غَزوَةُ تَبُوكَ (١) أَو (الْعُسْرَةِ) (٢)
كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ في رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ لِلْهِجْرَةِ، وَهِيَ آخِرُ غَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا والْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا حَتَّى كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ، . . . وَهِيَ آخِرُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا (٣).
_________________
(١) تَبُوك: بفتح التاء وضم الباء، موضع بين وادي القرى والشَّام. انظر معجم البلدان (٢/ ٤٣١). وتبعد اليوم عن المدينة المنورة نحو (٨٠٠) كيلو تقريبًا. ووقع تسميتها بذلك في الأحاديث الصحيحة: منها ما رواه مسلم في صحيحه - رقم الحديث (٧٠٦) (١٥/ ٣٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٠٧٠) من حديث معاذ -﵁- قال: قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "إنكم ستأتون كدًا إن شاء اللَّه عين تبوك. . . "
(٢) وأما تسميتها "العسرة": فبضم العين وسكون السين، والسبب في تسميتها ذلك ما وقع فيها من الشدة والضيق في النفقة والظهر -أي الإبل- والماء، وقد وقع هذا الاسم في القرآن، فقال ﷾ في سورة التوبة، آية (١١٧): ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾. وقال الإمام البخاري في صحيحه: باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة، ثم ساق حديث أبي موسى الأشعري -﵁-، ولفظه: أرسلني أصحابي إلى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- أسأله الحُملان لهم إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك. . . .
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب حديث كعب بن مالك -﵁- رقم الحديث (٤٤١٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب حديث كعب بن مالك وصاحبيه - رقم الحديث (٢٧٦٩) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧١٧٥).
[ ٤ / ٢٧٣ ]
وَرَوَى الْحَاكِمُ في الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: . . . وَكَانَ آخِرَ غَزْوَةٍ غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تَبُوكُ (١).
وَكَانَتْ في وَقْتٍ حَارٍّ جِدًّا وَقَحْطٍ، وَضِيقٍ شَدِيدٍ في النَّفَقَةِ وَالظَّهْرِ (٢) وَالْمَاءِ.
* سَبَبُ الْغَزْوَةِ:
اخْتُلِفَ في سَبَبِ هَذِهِ الْغَزْوَةِ، فَعِنْدَ ابْنِ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- بَلَغَهُ أَنَّ هِرَقْلَ مَلِكَ الرُّومِ جَمَعَ جُمُوعًا كَثِيرَةً مِنَ الرُّومِ وَالْغَسَاسِنَةِ وَقَبائِلِ الْعَرَبِ الْمُوَالِيَةِ لَهُ، فَعَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِهِمْ فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ (٣).
قُلْتُ: وَيَظْهَرُ ذَلِكَ جَلِيًّا في حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- الذِي مَضَى قَبْلَ قَلِيلٍ-، وَهُوَ يَرْوِي قِصَّةَ هَجْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَزْوَاجَهُ، قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الْأَنْصَارِ في بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ -وَهُمْ مِنْ عَوَالِي الْمَدِينَةِ- وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، فَيَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِمَا حَدَثَ مِنْ خَبَرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْوَحْي أَوْ غَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، . . . وَكُنَّا قَدْ تَحَدَّثْنَا أَنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الخَيْلَ لِتَغْزُونَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَرَجَعَ إِلَيْنَا عِشَاءً فضَرَبَ بَابِي
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب استغفار النبي -ﷺ- لابن جابر - رقم الحديث (٦٤٦٣).
(٢) الظهر: الإبل التي يُحمل عليها وتُركب. انظر النهاية (٣/ ١٥١).
(٣) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٣٢).
[ ٤ / ٢٧٤ ]
ضَرْبًا شَدِيدًا، وَقَالَ: قَدْ حَدَثَ اليَوْمَ أَمْرٌ عَظِيمٌ، قُلْتُ لَهُ: مَا هُوَ؟ أَجَاءَ غَسَّانُ؟، قَالَ: لَا بَلْ أَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَهْوَلُ، طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نِسَاءَهُ (١).
* رَأْيُ الْحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ:
وَيَرَى الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ أَنَّ السَّبَبَ فِي عَزْمِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى غَزْوِ الرُّومِ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ، بَعْدَمَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ أَمْرِ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: فَعَزَمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى قِتَالِ الرُّومِ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَأَوْلَى النَّاسِ بِالدَّعْوَةِ إِلَى الْحَقِّ لِقُرْبِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٢).
قُلْتُ: وَالذِي نَمِيلُ إِلَيْهِ -وَاللَّهُ أَعْلَمُ- في سَبَبِ غَزْوَةِ تَبُوكَ، مَا بَلَغَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ غَزْوِ الرُّومِ لَهُمْ، وَذَلِكَ وَاضِحٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ، وَحَدِيثِ عُمَرَ -﵁-.
* اسْتِنْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْمُسْلِمِينَ لِلْغَزوِ:
أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ بِالتَّهَيُّؤِ لِغَزْوِ الرُّومِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَلَّمَا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب النكاح - باب موعظة الرَّجل ابنته لحال زوجها - رقم الحديث (٥١٩١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الطلاق - باب الإيلاء واعتزال النساء - رقم الحديث (١٤٧٩).
(٢) سورة التوبة آية (١٢٣) - وانظر كلام الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ٥).
[ ٤ / ٢٧٥ ]
يَخْرُجُ إِلَى غَزْوَةٍ إِلَّا وَوَرَّى (١) بِغَيْرِهَا، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ غَزْوَةِ خَيْبَرَ وَغَزْوَةِ تَبُوكَ (٢)، فَغَزْوَةُ خَيْبَرَ، فلِأنَّ اللَّه تَعَالى وَعَدَ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بفَتْحِهَا، وَأمَّا غزْوَةُ تَبُوكَ، فَلبُعْدِ الشُّقَّةِ (٣)، وَشِدَّةِ الزَّمَانِ، إِذْ كَانَ ذَلِكَ في شِدَّةِ الْحَرِّ، حِينَ طَابَتِ الظِّلَالُ، وَأَيْنَعَتِ الثِّمَارُ، وَحُبِّبَ إِلَى النَّاسِ الْمُقَامُ، وَكَثْرَةِ الْعَدُوِّ. . . وَكَانَ لِهَذِهِ الْعَوَامِلِ الْمُخْتَلِفَةِ أَثَرُهَا في تَثَاقُلِ بَعْضِ النَّاسِ عِنْدَ النَّفْرَةِ، فَبَدَأَتِ الْآيَاتُ تَنْزِلُ في سُورَةِ التَّوْبَةِ لِتُعَالِجَ هَذَا الْأَمْرَ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٤٠)
_________________
(١) ورّى: أي سَتَرَهُ وكَنَّى عنه، وأوهم أنَّه يريد غيره. انظر النهاية (٥/ ١٥٥).
(٢) روى البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٤٤١٨) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (٢٧٦٩) (٥٤) - عن كعب بن مالك -﵁- أنَّه قال: . . . ولم يكن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- يريد غزوة إِلَّا وَرّى بغيرها حَى كانت تلك الغزوة -أي غزوة تبوك- غزاها رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في حر شديد.
(٣) الشُّقَّةُ: السَّفَرُ الطويلُ، وقيل: الْمَسَافَةُ البَعِيدَةُ. انظر النهاية (٢/ ٤٤٠). ومنه قوله تَعَالَى في سورة التوبة آية (٤٢): ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ. . .﴾
[ ٤ / ٢٧٦ ]
انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (١).
ذَلِكَ بَدْءُ الْعِتَابِ لِلْمُتَخَلِّفِينَ، وَالتَّهْدِيدِ بِعَاقِبةِ التّثاقُلِ عَنِ الْجِهَادِ في سبِيلِ اللَّهِ، وَالتَّذْكِيرِ لَهُمْ بِمَا كَانَ مِنْ نَصْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِرَسُولِهِ -ﷺ-، قَبْلَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، وَبِقُدْرَته عَلَى إِعَادَةِ هَذَا النَّصْرِ بِدُونِهِمْ، فَلَا يَنَالُهُمْ عِنْدَئِذٍ إِلَّا إِثْمُ التَّخَلُّفِ وَالتَّقْصِيرِ (٢).
فَأَسْرَعَ الْمُسْلِمُونَ يتَجَهَّزُونَ لِلْخُرُوجِ، وَأَخَذَتِ القبَائِلُ تَقْدُمُ الْمَدِينَةَ مِنْ كُلِّ حَدْبٍ وَصَوْبٍ، مِنْهَا: غِفَارٌ، وَأَسْلَمُ، وَجُهَيْنَةَ، وَأَشْجَعَ، وَبَنُو كَعْبٍ مِنْ خُزَاعَةَ.
* حَضُّ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى النَّفَقَةِ لِجَيْشِ الْعُسْرَةِ:
حَثَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الصَّحَابَةَ ﵃ عَلَى الْإِنْفَاقِ لِجَيْشِ الْعُسْرَةِ، فتَسَابَقَ الصَّحَابَةُ ﵃ إِلَى التَّنَافُسِ في الْإِنْفَاقِ كُلٌّ حَسَبَ مَقْدِرَتِهِ، وَإِلَيْكُمْ بَعْضَ هَذِهِ النَّفَقَاتِ:
* إِنْفَاقُ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيق وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄:
كَانَ أَوَّلَ مَنْ جَاءَ بِصَدَقَتِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- قَالَ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ
_________________
(١) سورة التوبة آية (٣٨ - ٤١).
(٢) انظر في ظلال القرآن (٣/ ١٦٥٥) لسيد قطب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٤ / ٢٧٧ ]
-ﷺ- يَوْمًا (١) أَنْ نَتَصَدَّقَ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي، فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ، إِنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا، فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ "، قُلْتُ: مِثْلَهُ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ -﵁- بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "يَا أَبَا بَكْرٍ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ "، قَالَ -﵁-: أَبْقَيْتُ لَهُمُ اللَّه وَرَسُولَهُ، فَقَالَ عُمَرُ -﵁- وَاللَّهِ لَا أُسَابِقُكَ إِلَى شَيْءٍ أَبَدًا (٢).
* إِنْفَاقُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -﵁-:
قَالَ الْإِمَامُ الذَّهَبِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَلَمْ يُنْفِقْ أَحَدٌ أَعْظَمَ مِنْ نَفَقَةِ عُثْمَانَ -﵁- (٣).
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ عُثْمَانَ -﵁- حِينَ حُوصِرَ أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ: أُنْشِدُكُمُ اللَّه، وَلَا أُنْشِدُ إِلَّا أَصْحَابَ النَّبِيِّ -ﷺ-: أَلسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: ". . . مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ فَلَهُ الْجَنَّةُ"، فَجَهَّزْتُهُ (٤).
_________________
(١) الذي يظهر أن ذلك كان يوم تبوك -واللَّه أعلم-.
(٢) أخرجه الترمذي في جامعة - كتاب المناقب - باب مناقب أبي بكر الصديق -﵁- رقم الحديث (٤٠٠٦) - وأبو داود في سننه - كتاب الزكاة - باب في الرخصة في ذلك - رقم الحديث (١٦٧٨) - والحاكم في المستدرك - كتاب الزكاة - باب الصدقة جهد المقل - رقم الحديث (١٥٥٠).
(٣) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة (٢/ ٢٣٣) للإمام الذهبي.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الوصايا - باب إذا وقف أرضًا أو بئرًا أو اشترط =
[ ٤ / ٢٧٨ ]
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَفِي الفضَائِلِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ: جَاءَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ -﵁- إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- بِأَلْفِ دِينَارٍ في ثَوْبِهِ حِينَ جَهَّزَ النَّبِيُّ -ﷺ- جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَصَبَّهَا في حِجْرِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَجَعَلَ النَّبِيُّ -ﷺ- يُقَلِّبُهَا بِيَدِهِ وَيَقُولُ: "مَا ضَرَّ ابْنُ عَفَّانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ الْيَوْمِ" يُرَدِّدُهَا مِرَارًا (١).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالطَّيَالِسِيُّ في مُسْنَدَيْهِمَا بِسَنَدٍ حَسَنٍ بِالشَّوَاهِدِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَبَّابٍ السُّلَمِيِّ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَحَثَّ عَلَى جَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَقَامَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ -﵁- فَقَالَ: عَلَيّ مِئَةُ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا (٢) وَأَقْتَابِهَا (٣)، ثُمَّ حَثَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثَانِيَةً، فَقَامَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ -﵁- فَقَالَ: عَلَيَّ مِئَةٌ أُخْرَى بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا، ثُمَّ حَثَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ثَالِثَةً، فَقَامَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ -﵁- فَقَالَ: عَلَيَّ مِئَةٌ أُخْرَى بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا، قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَبَّابٍ: فَرَأَيْتُ
_________________
(١) = لنفسه - رقم الحديث (٢٧٧٨) معلقًا، ووصله الإسماعيلي - وأبو نعيم - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٨٢) - والإمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (٧٣٠) - وهو حديث صحيح.
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٦٣٠) - وأخرجه في فضائل الصحابة - رقم الحديث (٧٣٨).
(٣) الْأَحْلَاسُ: جمع حِلْس، وهو الكِساءُ الذي يَلي ظهرَ البعيرِ تحتَ القتَبِ. انظر النهاية (١/ ٤٠٧).
(٤) الْقتَبُ: هو إِكَافُ البعيرِ، وقيل: رَحْلٌ صَغيرٌ على قَدْرِ السِّنَامِ. انظر لسان العرب (١١/ ٢٧).
[ ٤ / ٢٧٩ ]
رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَنْزِلُ عَنِ الْمِنْبَرِ، وَهُوَ يَقُولُ: "مَا عَلَى عُثْمَانَ مَا عَمِلَ بَعْدَ هَذَا" مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا (١)
* إِنْفَاقُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -﵁-:
رَوَى الإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطبرِيُّ في تَفْسِيرِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "تَصَدَّقُوا، فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَ بَعْثًا" (٢).
قَالَ: فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ عِنْدِي أَرْبَعَةَ آلَافٍ: أَلفيْنِ أُقْرِضُهُمَا اللَّه، وَأَلفيْنِ لِعِيَالِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "بَارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَبَارَكَ لَكَ فِيمَا أَمْسَكْتَ" (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -﵁- بِسَنَدٍ حَسَنٍ، قَالَ: جَاءَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً (٤) مِنْ ذَهَبٍ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- (٥).
قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ: وَقَدِ اخْتُلِفَ في إِنْفَاقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -﵁-
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده رقم الحديث (١٦٦٩٦) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (١٢٨٥) - والترمذي في جامعة - كتاب المناقب - باب مناقب عثمان بن عفان -﵁- رقم الحديث (٤٠٣٣) - وقال الترمذي في جامعة: هذا حديث غريب.
(٢) هذا البعث هو جيش العسرة.
(٣) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٤٣١).
(٤) الْأُوقيَّةُ: بضمِّ الهمزة وتشديد الياء: وهي عبارة عن أربعين درهمًا. انظر النهاية (١/ ٨٠).
(٥) أخرجه ابن جرير الطبري في تفسيره (٦/ ٤٣٠).
[ ٤ / ٢٨٠ ]
يَوْمَ تَبُوكَ اخْتلَافًا شَدِيدًا، وَأَصَحُّ الطُّرُقِ فيه أَنَّهُ أَنْفَقَ ثَمَانيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ (١).
* تَتَابُعُ الصَّحَابَةِ ﵃ في الْإِنْفَاقِ لِجَيْشِ الْعُسْرَةِ:
وَتَتَابَعَ الصَّحَابَةُ ﵃ بِصَدَقَاتِهمْ لِجَيْشِ الْعُسْرَةِ، فَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ (٢) بِنِصْفِ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا أُمِرْنَا بِالصَّدَقَةِ، كُنَّا نتحَامَلُ، فَجَاءَ أَبُو عَقِيلٍ بِنِصْفِ صَاعٍ (٣).
وَوَقَعَ في صَحِيحِ مُسْلِمٍ في قِصَّةِ تَوْبَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: . . . فَبَيْنَمَا هُوَ عَلَى ذَلِكَ رَأَى رَجُلًا يَزُولُ بِهِ السَّرَابُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: "كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ"، فَإِذَا هُوَ أَبُو خَيْثَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ (٤) وَهُوَ الذِي تَصَدَّقَ بِصَاعِ التَّمْرِ حِينَ لَمَزَهُ (٥) الْمُنَافِقُونَ (٦).
قَالَ الْحَافِظُ في الْفتْحِ: وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَعَدُّدِ مَنْ جَاءَ بِالصَّاعِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ فِيهَا: أَنَّهُ جَاءَ بِصَاعٍ، وَكَذَا وَقَعَ في الزَّكَاةِ -في صَحِيحِ
_________________
(١) انظر فتح الباري (٩/ ٢٣٠).
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٤/ ٣٢) (٩/ ٢٢٩): أبو عَقِيلٍ: بفتح العين، واسمه حبحاب.
(٣) أخرجه البخاري - كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ - رقم الحديث (٤٦٦٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب العمل بأجرة يتصدق بها - رقم الحديث (١٠١٨).
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٩/ ٢٣٠): واسم أبي خيثمة هذا عبد اللَّه بن خيثمة من بني سالم من الْأَنصار.
(٥) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١٧/ ٧٥): لَمَزَه: أي عَابَهُ واحْتَقَرَهُ.
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه - رقم الحديث (٢٧٦٩).
[ ٤ / ٢٨١ ]
الْبُخَارِيِّ-: "وَجَاءَ رَجُلٌ فتَصَدَّقَ بِصَاعٍ" (١)، وَفِي حَدِيثِ الْبَابِ "فَجَاءَ أَبُو عَقِيل بِنِصْفِ صَاعٍ" (٢).
* اسْتِهْزَاءُ الْمُنَافِقِينَ:
وَلَمَّا أَنْفَقَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ -﵁- قَالَ الْمُنَافِقُونَ: مَا فَعَلَ هَذَا إِلَّا رِيَاءً، وَلَمَّا أَنْفَقَ أَبُو عَقِيلٍ، قَالُوا: إِنَّ اللَّه لَغَنِيٌّ عَنْ صَدَقَةِ (٣) هَذَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ في هَؤُلَاءَ الْمُنَافِقِينَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ (٤) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (٥).
* أَمْرُ الْبَكَّائِينَ:
وَجَاءَ جَمَاعَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانُوا سَبْعَةً وَهُمْ: سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الزكاة - باب اتقوا النَّار ولو بشق تمرة - رقم الحديث (١٤١٥).
(٢) انظر كلام الحافظ في الفتح (٩/ ٢٢٩).
(٣) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (١٤١٥): صاع.
(٤) الْمُطَّوِّعُ: الْمُتَطَوِّعُ: وهو الذي يفعلُ الشيءَ تَبَرُّعًا من نفسه، من غير أَنْ يُجْبَرَ عليه، فأدغمت التاء بالطاء. انظر جامع الأصول (٢/ ١٦٧).
(٥) سورة التوبة آية (٧٩) - وأخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الزكاة - باب اتقوا النَّار ولو بشق تمرة - رقم الحديث (١٤١٥) - وأخرجه في كتاب التفسير - باب قوله تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ - رقم الحديث (٤٦٦٨) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الزكاة - باب العمل بأجرة يتصدق بها - رقم الحديث (١٠١٨).
[ ٤ / ٢٨٢ ]
وَعُلْبَةُ (١) بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو لَيْلَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ كَعْبٍ، وَعَمْرُو بْنُ الْحُمَامِ بْنِ الْجَمُومِ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُغَفَّلِ، وَهَرَمِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ، يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَحْمِلَهُمْ، وَكَانُوا كُلُّهُمْ مُعْسِرِينَ وَذَوِي حَاجَةٍ، وَلَا يُحِبُّونَ التَّخَلُّفَ عَنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ، فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ"، فتَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ لِيَخْرُجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في هَذِهِ الْغَزْوَةِ، وَقَدْ عَذَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩١) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ﴾ (٢).
وَلَمَّا خَرَجَ الْبَكَّاؤُونَ مِنْ عِنْدِ الرَّسُولِ -ﷺ- لَقِيَ ابْنُ يَامِينَ بْنِ عُمَيْرٍ
_________________
(١) قال الحافظ في الإصابة (٤/ ٤٤٩): عُلْبَةُ: بضم العين وسكون اللام.
(٢) سورة التوبة آية (٩١ - ٩٢). قلت: وقع في مسند الإِمام أحمد - رقم الحديث (١٧١٤٥) بسند صحيح التصريح باسم بعض هؤلاء الصحابة في أن هذه الآية نزلت فيهم، فعن عبد الرحمن بن عمرو السُلمي، وحُجر بن حُجر قالا: أتينا العرباض بن سارية -﵁-، وهو ممن نزل فيه: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾، ثم ذكر الحديث. وروى الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٥٤٦) بسند ضعيف عن عبد اللَّه بن مُغفَّل - وكان أحد الرهط الذين نزلت فيهم هذه الآية: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾، ثم ذكر الحديث.
[ ٤ / ٢٨٣ ]
النَّضْرِيُّ أَبَا لَيْلَى عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ كَعْبٍ، وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُغَفَّلِ، وَهُمَا يَبْكِيَانِ فَقَالَ لَهُمَا: مَا يُبْكِيكُمَا؟ .
قَالَا: جِئْنَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لِيَحْمِلَنَا، فَلَمْ يَجِدْ مَا يَحْمِلُنَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ عِنْدَنَا مَا نتقَوَّى بِهِ عَلَى الْخُرُوجِ مَعَهُ، فَأَعْطَاهُمَا نَاضِحًا (١) لَهُ، وَزَوَّدَهُمَا شَيْئًا مِنْ تَمْرٍ، فَخَرَجَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
* شَأْنُ عُلْبَةَ بْنِ زَيْدٍ -﵁-:
وَأَمَّا عُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ -﵁- فَإِنَّهُ قَامَ فَصَلَّى مِنْ لَيْلَتِهِ مَا شَاءَ اللَّهُ، ثُمَّ بَكَى، وَقَالَ: اللَّهُمَّ! إِنَّكَ قَدْ أَمَرْتَ بِالْجِهَادِ، وَرَغَّبْتَ فِيهِ، ثُمَّ لَمْ تَجْعَلْ عِنْدِي مَا أَتَقَوَّى بِهِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَمْ تَجْعَلْ في يَدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَا يَحْمِلُنِي عَلَيْهِ، وَإِنِّي أَتَصَدَّقُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ بِكُلِّ مَظْلَمَةٍ أَصَابَنِي بِهَا في مَالٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ عِرْضٍ.
فَلَمَّا أَصْبَحَ مَعَ النَّاسِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ هَذِهِ اللَّيْلةَ؟ "
فَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَيْنَ الْمُتَصَدِّقُ؟ فَلْيَقُمْ"، فَقَامَ إِلَيْهِ عُلْبَةُ، فَأَخْبَرَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَبْشِرْ، فَوَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ كُتِبَتْ في الزَّكَاةِ الْمُتَقَبَّلَةِ" (٢).
_________________
(١) النَّاضِحُ: البعيرُ الذي يُستقَى عليه. انظر النهاية (٥/ ٥٩).
(٢) أورد ذلك الحافظ في الإصابة (٤/ ٤٥٠) وإسناده صحيح، وصححه الألباني رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تعليقه على فقه السيرة للغزالي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى، ص ٤٠٥ - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٧١) بدون سند.
[ ٤ / ٢٨٤ ]
وَإِنَّ لَنَا هُنَا لَوَقفةً تُرِينَا كَيْفَ بَلَغَ حُبُّ الْجِهَادِ وَالْبَذْلُ في سَبِيلِ اللَّهِ في نُفُوسِ الصَّحَابَةِ، وَأَنَّهُمْ كَانُوا يُؤثِرُونَ رِضَا اللَّهِ ﷿ وَرَسُولهِ -ﷺ- عَلَى كُلِّ مَحْبُوبٍ لَدَيْهِمْ، وَبِهَذِهِ الْمَعَانِي وَالْخَصَائِصِ النَّفْسِيَّةِ فتَحُوا الْعَالَمَ وَسَادُوا الدُّنْيَا (١).
* شَأْنُ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ -﵁- وَأَصْحَابِهِ:
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ -﵁- قَالَ: أَرْسَلَنِي أَصْحَابِي إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَسْأَلُه الْحُمْلَانَ (٢) لَهُمْ، إِذْ هُمْ مَعَهُ في جَيْشِ الْعُسْرَةِ، وَهِيَ غَزْوَةُ تَبوكَ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّ أَصْحَابِي أَرْسَلُونِي إِلَيْكَ لِتَحْمِلَهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ عَلَى شَيْءٍ" (٣) وَوَافَقْتُهُ وَهُوَ غَضْبَانُ، وَلَا أَشْعُرُ، وَرَجَعْتُ حَزِينًا مِنْ مَنع النَّبِيِّ -ﷺ-، وَمِنْ مَخَافَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ -ﷺ- وَجَدَ في نَفْسِهِ عَلَيَّ، فَرَجَعْتُ إِلَى أَصْحَابِي فَأَخْبَرتُهُمُ الذِي قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-، فَلَمْ أَلْبَثْ إِلَّا سُوَيْعَةً إِذْ سَمِعْتُ بِلَالًا يُنَادِي: أَيْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ (٤)! فَأَجَبْتَهُ، فَقَالَ: أَجِبُّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَدْعُوكَ، فَلَمَّا أَتَيْتُهُ، قَالَ
_________________
(١) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة في ضوء القرآن والسنة (٢/ ٤٩٧) للدكتور محمَّد أبو شهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٤٥٠): الْحُمْلَانُ: بضم الحاء: أي الشيء الذي يَركبونَ عليهِ ويَحْمِلُهُمْ.
(٣) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَاللَّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَمَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ".
(٤) هو اسم أبي موسى الأشعري -﵁-.
[ ٤ / ٢٨٥ ]
رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "خُذْ هَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ (١)، وَهَذَيْنِ الْقَرِينَيْنِ لِسِتَّةِ أَبْعِرَةٍ ابْتَاعَهُنَّ (٢) حِينَئِذٍ مِنْ سَعْدٍ (٣) فَانْطَلِقْ بِهِنَّ إِلَى أَصْحَابِكَ، فَقُلْ: إِنَّ اللَّه -أَوْ قَالَ- إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ فَارْكبُوهُنَّ"، فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِمْ بِهِنَّ فَقُلْتُ: إِنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- يَحْمِلُكُمْ عَلَى هَؤُلَاءِ، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَا أَدَعُكُمْ حَتَّى يَنْطَلِقَ مَعِي بَعْضُكُمْ إِلَى مَنْ سَمِعَ مَقَالة رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، لَا تَظُنُّوا أَنِّي حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا لَمْ يَقُلْهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالُوا لِي: إِنَّكَ عِنْدَنَا لَمُصَدَّقٌ، وَلَنَفْعَلَنَّ مَا أَحْبَبْتَ، فَانْطَلَقَ أَبُو مُوسَى بِنَفَرٍ مِنْهُمْ حَتَّى أَتَوُا الذِينَ سَمِعُوا قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَنْعَهُ إِيَّاهُمْ، ثُمَّ إِعْطَاءَهُمْ بَعْدُ، فَحَدَّثُوهُمْ بِمِثْلِ مَا حَدَّثَهُمْ بِهِ أَبُو مُوسَى (٤).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في الصَّحِيحَيْنِ قَالَ أَبُو مُوسَى -﵁-: فَقُلْنَا: مَا صَنَعْنَا؟ حَلَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَا يَحْمِلُنَا وَمَا عِنْدَهُ مَا يَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلَنَا، تَغَفَّلْنَا (٥) رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَمِينَهُ، وَاللَّهِ لَا نُفْلحُ أَبَدًا، فَرَجَعْنَا إِلَيْهِ، فَقُلْنَا لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا أَتَيْنَاكَ نَسْتَحْمِلُكَ، وَإِنَّكَ حَلَفْتَ أَنْ لَا تَحْمِلُنَا، ثُمَّ حَمَلْتَنَا، أَفَنَسِيتَ؟
_________________
(١) الْقَرِينَيْنِ: أي الْجَمَلَيْنِ الْمَشْدُودَيْنِ أحدهما إلى الآخر. انظر النهاية (٤/ ٤٧).
(٢) ابْتَاعَ الشيءَ: اشْتَرَاهُ. انظر لسان العرب (١/ ٥٥٧).
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٤٥٠): لم يتعين لي من هو سعد إلى الآن، إِلا أنه يهجس في خاطري أنَّه سعد بن عبادة -﵁-.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة تبوك وهي غزوة العسرة - رقم الحديث (٤٤١٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب ندب من حلف يمينًا، فرأى غيرها خيرًا منها - رقم الحديث (١٦٤٩) (٨).
(٥) تغفّلنا: أي جَعَلْنَاهُ غَافلًا عن يمينه بسبب سؤالنا. انظر النهاية (٣/ ٣٣٧).
[ ٤ / ٢٨٦ ]
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَسْتُ أَنَا أَحْمِلُكُمْ، وَلَكِنَّ اللَّه حَمَلَكُمْ، إِنِّي وَاللَّهِ لا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَتَيْتُ الذِي هُوَ خَيْرٌ وَتَحَلَّلْتُهَا" (١).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الْحَافِظُ في الْفتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - اسْتِحْبَابُ حَنْثِ الْحَالِفِ في يَمِينِهِ إِذَا رَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا.
٢ - انِعْقَادُ الْيَمِينِ في الْغَضَبِ (٢).
* قِصَّةُ وَاثِلَةَ بنِ الأَسْقَعِ -﵁-:
رَوَى أَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ وَاثِلَةَ بنِ الْأَسْقَعِ -﵁- قَالَ: نَادَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَخَرَجْتُ إِلَى أَهْلِي، فَأَقْبَلْتُ وَقَدْ خَرَجَ أَوَّلُ صَحَابَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَطَفِقْتُ في الْمَدِينَةِ أُنَادِي: أَلَا مَنْ يَحْمِلُ رَجُلًا لَهُ سهْمُهُ، فنَادَى شَيْخٌ مِنَ الْأَنْصَارِ، قَالَ: لَنَا سَهْمُهُ عَلَى أَنْ نَحْمِلَهُ عُقْبَةً وَطَعَامُهُ مَعَنَا؟ قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: فَسِرْ عَلَى بَرَكَةِ اللَّهِ، قَالَ: فَخَرَجْتُ مَعَ خَيْرِ صَاحِبٍ حَتَّى أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْنَا، فَأَصَابَنِي قَلَائِصُ (٣) فَسُقْتُهُنَّ حَتَّى أَتَيْتُهُ، فَخَرَجَ فَقَعَدَ عَلَى حَقِيبَةٍ مِنْ حَقَائِبِ إِبِلِهِ، ثُمَّ قَالَ: سُقْهُنَّ مُدْبِرَاتٍ، ثُمَّ قَالَ: سُقْهُنَّ مُقْبِلَاتٍ، فَقَالَ: مَا أَرَى قَلَائِصَكَ إِلَّا كِرَامًا، قَالَ: إِنَّمَا هِيَ غَنِيمَتُكَ التِي شَرَطْتُ لَكَ،
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التوحيد - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ - رقم الحديث (٧٥٥٥) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب ندب من حلف يمينًا، فرأى غيرها خيرًا منها - رقم الحديث (١٦٤٩) (٧) (٩).
(٢) انظر فتح الباري (٨/ ٤٥٠).
(٣) القلائص: جمع قلوص وهي الناقة الشابة. انظر النهاية (٤/ ٨٨).
[ ٤ / ٢٨٧ ]
قَالَ: خُذْ قَلَائِصَكَ يَا ابْنَ أَخِي فَغَيْرُ سَهْمِكَ أَرَدْنَا (١).
* الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ:
جَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِيُؤْذَنَ لَهُمْ في التَّخَلُّفِ وَتَعَلَّلُوا بِالْجَهْدِ وَكَثْرَةِ الْعِيَالِ، فَأَذِنَ لَهُمْ، وَلَكِنْ لَمْ يَعْذُرْهُمْ، أَيْ لَمْ يَقْبَلْ عُذْرَهُمْ لِكَذِبِهِمْ فِيهِ، وَكَانُوا اثْنَانِ وَثَمَانُونَ رَجُلًا (٢).
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (٤٣) لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ (٣).
فَالذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ، وَيَعْتَقِدُونَ بِيَوْمِ الْجَزَاءِ، لَا يَنْتَظِرُونَ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُمْ في أَدَاءِ فَرِيضَةِ الْجِهَادِ، وَلَا يَتَلَكَّؤُونَ في تَلْبِيَةِ دَاعِي النَّفْرَةِ في سَبِيلِ اللَّهِ بِالْأَمْوَالِ وَالْأَرْوَاحِ، بَلْ يُسَارِعُونَ إِلَيْهَا خِفَافًا وثِقَالًا كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ، طَاعَةً لِأَمْرِهِ، وَيَقِينًا بِلِقَائِهِ، وَثِقَةً بِجَزَائِهِ، وَابْتِغَاءً لِرِضَاهُ، وَإِنَّهُمْ لَيَتَطَوَّعُونَ تَطَوُّعًا فَلَا يَحْتَاجُونَ إِلَى مَنْ يَسْتَحِثُّهُمْ، فَضْلًا عَنِ الْإِذْنِ لَهُمْ، إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُ أُولَئِكَ الذِينَ خَلَتْ قُلُوبُهُمْ مِنَ الْيَقِينِ فَهُمْ يَتَلَكَّؤُونَ وَيَتَلَمَّسُونَ الْمَعَاذِيرَ، لَعَلَّ عَائِقًا مِنَ الْعَوَائِقِ يَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ النّهُوضِ بِتَكَالِيفِ الْعَقِيدَةِ التِي يَتَظَاهَرُونَ بِهَا، وَهُمْ
_________________
(١) أخرج ذلك أبو داود في سننه - كتاب الجهاد - باب في الرجل يكري دابته على النصف أو السهم - رقم الحديث (٢٦٧٦).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٣٢).
(٣) سورة التوبة الآيات (٤٣ - ٤٥).
[ ٤ / ٢٨٨ ]
يَرْتَابُونَ فِيهَا وَيَتَرَدَّدُونَ (١).
* تَخَلُّفُ المُنَافِقِينَ:
وَلَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ بِالْجَهَازِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى النَّفِيرِ، أَخَذَ الْمُنَافِقُونَ في تَثْبِيطِ هِمَمِ النَّاسِ، وَقَالُوا: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَا طَاقَةَ لَهُ بِالرُّومِ، وَالسَّفَرُ بَعِيدٌ، فَرَدَّ عَلَيْهِمُ اللَّهُ ﷾، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضًا (٢) قَرِيبًا وَسَفَرًا قَاصِدًا (٣) لَاتَّبَعُوكَ وَلَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ (٤) وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ (٥).
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَقَالَ قَوْمٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: لَا تَنْفِرُوا في الْحَرِّ، زَهَادَةً في الْجِهَادِ، وَشَكًّا في الْحَقِّ، وَإِرْجَافًا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (٦).
إِنَّ هَؤُلَاءِ لَهُمْ نَمُوذَجٌ لِضَعْفِ الْهِمَّةِ، وَطَرَاوَةِ الْإِرَادَةِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الذِينَ يُشْفِقُونَ مِنَ الْمَتَاعِبِ، وَيَنْفِرُونَ مِنَ الْجَهْدِ، وَيُؤثِرُونَ الرَّاحَةَ الرَّخِيصةَ عَلَى الْكَدْحِ الْكَرِيمِ، وَيُفَضِّلُونَ السَّلَامَةَ الذَّلِيلَةَ عَلَى الْخَطَرِ الْعَزِيزِ، وَهُمْ يَتَسَاقَطُونَ
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن (٣/ ١٦٦٢) لسيد قطب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(٢) قال ابن عباس -﵁-: عَرَضًا: غنيمة قريبة. انظر تفسير ابن كثير (٤/ ١٥٨).
(٣) قَاصِدًا: قريبًا. انظر تفسير ابن كثير (٤/ ١٥٨).
(٤) الشُّقَّةُ: السَّفَرُ الطَّوِيلُ. انظر النهاية (٢/ ٤٤٠).
(٥) سورة التوبة آية (٤٢).
(٦) سورة التوبة آية (٨١ - ٨٢) والخبر في سيرة ابن هشام (٤/ ١٧٠).
[ ٤ / ٢٨٩ ]
إِعْيَاءً (١) خَلْفَ الصُّفُوفِ الْجَادَّةِ الزَّاحِفَةِ الْعَارِفَةِ بِتَكَالِيفِ الدَّعَوَاتِ، وَلَكِنَّ هَذِهِ الصُّفُوفَ تَظَلُّ في طَرِيقِهَا الْمَمْلُوءِ بِالْعَقَبَاتِ وَالْأَشْوَاكِ؛ لِأَنَّهَا تُدْرِكُ بِفِطْرَتِهَا أَنَّ كِفَاحَ الْعَقَبَاتِ وَالْأَشْوَاكِ فِطْرَةٌ في الْإِنْسَانِ، وَأَنَّهُ أَلذُّ وَأَجْمَلُ مِنَ الْقُعُودِ وَالتَّخَلُّفِ وَالرَّاحَةِ الْبَلِيدَةِ التِي لَا تَلِيقُ بِالرِّجَالِ (٢).
* مَوْقِفُ الْمُنَافِقِ الْجَدِّ بْنِ قَيسٍ:
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ في جَهَازِهِ لِغَزْوَةِ تَبُوكٍ للْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ أَحَدَ بَنِي سَلمَةَ: "يَا جَدُّ، هَلْ لَكَ الْعَامُ في جِلَادِ (٣) بَنِي الْأَصْفَرِ؟ " (٤).
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَوَ تَأْذَنُ لِي وَلَا تَفْتِنِّي؟ فَوَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنَّهُ مَا مِنْ رَجُل بِأَشَدِّ عُجْبًا بِالنِّسَاءِ مِنِّي، وَإِنِّي أَخْشَى إِنْ رَأَيْتُ نِسَاءَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ لَهُ: "قَدْ أَذِنْتُ لَكَ"، فَنَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى في الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (٥).
_________________
(١) الْعَيُّ: الْعَجْزُ. انظر النهاية (٣/ ٣٠١).
(٢) انظر في ظلال القرآن (٣/ ١٦٨٢) لسيد قطب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(٣) أي مَوْضِعُ الْجِلَادُ، وهو الضَّرْبُ بالسَّيْفِ في الْقِتَالِ. انظر النهاية (١/ ٢٧٦).
(٤) بني الْأَصْفَرِ: يعني الرُّومَ. انظر النهاية (٣/ ٣٥).
(٥) سورة التوبة آية (٤٩). والخبر أخرجه عبد الرزاق في مصنفه - رقم الحديث (٩٤٠٣) - والطبري في تفسيره (٦/ ٣٨٦) - ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٧٠) - وأورد طرقه الألباني رحمه اللَّه تعالى في السلسلة الصحيحة - رقم الحديث (٢٩٨٨) - وحسّن إسناده.
[ ٤ / ٢٩٠ ]
قَالَ الْإِمَامُ ابْن جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في تَفْسِيرِهِ: تَضَاهَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ أَهْلِ التَّأْوِيلِ بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ في الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ (١).
قُلْتُ: وَالْجَدُّ بْنُ قَيْسٍ هَذَا هُوَ سَيِّدُ بَنِي سَلِمَةَ (٢)، وَقَدِ انْتَزَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْهُ السِّيَادَةَ (٣)، وَهُوَ صَاحِبُ الْجَمَلِ الْأَحْمَرِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَلَمْ يُبَايِعْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ (٤).
* تَثْبِيطُ الْمُنَافِقِينَ:
وَكَانَ رَهْطٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ: وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، وَرَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ يُقَالُ لَهُ: مَخْشِي (٥) بْنُ حُمَيِّرٍ (٦)، قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: أَتَحْسَبُونَ جِلَادَ بَنِي الْأَصْفَرِ كَقِتَالِ الْعَرَبِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا؟ وَاللَّهِ لَكَأَنَّا بِكُمْ غَدًا مُقَرَّنِينَ (٧) في الْحِبَالِ، إِرْجَافًا وَتَرْهِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقَالَ مَخْشِي بْنُ حُمَيِّر: وَاللَّهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقَاضِي عَلَى أَنْ يُضْرَبَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا مِائَةَ جَلْدَةٍ، وَأَنَّا نَنْفَلِتُ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْآن لِمَقَالَتِكُمْ هَذِهِ.
_________________
(١) انظر تفسير الطبري (٦/ ٣٨٦).
(٢) قال الحافظ في الفتح (٢/ ٣٥٦): سَلِمَة: بفتح السين وكسر اللام.
(٣) ذكرنا ذلك عند الكلام على بيعة الرضوان، فراجعه.
(٤) ذكرنا ذلك عند الكلام على بيعة الرضوان، فراجعه.
(٥) قال الحافظ في الإصابة (٦/ ٤٤): مَخْشي: بسكون الخاء.
(٦) قال الحافظ في الإصابة (٦/ ٤٤): حُميِّر مصغرًا بالتثقيل.
(٧) مُقَرَّنِينَ: مُرَبَّطِينَ. انظر لسان العرب (١١/ ١٣٩). ومنه قوله تَعَالَى في سورة إبراهيم آية (٤٩): ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ﴾. الأصفاد: هي القيود. انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٥٢٢).
[ ٤ / ٢٩١ ]
في هَذِهِ الْفَتْرَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ -﵁-: "أَدْرِكِ الْقَوْمَ، فَإِنَّهُمْ قَدِ احْتَرَقُوا، فَسَلْهُمْ عَمَّا قَالُوا، فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ: بَلَى، قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا".
فَانْطَلَقَ إِلَيْهِمْ عَمَّارٌ -﵁- فَقَالَ ذَلِكَ لَهُمْ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ، فَقَالَ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ﴾ (١).
* كَلَامُ الْجُلَاسِ (٢) بْنِ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ:
رَوَى الأُمَوِيُّ في تَارِيخِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ الْقُرْآنُ فِيهِ ذِكْرُ الْمُنَافِقِينَ، قَالَ الْجُلَاسُ بْنُ سُوَيْدِ بْنِ الصَّامِتِ: وَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ مُحَمَّدٌ صَادِقًا لَنَحْنُ شَرٌّ مِنَ الْحَمِيرِ، فَسَمِعَهُ عُمَيْرُ بْنُ سَعْدٍ، فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ يَا جُلَاسُ إِنَّكَ لَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَأَحْسَنُهُمْ عِنْدِي يَدًا، وَأَعَزُّهُمْ عَلَيَّ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ يَكْرَهُهُ، وَلقدْ قُلْتَ مَقَالَةً لَئِنْ ذَكَرْتَهَا، لَتَفْضَحَنَّكَ، وَلَئِنْ سَكَتُّ عَلَيْهَا، لَتُهْلِكَنِّي، وَلَإِحْدَاهُمَا أَشَدُّ عَلَيَّ مِنَ الْأُخْرَى، ثُمَّ مَشَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
_________________
(١) سورة التوبة آية (٦٤ - ٦٦) - والخبر أخرجه ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٧٩) بسند حسن.
(٢) قال الحافظ في الإصابة (١/ ٥٩٩): الجُلَاس بن سويد بن الصامت الأنصاري، كان من المنافقين ثم تاب وحسنت توبته.
[ ٤ / ٢٩٢ ]
-ﷺ- فَذَكَرَ لَه مَا قَالَ جُلَاسٌ، فَأَتَى جُلَاسٌ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا قَالَ، وَلقدْ كَذَبَ عَلَيَّ عُمَيْرٌ، وَمَا قُلْتُ مَا قَالَ عُمَيْرٌ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فيه: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (١).
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ: فزَعَمُوا أَنَّ الْجُلَاسَ تَابَ، وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ، حَتَّى عُرِفَ مِنْهُ الْإِسْلَامُ وَالْخَيْرُ (٢).
* بِنَاءُ المُنَافِقِينَ مَسْجِدَ الضِّرَارِ:
وَوَصَلَتِ الْجُرْأَةُ بِالْمُنَافِقِينَ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولهِ أَنْ يَبْنُوا مَسْجِدًا قبَيْلَ غَزْوَةِ تَبُوكَ لِيَجْتَمِعُوا فِيهِ، وَيُدِيرُوا حَلَقَاتِ تَآمُرِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ بَنَوْهُ لِلْمَنْفَعَةِ وَالتَّوْسِعَةِ عَلَى أَهْلِ الضَّعْفِ وَالْعِلَّةِ، وَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْمَسِيرِ إِلَى مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَانَ الذِي أَمَرَهُمْ ببنَائِهِ أَبُو عَامِرٍ الْفاسِقُ (٣)، وَكَانَ وَاعَدَهُمْ أَنْ يُعِينَهُمْ بِالْمَالِ وَالسِّلَاحِ، وَأَنْ يَأْتِيَهُمْ بِقُوَّةٍ مِنَ الرّومِ لِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ -ﷺ- منَ
_________________
(١) سورة التوبة آية (٧٤) - والخبر أخرجه الأموي في مغازيه كما في الاستيعاب في معرفة الأسباب (٢/ ٢٩١) - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (٢/ ١٣٣) بدون سند.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٢/ ١٣٣).
(٣) هذا الرجل هو الذي حفر الحفر يوم غزوة أُحد؛ ليسقط فيها المسلمون، وقد وقع رَسُول اللَّهِ -ﷺ- في حفرة من حفر أبي عامر هذا. وانظر تفاصيل ذلك في غزوة أُحد -كما تقدم- وهو والد حنظلة غسيل الملائكة -﵁-.
[ ٤ / ٢٩٣ ]
الْمَدِينَةِ، وَكَانُوا قَدْ طَلَبُوا مِنَ الرَّسُولِ -ﷺ- أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، وَلَكِنَّ اللَّه فَضَحَ حَقِيقَةَ نوايَاهُمْ، فَأَنْزَلَ عَلَى رَسُولهِ -ﷺ- قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (١).
فَامْتَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الصَّلَاةِ فِيهِ، وَقَالَ: "إِنِّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شغْلٍ، وَلَوْ قَدِمْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَأَتَيْنَاكُمْ، فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ" (٢).
وَكَانَ نُزُولُ هَذِهِ الْآيَاتِ عِنْدَمَا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ تَبُوكَ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ أَمَرَ بِإِحْرَاقِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ كَمَا سَيَأْتِي.
فَهَذَا هُوَ مَسْجِدُ الضِّرَارِ الذِي اتُّخِذَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَكِيدَةً لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، لَا يُرَادُ بِهِ إِلَّا الْإِضْرَارُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَإِلَّا سَتْرُ الْمُتَآمِرِينَ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ، الْكَائِدِينَ لَهَا في الظَّلَامِ، وَإِلَّا التَّعَاوُنُ مَعَ أَعْدَاءَ هَذَا الدِّينِ عَلَى الْكَيْدِ لَهُ تَحْتَ سِتَارِ الدِّينِ. . .، هَذَا الْمَسْجِدُ مَا يَزَالُ يُتَّخَذُ في صُوَرٍ شَتَّى تُلَائِمُ ارْتِقَاءَ الْوَسَائِلِ الْخَبِيثَةِ التِي يَتَّخِذُهَا أَعْدَاءُ هَذَا الدِّينِ، تُتَّخَذُ في صُورَةِ نَشَاطٍ ظَاهِرُهُ لِلْإِسْلَامِ، وَبَاطِنُهُ لِسَحْقِ الْإِسْلَامِ، أَوْ
_________________
(١) سورة التوبة آية (١٠٧ - ١٠٨).
(٢) أخرج ذلك الطبري في جامع البيان (٦/ ٤٧١) - والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٢٦٠) - وإسناده حسن - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٨٣) بدون سند.
[ ٤ / ٢٩٤ ]
تَشْوِيهِهِ وَتَمْوِيهِهِ وَتَمْيِيعِهِ (١).
* تَخَلُّفُ عَدَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ الصَّادِقِينَ:
وَكَانَ نَفَرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْطَأَتْ بِهِمُ النِّيَّةُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، حَتَّى تَخَلَّفُوا عَنْهُ عَنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَا ارْتِيَابٍ مِنْهُمْ، مِثْلُ: كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَمُرَارَةَ بْنِ الرَّبِيعِ، وَهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ، وَأَبُو خَيْثَمَةَ، وَأَبُو لُبَابَةَ، وَهُوَ أَحَدُ الذِينَ رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ في سَوَارِي الْمَسْجِدِ، وَكَانُوا نَفَرَ صِدْقٍ، لَا يُتَّهَمُونَ في إِسْلَامِهِمْ (٢).
* خُرُوجُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى تَبُوكَ:
فَلَمَّا تَجَهَّزَ رَسولُ اللَّهِ -ﷺ- خَرَجَ بِجَيْشِهِ الْعَظِيمِ، وَكَانَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا (٣).
رَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ كَعْبِ بنِ مَالِكٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في غَزْو غَزَاهَا قَطّ إِلَّا في غَزْو تبوكَ. . . فَغَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في حَرَّةٍ شَدِيدَةٍ، وَاسْتَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا، وَمَفَازًا (٤)، وَاسْتَقْبَلَ عَدُوًّا كَثِيرًا، . . . وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ كَثِيرٌ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ -يُرِيدُ بِذَلِكَ الدِّيوَانَ (٥) -.
_________________
(١) انظر في ظلال القرآن (٣/ ١٧١٠ - ١٧١١) لسيد قطب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ١٧٢).
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٤٥٧): وللحاكم في "الإكليل" من حديث معاذ: خرجنا مع رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إلى غزوة تبوك زيادة على ثلاثين ألفًا، وبهذ العدة جزم ابن إسحاق في السيرة. قلت: ولم أجد هذه الرواية في السيرة النبوية المطبوع لابن إسحاق، وهي رواية ابن سعد في طبقاته (٢/ ٣٣٢).
(٤) قال الإِمام النووي في شرح مسلم (١٧/ ٧٣): المفازة: البرية الطويلة القليلة الماء.
(٥) الديوان: هو الدفتر الذي يُكتب فيه أسماء الجيش، وأهل العطاء. انظر النهاية (٢/ ١٣٩)، =
[ ٤ / ٢٩٥ ]
وَاسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْمَدِينَةِ: مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيَّ -﵁-، وَيُقَالُ: سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الغِفَارِيَّ -﵁-، وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ، وَاسْتَخْلَفَ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يَؤُمُّ النَّاسَ في الصَّلَاةِ (١).
وَكَانَ يَظُنُّ مَنْ تَخَلَّفَ أَنْ لَا أَحَدَ يَتَفَقَّدُهُ لِكَثْرَةِ أَفْرَادِ الْجَيْشِ، وَلَكِنَّ الرَّسُولَ -ﷺ- تَفَقَّدَ وَهُوَ في طَرِيقِهِ إِلَى تَبُوكَ بَعْضَ مَنْ تَخَلَّفَ، فَقَدْ سَأَلَ أَبَا رُهْمٍ كُلْثُومَ بْنَ الْحُصَيْنِ الْغِفَارِيَّ -﵁- عَمَّنْ تَخَلَّفَ مِنْ بَنِي غِفَارٍ وَأَسْلَمَ (٢)، وَعِنْدَمَا وَصَلَ تَبُوكَ سَأَلَ عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- (٣).
* عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ -﵁- لَمْ يَشْهَدْ تَبُوكَ:
وَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِب -﵁-، عَلَى أَهْلِهِ وَأَمَرَهُ بِالْإِقَامَةِ فِيهِمْ، فَقَالَ عَلِيٌّ -﵁-: أَتُخَلِّفنِي في الصِّبْيَانِ وَالنِّسَاءَ؟ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ
_________________
(١) = أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب حديث كعب بن مالك -﵁- رقم الحديث (٤٤١٨) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه - رقم الحديث (٢٧٦٩).
(٢) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٣٢) - سيرة ابن هشام (٤/ ١٧٣).
(٣) أخرج سؤال الرسول -ﷺ- لأبي رُهم -﵁-. الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٠٧٢) - وابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٧٢٥٧) - وإسناده ضعيف.
(٤) أخرج سؤال الرسول -ﷺ- عن كعب بن مالك -﵁-: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب حديث كعب بن مالك -﵁- رقم الحديث (٤٤١٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه - رقم الحديث (٢٧٦٩)
[ ٤ / ٢٩٦ ]
مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي؟ ".
فَأَرْجَفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا: مَا خَلَفهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَّا اسْتِثْقَالًا لَهُ وَتَخَفُّفًا مِنْهُ، فَأَخَذَ عَلِيٌّ -﵁-، سِلَاحَهُ، ثُمَّ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجُرْفِ (١)، فَلَمَّا رَآهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ لَهُ: "مَا جَاءَ بِكَ يَا عَلِيٌّ؟ ".
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! زَعَمَ النَّاسُ أنّكَ إِنَّمَا خَلَّفْتَنِي أَنَّكَ اسْتَثْقَلْتَنِي وَتَخَفَّفْتَ مِنِّي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كَذَبُوا، وَلَكِنَّنِي خَلَّفْتُكَ لِمَا تَرَكْتُ وَرَائِي، فَارْجعْ فَاخْلفنِي في أَهْلِي وَأَهْلِكَ، أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غير أنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي؟ ".
قَالَ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ -﵁- رَاوِي الْحَدِيثِ: فَأَدْبَرَ عَلَيَّ -﵁- مُسْرِعًا كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى غُبَارِ قَدَمَيْهِ يَسْطَعُ (٢).
_________________
(١) الْجُرْفُ: بضم الميم، وهو موضع قريب من المدينة. انظر النهاية (١/ ٢٥٤). هذه رواية ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٧٣) - وفي رواية النسائي في السنن الكبرى - رقم الحديث (٨٣٨٦): ثنية الوداع.
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب فصائل أصحاب النبي -ﷺ- باب مناقب عليّ بن أبي طالب -﵁- رقم الحديث (٣٧٠٦) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل عليّ بن أبي طالب -﵁- رقم الحديث (٢٤٠٤) (٣١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤٩٠) - وفي فضائل الصحابة - رقم الحديث (١٠٤١) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٧٣).
[ ٤ / ٢٩٧ ]
* تَخَلُّفُ رَأسِ المُنَافِقِينَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيِّ بْنِ سَلولٍ:
مَضَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَضَرَبَ عَسْكَرَهُ في ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ (١)، وَضَرَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ، رَئِسُ الْمُنَافِقِينَ، عَسْكَرَهُ عَلَى حِدَةٍ أَسْفَلَ مِنْهُ نَحْوِ ذُبَابٍ (٢)، -وَكَانَ قَدْ خَرَجَ في مَجْمُوعَةٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ- فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- نَحْوَ تَبُوكَ تَخَلَّفَ عَنْهُ وَمَعَهُ الْمُنَافِقُونَ، وَقَالَ: يَغْزُو مُحَمَّد بَنِي الْأَصْفَرِ مَعَ جَهْدِ الْحَالِ وَالْحَرِّ وَالْبَلَدِ الْبَعِيدِ إِلَى مَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ، يَحْسَبُ أَنَّ قِتَالَهُمْ مَعَهُ اللَّعِبَ! وَاللَّهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَصْحَابِهِ مُقَرَّنِينَ بِالْحِبَالِ، إِرْجَافًا بِرَسولِ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابِهِ (٣).
* تَوْزِيعُ الْأَلْوِيَةِ وَالرَّايَاتِ:
وَقَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ عَقَدَ الْأَلْوِيةَ وَالرَّايَاتِ، وَدَفَعَ لِوَاءَهُ الْأَعْظَمَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ (٤) -﵁-، وَأَعْطَى الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ -﵁- رَايَةَ الْمُهَاجِرِينَ، وَأَعْطَى أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ -﵁- رَايَةَ الْأَوْسِ، وَأَعْطَى الْحُبَابَ بْنَ الْمُنْذِرِ رَايَةَ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ دَلِيلَ الرَّسولِ -ﷺ- إِلَى تَبُوك عَلْقَمَةُ بْنُ الْفغْوَاءِ الْخُزَاعِيُّ -﵁- (٥).
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٤٧٣): الثَّنِيَّةُ: ما ارتفع في الأرض، وقيل: الطريق في الجبل.
(٢) ذُبَابُ: بضم الذال، وهو جبل بالمدينة. انظر النهاية (٢/ ١٤١).
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ١٧٣) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٣٢).
(٤) قال الدكتور محمد أبو شهبة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى في كتابه السِّيرة النَّبوِيَّة (٢/ ٤٩٩): ولا يخفى على القارئ الْفَطِنِ ما في إعطائه -ﷺ- اللواء في آخر غزوة غزاها الصديق -﵁-، من إشارة لطيفة إلى أن الصديق -﵁- أحق الصَّحَابَة بالخلافة.
(٥) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٣٢).
[ ٤ / ٢٩٨ ]
* شَأْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ -﵁- صَاحِبِ النَّفْسِ اللَّوَّامَةِ:
وَكَانَ أَبُو خَيْثَمَةَ -﵁- مِمَّنْ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَلَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى تَبُوكَ أَيَّامًا، دَخَلَ أَبُو خَيْثَمَةَ -﵁- عَلَى أَهْلِهِ في يَوْمٍ حَارٍّ، فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ في عَرِيشَيْنِ لَهُمَا في حَائِطِهِ (١)، قَدْ رَشَّتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا، وَبَرَّدَتْ لَهُ فِيهِ مَاءً، وَهَيَّأَتْ لَهُ فِيهِ طَعَامًا، فَلَمَّا دَخَلَ قَامَ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ، فنَظَرَ إِلَى امْرَأَتَيْهِ وَمَا صَنَعَتَا لَهُ، فَقَالَ -﵁-: رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في الضِّحِّ، وَالرِّيحِ، وَالْحَرِّ (٢)، وَأَبُو خَيْثَمَةَ في ظِلٍّ بَارِدٍ، وَطَعَامٍ مُهَيَّأٍ، وَامْرَأَةٍ حَسْنَاءَ في مَالِهِ مُقِيمٌ! ! مَا هَذَا بِالنِّصْفِ (٣)، ثُمَّ قَالَ لِزَوْجَتَيْهِ: وَاللَّهِ لَا أَدْخُلُ عَرِيشَ وَاحِدَهٍ مِنْكُمَا حَتَّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَهَيِّئَا لِي زَادًا، فَفَعَلَتَا، ثُمَّ رَكِبَ رَاحِلَتَهُ، وَانْطَلَقَ يَتْبَعُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى أَدْرَكَهُ بِتبوكٍ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ نَازِلٌ بِتبوكَ، قَالَ النَّاسُ: هَذَا رَاكِبٌ عَلَى الطَّرِيقِ مُقْبِلٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ"، فَقَالَ النَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هُوَ وَاللَّهِ أَبُو خَيْثَمَةَ، فَلَمَّا أَنَاخَ بَعِيرَهُ سَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَبَكَى -﵁-، فَقَالَ لَه رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا خَيْثَمَةَ" (٤).
_________________
(١) الْحَائِطُ: الْبُسْتَانُ. انظر النهاية (١/ ٤٤٤).
(٢) قال ابن الأثير في النهاية (٣/ ٦٩): أي يكون بَارِزًا لِحَرِّ الشمسِ وهُبُوبِ الريَاحِ، والضِّحُّ بكسر الضاد: ضَوْءُ الشمسِ إذا استَمْكَنَ مِنَ الْأَرْضِ.
(٣) النِّصْفُ: بكسر النُّون: الْعَدْلُ. انظر لسان العرب (١٤/ ١٦٦).
(٤) أَوْلَى لَكَ: معناه التَّوَعُّدُ والتَّهَدُّدُ: أي الشَّرُّ أَقْرَبُ إليكَ، أو قَارَبَكَ مَا تَكْرَهُ، أو دَنَوْتَ مِنَ التَّهْلُكَةِ. انظر لسان العرب (١٥/ ٤٠٤).
[ ٤ / ٢٩٩ ]
قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ: كِدْتُ يَا نَبِيِّ اللَّهِ أَنْ أَهْلِكَ بِتَخَلُّفِي عَنْكَ، وَتَزَيَّنَتْ لِيَ الدُّنْيَا، وَتَزَيَّنَ لِي مَالِي في عَيْنِي، وَكِدْتُ أَنْ أَخْتَارَهُ عَلَى الْجِهَادِ، فَاسْتَغْفَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَدَعَا لَهُ بِالْخَيْرِ وَالْبَرَكَةِ (١).
وَهَكَذَا نَجَا أَبُو خَيْثَمَةَ -﵁-، لِأَنَّهُ لَا يَتَخَلَّفُ عَنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ إِلَّا مُنَافِقٌ أَوْ رَجُلٌ ضَعِيفٌ مَعْذُورٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: . . . فَكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ في النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلَا مَغْمُوصًا (٢) عَلَيْهِ النِّفَاقُ، أَوْ رَجُلَا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ (٣).
* إِبْطَاءُ جَمَلِ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ -﵁-:
أَمَّا أَبُو ذَرٍّ -﵁- فَقَدْ أَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ، فَأَخَذَ مَتَاعَهُ فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ يَتْبَعُ رَسُولَ اللَّهِ مَاشِيًا حَتَّى أَدْرَكَهُ.
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، جَعَلَ يَتَخَلَّفُ عَنْهُ الرَّجُلُ، فَيَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! تَخَلَّفَ فُلَانٌ، فَيَقُولُ: "دَعُوهُ، فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ
_________________
(١) أخرج قصة تخلف أبي خيثمة -﵁-: الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب حديث كعب بن مالك وصاحبيه - رقم الحديث (٢٧٦٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع - رقم الحديث (٣٣٧٠) - والطبراني في الكبير - رقم الحديث (٥٤١٩) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٧٤).
(٢) مَغْمُوصٌ عليه بالنفاقِ: أي مَطْعُونٌ في دِينِهِ مُتَّهَمٌ بالنفاقِ. انظر النهاية (٣/ ٣٤٧).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التوبة - باب حديث كعب بن مالك -﵁- رقم الحديث (٤٤١٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب حديث كعب بن مالك وصاحبيه - رقم الحديث (٢٧٦٩).
[ ٤ / ٣٠٠ ]
فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ".
فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ تَخَلَّفَ أَبُو ذَرٍّ، وَأَبْطَأَ بِهِ بَعِيرُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "دَعُوهُ، فَإنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ، فَسَيُلْحِقُهُ اللَّهُ بِكُمْ، وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمُ اللَّهُ مِنْهُ".
وَتَلَوَّمَ (١) أَبُو ذَرٍّ عَلَى بَعِيرِهِ، فَلَمَّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ مَتَاعَهُ فَحَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ، ثُمَّ خَرَجَ مَاشِيًا يَتْبَعُ الرَّسُولَ -ﷺ-، وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- في بَعْضِ مَنَازِلهِ، فَنَظَرَ نَاظِرٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هَذَا الرَّجُلَ يَمْشِي عَلَى الطَّرِيقِ وَحْدَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "كُنْ أَبَا ذَرٍّ" فَلَمَّا تَأَمَّلَهُ القوْمُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ وَاللَّهِ أَبُو ذَرٍّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "رَحِمَ اللَّهُ أَبَا ذَرٍّ، يَمْشِي وَحْدَهُ، وَيَمُوتُ وَحْدَهُ، وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ" (٢).
* تَحَقُّقُ خَبَرِ وَفَاةِ أَبِي ذَرٍّ -﵁-:
وَقَدْ تَحَقَّقَ قَوْلُ الرَّسُولِ -ﷺ- في أَبِي ذَرٍّ -﵁-، فَإِنَّهُ في خِلَافَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ -﵁-، سَكَنَ أَبُو ذَرٍّ الرَّبَذَةَ (٣)، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَهُ وَغُلَامَهُ، فَلَمَّا
_________________
(١) تَلَوَّمَ: انتظَرَ. انظر النهاية (٤/ ٢٣٨).
(٢) أخرج قصة أبي ذر -﵁-: الحاكم في المستدرك - كتاب المغازي والسرايا - باب ذكر وفاة أبي ذر الغفاري -﵁- رقم الحديث (٤٤٣٠) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٧٨) - وأوردها الحافظ في الإصابة (٧/ ١٠٩) وضعَّفَ إسنادها، والألباني في السلسلة الضعيفة - رقم الحديث (٥٥٣١) - وضَعَّفَ إسنادها - وأوردها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ١٢) - وحسن إسنادها.
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١/ ١٢١): الرَّبَذَةُ: بفتح الراء والباء: مَوْضعٌ بالباديةِ، بينه وبين المدينة ثلاث مراحل.
[ ٤ / ٣٠١ ]
حَضَرَهُ الْمَوْتُ، قَالَ لَهُمَا: اغْسِلَانِي وَكَفِّنَاني، ثُمَّ ضَعَانِي عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، فَأَوَّلُ رَكْبٍ يَمُرُّ بِكُمْ، قُولُوا: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ، فَلَمَّا مَاتَ -﵁-، غَسَّلَاهُ وَكَفَّنَاهُ، ثُمَّ وَضَعَاهُ عَلَى قَارِعَةِ الطَّرِيقِ، وَأَقْبلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ -﵁- في رَهْطٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عُمَّارًا، فَلَمْ يَرُعْهُمْ إِلَّا الْجَنَازَةَ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيقِ، قَدْ كَادَتْ الْإِبِلُ أَنْ تَطَأَ الْجَنَازَةَ، وَقَامَ إِلَيْهِمُ الْغُلَامُ، فَقَالَ: هَذَا أَبُو ذَرٍّ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ، فَاسْتَهَلَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ -﵁- يَبْكِي، وَيَقُولُ: صَدَقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "تَمْشِي وَحْدَكَ، وَتَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ"، ثُمَّ نَزَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَدَفنوهُ -﵁- (١).
* رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي وَفَاةِ أَبِي ذَرٍّ -﵁-:
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ أُمِّ ذَرٍّ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبَا ذَرٍّ الْوَفَاةُ بَكَيْتُ، فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: مَا يُبْكِيكِ؟
قُلْتُ: وَمَا لِي لَا أَبْكِي، وَأَنْتَ تَمُوتُ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ، وَلَا يَدَ لِي بِدَفْنِكَ، وَلَيْسَ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُكَ فَأُكُفِّنَكَ فِيهِ.
فَقَالَ -﵁-: فَلَا تَبْكِي وَأَبْشِرِي، فَانِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "لَيَمُوتَنَّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلَاةٍ مِنَ الْأَرْضِ يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ (٢) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ".
_________________
(١) أخرج خبر وفاة أبي ذر -﵁-: الحاكم في المستدرك - كتاب المغازي والسرايا - باب ذكر وفاة أبي ذر الغفاري -﵁- رقم الحديث (٤٤٣٠) - وابن إسحاق في السيرة في السيرة (٤/ ١٧٨) - وضعف إسنادها الحافظ في الإصابة (٧/ ١٠٩) - والألباني ﵀ في السلسلة الضعيفة - رقم الحديث (٥٥٣١) - وحسن إسنادها الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ١٢).
(٢) الْعِصَابَةُ: هم الجماعة من النَّاس من العشرة إلى الأربعين. انظر النهاية (٣/ ٢٢٠).
[ ٤ / ٣٠٢ ]
وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النَّفرِ أَحَدٌ إِلَّا وَقَدْ مَاتَ في قَرْيَةٍ أَوْ جَمَاعَةٍ، وَإِنِّي أَنَا الذِي أَمُوتُ بِفَلَاةٍ، وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ وَلَا كُذِبْتُ (١).
* حَدِيثٌ في فَضْلِ أَبِي ذَرٍّ -﵁-:
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵄ قَالَ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ (٢)، وَلَا أَقَلَّتِ (٣) الْغَبْرَاءُ (٤) عَلَى ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقِ مِنْ أَبِي ذَرٍّ" (٥).
* مُرُورُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِالْحِجْرِ (٦):
أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَرِيقَهُ إِلَى تَبُوكَ، وَفِي الطَّرِيقِ مَرُّوا بِالْحِجْرِ دِيَارِ
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٣٧٣) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب إخباره -ﷺ- عما يكون في أمته من الفتن والحوادث - رقم الحديث (٦٦٧٠).
(٢) الْخَضْرَاءُ: السَّمَاءُ. انظر النهاية (٢/ ٤١).
(٣) أَقَلَّهُ: حَمَلَهُ. انظر لسان العرب (١١/ ٢٨٩).
(٤) الْغَبْرَاءُ: الْأَرْضُ. انظر النهاية (٢/ ٤١).
(٥) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦٥١٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر أبي ذر الغفاري -﵁- رقم الحديث (٧١٣٢) - وابن ماجه في سننه - في المقدمة - رقم الحديث (١٥٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٣٢).
(٦) الحِجْرُ: بكسر الحاء: هي أَرَاضِي قومِ ثمودَ، وهم قوم صالح ﵇، وقد ذكر اللَّه تَعَالَى ذلك في القرآن في سورة الحِجر آية (٨٠)، فقال سبحانه: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾. انظر النهاية (١/ ٣٢٩).
[ ٤ / ٣٠٣ ]
ثَمُودَ، فَاسْتَحَثَّ (١) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَاحِلَتَهُ، وَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْ دِيَارِ ثَمُودَ، فَاسْتَقَى النَّاسُ مِنْ بِئْرٍ كَانَ بِالْحِجْرِ وَاعْتَجَنُوا بِهِ، فَلَمَّا عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لَا تَدْخُلُوا مَسَاكِنَ الذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكينَ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ" (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الذِينَ عُذِّبُوا إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ" (٣).
وَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ لَا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا وَلَا يَسْتَقُوا، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا نَزَلَ الْحِجْرَ في غَزْوَةِ تبوكٍ أَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مِنْ بِئْرِهَا، وَلَا يَسْتَقُوا مِنْهَا، فَقَالُوا: قَدْ عَجَنَّا مِنْهَا وَاسْتَقَيْنَا، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطْرَحُوا ذَلِكَ الْعَجِينَ، وَيُهْرِيقُوا
_________________
(١) الْحَثُّ: الِاسْتِعْجَالُ. انظر لسان العرب (٣/ ٤٦).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب أحاديث الأنبياء - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ - رقم الحديث (٣٣٨٠) (٣٣٨١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الزهد والرقائق - باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم - رقم الحديث (٢٩٨٠) (٣٩).
(٣) أخرج ذلك الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الزهد والرقائق - باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم - رقم الحديث (٢٩٨٠) (٣٨) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٥٦١) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب بدء الخلق - رقم الحديث (٦٢٠٠). قال الإِمام الخطابي فيما نقله عنه البغوي في شرح السنة (١٤/ ٣٦٢): معناه أن الداخل في دار قوم أُهلكوا بخسف أو عذاب إذا لم يكن باكيًا إما شفقة عليهم، وإما خوفًا من حلول مثلها به، كان قاسي القلب، قليل الخشوع، فلا يأمن إذا كان هكذا أن يُصيبه ما أصابهم.
[ ٤ / ٣٠٤ ]
ذَلِكَ الْمَاءَ، وَأَنْ يَعْلِفُوا الْإِبِلَ ذَلِكَ الْعَجِينَ (١).
* خُطْبَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في أَصْحَابِهِ:
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَامَ خَطِيبًا في النَّاسِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا مَرَّ النَّبِيُّ -ﷺ- بِالْحِجْرِ، قَالَ: "لَا تَسْألوا الْآيَاتِ، وَقَدْ سَأَلهَا قَوْمُ صَالِحٍ، فَكَانَتْ تَرِدُ (٢) مِنْ هَذَا الْفَجِّ (٣)، وَتَصْدُرُ (٤) مِنْ هَذَا الْفَجِّ، فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَعَقَرُوهَا، وَكَانَتْ تَشْرَبُ مَاءَهُمْ يَوْمًا، وَيَشْربُونَ لَبَنَهَا يَوْمًا، فَعَقَرُوهَا، فَأَخَذَتْهُمْ صَيْحَةٌ أَهْمَدَ (٥) اللَّهُ مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ مِنْهُمْ، إِلَّا رَجُلًا وَاحِدًا كَانَ في حَرَمِ اللَّهِ"، قِيلَ: مَنْ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟، قَالَ: "هُوَ أَبُو رِغَالٍ (٦)، فَلَمَّا خَرَجَ مِنَ الْحَرَمِ، أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمَهُ" (٧).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب أحاديث الأنبياء - باب قول اللَّه تَعَالَى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ - رقم الحديث (٣٣٧٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب الزهد والرقائق - باب لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم - رقم الحديث (٢٩٨١).
(٢) وَرَدَ: حَضَرَ. انظر لسان العرب (١٥/ ٢٦٨).
(٣) الفجُّ: الطريقُ الوَاسِعُ. انظر النهاية (٣/ ٣٧٠). والذي كان يرد من هذا الفج هي الناقة التي سألها قوم صالح ﵇.
(٤) صَدَرَ: رَجَعَ. انظر النهاية (٣/ ١٥).
(٥) أَهْمَدَ: أَمَاتَ. انظر لسان العرب (١٥/ ١٣٠).
(٦) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٧/ ٢٧): أبو رِغال بكسر الراء وتخفيف الغين.
(٧) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤١٦٠) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٧٥٥) - وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ١٤) وقال إسناده صحيح.
[ ٤ / ٣٠٥ ]
وَرَوَى الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثارِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ -﵁- قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَتَسَارَعَ النَّاسُ إِلَى أَهْلِ الْحِجْرِ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَنُودِيَ في النَّاسِ: الصَّلَاةُ جَامِعَةٌ، فَانْتَهَيْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ مُمْسِكٌ بَعِيرَهُ، فَقَالَ: "عَلَامَ تَدْخُلُونَ عَلَى قَوْمٍ قَدْ غَضِبَ اللَّهُ ﷿ عَلَيْهِمْ؟ ".
فَنَادَاهُ رَجُلٌ: نَعْجَبُ مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَفَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَعْجَبَ مِنْ ذَلِكَ؟ رَجُلٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ (١) يُخْبِرُكُمْ بِمَا كَانَ قَبْلَكُمْ، وَبِمَا هُوَ كَائِن بَعْدَكُمْ، فَاسْتَقِيمُوا وَسَدِّدُوا، فَإِنَّ اللَّه ﷿ لَا يَعْبَأُ بِعَذَابِكُمْ شَيْئًا، ثُمَّ يَأْتِي قَوْمٌ لَا يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا" (٢).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ: وَفِي الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - الْحَثُّ عَلَى الْمُرَاقَبَةِ.
٢ - الزَّجْرُ عَنِ السُّكْنَى في دِيَارِ الْمُعَذَّبِينَ.
٣ - الْإِسْرَاعُ عِنْد الْمُرُورِ بِهَا، وَقَدْ أُشِيرَ إِلَى ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ
_________________
(١) يقصد نفسه -ﷺ-.
(٢) أخرجه والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٧٤١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨٠٢٩) - وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ١٤) وحسن إسناده.
[ ٤ / ٣٠٦ ]
وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ﴾ (١).
* اخْرُصُوا (٢) لِلْمَرْأَةِ:
أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَرِيقَهُ إِلَى تَبُوكَ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَى وَادِي الْقِرَى (٣) إِذَا امْرَأَةٌ في حَدِيقَةٍ لَهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ- لِأَصْحَابِهِ: "اخْرُصُوا"، فَخَرَصَ الْقَوْمُ، وَخَرَصَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَشَرَةَ أَوْسُقٍ (٤)، فَقَالَ لَهَا: "أَحْصِي مَا يَخْرُجُ مِنْهَا حَتَّى أَرْجعَ إِلَيْكِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ"، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى قَدِمَ تَبُوكَ، . . . فَلَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ تَبُوكَ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ، جَاءَ وَادِي الْقِرى، فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: "كَمْ جَاءَتْ حَدِيقَتُكِ؟ ".
قَالَتْ: عَشَرَةَ أَوْسُقٍ، خَرْصَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٥).
* الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ في هَذِهِ الْغَزْوةِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ
_________________
(١) سورة إبراهيم آية (٤٥) - وانظر كلام الحافظ في فتح الباري (٢/ ٩٨).
(٢) خَرَصَ النَّخْلَةَ: إذا خَرَزَ ما عليها مِنَ الرّطَبِ تَمْرًا، والْخَرْصُ: بفتح الخاء وسكون الراء. انظر النهاية (٢/ ٢٢).
(٣) قال الحافظ في الفتح (٤/ ١٠٩): وادي الْقِرى: هي مدينة قديمة بين المدينة والشام.
(٤) الْوَسْقُ: بفتح الواو وسكون السين: ستون صاعًا. انظر النهاية (٥/ ١٦١).
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الزكاة - باب خرص التمر - رقم الحديث (١٤٨١) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب في معجزات النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٣٩٢) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٦٠٤).
[ ٤ / ٣٠٧ ]
مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في غَزْوةِ تَبُوكٍ، فَكَانَ يُصَلِّي الظّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في مُسْنَدِ الْإِمَامٍ أَحْمَدَ وَابْنِ حِبَّانَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بنِ وَاثِلَةَ -﵁- قَالَ: أَنَّ مُعَاذًا -﵁- أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ تَبُوكَ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ (٢).
* مَا لَاقَاهُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ شِدَّةٍ، وَظُهُورُ الْمُعْجِزَاتِ:
وَاشْتَدَّتْ في الطَّرِيقِ حَاجَةُ النَّاسِ إِلَى الْمَاءِ، وَقَدْ أَصْبَحُوا وَلَا مَاءَ مَعَهُمْ، وَأَصَابَهُمْ مِنَ الْعَطَشِ مَا كَادَ يَقْطَعُ رِقَابَهُمْ حَتَّى حَمَلَهُمْ ذَلِكَ عَلَى نَحْرِ إِبِلِهِمْ لِيَشُقُّوا أَكْرَاشَهَا وَيَشْرَبُوا مَاءَهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ ابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ، وَالْحَاكِمُ بِسَنَدٍ صحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قِيلَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁-: حَدِّثْنَا عَنْ شَأْنِ الْعُسْرَةِ، فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: خَرَجْنَا إِلَى تَبُوكَ في قَيْظٍ شَدِيدٍ، فنَزَلْنَا مَنْزِلًا، أَصَابَنَا فِيهِ عَطَشٌ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّ رِقَابَنَا سَتَنْقَطِعُ، حَتَّى إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَذْهَبُ يَلْتَمِسُ الْمَاءَ، فَلَا يَرْجعُ حَتَّى نَظُنَّ
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب الجمع بين الصلاتين في الحضر - رقم الحديث (٧٠٦).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٠٧٠) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الجمع بين الصلاتين - رقم الحديث (١٥٩٥).
[ ٤ / ٣٠٨ ]
أَنَّ رَقَبَتَهُ سَتَنْقَطِعُ، حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيَنْحَرُ بَعِيرَهُ، فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فَيَشْرَبُهُ، وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ عَلَى كَبِدِهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁-: يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَدْ عَوَّدَكَ اللَّهُ في الدُّعَاءِ خَيْرًا، فَادْعُ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَتُحِبُّ ذَلِكَ؟ "، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَرَفَعَ يَدَيْهِ -ﷺ-، فَلَمْ يَرْجِعْهُمَا حَتَّى أَظَلَّتْ سَحَابَةٌ، فَسَكَبَتْ (١)، فَمَلَأُوا مَا مَعَهُمْ، ثُمَّ ذَهَبْنَا نَنْظُرُ، فَلَمْ نَجِدْهَا جَاوَزَتِ الْعَسْكَرَ (٢).
* قِصَةُ الْمَجَاعَةِ:
وَأَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ شَدِيدَةٌ حَتَّى اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- في نَحْرِ نَوَاضِحِهِمْ (٣) لِيَأْكُلُوا مِنْهَا، فَقَدْ رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا كَانَ غَزْوَةُ تَبُوكَ، أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَوْ أَذِنْتَ لَنَا فَنَحَرْنَا نَوَاضِحَنَا فَأَكَلْنَا وَادَّهَنَّا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "افْعَلُوا"، فَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ فَعَلْتَ قَلَّ الظَّهْرُ (٤)، وَلَكِنِ ادْعُهُمْ بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، ثُمَّ ادْعُ اللَّه لَهُمْ عَلَيْهَا بِالْبَرَكَةِ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ فِي
_________________
(١) سَكَبَ الْمَاءَ: صَبَّهُ. انظر لسان العرب (٦/ ٣٠٢).
(٢) أخرجه ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (١٣٨٣) - والحاكم في المستدرك - رقم الحديث (٥٨٢) - وأورده الذهبي في السيرة النبوية (٢/ ٢٣٩) وقال: حديث حسن قوي - وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ١٢) وجود إسناده.
(٣) النَّوَاضِحُ: الْإِبِلُ التي يُسْتَقَى عليها، واحدتها: نَاضِحٌ. انظر النهاية (٥/ ٥٩).
(٤) الظَّهْرُ: الإِبِلُ التي يُحْمَلُ عليها وتُرْكَبُ. انظر النهاية (٣/ ١٥١).
[ ٤ / ٣٠٩ ]
ذَلِكَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "نَعَمْ"، قَالَ: فَدَعَا بِنِطْعٍ (١) فَبَسَطَهُ، ثُمَّ دَعَا بِفَضْلِ أَزْوَادِهِمْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجِيءُ بِكَفِّ ذُرَةٍ، وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكَفِّ تَمْرٍ، وَيَجِيءُ الْآخَرُ بِكِسْرَةٍ، حَتَّى اجْتَمَعَ عَلَى النِّطْعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَيْهِ بِالْبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: "خُذُوا في أَوْعِيَتِكُمْ"، قَالَ: فَأَخَذُوا في أَوْعِيَتِهِمْ، حَتَّى مَا ترَكُوا في الْعَسْكَرِ وِعَاءً إِلَّا مَلَؤُوهُ، فَأَكَلُوا حَتَّى شَبِعُوا، وَفضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ، لَا يَلقى اللَّه بِهِمَا عَبْدٌ غيْرُ شَاكٍّ، فيحْجَبُ عَنِ الْجَنَّةِ" (٢).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ: وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - حُسْنُ خُلُقِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَإِجَابَتُهُ إِلَى مَا يَلْتَمِسُ مِنْهُ أَصحَابُهُ، وَإِجْرَاؤُهُمْ عَلَى الْعَادَةِ الْبَشَرِيَّةِ في الِاحْتِيَاجِ إِلَى الزَّادِ في السَّفَرِ.
٢ - وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- دَالَّةٌ عَلَى قُوَّةِ يَقِينِهِ بِإِجَابَةِ
_________________
(١) النِّطْعُ: بكسر النُّون وكسر الطاء وسكونها: بِسَاطٌ مِنْ جِلْدٍ. انظر لسان العرب (١٤/ ١٨٦) - فتح الباري (٦/ ٢٣٤).
(٢) أخرج ذلك الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الإيمان - باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا - رقم الحديث (٢٧) (٤٥) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١١٠٨٠) - وأخرجه الإمام البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب حمل الزاد في الغزو - رقم الحديث (٢٩٨٢) عن سلمة بن الأكوع -﵁-.
[ ٤ / ٣١٠ ]
دُعَاءِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَعَلَى حُسْنِ نَظَرِهِ لِلْمُسْلِمِينَ.
٣ - وَفِيهِ جَوَازُ الْمَشُورَةِ عَلَى الْإِمَامِ بِالْمَصْلَحَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ مِنْهُ الْاسْتِشَارَةُ (١).
* مَجَاعَةٌ أُخْرَى أَصَابَتْهُمْ:
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ فُضَالة بْنِ عُبَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ -﵁-، أَنَّهُ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَجُهِدَ بِالظَّهْرِ جَهْدًا شَدِيدًا، فَشَكَوْا إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ- مَا بِظَهْرِهِمْ مِنَ الْجَهْدِ، فَتَحَيَّنَ (٢) بِهِمْ مَضِيقًا فَسَارَ النَّبِيُّ -ﷺ- فِيهِ، فَقَالَ: "مُرُّوا بِسْمِ اللَّهِ"، فَمَرَّ النَّاسُ عَلَيْهِ بِظَهْرِهِمْ، فَجَعَلَ يَنْفُخُ بِظَهْرِهِمْ، وَيَقُولُ: "اللَّهُمَّ احْمِلْ عَلَيْهَا في سَبِيلِكَ، إِنَّكَ تَحْمِلُ عَلَى الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، وَعَلَى الرَّطْبِ وَاليَابِسِ، في الْبَرِّ وَالْبَحْرِ".
قَالَ فُضَالَةُ -﵁-: فَمَا بَلَغْنَا الْمَدِينَةَ حَتَّى جَعَلَتْ تُنَازِعُنَا أَزِمَّتَهَا.
قَالَ فُضَالَةُ -﵁-: هَذِهِ دَعْوَةُ النَّبِيِّ -ﷺ- عَلَى الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، فَمَا بَالُ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ! فَلَمَّا قَدِمْنَا الشَّامَ غَزَوْنَا غَزْوَةَ قُبْرُسَ في الْبَحْرِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ
_________________
(١) انظر فتح الباري (٦/ ٢٣٥).
(٢) تَحَيَّنَ: انْتَظَرَ. انظر لسان العرب (٣/ ٤٢٣).
[ ٤ / ٣١١ ]
السُّفُنَ في الْبَحْرِ، وَمَا يَدْخُلُ فِيهَا، عَرَفْتُ دَعْوَةَ النَّبِيِّ -ﷺ- (١).
* فُقْدَانُ نَاقَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَاسْتِهْزَاءُ الْمُنَافِقِينَ:
أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَرِيقَهُ إِلَى تَبُوكَ، فَلَمَّا كَانَ بِبَعْضِ الطَّرِيقِ ضلَّتْ نَاقَتُهُ، فَقَالَ زَيْدُ بْنُ اللُّصَيْتِ (٢) -وَكَانَ يَهُودِيًّا مِنْ بَنِي قَيْنُقَاعَ أَسْلَمَ فنَافَقَ-: أَليْسَ مُحَمَّد يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، وَيُخْبِرُكُمْ عَنْ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ؟ ! فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ نَفَرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَقَالُوا: قَاتَلَكَ اللَّهُ نَافَقْتَ، فَلِمَ خَرَجْتَ وَهَذَا في نَفْسِكَ؟ .
قَالَ: خَرَجْتُ لِأُصِيبَ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، فَسَبُّوهُ وَقَالُوا لَهُ: وَاللَّهِ مَا نَكُونُ مِنْكَ بِسَبِيلٍ، وَلَوْ عَلِمْنَا أَنَّ هَذَا في نَفْسِكَ مَا صَحِبْتَنَا سَاعَةً.
وَكَانَ زَيْدُ بْنُ اللُّصَيْتِ في رَحْلِ عُمَارَةَ بْنِ حَزْمٍ الْعَقَبِيِّ الْبَدْرِيِّ -﵁-، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَعُمَارَةُ عِنْدَهُ: "إِنَّ رَجُلًا قَالَ: هَذَا مُحَمَّدٌ يُخْبِرُكُمْ أنَّهُ نَبِيٌّ وَيَزْعُمُ أنَّهُ يُخْبِرُكُمْ بِأَمْرِ السَّمَاءِ، وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ، وَإِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ إِلَّا مَا عَلَّمَنِي اللَّهُ، وَقَدْ دَلَّنِي اللَّهُ عَلَيْهَا، وَهِيَ في هَذَا الْوَادِي، في شِعْبِ كَذَا وَكَذَا، قَدْ حبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا، فَانْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُونِي بِهَا".
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده رقم الحديث (٢٣٩٥٥) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الخيل - رقم الحديث (٤٦٨١).
(٢) اللُّصَيْتُ: بضم اللام المشددة.
[ ٤ / ٣١٢ ]
فَذَهَبَ الصَّحَابَةُ ﵃، فَوَجَدُوهَا كَذَلِكَ، فَجَاؤُوا بِهَا، وَرَجَعَ عُمَارَةُ بْنُ حَزْمٍ إِلَى رَحْلِهِ، فَقَالَ: وَاللَّهِ لَعَجَبٌ مِنْ شَيْءٍ حَدَثنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ مَقَالَةِ قَائِلٍ أَخْبَرَهُ اللَّهُ عَنْهُ بْكَذَا وَكَذَا -لِلَّذِي قَالَ زَيْدُ بْنُ اللُّصَيْتِ- فَقَالَ رَجُلٌ مِمَّنْ كَانَ في رَحْلِ عُمَارَةَ، وَلَمْ يَحْضرْ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-: زَيْدٌ وَاللَّهِ قَالَ هَذِهِ الْمَقَالَةَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ، فَأَقْبَلَ عُمَارَةُ عَلَى زَيْدِ بْنِ اللُّصيْتِ يَجَأُ (١) في عُنُقِهِ، وَيَقُولُ: في رَحْلِي لَدَاهِيَةٌ وَمَا أَشْعُرُ، اُخْرُجْ أَيْ عَدُوَّ اللَّهِ مِنْ رَحْلِي، فَلَا تصْحَبْنِي (٢).
* مُرُورُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ:
رَوَى أَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ وَالنَّسَائِيُّ في السُّنَنِ الْكُبْرَى بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبِّقِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَتَى في غَزْوَةِ تَبُوكَ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ (٣)، فإذا في فِنَاءِ (٤) الْبَيْت قِرْبَةٌ مُعَلَّقَةٌ، فَسَأَلَ (٥) الْمَاءَ؟ .
فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّهَا مَيْتَةٌ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "دِبَاغُهَا طُهُورُهَا".
_________________
(١) وَجَأْتُ عُنُقَهُ: ضَرَبْتُهُ. انظر لسان العرب (١٥/ ٢١٤).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ١٧٧) وإسناده رجاله ثقات.
(٣) في رواية النسائي: امرأة.
(٤) الْفِنَاءُ: بكسر الفاء هو الْمُتَّسَعُ أَمَامَ الْبَيْتِ. انظر لسان العرب (١٠/ ٣٣٩).
(٥) في رواية ابن حبان في صحيحه: فاستسقى.
[ ٤ / ٣١٣ ]
وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَليْسَ قَدْ دَبَغْتِهَا؟ ".
قَالَتْ: بَلَى، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا" (١).
قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: الذَّكَاةُ وَالتَّذْكِيَةُ: الذَّبْحُ، جَعَلَ دِبَاغَ الْجِلْدِ بِمَنْزِلَةِ الذَّبْحِ، فَإِنَّ جِلْدَ الْمَذْبُوحِ طَاهِرٌ (٢).
* ائْتِمَامُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ -﵁-:
وَفِي طَرِيقِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى تَبُوكَ، وَبَعْدَ أَنْ نَزَلَ الْجَيْشُ في اللَّيْلِ، وَعِنْدَ الفجْرِ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِقَضَاءَ الْحَاجَةِ، وَكَانَ مَعَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ -﵁-، فتَأَخَّرَ، فَقَدَّمَ الْمُسْلِمُونَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ -﵁-، وَصَلَّى بِهِمُ الفجْرَ، وَفِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَدْرَكَ رَكْعَةً، وَأَتَمَّ رَكْعَةً، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ -﵁-، قَالَ: عَدَلَ (٣) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَنَا مَعَهُ في غَزْوَةِ تَبُوكٍ، قَبْلَ الفجْرِ، فَعَدَلْتُ مَعَهُ، فَأَنَاخَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَبَرَّزَ (٤)، ثُمَّ جَاءَنِي، فَسَكَبْتُ (٥) عَلَى
_________________
(١) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب اللباس - باب أهب الميتة - رقم الحديث (٤١٢٥) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب الفرع والعتيرة - باب جلود الميتة - رقم الحديث (٤٥٥٥) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الخلافة والإمارة - رقم الحديث (٤٥٢٢).
(٢) انظر جامع الأصول (٧/ ١١٠).
(٣) عَدَلَ: مَالَ. انظر النهاية (٣/ ١٧٣).
(٤) في رواية الإِمام أحمد في مسنده: فتبرّز.
(٥) سَكَبَ: صَبَّ. انظر لسان العرب (٦/ ٣٠٢).
[ ٤ / ٣١٤ ]
يَدَيْهِ مِنَ الْإِدَاوَةِ (١)، فَغَسَلَ كَفَّيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ، ثُمَّ حَسَرَ (٢) عَنْ ذِرَاعَيْهِ، فَضَاقَ كُمُّ جُبَّتِهِ (٣)، فَأَدْخَلَ يَدَيْهِ، فَأَخْرَجَهُمَا مِنْ تَحْتِ الْجُبَّةِ، فَغَسَلَهُمَا إِلَى الْمِرْفَقِ، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ تَوَضَّأَ عَلَى خُفَّيْهِ، ثُمَّ رَكِبَ، فَأَقْبَلْنَا نَسِيرُ حَتَّى نَجِدَ النَّاسَ في الصَّلَاةِ، قَدَّمُوا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ -﵁-، فَصَلَّى بِهِمْ حِينَ كَانَ وَقْتُ الصَّلَاةِ، وَوَجَدْنَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ قَدْ رَكَعَ بِهِمْ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَرَاءَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ، ثُمَّ سَلَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، يُتِمُّ صَلَاتَهُ، فَفَزعَ الْمُسْلِمُونَ، وَأَكْثَرُوا التَّسْبِيحَ؛ لِأَنَّهُمْ سَبَقُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَ لَهُمْ: "أَحْسَنْتُمْ" أَوْ قَالَ: "أَصَبْتُمْ" (٤).
* زِيَادَةٌ ضَعِيفَةٌ:
زَادَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ والْحَاكِمُ في الْمُسْتَدْرَكِ وَابْنُ سَعْدٍ في طَبَقَاتِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا قُبِضَ نَبِيٌّ قَطُّ حَتَّى يُصلِّي
_________________
(١) الْإِدَاوَةُ: بكسر الهمزة: إِناءٌ صغيرٌ من جَلْدٍ يُتَّخَذُ للماء. انظر النهاية (١/ ٣٦).
(٢) حَسَرَ: كَشَفَ. انظر النهاية (١/ ٣٦٨).
(٣) الْجُبَّةُ: بضم الجيم: نَوْعٌ من الثيابِ تُلْبَسُ. انظر لسان العرب (٢/ ١٦١).
(٤) أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب الصلاة - باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإِمام - رقم الحديث (٤٢١) (١٠٥) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب فرض متابعة الإِمام - رقم الحديث (٢٢٢٤) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨١٣٤) (١٨١٧٥) - وأصله في صحيح البخاري - كتاب المغازي - باب رقم (٨٢) - رقم الحديث (٤٤٢١).
[ ٤ / ٣١٥ ]
خَلْفَ رَجُلٍ صَالِحٍ مِنْ أُمَّتِهِ" (١).
* لَا يَأْخُذْ مِنْ عَيْنِ تَبُوكَ أَحَدٌ:
أَكْمَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- طَرِيقَهُ إِلَى تَبُوكَ، وَقَبْلَ أَنْ يَأْتُوهَا بِيَوْمٍ واحدٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَصْحَابِهِ: "إِنَّكُمْ سَتَأْتونَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَيْنَ (٢) تَبُوكٍ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِي النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا، فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِي" (٣).
* فَوَاتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَقِصَّةُ أَبِي قَتَادَةَ -﵁-:
رَوَى الطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ -﵁- قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمَّا كُنَّا بِدَهَاسٍ (٤) مِنَ الْأَرْضِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ يَكْلَؤُنَا (٥) اللَّيْلةَ؟ ".
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٨) - والحاكم في المستدرك - كتاب الإِمام وصلاة الجماعة - باب لم يمت نبي حتى يؤمه رجل من قومه - رقم الحديث (٩٢٣) - وابن سعد في طبقاته (٣/ ٦٩) - وانظر السلسلة الضعيفة - رقم الحديث (٢٦٥٤) للألباني ﵀.
(٢) في رواية ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٨١): على وَشَل. والوَشَل: بفتح الواو والشين: هو الْمَاءُ القَلِيلُ. انظر النهاية (٥/ ١٦٠).
(٣) أخرج ذلك مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب في معجزات النبي -ﷺ- رقم الحديث (٧٠٦) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٠٧٠) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الجمع بين الصلاتين - رقم الحديث (١٥٩٥).
(٤) الدَّهَاسُ والدَّهْسُ: مَا سَهُلَ ولَانَ مِنَ الأرضِ، ولم يبلغ أن يكونَ رَمْلًا. انظر النهاية (٢/ ١٣٤).
(٥) الْكَلَاءَةُ: الْحِفْظُ والْحِرَاسَةُ. انظر النهاية (٤/ ١٦٩).
[ ٤ / ٣١٦ ]
قَالَ بِلَالٌ: أَنَا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذًا تَنَامُ"، فنَامَ حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وَاسْتَيْقَظَ فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ، فَقُلْنَا: تَكَلَّمُوا حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، فَاسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: "افْعَلُوا مَا كُنْتُمْ تَفْعَلُونَ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ مَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ" (١).
وَأَمَّا قِصَّةُ أَبِي قَتَادَةَ -﵁-، فَقَدْ أَخْرَجَهَا الْإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ -﵁-: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في سَفَرٍ (٢)، فَخَطَبَنَا -ﷺ-، فَقَالَ: "إِنَّكُمْ تَسِيرُونَ عَشِيّتَكُمْ وَلَيْلَتَكُمْ، وَتَأْتُونَ الْمَاءَ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ غَدًا".
قَالَ أَبُو قَتَادَةَ -﵁-: فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسِيرُ حَتَّى ابْهَارَّ اللَّيْلُ (٣)، وَأَنَا إِلَى جَنْبِهِ، فنَعِسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَمَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ (٤)، مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ، حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى تَهَوَّرَ اللَّيْلُ (٥)، مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ، فَدَعَمْتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ أُوقِظَهُ، حَتَّى اعْتَدَلَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ سَارَ حَتَّى إِذَا
_________________
(١) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٩٨٥). قلت: قصة فوات صلاة الفجر حتى ترتفع الشمس حدثت أكثر من مرة، فمنها: في غزوة الحديبية، وغزوة خيبر، كما مر معنا، فراجعه.
(٢) في رواية الطحاوي في شرح مشكل الآثار: غزوة.
(٣) ابْهَارَّ الليلُ: بتشديد الراء: أي انتصَفَ. انظر النهاية (١/ ١٦٢).
(٤) دَعَمَهُ: أَسْنَدَهُ. انظر النهاية (٢/ ١١٢).
(٥) تَهَوَّرَ الليلُ: أي ذَهَبَ أكثرُهُ. انظر النهاية (٥/ ٢٤٢).
[ ٤ / ٣١٧ ]
كَانَ مِنْ آخِرِ السَّحَرِ مَالَ مَيْلَةً هِيَ أَشَدُّ مِنَ الْمَيْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ حَتَّى كَادَ يَنْجَفِلُ (١)، فَأَتَيْتُهُ فَدَعَمْتُهُ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ -ﷺ-، فَقَالَ -ﷺ-: "مَنْ هَذَا؟ ".
قُلْتُ: أَبُو قَتَادَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَتَى كَانَ هَذَا مَسِيرَكَ مِنِّي؟ ".
قُلْتُ: مَا زَالَ هَذَا مَسِيرِي مُنْذُ اللَّيْلَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "حَفِظَكَ اللَّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيَّهُ"، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ -﵁-: . . . فَمَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنِ الطَّرِيقِ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ (٢)، ثُمَّ قَالَ: "احْفَظُوا عَلَيْنَا صَلَاتَنَا"، فَنِمْنَا، فَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَيْقَظَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَالشَّمْسُ في ظَهْرِهِ، فَقُمْنَا فَزِعِينَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- "ارْكبُوا"، فَرَكِبْنَا فَسِرْنَا، حَتَّى إِذَا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ نَزَلَ، ثُمَّ دَعَا بِمَيْضَأَةٍ (٣) كَانَتْ مَعِي فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، فتَوَضَّأَ مِنْهَا وُضُوءًا دُونَ وُضُوءٍ، وَبَقِيَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَاءٍ، ثُمَّ قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "احْفَظْ عَلَيْنَا مَيْضَأَتكَ، فَسَيَكُونُ لَهَا نَبَأٌ".
ثُمَّ أَذَّنَ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- رَكْعَتَيْنِ (٤)، ثُمَّ صَلَّى الْغَدَاةَ (٥) فَصَنَعَ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ كُلَّ يَوْمٍ.
قَالَ أَبُو قَتادَةَ -﵁-: وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَرَكِبْنَا مَعَهُ، فَجَعَلَ بَعْضُنَا
_________________
(١) يَنْجَفِلُ: أي يَنْقَلِبُ ويَسْقُطُ. انظر النهاية (١/ ٢٧٠).
(٢) أي نام.
(٣) الْمَيْضَأَةُ: مَطْهَرةٌ كبيرةٌ يُتَوَضَّأُ منها. انظر النهاية (٤/ ٣٢٤).
(٤) في رواية الإِمام أحمد في مسنده: وصلوا الركعتين قبل الفجر.
(٥) صلاة الغَدَاةِ: هي صلاة الفجر. وفي رواية الإِمام أحمد في مسنده: ثم صلوا الفجر.
[ ٤ / ٣١٨ ]
يَهْمِسُ إِلَى بَعْضٍ: مَا كَفَّارَةُ مَا صَنَعْنَا بِتَفْرِيطِنَا في صَلَاتِنَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- "أَمَا لَكُمْ فِيَّ أُسْوَةٌ؟ ".
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ في النَّوْمِ تَفْرِيطٌ، إِنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يِجِيءَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَلْيُصَلِّهَا حِينَ يَنْتَبِهُ لَهَا، فَإِذَا كَانَ الْغَدُ فَلْيُصَلِّهَا عِنْدَ وَقْتِهَا" (١).
قَالَ أَبُو قَتَادَةَ -﵁-: فَلَمَّا اشْتَدَّتِ الظَّهِيرَةُ جَعَلَ النَّاسُ يَقُولُونَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكْنَا عَطَشْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا هُلْكَ عَلَيْكُمْ"، ثُمَّ قَالَ: "أَطْلِقُوا لِي غُمَرِي (٢) "، وَدَعَا بِالْمَيْضَأَةِ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصُبُّ، وَأَبُو قَتَادَةَ -﵁- يَسْقِيهِمْ، فَلَمْ يَعْدُ أَنْ رَأَى النَّاسُ مَاءً في الْمَيْضَأَةِ تَكَابُّوا (٣) عَلَيْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- "أَحْسِنُوا الْمَلَأَ (٤)، كُلُّكُمْ سَيَرْوَى"، فَفَعَلُوا، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَصُبُّ، وَأَسْقِيهِمْ حَتَّى مَا بَقِيَ غَيْرِي وَغَيْرُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ صَبَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لِي: "اشْرَبْ"، فَقُلْتُ: لَا أَشْرَبُ حَتَّى تَشْرَبَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ سَاقِي الْقَوْمِ آخِرُهُمْ شرْبًا"، فَشَرِبْتُ، وَشَرِبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.
_________________
(١) قال النووي في شرح مسلم (٥/ ١٦٠): معناه أنه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها، ويتحول في المستقبل، بل يبقى كما كان، فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد.
(٢) أي ائتوني به، والغُمَرُ: بضم الغين وفتح الميم: القَدَحُ الصَّغِيرُ. انظر النهاية (٣/ ٣٤٥).
(٣) تَكَابُّوا عليه: بفتح التاء وتشديد الباء المضمومة: أي ازْدَحَمُوا. انظر النهاية (٤/ ١٢١). وفي رواية الإِمام أحمد في مسنده: فازدحم الناس عليه.
(٤) الْمَلَأَ: بفتح الميم واللام والهمزة: أي الخُلُق. انظر النهاية (٤/ ٢٩٩).
[ ٤ / ٣١٩ ]
قَالَ أَبُو قَتَادَةَ -﵁-: فَأَتَى النَّاسُ الْمَاءَ (١) جَامِّينَ (٢) رِوَاءً (٣).
* وُصُولُ الْمُسْلِمِينَ إِلَى تَبُوكَ وَأَخْذُ الْمُنَافِقِينَ مَاءَهَا:
وَلَمَّا وَصَلَ الْمُسْلِمُونَ تَبوكَ، وَجَدُوا عَيْنَهَا قَلِيلَةَ الْمَاءِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ قَالَ لَهُمْ: "إِنَّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، عَيْنَ تبُوكٍ، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتَّى يُضْحِي النَّهَارُ، فَمَنْ جَاءَهَا مِنْكُمْ فَلَا يَمَسَّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتَّى آتِي"، فَسَبَقَهُ إِلَيْهَا رَجُلَانِ (٤) فَاسْتَقَيَا مَا فِيهَا، فَسَبَّهُمَا (٥) رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا بَلَغَهُ ذَلِكَ، وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ، ثُمَّ غَرَفُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنَ الْعَيْنِ، قَلِيلًا قَلِيلًا، حَتَّى اجْتَمَعَ في شَيْءٍ، ثُمَّ غَسَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِيهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَعَادَهُ فِيهَا، فَجَرَتِ الْعَيْنُ بِمَاءٍ كَثِيرٍ، فَاسْتَقَى النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -﵁- رَاوِي الْحَدِيثِ-: "يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إِنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ، أَنْ
_________________
(١) أي ماء تبوك.
(٢) جَامِّين: بفتح الجيم وتشديد الميم، أي مُسْتَرِيحِين قد رُوُوا مِنَ الماءِ. انظر النهاية (١/ ٢٩٠).
(٣) أخرجه الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب قضاء الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها - رقم الحديث (٦٨١) - وأخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٥٤٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٣٩٨١).
(٤) في رواية ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٨١): فسبقه إليه نفر من المنافقين.
(٥) في رواية أخرى في مسند الإِمام أحمد - رقم الحديث (٢٣٣٢١) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٨١): فلعنهم.
[ ٤ / ٣٢٠ ]
تَرَى مَا هَا هُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا" (١).
وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ في السِّيرَةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَئِنْ بَقِيتُمْ، أَوْ مَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ، لَتَسْمَعُنَّ بِهَذَا الْوَادِي، وَهُوَ أَخْصَبُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا خَلفهُ" (٢).
* نُزُولُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في تَبُوكَ وَخُطْبَتُهُ فِيهَا:
لَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى تَبُوكَ ضرِبَتْ لَهُ قُبَّةٌ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ -ﷺ- في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهُوَ في قُبَّةٌ مِنْ أَدَمٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ (٣).
فَلَمَّا اسْتَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي تَبُوكَ خَطَبَ فِي أَصْحَابِهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمَ تَبُوكَ، فَقَالَ: "مَا في النَّاسِ مِثْلُ رَجُلٍ آخِذٍ بِعِنَانِ فَرَسِهِ لِيُجَاهِدَ في سَبِيلِ اللَّهِ، وَيَجْتَنِبَ شُرُورَ
_________________
(١) أخرج ذلك الإِمام مسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - رقم الحديث (٢٧٧٩) (١١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٠٧٠) (٢٣٣٢١) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب الجمع بين الصلاتين - رقم الحديث (١٥٩٥) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٨١).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ١٨١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجزية والموادعة - باب ما يحذر من الغدر - رقم الحديث (٣١٧٦) - وأبو داود في سننه - كتاب الأدب - باب ما جاء في المزاح - رقم الحديث (٥٠٠٠) (٥٠٠١) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٤٨٢١).
[ ٤ / ٣٢١ ]
النَّاسِ، وَمِثْلُ رَجُلٍ بَادٍ (١) في غَنَمِهِ يَقْرِي (٢) ضَيْفَهُ، وَيُؤَدِّي حَقَّهُ" (٣).
* خُطْبَةٌ غَيْرُ ثَابِتَةٍ:
وَقِيلَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- خَطَبَ خُطْبَةً طَوِيلَةً في تَبُوكَ، قَالَ فِيهَا: "أَيُّهَا النَّاسُ، أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كتَابُ اللَّهِ، وَأَوْثَقَ الْعُرَى كَلِمَةُ التَّقْوَى، وَخَيْرَ الْمِلَلِ مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ، وَخَيْرَ السُّنَنِ سَنَّةُ مُحَمَّدٍ، وَأَشرَفَ الْحَدِيثِ ذِكْرُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْقَصَصِ هَذَا الْقُرْآنُ، وَخَيْرَ الْأُمُورِ عَوَازِمُهَا، وَشرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَشرَفَ الْمَوْتِ قَتْلُ الشُّهَدِاءِ، وَأَعْمَى الْعَمَى الضَّلَالة بَعْدَ الْهُدَى، وَخَيْرَ الْأَعْمَالِ مَا نَفَعَ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ مَا اتُّبِعَ، وَشرَّ الْعَمَى عَمَى الْقَلْبِ. . . إِلَخِ".
رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْبَيْهَقِيُّ في دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ (٤)، وَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- هَذِهِ: وَهَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَفِيهِ نَكَارَةٌ، وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (٥).
_________________
(١) بَادٍ: أي سكن البادية. انظر لسان العرب (١/ ٣٤٨).
(٢) قَرَى الضَّيْفِ: أَضَافه. انظر لسان العرب (١١/ ١٤٩).
(٣) رواه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١١٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٥٤٦).
(٤) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٢٤١ - ٢٤٢).
(٥) انظر البداية والنهاية (٥/ ١٧).
[ ٤ / ٣٢٢ ]
* إِقَامَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِتَبُوكَ:
وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا (١)، لَمْ يَلْقَ كَيْدًا، وَلَمْ يُوَاجِهْ عَدُوًّا، وَكَانَ يُرْسِلُ السَّرَايَا إِلَى القبَائِلِ عَلَى أَطْرَافِ الشَّامِ، وَأَرْسَلَ رِسَالَةً إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ، كَمَا سَيَأْتِي.
* حِرَاسَةُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُحْرَسُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ، بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ غَزْوَةِ تَبُوكٍ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي، فَاجْتَمَعَ وَرَاءَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَحْرُسُونَهُ (٢).
* هُبُوبُ رِيحٍ شَدِيدَةٍ:
أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ أَنَّهُ سَتَهُبُّ عَلَيْهِمْ -وَهُمْ فِي تَبُوكَ- رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَقَدْ رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ -﵁-، قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- غَزْوَةَ تَبُوكَ. . . فَلَمَّا أَتيْنَا تَبُوكًا، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَمَا
_________________
(١) هذا هو الصحيح في إقامة الرَسُول -ﷺ- بتبوك، وقد أخرج ذلك الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٤١٣٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الصلاة - باب في صلاة السفر- رقم الحديث (٢٧٤٩) - وإسناده صحيح على شرط الشيخين.
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٠٦٨) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٤٨٩) - وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ٤٩٠)، وقال: إسناده جيد قوي - وأورده المنذري في الترغيب والترهيب - رقم الحديث (٥٣١٩) وقال: إسناده صحيح.
[ ٤ / ٣٢٣ ]
إِنَّهَا سَتَهُبُّ اللَّيلةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ، فَلَا يَقُومَنَّ أَحَدٌ، وَمَنْ كَانَ مَعَهُ بَعِيرٌ فَلْيَعْقِلْهُ، فَعَقَلْنَاهَا، وَهَبَّتْ رِيحٌ شدِيدَةٌ، فَقَامَ رَجُلٌ فَألقَتْهُ بِجَبَلِ طَيْءٍ" (١).
وَفي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ: فَفَعَلَ النَّاسُ مَا أَمَرَهُمْ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، إِلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ، خَرَجَ أَحَدُهُمَا لِحَاجَتِهِ، وَخَرَجَ الآخَرُ فِي طَلَبِ بَعِيرٍ لَهُ، فَأَمَّا الذِي ذَهَبَ لِحَاجَتِهِ، فَإِنَّهُ خُنِقَ عَلَى مَذْهَبِهِ، وَأَمَّا الذِي ذَهَبَ فِي طَلَبِ بَعِيرِهِ، فَاحْتَمَلَتْهُ الرِّيحُ، حَتَّى طَرَحَتْهُ بِجبلَيْ طَيْءٍ (٢).
* غَسْلُ الْأَعْضَاءِ فِي الْوُضُوء مَرَّةً وَاحِدَةً:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ فِي تَبوكٍ إِذَا تَوَضَّأَ غَسَلَ كُلَّ عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ مَاجَه بِسَنَدٍ صحيح لِغَيْرِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ تبوكَ تَوَضَّأَ وَاحِدَةً وَاحِدَةً (٣).
قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ: وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ: أَنَّ الْوُضُوءَ يُجْزِئُ مَرَّةً مَرَّةً، وَمَرَّتَيْنِ أَفْضَلُ، وَأَفْضَلُهُ ثَلَاثٌ، وَلَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ (٤).
_________________
(١) أخرج البخاري في صحيحه - كتاب الزكاة - باب خرص التمر - رقم الحديث (١٤٨١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب في معجزات النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٣٩٢) (١١).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ١٧٥).
(٣) أي غسل كل عضو مرة واحدة - والحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥١) - وابن ماجة في سننه - كتاب الطهارة وسننها - باب ما جاء في الوضوء مرة مرة - رقم الحديث (٤١٢).
(٤) انظر جامع الترمذي (١/ ٦٢).
[ ٤ / ٣٢٤ ]
* اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ:
وَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي تَبوكَ جَاءَهُ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ -﵁-، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِسِتِّ عَلَامَاتٍ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ، وَابْنُ مَاجَه فِي سُنَنِهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ -﵁- قَالَ: أَتيْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- في غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَهُوَ فِي قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَرَدَّ عَلَيَّ، وَقَالَ: "ادْخُلْ"، قُلْتُ: أَكُلِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "كُلُّكَ"، فَدَخَلْتُ، ثُمَّ قَالَ لِي: "اعْدُدْ (١) سِتًّا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ: مَوتِي (٢)، ثُمَّ فتحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مَوْتَانِ يَأْخُذُ فِيكُمْ كقُعَاصِ (٣) الْغَنَمِ (٤)، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ (٥)، حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ ساخِطًا، ثُمَّ فِتْنةٌ (٦) لَا يَبْقَى بَيْتٌ
_________________
(١) في رواية ابن ماجة: "احفظ".
(٢) زاد ابن ماجة في سننه: قال عوف: فوجمت -أي حزنت- عندها وجمة شديدة.
(٣) القُعاص: بضم القاف داء يأخذ الغنم لا يُلبثها أن تموت. انظر النهاية (٤/ ٧٨).
(٤) في رواية ابن ماجة: "ثم داء يظهر فيكم يستشهد اللَّه به ذراريكم وأنفسكم". وهذا الداء الذي وقع هو طاعون عمواس الذي مات فيه كثير من الصحابة ﵃، وحدث هذا الطاعون في خلافة عمر بن الخطاب -﵁-، سنة ثمان عشرة للهجرة، على ما رجحه الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٧/ ٩٦)، قال: المشهور الذي عليه الجمهور أن طاعون عمواس كان بها -أي سنة ثماني عشرة-.
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ٤١٦): أي كثرته، وظهرت في خلافة عثمان -﵁- عند تلك الفتوح العظيمة.
(٦) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ٤١٦): والفتنة المشار إليها افتتحت بقتل عثمان -﵁-، واستمرت الفتن بعده.
[ ٤ / ٣٢٥ ]
مِنَ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ (١) تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ، فَيَأْتُونَكُم تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً (٢)، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ ألفًا" (٣).
* أَكْلُ رَسُول اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْجُبْنِ:
وَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي تَبُوكَ إِذْ جِيءَ له بِجُبْنَةٍ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهَا وَأَكَلَهَا، فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِجُبْنَةٍ فِي تَبُوكَ، فَدَعَا بِسِكِّينٍ، فَسَمَّى، وَقَطَعَ (٤).
وَفِي رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أُوتَى النَّبِيُّ -ﷺ- بِجُبْنَةٍ فِي غَزَاةٍ، فَقَالَ: "أَيْنَ صنِعَتْ هَذِهِ"؟ قَالُوا: بِفَارِسَ، وَنَحْنُ نُرَى أَنَّهُ يُجْعَلُ فِيهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ -ﷺ-: "اطْعَنُوا فِيهَا بِالسِّكِّينِ، وَاذْكرُوا اسْمَ اللَّهِ، وَكُلُوا" (٥).
* قِصَّةُ الطَّاعُونِ:
وَفِي غَزْوَةِ تَبُوكَ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَصْحَابَهُ مَا يَفْعَلُ الْإِنْسَانُ إِذَا وَقَعَ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ٤١٦) الْهُدْنَةُ: بضم الهاء وسكون الدال: هي الصُّلْحُ.
(٢) الغَايَةُ: الرَّايَةُ. انظر جامع الأصول (١٠/ ٤١٢).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجزية والموادعة - باب ما يحذر من الغدر - رقم الحديث (٣١٧٦) - وأبو داود - كتاب الأدب - باب ما جاء في المزاح - رقم الحديث (٥٠٠٠) (٥٠٠١) - وابن ماجة في سننه - كتاب الفتن - باب أشراط الساعة - رقم الحديث (٤٠٤٢).
(٤) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الأطعمة - باب ما جاء في أكل الجبن - رقم الحديث (٣٨١٩) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٥٥٧١).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧٥٥).
[ ٤ / ٣٢٦ ]
الطَّاعُونُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَد بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِيهِ، أَوْ عَنْ عَمِّهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ: "إِذَا وَقَعَ الطَّاعُونُ بِأَرضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا، فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا، وَإذَا وَقَعَ وَلَسْتُمْ بِهَا، فَلَا تَقْدُمُوا عَلَيْهِ" (١).
* أُعْطِيتُ اللَّيلةَ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلي:
وَهُنَاكَ وَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي تَبُوكَ، أَكْرَمَ اللَّهُ تَعَالَى رَسُولَهُ -ﷺ- بِإِعْطَائِهِ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نَبِيٌّ قَبْلَهُ، فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثار بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَامَ تَبوكَ قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يُصَلِّي، فَاجْتَمَعَ وَرَاءهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِهِ يَحْرُسُونَهُ، حَتَّى إِذَا صَلَّى، وَانْصَرَفَ إِلَيْهِمْ، قَالَ: "لقَدْ أُعْطِيتُ اللَّيْلةَ خَمْسًا، مَا أُعْطِيَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: أُرْسِلْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً، وَكَانَ مِنْ قبلي إِنَّمَا يُرْسَلُ النَّبِيُّ إِلَى قَوْمهِ، وَنُصِرْتُ عَلَى الْعَدُوِّ بِالرُّعْبِ، وَلَوْ كَانَتْ بَيْني وَبَيْنَهُ مَسِيرَةُ شَهْرٍ مُلِئَ مِنِّي رُعْبًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعْظِمُونَ أَكْلَهَا، كَانُوا يَحْرِقُونَهَا، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، أَيْنَمَا أَدْرَكتْنِي الصَّلَاةُ تَمَسَّحْتُ (٢) وَصَلَّيْتُ، وَكَانَ مَنْ قَبْلِي يُعْظِمُونَ ذَلِكَ، إِنَّمَا كَانُوا يُصَلُّونَ فِي
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٤٣٥) - وأصله في صحيح البخاري في صحيحه - كتاب الطب - باب ما يذكر في الطاعون - رقم الحديث (٥٧٣٠) - ومسلم في صحيحه - كتاب السلام - باب الطاعون والطيرة - رقم الحديث (٢٢١٩).
(٢) تَمَسَّحْتُ: أي تَيَمَّمْتُ. انظر النهاية (٤/ ٢٧٩).
[ ٤ / ٣٢٧ ]
كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ (١)، وَالْخَامِسَةُ هِيَ مَا هِيَ، قِيلَ لِي: سَلْ، فَإِنَّ مَنْ قَبْلَكَ سَأَلَ، فَأَخَّرْتُ مَسْأَلتِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَهِيَ لَكُمْ، وَلِمَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ" (٢).
* مُصَالَحَةُ أَهْلِ أَيْلةَ (٣):
وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ بِتَبُوكَ يُحَنَّهُ (٤) بْنُ رُؤْبَة (٥) صَاحِبَ أَيْلَةَ، فَصَالَحَ رسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَأَعْطَاهُ الْجِزيةَ ثَلَاثَمِائَةِ دِينَار كُلَّ سَنَةٍ، وَكَانُوا ثَلَاثَمِائَةِ رَجُلٍ، وَأَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بغْلَةً بَيْضَاءَ، فكَسَاهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بُرْدًا، وَكَتَبَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَلِأَهْلِ أَيْلَةَ كِتَابًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ -ﷺ- قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ النَّبِيِّ -ﷺ- غَزْوَةَ تبوكَ. . . وَأَهْدَى مَلِكُ أَيْلَةَ لِلنَّبِيِّ -ﷺ- بَغْلَةً بَيْضَاءَ، وَكَسَاهُ (٦) برْدًا، وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ (٧).
_________________
(١) الْبِيَعُ: بكسر الباء هي كَنَائِسُ الْيَهُودِ. انظر تفسير ابن كثير (٥/ ١١٤).
(٢) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٠٦٨) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٤٤٨٩) - وأورده الحافظ ابن كثير في تفسيرة (٣/ ٤٩٠) وقال: إسناده جيد قوي - وأورده المنذري في الترغيب والترهيب - رقم الحديث (٥٣١٩) وقال: إسناده صحيح - وأصل الحديث في صحيح البخاري - كتاب التَّيمم - باب (١) - رقم الحديث (٣٣٥) - وصحيح مسلم - كتاب المساجد ومواضع الصلاة - رقم الحديث (٥٢١).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٣/ ٣٨) (٤/ ١١٠): أيلة: بفتح الهمزة وسكون الياء بلدة معروفة في طريق الشام بين المدينة ومصر على ساحل القلزم.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ١١٠): يُحَنَّةَ: بضم الياء وفتح الحاء وتشديد النون.
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٤/ ١١٠): رُؤْبَةَ: بضم الراء وسكون الواو.
(٦) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٦/ ٤٠٢): إن فاعل كسا هو النبي -ﷺ-. ووقع في رواية ابن حبان والإمام أحمد: فكساه رَسُول اللَّهِ -ﷺ- بُردًا.
(٧) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتحِ (٤/ ١١١): أي ببلدهم، أو المراد بأهل بحرهم لأنهم كانوا سكانًا بساحل البحر؛ أي أنَّه أقره عليهم بما التزموه من الجزية، وفي بعض الروايات: "ببحرتهم" أي بلدتهم. =
[ ٤ / ٣٢٨ ]
أَمَّا نَصُّ كِتَابِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِأَهْلِ أَيْلَةَ، فَقَدْ أَخْرَجَ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ مُرْسَلٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كتَبَ لِأَهْلِ أَيْلَةَ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذِهِ أَمَنَةٌ مِنَ اللَّهِ ﷿، وَمُحَمَّدٍ النَّبِيِّ لِيُحَنَّةَ بْنِ رُؤْبَةَ، وَأَهْلِ أَيْلةَ لِسُفُنِهِمْ وَلِسَيَّارَتهِمْ، وَلبحْرِهِمْ وَلبرِّهِمْ، ذِمَّةُ اللَّهِ ﷿، وَذِمَّةُ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ، وَلِمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ كُلِّ مَارٍّ مِنَ النَّاسِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ، وَالْيَمَنِ وَأَهْلِ البحْرِ، فَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا، فَإِنَّهُ لَا يَحُولُ مَالُهُ دُونَ نَفْسِهِ، وَإِنَّهُ طَيِّبَةٌ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يُمْنَعُوا مَاءً يَرِدُونَهُ، وَلَا طَرِيقًا يَرِدُونَهَا مِنْ بَرٍّ أَوْ بَحْرٍ" (١).
* مُصَالَحَةُ يَهُودِ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ:
وَأتى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ بِتَبُوكَ يَهُودُ جَرْبَاءَ، وَأَذْرُحَ، فَأَعْطَوْهُ الْجِزْيَةَ، فكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- كِتَابًا فَهُوَ عِنْدَهُمْ، وَهَذَا نَصُّهُ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هَذَا كتَابٌ مِنْ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ لِأَهْلِ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ أَنَّهُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللَّهِ وَأَمَانِ مُحَمَّدٍ، وَأَنَّ عَلَيْهِمْ مِائَةَ دِينَارٍ فِي كُلِّ رَجَب وَافِيَةً
_________________
(١) = والحديث أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الزكاة - باب خرص التمر - رقم الحديث (١٤٨١) - وأخرجه في كتاب الجزية والموادعة - باب إذا وادع الإمام ملك القرية - رقم الحديث (٣١٦١) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب في معجزات النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٣٩٢) - وأخرجه ابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الخلافة والإمارة - رقم الحديث (٤٥٠٣) (٦٥٠١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٦٠٤).
(٢) أخرجه الطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٣٥٣) - وأخرجه ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٨٠) بدون سند.
[ ٤ / ٣٢٩ ]
طَيِّبَةً، وَاللَّهُ كفِيلٌ عَلَيْهِمْ" (١).
* إِسْلَامُ مَالِكِ بْنِ أَحْمَرَ الْعُوفِيِّ:
وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ بِتَبُوكَ، مَالِكُ بْنُ أَحْمَرَ الْعُوفِيُّ، فَأَسْلَمَ، وَسَأله أَنْ يَكْتُبَ له كِتَابًا يَدْعُوهُ بِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي رُقْعَةٍ مِنْ أَدَمٍ، وَهَذَا نَصُّهُ: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحْيمِ، هَذَا كِتَاب مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى ابْنِ أَحْمَرَ وَمَنْ اتَّبَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَمَانًا لَهُمْ، مَا أَقَامُوا الصَّلَاةَ، وَآتَوُا الزَّكَاةَ، وَخَالفوا الْمُشْرِكِينَ، وَأَدَّوُا الْخُمُسَ مِنَ الْمَغْنَمِ" (٢).
* قِصَّةُ الذِي عَضَّ أُصْبُعَ صَاحِبِهِ:
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ يَعَلَى بْنِ أُمَيَّةَ -﵁- قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- غَزْوَةَ تَبُوكَ، وَكَانَتْ أَوْثَقُ أَعْمَالِي فِي نَفْسِي، فَاسْتَأْجَرْتُ أَجِيرًا فَقَاتَلَ رَجُلًا فَعَضَّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ وَنَزَعَ ثَنِيّتَهُ، فَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- فَأَهْدَرَهَا، فَقَالَ -ﷺ-: "أيدْفَعُ يَدَهُ إِلَيْكَ فتَقْضِمُهَا كَمَا يَقْضِمُ الْفَحْلُ".
وَفِي رِوَايَةٍ النَّسَائِيِّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى قَالَ -ﷺ-: "يَنْطَلِقُ أَحَدُكمْ إِلَى أَخِيهِ، فَيَعَضَّهُ عَضِيضَ الْفَحْلِ، ثُمَّ يَأْتِي فَيَطْلُبُ الْعَقْلَ (٣)؟ لَا عَقْلَ لَهَا"، فَأَبْطَلَهَا رَسُولُ اللَّه -ﷺ- (٤).
_________________
(١) انظر الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (١/ ١٤٠) - سيرة ابن هشام (٤/ ١٧٩).
(٢) انظر الإصابة (٥/ ٥٢٣).
(٣) الْعَقْلُ: الدِّيَّةُ. انظر النهاية (٣/ ٢٥٢).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب الأجير - رقم الحديث =
[ ٤ / ٣٣٠ ]
* فَضْلُ الْوُضُوءِ:
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ لِغَيْرِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -﵁- أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَجَلَسَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَوْمًا يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ، فَقَالَ: "مَنْ قَامَ إِذَا اسْتَقَلَّتِ الشَّمْسُ (١) فَتَوَضَّأ، فَأحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ (٢)، غُفِرَ لَهُ خَطَايَاهُ، فَكَانَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ".
قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ -﵁-: فَقُلْتُ: الْحَمْدُ للَّهِ الذِي رَزَقَنِي أَنْ أَسْمَعَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ لِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁-، وَكَانَ تُجَاهِي جَالِسًا: أَتَعْجَبُ مِنْ هَذَا؟
فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَعْجَبَ مِنْ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَ، فَقُلْتُ: وَمَا ذَاكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمَّي؟ .
فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ رَفَعَ نَظَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ، يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ" (٣).
_________________
(١) = (٢٩٧٣) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب غزوة تبوك - رقم الحديث (٤٤١٧) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب القسامة والمحاربين - باب القائل على نفس الإنسان أو عضوه - رقم الحديث (١٦٧٤) (٢٣) - وأخرجه النسائي في السنن الكبرى - كتاب القسامة - باب الرجل يدفع عن نفسه - رقم الحديث (٦٩٤١).
(٢) اسْتَقَلَّتِ الشَّمسُ: أي ارْتَفَعَتْ في السَّماءِ وتَعَالَتْ. انظر لسان العرب (١١/ ٣٥٦).
(٣) يريد بالركعتين هنا ركعتي الضحى.
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢١) - وابن حبان في صحيحه - كتاب =
[ ٤ / ٣٣١ ]
* بَعْثُ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ -﵁- إِلَى أُكَيْدَرَ (١) دُوْمَةَ (٢):
وَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ -﵁-، فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَارِسًا إِلَى أُكَيْدَرَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بَدُوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَكَانَ رَجُلًا مِنْ كِنْدَةَ قَدْ مَلَكَهُمْ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، وَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّكَ سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ".
فَخَرَجَ خَالِدٌ -﵁- حَتَّى إِذَا كَانَ مِنْ حِصْنِ أُكَيْدَرَ بِمَنْظَرِ الْعَيْنِ، وَكَانَتْ لَيْلَةً مُقْمِرَةً صَائِفَةً، وَهُوَ عَلَى سَطْحٍ لَهُ، وَمَعَهُ امْرَأتُهُ، فَجَاءَتِ الْبَقَرُ تَحُكُّ بِقُرُونِهَا بَابَ قَصْرِهِ، فَقَالَتْ له امْرَأَتُهُ: هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذَا قَطُّ؟
قَالَ: لَا وَاللَّهِ، قَالَتْ: فَمَنْ يَتْرُكُ هَذه؟
قَالَ: لَا أَحَدَ، فَنَزَلَ، فَأَمَرَ بِفَرَسِهِ فَأُسْرِجَ لَهُ، وَرَكِبَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِيهِمْ أَخٌ له يُقَالُ لَهُ: حَسَّانٌ، فَلَمَّا خَرَجُوا تَلَقَّتْهُمْ خَيْلُ خَالِدٍ -﵁-، فَاسْتَأْسَرَ أُكَيْدَرَ، وَقَاتَلَ أَخُوهُ حَسَّانٌ حَتَّى قُتِلَ، وَهَرَبَ مَنْ كَانَ مَعَهُمَا، فَدخَلَ الْحِصْنَ، وَأَجَارَ خَالِدٌ أُكَيْدَرَ مِنَ الْقَتْلِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى أَنْ يَفْتَحَ له دُوْمَةَ
_________________
(١) = الطهارة - باب فضل الوضوء - رقم الحديث (١٠٥٠).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٥/ ٥٥٢): أُكَيْدَر بضم الهمزة، تصغير أكدر. قال ابن الأثير في أسد الغابة (١/ ١٣٤): أُكيدر بن عبد الملك صاحب دُومة الجندل. . صالح رسول اللَّه -ﷺ- على الجزية، ولم يُسلم، وهذا لا اختلاف بين أهل السير فيه، ومن قال: إنه أسلم، فقد أخطأ خطأ ظاهرًا، . . . فلا ينبغي أن يُذكر في الصحابة، وقد قتله خالد بن الوليد -﵁- في خلافة أبي بكر الصديق -﵁-. قلتُ: وجزم الحافظ في الإصابة (١/ ٣٨١) أنه لم يُسلم.
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٥/ ٥٥٢): دُوْمَةُ بضم الدال وسكون الواو، وهي دُوْمَةَ الجندل، مدينة بقرب تبوك بها نخل وزرع وحصن، على عشرة مراحل من المدينة، وثمان من دمشق.
[ ٤ / ٣٣٢ ]
الْجَنْدَلِ، فَفَعَلَ، وَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفَيْ بَعِيرٍ، وَثَمَانِمِائَةِ رَأْسٍ، وَأَرْبَعِمِائَةِ دِرْعٍ، وَأَرْبَعِمِائَةِ رُمْحٍ، فَعَزَلَ خَالِدٌ -﵁- صَفِيَّ (١) رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ قَسَمَ مَا بَقِيَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ، فَصَارَ لِكُلِّ رَجُل مِنْهُمْ خَمْسَ فَرَائِضَ (٢).
ثُمَّ قَدِمَ خَالِدٌ بِأُكَيْدَرَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ.
وَأَهْدَى أُكَيْدَرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بَغْلَةً، وَجُبَّةً (٣) مِنْ سُنْدُسٍ (٤) مَنْسُوجٍ فِيهَا الذَّهَبُ، فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَتَعْجَبُونَ مِنْ لِينِ هَذِهِ؟ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْهَا وَأليَنُ" (٥).
* رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ:
قُلْتُ: وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ (٦) مِنْ أَنَّ خَالِدَ بنَ الْوَلِيدِ -﵁-
_________________
(١) الصَّفِيُّ هو ما كان يأخذه رئيس الجيش ويختاره لنفسه من الغنيمة قبل القسمة. انظر النهاية (٣/ ٣٧).
(٢) الفرِيضَةُ: هو البعيرُ المأخوذُ في الزكاة، سُمي فريضة؛ لأنَّه فَرْضٌ واجبٌ على رَبِّ المال، ثم اتُسِع فيه حَتَّى سُمي البعيرُ فريضةً في غير الزكاة. انظر النهاية (٣/ ٣٨٧).
(٣) في رواية أخرى في صحيح مسلم - رقم الحديث (٢٤٦٨): حُلَّة: بضم الحاء وتشديد اللام، وهي بُرْدَةٌ معروفة من اليمن. انظر النهاية (١/ ٤١٥).
(٤) السُّنْدُسُ: هو مَا رَقَّ مِنَ الدِّيباجِ. انظر النهاية (٢/ ٣٦٧). وفي رواية أخرى في صحيح مسلم - رقم الحديث (٢٤٦٨): من حرير.
(٥) أخرج هذا الحديث البخاري في صحيحه - كتاب الهبة وفضلها - باب قبول الهدية من المشركين - رقم الحديث (٢٦١٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب من فضائل سعد بن معاذ -﵁- رقم الحديث (٢٤٦٨) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر وصف مناديل سعد بن معاذ في الجنَّة - رقم الحديث (٧٠٣٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٢٢٣).
(٦) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ١٨٠).
[ ٤ / ٣٣٣ ]
أَخَذَ هَذِهِ الْجُبَّةَ مِنْ أُكَيْدِرَ عَنْ طَرِيقِ الِاسْتِلَابِ، فَفِيهِ نَظَرٌ، وَالصَّحِيحُ هُوَ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ أَنَّ أُكَيْدَرَ أَهْدَى هَذِهِ الْجُبَّةَ لِلرَّسُولِ -ﷺ-، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو يعَلَى بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ النُّعْمَانِ: أنَّهُ لَمَّا قَدِمَ أُكَيْدَرُ أَخْرَجَ قِبَاءً (١) مِنْ ديبَاجٍ مَنْسُوجًا بِالذَّهَبِ، فَرَدَّهُ النَّبِيُّ -ﷺ- عَلَيْهِ، ثُمَّ أَنَّهُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ رَدِّ هَدِيَّتِهِ فَرَجَعَ بِهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ادْفَعْهُ إِلَى عُمَرَ" (٢).
وَفي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فِي صَحِيحَيْهِمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَمْ يُعْطِهَا عُمَرَ -﵁- لِيَلْبَسَهَا، وَلذَلِكَ كَسَاهَا عُمَرُ -﵁- لِأَخٍ له كَانَ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا (٣).
* رِسَالَةُ الرَّسُولِ -ﷺ- إِلَى هِرَقلَ عَظِيمِ الرُّومِ:
ثُمَّ بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ -ﷺ- بِرِسَالَةٍ إِلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرُّومِ (٤)
_________________
(١) الْقِبَاءُ: نوعٌ من أنواعِ الثيابِ. انظر لسان العرب (١١/ ٢٧). وفي رواية ابن حبان والترمذي: جُبّة.
(٢) أورد هذا الحديث الحافظ في الفتح (٥/ ٥٥٢) - وقوى إسناده - وأخرجه كذلك ابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره قيس عن مناقب الصحابة - باب ذكر وصف مناديل سعد بن معاذ -﵁- في الجنة - رقم الحديث (٧٠٣٧) - والترمذي في جامعه - كتاب اللباس - باب رقم (٣) - رقم الحديث (١٨٢٠) - وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الهبة وفضلها - باب هدية ما يكره لبسها - رقم الحديث (٢٦١٢) - وأخرجه في كتاب اللباس - باب الحرير للنساء - رقم الحديث (٥٨٤١) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب اللباس - باب تحريم استعمال إناء الذهب والفضة على الرجال والنساء - رقم الحديث (٢٠٦٨).
(٤) إن ثبت هذا فتكون هذه الرسالة الثانية، التي بعث بها رَسُول اللَّهِ -ﷺ- إلى هرقل، وكانت الأولى بعد الحديبية -كما ذكرنا ذلك فيما مضى-.
[ ٤ / ٣٣٤ ]
يَدْعُوهُ فِيهَا إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: إِمَّا الدُّخُولُ فِي الْإِسْلَامِ، أَوْ دَفع الْجِزيَةِ، أَوِ الْقِتَالُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي رَاشِدٍ قَالَ: لَقِيتُ التَّنُوخِيَّ (١) رَسُولَ هِرَقْلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِحِمْصٍ، وَكَانَ جَارًا لِي، شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ بَلَغَ الفنَدَ (٢) أَوْ قَرُبَ، فَقُلْتُ لَهُ: أَلَا تُخْبِرُنِي عَنْ رِسَالَةِ هِرَقْلَ إِلَى النَّبِيِّ -ﷺ-، وَرِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى هِرَقْلَ؟
فَقَالَ: بَلَى، قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تَبُوكَ، فَبَعَثَ دِحْيَةَ الْكَلْبِيَّ إِلَى هِرَقْلَ، فَلَمَّا أَنْ جَاة كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- دَعَا قِسِّيسِي (٣) الرُّومِ وَبَطِارِقتَهَا (٤)، ثُمَّ أَغْلَقَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ بَابًا، فَقَالَ: قَدْ نَزَلَ هَذَا الرَّجُلُ حَيْثُ رَأَيْتُمْ، وَقَدْ أَرْسَلَ إِلَيَّ يَدْعُونِي إِلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ: يَدْعُونِي إِلَى أَنْ أَتَّبِعَهُ عَلَى دِينِهِ، أَوْ عَلَى أَنْ نُعْطِيَهُ مَالَنَا عَلَى أَرْضِنَا، وَالْأَرْضُ أَرْضُنَا، أَوْ نُلْقِيَ إِلَيْهِ الْحَرْبَ.
ثُمَّ قَالَ هِرَقْلُ: وَاللَّهِ لَقَدْ عَرَفْتُمْ فِيمَا تَقْرَؤُونَ مِنَ الْكُتُبِ لَيَأْخُذَنَّ مَا تَحْتَ قَدَمَيَّ، فَهَلُمَّ نَتَّبِعُهُ عَلَى دِينِهِ، أَوْ نُعْطِيهِ مَالَنَا مِنْ أَرْضِنَا، فنَخَرُوا نَخْرَةَ رَجُلٍ
_________________
(١) التَّنُوخِيّ: بفتح التاء، هو رسول هرقل إلى رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وكان حينئذ كافرًا، ثم أسلم بعد وفاة الرسول -ﷺ-، فهو تابعي اتفاقًا.
(٢) الْفَنَد: الْخَرَفُ وإنكارُ العقلِ منَ الْهَرَمِ أو المرضِ. انظر لسان العرب (١٠/ ٣٣٢). ومنه قوله تَعَالَى على لسان يعقوب ﵇ في سورة يوسف آية (٩٤): ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ﴾.
(٣) القسُّ: بفتح القاف رئيسٌ من رُؤَسَاءِ النصارى في الدِّينِ والعِلْمِ. انظر لسان العرب (١١/ ١٥٧).
(٤) الْبِطْرِيقُ: هو الْحَاذِقُ بالْحَرْبِ وأمورها بلغة الرُّومِ. انظر النهاية (١/ ١٣٤).
[ ٤ / ٣٣٥ ]
وَاحِدٍ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ بَرَانِسِهِمْ (١)، وَقالُوا: تَدْعُونَا إِلَى أَنْ نَدَعَ النَّصْرَانِيَّةَ، أَوْ نَكُونَ عَبِيدًا لِأَعْرَابيٍّ جَاءَ مِنَ الْحِجَازِ! .
فَلَمَّا ظَنَّ أَنَّهُمْ إِنْ خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ، أَفْسَدُوا عَلَيْهِ الرّومَ رَفَّأَهُمْ (٢) وَلَمْ يَكَدْ (٣)، ؤقَالَ: إِنَّمَا قُلْتُ ذَلِكَ لَكُمْ لِأَعْلَمَ صَلَابَتَكُمْ عَلَى أَمْرِكُمْ، ثُمَّ دَعَا رَجُلًا مِنْ عَرَبِ تُجِيبَ كَانَ عَلَى نَصَارَى الْعَرَبِ، فَقَالَ لَهُ: ادْعُ لِي رَجُلًا حَافِظًا لِلْحَدِيثِ، عَرِبيَّ اللِّسَانِ، أَبْعَثْهُ إِلَى هَذَا الرَّجُلِ بِجَوَابِ كِتَابِهِ، فَجَاءَ بِي، فَدَفعَ إِلَيَّ هِرَقْلُ كِتَابًا، فَقَالُ: اذْهَبْ بِكِتَابِي إِلَى هَذَا الرَّجُلِ، فَمَا ضَيَّعْتَ مِنْ حَدِيثِهِ فَاحْفَظْ لِي مِنْهُ ثَلَاثَ خِصَالٍ:
١ - انْظُرْ هَلْ يَذْكُرُ صَحِيفَتَهُ التِي كَتَبَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟ .
٢ - وَانْظُرْ إِذَا قَرَأَ كِتَابِي، فَهَلْ يَذْكُرُ اللَّيْلَ؟ .
٣ - وَانْظُرْ فِي ظَهْرِهِ، هَلْ بِهِ شَيْءٌ لا يَرِيبُكَ؟
قَالَ التَّنُوخِيُّ: فَانْطَلَقْتُ بِكِتَابِهِ حَتَّى جِئْتُ تَبُوكَ، فَإِذَا هُوَ (٤) جَالِسٌ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ مُحْتَبِيًا (٥) عَلَى الْمَاءِ (٦)، فَقُلْتُ: أَيْنَ صَاحِبُكُمْ؟
_________________
(١) الْبُرْنُس: هو كُلُّ ثوبٍ رأسه منه مُلْتَزِقٌ به، من دُرَّاعَةٍ أو جُبَّةٍ أو غيره. انظر النهاية (١/ ١٢١).
(٢) رَفَّاَهُمْ: أي سَكَّنَهُمْ ورَفَقَ بِهِمْ. انظر النهاية (٢/ ٢١٩).
(٣) لم يَكَدْ: بفتح الكاف أي لم يُلحّ عليهم. انظر لسان العرب (١٢/ ٤٣).
(٤) أي الرسول -ﷺ-.
(٥) الِاحْتِبَاءُ: هو أَنْ يَضُمَّ الإنسانُ رِجليهِ إلى بطنه بثوب يجمعهما به مع ظهره، ويشدّه عليها، وقد يكون الاحتباء باليدين عوض عن الثوب. انظر النهاية (١/ ٣٢٤).
(٦) الْمَاءُ: هو عَيْنُ تَبُوكَ.
[ ٤ / ٣٣٦ ]
قِيلَ: هَا هُوَ ذَا، فَأَقْبَلْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَنَاوَلتُهُ كِتَابِي، فَوَضَعَهُ فِي حَجْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: "مِمَّنْ أَنْتَ؟ "، فَقُلْتُ: أنا أَحَدُ تَنُوخٍ.
قَالَ رَسولُ اللَّهِ -ﷺ-: "هَلْ لَكَ فِي الْإِسْلَامِ الْحَنِيفِيَّةِ مِلَّةِ أَبِيكَ إِبْرَاهِيمَ؟ ".
قُلْتُ: إِنِّي رَسولُ قَوْمٍ، وَعَلَى دِينِ قَوْم، لَا أَرْجعُ عَنْهُ حَتَّى أَرْجعَ إِلَيْهِمْ.
فَضَحِكَ رَسولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ: " ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (١)، يَا أَخَا تَنُوخ، إِنِّي كتَبْتُ بِكِتَابٍ إِلَى كِسْرَى فَمَزَّقَه، وَاللَّهُ مُمَزِّقُهُ وَمُمَزِّقُ مُلْكِهِ، وَكتَبْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ (٢) بِصَحِيفَةٍ فَخَرَّقَهَا، وَاللَّهُ مَخَرِّقُهُ وَمُخرِّقُ مُلْكِهِ، وَكَتَبْتُ إِلَى صَاحِبِكَ بِصَحِيفَةٍ فَأمْسَكَهَا، فَلَنْ يَزَالَ النَّاسُ يَجدُونَ مِنْهُ بَأسًا مَادَامَ فِي الْعَيْشِ خَيْرٌ".
قُلْتُ: هَذِهِ إِحْدَى الثَّلَاثَةِ التِي أَوْصَانِي بِهَا صَاحِبِي، وَأَخَذْتُ سَهْمًا مِنْ جُعْبَتِي، فَكَتَبْتُهَا فِي جِلْدِ سَيْفِي، ثُمَّ إِنَّهُ نَاوَلَ الصَّحِيفَةَ رَجُلًا عَنْ يَسَارِهِ، قُلْتُ: مَنْ صَاحِبُ كِتَابِكُمُ الذِي يَقْرَأُ لَكُمْ؟
قَالُوا: مُعَاوِيَةُ، فَإِذَا فِي كِتَابِ صَاحِبِي: تَدْعُونِي إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ، فَأَيْنَ النَّارُ؟
فَقَالَ رَسولُ اللَّهِ -ﷺ-: "سُبْحَانَ اللَّهِ أَيْنَ اللَّيْلُ إِذَا جَاءَ النَّهَارُ؟ ".
قَالَ التَّنُوخِيُّ: فَأَخَذْتُ سَهْمًا مِنْ جُعْبَتِي، فكَتَبْتُهُ فِي جِلْدِ سَيْفِي، فَلَمَّا أَنْ
_________________
(١) سورة القصص آية (٥٦).
(٢) هذا النجاشي غير النجاشي أصحمة الذي آمن بالرسول -ﷺ-.
[ ٤ / ٣٣٧ ]
فَرَغَ مِنْ قِرَاءَةِ كِتَابِي، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّ لَكَ حَقًّا، وَإنَّكَ رَسُولٌ، فَلَوْ وَجَدْتُ عِنْدَنَا جَائِزَةً (١) جَوَّزْنَاكَ بِهَا، إِنَّا سَفْرٌ (٢) مُرْمِلُونَ (٣) ".
قَالَ: فَنَادَاهُ رَجُلٌ مِنْ طَائِفَةِ النَّاسِ، قَالَ: أَنَا أُجَوِّزُهُ (٤)، فَفَتَحَ رَحْلَهُ فَإِذَا هُوَ يَأْتِي بِحُلَّةٍ صَفُّورِيَّةٍ (٥)، فَوَضَعَهَا فِي حِجْرِي، قُلْتُ: مَنْ صَاحِبُ الْجَائِزَةِ؟
قِيلَ لِي: عُثْمَانُ.
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِأَصْحَابِهِ: "أَيُّكُمْ يُنْزِلُ هَذَا الرَّجُلَ؟ ".
فَقَالَ فَتًى مِنَ الْأَنْصَارِ: أَنَا، فَقَامَ الْأَنْصَارِيُّ، وَقُمْتُ مَعَهُ، حَتَّى إِذَا خَرَجْتُ مِنْ طَائِفَةِ الْمَجْلِسِ، نَادَانِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَقَالَ: "تَعَالَ يَا أَخَا تَنُوخٍ"، فَأَقْبَلْتُ أَهْوِي إِلَيْهِ، حَتَّى كُنْتُ قَائِمًا فِي مَجْلِسِي الذِي كُنْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَحَلَّ حَبْوَتَهُ عَنْ ظَهْرِهِ، وَقَالَ: "هَاهُنَا امْضِ لِمَا أُمِرْتَ لَهُ" فَجُلْتُ فِي ظَهْرِهِ، فَإِذَا أَنَا بِخَاتَمٍ فِي مَوْضِعِ عُضُونِ (٦) الْكَتِفِ مِثْلِ الْحَجْمَةِ (٧) الضَّخْمَةِ (٨).
_________________
(١) الْجَائِزَةُ: الضِّيَافَةُ. انظر النهاية (١/ ٣٠٢).
(٢) أي مسافرين
(٣) مُرْمِلُونَ: أي نَفِدَ زَادُهُم. انظر النهاية (٢/ ٢٤٠).
(٤) أي أضيفه.
(٥) صَفُّورية: بفتح الصاد وتشديد الفاء: بلد في الأردن، نُسِبَت الحُلَّة إليها. انظر معجم البلدان (٥/ ١٩٥).
(٦) الْغَضْنُ: الْكَسْرُ في الْجِلْدِ. انظر لسان العرب (١٠/ ٨٥).
(٧) الحَجْمَة: بفتح الحاء: شبه صورة خاتم النبوة الناتئ على كتفه -ﷺ- بصورة النتوء الضخم الذي يحصل بإلصاقِ المحجمة -وهي القارورة- في ظهر المحجوم. انظر الموسوعة الحديثية (٢٤/ ٤٢١).
(٨) أخرج ذلك كله الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٦٥٥) - وأورده الحافظ ابن =
[ ٤ / ٣٣٨ ]
* وَفَاةُ عَبْدِ اللَّهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ -﵁-:
وَفِي تَبُوكٍ تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ الْمُزَنِيُّ -﵁-.
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ -﵁-: قُمْتُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فِي غَزْوَةِ تَبُوكٍ، فَرَأَيْتُ شُعْلَةً مِنْ نَارٍ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ، فَاتَّبعْتُهَا أَنْظُرُ إِلَيْهَا، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄، وَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ قَدْ مَاتَ، وَإِذَا هُمْ قَدْ حَفَرُوا لَهُ، وَرَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي حُفْرَتِهِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ يُدَلِّيَانِهِ إِلَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ -ﷺ-: "أَدْنِيَا إِلَيَّ أَخَاكُمَا"، فَدَلَّيَاهُ إِلَيْهِ، فَلَمَّا هَيَّأَهُ لِشِقِّهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "اللَّهُمَّ! إِنِّي قَدْ أَمْسَيْتُ رَاضيًا عَنْهُ، فَارْضَ عَنْهُ"، فَقُلْتُ: يَا لَيْتَنِي كُنْتُ صَاحِبَ الْحُفْرَةِ.
* لِمَاذَا سُمِّيَ بِذِي الْبِجَادَينِ؟:
وَإِنَّمَا سُمِّيَ ذَا الْبِجَادَيْنِ؛ لِأنَّهُ كَانَ يُنَازعُ (١) إِلَى الْإِسْلَامِ فَيَمْنَعُهُ، قَوْمُهُ مِنْ ذَلِكَ، وَيُضَيِّقُونَ عَلَيْهِ، حَتَّى ترَكُوهُ فِي بِجَادٍ (٢) لَيْسَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَهَرَبَ مِنْهُمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا كَانَ قَرِيبًا مِنَ الْمَدِينَةِ، شَقَّ بِجَادَهُ بِاثْنَيْنِ، فَاتَّزَرَ بِوَاحِدٍ، وَاشْتَمَلَ بِالْآخَرِ، ثُمَّ أتَى رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَنْ أَنْتَ؟ ".
_________________
(١) = كثير في البداية والنهاية (٥/ ١٨) وقال: هذا حديث غريب، وإسناده لا بأس به تفرّد به الإمام أحمد - وانظر السلسلة الضعيفة للألباني - رقم الحديث (٣٦٨٦).
(٢) يُقال للإنسان إذا هوى شيئًا ونازعته نفسه إليه: هو ينزع إليه نِزاعًا. انظر لسان العرب (١٤/ ١٠٦).
(٣) الْبِجَادُ: بكسر الباء هو الْكِسَاءُ. انظر النهاية (١/ ٩٧).
[ ٤ / ٣٣٩ ]
قَالَ: أَنَا عَبْدُ الْعُزَّى -وَكَانَ اسْمُهُ عَبْدَ الْعُزَّى يَوْمَئِذٍ- فَقَالَ له رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَنْتَ عَبْدُ اللَّهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ"، ثُمَّ قَالَ له: "انْزِلْ مِنِّي قَرِيبًا"، فَكَانَ يَكُونُ مِنْ أَضْيَافِهِ -ﷺ-، وَعَلَّمَهُ الْقُرْاَنَ حَتَّى قَرَأَ قُرآنًا كَثِيرًا، وَكَانَ يَقُومُ فِي الْمَسْجِدِ فَيَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْقِرَاءَةِ، وَكَانَ رَجُلًا صَيِّتًا (١)، فَشَكَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁- إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ألا تَسْمَعُ إِلَى صَوْتِ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ، يَرْفَعُ صَوْتَهُ بِالْقُرْآنِ؟ قَدْ مَنَعَ النَّاسَ الْقِرَاءَةَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "دَعْهُ يَا عُمَرُ، فَإِنَّهُ خَرَجَ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ".
فَلَمَّا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى تَبُوكٍ خَرَجَ مَعَهُ، وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! ادْعُ اللَّهَ لِي بِالشَّهَادَةِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَبْغِنِي لِحَاءَ (٢) شَجَرَة"، فَأتَاهُ بِذَلِكَ، فَرَبَطَهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى عَضُدِهِ، وَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أُحَرِّمُ دَمَهُ عَلَى الْكُفَّارِ"، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ هَذَا أَرَدْتُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِنَّكَ إِنْ خَرَجْتَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَأَخَذَتْكَ حُمَّى فَقَتَلَتْكَ، فَأنْتَ شَهِيدٌ، أَوْ وَقَصَتْكَ (٣) دَابَّتُكَ، فَأنْتَ شَهِيدٌ، لَا تُبَالِ بَأَيَّتِهِ كَانَ".
فَلَمَّا نَزَلُوا تَبُوكَ أَقَامُوا بِهَا أَيَّامًا، فَأَخَذَتْهُ الْحُمَّى فَمَاتَ مِنْهَا -﵁- (٤).
_________________
(١) صَيِّتًا: أي شديد الصوت عاليه. انظر النهاية (٣/ ٦٠).
(٢) لِحَاءُ الشجرةِ: هو قِشْرُهَا. انظر النهاية (٤/ ٢١٠).
(٣) الوَقْصُ: بفتح الواو وسكون القاف: كسر العنق. انظر النهاية (٥/ ١٨٦).
(٤) أخرج قصة وفاة عبد اللَّه ذي البجادين -﵁-: ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٨٢) - وأبو نعيم في دلائل النبوة (٢/ ٥٢٥) - وإسناده منقطع كما قال الحافظ في الإصابة (٤/ ١٣٩).
[ ٤ / ٣٤٠ ]
* حديث في فضل عبد اللَّه ذو البجادين -﵁-:
رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ لِغَيْرِهِ عَنْ عُقْبَةَ بنِ عَامِرٍ -﵁- قَالَ: أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَالَ لِرَجُلٍ يُقَالُ لَهُ: ذُو البِجَادَيْنِ: "إِنَّهُ أَوَّاهٌ"، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ رَجُلًا كَثِيرَ الذِّكْرِ للَّهِ ﷿ فِي القُرْآنِ، وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ فِي الدُّعَاءِ (١).
* رُجُوعُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى الْمَدِينَةِ:
أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي تَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا -كَمَا ذَكَرْنَا-، وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا مِنْ أَيِّ عَدُوٍّ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ مُنْتَصِرًا، وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ، وَقَدْ حَدَثَتْ أَحْدَاثٌ، وَهُمْ فِي طَرِيقِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ، مِنْهَا:
* حَدِيثُ مُعَاذِ بنِ جَبَلٍ -﵁-:
قَالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ -﵁-: أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَلَمَّا رَأَيْتُهُ خَلِيًّا (٢) فَدَنَوْتُ مِنْهُ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَقَدْ سَأَلْتَ عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْ يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ، تَعْبُدُ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ، وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيْتَ"، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ؟ ".
قُلْتُ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! .
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٧٤٥٣).
(٢) خَلِيًّا: أي لِوَحْدِهِ ليس معه أحد.
[ ٤ / ٣٤١ ]
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الصَّوْمُ جُنَّةٌ (١)، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ، كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢)، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "أَلَا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ وَعَمُودِهِ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ؟ ".
قَالَ: قُلْتُ: أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذُرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ"، ثُمَّ قَالَ -ﷺ-: "أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كلِّهِ، قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟
قَالَ: فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ، فَقَالَ -ﷺ-: "تَكُفَّ عَلَيْكَ هَذَا".
قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ! وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ عَلَى وُجُوهِهِمْ، أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ فِي النَّارِ إِلَّا حَصَائِدُ ألسِنَتِهِمْ" (٣).
* مَكْرُ الْمُنَافِقِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-:
وَفي الطَّرِيقِ إِلَى الْمَدِينَةِ تَآمَرَ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ، وَقِيلَ: أَرْبَعَةَ
_________________
(١) جُنَّةٌ: بضم الجيم وتشديد النون أي وِقَايَة. انظر النهاية (١/ ٢٩٧).
(٢) سورة السجدة آية (١٦).
(٣) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٢٠٦٨) - وابن ماجة في سننه - كتاب الفتن - باب كف اللسان في الفتنة - رقم الحديث (٣٩٧٣) - والحاكم في المستدرك - كتاب التفسير - باب تفسير سورة السجدة - رقم الحديث (٣٦٠١) - والترمذي في جامعه - كتاب الإيمان - باب ما جاء في حرمة الصلاة - رقم الحديث (٢٨٠٤) - وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.
[ ٤ / ٣٤٢ ]
عَشَرَ، أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ، عَلَى الْغَدْرِ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَمُزَاحَمَتِهِ عَلَى الْعَقَبَةِ (١)، وَلَكِنَّ اللَّهَ عَصَمَ رَسُولَهُ -ﷺ- مِنْهُمْ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ -﵁- قَالَ: لَمَّا أَقبل رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَ مُنَادِيًا فنَادَى: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَخَذَ الْعَقَبَةَ، فَلَا يَأْخُذْهَا أَحَد، فَبَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَقُودُهُ حُذَيْفَةُ، وَيَسُوقُ بِهِ عَمَّارٌ، إِذْ أَقْبَلَ رَهْطٌ (٢) مُتَلثِّمُونَ عَلَى الرَّوَاحِلِ (٣)، غَشُوا عَمَّارًا وَهُوَ يَسُوقُ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَأَقبل عَمَّارٌ يَضْرِبُ وُجُوهَ الرَّوَاحِلِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لِحُذَيْفَةَ: "قَدْ، قَدْ" (٤)، حَتَّى هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، فَلَمَّا هَبَطَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، نَزَلَ وَرَجَعَ عَمَّار، فَقَالَ -ﷺ-: "يَا عَمَّارُ، هَلْ عَرَفْتَ الْقَوْمَ؟ ".
فَقَالَ: قَدْ عَرَفْتُ عَامَّةَ الرَّوَاحِلِ وَالْقَوْمُ مُتَلثِّمُونَ، قَالَ -ﷺ-: "هَلْ تَدْرِي مَا أَرَادُوا؟ "، قَالَ عَمَّارٌ: اللَّهُ وَرَسُول أَعْلَمُ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَرَادُوا أَنْ يَنْفِرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- يَطْرَحُوهُ" (٥).
_________________
(١) الْعَقَبَةُ: الْجَبَلُ الطَّوِيلُ. انظر لسان العرب (٩/ ٣٠٦). قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٧/ ١٠٥): وهذه العقبة ليست العقبة المشهورة بمِنَى التي كانت بها بيعة الأنصار ﵃، وإنَّما هذه عقبة على طريق تبوك اجتمع المنافقون فيها للغدرِ برسول اللَّه -ﷺ- في غزوة تبوك، فعصمه اللَّه منهم.
(٢) الرَّهْطُ من الرجال: ما دون العشرة. انظر النهاية (٢/ ٢٥٧).
(٣) الرَّاحِلَةُ من الإبلِ: البعيرُ القوي على الأسفار والأحمال، والذكر والأنثى فيه سواء. انظر النهاية (٢/ ١٩١).
(٤) قَدْ: بفتح القاف: أي حَسْبِي، وتكرارها لتأكيد الأمر. انظر النهاية (٤/ ١٨).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٧٩٢).
[ ٤ / ٣٤٣ ]
وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَرَادُوا أَنْ يَزْحَمُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- في الْعَقَبَةِ، فيلْقُوهُ مِنْهَا" (١).
وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: كَانَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعَقَبَةِ وَبَيْنَ حُذَيْفَةَ -﵁- بَعْضُ مَا يَكُونُ بَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: أُنْشِدُكَ بِاللَّهِ كَمْ كَانَ أَصْحَابُ الْعَقَبَةِ؟
فَقَالَ حُذَيْفَةُ -﵁-: كُنَّا نُخْبِرُ أَنَّهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ، فَإِنْ كُنْتُ مِنْهُمْ فَقَدْ كَانَ القوْمُ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ اثْنَى عَشَرَ مِنْهُمْ حَرْبٌ للَّهِ وَلرَسُولهِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ، وَعَذْرَ ثَلَاثَةٍ، قَالُوا: مَا سَمِعْنَا مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَا عَلِمْنَا بِمَا أَرَادَ الْقَوْمُ (٢).
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْحَادِثَةِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿. . . وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا﴾ (٣).
أَيْ هَمُّوا بِإلْقَاءَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مِنَ الْعَقَبَةِ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَنَالُوا ذَلِكَ.
* شَأْنُ أَبِي رُهْمٍ الْغِفَارِيِّ -﵁-:
رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ عَنْ
_________________
(١) انظر دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٢٦١).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب صفات المنافقين وأحكامهم - رقم الحديث (٢٧٧٩) (١١) - وأخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٣٢١).
(٣) سورة التوبة آية (٧٤).
[ ٤ / ٣٤٤ ]
أَبِي رُهْمٍ الْغِفَارِيِّ -﵁- أَنَّهُ قَالَ: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- غَزْوَةَ تَبُوكَ، فَلَمَّا قَفَلَ (١)، سِرْنَا لَيْلَةً، فَسِرْتُ قَرِيبًا مِنْهُ، وَأُلْقِيَ عَلَيَّ النّعاسُ، فَطَفِقْتُ (٢) أَسْتَيْقِظُ، وَقَدْ دَنَتْ رَاحِلَتِي مِنْ رَاحِلَتِهِ، فيفْزِعُنِي دُنُوُّهَا خَشْيَةَ أَنْ أُصِيبَ رِجْلَهُ فِي الْغَرْزِ (٣)، فَأَزْجِرُ (٤) رَاحِلَتِي، حَتَّى غَلَبتْنِي عَيْني فِي بَعْضِ اللَّيْلِ، فَزَحَمَتْ رَاحِلَتِي رَاحِلَتَهُ، وَرِجْلُهُ فِي الْغَرْزِ، فَأَصَبْتُ رِجْلَهُ، فَلَمْ أَسْتَيْقِظْ إِلَّا بِقَوْلهِ -ﷺ-: "حَسِّ" (٥)، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَقُلْتُ: اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: "سِرْ"، فَطَفِقَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَسْأَلُنِي عَمَّنْ تَخَلَّفَ مِنْ بَنِي غِفَارٍ، فَأَخْبَرتُهُ، فَإذا هُوَ قَالَ: "مَا فَعَلَ النَّفَرُ الْحُمْرُ (٦) الثِّطَاطُ (٧)؟ ".
فَحَدَّثْتُهُ بِتَخَلُّفِهمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا فَعَلَ النَّفَرُ السُّودُ الْجِعَادُ (٨)
_________________
(١) قَفَلَ: رَجَعَ. انظر النهاية (٤/ ٨٢). وفي رواية الإمام أحمد في مسنده: فَصَلَ.
(٢) طَفِقَ: جَعَلَ. انظر لسان العرب (٨/ ١٧٤).
(٣) الْغَرْزُ: رِكَابُ كُورِ الْجَمَلِ إذا كان من جلد أو خشب. انظر النهاية (٣/ ٣٢٣).
(٤) في رواية الإمام أحمد في مسنده: فأُوخِّر.
(٥) حَسِّ: بفتح الحاء كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مَضَّهُ أو أَحْرَقَهُ غَفْلَةً، كالجمرة والضربة، ونحوهما. انظر النهاية (١/ ٣٧٠).
(٦) قال السندي في شرح المسند (١١/ ٣١٢): الحُمْرُ: بضم الحاء وسكون الميم جمع أحمر.
(٧) الثِّطَاطُ: بكسر الثاء جمع ثَطٍّ، وهو القليلُ شَعْرِ اللِّحْيَةِ والْحَاجِبَيْنِ. انظر النهاية (١/ ٢٠٦) - لسان العرب (٢/ ٩٧).
(٨) الْجَعْدُ: في صفات الرجال يكون مدحًا وذمًا: فالمدح معناه أَنْ يكونَ شديدَ الْأَسْرِ والخَلْقِ، وَأَمَّا الذم فهو القصيرُ المتردِّدُ الْخَلْق. انظر النهاية (١/ ٢٦٦).
[ ٤ / ٣٤٥ ]
الْقِطَاطُ (١) أَوْ الْقِصَارُ، الذِينَ لَهُمْ نَعَمٌ (٢) بِشَبَكَةِ شَرْخٍ (٣)؟ ".
قَالَ: فتَذَكَّرتُهُمْ فِي بَنِي غِفَارٍ، فَلَمْ أَذْكُرْهُمْ حَتَّى ذَكَرْتُ رَهْطًا مِنْ أَسْلَمَ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُولَئِكَ رَهْطٌ مِنْ أَسْلَمَ وَقَدْ تَخَلَّفُوا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "فَمَا يَمْنَعُ أُولَئِكَ حِينَ تَخَلَف أَحَدُهُمْ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى بَعْضِ إِبِلِهِ امْرَءًا نَشِيطًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِنَّ أَعَزَّ أَهْلِي عَلَيَّ أَنْ يَتَخَلَف عَنِّي الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَسْلَمُ وَغِفَارٌ" (٤).
* اسْتِعْجَالُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إلى الْمَدِينَةِ:
فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَصْحَابُهُ إِلَى وَادِي الْقِرَى، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "إِنِّي مُتَعَجِّل إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَنْ أَرَادَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَعَجَّلَ مَعِي فَلْيَتَعَجَّلْ" (٥).
* هَدْمُ مَسْجِدِ الضِّرَارِ:
ثُمَّ أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى نَزَلَ بِذِي أَوَانٍ (٦)، فَجَاءَ جَمَاعَةٌ مِنَ
_________________
(١) القَطَطُ: الشَّدِيدُ جُعُودَةِ الشَّعْرِ. انظر النهاية (٤/ ٧١).
(٢) النَّعَمُ: بفتح النون: الإبل والغنم. انظر لسان العرب (١٤/ ٢١٢).
(٣) شَبَكَةُ شَرْخٍ: موضع بالحجاز في ديار غِفار. انظر النهاية (٢/ ٣٩٦).
(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٠٧٢) - وابن حبان في صحيحه - كتاب إخباره -ﷺ- عن مناقب الصحابة - باب ذكر الخبر الدال على أن أحب الناس إلى رَسُول اللَّهِ -ﷺ- المهاجرون والأنصار - رقم الحديث (٧٢٥٧) - والبخاري في الأدب المفرد - رقم الحديث (١١٤).
(٥) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الزكاة - باب خرص التمر - رقم الحديث (١٤٨١) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب أُحد جبل يحبنا ونحبه - رقم الحديث (١٣٩٢).
(٦) قال ابن إسحاق في السيرة (٤/ ١٨٣): ذِي أَوَان: بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار.
[ ٤ / ٣٤٦ ]
الْمُنَافِقِينَ، وَسَأَلُوهُ أَنْ يَأْتِيَ مَسْجِدَهُمْ بِقُبَاءَ لِيُصَلِّي فِيهِ -وَهُوَ مَسْجِدُ الضِّرَارِ- فَنَزَلَ الْوَحْيُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِهَذِهِ الْآيَاتِ: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾ (١).
فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَاتُ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُمِ (٢) أَخَا بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ أَخَا بَنِي الْعَجْلَانِ، فَقَالَ لَهُمَا: "انْطَلِقَا إِلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْله، فَاهْدِمَاهُ وَحَرِّقَاهُ".
فَخَرَجَا سَرِيعَيْنِ حَتَّى أَتَياهُ، فَأَشْعَلَا فِيهِ النِّيرَانَ، وَهَدَمَاهُ (٣).
وَهَذَا الْمَسْجِدُ -مَسْجِدُ الضِّرَارِ- الذِي اتُّخِذَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَكِيدَةً لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ، لَا يُرَادُ بِهِ إِلَّا الْإِضْرَارُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَإِلَّا الْكُفْرُ بِاللَّهِ، وَإِلَّا سَتْرُ الْمُتَآمِرِينَ عَلَى الْجَمَاعَةِ الْمُسْلِمَةِ، الْكَائِدِينَ لَهَا فِي الظَّلَامِ، وَإِلَّا التَّعَاوُنُ مَعَ أَعْدَاءَ هَذَا الدِّينِ عَلَى الْكَيْدِ لَهُ تَحْتَ سِتَارِ الدِّينِ. . . (٤).
_________________
(١) سورة التوبة آية (١٠٧ - ١٠٨) - وقد تكلمنا عن تفسير هذه الآيات في بداية الكلام عن غزوة تبوك، فراجعها.
(٢) قال النووي في شرح مسلم (١/ ٢١٤): الدُخْشُم بضم الدال وإسكان الخاء وضم الشين.
(٣) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ١٨٤) - دلائل النبوة للبيهقي (٥/ ٢٦٣).
(٤) انظر في ظلال القرآن (٣/ ١٧٠١) لسيد قطب رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٤ / ٣٤٧ ]
* قُدُومُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ:
فَلَمَّا أَشْرَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ: "هَذِهِ طَيبَةٌ أَوْ طَابَةٌ"، فَلَمَّا رَأَى جَبَلَ أُحُدٍ، قَالَ -ﷺ-: "هَذَا جُبيْلٌ (١) يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ، ألا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ دُورِ الْأَنْصَارِ؟ ".
قَالُوا: بَلَى، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "دُورُ بَنِي النَّجَّارِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ، ثُمَّ دُورُ بَنِي سَاعِدَةَ أَوْ دُورُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَج، وَفِي كُلِّ دُورِ الْأَنْصَارِ خَيْرٌ".
فَأُخْبِرَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ -﵁- بِذَلِكَ، فَأَدْرَكَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! خَيَّرْتَ دُورَ الْأَنْصَارِ فَجَعَلْتَنَا آخِرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَوَ لَيْسَ بِحَسْبِكُمْ أَنْ تَكُونُوا مِنَ الْخِيَارِ؟ " (٢).
* فَضْلُ النِّيَّةِ الصَّادِقَةِ:
ثُمَّ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- أَخْبَرَ أَصْحَابَهُ ﵃ بِأَنَّ بِالْمَدِينَةِ أُناسًا أَخَذوا أَجْرَ الْغَزْوِ مَعَهُمْ كَامِلًا، حبَسَهُمُ الْعُذْرُ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي
_________________
(١) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٤٤٢٢): "جبل".
(٢) أخرج ذلك كله: البخاري في صحيحه - كتاب الزكاة - باب خرص التمر - رقم الحديث (١٤٨١) - وكتاب مناقب الأنصار - باب فضل دور الأنصار - رقم الحديث (٣٧٩١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الفضائل - باب في معجزات النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٣٩٢) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب المعجزات - رقم الحديث (٦٥٠١).
[ ٤ / ٣٤٨ ]
صَحِيحَيْهِمَا عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا رَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ غَزْوَةِ تَبوكَ، فَدَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، قَالَ: "إِنَّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا، مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا، وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا، إِلَّا كَانُوا مَعَكُمْ فيهِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ؟ !، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ، حبَسَهُمُ الْعُذْرُ" (١).
* أَهْلُ المَدِينَةِ يَتلَقَّون الجَيْشَ:
وَتَسَامَعَ النَّاسُ بِمَقْدَمِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَخَرَجُوا إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ يتلَقَّوْنَهُ، بِحَفَاوَةٍ وَفَرَحٍ وَسُرُورٍ بَالغٍ، وَجَعَلَ النِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ وَالْوَلَائِدُ يَقُلْنَ:
طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ
وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا مَا دَعَا للَّهِ دَاعٍ (٢)
رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ -﵁- قَالَ: أَذْكُرُ أَنِّي خَرَجْتُ مَعَ الصِّبْيَانِ نتلَقَّى النَّبِيَّ -ﷺ- إِلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ مَقْدَمَهُ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب من حبسه العذر عن الغزو - رقم الحديث (٢٨٣٨) (٢٨٣٩) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب (٨٢) - رقم الحديث (٤٤٢٣) - ومسلم في صحيحه - كتاب الإمارة - باب ثواب من حبسه عن الغزو مرض أو عذر آخر - رقم الحديث (١٩١١) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٠٠٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب السير - باب الخروج وكيفية الجهاد - رقم الحديث (٤٧٣١).
(٢) انظر فتح الباري (٨/ ٤٧٣).
(٣) أخرجه البخاري - كتاب المغازي - باب كتاب النبي -ﷺ- إلى كسرى وقيصر - رقم الحديث (٤٤٢٦) (٤٤٢٧).
[ ٤ / ٣٤٩ ]
وَكَانَ خُرُوجُهُ -ﷺ- إِلَى تَبُوكَ فِي رَجَبٍ، وَعَوْدَتُهُ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي رَمَضَانَ (١) ضُحًى، وَكَانَ قَلَّمَا يَقْدُمُ مِنْ سَفَرٍ سَافَرَهُ إِلَّا ضُحًى، وَكَانَ يَبدَأُ بالْمَسْجِدِ، فَأَتَى مَسْجِدَهُ، فَصَلَّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ (٢).
* أَمْرُ الْمُتْخَلِّفِينَ:
كَانَتْ غَزْوُةُ تَبُوكَ لِظُرُوفِهَا الْخَاصَّةِ بِهَا اخْتِبَارًا شَدِيدًا وَعَسِيرًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى تَمَيَّزَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ غَيْرِهِمْ، فَقَدْ خَرَجَ إِلَى هَذِهِ الْغَزْوَةِ كُلُّ مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا صَادِقًا، وَصَارَ التَّخُلُّفُ عَنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَمَارَةً (٣) عَلَى نِفَاقِ الرَّجُلِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: . . . فكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا عَلَيْهِ النِّفاقُ، أَوْ رَجُلًا مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ مِنَ الضُّعَفَاءِ (٤).
وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْمُخَلَّفُونَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ:
_________________
(١) ذكرنا أن مدة إقامة الرسول -ﷺ- في تبوك عشرون ليلة، فيكون غاب عن المدينة أكثر من شهر؛ لأنه خرج من المدينة في رجب، ورجع في رمضان.
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب حديث كعب بن مالك -﵁- رقم الحديث (٤٤١٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه - رقم الحديث (٢٧٦٩) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٧٨٩).
(٣) الْأَمَارَةُ: الْعَلَامَةُ. انظر النهاية (١/ ٦٨).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب حديث كعب بن مالك -﵁- رقم الحديث (٤٤١٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه - رقم الحديث (٢٧٦٩).
[ ٤ / ٣٥٠ ]
١ - مَأْمُورُونَ مَأْجُورُونَ: كَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ، وَعَبْدِ اللَّهِ بنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ﵃ أَجْمَعِينَ.
٢ - مَعْذُورُونَ: وَهُمُ الضُّعَفَاءُ وَالْمَرْضَى، وَالْمُقِلُّونَ الذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ، وَلَا يَجِدُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مَا يَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، كَالْبَكَّائِينَ وَأَمْثَالِهِمْ.
٣ - عُصَاةٌ مُذْنِبُونَ، وَهُمْ الثَّلَاثَةُ الذِينَ خُلِّفُوا، وَأَبُو لُبَابَةَ وَأَصْحَابُهُ الذِينَ رَبَطُوا أَنْفُسَهُمْ فِي سَوَارِي الْمَسْجِدِ.
٤ - مَلُومُونَ مَذْمُومُونَ، يُظْهِرُونَ خِلَافَ مَا يُبْطِنُونَ، وَهُمُ الْمُنَافِقُونَ.
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَعَاتَبَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ تَخَلَّفَ لِغَيْرِ عُذْرٍ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُقَصِّرِينَ، وَذَمَّهُمْ، وَوَبَّخَهُمْ، وَقَرَّعَهُمْ أَشَدَّ التَّقْرِيعِ، وَفَضَحَهُمْ أَشَدَّ الفَضِيحَةِ، وَأَنْزَلَ فِيهِمْ قُرآنًا يُتْلَى، وَبَيَّنَ أَمْرَهُمْ فِي سُورَةِ بَرَاءَةَ (١).
* مُقَاطَعَةُ الْمُتَخَلِّفِينَ:
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- لَمَّا دَنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: "مَنْ لَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدًا مِنَ الْمُخَلَّفِينَ فَلَا يُكَلِّمَنَّهُ، وَلَا يُجَالِسَنَّهُ" (٢).
فَأَعْرَضَ عَنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لَيُعْرِضُ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أَخِيهِ، وَحَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ لتُعْرِضُ عَنْ زَوْجِهَا، فَمَكَثُوا بِذَلِكَ أَيَّامًا حَتَّى كَرِبَ الذِينَ تَخَلَّفُوا، فَجَاؤُوا النَّبِيَّ -ﷺ-، فَجَعَلُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ بِالْجَهْدِ
_________________
(١) انظر البداية والنهاية (٥/ ٥) (٥/ ٣٠).
(٢) أخرج هذا الحديث ابن أبي شيبة في مصنفه - رقم الحديث (١٩٧٣٧) - وإسناده ضعيف
[ ٤ / ٣٥١ ]
وَالْأَسْقَامِ، وَيَحْلِفُونَ لَهُ، فَعَذَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ (١) أَمْرَ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ، وَهُمَا هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَمُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ ﵃، حَتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (٢).
* أَمْرُ أَبِي لُبَابَةَ وَأَصْحَابِهِ ﵃:
رَوَى الْإِمَامُ ابْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي جَامِعِ الْبَيَانِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ حَسَن عَنِ ابْنِ عَبَّاس ﵄ فِي قَؤلِهِ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا﴾ (٣)، قال -﵁-: كَانُوا عَشَرَةَ رَهْطٍ تَخَلفوا عَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- فِي غَزْوةِ تَبُوكَ، فَلَمَّا حَضَرَ رُجُوعُ النَّبِيِّ -ﷺ- أَوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ بِسَوَارِي الْمَسْجِدِ، وَكَانَ مَمَرُّ النَّبِيِّ -ﷺ- إِذَا رَجَعَ مِنَ الْمَسْجِدِ عَلَيْهِمْ، فَلَمَّا رَآهُمْ، قَالَ: "مَنْ هَؤُلَاءِ الْمُوثقُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالسَّوَارِي؟ ".
قَالُوا: هَذَا أَبُو لُبَابَةَ، وَأَصْحَابٌ له تَخَلَّفُوا عَنْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَحَلَفُوا لَا يُطْلِقُهُمْ أَحَدٌ حَتَّى تُطْلِقَهُمْ، وَتَعْذُرَهُمْ، فَفَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "وَأَنَا أُقْسِمُ بِاللَّهِ لَا
_________________
(١) أَرْجَأَ: أَخَّرَ. انظر لسان العرب (٥/ ١٣٨).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ١٨٥) - دلائل النبوة (٥/ ٢٨٠) - الطبَّقَات الكُبْرى لابن سعد (٢/ ٣٣٣).
(٣) سورة التوبة آية (١٠٢). قال الإمام الطبري في تفسيره (٦/ ٤٦٢): وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، قول من قال: نزلت هذه الآية في المعترفين بخطأ فعلهم في تخلفهم عن رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وتركهم الجهاد معه، والخروج لغزو الروم، حين شَخَص -أي ذهب- إلى تبوك، وأن الذين نزل ذلك فيهم جماعة، أحدهم: أبو لبابة -﵁-.
[ ٤ / ٣٥٢ ]
أُطْلِقُهُمْ، وَلَا أَعْذُرُهُمْ حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الذِي يُطْلِقُهُمْ، رَغِبُوا عَنِّي (١)، وَتَخَلَّفُوا عَنِ الغَزْوِ مَعَ المُسْلِمِينَ".
فَلَمَّا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ، قَالُوا: وَنَحْنُ بِاللَّهِ لَا نُطْلِقُ أَنْفُسَنَا حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ الذِي يُطْلِقُنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢).
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: وَعَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبٌ، أَنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ أَرْسَلَ إِلَيْهِمُ النَّبِيُّ -ﷺ- فَأَطْلَقَهُمْ، وَعَذَرَهُمْ، فَجَاؤُوا بِأَمْوَالهِمْ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! هَذِهِ أَمْوَالُنَا فتَصَدَّقْ بِهَا عَنَّا وَاسْتَغْفِرْ لَنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "مَا أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ أَمْوَالَكُمْ"، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ (٣) إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ (٤) لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٥).
فَأَخَذَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الصَّدَقَةَ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ (٦).
_________________
(١) رَغِبَ عن الشيء: تركه متعمدًا، وزهد فيه. انظر لسان العرب (٥/ ٢٥٥). ومنه قوله -ﷺ- في الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٥٠٦٣) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٤٠١): ". . . فمن رغب عن سنَّتي فليس مني".
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (٤/ ٢٠٦): وهذه الآية وإن كانت نزلت في أناس معينين، إِلا أنها عامة في كل المذنبين الخاطئين المخلصين المتلوثين.
(٣) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في تفسيره (٤/ ٢٠٧): أي أدع لهم واستغفر لهم.
(٤) قال ابن عباس: أي رحمة لهم. انظر تفسير ابن كثير (٤/ ٢٠٧).
(٥) سورة التوبة آية (١٠٣).
(٦) أخرجه الطبري في جامع البيان (٦/ ٤٦٠) - والبيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٢٧٢) - وأخرجه أيضًا الإمام مالك في الموطأ - كتاب النذور والأيمان - باب جامع الأيمان - رقم الحديث (١٦) - وأبو داود في سننه - رقم الحديث (٣٣١٩).
[ ٤ / ٣٥٣ ]
قِصَّةُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ (١) ﵃
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ -﵁- قَالَ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلَّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أنِّي كُنْتُ تَخَلَّفْتُ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدًا تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُرِيدُ عِيرَ (٢) قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ، وَلقدْ شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- ليْلَةَ الْعَقَبَةِ (٣) حِينَ تَوَاثَقْنَا عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِهَا مَشْهَدَ بَدْرٍ، وَإِنْ كَانَتْ بَدْرٌ أَذْكَرَ فِي النَّاسِ مِنْهَا، وَكَانَ مِنْ خَبَرِي أَنِّي لَمْ أَكُنْ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ (٤)، وَاللَّهِ مَا اجْتَمَعَتْ عِنْدِي قَبْلَهُ رَاحِلَتَانِ قَطُّ حَتَّى جَمَعْتُهُمَا فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ، وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُرِيدُ غَزْوَةً إِلَّا وَرَّى بِغَيْرِهَا حَتَّى كَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ، غَزَاهَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، وَاستَقْبَلَ سَفَرًا بَعِيدًا وَمَفَازًا (٥)، وَعَدُوًّا كَثِيرًا،
_________________
(١) صاحباه هما: مرارة بن الرَّبيع، وهلال بن أميَّة الواقفي ﵄.
(٢) الْعِيرُ: بكسر العين، هي الإبل بأحمالها. انظر النهاية (٣/ ٢٩٧).
(٣) المقصود بليلة العقبة: هي بيعة العقبة الثانية التي بايع فيها الأنصار رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، وقد ذكرنا تفاصيل هذه البيعة فيما مضى، فراجعه.
(٤) أي غزوة تبوك.
(٥) الْمَفَازَةُ: الْبَرِّيَّةُ الْقَفْرُ، سميت بذلك، لأنها مُهلكة. انظر النهاية (٣/ ٤٣٠).
[ ٤ / ٣٥٤ ]
فَجَلَّى (١) لِلْمُسْلِمِينَ أَمْرَهُمْ لِيَتَأَهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوِهِمْ، فَأَخْبَرَهُمْ بِوَجْهِهِ الذِي يُرِيدُ، وَالْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كَثِيرٌ، وَلَا يَجْمَعُهُمْ كِتَابٌ حَافِظٌ -يُرِيدُ الدِّيوَانَ-.
قَالَ كَعْبٌ: فَمَا رَجُل يُرِبدُ أَنْ يَتَغَيَّبَ إِلَّا ظَنَّ أَنْ سَيَخْفَى لَهُ مَا لَمْ يَنْزِلْ فِيهِ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ، وَغَزَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- تِلْكَ الْغَزْوَةَ حِينَ طَابَتِ الثِّمَارُ وَالظِّلَالُ، وَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، فَطَفِقْتُ أَغْدُو لِكَيْ أَتجَهَّزَ مَعَهُمْ، فَأَرْجعُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: أنا قَادِرٌ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يتمَادَى بِي حَتَّى اشْتَدَّ بِالنَّاسِ الْجِدُّ (٢)، فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- غَادِيًا وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ، وَلَمْ أَقْضِ مِنْ جَهَازِي شَيْئًا، فَقُلْتُ: أَتَجَهَّزُ بَعْدَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ، ثُمَّ أَلْحَقُهُمْ، فَغَدَوْتُ بَعْدَ أَنْ فَصَلُوا (٣) لِاتَجَهَّزَ، فَرَجَعْتُ وَلَمْ أَقْضِ شَيْئًا، فَلَمْ يَزَلْ بِي حَتَّى أَسْرَعُوا وَتَفَارَطَ (٤) الْغَزْوُ، وَهَمَمْتُ أَنْ أَرْتَحِلَ فَأُدْرِكُهُمْ، وَلَيْتَنِي فَعَلْتُ! فَلَمْ يُقَدَّرْ لِي ذَلِكَ، فكُنْتُ إِذَا خَرَجْتُ فِي النَّاسِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَطُفْتُ فِيهِمْ أَحْزَنَنِي أَنِّي لَا أَرَى إِلَّا رَجُلًا مَغْمُوصًا (٥) عَلَيْهِ النِّفَاقِ، أَوْ رَجُلًا
_________________
(١) جَلَّى: أي كَشَفَ وأَوْضَحَ. انظر النهاية (١/ ٢٨٠).
(٢) الْجِدُّ: بكسر الجيم ضد الْهَزْلِ، والْجِّد: الاجْتِهَادُ في الأمور. انظر النهاية (١/ ٢٣٧) - لسان العرب (٢/ ٢٠٣). ومنه قول ابن عمر ﵄ الذي رواه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (١٨٠٥): إنِّي رأيت النبي -ﷺ- إذا جَدَّ به السير أخَّر المغرب، وجمع بينهما. أي جمع بين المغرب والعشاء.
(٣) فَصَلَ: خرج. انظر لسان العرب (١٠/ ٢٧٣).
(٤) تَفَارَطَ الْغَزْوِ: أي فَاتَ وَقْتُهُ وتَقَدَّمَ. انظر النهاية (٣/ ٣٨٩).
(٥) مَغْمُوصٌ: أي مَطْعُونٌ في دينه متهم بالنفاق. انظر النهاية (٣/ ٣٤٧).
[ ٤ / ٣٥٥ ]
مِمَّنْ عَذَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الضُّعَفَاءَ، وَلَمْ يَذْكُرْنِي رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى بَلَغَ تَبُوكَ، فَقَالَ وَهُوَ جَالِسٌ فِي القوْمِ بِتبوكَ: "مَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ؟ ".
فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ (١): يَا رَسُولَ اللَّهِ! حبَسَهٌ برْدَاهُ (٢)، وَنَظَرُهُ فِي عِطْفَيْهِ (٣).
فَقَالَ له مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ -﵁-: بِئْسَ مَا قُلْتَ، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إِلَّا خَيْرًا، فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.
قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ تَوَجَّهَ قَافِلًا (٤) مِنْ تَبُوكَ، حَضَرَنِي هَمِّي (٥)، فَطَفِقْتُ أَتَذَكَّرُ الْكَذِبَ، وَأَقُولُ: بِمَ أَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ غَدًا؟، وَاسْتَعَنْتُ عَلَى ذَلِكَ بِكُلِّ ذِي رَأْي مِنْ أَهْلِي، فَلَمَّا قِيلَ لِي: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ أَظَلَّ قَادِمًا زَاحَ عَنِّي الْبَاطِلُ، وَعَرَفْتُ أَنِّي لَنْ أَخْرُجَ مِنْهُ أَبَدًا بِشَيْءٍ فِيهِ كَذِبٌ، فَأَجْمَعْتُ صِدْقَهُ، وَصَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَادِمًا، وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ، فَيَرْكَعُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ جَلَسَ لِلنَّاسِ، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ جَاءَهُ الْمُخَلَّفونَ، فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إِلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ له، وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانينَ رَجُلًا، فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٢/ ٣٥٦): سَلِمة: بكسر اللام، وهم بطن كبير من الأنصار.
(٢) البُرْدَةُ: نوع من الثياب معروف. انظر النهاية (١/ ١١٦).
(٣) الْمِعْطَفُ: الرِّدَاءُ. انظر النهاية (٣/ ٢٣٣). قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٤٥٩): كَنَّى بذلك عن حسنه وبهجته، والعرب تصف الرداء بصفة الحسن.
(٤) قَفَلَ: رَجَعَ. انظر النهاية (٤/ ٨١).
(٥) في رواية مسلم في صحيحه: بشيء. والْبَثُّ: أَشَدُّ الْحُزْنِ. انظر النهاية (١/ ٩٦).
[ ٤ / ٣٥٦ ]
اللَّهِ -ﷺ- عَلَانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إِلَى اللَّهِ، فَجِئْتُهُ، فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَيْهِ تَبَسَّمَ تَبَسُّمَ الْمُغْضَبِ، ثُمَّ قَالَ: "تَعَالَ" فَجِئْتُ أَمْشِي حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَقَالَ لِي: "مَا خَلَّفكَ؟ أَلَمْ تَكُنْ قَدِ ابْتَعْتَ (١) ظَهْرَكَ (٢)؟ " قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنِّي وَاللَّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِكَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنِّي سَأَخْرُجُ مِنْ سَخَطِهِ بِعُذْرٍ، وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا (٣)، وَلَكِنِّي وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ لَئِنْ حَدَّثْتُكَ الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَنِّي لَيُوشِكَنَّ اللَّهُ أَنْ يُسْخِطَكَ عَلَيَّ، وَلَئِنْ حَدَّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ (٤) عَلَيَّ فِيهِ، إِنِّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللَّهِ، وَلَا وَاللَّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ، وَاللَّهِ مَا كُنْتُ قَطُّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنِّي حِينَ تَخَلَّفْتُ عَنْكَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَمَّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ (٥)، فَقُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِيكَ".
قَالَ كَعْبٌ -﵁-: فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ فَاتَّبعُونِي، فَقَالُوا لِي: وَاللَّهِ ما عَلِمْنَاكَ كُنْتَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا، وَلقدْ عَجَزْتَ أَنْ لَا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِمَا اعْتَذَرَ بِهِ الْمُخَلَّفُونَ، فَقَدْ كَانَ كَافِيكَ ذَنْبَكَ اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لَكَ.
_________________
(١) ابتاع الشيء: اشتراه. انظر لسان العرب (١/ ٥٥٧).
(٢) الظهر: الإبل التي يُحمل عليها وتُركب. انظر النهاية (٣/ ١٥١).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٤٠٦): أي فَصَاحَةٌ وقُوَّة كلام بحيث أخرج عن عهدة ما يُنسب إليّ إذا أردت.
(٤) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٤٠٦): تَجِدُ بكسر الجيم أي تَغْضَبُ.
(٥) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٤٦٧): فيه إشعار بأن من سواه كذب.
[ ٤ / ٣٥٧ ]
قَالَ كَعْبٌ -﵁-: فَوَاللَّهِ مَا زَالُوا يُؤَنِّبونَنِي حَتَّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجعَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَأكُذِّبَ نَفْسِي، ثُمَّ قُلْتُ لَهُمْ: هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ؟، قَالُوا: نَعَمْ، لَقِيَهُ مَعَكَ رَجُلَانِ، قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ، فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلُ مَا قِيلَ لَكَ.
قَالَ: قُلْتُ مَنْ هُمَا؟، قَالُوا: مُرَارَةُ بْنُ الرَّبِيعِ الْعَامِرِيُّ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ الْوَاقِفِيُّ. قَالَ: فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا (١)، فِيهِمَا أُسْوَةٌ، فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي.
قَالَ كَعْبٌ -﵁-: وَنَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- المُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيها الثَّلَاثَة مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْه (٢)، فَاجْتَنَبَنَا النَّاسُ، وَتَغَيّروا لَنَا، حَتَّى تَنَكَّرَتْ فِي نَفْسِي الْأَرْضُ، فَمَا هِيَ بِالْأَرْضِ التِي أَعْرِفُ، فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً، فَأَمَّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا (٣)
_________________
(١) قال ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٥٠٥): وهذا الموضع مما عُدّ من أوهام الزهري، فإنَّه لا يُحفظ عن أحد من أهل المغازي والسير البتة ذِكرُ هذين الرجلين في أهل بدر، لا ابن إسحاق، ولا موسى بن عقبة، ولا الأموي، ولا الواقدي، ولا أحد ممن عَدّ أهل بدر، وكذلك ينبغي ألا يكونا من أهل بدر، فإن النبي -ﷺ- لم يهجر حاطبًا -﵁-، ولا عاقبه وقد جس عليه، وقال لعمر -﵁- لما هَمّ بقتله: "وما يدريك لعل اللَّه اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، وأين ذنب التخلف من ذنب الجس. قلت: ممن ذهب إلى هذا الرأي: الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ٢٣٣).
(٢) قال ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٥٠٦): وفي نهي الرسول -ﷺ- عن كلام هؤلاء الثلاثة من بين سائر من تخلف عنه دليل على صدقهم، وكذب الباقين، فأراد هجر الصادقين وتأديبهم على هذا الذنب، وأما المنافقون فجرمهم أعظم من أن يُقابل بالهجر.
(٣) اسْتَكَانَ: أي خَضَعَ. انظر النهاية (٢/ ٣٤٧).
[ ٤ / ٣٥٨ ]
وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبكِيَانِ، وَأَمَّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبَّ القوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ (١)، فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصَّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ، وَلَا يُكَلِّمُنِي أَحَدٌ، وَآتِي رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فأُسَلِّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَأَقُولُ فِي نَفْسِي: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ عَلَيَّ أَمْ لَا؟، ثُمَّ أُصَلِّي قَرِيبًا مِنْهُ، وَأُسَارِقُهُ (٢) النَّظَرَ، فَإِذَا أَقْبَلْتُ علَى صَلَاتِي نَظَرَ إِلَيَّ، وَإِذَا الْتَفَتُّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنِّي، حَتَّى إِذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيَّ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ، مَشَيْتُ حَتَّى تَسَوَّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ (٣) أَبِي قَتَادَةَ، وَهُوَ ابْنُ عَمِّي، وَأَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَوَاللَّهِ مَا رَدَّ عَلَيَّ السَّلَامَ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا قَتَادَةَ، أُنْشِدُكَ بِاللَّهِ هَلْ تَعْلَمُنِي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ -ﷺ-؟ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فنَاشَدْتُهُ فَسَكَتَ، فَعُدْتُ فنَاشَدْتُهُ، فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ كَعْبٌ -﵁-: فَفَاضَتْ عَيْنَايَ، وَتَوَلَّيْتُ، حَتَّى تَسَوَّرْتُ الْجِدَارَ، فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ، إِذَا نَبَطِيٌّ (٤) مِنْ أَنْبَاطِ أَهْلِ الشَّامِ، مِمَّنْ قَدِمَ بِالطَّعَامِ يَبِيعُهُ بِالْمَدِينَةِ، يَقُولُ: مَنْ يَدُلُّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ؟
فَطَفِقَ النَّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ إِلَيَّ، حَتَّى إِذَا جَاءَنِي دَفَعَ إِلَيَّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسَّانٍ، فَإِذَا فِيهِ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي أَنَّ صَاحِبَكَ قَدْ جَفَاكَ، وَلَمْ يَجْعَلْكَ اللَّهُ
_________________
(١) جَلْدًا: أي قَوِيًّا في نفسه وجسمه. انظر النهاية (١/ ٢٧٥).
(٢) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٤٦١): أُسَارِقُهُ: أي أَنْظُرُ إليه في خُفْيَةٍ.
(٣) الْحَائِطُ: الْبُسْتَانُ. انظر النهاية (١/ ٤٤٤).
(٤) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٧/ ٧٨): الْأَنْبَاطُ هم فَلَّاحُو الْعَجَمِ.
[ ٤ / ٣٥٩ ]
بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ، فَالْحَقْ بِنَا نواسِكَ.
فَقُلْتُ حِينَ قَرَأتهَا: وَهَذَا أَيْضًا مِنَ الْبَلَاءِ! فَتَيَمَّمْتُ (١) بِهَا التَّنُورَ فَسَجَرتُهَا بِهَا (٢)، حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنَ الْخَمْسِينَ، إِذَا رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ يَأْتِيني فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ (٣). فَقُلْتُ: أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ؟ قَالَ: لَا، بَلِ اعْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا، وَأَرْسَلَ إِلَى صَاحِبَيَّ مِثْلَ ذَلِكَ.
فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي: الْحَقِي بِأَهْلِكِ، فكُونِي عِنْدَهُمْ حَتَّى يَقْضِيَ اللَّهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ.
قَالَ كَعْبٌ -﵁-: فَجَاءَتِ امْرَأَةُ (٤) هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَتْ لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ، فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدِمَهُ؟، قَالَ: "لَا، وَلَكِنْ لَا يَقْرَبْكِ"، فَقَالَتْ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا بِهِ مِنْ حَرَكَةٍ إِلَى شَيْءٍ، وَوَاللَّهِ مَا زَالَ يَبكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إِلَى يَوْمِهِ هَذَا.
فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي: لَوِ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- فِي امْرَأَتِكَ، فَقَدْ أَذِنَ
_________________
(١) تَيَمَّمْتُ: قَصَدْتُ. انظر النهاية (٥/ ٢٥٩).
(٢) سَجَرْتُهَا بِهَا: أي أَوْقَدَ النَّارَ بهذه الرسالة؛ أي أنَّه أَحْرَقَهَا. انظر لسان العرب (٦/ ١٧٧). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٤٦٢): ودَلّ صنيع كعب -﵁- هذا على قوة إيمانه ومحبته للَّه ولرسوله -ﷺ-. . . ولما احتمل عنده أنَّه لا يأمن من الافتتان حسم المادة، وأحرق الكتاب.
(٣) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٤٦٣): امرأته هي: عميرة بنت جُبير بن صخر الأنصارية، أم أولاده الثلاثة: عبد اللَّه، وعبيد اللَّه، ومعبد.
(٤) قال الحافظ في الفتح (٨/ ٤٦٣): هي خولة بنت عاصم.
[ ٤ / ٣٦٠ ]
لِامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَنْ تَخْدِمَهُ؟
فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، وَمَا يُدْرِيني مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا، وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ؟ .
قَالَ كَعْبٌ -﵁-: فَلَبِثْتُ بِذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ، فَكَمُلَ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَنْ كَلَامِنَا، فَلَمَّا صَلَّيْتُ صَلَاةَ الفجْرِ صُبْحَ (١) خَمْسِينَ لَيْلَةً، وَأنا عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتنَا، فبَيْنَا أنا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ التِي ذَكَرَ اللَّهُ ﷿، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسِي، وَضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارخٍ أَوْفَى (٢) عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ (٣) بِأَعْلَى صَوْتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ! أَبْشِرْ.
قَالَ كَعْبٌ -﵁-: فَخَرَرْتُ سَاجِدًا، وَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ.
قَالَ: فَآذَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- النَّاسَ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْنَا، حِينَ صَلَّى صَلَاةَ الفَجْرِ، فَذَهَبَ النَّاسُ يُبشِّرُونَنَا، وَذَهَبَ قبُلَ صَاحِبَيَّ مبشِّرُونَ، وَرَكَضَ إِلَيَّ رَجَل فَرَسًا، وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ قبُلِي، فَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلَ، فَكَانَ الصَّوْتُ أَسْرَعَ مِنَ الفرَسِ، فَلَمَّا جَاءَنِي الذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يبشِّرُنِي، نَزَعْتُ له ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُ
_________________
(١) في رواية الإمام مسلم في صحيحه: صباح.
(٢) أَوْفَى: أَشْرَفَ واطَّلَعَ. انظر النهاية (٥/ ١٨٤).
(٣) قال الإمام النووي في شرح مسلم (١٧/ ٧٩): سَلْع: بفتح السِّين وسكون اللام: جبل معروف بالمدينة.
[ ٤ / ٣٦١ ]
إِيَّاهُمَا بِبُشْرَاهُ، وَاللَّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتُهُمَا، وَانْطَلَقْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَيَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا يُهَنِّئوني بِالتَّوْبَةِ، يَقُولُونَ: لِتَهْنِئْكَ تَوْبَةَ اللَّهِ عَلَيْكِ، قَالَ حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَحَوْلهُ النَّاسُ، فَقَامَ إِلَيَّ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ -﵁- يُهَرْوِلُ حَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي، وَاللَّهِ مَا قَامَ إِلَيَّ رَجُل مِنَ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ، وَلَا أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ.
قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: "أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ"، فَقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "لَا، بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ"، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ، فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى اللَّهِ، وَإِلَى رَسُولهِ -ﷺ-. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ"، قُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِي الذِي بِخَيْبَرَ، وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا نَجَّانِي بِالصِّدْقِ، وَإِنَّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ لَا أُحْدِّثَ إِلَّا صِدْقًا مَا بَقِيتُ، فَوَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ (١) اللَّهُ تَعَالَى فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلَانِي اللَّهُ تَعَالَى بِهِ، وَاللَّهِ مَا تَعَمَّدْتُ كَذْبَةً مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- إِلَى يَوْمِي هَذَا، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ تَعَالَى فِيمَا بَقِيتُ.
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٤٦٥): أَبْلَاهُ اللَّه: أي أَنْعَمَ عليه.
[ ٤ / ٣٦٢ ]
وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولهِ -ﷺ-: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (١).
قَالَ كَعْبٌ -﵁-: فَوَاللَّهِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَنْ لَا أَكُونَ كَذَبْتُهُ، فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الذِينَ كَذَبُوا، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ (٢).
قَالَ كَعْبٌ -﵁-: وَكُنَّا تَخَلَّفْنَا أَيُّهَا الثَّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ حَلَفُوا لَهُ، فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ، وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- أَمْرَنَا حَتَّى قَضَى اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ، فَبِذَلِكَ قَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ
_________________
(١) سورة التوبة آية (١١٧ - ١١٩).
(٢) سورة التوبة آية (٩٥ - ٩٦).
[ ٤ / ٣٦٣ ]
خُلِّفُوا﴾، وَلَيْسَ الذِي ذَكَرَ اللَّهُ مِمَّا خُلِّفنَا تَخَلُّفنَا عَنِ الْغَزْوِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إِيَّانَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمَّنْ حَلَفَ له وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ، فَقَبِلَ مِنْهُ (١).
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ النَّدَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ تَوْبَةً كَرِيمَةً، شَرَّفَ فِيهَا قَدْرَهُمْ، وَغَسَلَ عَنْهُمْ عَارَهُمْ، وَبَيَّضَ وُجُوهَهُمْ، وَبَدَأَ اللَّهُ ﷾ الْآيَاتِ (٢) بِالنَّبِيِّ -ﷺ- وَالْمُهَاجِرِبنَ وَالْأَنْصَارِ الذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ، وَهَكَذَا أَلْحَقَهُمْ (٣) بِأَصْحَابِهِمُ الذِينَ سَبَقُوهُمْ وَوَضَعَهُمْ فِي هَذَا الْمَكَانِ الْمُشَرِّفِ الْكَرِيمِ، وَمَا بَدَأَ ﷾ بِذِكْرِ النَّبِيِّ -ﷺ- الذِي غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَلَا بِذِكْرِ الذِينَ سَاهَمُوا فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ إِلَّا لِإِعَادَةِ الثِّقةِ إِلَى نُفُوسِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَرَدِّ اعْتِبَارِهِمْ وَمَكَانَتِهِمْ فِي الْمُجْتَمَعِ، وَلإِزَالَةِ
_________________
(١) أخرج قصة توبة كعب بن مالك -﵁-: البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب حديث كعب بن مالك -﵁- رقم الحديث (٤٤١٨) - ومسلم في صحيحه - كتاب التوبة - باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه ﵃ - رقم الحديث (٢٧٦٩) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٥٧٨٩) - وابن حبان في صحيحه - كتاب الزكاة - باب صدقة التطوع - رقم الحديث (٣٣٧٠).
(٢) الآيات هي قوله تعالى في سورة التوبة (١١٧ - ١١٩): ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧) وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
(٣) أي ألحق هؤلاء الثلاثة: كعب بن مالك، وهلال بن أميَّة، ومرارة بن الرَّبيع ﵃.
[ ٤ / ٣٦٤ ]
مَا يُسَمِّيهِ عُلَمَاءُ النَّفْسِ الْيَوْمَ "بِمُرَكَّبِ النَّقْصِ"، وَهِيَ مَصْلَحَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ مَصَالِحِ التَّوْبَةِ (١).
* فَوَائِد قِصَّةِ الثَّلاثَةِ الذِينَ تَخَلَّفوا:
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَفِي قِصَّةِ كَعْبٍ -﵁- مِنَ الْفَوَائِدِ:
١ - جَوَازُ الْغَزْوِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ.
٢ - التَّصْرِيحُ بِجِهَةِ الْغَزْوِ إِذَا لَمْ تَقْتَضِ الْمَصْلَحَةُ سَتْرَهُ.
٣ - أَنَّ الْإِمَامَ إِذَا اسْتَنْفَرَ الْجَيْشَ عُمُومًا لَزِمَهُمُ النَّفِيرُ، وَلَحِقَ اللَّوْمُ بِكُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ أَنْ لَوْ تَخَلَّفَ.
٤ - وَفيهَا أَنَّ الْعَاجِزَ عَنِ الْخُرُوجِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَالِهِ لَا لَوْمَ عَلَيْهِ.
٥ - وَفِيهَا اسْتِخْلَافُ مَنْ يَقُومُ مَقَامَ الْإِمَامِ عَلَى أَهْلِهِ وَالضَّعَفَةِ.
٦ - وَفِيهَا تَرْكُ قتلِ الْمُنَافِقِينَ، وَأَجَابَ مَنْ أَجَازَهُ بِأَنَّ التَّرْكَ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- لِمَصْلَحَةِ التَّألِيفِ عَلَى الْإِسْلَامِ.
٧ - وَفِيهَا عِظَمُ أَمْرِ الْمَعْصِيَةِ، وَقَدْ نبَّهَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ فِيمَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِم عَنْهُ قَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ! مَا أَكَلَ هَؤُلَاءَ الثَّلَاثَةُ مَالًا حَرَامًا، وَلَا سَفَكُوا دَمًا حَرَامًا، وَلَا أَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ، أَصَابَهُمْ مَا
_________________
(١) انظر كتاب تأملات في القرآن الكريم، ص ٤٩، للشيخ أبي الحسن النَّدْوي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى.
[ ٤ / ٣٦٥ ]
سَمِعْتُمْ، وَضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبتْ، فكَيْفَ بِمَنْ يُوَاقِعُ الْفَوَاحِشَ وَالْكَبَائِرَ؟ .
٨ - وَفِيهَا أَنَّ الْقَوِيَّ فِي الدِّينِ يُؤَاخَذُ بِأَشَدِّ مِمَّا يُؤَاخَذُ الضَّعِيفُ فِي الدِّينِ.
٩ - وَفيهَا جَوَازُ إِخْبَارِ الْمَرْءَ عَنْ تَقْصِيرِهِ وَتَفْرِيطِهِ، وَعَنْ سَبَبِ ذَلِكَ، وَمَا آلَ إِلَيْهِ أَمْرُهُ تَحْذِيرًا وَنَصِيحَةً لِغَيْرِهِ.
١٠ - وَفيهَا جَوَازُ مَدْحِ الْمَرْءَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْخَيْرِ إِذَا أَمِنَ الْفِتْنَةَ، وَتَسْلِيَةُ نَفْسِهِ بِمَا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ بِمَا وَقَعَ لِنَظِيرِهِ.
١١ - وَفيهَا فَضْلُ أَهْلِ بَدْرٍ وَالْعَقَبَةِ.
١٢ - وَفِيهَا الْحَلْفُ لِلتَّأْكِيدِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ.
١٣ - وَفِيهَا التَّوْرِيَةُ عَنِ الْمَقْصِدِ.
١٤ - وَفِيهَا رَدُّ الغِيبَةِ.
١٥ - وَفيهَا أَنَّ الْمَرْءَ إِذَا لَاحَتْ لَهُ فُرْصَةٌ فِي الطَّاعَةِ فَحَقُّهُ أَنْ يُبَادِرَ إِلَيْهَا وَلَا يُسَوِّفُ بِهَا لِئَلَّا يُحْرَمَهَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ (١)، وَمِثْلُهُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا
_________________
(١) سورة الأنفال آية (٢٤).
[ ٤ / ٣٦٦ ]
لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ (١)، وَنَسْأَلُ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يُلْهِمَنَا الْمُبادَرَةَ إِلَى طَاعَتِهِ، وَأَنْ لَا يَسْلُبَنَا مَا خَوَّلَنَا مِنْ نِعْمَتِهِ.
١٦ - وَفيهَا جَوَازُ تَمِنِّي مَا فَاتَ مِنَ الْخَيْرِ.
١٧ - وَفِيهَا أَنَّ الْإِمَامَ لَا يُهْمِلُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، بَلْ يُذَكِّرُهُ لِيُرَاجعَ التَّوْبَةَ.
١٨ - وَفِيهَا جَوَازُ الطَّعْنِ فِي الرَّجُلِ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى اجْتِهَادِ الطَّاعِنِ عَنْ خَمِيَّةٍ للَّهِ وَرَسُولهِ -ﷺ-.
١٩ - وَفِيهَا جَوَازُ الرَّدِّ عَلَى الطَّاعِنِ إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّ الرَّادِّ وَهْمُ الطَّاعِنِ أَوْ غَلَطُهُ.
٢٠ - وَفِيهَا أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لِلْقَادِمِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وُضُوءٍ.
٢١ - وَفيهَا أَنْ يبدَأَ بِالْمَسْجِدِ قَبْلَ بَيْتِهِ فيصَلِّي، ثُمَّ يَجْلِسُ لِمَنْ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ.
٢٢ - وَفِيهَا مَشْرُوعِيَّةُ السَّلَامِ عَلَى الْقَادِمِ وَتَلَقِّيهِ.
٢٣ - وَفِيهَا الْحُكْمُ بِالظَّاهِرِ.
٢٤ - وَفِيهَا قَبُولُ الْمَعَاذِيرِ، وَاسْتِحْبَابُ بُكَاءِ الْعَاصِي أَسَفًا عَلَى مَا فَاتَهُ مِنَ الْخَيْرِ.
_________________
(١) سورة الأنعام آية (١١٠).
[ ٤ / ٣٦٧ ]
٢٥ - وَفيهَا إِجْرَاءُ الْأَحْكَامِ عَلَى الظَّاهِرِ، وَوُكُولُ السَّرَائِرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
٢٦ - وَفِيهَا تَرْكُ السَّلَامِ عَلَى مَنْ أَذْنَبَ، وَجَوَازُ هَجْرِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَأَمَّا النَّهْيُ عَنِ الْهَجْرِ فَوْقَ الثَّلَاثِ، فَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَكُنْ هِجْرَانُهُ شَرْعِيًّا.
٢٧ - وَفِيهَا أَنَّ التَّبَسُّمَ قَدْ يَكُونُ عَنْ غَضَبٍ، كَمَا يَكُونُ عَنْ تَعَجُّبٍ وَلَا يَخْتَصُّ بِالسُّرُورِ.
٢٨ - وَفِيهَا مُعَاتَبَةُ الْكَبِيرِ أَصْحَابَهُ وَمَنْ يَعُزُّ عَلَيْهِ دُونَ غَيْرِهِ.
٢٩ - وَفِيهَا فَائِدَةُ الصِّدْقِ وَشُؤْمُ عَاقبةِ الْكَذِبِ.
٣٠ - وَفِيهَا تَبْرِيدُ حَرِّ الْمُصِيبَةِ بِالتَّأسِّي بِالنَّظِيرِ.
٣١ - وَفِيهَا عِظَمُ مِقْدَارِ الصِّدْقِ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَتَعْلِيقُ سَعَادَةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالنَّجَاةِ مِنْ شَرِّهِمَا بِهِ.
٣٢ - وَفيهَا أَنَّ مَنْ عُوقِبَ بِالْهَجْرِ، يُعْذَرُ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ؛ لِأَنَّ مرَارَةَ بْنَ الرَّبِيعِ -﵁-، وَهِلَالَ بنَ أُمَيَّةَ -﵁- لَمْ يَخْرُجَا مِنْ بُيُوتِهِمَا تِلْكَ الْمُدَّةِ.
٣٣ - وَفيهَا سُقُوطُ رَدِّ السَّلَامِ عَلَى الْمَهْجُورِ عَمَّنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ، إِذْ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمْ يَقُلْ كَعْبٌ: هَلْ حَرَّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدِّ السَّلَامِ؟
٣٤ - وَفِيهَا جَوَازُ دُخُولِ الْمَرْءَ دَارَ جَارِهِ وَصَدِيقِهِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ وَمِنْ غَيْرِ الْبَابِ إِذَا عَلِمَ رِضَا.
٣٥ - وَفيهَا أَنَّ مُسَارَقَةَ النَّظَرِ فِي الصَّلَاةِ لَا تَقْدَحُ فِي صِحَّتِهَا.
[ ٤ / ٣٦٨ ]
٣٦ - وَفِيهَا إِيثَارُ طَاعَةِ الرَّسُولِ عَلَى مَوَدَّةِ القرِيبِ.
٣٧ - وَفِيهَا خِدْمَةُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا، وَالِاحْتِيَاطُ لِمُجَانَبَةِ مَا يُخْشَى الْوُقُوعُ فِيهِ.
٣٨ - وَفِيهَا جَوَازُ تَحْرِيقِ مَا فِيهِ اسْمُ اللَّهِ لِلْمَصْلَحَةِ.
٣٩ - وَفِيهَا مَشْرُوعِيَّةُ سُجُودِ الشُّكْرِ.
٤٠ - وَفِيهَا الْاسْتِبَاقُ إِلَى الْبِشَارَةِ بِالْخَيْرِ، وَإِعْطَاءُ الْبَشِيرِ أَنْفَسَ مَا يَحْضُرُ الذِي يَأْتِيهِ بِالْبِشَارَةِ.
٤١ - وَفِيهَا تَهْنِئَةُ مَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ، وَالْقِيَامُ إِلَيْهِ إِذَا أَقبَلَ.
٤٢ - وَفِيهَا اجْتِمَاعُ النَّاسِ عِنْدَ الْإِمَامِ فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ.
٤٣ - وَفِيهَا مَشْرُوعِيَّةُ مُصَافَحَةِ الْقَادِمِ وَالْقِيَامِ لَهُ.
٤٤ - وَفِيهَا الْتِزَامُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الْخَيْرِ الذِي يَنْتَفِعُ بِهِ.
٤٥ - وَفِيهَا اسْتِحْبَابُ الصَّدَقَةِ عِنْدَ التَّوْبَةِ.
٤٦ - وَفيهَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ الصَّدَقَةَ بِكُلِّ مَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إِخْرَاجُ جَمِيعِهِ.
٤٧ - وَفيهَا أَنَّ كَعْبًا -﵁- مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلينَ مِنَ الْأَنْصَارِ الذِينَ صَلُّوا إِلَى الْقِبْلَتَيْنِ (١).
_________________
(١) انظر فتح الباري (٨/ ٤٦٦ - ٤٦٧).
[ ٤ / ٣٦٩ ]
مَا نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ حَوْلَ غَزْوَةِ تَبُوكَ
نَزَلَتْ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ مِنْ سُورَةِ بَرَاءَةَ حَوْلَ مَوْضُوعِ الْغَزْوَةِ، نَزَلَ بَعْضُهَا قَبْلَ الْخُرُوجِ، وَبَعْضُهَا بَعْدَ الْخُرُوجِ، وَهُوَ فِي السَّفَرِ، وَبَعْضُهَا بَعْدَ الرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَقَدِ اشْتَمَلَتْ عَلَى ذِكْرِ ظُرُوفِ الْغَزْوَةِ، وَفَضْلِ الْمُجَاهِدِينَ الْمُخْلِصِينَ، وَقَبولِ التَّوْبَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ، وَفَضْحِ الْمُنَافِقِينَ، وَكَانَتْ سُورَةُ التَّوْبَةِ مِنْ أَشَدِّ مَا نَزَلَ فِي الْمُنَافِقِينَ حَتَّى كَانَتْ تُسَمَّى: "الفاضِحَةَ"، وَتُسَمَّى: "الْمُبعْثِرَةَ" لِمَا كَشَفَتْ مِنْ سَرَائِرَ المُنَافِقِينَ.
رَوَى الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: سُورَةُ التَّوْبَةِ؟
قَالَ: التَّوْبَةُ هِيَ الفَاضِحَةُ، مَا زَالَتْ تَنْزِلُ: وَمِنْهُمْ، وَمِنْهُمْ، حَتَّى ظَنُّوا أَنَّهَا لَمْ تُبْقِ أَحَدًا مِنْهُمْ إِلَّا ذُكِرَ فِيهَا (١).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب التفسير - باب سورة الحشر - رقم الحديث (٤٨٨٢) - ومسلم في صحيحه - كتاب التفسير - باب في سورة براءة والأنفال والحشر - رقم الحديث (٣٠٣١).
[ ٤ / ٣٧٠ ]