قِصَّة فِدَاء زينب ﵄، مُفَصلًا، في غزوة بدر الكبرى إن شاء اللَّه.
[ ٢ / ١٢٥ ]
وخَرَجَ مَعَهُمْ عَبْدُ اللَّه بنُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵄ بِعِيَالِ أبِيهِ، وهُمْ: أُمُّ رُومَانَ ﵂ زَوْجَةُ أَبِي بَكْرٍ، وأُخْتَاهُ عَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ ﵄، حَتَّى قَدِمُوا جَمِيعًا المَدِينَةَ فنَزَلُوا فِي بَنِي الحَارِثِ بنِ الخَزْرَجِ بِالسُّنْحِ، وَنَزَلَ آل رَسُولِ اللَّه -ﷺ- فِي بَيْتِ حَارِثَةَ بنِ النُّعْمَانِ -﵁- (١).
* وِلَادَةُ عَبْدِ اللَّه بنِ الزُّبَيْرِ ﵄:
وكَانَتْ أسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵄ حِينَ هَاجَرَتْ حَامِلًا بِابْنِهَا عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ -﵁-، فَلَمَّا نَزَلَتْ قباءَ وَلَدَتْ، فَأتتْ بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ- لِيُحَنِّكَهُ (٢)، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- فَوَضَعَهُ في حِجْرِهِ، وأتَى بِتَمْرَةٍ فَمَصَّهَا ثُمَّ مَضَغَهَا ثُمَّ وَضَعَهَا فِي فِيهِ فَحَنَّكَهُ بِهَا، فَكَانَ أوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ بَطْنَهُ رِيقُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ دَعَا لَهُ فبَرَّكَ (٣) عَلَيْهِ، وَسَمَّاهُ: "عَبْدَ اللَّه"، وكَانَ أوَّلَ مَنْ وُلِدَ فِي الإِسْلَامِ بَعْدَ الهِجْرَةِ بِالمَدِينَةِ (٤) مَقْدَمَ رَسُولِ اللَّه -ﷺ-، وكَانَتِ اليَهُودُ تَقُولُ قَدْ
_________________
(١) انظر الطبقات الكبرى لابن سعد (١/ ١١٤) - زاد المعاد (٣/ ٥٥).
(٢) قال الحافظ في الفتح (١١/ ٥): التَّحْنِيكُ: هو مضغُ الشَّيْءِ ووضْعُهُ في فَمِ الصبي وذلك حنكه به، يصنع ذلك بالصبي ليَتَمَرَّن على الأكل ويَقْوى عليه، وينبغِي عند التَّحْنِيكِ أن يفتحَ فَاهُ حتى ينزِلَ جَوْفَه، وأوْلاهُ التَّمْر فإن لم يتيسر تمرٌ فَرُطب، وإلا فشيءٌ حُلْو، وعسلُ النحل أولى من غيره.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٦١): أي قال بارَك اللَّه فيه، أو اللهم بارك فيه.
(٤) وأما أوَّل مولودٍ للأنصار بعد الهِجْرة فهو النُّعْمَان بن بشير -﵁-. وانظر الإصابة (٦/ ٣٤٦).
[ ٢ / ١٢٦ ]
أخَذْنَاهُمْ -أي المُسْلِمِينَ- فَلَا يُولَدُ لَهُمْ بِالمَدِينَةِ وَلَدٌ ذَكَرٌ، فَكَبَّرَ (١) أصْحَابُ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- حِينَ وُلِدَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيْر (٢).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وفِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ مَوْلدَ عَبْدِ اللَّه بنِ الزُّبَيْرِ ﵄ كَانَ في السَّنَةِ الأُولَى مِنَ الهِجْرَةِ وهُوَ المُعْتَمَدُ، بِخِلَافِ مَا جَزَمَ بِهِ الوَاقِدِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ بِأنَّهُ وُلِدَ في السَّنَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنَ الهِجْرَةِ (٣).
* نُبْذَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ الزُّبَيْرِ ﵄:
عَبْدُ اللَّهِ بنُ الزُّبَيْرِ، أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ، القُرَشِيُّ الأَسَدِيُّ المَكِّيُّ ثُمَّ المَدَنِيُّ، أَحَدُ الأَعْلَامِ، وَلَدُ الحَوَارِيِّ الإِمَامِ أبي عَبدِ اللَّه، ابنِ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَحَوَارِيِّهِ، وَكَانَ -﵁- فَارِسَ قُرَيْشٍ فِي زَمَانِهِ، وَله مَوَاقِفُ مَشْهُودَةٌ (٤).
_________________
(١) وفي رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٥٤٦٩) عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: ففرِحُوا به فرحًا شَدِيدًا؛ لأنهم قيلَ لهم: إن اليهودَ قد سَحَرَتْكُم فلا يُولَدُ لكم.
(٢) أخرج قِصَّة وِلَادَة عبد اللَّه بن الزبير ﵄: البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٩) - (٣٩١٠) - وكتاب العقيقة - باب تسمية المولود - رقم الحديث (٥٤٦٩) - ومسلم في صحيحه - كتاب الآداب - باب استحباب تحنيك المولود - رقم الحديث (٢١٤٦).
(٣) انظر فتح الباري (٧/ ٦٦١).
(٤) انظر سير أعلام النبلاء (٣/ ٣٦٣).
[ ٢ / ١٢٧ ]
* وَفَاةُ البَرَاءِ بنِ مَعْرُورٍ -﵁-:
أخْرَجَ الحَاكِمُ فِي المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ مُرْسَلٍ عَنْ قتادَةَ عَنْ أبِيهِ قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- حِينَ قَدِمَ المَدِينَةَ سَأَلَ عَنِ البَرَاء بنِ مَعْرُورٍ، فَقَالُوا: تُوُفِّيَ، وَأَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّه، وَأَوْصَى أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الكَعْبَةِ لَمَّا احْتُضِرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: "أَصَابَ الفِطْرَةَ وَقَدْ رَدَدْتُ ثُلُثَهُ عَلَى وَلَدِهِ"، ثُمَّ ذَهَبَ فَصَلَّى عَلَيْهِ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَأَدْخِلْهُ جَنَّتَكَ، وَقَدْ فَعَلْتَ" (١).
وَكَانَتْ وَفَاتُهُ -﵁- فِي صَفَرٍ قَبْلَ قُدُومِ الرَّسُولِ -ﷺ- المَدِينَةَ بِشَهْرٍ (٢).
قُلْتُ: وَالبَرَاءُ بنُ مَعْرُورٍ -﵁- كَانَ مِنَ السَّبْعِينَ لَيْلَةَ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ، وهُوَ أحَدُ النُّقَبَاءَ الذِينَ بَايَعُوا رَسُولَ اللَّه -ﷺ- نيَابَةً عَنْ قَوْمِهِمْ، وهُوَ أوَّلُ مَنْ بَايَعَ رَسُولَ اللَّه -ﷺ- لَيْلَةَ العَقَبَةِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ بَيْعَةِ العَقَبَةِ الثَّانِيَةِ.
وهُوَ أوَّلُ مَنِ اسْتَقْبَلَ الكَعْبَةَ حَيًّا وَمَيْتًا قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ الرَّسُولُ -ﷺ- بالتَّوَجُّهِ إِلَيْهَا (٣).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب الجنائز - باب يوجه المحتضر إلى القبلة - رقم الحديث (١٣٤٥) - الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ٣١٣) - وأورده الشوكاني في نيل الأوطار (٧/ ٢٢٩).
(٢) انظر الإصابة (١/ ٤١٦) - الطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ٣١٣).
(٣) أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٧٩٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر البراء بن معرور -﵁- رقم الحديث (٧٠١١) - وإسناده حسن.
[ ٢ / ١٢٨ ]
حُمَّى المَدِينَةِ
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- المَدِينَةَ، قَدِمَهَا وَهِيَ أَوْبَأُ (١) أَرْضِ اللَّه مِنَ الحُمَّى، فَأَصَابَ أَصْحَابَهُ مِنْهَا بَلَاءٌ وَسُقْمٌ، وصَرَفَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ -ﷺ- (٢).
وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: لَمَّا قَدِمْنَا المَدِينَةَ أَصَبْنَا مِنْ ثِمَارِهَا، فَاجْتَوَيْنَاهَا وأصَابَنَا بِهَا وَعْكٌ (٣).
واجْتَوَى (٤) المُهَاجِرُونَ المَدِينَةَ، وَلَمْ يُوَافِقْ هَوَاؤُهَا أبْدَانَهُمْ، وجَهِدُوا حَتَّى كَانُوا مَا يُصَلُّونَ إِلَّا وَهُمْ قُعُودٌ.
فَقَدْ أخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ -﵁-
_________________
(١) الوباء: المرض العام. انظر النهاية (٥/ ١٢٧). قال الحافظ في الفتح (٤/ ٥٨٩): لا يعارض قُدُومهم عليها -أي على المدينة- وهي بهذه الصِّفَة نَهْيه -ﷺ- عن القدومِ على الطَّاعُونِ، لأن ذلك كان قَبْلَ النهي، أو أن النَّهْيَ يختَصُّ بالطاعون، ونحوه من المَوْتِ الذَّرِيعِ لا المَرَض ولو عَمَّ.
(٢) أخرج ذلك: الإمام البخاري في صحيحه - كتاب فضائل المدينة - باب (١٢) - رقم الحديث (١٨٨٩) - وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٠٠).
(٣) الوَعْكُ: الحُمَّى. انظر النهاية (٥/ ١٧٩)، والخبرُ أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٩٤٨).
(٤) اجْتَوَى: أي أصابهم الجَوَى: وهو المَرَض وداءُ الجَوْفِ إذا تَطَاول، وذلك إذا لم يوافقهم هَوَاؤُها واستوخَمُوها -أي استْثَقُلوها-. انظر النهاية (١/ ٣٠٧).
[ ٢ / ١٢٩ ]
قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ -ﷺ- المَدِينَةَ وهِيَ مَحَمَّةٌ (١)، فَحُمَ النَّاسُ، فَدَخَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- المَسْجِدَ والنَّاسُ قُعُودٌ يُصَلُّونَ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "صَلَاةُ القَاعِدِ نِصْفُ صَلَاةِ القَائِمِ" (٢)، فتَجَشَّمَ (٣) النَّاسُ الصَّلَاةَ قِيَامًا عَلَى مَا بِهِمْ مِنَ الضَّعْفِ والسُّقْمِ، الْتِمَاسَ الفَضْلِ (٤).
وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المَدِينَةَ، اشْتَكَى أصْحَابُهُ، وَاشْتَكَى أَبُو بَكْرٍ، وعَامِرُ بنُ فُهَيْرَةَ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ، وبِلَالٌ، فَاسْتَأْذَنَتْ عَائِشَةُ ﵂ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي عِيَادَتِهِمْ، فَأَذِنَ لَهَا،
_________________
(١) مَحَمّةٌ: أي ذات حُمَّة، يقال: أحَمَّت الأرض: أي صارَتْ ذات حُمى. انظر النهاية (١/ ٤٢٨).
(٢) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٦/ ١٣): معناهُ أَنَّ صلاةِ القاعدِ فيها نِصْفُ ثوابِ القائمِ فيتضَمَّن صِحتها ونُقْصَان أجْرِها، وهذا الحديث محمولٌ على صَلاة النَّفْلِ قَاعِدًا مع القُدْرَة على القيامِ، فهذا له نِصْفُ ثوابِ القائم، وأما إذا صلى النفْلَ قَاعدًا بعَجْزِه عن القيام فلا ينقُص ثَوابه، بل يكون كثَوَابه قَائمًا للحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٢٩٩٦) - عن أبي موسى الأشعري -﵁- قال: قال رسول اللَّه -ﷺ-: "إذا مَرِضَ العبدُ أو سافرَ كُتِبَ له مثلُ ما كَانَ يعْمَلُ مُقِيمًا صَحِيحًا"، وأما الفَرْضُ فإن الصلاة قاعدًا مع قُدرته على القيام لم يَصح، فلا يكون فيه ثَوَاب بل يأثَمُ به، وإن صلَّى الفرضَ قاعدًا لعجْزِهِ عن القيام أو مُضْطَجعًا لعجزِهِ عن القيامِ والقُعُود، فثوابُهُ كثوابِهِ قَائمًا لم ينقُص باتِّفاقِ أصحَابِنَا.
(٣) تَجَشَّمَ: أي تَكَلَّفَ. انظر النهاية (١/ ٢٦٥).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، رقم الحديث (١٢٣٩٥)، وابن إسحاق في السيرة (٢/ ٢٠٢).
[ ٢ / ١٣٠ ]
فَقَالَتْ لِأَبِي بَكْرٍ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ (١).
فَقَالَ:
كُلُّ امْرِئٍ مُصَبَّحٌ (٢) فِي أَهْلِهِ وَالمَوْتُ أَدْنَى (٣) مِنْ شِرَاكِ (٤) نَعْلِهِ
وَسَألَتْ عَامِرَ بنَ فُهَيْرَةَ، فَقَالَ:
إنِّي وَجَدْتُ المَوْتَ قَبْلَ ذَوْقِهِ إِنَّ الجَبَانَ حَتْفُهُ مِنْ فَوْقِه
وسَألَتْ بِلَالًا، فَقَالَ:
ألَا لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادٍ (٥) وَحَوْلي إِذْخِرٌ (٦) وَجَلِيلُ (٧)
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٧٩): أي تجِدُ نفسك أو جسدك.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٧٩): أي مُصَابٌ بالموت صباحًا.
(٣) أدْنَى: أي أقرَب. انظر فتح الباري (٧/ ٦٧٩).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٧٩): الشِراك بكسر الشين: وهو السَّير الذي يكون في وجه النَّعْل، والمعنى: أن الموت أقربُ إلى الشخصِ من شِرَاك نَعله لرجله.
(٥) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٧٩): أي بِوَادي مكة.
(٦) الإذْخِر: بكسر الهمزة هو حَشِيشَةٌ طَيِّبةُ الرائحةِ تُسْقَّفُ بها البيوتُ فوقَ الخَشَب. انظر النهاية (١/ ٣٦).
(٧) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٧٩): جَلِيل: هو نبتٌ ضَعِيف يُحْشَى به خصاص البيوت وغيرها.
[ ٢ / ١٣١ ]
وَهَلْ أَرِدَنَّ يَوْمًا مِيَاهَ مِجَنَّةٍ (١) وَهَلْ بيدُوَنَّ (٢) لِيَ شَامَةٌ وَطَفِيلُ (٣)
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَجِئْتُ رَسُولَ اللَّه -ﷺ- فقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه إِنَّهُمْ لَيَهْذُونَ (٤) ومَا يَعْقِلُونَ مِنْ شِدَّةِ الحُمَّى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: "اللَّهُمَّ حَبِّبْ إِلَيْنَا المَدِينَةَ كحُبِّنَا مَكَّةَ أَوْ أَشَدَّ، وَصَحِّحْهَا، وَبَارِكْ لَنَا فِي صاعِهَا ومُدِّهَا، وانْقُلْ حُمَّاهَا فَاجْعَلْهَا بِالجُحْفَةِ" (٥).
وأخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّه بنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ-
_________________
(١) مِيَاهُ مِجَنَّة: موضعٌ على أميال من مكة، وكان يُقام بها للعرب سُوق. انظر النهاية (٤/ ٢٥٧).
(٢) يبدُونَّ: أي يَظهر. انظر لسان العرب (١/ ٣٤٧).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٧٩): شامَةٌ وطَفِيل هما: جَبَلان بقرب مكة.
(٤) هَذَأ الكلام: إذا أكثر منه في خطأ. انظر لسان العرب (١٥/ ٦٣).
(٥) قال الحافظ في الفتح (٤/ ١٦١): الجحفة بضم الجيم هي قريةُ خربة بينها وبين مكةَ خَمْسُ مراحل أو سِتة، وسُمِّيت الجُحفة؛ لأن السَّيْلَ أجحَفَ بها -أي ذهب بها- وهي مِيقَاتُ أهلِ مِصرَ والشام. قلتُ: والجحفة اليومَ مُنْدَثِرَةٌ ويُحْرَم حاليًا من رَابغ وتبعُدُ عن مكة (١٨٣) كيلو. وأخرج ذلك: الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٣٦٠) (٢٤٢٨٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحظر والإباحة - باب إباحة عيادة المرأة أباها وموالي أبيها - رقم الحديث (٥٦٠٠) - وأصل الحديث عند البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب مقدم النبي -ﷺ- وأصحابه المدينة - رقم الحديث (٣٩٢٦) - وكتاب فضائل المدينة - باب (١٢) - رقم الحديث (١٨٨٩) - وكتاب المرض - باب من دعا برفع الوباء والحُمَّى - رقم الحديث (٥٦٧٧) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب الترغيب في سكنى المدينة - رقم الحديث (١٣٧٦).
[ ٢ / ١٣٢ ]
قَالَ: "رَأَيْتُ كَأَنَّ امْرَأةً سَوْدَاءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ المَدِينَةِ، حَتَّى قَامَتْ بِمَهْيَعَةٍ (١)، وهِيَ الجُحْفَةُ فَأوَّلْتُ أَنَّ وَبَاءَ المَدِينَةِ نُقِلَ إِلَيْهَا" (٢).
* فَوَائِدُ الْحَدِيثِ:
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وفي هَذَا الحَدِيثِ مِنَ الفَوَائِدِ:
١ - الدُّعَاءُ لِلْمُسِلْمِينَ بِالصِّحَّةِ وطِيبِ بِلَادِهِمْ، وَالبَرَكَةِ فِيهَا، وَكَشْفِ الضُّرِّ وَالشَّدَائِدِ عَنْهُمْ، وهَذَا مَذْهَبُ العُلَمَاءَ كَافَّةً.
٢ - وَفِيهِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ نُبوَّةِ نَبِيِّنا مُحَمَّدٍ -ﷺ- فَإِنَّ الجُحْفَةَ مِنْ يَوْمِئِذٍ مُجْتَنبةٌ، وَلَا يَشْرَبُ أَحَدٌ مِنْ مَائِهَا إِلَّا أصَابَتْهُ الحُمَّى (٣).
* إصَابَةُ عَائِشَةَ ﵂ بِالحُمَّى:
وَقَدْ أُصِيبَتْ عَائِشَةُ ﵂ بِالحُمَّى، فَقَدْ أخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ البَرَاءِ -﵁- قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ أَبِي بَكْرٍ عَلَى أهْلِهِ، فَإِذَا عَائِشَةُ ابْنَتُهُ مُضْطَجِعَةٌ قَدْ أصَابَتْهَا الحُمَّى (٤) فَرَأَيْتُ أبَاهَا يُقَبِّلُ خَدَّهَا، وَقَالَ: كَيْفَ أنْتِ يَا بُنَيَّةُ (٥).
_________________
(١) مَهْيَعَة: بفتح الميم وسكون الهاء: اسم للجحفة. انظر النهاية (٤/ ٣٢١).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التعبير - باب إذا رأى أنه أخرج الشيء من كُوَّة وأسكنه مَوْضعًا آخر - رقم الحديث (٧٠٣٨) - (٧٠٣٩) - (٧٠٤٠).
(٣) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٩/ ١٢٨).
(٤) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٧١): كان دخولُ البَرَاء -﵁- على أهل أَبِي بكر -﵁- قبلَ أن يَنْزِلَ الحِجَاب قَطْعًا، وأيضًا فكان حِينَئِذٍ دونَ البلوغ، وكذلك عائشة ﵂.
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه=
[ ٢ / ١٣٣ ]
* دُعَاءُ الرَّسُولِ -ﷺ- لِلْمَدِينَةِ:
ثُمَّ دَعَا رَسُولُ اللَّه -ﷺ- لِلْمَدِينَةِ: فَقَدْ أخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قتَادَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: "اللَّهُمَّ إِنَّ إبْرَاهِيمَ خَلِيلَكَ وَعَبْدَكَ وَنَبِيَّكَ دَعَاكَ لِأَهْلِ مَكَّةَ، وَأَنَا مُحَمَّدٌ عَبْدُكَ وَنَبِيُّكَ وَرَسُولُكَ أدْعُوكَ لِأَهْلِ المَدِينَةِ مِثْلَ مَا دَعَاكَ بِهِ إبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ، نَدْعُوكَ أَنْ تُبَارِكَ لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ (١) وَمُدِّهِمْ (٢) وثِمَارِهِمْ، اللَّهُمَّ حَبِّبْ إلَيْنَا المَدِينَةَ كَمَا حَبَّبْتَ إلَيْنَا مَكَّةَ، واجْعَلْ مَا بِهَا مِنْ وَبَاءٍ بِخُمٍّ (٣)، اللَّهُمَّ إنِّي قَدْ حَرَّمْتُ مَا بَيْنَ لَابتَيْهَا (٤) كَمَا حُرِّمَتْ عَلَى لِسَانِ إبْرَاهِيمَ الحَرَمُ" (٥).
وأخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صحِيحَيْهِمَا عَنْ أنسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ اجْعَلْ بِالمَدِينهِ ضِعْفَي مَا جَعَلْتَ بِمَكَّةَ مِنَ البرَكةِ" (٦).
_________________
(١) = إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩١٨).
(٢) الصَّاعُ: هو كيلوان ونصف من الطعام.
(٣) المُدُّ: مقدار مِلْئُ الكفَّيْنِ. انظر النهاية (٤/ ٢٦٣).
(٤) خُم: بضم الخاء: موضعٌ بين مكة والمدينة على ثلاثةِ أميال من الجُحْفَة. انظر النهاية (٢/ ٧٧).
(٥) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٩/ ١١٥): اللَّابَتَانِ: الحَرَّتَانِ واحدتهما لَابَة، وهي الأرض المُلَبَّسَة حجارَة سودَاءَ، وللمدينةِ لابتانِ شرقِيَّة وغربية وهي بينهما.
(٦) أخرجه الإمام أحمد في مسنده، رقم الحديث (٢٢٦٣٠).
(٧) أخرجه البخاري - كتاب فضائل المدينة - رقم الحديث (١٨٨٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل المدينة - رقم الحديث (١٣٦٩).
[ ٢ / ١٣٤ ]
زَوَاجُ الرَّسُولِ -ﷺ- بعَائِشَةَ ﵂
وفِي شَوَّالَ مِنَ السَّنَةِ الأُولَى لِلْهِجْرَةِ بَنَى (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِعَائِشَةَ ﵂، وهِيَ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ.
أخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّه -ﷺ- لِسِتِّ سِنِينَ، وبَنَى بِي وأنا بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ (٢).
وأخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: تَزَوَّجَنِي رَسُولُ اللَّه -ﷺ- في شَوَّالَ، وبَنَى بِي فِي شَوَّالَ (٣)، فَأَيُّ نِسَاءِ رسُولِ اللَّه -ﷺ- كَانَتْ أحْظَى عِنْدَهُ مِنِّي؟ (٤).
_________________
(١) البِنَاءُ: هو الدخول بالزوجَةِ، والأصلُ فيه أن الرجل كان إذا تزوَّج امرأةً بنى عليها قُبَّةً ليدخُلَ بها فيها، فيقال بنى الرجل على أهله. انظر النهاية (١/ ١٥٦).
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب تزويج الرسول -ﷺ- عائشة - رقم الحديث (٣٨٩٤) (٣٨٩٦) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب تزويج الأب البكر الصغيرة - رقم الحديث (١٤٢٢).
(٣) راجع زَوَاج رسول اللَّه -ﷺ- من عائشة قبل الهجرة، فقد ذكرت هناك لماذا ذَكَرَتْ عائشة ﵂ شهر شوال.
(٤) أخرجه الإمام مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب تزويج الأبِ البِكْر الصغيرة - رقم الحديث (١٤٢٣).
[ ٢ / ١٣٥ ]
وَكَانَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- أُرِيَهَا فِي المَنَامِ، قَبْلَ أَنْ يَخْطِبَهَا، فقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أُرِيتُكِ (١) فِي المَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، جَاءَنِي بِكِ المَلَكُ فِي سَرَقَةٍ (٢) مِنْ حَرِيرٍ، فَيَقُولُ: هَذِهِ امْرَأتكَ، فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِكِ، فَإِذَا هِيَ أنْتِ (٣)، فَأَقُولُ: إِنْ يَكُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّه، يُمْضِهِ" (٤).
وأخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ والتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ جَاءَ بِصُورَتهَا فِي خِرْقَةِ (٥) حَرِيرٍ خَضْرَاءَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَقَالَ: هَذِهِ زَوْجَتُكَ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ (٦).
وَهِيَ البِكْرُ (٧) الوَحِيدَةُ التِي تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّه -ﷺ-، فَقَدْ أخْرَجَ الإِمَامُ
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٢٢٧): أُرِيتك: بضم الهمزة.
(٢) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٢٢٧): السَّرَقَةُ: بفتح السين والراء والقاف هي القطعة.
(٣) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٢٢٨): هذا مُشْعِر بأنه -ﷺ- كان قد رآها وعرفها قبل ذلك، والواقع أنها وُلدت ﵂ بعد البعثة.
(٤) أخرجه البخاري - كتاب النكاح - باب النظر إلى المرأة قبل التزويج - رقم الحديث (٥١٢٥) - (٥١٢٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب في فضل عائشة ﵂ - رقم الحديث (٢٤٣٨).
(٥) الخِرْقة: بكسر الخاء: هي القِطْعة من الثوب. انظر لسان العرب (٤/ ٧٢).
(٦) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر عائشة أم المؤمنين ﵂ - رقم الحديث (٧٠٩٤) - والترمذي في جامعه - كتاب المناقب، باب فضل عائشة ﵂ - رقم الحديث (٤٢١٨).
(٧) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ١٥١): البكر: بكسر الباء وهي التي لم تُوطَأ واستمَرَّت على حالتها الأولى.
[ ٢ / ١٣٦ ]
البُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّهُ قَال لِعَائِشَةَ ﵂: لَمْ يَنْكِحِ النَّبِيُّ -ﷺ- بِكْرًا غَيْرَكِ (١).
وأخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّه أَرَأَيْتَ لَوْ نَزَلْتَ وَادِيًا وفيهِ شَجَرَةٌ قَدْ أُكِلَ مِنْهَا، وَوَجَدْتَ شَجَرًا لَمْ يُؤْكَلْ مِنْهَا، فِي أيِّهَا كُنْتَ تُرْتِعُ (٢) بَعِيرَكَ؟
قَالَ -ﷺ-: "فِي التِي لَمْ يُرْتَعْ مِنْهَا"، يَعْنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّه -ﷺ- لَمْ يَتَزَوَّجْ بِكْرًا غَيْرَهَا (٣).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: وفِي هَذَا الحَدِيثِ:
١ - مَشْرُوعِيَّةُ ضَرْبِ المَثَلِ وتَشْبِيهُ شَيءٍ مَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ بِمِثْلِهِ مَسْلُوبِ الصِّفَةِ.
٢ - وَفيهِ بَلَاغَةُ عَائِشَةَ ﵂، وحُسْنُ تَأتيهَا فِي الأُمُورِ (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا. . .﴾ - رقم الحديث (٤٧٥٣) - وعلَّقه في كتاب النكاح - باب الأبكار.
(٢) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ١٥١): تُرْتِع: بضم أوله، أرْتَعَ بعيرهُ إذا تركَهُ يرعى ما شَاء، ورتَعَ البعيرُ في المَرْعى إذا أكل ما شَاء.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب النكاح - باب نكاح الأبكار - رقم الحديث (٥٠٧٧).
(٤) انظر فتح الباري (١٠/ ١٥١).
[ ٢ / ١٣٧ ]
* صِفَةُ دُخُولِ الرَّسُولِ -ﷺ- عَلَى عَائِشَةَ ﵂:
أخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: . . . فَقَدِمْنَا المَدِينَةَ فنَزَلْنَا فِي بَنِي الحَارِثِ بنِ الخَزْرَجِ، فَوُعِكْتُ (١) فتَمَزَّقَ شَعْرِي، فَوَفَى (٢) جُمَيْمَةً (٣)، فَأتَتْنِي أُمِّي أُمُّ رُومَانَ (٤)، وإنِّي لَفِي أُرْجُوحةٍ (٥) وَمَعِي صَوَاحِبُ لِي، فَصَرَخَتْ بِي فَأتَيْتُهَا، لَا أدْرِي مَا تُرِيدُ بِي، فَأَخَذَتْ بِيَدِي حَتَّى أوْقَفَتْنِي عَلَى بَابِ الدَّارِ، وإنِّي لَأَنْهِجُ (٦) حَتَّى سَكَنَ بَعْضُ نَفَسِي، ثُمَّ أخَذَتْ شَيْئًا مِنْ مَاءٍ فَمَسَحَتْ بِهِ وَجْهِي ورَأْسِي، ثُمَّ أدْخَلَتْنِي الدَّارَ، فَإِذَا نِسْوَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فِي البَيْتِ، فَقُلْنَ: عَلَى الخَيْرِ وَالبَرَكَةِ، وَعَلَى خَيْرِ طَائِرٍ (٧)،
_________________
(١) الوَعْكُ: هو الحُمَّى. انظر النهاية (٥/ ١٧٩). أي أنها ﵂ أصابتها الحُمى؛ لأن المدينة كانت معروفة بالوباء كما تقدم.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٧/ ٦٢٨): فَوَفى: أي كثر، وفي الكلام حذف تقديره: ثم فصلت من الوَعْك، فتربى شعري فكثر.
(٣) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٩/ ١٧٧): تصغير جُمَّة بالضم وهي الشَّعْرُ النازل إلى الأذنين، أي صار إلى هذا الحَدِّ بعد أن كَانَ قد ذَهَبَ بالمرض.
(٤) أمُّ رُومَان هي أم عائشة وزوجَة أبي بكر الصديق ﵂.
(٥) الأُرْجُوحَة: حبلٌ يُشد طَرَفَاه في موضع عالٍ ثم يركبه الإنسان ويُحَرَّك وهو فِيه، سُمي به لتحرُّكه ومَجِيئه وذهابه. انظر النهاية (٢/ ١٨١).
(٦) النَّهْجُ: هو تواتُرُ النّفس من شِدَّة الحركة أو فِعْل مُتْعب. انظر النهاية (٥/ ١١٨).
(٧) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٩/ ١٧٨): الطائِرُ: الحَظُّ يُطلق على الحظ من الخَيْرِ والشَّر، والمراد هنا على أفضل حَظ وبَرَكة، وفيه استحباب الدعاء بالخير والبركة لكل واحد من الزَّوجين.
[ ٢ / ١٣٨ ]
فَأَسْلَمَتْنِي إلَيْهِنَّ، فأصْلَحْنَ مِنْ شَأْنِي، فَلَمْ يَرُعْنِي (١) إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ضُحًى، فَأَسْلَمَتْنِي إِلَيْهِ، وأنا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ (٢).
وفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ: قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: . . . ثُمَّ أقْبَلَتْ أُمِّي تَقُودُنِي حَتَّى وَقَفَتْ بِي عِنْدَ البَابِ، وَإِنِّي لَأَنْهِجُ، حَتَّى سَكَنَ مِنْ نَفْسِي، ثُمَّ دَخَلَتْ بِي، فَإِذَا رَسُولُ اللَّه -ﷺ- جَالِسٌ عَلَى سَرِيرٍ فِي بَيْتِنَا، وعِنْدَهُ رِجَالٌ ونسَاءٌ مِنَ الأَنْصَارِ، فَأَجْلَسَتْنِي فِي حِجْرِهِ، ثُمَّ قَالَتْ: هَؤُلَاءِ أهْلُكَ يَا رَسُولَ اللَّه، فَبَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِمْ، وبَارَكَ لَهُمْ فِيكَ، فَوَثَبَ (٣) الرِّجَالُ والنِّسَاءُ، فَخَرَجُوا وبَنَى بِي رَسُولُ اللَّه -ﷺ- فِي بَيْتِنَا، مَا نُحِرَتْ عَلَيَّ جَزُورٌ (٤)، وَلَا ذُبِحَتْ عَلَيَّ شَاةٌ حَتَّى أَرْسَلَ إلَيْنَا سَعْدُ بنُ عُبَادَةَ -﵁- بجَفْنةٍ (٥) كَانَ يُرْسِلُ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا دَارَ إِلَى نِسَائِهِ وأنا يَوْمَئِذٍ بِنْتُ تِسْعِ سِنِينَ (٦).
_________________
(١) قال الإمام النووي في شرح مسلم (٩/ ١٧٨): أي لم يَفْجَأْنِي.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب تزويج النبي -ﷺ- عائشة، رقم الحديث (٣٨٩٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب تزويج الأب البكر الصغيرة - رقم الحديث (١٤٢٢).
(٣) الوُثُوبُ: هو النُّهُوضُ والقيام. انظر النهاية (٥/ ١٣١).
(٤) الجَزُورُ: هو البَعِيرُ ذَكرًا كان أو أنثى. انظر النهاية (١/ ٢٥٨).
(٥) الجَفْنَةُ: معروفةٌ، وهي أعظمُ ما يكون من القِصَاع. انظر لسان العرب (٢/ ٣١٠).
(٦) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٧٦٩).
[ ٢ / ١٣٩ ]
* كُنْيَةُ عَائِشَةَ ﵂:
وكَانَتْ عَائِشَةُ ﵂ تكنَى بِأُمِّ عَبْدِ اللَّه، بِابْنِ أُخْتِهَا عَبْدُ اللَّه بنُ الزُّبَيْرِ -﵁-، فَقَدْ أخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا وُلِدَ عَبْدُ اللَّه بنُ الزُّبَيْرِ أَتيْتُ بِهِ النَّبِيَّ -ﷺ-، فتَفَلَ فِي فِيهِ، فَكَانَ أوَّلَ شَيْءٍ دَخَلَ جَوْفه، وَقَالَ: "هُوَ عَبْدُ اللَّه وأنْتِ أُمُّ عَبْدِ اللَّه"، فَمَا زِلْتُ أُكْنَى بِهَا وَمَا وَلَدْتُ قَطُّ (١).
وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه، كُلُّ نِسَائِكَ لَهَا كُنيةٌ غَيْرِي، فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: "اكتَنِي، أنْتِ أُمُّ عَبْدِ اللَّه"، فَكَانَ يُقَالُ لَهَا: أُمُّ عَبدِ اللَّه، حَتَّى مَاتَتْ ﵂، وَلَمْ تَلِدْ قَطُّ (٢).
وأَخْرَجَ ابنُ سَعْدٍ فِي طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّه بنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّه، ألَا تكنيني؟ فَقَالَ -ﷺ-: "اكتَنِي بِابْنِكِ" (٣) يَعْنِي عَبْدَ اللَّه بنَ الزُّبَيْرِ، فَكَانَتْ تُكنَى أُمَّ عَبْدِ اللَّه (٤).
_________________
(١) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب كانت عائشة تكنى أم عبد اللَّه - رقم الحديث (٧١١٧).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥١٨١) - وأبو داود في سننه - كتاب الأدب - باب في المرأة تكنى - رقم الحديث (٤٩٧٠).
(٣) قلتُ: لكون عائشة ﵂ خالته، والخالةُ بمثَابَةِ الأم، فقد أخرج الإمام البخاري في صحيحه، رقم الحديث (٤٢٥١) قال رسول اللَّه: "الخالةُ بمنزلة الأم".
(٤) أخرجه ابن سعد في طبقاته (٧/ ٢٧٤).
[ ٢ / ١٤٠ ]
* مُلَاطَفَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- لِعَائِشَةَ ﵂:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُلَاطِفُ عَائِشَةَ ﵂، ويُبَاسِطُهَا، ويُرَاعِي صِغَرَ سِنِّهَا، فَقَدْ أخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّهَا كَانَتْ تَلْعَبُ بِالبَنَاتِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّه -ﷺ-، قَالَتْ: وكَانَتْ تَأْتِيني صَوَاحِبِي، فَكُنَّ يَنْقَمِعْنَ (١) مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَتْ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُسَرِّبُهُنَّ (٢) إِلَيَّ (٣).
وأخْرَجَ ابنُ حِبَّانَ وأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، أَوْ خَيْبَرَ، وفِي سَهْوَاتِهَا (٤) سِتْرٌ، فَهَبَّتْ رِيحٌ، فكَشَفَتْ نَاحِيَةَ السِّتْرِ عَنْ بَنَاتٍ لِعَائِشَةَ لُعَبٍ، فَقَالَ -ﷺ-: "مَا هَذَا يَا عَائِشَةُ؟ " قَالَتْ: بَنَاتِي، وَرَأَى بَيْنَهُنَّ فَرَسًا لَهَا جَنَاحَانِ مِنْ رِقَاعٍ، فَقَالَ -ﷺ-: "مَا هَذَا الذِي أَرَى وَسَطَهُنَّ؟ " قَالَتْ: فَرَسٌ، قَالَ: "وَمَا هَذَا الذِي عَلَيْهِ؟ " قَالَتْ: جَنَاحَانِ، قَالَ: "فَرَسٌ لَهُ جَنَاحَانِ! " قَالَتْ: أَمَا سَمِعْتَ أَنَّ لِسُلَيْمَانَ -﵇- خَيْلًا لَهَا أَجْنِحَةٌ؟، قَالَتْ: فَضحكَ
_________________
(١) يَنْقَمِعْنَ: أي تَغَيَّبْنَ ودَخَلْنَ في بيت، أو من وَرَاءِ سِتْر. انظر النهاية (٤/ ٩٢).
(٢) يُسرِّبهن: أي يبعَثُهُن ويُرْسِلُهن إليّ. انظر النهاية (٢/ ٣٢١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأدب - باب الانبساط إلى الناس - رقم الحديث (٦١٣٠) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب في فضل عائشة ﵂ - رقم الحديث (٢٤٤٠).
(٤) السَّهْوَة: بيت صغيرٌ منْحَدِرٌ في الأرض قليلًا، شَبِيهٌ بالمَخْدَع والخِزَانة. انظر النهاية (٢/ ٣٨٦).
[ ٢ / ١٤١ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى رَأَيْتُ نوَاجِذَهُ (١).
وأَخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنِ النُّعْمَانِ بنِ بَشِيرٍ -﵁-، قَالَ: جَاءَ أَبُو بَكْرٍ يَسْتَأْذِنُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَسَمعَ عَائِشَةَ وَهِيَ رَافِعَةٌ صَوْتَهَا عَلَى رَسُولِ اللَّه -ﷺ-، فَأُذِنَ لَهُ، فَدَخَلَ، فَقَالَ: يَا ابْنَةَ أُمِّ رُومَانَ! وتَنَاوَلَهَا، أترْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟ فَحَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَلَمَّا خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ، جَعَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَقُولُ لها يترَضَّاهَا: "ألَا ترَيْنَ أَنِّي قَدْ حُلْتُ بَيْنَ الرَّجُلِ وبَيْنَكِ؟ "، فَمَكَثَ أَبُو بَكْرٍ أَيَّامًا، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّه -ﷺ-، فَوَجَدَهُ يُضَاحِكُهَا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللَّه، أشْرِكَانِي فِي سِلْمِكُمَا، كَمَا أشْرَكْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا (٢).
وأخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ ومُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّه -ﷺ- وعِنْدِي جَارِيتَانِ تُغَنِّيَانِ بِغِنَاءِ (٣) بُعَاثَ،
_________________
(١) النَّوَاجِذُ من الأسنَانِ: هي التي تبدُو عندَ الضَّحِكِ، والأكثر الأشهَرُ أنها أقْصَى الأسنان. انظر النهاية (٥/ ١٧) والحديث أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الحظر والإباحة - باب اللعب واللهو - رقم الحديث (٥٨٦٤) - وأبو داود في سننه - كتاب الأدب - باب في اللعب بالبنات - رقم الحديث (٤٩٣٢).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٣٩٤) - وأبو دواد في سننه - كتاب الأدب - باب ما جاء في المزاح - رقم الحديث (٤٩٩٩).
(٣) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٩٥٢)، قالت ﵂: تُغَنِّيَانِ بما تَقَاوَلَتِ الأنصار يوم بُعَاث. -أي بما قال بعضهم لبعضٍ من فَخْرٍ أو هِجَاء- وبُعَاث تَقَدَّم الكلام عليها قبل الهجرة.
[ ٢ / ١٤٢ ]
فَاضْطَجَعَ عَلَى الفِرَاشِ وحَوَّلَ وَجْهَهُ، ودَخَلَ أَبُو بَكْرٍ فَانتهَرَنِي (١) وَقَالَ: مِزْمَارَةُ (٢) الشَّيْطَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ -ﷺ-! فَأَقبلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فقَالَ: "دَعْهُمَا" (٣)، وَكَانَ يَوْمَ عِيدٍ يَلْعَبُ السُّودَانُ بِالدَّرَقِ (٤) والحِرَابِ، فإمَّا سَأَلْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- وإمَّا قَالَ: "أتشْتَهِينَ تَنْظُرِينَ؟ "، فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَأَقَامَنِي وَرَاءَهُ، خَدِّي عَلَى خَدِّهِ، وَهُوَ يَقُولُ: "دُونَكُمْ يَا بَنِي أَرْفِدَةَ" (٥).
حَتَّى إِذَا مَلَلْتُ قَالَ: "حَسْبُكِ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ. قَالَ: "فَاذْهَبِي" (٦).
_________________
(١) في رواية الزهري قالت ﵂: فانْتَهَرَهُما: أي الجَارِيَتَين. قال الحافظ في الفتح (٣/ ١١٦): ويجمع بأنه شَرَّك بينهن في الانتهار والزجر، أما عائشة فلتقْرِيرِها، وأما الجاريتين فلِفِعْلِهِمَا.
(٢) قال الحافظ في الفتح (٣/ ١١٦): المِزْمَارُ: بكسر الميم يعني الغِنَاء أو الدُّفّ؛ لأن المِزْمَارَة أو المِزْمَار مشْتَقٌّ من الزَّمير وهو الصوتُ الذي له الصَّفِيرُ، ويُطلق على الصوت الحَسَنِ وعلى الغِنَاء، وسُقَيَتْ به الآلَةُ المعروفةُ التي يُزْمَر بها، وإضافتها إلى الشيطان من جِهَة أنها تُلْهِي، فقد تُشْغِلُ القلبَ عنِ الذِّكر.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٣/ ١١٦): فيه تعليلُ الأمر بتركِهِما، وإيضاحُ خلافِ ما ظنَّه الصديق -﵁- من أنهما فعلَتَا ذلكَ بِغير علمه -ﷺ- لكونِه دخَل فوجدَهُ مُغَطّى بثوبه فظنَّه نَائمًا فتوجَّه له الإنكار على ابنتِه من هذه الأوجُهُ مُستصِحبًا لما تقرَّر عنده من مَنْعِ الغِنَاء واللهْوِ، فبادَرَ إلى إنكارِ ذلك. قيَامًا عن النبي -ﷺ- بذلك مُسْتَنِدًا إلى ما ظَهَر له، فأوضح له النبي -ﷺ- الحَال، وعرّفه الحكم مَقرونًا ببيانِ الحكمة بأنه يوم عِيد، أي يوم سُرور شَرعي، فلا يُنكر فيه مثل هذا كما لا ينكر في الأعراسِ.
(٤) الدَّرَقَة: الدرع. انظر لسان العرب (٤/ ٣٣٣).
(٥) قال الحافظ في الفتح (٣/ ١١٩): أَرْفِدَة: بفتح الهمزة وكسر الفاء وقد تُفتح، قيل هو لَقَبٌ للحبشة، وقيل اسم جدِّهم الأكبر.
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسِّيَر - باب الدَّرق - رقم الحديث=
[ ٢ / ١٤٣ ]
وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وابنُ حِبَّانَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: خَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي بَعْضِ أسْفَاره، وأنا جَارِيَةٌ لَمْ أحْمِلِ اللَّحْمَ وَلَمْ أَبْدُنْ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: "تَقَدَّمُوا"، فتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ لِي: "تَعَالَيْ حَتَّى أُسَابِقَكِ"، فَسَابَقْتُهُ فَسَبَقْتُهُ، فَسَكَتَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا حَمَلْتُ اللَّحْمَ وبَدُنْتُ (١) ونَسِيتُ، خَرَجْتُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أسْفَارهِ، فَقَالَ لِلنَّاسِ: "تَقَدَّمُوا" فتَقَدَّمُوا، ثُمَّ قَالَ: "تَعَالَى حَتَّى أُسَابِقَكِ"، فَسَابَقْتُهُ، فَسَبَقَنِي، فَجَعَلَ يَضْحَكُ -ﷺ-، وَيَقُولُ: "هَذِهِ بِتِلْكَ" (٢).
وأخْرَجَ الشَيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إنِّي لَأَعْلَمُ إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً، واِذَا كُنْتِ عَلَيَّ غَضْبَى"، قَالَتْ: قُلْتُ: مِنْ أَيْنَ تَعْرِفُ ذَلِكَ؟
فَقَالَ -ﷺ-: "أَمَّا إِذَا كُنْتِ عَنِّي رَاضِيَةً فَإِنَّكِ تَقُولينَ: لَا وَرَبِّ مُحَمَّدٍ، وَإِذَا كُنْتِ غَضْبَى قُلْتِ: لَا وَرَبِّ إبْرَاهِيمَ" (٣)، قَالَتْ ﵂: قُلْتُ: أَجَلْ
_________________
(١) = (٢٩٠٦) (٢٩٠٧) - وأخرجه في كتاب العيدين - باب الحِراب والدرق يوم العيد - رقم الحديث (٩٤٩) (٩٥٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب صلاة العيدين - باب الرخصة في اللعب - رقم الحديث (٨٩٢) (١٦) (١٩).
(٢) بَدُنْتُ: من البَدَانة وهي كثرة اللحْمِ، أي سمنت ﵂. انظر النهاية (١/ ١٠٧).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٢٧٧) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب إباحةُ المسابقة بالأقدام إذا لم يكن بين المتسابقين رهان - رقم الحديث (٤٦٩١).
(٤) قال الحافظ في الفتح (١٠/ ٤٠٩): وفي اختيارِ عائشة ﵂ ذِكر إبراهيم عليه=
[ ٢ / ١٤٤ ]
وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّه، مَا أهْجُرُ إِلَّا اسْمَكَ (١).
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢): أيْ طَيِّبُوا أقْوَالَكُمْ لَهُنَّ، وحَسِّنُوا أفْعَالَكُمْ، وهَيْئَاتِكُمْ بِحَسَبِ قُدْرَتكُمْ، كَمَا تُحِبُّ ذَلِكَ مِنْهَا، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّه -ﷺ-: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وأنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ" (٣)، وكَانَ مِنْ أخْلَاقِهِ -ﷺ- أَنَّهُ جَمِيلُ العِشْرَةِ دَائِمُ البِشْرِ، يدَاعِبُ أهْلَهُ، ويَتَلَطَّفُ بِهِمْ، ويُوسِّعُهُمْ نَفَقتَهُ، ويُضَاحِكُ نِسَاءهُ، حَتَّى إِنَّهُ كَانَ يُسَابِقُ (٤) عَائِشَةَ أُمَّ المُؤْمِنِينَ يَتَوَدَّدُ إِلَيْهَا بِذَلِكَ، ويَجْتَمعُ نِسَاؤُهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ التِي يَبِيتُ عِنْدَهَا رَسُولُ اللَّه -ﷺ-، فَيَأْكُلُ مَعَهُنَّ العَشَاءَ فِي بَعْضِ الأحْيَانِ، ثُمَّ تَنْصَرِفُ كُلُّ وَاحِدَةٍ إِلَى مَنْزِلهَا، وَكَانَ يَنَامُ مَعَ المَرْأَةِ مِنْ نِسَائِهِ فِي شِعَارٍ (٥) وَاحِدٍ، يَضَعُ عَنْ
_________________
(١) = السلام دُون غيره من الأنبياء دَلالةٌ على مَزِيدِ فِطْنَتِهَا؛ لأن النبي -ﷺ- أولى الناس به كما نَصَّ عليه القرآن، فلمَّا لم يكن لها بد من هَجْرِ الاسم الشريفِ أبدلتهُ بمَنْ هو منه بِسَبِيلٍ حتى لا تَخْرُجَ عن دائرةِ التعلق في الجُمْلَة.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب النكاح - باب غيرة النساء ووجدهن - رقم الحديث (٥٢٢٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب في فضل عائشة ﵂ - رقم الحديث (٢٤٣٩).
(٣) سورة النساء آية (١٩).
(٤) أخرجه الترمذي في جامعه - كتاب المناقب - باب في فضل أزواج النبي -ﷺ- رقم الحديث (٤٢٣٣) - وابن حبان في صحيحه - كتاب النكاح - باب معاشرة الزوجين - رقم الحديث (٤١٧٧) وإسناده صحيح.
(٥) تقدم قبل قليل هذا الحديث.
(٦) الشِّعَار: هو الثوب الذي يَلِي الجَسَد؛ لأنه يلي شعره. انظر النهاية (٢/ ٤٢٩).
[ ٢ / ١٤٥ ]
كَتِفَيْهِ الرِّدَاءَ ويَنَامُ بِالإِزَارِ، وَكَانَ إِذَا صَلَّى العِشَاءَ يَدْخُلُ مَنْزِلَهُ يَسْمُرُ (١) مَعَ أهْلِهِ قَلِيلًا قَبْلَ أَنْ يَنَامَ، يُؤَانِسُهُمْ بِذَلِكَ -ﷺ- وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ (٢).
* مَكَانَةُ عَائِشَةَ ﵂ وَشَيْءٌ مِنْ فَضَائِلِهَا:
قَالَ الإِمَامُ الذَّهَبِيُّ: عَائِشَةُ أُمُّ المُؤْمِنِينَ بِنْتُ الإِمَامِ الصِّدِّيقِ الأَكْبَرِ، خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- أَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللَّه بنِ أَبِي قُحَافَةَ القُرَشِيَّةُ التَّيْمِيَّةُ، المَكِّيَّةُ، النَّبَوِيَّةُ، أُمُّ المُؤْمِنِينَ، زَوْجَةُ النَّبِيِّ -ﷺ-، أفْقَهُ نِسَاءِ الأُمَّةِ عَلَى الإِطْلَاقِ.
رَوَتْ عَنِ الرَّسُولِ -ﷺ- عِلْمًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ، وعَنْ أَبِيهَا، وعَنْ عُمَرَ، وفَاطِمَةَ، وسَعْدٍ.
وهِيَ ﵂ مِمَّنْ وُلِدَ فِي الإِسْلَامِ، وهِيَ أصْغَرُ مِنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الرَّسُولِ -ﷺ- بثَمَاني سِنِينَ، وكَانَتْ تَقُولُ: لَمْ أَعْقِلْ أبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ (٣).
_________________
(١) السَّمَرُ: هم القوم الذين يسمَرُون بالليل أي يتحَدَّثون. انظر النهاية (٢/ ٣٥٩).
(٢) سورة الأحزاب آية (٢١) - وانظر كلام الحافظ ابن كثير رحمه اللَّه تعالى في تفسيره (٢/ ٢٤٢).
(٣) أخرج هذا الحديث البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب هجرة النبي -ﷺ- وأصحابه إلى المدينة - رقم الحديث (٣٩٠٥)، وقد مَرَّ هذا الحديث في الكلام عن الهجرة فراجعه هناك، وتم شرحه مُسْتوفى.
[ ٢ / ١٤٦ ]
وَكَانَتْ امْرَاَةً بَيْضَاءَ جَمِيلَةً، ومِنْ ثَمَّ يُقَالُ لَهَا: الحُمَيْرَاءُ (١)، وَلَمْ يتَزَوَّجِ النَّبِيُّ -ﷺ- بِكْرًا غَيْرَهَا، وَلَا أحَبَّ امْرَأَةً حُبَّهَا، وَلَا أعْلَمُ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ -ﷺ-، بَلْ وَلَا فِي النِّسَاءِ مُطْلَقًا، امْرَأَةً أَعْلَمَ مِنْهَا، وَإِنْ كَانَ لِلصِّدِّيقَةِ خَدِيجَةَ ﵂ شَأْوٌ (٢) لَا يُلْحَقُ، وأنا وَاقِفٌ فِي أَيِّتِهِمَا أفْضَلُ، نَعَمْ جَزَمْتُ بِأَفْضَلِيَّةِ خَدِيجَةَ عَلَيْهَا لِأُمُورٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعُهَا (٣).
وَقَالَ الشَّيْخُ عَلِي الطَّنْطَاوِي: هَذِهِ السَّيِّدَةُ لَمْ تَتَخَرَّجْ فِي الجَامِعَةِ، لَمْ تَكُنْ فِي أيَّامِهَا الجَامِعَاتُ، ولَكِنَّهَا كَانَتْ، وَلَا تَزَالُ كَمَا كَانَتْ تُدَرَّسُ آثارُهَا فِي كُلِيَّةِ الآدَابِ، وَتُقْرَأُ فتَاوَاهَا فِي كُلِّيَّاتِ الدِّينِ، . . . امْرَأَةٌ مَلَأَتِ الدُّنْيَا، وَشَغَلَتِ النَّاسَ، عَلَى مَرِّ الدُّهُورِ.
ذَلِكَ لِأَنَّهُ أُتِيحَ لَهَا مَا لَمْ يُتَحْ لِأَحَدٍ، فَلَقَدْ تَوَلَّاهَا فِي طفولَتِهَا، شَيْخُ المُسْلِمِينَ وأفْضَلُهُمْ، أبُوهَا الصِّدِّيقُ -﵁-، ورَعَاهَا فِي شَبَابِهَا خَاتَمُ الرُّسُلِ، وأكْرَمُ البَشَرِ زَوْجُهَا رَسُولُ اللَّه -ﷺ-، فَجَمَعَتْ مِنَ العِلْمِ والفَضْلِ والبَيَانِ مَا لَمْ تَجْمَعْ مِثْلَهُ امْرَأَةٌ أُخْرَى.
_________________
(١) أخرج الإمام الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٩٢) - والنسائي في السنن الكبرى - رقم الحديث (٨٩٠٢) بسند صحيح عن عائشة زوج النبي -ﷺ- قالت: دخل الحبشةُ المسجد يَلْعَبون، فقال لي رسول اللَّه -ﷺ-: "يا حُمَيْرَاء أتحِبِّين أن تَنْظُري اليهم؟ . . . " الحديث - وأورده الحافظ في الفتح (٣/ ١١٨) وصحح إسناده، وقال: ولم أرَ في حديث صحيح ذكر الحُمَيْراء إلا في هذا.
(٢) الشَّأْو: هو الشَّوْطُ والمَدَى. انظر النهاية (٢/ ٣٩٢).
(٣) انظر سير أعلام النبلاء (٢/ ١٣٥).
[ ٢ / ١٤٧ ]
كَانَتِ امْرَأةً كَامِلَةَ الأُنُوثَةِ، تُؤْنِسُ الزَّوْجَ، وتُرْضي العَشِيرَ، وكَانَتْ عَالِمَةً، وَاسِعَةَ العِلْمِ، تُعَلِّمُ العُلَمَاءَ، وتُفْتِي المُفْتِينَ، وَكَانَتْ بَلِيغَةً، بَارِعَةَ البَيَانِ، تبُذُّ (١) الخُطَبَاءَ، وتُزْرِي بِاللُّسُنِ المَقَاوِيلَ، وكَانَتْ لِقُوَّةِ شَخْصِيَّتهَا، زَعِيمَةً فِي كُلِّ شَيْءٍ: فِي العِلْمِ، وفي المُجْتَمَعِ، وفي السِّيَاسَةِ، وفي الحَرْبِ (٢).
أخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَمْرِو بنِ العَاصِ -﵁- قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّه أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: "عَائِشَةُ"، فَقُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ (٣)؟ قَالَ: "أبوهَا"، فَقُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "ثُمَّ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ"، فَعَدَّ رِجَالًا (٤).
وَأَخْرَجَ الحَاكِمُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنِ الإِمَامِ الزُّهْرِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَالَ: لَوْ جُمعَ عِلْمُ النَّاسِ كُلُّهُمْ ثُمَّ عِلْمُ أزْوَاجِ النَّبِيِّ -ﷺ- لَكَانَتْ عَائِشَةُ أوْسَعَهُمْ عِلْمًا (٥).
_________________
(١) بَذَّ القائلين: أي سَبَقهم وغلبهم. انظر لسان العرب (١/ ٣٥١).
(٢) انظر كتاب رجال من التاريخ للشيخ علي الطنطاوي رحمه اللَّه تعالى ص ٣١.
(٣) في رِواية ابن حبان في صحيحه بسند صحيح على شرط الشيخين - رقم الحديث (٧١٠٦) قال عمرو بن العاص -﵁-: إني لسْتُ أعْنِي النِّسَاء، إنما أعني الرجال.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب قول النبي -ﷺ-: "لو كنتُ مُتَّخِذًا خليلًا. . . " - رقم الحديث (٣٦٦٢) - وكتاب المغازي - باب غزوة ذات السلاسل - رقم الحديث (٤٣٥٨) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل أبي بكر الصديق - رقم الحديث (٢٣٨٤).
(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر سعة علم عائشة - رقم الحديث (٦٧٩٤).
[ ٢ / ١٤٨ ]
وأخْرَجَ الإِمَامُ أَحْمَدُ في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ والتِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مُوسَى بنِ طَلْحَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطُّ كَانَ أفْصَحَ (١) مِنْ عَائِشَةَ (٢).
وأخْرَجَ الإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -﵁- قَالَ: مَا أَشْكَلَ (٣) عَلَيْنَا أصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَدِيثٌ قَطُّ، فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا (٤).
وأخْرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ مَسْرُوقِ بنِ الأجْدَعِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ قِيلَ لَهُ: هَلْ كَانَتْ عَائِشَةُ تُحْسِنُ الفَرَائِضَ؟ قَالَ: إِي وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ مَشْيَخَةَ أصْحَابِ مُحَمَّدٍ -ﷺ- يَسْأَلُونَهَا عَنِ الفَرَائِضِ (٥).
وأخرَجَ الحَاكِمُ في المُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيح عَنْ مُصْعَبِ بنِ سَعْدٍ قَالَ: فَرَضَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- لِأُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ عَشَرَةَ آلَافٍ، وَزَادَ عَائِشَةَ رَضِيَ
_________________
(١) الفَصِيح في اللغة: المُنْطَلِقُ اللسان في القَوْل، الذي يَعْرِف جيد الكلام من رَدِيئِهِ. انظر النهاية (٣/ ٤٠٣).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٦٤٦) - والترمذي في جامعة- كتاب المناقب - باب فضل عائشة -﵂- رقم الحديث (٣٢٢٢).
(٣) أشْكَلَ عَلَيَّ الأمرُ: إذا اخْتَلَطَ. انظر لسان العرب (٧/ ١٧٦).
(٤) أخرجه الترمذي في جامعة - كتاب المناقب - باب فضل عائشة -﵂- رقم الحديث (٣٢٢١) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦٦٨١).
(٥) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب سَعَة عِلْمِ عائشة وفَصَاحَةِ كلامِهَا - رقم الحديث (٦٧٩٦).
[ ٢ / ١٤٩ ]
اللَّه عَنْهَا أَلفيْنِ، وَقَالَ: إنَّهَا حَبِيبَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (١).
ورَوَى التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَمْرِو بنِ غَالِبٍ قَالَ: أَنَّ رَجُلًا نَالَ مِنْ عَائِشَةَ ﵂ عِنْدَ عَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ -﵁-، فَقَالَ: اغْرُبْ مَقْبُوحًا (٢) مَنْبُوحًا (٣)، تُؤْذِي حَبِيبَةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٤).
* وَفَاتُهَا ﵂:
وَكَانَتْ مُدَّةُ مُقَامِهِ -ﷺ- مَعَ عَائِشَةَ ﵂ تِسْعَ سِنِينَ، ومَاتَ عَنْهَا -ﷺ- وَلَهَا ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً (٥)، وَعَاشَتْ بَعْدَ الرَّسُولِ -ﷺ- قَرِيبًا مِنْ خَمْسِينَ سَنَة، وتُوُفِّيَتْ ﵂ سَنَةَ ثَمَانٍ وخَمْسِينَ لِلْهِجْرَةِ في لَيْلَةِ الثُّلَاثَاءَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَدُفِنَتْ ﵂ بِالبَقِيعِ (٦).
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة- باب ذكر عطاء أزواج النبي -ﷺ- رقم الحديث (٦٧٨٣).
(٢) المَقْبُوحُ: الذي يُرَدُّ ويُطْرَد، يقال: قبَّحَه اللَّه: أي أبعده. انظر النهاية (٤/ ٤) - جامع الأصول (٩/ ١٣٥).
(٣) المَنْبُوحُ: المَشْتُومُ، يقال: نَبَحَتْنِي كِلابك: أي لَحِقَتْنِي شَتَائمك. انظر النهاية (٥/ ٥).
(٤) أخرجه الترمذي في جامعة - كتاب المناقب - باب فضل عائشة ﵂ - رقم الحديث (٣٨٩٧) - وقال الترمذي: حديث حسن - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٦٦٨٣).
(٥) أخرج ذلك الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب النكاح - باب تزويج الأب البكر الصغيرة - رقم الحديث (١٤٢٢) (٧١) (٧٢) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤١٥٢).
(٦) انظر فتح الباري (٧/ ٤٧٩) - الإصابة (٨/ ٢٣٥).
[ ٢ / ١٥٠ ]
تَسْمِيَةُ يَثْرِبَ بطَيْبَةَ، وَطَابَةَ وَالمَدِينَةَ
كَانَتِ المَدِينَةُ المُنَوَّرَةُ عَلَى سَاكِنِهَا -ﷺ- أفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ تُسَمَّى فِي الجَاهِلِيَّةِ يَثْرِبَ، فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- سَمَّاهَا المَدِينَةَ، وطَيْبَةَ وَطَابَةَ (١).
رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ -﵁- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "إِنَّ اللَّه تَعَالَى سَمَّى المَدِينَةَ طَابةَ" (٢).
قَالَ الإِمَامُ النَّوَوِيُّ: وفي الحَدِيثِ اسْتِحْبَابُ تَسْمِيَيهَا طَابَةَ، ولَيْسَ فِيهِ أَنَّهَا لَا تُسَمَّى بِغَيْرِهِ، فَقَدْ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى المَدِينَةَ في مَوَاضِعَ مِنَ القُرْآنِ (٣)،
_________________
(١) قال الحافظ في الفتح (٤/ ٥٧٤): والطابُ والطيِّب لغتان بمعنى، واشتقاقهما من الشيء الطيِّب، وقال بعضُ أهلِ العلم: وفي طِيبِ تُرَابها وهَوَائها دليلٌ شَاهِدٌ على صِحَّة هذه التَّسْمِيَةِ.
(٢) أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب المدينة تنفي شِرَارها - رقم الحديث (١٣٨٥).
(٣) منها في سورة التربة آية (١٠١) وهي قوله تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾ - وآية (١٢٠) في سورة التوبة وهي قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ - وآية (٦٠) من سورة الأحزاب وهي قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ - وآية (٨) في سورة المنافقون وهي قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾.
[ ٢ / ١٥١ ]
وسَمَّاهَا النَّبِيُّ -ﷺ- طَيْبَةَ (١).
وأخْرَجَ الطَّيَالِسِيُّ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرِ بنِ سَمُرَةَ -﵁- قَالَ: كَانُوا يُسَمُّونَ المَدِينَةَ يَثْرِبَ، فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَيْبَةَ (٢).
وأخْرَجَ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ -﵁- قَالَ: أقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- مِنْ تَبُوكَ حَتَّى أشْرَفْنَا (٣) عَلَى المَدِينَةِ، فَقَالَ -ﷺ-: "هَذِهِ طَابَةٌ" (٤).
قُلْتُ: وَقَدْ جَاءَتْ بَعْضُ الأَحَادِيثِ فِيهَا النَّهْيُ عَنْ تَسْمِيَةِ المَدِينَةِ يَثْرِبَ فَمِنْ ذَلِكَ مَا أخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنِ البَرَاءِ بنِ عَازِبٍ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ سَمَّى المَدِينَةَ يَثْرِبَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّه، هِيَ طَابَةٌ، هِيَ طَابَةٌ" (٥).
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: لِأَنَّ يَثْرِبَ إمَّا مِنَ التَّثْرِيبِ الذِي هُوَ التَّوْبِيخُ والمَلَامَةُ، أَوْ مِنَ الثَّرَبِ وهُوَ الفَسَادُ، وكِلَاهُمَا مُسْتَقْبَح، وكَانَ -ﷺ- يُحِبُّ الِاسْمَ الحَسَنَ، وَيَكْرَهُ الِاسْمَ القَبِيحَ (٦).
_________________
(١) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٩/ ١٣٣).
(٢) أخرجه الطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٧٩٨).
(٣) شَارَفَ الشيءَ: أي دنَا منه وقَارَب أن يَظْفَر به. انظر لسان العرب (٧/ ٩١).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل المدينة - باب المدينة طابة، رقم الحديث (١٨٧٢).
(٥) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٥١٩).
(٦) انظر فتح الباري (٤/ ٥٧٢).
[ ٢ / ١٥٢ ]
ورَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ القُرَى، يَقُولُونَ: يَثْرِبَ، وَهِيَ المَدِينَةُ، تَنْفِي النَّاسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ" (١).
وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ الكَلَامِ عَلَى الإِذْنِ بِالهِجْرَةِ، فَرَاجِعْهُ هُنَاكَ.
* فَضَائِلُ المَدِينَةِ المُنَوَّرةِ:
وَأَمَّا فَضَائِلُ المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ فَحَدِّثْ عَنْهَا وَلَا حَرَجَ:
قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وَقَدْ شَرُفَتِ المَدِينَةُ بِهِجْرَتِهِ -ﷺ- إِلَيْهَا، وصَارَتْ كَهْفًا لِأَوْلِيَاءِ اللَّهِ، وعِبَادِهِ الصَّالِحِينَ، ومَعْقِلًا وَحِصْنًا مَنِيعًا لِلْمُسْلِمِينَ، وَدَارَ هُدًى لِلْعَالَمِينَ (٢).
أخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ الإيمَانَ لَيَأْرِزُ (٣) إِلَى المَدِينهِ كَمَا تَأْرِزُ الحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا" (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل المدينة- باب فضل المدينة وأنها تنفي النَّاس - رقم الحديث (١٨٧١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب المدينة تنفي شرارها - رقم الحديث (١٣٨٢).
(٢) انظر البداية والنهاية (٣/ ٢١٨).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٤/ ٥٨٠): يَأْرِزُ: بفتح أوله وسكون الهمزة وكسر الراء أي ينضم إليها ويجتمع بعضه إلى بعض فيها.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل المدينة - باب الإيمان يأرز إلى المدينة - =
[ ٢ / ١٥٣ ]
قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ: أيْ أَنَّهَا كَمَا تَنْتَشِرُ الحَيَّةُ في جُحْرِهَا في طَلَبِ مَا تَعِيشُ بِهِ، فَإِذَا رَاعَهَا شَيْءٌ رَجَعَتْ إِلَى جُحْرِهَا، كَذَلِكَ الإِيمَانُ انْتَشَرَ في المَدِينَةِ، وَكُلُّ مُؤْمِنٍ لَه مِنْ نَفْسِهِ سَائِقٌ إِلَى المَدِينَةِ، لِمَحَبَّتِهِ في النَّبِيِّ -ﷺ-، فَيَشْمَلُ ذَلِكَ جَمِيعَ الأزْمِنَةِ؛ لأَنَّهُ في زَمَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- للتَّعَلُّمِ مِنْهُ، وفِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ والتَّابِعِينَ وتَابِعِيهِمْ لِلِاقْتِدَاءِ بِهَدْيِهِمْ، وَمِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لِزِيَارَةِ مَسْجِدِهِ وَقَبْرِهِ -ﷺ- (١)
وَقَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ: وقَدِ انْفَرَدَ الإِمَامُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ بَقِيَّةِ الأئِمَّةِ الأرْبَعَةِ بِتَفْضِيلِ المَدِينَةِ عَلَى مَكَّةَ، والمَشْهُورُ عَنِ الجُمْهُورِ أَنَّ مَكَّةَ أفْضَلُ مِنَ المَدِينَةِ إِلَّا المَكَانَ الذِي ضَمَّ جَسَدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَدِ اسْتَدَلَّ الجُمْهُورُ عَلَى ذَلِكَ بِأَدِلَّةٍ يَطُولُ ذِكْرُهَا هَهُنَا، وأشْهَرُ دَلِيلٍ لَهُمْ في ذَلِكَ مَا أخْرَجَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وابْنُ مَاجَه وَغَيْرُهُمَا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عِنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَدِيِّ بنِ الحَمْرَاءِ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -ﷺ-، وهُوَ يَقُولُ لِمَكَّةَ: "وَاللَّهِ إنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وأحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ ﷿، ولَوْلَا أنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكَ مَا خَرَجْتُ" (٢).
_________________
(١) = رقم الحديث (١٨٧٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب بيان أن الإِسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا - رقم الحديث (١٤٧).
(٢) انظر الفتح (٤/ ٥٨٠).
(٣) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٧١٦) - وابن ماجه في سننه - كتاب المناسك - باب فضل مكة - رقم الحديث (٣١٠٨) - وانظر كلام الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢١٩).
[ ٢ / ١٥٤ ]
وأخْرَجَ الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ وابنُ حِبَانَ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ أَرَادَ أَهْلَ المَدِينَةِ بِسُوءٍ، أذَابَهُ اللَّهُ كَمَا يَذُوبُ المِلْحُ في المَاءَ" (١).
وأخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ السَّائِبِ بنِ خَلَّادٍ -﵁- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "مَنْ أَخَافَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ، أَخَافه اللَّهُ ﷿، وَعَلَيْهِ لَعْنةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا" (٢).
* تَمَنِّي عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- المَوْتَ في المَدِينَةِ:
رَوَى ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحهِ والإِمَامُ أحمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عنِ ابنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يَمُوتَ بِالمَدِينَةِ، فَلْيَمُتْ بِالمَدِينَةِ فَإِنِّي أشْفَعُ لِمَنْ مَاتَ بِهَا" (٣).
وَلِهَذَا كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ -﵁- يَدْعُو اللَّه تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَهُ المَوْتَ في المَدِينَةِ، فَقَدْ أخْرَجَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ عَنْ أبِيهِ عَنْ
_________________
(١) أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب من أراد أهل المدينة بسوء - رقم الحديث (١٣٨٧) (٤٩٤) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل المدينة - رقم الحديث (٣٧٣٧).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٦٥٥٩).
(٣) أخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل المدينة - رقم الحديث (٣٧٤١) - وأَحمد في مسنده - رقم الحديث (٥٨١٨).
[ ٢ / ١٥٥ ]
عُمَرَ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي شَهَادَةً في سَبِيلِكَ، واجْعَلْ مَوْتِي في بَلَدِ رَسُولِكَ -ﷺ- (١).
وكَانَ سَبَبُ تَمَنِّي عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁- الشَّهَادَةَ، هُوَ مَا أخْرَجَهُ ابنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ، والإِمَامُ أَحْمَدُ في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَوْفِ بنِ مَالِكٍ الأَشْجَعِيِّ -﵁- أَنَّهُ رَأَى رُؤْيَا في المَنَامِ: أَنَّ عُمَرَ -﵁- شَهِيدٌ مُسْتَشْهَدٌ.
فَقَصَّهَا عَلَى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ -﵁-، فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: أَنَّى لِي بِالشَّهَادَةِ، وَأَنَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْ جَزِيرَةِ العَرَبِ لَسْتُ أَغْزُو، والنَّاسُ حَوْلي يَغْزُونَ، ثُمَّ قَالَ -﵁-: بَلَى يَأْتِي بِهَا اللَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٢).
وقَدِ اسْتَجَابَ اللَّهُ تَعَالَى لِلْفَارُوقِ -﵁-، فَاسْتُشْهِدَ في مَسْجِدِ الرَّسُولِ -ﷺ- وَهُوَ يَؤُمُّ المُسْلِمِينَ في صَلَاةِ الفَجْرِ (٣).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل المدينة - رقم الحديث (١٨٩٠).
(٢) أخرجه ابن سعد في طبقاته (٣/ ١٧٧) - والإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (٣٥١) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٢٣٧٧).
(٣) أخرج قِصَّة استشهادِ عُمَرَ بن الخطابِ -﵁-: الإمام البخاري في صحيحه - كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب قصة البيعة - رقم الحديث (٣٧٠٠).
[ ٢ / ١٥٦ ]
الحَيَاةُ فِي المَدِينَةِ المُنَوَّرَةِ
يُمْكِنُ تَقْسِيمُ العَهْدِ المَدَنِيِّ إلى ثَلَاثِ مَرَاحِلَ:
١ - مَرْحَلَةٌ أُثِيرَتْ فِيهَا القَلَاقِلُ والفِتَنُ، وأُقِيمَتْ فِيهَا العَرَاقِيلُ مِنَ الدَّاخِلِ، وزَحَفَ فِيهَا الأعْدَاءُ إلى المَدِينَةِ لِاسْتِئْصَالِ (١) خَضْرَائِهَا (٢) مِنَ الخَارجِ، وهَذِهِ المَرْحَلَةُ تَنتهِي إِلَى صُلْحِ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي القَعْدَةِ مِنَ السَّنَةِ السَّادِسَةِ لِلْهِجْرَةِ.
٢ - مَرْحَلَةُ الهُدْنَةِ مَعَ الزَّعَامَةِ الوَثَنِيَّةِ، وتَنتهِي بِفَتْحِ مَكَّةَ في رَمَضَانَ مِنَ السَّنَةِ الثَّامِنَةِ لِلْهِجْرَةِ، وهِيَ مَرْحَلَةُ دَعْوَةِ المُلُوكِ إلى الإِسْلَامِ.
٣ - مَرْحَلَةُ دُخُولِ النَّاسِ في دِينِ اللَّهِ أفْوَاجًا، وهِيَ مَرْحَلَةُ تَوَافُدِ القَبَائِلِ والأَقْوَامِ إِلَى المَدِينَةِ، وهَذ المَرْحَلَةُ تَمْتَدُّ إلى انْتِهَاءَ حَيَاةِ الرَّسُولِ -ﷺ- في رَبِيعٍ الأوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ (٣).
* * *
_________________
(١) اسْتَأْصَلَهُ: أي قَلَعَهُ من أصله. انظر لسان العرب (١/ ١٥٠).
(٢) خَضْرَاؤُها: أي دُهَمَاؤُهم وسوَادُهم. انظر النهاية (٢/ ٤٠).
(٣) انظر الرحيق المختوم ص ١٧٥.
[ ٢ / ١٥٧ ]