وَفَاتُهُ -ﷺ- بأَبِي هُوَ وَأُمِّي
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: . . . وَبَيْنَ يَدَيْهَ -ﷺ- رَكْوَةٌ (١) فِيهَا مَاءٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يُدْخِلُ يَدَيْهِ فِي الْمَاءِ فَيَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ، وَيَقُولُ: "لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، إِنَّ لِلْمَوْتِ سَكَرَاتٍ"، ثُمَّ نَصَبَ يَدَهُ فَجَعَلَ يَقُولُ: "فِي الرَّفِيقِ الْأَعَلَى" حَتَّى قُبِضَ، وَمَالَتْ يَدُهُ (٢).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَقَدْ أَخَذَتْهُ بُحَّةٌ (٣): "مَعَ الذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ، وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا" (٤).
وَفِي صَحِيحِ مُسلِمٍ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِذَا اشْتَكَى مِنَّا إِنْسَانٌ، مَسَحَهُ بِيَمِينِهِ، ثُمَّ قَالَ: "أَذْهِبِ الْبَاسَ، رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ
_________________
(١) الركوة: إناء صغير من جلد يُشرب فيه الماء. انظر النهاية (٢/ ٢٣٧).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته - رقم الحديث (٤٤٤٩).
(٣) قَالَ الحَافِظُ فِي الفَتْحِ (٨/ ٤٨٣): البحة: بضم الباء وتشديد الحاء: شيء يعرض في الحلق فيتغير له الصوت فيغلظ.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته - رقم الحديث (٤٤٣٥) - ومسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة - باب في فضل عائشة ﵂ - رقم الحديث (٢٤٤٤) (٨٦) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٤٣٣).
[ ٤ / ٦١٨ ]
أَنْتَ الشَّافِي، لَا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ، شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا".
فَلَمَّا مَرِضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَثَقُلَ، أَخَذْتُ بِيَدِهِ لِأَصْنَعَ بِهِ نَحْوَ مَا كَانَ يَصْنَعُ، فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ يَدِي، ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي، وَاجْعَلْنِي مَعَ الرَّفِيقِ الْأَعَلَى".
قَالَتْ ﵂: فَذَهَبْتُ أَنْظُرُ، فَإِذَا هُوَ قَدْ قَضَى (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: . . . كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ إِلَى صَدْرِي، أَوْ قَالَتْ: حِجْرِي، فَدَعَا بِطَسْتٍ، فَلَقَدْ انْخَنَثَ (٢) فِي حِجْرِي، فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ مَاتَ (٣).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَتْ ﵂: . . . فَبَيْنَمَا رَأْسُهُ -ﷺ- عَلَى مَنْكبِي إِذْ مَالَ رَأْسُهُ نَحْوَ رَأْسِي، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ يُرِيدُ مِنْ رَأْسِي حَاجَةً، فَخَرَجَتْ مِنْ فِيهِ نُطْفَةٌ بَارِدَةٌ، فَوَقَعَتْ عَلَى ثُغْرَةِ (٤) نَحْرِي (٥)، فَاقْشَعَرَّ لهَا جِلْدِي، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ غُشِيَ عَلَيْهِ (٦).
_________________
(١) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب السلام - باب استحباب رقية المريض - رقم الحديث (٢١٩١).
(٢) انْخَنَثَ: مَال وانْثَنَى لاسترخاء أعضائه عند الموت. انظر النهاية (٢/ ٧٨).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الوصايا - باب الوصايا - رقم الحديث (٢٧٤١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الوصية - باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه - رقم الحديث (١٦٣٦) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٠٣٩).
(٤) الثغرة: نقرة النحر فوق الصدر. انظر النهاية (١/ ٢٠٨).
(٥) النَّحْر: أعلى الصدر. انظر النهاية (٥/ ٢٣).
(٦) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٨٤١) - وإسناده حسن.
[ ٤ / ٦١٩ ]
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَرَأْسُهُ بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، فَلَمَّا خَرَجَتْ نَفْسُهُ لَمْ أَجِدْ رِيحًا قَطُّ أَطْيَبَ مِنْهَا (١).
وَقَالَتْ ﵂: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَإِنَّهُ لَبَيْنَ حَاقِنَتِي (٢) وَذَاقِنَتِي (٣)، فَلَا أَكْرَهُ شِدَّةَ الْمَوْتِ لِأَحَدٍ أَبَدًا بَعْدَمَا رَأَيْتُ مِنْ رَسُولِ اللَّه -ﷺ- (٤).
وَرَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ ﵄ قَالَتْ: إِنَّ مِنْ نِعَمِ اللَّهِ عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- تُوُفِّيَ فِي بَيْتِي وَفِي يَوْمِي، وَبَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَأَنَّ اللَّهَ جَمَعَ بَيْنَ رِيقِي وَرِيقِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ (٥).
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ حَسَن قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَيْنَ سَحْرِي وَنَحْرِي، وَفِي دَوْلَتِي، لَمْ أَظْلِمْ فِيهِ أَحَدًا، فَمِنْ سَفَهِي وَحَدَاثَةِ سِنِّي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قُبِضَ وَهُوَ فِي حِجْرِي، ثُمَّ وَضَعْتُ
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٩٠٥).
(٢) الْحَاقِنَةُ: الوَهْدَةُ المنخفضة بين التَّرْقُوَتَيْن من الْحَلْقِ. انظر النهاية (١/ ٤٠٠).
(٣) الذَّاقِنَةُ: الذقن. انظر النهاية (٢/ ١٥٠).
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته - رقم الحديث (٤٤٤٦) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٣٥٤).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته - رقم الحديث (٤٤٤٩).
[ ٤ / ٦٢٠ ]
رَأْسَهُ عَلَى وِسَادَةٍ، وَقُمْتُ أَلْتَدِمُ (١) مَعَ النِّسَاءَ، وَأَضْرِبُ وَجْهِي (٢).
وَفَاضَتْ أَطْهَرُ رُوحٍ فِي الدُّنْيَا مِنْ جَسَدِهَا، وَصَعَدَتْ إلى بَارِئِهَا رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً، وَخَرَجَ أَكْرَمُ إِنْسَانٍ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذَا الْوُجُودِ مِنَ الدُّنْيَا كَمَا جَاءَ إِلَيْهَا، وَلَمْ يَتْرُكْ مَالًا وَلَا دِينَارًا وَلَا دِرْهَما، وَلَا وَلَدًا إِلَّا فَاطِمَةَ ﵂، وَإِنَّمَا ترَكَ هِدَايَةً وَإِيمَانًا، وَشَرِيعَةً عَامَّةً خَالِدَةً، وَمِيراثًا رُوحِيًّا عَظِيمًا، وَأُمَّةً هِيَ خَيْرُ الْأُمَمِ وَأَوْسَطُهَا (٣).
* الْوَقْتُ الذِي تُوُفِّيَ فِيهِ -ﷺ- وَعُمْرُهُ يَوْمَئِذٍ:
كَانَتْ وَفَاتُهُ -ﷺ- يَوْمَ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ مِنَ السَّنَةِ الْحَادِيَةِ عَشْرَةَ لِلْهِجْرَةِ (٤)، وَعُمْرُهُ بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ سَنَةً.
وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّ وَقْتٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، فَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ آخِرِ ذَلِكَ
_________________
(١) الِالْتِدَامُ: ضرب النساء وجوههن في النياحة. انظر النهاية (٤/ ٢١٢).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٣٤٨). وفي قولها ﵂: وقمت ألتدم مع النساء وأضرب وجهي. قال محققو المسند: فيه نكارة ولم نجده إلا في هذه السياقة، والسيدة عائشة زوجة النبي -ﷺ- لا يخفى عليها قول رَسُول اللَّهِ -ﷺ- الذي أخرجه البخاري في صحيحه - رقم الحديث (١٢٩٤): "ليس منا من لطم الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية".
(٣) انظر السِّيرة النَّبوِيَّة في ضوء القرآن والسنة (٢/ ٥٩٤) للدكتور محمَّد أبو شهبة ﵀.
(٤) انظر فتح الباري (٨/ ٤٧٣).
[ ٤ / ٦٢١ ]
الْيَوْمِ -أَيْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ- (١).
وَجَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ فَقَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حِينَ اشْتَدَّ الضُّحَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ -أَيْ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ- (٢).
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: وَقَوْلُ أَنَسٍ -﵁- يَخْدِشُ فِي جَزْمِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِأَنَّهُ -ﷺ- مَاتَ حِينَ اشْتَدَّ الضُّحَى، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ إِطْلَاقَ الْآخَرِ بِمَعْنَى ابْتِدَاءِ الدُّخُولِ فِي أَوَّلِ النِّصْفِ الثَّانِي مِنَ النَّهَارِ، وَذَلِكَ عِنْدَ الزَّوَالِ، وَاشْتِدَادِ الضُّحَى يَقَعُ قَبْلَ الزَّوَالِ، وَيَسْتَمِرُّ حَتَّى يَتَحَقَّقَ زَوَالُ الشَّمْسِ، وَقَدْ جَزَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِأَنَّهُ -ﷺ- مَاتَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ، وَكَذَا لِأَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ، فَهَذَا يُؤَيِّدُ الْجَمْعُ الذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ (٣).
* * *
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الأذان - باب هل يلتفت لأمر ينزل به - رقم الحديث (٧٥٤).
(٢) انظر سيرة ابن هشام (٤/ ٣١٢).
(٣) انظر فتح الباري (٨/ ٤٩١).
[ ٤ / ٦٢٢ ]
هَوْلُ الْفَاجِعَةِ التِي أَصَابَتِ الصَّحَابَةَ ﵃
وَشَاعَ خَبَرُ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَنَزَلَ خَبَرُ وَفَاتِهِ -ﷺ- عَلَى الصَّحَابَةِ ﵃ كَالصَّاعِقَةِ؛ لِشِدَّةِ حبّهِمْ لَهُ، وَمَا تَعَوَّدُوهُ مِنَ الْعَيْشِ في كَنَفِهِ، وَدَخَلَ الصَّحَابَةُ ﵃ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في بَيْتِ عَائِشَةَ ﵂، يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، وَقَالُوا: كَيْفَ يَمُوتُ، وَهُوَ شَهِيدٌ عَلَيْنَا وَنَحْنُ شُهَدَاءُ عَلَى النَّاسِ.
* مَوْقِفُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ -﵁-:
وَجَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ -﵁- وَمَعَهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ -﵁-، فَاسْتَأْذَنا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَذِنَتْ لَهُمَا عَائِشَةُ ﵂، قَالَتْ ﵂: وَجَذَبْتُ إِلَيَّ الْحِجَابَ، فنَظَرَ عُمَرُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: وَاغَشَيَاهُ، مَا أَشَدَّ غَشْيَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثمَّ قَامَا، فَلَمَّا دَنَوْا مِنَ الْبَابِ، قَالَ الْمُغِيرَةُ: يَا عُمَرُ، مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-.
قَالَ: كَذَبْتَ، بَلْ أَنْتَ رَجُلٌ تَحُوسُكَ (١) فِتْنَةٌ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- لَا يَمُوتُ حَتَّى يُفْنِيَ اللَّهُ ﷿ الْمُنَافِقِينَ (٢).
_________________
(١) تَحُوسُكَ: أي تخالطك وتحثك على ركوبها. انظر النهاية (١/ ٤٤٢).
(٢) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٨٤١) - وإسناده حسن.
[ ٤ / ٦٢٣ ]
فَلَمَّا خَرَجَ عُمَرُ -﵁- سَلَّ سَيْفَهُ، وَتَوَعَّدَ النَّاسَ، وَقَالَ: لَا أَسْمَعُ أَحَدًا يَقُولُ: مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِلَّا ضَرَبْتُهُ بِالسَّيْفِ، ثُمَّ قَامَ في الْمَسْجِدِ خَطِيبًا، وَقَالَ: إِنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ تُوُفِّيَ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَاللَّهِ مَا مَاتَ، وَلَكِنَّهُ ذَهَبَ إلى رَبِّهِ كَمَا ذَهَبَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ، فَغَابَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ قِيلَ قَدْ مَاتَ، وَاللَّهِ لَيَرْجِعَنَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، كَمَا رَجَعَ مُوسَى، فَلَيَقْطَعَنَّ أَيْدِي رِجَالٍ وَأَرْجُلَهُمْ زَعَمُوا أَنَّهُ مَاتَ (١).
* * *
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب قول النبي -ﷺ-: "لو كنت متخذًا خليلًا" - رقم الحديث (٣٦٦٧) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٨٤١) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب وفاته -ﷺ- رقم الحديث (٦٦٢٠) - والنسائي في السنن الكبرى - كتاب الوفاة - باب كيف صُلي على رَسُول اللَّهِ -ﷺ- رقم الحديث (٧٠٨١) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٢٠٧٤) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٣١٢).
[ ٤ / ٦٢٤ ]
مَوقِفُ أَبِي بَكرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-
ثُمَّ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- عَلَى فَرَسِهِ مِنْ مَسْكَنِهِ بِالسُّنْحِ حِينَ بَلَغَهُ الْخَبَرُ، حَتَّى نَزَلَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَعُمَرُ -﵁- يُكَلِّمُ النَّاسَ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، حَتَّى دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فتَيَمَّمَ (١) رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ مُسَجًّى (٢) بِبُرْدٍ (٣) حِبَرَةٍ (٤)، فكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ: إِنَّا للَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، ثُمَّ أَكَبَّ عَلَيْهِ فَقَبَّلَهُ وَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا نَبِيَّ اللَّهِ، طِبْتَ حَيًّا وَمَيْتًّا، وَاللَّهِ لَا يَجْمَعُ اللَّهُ عَلَيْكَ مَوْتَتَيْنِ، أَمَّا الْمَوْتَةُ التِي كُتِبَتْ عَلَيْكَ فَقَدْ مُتَّهَا (٥)، ثُمَّ لَنْ تُصِيبَكَ بَعْدَهَا مَوْتَةٌ أَبَدًا، ثُمَّ رَدَّ الْبُرْدَ عَلَى وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ خَرَجَ -﵁- إلى النَّاسِ، وَهُمْ مَا بَيْنَ مُنْكِرٍ، وَمُصَدِّقٍ؛ لِهَوْلِ الْأَمْرِ، فَرَأَى عُمَرَ -﵁- يُكَلِّمُ النَّاسَ، وَيَتَوَعَّدُ وَيُهَدِّدُ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- مَاتَ.
_________________
(١) أَمَّهُ: أي قصد. انظر النهاية (١/ ٧٠).
(٢) مُسَجًّى: أي مُغطى. انظر النهاية (٢/ ٣١٠).
(٣) الْبُرْدَةُ: نوع من الثياب معروف. انظر النهاية (١/ ١١٦).
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٣/ ٤٥١): حِبَرة: بكسر الحاء وفتح الباء بوزن عنبة: نوع من برود اليمن مخططة غالية الثمن.
(٥) في رواية ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٣١٣): ذقتها.
[ ٤ / ٦٢٥ ]
فَقَالَ لَهُ: اجْلِسْ يَا عُمَرُ (١)، فَأَبَى عُمَرُ أَنْ يَجْلِسَ، فَلَمَّا رَآه لَا يُنْصِتُ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، فَلَمَّا سَمِعُوا كَلَامَهُ أَقْبَلُوا عَلَيْهِ وَتَرَكُوا عُمَرَ -﵁-، فَحَمِدَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- اللَّه تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ مُحَمَّدًا فَإِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ مَاتَ، وَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ يَعْبُدُ اللَّه، فَإِنَّ اللَّه حَيٌّ لَا يَمُوتُ، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ " (٢)، فنَشَجَ (٣) النَّاسُ يبكُونَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: وَاللَّهِ لَكَأَنَّ النَّاسَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَةَ حَتَّى تَلَاهَا أَبُو بَكْرٍ، فتَلَقَّاهَا النَّاسُ مِنْهُ كُلُّهُمْ، فَمَا أَسْمَعُ بَشَرًا مِنَ النَّاسِ إِلَّا يَتْلُوهَا (٤).
_________________
(١) في رواية أخرى في صحيح البخاري - رقم الحديث (٣٦٦٧) قال أبو بكر -﵁-: أيها الحالف على رِسلك. وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٣١٣): على رِسلك يا عمر، أنصت، فأبى. والرِسْلُ: بكسر الراء أي تَمهّل. انظر لسان العرب (٥/ ٢١٢).
(٢) سورة آل عمران آية (١٤٤).
(٣) النَّشِيجُ: صوت معه توجع وبكاء. انظر النهاية (٥/ ٤٥).
(٤) أخرج ذلك كله البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه - رقم الحديث (١٢٤١) (١٢٤٢) - وأخرجه في كتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته - رقم الحديث (٤٤٥٢) (٤٤٥٣) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٥٨٤١) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب وفاته -ﷺ- رقم الحديث (٦٦٢٠) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول - رقم الحديث (٢٠٧٤) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٣١٣).
[ ٤ / ٦٢٦ ]
قَالَ عُمَرُ -﵁-: فَوَاللَّهِ مَا هُوَ إِلَّا أَنْ سَمِعْتُ أَبَا بَكْرٍ تَلَاهَا، فَعَقِرْتُ حَتَّى مَا تُقِلُّنِي رِجْلَايَ وَحَتَّى أَهْوَيْتُ إلى الْأَرْضِ حِينَ سَمِعْتُهُ تَلَاهَا، وَعَلِمْتُ أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- قَدْ مَاتَ (١).
قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: فَمَا كَانَ مِنْ خُطْبَتِهِمَا (٢) مِنْ خُطْبَةٍ إِلَّا نَفَعَ اللَّهُ بِهَا، لَقَدْ خَوَّفَ عُمَرُ النَّاسَ، وَإِنَّ فِيهِمْ لَنِفَاقًا فَرَدَّهُمُ اللَّهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ لَقَدْ بَصَّرَ أَبُو بَكْرٍ النَّاسَ الْهُدَى، وَعَرَّفَهُمُ الْحَقَّ الذِي عَلَيْهِمْ، وَخَرَجُوا بِهِ يَتْلُونَ: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ (٣).
* فَوَائِدُ الحَدِيثِ:
قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ:
وَفِي الْحَدِيثِ قُوَّةُ جَأْشِ (٤) أبِي بَكْرٍ -﵁-، وَكَثْرَةُ عِلْمِهِ (٥).
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته - رقم الحديث (٤٤٥٤).
(٢) أي خطبة أبي بكر -﵁- هذه، وخطبة عمر -﵁- عندما هَدّد من يقول: إن رَسُول اللَّهِ -ﷺ- قد مات.
(٣) علقه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب قول النبي -ﷺ-: "لو كنت متخذًا خليلًا" - رقم الحديث (٣٦٦٩) (٣٦٧٠) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول (٤/ ٨٨). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٧/ ٣٨٥): وهذه الطريق لم يوردها البخاري إلا معلقة، ولم يسقها بتمامها، وقد وصلها الطبراني في مسند الشاميين.
(٤) الجأش: القلب، يقال: فلان رابط الجأش: أي ثابت القلب لا يرتاع ولا ينزعج للعظائم والشدائد. انظر النهاية (١/ ٢٢٥).
(٥) انظر فتح الباري (٨/ ٤٩٥).
[ ٤ / ٦٢٧ ]
هَلْ أَوْصَى رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- قَبْلَ وَفَاتِهِ لأَحَدٍ بالْخِلَافَةِ
أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: ذَكَرُوا عِنْدَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ عَلِيًّا -﵁- كَانَ وَصِيًّا، فَقَالَتْ: مَتَى أَوصَى إِلَيْهِ؟ وَقَدْ كُنْتُ مُسْنِدَتَهُ -ﷺ- إلى صَدْرِي، أَوْ قَالَتْ: حِجْرِي، فَدَعَا بِالطَّسْتِ، فَلَقَدِ انْخَنَثَ في حِجْرِي فَمَا شَعَرْتُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَمَتَى أَوْصَى إِلَيْهِ؟ (١).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَبْدًا مَأْمُورًا، بَلَّغَ وَاللَّهِ مَا أُرْسِلَ بِهِ، وَمَا اخْتَصَّنَا دُونَ النَّاسِ بِشَيْءٍ، إِلَّا ثَلَاثًا: أَمَرَنَا أَنْ نُسْبغَ الْوُضُوءَ، وَأَنْ لَا نَأْكُلَ الصَّدَقَةَ، وَأَنْ لَا نُنْزِيَ (٢) الْحِمَارَ عَلَى الفرَسِ (٣).
وَرَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ -﵁- قَالَ: سَأَلْتُ عَلِيًّا
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الوصايا - باب الوصايا - رقم الحديث (٢٧٤١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الوصية - باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي به - رقم الحديث (١٦٣٦) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٠٣٩).
(٢) نُنزي الحمار: أي نحملها عليها للنسل. انظر النهاية (٥/ ٣٧).
(٣) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٩٧٧) - وأبو داود في سننه - كتاب الصلاة - باب قدر القراءة في صلاة الظهر والعصر - رقم الحديث (٨٠٨) - وأورده ابن الأثير في جامع الأصول (٢٤٤٩) (٥٢٠٠).
[ ٤ / ٦٢٨ ]
-﵁-، هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شَيْءٌ سِوَى الْقُرْآنِ، فَقَالَ -﵁-: لَا، وَالذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ (١)، وَبَرَأَ (٢) النَّسْمَةَ (٣) مَا عِنْدَنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- شَيْءٌ سِوَى الْقُرْآنِ، إِلَّا أَنْ يُؤْتِيَ اللَّهُ عَبْدًا فَهْمًا في القُرْآنِ، وَمَا في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ.
قَالَ أَبُو جُحَيْفَةَ -﵁-: وَمَا في هَذِهِ الصَّحِيفَةِ؟
قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: الْعَقْلُ (٤)، وَفكاكُ الْأَسِيرِ (٥)، وَأَنْ لَا يُقْتَلَ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ (٦).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ عَنْ قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ، قَالَ: انْطَلَقْتُ أنَا وَالْأَشْتَرُ إلى عَلِيٍّ -﵁-، فَقُلْنَا: هَلْ عَهِدَ إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- عَهْدًا لَمْ يَعْهَدْهُ إلى النَّاسِ؟ .
قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: لَا، إِلَّا مَا في كِتَابِي هَذَا، فَأَخْرَج كِتَابًا مِنْ قِرَابِ (٧)
_________________
(١) الفلق: الشق، والحبة: هي كالحنطة والشعير، وفلقها: شقها للإنبات. انظر النهاية (٣/ ٤٢٣) - جامع الأصول (٨/ ٢٩).
(٢) بَرَأَ: خلق. انظر النهاية (١/ ١١١).
(٣) النَّسْمَةُ: بفتح النون: النفس والروح، وكل دابة فيها روح فهي نسمة. انظر النهاية (٥/ ٤٣).
(٤) العقل: الدية. انظر النهاية (٣/ ٢٥٢).
(٥) فكَاكُ الأسير: أي إطلاقه. انظر جامع الأصول (٨/ ٢٩).
(٦) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب العلم - باب كتابة العلم - رقم الحديث (١١١) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٧٦٥).
(٧) القِراب: غمد السيف. انظر لسان العرب (١١/ ٨٦).
[ ٤ / ٦٢٩ ]
سَيْفِهِ، فَإِذَا فِيهِ: "الْمُؤْمنُونَ تَكَافَؤُ (١) دِمَاؤُهُمْ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ، وَيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُؤْمنٌ بِكَافِرٍ، وَلَا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ، وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا (٢)، أَوْ آوى مُحْدِثًا (٣)، فَعَلَيْهِ لَعْنهُ اللَّهِ، وَالْمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ" (٤).
وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ قَالَ: سُئِلَ عَلِيٌّ -﵁-: أَخَصَّكُمْ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِشَيْءٍ؟
فَقَالَ عَلِيٌّ -﵁-: مَا خَصَّنَا رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِشَيْءٍ لَمْ يَعُمَّ بِهِ النَّاسَ كَافَّةً، إِلَّا مَا كَانَ في قِرَابِ سَيْفِي هَذَا، قَالَ: فَأَخْرَجَ صَحِيفَةً مَكْتُوبٌ فِيهَا: "لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ سَرَقَ مَنَارَ (٥) الْأَرْضِ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَهُ، وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوى مُحْدِثًا" (٦).
وَرَوَى الشَّيْخَانِ في صَحِيحَيْهِمَا عَنْ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: خَطَبَنَا عَلِيٌّ -﵁-، فَقَالَ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ عِنْدَنَا شَيْئًا نَقْرَؤُهُ إِلَّا كِتَابَ اللَّهِ، وَهَذِهِ
_________________
(١) التَّكَافؤُ: التساوي. انظر جامع الأصول (٨/ ٢٩).
(٢) الحدث: الأمر الحادث المنكر الذي ليس بمعتاد ولا معروف في السُّنة. انظر النهاية (١/ ٣٣٨).
(٣) الْمُحْدِثُ: بكسر الدال: هو الفاعل. انظر النهاية (١/ ٣٣٨).
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٩٩٣) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٥٨٨٩).
(٥) الْمَنَارُ: جمع منارة، وهي العلامة تُجعل بين الشيئين من الحدود. انظر النهاية (٥/ ١١١).
(٦) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الأضاحي - باب تحريم الذبح لغير اللَّه تَعَالَى - رقم الحديث (١٩٧٨) (٤٥) - والإمام أحمد في المسند - رقم الحديث (٨٥٥).
[ ٤ / ٦٣٠ ]
الصَّحِيفَةَ، فَقَدْ كَذَبَ، قَالَ: وَفيهَا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "الْمَدِينَةُ حَرَمٌ مَا بَيْنَ عيرٍ (١) إلى ثَورٍ (٢)، فمَنْ أَحْدَثَ فِيهَا حَدَثًا أَوْ آوى مُحْدثًا، فعلَيْه لَعْنهُ اللَّه وَالْملَائكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْتلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا (٣) وَلَا عَدْلًا (٤)، وَذِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ، وَمَنِ ادَّعَى إلى غيرِ أَبِيهِ، أَوْ انْتَمَى إِلَى غير موالِيهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنةُ اللَّهِ وَالْمَلَائكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لَا يَقْتلُ اللَّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا" (٥).
قَالَ الْحَافِظُ في الْفَتْحِ: وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ عَنْ عَلِيٍّ -﵁- أَنَّ الصَّحِيفَةَ الْمَذْكُورَةَ كَانَتْ مُشْتَمِلَةً عَلَى مَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ، فنَقَلَ كُلُّ رَاوٍ بَعضَهَا (٦).
_________________
(١) عَيْر: بفتح العين وسكون الياء: جبل معروف بالمدينة. انظر النهاية (٣/ ٢٩٦) - وجامع الأصول (٨/ ٢٨).
(٢) ثَوْر: هو أيضًا جبل بالمدينة، وليس هو جبل ثور المعروف بمكة، والذي فيه الغار الذي اختبأ فيه رَسُول اللَّهِ -ﷺ- وصاحبه أبو بكر -﵁- يوم الهجرة. وانظر فتح الباري (٤/ ٥٦).
(٣) الصَّرْفُ: التوبة. انظر النهاية (٣/ ١٧٣).
(٤) الْعَدْلُ: الفِدْية. انظر النهاية (٣/ ١٧٣).
(٥) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل المدينة - باب حرم المدينة - رقم الحديث (١٨٧٠) - وأخرجه في كتاب الجزية والموادعة - باب ذمة المسلمين وجوارهم واحدة - رقم الحديث (٣١٧٢) - وأخرجه مسلم في صحيحه - كتاب الحج - باب فضل المدينة، ودعاء النبي -ﷺ- فيها بالبركة - رقم الحديث (١٣٧٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٦١٥).
(٦) انظر فتح الباري (٤/ ٥٧٠).
[ ٤ / ٦٣١ ]
وَقَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَصْرِيحٌ مِنْ عَلِيٍّ (١) -﵁- بِإِبْطَالِ مَا تَزعُمُهُ الرَّافِضَةُ وَالشِّيعَةُ، وَيَخْتَرِعُونَهُ مِنْ قَوْلهِمْ إِنَّ عَلِيًّا -﵁- أَوْصَى إِلَيْهِ النَّبِيُّ -ﷺ- بأُمُورٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَسْرَارِ الْعِلْمِ، وَقَوَاعِدِ الدِّينِ، وَكُنُوزِ الشَّرِيعَةِ، وَأَنَّهُ -ﷺ- خَصَّ أَهْلَ الْبَيْتِ بِمَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ غَيْرُهُمْ، وَهَذِهِ دَعَاوَى بَاطِلَةٌ وَاخْتِرَاعَاتٌ فَاسِدَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا، وَيَكْفِي في إِبْطَالِهَا قَوْلُ عَلِيُّ -﵁- هَذَا (٢).
* * *
_________________
(١) وابن عباس أيضًا ﵄.
(٢) انظر صحيح مسلم بشرح النووي (٩/ ١٢٢).
[ ٤ / ٦٣٢ ]
الاجْتِمَاعُ في سَقيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ وَبَيعَةُ أَبي بَكرٍ -﵁- بالخِلافَةِ
وَفي هَذِهِ الْغَمْرَةِ مِنَ الْحُزْنِ وَالْأَسَى، وَقَبْلَ أَنْ يُدْفَنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، اجْتَمَعَ الْأَنْصَارُ في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِد لحَسْمِ أَمْرِ الْخِلَافَةِ، وَدَعُونَا نَتْرُكُ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ -﵁- يُحَدِّثُنَا عَنْ ذَلِكَ -كَمَا رَوَاهُ عَنْهُ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ، وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ- قَالَ -﵁-: . . . كَانَ مِنْ خَبَرِنَا حِينَ تَوَفَّى اللَّهُ نَبِيَّهُ -ﷺ- أَنَّ الْأَنْصَارَ خَالَفُونَا (١)، وَاجْتَمَعُوا بِأَسْرِهِمْ في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، وَخَالَفَ عَنَّا عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ وَمَنْ مَعَهُمَا (٢)، فبَيْنَمَا نَحْنُ في مَنْزِلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، إِذْ رَجُلٌ يُنَادِي مِنْ وَرَاءِ الْجِدَارِ: اخْرُجْ إِلَيَّ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ.
فَقُلْتُ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّا مَشَاغِيلُ عَنْكَ.
فَقَالَ: إِنَّهُ قَدْ حَدَثَ أَمْر لَابُدَّ مِنْكَ فِيهِ، إِنَّ الْأَنْصَارَ قَدِ اجْتَمَعُوا في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَأَدْرِكُوهُمْ قَبْلَ أَنْ يُحْدِثُوا أَمْرًا، فَيَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ حَرْبٌ.
فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ انْطَلِقْ بِنَا إلى إِخْوَانِنَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَنْصَارِ،
_________________
(١) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ١١٨): أي لم يجتمعوا معنا في بيت رَسُول اللَّهِ -ﷺ-.
(٢) هذه رواية البخاري في صحيحه. زاد ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٣١٤): وطلحة بن عبيد اللَّه.
[ ٤ / ٦٣٣ ]
فَانْطَلَقْنَا نُرِيدُهُمْ (١)، فَلَمَّا دَنَوْنَا مِنْهُمْ لَقِيَنَا مِنْهُمْ رَجُلَانِ (٢) صَالِحَانِ فَذَكَرَا لَنَا مَا تَمَالَأَ (٣) عَلَيْهِ الْقَوْمُ، فَقَالَا: أَيْنَ تُرِيدُونَ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ؟ .
فَقُلْتُ: نُرْيدُ إِخْوَانَنَا هَؤُلَاءِ مِنَ الْأَنْصَارِ.
فَقَالَا: لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَقْرَبُوهُمْ، يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ اقْضُوا أَمْرَكُمْ (٤).
فَقُلْتُ: وَاللَّهِ لَنَأتِيَنَّهُمْ، فَانْطَلَقْنَا حَتَّى أَتَيْنَاهُمْ في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ، فَإِذَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ، وَإِذَا بَيْنَ ظَهْرَانِيهِمْ (٥) رَجُلٌ مُزَمَّلٌ (٦)، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟
فَقَالُوا: سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ.
فَقُلْتُ: مَا لَهُ؟ .
قَالُوا: يُوعَكُ (٧)، فَلَمَّا جَلَسْنَا قَلِيلًا تَشَهَّدَ خَطِيبُهُمْ، فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ
_________________
(١) في رواية ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٤١٤) بسند صحيح قال عمر -﵁-: فانطلقنا نؤمهم، فلقينا أبو عبيدة بن الجراح -﵁-، فأخذ أبو بكر بيده، فمشى بيني وبينه.
(٢) سمى ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٣١٧) الرجلان: هما عويم بن ساعدة، ومعن بن عدي ﵄، وهما من الأنصار، وممن شهد غزوة بدر الكبرى.
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ١١٩): تمالأ: بفتح اللام والهمزة أي اتفق.
(٤) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ١١٩): يؤخذ من هذا أن الأنصار كلها لم تجتمع على سعد بن عبادة -﵁-. قلت: سيأتي خبر زيد بن ثابت الأنصاري -﵁-، ما يؤيد كلام الحافظ.
(٥) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ١١٩): أي وسطهم.
(٦) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ١١٩): مُزمَّل: بضم الميم الأولى وتشديد الميم المفتوحة: أي مُلَفَّف.
(٧) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ١١٩): يُوعك: بضم الياء أي يحصل له الوعك، وهو الحمى. وفي رواية الإِمام أحمد في مسنده: وجع.
[ ٤ / ٦٣٤ ]
﷿ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، فنَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ ﷿، وَكَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ، وَأَنْتُمْ يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ رَهْطٌ مِنَّا، وَقَدْ دَفَّتْ دَافَّةٌ (١) مِنْ قَوْمِكُمْ، فَإِذَا هُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يَخْتَزِلُونَا (٢) مِنْ أَصْلِنَا، وَيَحْضِنُونَا (٣) مِنَ الْأَمْرِ.
قَالَ عُمَرُ -﵁-: فَلَمَّا سَكَتَ أَرَدْتُ أَنْ أَتكَلَّمَ، وَكُنْتُ قَدْ زَوَّرْتُ (٤) مَقَالَةً أَعْجَبَتْنِي أَرَدْتُ أَنْ أُقَدِّمَهَا بَيْنَ يَدَيْ أَبِي بَكْرٍ -﵁-، وَكُنْتُ أُدَارِي مِنْهُ بَعْضَ الْحَدِّ (٥).
فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أَتكَلَّمَ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: عَلَى رِسْلِكَ (٦)، فكَرِهْتُ أَنْ أُغْضِبَهَ، فتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ كَانَ هُوَ أَحْلَمَ (٧) مِنِّي وَأَوْقَرَ، وَاللَّهِ مَا تَرَكَ مِنْ كَلِمَةٍ أَعْجَبتْنِي في تَزْوِيرِي إِلَّا قَالَ في بَدِيهَتِهِ مِثْلَهَا، أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا حَتَّى سَكَتَ.
_________________
(١) الدَّافَّةُ: القوم يسيرون جماعة سيرًا ليس بالشديد. انظر النهاية (٢/ ١١٧). قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ١٢٠): يريد أنكم قوم غرباء أقبلتم من مكة إلينا، ثم أنتم تريدون أن تستأثروا علينا.
(٢) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ١٢٠): يختزلونا: أي يقتطعونا عن الأمر، وينفردوا به دوننا. وفي رواية ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٣١٦): يحتازونا.
(٣) في رواية ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٣١٦): يغصبونا.
(٤) زَوَّرْتُ: أي هَيَّأْتُ وأَصْلَحْتُ. انظر النهاية (٢/ ٢٨٧).
(٥) الحَدُّ والحِدَّةُ سواء: مِنْ الغضبِ، يقال: حّدَّ يَحِدُّ حدًا: إذا غضب. انظر النهاية (١/ ٣٤٠). وفي رواية ابن حبان في صحيحه - رقم الحديث (٤١٤): الحِدَّة.
(٦) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ١٢٠): رِسلك: بكسر الراء أي على مهلك.
(٧) هذه رواية البخاري في صحيحه. وفي رواية الإِمام أحمد في مسنده: أعلم.
[ ٤ / ٦٣٥ ]
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- بَعْدَ أَنْ تَشَهَّدَ، وَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا الْأَنْصَارُ، مَا ذَكَرْتُمْ فِيكُمْ مِنْ خَيْرٍ، فَأَنْتُمْ له أَهْلٌ، وَلَنْ تَعْرِفَ الْعَرَبُ هَذَا الأَمْرَ إِلَّا لِهَذَا الْحَيِّ مِنْ قُرَيْشٍ، هُمْ أَوْسَطُ (١) الْعَرَبِ نَسَبًا، وَدَارًا (٢).
وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ قَالَ عُمَرُ -﵁-: فتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أُنْزِلَ في الْأَنْصَارِ، وَلَا ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- مِنْ شَأْنِهِمْ، إِلَّا وَذَكَرَهُ، وَقَالَ: لَقَدْ عَلِمْتُمْ اَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ: "لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَاديًا، وَسَلَكَتِ الْأَنْصَارُ وَاديًا، سَلَكْتُ وَادِيَ الْأَنْصَارِ" (٣)، وَلقدْ عَلِمْتَ يَا سَعْدُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَالَ، وَأَنْتَ قَاعِدٌ: "قُريْشٌ وُلَاةُ هَذَا الْأَمْرِ، فَبَرُّ النَّاسِ تَبَعٌ لِبَرَهِمْ، وَفَاجِرُهُمْ تَبَعٌ لِفَاجِرِهِمْ"، فَقَالَ له سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ -﵁-: صَدَقْتَ، نَحْنُ الْوُزَرَاءُ، وَأَنْتُمُ الْأُمَرَاءُ (٤).
فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيُّ -﵁-: أَنَا جُذَيْلُهَا (٥) الْمُحَكَّكُ،
_________________
(١) أَوْسَط: أي خيارهم. انظر النهاية (٥/ ١٦٠).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحدود - باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت - رقم الحديث (٦٨٣٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٩١) - وابن حبان في صحيحه - كتاب البر والإحسان - باب حق الوالدين - رقم الحديث (٤١٤).
(٣) هذا الحديث رواه البخاري في صحيحه - كتاب مناقب الأنصار - باب قول النبي -ﷺ-: "لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار" - رقم الحديث (٣٧٧٩) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨١٦٩).
(٤) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٨) - وهو صحيح لغيره.
(٥) الجُذَيْلُ: هو تصغير جِذْلٍ، وهو العود الذي يُنصب للإبل الجربي لتحتك به، وهو تصغير تعظيم؛ أي أنا ممن يستشفى برأيه كما تستشفى الإبل الجربى بالاحتكاك بهذا العود. انظر النهاية (١/ ٢٤٣).
[ ٤ / ٦٣٦ ]
وَعُذَيْقُهَا الْمُرَجَّبُ (١)، مِنَّا أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ (٢).
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: لَا، وَلَكِنَّا الْأُمَرَاءُ، وَأَنْتُمُ الْوُزَرَاءُ (٣).
* مَوْقِفُ زيْدِ بْنِ ثابِتٍ -﵁-:
فَهُنَا قَامَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ الْأَنْصَارِيُّ -﵁-، وَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَانَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَإِنَّ الْإِمَامَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ المُهَاجِرِينَ، وَنَحْنُ أَنْصَارُهُ كَمَا كُنَّا أَنْصَارَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا مِنْ حَيٍّ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ، وَثَبَّتَ قَائِلَكُمْ، وَاللَّهِ لَوْ فَعَلْتُمْ غَيْرَ ذَلِكَ لَمَا صَالَحْنَاكُمْ (٤).
_________________
(١) عُذَيْقُهَا: تصغير العَذْقِ بفتح العين، وهو النخلة، الْمُرَجَّبُ: هو أن تُعمد النخلة الكريمة ببناء من حجارة أو خشب إذا خيف عليها لطولها وكثرة حملها أن تقع، وقد يكون ترجيبها بأن يُجعل حولها شوك لئلا يُرقى إليها، أراد أنه يستشفى برأيه. انظر النهاية (٣/ ١٨١) (٢/ ١٨٠) - فتح الباري (٧/ ٣٨٢).
(٢) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الحدود - باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت - رقم الحديث (٦٨٣٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٩١).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب فضائل أصحاب النبي -ﷺ- باب قول النبي -ﷺ-: "لو كنت متخذًا خليلًا" - رقم الحديث (٣٦٦٨).
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢١٦١٧) - والطيالسي في مسنده - رقم الحديث (٦٠٣) - وابن أبي شيبة في مصنفه - رقم الحديث (٣٨١٩٥) - والحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة - باب ذكر الاختلاف في أمر الخلافة - رقم الحديث (٤٥١٤) - وإسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٤ / ٦٣٧ ]
* تَرْشِيحُ عُمَرَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ ﵄ لِلخِلَافَةِ:
ثُمَّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: وَقَدْ رَضِيتُ لَكُمْ أَحَدَ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ، فَبَايِعُوا أَيَّهُمَا شِئْتُمْ، فَأَخَذَ بِيَدِ عُمَرَ -﵁-، وَيَدِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ -﵁-، وَهُوَ جَالِسٌ بينهما.
قَالَ عُمَرُ -﵁-: فَلَمْ أَكْرَهُ مِمَّا قَالَ أَبُو بَكْرٍ غَيْرَهَا، وَاللَّهِ أَنْ أُقَدَّمَ فَتَضْرَبَ عُنقِي لَا يَقْرَبُنِي ذَلِكَ مِنْ إِثْمٍ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَأَمَّرَ عَلَى قَوْمٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ.
قَالَ عُمَرُ -﵁-: وَكَثُرَ اللَّغَطُ (١)، وَارْتَفَعَتِ الْأَصْوَاتُ حَتَّى فَرِقْتُ (٢) مِنَ الِاخْتِلَافِ.
فَقُلْتُ لِأَبِي بَكْرٍ: ابْسُطْ يَدَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ فَبَسَطَ يَدَهُ، فَبَايَعْتُهُ، وَبَايَعَهُ الْمُهَاجِرُونَ (٣)، ثُمَّ بَايَعَتْهُ الْأَنْصَارُ (٤).
وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَ عُمَرُ -﵁-: يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- قَدْ أَمَرَ أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَؤُمَّ النَّاسَ؟
فَأَيّكُمْ تَطِيبُ نَفْسُهُ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ؟
_________________
(١) اللَّغَطُ: الضجة واختلاف الأصوات. انظر جامع الأصول (١١/ ٧١).
(٢) الفرَقَ: الخوف. انظر النهاية (٣/ ٣٩٢).
(٣) قَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (١٤/ ١٢٢): كأنهم تلاحقوا بهم لما بلغهم أنهم توجهوا إلى الأنصار.
(٤) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الحدود - باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت - رقم الحديث (٦٨٣٠) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٩١).
[ ٤ / ٦٣٨ ]
فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ: نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ نَتَقَدَّمَ أَبَا بَكْرٍ (١).
* عَدَمُ حِرْصِ أَبِي بَكْرٍ -﵁- عَلَى الْخِلَافَةِ:
وَلَمْ يَكُنْ أَبُو بَكْرٍ -﵁- حَرِيصًا عَلَى الخلافةِ، وَإِنَّمَا لَمَّا خَافَ الِاخْتِلَافَ قَبِلَ بِهَا، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ رَافِعٍ الطَّائِيِّ، قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا بَكْرٍ -﵁- عَمَّا قِيلَ مِنْ بَيْعَتِهِمْ، فَقَالَ وَهُوَ يُحَدِّثه عَمَّا تَكَلَّمَتْ بِهِ الْأَنْصَارُ، وَمَا كَلَّمَهُمْ بِهِ، وَمَا كَلَّمَ بِهِ عُمَر بن الْخَطَّابِ -﵁- الْأَنْصَارِ، وَمَا ذَكَّرَهُمْ بِهِ مِنْ إِمَامَتِي إِيَّاهُمْ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- في مَرَضِهِ، فَبَايَعُونِي لِذَلِكَ، وَقَبِلْتُهَا مِنْهُمْ، وَتَخَوَّفْتُ أَنْ تَكُونَ فِتْنَةٌ، وَتَكُوَنَ بَعدَهَا رِدَّةٌ (٢).
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالى: وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُ -﵁-، إِنَّمَا قَبِلَ الإِمَامَةَ تَخَوُّفًا أَنْ تَقَعَ فِتْنَةٌ أَرْبَى (٣) مِنْ تَرْكِهِ قَبُولَهَا ﵁ وَأرْضَاهُ (٤).
وَرَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ في مَغَازِيهِ بِسَندٍ جيدٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: . . . ثُمَّ خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-، وَقَالَ: مَا كُنْتُ حِرِيصًا عَلَى
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٣).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٤٢).
(٣) أَرْبَى: أعظم. انظر لسان العرب (٥/ ١٢٦).
(٤) انظر البداية والنهاية (٥/ ٢٦٢).
[ ٤ / ٦٣٩ ]
الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً، وَلَا سَأَلْتُهَا في سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ (١).
* الْبَيْعَةُ الْعَامَّةُ:
تَمَّتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- في سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، يَوْمَ وَفَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ-، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ صَبِيحَةَ يَوْمِ الثُّلَاثَاءَ، اجْتَمَعَ النَّاسُ في الْمَسْجِدِ، فَكَانَتِ الْبَيْعَةُ الْعَامَّةُ.
قَالَ أَنَسٌ -﵁-: لَمَّا بُويع أَبُو بَكْرٍ -﵁- في السَّقِيفَةِ، وَكَانَ الْغَدُ جَلَسَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَقَامَ عُمَرُ -﵁- فتَكَلَّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ، فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنِّي كُنْتُ قُلْتُ لَكُمْ بِالْأَمْسِ مَقَالَةً مَا كَانَتْ، وَمَا وَجَدْتُهَا في كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا كَانَتْ عَهْدًا عَهِدَهُ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَكِنِّي قَدْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَعِيشَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى يدَبرنَا، يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ آخِرَهُمْ، فَإِنْ يَكُ مُحَمَّدٌ -ﷺ- قَدْ مَاتَ، فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ أَبْقَى فِيكُمْ كِتَابَهُ الذِي بِهِ هَدَى اللَّهُ رَسُوله -ﷺ-، فَإِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ هَدَاكُمُ اللَّهُ لِمَا كَانَ هَدَاهُ لَهُ، وَإِنَّ اللَّه قَدْ جَمَعَ أَمْرَكُمْ عَلَى خَيْرِكُمْ، صَاحِبِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثَانيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا في الْغَارِ (٢)، فَإِنَّهُ أَوْلَى النَّاسِ بِأُمُورِكُمْ، فَقُومُوا فَبَايِعُوهُ، فَبَايَعَ النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ
_________________
(١) أورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ٢٦٢) - وجود إسناده.
(٢) قال ابن التين فيما نقله عنه الحافظ في الفتح (١٥/ ١٢٣): قدم الصحبة لشرفها، ولما كان غيره قد يشاركه فيها عطف عليها ما انفرد به أبو بكر -﵁-، وهو كونه "ثاني اثنين"، وهي أعظم فضائله التي استحق بها أن يكون الخليفة من بعد النبي -ﷺ-.
[ ٤ / ٦٤٠ ]
بَيْعَةً عَامَّةً، بَعْدَ بَيْعَةِ السَّقِيفَةِ (١).
* خُطْبَةُ أبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-:
ثُمَّ قَامَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، وَخَطَبَ في النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّه تَعَالَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالذِي هُوَ أَهْلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنِّي قَدْ وُلِّيتُ عَلَيْكُمْ وَلَسْتُ بِخَيْرِكُمْ (٢)، فَإِنْ أَحْسَنْتُ فَأَعِينُونِي، وَإِنْ أَسَأْتُ فَقَوِّمُونِي، الصِّدْقُ أَمَانَةٌ، وَالْكَذِبُ خِيَانَةٌ، وَالضَّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيٌّ عِنْدِي حَتَّى أَرُدَّ له حَقَّهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، وَالْقَوِيُّ فِيكُمْ ضَعِيفٌ عِنْدِيَ حَتَّى آخُذَ الْحَقَّ مِنْهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَا يَدَع قَوْمٌ الْجِهَادَ في سَبِيلِ اللَّهِ إِلَّا ضَرَبَهُمُ اللَّهُ بِالذُّلِّ، وَلَا تَشِيعُ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا عَمَّهُمُ اللَّهُ بِالْبَلَاءِ، أَطِيعُونِي مَا أَطَعْتُ اللَّه وَرَسُولَهُ، فَإِنْ عَصَيْتُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فَلَا طَاعَةَ لِي عَلَيْكُمْ (٣).
وَهَكَذَا تَمَّتْ بَيْعَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ.
* حَدِيثٌ ضَعِيفٌ:
وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ عن قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: إِنِّي
_________________
(١) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الأم - باب الاستخلاف - رقم الحديث (٧٢١٩) - وابن إسحاق في السيرة (٤/ ٣١٨).
(٢) قَالَ الحَافِظُ ابنُ كَثِيرٍ في البداية والنهاية (٥/ ٢٦١): وهذا من باب الهضم والتواضع، فإنهم مجمعون على أنه أفضلهم وخيرهم ﵃ أجمعين.
(٣) أخرج ذلك ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٣١٨) - وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ٢٦١) - وقال: إسناده صحيح.
[ ٤ / ٦٤١ ]
لَجَالِسٌ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- خَلِيفَةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ -ﷺ- بِشَهْرٍ، فَذَكَرَ قِصَّةً، فَنُودِيَ في النَّاسِ: أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَةٌ، وَهِيَ أَوَّلُ صَلَاةٍ في الْمُسْلِمِينَ نُودِيَ بِهَا: أَنَّ الصَّلَاةَ جَامِعَة، فَاجْتَمَعَ النَّاسُ، فَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، شَيْئًا صُنِعَ له كَانَ يَخْطُبُ عَلَيْهِ، وَهِيَ أَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا في الْإِسْلَامِ، قَالَ: فَحَمِدَ اللَّه وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، وَلَوَدِدْتُ أَنَّ هَذَا كَفَانِيهِ غَيْرِي، وَلَئِنْ أَخَذْتُمُونِي بِسُنَّةِ نَبِيِّكُمْ -ﷺ- مَا أُطِيقُهَا، إِنْ كَانَ لَمَعْصُومًا مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنْ كَانَ لَيَنْزِلُ عَلَيْهِ الْوَحْيُ مِنَ السَّمَاءَ (١).
فَهَذَا الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ في سَنَدِهِ عِيسَى بْنُ الْمُسَيِّبِ الْبَجَلِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، وَأَيْضًا فَإِنَّ فِي بَعْضِ أَلفاظِهِ مَا هُوَ مُخَالِفٌ لِمَا في الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، مِنْهَا:
١ - قَوْلُهُ: وَهِيَ أَوَّلُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا في الْإِسْلَامِ -أَيْ بَعْدَ شَهْرٍ مِنْ خِلَافَتِهِ- وَالصَّحِيحُ كَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ خَطَبَ في ثَانِي يَوْمٍ مِنْ بَيْعَتِهِ -﵁-.
٢ - قَوْلُه: إِنَّهُ صُنِعَ لَهُ مِنْبَرٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَكَذَلِكَ عُمَرُ -﵁-.
* بَيْعَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ ﵄:
أَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ﵄، فَقَدْ بَايَعَا
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٨٠).
[ ٤ / ٦٤٢ ]
مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، أَوْ ثانِي يَوْمٍ مِنْ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-.
فَقَدْ أَخْرَجَ الْحَاكِمُ في الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ -﵁- قَالَ: . . . لَمَّا قَعَدَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- عَلَى الْمِنْبَرِ نَظَرَ في وُجُوه الْقَوْمِ، فَلَمْ يَرَ عَلِيًّا -﵁-، فَسَأَلَ عَنْهُ، فَقَامَ نَاس مِنَ الْأَنْصَارِ، فَأَتَوْا بِهِ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: ابْنَ عِّم رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَخَتَنَهُ (١)، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ .
فَقَالَ عَلِيٌّ -﵁-: لَا تَثْرِيبَ (٢) يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَبَايَعَهُ، ثمَّ لَمْ يَرَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ -﵁-، فَسَأَلَ عَنْهُ حَتَّى جَاؤُوا بِهِ.
فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-: ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَحَوَارِيَّهُ، أَرَدْتَ أَنْ تَشُقَّ عَصَا الْمُسْلِمِينَ؟ .
فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ عَلِيٍّ -﵁-: لَا تَثْرِيبَ يَا خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- فَبَايَعَهُ (٣).
وَرَوَى مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ في مَغَازِيهِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ -﵁- كَانَ مَعَ
_________________
(١) الْخَتَنُ: أي زوج ابنته. انظر النهاية (٢/ ١١).
(٢) لا تَثْرِيبَ: أي لا لوم، ولا تأنيب، ولا عتب عليك. انظر لسان العرب (٢/ ٨٩). ومنه قوله تَعَالَى في سورة يوسف آية (٩٢): ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾.
(٣) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة ﵃ - باب ذكر الاختلاف في أمر الخلافة - رقم الحديث (٤٥١٤) - وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية - رقم الحديث (٥/ ٢٦١) - وقال: إسناده صحيح.
[ ٤ / ٦٤٣ ]
عُمَرَ -﵁-، قَالَ: ثُمَّ خَطَبَ أَبُو بَكْرٍ -﵁-، وَاعْتَذَرَ إلى النَّاسِ، وَقَالَ: مَا كُنْتُ حِرِيصًا عَلَى الْإِمَارَةِ يَوْمًا وَلَا لَيْلَةً، وَلَا سَأَلتهَا في سِرٍّ وَلَا عَلَانِيَةٍ، فَقَبِلَ الْمُهَاجِرُونَ مَقَالَتَهُ، وَقَالَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ ﵄: مَا غَضِبْنَا إِلَّا لِأَنَّا أُخِّرْنَا عَنِ الْمَشُورَةِ، وَإِنَّا نَرَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ أَحَقَّ النَّاسِ بِهَا، وَإِنَّهُ لَصَاحِبُ الْغَارِ، وَإِنَّا لَنَعْرِفُ شَرَفَهُ وَخَبَرَهُ، وَلَقَدْ أَمَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- إِنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ وَهُوَ حَيٌّ (١).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا بُوبع لِأَبِي بَكْرٍ -﵁- بَعْدَ النَّبِيِّ -ﷺ- كَانَ عَلِيٌّ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ ﵄ يَدْخُلَانِ عَلَى فَاطِمَةَ ﵂ فَيُشَاوِرَانِهَا، فبلَغَ عُمَرُ -﵁-، فَدَخَلَ عَلَى فَاطِمَةَ ﵂، فَقَالَ: يَا بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- مَا أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْ أَبِيكِ، وَمَا أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ بَعْدَ أَبِيكِ أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنْكِ، وَكَلَّمَهَا، فَدَخَلَ عَلِيٌّ وَالزُّبَيْرُ ﵄ عَلَى فَاطِمَةَ ﵂، فَقَالَتْ: انْصَرِفَا رَاشِدَيْنِ، فَمَا رَجَعَا إِلَيْهَا حَتَّى بَايَعَا (٢).
* رِوَايَةُ الصَّحِيحَيْنِ:
قُلْتُ: وَأَمَّا مَا وَقَعَ في الصَّحِيحَيْنِ مِنْ أَنَّ عَلِيًّا -﵁- بَايَعَ أَبَا بَكْرٍ -﵁- بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَذَلِكَ حِينَ توُفِّيَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ
_________________
(١) أورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية - رقم الحديث (٥/ ٢٦٢) - وجود إسناده.
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في فضائل الصحابة - رقم الحديث (٥٣٢) - بإسناد رجاله ثقات غير محمَّد بن إبراهيم، فقد سكت عنه أبو نعيم، والخطيب.
[ ٤ / ٦٤٤ ]
-ﷺ﵂ (١)، فَقَدْ جَمَعَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ بَيْنَ ذَلِكَ (٢) فَقَالَ: . . . أَنَّ عَلِيًّا -﵁- بَايَعَ أَوَّلًا مَعَ النَّاسِ الْبَيْعَةَ الْعَامَّةَ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَلَمَّا حَصَلَ مِنْ فَاطِمَةَ ﵂، عَتْبٌ عَلَى الصِّدِّيقِ -﵁- بِسَبَبِ مَا كَانَتْ مُتَوَهِّمَةً أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ مِيرَاثَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَمْ تَعْلَمْ بِمَا أَخْبَرَهَا بِهِ الصِّدِّيقُ -﵁-، أَنَّهُ قاَلَ -ﷺ-: "لَا نورَثُ مَا تَرَكْنَاهُ فَهُوَ صَدَقَةٌ"، فَحَجَبَهَا وَغَيْرَهَا مِنْ أَزْوَاجِهِ -ﷺ- (٣) وَعَمَّهُ مِنْ مِيرَاثِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- بِهَذَا النَّصِّ الصَّرِيحِ، وَهُوَ الصَّادِقُ البَارُّ، الرَّاشِدُ، التَّابعُ لِلْحَقِّ -﵁-، فَحَصَلَ لَهَا ﵂وَهِيَ امْرَأَةٌ مِنَ الْبَشَرِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةِ الْعِصْمَةِ- عَتْبٌ وَتَغَضُّبٌ، وَلَمْ تُكَلِّمِ الصِّدِّيقَ -﵁- حَتَّى مَاتَتْ، وَاحْتَاجَ عَلِيٌّ -﵁- أَن يُرَاعِيَ خَاطِرَهَا بَعْضَ الشَّيْءِ، فَلَمَّا مَاتَتْ ﵂ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ وَفَاةِ أَبِيهَا -ﷺ- رَأَى عَلِيٌّ -﵁- أَنْ يجَدِّدَ البيعة لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-.
وَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِعَلِيٍّ -﵁- مِنْ مبايَعَتِهِ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- فِي أَوَّلِ أَوْ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب غزوة خيبر - رقم الحديث (٤٢٤٠) (٤٢٤١) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجهاد والسير - باب قول النبي -ﷺ-: "لا نورث ما تركنا فهو صدقة" - رقم الحديث (١٧٥٩).
(٢) وَقَالَ الحَافِظُ في الفَتْحِ (٨/ ٢٨٠): وأما بيعة علي -﵁- لأبي بكر -﵁- بعد وفاة فاطمة ﵂، فكانت بيعة ثانية مؤكدة للأولى لإزالة ما كان وقع بسبب الميراث.
(٣) روى البخاري في صحيحه - رقم الحديث (٦٧٣٠) - ومسلم في صحيحه - رقم الحديث (١٧٥٨) - عن عائشة ﵂ قالت: أن أزواج النبي -ﷺ- حين توفي رَسُول اللَّهِ -ﷺ-، أردن أن يبعثن عثمان بن عفان -﵁- إلى أبي بكر -﵁-، يسألنه ميراثهن من النبي -ﷺ-، فقالت عائشة ﵂ لهن: أليس قال رَسُول اللَّهِ -ﷺ-: "لا نورث ما تركنا فهو صدقة"؟ .
[ ٤ / ٦٤٥ ]
ثَانِي يَوْمٍ مِنْ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَهُوَ الذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ الْآثارُ مِنْ شُهُودِهِ مَعَهُ الصَّلَوَاتِ، وَخُرُوجِهِ مَعَهُ إلى ذِي الْقَصَّةِ (١) لِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَبَذْلِهِ النَّصِيحَةَ وَالْمَشُورَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ (٢).
وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ في دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: قِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁-: أَلَا تَسْتَخْلِفُ عَلَيْنَا؟
قَالَ: مَا اسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فَأَسْتَخْلِفُ، وَلَكِنْ إِنْ يُرِدِ اللَّهُ بِالنَّاسِ خَيْرًا، فَسَيَجْمَعُهُمْ بَعْدِي عَلَى خَيْرِهِمْ، كَمَا جَمَعَهُمْ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ عَلَى خَيْرِهِمْ (٣).
وَيَظْهَرُ لَنَا مِنْ هَذَا كُلِّهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ ﵃ الْمُهَاجِرِينَ مِنْهُمْ وَالْأَنْصَارِ عَلَى تَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁-.
وَيَظْهَرُ لَنَا أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، لَمْ يَنُصَّ عَلَى الْخِلَافَةِ عَيْنًا لِأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ، لَا لِأَبِي بَكْرٍ -﵁-، كَمَا قَدْ زَعَمَهُ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلَا لِعَلِيٍّ -﵁-، كَمَا يَقُولهُ طَائِفَةٌ مِنَ الرَّافِضَةِ، وَلَكِنْ أَشَارَ إِشَارَةً قَوِيَّةً يَفْهَمُهَا كُلُّ ذِي لُبٍّ، وَعَقْلٍ إلى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- (٤).
_________________
(١) ذِي الْقَصَّةِ: بفتح القاف وفتح الصاد المشددة، موضع قريب من المدينة. انظر النهاية (٤/ ٦٤).
(٢) انظر البداية والنهاية (٥/ ٢٦٢) (٦/ ٦٩٣).
(٣) أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (٧/ ٢٢٣) - وأورده الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٥/ ٢٦٣) - وجود إسناده.
(٤) انظر البداية والنهاية (٥/ ٢٦٢).
[ ٤ / ٦٤٦ ]
جَهَازُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- وَغَسْلُهُ
فَلَمَّا بُويِعَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ -﵁- بِالْخِلَافَةِ، أَقْبَلَ النَّاسُ عَلَى جَهَازِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَذَلِكَ يَوْمُ الثُّلَاثَاءِ (١).
وَلَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا أَرَادُوا غَسْلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَدْرِي كَيْفَ نَصْنَعُ، أَنُجَرِّدُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نَغْسِله وَعَلَيْهِ ثِيَاُبهُ؟ .
قَالَتْ: فَلَمَّا اخْتَلَفُوا أَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ السِّنَةَ (٢) حَتَّى وَاللَّهِ مَا مِنَ القوْمِ مِنْ رَجُلٍ إِلَّا ذَقْنُهُ في صَدْرِهِ نَائِمًا، ثُمَّ كَلَّمَهُمْ مِنْ نَاحِيَةِ الْبَيْتِ، لَا يَدْرُونَ مَنْ هُوَ: أَنِ اغْسِلُوا النَّبِيَّ -ﷺ- وَعَلَيْهِ ثِيَابهُ.
قَالَتْ ﵂: فَثَارُوا إِلَيْهِ، فَغَسَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- وَهُوَ فِي قَمِيصِهِ (٣) يُفاضُ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَالسِّدْرُ، وَيَدْلِكُهُ الرِّجَالُ بالْقَمِيصِ (٤).
_________________
(١) أخرج ذلك ابن إسحاق في السيرة (٤/ ٣٢١) - وإسناده حسن.
(٢) السِّنَةُ: بكسر السين، وهو النُّعَاسُ.
(٣) في رواية ابن حبان: وعليه قميصه.
(٤) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٦٣٠٦) - وابن حبان في صحيحه =
[ ٤ / ٦٤٧ ]
وَكَانَ الذِينَ وَلُوا غَسْلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبْنَاؤُهُ: الْفَضْلُ، وَقُثَمُ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَشُقْرَانُ (١) مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ﵃ أَجْمَعِينَ.
وَأَمَّا أَوْسُ بْنُ خَوْلي الْأَنْصَارِيُّ -﵁-، فَقَدْ قَالَ لِعَلِيٍّ -﵁-: يَا عَلِيُّ نَشَدْتُكَ اللَّه، وَحَظَّنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ له عَلِيٌّ -﵁-: ادْخُلْ، فَدَخَلَ فَحَضَرَ غَسْلَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَمْ يَلِ مِنْ غَسْلِهِ شَيْئًا (٢).
فَكَانَ الْعَبَّاسُ وَالْفَضْلُ وَقُثَمُ يُقَلِّبُونَهُ -ﷺ-، مَعَ عَلِيٍّ -﵁-، وَكَانَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَشُقْرَانُ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ﵄ يَصُبَّانِ الْمَاءَ، وَعَلِيٌّ -﵁- يَغْسِلُهُ، وَهُوَ يَقُولُ: بِأَبِي وَأُمِّي، مَا أَطْيبكَ حَيًّا وَمَيْتًا (٣).
* تَأَسُّفُ عَائِشَةَ ﵂ في غُسْلِ الرَّسُولِ -ﷺ-:
رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ:
_________________
(١) = كتاب التاريخ - باب وفاته -ﷺ- رقم الحديث (٦٦٢٧) - وأبو داود في سننه - كتاب الجنائز - باب في ستر الميت عند غسله- رقم الحديث (٣١٤١).
(٢) وقع ذكره -﵁- في مسند الإِمام أحمد بلفظ "صالح مولاه" -أي مولى رَسُول اللَّهِ -ﷺ-. وهو اسمه، ولقبه شقران -﵁-. وانظر الإصابة (٣/ ٢٨٤).
(٣) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٥٧) وإسناده حسن لغيره.
(٤) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٥٧) - وإسناده حسن لغيره، وابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في غسل النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٤٦٧) - وإسناده صحيح.
[ ٤ / ٦٤٨ ]
لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا غَسَّلَهُ (١) إِلَّا نِسَاؤُهُ (٢).
* حَدِيثٌ ضَعِيفٌ:
وَأَمَّا مَا رَوَاه ابْنُ مَاجَه في سُنَنِهِ عَنْ عَلِيٍّ -﵁- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "إِذَا أنَّا مِتُّ فَاغْسِلُوني بِسَبْعِ قِربٍ، مِنْ بِئْرِي بِئْرِ غَرْسٍ" (٣).
فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ، في إِسْنَادِهِ عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ الرَّوَاجِنِيُّ، وَهُوَ ضَعِيفٌ.
* * *
_________________
(١) أي: ما غسَّل الرسول -ﷺ-.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه - كتاب الجنائز - باب في ستر الميت عند غسله - رقم الحديث (٣١٤١) - وابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في غسل الرجل امرأته وغسل المرأة زوجها - رقم الحديث (١٤٦٤).
(٣) أخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في غسل النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٤٦٨)، وانظر السلسلة الضعيفة للألباني ﵀ - رقم الحديث (١٢٣٧).
[ ٤ / ٦٤٩ ]
تَكْفِينُ رَسُولِ اللَّه -ﷺ-
وَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ غَسْلِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- كُفِّنَ -ﷺ- فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُوليَّةٍ (١) مِنْ كُرْسُفٍ (٢)، لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ (٣).
قَالَ الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ في جَامِعِهِ: وَقَدْ رُوِيَ في كَفَنِ النَّبِيِّ -ﷺ- رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَصَحُّ الْأَحَادِيثِ التِي رُوِيَتْ في كَفَنِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -ﷺ-، وَغَيْرِهِمْ (٤).
* * *
_________________
(١) سَحُوليَّة: بفتح السين نسبة إلى قرية باليمن تنسب إليها الثياب، وروي بضم السين، وهو جمع سَحْل، وهو الثوب الأبيض النقي. انظر النهاية (٢/ ٣١٣) - جامع الأصول (١١/ ٧٨١).
(٢) الْكُرْسُفُ: الْقُطْنُ. انظر النهاية (٤/ ١٤٢) - جامع الأصول (١١/ ٧٩١).
(٣) أخرج ذلك البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب الثياب البيض للكفن - رقم الحديث (١٢٦٤) - ومسلم في صحيحه - كتاب الجنائز - باب في كفن الميت - رقم الحديث (٩٤١) - عن عائشة ﵂.
(٤) انظر جامع الترمذي (٢/ ٤٨٥).
[ ٤ / ٦٥٠ ]
الصَّلاةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-
وَلَمَّا كُفِّنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ في بَيْتِهِ -بَيْتِ عَائِشَةَ ﵂- ثُمَّ أُذِنَ لِلنَّاسِ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِ -ﷺ- أَرْسَالًا (١)، يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَلَا يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ (٢).
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وَهَذَا الصَّنِيعُ، وَهُوَ صَلَاتُهُمْ عَلَيْهِ -ﷺ- فُرَادَى لَمْ يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ عَلَيْهِ، أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ فِيهِ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ في تَعْلِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: إِنَّمَا لَمْ يَؤُمُّهُمْ أَحَدٌ لِيباشِرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ النَّاسِ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ مِنْهُ إِلَيْهِ، وَلتُكَرَّرَ صَلَاةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ مِنْ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ آحَادِ الصَّحَابَةِ رِجَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَصِبْيَانِهِمْ حَتَّى الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءَ (٣).
* * *
_________________
(١) أَرْسَالًا: أي أَفْوَاجًا وفِرَقًا مُتَقَطِّعَة، يتبع بعضهم بعضًا. انظر النهاية (٢/ ٢٠٢).
(٢) أخرج ذلك الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٧٦٦) - وإسناده صحيح.
(٣) انظر البداية والنهاية (٥/ ٢٧٨).
[ ٤ / ٦٥١ ]
دَفْنُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-
فَلَمَّا فَرَغُوا مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- أَخَذَ الصَّحَابَةُ ﵃ يَتَشَاوَرُونَ أَيْنَ يَدْفِنُونَهُ؟
فَقَالَ قَائِلٌ: نَدْفِنُهُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ، وَقَالَ آخَرُونَ نَدْفِنُهُ بِالْبَقِيعِ، فَاخْتَلفوا، فَأَرْسَلُوا إلى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ -﵁- فَقَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: "مَا قُبَضَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا في الْمَوْضعِ الذِي يُحِبُّ أَنْ يُدْفَنَ فِيهِ" (١)، ادْفِنُوهُ في مَوْضِعِ فِرَاشِهِ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ في الْمُسْتَدْرَكِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: رَأَيْتُ -أَيْ في الْمَنَامِ- كَأَنَّ ثَلَاثَةَ أَقْمَارٍ سَقَطَتْ في حُجْرَتِي، فَسَأَلْتُ أَبَا بَكْرٍ -﵁-، فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنْ تَصْدُقْ رُؤْيَاكِ يدْفَنُ في بَيْتِكِ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ ثَلَاثَةٌ، فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَدُفِنَ، قَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ -﵁-: يَا عَائِشَةُ هَذَا خَيْرُ أَقْمَارِكِ، وَهُوَ أَحَدُهَا (٢).
_________________
(١) أخرج هذا الحديث: الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٧) - والترمذي في جامعه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في دفن النبي -ﷺ- رقم الحديث (١٠٣٩) - وابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ذكر وفاته ودفنه -ﷺ- رقم الحديث (١٦٢٨) وهو حديث صحيح بطرقه وشواهده.
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب المغازي والسرايا - باب رؤيا عائشة ثلاثة أقمار - رقم الحديث (٤٤٥٦) (٨٢٥٣).
[ ٤ / ٦٥٢ ]
ثُمَّ اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ ﵃ في حَفْرِ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، هَلْ يُجْعَلُ له لَحْدٌ (١)، أَوْ يُجْعَلُ له شَقٌّ؟ .
وَكَانَ في الْمَدِينَةِ رَجُلَانِ يَحْفِرَانِ الْقُبُورَ، هُمَا: أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ -﵁-، وَكَانَ يَضْرِحُ (٢) كَحَفْرَ أَهْلِ مَكَّةَ، وَالآخَرُ هُوَ أَبُو طَلْحَةَ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ الْأَنْصَارِيُّ -﵁-، وَكَانَ يَلْحِدُ، وَكَانَ يَحْفِرُ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، فَأَرْسَلُوا رَجُلَيْنِ أَحدَهُمَا إلى أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ -﵁-، وَالْآخَرَ لِأَبِي طَلْحَةَ -﵁-، فَقَالُوا: أَيُّهَا جَاءَ أَوَّلًا حَفَرْنَا عَلَى طَرِيقَتِهِ، فَجَاءَ أَوَّلًا أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ -﵁-، فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٣).
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى: فَذَهَبَ الرَّجُلَانِ، فَلَمْ يَجْدْ صَاحِبُ أَبِي عُبَيْدَةَ أَبَا عُبَيْدَةَ، وَوَجَدَ صَاحِبُ أَبِي طَلْحَةَ أَبَا طَلْحَةَ، فَجَاءَ بِهِ، فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (٤).
وَفي رِوَايَةٍ أُخْرَى عِنْدَ ابْنِ مَاجَه في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- اخْتَلَفُوا في اللَّحْدِ وَالشَّقِّ، حَتَّى تَكَلَّمُوا في
_________________
(١) اللَّحْدُ: الشِّقُّ الذي يُعمل في جانب القبر لموضع الميت؛ لأنه قد أُميل عن وسط القبر إلى جانبه. انظر النهاية (٤/ ٢٠٤).
(٢) الضَّرِيحُ: أي يعمل الضريح، وهو القبر. انظر النهاية (٣/ ٧٥).
(٣) أخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في الشق - رقم الحديث (١٥٥٧) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٨٣٢) - والإمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٣٩) (٢٣٥٧) - وإسناده حسن.
(٤) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٣٥٧) - وإسناده حسن لغيره.
[ ٤ / ٦٥٣ ]
ذَلِكَ، وَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمْ، فَقَالَ عُمَرُ -﵁-: لَا تَصْخَبُوا (١) عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَيًّا وَلَا مَيْتًا، أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا، فَأَرْسَلُوا إلى الشَّقَّاقِ وَاللَّاحِدِ جَمِيعًا، فَجَاءَ اللَّاحِدُ فَلَحَدَ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، ثُمَّ دُفِنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- (٢).
وَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ -﵁-، خَطَّ حَوْلَ الْفِرَاشِ، ثُمَّ حُوِّلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بِالْفِرَاشِ في نَاحِيَةٍ مِنَ الْبَيْتِ، وَحَفَرَ أَبُو طَلْحَةَ الْقَبْرَ، وَصَنَعَ لَهُ لَحْدًا، وَدَخَلَ قَبْرَهُ -ﷺ- الْعَبَّاسُ، وَعَلِيٌّ، وَالْفَضْلُ، وَوَضَعَ شُقْرَانُ مَولَى رَسُولِ اللَّه -ﷺ- فِي قَبْرِهِ -ﷺ- قَطِيفَةً (٣) حَمْرَاءَ (٤)، ثُمَّ أَنْزَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- في قَبْرِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ (٥).
* * *
_________________
(١) الصخب: الضجة: واضطراب الأصوات للخصام. انظر النهاية (٣/ ١٤).
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في الشق - رقم الحديث (١٥٥٨) - وله شاهدٌ عند مسلم في صحيحه من حديث سعد بن أبي وقاص -﵁- كتاب الجنائز - باب في اللحد ونصب اللبن على الميت - رقم الحديث (٩٦٦).
(٣) القطيفة: هي كساء له خمل. انظر النهاية (٤/ ٧٥).
(٤) أخرج وضع القطيفة في قبره -ﷺ-: مسلم في صحيحه - كتاب الجنائز - باب جعل القطيفة في القبر - رقم الحديث (٩٦٧).
(٥) أخرج ذلك ابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب وفاته -ﷺ- رقم الحديث (٦٦٣٣) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٨٤٣) وإسناده جيد.
[ ٤ / ٦٥٤ ]
مَنْ كَانَ آخْرَ الْعَهْدِ برَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-
أَمَّا مَنْ كَانَ آخِرَ عَهْدِهِ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَدِ اخْتُلِفَ في ذَلِكَ، فَقِيلَ: الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ -﵁-، فَأَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الآثارِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي عَسِيبٍ قَالَ: . . . فَلَمَّا وُضِعَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-، في لَحْدِهِ، قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ -﵁-: قَدْ بَقِيَ مِنْ رِجْلَيْهِ شَيْءٌ لَمْ يُصْلِحُوهُ، قَالُوا: فُادْخُلْ فَأَصْلِحْهُ، فَدَخَلَ وَأَدْخَلَ يَدَهُ، فَمَسَّ قَدَمَيْهِ الشَّرِيفَتَيْنِ، فَقَالَ: أَهِيلُوا عَلَيَّ التُّرَابَ، فَأَهَالُوا عَلَيْهِ التُّرَابَ حَتَّى بَلَغَ أَنْصَافَ سَاقَيْهِ، ثُمَّ خَرَجَ، فَكَانَ يَقُولُ: أَنَا أُحْدَثُكُمْ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- (١).
وَرَوَى الْحَاكِمُ في الْمُسْتَدْرَكِ وَالطَّحَاوِيُّ في مُشْكِلِ الآثار بِسَنَدٍ ضَعِيفٍ أَنَّ الْمُغِيرَةَ أَلْقَى خَاتَمَهُ في قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ لِيَكُونَ هُوَ آخِرَ مَنْ مَسَّ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ-، فَقَالَ له عَلِيٌّ -﵁-: لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّكَ نَزَلْتَ في قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَا تُحَدِّثُ أَنْتَ النَّاسَ إِنَّ خَاتَمَكَ فِي قَبْرِهِ، فنَزَلَ عَلِيٌّ -﵁-، فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ، أَوْ أَمَرَ رَجُلًا فَأَعْطَاهُ إِيَّاهُ (٢).
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٠٧٦٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٨٣٦).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك - كتاب معرفة الصحابة ﵃ - باب ذكر مناقب =
[ ٤ / ٦٥٥ ]
وَقِيلَ: قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ ﵄، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ، وَالطَّحَاوِيُّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: دَخَلَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ -﵁-، فَقَالُوا لَهُ: يَا أَبَا حَسَنٍ، جِئْنَاكَ نَسْأَلُكَ عَنْ أَمْرٍ نُحِبُّ أَنْ تُخْبِرَنَا عَنْهُ، قَالَ: أَظُنُّ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ يُحَدِّثُكُمْ أَنَّهُ كَانَ أَحْدَثَ النَّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-؟
قَالُوا: أَجَلْ، عَنْ ذَلِكَ جِئْنَا نَسْأَلُكَ، قَالَ: أَحْدَثُ النَّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ -﵁-.
وَفِي رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ في شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ، قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: كَذَبَ، آخِرُ النَّاسِ عَهْدًا بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ -﵁- (١).
وَالصَّحِيحُ أَنَّ آخِرَ الْعَهْدِ بِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- هُوَ قُثَمُ بْنُ الْعَبَّاسِ ﵄.
* * *
_________________
(١) = المغيرة بن شعبة - رقم الحديث (٥٩٤٧) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٨٣٩).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٧٨٦) - والطحاوي في شرح مشكل الآثار - رقم الحديث (٢٨٤٠).
[ ٤ / ٦٥٦ ]
مَتَى دُفِنَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-
وَكَانَ دَفْنُهُ -ﷺ- لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: تُوُفِّيَ النَّبِيُّ -ﷺ- يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَدفْنَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ (١).
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى في الْمُسْنَدِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ قَالَتْ ﵂: مَا عَلِمْنَا بِدَفْنِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حَتَّى سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَسَاحِي (٢) مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ (٣).
قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَكَثَ -ﷺ- بَقِيَّةَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمِ الثُّلَاثَاءِ بِكَمَالِهِ، وَدُفِنَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ أَيْضًا ﵀: وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ -ﷺ- تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَدُفِنَ لَيْلَةَ الْأَرْبِعَاءِ (٤).
قُلْتُ: إِنَّا للَّهِ وَإِنَّا إِليْهِ رَاجِعُونَ! !
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٧٩٠).
(٢) الْمَسَاحِي: جمع مِسْحَاة، وهي الْمَجْرَفَةُ من الحديد. انظر النهاية (٤/ ٢٨٠).
(٣) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (٢٤٣٣٣).
(٤) انظر البداية والنهاية (٥/ ٢٨٤).
[ ٤ / ٦٥٧ ]
وَنُشْهِدُ اللَّهَ أَنَّهُ قَدْ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ، وَأَدَّى الْأَمَانَةَ، وَنَصَحَ الْأُمَّةَ، وَترَكَهَا عَلَى الْمَحَجَّةِ الْبَيْضَاءِ لَيْلُهَا كَنَهَارِهَا لَا يَزِيغُ عَنْهَا إِلَّا هَالِكٌ.
* * *
[ ٤ / ٦٥٨ ]
حُزْنُ الصَّحَابَةِ ﵃
وَلقدْ حَزِنَ الصَّحَابَةُ ﵃ عَلَى وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- حُزْنًا عَظِيمًا، فَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ -﵁-. قال: ما رأيت يومًا قَطُّ أَنْوَرَ وَلَا أَحْسَنَ مِنْ يَوْم دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- وَأَبُوَ بَكْرٍ الْمَدِينَةَ، وَشَهِدْتُ وَفَاتَهُ -ﷺ-، فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا قَطُّ أَظْلَمَ وَلَا أَقْبَحَ مِنَ الْيَوْمِ الذِي تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- فِيهِ (١).
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ في مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الذِي دَخَلَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- الْمَدِينَةَ، أَضَاءَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الذِي مَاتَ فِيهِ، أَظْلَمَ مِنْهَا كُلُّ شَيْءٍ، وَمَا نَفَضْنَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- الْأَيْدِي، وَإِنَّا لَفِي دَفْنِهِ، حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا (٢).
وَرَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: لَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ
_________________
(١) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٢٢٣٤).
(٢) أخرجه الإِمام أحمد في مسنده - رقم الحديث (١٣٨٣٠) - وابن حبان في صحيحه - كتاب التاريخ - باب وفاته -ﷺ- رقم الحديث (٦٦٣٤) - وابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ذكر وفاته ودفنه -ﷺ- رقم الحديث (١٦٣١).
[ ٤ / ٦٥٩ ]
-ﷺ- قَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-: يَا أَبَتَاهُ أَجَابَ رَبًّا دُعَاهُ، يَا أَبَتَاهُ جَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ مَأْوَاهُ، يَا أَبَتَا إلى جِبْرِيلَ نَنْعَاهُ.
قَالَ أَنَسٌ -﵁-: فَلَمَّا دُفِنَ -ﷺ- قَالَتْ فَاطِمَةُ ﵂: يَا أَنَسٌ، أَطَابَتْ أَنْفُسُكُمْ أَنْ تَحْثُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- التُّرَابَ (١).
وَرَوَى الْإِمَامُ مُسْلِمٌ في صَحِيحِهِ عَنْ أَنَسٍ -﵁- قَالَ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ -﵁- بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ -ﷺ- لِعُمَرَ -﵁-: انْطَلِقْ بِنَا إلى أُمِّ أَيْمَنَ نَزورُهَا، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- يَزُورُهَا، فَلَمَّا انتهَيْنَا إِلَيْهَا بَكَتْ، فَقَالَا لَهَا: مَا يُبْكِيكِ؟ .
مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، قَالَتْ: إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِرَسُولِ اللَّهِ -ﷺ-، وَلَكِنِّي أَبْكِي أَنَّ الْوَحْيَ قَدِ انْقَطَعَ مِنَ السَّمَاءَ، فهَيَّجَتْهُمَا عَلَى الْبُكَاءَ، فَجَعَلَا يَبْكِيَانِ مَعَهَا (٢).
وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ -﵁-:
فَابْكِي رَسُولَ اللَّهِ يَا عَيْنُ عَبْرَةً وَلَا أَعْرِفَنْكِ الدَّهْرَ دَمْعَكِ يَجمَدُ
_________________
(١) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب المغازي - باب مرض النبي -ﷺ- ووفاته - رقم الحديث (٤٤٦٢) - وابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ذكر وفاته ودفنه -ﷺ- رقم الحديث (١٦٢٩) (١٦٣٠).
(٢) أخرجه مسلم في صحيحه - كتاب فضائل الصحابة ﵃ - باب من فضائل أم أيمن ﵂ - رقم الحديث (٢٤٥٤) - وابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ذكر وفاته ودفنه -ﷺ- رقم الحديث (١٦٣٥).
[ ٤ / ٦٦٠ ]
وَمَالَكِ لَا تَبْكِينَ ذَا النَّعْمَةِ التِي عَلَى النَّاسِ مِنْهَا سَابغٌ يَتَغَمَّدُ
فَجُودِي عَلَيْهِ بِالدُمُوعِ وَأَعْوِلِي لِفَقْدِ الذِي لَا مِثْلُهُ الدَّهرَ يُوجَدُ
وَمَا فَقَدَ الْمَاضُونَ مِثْلَ مُحَمَّدٍ وَلَا مِثلُهُ حَتَّى القِيامَةِ يُفقَدُ (١)
وَرَوَى ابْنُ مَاجَه في سُنَنِهِ بِسَنَدٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ- بَابًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ، أَوْ كَشَفَ سِتْرًا، فَإِذَا النَّاسُ يُصَلُّونَ وَرَاءَ أَبِي بَكْرٍ -﵁-، فَحَمِدَ اللَّه عَلَى مَا رَأَى مِنْ حُسْنِ حَالِهِمْ، وَرَجَا أَنْ يَخْلفهُ اللَّهُ فِيهِمْ بِالذِي رَآهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -ﷺ-: "أَيُّهَا النَّاسُ، أَيُّمَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، أَوْ مِنَ الْمُؤْمنِينَ، أُصِيبَ بِمُصيبَةٍ فَلْيَتَعَزَّ بِمُصِيبَتِهِ بِي عَنِ الْمُصيبَةِ التِي تُصِيبُهُ بِغَيْرِي، فَإِنَّ أَحَدًا مِنْ أُمَّتِي لَنْ يُصَابَ بِمُصِيبَةٍ بَعْدِي أَشَدَّ عَلَيْهِ مِنْ مُصِيبَتِي" (٢).
* * *
_________________
(١) انظر ديوان حسان بن ثابت -﵁- ص ٦٣.
(٢) أخرجه ابن ماجه في سننه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في الصبر على المصيبة - رقم الحديث (١٥٩٩).
[ ٤ / ٦٦١ ]