[ ١ / ٥ ]
بين يدي البحث
كتب السيرة النبوية تملأ المكتبة الإسلامية. فما معنى التكرار فيها إذا لم نأت بجديد؟ وسأدع الإجابة على هذا السؤال يستنتجها القارىء نفسه من خلال المقدمة.
عشت مع السيرة النبوية مند نعومة أظفاري، بل كنت أحرص على حفظها عن ظهر قلب، وكانت المتعة الكبرى في حياتي من خلالها، أتعمق في معانيها، وأتربي على أحداثها وتأخذ روعتها بلبي. ومن أجل ذلك، وحرصا على أن تكون جزءا من كياني ما كنت أدع كتابا في السيرة، أو مصدرا من مصادرها إلا وأسارع إلى اقتنائه وقراءته ينهم شديد. وكانت الأحلام تراودني أن أكتب في السيرة مند سن المراهقة. وتجاوز الأمر مرحلة الحلم إلى التنفيذ الواقعي، وأمضيت خمس سنوات وأنا أكتب في كل جزئية من جزئياتها. لكني مع ذلك بقيت انتظر فرصة سانحة من العمر أتفرغ فيها تماما للسيرة، وتحول الأعمال والعلاقات الاجتماعية دون ذلك.
ولا أزال انتظرا!!
أما فكرة المنهج الحركي للسيرة. فقد انبثقت في الفكر انبثاقا يختلف عن الأصل الذي كنت أفكر فيه.
لا أزال أذكر في بداية الستينات عندما طلع علينا الشهيد سيد قطب ﵀ بكتابه - معالم في الطريق - وكان نقطة تحول حساسة في الفكر الحركي
[ ١ / ٧ ]
الإسلامي. وقفت مليا أمام هذه الفقرة:
والسمة الثانية في منهج هذا الدين: هي الواقعية الحركية .. فهو حركة ذات مراحل، كل مرحلة لها وسائل مكافئة لمقتضياتها وحاجاتها الواقعية، وكل مرحلة تسلم إلى المرحلة التي تليها فهو لا يقابل الواقع بنظريات مجردة. كما أنه لا يقابل مراحل هذا الواقع بوسائل متجمدة .. والذين يسوقون النصوص المختلفة بكل مرحلة منها .. الذين يصنعون هذا يخلطون خلطا شديدا، ويلبسون منهج هذا الدين لبسا مضللا، ويحملون النصوص ما لا تحتمله من المبادىء والقواعد النهائية. ذلك أنهم يعتبرون كل نص منها كما لو كان نصا نهائيا. يمثل القواعد النهائية في هذا الدين، ويقولون - وهم مهزومون روحيا وعقليا تحث ضغط الواقع اليائس لذراري المسلمين الذين لم يبق لهم من الإسلام إلا العنوان - إن الإسلام لا يجاهد إلا للدفاع أو يحسبون أنهم يسدون إلى هذا الدين جميلا بتخليه عن منهجه، وهو إزالة الطواغيت كلها من الأرض جميعا، وتعبيد الناس لله وحده، وإخراجهم من العبودية للعباد إلى العبودية لرب العباد! لا بقهرهم على اعتناق عقيدته، ولكن بالتخلية بينهم وبين هذه العقيدة، بعد تحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة، أو قهرها حتى تدفع الجزية، وتعلن استسلامها والتخلية بين جماهيرها وهذه العقيدة، تعتنقها أو لا تعتنقها بكامل حريتها). العالم ص ٥٨.
وقفت أمام هذه الفترة كثيرا وأنا أقرأ الكتاب أو أشرحه. وتساءلت في نفسي عن هذه الواقعية الحركية: ما هي مراحلها؟ وما هي الوسائل المناسبة لكل مرحلة؟
وما أحوجنا إلى كتاب يوضح هذه المراحل، وهذه الوسائل. فيضع نقاطا علامة للدعاة إلى الله، يتعرفون فيها على خطوات السير، كما فعل الشهيد في معالمه.
موضوع مثير حقا، وعدم فهم هذه المراحل والتعرف عليها، وفهم الوسائل المناسبة يجعل الخلاف عميقا بين الدعاة المسلمين وأبناء الحركة الإسلامية.
[ ١ / ٨ ]
وللإجابة على هذا السؤال. لم يكن عندي إلا دراسة السيرة دراسة واضحة تحدد المراحل المتتابعة فيها، وسمات كل مرحلة. لأن السيرة النبوية هي التطبيق العملي للإسلام، وهي الصورة الأنموذج لإقامة دولة الإسلام. فإذا توضحت هذه المراحل، وتبينت هذه السمات، كقينا المؤونة، وتوحد خط السير، وانتفى دور الاجتهاد الشخصي:
لكن يبرز سؤال دقيق:
ما هو مدى إلزامية هذه المراحل وهذه الوسائل، للجماعة المسلمة وهي تشق طريقها لإقامة دولة الإسلام في الأرض؟ وهل الحركة الإسلامية متعبدة بهذه المراحل ما لها من فكاك عنها. أم أن تلك المراحل قد انتهت مع النصوص النهائية للإسلام، وأصبحت منسوخة هي وأحكامها في الواقع الإسلامي.
ولا يخفى أبدا إن خلافا كبيرا بين حركتين إسلاميتين حول هذا الموضوع جعل كل واحدة منهما تسير في خط مستقل، وذلك من خلال هذين الفهمين:
الفهم الأول: يرى أن التقيد بهذه المراحل لا مناص منه حتى في الحد الزمني. وهي تقرر أن رسول الله - ﷺ - عاش دعوة ثلاثة عشر عاما. ثم أقام دولته، فهي مقيدة بهذا العمر من الدعوة. وعليها أن تقيم دولة الإسلام بعد ثلاثة عشر عاما من عمرها. وهذا فهم خطير ولا شك، فالمدى الزمني في الأصل تقدير رباني، وليس جهدا بشريا فقط، والله تعالى قد قال لنبيه: ﴿فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون أو نرينك الذي وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم﴾. الزخرف ٤١ - ٤٣. ومن آثار هذا الفهم كذلك موضوع النصرة، وأنه لا يجوز استعمال السلاح قبل قيام الدولة، إنما تقوم الدولة على أساس طلب النصرة من سدنة المجتمع الجاهلي. وإلى أن يفتح صدر أحد هؤلاء للدعوة أو لنصرة هذه الدعوة وهو على شركه. فالحركة الإسلامية معذورة في المواجهة المسلحة، وقد أدى حمل هذين المبدأين معا، العمر الزمني والنصرة إلى تناقض عجيب في
[ ١ / ٩ ]
المواقف، وإلى تزعزع في الثقة بصحة هذه المبادىء.
إننا إذا تركنا العمر الزمني جانبا وهو مرتبط بقدر الله أولا، وسنته في نصره عندما ينضج الدعاة ويغدون مؤهلين للخلافة في الأرض. نستطيع أن نقول إن المنهج الحركي للسيرة ملزم للدعاة في خطهم الجهادي لإقامة دولة الله في الأرض. وذلك أنا مأمورون باقتفاء سيرة الرسول - ﷺ -.
﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾.
والأسوة تبدو واضحة أكثر ما تبدو من خلال السيرة العملية للنبي ﵊، وأي اعتساف في مراحل هذا المنهج لا يوصل إلى الغاية، والتجارب الكثيرة التي خاضتها الحركات الإسلامية على مدار التاريخ تؤكد هذا المعنى. فما من حركة إسلامية قامت، وأقامت منهج الله في الأرض إلا اعتمدت التنظيم السري في بداية الأمر، ثم انطلقت إلى إعلان فهمها الحركي للإسلام، من خلال الحكمة والموعظة الحسنة، ثم واجهت المجتمع المنحرف جاهليا كان أو فاسقا. وتسنمت سدة الحكم، واعتمدت القوة للحفاظ على المبدأ من الحرب المسلحة التي يشنها أعداؤه عليه. بينما بقيت قضية اعتماد السلاح والقوة في مرحلة الدعوة أمرا اجتهاديا. متقيدا بطبيعة الحرب مع العدو أو الخصم.
وإذا كان الأمر مجال خلاف في الاجتهاد وللمسلمين خلافتهم ودولتهم التي يفيئون إليها فليس الأمر كذلك والمسلمون نتفا مبعثرة في الأرض يحكمون بغير شريعة الله، وإذا كان تكوين الجماعة - مع قيام دولة الإسلام - محل خلاف ونظر حول الثورة على الأمير الفاسق. فليس هو محل خلاف، والأمير يحكم علنا وصراحة بغير شريعة الإسلام.
" إلا أن تروا كفرا بواحا. لكم فيه من الله تعالى برهان".
ولنتساءل أكثر وأكثر: ما فائدة دراسة المنهج الحركي للسيرة.
ولأجيب على هذا السؤال. أستأذن الأخ القارىء لأحدثه عن انطباعي
[ ١ / ١٠ ]
عن سور القرآن مع - ظلال القرآن - ودونه.
لقد كنت أقرأ السور الطوال في القرآن، وأخص بالذكر الزهراوين البقرة وآل عمران. فلا أكاد أجد خطا يربط بين جزئياتها، وأضيع في متاهاتها. تماما مثل رجل دخل في بلدة ولم يتعرف على مخططها. فهو يجوب فيها كلها دون أن يصل إلى بغيته. أو الدار التي يريدها. أو رأى بناء ضخما. لم ير هندسته التي قام عليها. فلا يدرك شيئا من جمال البناء وفن المعمار فيه. ولكني عندما قرأت - في ظلال القرآن - أحسست بعظمة البناء وروعته. أحسست بأن سورة البقرة التي تستغرق قرابة جزأين ونصف. كان محورها الرئيسي هو البناء الداخلي للأمة من خلال العبادات والتشريعات، وعرض عدوها الأول بني إسرائيل - لتتعرف على طبيعة هذا العدو، وعلى تجربته حين كلف بالخلافة في الأرض، وكيف انحرف عن رسالته. بهدين الخطين الرئيسيين أمكن أن نعيد كل جزئية في هذه السورة العظيمة إلى مكانها في المخطط، وفعلا قدم سيد لنا - ﵀ - المنهج الحركي في القرآن - فلكل سورة هدف عام، وهدف خاص، ومحور تدور عليه أحداث هذه السورة، والذي يتعرض هذا المخطط الكلي للسورة، يستوعب بعدها كل أجزائها في مكانها المناسب لها. ويكاد يكون سيد ﵀ قد انفرد من بين المفسرين جميعا بهذه الميزة، وخاصة في الطبعة الثانية المنقحة من الظلال. هذا المنهج الذي اكتشفه في آخر عمله في الظلال في الطبعة الأولى، كما يقول الأخ الخالدي: (وفي الأجزاء الثلاثة الأخيرة من الظلال بدأ يبرز عند سيد قطب الاتجاه الحركي الذي تولد عنده نتيجة لتجربته العملية في الحركة بالإسلام، ونتيجة لنظراته المتجددة في القرآن. وكان لا بد من أن يعيد النظر في الظلال، ويعيد كتابته على أساس من اتجاهاته الحركية الجديدة، فكان أن أصدر سيد قطب الطبعة المنقحة من الظلال، وهي الطبعة الثالثة وقد أصدرتها دار إحياء الكتب العربية في القاهرة.
كتب سيد قطب الأجزاء العشرة الأولى من الطبعة الثالثة المنقحة بتركيز شديد، وكان يقف عند الآيات طويلا، ويسجل حولها كل خواطره،
[ ١ / ١١ ]
ويتعرض للحديث عما تشير إليه من أمور في العقيدة أو الفقه أو التشريع أو المعاملات السياسية أو الاقتصاد أو التاريخ أو الفلسفة أو التربية أو الاجتماع أو غير ذلك، ويقف طويلا على إيحاءات الحركية، ويسجل للعاملين للإسلام موحياتها ويرسم لهم على ضوئها معالم الطريق
وقد كان سيد قطب يتمنى أن يعيد كتابة باقي الأجزاء من الثالث عشر إلى السابع والعشرين على هذا المنهج الجديد، ويترك الأجزاء الثلاثة الأخيرة لأنها كتبت على ضوء هذا المنهج. ولكن الطغاة عجلوا بالقضاء عليه قبل أن يحقق هذه الأمنية ..) الشهيد الحي سيد قطب ٢٤٢ - ٢٤٣.
إذن هناك شيء اسمه المنهج الحركي للقرآن. كتب سيد ظلاله على ضوئه. وأنا أحاول في هذه الصفحات - على قلة بضاعتي - أن أتناول - المنهج الحركي للسيرة - الذي يحدد معالم الطريق وسماته. بحيث تأخذ الجزئيات في السيرة مكانها الطبيعي من خلال المرحلة. ولا تضيع معالم المرحلة في متاهة الجزئيات المبعثرة. كالذي يضيع في المدينة الضخمة دون أن يطلع على مخططها.
وما أحوجنا إلى الحديث عن المناهج، نحدد بها معالم السير. وما أفقر مكتبتنا الإسلامية إليها على كثرة ووفرة الكتب الإسلامية اليوم التي تغزو المكتبات كل يوم.
لدينا تلك المحاضرة لسيد ﵀: في التاريخ فكرة ومنهاج و- معالم في الطريق - ولدينا لأخي الشهيد، لمحمد قطب، المفكر الإسلامي العظيم: منهج التربية الإسلامية، ومنهج الفن الإسلامي. وكتابه المخطوط - الذي نرجو الله تعالى أن يرى النور - منهج للتاريخ الإسلامي. وكتب أخرى يصعب عرضها في هذه العجالة. لكنها بالتأكيد لا تتجاوز أصابع اليدين. هي كل ما نملكه في هذه المجالات. التي تنطلق كلها من النظرة الكلية الشاملة.
لتعيد بعد ذلك كل الأجزاء إلى مكانها الطبيعي في تخطيط هندسي بديع. وأخيرا ما أحوجنا إلى - المنهج الحركي للسنة النبوية.
هذا النتاج الضخم من الحديث الذي يمثل أعظم ما قاله البشر في
[ ١ / ١٢ ]
هذا الوجود، لا يزال مثناثرا تناثر النجوم في السماء تبلغ أعداد أحاديثه عشرات الألوف. وفي بعض مجموعاته خمسين ألف حديث. ولكنه، غير مترابط البناء، غير محكم البنيان. وأن يأتي العالم الإسلامي والمفكر الإسلامي، الذي ينظر إلى بناء هذا التجمع بناء مرتبطا بمراحل الدعوة، ومراحل الدولة، ويحدد معالمه وخطوطه، هو أمل، وما ذلك على المؤمنين - إن شاء الله - ببعيد.
وفي ختام هذا الحديث أود أن أعتذر سلفا إلى الأخ القارىء، عن أي فهم خاطىء قد فهمته في السيرة. وخاصة في المقارنات بين حركتنا الإسلامية اليوم ومسيرتنا الإسلامية، وبين مراحل السيرة من قبل ومنهجها الحركي، فهذه فهوم ونظرات، يختلف فيها الحكم، لكن أود أن يشاركني الأخ القارىء في أنه لا بد لنا من المنهج الحركي للسيرة النبوية، نسير على هداه، ولعل أخا بأتي من بعدي، يعمق هذه الخطوط، ويحدد هذه المراحل تحديدا أدق وأعمق ويكون الاتجاه كله لإيضاح معالم البناء الجديد. فالسيرة النبوية نبع ثر، ومعمل ضخم لا بد أن يحسن الاستفادة منه بتحديد مجاريه، وتوزيع نتاجه. ويبقى أكير المعالم للطريق الطويل.
والله نسأل أن يجنبنا عثرات الفكر، وزلات القلم، وأن يهدينا ويهدي بنا سواء السبيل، وأن يجعل هذا العمل خالصا لوجهه، وفي صحيفة حسناتنا يوم القيامة إنه سميع مجيب. إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت، وما توفيقي إلا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالين.
[ ١ / ١٣ ]
ماذا نعني بالمنهج الحركي
المعني به هو: الخطوات المنهجية التي تحرك بها النبي - ﷺ - منذ بعثته حتى انتقل إلى الرفيق الأعلى. وهذا يقتضي منا متابعة المراحل خطوة فخطوة، لنكون على بينة من أمرنا، ونحن نتابع السير في حركتنا الإسلامية، فنقتفي خطى حركته ﵊ انطلاقا من قول الله ﷿:
﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر (١)﴾ ولا شك أن متابعة هذه الخطوات والمراحل هو أمر تعبدي قبل كل شيء، نصل به إن اقتدينا بهداها إلى مرضاة الله ﷾.
وهو من جهة ثانية تبصرة للحركة الإسلامية في خطها السياسي للوصول إلى أهدافها في إقامة حكم الله في الأرض.
ونعتقد أن هذا المنهج الحركي هو رباني التوجيه، فالله تعالى يسدد نبيه في خطواته كلها. وليس هو وليد رد الفعل من الظروف الطارئة التي تواجهه.
وبعد هذه التوطئة البسيطة يمكننا أن نتصور المراحل المتتابعة لهذا المنهج، وسمات كل مرحلة على حدة دون أن نخوض في تفاصيل أحداث السيرة النبوية إلا بمقدار ما تقتضيه الضرورة في إيضاح هذه المراحل وسماتها.
أما المراحل التي نتصورها لهذا المنهج، فيمكن أن تحدد في خمس مراحل
_________________
(١) سورة الأحزاب الآية ٢١.
[ ١ / ١٥ ]
ونطلق عليها اصطلاحا التسميات التالية، ولا مشاحة في الاصطلاح:
المرحلة الأولى: سرية الدعوة وسرية التنظيم.
المرحلة الثانية: جهرية الدعوة، وسرية التنظيم.
المرحلة الثالثة: إقامة الدولة.
المرحلة الرابعة: الدولة وتثبيت دعائمها.
المرحلة الخامسة: انتشار الدعوة في الأرض.
وإذا كان لنا أن نحدد بداية كل مرحلة، ونهايتها، فإننا نجد ما يلي:
١ - سرية الدعوة: وتبدأ من البعثة النبوية إلى نزول قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين (١)﴾.
٢ - جهرية الدعوة، وسرية التنظيم: وتنتهي في العام العاشر للبعثة.
٣ - مرحلة إقامة الدولة: وتنتهي في بداية العام الأول للهجرة.
٤ - مرحلة تأسيس الدولة: وتنتهي بصلح الحديبية.
٥ - مرحلة انتشار الدعوة في الأرض: وتنتهي بوفاة الرسول - ﷺ -. وغني عن البيان أن نهاية كل مرحلة هي بداية المرحلة التي تليها. ولنبدأ الطريق مع أول مرحلة.
_________________
(١) سورة الشعراء الآية ٢١٤
[ ١ / ١٦ ]
المرحلة الأولى:
سرية الدعوة وسرية التنظيم
هذه المرحلة التي ابتدأت من غار حراء مع البعثة النبوية، وانتهت بعد ثلاثة أعوام للبعثة حين نزل قول الله ﷿: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾، وقوله جل شأنه: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (١)﴾.
_________________
(١) سورة الحجر الآية ٩٤.
[ ١ / ١٧ ]
السمة الأولى
الدعوة سرا
يقول المقريزي في كتابه إمتاع الأسماع:
(والتحقيق أن جبريل ﵇ لما جاءه بغار حراء وأقرأه: ﴿إقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ ورجع إلى خديجة، مكث ما شاء الله أن يمكث لا يرى شيئا. وفتر عنه الوحي؛ فاغتم لذلك وذهب مرارا ليتردى من رؤوس الجبال شوقا إلى ما عاين أول مرة من مشاهدة وحي الله إليه. فقيل: إن فترة الوحي كانت قريبا من سنتين، وقيل كانت سنتين ونصفا. وفي تفسير عبد الله ابن عباس كانت أربعين يوما، وفي كتاب معاني القرآن للزجاج كانت خمسة عشر يوما، وفي تفسير مقاتل ثلاثة أيام، ورجحه بعضهم وقال: ولعل هذا هو الأشبه بحاله عند ربه لم تبدى له الملك بين السماء والأرض على كرسي، وثبته وبشره أنه رسول الله، فلما رآه فرق منه، وذهب إلى خديجة ﵂. فقال: زملوني زملوني فأنزل الله تعالى: ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر وثياب فطهر﴾ فكانت الحالة الأولى بغار حراء حالة نبوة وإيحاء، ثم أمره الله تعالى في هذه الآية أن ينذر قومه ويدعوهم إلى الله ﷿.
[ ١ / ١٩ ]
فكان - فيما قاله عروة بن الزبير، ومحمد بن شهاب، ومحمد بن اسحاق - من حين أتت النبوة وأنزل عليه ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾ وقوله ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ ﴿وقل إني أنا النذير المبين﴾ ثلاث سنين (١).
ونلاحظ أن المقريزي رجح الآراء التي تعتبر فترة انقطاع الوحي فترة قصيرة حول الأربعين والخمسة عشر والثلاثة من الأيام (٢). بينما ساق الأقوال الأولى عن السنتين والسنتين والنصف دون إسناد.
وفي الرأي الثاني يزول الإشكال الكبير حول هذه الفترة التي لا نجد لها ذكرا أو تاريخا. ولو حسبت هاتان السنتان والنصف من المرحلة السرية لكانت مرحلة الدعوة فيها لا تعدو سنة أو نصف سنة، ومن المستبعد جدا أن يكون ذلك.
ننتهي بهذا إلى أن السمة الأولى لهذه المرحلة: هي امتدادها الزمني ثلاث سنوات وإن كنا في واقع الأمر لا نبني شيئا على هذه المدة. ولا نفهم أن الحركة الإسلامية اليوم لا بد أن تمر بمرحلة سرية هي ثلاث سنوات. فهذا أمر لا نص فيه يدعونا إلى الاقتداء به ولا نحجر واسعا. إنما نفهم أن انتهاء هذه المرحلة قد كان لأنه قد صار للمسلمين قاعدة صلبة مستعصية على الإفناء إذا قيست، بنوعياتها من جهة، ونسبتها إلى المجتمع المكي آنذاك من جهة ثانية. ومن هذا الجانب تكون القدوة. فليس المهم حساب الزمن. إنما المهم الحصيلة العملية للدعوة، وقدرتها على المواجهة للمجتمع القائم من خلال أشخاصها ورجالاتها ومؤسساتها.
_________________
(١) إمتاع الأسماع للمقريزي ج ١ ص ١٥ تحقيق محمود محمد شاكر، ونشر عبد الله إبراهيم الأنصاري وطبع على نفقته إدارة الشؤون الدينية بدولة قطر.
(٢) وقد ورد في الصحيحين (اشتكى رسول الله صل الله عليه وسلم فلم يقم ليلتين أو ثلاثا فجاءت إمرأة (وهي أم جميل بنت حرب) فقالت يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك! لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاثا فأنزل الله ﷿: ﴿والضحى والليل إذا سجى ما ودعك ربك وما قلى﴾.
[ ١ / ٢٠ ]
ونجد ما يرجح هذا الفهم من قول الله ﷿، ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين﴾. حيث نجد بعد هذه الآية مباشرة قوله تعالى: ﴿إنا كفيناك المستهزئين (١)﴾.
لقد كان الصدع بعد تكفل الله تعالى بحماية رسوله وكفايته من المستهزئين. وإذا كان ذلك قد تم لرسول الله - ﷺ - من خلال الوحي، فقيادة الحركة المسلمة الرشيدة هي المسؤولة عن تقدير هذه المرحلة، وإمكاناتها للانتقال إلى مرحلة لاحقة.
ويؤكد هذا الفهم من جهة ثانية - وهو عدم ارتباط هذه المرحلة بزمن معين أو محدد - أن بعض المسلمين في غير مكة بقوا على سريتهم أزمنة مختلفة حسب إمكانياتهم في قبائلهم، وقدرتهم على الدعوة والاصطفاء (٢).
السمة الثانية
قيام الدعوة على الإصطفاء
فهي ليست دعوة علنية تقام في الأندية العامة والمجالس والمحافل؛ إنما تقوم على الاصطفاء الشخصي، وتقدير الداعية لطبيعة المدعو.
لقد وجدنا أن اللبنات الأولى للدعوة كانت خديجة ﵂ أول من آمن في الأرض من النساء، وهي زوج النبي ﵊، وأبو بكر ﵁ وهو صديقه الحيم. وعلي بن أبي طالب وهو ربيبه وفي رعايته وبيته، وهو بمثابة ابنه، وزيد بن حارثة مولاه. وعندما انطلق أبو بكر ﵁ بالدعوة اختار الطريق نفسه.
_________________
(١) سورة الحجر الآية ٩٥.
(٢) الذي حدا بنا إلى هذا الإسهاب هو أن بعض الحركات الإسلامية الحديثة تأخذ بمفهوم الزمن في السيرة. فتحدد مسيرتها زمنيا بمسيرة السيرة النبوية، مما أوقعها في تناقض واضح.
[ ١ / ٢١ ]
يقول ابن إسحاق:
(ثم أسلم أبو بكر بن أبي قحافة .. وكان أبو بكر رجلا مألفا لقومه، محببا سهلا، وكان أنسب قرشي لقريش وأعلم قرشي بها وبما كان فيها من خير أو شر. وكان رجلا تاجرا ذا خلق ومعروف. وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر: لعلمه وتجارته، وحسن مجالسته. فجعل يدعو إلى الله وإلى الإسلام من وثق به من قومه من يغشاه ويجلس إليه.
فأسلم بدعائه عثمان بن عفان، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وطلحة بن عبيد الله. فكان هؤلاء النفر الثمانية الدين سبقوا الناس بالإسلام، فصلوا، وصدقوا (١».
لقد كانت الدعوة من خلال الثقة رغم أن رواد أبي بكر كثر، وممن يتوسم بهم الاستجابة لهذه الدعوة.
السمة الثالثة
العمل من خلال ثقافة الداعية ومركزه الاجتماعي
وهي تعقيب على ما سبق ذكره من مواصفات شخصية أبي بكر ﵁، وكونه أقدر الدعاة على التأثير آنذاك. ونستطيع أن نتعرف على مواصفات هذه الشخصية من العناصر التالية:
أ - خلقه: كان رجلا مألفا لقومه، محبا سهلا.
ب - ثقافته: كان أنسب قرشي لقريش وأعلم قرشي بها، وبما كان فيها من خير وشر.
ح - مركزه الاجتماعي وعمله: وكان رجلا تاجرا .. وكان رجال قومه يألفونه لغير واحد من الأمر. علما بأن أبا بكر من حيث الحسب والنسب هو من
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ص ٢٦٧ - ٢٦٩. ج ١ ط دار إحياء التراث العربي - لبنان، تحقيق السقا وزملائه.
[ ١ / ٢٢ ]
أضعف قريش نسبا. ويمثل هذا المركز ما روى عن أبي سفيان حين استلم أبو بكر الخلافة قوله:
(ما بال هذا الأمر في أذل حي من قريش).
ولكن هذا لم يحل دون تبوئه المكانة المرموقة في قومه. ومن خلال هذه المواصفات نحرص على أن توجد لدى الداعية اليوم.
فالخلق المحبب السهل هو الذي يضمن القدرة على النفاذ للآخرين، وهو الذي يفتح القلوب له ولو كانت متعصية، وهو الذي يضمن البعد عن ردود الفعل في حالة الموقف السلبي من الدعوة.
والثقافة ليست بأقل شأنا من الخلق. وليس كل نوع من أنواع الثقافة هو المطلوب في هذا الصدد. بل الثقافة ذات الخبرة بالمجتمع واتجاهاته وميوله. والثقافة التي تعرف نفوس الناس ومنازعهم ومشاربهم وعواطفهم. هي التي تكون مفتاح التحرك للداعية، وباب الولوج إلى قلب المدعو.
﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (١)﴾. فللقلوب أقفال، ومهمة الداعية أن يملك مفاتيح هذه الأقفال، ويعرف من أين، يدخل إليها. حتى تستجيب له.
والمركز الاجتماعي للداعية يجعل له أذنا صاغية من الناس؛ فترفع الداعية عن الحاجة وذل السؤال والتطلع إلى ما في أيدي الناس، هو الذي يكسب الاحترام في مجتمع أعلى قيمه هي المال والشهرة. وتد وجهنا لذلك رسول الله - ﷺ - بقوله:
(إزهد في الدنيا يحبك الله، وازهد بما في أيدي الناس يحبك الناس (٢».
وإذا كان المركز الاجتماعي بطبيعته ذا صلة وثيقة بالناس؛ فهذا أدعى
_________________
(١) سورة محمد الآية ٢٤.
(٢) رواه ابن ماجة بإسناد حسن.
[ ١ / ٢٣ ]
إلى التأثير فيهم إذ أن العلاقة تبدو طبيعية وغير متكلفة، ولا يحتاج الداعية ليتصنع سببا للاتصال بهم. فالمدرس مثلا والتاجر أقدر على الحركة من الموظف المحصور في إطار محدد.
السمة الرابعة
الدعوة عامة
وقد يبدو لأول وهلة أن هناك تناقضا بين هذه السمة والسمة الأولى، وليس الأمر كذلك؛ فإظهار الدعوة للمختصين لا تعني أن تكون دولة لفئة معينة من الناس، أو طبقة خاصة من طبقات هذا المجتمع، بل لا بد أن تتتاول قطاعات المجتمع كله، ويتم هذا التناول عن طريق الاصطفاء الخاص من أفراده. فقد وجدنا أن هذه الرحلة السرية للمجتمع المسلم قد انضم فيها إلى الإسلام من كل فئات المجتمع آنذاك: الأحرار والعبيد، الرجال والنساء، الشباب والشيوخ والفتيان، بل انضم لهذا المجتمع أفراد من شتى الفروع من قريش وغيرها حيث لا تكاد تخلو عشيرة في مكة من شخص أو اثنين شاركا في بناء هذا المجتمع.
ولو استعرضنا توزيع الصحابة على القبائل الكبرى المشهورة لوجدناها كما يلي:
أولا: بنو هاشم
١ - علي بن أبي طالب.
٢ - جعفر بن أبي طالب.
٣ - أم الفضل بنت الحارث.
٤ - عبيدة بن الحارث.
٥ - أسماء بنت عميس (زوج جعفر).
٦ - خديخة بنت خويلد.
[ ١ / ٢٤ ]
ثانيا: بنو أمية
٧ - عثمان بن عفان.
٨ - خالد بن سعيد.
٩ - أمينة بنت خالد (زوج خالد).
١٠ - حاطب بن عمرو.
١١ - عبد الله بن جحش.
١٢ - أبو أحمد بن جحش.
١٣ - امرأته فاطمة.
ثالثا: بنو مخزوم
١٤ - أبو سلمة بن عبد الأسد.
١٥ - عياش بن أبي ربيعة.
١٦ - عمار بن ياسر (حليف).
١٧ - أسماء زوجة عياش.
١٨ - ياسر بن عامر (حليف)
١٩ - سمية بنت خياط (زوج ياسر).
٢٠ - الأرقم بن أبي الأرقم.
رابعا: بنو تيم
٢١ - أبو بكر الصديق.
٢٢ - طلحة بن عبيد الله.
٢٣ - عامر بن فهيرة (مولى).
٢٤ - بلال بن رباح (مولى).
خامسا: بنو عدي
٢٥ - سعيد بن زيد.
٢٦ - فاطمة بنت الخطاب.
٢٧ - عام بن أبي ربيعة (حليف).
٢٨ - نعيم بن عبد الله.
[ ١ / ٢٥ ]
٢٩ - واقد بن عبد الله (حليف).
٣٠ - خالد بن البكير (حليف).
٣١ - عامر بن البكير (حليف).
٣٢ - اياس بن البكير (حليف).
سادسا: بنو زهرة
٣٣ - سعد بن أبي وقاص.
٣٤ - عبد الرحمن بن عوف.
٣٦ - عمير بن أبي وقاص.
٣٦ - عبد الله بن مسعود (حليف).
٣٧ - المطلب بن أزهر.
٣٨ - خباب بن الأرت (حليف).
سابعا: بنو سهم
٣٩ - خنيس بن حذافة.
٤٠ - حفصة بنت عمر (زوجه).
ثامنا: بنو جمح
٤١ - جاطب بن الحارث
٤٢ - امرأة فاطمة.
٤٣ - خطاب بن الحارث.
٤٤ - امرأته فكيهة.
٤٠ - السائب بن عثمان.
تاسعا: بنو أسد
٤٦ - الزبير بن العوام.
عاشرا: بنو عامر
٤٧ - أبو عبيدة بن الجراح.
٤٨ - سليط بن عمرو.
عاشرا: قبائل متفرقة
٤٩ - صهيب بن سنان (رومي).
[ ١ / ٢٦ ]
٥٠ - مسعود بن ربيعة.
٥١ - معمر بن حبيب.
٥٢ - زيد بن حارثة.
٥٣ - عمرو بن عبسة (سلمي).
٥٤ - عثمان بن مظعون.
٥٥ - قدامة بن مظعون.
٥٦ - عبد الله بن مظعون.
٥٧ - رملة زوجته.
وهكذا نرى أن الستين الأوائل هم من كل قطاعات المجتمع المكي.
السمة الخامسة
دور المرأة في المرحلة السرية
لقد كان ربع هذا المجتمع من النساء. ومعظم الشباب المتزوجين أسلمت معهم زوجاتهم. وعشن المرحلة السرية دون أن يدري بهن أحد. وحافظن على السر وكتمنه دون أن نسمع شيئا من إفشائهن له.
ولعلنا نعطي المرأة حقها من الإهتمام في مسيرة هذه الدعوة. فتكون بجانب الرجل أختا وزوجا وأما وتعيش همه. بل تذكر بعض الروايات أن أسماء ﵂ من جنود هذه المرحلة، وهذا يعني أنها كانت في طفولتها المتأخرة.
السمة السادسة
الصلاة
لم تخل مرحلة سن مراحل دعوة المسلمين من الصلاة على الأرجح.
[ ١ / ٢٧ ]
قال ابن إسحاق: (وحدثني بعض أهل العلم أن الصلاة حين افترضت على رسول الله - ﷺ - أتاه جبريل وهو بأعلى مكة، فهمز له بعقبه في ناحية الوادي، فانفجرت منه عين فتوضأ جبريل ورسول الله - ﷺ - ينظر ليريه كيف الطهور، ثم توضأ رسول الله كما رأى جبريل، ثم قام به جبريل، فصلى به، وصلى رسول الله - ﷺ - لصلاته، ثم انصرف جبريل ﵇، فجاء رسول الله - ﷺ - خديجة فتوضأ لها ليريها كيف الطهور للصلاة كما أراه جبريل، فتوضأت كما توضأ رسول الله - ﷺ -، ثم صلى بها رسول الله كما صلى به جبريل فصلت بصلاته (١).
وذكر بعض أهل العلم أن رسول الله - ﷺ - كان إذا حضرت الصلاة خرج إلى شعاب مكة، وخرج معه علي بن أبي طالب مستخفيا من عمه أبي طالب، ومن جميع أعمامه وسائر قومه، فيصليان الصلوات فيها، فإذا أمسيا رجعا فمكثا كذلك ما شاء الله أن يمكثا (٢).
السمة السابعة
معرفة قريش بخبر الدعوة
لم تكن قريش لتبني على هذه المعرفة شيئا أو تعيرها اهتاما. فقد كانت ظاهرة الحنفية منتشرة في المجتمع المكي. فزيد بن عمرو بن نفيل، وورقة بن نوفل، وأمية بن أبي الصلت. ولا تهتم مكة بمثل هذه الأحداث وهؤلاء الناس، طالما أنهم لا يتعرضون لعقائدها وأصنامها. فقد كان رسول الله - ﷺ - يتحنث الليالي ذوات العدد قبل البعثة، ويجاور في غار حراء، ومع ذلك لا تجد قريش غضاضة في ذلك. وحسبت إن الإسلام مثل هؤلاء الحنفاء الذين
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ٢٦٠ - ٢٦١ وقد رواه ابن إسحاق مقطوعا ووصله الحارث بن أسامة بسنده إلى الزهري عن أسامة بن زيد عن ابنه.
(٢) وقد روى الإمام أحمد بسند حسن في مسنده ١/ ٩٩ ميمين، والحديث رقم ٧٧٦ ط الشيخ شاكر، هذا المعنى وخروج أبي طالب عليه ببطن نخله، وقال فيه، لقد صليت قبل أن يصلي الناس سبعا.
[ ١ / ٢٨ ]
اعتزلوا عبادة الأصنام. بل يمكن القول: إن قريشا كانت تهتم بالحنفيين أكثر مما اهتمت بالمسلمين في المرحلة السرية. وذلك لأن الحنفاء كانوا يعلنون شكهم بأصنام قريش وأوثان العرب بينما لم يعلن المسلمون موقفهم تجاهها.
وتذكر بعض الروايات أن أحد التجار كان في زيارة للعباس في بيته فرأى رجلا وامرأة وطفلا يتقدمون فيصلون بصورة تخالف ما كانت تعهده قريش من الصلاة. فسأل التاجر العباسي عنهم فقال له: هذا ابن أخي - ويشير إلى علي، وهذا ابن أخي - ويشير إلى رسول الله - وهذه زوجته. وإن هذا يزعم أن الله - ﷺ - كلمه من السماء، ووالله ما أعلم على ظهر الأرض أحد على هذا الدين إلا هؤلاء الثلاثة (١).
كما تشير الرواية السابقة التي ذكرناها عن خروج علي ﵁ مع رسول الله - ﷺ - إلى الشعاب للصلاة، أن أبا طالب طلع عليهما ذات يوم فرآهما يصليان. فقال لرسول الله - ﷺ -: يا ابن أخي ما هذا الدين الذي أراك تدين به؟
قال: أي عم هذا دين الله ودين ملائكته ودين رسله ودين أبينا إبراهيم. بعثتي الله به رسولا للعباد. وأنت أي عم أحق من بذلت له النصيحة ودعوته إلى الهدى، وأحق من أجابني إليه، وأعانني عليه - أو كما قال. فقال أبو طالب:
أي ابن أخي لا أستطيع أن أفارق دين أبائي وما كانوا عليه. ولكن لا يخلص إليك شيء تكرهه ما بقيت.
وذكروا أنه قال لعلي: أي بني ما هذا الذي أنت عليه؟
فزعموا أنه قال له: آمنت برسول الله، وصدقت بما جاء به، وصليت معه لله، واتبعته.
فزعموا أنه قال له: أما إنه لم يدعك إلا إلى خير فالزمه (٢).
_________________
(١) رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه والطبراني بأسانيد، ورجال أحمد ثقات وراجع الحديث ١٦.
(٢) السيرة النبوية لابن هشام ص ٢٦٤.
[ ١ / ٢٩ ]
لم يكن إذا لملاحظة قريش بعض هذه الظواهر الغريبة، ما يثير غضبها طالما أن القوم مكتفون بأنفسهم. منكفئون على ذواتهم، فكل امرىء حر أن يعبد الله كما يشاء. طالما أن الدين عقيدة في القلب، وعبادة في المعبد. ولا يتدخل في شؤون الحياة.
ومن هنا نفهم سر المهادنة التي نراها أحيانا بين الحكومات الطاغية وبعض المثدينين من المسلمين، الذين يكتفون من الإسلام بالعقيدة في الضمير والعبادة في المسجد. إذ هؤلاء لا يدخلون الإسلام في شؤون الحياة، وبالتالي فلا تهابهم الطغاة.
السمة الثامنة
المعايشة بين المسلمين وغيرهم
لم نسمع في هذه المرحلة عن أي صدام وقع بين هذا المجتمع الإسلامي الناشىء وبين المجتمع الجاهلي، فالفكرة غير معلنة إلا لمن يرجى انضمامه لهذا التجمع الإسلامي القائم. وليست الدعوة المعلنة هدفا قائما فيها. بل لا يتدخل المسلمون بأي شأن من شؤون غيرهم في نقد أو مواجهة أو مخالفة ظاهرة. والأصل أن لا تظهر المخالفة في شيء. إلا في حالة اضطرارية قاهرة. فلا بد من المحافظة على السرية التامة للتنظيم والفكرة.
السمة التاسعة
التركيز على بناء العقيدة
وحيث إن العتيدة الكافرة الطاغية قد ملأت على الناس حياتهم. فلا بد من تصحيح هذه العقيدة وبناء العقيدة السليمة بشكل هادىء. لأن
[ ١ / ٣٠ ]
العقيدة الصحيحة هي التي ينبثق منها العبادة الصحيحة والسلوك الصحيح، وهي التي تضمن في الوقت نفسه الثبات على الحق، وتحمل التضحيات في سبيله عندما تطلب من المسلم أن يؤديها. وكل ما نراه من التراجع والتذبذب والنفاق والتخلي عن طريق الحق مرده ضعف هذه العقيدة، وتزعزعها وعدم تمكنها من القلب المسلم.
ولأمر ما اختار الإسلام - كلمة الإيمان - للدلالة على العقيدة. فالإيمان يباشر العقل والقلب معا ويربط الفكر بالوجدان ربطا وثيقا. فليس الأمر قضية قناعة فكرية باردة وليس الأمر قضية دفعة عاطفية خاوية من القناعة العقلية. بل هو الالتحام الكامل بين الجانبين حيث يصعب التمييز بينهما.
السمة العاشرة
الجهر بالدعوة بعد بناء النواة الصلبة
ودليل ذلك أنه لم يرتد أحد عن دينه من هؤلاء عندما وقعت المحنة وابتدأت المواجهة. بل كان هؤلاء الذين عاشوا الخطوات الأولى للدعوة هم القمة في الإسلام فيما بعد من حيث مستويات إيمانهم ومستويات سلوكهم، ومستويات جهادهم وتضحياتهم. ويكفي أن نعرف أن أعلى طبقة في الأمة المسلمة وهي طبقة العشرة المبشرين بالجنة كانت منهم باستثناء عمر بن الخطاب ﵁. هذه الطبقة هي التي كونت جيل القيادة للمجتمع الراشد، وكان اصطفاء الخليفة منها، وتوفي رسول الله وهو راض عنها.
هذه النواة هي التي حملت فيما بعد عبء الدعوة للإسلام في الأرض، وحملت عبء المواجهة الكبرى مع أعداء هذا الدين.
لقد كان هؤلاء الستون مستعصين على الإبادة بعد أن انتهت هذه المرحلة وبدأت مرحلة المواجهة وكانوا مؤهلين لرضا الله ﷿.
ويكفي أن ندلل على مدى حب رسول الله - ﷺ - لهم ما جرى بين خالد
[ ١ / ٣١ ]
ابن الوليد ﵁ وبين عبد الرحمن بن عوف حين اختلفا على أمر. ورفع الأمر إلى رسول الله فقال لخالد:
يا خالد، دع عنك أصحابي. فوالله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله ما أدركت غدوة رجل من أصحابي أو روحته (١). فبالرغم من أن خالد من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وبالرغم من أنه من الذين أسلموا وأنفقوا قبل الفتح. بالرغم من ذلك كله، فلقد قيل له هذا القول حين شاتم عبد الرحمن بن عوف ﵁ أحد أفراد النواة الصلبة الأولى التي قام البناء الإسلامي على أكتافها. ولا ننسى أبدا بين النسوة أمثال خديجة ﵂ إحدى الكاملات في الدنيا، وأسماء بنت عميس، وأم الفضل بنت الحارث وغيرهن اللاتي كن النموذج الأعلى للنساء في التاريخ. ونتساءل أخيرا عن هذه المرحلة، هل يمكن أن تتكرر في تاريخ الحركة الإسلامية؟؟ فيما أتصوره أنها لا يمكن أن تتكرر. وبتعبير آخر لا يمكن أن نتصور الحركة الإسلامية في دور سرية الدعوة وسرية التنظيم.
إن الدعوة قد أعلنت، وانتشرت مبادئها في الكتاب الخالد لها؛ القرآن الكريم، والسنة النبوية المطهرة، وفيما ألف عن الإسلام من كتب وأسفار ومجلدات أصبحت ملك الناس جميعا. ولهذا لا أرى مبررا كذلك للعذر في خفوت الحركة الإسلامية عن الدعوة المعلنة القول بأنها في المرحلة السرية الأولى. بل يمكن القول:
لقد انتهت مرحلة سرية الدعوة إلى الأبد، وحتى يرث الله الأرض ومن عليها. لأن هذا الدين قد أعلن واكتمل. وانتهى أمر إخفائه.
﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا (٢)﴾.
لكننا نستدرك فنقول:
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ٤ ص ٧٤، وأخرجه الإمام مسلم حديث ٢٥٤. وابن ماجه ١٦١ كلاهما عن طريق أبي معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة.
(٢) سورة المائدة الآية ٣.
[ ١ / ٣٢ ]
إذا كانت الحركة الإسلامية بشكل عام قد تجاوزت هذه المرحلة. فهذا لا يعني أن بعض أفرادها تتمثل بهم هذه المرحلة، وهؤلاء الأفراد المعنيون هم الذين يقومون بدور سري في التنظيمات المعادية. فلا يظهر تنظيمهم، ولا تظهر إسلاميتهم. إنهم في الحقيقة يوجدون في جميع المراحل، لكن المواصفات التي تنطبق عليهم هي مواصفات المرحلة الأولى في الحرص على إثبات انتمائهم الكامل للمجتمع الجاهلي الذي يعيشون فيه. ونشير إلى ملاحظة هامة في هذا الموضوع فهؤلاء الأشخاص ليسوا هم الذين بحددون دورهم.
إنما الذي يحدد لهم هذا الدور هي القيادة، والذي دفع لهذه الملاحظة ما نراه لدى بعض الشباب، الذي يعتبر نفسه منتميا للإسلام وللحفاظ على مصالحه ودنياه وامتيازاته يمالىء السلطة الباغية، ويتبنى مواقفها. بل يدخل في التنظيم الكافر، وينشر مبادئه ويدعو إليها، ثم يدعي بعد ذلك أنه مسلم بالسر.
هذا هو النفاق في المفهوم الإسلامي، وليس هو المرحلية.
إن الذي يقرر للشاب المسلم أو المرأة المسلمة هذا الدور هو قيادة الحركة الإسلامية. وليس تقديره الشخصي. والذين كانوا يمثلون هذا الدور في المراحل اللاحقة كانوا يؤدونه بتكليف من قيادتهم الإسلامية، لا بقناعاتهم الشخصية.
هذه ملاحظة، والملاحظة الثانية إن مثل هذا الدور، بالمواصفات السابقة يمكن أن يكون بمبادرة شخصية ودون تكليف من القيادة في حالة التعرض للأذى الماحق، حيث يباح للمسلم في هذه الحالة أن يتظاهر بالكفر، ولكن ليس في حالة الخوف من الأذى، والتفريق دقيق بين هاتين النقطتين.
لأن النقطة الأولى لها سند شرعي من القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿.. إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان .. (١)﴾ وقد نزلت في عمار بن ياسر ﵁ حين تعرض للتعذيب، وما تركوه حتى ذكر آلهتهم بخير، وذكر محمدا - ﷺ - بشر. وقال له رسول الله - ﷺ -: إن عادوا فعد. أما الخوف من
_________________
(١) سورة النحل الآية ١٠٦.
[ ١ / ٣٣ ]
الأذى الجسدي أو الأذى المعنوي أو الأذى في مصالح الدنيا. فليس مبررا كافيا لإعلان الكفر، والمسير في مخططاته والدعوة إليه.
لقد امتنع الإمام أحمد بن حنبل ﵁ عن كلام يحيى بن معين من كبار أئمة الحديث لأنه وافق السلطة بالقول بخلق القرآن، وعندما ذكروا الإمام أحمد بحادث عمار ﵁ أجابهم أن هذا فيمن أكره لا فيمن خاف من الإكراه (١).
وإن كنا سنعود لذكر هذه النماذج في المراحل اللاحقة. حسب حجمها في الحركة الإسلامية. لكنا ذكرناها هنا لإيضاح المواصفات العامة لها.
وهذا يقودنا بالتالي إلى معالجة قضية مهمة ذات مساس بمواصفات هذه المرحلة. فالشاب المسلم الذي يكلف بمهمة في صفوف العدو من قيادته المسلمة. ما هي الحدود التي يباح له فيها أن يوافق ذلك التجمع الجاهلي. حتى لا ينكشف أمره؟.
تصوري والله أعلم أن الحدود التي يباح له فيها موافقة هذا التجمع هي الوقوف عند الفرائض والمحرمات، أي لا يباح له ترك الفريضة كما لا يباح له ارتكاب الكبيرة المحرمة.
ومن الناحية العملية فالفريضة التي تواجهه هي الصلاة إذ أن بقية الفرائض ليست مستمرة بشكل دائم، وبالتالي يمكن أن يخفيها. كما أن فريضة الصيام قد تواجهه في شهر رمضان.
لقد وجدنا بعض الاتجاهات في الحركة الإسلامية تبيح لبعض هؤلاء الأفراد الجمع بين الصلاتين؛ صلاة الظهر والعصر، وصلاة المغرب والعشاء.
وإن كانت المذاهب الفقهية المعتمدة لا تجيز ذلك، بالجمع بين الصلاتين دون عذر من سفر أو خوف أو مطر. لكنها اعتمدت على الحديث الصحيح المروي في صحيح مسلم أن رسول الله - ﷺ - جمع بين الصلاتين دون عذر.
_________________
(١) مناقب الإمام أحمد بن حنبل لابن الجوزي ص ٣٨٩.
[ ١ / ٣٤ ]
لكني لا أدري رخصة أكبر من هذه. وما يتناقل في صفوف الشباب الإسلامي من جمع الصلوات كلها في آخر الليل. فما أعتقد له سندا صحيحا. وما روي عن رسول الله - ﷺ - من جمعه بين هذه الصلوات كلها يوم الخندق فلأن الحرب، استمرت من السحر إلى العشاء. فلم يتمكن المسلمون من الصلاة وهم ملتحمون في المعركة مع العدو.
ويمكن القول نفسه بالنسبة للصيام في شهر رمضان. فلا يحق للمسلم الذي يؤدي مهمته في صفوف العدوان يتخلى عن فرض الصيام.
ويمكن القول نفسه بالنسبة لاجتناب المحارم.
فالمسلم الذي يعايش العدو بمهمة جاسوسية عليه من قيادة الحركة الإسلامية، والمسلم الذي يدفعه الخوف من الطاغية الكافر إلى ممالأته. ليس له أن يشرب الخمر مثلا أو يزني بهذه الذريعة، وتكاد تكون الموافقة للكافر - والله أعلم - محصورة في الجانب اللفظي الكلامي أو في بعض اللمم الذي يستغفر الله منه لو وقع فيه. فتأدية الفرائض، واجتناب المحارم هي الحدود الفاصلة بين السرية في التنظيم والدعوة، وبين المرحلة اللاحقة.
[ ١ / ٣٥ ]
المرحلة الثانية
جهرية الدعوة وسرية التنظيم
ويمكن أن نلاحظ أن هذه الجهرية نفسها قد مرت بمرحلتين:
المرحلة الأولى: جهرية الوسول - ﷺ -.
المرحلة الثانية: جهرية المسلمين.
وحيث إن الفارق الزمني بينهما فارق ضئيل وهو أقل من سنتين. فلا نرى داعيا لإفراد كل واحدة منهما في مرحلة.
وتبتدىء المرحلة الثانية إذن بنزول قول الله ﷿: ﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (١)﴾، وقوله: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين (٢)﴾ ﴿وقل إني أنا النذير المبين (٣)﴾.
يقول المباركفوري في كتابه - الرحيق المختوم:
وأول ما فعل رسول الله - ﷺ - بعد نزول هذه الآية: ﴿وأنذر عشيرتك
_________________
(١) سورة الحجر الآية ٩٤.
(٢) سورة الشعراء الآية ٢٦٤.
(٣) سورة الحجر الآية ٨٩.
[ ١ / ٣٧ ]
الأقربين﴾ أنه دعا بني هاشم فحضروا، ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا خمسة وأربعين رجلا فبادره أبو لهب وقال:
وهؤلاء هم عمومتك وبنو عمك، فتكلم ودع الصباة، واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة، وأنا أحق من أخذك فحسبك بنو أبيك، وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش، وتمدهم العرب، فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشر مما جئت به. فسكت رسول الله - ﷺ - وما تكلم في ذلك المجلس.
ثم دعاهم ثانية وقال:
الحمد لله أحمده، وأستعينه، وأؤمن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ثم قال:
إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو، إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة. والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما ستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدا أو النار أبدا.
فقال أبو طالب: ما أحب إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشد تصديقا لحديثك، وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب، فامض لما أمرت به. فوالله لا أزال أحوطك وأمنعك، غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.
فقال أبو لهب: هذه والله السوأة، خذوا على يديه قبل أن يأخذ غيركم.
فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا (١).
على جبل الصفا: وبعدما تأكد النبي - ﷺ - من تعهد أبي طالب بحمايته وهو يبلغ عن ربه قام يوما على الصفا فصرخ: يا صباحاه. فاجتمع إليه بطون
قريش، فدعاهم إلى التوحيد والإيمان برسالته وباليوم الآخر، وقد روى البخاري طرفا من هذه القصة عن ابن عباس. قال: لما نزلت ﴿وأنذر
_________________
(١) الرحيق المختوم ص ٩٠. نقلا عن ابن الأثير.
[ ١ / ٣٨ ]
عشيرتك الأقربين﴾ صعد النبي - ﷺ - على الصفا، فجعل ينادي: يا بني فهر!. يا بني عدي! لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش. فقال: أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم، أكنتم مصدقي؟. قالوا:
نعم، ما جربنا عليك إلا صدقا. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت ﴿تبت يدا أبي لهب (١».
وروى مسلم طرفا آخر من هذه القصة عن أبي هريرة ﵁، قال:
لما نزلت هذه الآية: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ دعا رسول الله - ﷺ - فعم وخص، فقال: يا معشر قريش انقدوا أنفسكم من النار، يا معشر بني كعب!
أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة بنت محمد! أنقذي نفسك من النار، فإني والله لا أملك لكم من الله شيئا، إلا أن لكم رحما سأبلها ببلالها (٢).
هذه الصيحة العالية هي غاية البلاغ، فقد أوضح رسول الله - ﷺ - لأقرب الناس إليه أن التصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلة بينه وبينهم. وإن عصبية القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الآتي من عند الله (٣).
وننتقل بعد عرض بداية هذه المرحلة من خلال النصوص إلى عرض مواصفاتها العامة. علما بأن هذه المرحلة تنتهي بعد عام الحزن. حيث اتجه رسول الله - ﷺ - خارج مكة ساعيا لإقامة دولة الإسلام، ومدة هذه المرحلة على هذا الأساس سبع سنين.
_________________
(١) صحيح البخاري ٢/ ٧٠٢ - ٧٤٣.
(٢) صحيح مسلم ١/ ١١٤.
(٣) الرحيق المختوم ص ٨٩ - ٩١.
[ ١ / ٣٩ ]
مواصفات المرحلة الثانية وسماتها
السمة الأولى
دعوة الأقربين
فالشيء الطبيعي أن تكون الدعوة في المرحلة الأولى في صفوف الأقربين. وخاصة عندما تأخذ طابع المواجهة المعلنة. لأن هذه المواجهة تعرض الداعية للخطر. فلا بد له من حماية، وعشيرة الداعية هم أكثر الناس استعدادا لحمايته. ولقد وجدنا بذور الدعوة الأولى في المرحلة السرية داخل بيت النبي - ﷺ -. فلقد كان أول الخلق إسلاما بعد رسول الله - ﷺ - زوجه خديجة بنت خويلد ﵂، ومولا، زيد بن حارثة، وابن عمه علي بن أبي طالب - الذي كان مقيما عنده فلقد تكفل رسول الله - ﷺ - بتربيته تخفيفا عن أبي طالب الذي كان كثير العيال فقير الحال، وردا لمعروف في كفالته لرسول الله في صغره، وبناته زينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة فلقد كان البيت، النبوي مسلما كله. ومن أجل ذلك عندما انتقلت الدعوة إلى المرحلة الجهرية كان لا بد من دعوة العشيرة الأقرب بني هاشم وبني المطلب، وإعلامهم بالأمر.
[ ١ / ٤١ ]
وهذه سنة إلهية يحدثنا رسول الله - ﷺ - عن أسبابها بصدد قصة لود ﵇ حين جاءه قومه يهرعون إليه يريدون الفاحشة بضيفه من الملائكة.
وكان لوط ﵇ قد هاجر إلى الشام. فليس له قبيلة تحميه أو تمنعه إلا ابنتاه. فامرأته كافرة، والمؤمنون أقلة غير قادرين على حمايته ﴿فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين (١)﴾.
هذا النفر القليل الضعيف الذي لا يستند إلى عشيرة قوية حدا بلوط ﵇ أن يقول:
﴿قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (٢)﴾.
فقال ﵊ عن ذلك:
(رحمة الله على لوط لقد كان يأوي إلى ركن شديد - يعني الله ﷿ - فما بعث الله بعده من نبي إلا في ثروة من قومه (٣).
وهذه السنة الإلهية هي التي حالت بين كفار مدين وشعيب.
﴿قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (٤)﴾.
وسواء آمنت العشيرة أم لم تؤمن. فإن حمايتها لابنها الداعية خط أصيل في تاريخ الدعوات. فلقد اختلف موقف أبي طالب عن أبي لهب. وتبني أبو طالب حماية رسول الله - ﷺ - رغم عدم دخوله في الإسلام. بل لا تذكر الروايات أن أحدا أسلم في هذه الدعوة، إلا ما يروى عن إعلان إسلام علي ﵁ في هذا المجلس.
ومن العشيرة الأقرب إلى العشيرة الأكبر. حيث كان الإعلان عاما على جبل الصفا بأعلى مكة. فعم وخص. وحضر الدعوة ممثلو قريش جميعا.
ودعاهم إلى الإسلام والنصرة. فانقلبوا جميعا متخاذلين عنه وخاصة عندما
_________________
(١) الآية ٣٦ من سورة الذاريات.
(٢) الآية ٨٠ من سورة هود.
(٣) مختصر تفسير ابن كثير للشيخ محمد علي الصابوني سورة هود، ج ١ ص ٢٢٧.
(٤) سورة هود الآية ٩١.
[ ١ / ٤٢ ]
شتمه عمه أمام الملأ من قريش وعلى رؤوس الناس. قائلا له: تبا لك ألهذا جعتنا.
ولكن موقف أبي طالب المعلن في حماية رسول الله - ﷺ - ونصرته، قد عكر صفو أهل مكة لأن هذا الإعلان بمثابة معركة داخلية جديدة في صفوف مكة.
ولقد كان الأمر القرآني من الوضوح حيث أنه لا خيار لرسول الله - ﷺ - من الإعلان العام مهما كانت نتائجه.
﴿فاصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين (١)﴾.
غير أن الأمر بالإعلان وجهرية الدعوة قد اقترن بالدعوة إلى الصبر والصفح عن المشركين المعادين والإعراض عنهم يعني إلغاء الصدام معهم وتجنبه ما أمكن سبيلا إلى ذلك.
السمة الثانية
الإعراض عن المشركين
فلا بد من إفرادها بحديث واضح. إذ أن خط الدعوة مع المشركين هو خط الإعراض عن أذاهم فإعلان الدعوة ماض من جهة لا يتوقف للأذى النازل على المسلمين سواءا أكان أذى ماديا أو معنويا. لكن الصبر على الأذى والإعراض عن المشركين باق فلا مواجهة مادية، ولا مقاومة مسلحة، ولا انتقاما وثأرا لإهانة. إنها مرحلة كف اليد والاكتفاء بالتبليغ. ولا بد أن يكون البلاغ مبينا واضحا لا لجلجة فيه ولا غموض. ﴿وقل إني أنا النذير المبين﴾.
لا بجوز أن تتميع الدعوة وتضيع معالمها بحجة مسايرة المشركين ومراعاة ظروفهم وتأليف قلوبهم كما يلجأ كثير من الناس اليوم وهم يتعايشون مع
_________________
(١) سورة الحجر الآية ٩٤.
[ ١ / ٤٣ ]
النصارى. فهم يتعرضون معهم لقضية الإيمان بالله ويلمسونها لمسا خفيا حيث لا يجرح مشاعرهم، فلا يذكرون كلمة الإسلام حتى لا يتهموا بالتعصب، ولا يذكرون القرآن والرسول - ﷺ - حتى لا يغضب هؤلاء النصارى منهم. إن كل الدول في عصرنا الحاضر التي توجد فيها الأقليات الدينية تنهج هذه السياسة في إذاعتها المرئية والمسموعة والمقروءة. ويسمون هذا دعوة في الحكمة والموعظة الحسنة.
إن الإعراض عن المشركين يعني فكرتين في وقت واحد.
الفكرة الأولى: المسيرة بالدعوة من الداعية وإيضاح معالمها غير عابىء بغضب حصومها أو مشاعرعهم أو آرائهم.
الفكرة الثانية: عدم مواجهة أذاهم المادي والمعنوي، ومحاولاتهم تجريحه والنيل منه والهزء به ممثلا في قول الله ﷿.
﴿سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين .. (١)﴾.
﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما .. (٢)﴾.
السمة الثالثة
معالم الدعوة الجديدة
فالخطوط العريضة الأساسية لهذا الدين الجديد هي:
الإيمان بالله الواحد. الإيمان برسول الله - ﷺ -.
الإيمان باليوم الآخر.
هذه هي الخطوط العريضة التي تم التركيز عليها طيلة هذه المرحلة، وهي منطلقات الدعوة الرئيسية في الإعلان الأول للدعوة في هذه الدنيا، وفي
_________________
(١) سورة القصص الآية ٥٥.
(٢) سورة الفرقان الآية ٦٣.
[ ١ / ٤٤ ]
خطبة رسول الله - ﷺ - بأهله: الحمد لله أحمده واستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ..
إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو ..
وهكذا توضح الخط الأول.
أما الخط الثاني فهو:
إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة.
أما الخط الثالث فهو:
والله لتموتن كما تنامون، ولتبعثن كما تستيقظون، ولتحاسبن بما تعملون، وإنها الجنة أبدا أو النار أبدا ..
وبقيت هذه الخطوط هي المحور الأساسي للدعوة وهي مشعل الحرب كذلك.
فلو قفزنا قرابة عشرين عاما إلى الأمام، وانتقلنا لصلح الحديبية.
لوجدنا طبيعة المعركة لم تتغير، ومحور الخلاف لم يتبدل. رسول الله - ﷺ - يريد أن يكتب: بسم الله الرحمن الرحيم.
فيعترض سهيل بن عمرو عليه قائلا: لا والله لا نؤمن بالرحمن. أكتب باسمك اللهم.
رسول الله - ﷺ - يريد أن يكتب. هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله.
فيعترض سهيل بن عمرو قائلا: لو آمنا بك رسولا ما قاتلناك. أكتب اسمك واسم أبيك. بينما نرى اليوم في جيلنا المنكود، وفي أمتنا التي استبدلت القومية بالدين نجد كل إعلام هذه الأمة ينصب على كل شيء عدا هذه المحاور الثلاثة.
إن اللواء المرفوع والفكر المطروح عند دعاة القومية المعتدلين، وهو الفكر الذي يلقن للطلبة في المدارس، ويقدم للبشرية في وسائل الإعلام وهو فكرة الإيمان بالله.
وليست فكرة الإيمان بالله الواحد. حتى يرضى النصارى واليهود
[ ١ / ٤٥ ]
والمجوس والذين أشركوا والذين ارتدوا. فهذه الفكرة لا تزعج أحدا من هؤلاء.
ولا نتحدث عن دعاة القومية المتطرفين الذين يرفضون حتى فكرة الإيمان بالله ليحافظوا على وحدة القاعدة الفكرية بينهم وبين الملحدين الشيوعيين في الأرض.
إن اللواء الأول واللواء الثاني يعنيان الردة الكاملة.
فاللواء الأول ردة إلى الجاهلية الوثنية قبل الإسلام.
واللواء الثاني ردة إلى الإلحاد الحديث في الأرض التي لا مثيل لها في تاريخ البشرية من قبل.
واللواءان يعنيان إلغاء الإسلام، والقرآن ورسالة الرسول - ﷺ -.
السمة الرابعة
الدعوة عامة
وذلك في أول إعلان لهذا الدين في الأرض أعلنت فيه عالمية الدعوة:
(إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة).
فليست رسالة محلية مرتبطة بمكان معين أو زمان محدد. إنما هي رسالة البشرية كافة ومن أجل هذا كانت اللبنات الأولى للدعوة تمثل هذه العالمية الشاملة، فصهيب سابق الروم وبلال سابق الأحباش وهذان كانا من أوائل من دخل في هذا الدين الذي لا يفرق بين عربي وأعجمي، ولا فضل فيه لأبيض على أسود إلا بالتقوى أو بعمل صالح.
وكان لهاتين القضيتين أكبر الخطر على المجتمع المكي الجاهلي:
القضية الأولى: قضية الوحدانية - لا إله إلا الله - وهي تعني نقض عقيدة المجتمع الجاهلي كله.
القضية الثانية: قضية المساواة في الأصل البشري وهي تعني نقض أكبر
[ ١ / ٤٦ ]
قيم هذا المجتمع.
وكل واحدة كانت كفيلة لأن تشعل حربا لا يهدأ أوراها بين المجتمعين.
ولو كانت القضية ذات منطلق سياسي. لكان آخر ما يجب طرحه هو هاتان القضيتان تجنب المواجهة مع قريش. وفي الساحة عناصر كثيرة مشتركة يمكن أن تجمع بين محمد - ﷺ - وقريش من محولات التحرير، والتخلص من الطغيان الفارسي والرومي، وتقديس البيت، وبناء التجارة، وإصلاح ذات البين العربي، ووحدة هذا الصف تحت قيادة واحدة. إن أكبر ما صدم به - الملأ - من قريش وغيرها، حسب التعبير القرآني، هو هاتان القصيتان:
أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن يعتقدوا بأن مواليهم وعبيدهم من الممكن أن يكونوا خيرا منهم. وحتى نعرف مدى تغلغل هذه العقيدة في نفوسهم، ومدى تأصل العصبية الجاهلية في قلوبهم نقفز عشرين عاما إلى الأمام إلى فتح مكة. ونشهد بلالا الحبشي - ﵁ - يصعد على ظهر الكعبة، ويعلن كلمة التوحيد فيها. فماذا يكون الموقف، وقد تحطمت كل المقاومة المكية.
تقول جويرية بنت أبي جهل - ولعلها قد دخلت في الإسلام - منذ ساعات:
قد لعمري رفع لك ذكرك، أما الصلاة فسنصلي، والله لا نحب من قتل الأحبة أبدا. ولقد كان جاء أبي الذي جاء محمدا من النبوة فردها وكره خلاف قومه.
وقال خالد بن أسيد:
الحمد لله الذي أكرم أبي فلم يسمع هذا اليوم؟
وقال الحارث بن هشام:
واثكلاه! ليتني مت قبل هذا اليوم! قبل أن أسمع بلالا ينهق فوف الكعبة. وقال الحكم بن أبي العاص:
[ ١ / ٤٧ ]
هذا والله الحدث العظيم، أن يصبح عبد بني جمح على بنية أبي طلحة! وقال سهيل بن عمرو - وكان أعدل الجميع:
إن كان هذا سخطا لله فسيغيره وإن كان لله رضى فسيقره ..
فأتى جبريل ﵇ رسول الله - ﷺ - فأخبره خبرهم (١). وبذلك يفقه الدعاة درسا خطيرا من هذه السمة. هو أن الوحدانية والرسالة هما محور أي دعوة مع العدو. ولا يمكن أن يكون أي لقاء فكري دونهما. كما يفقهون أن عالمية الدعوة فوق المساومات.
السمة الخامسة
سرية التنظيم
الاستتار بدار الأرقم.
لا بد للمحافظة على سرية التنظيم من اختيار مركز سري بعيد عن الأعين يتم فيه اللقاء بين الجنود مع بعضهم، وبين القيادة وجنودها، بحيث لا تعرفه استخبارات العدو. ولو كان التنظيم علنيا لأمكن أن يعلن عن مكان اللقاء في نوادي مكة. بل يمكن أن يكون اللقاء في الكعبة حيث منتدى قريش كلها. إن مثل هذا التجمع المعلن يدفع مكة مباشرة إلى فض مثل هذا التجمع والقضاء عليه، كما يدفع مباشرة إلى الصدام المسلح بين الفريقين.
ولعل دار الأرقم قد بقيت مجهولة على قيادة مكة عامين كاملين، فلم نسمع من حوادث السيرة ما يدل على معرفتهم لها إلا من خلال حادث إسلام عمر ﵁ في السنة الخامسة، ولعله لا يعرفها بالتحديد. ولعل مكة لا تعرفها بالتحديد. فلقد كان جواب عمر ﵁ لنعيم بن عبد الله: ( أذهب إلى محمد في دار عند الصفا).
ولعل قريشا قد لاحظت بعض التوارد عند الصفا لأتباع محمد - ﷺ - ولم تكن تعرف بالضبط في أي دار.
_________________
(١) إمتاع الأسماع للمقريزي ج ١ ص ٣٩١.
[ ١ / ٤٨ ]
وكانت التعمية والمبالغة في السرية كفيلة أن تموه الأمر على قريش لسببين أو ثلاثة.
السبب الأول: إن الأرقم لم يكن معروفا بإسلامه. فما كان يخطر ببالها أن يتم لقاء محمد وأصحابه بداره.
السبب الثاني: إن الأرقم بن أبي الأرقم ﵁ من بني مخزوم، وقبيلة بين مخزوم هي التي تحمل لواء التنافس والحرب ضد بني هاشم. فلو كان الأرقم معروفا بإسلامه فلا يخطر في المال أن يكون اللقاء في داره لأن هذا يعني أنه يتم في قلب صفوف العدو.
السبب الثالث: إن الأرقم بن أبي الأرقم ﵁ كان فتى عند إسلامه. فلقد كان في حدود السادسة عشرة من عمره، ويوم تفكر قريش في البحث عن مركز التجمع الإسلامي فلن يخطر في بالها أن تبحث في بيوت الفتيان الصغار من أصحاب محمد - ﷺ - بل يتجه نظرها وبحثها إلى بيوت كبار أصحابه، أو بيته هو نفسه ﵊.
فقد يخطر على ذهنهم أن يكون مكان التجمع على الأغلب في أحد دور بني هاشم، أو في بيت أبي بكر الصديق ﵁ أو في بيت عثمان بن عفان أو غيرهم. ومن أجل هذا نجد أن اختيار هذا البيت كان في غاية الحكمة من الناحية الأمنية، ولم نسمع أبدا أن قريشا داهمت ذات يوم هذا المركز وكشفت مكان اللقاء. إنما كان أقصى ما وصلت إليه هو شكها أن يكون اللقاء في دار عند الصفا.
ولقد شهدنا مكان هذه الدار قبل أن تزال معالمها بجوار الصفا. لكن من الصعب أن نتصور موقعها بين بيوتات مكة، ولم نجد في كتب السيرة وصفا محددا لها.
[ ١ / ٤٩ ]
السمة السادسة
القرآن مصدر التلقي
وهو أمر أحوج ما يكون الدعاة إليه. فلقد كان تلقي القرآن يتم هناك، وحين ينصرف المسلم بزاد حصيلته بضع آيات من القرآن نزل بها روح القدوس على قلب محمد - ﷺ - كانت هذه الآيات كفيلة أن تنشىء هذا الجيل القرآني الفريد. ولم يكن هذا الجيل يتلقى إلا هذا الوحي من القرآن أو من حديث رسول الله - ﷺ -. فينزع به كل أوضار الجاهلية وعقائدها وقيمها، وتنسكب في قلبه المعاني الجديدة الآتية إليه من الله رب العالمين.
كان هذا اللقاء اليومي الدائم هو الذي يغير هذا الوائع البشري.
وتتفاعل النفوس بهذا الوحي المنزل، فيجد نفسه إنسانا جديدا غير ذي قبل، إنسانا جديدا بقيمه، بمشاعره، بأفراحه وأتراحه بغضبه ورضاه، بحبه وبغضه، بأمله وآلمه، باهتماماته وشواغله.
ولقد حرص القائد المربي ﵊ في هذه المرحلة على توحيد مصدر التلقي وتفرده؛ ألا وهو القرآن. لقد كان هذا الجيل أميا لا يعرف القراءة والكتابة. فلم يكن ليتلقى الثقافة البشرية التي اختلط فيها الحق بالباطل، لقد كان بعيدا عن فلسفة اليونان وعلوم الرومان وحكمة فارس، لقد عاش هذا الجيل سعيدا بوحي الله فقط. يتلقاه من فم رسول الله - ﷺ -. وعندما رأى رسول الله - عمر بن الخطاب - ﵁ - يقرأ في صحيفة من التوراة غضب وقال: لو كان موسى حيا بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني (١).
ومن أجل هذا نرى أن يكون منهج التلقي الأول للدعاة منبثقا كله من القرآن في المرحلة الأولى، كل ما يأخذه الشاب المسلم في هذه المرحلة يدور حول هذا المحور. حتى معلوماته في الفقه والحديث والتفسير والتاريخ،
_________________
(١) رواه أبو يعلى عن حماد عن الشعبي عن جابر.
[ ١ / ٥٠ ]
ومعلوماته عن الجاهلية وأفكارها، تنطلق من هذا المحور. فلا يفرد له علم مستقل بذاته إنما يتلقى هذه المعلومات كلها من خلال الآية القرآنية.
السمة السابعة
اللقاء المنظم المستمر
فاللقاء الدائم هو الذي يربط الجنود بقيادتهم، وهو الذي يمد الأفراد والجنود بالثقة القوية بالنفس، ويشحذ عزائمهم على الاستمرار في هذا الدرب، يأتي الصحابي لدار الأرقم فيقص على إخوانه وعلى نبيه محمد - ﷺ - ما عاناه في هذا اليوم، وما جرى معه من نقاش، وما استمع إليه من آراء وما أدلى به من حجة فيقوم إمام المربين ﵊ بالتوجيه المناسب له، يثني على موقفه أو يصححه له، أو يأمره بتركه. إن اللقاء المباشر الدائم بين القيادة وجنودها هو الذي يحل المشاكل المستعصية، وهو الذي يقطع دابر الفتنة، وهو الذي يحرق عوامل سوء الظن وقالة السوء، وهو الذي يمتن الصف الداخلي، ويجعل وشائجه مترابطة ملتحمة متراصة. أما الانقطاع عن اللقاءات، والبعد بين القيادة والجنود، فيضعف الثقة أولا، ويفتح الثغرات العديدة في الصف الداخلي ثانيا، ويجعل البناء العقيدي ضعيفا رخوا ثالثا.
وهو أخطر النتائج.
السمة الثامنة
الصلاة خفية في الشعاب
وكانت الصلاة في الغداة والعشي، أما صلاة الغداة فكان المسلمون يصلونها أحيانا في الكعبة وقبل أن تلتفت لهم الأنظار.
(وكان - ﷺ - يخرج إلى الكعبة أول النهار فيصل صلاة الضحى، وكانت صلاة لا تنكرها قريش، وكان إذا صلى في سائر اليوم بعد ذلك قعد علي أو
[ ١ / ٥١ ]
زيد ﵄ يرصدانه.
وكان - ﷺ - وأصحابه إذا جاء وقت العصر تفرقوا في الشعاب فرادى ومثنى وكانوا يصلون الضحى والعصر .. وكانت الصلاة ركعتين ركعتين قبل الهجرة (١).
لأن الصلاة المعلنة تعني المواجهة المباشرة مع مكة. والإعلان هو للدعوة، أما إعلان العبادة فقد تأخر حتى أسلم عمر ﵁.
فلا مندوحة عن الصلاة إذن في أي مرحلة من المراحل، ولكن سريتها وجهريتها منوطة بالجو العام وسماح الجاهلية بها.
فنجد في مجتمعاتنا المعاصرة أن الصلاة بحكم توارث الإسلام على هذه الأرض يسمح بها بشكل علني في المساجد في الحالات العادية وإن كانت موطن شبهة بالنسبة للشباب المسلم. غير أنها في بعض الأحيان تكون خطرا ماحقا على الشخص الذي لم تتحدد هويته بعد. إن الصلاة تعني الانتماء إلى الإسلام. والذي يحافظ على صلاة الجماعة مظنة خطر.
ومع هذا فنرى أنه لا مندوحة عن صلاة الجماعة لكل أخ مسلم. إلا إذا كان غير منكشف الهوية حيث إنه يؤدي دورا معينا في صفوف العدو. أما إذا لم يكن كذلك، وفي طور جهرية الدعوة. فلا حرج في ذلك، إذا لم تؤد الصلاة إلى خطر أكيد على نفسه وروحه. فالخوف عذر من الأعذار المبيحة لترك صلاة الجماعة. وفي هذه الحالة يمكن اللجوء إلى الطريقة التي نحن بصددها وهي صلاة الجماعة في غير المسجد، وفي الأماكن التي ليست هي مظنة شبهة عبادة. كما يمكن أن تؤدى في مراكز تجمع الإخوة الدعاة إلى الله.
لقد لاحظنا في مرحلة الدعوة وسرية التنظيم، أنه لا بد من الصلاة، ولكن بصورة فردية وسرية، أما في هذه المرحلة؛ مرحلة جهرية الدعوة وسرية التنظيم. فلا بد من الصلات بصورة جماعيه في المساجد، وحين
_________________
(١) إمتاع الأسماع للمقريزي ص ١٧ ج ١.
[ ١ / ٥٢ ]
تصبح الصلاة في المساجد موطن خطر على النفس أو الروح أو المال. فيمكن أن تتم صلاة جماعية مصغرة في أماكن لقاءات الإخوة.
إنه لا بد من الصلاة التي تصل الإنسان بخالقه، ولا خير في دين لا صلاة فيه (١) - كما يقول ﵊، وبين العبد وبين الكفر ترك الصلاة (٢).
السمة التاسعة
التركيز على الجانب الروحي
فلا شيء أكبر أثرا في النفس في مرحلة البناء من التركيز على العبادة والطاعة والنوافل. فهي التي تصل القلب بالله، وتجعله أكبر من المحنة، وأعصى على الفتنة، وأثبت على الحق.
إنها مرحلة العبادة والتبتل وقيام الليل وناشئته.
فقد روى البزار عن محمد بن عقيل بن جابر قال: اجتمعت قرش في دار الندوة فقالوا: سموا هذا الرجل أسما يصد الناس عنه فقالوا: كاهن. قالوا: ليس بكاهن. قالوا: مجنون. قالوا: ليس بمجنون، قالوا: ساحر، قالوا: ليس بساحر. فتفرق المشركون على ذلك فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فتزمل في ثيابه وتدثر فيها، فأتاه جبريل ﵇ فقال: يا أيها المزمل، يا أيها المدثر .. (٣).
كما روى الإمام أحمد عن عائشة ﵂ قولها:
إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة. فقام رسول الله - ﷺ - وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم، وأمسك الله خاتمتها في السماء اثني عشر شهرا ثم أنزل الله التخفيف في آخر هذه السورة فصار قيام الليل تطوعا
_________________
(١) ابن هشام، وفد ثقيف ج ٤/ ١٣٧. دار الجيل.
(٢) رواه مسلم.
(٣) مختصر تفسير ابن كثير سورة المزمل ج ٣ ص ٥٦٢.
[ ١ / ٥٣ ]
بعد فريضة (١) ..
وقيام الليل المفروض في البدء هو دورة تدريبية عنيفة على الالتزام والطاعة لأمر الله ﷿ استمر عاما كاملا. كما وجه القرآن الكريم:
﴿يا أيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا إن ناشئة الليل هي أشد وطأ وأقوم قيلا إن لك في النهار سبحا طويلا (٢)﴾.
فالليل كله إلا قليل منه واجب القيام.
وقيام الليل ليس هدفا لذاته، وما يفعل الله بعذاب عباده من شيء. ولكنها التربية الإيمانية على الصلة الوثيقة بالله ﷿. فهو وسيلة للقربى من الله تعالى. وسيلة لذكر الله والتبتل إليه والتوكل عليه.
﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا .. (٣)﴾
وذكر الله تعالى والتبتل إليه والتوكل عليه والعبادة له هي السلاح الوحيد في المعركة. هو الذي يمد المؤمنين بالصبر على البلاء، وتحمل الأذى، والإغضاء عن الإهانة، هو السلاح الوحيد في هذه المرحلة، التي لم يسمح فيها بالمواجهة المباشرة.
﴿واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا .. (٤)﴾. فما أحوج الدعاة إلى الله وهم يحملون لواء الدعوة إلى الله، ويلقون في سبيلها الأذى والاضطهاد إلى هذا السلاح الوحيد الذي يثبت أقدامهم، ويثبت قلوبهم. وإن الحركة الإسلامية ما لم تعنى في مثل هذه المرحلة بهذا الجانب العبادي، الجانب الروحي، وقيام الليل المتصل
_________________
(١) مختصر تفسير ابن كثير سورة المزمل ج ٣ ص ٥٦٤.
(٢) سورة المزمل الآية ١ - ٧.
(٣) المزمل الآية ٨ - ٩.
(٤) المزمل الآية ٩ - ١١.
[ ١ / ٥٤ ]
الدؤوب، والدورات المتكررة على الإحياء المستمر، فستجد جنودها يسقطون واحدا تلو الآخر. وينهارون تحت وقع المحنة.
ولا بد من الإشارة إلى أن قيام الليل يبقى أمرا نظريا غير قابل للتطبيق. ما لم يكن رصيد الأخ الداعية عظيما من حفظ القرآن. إذ أن الأخ الذي لا يملك من القرآن إلا بضع آيات يكررها في صلاته كيف يقوم الليل وكيف يتحرك قلبه بالخشوع؟! وكيف يجد لذة الطاعة والعبادة ولم تخالط لذة القرآن بشاشة قلبه، وصار القرآن ملء حياته وروحه وسمعه وبصره، ما إن يصف قدميه للعبادة في سيل الله. حتى يفتح معين القرآن المتفجر من قلبه.
فيتلو ما شاء الله أن يتلو، ويعيش في جوه من الترغيب والترهيب، ويقف عند حكمه وأحكامه.
في المدة الأخيرة لقد أصبح قيام الليل عند كثير من شبابنا المسلم مناسبة شهرية أو موسمية أو سنوية، وحين يتم، ففي سور محددة. معدودة يتعاون مجموع الشباب فيها حتى يؤدوها تلاوة وعبادة. إن المنهج الذي يجب أن يتربى الشباب عليه في أول الطريق هو المنهج القرآني - كما ذكرنا من قبل - فلا يكفي أن يكون القرآن هو محور المنهج كله، ومحور الثقافة المقدمة للأخ فقط. بل لا بد كذلك من أن يكون حفظ القرآن هدفا رئيسيا من أهداف المنهج، وخاصة الفتيان والفتيات القادرين على الحفظ في سنهم المبكرة.
إن منهج التربية الحركي الذي تضعه الجماعة لا بد أن ينتهي بالشاب المسلم وقد حفظ الكثير من القرآن في سن العشرين، ليكون زاده في الطاعة والتنقل والتهجد وناشئة الليل، وعندئذ يعرف لذة العبادة، ولذة الطاعة، ولذة القيام، يذوق لذة الذكر ولذة التوكل. كما أن المنهج التربوي في هذه المرحلة لا بد أن يركز على ذكر الله ﷿، على التهليل والتكبير، والتحميد والتسبيح، على الصلوات على النبي - ﷺ -، على الأوراد المأثورة وعلى الأذكار المطلقة التي لا تنقطع ليل نهار:
﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا﴾.
[ ١ / ٥٥ ]
إن الشاب المسلم الذي يمضي مراهقته وفتوته - هائما بالعبادة والطاعة، مواظبا على تلاوة القرآن، ناصبا قدميه في الليل في طاعة الله، يذكر الله خاليا فتفيض عيناه، قلبه معلق بالمساجد مستغرق في الأذكار المطلقة والمأثورة يئز قلبه أزيزا بالقرآن في جوف الليل كأزيز النحل، طبع القرآن في قلبه وفكره، هو الشاب النموذج الذي يجب أن تحرص الحركة الإسلامية على بنائه، وما لم تعط هذا الأمر حقه من العناية، فسيكون البناء هشا ينهار تحت الضربات الأولى للطاغوت.
هذا هو منهج البناء الأول. من خلال سورة المزمل. وتكون حرارة المواجهة مع الطاغية تذوب أمام حرارة العبادة والتبتل لله، والثقة بنصر الله وانتقامه من الكافرين.
﴿وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا إن لدينا أنكالا وجحيما وطعاما ذا غصة وعذابا أليما يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا (١)﴾.
السمة العاشرة
الدفاع عن النفس عند الضرورة
فإذا كان العدو يريد أن يؤذي المسلمين، وكان بإمكان المسلم أن يرد هذا الاعتداء عن نفسه فلا ضير في ذلك، وخاصة حين يكون الأذى منصبا على الجسد.
يؤكد هذا المعنى ما ورد عن سعد ﵁ في قصة الصلاة في الشعاب الآنفة الذكر (.. فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - في شعب من شعاب مكة إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون. فناكروهم وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب
_________________
(١) سورة المزمل الآية ١٠ - ١٤.
[ ١ / ٥٦ ]
سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلا من المشركين بلحي بعير فشجه. فكان أول دم هريق في الإسلام) (١).
وكذلك قصة عثمان بن مظعون يوم عاد من الحبشة، ودخل في جوار الوليد بن المغيرة، ثم ترك جواره إلى جوار الله، ورد على الشاعر لبيد مقالته. فثار الناس إليه وضربهم وضربوه حتى اخضرت عينه من الضرب (٢).
ولعلي أؤكد معنى في ذلك هو ما ورد في قصة إسلام عمر بن الخطاب من أنه مكث يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم (٣).
لكن هذا الأمر لم يكن على إطلاقه. فلم يكن يقدر على هذا الأمر إلا من كان ذا شكيمة قوية ومنعة من قومه. أما الضعفاء فلم يتمكنوا من هذا الموقف.
ونفقه من هذه السمة أن رجال الحركة الإسلامية ليسوا على مستوى واحد في المواجهة، فيمكن أن يكون فيهم الممتنع بقوته أو عشيرته أو مركزه.
ويمكن لأمثال هؤلاء أن يتحملوا المواجهة ويواجهوا الاعتداء بالمثل. كما أكد القرآن الكريم في وصفهم في معرض الئناء عليهم:
﴿والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون (٤)﴾.
ولرد الاعتداء دور إيجابي في رفع معنويات العامة، الذين يقدرون القوة ويعجبون بها بل في ذلك تشجيع لهم للانضمام إلى صف الدعوة تأثرا بمثل هذه المواقف.
فجواب عثمان بن مظعون للوليد بن المغيرة يدل على مدى الثقة النفسية العميقة لديه:
(إنني في جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس، وإن عيني
_________________
(١) تهذيب السيرة لابن هشام ص ٥٧.
(٢) ذكر ابن هشام الحادثة في السيرة ج ٢ ص ٩ و١٠.
(٣) امباركفوري في الرحيق المختوم ص ١٢٠ عن ابن الجوزي ص ٨.
(٤) سورة الشورى الآية ٣٩.
[ ١ / ٥٧ ]
الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله (١».
لكن لا بد من الملاحظة أن هذا الدفاع لا يأخذ أبدا طابع التحرش والاعتداء. أو طابع الاستفزاز إنما كان محدودا بأطر رد الاعتداء على الحقوق المشروعة للإنسان العادي في كل مجتمع. لضمان حق العقيدة وحق العبادة الشخصي، والذي يؤذي المسلم في هذا الحق يرد أذاه عنه.
السمة الحادية عشرة
تحمل الأذى والاضطهاد في سبيل الله
فلقد انكفأت كل قبيلة على أبنائها ومواليها تذيقهم ألوان العذاب وصنوف لتصرفهم عن دين الله وتصدهم عنه ونذكر بعض النماذج في ذلك:
(كان أبو جهل إذا سمع برجل قد أسلم له شرف ومنعة أنبه وأخزاه، وأوعده بإبلاغ الخسارة الفادحة في المال والجاه، وإن كان ضعيفا ضربه وأغرى به.
وكان عم عثمان بن عفان يلفه في حصير من أوراق النخيل ثم يدخنه من تحته.
ولما علمت أم مصعب بن عمير بإسلامه أجاعته، وأخرجته من بيته، وكان من أنعم الناس عيشا فتخشف جلده تخشف الحية.
وكان بلال مولى أمية بن خلف الجمحي، فكان أمية يضع في عنقه حبلا، ثم يسلمه إلى الصبيان، يطوفون به في جبال مكة، حتى يظهر أثر الحبل في عنقه، وكان أمية يشده شدا ثم يضربه بالعصا، وكان يلجئه إلى الجلوس في حر الشمس، كما كان يكرهه على الجوع، وأشد من ذلك كله أنه كان يخرجه إذا حميت الظهيرة فيطرحه في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول؛ لا والله لا تزال هكذا حتى تموت أو
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ٢ ص ١٠.
[ ١ / ٥٨ ]
تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى فيقول وهو في ذلك أحد أحد، حتى مر به أبو بكر يوما وهم يصنعون به ذلك فاشتراه بغلام أسود، وقيل بسبع أواق أو بخمس من الفضة وأعتقه.
وكان عمار بن ياسر ﵁ مولى لبني مخزوم، أسلم هو وأبوه وأمه، فكان المشركون - وعلى رأسهم أبو جهل - يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء فيعذبونهم بحرها، ومر بهم النبي - ﷺ - وهم يعذبون فقال: صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة، فمات ياسر من العذاب، وطعن أبو جهل - سمية أم عمار - في قبلها بحربة فماتت، وهي أول شهيدة في الإسلام، وشددوا العذاب على عمار بالحر تارة، وبوضع الصخر أحمر على صدره أخرى، وبالتغريق أخرى، وقالوا: لا نتركك حتى تسب محمدا، أو تقول في اللات والعزى خيرا وكان أبو فكيهة - واسمه أفلح - مولى لبني عبد الدار. فكانوا يشدون في رجله الحبل، ثم يجرونه على الأرض.
وكان خباب بن الأرت مولى لأم أنمار بنت سباع الخزاعية، فكان المشركون يذيقونه أنواعا من التنكيل، يأخذون بشعر رأسه فيجذبونه جذبا، ويلوون عنقه تلوية عنيفة، وأضجعوه مرات عديدة على فحام ملتهبة، ثم وضعوا عليه حجرا حتى لا يستطيع أن يقوم. وكانت زنيرة والنهدية وابنتها وأم عبيس إماء أسلمن وكان المشركون يسومونهن من العذاب أمثال ما ذكرنا. وأسلمت جارية لبني مؤمل - وهم حي من بني عدي - فكان عمر بن الخطاب - وهو يومئذ مشرك - يضربها حتى إذا مل قال: إني لم أتركك إلا ملالة.
وابتاع أبو بكر هذه الجواري فاعتقهن، كما أعتق بلالا وعامرا بن فهيرة.
وكان المشركون يلفون بعض الصحابة في إهاب الإبل والبقر، ثم يلقونه في حر الرمضاء، ويلبسون بعضا آخر درعا من الحديد، ثم يلقونه على صخرة ملتهبة.
[ ١ / ٥٩ ]
وقائمة المعذبين في الله طويلة مؤلمة جدا، فما من أحد علموا بإسلامه إلا تصدوا له وآذوه (١». وما ذكره هذا العلامة غني عن أي تعليق.
السمة الثانية عشرة
السماح للضعفاء في إظهار تغيير دينهم
فعن سعيد بن جبير قال:
(قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله - ﷺ - من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: نعم والله. إن كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، حتى إن الجعل ليمر بهم فيقولون له: هذا الجعل إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم. افتداء منهم مما يبلغون من جهذه (٢).
وما روي عن عمار ﵁ حين كانوا يعذبونه بالحر تارة، وبوضع الصخر أحمر على صدره أخرى، وبالتفريق، وقالوا: لا نتركك حتى تسب محمدا أو تقول في اللات والعزى خيرا، فوافقهم على ذلك مكرها، وجاء باكيا معتذرا إلى النبي - ﷺ - فأنزل الله: ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان (٣)﴾.
وهكذا نرى أن الأمر متفاوت بين السمة السابقة وهذه السمة، فالسابقة تحدثنا عن الذين استشهدوا تحت التعذيب. بينما تحدثثا هذه السمة عن الذين اضطروا للتظاهر بالتراجع عن الدين، وقد روي أن رسول الله - ﷺ - قال لعمار
_________________
(١) أورد هذه النماذج جميعا المباركفرري في كتابه - الرحيق المختوم - ص ١٠١ - ١٠٤. نقلا عن مصادر متعددة من الحديث والسيرة.
(٢) تهذيب السيرة النبوية لابن هشام ص ٧٢.
(٣) سورة النحل الآية ١٠٦.
[ ١ / ٦٠ ]
وهو يقص عليه التعذيب الذي لاقاه: كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان.
قال: إن عادوا فعد.
وتفاوت المسويات إذن ممكن في الحركة الإسلامية بين الصبر على التعذيب حتى الموت الذي يمثل العزيمة، وبين التظاهر بالكفر الذي يمثل الرخصة. وإن كان الموقفان جائزين، غير أن الصبر على البلاء وتحمل الأذى، ولو أدى إلى الاستشهاد في سبيل الله أفضل عند الله وأكرم. ويتعين أحيانا طريق العزيمة حين يكون الداعية ذا مركز خطير في مجتمعه، أو بمثابة القدوة يعرف الإسلام من خلاله. لأن تراجعه يضعف ثقة الناس بهذه العقيدة ويزلزل الضعفاء فيتراجعون خوفا وخورا، ولا شيء أشد أثرا في يقين الناس
وفي نفوسهم من ثبات الرجال على عقائدهم. لكننا لا نقيم النكير على من تراجع تحت وطأة التعذيب. بل نجد له عذرا وقسمة في ذلك.
السمة الثالثة عشرة
محاولة إنقاذ المستضعفين بكل الوسائل الممكنة
فلقد كانت المحاولة الأولى في العتق للموالي والعبيد.
وكان الذي يحمل عبء هذه المحاولة أبو بكر الصديق ﵁.
فلقد كان الثري الوحيد في صفوف المسلمين (فلقد أعتق على الإسلام قبل أن يهاجر إلى المدينة ست رقاب بلال سابعهم: عامر بن فهيرة وأم عبيس وزنيرة - وأصيب بصرها حين أعتقها فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعرى! فقالت: كذبوا وبيت الله، ما تضر اللات والعزى وما تنفعان! فرد الله بصرها - وأعتق النهدية وابنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار. فمر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها وهي تقول: والله لا أعتقكما أبدا! فقال أبو بكر: حل يا أم فلان! فقالت: حل أنت أفسدتهما فأعتقهما. قال: فبكم هما؟
قالت: بكذا وكذا، قال: قد أخذتهما وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها قالتا:
[ ١ / ٦١ ]
أو نفرغ يا أبا بكر ثم نرده إليها، قال: ذلك إن شئتما.
ومر بجارية بني مؤمل، وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب يعذبها - فابتاعها أبو بكر فأعتقها - قال أبو قحافة لأبي بكر: يا بني إني أراك تعتق رقابا ضعافا، فلو أنك إذ فعلت أعتقت رجالا جلدا يمنعونك ويقومون دونك! فقال أبو بكر: يا أبت إني إنما أريد ما أريد لله ﷿. وكان هذا التكامل الاجتماعي بين أفراد التجمع الإسلامي قمة من قمم المواساة الإنسانية. فلقد رفع الإسلام كرامة هؤلاء العبيد. بعد أن كانوا متاعا من المتاع. بل كان المتاع أكرم منهم. والبهيمة أشد إكراما منهم. جاء الإسلام فرد عليهم إنسانيتهم وآدميتهم، وأصبحوا بالإسلام أصحاب عقيدة وفكرة. يناقشون بها، وينافحون عنها، ويجاهدون في سبيلها، ويتعذبون من أجلها، وكان إقدام أبي بكر ﵁ على شرائهم ثم إعتاقهم دليلا على عظمة هذا الدين ومدى تغلغله في نفسية الصديق رضوان الله عليه.
لقد أحس العبيد والموالي من أبناء هذا الدين الجديد أنهم أسرة واحدة وبيت واحد. يحمل غنيهم فقيرهم، ويؤثر سيدهم عبدهم. فحق له ﵁ أن يأتيه الئناء من فوق سبع سموات. ﴿وسيجنبها الأتقى الذي يؤتي ماله يتزكى وما لأحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى ولسوف يرضى (١)﴾.
وما أحوج الحركة الإسلامية اليوم إلى أن تحيا هذا الواقع الأرفع، وتعيش هذه المشاعر السامية. ويكون أبناؤها من التعايش والتلاحم والتعاضد حيث يحس المسلم أنه ابن لهذه الأسرة. هي أكبر عنده من أبيه وأمه وأخيه وأخته وزوجه .. وما نشهذه اليوم من التكافل بين المجاهدين الإسلاميين والموسرين في الحركة الإسلامية الواحدة، وحمل الأرامل والثكالى والمشردين، وأزواج المعتقلين، وعائلاتهم لتعيد لنا هذه الصورة الصديقية الأولى. وما تقدم عليه النسوة وهن يتبرعن بحليهن وأموالهن لغوث المنكوبين والمنكوبات
_________________
(١) سورة الليل الآية ١٧ - ٢١.
[ ١ / ٦٢ ]
لدليل أصيل على عظمة هذا الدين الذي يجعل أبناءه أسرة واحدة، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
السمة الرابعة عشرة
الطريق الثانية للحماية عن طريق الهجرة
فالبقاء بين براثن الشرك حتى يتمكن الشرك من إبادة المسلمين عملية خرقاء. صحيح أن الجندي يتحتم عليه أن يتحلى بالصبر، ويتقبل المصيبة بصدر رحب ويثبت على دينه، لكن مهمة القيادة الأساسية هي حماية جنودها من الخطر، غير أن هذه الحماية لا تكون على حساب العقيدة أو الشريعة، في هذا الإطار تتحرك القيادة، ومن أجل هذا نرى سيد القادة محمدا ﵊ يبحث في الأرض كلها عن مكان آمن. ولا تستطيع يد الشرك أن تطاله. وكان هذا المكان هو أرض الحبشة.
فقد روى ابن هشام عن ابن إسحاق في السيرة أن رسول الله - ﷺ - قال للمسلمين: (لو خرجتم إلى أرض الحبشة فإن بها ملكا لا يظلم عنده أحد.
وهي أرض صدق. حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه.
فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله - ﷺ - إلى أرض الحبشة مخافة الفتة وفرارا إلى الله بدينهم. فكانت أول هجرة كانت في الإسلام) (١).
( وكان خروجهم في رجب من السنة الخامسة من المبعث. فأقاموا بالحبشة شعبان ورمضان. وخرجت قريش في آثارهم حتى جاؤوا البحر فلم يدركوا منهم أحدا، ثم رجعوا إلى مكة في شوال لما بلغهم أن قريشا صافوا رسول الله - ﷺ - وكفوا عنه
_________________
(١) تهذيب السيرة لابن هشام ص ٧٢.
[ ١ / ٦٣ ]
ولما استمر رسول الله - ﷺ - على سب آلهتهم عادوا إلى شر ما كانوا عليه، وازدادوا شدة على من أسلم. فلما قرب مهاجرة الحبشة من مكة وبلغهم أمرهم توقفوا عن الدخول، ثم دخل كل رجل في جوار رجل من قريش. ثم اشتد عليهم البلاء والتعذيب من قريش، وسطت عليهم عشائرهم، وصعب عليهم ما بلغهم عن النجاشي من حسن جواره، فأذن لهم رسول الله - ﷺ - في الخروج إلى الحبشة مرة ثانية فخرجوا. فكان خروجهم الثاني أشق عليهم وأصعب، فكان عدة من خرج في هذه المرة ثلاثة وثمانين رجلا إن كان فيهم عمار بن ياسر فإنه يشك فيه، قاله ابن إسحاق. ومن النساء تسع عشرة امرأة (١».
وهكذا نجد أن الثقل الكبير للمسلمين قد انتقل إلى الحبشة فأن يغادر مكة ثلاثة وثمانون رجلا وتسع عشرة امرأة يعني هذا أن قوة ضخمة وتجمعا كبيرا قد قام في قطر آخر وبعيد عن مكة وعن متناول يدها يستطيع أن ينتشر ويتضخم ويهدد وجود مكة ذاتها.
وهذا المنطلق لم يكن ليغيب عن ذهن رسول الله - ﷺ -، وهو البحث عن قاعدة صلبة ومكان آمن آخر للدعوة غير مكة. حيث لا تستطيع قريش مهما بلغ من عتوها أن تنهي الوجود الإسلامي في الأرض، وهذا ما يحسن أن تنتبه الحركة الإسلامية إليه في تخطيطها حيث لا تضع كل طاقاتها البشرية والمادية في أرض واحدة، تكون معرضة فيها للإبادة، بل تعدد أماكن تجمعها وتواجدها، بحيث تستطيع لو فقدت موقعا معينا أن تنتقل إلى موقع ثان تنطلق منه وتواجه الجاهلية من خلاله.
ولا شك أن مغادرة الشباب الإسلامي مواقعه وأماكنه إلى أرض جديدة، يعاني فيها آلام الغربة والوحشة عن الأهل والوطن، هو أمر صعب وتضحية كبيرة. لا تتحقق إلا إذا كان هذا الشباب على مستوى من الإيمان العظيم يتجاوز به هذه العقبات. وأن تكون عقيدته وحبه لها أكبر من حبه
_________________
(١) السيرة النبوية لعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ص ٨٢.
[ ١ / ٦٤ ]
لوطنه، وحنينه لقومه، وارتباطه بأرضه. أن تكون رابطة العقيدة أعمق غورا في نفسه، وأشد أثرا في قلبه من أية رابطة أخرى مهما سمت وارتفعت.
﴿قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من اللهد ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الفاسقين (١)﴾.
وخاصة أن الهجرة لهذه الأرض النائية، والمعيشة بين قوم غير قومهم يتكلمون بلغة غير لغتهم، ولهم عادات وتقاليد ودين غير عاداتهم ودينهم وتقاليدهم هي أشق على النفس وأقسى على الروح. فما لم يكن جنود الحركة الإسلامية على المستوى المذكور من الإيمان، فلن تنجح القيادة في تنفيذ خطتها ومخططاتها.
إنه لا بد أن يتربى الشباب المسلم على أن تكون عقيدته أغلى عليه من كل شيء في حياته، وأن يكون ارتباطه بدينه أقوى من أية رابطة أخرى من أهل أو زوج أو ولد أو عشيرة أو أرض أو مال أو وطن أو مصلحة.
وهذا المستوى الإيماني العظيم هو الذي جعل هذه الأعداد الكبيرة تهاجر إلى هذه الأرض النائية البعيدة.
إننا ونحن اليوم في القرن العشرين، وفي وسائل المواصلات الضخمة التي اختصرت الأشهر بالساعات، وبالارتباط العالمي القائم في دول الأرض من حيث الاتصال، لو دعينا إلى الهجرة إلى الحبشة لأحسنا بثقل ذلك وصعوبته، ووجدنا من يتلكأ عن الإجابة. وسماعنا بالحبشة بالذات يجعل الوحشة والرهبة هي المسيطرة على كياننا لو دعينا لذلك.
فكم يا ترى هو المستوى الإيماني الرفيع لدى تلك العصمة المؤمنة في الأرض، وهم يعرفون الأحباش وينظرون إليهم من على على أنهم عرب أقحاح، وأولئك عجم سود كأن رأس كل منهم زبيبة، كانوا يترفعون عنهم
_________________
(١) سورة التوبة، الآية ٢٤.
[ ١ / ٦٥ ]
نسبا وشرفا، وهم يرون في صفوفهم بلال بن رباح الحبشي العبد الأسود؟.
إنها لعمر الحق هجرة نادرة في التاريخ. وتعال عن كل قيم الأرض وروابطها في سبيل الله، وحق لهؤلاء أن يقول لهم رسول الله - ﷺ -: لهم هجرة (أي
لمهاجري يثرب) ولكم هجرتان (أي لمهاجري الحبشة).
السمة الخامسة عشرة
البحث عن مكان آمن للدعوة وقاعدة جديدة للانطلاق
وهو هدف آخر من وراء الهجرة إلى الحبشة غير هدف الحماية لجنود الدعوة وأفرادها، وهذا ما أشار إليه صاحب الظلال - سيد قطب - ﵀ بقوله: (ومن ثم كان بحث الرسول - ﷺ - عن قاعدة أخرى غير مكة، قاعدة تحمي هذه العقيدة وتكفل لها الحرية، ويتاح لها أن تخلص من هذا التجميد الذي انتهت إليه في مكة، حيث تظفر بحرية الدعوة، وبحماية المعتنقين لها من الاضطهاد والفتنة .. وهذا في تقديري هو السبب الأهم للهجرة.
ولقد سبق الاتجاه إلى يثرب، لتكون قاعدة للدعوة الجديدة، عدة اتجاهات .. سبقها الاتجاه إلى الحبشة. حيث هاجر إليها كثير من المؤمنين الأوائل، والقول بأنهم هاجروا إليها لمجرد النجاة بأنفسهم لا يستند إلى قرائن قوية، فلو كان الأمر كذلك لهاجر إذن أقل الناس جاها وقوة ومنعة من المسلمين، غير أن الأمر كان على الضد من هذا، فالموالي المستضعفون الذين كان ينصب عليهم معظم الاضطهاد والتعذيب والفتنة لم يهاجروا، إنما هاجر رجال ذوو عصبيات، لهم من عصبياتهم - في بيئة قبلية .. ما يعصمهم من الأذى، ويحميهم من الفتنة، وكان عدد القرشيين يؤلف غالبية المهاجرين، منهم جعفر بن أبي طالب - وأبوه وفتيان بني هاشم معه هم الذين كانوا يحمون النبي - ﷺ -، ومنهم الزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة المخزومي، وعثمان بن عفان الأموي وغيرهم، وهاجرت نساء كذلك من
[ ١ / ٦٦ ]
أشرف بيوتات مكة ما كان الأذى لينالهن أبدا، وربما كان وراء هذه الهجرة أسباب أخرى كإثارة هزة في أوساط البيوت الكبيرة في قريش. وأبناؤها الكرام المكرمون يهاجرون بعقيدتهم، فرارا من الجاهلية، تاركين وراءهم كل وشائج القربي، في بيئة قبلية تهزها هذه الهجرة على هذا النحو هزا عنيفا، وبخاصة حين يكون من بين المهاجرين مثل أم حبيبة بنت أبي سفيان، زعيم الجاهلية، وأكبر المتصدين لحرب العقيدة الجديدة وصاحبها، ولكن مثل هذه الأسباب لا ينفي احتمال أن تكون الهجرة إلى الحبشة أحد الاتجاهات المتكررة في البحث عن قاعدة حرة، أو آمنة على الأقل للدعوة الجديدة. وبخاصة حين نضيف إلى هذا الاستنتاج ما ورد عن إسلام نجاشي الحبشة. ذلك الإسلام الذي لم يمنعه من إشهاره نهائيا إلا ثورة البطارقة عليه - كما ورد في روايات صحيحة - (١».
هذه اللفتة العظيمة من سيد - ﵀ - لها من السيرة ما يعضدها ويساندها، وأهم ما يؤكدها في رأيي هو الوضع العام الذي انتهى إليه أمر مهاجرة الحبشة.
فلم نعلم أن رسول الله - ﷺ - قد بعث في طلب مهاجرة الحبشة حتى مضت هجرة يثرب وبدر وأحد والخندق والحديبية. والمعروف أن عمرو بن أمية الضميري - مبعوث رسول الله - ﷺ - إلى النجاشي - التقى مع عمرو بن العاص عند النجاشي بعد صلح الحديبية، وكان لكل واحد منهما مهمة عند النجاشي، أما عمرو بن العاص فلقد اختار اللجوء السياسي عند النجاشي بعد صلح الحديبية حيث رأى أن مكة ستفتح بين يدي محمد لا محالة بعد الصلح، ولا جدوى من المقاومة.
وأما عمرو بن أمية الضميري فلقد كانت مهمته طلب عودة المهاجرين من الحبشة إلى يثرب من النجاشي حيث قد انتهت مهمتهم بعد الصلح.
_________________
(١) في ظلال القرآن. ط. دار الشروق ص ٢٩.
[ ١ / ٦٧ ]
لقد بقيت يثرب معرضة لاجتياح كاسح من قريش خمس سنوات.
وكان آخر هذا الهجوم والاجتياح في الخندق حيث قدم عشرة آلاف مقاتل لاستئصال شأفة المسلمين هناك، وبعد رد الكافرين يغيظهم قال رسول الله - ﷺ -: (الآن نغزوهم ولا يغزونا نحن نسير إليهم (١».
فلقد انتهى الخطر في اجتياح المدينة بعد الخندق - كما في النص النبوي الآنف الذكر - وجاء صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة ليؤكد هذا المعنى، ويؤكد الاعتراف الرسمي من قريش بدولة المدينة. وحين اطمأن رسول الله - ﷺ - إلى أن المدينة قد أصبحت قاعدة أمينة للمسلمين، وانتهى خطر اجتياحها من المشركين. عندئذ بعث في طلب المهاجرين من الحبشة، ولم يعد ثمة ضرورة لهذه القاعدة الاحتياطية التي كان من الممكن أن يلجأ إليها رسول الله - ﷺ - لو سقطت يثرب في يد العدو.
إنه الفقه السياسي الأعظم، والتخطيط النبوي الأعمق من الرسول - ﷺ - وهو يمضي في بناء دولة الإسلام. ويدرس كافة الاحتمالات المتوقعة، ويبحث في كل مكان عن الأرض المناسبة لقيام دولة الإسلام أو لحماية العقيدة فيها.
وفعلا وصل المهاجرون من الحبشة إلى المدينة فوجدوا رسول الله - ﷺ - في خيبر فمضوا إليه هناك والتحقوا به ووصلوا بعد فتح خيبر فقال رسول الله - ﷺ -: (ما أدري بأيهما أنا اسر، بفتح خيبر أم بقدوم جعفر (٢».
السمة السادسة عشرة
الاستفادة من قوانين المجتمع المشرك - الحماية والجوار -
لقد كان المجتمع الجاهلي يقيم وزنا كبيرا لهذا القانون، وهو حماية القوي الضعيف. فإذا دخل الضعيف في جوار القوي يتمتع بحمايته التامة،
_________________
(١) صحيح البخاري ج ٢، ص ٥٩٠.
(٢) السيرة النبوية لابن هشام ج ٤ ص ٣.
[ ١ / ٦٨ ]
ويمنع أي اعتداء يقع عليه، ويعطيه حرية التحرك والتفكير ولا يستطيع العدو أن ينال من هذا المستجير. ولو تم ذلك فإن هذا يعني أن حربا تقع بين الفريقين، ومن أجل هذا فالذي يعلن الإجارة، لا بد أن يكون عزيزا منيعا في قومه، قادرا على الحماية، ومدخلا في حسبانه كل المفاجآت الممكنة.
ولنتعرض إلى نماذج من هذه الإجارة.
لقد كانت الإجارة الأولى في المجتمع المكي هي إجارة أبي طالب لمحمد رسول الله - ﷺ -.
يقول ابن إسحاق: (وحدب على رسول الله - ﷺ - عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه، ومضى رسول الله - ﷺ - على أمر الله مظهرا لأمره لا يرده عنه شيء. فلما رأت قريش أن رسول الله لا يعتبهم من شيء أنكروه عليه، من فراتهم وعيب آلهتهم، ورأوا أن عمه أبا طالب قد حدب عليه، وقام دونه فلم يسلمه لهم، مشى رجال إلى أبي طالب فقالوا: يا أبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا، وسفه أحلامنا، وضلل آباءنا، فإما أن تكفه عنا، وإما أن تخلي بيننا وبينه؟ فقال لهم أبو طالب قولا رقيقا. وردهم ردا جميلا فانصرفوا عنه. ومضى رسول الله - ﷺ - على ما هو عليه، يظهر دين الله ويدعو إليه، ثم شري الأمر بينه وبيهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله بينها. فتذامروا فيه، وحض بعضهم بعضا عليه.
ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى، فقالوا له: يا أبا طالب إن لك سنا ومنزلة وشرفا فينا، وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا، وإنا والله لا نصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا، وعيب آلهتنا، حتى تكفه عنا، أو ننازله وإياك حتى يهلك أحد الفريقين.
فبعث إليه رسول الله - ﷺ - فقال له: يا بن أخي، إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا. للذي كانوا قالوا له - فابق علي وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق. فظن رسول الله - ﷺ - أنه قد بدا لعمه فيه بداء أنه خاذله وسلمه، وأنه قد ضعف عن نصرته، فقال رسول الله - ﷺ -: (يا عم
[ ١ / ٦٩ ]
والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يطهره الله أو أهلك فيه ما تركته!. ثم استعبر رسول الله - ﷺ - فبكى ثم قام، فلما ولى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخي. فأقبل عليه رسول الله - ﷺ - - فقال: اذهب يابن أخي فقل ما أحببت فوالله لا أسلمك لشيء أبدا (١».
ونلاحظ هذه الملاحظات الثلاث على هذه الإجارة:
١ - إن قريشا حاولت مع أبي طالب أن يدعو ابن أخيه للكف عن الدعوة لهذا الدين الجديد، وقد فشلت هذه المحاولة وهذا ما نتوقعه ونحن نستفيد من قوانين المجتمع الجاهلي، وهي محاولة استصدار قوانين جديدة تحول دون حرية الدعوة.
٢ - لجأت قريش إلى التهديد في المرة الثانية، ونجحت في التأثير على أعصاب أبي طالب، فدعا محمدا رسول الله - ﷺ - إلى الكف عن الدعوة لهذا الدين، لعجزه عن حمايته وهو في هذه الصورة. لكن ثبات رسول الله - ﷺ - على الحق، مهما كانت عقباته. ثبت أبا طالب ثانية في حمايته.
ونفقه من هذا التصرف أن فشل الجاهلية في المرة الأولى - من بعض فئاتها - لضرب الدعوة لا يثنيها عن هذا الطريق، فقد تعيد الكرة ثانية وثالثة، ويقظة الحركة الإسلامية من جهة، وصلابتها من جهة ثانية هما الكفيلان بإحباط محاولات هذه الفئة المعادية، والحركة الإسلامية بحاجة لأن يستفيد من كل تناقضات المجتمع الجاهلي لتجعل بعضه ضد بعض فتستفيد هي من هذه التناقضات.
٣ - والاستفادة من العصبية الجاهلية في حماية شباب الدعوة أمر شرعي، فابن العائلة الكبيرة والقبيلة الضخمة الذي يستطيع أن يوظف زعيم هذه العائلة لحمايته لا يعني أنه قد تخلى عن دينه بذلك. واستفادة بعض الدعاة من ضابط كبير في الجيش أو المخابرات، أو وزير متنفذ في دولة،
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ١ ص ٢٨٤ - ٢٨٥.
[ ١ / ٧٠ ]
لا ينقص من عقيدة هذا الداعية ومن دينه شيئا. بل من حق شباب الدعوة في مرحلة الضعف البحث عن سند قوي في الجاهلية يحميهم ويحفظ عليهم حرية عقيدتهم، وحرية الدعوة إليها. ولقد كان لحماية أبي طالب لرسول الله - ﷺ - وإجارته له ما هيأ له السبل الكافية لنشر الدعوة في قلب مكة، دون أن يتعرض لأذى ماحق يقضي عليه. يقول رسول الله - ﷺ -: (ما نالتا مني قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب (١».
وهذا لا يعني أن الجاهلية قد وفت بعهذها وذمتها وحفظت جوار أبي طالب خلال هذه السنوات العشر، ولكن من المؤكد أنها أخفقت في محاولاتها خرق هذا العهد، وكان لحماية أبي طالب أثر فعال حال دون وصول الأذى الكبير لرسول الله ﵊.
ولننتقل إلى صورة ثانية من الحماية. هي صورة إجارة ابن الدغنة لأبي بكر الصديق ﵁ (ففي الصحيح عن عائشة قالت: لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر يوم إلا يأتتينا فيه رسول الله - ﷺ - طرفي النهار، بكرة وعشية. فلما ابتلي المسلمون خرج أبو بكر مهاجرا إلى أرض الحبشة حتى إذا بلغ برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي.
فقال ابن الدغنة: إن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق فأنا لك جار. ارجع واعبد ربك ببلدك. فرجع أبو بكر، وارتحل معه ابن الدغنة.
فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة وقالوا لابن الدغنة: فأمر أبا بكر، فليعبد ربه في داره، فليصل فيها، وليقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن، فإنا نخشى أن يفتن نساؤنا وأبناؤنا. فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر. فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ٢ ص ٥٨.
[ ١ / ٧١ ]
داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فتتقصف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه ويتظرون إليه، وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن. فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، وقد جاوز ذلك، وابتنى مسجدا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقرآن فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن أبناؤنا ونساؤنا، فانهه. فإن أحب على أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن ذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفر ذمتك، ولسنا مقرين لأبي بكر الاستعلان. قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر، فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلي ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني خفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله (١».
١ - فأبو بكر ﵁ يخرج بوضوح طالبا الأمان في عبادة ربه: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي.
ويلقاه ابن الدغنة. وهو سيد القارة (٢)، سيد قبيلة غير قبيلة قريش.
فوجد عارا عليه أن يخرج من مكة مثل أبي بكر، الذي تناهت شهرته خارج حدود مكة أنه يكسب المعدوم، ويحمل الكل ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق. وهي نفس الصفات التي عرفت بها خديجة ﵂ نبوة محمد - ﷺ -. ولم يكتف ابن الدغنة بالمشاركة الوجدانية.
بل أعاد أبا بكر ودخل به مكة، وأعلن حمايته على الملأ. إنها حماية غريبة أن يحمي سيد قبيلة ابنا لقبيلة أخرى وفي بيوت القبيلة نفسها ومع ذلك لم تجد قريش فكاكا من ذلك، وأذعنت لجوار ابن الدغنة لأبي بكر، وكانت الحماية على حرية العبادة.
_________________
(١) مختصر السيرة لعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ص ٨٧ - ٨٨.
(٢) القارة هي القبيلة التي نقض بعض أفرادها العهد مع الرسول ﷺ بعد أحد وغدروا بسرية الرجيع.
[ ١ / ٧٢ ]
٢ - غير أن الأمر تطور تطورا آخر، من حرية العبادة إلى حرية الدعوة، وهنا ثارت ثائرة قريش وأرسلت وراء ابن الدغنة تستجير به وتعلن استعدادها لخرق الحماية أما الحدث الجديد الذي فوجئت به، ان يصلي أبو بكر في فناء بيته، فتتقصف عليه النساء ويجتمعن عليه، ويفتن به - وكذلك الولدان - وعجز ابن الدغنة، عن إجراء إجارته على حرية الدعوة، وعندما خير أبو بكر ﵁، بين حجز حريته عن الدعوة إلى الله، وأن يعيش في ظل ابن الدغنة آمنا قرير العين، وبين أن يدعو ويحمل مسؤولية دعوته، آثر البلاء والدعوة في سبيل الله على الأمان وحرية العبادة، لقد كانت هذه الإجارة أدنى من إجارة أبي طالب، فهناك إذن الإجارة على حرية الدعوة كما كانت إجارة أبي طالب، اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت. وبين إجارة ابن الدغنة على حرية العبادة ارجع واعبد ربك ببلدك.
ولقد وجد هذان النموذجان في مكة. من تحميه قوة لإجارة في حرية العبادة وهو الأكثر، ومن تحميه قوة الإجارة في حرية الدعوة وهو نادر، بل نكاد نقول أنه خاص برسول الله - ﷺ -، وكما رأينا محاولات قريش في ضرب هذه الإجارة وفشلها في ذلك. ونخلص من هذا إلى أن الاستفادة من قوانين الجاهلية أمر مشروع إن كان فيه مصلحة للدعوة. وليس هذا طعنا في الدين، وليس هذا احتكار لغير شريعة الله. كما يدور بخلد بعض المتحمسين.
ومما يذكر في تاريخ الدعوة المعاصر أن الحكومة المصرية عندما اعتقلت الداعية الإسلامي الكبير محمد قطب عام ٦٦، أقام الإمام الشهيد سيد قطب دعوة على الحكومة المصرية التي خرقت القانون في اعتقاله. ولم يعرف تاريخ الدعوة الحديثة مثل سيد في تحرره من فكرة الحاكمية لغير الله. وهو الذي حمل لواءها في كتبه وفكره وحياته حتى توفاه الله. إن الفقه العظيم لسيد حين يفرق بين القناعة بنظام حكم كافر يسعى إليه، وبين الاستفادة من نظام حكم كافر لحماية الدعوة وشيابها ورجالها.
ومن هذا المنطلق نقول وننتبه كذلك إلى: إن الديمقراطية - وهي نظام
[ ١ / ٧٣ ]
غير إسلامي ابتداء - هي خير للحركة الإسلامية من الديكتاتورية الطاغية، هي مناخ ملائم لتفريخ الدعوة وانتشارها، إنها وهي نظام جاهلي، أجدى على المسلمين من أي نظام جاهلي آخر. وهي تضمن عادة حرية التعبير عن الرأي وحرية العقيدة، أو بتعبير آخر حرية العبادة وحرية الدعوة.
والذي يراجع رصيد الحركة الإسلامية المعاصر يلاحظ أنه ما من فترة أعطيت فيها الحرية للأمة إلا وصار الشارع إسلاميا، والجامعة إسلامية، ووصل الإسلام إلى السيطرة على كل مرافق الأمة. وما يكاد الإسلام يصل إلى الحكم عن هذا الطريق إلا ويقوم انقلاب عسكري يكمم الأفواه، ويزج بالناس في المعتقلات والسجون، وتبدأ حمامات الدم لشباب الإسلام. إن كلمة الرسول - ﷺ - الخالدة: (إن فيها ملكا لا يظلم عنده أحد) هي معلم من معالم الحركة الإسلامية، وخطوة أساسية من خطوات هذا المنهج. تعين الحركة على مواجهة المجتمع القائم، وتفتح لها أبواب الانطلاق الإسلامي العظيم للدعوة في سبيل الله.
السمة السابعة عشرة
المحاولة السلبية من العدو في المواجهة
وقد عدد أنواعا منها العلامة المباركفوري نذكرها نقلا عنه:
١ - السخرية والتحقير، والاستهزاء والتكذيب والتضحيك، قصدوا بها تخذيل المسلمين، وتوهين قواهم المعنوية، فرموا النبي - ﷺ - بتهم هازلة، وشتائم سفيهة
٢ - تشويه تعاليمه وإثارة الشبهات، وبث الدعايات الكاذبة، ونشر الإيرادات الواهية حول هذه التعاليم، وحول ذاته وشخصيته، والإكثار من كل ذلك بحيث لا يبقى للعامة مجال في تدبر دعوته
٣ - معارضة القرآن بأساطير الأولين، وتشغيل الناس بها عنه .. فلقد ذهب
[ ١ / ٧٤ ]
النضر بن الحارث إلى الحيرة، وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس، وأحاديث رستم، واسفنديار. فكان إذا جلس رسول الله - ﷺ - مجلسا للتذكير بالله، والتحذير من نقمته خلفه النضر، يقول: والله ما محمد بأحسن حديثا مني، ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم واسفنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثا مني.
٤ - مساومات حاولوا بها أن يلتقي الإسلام والجاهلية في منتصف الطريق بأن يترك المشركون بعض ما هم عليه، ويترك النبي - ﷺ - بعض ما هو عليه ﴿ودوا لو تدهن فيدهنون﴾ (١) و﴿قل يا أيها الكافرون (٢)﴾ (٣) وهذه النماذج نذكرها لأنها تتكرر مع الدعوة في كل جيل، والحركة الإسلامية بحاجة إلى التعرف على هذه المحاولات حتى لا يفت في عضد الدعاة وهم ينالون أنواع الحرب النفسية من الاستهزاء والتبكيت والسخرية، يتهمونهم في عقولهم أنهم رجعيون جامدون، ومتعصبون متخلفون، وأنهم ينتمون إلى عصر الجمل وعصر الخيام والصحراء، بل يتهمونهم بالتخلف العقلي، فلهؤلاء الدعاة أسوة برسول الله - ﷺ - الذي اتهمه قومه بالجنون، وهو سيد ولد آدم. ﴿ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون (٤)﴾. ويتهمونه بالكذب، وهو الذي لم تعرف البشرية له مثيلا في الصدق، وبشهادتهم هم: ما جربنا عليك كذبا. ووسائل الإعلام الجاهلية اليوم تتهم دعاة الإسلام بأنهم متآمرون وبأنهم لا أخلاقيون وبأنهم كاذبون.
والنوع الآخر الذي يتلقاه الدعاة من أعدائهم مر تشويه المبادىء، وتقديمه بأسوأ صورة للناس، خاصة ووسائل الإعلام اليوم في كل يوم تقدم سموما حول هذا الدين. وفي أحسن الأحوال يقدمون الإسلام على أنه صالح في مرحلة سابقة من التاريخ، وأنه قدر الأمة العربية فيما مضى، أما اليوم فالعصر عصر القوميات، وعصر الاشتراكية العلمية، وعصر التقدمية
_________________
(١) القلم / ٩.
(٢) سورة الكافرون.
(٣) الرحيق المختوم للمباركفوري باختصار ٩٤ - ٩٦.
(٤) القلم / ١ - ٣
[ ١ / ٧٥ ]
والديمقراطية، وأن الإسلام قد أدى دوره وانتهى من الوجود إنها هي نفس الصيغة السابقة التي تتحدث عن القرآن أنه أساطير الأولين.
والمسلمون أحوج ما يكونون إلى الانتباه والحذر إلى هذه الأساليب من الحرب التي تشن عليهم من أعدائهم ليل نهار للنيل من أشخاصهم، والنيل من دعوتهم، والنيل من دينهم وإسلامهم. إن وسائل، الإعلام الرهيبة المعاصرة من صحيفة وإذاعة وتلفاز، من مجلة وكتاب، ومقالة ومسرحية وقصة. كلها تنصب اليوم على الحرب على الإسلام سواء بتجسيد الشر وتمجيده أو بالنيل من الخير وطمسه وتشويه معالمه. يا شباب الدعوة، أنتم المستهدفون، ودينكم المستهدف. فبالصبر والوعي تجهضون هذه الحرب.
السمة الثامنة عشرة
المحاولات الإيجابية في الحرب: عمليات الاغتيال والقتل للقيادة
لقد تعرض رسول الله - ﷺ - لأربع محاولات اغتيال وقتل.
كانت الأولى بطلب صريح من قريش من أبي طالب، يطلبون فيه تسليم النبي - ﷺ - لهم: كما روى ابن إسحاق: (ثم إن قريشا حين عرفوا أن أبا طالب قد أبى خذلان رسول الله - ﷺ - وإسلامه، وإجماعه لفراقهم في ذلك وعداوتهم، مشوا إليه بعمارة بن الوليد بن الغيرة. فقالوا: يا أبا طالب هذا عمارة بن الوليد، أنهد فتى في قريش وأجمله، فخذه فلك عقله ونصرته، واتخذه ولدا فهو لك، وأسلم إلينا ابن أخيك هذا الذي قد خالف دينك ودين آبائك، وفرق جماعة قومك وسفه أحلامهم نقتله، فإنما هو رجل برجل!
فقال: والله لبئس ما تسومونني أتعطوني ابنكم أغذوه لكم، وأعطيكم ابني تقتلونه؟ هذا والله ما لا يكون أبدا (١».
وكانت المحاولة الثانية محاولة فرعون هذه الأمة أبي جهل بن هشام. كما
_________________
(١) تهذيب السيرة لابن هشام ص ٥٩.
[ ١ / ٧٦ ]
روى ابن إسحاق كذلك: (يا معشر قريش إن محمدا قد أبى إلا ما ترون من عيب ديننا وشتم آبائنا، وتسفيه أحلامنا وشتم آلهتنا، وإني أعاهد الله لأجلس له بحجر ما أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته به رأسه، فأسلموني عند ذلك أو امنعوني. فليصنع بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم (١) ..
وفشلت المحاولة في اليوم الثاني عندما رجع مكفهر الوجه، وقد يبست يداه على الحجر قائلا: قمت إليه لأفعل به ما قلت لكم البارحة، فلما دنوت منه عرض لي دونه فحل من الإبل، لا والله ما رأيت مثل هامته، ولا مثل قصرته ولا أنيابه لفحل قط، فهم بي أن يأكلني (٢) ..
وكانت المحاولة الثالثة، محاولة طغاة قريش في قتله، ففي رواية البخاري عن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي - ﷺ -، قال: بينا النبي - ﷺ - يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقا شديدا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه، ودفعه عن النبي - ﷺ - وقال: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله (٢)؟
وفي حديث أسماء: فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقال: أدرك صاحبك، فخرج من عندنا، وعليه غدائر أربع، فخرج وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟ فلهوا عنه وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا لا نمس شيئا من غدائره إلا رجع معنا (٣). وكانت المحاولة الرابعة محاولة عمر بن الخطاب ﵁ والتي انتهت بإسلامه.
وهذه السمة في غنى عن التعليق، إذ يجب أن لا يغيب أبدا عن أذهان الحركة الإسلامية تخطيط العدو الماكر لإبادة القيادة واغتيالها. وما شهده جيلنا المعاصر من اغتيال وإبادة قادة الحركات الإسلامية يعطينا صورة واضحة
_________________
(١) تهذيب السيرة لابن هشام ٦٨ - ٦٩.
(٢) صحيح البخاري ١ - ٥٤٤ باب ما لقي رسول الله وأصحابه من المشركين بمكة.
(٣) مختصر السيرة. ص ٩٩.
[ ١ / ٧٧ ]
عن ذلك. فقد كان اغتيال الشهيد حسن البنا ﵀ هدفا خطط له الكفر في الأرض، ثم كانت القافلة الثانية من الشهداء، التي تم إعدامها، عبد القادر عودة، ومحمد فرغلي ويوسف طلعت وإبراهيم الطيب ثم كانت القافلة الثالثة من الشهداء التي تم إعدامها سيد قطب، وعبد الفتاح إسماعيل، ويوسف هواش. وعمليات التصفيات الجسدية التي تمت على ثرى الشام الطهور لقادة الجهاد فيه. مروان حديد وإبراهيم اليوسف وعبد الستار الزعيم، وكل محاولات الاغتيال التي تمت لقادة الحركة الإسلامية، لتنبىء عن مدى تخطيط العدو لاستئصال هذه الحركة من خلال القضاء على قادتها وزعمائها.
السمة التاسعة عشرة
الجهرية الثانية: إسلام حمزة، إسلام عمر، وإعلان التحدي
للمجتمع الجاهلي
وكان التحدي الأول هو إسلام حمزة ﵁. كما رواه ابن إسحاق عن رجل من أسلم (أن أبا جهل مر برسول الله (ص فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله - ﷺ -، ومولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك. ثم انصرف عنه عائدا إلى نادي قريش عند الكعبة فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطلب أن أقبل متوشحا قوسه راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى في قريش وأشده شكيمة. فلما مر بالمولاة وقد رجع رسول الله - ﷺ - إلى بيته قالت: يا أبا عمارة لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفا من أبي الحكم بن هشام، وجده ها هنا جالسا فآذاه وشتمه وسبه، وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه ولم يكلمه محمد. فاحتمل حمزة الغضب لما أراد الله به من كرامته، فخرج يسعى لم يقف لأحد، معدا لأبي جهل إذا لقيه
[ ١ / ٧٨ ]
أن يوقع به. فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم، فأقبل نحوه حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة ثم قال: أتشتمه؟ فأنا على دينه أقول ما يقول، فرد علي ذلك إن استطعت. فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فإني والله قد سببت ابن أخيه سبا قبيحا (١) وزاد غير ابن إسحاق في إسلام حمزة أند قال؛ لما حملني الغضب، وقلت أنا على قوله. أدركني الندم على فراق دين آبائي وقومي، وبت من الشك في أمر عظيم لا أكتحل بنوم، ثم أتيت الكعبة فتضرعت إلى الله أن يشرح صدري ويذهب عني الريب، فما استتممت دعائي حتى زال عني الباطل، وامتلأ قلبي يقينا - أو كما قال - فأتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته بما كان من أمري. فدعا لي بأن ثبتني الله (٢).
أما عن إسلام عمر فأخرج ابو نعيم في الدلائل وابن عساكر عن ابن عباس قال: قلت لعمر: لأي شيء سميت الفاروق؟ قال: أسلم حمزة قبلي بثلاثة أيام. فخرجت فإذا فلان المخزومي فقلت له: أرغبت عن دين آبائك واتبعت دين محمد؟ قال: إن فعلت فقد فعله من هو أعظم عليك حقا مني. قلت: من ذلك؟ قال؛ أختك وختنك، فانطلقت فوجدت همهمة، فدخلت فقلت ما هذا؟ فما زال الكلام بيننا حتى أخذت برأس أختي فضربته وأدميته. فقامت إلي فأخذت برأسي فقالت: وقد كان ذلك على رغم أنفك. فاستحيت حين رأيت الدماء، فجلست فقلت أروني هذا الكتاب. قالت إنه لا يمسه إلا المطهرون، فقمت فاغتسلت. فأخرجوا لي صحيفة فيها (بسم الله الرحمن الرحيم) فقلت أسماء طيبة طاهرة ﴿طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى إلا تذكرة لمن يخشى تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلا﴾ إلى قوله ﴿الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى﴾ فتعظمت في صدري فقلت: ما أحسن هذا الكلام وأجمله .. فأسلمت. فقلت: أين رسول الله؟ قالت: فإنه في دار الأرقم. فأتيته فضربت الباب فاستجمع القوم، وقال لهم حمزة: ما لكم؟ قالوا: عمر. قال: وعمر؟! افتحوا له الباب، فإنه إن أقبل قبلناه،
_________________
(١) و(٢) مختصر السيرة لابن محمد بن عبد الوهاب ص ٨٨ - ٨٩.
[ ١ / ٧٩ ]
وإن أدبر قتلناه. فسمع ذلك رسول الله - ﷺ -. فخرج فتشهد عمر. فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد، قلت: يا رسول الله ألسنا على الحق؟ قال: بلى. قلت: ففيم الاختفاء؟ فخرجنا في صفين: أنا في أحدهما، وحمزة في الآخر حتى دخلنا المسجد. فنظرت قريش إلي وإلى حمزة فأصابتهم كآبة شديدة، فسماني رسول الله - ﷺ - - الفاروق يومئذ (١).
وفي رواية أنس عن أبي يعلى والحاكم والبيهقي قال: خرج عمر متقلدا السيف. فلقيه رجل من بني زهرة. تقال: أين تعمد يا عمر؟ قال: أريد أن أقتل محمدا، قال: وكيف تأمن من بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدا؟ قال ما أراك إلا قد صبوت. قال: أفلا أدلك على العجب؟ إن أختك وختنك قد صبوا وتركا دينك، فمشى عمر فأتاهما وعندهما خباب فلما سمع عمر توارى في البيت حتى انتهى إلى قوله: ﴿إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأقم الصلاة لذكري﴾ فقال عمر: دلوني على محمد. فلما سمع خباب قول عمر خرج فقال: أبشر يا عمر فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ليلة الخميس: اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام .. فانطلق عمر حتى أتى الدار وعلى بابها حمزة وطلحة وناس، فقال حمزة: هذا عمر إن يرد الله به خيرا يسلم، وإن يكن غير ذلك كان قتله علينا هينا (٢)
وروى ابن إسحاق بسنده عن عمر قال: لما أسلمت تذكرت أي أهل مكة أشد لرسول الله - ﷺ - عداوة. قلت: أبو جهل، فأتيت حتى ضربت عليه بابه فخرج إلي وقال: أهلا أهلا وسهلا، ما جاء بك؟ قال: جئت لأخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله محمد وصدقت بما جاء به قال، فضرب الباب في وجهي، وقال: قبحك الله، وقبح ما جئت به (٣).
وذكر ابن الجوزي مختصرا وابن هشام كذلك: أنه لما أسلم أتى إلى جميل بن معمر الجمحي - وكان أنقل قريش لحديثه - فأخبره أنه أسلم، فنادى جميل بأعلى صوته أن ابن الخطاب قد صبأ. فقال عمر - وهو خلفه -:
_________________
(١) و(٢) نقلا عن مختصر السيرة لابن محمد بن عبد الوهاب ص ٨٩ - ٩١.
(٢) الرحيق المختوم للمباركفوري ص ١١٩.
[ ١ / ٨٠ ]
كذب ولكني قد أسلمت، فثاروا إليه فما زال يقاتلهم ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم، وطلح - أي أعيا - عمر، فقعد، وقاموا على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم فأحلف بالله أن لو كنا ثلاث مائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا (١). وبعد ذلك زحف المشركون إلى بيته يريدون قتله. روى البخاري عن عبد الله بن عمر قال: بينما هو - أي عمر - في الدار خائفا إذ جاءه العاص بن وائل السهمي - أبو عمرو - وعليه حلة سبرة وقميص مكفوف بحرير، وهو من بني سهم وهم حلفاؤنا في الجاهلية، فقال له؛ ما لك؟ قال؛ زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت، قال: لا سبيل إليك - بعد أن قالها أمنت - فخرج العاص. فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: هذا ابن الخطاب الذي قد صبأ. قال:
لا سبيل إليه، فكر الناس (٢)، وفي لفظ - والله لكأنما كانوا ثوبا كشط عنه. وكان ابن مسعود يقول: ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر (٣).
وعن صهيب بن سنان الرومي ﵁، قال: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأبي به (٤).
وعن عبد الله بن مسعود قال: ما زلنا أعزة منذ أن أسلم عمر (٥). ونود بعد هذا العرض أن نستخلص النقاط التالية:
كان إسلام الحمزة وعمر ﵄ في ذي الحجة من السنة السادسة للنبوة. وقد سبق الحمزة عمر بثلاثة أيام كما ورد في أحدى الروايات السابقة، وذلك في أشد حالات الأزمة حين كانت قريش تخطط لقتل النبي
_________________
(١) ابن هشام، ج١/ ٢٩٩.
(٢) المباركفوري عن صحيح البخاري ١/ ٥٤٥ باب إسلام عمر.
(٣) ابن الجوزي ص ١٨.
(٤) ابن الجوزي ص ١٨.
(٥) المباركفوري عن صحيح البخاري ١/ ٥٤٥، باب إسلام عمر.
[ ١ / ٨١ ]
- ﷺ - في أكثر من خطة. ولعل أخطر اصطدام مسلح هو شج الحمزة لأبي جهل، وكان كفيلا أن يشعل حربا في قريش. فأبو جهل سيد أهل الوادي - لا يخلص إليه - وأعز وأكثر هذا الوادي ناديا - كما كان يقول عن نفسه - والحمزة كان أشد قريش شكيمة. وتذكر بعض الروايات أنه لما قام بعض رجال بني مخزوم، قام بعض رجال بني هاشم، وتكهرب الموقف، وكان من الممكن أن تقع مجزرة قد تنتهي باستئصال المسلمين، غير أن الرهبة من شخصية الحمزة، حاول دون ذلك، والمهابة التي له أطفأت الفتنة. ونلاحظ كذلك، أن العصبية الجاهلية المحضة هي التي حركات الحمزة لهذا الموقف، فلم تستطع أعصابه أن تتحمل هذا الاعتداء على ابن أخيه محمد رسول الله، وأخيه من الرضاعة. إن القحة التي بلغتها الجاهلية تجاوزت حدودها، فطف الصاع عند الحمزة، ومضى يشج رأس أبي جهل ولتكن النتائج ما تكون.
والجاهلية العاتية يوم تتصور أن ما تنزل من الضربات في صفوف المسلمين لإنهائهم. هي في الحقيقة تحفر قبرها بيديها. لأن جذوة الحق الخامدة في النفوس لا بد أن تتقد وتتهيج لنصرة هؤلاء الصادقين المستضعفين، وهذا ما وقع في حادث إسلام الحمزة، وقدرة الحركة الإسلامية على استغلال الحدث إعلاميا ودعائيا، لها أثر خطير في تحويل المعركة لصالحها ضد الجاهلية.
ومن حوادث الحركة الإسلامية المعاصرة نموذجان كبيران يدلان على تحرك هذا الحق في النفوس النموذج الأول، يوم حالت قوات الحكومة المصرية بين الناس وبين جنازة الإمام الشهيد حسن البنا في إرهاب مجرم عنيف. هذا الإرهاب الذي تجاوز الحد وطغى. حدا بزعيم القبط آنذاك أن يتحدى كل طغيان الحكومة ويخترق الصفوف وينضم لأهل الإمام الشهيد فيشارك معهم في تشييع الجازة، وحفظ التاريخ - لمكرم عبيد، الزعيم الخصم - هذا الصنيع.
النموذج الثاني، وهو الحدث الذي لم يكن يقل عن إسلام الحمزة في
[ ١ / ٨٢ ]
عهد رسول الله - ﷺ - - وهو على أثر استشهاد البنا ﵀. كان الحدث هو جنون الغرب، وفرحه الطاغي باستشهاد هذا الرائد العظيم، حتى ليبيت القوم سكارى عرابيد فرحا وطربا في فنادق أمريكا، هذا التحدي الطاغي، والاستفزاز الرهيب لمشاعر الكاتب المصري -سيد قطب- كان كفيلا أن يحول هذا الكاتب العادي إلى الصف الإسلامي الإخواني، فيصبح داعية الإسلام العظيم في القرن العشرين، وينصر الله تعالى به هذا الدين. كما نصر هذا الدين بالحمزة من قبل. ويقضيان معا شهيدين على خط واحد. سيد الشهداء حمزة، ورجل قام إلى إمام جائر، أمر، فنهاه فقتله.
إن طغيان الكفر وتبجحه، وتحديه للإسلام، قد يخرج من صفوف هذا الكفر القوة التي تحمي الإسلام، وتذود عن عرينه، بدافع العصبية أو غيرها.
والحركة الإسلامية الواعية هي التي ترصد هذه المواقع بيقظة ووعي، وتستغل الحدث أروع استغلال، وتوظفه لصالحها بدل أن يكون المعول لهدمها، حتى لو سخر لإظهاره الإعلام الكافر، فليس المسلمون هم الذين أججوا جذوة الحمزة، إنما هي المولاة العادية - مولاة ابن جدعان - وقد أحسنت وصف المشهد. فقذفت بنفس الحمزة الهائجة إلى إذلال أبي جهل وتسربله بالدم، وكان من الممكن لهذه الجذوة أن تنطفىء. لولا أن اتصلت بمعين النبوة. واستدت من نوره، فبقيت مشعلا إسلاميا على مدار التاريخ. ونلاحظ كذلك حول إسلام عمر ﵁ أولا: تقييم رسول الله - ﷺ - للأشخاص والرجال. فقد كان دعاؤه - ﷺ - يوم الخميس كما رواه الترمذي:
(اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك عمر بن الخطاب أو عمرو بن هشام (١».
فبالرغم من الحرب العنيفة التي يشنها الرجلان على الإسلام. لم تكن تخفى على رسول الله - ﷺ - مقومات الزعامة والقيادة فيهما، وأن وجود أحدهما
في الصف الإسلامي يعني قوة هذا الصف واعتزازه، وإن وراء الكفر المتبجح قلوبا لم تصطدم بعد بتيار الإسلام العنيف. ولم تصل لها القوة الكهربية
_________________
(١) عن مختصر السيرة لمحمدد بن عبد الله بن عبد الوهاب إسلام عمر ص ٨٩.
[ ١ / ٨٣ ]
الضخمة. إنها حين تكون الصدمة قوية قد تغير الكيان كله، وهذا ما وقع في قدر الله - ودفع إلى إسلام عظيم الرجال عمر بن الخطاب.
ولا ننسى أبدا ذلك الحوار الذي جرى بين إحدى المسلمات المهاجرات مع زوجها. يقول لها عمر وهو على شركه: إنه الانطلاق يا أم عبد الله.
تقول: نعم لقد آذيتمونا وقهرتمونا وأخرجتمونا من بلادنا، فيقول لها:
صحبتكم السلامة. ويأتي زوجها فتقص عليه ما رأت من رقة عمر فيقول لها:
أوتطمعين أن يسلم عمر؟. والله لن يسلم حتى يسلم حمار الخطاب. ولم يكن هذا اليأس القاتل ليسيطر على نفس هذا الصحابي لولا رؤيته الحرب العنيفة الشرسة التي يشنها عمر على الإسلام.
ما أحوج الحركة الإسلامية إلى أن تحسن اصطفاء العظماء، وتكشف من خلف حجب الظلام المتكاثفة المعدن الثمين النفيس لهم. فتدفع بكل طاقاتها وإمكاناتها لاختراق هذه الحجب حتى تمس أسلاك القلب الخامد الخافت، فإذا به ينبعث حيا بنور الإسلام، ينتفض مشرقا بحلاوة الإيمان وروعته.
ولعل خروج عمر ﵁ - متوشحا سيفه - قاصدا قتل رسول الله - ﷺ - كان ثأرا لخاله - أبي جهل بن هشام - الذي طعن في كبريائه من حمزة بن عبد الطلب - بطل بني هاشم، فكيف يسكت على الضيم يلحق ببني مخزوم وحلفائهم بني عدي من بني عبد المطلب؟ ما الذي حطم هذه العصبية الكالحة الخانقة.
لقد تحطمت على صلابة العقيدة من هذه المرأة العزلاء، فاطمة بنت الخطاب أخته، لقد وجد نفسه صغيرا صغيرا تافها أمام الدم المنفجر من جرح أخته العزلاء من كل شيء. وهي تتحدى شخصه، وتهشم كبرياءه قائلة له: وقد كان ذلك على رغم أنفك. إن قمة العنف والطغيان لدى الطاغية قد تنهزم داخليا وتتحطم وتنهار أمام ثبات المستضعفين على الحق، وجلاد وتضحية المجاهدين في سبيل الله. فلنتيقظ إلى هذا الجانب المهم.
ونعرف كم تربح الدعوة ويربح الدعاة حين يثبتون على الحق، كما ثبت
[ ١ / ٨٤ ]
أصحاب عيسى بن مريم، حملوا على الخشب ونشروا بالمناشير، ما دون لحمهم وعظامهم، ما صدهم ذلك عن دين الله.
السمة العشرون
إعلان التحدي ودور الشخصيات القيادية فيه
ونلاحظ ثانيا ذلك التحدي الشخصي للجاهلية من عمر ﵁ في ذهابه لخاله أبي جهل وإعلانه إسلامه، وفي بحثه عن جميل بن معمر الجمحي أنقل قريش للخبر لينقل خبر إسلامه للناس وفي مواجهته المشركين وقد سال بهم الوادي يضربهم ويضربونه.
إن هذه الشخصية الفذة لا تعرف الحلول الوسطى، ولا يناسبها إلا المواجهة والمجابهة، وهذه هي فطرتها. ولكننا نخطىء كثيرا حين نقيس الناس جميعا بعمر، إن حادثة إسلام عمر فيها شخصية سعيد ﵁ الذي كتم إسلامه عن قومه وهو من العشرة المبشرين، وفيها شخصية خباب ﵁ الذي اختبأ عند سماعه صوت عمر، وهو من السابقين الأولين من المهاجرين. ولم يكن المسلمون يعيبون على خباب وسعيد، أو يتهمونهما بالجبن.
فالإندفاع الأعمى وراء شخصية معينة في الإسلام أو حادثة معينة، يعني الحكم الأهوج والأعوج على الناس. فليس كل الشخصيات الإسلامية عمر والحمزة، وليست كلها سعيد وخباب، والإسلام يقبل هذه النماذج جميعا، وكل واحدة منها لها دورها ومسؤوليتها ورسالتها.
إن الشخصية الوحيدة التي تصدت لعمر ﵁ هي شخصية الحمزة التي كانت تملك من المؤهلات المكافئة لمواجهة التحدي من عمر. فلا غرو إذن أن يكون لهما الدور الأكبر والحاسم في إنهاء مرحلة معينة وابتداء مرحلة جديدة.
[ ١ / ٨٥ ]
وهذا ما نلاحظه ثالثا. فعندما عرض على رسول الله - ﷺ - إعلان جهرية العبادة والقيام بتظاهرة علنية جماعية في مكة. ورأى رسول الله أن الظروف غدت مواتية استجاب لرغبة الفاروق ﵁، وخرج المسلمون في صفين على رأس أحدهما عمر، وعلى رأس الثاني الحمزة، وأعلنا في مكة صوت الإسلام الداوي، ودخلا الكعبة بالمسلمين، ومضى المسلمون في صلاتهم ما بين قائم وراكع وساجد، ولم يكن الأمر عبارة عن حدث عارض. بل كان خطأ جديدا في تاريخ هذه الدعوة كما ذكر ابن مسعود ﵁: (ما كنا نقدر أن نصلي عند الكعبة حتى أسلم (١) عمر). وقول صهيب بن سنان ﵁: (لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقا، وظفنا بالبيت وانتصفتا ممن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به (٢». وقول عبد الله بن مسعود: (ما زلنا أعزة منذ أن أسلم عمر (٣».
وتشير النصوص - كما أسلفنا إلى أن هذه الخطوة الحاسمة. أعطت حرية الدعوة والعبادة للمسلمين جميعا. وعجز المشركون بعدها أن يحولوا دون ذلك. واستطاعت بعض الشخصيات التي كانت محافظة على سريتها في العبادة والدعوة أن تظهر علانية لا تخاف في الله لومة لائم. وكان إسلام عمر والحمزة منعطفا جديدا من منعطفات الدعوة الإسلامية.
إن إسلام الحمزة وعمر ﵄ هو بمثابة انقلاب عسكري في وقتنا الحاضر، يهيء للدعوة الإسلامية مناخا جديدا للدعوة والعبادة. وهذه النقطة بحاجة إلى أن نقف عندها قليلا لنراعي المرحلية في هذا المنهج الخالد. إننا نجد ثورة عارمة من الشباب الإسلامي اليوم، لو أن انقلابا عسكريا قام وهيأ الحرية المتاحة للدعوة والعبادة. كمرحلة إلى الهدف النهائي - إقامة دولة الإسلام في الأرض - والحكم بشريعة الله ﷿.
_________________
(١) و(٢) و(٣) الرحيق المختوم للمباركفوري ص ١٢١، نقلا عن مصادر متعددة في الحديث والسيرة ذكر تخريجها من قبل.
[ ١ / ٨٦ ]
لم يستطع الانقلاب الذي قام به حمزة وعمر ﵄ أن يحقق دولة الإسلام في الأرض. لقد بقيت الأصنام والأوثان، وبقي الخمر والزنا، وبقيت معالم الجاهلية كاملة لم يزل منها معلم واحد، ومع ذلك اعتبر إسلامهما فتحا إسلاميا، وعزة عظيمة. لأنه خطا بالدعوة من مرحلة الخوف والاضطهاد والتعذيب إلى مرحلة العلنية والحرية في العبادة والدعوة، بل سمي عمر ﵁ - فاروقا - من أجل ذلك.
إن الشباب المتحمس اليوم يرى في هذه الخطوة تخاذلا وتخليا عن حاكميه الله في الأرض، حيث أنه يقدم الدماء اليوم للوصول إلى هذا الهدف. بل يتهم قيادة الحركة الإسلامية بالتواطؤ، والجهل، والخيانة. لأنها لم تحقق هذا الهدف، إقامة شريعة الله في الأرض.
وحين تكون الظروف لا تهيء أكثر من هذه الخطوة على الهدف، تهيئة الجو الملائم لانتشار الدعوة، وانتصارها لتصل إلى الحكم النهائي. يتشنج بعض الشباب، ويثير الحرب على قيادته. بل يتهمها في دينها وعقيدتها.
ما أحوجنا إلى أن نتأدب بأدب رسول الله - ﷺ -، وأدب سيرته، ونلحظ هذه المرحلية المتتالية للوصول إلى الهدف النهائي، والهدف النهائي مرتبط بالقوة والقدرة على تحقيقه، وليس جهلا أو غباء أو انحرافا عن دين الله ﷿.
فقد تكون الحركة الإسلامية غير قادرة على إنهاء الجاهلية كلها من جذورها، بل تقتضي الظروف السياسية والاجتماعية والدولية أن يكون الوصول للحكم من خلال مؤسسات دستورية عن طريق الحرية والانتخابات. ولا تملك القوة العسكرية للمسلمين أكثر من حماية هذه الحرية.
لم يقم المسلمون بعد إسلام عمر ﵁ بتكسير الأصنام
[ ١ / ٨٧ ]
والأوثان، ولم يقوموا بإحراق حانات الخمر، ولم يقوموا بتدمير مواخير الزنا، لم يقوموا بشيء من ذلك. إنما قاموا بالدخول إلى الكعبة والصلاة فيها، وحق التجمع حولها، ودعوة الناس للإسلام، وكان هذا نصرا عظيما للإسلام وخطوة على الطريق للهدف النهائي.
ما أحوج شبابنا أن يفقهوا هذه المعاني، وأن يتعلموا من سيرة الرسول - ﷺ - الخطوات العملية والأهداف المرحلية للوصول منها إلى الهدف العظيم، حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله. غير أننا نلاحظ كذلك أن المسلمين لم يشتركوا في حكم مكة مع المشركين لأن الحكم مسؤولية.
ولم يقبلوا الحلول الوسطى التي عرضت عليهم. لقد قاد هذا الانقلاب الأمور إلى زيادة في التميز، وزيادة في المفاصلة، وصار المسلمون قادرين على إعلان عباداتهم، وإعلان حقيقة مبادئهم للناس جميعا، بينما لم يكن لهم هذا الحق من قبل، وهذا يعني أن بعض الشباب المسلم لم يكن قادرا قبل إسلام عمر ﵁ على إعلان هويته الإسلامية، ومبادئه الإسلامية، واعتناقه الإسلام، وظفر بهذا الحق بعد ذلك.
إنه ما لم يعلن أن الحركة الإسلامية أو الجبهة الإسلامية، هي التي تحكم الأمة فلا ضير من أي مظهر سياسي يحقق مكاسب أكبر وأضخم لهذه الحركة أو هذه الجبهة. إنها لم تصل بعد إلى الحكم، وبالتالي لا تحمل مسؤولية أي خطأ فيه.
وفرق بين أن يعلن قادة انقلاب عسكري إسلامية الدولة، فهم مسؤولون عن هذا الإعلان. كما جرى اليوم مثلا في باكستان أو غيرها، والمسؤولية على صدق هؤلاء في ادعائهم أو كذبه ودعوتهم لفريق من الناس أو لكثير منهم في ذلك، وبين أن يعلن أن الحركة الإسلامية هي صاحبة الحكم والمسؤولية عنه، وبالتالي فسوف تحاسب على كل خطوة فيه، وسعيها الحثيث لجعله محل التطبيق الفعلي.
[ ١ / ٨٨ ]
السمة الحادية والعشرون
ملاحقة العدو لتجمعات المسلمين وإحباط المسلمين لهذه الملاحقة
وظهر هذا جليا في الوفد الذي أرسلته قريش للحبشة لملاحقة المسلمين هناك، وتقص علينا أم سلمة ﵂ قصة هذه الملاحقة، حيث نقتطف منها بعض الفقرات: (لما نزلت أرض الحبشة جاورنا بها خير جار، النجاشي. أمنا على ديننا، وعبدنا الله تعالى لا نؤذى، ولا نسمع شيئا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا بينهم أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين منهم جلدين، وأن يهدو للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدما كثيرا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك عبد الله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص ثم أنهما قدما هداياهما إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه، فقالا له: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاؤوا بدين ابتدعوه لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشيرتهم، لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت: ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة لعمرو بن العاص من أن
يسمع كلامهم النجاشي. فقالت بطارقته حوله: صدقا أيها الملك قومهم أعلى بهم عينا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم. فغضب النجاشي ثم قال: لاها الله إذن لا أسلمهم إليهما ولا يكاد قوم جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على من سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولون أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحسنت جوارهم ما جاوروني. قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله - ﷺ - فدعاهم. فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض؛ ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا - ﷺ - كائنا في
[ ١ / ٨٩ ]
ذلك ما هو كائن، فلما جاؤوا، وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال لهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا به في ديني ولا دين أحد من هذه الملل؟ فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال له:
أيما الملك كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد من دونه، من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - قالت: فعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا.
فعدا علينا قومنا، فعذبونا وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث. فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟
فقال له جعفر: نعم. فقال له النجاشي: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرا من (كهيعص) فبكى والله النجاشي حتى اخضلت لحيته. وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم! ثم قال لهم النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة! انطلقا. فوالله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون.
قالت: فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لآتينه غدا بما
[ ١ / ٩٠ ]
أستأصل به خضراءهم! فقال له عبد الله بن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين فينا - لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم عبد! ثم غدا عليه من الغد فقال له: أيها الملك إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه. فأرسل إليهم ليسألهم عنه. قالت: ولم ينزل بنا مثلها قط. فاجتمع القوم ثم قال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى بن مريم إذا سألكم عنه؟. قالوا نقول والله ما قال الله، وما جاءنا به نبينا، كائنا في ذلك ما هو كائن!
فلما دخلوا عليه قال لهم: ماذا تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا - ﷺ -، يقول: هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فضرب النجاشي بيده إلى الأرض فأخذ منها عودا، ثم قال: والله ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العود.
فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم شيوم بأرضي، من سبكم غرم، من سبكم غرم، ما أحب أن لي دبرا من ذهب وإني آذيت رجلا منكم! ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي بها.
قالت: فخرجا من عنده مقبوحين، مردودا عليها ما جاءا به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار.
قالت: فوالله إنا لعلى ذلك إذ نزل به رجل من الحبشة ينازعه في ملكه. فوالله ما علمنا حزنا حزنا قط. كان أشد علينا من حزن حزناه عند ذلك، تخوفا أن يظهر ذلك الرجل على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه، وسار إليه النجاشي وبينهما عرض النيل، فقال أصحاب رسول الله - ﷺ -: من رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم، ثم يأتينا بالخبر؟ فقال الزبير بن العوام: أنا. قالوا: فأنت. وكان من أحدث
[ ١ / ٩١ ]
القوم سنا. فنفخوا له تربة فجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم قالت: فدعونا الله للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده، فوالله إنا لعلى ذلك متوقعون لما هو كائن، إذ طلع الزبير وهو يسعى، فلمع بثوبه وهو يقول: ألا أبشروا فقد ظفر النجاشي!. وأهلك الله عدوه، ومكن له في بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة: وكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله - ﷺ - وهو بمكة) (١).
إنها وثيقة قدمتها لنا أم سلمة من أنفس الوثائق في فن مخاطبة الملوك، والحوار معهم ودحض شبه الأعداء وكشف مخططاتهم. وسنعالج من خلال هذه الوثيقة سمات عدة إضافة إلى السمة الأساسية فيها ألا وهي - ملاحقة تجمعات المسلمين من العدو، وإحباط هذه المخططات من المسلمين.
ولعل المشركين عندما ووجهوا بالنكسة الخطيرة التي حلت بهم من جراء إسلام عمر والحمزة ﵄ فكروا في ضرب هذا التجمع الإسلامي الضخم في الحبشة. وانطلاقا من معلومات السيرة النبوية يلاحظ أن التجمع الإسلامي في الحبشة عند إسلام عمر ﵁ كان ضعف التجمع الإسلامي في مكة. فتذكر الروايات أن عدد المسلمين في مكة يوم أسلم عمر ﵁ لم يكن يتجاوز الأربعين. بينما كان عددهم في الحبشة - كما تذكر الروايات - ثلاثة وثمانين رجلا وتسع عشرة امرأة. فمن الطبيعي إذن أن تخطط قيادة مكة للإطاحة بهذا التجمع الخطير في الحبشة، صحيح أنه بعيد عنها، ولكن نموه يشكل خطرا على مكة. في أي وقت تعود فيه هذه الجالية إلى مكة وتمارس نشاطها ودعوتها، خاصة إذا استطاعت هذه الجالية الكبيرة أن تدخل الأحباش في الإسلام، أو تقنع النجاشي بمهاجمة قريش. ولا تزال ذكرى عام الفيل وغزو الأحباش للكعبة عالقة في أذهانهم، ومن أجل هذا أحكمت الخطة من كل جانب لاسترجاع المسلمين من هناك، وكان وجود ثلاثة عناصر أساسية كافية لنجاح الخطة.
_________________
(١) تهذيب السيرة لابن هشام من ٧٣ - ٧٧.
[ ١ / ٩٢ ]
الأول: هو الكميات الضخمة من الجلود التي حملها الوفد هدايا معه لكل جهاز الحكم في الحبشة.
الثاني: اختيار الوفد على أرفع المستويات في مكة من حيث الحكمة والحنكة والدهاء والذكاء.
الثالث: الصداقة الوثيقة بين عمرو بن العاص أحد أعضاء الوفد، والنجاشي ملك الحبشة.
وحين يراجع المرء الخطة التي شارك ذكاء عمرو بن العاص في وضعها لا يشك لحظة في نجاحها، ويكفي أن نعلم أن عمرو هو الذي كان داهية المسلمين فيما بعد، وهو الذي أطلق عليه الفاروق عمر ﵁ - أرطبون العرب - في مواجهة داهية الروم الأرطبون. وأهم عنصر في هذه الخطة هو تسليم الهدايا لجهاز الحكم الحبشي كله قبل تسليمها للنجاشي نفسه، والهدف المقصود من ذلك هو ما ذكر في النص نفسه (فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فقالوا لهما: نعم).
إننا ونحن نتحدث عن هذه المطاردة، يمثل في ذهننا محاولات الطاغية الحاقد النصيري في سوريا في مطاردة المجاهدين المسلمين في الأردن والعراق والسعودية وغيرها، ونذكر الخطط الجهنمية الرهيبة التي تدرس على المستوى المحلي والعالمي للضغط على الحكومات المضيفة للمجاهدين المسلمين كي تسلمهم إلى الطواغيت. وكم من المرات جاءت الوفود إثر الوفود كي تستأصل الوجود الإسلامي من هذه الأقطار، وباءت بالفشل الذريع بعد ذلك ونفذت الخطة تماما كما أعدت، وقام البطارقة بدورهم على خير وجه كلفوا به من قريش وكان حديث الوفد القرشي في أعلى مستويات الذكاء. فقد جعلوا المسلمين على دين مرفوض من الفريقين، وبمعنى آخر هو خطر على الفريقين،
كما حاولوا أن يستفزوا مشاعر النجاشي في عدم دخول المسلمين في دينه، وأظهروا حرصهم الشديد على مصلحة الحبشة والنجاشي. وآخر معنى من المعاني التي ركز عليها الوفد القرشي هو أن قومهم وأشرافهم أعلم بهم،
[ ١ / ٩٣ ]
وهو معنى هام حرصوا عليه، وذلك حتى لا يجشموا النجاشي عناء السماع لهم. لعلمهم باحتمال فشل خطتهم لو استمع إلى المسلمين.
الشيء الوحيد الذي حال دون تنفيذ الخطة وأفسدها على المشركين هو عظمة النجاشي، وأصالة عنصره، وطيب محتده يوم رفض - رغم قرار مستشاريه من البطارقة - الحكم والتسليم قبل أن يسمع من المسلمين.
ما أحوجنا ونحن نعمل في الحركة الإسلامية أن نعرف أقدار الرجال وموازينهم. إن بعض الكفار قد يقيضهم الله تعالى ليكونوا حماة للإسلام، وبعضهم قد يكونون على الحياد، وبعضهم يعملون لاستئصال شأفة الإسلام، فهل يجوز للمسلمين أن يعاملوهم جميعا على مستوى واحد؟؟
إنهم لو فعلوا ذلك لكانوا إما أغبياء جهلاء، أو غادرين لؤماء، وكلا هذين الموقفين يبرؤ منهما العنصر الإسلامي الأصيل. وهذا ما سنراه من خلال الحديث عن الجوانب الأخرى في هذه الوثيقة.
السمة الثانية والعشرون
عبقرية الوفد الإسلامي في حوار الملوك
لقد كانت هذه الجالية الإسلامية من الكفاءة والعبقرية ما جعلها تحطم كل أحابيل الأعداء، وفيهم عمرو بن العاص داهية العرب قاطبة.
لقد كان الصف الإسلامي في الحبشة يمتاز أول ما يمتاز بالحب والمودة والثقة بين أفراده وكانت الميزة الثانية فيه لجوءه إلى الشورى. (فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض ) فلا يقطع أحد منهم برأي ولا ينفرد فيه عن أخيه.
وكانت الميزة الثالثة فيه تقديرهم للكفاءات والطاقات، فاختاروا رجلا منهم ليكون الناطق الرسمي بهم حيث ووجه جعفر ﵁ بالسؤال الأول عن هذا الدين.
[ ١ / ٩٤ ]
لقد استطاع جعفر ﵁ أن يقدم الإسلام بصورة فريدة قلما نجد لها نظيرا في التاريخ. وذلك على أربعة خطوط عامة:
الخط الأول: وقد عرض فيه كل مساوىء الجاهلية وعوراتها وقذرها بحيث أصبح هذا الدين الذي يدين به وفد قريش تتقزز منه كل نفس بشرية. وكانت هذه الجولة الأولى التي هدم بها الركن الركين الذي يفيء إليه عمرو بن العاص وصاحبه.
ثم انتقل إلى الخط الثاني فعرض فيه في كلمات جامعة مانعة قواعد الإسلام العامة وأسسه التي تستهوي كل حصيف عاقل بله ملك حكيم مجرب محنك.
لقد كانت الفرصة مواتية لجعفر كي ينقلب داعية إلى هذا الدين، بعد أن كان الهدف سياسيا بحتا هو المحافظة على الوجود الإسلامي في الحبشة.
وبذلك كسب الجولة الثانية في تقريب نفس النجاشي إلى الإسلام.
ثم انتقل إلى الخط الثالث فعرض فيه الظلم الماحق الذي نزل بالمسلمين نتيجة تمسكهم بهذا الدين وأبرز وضع المسلمين في صورة قديسين وحواريين. تنزل بهم ضربات المجرمين الوثنيين وهذه الصورة ذات أثر ساحر في نفس النصارى الذين يعيشون مفهوم التضحية والفداء. بل حرروا دينهم إلى صور من المثالية والرهبانية التي ابتدعوها ابتغاء رضوان الله، ما كتبها الله عليهم، وما رعوها حق رعايتها. وبذلك، كسب الجولة الثالثة في كسب قلب النجاشي بعد أن كسب عقله.
ويكاد الذي يسمع هذا الكلام يرى أن فوجا جديدا من الحواريين قد حشر بين يدي ملك الأحباش. كما أظهر في الوقت نفسه قريشا في هيئة الطاغية المتجبرة حتى لينفر الملك في قلبه منهم بعد أن نفر منهم في عقله.
ثم انتقل إلى الخط الرابع في الئناء الحصيف المتزن على الملك، الذي لا يحمل المبالغة الكاذبة ولا التجاهل المهين، بل وضعه في صورة الأمل والملاذ لهؤلاء المستضعفين. وبذلك كسب الجولة الرابعة، وجعل آخر حديثه يدور
[ ١ / ٩٥ ]
حول المحور النفسي وإثارة الشهامة والرجولة في نفس الملك.
كان من الطبيعي بعد هذه العبقرية في العرض، والفذاذة في الأسلوب، أن ينهزم عمرو بن العاص وصاحبه هزيمة منكرة.
إن كل النقاط التي أثيرت عن الإسلام هي نقاط التقاء بين النصرانية والإسلام، بينما أغفلت لحد ما نقاط الخلاف. والدبلوماسي والسياسي المسلم هو أحوج ما يكون ليفقه هذه الدروس في المفاوضات. وهي خطوط عامة في أي لقاء أو حوار مع أية جهة أو قيادة سياسية على مستوى القمة.
١ - تفنيد عيوب الجاهلية التي تعادي نظام الجهة المفاوضة، أو لا تتبنى وجهة نظرها على الأقل.
٢ - عرض المبادىء، والأسس العامة للإسلام التي يقوم عليها البناء بعد هدم المفاهيم الجاهلية السابقة.
٣ - عرض جوانب الظلم والاضطهاد التي يعانيها حملة المبادىء من الطواغيت والظالمين.
٤ - عرض الأمل الكبير المنوط بالجهة المفاوضة في رفع هذا الظلم والحيف في ثناء حصيف متزن.
٥ - إغفال نقاط الخلاف والإثارة التي يمكن أن تفسد الجو بين السياسي المسلم، والجهة المفاوضة، ثم كان ختام المفاوضات في تلاوة صدر سورة مريم بطلب من النجاشي أن يستمع إلى شيء مما جاء به رسول الله - ﷺ -. ولا شيء أحب على قلب النجاشي من أن يسمع صدر صورة مريم العذراء الطاهرة البتول، وأصدر حكمه النهائي بعد هذا كله: (إن هذا والذي جاء به عيسى من مشكاة واحدة).
إن وفدا يستطيع أن يبكي ملكا أو رئيسا ويبكي معه كل أعضاء وفده عن صدق وقناعة هو أعلى وفد ينجح في مهمته. بعد أن كانت البداية هي تعرضه للطرد والإبعاد من بلد هذا الملك. وكم هذا الوفد على مستوى من الكفاءة والعبقرية، أن يكسب عقائديا بعد أن كسب سياسيا، ويضم الملك إلى الإسلام؟؟؟.
[ ١ / ٩٦ ]
السمة الثالثة والعشرون
لا مساومة على العقيدة
لقد هزم عمرو في الجولة الأولى شر هزيمة، ولكنه عمرو، فأين دهاؤه، وهو الذي حفظ عنه التاريخ في كلمته التاريخية فيما بعد في تحديد مستويات الدهاة المسلمين. معاوية للمعضلة، وعمرو للبديهة، والمغيرة لكل صغيرة وكبيرة. ولقد قدمت الفكرة عنده منذ الوهلة الأولى، وبينها لإلحاق شر هزيمة منكرة بالمسلمين عبر عنها بقوله لصاحبه: والله لأتينه غدا بما أستأصل به خضراءهم.
حتى لنستمع إلى مشاعر أم المؤمنين ﵂ من الغيظ على عمرو، وحفظ الجميل لصاحبه ابن أبي ربيعة - وكان أتقى الرجلين فينا - إن نقطة الخلاف التي تحاشاها المسلمون بذكائهم ونباهتهم هي التي أثارها عمرو عليهم حربا ضروسا لها أوار. لقد بيتها لهم إلى اليوم الثاني حيث قابل النجاشي بقوله: - إنهم يقولون في عيسى قولا عظيما.
إن عمرو قد خطط أن يفتك بهم بنفس السلاح الذي هزموه فيه، بالحديث عن مريم وعيسى بن مريم. وكانت المحنة الجديدة أمام المسلمين، حيث لا مفر لهم من قول الحقيقة التي تحاشوا ذكرها من قبل، لم تعد تجدي العبقرية هنا لأننا أمام أصحاب مبادىء لا تجار سياسة. لأننا أمام دعاة إلى الله، وليس مع دجالين نهازين للفرص حتى يصلوا إلى الحكم، وهنا تقف حدود السياسي على عتبة الداعية، وهذا ما قرره الدعاة المسلمون بعد كل المكاسب التي حققوها. إنهم أمام واقع قد يفقدهم كل هذه المكاسب، والتي منها إسلام النجاشي، والتي منها حرية الدعوة. بل قد يؤدي إلى التنكيل بهم والقضاء عليهم، وتسليمهم إلى عدوهم.
كيف يتصرف السياسي المسلم أمام هذه الموازنات؟ أمام هذه الخيارات
[ ١ / ٩٧ ]
الصعبة؟ أن يجد كل ما بناه منهارا في لحظة واحدة، أو يجد الدولة التي يريدها على وشك أن تقوم. ثم يطلب منه أن يضحي بهذا كله من أجل حقيقة عقيدية واحدة. أبدا إما السياسي، وإما المسلم. فلا خيار عندها له إلا الإسلام. انتهى دور العبقرية ولم يكن من بد إلا إعلان العقيدة ولو كانت تغيظ الكثيرين أو تقضي على كل ما حققه المسلمون من مكاسب. قالوا وبلا خلاف: هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. لقد حصرهم دهاء عمرو في عبودية عيسى، فلا مناص، لهم من أن يقولوا الحقيقة. ولكن شرف الكلمة، وعظمة التمسك في المبدأ يكون لها من السحر الحلال أحيانا ما يفوق كل دهاقنة السياسة وعباقرة الدبلوماسية، وهذا الذي كان. - والله ما عدا عيسى بن مريم مما قلت هذا العود - ولئن فشل عمرو في تغيير قلب النجاشي، فلم يفشل في تغيير قلب بطارقته. ونخروا أمام هذه التصريحات، غير أن النجاشي زاد إصرارا على موقفه. - وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم شيوم (آمنون) بأرضي، من سبكم غرم، من سبكم غرم! ما أحب أن لي دبرا (جبلا) من ذهب وأني آذيت رجلا منكم. وانتهى الأمر بتوتر العلاقات بين النجاشي وصاحبه عمرو حتى ليأمر بإعادة الهدايا كلها إليهم. وأنها لتعني في مفهومنا المعاصر على أقل تقدير، قطع العلاقات
الدبلوماسية بين الدولتين مكة والحبشة، وإغلاق السفارات، والاعتراف الرسمي بالوجود الإسلامي في الحبشة.
السمة الرابعة والعشرون
إثارة الحرب في صف حلفاء المسلمين، وفشل هذه المكيدة بالحزم
والسرية
لم يغادر عمرو الحبشه - رغم هزيمته النكراء - إلا وقد وضع بذور الحرب الأهلية في صفوف الحبشة حيث انقسمت الحبشة إلى فريقين: فريق مؤيد لرسول الله - ﷺ - والوجود الإسلامي وعلى رأسه النجاشي. وفريق
[ ١ / ٩٨ ]
معارض -أو بتعبير أدق- للوجود الإسلامي في الحبشة وعلى رأسه مغامر جديد أو قائد انقلاب، ومن خلفه البطارقة الذين دفنوا غيظهم مؤقتا على المسلمين. ثم ساندوا هذا المغامر، وألبوا الجو ضد النجاشي حتى قامت الثورة عليه.
وهنا تطالعنا معان عديدة يجدر الوقوف عندها، ونحن ننهل من معين هذا المنهج تطالعنا مشاعر المسلمين كما تقول أم سلمة ﵂: - فوالله ما علمنا حزنا حزنا قط كان أشد علينا من حزن حزناه عند ذلك. ثم كيف عاشوا على أعصابهم مراحل الحرب كاملة يرصدونها بيقظة وحذر. ويحمل الفتى الزبير - الذي لا يلفت الأنظار لصغر سنه، مسؤولية مراقبة الحرب والمعركة حيث يغامر سابحا إلى الطرف الآخر من النهر، وحين يتم النصر لا يتمالك أن يلوح بثوبه من بعيد فرحا بظفر هذا الكافر - ظاهرا على الأقل - على عدو يريد إبادتهم من الوجود.
والمعنى الثاني والثالث نطالعهما من تتمة قصة النجاشي: (وحدثني جعفر بن محمد عن أبيه قال: اجتمعت الحبشة فقالوا للنجاشي: إنك فارقت ديننا وخرجوا عليه فأرسل إلى جعفر وأصحابه فهيأ لهم سفنا وقال: اركبوا فيها وكونوا كما أنتم. فإن هزمت فامضوا حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإن ظفرت فاثبتوا، ثم عمد إلى كتاب فكتب فيه يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم. ثم جعله في قبائه عند المنكب الأيمن وخرج إلى الحبشة وصغوا له فقال: يا معشر الحبشة ألست أحق الناس بكم؟ قالوا: بلى. قال: وكيف رأيتم سيرتي فيكم؟ قالوا خير سيرة.
قال: فما بالكم؟ قالوا: فارقت ديننا وزعمت أن عيسى عبد. قال: فما تقولون أنتم في عيسى؟ قالوا: نقول هو ابن الله. فقال النجاشي ووضع يده على صدره على قبائه. هو يشهد أن عيسى بن مريم لم يزد على هذا شيئا، وإنما يعني ما كتب، فرضوا وانصرفوا، فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فلما مات النجاشي صلى عليه واستغفر له .. (١».
_________________
(١) تهذيب مختصر السيرة لابن محمد بن عبد الوهاب ص ٨٧.
[ ١ / ٩٩ ]
فلقد كان من الممكن أن يفقد المسلمون أكبر مركز استراتيجي لهم بعزل النجاشي أو قتله. وكان النجاشي يدرك هذا المعنى، فأقدم بحصافته في بداية الأمر على تهيئة السفن للمسلمين لأنهم هم المقصودون في الأصل. فلو انتصر خصومه فلن تطال يدهم المسلمون، وإن ظفر هو فالأمن والأمان للمسلمين. وكان التصرف االثاني درسا للمسلمين، فالنجاشي لم يعلن إسلامه بعد، ومن الممكن أن تبقى شخصية سريه غير معروفة بإسلامها ليؤمن الحماية للمسلمين، ونحن بحاجة إلى أن نقارن بين الموقفين، أن جعفر لم يقف هذا الموقف، ووقفه النجاشي لماذا أبيح للنجاشي ذلك، ولم يبح لجعفر، رغم أن كلا الشخصين مسلمان.
أما جعفر فهو الذي يمثل الإسلام والمسلمين، ومن خلاله يعرف الإسلام وتعرف عقائده. فلا مجال للغمغمة والتخفية، لأن هذا يعني طمس عقيدة الإسلام في نفوس الناس.
أما النجاشي فلا يعرف الإسلام بشخصه، ولا يعرف من خلاله، بل هو فرد عادي، الأصل أنه نصراني لا مسلم. فاقتضت المصلحة السياسية أن يبقى محافظا على سريته، ولجأ في اللحظة الحاسمة إلى التورية والإخفاء، وبقي في ذهن شعبه نصرانيا فأخمدت الثورة عليه. هذا الموقف هو الذي يمكن أن نسميه تغطية سياسية لأي جهاد إسلامي. فلو أن ضباطا في جيش يحملون في السر إنتماء إسلاميا لحركة مجاهدة، فليس بالضرورة أن يكشف عن هويتهم، ويعلن إسلامهم طالما أن في إخفاء شخصيتهم مصلحة للإسلام والمسلمين.
إن شخصية النجاشي، وشخصية العباس، وشخصية نعيم بن مسعود، هي نماذج إسلامية محتذاة للحركة الإسلامية ومن خلال أدوارها التي تؤديها، يمكن تحقيق حماية أو نصر أو تمكين للمسلمين في الأرض دون حرج تحمله الحركة الإسلامية أو تحمل أوزاره.
[ ١ / ١٠٠ ]
السمة الخامسة والعشورن
المفاوضات المباشرة بين رسول الله - ﷺ - وقريش - الحلول السلمية
وقد أخذت طابعا فرديا، وطابعا جماعيا:
أما الطابع الفردي: فقد تم على يد زعيمين يمثلان قوة قريش المتكافئة.
الأول الوليد بن المغيرة زعيم بني مخزوم وحلفائها. وأما الثاني فعتبة بن ربيعة زعيم بني أمية وجلفائها. ولندع الطابع الفردي لنقف مع الخطوط العامة للمفاوضات التي تمت بين قيادة قريش، وبين رسول الله - ﷺ -. (ثم إن أشراف قريش من كل قبيلة وهم عتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، وأبو سفيان بن حرب، والنضر بن الحارث، وأبو البختري بن هشام، والأسود بن المطلب، وزمعة بن الأسود، والوليد بن المغيرة، وأبو جهل بن هشام، وعبد الله بن أبي أمية، والعاصي بن وائل، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان وأمية بن خلف ومن اجتمع إليهم، قال: اجتمعوا عند غروب الشمس عند ظهر الكعبة، ثم قال بعضهم لبعض، ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: أن أشراف قومك قد اجتمعوا إليك ليكلموك فأتهم، فجاءهم رسول الله - ﷺ - سريعا وهو يظن أنه قد بدا لهم فيما كلموه بدءا. وكان عليهم حريصا يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم، فقالوا:
يا محمد إنا وقد بعثنا إليك لنكلمك، وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد سببت الآباء، وعبت الدين، وشتمت الآلهة، وسفهت الأحلام، وفرقت الجماعة فما بقي من قبيح إلا قد جئته فيما بيننا وبينك - أو كما قالوا له - وإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب به مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تطلب به الشرف فينا فنحن نسودك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك، وإن كان الذي يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك - وكانوا يسمون التابع من الجن
[ ١ / ١٠١ ]
رئيا - فربما كان ذلك بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه أو نعذر فيك.
فقال لهم رسول الله - ﷺ -: ما بي ما تقولون، ماجئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون بشيرا ونذيرا، فبلغتكم رسالات ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ماجئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم بيني وبينكم - أو كما قال .. قالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا شيئا مما عرضناه عليك، فإنك قد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلدا، ولا أقل ماء، ولا أشد عيشا منا، فاسأل ربك الذي بعثك بما بعثك به، فليسير عنا هذه الجبال التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليفجر لنا فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث من مضى من آبائنا، وليكن فيمن يبعث لنا قصي بن كلاب فإنه كان شيخ صدق فنسأله عما تقول أحق هو أم باطل؟ فإن صدقوك وصنعت ما سألناك صدقناك، وعرفنا به منزلتك من الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول. فقال لهم رسول الله - ﷺ -: ما بهذا بعثت إليكم، وإنما جئتكم من الله بما بعثني به، وقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي فأصبر لأمر الله حتى يحكم الله بينى وبينكم.
قالوا: فإذا لم نفعل هذا فخذ لنفسك: سل ربك أن يبعث معك ملكا يصدقك بما تقول ويراجعنا عنك، وأما لا فليجعل لك جنانا وقصورا وكنوزا من ذهب وفضة يغنيك بها عما نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق تلمس المعاش كما نلتمس حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم.
فقال لهم رسول الله - ﷺ -: ما أنا بفاعل، وما أنا بالذي يسأل ربه، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا -. أو كما قال - فإن تقبلوا ماجئتكم به فهو
[ ١ / ١٠٢ ]
حظكم في الدنيا والآخرة وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم.
قالوا: فأسقط السماء علينا كسفا كما زعمت أن ربك إن شاء فعل.
قال: فقال رسول الله - ﷺ -: ذلك إلى الله إن شاء أن يفعله بكم فعل.
قالوا: يا محمد فما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك فيعلمك بما تراجعنا به ويخبرك بما هو في ذلك بنا إذ لم نقبل منك ماجئتنا به، إنه قد بلغنا إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا. ففد أعذرنا إليك يا محمد، وإنا والله لا نتركك وما بلغت منا حتى نهلكك أو تهلكنا.
وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة وهي بنات الله.
وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا.
فلما قالوا ذلك لرسول الله - ﷺ - قام عنهم وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة - وهو ابن عمته عاتكة بنث عبد المطلب فقال له: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك عند الله كما تقول ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك ومنزلتك من الله فلم تفعل، ثم سألوك أن تجعل لهم بعض تخوفهم من العذاب فلم تفعل - أو كما قال له - فوالله لا أؤمن بك أبدا حتى تتخذ سلما إلى السماء ثم ترتقي فيه وأنا أنظر إليك حتى تأتيها ثم تأتي معك بصك معه أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول. وأيم الله لو فعك ذلك ما ظننت أني أصدقك، ثم انصرف عن رسول الله، وانصرف إلى أهله حزينا آسفا لما فاته مما كان طمع به من قومه حين دعوه (١).
_________________
(١) مختصر السيرة ص ١٠١ - ١٠٢.
[ ١ / ١٠٣ ]
لعل هذا النص هو من أجمع النصوص التي طرحت القضايا الكبرى التي تم التفاوض عليها بين قيادة مكة وبين رسول الله - ﷺ -. خاصة وأن الذين اشتركوا في المفاوضات يمثلون كل زعامة مكة وقياداتها بلا استثناء.
فالمطالب تمثل إجماعا من هذه القيادة، وتمثل وجهة نظرهم، وإن المرء ليأسى أن يجد هذا التفكير وقد انعقد عليه إجماعهم. وإن تلخيص عبد الله بن أبي أمية لهذه القضايا هو الذي نعتمده للمناقشة:
أولا: الأمور العامة، المال والسيادة والملك.
ولم يلجأ إليها القرشيون إلا بعد أن سدت عليهم المنافذ بإسلام عمر والحمزة ﵄ ووجدوا خطر المسلمين قد استفحل، وأصبح المسلمون يدعون لله جهارا، ويعبدون الله جهارا. فعقد هذا المؤتمر الاستثنائي - إن صح التعبير - لإنهاء المشكلة مع محمد رسول الله - ﷺ -، وأرسلوا وراءه ليحضر.
إن العدو عندما يشتد عليه الضغط والإكراه يلجأ إلى العروض المغرية أما في الأحوال العادية فلا يعبأ بالدعاة والدعوة، بل يستعمل أسلوب الاستهزاء والسخرية والإيداء، ولقد فشلت هذه المحاولات جميعا، وتقدم المد الإسلامي بدخول أضخم شخصيتين في صف محمد رسول الله - ﷺ -، وأمام تعاظم هذا المد بدأت قريش أساليب الإغراء مع رسول الله ﵊.
وهذه هي عقلية الجاهلية التي لا تعرف قيما في هذه الأرض إلا هذه القيم. لأنها في الأصل لا تسعى إلا لذلك، وتحسب أن الدعاة إلى الله مثلها قيما ومبادىء. إن ملة الكفر ورجالاتها، ولو طرحوا ألف مبدأ فهو ستار في الحقيقة للوصول إلى المال والملك والسلطان والسيادة، وفي جواب رسول الله - ﷺ - لقادة الكفر درس خالد إلى الأبد يحتذيه الدعاة إلى الله، ويتخذونه موقفا ثابتا لأنه دين عندهم، وليس فلتة عابرة.
ما جئت بما جئتكم به أطلب أموالكم ولا الشرف فيكم ولا الملك عليكم وليست هذه الأمور إذن محل نظر أو دراسة من الحركة الإسلامية، لقد
[ ١ / ١٠٤ ]
بت فيها الأمر من رسول الله - ﷺ -. إن أي حكم تحت راية كافرة يشترك فيه المسلم من أجل المنصب فقط هو أمر مرفوض. إن البحث في هذه الأمور يتم بعد الاعتراف بالإسلام شرعا وحكما. أما قبل ذلك فلا، ومن أجل هذا رفض رسول الله - ﷺ - منهم ذلك قبل الاعتراف برسالته وبالكتاب المنزل عليه، وتطبيق مبادئه، والاحتكام إليه.
ثانيا: الأمور التي سألوها لمعرفة منزلته عند الله ﷿: هي تسيير الجبال عن مكة وتفجير الأنهار فيها، ثم إحياء الموتى من زعمائهم، ثم مساءلتهم عن رسول الله ليشهدوا له بذلك. أو أن يكون له قصور وجنان، وأن يسقط السماء عليهم كسفا. وإن كان هذا الأمر لا يتكرر بهذه الصيغة اليوم لأنه لا يدعي أحد أنه رسول بعد رسول الله - ﷺ -. لكنه يعرض من حيث فحواه ومعناه في صيغة أخرى.
إن قيادات الكفر تطالب الحركة الإسلامية بأمور تعجيزية هي لا تملكها بالأصل، وتربط إيمانها وانصياعها لها بهذه الأمور. فالماديون ذوو الحس الغليظ يتسترون وراء هذه الأمور لتبرير كفرهم، وما تطرحه المبادىء المادية اليوم - شيوعية كانت أو علمانية - هي الأفكار السابقة، فتضفي عليها ثوبا فلسفيا أو ثوبا علميا لتبرر موقفها الكافر.
إنهم يرفضون فكرة الإيمان باليوم الآخر، لأنهم لا يشهدون حياة بعد الموت، ويرفضون فكرة الإيمان بالله لأنهم لا يرونه، ويرفضون فكرة الإسلام كله، لأنه غيبي لا يخضع للتجربة، ويرفضون فكرة الدين كله لأنه مخدر للشعوب. بل يدرسون تاريخ العالم كله، على أن الدين مرتبط بالظلم البشري، ولن يحررهم في واقعهم اليوم. ولن يحقق لهم سعادتهم لأنه يحرم شهواتهم بلا مقابل. هذه المفاهيم العقائدية التي يطرحها الفكر المادي العلماني في وجه الدعاة إلى الله، يجب أن لا تفت في عضدهم، ولا تثني عزائمهم عن الصبر على المناظرة والاستمرار في الحوار، والتركيز على أن القضية أصلا هي قضية إيمان وكفر. وأنها محور الافتراق بين الفريقين.
[ ١ / ١٠٥ ]
كما تدلنا هذه المناقشات من طرف آخر على أن القضية عندما تحدد بهذه الصبغة، لن يعدم العدو الافتئات على الحق، ولن يعدم توزيع التهم وتشويه الدعاة بأنهم يتلقون أفكارهم من أعدائهم (ولقد علمنا أن الذي يعلمك هذا رجل باليمامة اسمه الرحمن، ووالله لا نؤمن بالرحمن أبدا) وهم يعلمون مدى كذبهم في هذا الإدعاء، ويرون محمدا - ﷺ - بين يديهم ليل نهار. ويعرفون مدخله ومخرجه وصلاته، وأعداء الله إذن حين يتهمون الدعاة بالعمالة أو التبعية الفكرية لغيرهم هم أعلم الناس بكذب ادعائهم ودعاواهم. وأخيرا نراهم يعلنون الحرب على رسول الله - ﷺ - لأنه لم يقدم هذه الأمور التعجيزية، (والله لنقاتلنك حتى تهلك أو نهلكنا). ولم يستجب لهذه المطالب. والدعاة إلى الله قد يفاجأون بمثل هذه المواقف. ويحرص العدو على أن يحرجهم أمام الناس إنهم متزمتون متعصبون، يريدون أن يحشروا الإسلام في كل قضية، فما علاقة الإسلام بالسياسة، ويتهمهم - كما نسمع الآن بعض روائح هذا الاتهام - بأنهم يعارضون التفاهم الوطني العام، ويصرون على أن يكونوا وحدهم في الحكم. وتضعف أحيانا نفوس الدعاة أمام هذا الاتهام، ويوجد في صفوفهم من يطالب قيادة الحركة الإسلامية بأن تكون لينة في مواقفها، وأن تبرز روح التقدم والتساهل مع الخصوم، لتثبت للعالم أنها غير متعصبة.
إننا في الحقيقة أمام قضيتين يحرص الاتجاه المعادي للإسلام أن يحصرنا بها:
القضية الأولى: أنه يقبل أشخاصنا دون فكرنا، يقبلنا شركاء في الحكم، وكأن هذا تسامحا منه وتقديرا وإكراما لنا.
القضية الثانية: أنه يقبل منا أفكارا عامة لا تحمل مسحة الإسلام، ولا تنطلق منه، كالحديث العائم عن الحرية والعدالة، وحقوق الشعب، ونصر الضعفاء، وتبني قضايا العمال والفلاحين إلى غير ذلك من الأطر. ولكن مجردة بعيدة عن الإسلام.
إنه يقبلنا بهاتين الصيغتين، وإلا فنحن متزمتون متعصبون. ويبرر حربه علينا لوجود هذا التعصب فينا. ونحن بحاجة إلى أن نعي هذه المناورة،
[ ١ / ١٠٦ ]
ونعي أبعادها، إن القضية عندنا هي قضية حكم الإسلام قبل أن تكون قضية حكم المسلمين. نحن لا نريد الحكم لذواتنا وأشخاصنا، ولا نريد الحكم للجاه والسلطة والنفوذ. إنما نريد الحكم لهذا الدين، لأن يكون الدين كله لله. ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله (١)﴾.
وهكذا رأينا فشل أضخم مفاوضات وقد حشد لها أضخم الإمكانات في صف قريش. ورفض رسول الله - ﷺ - كل الحلول المطروحة لإعادة الائتلاف الوطني في مكة، وإنهاء الخلافات الدينية فيها. وتوحيد الكلمة ولو تحت قيادة محمد رسول الله - ﷺ -، على أن يتخلى عن رسالته وعن دينه.
إن الائتلاف على حساب العقيدة مرفوض، والاتفاق على حساب الإسلام مرفوض، ووحدة الصف تحت راية غير الراية الإسلامية مرفوضة كذلك، ونصبر حتى يحكم الله بيننا وبين عدونا وهو أحكم الحاكمين.
السمة السادسة والعشرون
تحييد بعض الشخصيات والبطون نتيجة المفاوضات
بين يدينا المحادثات الخاصة التي تمت بين عتبة بن ربيعة زعيم بني أمية وبين رسول الله - ﷺ -. والتي قدم فيها نفس العروض السابقة، ولنستمع إلى رد رسول الله - ﷺ - عليها: (.. حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله - ﷺ - يستمع منه. قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟. قال: نعم. قال: - فاسمع مني. قال:
أفعل. فقال: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (٢) ﴾ ثم مضى رسول الله فيها يقرأها عليها، فلما سمعها عتبة أنصت لها، وألقى خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه، ثم انتهى
_________________
(١) سورة الأنفال الآية ٣٩.
(٢) سورة فصلت الآية ١ - ٤.
[ ١ / ١٠٧ ]
رسول الله - ﷺ - إلى السجدة منها فسجد، ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك.
فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بأنه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولا والله ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه فوالله ليكون لقوله الذي سمعت نبأ عظيم. فإن تصبه العرب كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فملكه ملككم، وعزه عزكم وكنتم أسعد الناس به.
قالوا: سحرك والله - ﷺاأبا الوليد بلسانه.
قال: هذا رأي فاصنعوا ما بدا لكم (١».
لا ندري إن كان هذا الحادث قبل المفاوصات السابقة أو بعده، ولكن الذي يعنينا من الأمر أدب الحوار. وكيف أن رسول الله - ﷺ - جلس يستمع لهذه العروض الهزيلة - بله السخيفة - من عتبة بن ربيعة ولم يقاطعه في حديثه، ولم يشمئز من كلامه بل أكثر من ذلك يفسح له المجال للمتابعة كي يفرغ كل ما في جعبته، ثم يسأله أو قد فرغت؟ ويخاطبه بقوله (يا أبا الوليد).
لقد كان رسول الله - ﷺ - يحترم خصمه، ويتكلم معه بأدب بالغ، وتقدير جم ويكنيه بكنيته. وبذلك يعلمنا أدب الحوار. وأهم نقطة فيه أن يتسع صدرنا لاستماع وجهة نظر الخصم، مهما كانت وجهة النظر هذه مرفوضة أو مقبولة عندنا، سامية أو منحطة لأننا بذلك نضمن أن يستمع خصمنا لنا، ويتسع صدره لوجهة نظرنا. وما لم نملك هذه الخاصية الهامة، فلن نربح الحوار مع عدونا.
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ١ ص ٣١٤.
[ ١ / ١٠٨ ]
ثم كانت الخطوة الثانية في المفاوضات تلاوة صدر سورة (فضلت) وهي التي تتناول وضع هؤلاء المشركين وموقفهم من الإسلام، ثم تعرض عقيدة الإسلام - والتوحيد أهم عنصر من عناصرها، ثم الحديث عن قدرة الله تعالى الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام. ثم الإنذار بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود. حيث انتهى الأمر بعتبة أن ناشد رسول الله - ﷺ - بالله والرحم أن يكف فكف.
صحيح أن عتبة بن ربيعة لم يسلم لكنه هزم نفسيا أمام نصاعة الدعوة وبلاغة القرآن. ومن أجل هذا جاء يعلن أمام قومه .. سمعت قولا والله ما سمعت مثله قط. والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر ولا بالكهانة .. هذا ما عبر به عن إعجابه وذهوله. ثم الدعوة إلى موقف إيجابي من الدعوة:
(أطيعوني واجعلوها بي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ عظيم، فإن تصبه العرب كفيتموه بغيركم.
وإن يظهر على العرب فملكه ملككم وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به):
إنها دعوة قريش كلها لإيقاف الحرب ضد محمد - ﷺ -. مع المبررات الكاملة لذلك وترفض قريش الموقف وتتهم عتبة بأن محمدا سحره. وأمام هذا العداء المستحكم والموقف العنيف معه، أعلن موقفه الصريح: هذا رأي فاصنعوا ما بدا لكم. وانسحب عتبة بن ربيعة من المعركة ضد محمد - ﷺ -. وانسحب وراءه أكبر تجمع قبلي بعد بني مخزوم هو بنو أمية. واستطاع رسول الله - ﷺ - أن يحيد عتبة وبني أمية ويخفف من تكالب الأعداء على دعوة الإسلام.
إن مهمة القيادة الإسلامية وهي تخوض الحرب ضد أعداء الإسلام أن تخذل عنها ما استطاعت، أن تمزق العنف الكافر، أن تفتت وحدة صف العدو. فتحيد من تستطيع تحييده، وتضم إلى صفها من تستطيع ضمه، وأن تثير الشكوك والخلافات بين الكافرين. ولا يعتبر هذا وهنا في الدين، ولا مهادنة في دين الله، ولا تساهلا على حساب العقيدة. بل هو عمق سياسي، ونضج دعوي. ما أحرى القواعد أن تفقهه من رسول الله - ﷺ -. وتنضبط
[ ١ / ١٠٩ ]
بتوجيه القيادة حين تسكت عن عدو أو تضطر أحيانا للئناء على بعضهم، فهي أدرى بملابسات الحرب السياسية التي تخوضها، وهي أدرى بطبيعة التعامل مع العدو من تهادن ومن تحارب. وهي صاحبة الحق في هذا الأمر، وعلى القواعد الالتزام بخطها السياسي.
السمة السابعة والعشرون
التجمع القبلي لحماية القيادة (أبو طالب وبنو هاشم وبنو المطلب)
قال ابن إسحاق: (ثم إن قريشا تذامروا بينهم على من في القبائل منهم من أصحاب رسول الله - ﷺ - الذين أسلموا معه، فوثبت كل قبيلة على من فيهم من المسلمين يعذبونهم ويفتنونهم عن دينهم، ومنع الله رسوله منهم بعمه أبي طالب. وقد قام أبو طالب حين رأى قريشا يصنعون ما يصنعون في بني هاشم وبني عبد المطلب فدعاهم إلى ما هو عليه من منع رسول الله والقيام دونه. فاجتمعوا إليه وقاموا معه إلا ما كان من أبي لهب وولده فإنهم ظاهروا قريشا على قومهم.
وقال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: أنهم أجمعوا على أن يقتلوا رسول الله - ﷺ - علانية فبلغ ذلك أبا طالب، فجمع بني هاشم وبني عبد المطلب. فأدخلوا رسول الله - ﷺ - شعبهم ومنعوه ممن أراد قتله. فمنهم من فعل ذلك حمية، ومنهم من فعل ذلك إيمانا ويقينا (١) ..).
لم يكن وضع أفراد القبائل واحدا بالنسبة للإسلام. فالقبائل التي تحمل لواء الحرب للإسلام لم تكن تقبل لأفرادها الانتساب للإسلام. لأن هذا إنقاصا لكرامتها كما تتصور. ومن أجل هذا فقد كان أبناؤها يتعرضون لصنوف الأذى والاضطهاد وكانت أحوالهم أشق وأصعب من أحوال أبناء القبائل الضعيفة، وذلك على غير الصورة لدى بني هاشم وبني عبد المطلب
_________________
(١) نقلا عن مختصر السيرة لعبد الله بن محمد بن عبد الوهاب.
[ ١ / ١١٠ ]
الذين كانوا يتبنون حماية رسول الله - ﷺ -، وبالتالي فالذي يسلم فيها يدخل في حماية زعمائها تبعا لأمر رسول الله. ولهذا الموفف كان لا بد من القضاء على رسول الله - ﷺ - لاجتثاث الفتنة من جذورها، وعلى رواية الزهري أن قريشا اتخذوا هذا الموقف علانية. مما جعل أبا طالب يرى أنه عاجز عن حماية محمد ابن أخيه.
لقد أقدم على خطوة حاسمة حيث دعا بني هاشم وبني عبد المطلب ليحملوا مسؤولياتهم كاملة في حماية رسول الله - ﷺ -، ومن موقع زعامته لبني هاشم وبني عبد المطلب. استجاب له الجميع لذلك، فحملوا سلاحهم من منطق العزة القبلية والأنفة العشائرية.
إننا أمام ظاهرة فريدة أن تقوم قيادة مشركة بقواعدها في حماية قيادة إسلامية وتتحمل مسؤولية هذه الحماية. ولو كانت قد تؤدي إلى فتح معركة وحرب مع الفريق الآخر، وما يمكن أن تقدم هذه القيادة على هذا الموقف لولا المركز الرفيع الذي يتمتع به رسول الله - ﷺ - في قبيلته. ولم يقف أبو طالب عند هذا الحد. بل طمع أن ينظم كل بني عبد مناف - على شركهم - إلى حلفه، واعتبر تخلفهم عن نصرة محمد - ﷺ - مطعنا كبيرا في نخوتهم الجاهلية، إذ يقول:
أرى أخوينا من أبينا وأمنا إذا سئلا قالا إلى غيرنا الأمر
أخص خصوصا عبد شمس ونوفلا هما نبذانا مثل ما ينبذ الجمر
هما أغمرا للقوم في أخويهما فقد أصبحا منهم أكفهما صفر (١)
ونلاحظ هنا أن الحركة الإسلامية قد نالت هذه الحماية دون أن تقدم أي تنازل عن عقيدتها. بل تمت الحماية لمحمد - ﷺ - وهو يدعو إلى الإسلام، ويسفه أحلام قريش، ويحارب عقيدتها، لقد كانت الحماية لشخصه ولحرية
_________________
(١) مختصر السيرة لابن محمد بن عبد الوهاب ص ٩٢.
[ ١ / ١١١ ]
دعوته حتى ولو كانت الدعوة ضد معتقدات حماته. وهذا من غرائب ما روى التاريخ. وقد تتكرر هذه الصورة في واقعنا المعاصر في حالتين:
الحالة الأولى: أن تتضارب مصالح الجاهلية، فلا يرى فريق منها مجالا لضرب مصلحة الفريق الآخر إلا بحماية الدعاة إلى الله. وهذا ما نجده أحيانا حين تلجأ أمريكا على سبيل المثال إلى إعطاء الحرية للدعاة المسلمين كي يقفوا في وجه النفوذ الشيوعي في منطقة من المناطق وهذه الحالة لا تعني أن يطمئن المسلمون إلى هذه المواقف. بل تعني أن يستفيدوا منها. لأنه ما إن يظهر خطر المد الإسلامي إلا ويتغير الموقف من هذه الدولة أو أزلامها في السلطة. ويحس هذا العدوان الخطر الأكبر هو المد الإسلامي.
الحالة الثانية: أن يسود الفكر الديمقراطي حقيقة في أمة من الأمم أو شعب من الشعوب، ويتحرك المسلمون بالدعوة انطلاقا من هذه القوانين والمبادىء. واستفادة منها في حرية التبليغ. فتضيق الجاهلية ذرعا بهذه الدعوة فتحاول خنقها. فلا عجب أن يوجد فريق من هذه الجاهلية يحمي الدعوة الإسلامية ويساندها طالما أنها لا تتجاوز مجال البيان والكلام. وخاصة إذا كان هذا الفريق يمت بصلة قربى أو مصلحة للمسلمين، وسواء أكانت هذه الحالة أو تلك، فليس للحركة الإسلامية في هذا المجال أن تطمئن لهذه الحماية، بل عليها أن تتحرك في أطر ثلاثة:
الإطار الأول: أن تستفيد من هذه الحماية أقصى حدود الاستفادة في التبليغ والبيان.
الإطار الثاني: أن تكون يقظة، فلا تقدم مقابل هذه الحماية أي تنازل عن عقيدة أو تراجع عن فكرة لمجاراة هؤلاء الذين يقدمون الحماية أو مجاملتهم.
الإطار الثالث: أن تصمت عن النيل منهم وشتمهم بصفتهم كفارا، طالما أنهم يناصرون الدعوة. بل لا غرابة أن ثثني على مواقفهم وتمدح شجاعتهم دون أن يصل الئناء إلى عقيدتهم.
[ ١ / ١١٢ ]
السمة الثامنة والعشرون
الحصار الاقتصادي والمقاطعة العامة لتحطيم الدعوة وحلفائها
وقال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: .. فلما رأت قريش ذلك اجتمعوا وائتمروا أن يكتبوا كتابا على بني هاشم وبني عبد المطلب ألا ينكحوا إليهم ولا ينكحوهم، ولا يبيعوا منهم شيئا ولا يبتاعوا منهم، ولا يقبلوا منهم صلحا أبدأ ولا تأخذهم بهم رأفة حتى يسلموا رسول الله - ﷺ - للقتل وعلقوا الصحيفة في جوف الكعبة، فانحاز بنو هاشم وبنو المطلب مسلمهم وكافرهم إلى أبي طالب ودخلوا معه شعبه، فأقاموا على ذلك سنتين أو ثلاثا حتى جهدوا وكان لا يصل إليهم شيء إلا سرا .. وقطعت قريش عنهم الأسواق حتى كان يسمع صوت أبنائهم ونسائهم يتضاغون من وراء الشعب من الجوع، واشتدوا على من أسلم ممن لم يدخل الشعب وعظمت الفتنة وزلزلوا زلزالا شديدا
قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب: وكان أبو طالب إذا أخذ الناس مضاجعهم أمر رسول الله فاضطجع على فراشه حتى يرى ذلك من أراد اغتياله، فإذا نام الناس أمر أحد بنيه أو إخوته أو بني عمه فاضطجع على فراش رسول الله - ﷺ -، وأمره أن يأتي بعض فرشهم (١».
لقد أصبح قتل رسول الله - ﷺ - هدفا بحد ذاته لدى المشركين. فهل يغامر الحلفاء للنبي - ﷺ - بتمزيق صف مكة من أجله؟ وإلى أي مدى يسيرون في هذا المضمار؟ وكان الحصار وكانت المقاطعة محك الاختبار.
لقد كان الأمر قبل المقاطعة أمرا سهلا وميسورا. فلا تعدو الحماية حمية وأنفة من هذين البطنين أن تتنازل عن رجل من أبنائها لقبائل أخرى.
لكن القطيعة والحصار وجها ضربة مجهضة لهذين البطنين وعزلهم عن مكة كلها، وأنزل بهم الجوع والعري ورسم لهم طريق الإبادة. إننا لا نستغرب
_________________
(١) مختصر السيرة لابن محمد بن عبد الوهاب ص ٩٣.
[ ١ / ١١٣ ]
هنا أبدأ موقف المسلمين وصبرهم. فمن خلال العقيدة نجد مفهوم الأجر والثواب يوم القيامة، ونعيم الجنة بعدها كفيلين باستمرار المسلمين على خطهم وثباتهم على محنتهم وابتلائهم. لكن الأمر يختلف تمام الاختلاف بالنسبة للمشركين. فلا بد أن يتساءلوا فيما بينهم. فيم نلقى هذا العذاب؟ وفيم نلقى هذه الإهانة؟ وهذا الجوع والتشرد والخنق؟ والجواب واضح. فالأمر كله من أجل محمد بن عبد الله؟!!
لكن التساؤلات الأكثر حرجا ودقة هي: لم لا يرجع محمد عن دينه طالما أن هذا الدين باطل؟!! أو نبقى نسانده وهو يهاجم معتقداتنا، ويسفه أحلامنا، ويسب آلهتنا؟!! وخطر مثل هذه التساؤلات كبير. وأي تفكير سياسي وميزان مصلحي لا يقر أبدا إمكانية استمرار هذين البطنين على هذا الموقف، عندما تنهار مصلحة هذين البطنين. فهل يمكن للقيم الجاهلية أن تثبت أمام ضرب مصالحها بله الإجهاض عليها؟!! لقد أصبحت مكة كلها في خطر مما أدى إلى انقسام مكة إلى معسكرين كبيرين المعسكر الأول يضم المسلمين وبني هاشم وبني المطلب مسلمهم ومشركهم، والمعسكر الثاني يضم المشركين من بقية البطون القرشية. ولا شك أن نظافة الشخصيات الإسلامية، ومركزها المرموق في قبيلتها هما اللذان دفعا لهذا الموقف ولو لم يكن رسول الله - ﷺ - على أعلى مستوى من التقدير والاحترام والتعظيم، لما غامر البطنان الكبيران بنو هاشم وبنو المطلب في خوض حرب من أجله. ولقد مثل هذه الصورة لامية أبي طالب الرائعة التي يقول فيها بعد هذا الحدث:
ولما رأيت القوم لا ود فيهم وقد قطعوا كل العرى والوسائل
وقد حالفوا قوما علينا أضنة يعضون غيظا خلفنا بالأنامل
صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة وأبيض عقب من تراث المقاول (١)
وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي وأمسكت من أثوابه بالوصائل (٢)
ثم يقسم بالإيمان المغلظة بالله والبيت، والحجر الأسود، ومقام إبراهيم،
_________________
(١) كناية عن السيف.
(٢) المقصود أثواب الكعبة وكانت ثيابا حمرا فيها خطوط.
[ ١ / ١١٤ ]
والسعي بين الصفا والمروة وبالشهر الحرام وبموقف عرفات. يقسم بهذا كله ويعوذ به أنه لن يتخلى عن محمد بن عبد الله:
كذبتم وبيت الله نترك مكة ونظعن إلا أمركم في بلابل
كذبتم وبيت الله نبزى محمدا ولما نطاعن دونه ونناضل (١)
ونسلمه حتى نصرع حوله ونذهل عن أبنائنا والحلائل
وينهض قوم في الحديد إليكم نهوض الروايا تحث ذات الصلاصل (٢)
ويعلل سبب إعلانه هذه الحرب، ولماذا اتخذ هذا الموقف مع عشيرته
قائلا:
وما ترك قوم لا أبا لك سيدا يحوط الذمار غير ذرب مواكل (٣)
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال اليتامى عصمة للأرامل
تلوذ به الهلاك من آل هاشم فهم عنده في رحمة وفواضل
ويهاجم بعد هذا بقية بني عبد مناف، من بني أمية وبني نوفل الذين ظاهروا الأعداء عليهم. فإن يستعد فريق من المشركين لخوض معركة مسلحة لحماية فريق من المؤمنين فهذا يعني أن التقدير والحب لهم يفوق كل وصف، فمحمد - ﷺ - عند أبي طالب ورهطه زعيم بني هاشم، يفدونه بالمال والروح، بالدم والنساء والأبناء (٤).
والحركة الإسلامية وهي تخوض غمار الجهاد، وتواجه الجاهلية العاتية، لا تعدم أن تجد بعض النماذج والتجمعات والقيادات الجاهلية والقبلية مثل بني هاشم وبني المطلب، وتنطلق من الأعراف والقوانين الجاهلية لحماية هذه الحركة.
إن معظم القوانين والدساتير الجاهلية تضع في صلبها حرية الاعتقاد
_________________
(١) تُبزى محمدا: تُغلبُ عليه.
(٢) الإبل التي تحمل الماء والأسقية.
(٣) الذرب المواكل: هو الذي يتكل على غيره.
(٤) السيرة النبوية لابن هشام ٢٩١ - ٢٩٥ متفرقات.
[ ١ / ١١٥ ]
والكلام للمواطنين، والتى تتبنى الديمقراطية مبدأ سياسيا بغض النظر عمن يمارسها فعلا أو اسما. ومن باب تنفيذ فقرات الدستور، ومن باب حماية القوانين، ومن باب الأعراف السائدة قد تجد الحركة الإسلامية من يساندها، ويحميها، ويرد عنها مؤامرات الإبادة.
إن المناخ الديمقراطي هو أنسب الأجواء للحركة الإسلامية، ومن خلالها قد نجد مثلا نواب المجلس يحولون دون تشريع يبرر حظر الحركة الإسلامية، بل يقوم هؤلاء النواب بسن قوانين تضمن حمايتهم. ومثل هذه الظروف تستغلها الحركة الإسلامية ولا تفرط فيها، وتعمل دعوة وجهادا من خلالها.
لكن يجب أن لا يغيب عن بال الحركة الإسلامية أبدا أن المناخ الديقراطي حين لا يعدو أحيانا اللفظ والادعاء، لا يجدي عليها شيئا. بل باسمه يمكن أن تباد ويقضى عليها خاصة في دولنا التي يطلقون عليها - دول العالم الثالث. فتحرص الحركة على أن لا تظهر كل أوراقها، اعتمادا على هذا المناخ، عليها أن تبقي رصيدا من أشخاصها وتنظيمها وحركاتها ومراكزها سرا حتى لا يباد لو فكرت الجاهلية بالانقضاض عليها، وقلب ظهر المجن لها. ومن أجل هذا رأينا أن المركز الاحتياطي في الحبشة برجالاته ونشاطه بقي على ما هو عليه، ولم يستدع رسول الله - ﷺ - أولئك المسلمين إلى مكة، بعد هذه الحماية. لأنه يعلم أن هذه الحماية مؤقتة، ويعلم أن الضغوط قد تضطر هذا التجمع للتراجع والخضوع لعنف العدو اللدود.
لقد رأينا كل دعاوى الديمقراطية الكاذبة تنهار أمام الإرهاب النصيري الكافر في سورية واستطاع طاغيتها أن ينتزع من مجلس شعبه كله، قرارا يقضي بإعدام كل من ينتمي إلى الإخوان المسلمين. والذين هربوا في المرة الأولى عادوا صاغرين في المرة الثانية وبقوة (البوط العسكري) للتوقيع عليه. ويكاد التاريخ لا يشهد مثيلا لهذا القرار، أن يعدم امرؤ على انتمائه الفكري باسم مجلس يمثل الشعب كله حسب الادعاء.
[ ١ / ١١٦ ]
لكننا هنا أمام صورة مغايرة، أمام فريق من الجاهلية، ضحى بمصالحه واستقراره ووجوده من أجل الإسلام، ولم تكن التضحية يوما أو يومين، بل امتدت ستين وثلاثا. وإني ليأخذ بي العجب وأنا أتخيل هذه الصورة. صورة ذلك المشرك القابع في زواية من زوايا شعب أبي طالب، ويده على سلاحه، يكاد يقتله الجوع، ويفتك بأولاده وزوجه، والأمل مسدود أمامه بلا رجاء، ويسائل نفسه؟ لم ينالني هذا الأذى؟ ويجيب: من أجل محمد، محمد الذي هاجم معتقداتي وآلهتي وديني. ويتساءل: كيف أعرض نفسي للموت من أجله؟ ثم يطرد هذا التساؤل، ويهرب من هذا الخاطر، ويقنع نفسه بموقفه. طالما أن أبا طالب دعاه لهذا المرقف فلن يتراجع عنه ولو أدى إلى موته.
نحن إذن أمام جاهلية تؤمن بقيم ثابتة فتضحي بمصالحها واسمترارها ووجودها في سبيل الإسلام.
فلا يجوز إذن أن يبلغ بنا التشيخ خدا نتصور فيه أن الجاهلية دائما تنطلق من مصالحها ولا تؤمن بشيء. بل قد تصادف الحركة الإسلامية في مسيرتها بعض هذه النماذج.
ويكفي أن ندلل على ذلك من واقع الحركة الإسلامية اليوم وهي تحمل لواء الجهاد ضد الطغيان في سورية. فالأرض التي تتحرك فيها وتأوي إليها وتنطلق منها هي أرض الدول المجاورة. وبعض هذه الدول تعرضت لضغوط عالمية رهيبة لتطرد قيادات الحركة وقواعدها من أرضها فلم تستجب لذلك، لقد تعرضت مصالحها للخطر، وبدأت الدول الكبرى حصارها لها لإجبارها على معاداة الحركة. فلم تفعل ذلك، مع اختلاف المنطلقات الفكرية بينها وبين الحركة. ولا شك أن الحركة الإسلامية ستحفظ إلى الأبد هذه المواقف الكريمة. وتفرق بين من يساندها في محنتها، ويعرض نفسه للخطر من أجلها - برغم الخلاف العقائدي معها - وبين من يتآمر مع عدوها لإبادتها والإجهاز عليها، والمعروف لا يضيع أبدا عند أهل المعروف.
[ ١ / ١١٧ ]
السمة التاسعة والعشرون
التفجرات الجاهلية تحطم الحصار والمقاطعة
(ثم بعد ذلك تألف قوم من قريش على نقض تلك الصحيفة، كان أحسنهم غناء فيها هشام بن عمرو بن الحارث - فإنه لقي زهير بن أمية بن المغيرة فعيره بإسلام أخواله (أي تركهم مقاطعين). وكانت أمة عاتكة بنت عبد المطلب، فأجابه زهير إلى نقض الصحيفة، ثم مشى هشام إلى المطعم بن عدي فذكره أرحام بني هاشم وبني المطلب ابني عبد مناف فأجابه إلى ذلك، ثم مشى إلى البختري بن هشام فقال له مثل ما قال للمطعم بن عدي، ثم مشى إلى زمعة بن الأسود فكلمه، وذكر له قرابتهم وحقهم فقال: وهل معي على هذا الأمر الذي تدعوني إليه من أحد؟ قال: نعم ثم سمى له القوم، واتعدو حطم الحجون ليلا بأعلى مكة، فاجتمعوا وتعاهدوا على القيام في نقض الصحيفة. وقال زهير، أنا أبدؤكم فأكون أول من يتكلم، فلما أصبحوا غدوا على أنديتهم وكذا زهير بن أبي أمية عليه حلة، فطاف بالبيت سبعا، ثم أقبل على الناس فقال:
يا أهل مكة أنأكل الطعام ونلبس الثياب وبنو هاشم هلكى لا يباعون ولا يبتاع منهم. والله لا أقعد حتى تشق هذه الصحيفة القاطعة الظالمة. فقال أبو جهل - وكان في ناحية المسجد - كذبت والله لا تشق. قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا كتابتها حين كتبت، فقال أبو البختري: صدق زمعة لا نرض ما كتب فيها ولا نقر به. قال المطعم بن عدي: صدقتم وكذب من قال غير ذلك. نبرأ إلى الله منها ومما كتب فيها. وقال هشام بن عمرو نحوا من ذلك.
قال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل، وتشوور فيه بغير هذا المكان. وأبو طالب جالس في ناحية المسجد. فقام المطعم بن عدي إلى الصحيفة ليشقها.
[ ١ / ١١٨ ]
فوجد الأرضة قد أكلتها إلا باسمك اللهم وما كان فيها من اسم الله فلا تأكله (١).
لقد كان للصمود الإسلامى ثم الصمود القبلي أثر على معسكر الجاهلية والشرك يفوق أثر معركة حامية الوطيس يخوضها المسلمون فينتصرون بها على أعدائهم. وكان هذا الصمود كافيا لتفجير الموقف في مكة. فقد حرك هذا الصمود كل مشاعر الخير الكامنة في صفوف أهلها. لقد تحركت مشاعر القرابة واستنفدت كلها من قبل أصدقاء وأقرباء بني هاشم وبني المطلب. ولم يكتف هؤلاء عند المواقف السلبية، ولم يكتف هؤلاء عند المشاركة الشعورية بل استعد هؤلاء ليقوموا بتحرك إيجابي يعرض حياتهم للخطر، وأن يجابهوا الرأي العام كله بكل ما تحمل هذه المواجهة من مخاطر ومحاذير. واستطاعت هذه العصابة بوحدة كلمتها واستعدادها للفداء أن تغير موقف مكة كلها وتكسر طوق الحصار الاقتصادي وتحطم القيود الاجتماعية، وتعيد الحقوق المغتصبة إلى أصحابها، وتلغي الظلم القائم على المسلمين.
والحركة الإسلامية تحتاج في مسارها الطويل إلى فن التعامل مع الجاهلية، بحيث تنتزع منها كل من يمكن أن يساندها وتستفيد من كل من يدعمها ويحفظ لها حريتها، وتستغل كل عناصر الخلاف في صفوف هذه الجاهلية، ولا يتعارض هذا أبدا مع تميزها ومع المفاصلة بينها وبين الحكم الكافر. بل نجد هنا أن المصلحة للحركة الإسلامية هو تحطيم هذه المفاصلة. فليس التفاصل إذن دائما لمصلحة الدعوة والحركة. بل وجدنا الحالة في هذه المرحلة هي القضاء على المفاصلة الاجتماعية. وما فرح المسلمون شيئا فرحهم بالقضاء على هذا الحلف الباغي الظالم. فلقد كان رئيس بني هاشم في مكة يناقشهم في الصحيفة مما يدل على وعيهم لتطورات الموقف. ونرى يقظة هذا المعسكر في الرواية التي روتها السيرة عن الزهري ﵀ لدى موسى بن عقبة: (إن الله أطلع رسوله على الذي صنع بصحيفتهم فذكر ذلك لعمه فقال: لا والثواقب ما كذبتني فانطلق يمشي بعصابة من بني عبد المطلب حتى
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ٢ ص ١٦.
[ ١ / ١١٩ ]
أتى المسجد وهو حافل من قريش. فلما رأوهم رأوا أنهم قد خرجوا من شدة الجوع وأتوا ليعطوهم رسول الله - ﷺ -. فتكلم أبو طالب فقال: إنه حدث أمر لعله أن يكون بيننا وبينكم صلحا، فأتوا صحيفتكم، وإنما قال ذلك خشية أن ينظروا فيها قبل أن يأتوا بها، فأتوا معجبين لا يشكون أن رسول الله - ﷺ - مدفوع إليهم، قالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا فإنما قطع بيننا وبينكم رجل واحد قد جعلتموه خطرا لهلكة قومهم. فقال أبو طالب: لأعطينكم أمرا لكم فيه نصف، إن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني أن الله بريء من هذه الصحيفة التي في أيديكم ومحا كل اسم له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم. فإن كان ما قال حقا فوالله لا نسلمه لكم حتى نموث عن آخرنا، وإن كان الذي يقول باطلا دفعناه إليكم فقتلتموه أو استحييتموه. قالوا: قد رضينا. ففتحوا الصحيفة فوجدوها كما أخبر. فقالوا: هذا سحر من صاحبكم. فارتكسوا وعادوا لشر مما كانوا عليه. فتكلم عند ذلك النفر الذين تعاقدوا ومزقت الصحيفة (١».
فمع أن أبا طالب غير مسلم. لكن ثقته بصدق ابن أخيه لا حد لها بل استعد لتسليم محمد ليقتل إن لم يصدقه. ومضى يراهن قريشا على ذلك. فهو يبحث عن أية وسيلة لفك هذا الحصار ومع ذلك أصرت قريش على موقفها واعتبرت الأمر من سحر محمد ﵊. ولا شك أن هذا الأمر الذي فضح قريشا ببغيها وظلمها، جعل لدى هؤلاء النفر أرضية مناسبة للتحرك ضد الصحيفة. فقدرة الدعاة إلى الله على إيضاح الظلم الواقع عليهم له أثر كبير في كسب قلوب بعض الأعداء وانتصارهم لهم.
فإذا أردنا للحركة الإسلامية أن تخترق مصاعب المحنة، فلا بد لها من إعلام مناسب ينفد إلى قلوب أعدائها، ليضطرها إلى الموقف المناسب. ولا بد لها من اليقظة الدائمة لتصل إلى الثغرة الضعيفة في صف خصومها فتنفذ منها، ولقد مثل أبو طالب صورة الحليف الشريف الذي ربط حياته
_________________
(١) مختصر السيرة لابن محمد بن عبد الوهاب ص ٩٦.
[ ١ / ١٢٠ ]
وحياة قبيلته وحياة بني المطلب بحياة رسول الله - ﷺ -. فليبق هذا الدرس للحركة الإسلامية رصيدا حيا تنفذ من قلب حلفائها فتدفعهم إلى التضحية من أجل الذود عنها، وتنفذ في صفوف الخصوم فتننتزع منهم كل أثر خير وقلب ينبض برفض الظلم.
وخاض أبو طالب معركته الإعلامية فأرسل داليته المشهورة إلى مهاجري الحبشة من المسلمين يزف لهم بشرى النصر:
ألا هل أتى بحرينا صنع ربنا على نأيهم والله بالناس أرود (١)
فيخبرهم أن الصحيفة مزقت وأن كل ما لم يرضه الله يفسد
وشرح لهم حتى الذين ساهموا في نقض الصحيفة أسماء ومواقف وأنسابا.
جزى الله رهطا بالحجون تتابعوا على ملأ يهدي لحزم ويرشد (٢)
قضوا أمرهم في ليلهم ثم أصبحوا على مهل وسائر الناس وقد
هموا رجعوا سهل بن بيضاء راضيا وسر أبو بكر بها ومحمد (٣)
السمة الثلاثون
دور المرأة في هذه المرحلة جهادا ودعوة وسرية
لا بد أن تأخذ المرأة المسلمة دورها في المعركة إلى جانب الرجل.
فمعظم الذين هاجروا إلى الحبشة هاجروا مع أزواجهم. ومعظم الذين أسلموا أسلموا مع أزواجهم، ويكفي أن يذكر تاريخ الإسلام باعتزاز أن أول
_________________
(١) بحرينا: يعني الذين، بالحبشة من المسلمين، وأرود: أرفق.
(٢) الرهط هم الذين نقضوا الصحيفة.
(٣) السيرة النبوية لابن هشام، ص ١٧ - ١٩ متفرقات.
[ ١ / ١٢١ ]
خلق الله إسلاما امرأة، وأول شهيد في الإسلام امرأة فلم تكن المرأة المسلمة إذن بعيدة عن الساحة. بل تلقت بصبر وبطولة آلام العذاب في سبيل الله حتى الجواري والإماء، فالنهدية تلقت العذاب حتى عميت، وسمية تلقت العذاب حتى استشهدت. وفاطمة بنت الخطاب قامت تدفع عن زوجها فلطمت حتى نفر الدم من وجهها، هذا جانب. والجانب الثاني قدرة الوعي والمحافظة على السرية عندها. فعندما أصيب أبو بكر ﵁ وصحا بعد غيبوبة طويلة، دفع أمه إلى أم جميل بنت الخطاب تسألها عن رسول الله. فأنكرت أنها تعرفه أو تعرف أبا بكر. لكنها تصرفت بلباقة من جانب آخر. فهي تريد أن تنقذ الموقف دون أن تفشي سرا. فعرضت على أم أبي بكر أن تمضي معها إلى ابنها فوافقت. وهناك استأذنت أبا بكر ﵁ في الأمر فأذن لها في الجواب، وأشارت إلى أمه الكافرة فأذن لها في الجواب فأجابت، ولا ننسى أنها بقيت محافظة على سرية إسلامها حتى اضطرت لإعلانه يوم صفعها أخوها على إسلامها، واستطاعت بهذا الموقف الشجاع أن تدفع بأخيها إلى الندم ثم إلى الإسلام.
ولئن ذكرنا كل نسوة الأرض، فلا بد أن تكون خديجة ﵂ في القمة. فهي التي احتضنت الدعوة والداعية منذ اللحظات الأولى، ووضعت كل ثروتها ومالها تحت تصرف زوجها رسول الله - ﷺ -، وصبرت على المقاطعة والفقر وهي سليلة الغنى والثراء، وكان لها فوق هذه الأدوار جميعا موقف المواسي لرسول الله - ﷺ -، وموقف المشجع والمثبت. وبقيت ذكراها ماثلة في ذهن رسول الله - ﷺ -. حتى ليقفز فرحا حين يسمع صوت أختها هالة، أو صوت صديقات كن يزرنها في حياتها. وحق لرسول الله ﵊ وللمسلمين أن يطلقوا على العام الذي توفيت فيه خديجة رضوان الله عليها، وتوفي فيه أبو طالب عام الحزن.
ما أحوجنا إلى هذه النماذج، وإلى تربية أمثالها في صفوفنا، وإلى دعوة المرأة المسلمة أن تأخذ مكانها الصحيح، وموقعها المناسب من المعركة. وإن
[ ١ / ١٢٢ ]
الحركة الإسلإمية اليوم لتفخر بالنماذج من الشهيدات اللاتي جاهدن بالسلاح والمال ضد أعداء الله، وقتلن الأفراد والعشرات وهن في قواعدهن، وسقطن مع أبنائهن وأزواجهن في سبيل الله. والحركة الإسلامية لتفخر بالنساء اللاتي كن يتزوجن من المجاهدين ليشاركن في شرف الجهاد في سبيل الله أو نقل الأخبار والمعلومات بين المجاهدين، أو كشف أوكار السلطة الباغية. كما وتفخر الحركة الإسلامية بالمهاجرات في سبيل الله، اللاتي طوردن ولوحقن، وحرصت السلطة الباغية على الفتك بهن. فغررت بدينهن في سبيل الله دون أن تلين قناتهن، أو يضعفن عند التهديد أو الإغراء. كما تفخر الحركة الإسلامية بالمعتقلات في سجون البغاة اللاتي صبرن على أشد أنواع الأذى والبلاء، دون أن تلين لهن قناة، أو يهن لهن عزم. وإنا لندعو أخواتنا المؤمنات أن يشاركن في هذا الجهاد وينضوين تحت لواء الحركة الإسلامية ليؤدين الدور الأساسي الذي لا يقدر عليه إلا النساء.
السمة الواحدة والثلاثون
المقاومة السلمية
لقد كانت قريش تسعى جاهدة لحرب الإسلام ومنع وصوله إلى الناس، بل تشوه سمعة رسول الله - ﷺ - لدى الوافدين إلى مكة للحج أو التجارة. ولم يكن المسلمون ليقفوا مكتوفي الأيدي أمام ذلك، بل كانوا يمضون إلى هذه المحافل العامة، أو يتواجدون في الكعبة ويتصلون بأولئك الوافدين يدعونهم إلى الإسلام، ويوضحون معالمه. ولكن ضمن خطة محددة تقضي بعدم الاصطدام المباشر مع العدو. وعدم الوصول إلى معركة عنيفة تقود إلى استعمال السلاح، وخف تعرض المسلمين لآلهة قريش، انطلاقا من الأدب القرآني ﴿ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم (١)﴾.
_________________
(١) الأنعام ١٠٨.
[ ١ / ١٢٣ ]
إنما تنصب الدعوة مع هذه الوفود على ذكر محاسن الإسلام، وعلى التركيز على لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. وكانت الحركة الإسلامية تعيش في ظل الجاهلية، في ظل المجتمع الذي تترع فيه الخمور، وتنصب فيه الرايات الحمر للزانيات، وفي ظل الأصنام التي بلغت ثلاثمائة ومع ذلك لم يتعرض المسلمون لهذه المفاسد أو يقاوموها، أو يوجهوا جهدهم للنيل منها أو تحطيمها، لقد كانوا بعيدين عن هذا كله. واتجه همهم إلى الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة. والحركة الإسلامية في مثل هذه المرحلة تتخذ هذا الموقف، تبتعد عن المواجهة ومواطن الإثارة، وتكف أيديها عن القتال من خلال أوامر القيادة.
لم يكن صحابة رسول الله - ﷺ - ورضي الله عنهم جبناء ولا أذلاء، بل كانوا يعانون من الضبط والالتزام بعدم القتال ما لا يعلمه إلا الله، وكانوا يعانون من الضغط على أعصابهم والكبت على نفوسهم ما يكون القتال معه أهون بألف مرة عليهم، ومع ذلك لم نسمع عن مخالفة واحدة، واندفاع مفاجىء واحد. في الوقت الذي نرى فيه في أيامنا من يضع النصوص في غير محلها من الشباب المتحمس، فيود أن يخوض معركة من أجل كلمة، ويواجه الطغيان المنكر القائم، ويتهم الناس في دينهم وعقيدتهم إذا لم يقاتلوا معه. ونحن ندعو هؤلاء الناس إلى التبصر والتثبث، ومراعاة طبيعة المرحلة التي تقدرها قيادة الحركة. ويتعلمون من رسول الله وصحابته الصبر على البلاء، والحياة مع الفكرة من دون أن يكون الثأر للنفس، والغضب للذات، أو حتى لمحارم الله أن تنتهك - قبل الأوامر الصادرة، هو المحرك لتصرفاتهم. إن الحركة الإسلامية المنظمة المنضبطة، هي التي قبلت في مرحلة من المراحل أن توضع سلي البعير وأمعاؤه على عنق رسول الله - ﷺ - دون أن يقتل الفاعل، وقبلت أن يبصق في وجه رسول الله - ﷺ - دون أن يؤدب السفيه، وقبلت محاولات خنق رسول الله - ﷺ - دون أن يقضى على المجرم. لا عن خوف أو جبن في نفوس الأصحاب الذين يفدون رسولهم بكل وجودهم. إنما قبلت ذلك لأن الأوامر الصادرة لا تسمح بالثأر، ولا تسمح برد الفعل، ولا تسمح بالغضب التلقائي.
[ ١ / ١٢٤ ]
إننا لنعلم أن المسلمين خاضوا حربا من أجل امرأة راودها يهودي على كشف وجهها عندما كانت المرحلة تقتضي ذلك. بينما لم يخوضوا تلك الحرب وأبو جهل يطعن سمية في قبلها فيقتلها. فالأمر في كلا الحالتين منطلق من توجيهات القيادة المسلمة التي تعرف طبيعة المرحلة وتخطط لها وعلى الجنود الالتزام بها. أما العواطف الثائرة التي لا تعرف الإنضباط والتي لا تستجيب للالتزام فلتبحث لها عن مكان خارج الحركة الإسلامية.
السمة الثانية والثلاثون
الاستفادة من العناصر المشتركة بين الإسلام والعقائد الأخرى
لقد كان هناك هدنة -إذا صح التعبير- بين الإسلام وبين النصرانية واليهودية في هذه المرحلة، وعقائد اليهود لم تتغير، وعقائد النصارى لم تتغير، ولكن المعركة في هذه المرحلة مفتوحة مع الوثنية. ونلحظ هذا الموقف في جانبين:
الجانب الأول مع الوفد القادم من المدينة، من مشركي مكة الذين مضوا إلى اليهود في يثرب يسألونهم عن دين محمد - ﷺ - فقالوا لهم: سلاه عن ثلاث. فإن أجابكم عنها فهو نبي مرسل وإلا فهو متقول كذاب. سلاه عن رجل طواف في الآفاق ماذا كان خبره، وسلاه عن فتية في الدهر الأول ماذا كان خبرهم، وسلاه عن الروح. وقد أجاب رسول الله - ﷺ - على هذه الثلاث.
وبذلك شعر المشركون على الأقل أن اليهود، ومحمدا - ﷺ - في معسكر واحد. وكان هذا واضحا لديهم لأنهم عندما انتصر الفرس على الروم فرحوا بذلك بينما حزن المسلمون حتى ليتراهن أبو بكر ﵁، وأحد المشركين على نصر الروم على الفرس خلال بضع سنين. ﴿الم غلبت الروم
[ ١ / ١٢٥ ]
في أدنى الأرض، وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله - ﷺنصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (١)﴾.
والجانب الثاني كان من الناحية العملية مع وفد النصارى الذي حضر إلى مكة كما ذكر خبره ابن إسحاق: (ثم قدم على رسول الله - ﷺ - وهو بمكة عشرون رجلا أو قريبا من ذلك من النصارى حين بلغهم خبره من الحبشة، فوجدوه في المسجد، فجلسوا إليه فكلموه وسألوه، ورجال من قريش في انديتهم حول الكعبة. فلما فرغوا من مسألة رسول الله - ﷺ - عما أرادوا دعاهم رسول الله - ﷺ -، وتلا عليهم القرآن. فلما سمعوا القرآن فاضت أعينهم من الدمع ثم استجابو له وآمنوا به وصدقوا وعرفوا منه ما كان يوصف لهم في كتابهم من أمره، فلما قاموا اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب بعثكم من وراءكم منأهل دينكم ترتادون لهم وتأتونهم بخبر الرجل، فلم تطمئن مجالسكم عنده حتى فارقتم دينكم وصدقتموه بما قال. ما نعلم ركبا أحمق منكم. أو كما قالوا لهم، فقالوا لهم: سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه ولكم ما أنتم عليه لم نسأل أنفسنا خيرا (٢).
والرواية تؤكد إسلام هذا الوفد. غير أن هذا لا ينفي هذا التقارب بين الإسلام والنصرانية واليهودية في ذلك الوقت. خاصة وأن بقايا النصارى الموجودين في مكة قد شهدوا لمحمد - ﷺ - بالرسالة. والحركة الإسلامية من حقها أن تهادن من ترى مهادنته دون أن تقر لمبطل بباطل أو تعلن موافقة على عقيدة كافرة. أما نقطة اللقاء بين هذه العقائد فهي كونها من عند الله - بغض النظر عن الخلاف في جزئياتها - وعن التحريف الذي أصابها - ما عدا الإسلام الذي تكفل الله تعالى بحفظه.
_________________
(١) الروم ١ - ٥.
(٢) السيرة النبوية لابن هشام ج ٢ ص ٣٢.
[ ١ / ١٢٦ ]
السمة الثالثة والثلاثون
عدم التنازل عن جزئية واحدة من أجل الحماية
بعد وفاة أبي طالب تحركت الحمية في رأس أبي لهب، حين رأى تكالب قريش على إيذاء ابن أخيه محمد. فجاء إليه قائلا: اذهب يا ابن أخي وما كنت تصنعه وأبو طالب حيا فاصنعه.
وكان لهذا الموقف وقع الكارثة على قريش، التي خططت بذكائها لتدمير هذه الحماية، ونجحت أيما نجاح حين أوعزت لأبي لهب أن يسأل رسول الله عن عبد المطلب، وكان رسول الله بين أمرين فالسؤال واضح ومحدد: إما أن تستمر الحماية مقابل مهادنة في كلمة واحدة من دين الإسلام ومساومة فيها، وإما أن تنهار الحماية كلها لو تحدث عن حكم الله في عبد المطلب. وما كانت الحماية في يوم من الأيام على حساب هذه العقيدة فقال لعمه أبي لهب: هو في النار. فقال أبو لهب: ما زلت عدوا لك أبدا. وعاد فانضم إلى معسكر قريش.
وإذا تساءلنا عن سبب إصرار رسول الله - ﷺ - على إيضاح حكم الله في عبد المطلب، وخسارته مقابل ذلك أضخم حماية تتحقق له وللمسلمين، لكان الجواب هو: أن عدم إيضاح هذا الحكم يعني أن عبد المطلب على حق، وقريش كلها على ملة عبد المطلب، فلا داعي إذن للمفاصلة بين الفريقين، ويمكن أن يكون اللقاء بين الكفر والإسلام في منتصف الطريق. وعلى ضوء هذا الهدى تسير الحركة الإسلامية في تعاملها مع أعدائها.
إنها أولا: تفرق بين العدو الذي يود استئصالها، والعدو الذي يحاول حمايتها.
وهي ثانيا: تتقبل كل هدنة، أو حماية مع خصم يوقف حربه عليها، ويهيء سبل الدعوة لها.
وهي ثالثا: عندما تقبل هذا الأمر، لا تقبله على حساب عقيدضها، أو
[ ١ / ١٢٧ ]
على حساب مبادئها، بل تتقبله انطلاقا من مفاهيم وأعراف معينة تسمح هذه الأعراف بحرية العقيدة، أو حرية العقيدة والدعوة.
وهي رابعا: إذا قبلت هذه الحماية، أو الإجارة، أو الحلف. لا يضيرها أن تسكت عن مهاجمة أشخاص حلفائها، أو النيل منهم. ولكن لا تثني على عقائدهم، أو تؤيد باطلهم، أو تقر انحزافاتهم.
وهي خامسا: تسعى لأن لا تشغل في المعارك الجانبية أو تستجر لها، بل تقف الموقف الثابت الذي ينصب حول تصحيح العقيدة، أو إيضاح المبدأ، منطلقها في ذلك كله قول الله ﷿: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (١)﴾.
ونستطيع أن نجمع مواصفات هذه المرحلة كاملة ملخصة على الشكل التالي والتي أطلقنا عليها اسم: جهرية الدعوة وسرية التنظيم:
١ - دعوة الأقربين.
٢ - الإعراض عن المشركين.
٣ - معالم الدعوة الجديدة: الإيمان بالله، واليوم الآخر، والرسالة.
٤ - الدعرة عامة.
٥ - سرية التنظيم.
٦ - القرآن مصدر التلقي.
٧ - اللقاء المنظم المستمر.
٨ - الصلاة خفية في الشعاب.
٩ - التركيز على الجانب الروحي.
١٠ - الدفاع عن النفس عند الضرورة.
١١ - تحمل الأذى والاضطهاد في سبيل الله.
١٢ - السماح للضعفاء في إظهار تغيير دينهم.
_________________
(١) سورة الإسراء الآيات ٧٣ - ٧٥.
[ ١ / ١٢٨ ]
١٣ - محاولة إنقاذ المستضعفين بكل الوسائل الممكنة.
١٤ - الهجرة إلى مكان آمن للدعوة.
١٥ - البحث عن مكان آمن للدعوة، وقاعدة جديدة للانطلاق.
١٦ - الاستفادة من قوانين المجتمع المشرك: الحماية والجوار.
١٧ - المحاولات السلبية من العدو في المواجهة.
١٨ - المحاولات الإيجابية في الحرب: عمليات الاغتيال والقتل للقيادة.
١٩ - الجهرية الثانية، وإعلان التحدي للمجتمع الجاهلي.
٢٠ - إعلان التحدي، ودور الشخصيات القيادية وله.
٢١ - ملاحقة العدو لتجمعات المسلمين، وإحباط المسلمين لهذه الملاحقة.
٢٢ - عبقرية الوفد الإسلامي في حوار الملوك.
٢٣ - لا مساومة على العقيدة.
٢٤ - إثارة الحرب في صف حلفاء المسلمين، وفشل هذه المكيدة بالحزم والسرية.
٢٥ - المفاوضات المباشرة، وطرح الحلول السلمية.
٢٦ - تحييد بعض الشخصيات نتيجة المفاوضات.
٢٧ - التجمع الفئوي لحماية القيادة.
٢٨ - الحصار الاقتصادي، والمقاطعة العامة لتحطيم الدعوة، وحلفائها.
٢٩ - التفجرات الجاهلية تحطم الحصار والمقاطعة.
٣٠ - دور المرأة في هذه المرحلة جهادا ودعوة وسرية.
٣١ - مقاومة المخططات المعادية للإسلام بطريقة سلمية بعيدة عن مهاجمة مقدسات العدو.
٣٢ - الاستفادة من العناصر المشتركة بين الإسلام، والعقائد الأخرى.
٣٣ - عدم التنازل عن جزئية واحدة من أجل الحماية.
[ ١ / ١٢٩ ]
المرحلة الثالثة:
مرحلة قيام الدولة
[ ١ / ١٣١ ]
السمة الأولى
طلب المنعة خارج مكة
وكان ذلك عندما وصلت مكة إلى الطريق المسدود، فقادة مكة أصروا على مواقفهم، والمسلمون موزعون بين الحبشة مشردين، وبين مكة مضطهدين، أو أن الأمر محصور في الدعوة دون تغير في الواقع القائم، فكان لا بد من البحث عن مكان جديد تنطلق منه الدعوة، وكان أقرب المواقع لمكة ثقيف في الطائف، فمضى رسول الله - ﷺ - إليها كما يحدثنا ابن إسحاق: (ولما انتهى رسول الله - ﷺ - إلى الطائف عمد إلى نفر من ثقيف يومئذ، سادة ثقيف وأشرافهم وهم إخوة ثلاثة: عبد يا ليل بن عمرو، ومسعود بن عمرو، وحبيب بن عمرو .. فجلس إليهم رسول الله - ﷺ - وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله قد أرسلك. وقال الآخر: أما وجد الله أحدا يرسله غيرك! وقال. الثالث: والله لا أكلمك أبدا، لئن كنت رسولا من الله كما تقول، لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك .. فقام رسول الله - ﷺ - من عندهم، وقد قال لهم: إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني - وكره رسول الله - ﷺ - أن يبلغ
[ ١ / ١٣٣ ]
قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه، فلم يفعلوا، وأغروا به سفاءهم وعبيدهم يسبونه ويصيحون به حتى إجتمع عليه الناس، وألجأوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب، فجلس فيه وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف. فلما اطمأن رسول الله - ﷺ - قال - فيما ذكر لي -: اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني: إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن، بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك (١» ونجد في روايات أخرى أن رسول الله - ﷺ - أقام بينهم عشرة أيام لا يدع أحدا من أشرافهم إلا جاءه وكلمه. فقالوا: أخرج من بلادنا، وأغروا به سفهاءهم. قال موسى بن عقبة: ورجموا عراقيبه بالحجارة حتى اختضب نعلاه بالدماء. (وزاد غيره). (وكان إذا اذلقته الحجارة قصد إلى الأرض، فيأخذونه بعضديه، ويقيمونه، فإذا مشى رجموه، وهم يضحكون، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه، حتى لقد شج في رأسه شجاجا (٢».
لقد كان سعي رسول الله - ﷺ - إلى الطائف ذا هدفين:
الأول: دعوة ثقيف إلى الإسلام.
الثاني: طلب الحماية والنصرة منهم كما يقول نصر بن إسحاق: (.. وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإسلام، والقيام معه على من خالفه في قومه).
نحن إذن أمام مرحلة جديدة تختلف عن سابقتها في هاتين النقطتين الأساسيتين:
_________________
(١) تهذيب السيرة ٩٧ - ٩٨.
(٢) مختصر السيرة لابن محمد بن عبد الوهاب ص ١٢٣.
[ ١ / ١٣٤ ]
أولاهما: لأول مرة يخرج رسول الله خارج مكة، ويفكر في تغيير مركز الانطلاق. هذا وإن كان قد هيأ مركزا احتياطيا له في الحبشة، غير أنها لا تصلح مركزا للانطلاق، إلا عند الضرورة القاهرة، لأن الحبشة بعيدة عن الجو العربي، ولا بد أن تكون القاعدة الصلبة للانطلاق من قومه ليمكن قبولهم من بقية العرب. فلقد كانت قريش تأخذ على رسول الله - ﷺ - أن جمع أوشاب العرب من جماع القبائل ليقضي بهم مكة، ويغزوها، فكيف يمكن أن يقبل العرب دخول الأحباش ليكونوا القاعدة الصلبة للدعوة، وذكريات قريش عن الحبشة مرة منذ عام الفيل. لكن ثقيفا لا تقل أصالة عن قريش في الحسب والنسب والمنعة، وهي أنسب ما يكون لتكون البديل عن مكة، فلا يلي مكة في الأهمية عند العرب إلا الطائف، وفي الطائف أقدس أصنام العرب بعد الكعبة وهو اللات، وبها يحلف العرب. فلقد كان اختيار القيادة النبوية للبديل أوفق اختيار.
ثانيتهما: لأول مرة وفي هذه المرحلة الجديدة نجد عنصر طلب النصرة. فلقد كان رسول الله - ﷺ - يدعو القبائل ويحضر مواسم العرب قبل هذه المرحلة. غير أن هذه الدعوة كانت محصورة في الدعوة إلى الإسلام. بل يمكن القول: أن الرسول - ﷺ - لم يطلب النصرة إلا في هذه المرحلة، وكانت الحماية والنصرة السابقة بناء على عرض المشركين وليست بناء على طلبه. فأبو طالب هو الذي قاد هذه المرحلة، وحمل لواء نصرة ابن أخيه وجمع على هذا الرأي بنو عبد المطلب، بنو هاشم، وبنو المطلب، وفشل في ضم بني أمية وبني نوفل إلى هذا الحلف. ونفقه من هذه الرحلة النبوية المباركة أصول الحركة السياسية للحركة الإسلامية. فعندما تسد أمامها المنافذ التي تنطلق منها، وتصل إلى الطريق المسدود في مكان ما، فمن واجبها أن تبحث عن قاعدة جديدة للانطلاق. تحمل المؤهلات المناسبة للقاعدة الأولى.
وهذا ما لاحظناه في الحركة الإسلامية اليوم يوم سدت منافذ الجهاد أمامها في سورية وقد حملت السلاح ثائرة ضد الطغيان الحاكم فيها. لجأت إلى بديل طبيعي هو الأرض العربية المجاورة حيث فتحت الدولة المضيفة
[ ١ / ١٣٥ ]
أبوابها لإيواء المهاجرين المسلمين، واستطاعت الحركة الإسلامية أن تتابع جهادها لمقاومة الطاغوت الكافر.
ولكن رسول الله - ﷺ - ووجه بأعنف رد تلقاه داعية في الأرض، بعد أن بذل جهدا مضنيا في محاولة إقناع قادة ثقيف، وبعد أن أمضى عشرة أيام يتصل بكل ثقيف شبابا وفروعا، لكن دونما جدوى، فلم يأذن الله تعالى بالفرج بعد.
ونلاحظ حرص رسول الله - ﷺ - على الجانب السياسي في الموضرع حين طلب من قادة ثقيف كتمان الأمر، لما له من مضاعفات خطيرة في مكة. غير أن هؤلاء الزعماء نكثوا عهدهم وأغروا سفهاءهم وعبيدهم بإيذائه. ولم يثن هذا الإيذاء رسول الله - ﷺ - عن مهمته كداعية. بل عرض عليه من ملك الجبال أن يطبق عليهم الأخشبين. فأبى ﵊ قائلا: إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله. إن مهمة السياسي أن ينتصر، أما مهمة الداعية أن تنتصر دعوته. وحين يخير بين الأمرين فيختار دعوته على شخصه. وكم من الدعاة بحاجة إلى أن يتعمق هذا المعنى في نفوسهم.
إننا لا يمكن أن نتصور مثل هذه النماذج في الوجود، ولكن لنحاول الارتفاع إلى أفقها السامي، فأقبح رد وألأم معاملة تصل إلى الحد الذي ذكرته الروايات (رجموا عراقيبه بالحجارة حتى اختضبت نعلاه بالدماء، وكان إذا أذلقته الحجارة قعد إلى الأرض فيأخذونه بعضديه ويقيمونه. فإذا مشى رجموه وهم يضحكون، وزيد بن حارثة يقيه بنفسه حتى لقد شج في رأسه شجاجا). ومع ذلك يأتيه العرض من ربه تعالى أن ينتقم له ويثأر له. وليس عرضا من حليف أرضي، ولا من شيطان مريد. بل من رب العالمين، ومع هذا كله فيملك الخيار ويرجو ربه أن يخرج من أصلابهم من يقول لا إله إلا الله.
إن المرء ليعجز عن تصوير هذا السمو البشري مهما كان مستواه، بل يكاد يعجز عن تصوره. وبقي مع هذا لنا من هذا الدرس أن لا تغيب
[ ١ / ١٣٦ ]
الدعوة عن أذهاننا لحظة من اللحظات. وإن يكون رضى الله تعالى هو الذي يحرك مواقفنا جميعها. فلم يشغل بال رسول الله - ﷺ - الأذى الذي لحق به كما ذكره (إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري) بمقدار ما كان يشغله أن يكون هذا الأذى دليلا على غضب الله تعالى عليه: (اللهم إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي). وكل الذي كان يرجوه من ربه جل وعلا أن يرفع عنه هذا السخط إن كان قد وقع (أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت به الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن تنزل علي غضبك أو يحل علي سخطك ..). وسيبقى الأفق الأعلى الذي تحاول البشرية أن ترقى إليه، وخاصة الدعاة إلى الله، أن لا ينسوا هدفهم أبدا. ويذكروا دائما أن الهدف الأول عندهم هو نصر دعوتهم لا نصر أشخاصهم، وأن لا يكون الثأر والانتقام هو الذي يحركهم. ولو وقف الدعاة اليوم مليا أمام هذه الصورة، وطلب منهم أن يقبلوا إسلام أعدائهم الذين يحاربونهم في سورية اليوم لما كان بإمكانهم أن يتصوروا هذا الواقع بله أن يقبلوه. إذ أن الشيء الذي يحركهم الآن أو يمكنهم أن يقبلوه فقط هو الثأر والانتفام من أعداء الله، فليراجعوا قلوبهم وليصححوا مواقع نفوسهم، بحيث لا يكون حظهم من الدنيا إلا حظ عقيدتهم. وليكن لهم من رسول الله - ﷺ - الأسوة الحسنة الذي يرتفع فوق عواطفه، ويرتفع فوق أحقاده وثاراته. ولا يكون له هدف إلا انتصار الدعوة وبلوغها الآفاق حتى تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين كله لله.
السمة الثانية
طلب الإجارة من العدو في مكة
(ذكر ابن إسحاق أن رسول الله - ﷺ - لما أراد أن يدخل مكة بعد رجوعه من الطائف أرسل إلى الأخنس بن شريق: أدخل في جوارك؟ فقال: إني حليف، والحليف لا يجير. فبعث إلى سهيل بن عمرو فقال: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فبعث إلى المطعم بن عدي فأجابه على ذلك).
[ ١ / ١٣٧ ]
(وأقام رسول الله - ﷺ - بنخلة أياما، فقال له زيد بن حارثة، كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟ - يعني قريشا -. فقال: يا زيد إن الله جاعل لما ترى فرجا ومخرجا، وإن الله ناصر دينه ومظهر دينه. ثم انتهى إلى مكة، فأرسل رجلا من خزاعة إلى المطعم بن عدي: أدخل في جوارك؟ فقال: نعم، ودعا بنيه وقومه فقالوا ألبسوا السلاح وكونوا عند أركان البيت، فإني قد أجرت محمدا، فدخل رسول الله - ﷺ - ومعه زيد بن حارثة حتى انتهى إلى المسجد الحرام، فقام المطعم بن عدي على راحلته: يا معشر قريش، إني قد أجرت محمدا فلا يهيجه منكم أحد. فانتهى رسول الله إلى الركن فاستلمه، وصلى ركعتين، وانصرفت وانصرف إلى بيته والمطعم بن عدي وولده محدقون به بالسلاح حتى دخل بيته (١).
لئن كانت رحلة الطائف ذات هدفين هما الدعوة والنصرة فلا شك أن الموضوع محصور الآن في طلب الإجارة والحماية من زعماء مكة. ونلاحظ في هذه الرواية إشارة إلى أن أهل مكة أخرجوا رسول الله - ﷺ - كما يقول زيد ﵁: (كيف ندخل عليهم وقد أخرجوك؟). وكانت ثقته - ﷺ - بربه أن فرج الله تعالى قريب وخاصة عندما تشتد المحنة ويعظم البلاء.
والأخنس بن شريق من بني زهرة، وبنو زهرة حلفاء بني هاشم وبني تيم في حلف الفضول، فتنصل الأخنس من الإجارة بقوله: إني حليف والحليف لا يجير. ولعل الأصل في قانون الإجارة أن تكون من قبيلة لقبيلة ثانية، أما الحماية، فهي التي تتم من القبيلة لأبنائها، كما كانت حماية أبي طالب. ثم بعث إلى سهيل بن عمرو فتنصل من الإجارة بقوله: إن بني عامر لا تجير على بني كعب، فسهيل بن عمرو يلتقي مع رسول الله - ﷺ - من حيث النسب في لؤي وفي لؤي يفترق بنو كعب بن لؤي عن بني عامر بن لؤي. ولا ندري كذلك حدود هذه الأعراف الجاهلية، ولم لا تجير بنو عامر على بي كعب لكنها كانت محددة واضحة، أو أنه تعلل للهروب من هذه الإجارة.
_________________
(١) مختصر السيرة لابن محمد بن عبد الوهاب ص ١٢٥.
[ ١ / ١٣٨ ]
ثم طلب الإجارة من المطعم بن عدي زعيم بن نوفل بن عبد مناف، وهم الفرع الثالث من بني عبد مناف، إذ الفروع الأربعة هي بنو هاشم وبنو عبد شمس وبنو المطلب وبنو نوفل. ويعلم المطعم بن عدي خطورة الإقدام على هذه المغامرة. فقد يعادي قريشا كلها من أجل هذه الإجارة، إذ أي اعتداء يقع على محمد - ﷺ - لا بد أن يرد هذا الاعتداء، ولو أدى الأمر إلى حرب بينه وبينهم.
ونعلم كذلك حرص المطعم بن عدي على ألفة قومه، حين لام أبا طالب لعدم قبوله تبادل محمد وعمارة بن الوليد، إذ قال له: والله - ﷺاأبا طالب لقد أنصفك قومك، وجهدوا على التخلص مما تكرهه، فما أراك تريد أن تقبل شيئا، فأجابه أبو طالب: والله ما أنصفوني ولكنك قد أجمعت خذلاني ومظاهرة القوم علي، فاصنع ما بدا لك.
والمطعم أمام هذا الموقف العصيب، وأمام معاداة قومه بالاستجابة لطلب محمد بن عبد الله أو التنصل من الإجارة كما تنصل غيره. فوقف موقفا مشرفا، حفظه له التاريخ حيث سلح بنيه جميعا وحضر بهم إلى الكعبة بالسلاح معلنا إجارة محمد بن عبد الله، حيث دخل رسول الله - ﷺ - وزيد بن حارثة فطافا بالكعبة بحماية السلاح. ومضى إلى بيته - ﷺ - بحمايتهم كذلك، وكان هذا صفعة كبيرة لقريش، وتحديا لمشاعرها، لكنها لم تشا أن تخسر بني نوفل إلى الأبد إلى صف محمد كما خسرت بني المطلب وبني هاشم، فسكتت على مضض.
وحفظ رسول الله - ﷺ - هذا الصنيع للمطعم بن عدي. فقال في بدر وقد أسر من قريش سبعين من صناديدهم: لو كان المطعم بن عدي حيا لوهبت له هؤلاء النتنى. وكم نحن بحاجة إلى أن نفقه هذا المعنى في حركتنا الإسلامية المعاصرة.
إن المطعم بن عدي كافر لا يختلف في عقيدته أبدا عن بقية قريش.
وإن أبا جهل وأبا لهب كافران كذلك مثل المطعم بن عدي. لكن الفرق بين
[ ١ / ١٣٩ ]
النوعين واضح: كافر مسالم مناصر للمسلمين، وكافر عدو محارب. ورسول الله - ﷺ - هو الذي يطلب هذه الإجارة وهذه النصرة. ويتنقل في مكة تحت حماية السيوف الكافرة. وها هو ﵊ يعلن أنه سيطلق سراح سبعين كافرا من صناديد قريش لو طلبهم منه المطعم بن عدي الكافر.
إن رسول الله - ﷺ - يربينا على أن نرد المعروف لأهله ولو كانوا كفارا، ويعلمنا أن نحفظ الود لأهله. ولو كانوا عبدة أصنام وأوثان، ويربينا كيف نفرق بين العدو الذي يحمينا وبين العدو الذي يقتلنا.
ونخلص بعد ذلك إلى طبيعة هذه المرحلة التي أسميناها مرحلة قيام الدولة. فنجد أنها مرحلة طلب النصرة، ابتداء من ثقيف، فالمطعم بن عدي، فالقبائل الأخرى.
ونلاحظ هنا أن حماية المطعم -على ما يبدو- كانت محصورة على الحماية الشخصية، لا على حرية الدعوة، ومن أجل ذلك رأينا رسول الله - ﷺ - يبحث عن موطن آخر يستطيع أن ينطلق منه للدعوة في سبيل الله.
السمة الثالثة
طلب المنعة والحماية لتبليغ الدعوة من القبائل
كان رسول الله - ﷺ - مند أن جهر بالدعوة بعد ثلاث سنين من البعثة يرتاد المواسم وأسواق العرب ويدعو الناس للإيمان بالله (قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) ويدعوهم إلى نبذ الأصنام والأوثان. أما في موسم هذا العام - أعني السنة العاشرة للبعثة - فقد اختلفت الصيغة عن ذي قبل.
يقول المقريزي في إمتاع الأسماع: (ثم عرض رسول الله - ﷺ - نفسه على القبائل أيام الموسم، ودعاهم إلى الإسلام وهم بنو عامر، وغسان، وبنو فزارة، وبنو مرة، وبنو حنيفة، وبنو سليم، وبنو عبس، وبنو نصر، وثعلبة بن عكابة، وكندة، وكلب، وبنو الحارث بن كعب، وبنو عذرة،
[ ١ / ١٤٠ ]
وقيس بن الخطيم، وأبو الحيسر أنس بن أبي رافع، وقد اقتص الواقدي أخبار هذه القبائل قبيلة قبيلة، ويقال أنه - ﷺ - بدأ كندة فدعاهم إلى الإسلام، ثم أتى كلبا، ثم بني حنيفة، ثم بني عامر وجعل يقول: من رجل يحملني إلى قومه فيمنعني حتى أبلغ رسالة ربي، فإن قريشا قد منعوني أن أبلغ رسالة ربي؟ هذا وعمه أبو لهب وراءه يقول للناس، لا تسمعوا منه فإنه كذاب (١».
إنها دعوة صريحة طلب الحماية من القبائل العربية لتبليغ دعوة الله ﷿، ويفهم من هذه الدعوة أنه ليس من الضروري أن تسلم القبيلة، إنما المطلوب هو أن تؤمن الحماية اللازمة له لتبليغ دعوة الله ﷿ كما أن الذين هيأوا له الحماية من قبل لم يكونوا مؤمنين جميعا. بل كان أبو طالب على رأسهم ولم يدخل في الدين الجديد والقبائل التي عرض عليها الإسلام، وطلب منها النصرة في العام الحادي عشر وبعد هي: بنو عامر، وشيبان بن ثعلبة، وبنو كلب، وبنو حنيفة، وبنو كندة. أما بنو حنيفة فلم يكن أقبح ردا منهم. وأما بنو كلب فقد أتى بطنا منهم وقال لهم: إن الله قد أحسن اسم أبيكم. فلم يقبلوا منه ما عرض عليهم، وأما بنو كندة فلم يقبلوا منه كذلك، وبقي لدينا بنو عامر بن صعصعة، وبنو شيبان بن ثعلبة، وهما بيت القصيد في هذه الفقرة.
قال ابن إسحاق: (.. وأنه أتى بني عامر بن صعصعة فدعاهم إلى الله ﷿، وعرض عليهم نفسه فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فراس، والله لو أني أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك ثم أظهرك الله على من خالفك أيكون لنا الأمر من بعدك؟
قال: الأمر إلى الله - ﷺ - ضعه حيث يشاء.
فقال له: أفنهدف نحورنا للعرب دونك فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا لا حاجة لنا بأمرك! فأبوا عليه (٢».
_________________
(١) إمتاع الأسماع ج ١ ص ٣٠ - ٣١.
(٢) السيرة النبوية لابن هشام ج ٢ ص ٦٦.
[ ١ / ١٤١ ]
وكان اللقاء الثاني مع بني شيبان. ( وزاد قاسم بن ثابت تكملة للحديت قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليهم السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم. قال علي: وكان أبو بكر في كل خبر مقدما. فقال: ممن القوم؟ فقالوا: من شيبان بن ثعلبة. فالتفت أبو بكر إلى رسول الله - ﷺ - وقال: (بأبي أنت وأمي هؤلاء غرر في قومهم). وفيهم مغروق بن عامر وهانىء بن قبيصة ومثنى بن حارثة، والنعمان بن شريك. ومغروق قد غلبهم جمالا ولسانا وكان له غديرتان تسقطان على تريبته. فكان أدنى القوم مجلسا من أبي بكر. فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ قال مغروق: إنا لنزيد عن الألف، ولن تغلب الألف عن قلة.
قال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم؟ فقال مغروق: علينا الجد والجهد، ولكل قوم حد.
قال أبو بكر: وكيف الحرب بينكم وبين عدوكم؟ فقال مغروق: إنا لأشد ما نكون غضبا لحين نلقى، وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد عن الأولاد والسلاح على اللقاح. والنصر من عند الله - ﷺديلنا مرة ويديل علينا أخرى. لعلك أخو قريش؟!
فقال أبو بكر: أوبلغكم أنه رسول الله فها هو ذا؟ فقال مغروق: قد بلغنا أنه يذكر ذلك. فإلى مَ تدعو يا أخا قريش؟
فتقدم رسول الله - ﷺ - فقال: أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله وإلى أن تؤووني وتنصروني، فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله، وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد.
ففال مغروق: وإلى م تدعو يا أخا قريش.
فقال رسول الله - ﷺ -: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق .. (١)﴾ الآية.
فقال مغروق: وإلى مَ تدعو أيضا يا أخا قريش؟
_________________
(١) الأنعام الآية ١٥١.
[ ١ / ١٤٢ ]
فتلا رسول الله - ﷺ -: ﴿إن الله - ﷺأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى (١) ) الآية.
فقال مغروق: دعوت يا أخا قريش والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك. وكأنه أراد أن يشرك في الكلام هانىء بن قبيصة، فقال: وهذا هانىء بن قبيصة شيخنا وصاحب ديننا.
ففال هانىء: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى أن تركنا ديننا واتباعنا إياك على دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر لوهن في الرأي، وقلة نظر في العاقبة، وإنما تكون الزلة مع العجلة، ومن ورائنا قوم نكره أن نعقد عليهم عقدا ولكن ترجع ونرجع، وتنظر وننظر.
وكأنه أحب أن يشرك في الكلام مثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى بن حارثة شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب هو جواب هانىء بن قبيصة في تركنا ديننا واتباعنا إياك في مجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر. وإنا إنما نزلنا بين صريان اليمامة والسماوة.
فقال رسول الله - ﷺ -: ما هذا الصريان؟
فقال: أنهار كسرى ومياه العرب. فأما ما كان من أنهار كسرى فذنب صاحبه غير مغفور، وعذره غير مقبول، وأما ما كان من مياه العرب فذنبه مغفور وعذره مقبول. وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى، لا نحدث حدثا ولا نؤوي محدثا. وإني لأرى أن هذا الأمر مما تكرهه الملوك. فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا.
فقال رسول الله - ﷺ -: ما أسأتم الرد إذ أفصحتم بالصدق، فإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه. أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم أتسبحون الله وتقدسونه؟!
_________________
(١) النحل الآية ٩٠.
[ ١ / ١٤٣ ]
فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذا.
فتلا رسول الله - ﷺ - ﴿أيا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا﴾ (١).
ثم نهض النبي - ﷺ - فأخذ بيدي أبي بكر فقال: يا أبا بكر، يا أبا حسن أية أخلاق في الجاهلية ما أشرفها بها يدفع الله بأس بعضهم عن بعض، وبها يتحاجزون فيما بينهم. قال: ثم دفعنا إلى مجلس الأوس والخزرج فما نهضنا حتى بايعوا النبي - ﷺ -، وكانوا صدقا صبرا (٢».
إن من نعمة الله علينا أن نجد بين أيدينا نصوصا عن أحلاف لم تتم لأنها تكون هادية لنا على الطريق نتعرف من خلالها على ما يحل لنا وما لا يحل في مجال المعاهدات والأحلاف السياسية، ولو لم تتعثر هذه المباحثات، لم نتعرف على حدود الحركة السياسية النبوية التي نتوخى من خلالها حدود حركتنا اليوم.
أما المحادثة الأولى مع بني عامر بن صعصعة، فقد تعثرت لسبب واحد هو أن رسول الله - ﷺ - لم يعدهم بأن يكون لهم الحكم من بعده، وهي التي جعلتهم يرفضون إيواءه ونصره كما قال زعيمهم بيحرة بن فراس: أفنهدف نحورنا للعرب دونك، فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك، وبذلك خط لنا رسول الله - ﷺ - خطا إنه مهما كانت حالة الضعف لدى الحركة الإسلامية فلا يحق لها أن تفاوض على إقرار غير المسلمين على باطلهم، والاعتراف لهم بحق الحكم بغير شريعة الله. فالأمر ليس ملكا يورث إنما هو شريعة تسود.
ولا بد من التفريق بين الأمر الواقع، وبين إقرار المسلمين به وموافقتهم عليه. وأن يكون اسم الإسلام بعد ذلك. وليست القضية هي حكم أشخاص بذواتهم وأعيانهم في الإسلام - إنما هي حكم من ينفذون شريعة الله، وعندما
_________________
(١) الأحزاب الآية ٤٥ و٤٦.
(٢) مختصر السيرة لابن محمد بن عبد الوهاب ص ١٣٤.
[ ١ / ١٤٤ ]
يدخل الناس في دين الله، ويحقق الله تعالى موعوده بالنصر. فلا يحق لفئة مشركة أن تتسلط على الحكم والسلطة، بحكم أنها كانت تناصر هذه الدعوة وتساندها، وكثيرا ما تواجه الحركة الإسلامية أثناء مسارها الطويل بفريق أو فئة أو دولة تساندها وتحالفها لفترة مؤقتة، وتشترط عليها لإيصالها للحكم أو مساعدتها في ذلك أن تكون شريكتها في السلطة، فيحكم الأرض بوقت واحد إسلام وجاهلية أو تعاقب بين إسلام وجاهلية باسم العقد أو الحلف وهذا مرفوض في الميزان الإسلامي.
يمكن للحركة الإسلامية أن تقبل حماية من مشرك في حالة ضعفها وعدم تمكنها، لكن أن يعطى هذا العدو الحق في أن يسود ويحكم باسمها ومن ورائها ويستغلها مطية لمآربه فهذا مرفوض في الميزان الإسلامي.
وماذا نجد في المحادثات الثانية مع بني شيبان بن ثعلبة؟
لقد ابتدأ أبو بكر ﵁ في المفاوضات بعد أن عرف أنه مع زعماء بني شيبان لقد سأل عن العدو وسأل عن المنعة وسأل عن الحرب، وتوسم الصدق في الجواب من القوم فكان العدد يزيد عن الألف، وكانت الحمية متوفرة والاستعداد للقتال قائم كما قال مغروق: إنا لأشد ما نكون غضبا لحين نلقى، وإنا لأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد، والسلاح على اللقاح والنصر من عند الله.
فإذا كان رسول الله - ﷺ - يريد المنعة، فها هنا مكانها، وقريش لا تزيد عن الألف لو تبنت منعة رسول الله - ﷺ -، فلقد أوعبت ألفا في بدر ولكن المفاوضات ابتدأت في حلقة جديدة.
فلقد كان مغروق من الذكاء واللباقة ما جعله يكتشف من خلال الأسئلة أن السائل رسول الله - ﷺ -، وهو أخو قريش وصاحب مكة، وكان من العقل والحنكة بحيث يتجاهل كل الأراجيف عن رسول الله بأنه ساحر أو شاعر أو كاهن، وتوجه لرسول الله - ﷺ - يسأله عن دعوته ودينه.
ونتعلم من إجابات الرسول - ﷺ - لمغروق فن الدعوة للعدو إذا صح
[ ١ / ١٤٥ ]
التعبير. فكان لا بد من المعالم الأولى للدعوة: أدعو إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني رسول الله. وهي مفرق الطريق بين الإسلام والكفر، وهي التي حاربتها قريش عشر سنوات، ورفضت أن تقولها. ولم يكتف رسول الله - ﷺ - بذلك، بل حدد هدف اللقاء، وهدف الأسئلة السابقة التي تقدم بها أبو بكر ﵁ وإلى أن تؤووني وتنصروني.
ولا شك أنه سيحاك في الذهن مباشرة أسئلة كثيرة عن سبب اللجوء إليهم دون أن يمتنع بقومه قريش فقال - ﷺ - متابعا: .. فإن قريشا قد تظاهرت على أمر الله وكذبت رسوله، واستغنت بالباطل عن الحق والله هو العلي الحميد.
ولا شك أن مغروقا قد انشرح صدره لهذا الحديث فأحب أن يتعرف على معالم أخرى لهذا الدين الجديد فكرر السؤال: وإلى م تدعو يا أخا قريش؟ واختار رسول الله - ﷺ - الحديث عن عزة القيم والأخلاق التي تفتخر بها العرب، ولو كانت تخالفها في كثير من الأحيان: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا (١)﴾.
إن الجو وإن كان جو محادثات ومباحثات سياسية. لكن الدعوة إلى الله هي الأصل، وكسب القوم إلى الإسلام أكبر بكثير من حمايتهم لرسول الله وهم لا يؤمنون برسالته، ولعل مفروقا حرص أكثر على إيضاح هذه الدعوة، وراعه بيانها وفكرها فاستزاد قائلا وإلى م ثتدعو أيضا يا أخا قريش؟.
واختار رسول الله - ﷺ - الآية الجامعة الفذة المانعة: ﴿إن الله - ﷺ - أمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون (٢)﴾.
إن قمة القيم الأخلاقية والسياسية قد عرضت في هذه المفاوضات، وما
_________________
(١) الأنعام ١٥١.
(٢) النحل الآية ٩٠.
[ ١ / ١٤٦ ]
تمالك مغروق أن قال: دعوت والله - ﷺ - اأخا قريش إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك.
فلقد صدق مغروق مقالة رسول الله - ﷺ -، لكنه لا يستطيع أن يقطع في هذا الأمر، فأحال الأمر إلى شيخهم وصاحب دينهم هانىء بن قبيصة. ولعل هانئا لم يجرؤ على اتخاذ خطوة حاسمة في أمر الإسلام، أو أنه كان مقتنعا بدين الجاهلية أكثر من غيره، فتفلت من الأمر وأخله وسوف فيه، وتذرع بالحكمة دون العجلة، وبذلك انتهت الخطوة الأولى دون طائل.
وآلم مغروق هذا الموقف، وأحال هانىء الكلام على المثنى شيخهم وصاحب حربهم ولا شك أن المثنى من ظاهر حديثه يبدو أنه قد تأثر بموقف النبي - ﷺ -، وحاول أن يقطع فيما هو من اختصاصه، وقدم الصورة كاملة في مجال الحماية، ولخص الموقف بقوله: فإن أحببت أن نؤويك وننصرك مما يلي مياه العرب فعلنا. وذلك بعد أن أشار إلى أن هذه الدعوة والرسالة مما يكرهها الملوك.
وكان جواب رسول الله - ﷺ - في منتهى الحكمة والحصافة وبمنتهى الوضوح كذلك: ما أسأتم في الرد إذ أفصحتم بالصدق. فإن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه. وبذلك انتهت المفاوضات دون تحالف؟ لأن بني شيبان قدموا الحماية حسب إمكاناتهم على العرب فقط. أما كسرى فلا، فلقد عاهدوه أن لا يحدثوا حدثا أو يؤوا محدثا، ولعل كسرى يغضب أشد الغضب لو علم بذلك، فهو أمر تكرهه الملوك.
إن الحماية المشروطة أو الجزئية لا تحقق الهدف المقصود، فلن يخوض بنو شيبان حربا ضد كسرى لو أراد القبض على رسول الله وتسليمه، ولن يخوضوا حربا ضد كسرى لو أراد مهاجمة محمد رسول الله وأتباعه، وبذلك فشلت المباحثات، وأحب رسول الله - ﷺ - أن يغزو قلوب بني شيبان بأن حدثهم عن موعود الله بنصره، وأنهم وراث الأرض من دون المشركين إن هم آمنوا بالله ورسوله وسبحوه، وهذا هو الهدف الوحيد البعيد الذي تحقق ليبقى طريقا مفتوحا للقاءات القادمة:
[ ١ / ١٤٧ ]
- أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلا حتى يورثكم الله أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم؟ أتسبحون الله وتقدسونه؟ فقال النعمان بن شريك: اللهم لك ذا. عندما يكون الأصل في التحالف السياسي هو النجاح أو تحقيق فوز على العدو، أو بتعبير أدق عندما يكون الميزان هو أن الغاية تبرر الواسطة، فتعتبر الوقوف عند هذه الجزئيات خطلا سياسيا، أما عندما يكون الهدف هو انتصار الدعوة والعقيدة فالتخلي عن جزئية واحدة منها هو تخل عنها كلها.
السمة الرابعة
فشل المساومات
ولنقف عند هاتين النقطتين:
أ - الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء.
تعهد واحد طلب من رسول الله - ﷺ - فرفضه، فماذا تستفيد الحركة الإسلامية من هذا الموقف وهي في حالة الضعف؟
إن الحركة الإسلامية حين تفاوض عدوا على مستقبل الحكم أو تدعى إلى التحالف معه إذا استطاعت أن تصل مع هذا العدو إلى أن يكون الأمر لله يضعه حيث يشاء من خلال بنود التحالف، فلها حرية الاختيار في ذلك، وحتى تتوضح الصورة أكثر، نجد أن بإمكان الحركة الإسلامية أن تتحالف مع عدو على إسقاط عدو آخر، ويكون الحكم بعد ذلك لله يضعه حيث يشاء، والتعبير العملي لهذه الصيغة أن هذا التحالف الذي أسقط ذلك العدو ينتهي نصه بسقوطه، وكل حليف سياسي بعد ذلك بجهده الخاص للوصول إلى الحكم بدون أن يكون بين هؤلاء الحلفاء تعهدات لبعضهم بتعاور الحكم أو الاشتراك فيه فنرى ان هذا الخط من صميم التحرك الإسلامي السياسي.
وهذا المفهوم يقود إلى نقطتين شائكتين، ولكن لا مناص من التعرض لهما وهما:
[ ١ / ١٤٨ ]
١ - هل من حق الحركة الإسلامية أن توقع على تحالف بأن يكون الحكم ديمقراطيا؟
٢ - وهل من حق الحركة الإسلامية أن توقع على تحالف بقيام حكومة مؤقتة ومؤتلفة؟ وتحاول الإجابة على السؤال الأول:
فقد يتبادر إلى الذهن مباشرة أن يكون الجواب بالإيجاب لأن النظام الديمقراطي لا يحدد فردا أو جهة يخولها استلام السلطة. وهذا يعني أن الأمر لله يضعه حيث يشاء. إنني أستبعد جواز ذلك - والله أعلم - وذلك للأسباب التالية:
أولا: النظام الديمقراطي يقتضي من الحركة الإسلامية أن تقبل بالفئة أو الحزب الذي ينتخبه الشعب، وأن تبادر فتعترف بشرعيته طالما فاز بالأكثرية، وأن تخضع لنظامه. وقد يكون هذا الحزب أو التجمع معاديا للإسلام، أو لا يتبنى الإسلام على أحسن الاحتمالات، وخروجها عليه خروج على الشرعية التي أعلنت الالتزام بها، فهي تضطر أن تنقض عهدا أبرمته، ولا يحل في ديننا إلا الوفاء وحقيقة هذا الميثاق حين توقعه الحركة الإسلامية ليس ضمن إطار الأمر لله يضعه حيث يشاء، بل ضمن إطار القبول بمشيئة الفئة الغالبة، ولو كانت غير شرعية بميزان الله.
إنه صحيح أن كل شيء بمشيئة الله، لكن مهمتنا أن نسعى لإقامة شريعة الله ونقاوم أي نظام باطل فنحقق مشيئة الله تعالى ﴿ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (١)﴾ ونفر من قدر الله إلى قدر الله لا أن نعلن قبولنا بشرعية أكثرية لا ترضى بشريعة الله أو إننا سنغدر بالمواثيق التي أعطيناها ولا يحل في ديننا الغدر.
ثانيا: ولنفرض جدلا أننا قبلنا بالنظام الديمقراطي، فإن الشعب هو مصدر التشريع في هذا النظام، وقبولنا بذلك يعني قبولنا بكل
_________________
(١) سورة الأنفال من الآية ٨.
[ ١ / ١٤٩ ]
تشريع لا يرضاه الإسلام، واعتباره شرعيا في الوقت نفسه طالما أنه صادر عن هيئة تشريعية منتخبة.
ثالثا: ولنفرض جدلا أن الحركة الإسلامية اشترطت قبول نظام الإسلام حتى تقبل النظام الديمقراطي، فهي في هذه الحالة قد قبلت بالمتناقضات في البنود نفسها، تجعل حجة لخصوم الإسلام عليها في المستقبل أن هذا الحكم وهو نظام الإسلام لا يمثل رأي الشعب، وبالتالي لا يجوز أن يفرض عليه.
- إن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه:
إن المنهج الإسلامى السياسي المنبثق من هذه الفقرة هو أن لا يبرم إلا التحالف المؤدي للأهداف المرسومة، إنه يرسم استراتيجية الحركة الإسلامية.
إن التحالف المبني على عاطفة عارضة أو مصلحة جزئية، هو على المدى البعيد طمس للخط الإسلامي الواضح، وهذه الفقرة تدعونا إلى الملاحظات التالية:
١ - عبقرية التخطيط السياسي فلا يكون استجابة لنزوة بنزوة مماثلة، بل يكون ضمن استراتيجية محددة الأهداف واضحة الخطى، وخطة محكمة تدرس سائر الاحتمالات المتوقعة من الحليف الآخر.
٢ - مرونة العمل السياسي، فعندما أكون واضح الهدف أسلك مع الخصم الذي أود مخالفته كل سبيل يمكن أن يوصلني إلى الهدف المطلوب، ولا أدع الفرصة تفوتني لتحقيق هذا الهدف.
ويكفي أن نرى عظمة هذه المرونة في أنها استوعبت معظم القبائل العربية وبحثت معها الأمر، واستوعبت الزمان والمكان. فالمواسم كلها مسرح للعمل السياسي الإسلامي لتحقيق الهدف المحدد الواضح، أسواق العرب بل أماكنهم ووفودهم هي مغزوة دائما بالنشاط الإسلامي السياسي. إن كل قبيلة غير قريش مؤهلة للمفاوضات والتحالفات، فكندة في الجنوب، وغسان في الشام، وحنيفة في اليمامة، وشيبان في العراق، كل هذه القبائل التي أتت وفودها للمواسم كانت مسرحا للعمل
[ ١ / ١٥٠ ]
السياسي الإسلامي، بل إن قريشا عرضة للتفاوض مع بعض قادتها كما وجدنا مع المطعم بن عدي.
٣ - عبقرية المفاوض السياسي: وحين يكون الهدف واضحا والمفاوض مرنا ذكيا تقيا عبقريا. فيمكن أن تزج به الحركة الإسلامية في هذا الخضم لا تخشى بعون الله عليه من أي طارىء. (لقد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب).
وحين يفقد المفاوض السياسي واحدة من الصفات المذكورة فلا بد أن يحمل الوفد المفاوض هذه الصفات، فالمرونة للقدرة على تقليب وجهات النظر، وعرض الحلول المتنوعة اللامتناهية والذكاء للقدرة على التخلص من أي مأزق يمكن أن يزجه الخصم به.
والتقى لتبقى حركته ضمن الإطار الشرعي الذي حدده له الإسلام، وإطار المصلحة التي حددتها الحركة، والعبقرية لغل سلاح الخصم ودفعه إلى الهدف الذي يريده المفاوض الإسلامي.
ولننظر إلى هذه الفقرة بمنظار آخر: (إن دين الله لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه).
لقد كانت هذه الكلمة ردا على المثنى بن حارثة حين عرض على رسول الله - ﷺ - حماية على مياه العرب دون مياه الفرس، وصاحب النظرة السياسية العجلى يرى أن تفويت هذه الفرصة خطأ سياسي، لكن الذي يسبر أغوار السياسة البعيدة، يرى بعد النظر الإسلامي النبوي الذي لا يسامى.
إن المثنى قد ألمح إلى أن هذا الأمر تكرهه الملوك، وأن موقع الدعوة بجوار فارس تجعلها سهلة المتناول في كل لحظة منها. وأن العهود والمواثيق المقيدة لشيبان تجعلهم أعجز من أن يستطيعوا حماية هذا الرسول وهذا الدين الجديد من بطش كسرى وسلطانه. إن التحالف مع الخصم الأقوى يكون في معظم الأحيان لصالح هذا الخصم. فموقع شيبان إذن غير مناسب ليكون مركزا للدعوة الجديدة، وعهود شيبان من جهة ثانية تشل إمكانية الحركة
[ ١ / ١٥١ ]
الإسلامية، وكراهة الملوك لهذه الدعوة التي تدعو لإخراج الناس من عبادة العباد لعبادة الله من جهة ثالثة عنصر غير مشجع لوجود هذه الحركة بحيث تمس مصالحها وتوقع الاحتكاك بينها وبين الحركة الإسلامية، ويكفي أن نذكر نقطتين اثنتين توضحان عمق النظرة السياسية النبوية في هذا المجال:
أولاهما: إن الفرس كانوا في أوج انتصاراتهم بعد أن هزموا امبراطورية الروم وأخذوا الصليب الأكبر منهم.
ثانيتهما: إن كسرى عندما وصله خطاب رسول الله - ﷺ - بعد قيام دولة الإسلام بست سنوات مزق الخطاب النبوي، وبعث من يحضر له محمدا حيا أو ميتا، علما بأنه قد ذاق مرارة الهزيمة القاتلة من الروم قبل أربع سنوات.
فما أحوجنا ونحن نود للحركة الإسلامية تحركا سياسيا هائلا لأن نحكم الهدف أولا، ونحكم الخطة ثانيا، ونكون أدرى ما نكون بالعدو ثالثا، وندفع بالعبقري السياسي للحركة رابعا، ونطلب النصر من الله ﷾ بعد بذل هذه الإمكانات.
السمة الخامسة
توجيه الأنظار لمركز الانطلاق
قال ابن إسحاق: (فلما أراد الله ﷿ إظهار دينه، وإعزاز نبيه - ﷺ -، وإنجاز موعده له، خرج رسول الله - ﷺ - في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، فعرض نفسه على قبائل العرب كما كان يصنع في كل موسم، فبينما هو عند العقبة لقي رهطا من الخزرج أراد الله بهم خيرا.
لما لقيهم رسول الله - ﷺ - قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال: أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه فدعاهم إلى الله ﷿، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن.
[ ١ / ١٥٢ ]
وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام، أن يهودا كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل وأصحاب أوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم. فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيا مبعوث الآن قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم فلما كلم رسول الله - ﷺ - أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض تعلموا والله أنه للنبي الذي تعدكم يهود، فلا يسبقنكم إليه! فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام وقالوا: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عن رسول الله - ﷺ - راجعين إلى بلادهم وقد آمنوا وصدقوا وهم فيما ذكر لي ستة من الخزرج.
فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله - ﷺ -، ودعوهم إلى الإسلام حتى فشا فيهم، فلم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله - ﷺ -.
المحادثات تفشل مع بني شيبان، فيهيء الله تعالى لرسوله هؤلاء النفر من الخزرج من سكان يثرب ولقد كان لرسول الله - ﷺ - تجربة سابقة مع الخزرج، فلقد جاء وفد كبير لقريش قبل عام ليقيم تحالفا مع قريش ضد الأوس، ولم يستجب لدعوة رسول الله - ﷺ - إلا فتى يافع رزموه وانتهروه قائلين له: لقد جئنا لغير هذا. وحيث لم تنجح محاولات الخزرج في التحالف، وقعت حرب بعاث بعد ذلك (١).
والواضح أن اللقاء كان عابرا بين رسول الله - ﷺ - وهؤلاء النفر بدليل دعوتهم إلى الجلوس كي يكلمهم، وهذا قدر الله الذي ساقه لدعوته هبة منه سبحانه. وتأكد رسول الله - ﷺ - من هويتهم بأنهم من موالي يهود. وهذا يعني أن لا غرابة على أذهانهم الحديث عن الله تعالى وكتبه ورسله فيما يسمعونه
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ص ٧٥ و٧٣.
[ ١ / ١٥٣ ]
دائما من اليهود، وهو لا يطرق مسامعهم لأول مرة. فدعاهم إلى الله ﷿، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. وقد كان الخزرج مهيئين نفسيا تهيئة تامة لسماع حديث الإسلام، فقد كانوا يحسون دائما بالحسرة أمام اليهود. فهم أميون ليس عندهم رصيد يواجهون به اليهود ويقفون أمامهم مبهوتين لا يدرون ما يقولونه.
ومن جهة ثانية، فالحديث عن النبي المرسل كان يملأ جو يثرب، بل يهددهم اليهود به فما إن تناهى إلى سمعهم حديث الرسول ﵊ حتى قالوا: (والله إنه للنبي الذي توعدكم يهود فلا يسبقنكم إليه) فالداعية إذن لا بد له من أن يستفيد من المناخ النفسي الملائم حين يدعو، ويستفيد من الأرضية الثقافية لمن يدعوهم إلى الله.
ولأول مرة تسلم مجموعة كاملة، ومن بلد ناء تصلح أن تكون أساسا ومنطلقا للدعوة، خاصة وقد أبدت هذه المجموعة استعدادها لذلك قائلة: إنا قد تركنا قومنا ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم فعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن تجمعهم عليك فلا رجل أعز منك.
لقد وضعت بذرة أمل جديدة مع هؤلاء النفر الستة، أن يمهد الجو لرسول الله كون في المدينة، وتذلل الخلافات، ويقوم هؤلاء الستة بالدعوة إلى الله هناك، فقد آمنوا وصدقوا.
ونلاحظ هنا أن رسول الله - ﷺ - لم يعرض عليهم طلب حمايته ونصرته حين دلخوا في دين الله ﷿، بل توجه اهتمامه ﵊ إلى انطلاق جديد لدين الله - ﷺحسن أن يكون مركزا ممتازا يغير مواقع الدعوة كاملة.
وقام النفر الستة بأعظم دور في الدعوة لدين الله ﷿ في صفوف
[ ١ / ١٥٤ ]
الأوس والخزرج حتى فشا الإسلام في المدينة، فلم تبق دار من دور الأنصار اإلا وفيها ذكر من رسول الله - ﷺ -. لعل هذه السنة التي مرت على الدعوة العام الحادي عشر للبعثة كانت أكثر بركة من الأعوام العشرة السابقة، ولعل انتشار الإسلام في هذه الأرض كان أكثر من انتشاره في مكة خلال الأعوام العشرة السابقة.
منعطف جديد في الدعوة بعد جهاد مضن "وصبر طويل" تحقق على يد هؤلاء النفر الستة حين وجد المناخ المناسب والجو الملائم للدعوة الجديدة.
ولم نسمع عن نشاط جديد لرسول الله - ﷺ - في خلال العام في مقابلات مع القبائل الأخرى. بل تصمث أخبار السيرة خلال هذا العام إلى موسم العام القادم. ونفقه من هذا الانعطاف أن الأحوط والأقوى للدعوة هو الالتزام بمبادئها، بينما تبقى الحماية التي لا ترتبط بالمبادىء لا تحقق الهدف البعيد للتمكين في الأرض.
إن الخط الذي يفرق بين الطريقين خط ضئيل، قد لا يدركه الناظر العجول. فالمرحلة المكية عندما تملك الدعوة الحرية الكاملة فيها في ظل المبادىء الجاهلية، لا تصل إلى مرحلة الحكم بما أنزل الله، ومرحلة تطبيق المبادىء. أما إذا كانت الحيماية من أبناء الدعوة نفسها، فالطريق مهيئة لتنفيذ شرع الله ﷿، والتمكين في الأرض. ونصل من هذه الملاحظة إلى أن الهدف البعيد وهو إقامة حكم الله في الأرض لن يتحقق في ظل حكم جاهلي، وفي ظل حماية جاهلية. كما تتصور بعض الحركات الإسلامية، إنما يتحقق ذلك من خلال جنود الدعوة.
ونقول أخيرا لا بد من أن نحدد المدى الذي نصل إليه من خلال التعامل مع العدو أو من خلال الالتزام والجندية لمبادىء الدعوة، وأن نعرف كيف نفرق بين الهدفين فلا نبني نتائج هدف على هدف آخر.
[ ١ / ١٥٥ ]
السمة السادسة
البيعة الأولى وقيمها الجديدة
قال ابن إسحاق: (حتى إذا كان العام المقبل وافى الموسم من الأنصار أثنا عشر رجلا فلقوه بالعقبة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسول الله - ﷺ - بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض عليهم الحرب، منهم أسعد بن زرارة، ورافع بن مالك، وعبادة بن الصامت، وأبو الهيثم بن التيهان. عن عبادة بن الصامت قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلا، فبايعنا رسول الله - ﷺ - على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأمركم إلى الله ﷿ إن شاء عذب، وإن شاء غفر.
قال ابن إسحاق: فلما انصرف عنه القوم بعث رسول الله - ﷺ - معهم مصعب بن عمير وأمره أن يقرئهم القرآن، ويعلمهم الإسلام، ويفقههم في الدين، فكان يسمى المقرىء بالمدينة. كان يصلي بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض (١».
عام جديد يمر بعد اللقاء الأول، ويحضر لمكة في الموسم الجديد نفر من اثنى عشر رجلا والجديد في هذا الوفد هو أنه يمثل التجمعين الكبيرين الأوس والخزرج. فلن يكون إذن معارك قبلية يمثل الخزرج في طرفها الإسلامي، ويكون الأوس طرفها الجاهلي، بل استطاعت هذه المجموعة النواة أن تتجاوز الدماء والثارات التي لم يمر عليها بضعة أشهر، وتلتحم في جماعة واحدة.
والذي يعنينا من هذه البيعة النقاط التالية:
١ - اتجه الخط السياسي الإسلامي كله للبناء الداخلي، وكان التركيز على
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ٢ ص ٧٢ - ٧٣.
[ ١ / ١٥٦ ]
يثرب بالذات وقد كان لهؤلاء النفر الإثنى عشر دور كبير في بث الدعرة إلى الإسلام خلال هذا العام كما يقول ابن إسحاق: (فلما قدموا المدينة إلى قومهم ذكروا لهم رسول الله - ﷺ - ودعوهم إلى الإسلام، فلم نبق دار من دور الأنصار إلا وفيها ذكر من رسول الله - ﷺ -). فلقد توجه رسول الله إلى البناء الداخلي في المدينة، وإلى بث الفكرة في صفوفها.
٢ - سميت البيعة بيعة النساء لأنها لم تشتمل على فكرة الحرب، والحرب لا تكون إلا بعد البناء الفكري والعقيدي للإنسان. وبعد أن يصاغ على ضوء الإسلام وقيمه يمكن أن يدعى المسلم إلى الجهاد. وإنها لثغرة كبيرة أن يندفع المرء إلى الجهاد ولما تتم صياغته الإسلامية. إن المفاهيم ستختلط في ذهنه بين اندفاعه للجهاد في سبيل الله وبين الحماس لنفسه أو لأهله أو لأرضه، ومن أجل هذا كانت الببعة الأولى خالية من الحديث عن الحرب. وكانت تجربة حية للدعوة قبل المعركة.
٣ - أما القيم التي تمت عليها البيعة كما ذكرها لنا عبادة بن الصامت ﵁ ( على أن لا نشرك بالله شيئا، ولا نسرق، ولا نزني) ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه في معروف (١) ).
٤ - حضر بيعة العقبة الأولى اثنان من الأوس، وهذا تطور خطير جدا لصالح الإسلام هناك، فبعد الحرب العنيفة في بعاث استطاع النفر الستة من الخزرج أن يتجاوزوا قصة الصراعات الدموية الداخلية، ويحضروا معهم سبعة جددا فيهم اثنان من الأوس، وهذا يعنى أنهم وفوا بالتزاماتهم التي قطعوها على أنفسهم في محاولة رأب الصدع، وتوجيه التيار في يثرب أوسها وخزرجها للدخول في الإسلام، وتجاوز الصراعات القبلية القائمة.
٥ - وكان التطور الجديد الذي أثمرته بيعة العقبة هو بعث الممثل الشخصي
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ٢ ص ٧٥.
[ ١ / ١٥٧ ]
لرسول الله - ﷺ - - مصعب بن عمير ﵁ - ليشرف بنفسه على تطور الموقف ويقوم بتففيه المسلمين هناك بهذا الدين الجديد.
٦ - واستطاع الدبلوماسي الإسلامي الأول في المدينة بحكمته وحصافته وذكائه السياسي بعد توفيق الله له أن يجر أكبر قيادات الأوس إلى الإسلام، أسيد بن حضير، وسعد بن معاذ، وذلك خلال العام الجديد. ولم يبق في بني عبد الأشهل - رؤساء الأوس - رجل ولا امرأة ولا طفل إلا ودخل في الإسلام. لقد أصبح التيار عارما، والاتجاه معبأ لقيام الثورة الإسلامية في المدينة - إذا صح التعبير - وأصبحت مهمة القيادة تنظيم هذه الطاقات كلها لصالح المعركة.
٧ - ومع أن نصوص البيعة لا تحمل في ثناياها حربا أو معركة بل هي كما أطلق عليها المسلمون - بيعة النساء - لكنها تعني تربية معينة، وأرضية تقوم عليها المعركة. إن الالتزام الخلقي والسلوكي بالمبدأ، وضبط الشهوات، بأمر رباني، يعني أكثر من أمر:
فالأمر الأول: هو المفاصلة العقيدية، والتميز الفكري - لا نشرك بالله شيئا، وهذا يعني عمليا إعلان الحرب من جانب واحد على هذا المجتمع، وذلك بالثورة على دينه وعقيدته.
والأمر الثاني: هو المفاصلة السلوكية فلا سرقة ولا زنا، ولا وأد لولد أو بنث ولا افتراء ببهتان. والذي يستطيع أن يطبق هذه المفاصلة السلوكية في المجتمع الذي يعج بالزنا ويعج بالبهتان المفترى، هو مؤهل للجندية الحقيقية وقادر على تنفيد الأوامر الصادرة له فيما بعد.
والأمر الثالث: هو تغير الولاء. فلقد انتهت الطاعة للقبيلة أو قيادة المدينة. لقد أصبحت الطاعة لله وللرسول، والمخالف لهذه الأوامر عاص يحاسب على تقصيره. لقد غدا ميزان الطاعة والمعصية ليس بالخروج على أوامر رئيس القبيلة، أو أعراف القبيلة، بل صار بالخروج على الأوامر الصادرة من رسول الله - ﷺ - في مكة.
والأمر الرابع: هو اعتماد الوازع الداخلي بالتطبيق لا السلطان الآمر.
[ ١ / ١٥٨ ]
فعقوبة المعصية من الله تعالى لا من سلطان الدولة، وأجر الوفاء هو الجنة، وليس الإنعام المادي من السلطان الحاكم.
كانت هذه التربية ضرورية - على قصرها - بين يدي المرحلة الجديدة الحاسمة، والحركة الإسلامية اليوم مدعوة إلى هذه القدوة. فارتفاع مستوى أفرادها في التميز الفكري، وفي السلوك العملي، وفي مدى الانضباط والالتزام بأوامر القيادة وتحديد الولاء لها، واعتماد الوازع الداخلي للتطبيق دون رغبة أو رهبة من الأرض، هو الذي يجعلها مؤهلة لدور الخلافة في الأرض.
٨ - وإشارة جديدة الصبر والحديث عن قيم بيعة العقبة الأولى هي أن الزمن لا وزن له في هذا المجال، ولئن استغرقت التربية المكية ثلاثة عشر عاما.
فقد استغرقت التربية المدنية عامين - تزيد أو تنقص قليلا - ومع ذلك اعتبر السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار على سوية واحدة. فالمهم هو نوع التربية وثمرتها لا الزمن الذي استغرقته. ولهذا لم يجد رسول الله - ﷺ - حرجا حين سمع تقرير مبعوثه خلال عام من وجوده في المدينة، أن يستجيب للتعبئة المسلحة في بيعة العقبة الثانية بعد التعبئة الإيمانية المطلوبة.
السمة السابعة
الإذن بالقتال
(وكان رسول الله - ﷺ - لم يؤذن له بالحرب، ولم تحلل له الدماء إنما يؤمر بالدعاء إلى الله، والصبر على الأذى، والصفح عن الجاهل، وكانت قريش قد اضطهدت من اتبعه من المهاجرين حتى فتنوهم عن دينهم، ونفوهم من بلادهم. فهم بين مفتون في دينه، وبين معذب في أيديهم، وبين هارب في البلاد فرارا منهم، منهم من بأرض الحبشة، ومنهم من بالمدينة، وفي كل وجه، فلما عتت قريش على الله ﷿ وردوا عليه ما أرادهم به من الكرامة، وكذبوا نبيه - ﷺ -، وعذبوا ونفوا من عبده ووحده وصدق نبيه، واعتصم بدينه، أذن
[ ١ / ١٥٩ ]
الله ﷿ لرسوله - ﷺ - في القتال والانتصار ممن ظلمهم وبغى عليهم. فكانت أول آية أنزلت في إذنه له بالحرب، وإحلاله له الدماء والقتال، فيما بلغني عن عروة بن الزبير وغيره من العلماء قول الله ﵎: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق ألا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور﴾. أي إني إنما أحللت لهم القتال لأنهم ظلموا، ولم يكن لهم ذنب فيما بينهم وبين الناس وإنهم إذا ظهروا أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر يعني النبي - ﷺ - وأصحابه ﵃ أجمعين (١».
ولا يحتاج هذا الكلام إلى شرح، فلقد كانت بيعة العقبة الثانية فيصلا بين مرحلتين: بين مرحلة المواجهة بالكلمة، ومرحلة المواجهة بالسلاح، والمقارنة بين البيعتين توضح لنا الانتقال النوعي للحركة الإسلامية. ويعني الحركة الإسلامية من هذه السمة أن تلحظ الظروف التي تم الإذن فيها بالقتال لترسم على ضوئها ومن خلال ظروفها مرحلة المواجهة المسلحة مع العدو. إن قرار بدء الحرب الذي كان في مكة بأمر رباني هو اليوم تنفيذ لهذا الأمر حين تغدو الظروف شبيهة بتلك الظروف التي أذن فيها بالقتال، ومهمة قيادة الحركة أن تحسن تقدير هذه الظروف. والملاحظة التي لا بد من إيضاحها في هذا الصدد كذلك هي أن الإذن بالقتال شيء، ومباشرة القتال وطريقته شيء آخر.
وهنا لا بد لنا من معالجة فكرة دقيقة هي مثار اختلاف في وجهات النظر. هذه الفكرة هي كيف نوفق بين فرضية الجهاد والحكم النهائي فيه بعد آيات سورة براءة، وبين موضوع الإذن في القتال اليوم؟. فإذا كانت الأحكام النهائية للقتال في الإسلام هي أنه ماض إلى يوم القيامة - وهذا حق - فهل
_________________
(١) تهذيب السيرة. ص ١٠٨ - ١٠٩.
[ ١ / ١٦٠ ]
يبقى مجال لذكر الإذن بالقتال اليوم، والإذن بالقتال حكم مرحلي انتهى في وقته - والله تعالى قال: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا (١)﴾ أنا لا أجد حرجا في التوفيق بين الحكمين لأن مؤداهما واحد في النهاية.
فلقد ذكر الفقهاء إن الجهاد قد يكون فرض عين، ولا يأثم تاركه، وذلك حين لا يوجد الإمام الذي يباشر القتال معه. فإذن حين لا يوجد الإمام والجماعة المسلمة التي ينضوي المسلم تحت لوائها ليقاتل الكفار لا يأثم إن لم يقاتل مع أن القتال فرض عين عليه. وهذا المعنى نفسه هو الذي يقتضيه المفهوم الثاني، فإلى أن تقرم الجماعة المسلمة - والإمام المسلم الذي يقودها، وتكون قادرة على الوجود والاستعلان والمواجهة يعتبر القتال في هذه المرحلة بشكل فردي غير مأذون به ما لم يكن دفاعا عن النفس أو المال أو العرض. وإذن فالذي يحدد ابتداء القتال في الحالتين هو الجماعة المسلمة، وقيادتها التي تجد الظروف مناسبة لذلك.
إن كل أحكام الإسلام الثابتة المستقرة النهائية، والمرتبط تنفيذها بوجود الحاكم والإمام المسلم مثل الحدود والقصاص لا يعني عدم وجودها في غياب الإمام المسلم نسخها، فهي قائمة نظريا، والمسلمون آثمون لو تركوها. لكنها من الناحية العملية مرهونة بقيام الحكم الإسلامي الذي ينبثق من جماعة مسلمة، حملت لواء الجهاد وانتصرت على أعدائها، وأقامت حكم الإسلام. فأحكام الجهاد والقصاص والحدود مرتبطة بوجود الحاكم المسلم وإمكاناته قوة وضعفا وكما تقول الآية: ﴿الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر (٢)﴾ فلا بد من التمكين أولا لتنفيذ فرضية الصلاة والزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الناس. لا التنفيذ بشكل فردي. فهذا لا عجز فيه، إنما العجز هو تطبيق هذه الأحكام فرضا وحظرا على الناس. وكلما تمكن المسلمون أكثر كلما كانوا
_________________
(١) المائدة الآية ٣.
(٢) الحج ٤١.
[ ١ / ١٦١ ]
قادرين على التنفيذ لأحكام الإسلام أكثر. وما أحوجنا إلى أن نفقه هذه الأمور ضمن هذه الأطر. لا أن نطلق الأحكام المبتسرة على الناس ونتهمهم في دينهم وعقيدتهم.
السمة الثامنة
التهيئة لمباحثات قيام الدولة
قال كعب بن مالك: (خرجنا في حجاج قوما من المشركين، وقد صلينا وفقهنا، ومعنا البراء بن معرور سيدنا وكبيرنا وواعدنا رسول الله - ﷺ - العقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله - ﷺ - لها ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا. فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإسلام، وأخبرناه بميعاد الرسول - ﷺ - إيانا العقبة، فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبا.
فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله - ﷺ - نتسلل تسلل القطا مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا، ومعنا امرأتان من نسائنا: نسيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرو بن عدي.
قال: فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله - ﷺ - حتى جاءنا ومعه عمه العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له. فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج - وكانت العرب تسمي هذا الحي من الأنصار: الخزرج: خزرجها وأوسها - إن محمدا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وأنه
[ ١ / ١٦٢ ]
قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج إليكم فمن الآن فدعوه، فإنه في عزة ومنعة من قومه وبلده. فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت (١».
ونلاحظ من خلال هذا العرض الملاحظات التالية:
١ - لقد تمت التهيئة لمباحثات قيام الدولة في أعمق تخطيط سياسي شهده التاريخ حيث انبثقت دولة الإسلام، وتم تحديد معالمها وقيادتها وهي جزيرة ضعيفة وسط خضم من الشرك مثله العرب جميعا من حجاج منى أولا، ثم دولة مكة المشركة ثانيا، ثم قيادة المشركين من أهل يثرب ثالثا، ثم دولة اليهود في المدينة رابعا. ووسط هذا العدو العاتي والمحيط بالمسلمين من كل جانب إحاطة السوار بالمعصم، وسط هذا الخضم انبثقت دولة الإسلام الأولى في التاريخ.
٢ - لقد كان المسلمون البالغ عددهم بضعة وسبعين ضمن وفد من المشركين قوامه حوالي ثلاثمائة. وهذا يعني صعوبة الحركة والتنقل والاتصال، فما من مسلم إلا وحواليه عدد من المشركين يراقب تنقلاته وتحركاته، ومع ذلك فلقد كانت السرية المضروبة على التحركات خلال الحج من أعجب العوامل التي أدت لنجاح المخططات. تمت الاتصالات بين قيادة مكة المسلمة المتمثلة برسول الله - ﷺ -، وقيادة المسلمين في المدينة، وتم تحديد موعد اللقاء، وتم تحديد مكان اللقاء، وتم اللقاء نفسه دون انتباه أحد، وتم دخول بعض الأعداد الجديدة في الإسلام خلال هذه الأيام المعدودة. ولعل من أهم أحداث هذه الأيام انضمام زعيمين من أكبر زعماء المدينة للإسلام هما البراء بن معرور، وعبد الله بن عمرو بن حرام.
وتشير بعض الروايات إلى أن رئاسة الوفد كله مسلمه ومشركه قد انتهت إلى البراء بن معرور وطالما أنه قد أسلم فهو الذي يقوم بتحديد
_________________
(١) تهذيب السيرة ص ١٠٣ و١٠٤ و١٠٥.
[ ١ / ١٦٣ ]
اللقاءات المقررة، واختار كعبا ليرافقه بصفته الشاعر المشهور والمعروف عند قريش.
٣ - وكانت الخطوة الثانية من التخطيط العبقري هو الخروج المنظم لموعد الاجتماع وكما يقول كعب: (حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله - ﷺ - نتسلل تسلل القطا (١» مستخفين حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبة بنت كعب، وأسماء بنت عمرو وتم الاجتماع لهذا العدد الضخم الذي انسل من معسكرات المشركين دون أن ينتبه لهم أحد.
٤ - وكانت الخطوة الثالثة من التنظيم المحكم كما تشير بعض الروايات إلى تأمين حراسة الشعب بحيث لا يدري أحد بالأمر.
يقول المقريزي: وجاءهم رسول الله - ﷺ - ومعه عمه العباس وهو على دين قومه، وأبو بكر وعلي ﵄، فأوقف العباس عليا على فم الشعب عينا له وأوقف أبا بكر على فم الطريق الآخر عينا له. فلم يدر حتى المهاجرون بهذا اللقاء السري إلا من كان له مهمة خاصة في الحراسة والمراقبة وهما: علي وأبو بكر ﵄.
٥ - وكان حضور العباس وحديثه وهو على دين قومه - كما يظهر - ضرورة سياسية، فهو الذي يحمل عبء حماية النبي - ﷺ -، فلا بد أن يتوثق من مستوى هذه الحماية الجديدة ليطمئن عليها، وإلا فلن يفرط بابن أخيه، ولعل هذا يشير إلى إمكانيات اشتراك بعض الشخصيات غير الإسلامية إذا كانت مناط ثقة تامة من القيادة في عملية تغيير سياسي لصالح الإسلام أو يمكن القول: إنها في ظاهرها موالية للسلطة الحاكمة أما حقيقة ولائها فهو للقيادة المسلمة، خاصة إذا كان لها دور رئيسي في التحرك، كقيادة مجموعة سياسية في عملية تغيير سياسي، بل بإمكانها أن تشارك في وضع الخطة وتنفيذها عندما تكون ذات خبرات عريقة. فلقد
_________________
(١) القطا: طائر مشهور بخفة حركته.
[ ١ / ١٦٤ ]
شارك العباس ﵁ في تنفيذ هذا اللقاء كما تشير الرواية، وهو الذي أمر أبا بكر وعليا بوقوفهما على الطرق المؤدية للشعب.
إن من حق القيادة بل من واجبها أن تستفيد من الخبرات والطاقات الإسلامية وغير الإسلامية عندما تدين لها بالولاء والطاعة، بل تشركها بالتخطيط والتنفيذ عندما تجد ضرورة لذلك.
السمة التاسعة
البيان السياسي (البيعة)
روى الإمام أحمد عن جابر مفصلا ..:
(قال جابر: قلنا يا رسول الله على م نبايعك؟ قال:
١ - على السمع والطاعة في النشاط والكسل.
٢ - وعلى النفقة في العسر واليسر.
٣ - وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
٤ - وعلى أن تقوموا في الله لا تأخذكم في الله لومة لئم.
٥ - وعلى أن تنصروني إذا قدمت إليكم وتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة (١».
وفي رواية كعب -التي رواها ابن إسحاق- البند الأخير فقط من هذه البنود ففيه: (قال كعب: فقلنا له (أي للعباس): قد سمعنا ما قلت فتكلم يا رسول الله فخذ لنفسك ولربك ما أحببت. فتكلم رسول الله - ﷺ -، وتلا القرآن، ودعا إلى الله، ورغب في الإسلام ثم قال: أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال: والذي بعثك بالحق نبيا لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا (نساءنا) فبايعنا يا رسول الله فنحن والله أبناء الحرب، وأبناء الحلقة ورثناها كابرا عن كابر. فاعترض القول
_________________
(١) الرحيق المختوم للمباركفوري ص ١٦٦.
[ ١ / ١٦٥ ]
والبراء يكلم رسول الله - ﷺ - أبو الهيثم بن التيهان فقال: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ قال فتبسم رسول الله - ﷺ - ثم قال: بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم (١».
١ - كانت البنود الخمسة للبيعة من الوضوح والقوة بحيث لا تقبل التمييع والتراخي فالبيعة على الإسلام شيء، والبيعة على إقامة دولة الإسلام شيء آخر، وإن الرجال الذين يعدون ليكونوا أفرادا مغمورين في عداد المسلمين شيء، والذين يعدون لتقوم دولة الإسلام بسواعدهم وأرواحهم وأموالهم ودمائهم شيء آخر، ويكفي أنها مضت في التاريخ أن البيعة الخالية من الحرب والجهاد ومنها بيعة العقبة الأولى كانت تسمى بيعة النساء، أما هذه البيعة فبيعة الحرب.
ومع ذلك فليست حرب الإبادة، وليست حرب الإفناء بل الحرب المخططة المحكمة، المحددة الأهداف، التي ترتبط بالنصرة بعد وصول القيادة النبوية للمدينة. إن كل قطرة دم يجب أن تراق ضمن هدف، لا أن تراق لانفعال عاطفي، أو غضبة جارفة وإذا جد الجد فالإسلام عديل الروح بل هو أغلى منها لأنه يضحى بالروح والدم والمال من أجله وتحمى القيادة الإسلامية كما يحمي المرء زوجه وولده ونفسه.
٢ - وسرعان ما استجاب قائد الأنصار - دون تردد - البراء بن المعرور قائلا: والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا ونساءنا فبايعنا يا رسول الله، فنحن والله أبناء الحرب وأهل الحلقة ورثاناها كابرا عن كابر.
والبراء هو المفوض الرسمي، وهو رئيس الوفد المفاوض، وهو الذي أسلم بنشاط الدعاة على الطريق، وها هو يعرض إمكانيات قومه لرسول الله - ﷺ -: قومه أبناء الحروب والسلاح. إن هذا يعني بالنسبة للحركة الإسلامية أن نعرف أولا الطاقات القتالية عندها من جهة، وأن
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ٢ ص ٨٥.
[ ١ / ١٦٦ ]
تعرف من جهة ثانية كيف نوجه هذه الطاقات في أحسن سبيل فيكون صاحب الكفاءة مكانه، وأخو الحرب في مجاله، بل عليها أن تستدعي الطاقات الإسلامية والنصيرة من كل صقع لتؤدي الدور المطلوب. وكلما كان أصحاب هذه الطاقات قد خاضوا تجارب عملية، وحروبا فعلية، كلما كانت قدرتهم على التخطيط العسكري والمواجهة الحربية أكثر.
٣ - والأوامر شيء والمفاوضات شيء آخر، فلقد اعترض أبو الهيثم بن التيهان ﵁ وهو المسلم العظيم على أمر مهم قبل البيعة، وكان لا بد من طرحه بصراحة ووضوح: يا رسول الله إن بيننا وبين الرجال حبالا وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول الله - ﷺ - ثم قال: بل الدم الدم والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني أحارب من حاربتم وأسالم من سالمتم. ويا لها من مفاوضات نادرة في التاريخ بين جندي وقائد بل بين مسلم ورسول. إن طبيعة المعركة تقتضي أوضاعا جدبدة، وإن حمل السلاح يعني الحرب الضروس التي تأكل كل شيء.
فالحركة الإسلامية اليوم على سبيل المثال - قبل أن تتبنى الجهاد، وقبل أن تحمل السلاح كانت آمنة، وكان شبابها في وظائف الدولة يملؤون فجاجها، بل مرت مرحلة وصل بعض شبابها إلى مجلس الشعب - كما يسمونه - ولكن في خدمة النظام الجاهلي الكافر. كما أنه لم يكن أحد يعلن أنه جزء من الحركة الإسلامية والذي يؤخذ من السلطة على أنه منها إنما يؤخذ على سبيل الحدس والظن.
كان هذا الواقع قبل البيعة على الجهاد، أما بعدها فانقلبت الصورة كاملة، لقد أصبح مجرد الظنة باشتراك فرد في عملية، أو شروعه وتفكيره بالانضمام إلى التنظيم المسلح يعني الحكم بإعدامه وإبادته، بل أكثر من ذلك الحكم بإبادة أقاربه وعائلته. وانطلاقا من هذا الواقع، فليس من حق القيادة أن تتخلى عن هذا الطريق، وتترك جنودها يبادون وحدهم في العراء، أن تصالح لنفسها، أو تأخذ أمانا لنفسها وتترك الفاجعة تأكل شبابها وشيبها.
[ ١ / ١٦٧ ]
هذا هو مفهوم اعتراض أبي الهيثم بن التيهان ﵁. لأن قطع العهود مع اليهود تعني الحرب عليهم، فإذا تخلى رسول الله - ﷺ - عنهم ومضى إلى مكة فهذا يعني ترك المسلمين تحت رحمة اليهود يفعلون بهم الأفاعيل، ويستأصلون أخضرهم ويابسهم. فإذا كان من حق أبي الهيثم ﵁ أن يناقش رسول رب العالمين بهذا الأمر، فأي قيادة في الدنيا مهما ارتفعت تكون فوق النقاش؟ وأي قائد في هذا الوجود هو أكبر من المحاسبة؟!
وليعلم كل جندي في الحركة الإسلامية أن من حقه أن يعترض مثل هذا الاعتراض على قيادته أن انسحبت من المعركة، وتركته يتلوى وحده في النار. إن كل قطرة دم تراق بأمر القيادة هي في عنقها ستسأل عنها يوم الدين فيم أراقتها؟ ولم لم تحافظ عليها من الضياع؟
وماذا كان جواب سيد الخلق لجندبة ابن التيهان؟
قال: بل الدم الدم، والهدم الهدم، أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم. ويا له من نداء خالد تردده أصداء الوجود.
القيادة جزء من القاعدة، والقاعدة جزء من القيادة، شركاء متلاحمون منصهرون في المغرم والمغنم، دمهم واحد، ومصيرهم واحد، ونكبتهم واحدة، وحملهم واحد. لقد أبدى رسول الله - ﷺ - استعداده وهو الطرف القائد المفاوض أن يشن الحرب على من حارب جنده، ويسالم من سالمهم، جعلهم الأصل في الحرب والسلم.
٤ - وملاحظة أخيرة للجنود في الدعوة نفقهها من هذه النصوص هي: إن الأنصار ﵃ اكتفوا بملاحظة أبي الهيثم واعتراضه، وكان معبرا عن رأيهم جميعا، وكان الرد عليه من رسول الله - ﷺ - على أنه ممثلا لهم جميعا.
لقد كان الاعتراض منهجيا شرعيا لا غوغائيا فوضويا وهذا يعني الحركة المنظمة كثيرا بأن تكون طريقة النقد والاعتراض والمحاسبة ضمن المعابر الشرعية والتنظيمية، لا من خلال الفوضوية والفردية بحيث يتكلم
[ ١ / ١٦٨ ]
كل أخ على هواه. وبمثل المعابر الشرعية التنظيمية في الحركة الإسلامية اليوم مجلس شوراها المنبثق عنها. فهو الذي يحقق صورة النقد الشرعي البناء، وهو الذي يحاسب القيادة ويناقشها ويطرح ملاحظات القواعد عليها، وعلى القيادة أن تستجيب لأية تساؤلات، وترد على أي اقتراح، وبذلك يضمن التنظيم قوته وتلاحمه واستمراره.
السمة العاشرة
توثيق البيان وإقراره
يقول العلامة المباركفوري في كتابه - الرحيق المختوم: (وبعد أن تمت المحادثة حول شروط البيعة، وأجمعوا على الشروع في عقدها، قام رجلان من الرعيل الأول ممن أسلموا في مواسم سنتي ١١ و١٢ من النبوة، وقام أحدهما تلو الآخر ليؤكدا خطورة المسؤولية، حتى لا يبايعوه إلا على جلية من الأمر، وليعرفا مدى استعداد القوم للتضحية، ويتأكدا من ذلك.
قال ابن إسحاق: لما اجتمعوا للبيعة قال العباس بن عبادة بن نضلة: هل تدرون علام تبايعون هذا الرجل؟ قالوا: نعم، قال: إنكم تبايعونه على حرب الأحمر والأسود من الناس. فإن كنتم ترون أنكم إذا نهكت أموالكم مصيبة، وأشرافكم قتلا أسلمتموه فمن الآن، فهو والله إن فعلتم خزي الدنيا والآخرة. وإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه على نهكة الأموال وقتل الأشراف فخذوه فهو والله خير الدنيا والآخرة. قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف. فما لنا بذلك يا رسول الله إن نحن وفينا بذلك؟ قال: الجنة. قالوا: أبسط يدك، فبسط يده فبايعوه. وفي رواية جابر قال: فقمنا نبايعه فأخذ بيده أسعد بن زرارة، وهو أصغر السبعين فقال: رويدا يا أهل يثرب إنا لم نضرب أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة، وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، فإما أنتم تصبرون على ذلك فخذوه، وأجركم على الله، وإما أنتم
[ ١ / ١٦٩ ]
تخافون من أنفسكم خيفة، فهو أعذر لكم عند الله، فقالوا: يا أسعد أمط عنا يدك، فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها (١».
كان لا بد أن يظهر الوجه المقابل للصورة التي عرضها ابن التيهان، وظهر ذلك على الشكل التالي:
١ - حرب الأحمر والأسود من الناس.
مفارقة العرب كافة.
قتل الأشراف والخيار، ونهكة الأموال والأعراض.
وهذه هي طبيعة معركتنا اليوم كما كانت طبيعة المعركة يوم العقبة.
لا بد أن يكون واضحا في ذهننا أن العالم كله ضدنا، والعالم كله يحاربنا، والعالم كله لا يرضى أن تصل الحركة الإسلامية إلى الحكم وهي تريد أن تحكم بشريعة الله. لا بد أن يكون واضحا في ذهننا أن العرب جميعا من قبل، والأمة العربية اليوم من المحيط إلى الخليج - على حد التعبير المعاصر - تعادي هذه الحركة، وتعادينا. لا بد أن يكون الأمر بهذا الوضوح، وهذه الصراحة، وهذه البينة.
فمن الذي يرضى أن يحالفنا على هذا الأساس؟ أي حليف سياسي يرضى هذا المصير، وكل الحلفاء السياسيين يرضون بحلفنا إذا عرفوا أننا منتصرون، فقط، وغير ذلك فقد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا.
إننا حين نعرف طبيعة المعركة، نعرف طبيعة الحركة من خلالها. إنه لا بد أن يعرف كل فرد في القاعدة الصلبة طبيعة هذه المعركة في حرب الأحمر والأسود من الناس، في مفارفة العرب كافة، في نهكة الأموال والأعراض، إنه بعد أن يعرف هذا الأمر. فليبايع أو يرفض، إنه يمكن أن يبقى على بيعة النساء، كما وردت في سورة الممتحنة، أما بيعة الرجال، أما بيعة الحرب فهذه حدودها، وهذه ظروفها، وهذه طبيعتها.
وما أحرى الحركة الإسلامية أن تكون واضحة صريحة صادقة مع قواعدها لا تغشهم، ولا توحي لهم أن النصر قاب قوسين أو أدنى،
_________________
(١) الرحيق المختوم ص ١٦٧ و١٦٨.
[ ١ / ١٧٠ ]
تخدرهم بالأحلام الجميلة، وأن العرب معنا، وأن الذي ينقصنا هو التفاوض معهم، وأن قوى العالم ترضانا إذا فاوضنا، وإذا ملكنا المرونة السياسية، وأن الأمر كله أمر حركة سياسية، أوامر جبهة وطنية، أوامر حلف سياسي، أوامر لعبة ذكية. لسنا أحب إلى الله تعالى من رسوله، ولسنا أكرم على الله من صحابته. هذا هو خط السير. فمن رضيه على هذا الأساس فمرحبا وأهلا، فليتقدم وليبايع، ومن لم يرض فهو وشأنه، ولكن لا غش ولا لبس ولا غموض. والذين يريدون أن يحرفوا المعركة، ولا يتحملوا تبعاتها، فمكانهم خارج الصف، ومن أول الطريق، فالطريق صعب، والطريق شائك، والطريق طويل. ولقد كانت قيادات الأنصار على مستوى المعركة، ولم تغش قواعدها، ولم تدغدغ أحلامهم بل أوقفت البيعة حتى أوضحت خطورة الأمر، وأوضحت تبعاته، وبينت مهالكه ومصاعبه فماذا كان بعد ذلك؟
٢ - قالوا: فإنا نأخذه على مصيبة الأموال وقتل الأشراف. فما لنا إن نحن وفينا بذلك؟ قال: الجنة.
هل يقبل أي حليف سياسي كافر بهذا الثمن؟ هل يصدق أصلا أن هناك جنة؟
فالمعركة إذن معركتنا نحن، معركة الجنود المؤمنين، معركة القاعدة الإسلامية الصلبة العريضة في الأرض. وفي هذه المرحلة بالذات، ليس الاتجاه الدقيق هو اتجاه التحالف السياسي، بل هو اتجاه الحسم، هو اتجاه البناء الداخلي، إن ظروفنا الآن هي ظروف بيعة العقبة، هي ظروف بيعة الحرب، فقد تجاوزنا مرحلة الدخول في الجوار، وحتى مرحلة الحماية لدعوة الله، نحن الآن في مرحلة المواجهة السافرة مع العدو، ومع قوى الأرض، وذخيرتنا هي قاعدتنا الصلبة، هي قواعدنا المؤمنة التي ترضى بالجنة ثمنا لحرب الأحمر والأسود من الناس نرضى بالجنة ثمنا لمفارقة العرب كافة، ترضى بالجنة ثمنا لنهكة الأموال والأعراض، تستعد للوفاء بهذه الالتزامات وترضى يالجنة ثمنا وحيدا لها.
[ ١ / ١٧١ ]
ليس عند القيادة ثمنان، ليس عند الله تعالى الذي نبايعه ثمن في هذه الظروف إلا الجنة كما نطق رسوله بذلك. أما النصر فقد لا نكون نحن أصحابه، قد نكون نحن جيل الشهادة. إن النصر قادم لا محالة، لكن لنا؟!. لا ندري. إن الوعد الذي قطعه الله تعالى على نفسه لمن وفى بهذه الالتزامات هو الجنة، وهو الوعد الذي رضيه الله تعالى لرسوله أن يعطيه باسمه. وأما النصر فهبة ربانية تأتي في الموعد الذي يختاره جل شأنه لدعوته.
أما من نصر موهوم يقوم على أكتاف عدو الله - ﷺقدمه لنا، أو نصر حالم يقوم على أكتاف مساندة الكفار الحلفاء لنا، فنحن واهمون، ولسنا مدركين طبيعة المعركة التي نخوضها، وإن تحققه دون أن نلتزم بقواعد هذه الشريعة. فالمعركة - والعياذ بالله - كلها خاسرة.
إنه قبل أن تقوم دولة الإسلام على الأرض، فلا وعد عند الله تعالى إلا الجنة للجيل الذي يحمل اللواء لحرب الأحمر والأسود من الناس.
٣ - (فقالوا: ابسط يدك. فبسط يده فبايعوه.
وقالوا: ربح البيع لا نقيل ولا نستقيل. وقالوا: يا أسعد أمط لنا يدك فوالله لا نذر هذه البيعة ولا نستقيلها).
(قال جابر: فقمنا إليه رجلا رجلا فأخذ علينا البيعة يعطينا بذلك الجنة). وأما بيعة المرأتين اللتين شهدتا الوقعة، فكانت قولا، ما صافح رسول الله - ﷺ - امرأة أجنبية قط.
وقبل المفاوضون بالبيعة، وبايعوه جميعا دون أن يتخلف أحد، حتى المرأتان بايعتا بيعة الحرب. وصدقتا عهدهما، فلقد سقطت أم عمارة في أحد جريحة في جسدها اثنا عشر جرحا، وقد قطع مسيلمة الكذاب ابنها إربا إربا، فما وهنت وما استكانت وتحولت النسوة في هذه البيعة إلى رجال يقاتلن ويبايعن على قتل أشرافهن، وحرب الأحمر والأسود من الناس.
[ ١ / ١٧٢ ]
السمة الحادية عشرة
تشكيل الحكومة الإسلامية بالانتخاب
يقول المباركفوري:
وبعد أن تمت البيعة طلب رسول الله - ﷺ - انتخاب اثنى عشر زعيما يكونون نقباء على قومهم، يكفلون المسؤولية عليهم في تنفيذ بنود هذه البيعة. (فقال للقوم: أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا ليكونوا على قومكم بما فيهم (١». فتم انتخابهم في الحال، وكانوا تسعة من الخزرج، وثلاثة من الأوس ولما تم انتخاب هؤلاء النقباء أخذ عليهم النبي - ﷺ - ميثاقا آخر بصفتهم رؤوساء مسؤولين. قال لهم: أنتم على قومكم بما فيهم كفلاء ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي - يعني المسلمين - قالوا: نعم.
لم تنته القضية بعد فلن يستطيع رسول الله - ﷺ - أن يتصل بكل فرد من هؤلاء المبايعين كل مرة. ولن يستطيع أن يبايع كل أفراد الأمة المسلمة على ذلك فلا بد من انتخاب قيادة مسؤولة مسؤولية مباشرة عن هذه القواعد.
وتم الأمر بانتخاب تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس.
١ - إن مفهوم الاختيار والانتخاب في نظام الحكم الإسلامي مفهوم أساسي، والغريب في الأمر أن يوجد من يناقش في هذا المبدأ في صفوف الحركة الإسلامية. ومن يناقشون في هذا الأمر يقوم تصورهم على أن الأمير في الإسلام هو الحاكم المطلق الذي لا يناقش إلا إذا عصى الله تعالى، ولا يقيمون وزنا لرأي القواعد الإسلامية في اختيار قيادتها الحاكمة. وهو تصور مخطىء ولا شك. وإن كان في هذه الأرض من يحق له أن يستعمل رأيه دون الرجوع إلى القواعد المسلمة، فهو رسول الله - ﷺ -، لأنه المؤيد بالوحي من الله تعالى، والناطق به. وكان بإمكانه ﵊ وهو يقوم على اختيار المسؤولين لديه أن يختار الذين بايعوا في بيعة العقبة
_________________
(١) الرحيق المختوم ص ١٦٩ و١٧٠.
[ ١ / ١٧٣ ]
الأولى وكانوا اثني عشر رجلا، وقد خبرهم وخبر صدقهم وحسن ولائهم، ومع ذلك لم يفعل هذا ﵊، وكان تصرفه هذا درسا بليغا للمسلمين في الأرض عن كيفية اختيار الحاكم، وعن اعتبار رغبة الأمة أو أهل الرأي فيها هي الأساس الذي يقوم عليه الاختيار ولم يتدخل ﵊ من قريب أو بعيد بهذا الاختيار، وما أحرانا أن نتعلم من هذا العمل النبوي قواعد الحكم الشوري، والتنفيذ العملي له.
٢ - والمسؤولية على قدر الصلاحية، فلقد حدد رسول الله - ﷺ - المسؤولية لهؤلاء النقباء الأثنى عشر. بعد أن اعتبرهم القادة المسؤولين. وواجبهم أن يكونوا كفلاء على قومهم من المسلمين، الذين بايعوا في العقبة، والذين أقاموا في يثرب، هم مسؤولون عن تصرفاتهم وانضباطهم وطاعتهم، والتزامهم بأوامر هذا الدين الجديد، وبعدم الإخلال في أحكامه، وهم محاسبون أمام رسول الله - ﷺ -، وأخطاء القاعدة تحاسب عنها القيادة، طالما أن لها صلاحيات الحكم والتوجيه فيها.
٣ - وتبدو العظمة النبوية بأجلى صورها حين لم يعف رسول الله - ﷺ - نفسه من المسؤولية. بل أعلن التكافؤ فيها فقال: "وأنا كفيل على قومي".
فهم - وهم الجنود المؤمنون - من حقهم أن يناقشوا رسول الله - ﷺ - عن أخطاء وتصرفات المسلمين في مكة. ولا يوجد إذن في الدنيا من هو فوق المساءلة والمحاسبة إذا كان رسول الله - ﷺ - تكفل بقومه من المسلمين.
٤ - وتظهر خطورة المسؤولية لهذه الحكومة المنتخبة حين نذكر أن حرب بعاث بين الأوس والخزرج لم تجف دماؤها بعد. فإمكانية اشتعال الحرب بينهم قائمة في كل لحظة. فلا بد أن تتمكن هذه الحكومة الائتلافية من الأوس والخزرج أن تضمن استقرار الأوضاع في المدينة، ومعالجة الأوضاع الصعبة فيها، والحيلولة دون اندلاع الحرب من جديد، ويبدو الأمر أشق وأعسر حين نتصور أنه لا بد من تكوين التحام كامل بين المسلمين أوسهم وخزرجهم، فليس المهم أن تخف البغضاء بينهم فقط، بل لا بد
[ ١ / ١٧٤ ]
أن يسو الحب والوئام بينهم، ولا بد أن يكون التفاهم بين أعضاء الحكومة على مستوى رفيع جدا.
ولقد أثبتت الأيام الكفاءة العالية لهذه الحكومة، وكيف أنها استطاعت أن تتغلب على هذه الصعاب جميعا، وتكون مجتمعا مثاليا بتوفيق الله لها.
وكانوا بثناء الله عليهم يمثلون الصورة المثلى للمؤمنين. كما ذكرهم جل وعلا: ﴿والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (١)﴾.
٥ - إن عملية رس الصف الداخلي، وتوحيد النفوس نحو هدف واحد، وربط القواعد بقيادتها في ثقة قوية هي من أصعب الأمور على المرء. فالنفوس المختلفة، والأهواء المتباعدة، والصراعات والتناحرات قد تسيطر أحيانا. فتبتلى القيادة فيها، وتنتقل هذه الخلافات إلى صفوف القواعد، فيتحزبون لفلان أو فلان. وبذلك تكبر الهوة، ويتسع الخرق على الراقع.
والأمير الأول للجماعة له دور رئيسي في ضبط الصف والتأليف بين القلوب المتناحرة في اتجاهات شتى، وهو مسؤول كذلك عن تآلف هذا الصف وترابطه، وتوفيق الله تعالى وتسديده هو الذي يساعد في هذه الوحدة. أما البشر فهم أعجز من ذلك، ويكفينا في هذا المجال قول الله تعالى لرسوله: ﴿وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلويهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم (٢)﴾.
السمة الثانية عشرة
القيادة تحدد المعركة
يقول المباركفوري: (ولما تم إبرام المعاهدة، وكان القوم على وشك
_________________
(١) سورة الحشر الآية ٩.
(٢) سورة الأنفال الآية ٦٣.
[ ١ / ١٧٥ ]
الانفضاض، اكتشفها أحد الشياطين، وحيث جاء هذا الاكتشاف في اللحظة الأخيرة، ولم يكن يمكن إبلاع زعماء قريش سرا ليباغتوا المجتمعين، وهم في الشعب، قام ذلك الشيطان على مرتفع من الأرض وصاح بأنفذ صوت قط، يا أهل الأخاشب (الجباجب): هل لكم في محمد والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله - ﷺ -: هذا إزب العقبة، أما والله - ﷺاعدو الله لأفرغن لك، ثم أمرهم أن ينفضوا إلى رحالهم. وعند سماع صوت هذا الشيطان قال العباس بن نضلة، والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا. فقال رسول الله - ﷺ - لم نؤمر بذلك، ولكن ارجعوا إلى رحالكم، فرجعوا وناموا حتى أصبحوا (١».
أين كان طواغيت الأرض من هذه البيعة الفريدة في تاريخ الأرض؟ أين كان مشركو المدينة والبيعة تتم على رؤوسهم؟. وأين كانت قريش والبيعة تريد أن تحطم طاغوتها وكبرياءها؟ وهي تحاد الله وتكذب رسوله؟ وأين كان الحجيج المشرك كله، والبيعة ستنتهي أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان؟ نقول هذا عن العدو القريب الذي كان وضع هؤلاء السبعين بالنسبة لهم كوضع اللقمة بين فكي الأسد. ولا نذكر ملوك الأرض الأبعدين كسرى وقيصر وحلفاءهما وعبيدهما، أين كان كل هؤلاء؟ كانوا يشخرون في نومهم، ويغطون في سباتهم، وعين الله تعالى تكلأ هذه العصبة المزمنة. والساهر الوحيد الذي كان يقضم أسنانه غيظا، ويعض أصابعه ندما هو الشيطان الرجيم، وانتظر حلفاءه في الأرض كلها، فلم يتحرك أحد على أخطر بيعة في الأرض، فما تمالك أن صرخ: يا أهل الأخاشب هل لكم في محمد والصباة معه قد اجتمعوا على حربكم، فالشيطان إذن ساهر ليمزق كل بيعة على الجهاد في سبيل الله، ولن ينثني بنفسه أو حلفائه عن هذه الحرب، فهذه مهمته، وقد قتلته عبقرية النبوة السياسية التي حققت كل هذه الانتصارات، والشرك غاف كالمقبور لا يدري ما يجري حوله. فهل لنا بمثل هذه العبقرية في تحركنا الجديد اليوم؟.
_________________
(١) الرحيق المختوم ص ١٧٠.
[ ١ / ١٧٦ ]
ووضع المبايعون أيديهم على مقابض السيوف ليستلوها من أغمادها أمام هذا النداء قائلين: لئن شئت يا رسول الله لنميلن غدا على أهل منى بأسيافنا. الاستعداد للتو لتنفيذ بنود البيعة، بل أكثر من البنود، لأن يحموه ﵊ وهو في مكة.
ويأتي الجواب النبوي العظيم: لم نؤمر بذلك ولكن ارفضوا إلى رحالكم. فكم الفرق بين معركة آنية يسقط بها هؤلاء السبعون شهداء استجابة لنزوة طارئة، وانفعال هائج، وبين المسؤولية عن كل قطرة دم تسقط دون تخطيط، وتسفح دون هدف. إن دم المسلم أشد عند الله تعالى حرمة من الكعبة المشرفة فكيف يسقط هذا الدم دون مقابل؟!.
لا بد من الإعداد للمعركة، ولما تحن المعركة بعد. فالنبي - ﷺ - هو الذي يحدد زمانها ومكانها، وواجب الجنود أن تكون أيديهم في كل لحظة على الزناد أو على العتاد. أما واجب القيادة فأضخم من ذلك بكثير، أن تدرس آلاف الاحتمالات الناجحة أو الفاشلة لخوض المعركة. لأن كل قطرة دم سوف تقف يوم القيامة على رأس هذه القيادة وتسألها؟ فيم أرقت؟ فماذا تحيب؟ فلئن كان واجب الجندية أن تكون يدها على الزناد في كل لحظة بطلب منها ذلك فأشد وجوبا عليها وألزم أن ترفع يدها عنه، وتمضي إلى رحلها دون اعتراض، ولكن ارفضوا إلى رحالكم.
ما أجلاه من درس؟! وما أروعها من عبرة؟!.
الاستعداد لقتال الحجيج كافة (لنميلن على أهل منى بأسيافنا). والإشارة الواحدة بالانصراف (ارفضوا إلى رحالكم). ويعود السبعون والنيف يتسللون كالقطا إلى أماكنهم التي انسحبوا منها في الهزيع الأول من الليل - ومن حولهم غارقون في نومهم، فيشاركونهم في الشخير، دون أن يدري بهم أحد حتى من تسللوا من فرشهم وكانوا نياما معهم.
[ ١ / ١٧٧ ]
السمة الثالثة عشرة
القيادة تحدد ميلاد الدولة الإسلامية
ولنعد إلى المباركفرري في عرضه القيم للبيعة: (ولما قرع هذا الخبر آذان قريش وقعت فيهم ضجة أثارت القلاقل والأحزان، لأنهم كانوا على معرفة تامة من عواقب مثل هذه البيعة، ونتائجها بالنسبة إلى أنفسهم وأموالهم فما أن أصبحوا حتى توجه وفد كبير من زعماء مكة وأكابر مجرميها إلى مخيم أهل يثرب ليقدم احتجاجه الشديد على هذه المعاهدة فقد قال: (يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، وإنه والله ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم). ولما كان مشركو الخزرج لا يعرفون شيئا عن هذه البيعة لأنها تمت في سرية تامة وفي ظلام الليل، انبعث هؤلاء المشركون يحلفون بالله: ما كان من شيء، وما علمناه حتى أتوا عبد الله بن أبي بن سلول، فجعل يقول: هذا باطل، وما كان هذا، وما كان قومي ليفتئتوا على مثل هذا. لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا حتى يؤامروني. أما المسلمون فنظر بعضهم إلى بعض، ثم لاذوا بالصمت. فلم يتحدث أحد منهم بنفي أو إثبات.
ومال زعماء قريش إلى تصديق المشركين فرجعوا خاثبين.
وعاد زعماء مكة وهم على شبه اليقين من كذب هذا الخبر. لكنهم لم يزالوا يتنطسونه، يكثرون البحث عنه ويدققون النظر فيه حتى تأكد لهم أن الخبر صحيح، والبيعة قد تمت فعلا. وذلك عندما نفر الحجيج إلى أوطانهم، فسارع فرسانهم بمطاردة اليثربيين، ولكن بعد فوات الأوان، إلا أنهم تمكنوا من رؤية سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو، فطاردوهما. فأما المنذر فأعجز القوم، وأما سعد فألقوا القبض عليه. فربطوا يديه إلى عنقه بنسع رحله، وجعلوا يضربونه، ويجرونه، ويجرون شعره حتى أدخلوه مكة، فجاء المطعم بن عدي، والحارث بن أمية فخلصاه من أيديهم إذ كان سعد يجير لهما
[ ١ / ١٧٨ ]
قوافلهما المارة بالمدينة، وتشاورت الأنصار حين فقدوه أن يكروا إليه، فإذا هو قد طلع عليهم، فوصل القوم جميعا إلى المدينة (١».
١ - تحركت قريش كالذي أصابه الشيطان من المس، وجاءت مخيم الخزرج، وراح المشركون يحلفون بالله ما فعلوها، وهم صادقون، وراح عبد الله بن أبي ينفي الأمر نفيا قاطعا ويؤكد استحالته فما كان لقومه أن يفتئتوا عليه بمثل ذلك.
وصدق وهو كذوب، فما علم بأن الانقلاب السري الذي تم التخطيط له لا يمكن البوح بأسراره، ولو قطعت الرقاب على ذلك.
ويحضرنا سؤال دقيق في هذا المجال: لماذا لم يعلن رسول الله - ﷺ - في مكة حلفه ودولته، وقريش تبحث عن الخبر، والمسلمون يلوذون بالصمت، والمشركون يحلفون الأيمان المغلظة على كذب هذا الإدعاء؟ والجواب سهل وواضح غير أن أثره وفقه الدرس فيه يغيب بكل أسف عن أذهاب الشباب في الحركة الإسلامية.
جواب السؤال: هو أن الظروف غير مواتية لهذا الإعلان، وطاقة المسلمين ضعيفة إذا قيست بطاقات مكة والمشركين عامة في أرض مكة. أو إعلان الحرب على دولة الكفر أو إعلان قيام دولة الإسلام، كل هذه الأمور رهينة بالإمكانيات التي تملكها الجماعة المسلمة ضمن التخطيط المنظم المحكم لها. ولا تتحرك هذه الأمور أبدا بالعواطف وردود الفعل. إنما تتحرك بقرار القيادة المناسب للإعلان، والتي تتوخى القيادة فيه الظروف المواتية.
ونود لو يترك شباب الحركة الإسلامية لقيادتها إعلان المواجهة وطبيعتها حسب ما تقتضيه الظروف العامة - العربية والدولية.
ويتحدد هذا الدرس في نقطتين:
النقطة الأولى: هي أن الذي يحدد ميلاد الدولة الإسلامية هو القيادة لا
_________________
(١) الرحيق المختوم ص ١٧٠ و١٧١ و١٧٢.
[ ١ / ١٧٩ ]
القاعدة سواء أكان هذا في أرضها أو غير أرضها، وهذه القضية كثيرا ما تأخذ طابع الاتهام للقيادة بالجبن أو الانحراف لو تأخرت في ذلك.
فبعض الشباب الإسلامي مثلا لا يستطيع أن يتصور قيام انقلاب إسلامي أو حركة إسلامية في أرض أو دولة، إلا وواجب الإعلان عن هوية هذه الثورة، هو الحق وهو الشجاعة، مع أن المصلحة السياسية قد تقتضي أحيانا إرجاء الإعلان عن هوية الانقلاب أشهرا بل سنوات أحيانا. ويرى هؤلاء الشباب أن هذا التأخير هو انحراف عن الإسلام حين لا يتحدث هؤلاء الانقلابيون غير محددي الهوية في الأصل، عن الإسلام، بل يذكرون بعض المبادىء الوطنية للتغطية حتى يتم التمكن والتمكين وهذا تصور خاطىء، وحكم جائر.
إن إعلان قيام دولة الإسلام رهين بالظروف المواتية لذلك حسب تقدير القيادة لا حسب تقدير الأفراد، فرسول الله - ﷺ -، أرجأ الإعلان عن هذا التخطيط، لأنه وجد الفرصة غير مواتية في قلب بحر الشرك، وفي مكان غير مركز قوة الأنصار - المدنية. رغم الإحراجات الشديدة التي تعرض لها المسلمون أمام إلحاح قريش بالتأكد من الخبر، فلو أعلن ذلك لكانت قريش قادرة، ومن ورائها الحجيج المشرك أن تذبح هؤلاء السبعين جميعا، وتنتهي قصة الإسلام في الأرض، وحين ترى الحركة الإسلامية أن إعلان هويتها في استلام حكم في مكان ما. قد يفضي بأن تجتاح من العدو من كل جانب، وتستأصل البقية الباقية منها.
وتجربة مدينة حماة كذلك درس قيم لحركة الجهاد الإسلامي، فإعلانها المواجهة المباشرة للسلطة الكافرة، ولم تعد الظروف المواتية لذلك أدى إلى دمار المدينة وسقوط عشرات الألوف صرعى فيها.
النفطة الثانية: هي أن كتمان القيادة بعض الأمور عن أفرادها لا يعني اتهامها بالكذب أو الخداع أو التضليل، حتى لو أتت الظروف المواتية في ظاهر الأمر لذلك. فلم نعلم من خلال السيرة أن المسلمين المهاجرين قد عرفوا
[ ١ / ١٨٠ ]
بقضية البيعة عدا أبي بكر وعلي ﵄، فلا ضرورة للإعلان عن مثل هذا اللقاء، ومثل هذه البيعة لهم. ما لم يتم تكليف جديد لهم على ضوء هذه البيعة، ولم يجعل هذا الأمر المهاجرين في قلق توتر لكتمان ذلك عليهم حينما عرفوه فيما بعد، فالروايات تذكر إن رسول الله - ﷺ - بعد لأي من الزمن، وحين استقرت الأوضاع في المدينة أخبر المهاجرين بقوله: إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها، فخرجوا إرسالا.
إذن فقد تم إعلامهم بالأمر عندما تقرر فتح باب الهجرة إليهم إلى يثرب.
٢ - ويؤكد هذه المعاني النتائج الصعبة التي ترتبت على تفشي الخبر. مما أوقع سعدا ﵁ في الأسر، وكان يمكن أن يقتل نتيجة هذا الأمر أو تنقل أسرار التنظيم والمبايعة كاملة لقريش لولا لطف الله. ولم يتم الإفراج عن سعد إلا بتدخل من أعلى مستويات قريش. ويمكن أن نتصور الأخطار أكثر أنه كان من الممكن للأنصار أن يعودوا لاستخلاص سعد لولا أن ساقه الله إليهم.
ونلاحظ كذلك أن رسول الله - ﷺ - والمسلمين معه لم يتدخلوا لحماية سعد ﵁ لأن هذا يكشف البيعة ويؤكدها بين المسلمين والخزرج، وهو درس كذلك للشباب حين يرون قيادة الحركة تتلكأ في نصر المسلمين نتيجة ظروف قاهرة قد تفوت مصلحة كبيرة لهم.
فالحركة الإسلامية في خطها الجهادي، اقتضت مصلحة الدعوة فيها أن تهادن دولة مجاورة حين التقت مصلحتهما على عدو ثالث. وكان من طبيعة هذه الهدنة أن أمدتها هذه الدولة بالسلاح والتدريب والتحرك على أرضها. وكان من أسس هذه المفاوضات بينهما أن لا تتدخل الحركة بالشؤون الداخلية لهذه الدولة، ومصلحتها في معاملتها للحركة الإسلامية فيها. ونفذ هذا البند بأمانة تامة، رغم أمنية الحركة الإسلامية أن لا يمس أحد من إخوانها بسوء. لكنه شرف المعاملة.
[ ١ / ١٨١ ]
وقد تضطر الحركة الإسلامية في موقع آخر أن لا تتدخل لحماية أحد أبنائها مباشرة. إما لعجز في الإمكانية، أو لمصلحة في التخطيط. فلا يكشف من خلال هذا التدخل علاقتها به. فهذا لا يضيرها ولا يدينها، بل تبقى دائما مصلحة الجماعة الإسلامية فوق مصلحة الفرد.
٣ - ونلاحظ أن الذي أنقذ سعدا قيم الجاهلية فكما يروي سعد: فوالله إني لفي أيديهم يسحبونني إذ أوى إلي رجلا ممن كان معهم فقال: ويحك أما بينك وبين أحد من قريش جوار ولا عهد؟. قلت: بل والله. لقد كنت أجير لجبير بن مطعم بن عدي تجاره، وأمنعهم ممن أراد ظلمهم ببلادي، وللحارث بن حرب بن أمية. قال: ويحك فاهتف باسم الرجلين واذكر ما بينك وبينهما. قال: ففعلت وخرح ذلك الرجل إليهما فوجدهما في المسجد عند الكعبة فقال لهما: إن رجلا من الخزرج الآن يضرب بالأبطح ويهتف باسمكما، ويذكر إن بينكما وبينه جوارا. قالا: ومن هو؟ قال: سعد بن عبادة. قالا: صدق والله إنه كان ليجير لنا تجارنا زيمنعهم أن يظلموا ببلده! قال: فخلصنا سعدا من أيديهم فانطلق (١».
ولا يضير الحركة الإسلامية أن تنقذ شبابها أو ينقذهم غيرها تحت أية قيمة أو قانون أو عرف إذا كان هذا الأمر لا يؤدي بها إلى تنازلات على حساب مصلحتها العامة أو فكرتها المبدئية.
السمة الرابعة عشرة
ابتداء الحرب الإعلامية بين الدولتين
وإثر حادث إطلاق سعد بعد اعتقاله: قال ضرار بن الخطاب بن مرداس شاعر قريش:
تداركت سعدا عنوة فأسرته وكان شفائي لو تداركت منذرا
_________________
(١) تهذيب السيرة ص ١٠٧ - ١٠٨.
[ ١ / ١٨٢ ]
ولو نلته طلت دماء جراحه وكان حقيقا أن يهان ويهدرا (١)
فأجاب حسان بن ثابت ضرارا بقوله:
فلست إلى سعد ولا المرء منذرا إذا ما مطايا القوم أصبحن ضمرا
فلا تك كالشاة التي كان حتفها بحفر ذراعيها فلم ترض محفرا
لقد أمسكت قريش بفتيل الحركة الإسلامية الذي أوشك على الانفجار، وكان من الممكن أن يقع صدام فعلي بين الفريقين لولا إطلاق سعد، غير أن التهديد والوعيد قد انطلق مؤذنا ببداية المواجهة، ولم يترك المسلمون الأمر دون رد. فكان شعر حسان إيذانا ببداية الرد في الحرب القائمة، وعلى رأسها الحرب الإعلامية:
فإنا ومن يهدي القصائد نحونا كمستبضع تمرا إلى أهل خيبرا (٢)
لقد كان الإعلام الإسلامي جاهزا منذ اللحظات الأولى، التي كان الإعلام فيها أشد من وقع السيف.
وقد تم كل هذا الأمر، ورسول الله - ﷺ - واقف على الحياد دون أي تدخل أو إيحاء بالتدخل رغم أن الحلف معه، فلا يزال في جوار المطعم بن عدي، وبنيه جبير بن مطعم وإخوته، وجبير هو الذي أجار سعدا كذلك. ولا يريد أن يثير معركة جانبية قبل الإعداد الكامل لها، واستطاع ﵊ أن يؤجل المعركة، ويؤجل الدماء حتى قامت الدولة الإسلامية.
فهل لدى الحركة الإسلامية أكبر من هذا الهدف في هذه المرحلة، أن تقيم دولة الإسلام في أقل ما تستطيع من دماء، ولا تدع حلفا سياسيا أو عرفا جاهليا أو قانونا أرضيا إلا وتستخدمه من أجل هذا الهدف.
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ٢ ص ٩٣.
(٢) السيرة النبوية لابن هشام ص ٩٤.
[ ١ / ١٨٣ ]
السمة الخامسة عشرة
اختيار الأرض وسرية التجمع فيها والهجرة إليها
يقول ابن إسحاق: (فلما أذن الله تعالى له - ﷺ - في الحرب، وبايعه هذا الحي من الأنصار على الإسلام والنصرة له ولمن تبعه وآوى إليه من المسلمين، أمر رسول الله أصحابه من المهاجرين من قومه، ومن معه بمكة من المسلمين بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها، واللحوق بإخوانهم من الأنصار، وقال: إن الله ﷿ قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها. فخرجوا أرسالا وأقام رسول الله - ﷺ - بمكة ينتظر أن يأذن له ربه في الخروج من مكة، والهجرة إلى المدينة) (١).
لقد قيلت مثل هذه الكلمة من رسول الله - ﷺ - للمسلمين يوم دعاهم للهجرة إلى الحبشة: إن بها ملكا لا يظلم عنده أحد. واليوم إن الله قد جعل لكم إخوانا ودارا تأمنون فيها. والفرق بين المركزين والمنطلقين واضح.
فمن حيث الموقع، نجد الحبشة بعيدة، ولا تصلح لتكون مركزا لإقامة الدولة بعيدا عن الأرض والبيئة العربية، ومهما قويت فستبقى محصورة ضمن إطار المهاجرين أنفسهم، والحركة ستكون مشلولة للمواجهة، بينما نجد المدينة وإن كانت بعيدة نوعا ما عن مكة، لكنها تحتل موقعا حساسا بالنسبة لمكة، فهي قادرة على خنق مكة اقتصاديا لأن طريق قوافل قريش عنها. والتجارة عصب الحياة لقريش. كما أن البيئة واحدة، والعرب يمكن أن تتم الدعوة في صفوفهم وأن يتقبلوها. ومن حيث البيئة، فالاعتماد في الحبشة على الحاكم العادل، الذي قد يتغير في آية لحظة، فيصبح المسلمون على خطر داهم، وقد رأينا أن ذلك قد وقع فعلا حين قامت الثورة ضد النجاشي، فهيأ للمسلمين سفينتين ليغادروا الحبشة إن تم النصر لعدوه، وهو يعلم أن المسلمين هم المستهدفون من هذه الثورة. بينما الاعتماد في المدينة على الإخوان فيها، على
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ص ١١١.
[ ١ / ١٨٤ ]
التجمع الإسلامي الكبير الذي طغى في يثرب على كل التجمعات، وأصبح يمثل الكثرة الكبيرة فيها.
والحركة الإسلامية اليوم وهي تقتدي برسول الله - ﷺ - في إنشاء دولتها لا بد أن تراعي هذه المعاني وتفقه دروسها، فحين انطلقت الحركة الإسلامية الحديثة في بعض فصائلها في جهادها لإقامة الدولة، لم يكن أمامها الخيار أن تجعل مرتكز تجمعها في الدولة المجاورة للطاغوت الكافر، واختيار غير هذه الدول المجاورة للتحرك والمواجهة والتدريب هو اختيار فاشل، لأن أي مكان غير هذه الدول يشل التحرك لمواجهة النظام شللا تاما. لكن العنصر الثاني من الميزة التي كانت في المدينة، قد تهيأ في بعض هذه الدول ولم يتهيأ في غيرها، وحتى وجود الإخوة الأنصار لا يجعل لهم السلطة في هذه الدول، إنما السلطة لغيرهم. فالاعتماد إذن على طبيعة النظام الحاكم في الدول المجاورة وتغير النظام في كل لحظة يهدد الوجود الإسلامي على هذه الأرض، ومن أجل هذا لا يمكن أن تكون هذه الأرض أكثر من نقطة ارتكاز وتجمع تسند من الحكام المؤيدين لها. والمرتكز الأصلي هو مكان انطلاق الحركة نفسها حيث توجد القوى الكامنة للمواجهة والمؤهلة للمساندة. فالهجرة خارج مكان المواجهة الأصل فيها، أنها هجرة مؤقتة بينما نجد الهجرة إلى المدينة هجرة ثابتة حيث تكون المدينة نفسها موطن إقامة الدولة.
والحركة الإسلامية عموما حين تبحث عن الأرض ليست دائما تملك الحرية التي تريدها للاختيار. فقد تضطرها الظروف إلى مكان غير مناسب تماما. ولا بد لها من قبوله ريثما تجد المكان الأفضل. لقد بقيت الحبشة مأمنا للمسلمين فترة طويلة حتى بعد وجود يثرب ولكنها لم تكن مركزا لإقامة الدولة. وحين أتيحت الظروف في المدينة، كانت بتوفيق رباني أن قبل وفد الحجيج اليثربي الإسلام، فلو فشلت المفاوضات مثلا في الإسلام أو الحماية، أو نجحت محادثات شيبان أو كندة، لكان الموقع متغيرا حسب المعطيات القائمة.
وأدى هذا إلى رحيل عائلات بأكملها، فقبيلة بني غنم رحل أربعة عشر
[ ١ / ١٨٥ ]
رجلا منهم وسبع نسوة مجرد الإذن بالرحيل. كما تحرك عمر ﵁ وأهله وعشيرته وحلفاؤه، وتتابع المسلمون يهاجرون فلا يحس المشركون إلا وهم خارج مكة.
السمة السادسة عشرة
اجتماع العدو للقضاء على القيادة
قال ابن إسحاق: (فلما رأت قريش أن رسول الله - ﷺ - قد كانت له شيعة وأصحاب من غيرهم بغير بلدهم، ورأوا خروج أصحابه من المهاجرين إليهم وساقوا الذراري والأطفال والأموال إلى الأوس والخزرج فعرفوا أن الدار دار منعة وأن القوم أهل حلقة وبأس وشوكة. فخافوا خروج رسول الله - ﷺ - إليهم ولحوقه بهم، وعرفوا أنه أجمع لحربهم، فاجتمعوا في دار الندوة، ولم يتخلف أحد من ذوي الرأي والحجى منهم ليتشاوروا في أمره فقال أبو جهل: والله إن لي فيه رأيا ما أراكم وقعتم عليه بعد، قالوا: وما هو يا أبا الحكم؟ قال: أرى أن نأخذ من كل قبيلة فتى شابا جليدا نسيبا وسيطا فتيا ثم نعطي كل فتى منهم سيفا صارما، ثم يعمدوا إليه فيضربوه بها ضربة رجل واحد فيقتلوه، فنستريح منه، فإنهم إذا فعلوا ذلك تفرق دمه في القبائل جميعا، فلم يقدر بنو عبد مناف على حرب قومهم جميعا فرضوا منا بالعقل فقلناه لهم، قال: يقول الشيخ النجدي: القول ما قال الرجل، هذا الرأي لا رأي غيره، فتفرق القوم على ذلك وهم مجمعون له (١).
وهذه السمة تعني ما سبق أن أكدناه من قبل أن اغتيال القيادة وإنهاءها هو هدف رئيسي بالنسبة للعدو. وكثيرا ما يتصور العدو أن انتهاء القائد يعني انتهاء المواجهة والجهاد والثورة. وبالرغم من خطورة هذا الأمر، والدور الرئيسي للأمير في الجماعة. فهو لا يصح بشكل دائم، إنه قد يعيق الحركة، وقد يجهض الثورة لكن المعاني الإسلامية المتغلغلة في نفوس شباب الدعوة، لا يمكن أن تنتهي بانتهاء القيادة.
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ص ١٢٦.
[ ١ / ١٨٦ ]
ولقد رأينا كيف أن الشيخ النجدي الذي حضر اللقاء كان يفند كل رأي غير رأي القتل. ويحذر من خطورة بقاء الرسول ﵊ حيا، وهو الرأي الذي كان يحرص على الوصول إليه مع المتشاورين. والشيطان الذي وعده الله تعالى أن ينظره إلى يوم البعث نلاحظ أن مخططاته تنصب دائما في رؤوس أتباعه على إنهاء القيادة المسلمة في الأرض إنهاء تاما، بل لا يدع للرأي المعتدل أن يسود مهما كان.
ولهذا نرى المحاولات اليائسة التي يقوم بها أعداء الإسلام لإنهاء الحركة الإسلامية عن طريق قتل قياداتها إعداما أو اغتيالا. والذي يلحظ الحاكمين وهم يواجهون الحركة الإسلامية رغم اختلاف مشاربهم ونوازعهم يلتقون جميعا على قتل هذه القيادات. ففي مصر مثلا: كان اغتيال الإمام الشهيد حسن البنا هو الهدف الرئيسي الذي لا ترضى انكلترا بدونه بديلا، وقد التقى هدفها مع هدف الملك فاروق في ذلك. وحين قامت الثورة المصرية كانت ترى في هذا الاغتيال ظلما كبيرا حتى أنها شكلت محكمة لمحاكمة قتلة الإمام الشهيد. غير أنها عندما رأت قوة الحركة الإسلامية سلكت الطريق نفسه الذي سلكه قبلها فاروق، فأقدمت على إعدام الدفعة الأولى للإخوان المسلمين والمكونة من ستة من قادة هذه الجماعة وعلى رأسهم عبد القادر عودة، ومحمد فرغلي، ويوسف طلعت. ورغم مرور عشر سنوات على هذه المجزرة كان سيد قطب ﵀ - ﷺمثل البقية الباقية من القيادة المفكرة للجماعة. ومنذ أن رأى الحاكم الطاغية القوة الفكرية لسيد تجتاح الأرض المصرية. كان الاتحاد السوفييتي هو الذي يصر هذه المرة على رأسه دون أن يحتج أحد من الحاكمين المسلمين وغير المسلمين على ذلك، ورغم خطورة الإقدام على إعدامه واستياء العالم الإسلامي لذلك، لم يتراجع الطاغية عن موقفه، ولم يرض غير الإعدام له مع زملائه. وجاء خلفه يدعي الديمقراطية وإعادة الحرية، وعامل كل زعماء المعارضة بالسجن عنده حين رأى خطرهم. أما المعارضة الإسلامية فلم يكن من حل لها عنده إلا الإعدام، وقد أقدم على مجزرتين في عهده:
[ ١ / ١٨٧ ]
الأولى: إعدام خمسة ممن اتهموا بحادثة الكلية الفنية.
الثانية: إعدام مجموعة شكري مصطفى وإخوانه.
ولم يشهد عهد الحكام المتعاقبين إعداما إلا لقادة الاتجاه الإسلامي.
السمة السابعة عشرة
عبقرية التخطيط البشري في الهجرة
أ - مبيت علي ﵁ في فراشه:
(.. فأتى جبريل ﵇ رسول الله - ﷺ - فقال: لا تبت هذه الليلة على فراشك الذي كنت تبيت عليه. فلما كانت عتمة من الليل اجتمعوا على بابه يرصدونه حتى ينام فيثبون عليه، فلما رأى رسول الله - ﷺ - مكانهم فقال لعلي بن أبي طالب، نم على فراشي، وتسج ببردي هذا الحضرمي الأخضر فنم فيه فإنه لن يخلص إليك شيء تكرهه منهم. وكان رسول الله - ﷺ - ينام في برده ذلك إذا نام (١».
فلقد كان أمر الله تعالى لرسوله أن لا ينام على فراشه، وكان تصرف النبي ﵊ بنوم علي على فراشه وتسجيه ببرده جزءا من مسؤولية القائد في إنجاح خطته، وذلك بالتمويه والتعمية على عدوه. وقد نجحت هذه الجزئية في التمويه نجاحا تاما رغم الاحتمالات الكبيرة لكشفها. فلقد قال لهم الرجل الذي رأى محمدا خارجا من بيته: خيبكم الله، قد والله خرج عليكم محمد، ثم ما ترك منكم رجلا إلا وقد وضع على رأسه ترابا أفما ترون ما بكم؟. فوضع كل رجل منهم يده على رأسه فإذا عليه تراب، ثم جعلوا يتطلعون فيرون عليا على الفراش متسجيا ببرد رسول الله - ﷺ - فيقولون: والله إن هذا لمحمد نائما عليه برده، فلم يبرحوا كذلك حتى أصبحوا. فقام علي ﵁ عن الفراش فقالوا: والله لقد كان صدقنا الذي حدثنا.
ورغم ثقة رسول الله - ﷺ - بحماية ربه له. فهذا لم يمنعه من أن يأخذ
_________________
(١) تهذيب سيرة ابن هشام ص ١١٢.
[ ١ / ١٨٨ ]
الاحتياط البشري الذي يملكه. وفي الوقت الذي أعمى الله تعالى عنه الأبصار أثناء خروجه، وسلط عليها النوم حتى خرج من بين أيديهم. شاءت إرادته تعالى أن يتم لقاء رسول الله مع الراكب القادم، وأن ينبه العدو إلى خروجه.
لكن الله تعالى حرس نبيه ﵊ لا بمعجزة، ولكن بعالم الأسباب في تخطيط البشر.
وما أحوجنا إلى أن ندرك واجبنا في الإعداد لمواجهة العدو رغم اعتمادنا الأول والأخير على الله تعالى. لا أن نحيل تقصيرنا وضعفنا وتهاوننا على القدر، ونتوجع على عدم نصر الله تعالى لنا، ونحن المسؤولون عن ذلك.
ب - الخروج في النهار:
(قالت عائشة: كان لا يخطىء رسول الله - ﷺ - أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإما عشية - حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله - ﷺ - في الهجرة والخروج من مكة من بين ظهري قومه. أتانا رسول الله - ﷺ - بالهاجرة في ساعة كان لا يأتي فيها (١».
إذ أن هذه الساعة بالنسبة للناس ساعة القيلولة، وقلما يوجد إنسان في مكة خارج بيته، خاصة إذا عرفنا أن الخروج كان في أوائل أيلول. في آخر شهر من أشهر الصيف كما حققه العلامة المباركفوري. فهذا الخروج هو أضمن ما يكون للسرية وأضمن أن يخفى عن العيون.
ج - الخروج من الكوة:
( فخرجا من خوخة لأبي بكر في ظهر بيته (٢) ) .. إذ قد يكون بيت أبي بكر مراقبا، وهو احتمال كبير بعد أن فات رسول الله المشركون.
وإذا كانت المراقبة قائمة من بيت مجاور أو من مكان فيه ظل بعيد عن الأنظار فستكون المراقبة لباب البيت بالذات يرصد فيه الداخلون والخارجون. وفي
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ص ١٢٩ ج ٢.
(٢) المصدر نفسه ١٣٠.
[ ١ / ١٨٩ ]
الخروج من مخرج سري بعيد عن المراقبة يعني ضرورة المحافظة الدائمة على السرية ووضع الاحتمالات الكثيرة لتخطيط العدو ومراقبته.
د - الاتجاه إلى الغار:
( ثم عمدا إلى غار بثور فدخلاه (١». وإذا توقعنا تخطيط مكة للقضاء على رسول الله - ﷺ -. فسوف يكون طريق المدينة مرصودا من عدد غفير من الفرسان حتى يحال دون وصوله إليها. إن التفكير البشري سينصب طبيعيا على رصده لأنه هو هدف الرسول - ﷺ -، وفي القبض عليه إنهاء للمعركة كاملة معه. فاتجاه رسول الله - ﷺ - إلى الغار فوت على العدو مخططه وأحبطه، وفوت عليه القبض عليه.
هـ - الغار على غير طريق المدينة:
وتبدو عظمة التخطيط أكثر حين نعلم أن غار ثور في جنوب مكة وليس على طريق المدينة حيث احتمالات الرصد. وكما يقول المباركفوري: (ولما كان النبي - ﷺ - يعلم أن قريشا ستجد في الطلب، وأن الطريق الذي ستتجه إليه الأنظار لأول وهلة هو طريق المدينة الرئيسي المتجه شمالا فقد سلك الطريق الذي يضاده تماما وهو الطريق الواقع جنوب مكة، والمتجه نحو اليمين، سلك هذا الطريق نحو خمسة أميال حتى بلغ إلى جبل يعرف بجبل ثور. وهذا جبل شامخ، وعر الطريق، صعب المرتقى، ذو أحجار كثيرة، فحفيت قدما رسول الله - ﷺ - (٢».
و- المخابرات في مكة:
(وأمر أبو بكر ابنه عبد الله بن أبي بكر أن يتسمع ما يقول الناس فيهما نهاره، ثم يأتيهما إذا أمسى بما يكون في ذلك اليوم من الخبر .. (٣». فلا يكفي بقاء المصطفى - ﷺ - وصاحبه أبي بكر في الغار مدة معينة، ثم ينطلقان حسب التقدير إلى المدينة، لا بد من التعرف مباشرة على كل أسرار العدو
_________________
(١) المصدر نفسه ص ١٣٠.
(٢) الرحيق المختوم ص ١٨٣.
(٣) السيرة النبوية لابن هشام ج ٢ ص ١٣٠.
[ ١ / ١٩٠ ]
ومخططاته وتوقعاته، بحيث تصل أولا بأول إلى رسول الله - ﷺ -، فيكون متابعة تنفيذ الخطة قائما على خبرة بالواقع لا على ظن وحدس يخطىء ويصيب.
وكلما كانت القيادة أعلم بواقع العدو، وأدرى بأسراره، ولها في صفوفه من ينقل إليها كل تخطيطاته كلما كان ذلك أنجح لها في تنفيذ خططها ومخططاتها، وما يوم حليمة بسر. وما أحداث حماة التي أدت إلى محنتها الرهيبة، إلا وكان أكبر أسبابها جهل القيادة بطبيعة مجريات الأمور هناك. وانقطاع الاتصال بين القيادة في الخارج والقيادة الميدانية في الداخل ساهم إلى حد كبير في تطور الأزمة ومضاعفاتها.
ز - تأمين الزاد:
(.. وكانت أسماء بنت أبي بكر تأتيهما من الطعام إذا أمست بما يصلحهما .. (١». فقد يكون المقام طويلا في الغار ولو انقطع الزاد عنهما فقد يهلكان من الجوع، وأن يحمل عبد الله بن أبي بكر مؤونة إحضار الطعام فقد يلفت ذلك الأنظار ويكشف تحركاته ويحول دون تأدية مهمته.
ومن حقنا أن نتصور كذلك أنه بإمكان أسماء أن ينقل أخوها عبد الله لها صورة الواقع، وتنقل الزاد والأخبار لرسول الله. لكن قدرة أسماء على استيعاب الخبر وأبعاده أضعف من قدرة عبد الله. فلا بد من اعتماد أوثق الطرق، كذلك في الوقت الذي كانت أسماء فيه أقدر على تأمين الزاد ولكلا الأخوين اختصاصهما ومكانهما المناسب. ولا نستطيع أن نمر بهذه الفقرة دون الإشارة إلى شخصية أسماء العجيبة وهي الأنثى الحامل في شهورها الأخيرة. وتصعد في الجبل الذي يعجز المسلم العادي صعوده.
ح - إعفاء الأثر:
(.. وأمر عامر بن فهيرة مولاه أن يرعى غنمه نهاره ثم يريحهما عليه .. (٢». فإذا كان اقتفاء الأثر خير دليل لمعرفة وجودها في الغار، خاصة
_________________
(١) المصدر نفسه لابن هشام ج ٢ ص ١٣٠.
(٢) المصدر نفسه لابن هشام ج ٢ ص ١٣٠.
[ ١ / ١٩١ ]
وأسماء وعبد الله - ﷺ - وميا يأتيان إلى الغار، فكان غنم عامر بن فهيرة هو الذي يأتي على آثار أقدامهما فيعفي الأثر، ويزيل الاحتمال.
والشباب المجاهدون في القواعد، والمختبئون فيها لهم في هذا الدرس بكل جزئياته، ما يدفعهم إلى التعرف على كل وسائل السرية المطلوبة وفقدان عنصر واحد من هذه العناصر يجعل القاعدة معرضة للكشف من العدو.
ط - الاستمرار ثلاثة أيام:
(فأقام رسول الله - ﷺ - في الغار ثلاثا ومعه أبو بكر لأن الخروج إلى أي مكان في الأيام الأولى يجعلهما عرضة للوقوع في قبضة العدو. كما أن المدة الزمنية هذه كانت مرتبطة ارتباطا وثيقا في المعلومات المقدمة من عبد الله بن أبي بكر عن خفة الطلب عليهما. كما أن الاستقرار أكثر قد يلفت النظر من الآخرين حين يتكرر المرور عليهما من أسماء وعبد الله كل يوم.
ي - الإرادة الربانية تتدخل:
في رواية للإمام أحمد عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ قالت: فهيأنا لهم سفرة وخرجوا يطوفون في جبال مكة حتى انتهوا إلى الجبل الذي هما فيه فقال أبو بكر لرجل مواجه الغار: يا رسول الله إنه ليرانا. فقال: كلا أن ملائكة تسترنا بأجنحتها). فجلس ذلك الرجل فبال مواجه الغار فقال رسول الله - ﷺ -: لو كان يرانا ما فعل هذا (١».
وفي رواية البخاري: (.. فقلت: يا نبي الله لو أن بعضهم طأطأ بصره رآنا. قال: اسكت يا أبا بكر، اثنان الله ثالثهما ..). (٢) وبالرغم من كل الجهد البشري في التمويه والإخفاء والسرية فلقد وصلت قريش إلى مكان اختفاء رسول الله - ﷺ -، والظاهر من رواية أسماء أنهم كانوا يبحثون في كل جبال مكة عنهما، ولعل ذلك من وشاية أو توقع. واحتمال وصول قريش عن طريق تتبع الأثر هو احتمال ضعيف، أو ضعف في الخطة نفسها. لكن الذي نود قوله:
_________________
(١) ذات النطاقين لمحمد حسن بريغش. ج ٢ ص ٣٥ - ٣٦.
(٢) السيرة النبوية ج ٢ ص ١٣٠.
[ ١ / ١٩٢ ]
إنه حين ينتهي الجهد البشري المطلوب، وحين تستنفذ الطاقة البشرية فإنه تعالى أرحم بنبيه وصاحبه من أن يجعلهما ظفرا لعدوهما، ولقد قرر أنه تعالى في محكم التنزيل هذا المعنى إذا أكد حمايته لنبيه ونصره له حين تخلت عنه قوة الأرض، وحين كان المسلمون كلهم كقوة بشرية قائمة في المدينة أو مختفية في مكة - ليس معه للحماية إلا إنسان واحد: ﴿إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم (١)﴾.
فقوة الأرض كلها بعيدة عن النبى - ﷺ - المؤمنون والكافرون. ووصل إلى قبضة الطاغوت. وأكد رسول الله - ﷺ - لصاحبه: لا تحزن إن الله معنا قائلا له عن الرجل المراقب: إن الملائكة لتظللنا بأجنحتها مصداقا لقول الله ﷿: ﴿وأيده بجنود لم تروها﴾.
والتعبير القرآني العجيب أن هذا النصر في حقيقة الأمر كان بابا لأن تكون كلمة الله هي العليا، وإذلالا وإرغاما للمشركين في تحطيم كل مخططاتهم بقتل النبي ﵊. لقد كانت نجاته ﵊ من قبضة عدوه نصرا مؤزرا تكون كلمة الله تعالى هي العليا فيه.
والدعاة إلى الله بحاجة دائما إلى أن يكون راسخا في أعماقهم دائما عون الله لهم حين تعجز قوتهم البشرية عن إدراك ما يخطط لهم العدو بعد استنفاد الطاقة واستفراغ الوسع، وأن تكون لديهم القناعة التامة كذلك أن النصر أولا وأخيرا بيد الله.
ك - الاستفادة من خبرة المشركين:
(.. فاستأجرا عبد الله بن أريقط - وكان مشركا - يدلهما على الطريق فدفعا إليه راحليتهما - فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما. وعلى شركه، فالاستفادة من خبرته قائمة طالما أنه مأمون لا ينقل الأخبار للمشركين. والاستفادة من
_________________
(١) التوبة الآية ٤٠.
[ ١ / ١٩٣ ]
الطاقات غير الإسلامية للحركة الإسلامية تجد نفسها مضطرة للاستفادة من هذه الطاقات.
ل - متابعة التمويه:
(.. فيلقى الرجل أبا بكر فيقول: من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا الرجل يهديني الطريق، فيحسب الحاسب أنه يعني به الطريق، وإنما يعني به سبيل الخير (١». وطالما أن رسول الله - ﷺ - مع أبي بكر هو الهدف لقريش. وقد أعلن عن وضع مائة ناقة لمن يعثر عليه ويحضره، ومائة ناقة ثروة ضخمة للعربي الصعلوك الذي لا يجد قوته. فسوف تتسامع العرب بخبره وتحاول الظفر به، وتقدير هذه الصورة دفع أبا بكر ﵁ أن يتبع هذا السبيل. فيوحي للسائل أن أبا بكر دليله على الطريق. وبذلك ينتفي الاتهام الذي يحوم حول أحدهما أن يكون صاحب قريش. إن الدعاة إلى الله لا بد أن يكونوا على قدر من الوعي والنباهة وحضور البديهة وحدة الذاكرة ما يجعلهم قادرين على خداع عدوهم والإفلات من يديه دون أن يستعمل أسلوب الكذب الصراح إلا عند الضرورة. أما الأصل، ففي الكناية والمجاز متسع لهم لتحقيق هذه الغاية، وكما يقول ﵊ وهو يخط مبدأ من مبادىء التعامل مع العدو الصديق: (إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب (٢».
م - الطريق إلى اليمن:
(.. وأول ما سلك بهما بعد الخروج من الغار أنه أمعن باتجاه الجنوب نحو اليمن، ثم اتجه غربا نحو الساحل). ولم يكتف رسول الله - ﷺ - بالإقامة. ثلاث ليالي في الغار بل سار بهم الدليل بعيدا عن الأنظار باتجاه اليمن، ثم انحرف إلى طريق المدينة (حتى إذا وصل إلى طريق لم يألفه الناس اتجه شمالا على مقربة من شاطىء البحر الأحمر. فحتى الطرق الفرعية التي يمكن أن تقود إلى طريق المدينة اختارها ابن أريقط غير مأهولة، وغير مألوفة للناس
_________________
(١) الرحيق المختوم. عن البخاري. ص ١٨٧.
(٢) رواه ابن عدي في الكامل والبيهقي في شعب الإيمان.
[ ١ / ١٩٤ ]
إمعانا في السرية والبعد عن الأنظار. والطريق الذي اختاره للمدينة بعد ذلك هو غير الطريق العادي الذي يمضي به الناس إليها (وسلك طريقا لم يكن يسلكه أحد إلا نادرا) وكما يحدثنا أبو بكر ﵁ عن هذا الطريق بقوله: أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائم الظهيرة، وخلا الطريق لا يمر فيه أحد، فرفعت لنا صخرة طويلة لها ظل لم تأت عليه الشمس فنزلنا عنده، وسويت للنبي - ﷺ - مكانا بيدي ينام عليه وبسطت عليه فروة. وقلت نم يا رسول الله وأنا أنفض لك ما حولك. فنام، وخرجت أنفض ما حوله).
فالطريق خالية والناس قلما يمرون فيها. فكم كان هذا الدليل ماهرا خريتا وهو يسير بهم في كل صوب حتى يقودهم إلى المدينة؟ إن الجهد البشري في عالم الأسباب إذا كان من غير رجال الدعوة أصلا، فلا يجوز أن يسبق رجال الدعوة فيه بحجة الاعتماد على الله والتوكل عليه، وإذا كان سيد الخلق قد فعل ذلك وهو المصنوع على عناية الله وفي رعايته، فلا شك أننا نحن أولى بذلك.
ن - سراقة والتعامل معه:
ومن الجهد البشري في الاحتياط كذلك ما كان يفعله أبو بكر ﵁ (فجعل أبو بكر يسير أمامه، فإذا خشي أن يؤتى من خلفه سار خلفه. فلم يزل كذلك مسيره) ومع هذا الاحتياط فقد لحق سراقة بن مالك برسول الله - ﷺ - طمعا في الجائزة وكما يروي: (.. فدنوت منهما حتى إني لأسمع قراءة رسول الله - ﷺ - ثم ركضت الفرس فوقعت بمنخريها، فأخرجت قداحي من كنانتي فضربت بها: أضره أم لا أضره؟ فخرج: لا تضره، فأبت نفسي حتى أتبعه، فأتيت ذلك الموضع فوقعت الفرس. فاستخرجت يديه مرة أخرى، فضربت بالقداح أضره أم لا، فخرج لا تضره فأبت نفسي حتى إذا كنت منه بمثل ذلك الموضع خشية أن يصيبني ما أصابني بأذيته، فقلت: إني أرى سيكون لك شأن فقف أكلمك). فوقف النبي - ﷺ - فسأله أن يكتب له أمانا فكتب له أمانا). وفي رواية البخاري (١) فناديتهم بالأمان، فوقفوا، فركبت فرسي
_________________
(١) من رواية الإمام أحمد وأورده البخاري في صحيحه ج ٥/ ٧٧.
[ ١ / ١٩٥ ]
حتى جئتهم ووقع في نفسي حين لقيت ما لقيت من الحبس عنهم أنه سيظهر أمر رسول الله - ﷺ - فقلت له: إن قومك قد جعلوا فيك الدية، وأخبرتهم أخبار ما يريد الناس بهم، وعرضت عليهم الزاد والمتاع فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قال: أخف عنا، فسألته أن يكتب لي كتاب أمان فأمر عامر بن فهيرة فكتب لي في رقعة من أدم ثم مضى رسول الله - ﷺ -). (ورجع سراقة فجد في الطلب فجعل يقول: قد استبرأت لكم الخبر، قد كفيتم ما ها هنا وكان أول النهار جاهدا عليهما، وآخره حارسا لهما (١». والحرص على تعدد الروايات هو لاستكمال الصورة. فما لقيه سراقة من انسياخ قدمي فرسه ومن تعثرها وانكبابها على منخريها - كما ثبت في الروايات الصحيحة - جعله يغير خطته. ومن أجل ذلك فلم يقاتل ولم يقتل، بل تم الاطمئنان إليه. بأن أتم بقية الخطة في التعمية، وصرف الناس عن متابعة الطلب في هذا الطريق. والملاحظ أن سراقة لم يسلم وبقي على شركه. وكل ما وقع عنده هو قناعته بأن الرجل ممنوع وأن النصر حليفه لا محالة، ورضي أن يذود عن رسول الله - ﷺ - آخر اليوم ويبعد الناس عن ملاحقته في هذا الطريق.
والدرس المهم لنا من هذه الحادثة، ونحن في الحركة الإسلامية نعمل لإعادة الحياة الإسلامية إلى الأرض. هو أن نملك القدرة على تحديد الصديق من العدو وذلك في صفوف الكفار أنفسهم وبإمكان الحركة الإسلامية أن تأخذ من قلب أعدائها من تصبح القناعة عنده بانتصارها ليتعامل معها ويناصرها، ويبقى تقدير الأمر لقيادة الجماعة من خلال تعاملها مع هذا الخصم. إن المنطق الظاهري يقتضي قتل سراقة بن مالك لأنه قد يدل عليهما. وهو لم يسلم بعد، لكن تقدير رسول الله - ﷺ - لشخصه أنه صادق الولاء لهما، وأنه تخلى عن عدائه لهذه الحركة أمام هذه المعجزات.
والنقطة الثانية التي تستفيدها الحركة كذلك هو أن لا يكون الحكم على الرجل أو الفئة من خلال الماضي القريب أو البعيد في عدائهم للإسلام. فمناط الأمر هو الثقة بتغير هذه الفئة أو هذا الرجل مهما كان ماضيه في
_________________
(١) زاد المعاد ج ٢/ ٥٣ ط دار الفكر.
[ ١ / ١٩٦ ]
الحرب ضد الإسلام، والقيادة من خلال تعاملها مع هؤلاء الناس لها الاجتهاد الأوفى بهذا الأمر.
وإذا كان رسول الله - ﷺ - وهو الموحى إليه فيطلق في أحكامه من الوحي فلا يخطىء، ولا ينطق عن الهوى. فليس أمام قيادة الحركة الإسلامية إلا الاجتهاد في هذا الأمر الذي قد يخطىء وقد يصيب، ولو قدرنا مثلا أنها أخطأت التقدير فلا غضاضة في ذلك، ولا داعي لأن تقيم القاعدة الدنيا عليها لهذا الخطأ.
إن الحركة الإسلامية في مسيرها لإقامة دولة الإسلام، قد تتحالف مع عدو قريب وتتعاون معه بل تطلب منه جزءا من المناصرة جليلا أو يسيرا إذا اطمأنت إليه. وميزان الاطمئنان هو مدى ثقة هذا العدو بقوة الحركة الإسلامية. وتستطيع أن تبذل الجهد في التأكد من هذه الثقة، ولا شيء عليها بعد ذلك أصابت التقدير أم أخطائه.
والنقطة الثالثة التي نفقهها من هذه الحادثة هي فكرة الأمان لهذا العدو الذي غير موقفه وأعلن مناصرته وولاءه. فكل ما طلبه سراقة هو الأمان، وطالب به يوم حنين، وإن كنا لا ندري متى أسلم سراقة ﵁، وأغلب الظن أن إسلامه كان بعد فتح مكة (١). لكنه أظهر الأمان لرسول الله - ﷺ - يوم حنين فأقره عليه.
إن سلوك الكافرين ومواقفهم من الحركة الإسلامية يجعل لدى الحركة حرية التعامل معهم من خلال هذه المواقف بحيث يكون الأمر في النهاية لصالح الإسلام ودولته. وتستطيع أن تهادن وتؤمن وتستعين بمن تشاء بعد تقديرها لموقف هؤلاء الناس دون قيد. وكم نتمنى للقاعدة الإسلامية الصلبة أن تكون عونا لقيادتها على هذا التحرك، لا أن توجه لها سهام النقد والتجريح
_________________
(١) في رواية ابن إسحاق أنه أسلم بعد عرض الأمان على رسول الله - ﷺ - أثر عودته من حنين (خرجت ومعي الكتاب لألقاه فلقيته بالجعران فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار فجعلوا يقرعونني بالرماح ويقولون إليك ماذا تريد؟ فدنوت من رسول الله - ﷺ - وهو على ناقته فرفعت يدي بالكتاب ثم قلت: يا رسول الله هذا كتابك لي. أنا سراقة بن مالك فقال: يوم وفاء وبر أدنه فدنوت منه فأسلمت). تهذيب السيرة ص ١١٧.
[ ١ / ١٩٧ ]
والاتهام في وعيها على أقل الأحوال، ليصل الاتهام إلى دينها في أغلب الأحوال.
س - قصة أم معبد:
والذي يعنينا من قصة أم معبد بعد المعجزة الربانية الباهرة أنها كانت على بعض الروايات سببا في ملاحقة النبي - ﷺ - والركب منه. وعلى الأقل كانت هذه الضيافة بشكل عام قد حددت مكان السير. إذ تذكر الرواية عن أسماء ﵂: (حين أقبل رجل من الجن من أسفل مكة، يتغنى بأبيات من شعر غناء العرب وإن الناس يتبعونه يسمعون صوته ما يرونه حتى خرج من أعلى مكة وهو يقول:
جزى الله رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبد
ما نزلا بالبر ثم تروحا فأفلح من أمسى رفيق محمد
ليهن بني كعب مكان فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد
ومع ذلك فلم يكن لهذا الأمر ما يثير الغبار حول كشف المخطط أو مكان السير وطريقه. وقصدنا من هذه الملاحظة التأكيد على أن ما يتم فوق الطاقة البشربة من كشف لجانب من جوانب الخطة. كما جرى حين وصل الركب إلى الغار، وكما جرى حين وصل سراقة لرسول الله - ﷺ -، وكما جرى مع هاتف الجن، هذه أمور ربانية يهيئها الله تعالى لدعوته. قد تكون قوة لهؤلاء الدعاة، وقد تكون كشفا لهم وامتحانا عسيرا لتمحيص صفهم. ففي أحد أعلمنا الله تعالى حكمه وحكمته بقوله جل وعلا: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين (١)﴾.
فبالرغم من أن السرية التامة كانت على الجميع حتى من العصبة المسلمة ما عدا من اشترك فيها (عائشة وأسماء وأبو بكر وابن أريقط فهيرة
_________________
(١) سورة آل عمران الآية ١٤٠ - ١٤١.
[ ١ / ١٩٨ ]
ورسول الله - ﷺ -) مع هذا كله تكشف جانب من الخطة كان فوق التقدير البشري. فتلقاه رسول الله - ﷺ - بالتسليم المطلق: ﴿لا تحزن إن الله معنا﴾. (ما قولك في اثنين الله ثالثهما). وما أحرانا نحن وقد شهدنا عبقرية التخطيط للهجرة أن لا تغيب عنا هذه الجوانب الثلاث:
أولا: علينا أن نستفرغ الوسع ونبذل كل الطاقة في التخطيط البشري.
ثانيا: أن يكون اتكالنا على الله تعالى دون اعتمادنا على الأسباب.
ثالثا: أن نقبل قضاء الله وقدره فيما هو فوق طاقتنا ونطمئن إلى أنه خير للإسلام والمسلمين.
السمة الثامنة عشرة
قاعدة جديدة تنضم إلى الإسلام
يقول المباركفوري: (وفي الطريق لقي النبي - ﷺ - أبا بريدة (١). وكان رئيس قومه، خرج في طلب النبي - ﷺ - وأبي بكر رجاء أن يفوز بالمكافأة الكبيرة التي كان قد أعلن عنها قريش، ولما واجه رسول الله - ﷺ - وكلمه أسلم مكانه مع سبعين رجلا من قومه، ثم نزع عمامته وعقدها برمحه، فاتخذها راية .. (٢».
لقد كانت بيعة رسول الله - ﷺ - مع سبعين من الأنصار، ولا شك أن هؤلاء مقدمة للأنصار في المدينة. غير أن انضمام قافلة جديدة إلى موكب الإيمان من قبيلة أسلم، والتي كان بريدة بن الحصيب على رأسها قد مضى للإجهاض على محمد رسول الله - ﷺعتبر هذا الأمر تغيرا خطيرا في مراحل الدعوة. فلم تعد المدينة وحدها صاحبة اللواء الإسلامي المرفوع. إذ انضم إليها حليف قوي من أسلم، بهذا التجمع الكبير والجمهرة الضخمة. وهذا يعني أن الطريق بين مكة والمدينة صار محفوفا بالمخاطر من هؤلاء وعلى الأقل
_________________
(١) الأصح أنه بريدة بن الحصيب الأسلمي كما في إمتاع الأسماع للمقريزي ص ٤٢.
(٢) المباركفوري في - الرحيق المختوم - ص ١٩.
[ ١ / ١٩٩ ]
إن لم يتمكنوا من صد هجوم قريش فلا أقل من أن يرصدوه، ويرصدوا كل التحركات المعادية ضد رسول الله ﵊. ولقد كان سرور رسول الله - ﷺ - عظيما بدخول هذه القاعدة في الإسلام إذ قال: (أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، أما والله ما أنا قلته، ولكن الله قاله (١» ويشير هذا المعنى إلى أن قوة المسلمين، وظهور تجمعهم قد جعل القبائل المجاورة على استعداد لقبول الإسلام والانضمام إليه.
كما يشير المعنى كذلك إلى أن الدعوة إلى الله تعالى تبقى هي الهدف الرئيسي للمسلمين، فرغم أن الظروف على الطريق إلى المدينة. لم تكن ظروفا مؤهلة للخوض في تفاصيل الإسلام. لكن الهدف الرئيسى دائما تتجاوز الظروف من أجله، وعلى الدعاة إلى الله أن يكونوا دائما على أهبة الاستعداد للدعوة إلى الله على بصيرة.
السمة التاسعة عشرة
(أول إعلان رسمي لشعائر العبادة)
(قال عروة بن الزبير: فتلقوا رسول الله - ﷺ -، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عمرو بن عوف وذلك يوم الإثنين من شهر ربيع الأول).
ونزل رسول الله - ﷺ - بقباء على كلثوم بن الهدم .. وأقام بقباء أربعة أيام الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وأسس مسجد قباء وصلى فيه، وهو أول مسجد أسس على التقوى بعد النبوة (٢».
فبعد مرور ثلاثة عشر عاما ليس للمسلمين مركز علني ثابت يصلون فيه، لا تقام فيه إلا شعائر التوحيد، إذ كانوا يصلون أحيانا في الكعبة، لكن بيت الله الحرام قد أحاط به ثلاثمائة وستون صنما، وكل شعائر الشرك تقام حوله.
_________________
(١) الإمام أحمد الطبراني والحاكم في مستدركه.
(٢) الرحيق المختوم عن البخاري وزاد المعاد ص ١٨٩ - ١٩١.
[ ١ / ٢٠٠ ]
لقد كان مسجد قباء كما ذكر القرآن الكريم أول مسجد أسس على التقوى، وكان رواده أول ركب مؤمن خالص الإيمان يعلنون التوحيد ويرفعون راية لا إله إلا الله، دون خوف من سلطة قاهرة تفرض عليهم غير شعائر الإيمان. لقد كانت الصلاة في مسجد قباء نقطة تحول في التاريخ الإسلامي بين عهد المحنة والخوف والمعاناة، وبين عهد التميز والمفاصلة، والعبادة الخالصة لله وحده دون أثر للشرك والمشركين.
﴿.. لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه فيه رجال يحبون أن يتطهروا والله - ﷺ - حب المطهرين (١)﴾. ولعل الهدف الأول للحركة الإسلامية اليوم حين تقيم دولة الإسلام أن تعود إلى المساجد روح التوحيد الخالص البعيدة عن مظاهرة الطاغوت والتسبيح بحمده، دون خوف أو وجل. ﴿وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا .. (٢)﴾. وهو الهدف الذي حدده الإسلام للمؤمنين عند التمكين. ﴿.. الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور .. (٣)﴾.
﴿.. في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (٤)﴾.
وكان تجمع قباء ليس خاصا بأهل قباء وحدهم. فكما يقول ابن القيم: وسمعت الوجبة والتكبير في بني عمرو بن عوف، وكبر المسلمون فرحا بقدومه، وخرجوا للقائه فتلقوه وحيوه بتحية النبوة (٥». وكان هذا التجمع
_________________
(١) التوبة ١٠٨.
(٢) سورة الجن الآية ١٨.
(٣) سورة الحج الآية ٤١.
(٤) سورة النور الآية ٣٦ - ٣٨.
(٥) الرحيق المختوم ص ١٩١.
[ ١ / ٢٠١ ]
خاليا من كل الشكليات والرسميات. وكما روى البخاري: فقام أبو بكر للناس وجلس رسول الله صامتا، فطفق من جاء من الأنصار ممن لم ير رسول الله - ﷺ - يحيي أبا بكر حتى أصابت الشمس رسول الله - ﷺ - فأقبل أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه فعرف الناس رسول الله عند ذلك).
إنه سيد خلق الله كافة، ويعيش مع أصحابه كأنه واحد منهم حتى لا يعرف إلا عندما يظلل بالرداء من أبي بكر، ومعالم دولة الإسلام في الأرض بهذه القيادة وبهذا التواضع والتعايش لحرية أن تكون منهاجا لكل مسؤول وقائد كيف تكون علاقته مع إخوانه وجنوده.
السمة العشرون
نجاح الخطة، ووصول القائد الأعلى إلى مركز القيادة
(.. فلما كان اليوم الخامس - يوم الجمعة - ركب بأمر الله له، وأبو بكر ردفه، وأرسل إلى بني النجار - أخواله - فجاؤوا متقلدين سيوفهم فسار نحو المدينة فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي، وكانوا مائة رجل. وبعد الجمعة دخل النبي - ﷺ - المدينة، فكان لا يمر بدار من دور الأنصار إلا أخذوا خطام راحلته، هلم إلى العدد والعدة والسلاح والمنعة، فكان يقول لهم، خلوا سبيلها فإنها مأمورة، فلم تزل سائرة به حتى وصلت إلى موضع المسجد النبوي اليوم فبركت، ولم ينزل عنها حتى نهضت وسارت قليلا ثم التفتت ورجعت فبركت في موضعها الأول، فنزل عنها وبادر أبو أيوب الأنصاري إلى رحله فأدخله بيته فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: المرء مع رحله (١». وها هو رسول الله - ﷺ - بين أصحابه من المهاجرين والأنصار يحفون بهم، ويفدونه بآبائهم وأمهاتهم، ويضعون دماءهم وأموالهم تحت تصرفه وجواري الأنصار يغنين ويضربن بالدفوف:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
_________________
(١) مقتطفات من الرحيق المختوم ص ١٩٢ - ١٩٣.
[ ١ / ٢٠٢ ]
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
أيها المبعوث فينا جئت بالأمر المطاع
وقامت دولة الإسلام الأولى في الأرض تحف بها ملائكة السماء بعد جهاد ضار مضني استمر ثلاثة عشر عاما كاملة. وكانت الخطوة الأولى في هذه المرحلة هي بناء المسجد الذي سيكون مركز انطلاقة لهذه الدولة ودار الحكم فيها ومقر قيادة الجيش، ومحضن التربية الأول ودار القضاء العالي.
وإذا استعدنا الخطوط العامة لهذه المرحلة الثالثة للعهد المكي والتي ابتدأت من رحلة الطائف الشاقة مع قول رسول الله - ﷺ -: يا أرحم الراحمين إلى من تكلني إلى بعيد يتجهمني، أم إلى عدو ملكته أمري. أنت رب المستضعفين وأنت ربي ..
هذه المرحلة التي ابتدأت ولا نصير ولا معين يغادر الطائف مدمى القدمين من الحجارة من سفهاء القوم، وتتوج هذه المرحلة بين أسود الأنصار وأبطال المهاجرين يقضون جميعا دون أن تناله شوكة تؤذيه في رجله ويعلنون:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
لأدركنا خطورة هذه المرحلة، وأدركنا معالمها، وأدركنا سماتها، وعبقرية النبوة في إقامة هذه الدولة دون أن تراق قطرة دم.
[ ١ / ٢٠٣ ]