[ ٢ / ٢٠٥ ]
ينقسم العهد المدني إلى مرحلتين كبيرتين متميزتين
المرحلة الأولى:
مرحلة تأسيس الدولة وتنتهي بغزوة الخندق
المرحلة الثانية:
مرحلة نصر الله والفتح
وتمتد من صلح الحديبية إلى الوفاة
[ ٢ / ٢٠٧ ]
مواصفات المرحلة الأولى
ويتم تناولها في دراسة المواقف المشتركة والمتشابهة في هذه المرحلة، مع مراعاة التسلسل الزمني ما أمكن ضمن عناصر السمة الواحدة.
السمة الأولى
الهدنة مع الأعداء ما عدا قريشا وحلفاءها
أ - ميثاق المدينة والهدنة مع اليهود؟
إذا كان اليهود قوة ذات شوكة ومنعة وليس من صالح الرسول - ﷺ - والمسلمين معه فتح حرب مع اليهود، خاصة وأنهم أهل كتاب منزل، فالطمع في إسلامهم قائم. ولقد تناول الميثاق تنظيم العلاقة بين المهاجرين والأنصار، كما تناول تنظيم العلاقة بين المسلمين عامة وبين اليهود في بابين:
الباب الأول: اليهود الذين يعيشون ضمن تجمعات المسلمين.
الباب الثاني: اليهود المتميزون في دورهم وتجمعاتهم بعيدا عن المسلمين.
أما بالنسبة للباب الأول فقد ذكرت الوثيقة ما يلي:
(.. وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ (يهلك) إلا نفسه وأهل بيته.
وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف.
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف.
وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف.
وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف.
وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم.
وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن البر دون الإثم.
وإن موالي ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة يهود كأنفسهم.
وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد - ﷺ -، وإنه لا ينحجز على ثأر جرح، وإنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته، إلا من ظلم وإن الله على أبر هذا (١».
وذكرت الوثيقة بالنسبة للباب الثاني ما يلي:
(وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم. وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم. وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها. وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله ﷿ وإلى محمد رسول الله - ﷺ -، لأن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره وأنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه، وأنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإن لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين، على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وإن يهود الأوس، مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة، مع البر المحض من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم، لا يكسب كاسب إلا على نفسه. وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا
_________________
(١) تهذيب سيرة ابن هشام لهارون ص ١٢٥.
[ ٢ / ٢١٠ ]
الكتاب دون ظالم أو آثم، وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلا من ظلم وأثم، وإن الله جار لمن بر واتقى ومحمد رسول الله - ﷺ - (١».
ب - العلاقة مع المشركين:
حيث لم يسمح لتجمع المشركين من خلال الفكرة، إنما من خلال التجمع القبلي، ووضع في الميثاق مادة تحكم علاقة الأفراد المشركين في التجمع الإسلامي: (وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بنيه فإنه قود به إلا أن يرض ولي المقتول ..). وبذلك تم تنظيم العلاقات بين أبناء هذا المجتمع على اختلاف دياناتهم في دولة الإسلام الأولى دولة النبوة، وحقق هذا الميثاق العدل التام للجميع والارتياح والرضا من قبلهم. فحقوقهم محفوظة، وواجباتهم محددة، والعدو الوحيد لأبناء هذا الوطن الإسلامي بكل فئاته هم قريش فقط. وعليهم واجب التناحر ضدها، ويحرم التحالف معها.
ج - ميثاق الأمان مع بني ضمرة:
وذلك في غزوة الأبواء أو ودان في صفر من السنة الثانية للهجرة حيث (عقد معاهدة حلف مع عمرو بن مخشي الضمري، وكان سيد بني ضمرة في زمانه، وهاك نص المعاهدة: هذا كتاب من محمد رسول الله لبني ضمرة، فإنهم آمنون على أموالهم وأنفسهم، وإن لهم النصر على من رامهم إلا أن يحاربوا دين الله ما بل بحر صوفة. وإن النبي إذا دعاهم لنصره أجابوه. وهذه أول غزوة غزاها رسول الله - ﷺ - (٢».
د - ميثاق عدم اعتداء مع بني مدلج:
وكان ذلك في غزوة العشيرة في جمادى الأولى من السنة الثانية حيث عقد هذه المعاهدة مع بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة.
_________________
(١) تهذيب سيرة ابن هشام لهارون ص ١٢٦.
(٢) الرحيق المختوم ص ٢٢٠. عن المواهب اللدنية للزرقاني.
[ ٢ / ٢١١ ]
هـ - موادعة أهل دومة الجندل:
وكان ذلك في السنة الخامسة للهجرة بعد أن بدأت القبائل تتجرأ على المسلمين عقب أحد حيث بلغه أن هذه القبائل على مشارف الشام تعد العدة لغزو المدينة. وأما أهل دومة الجندل ففروا في كل وجه، فلما نزل المسلمون بساحتهم لم يجدوا أحدا، وأقام رسول الله - ﷺ - أياما وبث السرايا، وفرق الجيوش، فلم يصب منهم أحدا، ثم رجع إلى المدينة، ووادع في تلك الغزوة عيينة بن حصن.
فلقد كانت هذه الأحلاف والمعاهدات مع القبائل البعيدة والقبائل المجاورة بهدف تخذيل العدو وفتح جبهة واحدة مع قريش فقط، بينما يطمئن إلى بقية الجبهات أنها لن تغزوه، وبهدف التخذيل عن العدو، فلا يبقى مع قريش مناصر في المدينة وما حولها. فلا تجد الحركة الإسلامية على ضوء هذه السمة حرجا في أن تحالف من شاءت وتحارب من شاءت إلى أن تصبح قادرة على تطبيق الإسلام كاملا بالنسبة للمشركين، إما الإسلام وإما القتل. وعليها أن تفي بعهودها مع هذا الحليف.
السمة الثانية
بناء القاعدة الصلبة
وقد أخذت عملية بناء المجتمع الإسلامي الأولى ثلاثة خطوط:
الخط الأول: العهد بين تجمع المهاجرين وتجمع الأنصار.
الخط الثاني: المؤاخاة بين أفراد المهاجرين والأنصار.
الخط الثالث: المؤاخاة بين المهاجرين وحدهم.
أما نص الوثيقة التي أقامت هذا البناء بين المهاجرين والأنصار فتقول: بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من
[ ٢ / ٢١٢ ]
قريش ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم، إنهم أمة واحدة من دون الناس، المهاجرون من قريش على ربعتهم يتعاقلون (١) بينهم، وهم يفدون عانيهم (٢) بالمعروف والقسط بين المؤمنين وبنو عوف على ربعتهم (٣) يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وبنو النجار .. وبنو الحارث .. وبنو ساعدة .. وبنو الجشم .. وبنو عمرو بن عوف .. وبنو النبيت .. وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين. وإن المؤمنين لا يتركون مفرحا (٤) بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل. وأن لا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة (٥) ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين. وإن أيديهم عليه جميعا، ولو كان ولد أحدهم، ولا يقتل مؤمن مؤمنا في كافر، ولا ينصر كافرا على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة يجير عليهم أدناهم، وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس. وإنه من تبعنا من يهود فإن له النصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصر عليهم. وإن سلم المؤمنين واحدة، لا يسالم مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم لأن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضا، وإن المؤمنين يبىء بعضهم على بعض بما نال دماءهم في سبيل الله، لأن المؤمنين المتقين على أحسن هدي وأقومه. وإنه لا يجير مشرك مالا لقريش ولا نفسا، ولا يحول دونه على مؤمن، وإنه من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول، وإن المؤمنين عليه كافة، ولا يحل لهم إلا قيام عليه وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثا ولا يؤويه، وإنه من نصره أو آواه فإن
_________________
(١) يتعاقلون: أي يعقل بعضهم عن بعض، والعقل: الدية.
(٢) العاني: الأسير.
(٣) الربعة: الحال التي وجدهم عليها الإسلام.
(٤) مفرحا: مقلا بالدين كثير العيال.
(٥) الدسيعة: العظيمة.
[ ٢ / ٢١٣ ]
عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله ﷿ وإلى محمد - ﷺ - (١».
فلقد أصبح المهاجرون والأنصار أمة واحدة من دون الناس، أما كتلة المهاجرين فكلها تجمع واحد، أما كتلة الأنصار فموزعة على تجمعات قبائلها وعشائرها، ولقد تحددت مسؤولية كل فريق على حدة أمام الله تعالى وأمام رسوله وأمام إخوانه المؤمنين. وحيث إن المهاجرين جميعا كتلة واحدة ليس تجمعهم على أساس الانتماء القبلي، فكان لا بد من الخط الثاني، خط المؤاخاة بين المهاجرين أنفسهم ليحمل قويهم ضعيفهم، وآخى رسول الله - ﷺ - بين ذاته الشريفة وبين علي بن أبي طالب ابن عمه الذي جاءه حافي القدمين بعد تأدية أماناته إلى الكفار في مكة. كما آخى ﵊ بين حمزة بن عبد المطلب عمه، وبين زيد بن حارثة مولاه، دون تمييز لنسبهما بل كان الدافع هو التقوى. وكان الخط الثالث هو المؤاخاة بين أفراد المهاجرين والأنصار على حد التعبير النبوي: تآخوا في الله أخوين أخوين.
وذلك ليتم التكافل المباشر بينهما، فالأنصار أهل ضرع وزرع، والمهاجرون أهل تجارة. فكان الأنصاري يعرض على أخيه المهاجر أن يقاسمه ماله وبيته وزرعه. فقد روى البخاري أنهم لما قدموا المدينة آخى رسول الله - ﷺ - بين عبد الرحمن (بن عوف) وسعد بن الربيع، فقال لعبد الرحمن: إني أكثر الأنصار مالا، فاقسم مالي نصفين، ولي امرأتان، فانظر أعجبهما إليك فسمها لي، أطلقها، فإذا انقضت عدتها فتزوجها، قال: بارك الله لك في أهلك ومالك، وأين سوقكم؟ فدلوه على سوق بني قينقاع.
ويقول ابن القيم: ثم آخى رسول الله - ﷺ - بين المهاجرين والأنصار في دار أنس بن مالك وكانوا تسعين رجلا نصفهم من المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، آخى بينهم على المواساة ويتوارثون بعد الموت دون ذوي الأرحام،
_________________
(١) تهذيب سيرة ابن هشام ص ١٢٤.
[ ٢ / ٢١٤ ]
إلى حين وقعة بدر، فلما أنزل الله ﷿ ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض (١)﴾ رد التوارث دون عقد الأخوة.
وروى البخاري عن أبي هريرة قال: قال الأنصار للنبي - ﷺ -: اقسم بيننا وبين إخواننا النخيل. قال: لا، فقالوا: تكفونا المؤونة ونشرككم في الثمرة قالوا: سمعنا وأطعنا (٢».
السمة الثالثة
إعلان إسلامية الدولة
أ - بناء المسجد:
يقول المباركفوري: وأول خطوة خطاها رسول الله - ﷺ - بعد ذلك هو إقامة المسجد النبوي ففي المكان الذي بركت فيه ناقته أمر ببناء المسجد، واشتراه من غلامين يتيمين كانا يملكانه، وساهم في بنائه نفسه، فكان ينقل اللبن والحجارة ويقول:
هذي الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر
وكان ذلك مما يزيد نشاط الصحابة في البناء حتى أن أحدهم ليقول:
لئن قعدنا والنبي يعمل لذاك منا العمل المضلل
وكان في ذلك المكان قبور المشركين، وكان فيه خرب ونخل وشجرة من غرقد فأمر رسول الله - ﷺ - بقبور المشركين فنبشت، وبالخرب فسويت، وبالنخل والشجرة فقطعت، وصفت في قبلة المسجد وكانت القبلة إلى بيت المقدس وجعلت عضادتاه من الحجارة، وأقيمت حيطانه من اللبن والطين، وجعل سقفه من جريد النخل، وعمده الجذوع، وفرشت أرضه من الرمال والحصباء، وجعلت له ثلاثة أبواب، وطوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، والجانب مثل ذلك أو دونه. وكان أساسه قريبا من ثلاثة أذرع.
_________________
(١) من الآية ٦ من سورة الأحزاب.
(٢) الرحيق المختوم ص ٢٠٦.
[ ٢ / ٢١٥ ]
ولم يكن المسجد موضعا لأداء الصلوات فحسب، بل كان جامعة يتلقى فيها المسلمون تعاليم الإسلام وتوجيهاته، ومنتدى تلتقي وتتآلف فيه العناصر القبلية المختلفة التي طالما نافرت بينها النزعات الجاهلية وحروبها، وقاعدة لإدارة جميع الشؤون وبث الانطلاقات، وبرلمانا لعقد المجالس الاستشارية والتنفيذية. وكان مع هذا كله دارا يسكن فيها عدد كبير من فقراء المهاجرين اللاجئين الذين لم يكن لهم دار ولا مال ولا أهل ولا بنون.
ب - إعلان الأذان:
(.. فبينا هم على ذلك إذ رأى عبد الله بن زيد .. النداء. فأتى رسول الله - ﷺ - فقال له: يا رسول الله. إنه طاف في هذه الليلة طائف. مر بي رجل عليه ثوبان أخضران، يحمل ناقوسا في يده. فقلت له: يا عبد الله أتبيع هذا الناقوس؟ قال: وما تصنع به؟. قلت: ندعو به إلى الصلاة. قال: أفلا أدلك على خير من ذلك؟ قلت: وما هو؟ قال: تقول: الله أكبر الله أكبر فلما أخبر بها رسول الله - ﷺ - قال: إنها لرؤيا حق إن شاء الله فقم مع بلال فألقها عليه فليؤذن بها فإنه أندى صوتا منك. فلما أذن بها بلال سمعها عمر بن الخطاب وهو في بيته، فخرج إلى رسول الله - ﷺ - يجر رداءه، وهو يقول: يا نبي الله، والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الذي رأى. فقال رسول الله - ﷺ -: فلله الحمد على ذلك (١).
ج - الحكم الإسلامي:
ونلاحظ ميزات هذا الحكم وإعلانه من بعض مقتطفات من ميثاق المدينة:
١ - بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم إنهم أمة من دون الناس
٢ - وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله ﷿ وإلى محمد - ﷺ -.
_________________
(١) تهذيب سيرة ابن هشام ص ١٢٨.
[ ٢ / ٢١٦ ]
٣ - وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين لليهود دينهم وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وإن ليهود
٤ - وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة.
٥ - وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله ﷿ وإلى محمد رسول الله - ﷺ -.
ولا تحتاج هذه الفقرات إلى تعليق، فهي واضحة تماما من حيث تحديدها لقيام دولة الإسلام وإعلان هوية هذه الدولة. بعد التمكين الذي هيأه الله تعالى لرسوله وللمؤمنين.
السمة الرابعة
لا خيار من المعركة
الصورة الواضحة في أذهان معظم شباب المسلمين من خلال قراءتهم لكتب السيرة هي أن رسول الله - ﷺ - هو الذي افتتح المعركة مع قريش حين راح يهاجم قوافلها المارة بالمدينة، وخاصة قافلة أبي سفيان، ويضطر كتاب السيرة للاعتذار عن هذا الهجوم أن قريشا قد سلبت أموال المسلمين وأخرجتهم من أرضهم وديارهم. فلذلك هم يطلبون ما لهم وهم أصحاب الحق فيه. ومرد الخطأ في هذه الصورة هو اعتماد سيرة ابن هشام وحدها مصدرا للسيرة ة بينما يمكن للصورة أن تتكامل لو ربطت هذه السيرة مع ما ورد عن سيرة رسول الله - ﷺ - في كتب الحديث المعتمدة من الصحاح الستة وغيرها التي تعتبر من حيث التوثيق أقوى من سيرة ابن إسحاق.
والذي دفع إلى كتابة هذه الخاطرة هو ما رواه أبو داود في سننه عن قريش أنهم كتبوا إلى عبد الله بن أبي بن سلول - بصفته زعيم المدينة - يهددونه ويتوعدونه بقولهم: (إنكم آويتم صاحبنا، وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو
[ ٢ / ٢١٧ ]
لتخرجنه، أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم). كان هذا بالنسبة لأهل يثرب وزعيمها، أما بالنسبة للمهاجرين فقد كتبت إليهم تقول: (لا يغرنكم أنكم أفلتمونا إلى يثرب، سنأتيكم فنستأصلكم ونبيد خضراءكم في عقر داركم (١».
ولم يكن هذا غريبا على منهج قريش، فهي التي قررت اغتيال رسول الله - ﷺ - على ملأ منها، وخفتت الأصوات التي كانت تدعو لحمايته، ولم يكن لديها الجرأة لمواجهة التيار العنيف ضده وضد أصحابه، كما أن قريشا منعث بالقوة هجرة من استطاعت منعهم عندما رأت تسرب المسلمين إلى يثرب، ولم تكتف بذلك، بل بعثث وراء بعض المهاجرين فاستعادتهم مثل عياش بن ربيعة والوليد بن الوليد وغيرهم. فمنطق الحرب لدى قريش يعطينا تصورا عن منطق الجاهلية في حربها ضد الإسلام والمسلمين. إنها لن تدع المسلمين يستقرون في الأرض، ولن تترك لهم أمانا في أي موقع، أو تدع لهم أن يحتلوا أي موقع. لأنها تعرف أن قوة الإسلام لا بد أن تكتسحهم.
والحركة الإسلامية بحاجة أن يستقر في ذهنها هذا المعنى، فلا تركن إلى الدعة إن ابتعدت عن موطن الصراع، أو تحسب أن المعركة قد انتهت مع الجاهلية إن أفلتت من أيديها. وواقع الحركة الإسلامية اليوم يؤكد هذا المعنى، فعندما تجمع الدعاة في قطر مجاور للطاغوت لم يتورع أن يتجاوز الحدود، ويغتال من يستطيع اغتيالهم أو يحاول ذلك، بل لجأ في بعض الظروف إلى حشد فرق كاملة على حدود هذا القطر ليحاربه، والعالم كله يحارب الأقطار التي تؤي شباب الحركة الإسلامية أو تهيء لهم التدريب والتحرك.
إنه لا خيار لنا في المعركة، وهذا ما أكدته قريش لابن أبي أولا ثم للمسلمين المهاجرين ثانيا. تطالب فيه قيادة المدينة أن تطرد المؤمنين منها، أو تقتلهم فيها، كما تؤكد أن الاستئصال التام هو الحل الوحيد لديها في مواجهة المسلمين.
_________________
(١) أبو داود، باب خبر بني النضير.
[ ٢ / ٢١٨ ]
وتؤكد هذه الصورة في عصرنا الحديث يوم أصرت السلطة الطاغية في بعض الأقطار على تسليم بعض قيادات الحركة الإسلامية لها مقابل حضورها مؤتمرا معقودا في الدولة المضيفة. إننا مع الجاهلية في معركة لا خيار فيها، وفي هذه المعركة لا نلتقي مع العدو في منتصف الطريق بل تحدد هدفها في اجتثاث جذور الدعاة واستئصالهم، وحين نفهم عدونا على ضوء هذا المعنى نتعامل معه على بصيرة منه ومن مخططاته.
السمة الخامسة
التجمع الوثني في المدينة
( فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال رسول الله - ﷺ - ..).
لاحظنا أن الميثاق لم يعط التجمع الوثني بصفته كتلة في المجتمع حق الوجود، إنما سمح بوجوده بصفته أفرادا لا يجبرون على دخول الإسلام. وكان على رأس هذا التجمع عبد الله بن أبي الذي أقسم الأيمان المغلظة لقريش في موسم الحج أن قومه لم يعاهدوا محمدا ولم يعاقدوه، ولا يمكن أن يتم هذا دون علمه وأمره، فعندما بلغه أن الخبر صحيح امتلأ قلبه حقدا على رسول الله - ﷺ -، ومما زاد الحقد في قلبه اشتعالا هو أن الخزرج والأوس بعد أن هدأت بينهم الثارات اجتمعوا على أن يعقدوا الملك لعبد الله بن أبي وكانوا ينسجون له الخرز ليتوجوه. فأحس عبد الله بن أبي أن عدوه الأول والأكبر هو محمد رسول الله. وتذكر كتب السيرة موقفا له في هذه المرحلة قبل دخوله الإسلام يوم مر عليه رسول الله - ﷺ - مع ركب من قومه فنزل عن حماره وسلم عليه، (ثم جلس فتلا القرآن، ودعا إلى الله، وذكر بالله .. حتى إذا فرغ رسول الله - ﷺ - من مقالته قال: يا هذا إنه لا أحسن من حديثك هذا إن كان حقا، فاجلس في بيتك فمن جاءك فحدثه إياه، ومن لم يأتك فلا تغشه به، ولا تأته في مجلسه بما يكره، فقال عبد الله بن رواحة في رجال كانوا عنده من المسلمين: بلى فاغشنا وائتنا في مجالسنا ودورنا، فهو والله مما نحب، ومما أكرمنا
[ ٢ / ٢١٩ ]
الله به وهدانا له، فقال عبد الله بن أبي حين رأى من خلاف قومه ما قد رأى:
متى ما يكن مولاك خصمك لا تزل تذل ويصرعك الذي لا يصارع
وهل ينهض البازي بغير جناحه وإن جذ يوما ريشه فهو واقع (١)
وفي رواية أنه قال له (٢): أبعد عنا نتن حمارك.
فشخصية عبد الله بن أبي إذن هي المؤهلة للمواجهة والحرب في المدينة. أما اليهود فقد كانوا أذكى من ابن أبي وهم يرون الكثرة من أهل يثرب مع رسول الله - ﷺ -. وكان من تخطيطهم أن يتم إنهاء محمد رسول الله على يد هذا التجمع الوثني دون أن يفقدوا مالا أو نفسا.
ووجد ابن أبي الفرصة سانحة ليهيج العواطف ضد رسول الله - ﷺ - وصحبه من جماعته المتواطئين معه على وثنيته. ولا يتم له ذلك إلا بتجسيم الخطر المحيق بهم من جراء تهديدات قريش، وأكد لهم أن القضية قضية فناء أو بقاء، ولا قرار ولا استقرار لهم إلا بطرد المسلمين وقتالهم. ومن أجل ذلك أعادوا تنظيمهم، وشكلوا القوة المكافئة ومضوا لقتال رسول الله - ﷺ - والمسلمين.
وهذه هي العناصر الثلاثة التي حدت بهذا التجمع لحرب المسلمين:
١ - الحقد والضغينة على فوات المنصب والمركز لقيادة يثرب.
٢ - خلاف العقيدة والإصرار على الوثنية.
٣ - الدفع الخارجي والتهديد بالخطر من قريش، والتآمر الداخلي من اليهود.
وهذه العناصر موجودة في كل وقت، ويحتمل أن تواجه بها الحركة الإسلامية وتعد لهذا الموقف عدته.
وفي مثل هذه الظروف تكون الريح مع أعداء المسلمين، تماما كما يفعل اليوم الطواغيت حين يهددون الشعب الآمن بذبحه إن آوى المجاهدين، بل
_________________
(١) مختصر السيرة النبوية لابن محمد بن عبد الوهاب ص ١٧٠ عن ابن إسحاق عن الزهري.
(٢) لرسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٢٢٠ ]
يحرص على أن يبث عملاءه في الصفوف ليؤكدوا أن الحرب والدماء والخوف قد نشأ من وجود المجاهدين وعملياتهم ضد السلطة الباغية، وحرص عوام الناس على أمنهم ومصالحهم القريبة يدفعهم إلى الاستجابة لمثل هذه الدعايات، وأن يقفوا في صف السلطة الباغية ضد إخوتهم المجاهدين، وبهذا المنطق استطاع عبد الله بن أبي أن يجمع هؤلاء الناس ويحرضهم على حرب رسول الله - ﷺ - وأصحابه.
السمة السادسة
تفتيت التجمع بالنزعة الوطنية والعشائرية
( فلما بلغ ذلك النبي - ﷺ - لقيهم فقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم. فلما سمعوا ذلك من النبي تفرقوا (١». وكم نحن بحاجة إلى الوقوف أمام هذا المعنى، وهو المعنى الذي يمكن أن نسميه فقه سياسة النبوة. لقد كان لهذا الموقف صورة مشابهة نقلها لنا البخاري ﵀ حول الصورة السابقة من لقاء رسول الله - ﷺ - مع عبد الله بن أبي.
وفي الرواية ( وأردف أسامة بن زيد وراءه وفيه وذلك قبل وقعة بدر وقبل أن يسلم عبد الله، وفيه: فلما غشيت القوم عجاجة الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه وقال: لا تغيروا علينا، وفيه: فاستب المسلمون والمشركرن واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل النبي - ﷺ - يخففهم حتى سكنوا. وفيه: قال سعد بن عبادة: اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة أن يتوجوه فيعصبونه بالعصابة فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت فعفا عنه رسول الله - ﷺ - (٢).
_________________
(١) أبو داود، خبر بني النضير.
(٢) مختصر السيرة. ص ١٧٠.
[ ٢ / ٢٢١ ]
لقد كانت المواجهة الأولى بين المسلمين والمشركين في المدينة في الحادثة المذكورة، ولو أن رسول الله - ﷺ - ترك الأمر لعواطف المسلمين، وهم ما ثاروا إلا غضبا لله ورسوله، لوقعت الحرب الضروس، وتزعزع إيمان بعض المؤمنين، وانضموا إلى معسكر عبد الله بن أبي، وأعيدت حرب بعاث من جديد.
وضاعت فيها معالم الحق وسط نتن العصبية وتزلزلت دولة الإسلام في مراحلها الأولى.
فلقد استل رسول الله - ﷺ - غضب المسلمين، ولو كان غضبهم لله ورسوله، وكان يهدىء العواطف الثائرة، دون أن ينحاز لأحد الطرفين، واستجاب المسلمون لأمر قائدهم واستبعدت المعركة.
أما الصورة الجديدة التي بين يدينا فهي في ظاهرها غير ممكنة التلافي. إذ قد عمد الوثنيون إلى سلاحهم لمواجهة المسلمين، وتبدو صعوبتها أكثر حين نتصور أن الأيدي الخفية التي تحركها من الخارج. واستطاعت الدعاية الخارجية أن تجعل الأمر في أذهان المشركين أمر مصير محتوم لا خيار فيه. فإما قتل محمد وأصحابه وطردهم، وإما احتلال المدينة واستباحتها من أهل مكة.
ونقف هنيهة لنرى كيف استل رسول الله - ﷺ - فتيل الانفجار من المشركين. وكيف أنه اعتمد - ﵊ - التركيز على الوتر الذي ركزت عليه قريش. فأعاد السحر على الساحر، واستعمل الأسلوب نفسه الذي استعملته قريش. لأن هذا هو المنطق الذي يمكن أن يفهم الوثنيون فيه، طالما أن الإسلام لا يجمع الفريقين.
إن الذي يتبادر لذهن الشباب المسلم في هذه العجالة هو الجهاد في سبيل الله، والابتداء مباشرة بحرب هؤلاء فهم العدو الداخلي، قبل الابتداء بقريش، وحتى لا يكون لدينا هوادة في دين الله، وحتى لا نخاف في الله لومة لائم. فلا بد من حرب هؤلاء الوثنيين، وكسر شوكتهم والقضاء على هذا الجيب الداخلي، إلى آخر هذا النغم الذي يعتبر التخلي عن المعركة جبنا وهوادة في دين الله ومداهنة على حساب العقيدة.
[ ٢ / ٢٢٢ ]
كم نتمنى أن يتروى الشباب المسلم هذا الموقف، ويتعلموا من سيد الخلق رسول الله - ﷺ - فن التعامل مع العدو، وتحديد المعركة، وطبيعة مصلحة الجماعة في المعركة. وأن يتركوا لقيادتهم حرية الحركة في هذه الأمور، وهي التي تضطلع بعبء المواجهة، وتعرف من تصالح، ومن تحارب، ومن تهادن، ومن تحالف، ومتى تقاتل، ومتى تسالم لأنها هي مناط الحركة والمسؤولية.
لقد استعمل رسول الله - ﷺ - الأسلوب الوطني، الأسلوب العشائري في فضحه هذا التجمع، وإنهاء المعركة دون قتال، وتفتيت التجمع دون دماء بكلمات بسيطة معبرة، عميقة، خالدة على مدى الزمن، وممن؟. من رسول البشرية، ومن نبي الإسلام: قال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ
ولقد حرك بهذه الفقرة جانبا نفسيا عندهم يأبونه، وهو الخوف من قريش، ومهما كان العربي فحين تستفز كوامن قوته، وكوامن بطولته يأبى أن يعير بالجبن، أو الخوف، أو الخور.
( ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون إن تكيدوا به أنفسكم ). وبعد الضرب على الوتر الحساس الأول، وتر البطولة والشجاعة. عاد رسول الله - ﷺ - ليحرك وترا نفسيا آخر. هو الترهيب من تآمر العدو الخارجي على أهل المدينة أصحاب المصير المشترك الواحد. فليس هذا الموقف جبنا فقط، ولكنه غفلة وسذاجة وجهالة، ولا يرضى العربي مهما كان أن يتهم بهذا الاتهام، أن يتهم بأنه لا يدرك كيد عدوه، ولا يعرف مخططاته، ولا يفقه ألاعيبه. فلقد هيج هذا المعنى في أنفسهم شعورا جديدا من النفرة لاستجابة دعوة قريش البعيدة المعادية. ولو أن رسول الله - ﷺ - راح يدعوهم لإلقاء السلاح باسم الإسلام لأحس الوثنيون اليثربيون أنهم أقرب إلى قريش من رسول الله - ﷺ - ولتهيج في نفسهم شعور الاعتزاز بالوثنية ضد هذا الدين الجديد، ولهم مع قريش قاسم مشترك، إذ عندها البيت الحرام ومقام إبراهيم والحج لبيت الله. فلا غرو أن يتساقطوا جميعا صرعى ضد محمد ودينه ومع قريش.
[ ٢ / ٢٢٣ ]
إن عظمة القيادة النبوية وهي تركز على هذه المعاني لتقذف بالكيد في صدر أصحابه وتجعل الإحباط سمة لهذا الكيد. ( تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم ..). ياشباب الدعوة هذا قول رسول الله - ﷺ -، وليس قول متهم في دينه يريد أن يبرر مسالمته لعدو كافر.
إن رسول الله - ﷺ - يخاطب هؤلاء الوثنيين بالأسلوب الذي يفهمونه ويركز على أخوة النسب، وهو الذي جاء إلى البشرية جميعها بأخوة العقيدة، ويركز على رابطة الماء والطين، وهو الذي جاء رحمة للعاملين، ويركز على شعور القوم والأهل والوطن بين من؟! بين المسلمين والمشركين. لماذا؟ ليحبط كيدا أكبر من عدو أعظم، ليضيق هوة المعركة، ليخذل بين الأعداء جميعهم، فيجعلهم حلفاءه ضد عدو مشترك واحد.
لقد ذكر رسول الله - ﷺ - الوثنيين الذين حملوا السلاح ضد المسلمين أن المسلمين أبناؤهم وإخوانهم. ولا ضير في ذلك إن كان فيه تأجيل لمعركة ضارية داخلية بينما تقتضي المصلحة في وقت متقدم التركيز على البراءة من عاطفة الأخوة والقرابة والأبوة وذلك في معركة بدر.
وباء تخطيط قريش بالخذلان والخسران، وحيث توقعوا أن ينتهي رسول الله - ﷺ - على يدي المشركين في المدينة. إذ بهم يلقون السلاح جميعا، وينقلبون نادمين على حمله في وجه إخوانهم وأبنائهم.
ونود لشباب الدعوة الإسلامية أن يدركوا هذا المعنى النبوي ويفقهوه. حين يرون قيادة الدعوة في مرحلة من المراحل تبحث عن قاسم مشترك بينها وبين بعض أعدائها لتجعلهم يقفون في صفها ضد عدو أخطر وأكبر. وحين يرون قيادتهم تقبل الحديث عن عاطفة الوطن وعاطفة الأمة، أو يتحدثون عن الضعفاء من الفئات المظلومة. بحيث يمثل القاسم المشترك نقاط لقاء مرحلي مع هذا العدو ضد عدو آخر.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
السمة السابعة
محاولة تفتيت الصف الإسلامي
وحين فشلت محاولات تفتيت الصف المدني - على وهن هذا الصف - امتدت المحاولات لتفتيت الصف الإسلامي المدني كما روى ابن إسحاق: ( ومر شاس بن قيس وكان شيخا قد عتا، عظيم الكفر، شديد الطعن على المسلمين شديد الحسد لهم على نفر من أصحاب رسول الله - ﷺ - من الأوس والخزرج في مجلس قد جمعهم يتحدثون فيه. فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية. فقال: فقد اجتمع ملأ بني قيلة في هذه البلاد، لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملأهم بها من قرار. فأمر فتى شابا من يهود كان معه فقال: أعمد إليهم واجلس معهم ثم ذكرهم يوم بعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا به من الأشعار، وكان يوم بعاث يوما اقتتلت فيه الأوس والخزرج فكان الظفر فيه للأوس على الخزرج، وكان على الأوس يومئذ مضير بن سماك أبو أسيد بن حضير، وعلى الخزرج عمرو بن النعمان البياضي فقتلا جميعا.
(قلت: وفي الصحيح عن عائشة قالت: وكان يوم بعاث يوما قدمه الله لرسوله، فقدم رسول الله - ﷺ - المدينة وقد افترق ملأهم وقتلت سراتهم في دخولهم في الإسلام). قال ابن إسحاق: ففعل الفتى، فتكلم القوم عند ذلك وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين على الركب - أوس بن قيظي .. وجابر بن صخر .. فتقاولا، ثم قال أحدهما لصاحبه: إن شئتم رددناها جذعة. فغضب الفريفان جميعا وقالوا: قد فعلنا موعدكم الظاهرة، والظاهرة الحرة السلاح السلاح. فخرجوا إليها. فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فخرج إليهم فيمن معه من المهاجرين من أصحابه حتى جاءهم فقال: يا معشر المسلمين الله الله. أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم بعد أن هداكم الله للإسلام وأكرمكم به وقطع عنكم الجاهلية، واستنقذكم بها من
[ ٢ / ٢٢٥ ]
الكفر وألف بين قلوبكم؟ فعرف القوم أنها نزغة من الشيطان وكيد من عدوهم، فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا، ثم انصرفوا مع رسول الله - ﷺ - سامعين مطيعين، وقد أطفا الله عنهم كيد عدو الله.
فأنزل الله في شاس بن قيس وما صنع ﴿قل يا أهل الكتاب لم تكفرون بآيات الله والله شهيد على ما تعملون قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن تبغونها عوجا (١)﴾ الآية وأنزل الله تعالى في أوس بن قيظي وجابر بن صخر ومن كان معهما من قومهما ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب (٢)﴾ الآيات إلى قوله ﴿ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم (٣)﴾. لئن كان موقد نار الفتنة في الحالة الأولى هم المشركون، فموقدها الآن اليهود، ولئن كانت من قبل على خطرها بين المسلمين والمشركين. فهي الآن أشد خطرا وأفدح خسارة هي بين المؤمنين أنفسهم ومن أجل ذلك فقد اختلفت المعالجة بين الحالتين:
الحالة الأولى: تذكير المشركين بالقرابة والنسب، والأبوة والنبوة. (لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ، ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم. فلما سمعوا ذلك من النبي - ﷺ - تفرقوا).
الحالة الثانية: تذكير المسلمين برابطة العقيدة، لأنها أقوى محرك للمسلم وتخويفه من الجاهلية: (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظكركم بعد أن هداكم الله للإسلام واستنقذكم به من الكفر وألف بين قلوبكم) .. فبكوا وعانق الرجال من الأوس والخزرج بعضهم بعضا فلا غرابة أن تكون هذه المعالجة ضمن هذا المفهوم، وتلك المعالجة ضمن ذلك المفهوم، والرسول الله - ﷺ - هو صاحب المعالجة في المرتين، فأعطى لكل حالة ما يناسبها دون أن يكون هناك تناقض بين الحالتين.
_________________
(١) آل عمران / ٩٨ - ٩٩.
(٢) آل عمران / ١٠٠ - ١٠١.
(٣) مختصر السيرة. لابن محمد بن عبد الوهاب ص ١٦٨.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
ويذكرنا هذا الأمر بحرص العدو - وهو يعرف بعض الثغرات في الصف الإسلامي - على تفتيت الصف من خلال هذه المعرفة. فإثارة الأحقاد والضغائن، والخلافات السابقة هي محور تحرك العدو.
ومما يوضح هذا الطريق اليوم ما لجأت إليه سلطات الطغيان في بلد إسلامي حين أبرزت أحد الإخوة السجناء على تلفازها الرسمي، وفرضت عليه أن يتكلم حول الخلافات القائمة بين قادة الحركة الإسلامية، وأبرزت هذه الخلافات على أنها هي المحرك الوحيد للحركة. وسرعان ما تلقف الشباب هذا الأمر، وراحوا يتناقلونه بين صفوفهم على أنه الحق الوحيد. إن الأصل الذي يجب أن نفيء إليه جميعا هو الشك في العدو، واتهامه، لا تصديقه وتكذيب الإخوة المسؤولين، ونداء الله تعالى لنا واضح في هذا الأمر: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقا من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين (١)﴾. وإذا كان صحابة رسول الله - ﷺ - - ورسول الله بين - ظهرانيهم - قد تأثروا بنزعات الخلاف السابقة وهي حقيقية، وأمكن أن يستجروا إلى حمل السلاح ضد بعضهم بعضا وهم الجيل الخالد، خير قرون الأرض، فلا عجب أن يستجر المسلمون اليوم وهم في الصف الإسلامي - إلى بعض الخلافات الجانبية، وينزغ الشيطان بينهم، ويسعى جاهدا ليفرق كلمتهم. لكن الأصل هو العودة إلى الكلمة الواحدة، والصف المتراص الواحد. لا أن نعتبر صورة العدو عن الحركة الإسلامية هي الأصل ..
إننا نقع في خيانة يوم نصدق ما يشيعه عدونا عنا - حقا أو باطلا - وننطلق منه في الحكم. لقد وصف الله تعالى المؤمنين بقوله: ﴿إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (٢». والأولى والأجمل بشباب الحركة أن يسعوا مع إخواخهم على إطفاء نار الفتنة لا على إيقادها، والفتنة نائمة لعن الله من أيقظها.
_________________
(١) آل عمران / ١٠٠.
(٢) الأعراف / ٢٠٠ - ٢٠١.
[ ٢ / ٢٢٧ ]
السمة الثامنة
العدو يتنكر لقيمه من أجل مصلحته
(ثم إن سعد بن معاذ انطلق إلى مكة معتمرا فنزل على أمية بن خلف بمكة فقال لأمية: انظر لي ساعة خلوة لعلي أن أطوف بالبيت، فخرج به قريبا من لقف النهار، فلقيهما أبو جهل فقال: يا أبا صفوان، من هذا معك؟ فقال: هذا سعد، فقال له أبو جهل: ألا أراك تطوف بمكة آمنا وقد آويتم الصباة، وزعمتم أنكم تنصرونهم، وتعينونهم، أما والله لولا أنك مع أبي صفوان ما رجعت إلى أهلك سالما. فقال له سعد ورفع صوته عليه: أما والله لئن منعتني هذا لأمنعنك ما هو أشد عليك منه، طريقك على أهل المدينة (١».
لقد كانت المحاولة الأولى مع سعد بن عبادة حيث اعتقل في مكة، وأنقذه صاحباه جبير بن مطعم والحارث بن حرب. وذلك عقب بيعة العقبة، أما وقد هدأ الأمر، وبيت الله لا يصد عنه أحد إذا جاء معظما له، فكانت المحاولة هذه من زعيم الأوس سعد بن معاذ، ونزل على صاحبه في مكة أمية بن خلف. وبذلك خطت قريش خطا جديدا لأول مرة في تاريخ جيران الحرم وسدنته، أن تصد عن بيت الله المسلمين أو تعتقلهم، فلقد اعتبرت نفسها في حالة حرب معهم. وهذا يعني أن المسلمين قد حيل بينهم وبين البيت الحرام فترة طويلة إلى أن يأذن الله تعالى بالفرج من عنده ويصبح عندهم شوكة قاهرة ترغم قريش على السماح لهم بتأدية نسكهم فيه. والإشارة التي نفقهها من هذا الموقف هي أن الممارسة العملية لأعداء الله في حربهم للإسلام والمسلمين تجعلهم يتناقضون مع أبسط المبادىء والأعراف التي يقوم عليها تفكيرهم ووجودهم. فالأصل في جيران بيت الله الحرام أن يؤدوا الخدمة للحجيج، وبهذا الأمر كانوا يتنافسون، وأعرق مفاخرهم ما يؤدونه
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب المغازي ج ٥ ص ٢ و٣.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
للحجيج من سقاية ورفادة. بل كانت تقوم المذابح والحروب للمحافظة على هذه المكارم، ومع هذا فلا يجدون حرجا من تهديد معتمر من المدينة بالاعتقال أو القتل.
وكان موقف سعد ﵁ من القوة والنباهة، ما أشار به إلى طاغوت مكة من أن شريان حياتهم بين المسلمين، وتجارتهم عن طريق المدينة إلى الشام، فلن يسكت المسلمون عليهم أو يدعوهم يمروا، لقد كان موقف القوة الأول من سعد زعيم الأوس وهو لين ظهراني قريش وأمام طاغوتها إيذانا بتوتر كبير، وإعلانا بمرحلة جديدة. وردا على تهديدات مكة للأنصار أن يتراجعوا عن إيوائهم لمحمد - ﷺ -.
لقد كان هذا أول احتكاك مباشر بين الفريقين في هذه المرحلة، وكان صورة من صور العزم والمواجهة على استمرار أهل المدينة على موقفهم في نصرة محمد رسول الله - ﷺ -. وهذه الفكرة بالذات دعوة لشباب الإسلام أن يقولوا كلمة الحق بقوة حين لا يكون أمامهم مندوحة عن ذكرها، ويكون ذكرها حربا نفسية توهن قلوب الأعداء.
السمة التاسعة
الخطر على القيادة
روى مسلم في صحيحه عن عائشة ﵂ قالت: (سهر رسول الله - ﷺ - مقدمة المدينة ليلة فقال: ليت رجلا صالحا من أصحابي يحرسني الليلة، قالت: فبينما نحن كذلك سمعنا خشخشة سلاح، فقال: من هذا؟ قال: سعد بن أبي وقاص، فقال له رسول الله - ﷺ -: ما جاء بك؟ فقال: وقع في نفسي خوف على رسول الله - ﷺ -. فجئت أحرسه، فدعا له رسول الله - ﷺ - ثم نام (١».
_________________
(١) مسلم باب فضل سعد ٢/ ٢٨٠.
[ ٢ / ٢٢٩ ]
وروى الترمذي في صحيحه عن عائشة قولها: (كان رسول الله - ﷺ - يحرس ليلا حتى نزل: ﴿والله - ﷺعصمك من الناس﴾ فأخرج رسول الله - ﷺ - رأسه من القبة فقال يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني الله ﷿ (١».
لقد كان رسول الله - ﷺ - يدرك أبعاد المعركة ويدرك خطورة الموقف فلا يبيت إلا ساهرا، وكان يعلم أنه الهدف الأول من العدو. فكان على يقظة وانتباه وحذر شديد. وخاصة في الليل حيث يختلط الظلام ويتسلل القتال لتنفيذ بغيتهم التي فاتتهم في مكة، بل أعلن عن رغبته في الحراسة، وكان هذا الشعور كامنا في نفوس الجنود كذلك، فسعد يده على سلاحه بدون أمر من رسول الله - ﷺ - لعلمه بخطورة الموقف وصار هذا أمرا مقررا عند المسلمين إلى أن نزل التطمين الرباني، ﴿والله - ﷺعصمك من الناس﴾، فقال: (انصرفوا فقد عصمني الله ﷿).
وهذا الأمر ولا شك خصوصية من خصوصيات النبي - ﷺ -. فما دونه من خلق الله كافة، لا بد من حراسة ولا بد أن يكونوا على أهبة الاستعداد لمواجهة أي طارىء. وهم في مستوى القيادة خاصة حين يكون العدو بين الصفوف. فاليهود والمشركون يمكن أن يكون أحدهم مطية لنفسه أو لغيره في تنفيذ عمليات الاغتيال، والحركة الإسلامية التي فقدت كثيرا من قياداتها وقادتها عن طريق الاغتيال حري بها، اقتداء بسنة النبي - ﷺ - أن تتخذ من حراسة قادتها ما يجعلهم بمنجى من يد العدو. والعصمة لرسول الله - ﷺ - وحده. ويجب أن لا ننسى أن ثلاثة من الخلفاء الراشدين، من قادة أهل الأرض قد ذهبوا غيلة، وهم قمم العدل والتقوى في هذا الوجود، عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب ﵃ جميعا. فإن يعتمد القادة في الحركة الإسلامية على عدلهم وصلاحهم وتقواهم هو أدعى للحراسة. لأن العدو لا يطيق وجودهم. بل قد يتحرك الصف الإسلامي ضدهم فيقتلون بيدي أبناء الصف، وما قتل علي وعثمان ﵂ بسر.
_________________
(١) الترمذي أبواب التفسير، ٢/ ١٣٠.
[ ٢ / ٢٣٠ ]
السمة العاشرة
حالة الحرب، وتجمع القوى كلها ضد المسلمين
(ولم يكن الخطر مقتصرا على رسول الله - ﷺ - بل على المسلمين كافة، فقد روى أبي بن كعب، قال: لما قدم رسول الله - ﷺ - وأصحابه المدينة، وآوتهم الأنصار، رمتهم العرب عن قوس واحدة، وكانوا لا يبيتون إلا بالسلاح ولا يصبحون إلا فيه (١». وهذه الظاهرة مهمة جدا أن يستوعبها شباب الحركة الإسلامية خاصة الذين يحملون السلاح الآن ضد العدو لإسقاط أنظمة الكفر. فالشيء الذي يسيطر على نفوس الشباب هو ساعة المعركة والحسم مع العدو، وإسقاط النظام الكافر لإقامة دولة الإسلام على أنقاضه، لكنهم يحسبون أن الأمر منته بهذه المعركة. وبعد ذلك تدين قوى الأرض كلها وتخاف دولة الإسلام.
إن الأمر أبعد من ذلك بكثير، وإن الحسم مع العدو لإقامة دولة الإسلام هو الخطوة الأولى على الطريق، وهو المعركة الأولى في تاريخ المعارك. هو نقطة البدء، ورسول الله - ﷺ - قد كانت معاركه كلها، غزواته وسراياه بعد إقامة دولة الإسلام، ولا يظهر تواطؤ أهل الأرض من الكفار والمشركين إلا بعد قيام دولة الإسلام. وإذا كانت الحركة الإسلامية بحاجة إلى أن تجند بعض طاقاتها قبل قيام دولة الإسلام فهي بحاجة أشد إلى أن تجند كل طاقاتها وطاقات المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها لحماية دولة الإسلام.
وعندما قامت دولة الإسلام الأولى في الأرض بقيادة الرسول - ﷺ - كان كل مسلم قد بلغ الخامسة عشرة من عمره جنديا في المعركة، وذلك بعد أن فرض الجهاد على المسلمين، ولكن روعة هذه العقيدة وعظمة هذا الدين هي أن هذه الجندية كانت جندية اختيارية يتسابق فيها المسلمون إلى المعركة. وإذا استثنينا المنافقين فلقد كانت كل طاقات المسلمين وشبابهم للمعركة.
_________________
(١) الرحيق المختوم ص ٢١٧.
[ ٢ / ٢٣١ ]
لقد كان المسلمون في أيامهم الأولى، الأيام العصيبة التي تحمل نذر الهجوم على المدينة في كل لحظة، ينامون بالسلاح ويبيتون فيه، ولقد وعدوا رسول الله - ﷺ - أن يحموه مما يحمون منه أزرهم وأولادهم. وصدقوا ما عاهدوا الله عليه. والقيادة المسلمة لا بد أن تعد للأمر حسابه، فلا توهم شبابها أن نجاح المعركة الأولى من الحسم مع العدو، يعني انتهاء الجولة مع العدو، إنما يعني انتهاء جولة وشد الهمة لابتداء الجولة الثانية، والجهاد ماض إلى يوم القيامة، والخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وعليها أن تعد الأهبة لمواجهة العدو والاستمرار فيها بما تحتاجه هذه المواجهة من سلاح ورجال ومال وعتاد.
السمة الحادية عشرة
إعلان الحرب على العدو
كما هو معروف في فن الحرب أن الهجوم أقوى وسائل الدفاع. وقريش مصممة على خوض المعركة مع الرسول - ﷺ - فلتكن المبادرة منه. ومن أجل هذا كانت السنة الأولى كلها سنة هجوم على قوافل قريش. فلقد جهز رسول الله - ﷺ - ثماني سرايا وكانت كلها لاعتراض عير قريش ما عدا واحدة كانت ردا على هجوم قام به كرز بن جابر الفهري. واستمرت هذه السرايا من رمضان - السنة الأولى للهجرة إلى رمضان في السنة الثانية من الهجرة. وكان قادة هذه السرايا جميعها من المهاجرين، وكان لهذا معنى خاص في هذه الحرب. فأصل العهد مع الأنصار هو حماية رسول الله - ﷺ - وصحبه في المدينة. وهذه السرايا تعرض للقوافل خارج المدينة. هذا من جهة.
ومن جهة ثانية، فلا بد من تدريب شباب الدعوة على الحرب، بعد أن أمروا بكف أيديهم خلال ثلاثة عشر عاما من العهد المكي.
ومن جهة ثالثة، فلا بد أن تعرف قريش أن هؤلاء المهاجرين الفارين من اضطهادها في مكة ليسوا موطن ضعف وهوان، بل هم قوة مرهوبة ذات شوكة عليها أن تحسب ألف حساب لها قبل أن تفكر في مواجهتهم.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
ومن جهة رابعة، فعلى قريش أن تذوق وبال أمرها لموقفها المشين من الدعوة، وأن تتجرع مرارة هذا الموقف، فتعلم أن مصالحها وتجارتها صارت مهب الريح بعد أن سيطر المسلمون على شريان حياتها من خلال قوافلها إلى الشام، حيث أصبحت رحلة الصيف عندها وخيمة العواقب.
والحركة الإسلامية اليوم التي تمضي جادة في طريقها لإقامة دولة الإسلام، لا بد لها في حربها ضد الطاغوت الكافر من أن تقض مضجعه، وتزعزع نظامه، وتزلزل الأرض من تحته، وتسعى جاهدة لاجتثاث جذوره. فيكون ككلمة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار، ولن يتأتى هذا لها ما لم تكن لها أرض آمنة تنطلق منها، وتبث سراياها إليه فتوجعه في موطن القوة عنده.
وهي مضطرة أحيانا للتفاهم مع بعض الأنظمة للهدنة معها والاستفادة منهما كمركز انطلاق للمواجهة، وشباب الدعوة المجاهدون في هذه المرحلة هم الصفوة المختارة للمواجهة، وهم الوقود الأول للمعركة.
وإن الحركة الإسلامية لتفخر بقوافل الشهداء، التي مضت قافلة إثر قافلة وسرية عقب سرية تضرب في قلب العدو، وتفخر بعظمة البطولات والتضحيات التي تحتسبها عند الله ﷿، وحين تذكر هذا الواقع، إنما تذكره إيذانا بإرغام أنف العدو وتبكيته، ودعوة إلى الشباب أن ينضووا تحت اللواء لمتابعة المسيرة المباركة في الحرب العوان مع العدو.
السمة الثانية عشرة
التميز الإسلامي قبيل المواجهة
إضافة إلى ميثاق التحالف - الذي حدد إسلامية الدولة، وأوضح أن المسلمين أمة من دون الناس، فلقد مر التميز الإسلامي في مرحلتين:
المرحلة الأولى: مرحلة المجاملة لأهل الكتاب، وكان الهدف الأكبر من هذه المجاملة هو تأليف قلوبهم ودعوتهم إلى الإسلام وهم أهل الكتاب الأول
[ ٢ / ٢٣٣ ]
وكانوا يستفتحون برسول الله - ﷺ - على أهل المدينة من الأوس والخزرج. فكان يحرص ﵊ على موافقتهم ومجاملتهم في كثير من الأمور مما لا يمس أمور العقيدة. وخاصة في قضية العادات الاجتماعية حتى في تسريح شعره، وكان يحرص على موافقتهم في أمور القيادات. كما نعلم حين أمر المسلمين بالصيام في عاشوراء قائلا للمسلمين: (نحن أحق وأولى بموسى منكم (١).
المرحلة الثانية: وذلك حين أعلن اليهود حربهم العنيفة المشبوبة على المسلمين. فأصبح يحرص على مخالفتهم في كل شيء ليكون للمسلمين تميزهم الكامل عنهم في العادات واللباس والعبادات كي ينهي هذه القدسية التي كانت لهم في نفوس المسلمين حين انحرفوا عن الحق، وكفروا به: ﴿فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين (٢)﴾.
وقد وضح هذا التميز الإسلامي في أكثر من جانب، وكانت هذه النقاط قد تم معظمها قبيل غزوة بدر، وكان ذلك كله بأمر من الله تعالى، واستجابة لرغبة نبيه الكريم في هذه المفاصلة. نذكر من هذه الأمور ما يلي كما أوردها المقريزي في إمتاع الأسماع: (وفي شعبان على رأس ستة عشر شهرا، وقيل على رأس سبعة عشر شهرا حولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، فكان أول شيء نسخ من الشريعة القبلة ويقال حولت القبلة يوم الإثنين النصف من رجب بعد زوال الشمس قبل قتال بدر بشهرين وكان رسول الله - ﷺ - في مسجد بني سلمة، وقد صلى بأصحابه من صلاة الظهر ركعتين، فتحول في صلاته واستقبل الميزاب من الكعبة، وحول الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، فسمي المسجد (مسجد القبلتين) ويقال صرفت في الظهر من يوم الثلاثاء للنصف من شعبان سنة اثنتين في منزل البراء بن معرور، وقيل صرفت في صلاة الصبح (٣».
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) من الآية ٨٩ - البقرة.
(٣) إمتاع الأسماع ج ١ ص ٦٠.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
فكل الروايات لا تعدو بين رجب وشعبان من السنة الثانية على رأس ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا. وكان لحدث تغيير القبلة دوي كبير في المجتمع الإسلامي والمجتمع اليهودي على السواء. أنهى كل نقاط الالتقاء في الفريقين، ولنعرف أثر هذا الموقف يكفي أن نعلم أن الله تعالى أنزل قرآنا يتلى في هذا الأمر، حوالي عشر آيات. (وكان في ذلك حكمة عظيمة ومحنة للناس مسلمهم وكافرهم. فأما المسلمون فقالوا: آمنا به كل من عند ربنا - وهم الذين هدى الله، ولم تكن بكبيرة عليهم. وأما المشركون فقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها؟ وأما المنافقون فقالوا: إن كانت القبلة الأولى حقا فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق فقد كان على باطل.
وكان رسول الله - ﷺ - لما قدم المدينة استقبل بيت المقدس ستة عشر شهرا قبلة اليهود، وكان يحب أن يصرفه الله إلى الكعبة، وقال لجبريل ذلك فقال: إنما أنا عبد. فادع ربك واسأله، فجعل يقلب وجهه في السماء يرجو ذلك حتى أنزل الله عليه ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ الآياث البقرة ١٤٤ (١).لقد تمت المفاصلة بين المسلمين واليهود، وأصبح للمسلمين قبلتهم الخاصة بهم نحو المسجد الحرام، ووجه هذا قلوب اليهود بالحقد والكيد ورد عليهم القرآن بقوله: ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (٢)﴾. وكان هذا الأمر استجابة لرغبة نفسية عميقة في قلب النبي - ﷺ -، يوضح هذا المعنى قول الله جل شأنه. ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها (٣)﴾.
وكان هذا إيذانا كذلك باحتدام المعركة مع قريش. فالمسجد الحرام قبلة المسلمين، وهو تحت سيطرة قريش، والوثنية ضاربة أطنابها فيه، ولا بد من تحريره. وهكذا اتجهت أنظار المسلمين ثانية إليه، وبنظرة جدبدة. تحمل
_________________
(١) مختصر السيرة لمحمد بن عبد الوهاب ص ٩٢.
(٢) البقرة / ١٤٢.
(٣) سورة البقرة / الآية ١٤٤.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
كل معاني الإصرار على العودة إليه، وتخليصه من براثن الوثنية. ولم ينته الأمر في شعبان شهر التميز عند هذا الحد، فلقد جاء إضافة إلى التميز في قبلة الصلاة، التميز في الصيام.
لقد كان يوم عاشوراء هو يوم صوم المسلمين، ولعلهم صاموه عاما على الأقل. وكان فريضة عليهم، وإذا بالآيات تترى لتؤكد تميز المسلمين في صومهم كذلك، وإن كان الأصل في الصيام واحدا عند المؤمنين في الأرض: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون (١)﴾.
وإن كانت هاتان الآيتان لا تتحدثان عن الاستقلال والتميز في شهر الصيام، فالآية التالية تؤكد هذا المعنى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه .. (٢)﴾.
فلقد أصبح رمضان منذ ذلك الوقت شهر الصيام الإسلامي، وإن كان أصل الصيام قائما بين المؤمنين. كما وأن أصل الصلاة قائم ومشترك بين المؤمنين. لكن تميز القبلة يعني انفصالا في الشعائر وتحديدا للهوية الإسلامية: ﴿ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية ما تبعوا قبلتك وما أنت بتابع قبلتهم وما بعضهم بتابع قبلة بعض﴾.
لقد انتهى عهد المجاملة والمسايرة على أمل الدخول في هذا الدين، وأعلنوا حربهم على الله تعالى وعلى رسوله وكفروا به وبالكتاب الذي أنزل مصدقا لما معهم. فلا مجال بعد الآن للمسايرة معهم ﴿ ولئن اتبعت أهواءهم من بعد ما جاءك من العلم إنك إذا لمن الظالمين (٣)﴾.
_________________
(١) البقرة / ١٨٤.
(٢) الآية ١٨٥ من سورة البقرة.
(٣) من الآية ١٤٥ من سورة البقرة.
[ ٢ / ٢٣٦ ]
وكما كان التميز في قبلة الصلاة، وكان التميز في شهر الصيام، فلقد كان التميز كذلك في فريضة الزكاة، فقد كانت الزكاة والصدقات عامة لدى المؤمنين في الأرض. لكنها تتخذ الآن لدى المسلمين تحديدا آخر. فلقد حددت زكاة الفطر بنصاب معين، كما نزلت أنصبة الزكاة بشكل محدد وواضح لا لبس فيه.
وهكذا نرى التميز في الصلاة والزكاة والصيام، وكان هذا إيذانا بتحديد أن المسلمين أمة من دون الناس، وأن اليهود قد كفروا بالحق الذي جاء من عند الله، وكانت هذه الأمور الحاسمة الخطيرة في شهر شعبان، إيذانا كذلك، بالتميز الإيجابي، وإرهاصا لغزوة بدر الكبرى التي سماها الله تعالى فرقانا. كما سمى كتابه الفرقان. وهذه الأحكام الشرعية التي نزلت قبيل بدر، وكانت بمثابة تمهيد لها تعطينا دروسا هامة تستفيد منها الحركة الإسلامية.
إن الحركة الإسلامية يوم تقوم على مواجهة مع العدو لا بد أن يسبق ذلك تمهيد وإجراءات. تؤكد هذا التميز وهذه المفاصلة، وتربي شباب الدعوة على هذا الوضوح وهذا الاستقلال عن الآخرين.
لقد رأينا الحركة الإسلامية قبيل إعلانها الحرب على الطاغوت الكافر. قد انتشر في صفوفها الأناشيد الإسلامية التي ملأت كل بيت مسلم، وأصبحت عوضا عن الإذاعة والتلفاز. وأصبحت في لحنها الإسلامي تربي هذا الجيل على التميز وتذكره بالجهاد وتدعوه إلى العمل لدولة الإسلام في الأرض، وأصبح الدعاة إلى الله في تلقفهم لهذا الأدب الإسلامي الجهادي، وفي تداولهم لتسجيلاته، يمثلون هذا التميز وهذه الأصالة التي تجعلهم يختلفون عن عامة الناس الذين يعيشون بقيم الجاهلية وأفكارها في الإذاعة والصحف والمجلات. لقد أخذ الأدب الإسلامي طريقه إلى قلوب الدعاة، فأشعل فيهم لهيب المعركة، وحدد لهم مواصفاتها وكان هذا إيذانا لإعلان المواجهة مع الطغاة.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
السمة الثالثة عشرة
المواجهة الحاسمة في بدر، والفرقان فيها
يحدثنا الشهيد سيد قطب رحمه الله تعالى عن الفرقان ببدر فيقول: (ثم نقف كذلك أمام وصف الله - سبحانه - ليوم بدر بأنه يوم الفرقان ﴿إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان (١)﴾.
لقد كانت غزوة بدر - التي بدأت وانتهت بتدبير الله وتوجيهه وقيادته ومدده فرقانا بين الحق والباطل - كما يقول المفسرون إجمالا - وفرقانا بمعنى أشمل وأدق وأوسع وأعمق كثيرا.
كانت فرقانا بين الحق والباطل فعلا .. ولكنه الحق الأصيل الذي قامت عليه السموات والأرض. وقامت عليه فطرة الأحياء والأشياء .. الحق الذي يتمثل في تفرد الله - سبحانه - بالألوهية والسلطان والتدبير والتقدير، وفي عبودية الكون كله سمائه وأرضه، أشيائه وأحيائه، لهذه الألوهية المتفردة ولهذا السلطان المتوحد، ولهذا التدبير وهذا التقرير بلا معقب ولا شريك .. والباطل الزائف الطارىء الذي كان يعم وجه الأرض إذ ذاك ويغشي على ذلك الحق الأصيل، ويقيم في الأرض طواغيت لتصرف في حياة عباد الله بما تشاء، وأهواء تصرف أمر الحياة والأحياء! فهذا الفرقان الكبير الذي تم يوم بدر، حيث فرق بين ذلك الحق الكبير، وهذا الباطل الطاغي، وزيل بينهما فلم يعودا يلتبسان!
لقد كانت فرقانا بين الحق والباطل بهذا المدلول الشامل الواسع الدقيق العميق، على أبعاد وآماد: كانت فرقانا بين هذا الحق وهذا الباطل في أعماق الضمير .. فرقانا بين الوحدانية المجردة المطلقة بكل شعبها في الضمير والشعور، وفي الخلق والسلوك، وفي العبادة والعبودية، وبين الشرك في كل
_________________
(١) الأنفال من الآية ٤١.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
صوره التي تشمل عبودية الضمير لغير الله من الأشخاص والأهواء والقيم والأوضاع والتقاليد والعادات
وكانت فرقانا بين هذا الحق وهذا الباطل في الواقع الظاهر كذلك .. فرقانا بين العبودية الواقعية للأشخاص والأهواء، وللقيم والأوضاع، وللشرائع والقوانين، وللتقاليد والعادات وبين الرجوع في هذا كله لله الواحد الذي لا إله غيره، ولا متسلط سواه، ولا حاكم من دونه، ولا مشرع إلا إياه .. فارتفعت الهامات لا تنحني لغير الله، وتساوت الرؤوس فلا تخضع إلا لحاكميته وشرعه، وتحررت القطعان البشرية التي كانت مستعبدة للطغاة.
وكانت فرقانا بين عهدين في تاريخ الحركة الإسلامية: عهد المصابرة والصبر والتجمع والانتظار. وعهد القوة والحركة والمبادأة والاندفاع .. والإسلام بوصفه تصورا جديدا للحياة، ومنهجا جديدا للوجود الإنساني، ونظاما جديدا للمجتمع، وشكلا جديدا للدولة. بوصفه إعلانا عاما لتحرير الإنسان في الأرض بتقرير ألوهية الله وحده وحاكميته، ومطاردة الطواغيت التي تغتصب ألوهيته وحاكميته .. الإسلام بوصفه هذا لم يكن له بد من القوة والحركة والمبادأة والاندفاع، لأنه لم يكن يملك أن يقف كامنا منتظرا على طول الأمد، لم يكن يستطيع أن يظل عقيدة مجردة في نفوس أصحابه، تتمثل في شعائر تعبدية لله، وفي أخلاق سلوكية فيما بينهم. ولم يكن له بد أن يندفع إلى تحقيق التصور الجديد، والمنهج الجديد، والدولة الجديدة، والمجتمع الجديد، في واقع الحياة، وأن يزيل من طريقها العوائق المادية التي تكبتها وتحول بينها وبين التطبيق الواقعي في حياة المسلمين أولا، ثم في حياة البشرية كلها أخيرا .. وهي لهذا التطبيق الواقعي جاءت من عند الله.
وكانت فرقانا بين عهدين في تاريخ البشرية. فالبشرية بمجموعها قبل قيام النظام الإسلامي هي غير البشرية بمجموعها بعد قيام هذا النظام .. هذا التصور الجديد الذي انبثق منه هذا النظام. وهذا النظام الجديد الذي انبثق من هذا التصور. وهذا المجتمع الوليد الذي يمثل ميلادا جديدا للإنسان.
[ ٢ / ٢٣٩ ]
وهذه القيم التي تقوم عليها الحياة كلها ويقوم عليها النظام الاجتماعي والتشريع القانوني على السواء.
هذا كله لم يعد ملكا للمسلمين وحدهم منذ غزوة بدر وتوكيد وجود المجتمع الجديد. اإنما صار - شيئا فشيئا - ملكا للبشرية كلها، تأثرت به سواء في دار الإسلام أو خارجها، سواء بصداقة الإسلام أم بعداوته! .. والصليبيون الذين زحفوا من الغرب ليحاربوا الإسلام ويقضوا عليه في ربوعه قد تأثروا بتقاليد هذا المجتمع الإسلامي الذي جاؤوا ليحطموه، وعادوا إلى بلادهم ليحطموا النظام الإقطاعى الذي كان سائدا عندهم، بعدما شاهدوا بقايا النظام الاجتماعي الإسلامي! والتتار الذين زحفوا من الشرق ليحاربوا الإسلام ويقضوا عليه - بإيحاء من اليهود والصليبيين من أهل دار الإسلام - قد تأثروا بالعقيدة الإسلامية في النهاية، وحملوها لينشروها في رقعة من الأرض جديدة، وليقيموا عليها خلافة ظلت من القرن الخامس عشر إلى القرن العشرين في قلب أوروبا .. وعلى أية حال فالتاريخ البشري كله - منذ وقعة بدر - متأثر بهذا الفرقان في أرض الإسلام، أو في الأرض التي تناهض الإسلام على السواء.
وكانت فرقانا بين تصورين لعوامل النصر وعوامل الهزيمة، فجرت - وكل عوامل النصر الظاهرية في صف المشركين، وكل عوامل الهزيمة الظاهرية في صف العصبة المؤمنة، حتى لقال المنافقون والذين في قلويهم مرض: غر هؤلاء دينهم .. وقد أراد الله أن تجري المعركة على هذا النحو، وهي المعركة الأولى بين الكثرة المشركة والقلة المؤمنة - لتكون فرقانا بين تصورين وتقديرين لأسباب النصر والهزيمة، ولتنتصر العقيدة القوية على الكثرة العددية وعلى الزاد والعتاد، فتبين للناس أن النصر للعقيدة الصالحة القوية، لا لمجرد السلاح والعتاد، وأن أصحاب العقيدة الحقة عليهم أن يجاهدوا ويخوضوا غمار المعركة مع الباطل غير منتظرين حتى تتساوى القوى المادية الظاهرية، لأنهم يملكون قوة أخرى ترجح الكفة، وأن هذا ليس كلاما يقال، إنما هو واقع متحقق للعيان.
وأخيرا فلقد كانت بدر فرقانا بين الحق والباطل بمدلول آخر، ذلك
[ ٢ / ٢٤٠ ]
المدلول الذي يوحي به قول الله تعالى في أوائل هذه السورة: ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون﴾، لقد كان الذين خرجوا للمعركة من المسلمين، إنما خرجوا يريدون عير أبي سفيان واغتنام القافلة. فأراد الله لهم غير ما أرادوا. أراد لهم أن تفلت منهم قافلة أبي سفيان (غير ذات الشوكة) وأن يلاقوا نفير أبي جهل (ذات الشوكة) وأن تكون معركة وقتال وقتل وأسر، ولا تكون قافلة وغنيمة ورحلة مريحة! وقد قال الله - سبحانه - إنه صنع هذا: ﴿ليحق الحق ويبطل الباطل﴾.
وكانت هذه إشارة لتقرير حقيقة كبيرة .. إن الحق لا يحق وإن الباطل لا يبطل - في المجتمع الإنساني - بمجرد البيان النظري للحق والباطل. ولا بمجرد الاعتقاد النظري بأن هذا حق وهذا باطل .. إن الحق لا يحق، وإن الباطل لا يبطل ولا يذهب من دنيا الناس، إلا بأن يتحطم سلطان الباطل ويعلو سلطان الحق، وذلك لا يتم إلا بأن يغلب جند الحق ويظهروا، ويهزم جند الباطل ويندحروا .. فهذا الدين منهج حركي واقعي، لا مجرد نظرية للمعرفة والجدل! أو لمجرد الاعتقاد السلبي!.
ولقد حق الحق وبطل الباطل بالموقعة، وكان هذا النصر العملي فرقانا واقعيا بين الحق والباطل بهذا الاعتبار الذي أشار إليه قول الله تعالى في معرض بيان إرادته - سبحانه - من وراء المعركة، ومن وراء إخراج الرسول - ﷺ - من بيته بالحق، ومن وراء إفلات القافلة (غير ذات الشوكة) ولقاء الفئة ذات الشوكة.
ولقد كان هذا كله فرقانا بين منهج هذا الدين ذاته، تتضح به طبيعة هذا المنهج وحقيقته في حس المسلمين أنفسهم .. وإنه لفرقان ندرك اليوم ضرورته؟ حينما ننظر إلى ما أصاب مفهومات هذا الدين من تميع في نفوس من يسمون أنفسهم مسلمين! حتى ليصل هذا التميع إلى مفهومات بعض من يقومون بدعوة الناس إلى هذا الدين! وهكذا كان يوم بدر (يوم الفرقان يوم
[ ٢ / ٢٤١ ]
التقى الجمعان). بهذه المدلولات المنوعة الشاملة العميقة .. والله على كل شيء قدير. وفي هذا اليوم مثل من قدرته كل شيء .. مثل لا يجادل فيه مجادل، ولا يماري فيه ممار .. مثل من الواقع المشهود، الذي لا سبيل إلى تفسيره إلا بقدرة إله وأن الله على كل شيء قدير (١».
وكانت بدر من حيث أثرها الخطير، ظاهرة كونية، فقد احتفل بها الإنس والجن والملائكة. ففي عالم الأرض وعالم البشر. نذكر أن سورة الروم عندما نزلت كانت تمثل آمال وطموحات عشرات المسلمين في مكة بأن ينتصر الروم أهل الكتاب في الأرض على الفرس الوثنيين في الأرض حيث كان الفرس والروم يقتسمون الأرض آنئذ. وكان هؤلاء العشرات من المسلمين والمئات من المشركين غفلا من التاريخ وأحداثه يتفرجون على صناعة الكبار في الأرض، ونذكر كيف تم الرهان بين أبي بكر ﵁ وأحد المشركين على نصر الروم بعد بضع سنوات ﴿الم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله - ﷺنصر من يشاء وهو العزيز الرحيم وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (٢)﴾. لقد كان أقصى ما يحلم به المسلمون آنذاك بعد بضع سنين أن ينتصر الروم على الفرس، وبذلك تقوى شوكة المسلمين إن انتصر أهل الكتاب الأقرب إلى المسلمين على الفرس الأقرب إلى المشركين.
وتحقق موعود الله جل شأنه فانتصر الروم بعد تسع سنين من هزيمتهم أمام الفرس. وفرح المؤمنون بنصر الله، وكان وعد الله الذي لا يخلف، ولكن أكثر الناس لا يعلمون. هذا هو المدى الأقرب للآيات. أما المدى الأعمق فكان أكبر وأضخم في تاريخ البشرية، لقد فرح المؤمنون بنصر الله - ﷺوم بدر. ويوم نصرهم جاءت أخبار انتصار الروم على الفرس. لقد جاء خبر انتصار
_________________
(١) في ظلال القرآن، المجلد الثالث - ص ١٥٢١ - ١٥٢٤.
(٢) سورة الروم الآيات من ١ - ٧.
[ ٢ / ٢٤٢ ]
الروم هامشيا وثانويا أمام انتصار بدر. وكان فرح المؤمنين بنصر الله في بدر هو المدلول الأعمق للآية الكريمة، ولم يكن يدور بخلد عشرات المؤمنين في الأرض والآيات تنزل في مكة أنهم هم المعنون في النصر، وأانهم هم صناع الأحداث. وأن الروم والفرس غدوا على هامش التاريخ بعد أن أنزل الله تعالى ملائكته لنصر المؤمنين في بدر. وكان وعد الله الذي لا يخلف هو نصر محمد وحزبه لا نصر الروم فقط، ولكن أكثر الناس لا يعلمون حتى المؤمنون لا يحيطون بعلم الله ﷿، وماذا يعد لهم من نصر، وماذا يعد بهم من حسم. ﴿كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون يجادتونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون (١)﴾.
فالمسلمون حتى قبل بدر بأيام قلائل لم يكونوا يعلمون أنهم المعنون بنصر الله - ﷺنصر من يشاء وعد الله لا يخلف الله وعده، ورسول الله - ﷺ - سيد الخلق لم يكن يعلم أنه المقصود بنصر الله - ﷺنصر من يشاء. ومن أجل هذا كان يلح على ربه بالنصر يوم بدر حتى ليسقط رداؤه عن كتفيه. ويخشى أن تكون هذه المعركة نهاية العصبة المؤمنة في الأرض. (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض). لقد كان الرهان في عالم الأرض على افتتاح التاريخ بهذا النصر من أي الفريقين، فلقد كان أبو جهل يقول: والله لن نرجع حتى نرد بدرا. فننحر الجزر، ونشرب الخمر، وتعزف علينا القيان، ويعلم العرب بخروجنا هذا فلا يزالون يهابوننا أبدا).
فلقد كانت مطامح أبي جهل أن يكون مقود العرب بيده بعد بدر. ولا تزال تهابه أبدا. وكان رسول الله - ﷺ - يقول: "اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض)، وإذا بنصر الله - ﷺتنزل فتنقلب الموازين، ويتأرجح التاريخ، ويصبح مقوده بيد المسلمين ومن ذلك الوقت لم يعودوا على هامش
_________________
(١) سورة الأنفال، الآيات ٥ - ٨.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
الأحداث يأملون ويدعون كما كانوا أيام انتصار الفرس على الروم. بل صاروا صناع أحداثه، في بدر وبعدها، وجاء هذا النصر من الحسم ومن الضخامة بحيث اجتث الباطل من جذوره. فلقد سقط قادة الكفر صرعى في هذه المعركة وهم الذين كانوا يحملون عبء الحرب ضد الدعوة خمسة عشر عاما أو تزيد، إنه جيل قادة كامل سقط على الساحة صريعا بين يدي هذه العصبة المؤمنة.
أما الجيل الجديد من القادة، والذي نجا يوم بدر فمعظمه كتب الله تعالى له الهداية فيما بعد وها نحن نستعرض هؤلاء القادة بشكل سريع: أبو جهل بن هشام المخزومي، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة الأمويان، وأمية ابن خلف الجمحي، وتبعهم بعدها، النضر بن الحارث العبدري، وعقبة بن أبي معيط الأموي، وأبو لهب الهاشمي. ونبيه ومنبه ابنا الحجاج السهميان. وقد عدد المقريزي أعداء رسول الله - ﷺ - الكبار في إمتاع الأسماع فكانوا سبعة وعشرين رجلا قتل منهم في بدر وبعدها بقليل قرابة العشرين. (وعن أبي طلحة أن نبي الله - ﷺ - أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش، فقذفوا في طوى من أطواء بدر خبيث مخبث (١». وكان من فضل الله تعالى على المؤمنين أن سقط بعض هؤلاء الأبطال صرعى بيد العتبان الشباب من الأنصار. مثل مقتل أبي جهل وأمية بن خلف، وعلى يد المستضعفين من المسلمين أمثال بلال وعبد الله بن مسعود تحقيقا لموعود الله ﷿.
﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون (٢)﴾. فلقد سقط فرعون الأمة أبو جهل صريعا. وأخزاه الله على يد رويعي الغنم عبد الله بن مسعود، وكانت بدر في عالم الأرض عرسا للمؤمنين.
وكذلك كانت في عالم الجن.
_________________
(١) الرحيق المختوم المباركفوري عن مشكاة المصابيح متفق عليه.
(٢) القصص / ٥ و٦.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
فقد ذكر قاسم بن ثابث في - كتاب الدلائل - أن قريشا حين توجهت إلى بدر مر هاتف من الجن على مكة في اليوم الذي أوقع بهم المسلمون وهو ينشد بأنفذ صوت ولا يرى شخصه:
أزار الحنيفيون بدرا وقيعة سينقض منها ركن كسرى وقيصرا
أبادت رجالا من لؤي وأبرزت خرائد يضربن الترائب حسرا
فيا ويح من أمسى عدو محمد لقد جار عن قصد الهدى وتحيرا (١)
ولقد أدرك المؤمنون من الجن أبعاد هذه المعركة وأنها ستطيح بعرش كسرى وقيصر. وبمقدار ما كان العرس في عالم الجن من المؤمنين بمقدار ما كان المأتم والويل والثبور عند كفار الجن وشياطينهم.
فلقد حدثنا مؤرخو السير عن اشتراك ابليس لعنه الله في التخطيط لبدر وفي آماله العراض بهزيمة محمد - ﷺ -، وكيف كان دوره في دفع قريش دفعا إلى المواجهة حين خافت من أن تغزوها بنو كنانة. فجاءهم على صورة سراقة بن مالك قائلا: أنا جار لكم من بني كنانة أن يأتوكم بشيء تكرهونه، وجاء حليفا لقريش ووضع يده بيد أبي جهل. وأخيه الحارث بن هشام. فلما رأى ما يفعل الملائكة بالمشركين فر ونكص على عقبيه، وتشبث به الحارث بن هشام. وهو يظنه سراقة - فوكز في صدر الحارث فألقاه، ثم خرج هاربا، وقال له المشركون: إلى أين يا سراقة؟ ألم تكن قلت: إنك جار لنا، لا تفارقنا؟ فقال: إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب، ثم فر حتى ألقى نفسه في البحر.
وذكر القرآن الكريم هذا الحادث في قوله ﷿، ﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون إني أخاف الله والله شديد العقاب (٢)﴾.
_________________
(١) إمتاع الأسماع للمقريزي ص ٧٢.
(٢) الأنفال، الآية ٤٨.
[ ٢ / ٢٤٥ ]
وحدثنا رسول الله - ﷺ - عن خزي إبليس يوم بدر فقال: (ما رؤي الشيطان يوما فيه أصغر ولا أدحر، ولا أحقر، ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى فيه من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما رأى يوم بدر، فإنه رأى جبريل ﵇ يزغ الملائكة (١». لقد اندحر الشيطان وحزبه من الإنس والجن يوم بدر. وكانت الهزيمة الساحقة للشياطين في الأرض والكفار من الجن أشد هولا وأقسى مرارة منها على كفار قريش. بشهادة رسول الله - ﷺ - - كما علمه من ربه - فلقد كانت أقسى هزيمة لإبليس على مدار تاريخه منذ خلقه إلى يوم يبعثون. فهو في أشنع هزائمه في كل سنة في عرفة حين تحبط مخططاته. ولكن هذا كله كان يهون عن هزيمة بدر حيث خطط لنصر حلفائه. فسقط مع حلفائه. حين جاء جبريل بنصر الله، وكانت عرسا في عالم الملائكة والملأ الأعلى، فلأول مرة يؤذن للملائكة، ولأميرهم جبريل ﵇ أن يشترك مع ألف من سادة الملائكة في المعركة ﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم إني ممدكم بألف من الملائكة مردفين (٢) وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم (٣)﴾ والله تعالى أصدر أوامره وتعليماته لهم بدخول المعركة السافرة. ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب ذلكم فذوقوه وأن للكافرين عذاب النار (٤)﴾.
وكانت فرحة الملائكة كبيرة بهزيمة المشركين، من الذين لم يحضروا المعركة، وارتفعت إليهم أرواح مجرمي قريش. ﴿ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم وأن الله ليس بظلام للعبيد (٥)﴾. وبقي الملائكة الذين شهدوا
_________________
(١) رواه مالك مرسلا والبيهقي.
(٢) و(٣) الأنفال، ٩ و١٠.
(٣) الأنفال ١٢ و١٣ و١٤.
(٤) الأنفال ٥٠.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
بدرا في الفضل من سادة الملائكة. فكما أن المؤمنين في الأرض، على مداد التاريخ يعتبرون من شهد بدرا من المؤمنين أعلى طبقة فيهم، ويعتبرونهم خير هذه الأمة. فكذلك الأمر فيمن شهدها من الملائكة.
فعن رفاعة بن رافع الزرقي قال: (جاء جبريل إلى النبي - ﷺ - - فقال: ما تعدون أهل بدر فيكم؟ قال: من أفضل المسلمين - أو كلمة نحوها - قال: وكذلك من شهد بدرا من الملائكة (١». وهكذا مضت بدر مثلا في تاريخ الأرض والسماء، وفرقانا في عالم الإنس والجن والملائكة.
السمة الرابعة عشرة
معسكر المنافقين، بروزه وخطره وتحجيمه
أ - النفاق في مكة:
لم يكن للمنافقين دور يذكر في العهد المكي لأنه عهد ابتلاء وفتنة وتمحيص. غير أن القرآن الكريم ذكرهم مرة واحدة قبيل بدر في قوله جل وعلا: ﴿إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هولاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم (٢)﴾.
يقول الشهيد سيد قطب ﵀ بصدد هذه الآية: (والمنافقون والذين في قلوبهم مرض قيل: إنهم مجموعة من الذين مالوا إلى الإسلام في مكة ولكن لم تصح عقيدتهم ولم تطمئن قلوبهم - خرجوا مع النفير مزعزعين. فلما رأوا قلة المسلمين وكثرة المشركين قالوا هذه المقالة (٣».
ب - بداية التجمع:
وعند دخول رسول الله - ﷺ - المدينة وإلى غزوة بدر لم يكن النفاق قد نجم بعد. فلقد كان معسكر الشرك واضحا بزعامة عبد الله بن أبي نفسه،
_________________
(١) انفرد بإخراجه البخاري.
(٢) الأنفال ٤٩.
(٣) الظلال ص ١٥٣٢. ط دار الشروق.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
والذي كانت الجرأة تصل به أن يطالب محمدا - ﷺ - بالكف عن الدعوة إلى الله. وكان معسكر اليهود واضحا كذلك. اللهم إلا أفرادا من اليهود قاموا بمهمة الجاسوسية في الصف المسلم يتظاهرون بالإسلام ويبطنون الكفر، وقد ذكر القرآن هذا النموذج بقوله: ﴿وقالت طائفة من أهل الكتاب آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره لعلهم يرجعون (١)﴾.
ونستطيع أن نقول إذن: إن معسكر المنافقين لم يبرز حتى بدر. ووجود أفراد محددين لا يصل خطره إلى أن يطلق عليه اسم معسكر أو تجمع. إنما برز بعد الانتصار الحاسم في بدر، وكما نقل على لسان هؤلاء المشركين: إن هذا أمر قد توجه، واستطاعت الموجة الطاغية من الانتصارات والتي ظهرت على صورة معجزة من السماء ان تكتسح معسكر المشركين وتحوله إلى معسكر منافقين. ولا ننفي أن يكون بعض أفراده قد أسلم حقيقة ودخل الإيمان قلبه. أما أكثر هؤلاء فقد تحولوا إلى منافقين يأتمرون بأمر عبد الله بن أبي الذي كان الخزرج يعقدون له الخرز ليتوجوه. وكانت عقدة الزعامة والمنصب تأكل قلبه. فلم يعد قادرا على أن يواجه الرسول - ﷺ - بعداوة واضحة. لأن من حوله سوف ينفضون عنه لضعفهم أمام قوة المسلمين، ولم تطاوعه نفسه أن يسلم نفسه لله. فأمسك بالعصا من الوسط وضمن بقاء جنوده وأتباعه معه فظاهر الأمر هم مسلمون، وضمن بقاء قيادته وزعامته لهم طالما أنهم غير مكلفين بالمواجهة السافرة. وكانت آيات القرآن تندد بهؤلاء تلميحا لا تصريحا بأسمائهم.
ج - دورهم في غزوة بني قينقاع
يقول ابن هشام: وكان بنو قينقاع أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله - ﷺ - فحاصرهم رسول الله حتي نزلوا على حكمه. فقام إليه عبد الله بن أبي بن سلول حين أمكنه الله منهم، فقال: يا محمد أحسن في موالي! فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله - ﷺ - فقال له: أرسلني. وغضب رسول الله حتى رأوا لوجهه ظللا، ثم قال: ويحك أرسلني.
_________________
(١) آل عمران الآية ٧٢.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
قال: لا، والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي: أربعمائة حاسر وثلثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود تحصدهم في غداة واحدة! إني والله امرؤ أخشى الدوائر. ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله - ﷺ - وكان له من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي. فخلعهم إلى رسول الله - ﷺ - وتبرأ إلى الله ﷿ وإلى رسول الله من حلفهم، وقال: يا رسول الله: أتولى الله ورسوله والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم ففيه وفي عبد الله بن أبي نزلت هذه القصة من المائدة: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلويهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم﴾ ثم القصة إلى قوله تعالى: ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾. وذكر لتولي عبادة بن الصامت الله ورسوله والذين آمنوا ﴿.. فإن حزب الله هم الغالبون (١)﴾.
لقد كان موقفا غريبا تماما على الحس الإسلامي، فلم يعهد الصف الإسلامي أبدا فيه مثل هذه الظاهرة منذ أن قامت الدعوة. فلقد كان المسلم في تعامله مع رسول الله - ﷺ - من الأدب والانضباط والتفاني في الطاعة، ما يجعله يحتاج دائما لتوجيهات النبي أن يبدي رأيه ويقول كلمته، وينافش في حقه، وكان رسول الله - ﷺ - يفسح المجال دائما لهذا البناء عن طريق الشورى.
أما أن يقف مسلم بهذه الوقاحة، يضع يده في جيب درع رسول الله - ﷺ -، ويطلب منه رسول الله أن يدعه فلا يدعه، فيغضب منه ويلح عليه بقوله: ويحك أرسلني، فلا يستجيب ويسترسل في وقاحته. فهذا أمر غريب تماما على الحس الإسلامي بين جندي وقائده بله بين مسلم ورسول رب العالمين. ورسول رب العالمين بما أعطاه الله تعالى من الخلق الأقوم لم يعهد
_________________
(١) تهذيب سيرة ابن هشام ص ١٥٥ و١٥٦.
[ ٢ / ٢٤٩ ]
عنه أنه رد رجاء مسلم. وفي فقهه السياسي - ﷺ - أنه إن لبى رجاء ابن أبي، فلعل هذا الموقف يغسل قلبه، ويزيل الغشاوة عنه فتتم هدايته. فقال له: هم لك. ولعل الذين يسيرون وراء زعامة ابن أبي يصلحون بصلاحه فيتماسك الصف المسلم، ويلتحم، فلا يضيره كيد العدو أبدا.
وإن كان لنا أن نستفيد من هذه الحادثة فهو الحكم على الجنود أو القيادات الدنيا أو الوسطى الذين يريدون أن يفرضوا رأيهم على القيادة العليا للجماعة، ويمارسون ضغوطا مادية أو معنوية بما لديهم من رصيد شعبي أو سمعة طيبة، فيكرهون القيادة على تبني مواقف لا تقتنع بها أو يحرجونها في تصرفات قد لا تقتضيها مصلحة الجماعة. فهذا الموقف الذي يقفه هؤلاء هو شبيه بموقف ابن أبي الذي استغل ثقة بعض الجماهير به واتخذ هذا الموقف لحماية حلفائه من بني قينقاع. ومن توفيق الله تعالى أن وجدنا النموذج الأمثل للجندية الخالصة في هذه الحالة وهو نموذج عبادة بن الصامت ﵁ مع حلفائه الذي أعلن فيه براءته من اليهود وتولى الله ورسوله وجماعة المؤمنين.
فليس من حق زعيم أو قائد في صف الحركة الإسلامية أن يتخذ موقفا يناقض موقف قيادة الجماعة وبخاصة أمام أعداء الله.
إن جنود الحركة الإسلامية ورجالاتها تبع لقيادتهم يحاربون من حاربت ويسالمون من سالمت، ولو كانت القناعة عندهم بالمصلحة عكس موقف الجماعة العام، طالما أنهم جزء منها. فلا بد من تبني مواقفها.
فلقد أقدمت الحركة الإسلامية في بعض فصائلها على تحالف مع بعض أعدائها ضد عدوها الأول. فإذا بعض جنودها ينتفض ويملأ الدنيا حربا عليها، ويعلن موقفه هذا أمام العدو والصديق، ويهاجمها في صحف الغرب مشهرا بهذا الموقف. بل ساد صفوف كثير من شبابها نقمة على هذا التحالف. ومثل هذا التصرف يجعل القيادة عاجزة شلاء عن تنفيذ مخططاتها وأهدافها. وبمقدار ما يلتزم الجنود بموقف قيادتهم مع أعدائها حربا أو سلما بمقدار ما تتمكن الحركة الإسلامية من السير بهذه الجماعة نحو غاياتها القريبة والبعيدة. وأي
[ ٢ / ٢٥٠ ]
ضغط يفرض من جندي أو زعيم على القيادة هو تصرف متساوق مع تصرف ابن أبي في ولائه لليهود ودفاعه عنهم وحمايته لهم (١).
د - دورهم في غزوة أحد:
يقول ابن إسحاق: ( فقال عبد الله بن أبي بن سلول يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو لنا قط إلا أصاب منا، ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه. فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فرقهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا فلم يزل الناس برسول الله - ﷺ - الذين كان من أمرهم حب لقاء القوم حتى دخل رسول الله - ﷺ - فلبس لأمته فخرج في ألف من أصحابه حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة أحد انخذل عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس وقال: أطاعهم وعصاني. ما ندري علام نقتل أنفسنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من أهل النفاق والريب واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام يقول: يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عندما حضر من عدوهم فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله أعداء الله فسيغني الله عنكم نبيه (٢».
صحيح أن أزمة الشقاق قد تم تفاديها يوم بني فينقاع، واستجيب لرأي ابن أبي غير أن الأيام كانت تترى وموقف ابن أبي لم يتغير. فهو لا يزال معتدا بحزبه، ولا يزال يوغر الصدور في الخفاء ضد المسلمين. وكان الموقف يوم أحد هو القشة التي قصمت ظهر البعير. فلم يؤخذ برأيه في البقاء في المدينة، كما تذكر بعض الروايات (أن كتيبة حسنة التسليح لها رجل منفردة عن سواد الجيش. فقال: ما هذا؟ فأبلغوه أن الكتيبة من اليهود حلفاء عبد الله بن أبي.
_________________
(١) من الأمانة أن لا ننسى الفرق في الموقف حين يكون بين جندي وقائده اليوم وبين الموقف الأصلي الذي يكون طرفه الأول رسول الله ﷺ. فيفسق من يحرجه أو يكفر من يعصيه. وطرفه الثاني ابن أبي الذي أظهر الإسلام وأبطن الكفر. وشهد القرآن الكريم بنفاقة وغموضه في النفاق.
(٢) تهذيب السيرة ص ١٥٧ - ١٥٨.
[ ٢ / ٢٥١ ]
فقال ﵊: أأسلموا. قالوا: لا يا رسول الله. فقال: مروهم فليرجعوا فإنا لا ننتصر بأهل الكفر على أهل الشرك (١». وكانت هذه قاصمة ثانية. فهو يرى أن النصر لو تحقق فسيشترك فيه طالما أن حزبه وحلفاءه قد ساهموا فيه. ويكون له المركز الثاني بعد رسول الله، أما وقد فاته تحقيق الزعامة بأخذ رأيه في البقاء في المدينة وفاته المشاركة بالنصر عن طريق حزبه وحلفائه، فليشارك إذن في صنع الهزيمة. عله يتخلص من محمد - ﷺ - وزعامته. وليضرب ضربته الذكية. وينفصل بثلث الجيش عائدا إلى المدينة معلنا: (.. سفه رأيي، ورد حلفائي، ما أدري علام نقتل أنفسنا أيها الناس). ولئن كانت خطوته يوم بني قينقاع كبيرة على الحس الإسلامي. فلقد أصبحت تافهة لا تذكر أمام خطوته في أحد.
ولقد كانت ذات أثر خطير جدا من الناحية المعنوية، فأن ينفصل ثلث الجيش معه. فهذا يعني تصدع الصف الداخلي وهو مقدم على حرب عنيفة. وإذا أردنا أن نحدد أبعاد هذه الخطوة أكثر فيمكن القول: إن الأمر أكبر من ثلث الجيش. فلقد أكد القرآن الكريم أن هناك بعض الفئات كادت تستجر معه: ﴿إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون (٢)﴾. كما يشير القرآن الكريم إلى المنافقين الذين بقوا في الجيش. وعلهم مكثوا بأمره. ليتموا المهمة الخطيرة، مهمة إشاعة الفوضى والرعب في الصفوف. حيث يؤكد القرآن هذا المعنى بقوله ﷿: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور (١)﴾. فأشارة القرآن الكريم إلى الطائفتين المؤمنتين اللتين كادتا
_________________
(١) آل عمران /١٢٢.
(٢) آل عمران ١٥٤.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
تلتحقان بالمنشقين عن الجيش، والإشارة إلى الطائفة التي أهمتها نفسها في المعركة وهي أخت الطائفة المنشقة لتوضح أن المنافقين هم قرابة نصف الجيش وتتحدث السيرة عن هذه النماذج في المعركة. فبعضهم قال: لو كان نبيا ما قتل فارجعوا إلى دينكم الأول. وبعضكم قال: ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي يأخذ لنا أمانا من أبي سفيان يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم ويعتلوكم.
ونلاحظ أن الخط النبوي في أحد قد اختلف عن الخط في قينقاع من حيث التعامل مع زعيم النفاق. فلقد كانت المراعاة في الموقف الأول كافية لتبيان نوعية هذه النماذج، وكفيلة بأن تعيدهم إلى حظيرة الإيمان. لكننا عندما نجد أن مواقفهم لم تتغير. فلقد كان الموقف حاسما وواضحا في أحد، ولقد رد حلفاء عبد الله بن أبي. فلا يمكن أن يقوم في الصف الإسلامي تكتل محاذ لكتلة المسلمين وجماعتهم، ولا يمكن أن يقبل تجمع بجوار الجماعة المسلمة. ورغم حاجة رسول الله - ﷺ - إلى العدد حيث يواجه ثلاثة آلاف بألف مقاتل. إلا أن المبدأ لا ينقض ..
فطالما أنهم لم يعلنوا انضمامهم للصف الإسلامي، فلا استعانة بأهل الكفر على أهل الشرك، والأخطر من ذلك فهؤلاء ليسوا حلفاء المسلمين، إنما هم حلفاء عبد الله بن أبي. فسلامة الصف ووضوح الولاء أهم بكثير من التجمع العشوائي. وكان انفصال عبد الله بن أبي رحمة بالمؤمنين. وكما قال لهم عبد الله بن عمرو أبعدكم الله، فسيغني الله عنكم نبيه.
وكان بالإمكان بعد العودة من أحد أن يوجد في الصف الإسلامي الخالص من يعذر عبد الله بن أبي ويدافع عنه، ويجد له ولحزبه العذر بالعودة بحجة أنهم مسلمون لهم ظروفهم. لكن كلام الله تعالى جاء كوقع الصاعقة عليهم. فلقد كان القرآن يدمغهم بالنفاق بأوضح بيان. ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلويهم والله أعلم بما
[ ٢ / ٢٥٣ ]
يكتمون (١)﴾. ثم يربط القرآن الكريم بين الفريقين، الذين استمروا فى الجيش لإشاعة البلبلة والهزيمة، والذين انخذلوا إلى المدينة فيقول: ﴿الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (٢)﴾.
ولا نبالغ إذا قلنا: إن قمة تجمع المنافقين وخطره برز يوم أحد، لكننا نؤكد في الوقت ذاته أنه قد افتضح أمره، وبرز المنافقون بأشخاصهم وأعيانهم يعلن القرآن عنهم أنهم أقرب للكفر منهم إلى الإيمان. وبذلك تمت المفاصلة بينهم وبين المؤمنين، وغدت الجماعة المؤمنة تنظر إليهم بعين الحذر والكراهية إن استمروا على مواقفهم. وأصبح المسلم يكف عن بث أسراره لأخيه من أبيه وأمه إن كان ممن وصم بالنفاق.
وأدت هذه المواقف الحاسمة منهم بعد ذلك إلى أن يخنسوا ويحاولوا التقرب من الصف المؤمن والاعتذار منه، وأن يتراجعوا عن موقف المواجهة والتحدي، ويغيروا خطتهم للعمل في الخفاء. أما الذين كانوا مغررا بهم فقد بدأوا ينضمون للصف الإسلامي في توبة نصوح خالصة حيث فتح لهم القرآن طريق التوبة بعد التحذير العنيف الرهيب بسوء مصيرهم إن استمروا على موقفهم: حيث يقول جل شأنه: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (٣)﴾.
وهكذا سار الخط النبوي في التعامل مع المنافقين على أمل تفتيت تجمعهم، والتحذير من كيدهم. وتحذيرهم من مغبة السير في طريق النفاق من خزي الدنيا وعذاب الآخرة. وحققت هذه الخطة أهدافها بشكل واضح وبدأ خط التصاعد للمنافقين بالانحدار. فلقد كانت سورة النساء وحديثها
_________________
(١) آل عمران ١٦٧.
(٢) آل عمران ١٦٨.
(٣) النساء، الآيات. ١٤٥، ١٤٦.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
عن الجهاد والنفاق، وسورة آل عمران تعري كل المخططات المشبوهة، وتعالج كل الشبهات المبثوثة، وتفسح المجال رحبا أمام التوبة.
هـ - تآمرهم مع بني النضير:
يقول ابن إسحاق: وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم عبد الله بن أبي بن سلول ووديعة ومالك ابن أبي قوقل وسويد وداعس قد بعثوا إلى بني النضير، أن اثبتوا وتمنعوا، فإنا لن نسلمكم، إن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله - ﷺ - أن يجليهم ويكف عن دمائهم، على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة (١). ففعل (٢».
ويحدثنا القرآن الكريم عن هذه الحادثة، وذلك في قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون (٣)﴾.
إن الصورة لتختلف تماما اليوم عنها في أحد، فلئن كان التحدي سافرا في أحد، فلقد خنسوا اليوم وراحوا يعملون في الخفاء كخفافيش الظلام، لم يعودوا يملكون القوة على المواجهة، ولا القوة على التحدي، إنما يتآمرون من وراء الأقنعة علهم ينتصرون مع حلفائهم اليهود على المسلمين، فهم يدعون بني النضير إلى الثبات في وجه المسلمين وإلى المقاومة، كما يعلنون لهم أن مددهم قادم ولا ريب في ألف من المنافقين، وقد ربطوا مصيرهم بمصيرهم، لئن أخرجتم لنخرجن معكم، وإن قوتلتم لننصرنكم. والله - ﷺ - شهد إهم لكاذبون. ولئن كان عبد الله بن أبي قد استطاع أن يحافظ على حياة حلفائه بني قينقاع. فهو أعجز اليوم من أن يبدي رايا أو يتقدم بطلب لرسول الله - ﷺ -
_________________
(١) الحلقة: السيوف والسلاح.
(٢) تهذيب السيرة ص ١٨١.
(٣) سورة الحشر، الآيات ١١ و١٢.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
بعد تلك الخيانة السافرة في أحد. وهو في الوقت نفسه يجلل بالعار من جديد في الخيانة التي فضحها القرآن عن التآمر السري بين الفريقين، المنافقين وكفار أهل الكتاب. وكان خروج اليهود بدون سلاح وهدمهم بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين صفعة عنيفة للمنافقين، وإسقاطا ماديا ومعنويا لهم.
القرآن يتنزل، والمواقف تتوضح، والمنافقون يتعرون، ومع ذلك يبقي الإسلام ورسول الإسلام خيطا خفيا يتسلقون من خلاله إلى التوبة. فلن يوصد الباب أبدا، لكن اللعب على الحبال مكشوف، والتظاهر بالإيمان مفضوح لا يجدي، ولن يفيد إلا التوبة الصادقة الخالصة لله.
وكانت هذه الجولة الجديدة كفيلة بتداعي معسكر المنافقين، فوضح الحق واستبان السبيل لكثير منهم، وبدأوا يمسحون الغشاوة عن عيونهم فيستفيقوا من رقادهم ويؤبوا إلى حظيرة الإسلام.
و- المنانفقون يوم الأحزاب
رغم أن الحديث عن المناففين يوم الأحزاب في القرآن كان طويلا لحد ما إذا قيس بما ذكر عن غزوة الأحزاب، ومواقف المسلمين منها. لكنه يركز على معان محددة وواضحة فيهم تؤكد ضآلة حجمهم وتفاهة تخطيطهم. يقول تعالى عنهم في سورة الأحزاب: ﴿وإذ يقول المنافقون والذين في قلويهم مرض ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا وإذ قالت طائفة منهم يا أهل يثرب لا مقام لكم فارجعوا ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا ولو دخلت عليهم من أقطارها ثم سئلوا الفتنة لأتوها وما تلبثوا بها الا يسيرا ولقد كانوا عاهدوا الله من قبل لا يولون الأدبار وكان عهد الله مسؤولا قل لن ينفعكم الفرار إن فررتم من الموت أو القتل وإذا لا تمتعون إلا قليلا قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوءا أو أراد بكم رحمة ولا يجدون لهم من دون الله وليا ولا نصيرا قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخواخهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا أشحة عليكم فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه من الموت فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد أشحة على الخير
[ ٢ / ٢٥٦ ]
أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله - ﷺسيرا يحسبون الأحزاب لم يذهبوا وإن يأت الأحزاب يودوا لو أنهم بادون في الأعراب يسألون عن أنبائكم ولو كانوا فيكم ما قاتلوا إلا قليلا (١)﴾.
وهناك آيتان أخريان ذكرتا المنافقين في الخندق في سورة النور وهما قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه إن الذين يستأذنونك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئث واستغفر لهم الله إن الله غفور رحيم لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا قد يعلم الله الذين يتسللون منكم لواذا فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (٢)﴾.
ولو وقفنا عند هذه الآيات وفقهها نلحظ ما يلي:
١ - الفريق الأول: يقولون: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. فهم قد حضروا المعركة وأمام هول الصدمة، وعنف المحنة انهار إيمانهم، وكشفت خبيئة نفوسهم فقالوا: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا. وكتب السيرة تذكر هذا القول أو قريبا منه عن معتب بن قشير إذ قال في ساعات الخوف والزلزلة بعد أن سمع بشريات رسول الله - ﷺ - بالفتح المبين لهذا الدين في أقطار الأرض: (يعدنا محمد أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا لا يأمن من أن يذهب إلى حاجته ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا).
وطبيعة هذا القول تشي بأنه قول مخنوق يقال في الخفاء بين مجموعة موثوقة تقبل هذا المعنى على الأقل، ويحسب هؤلاء أن أمرهم لن يظهر، وقولهم لن يكشف. لكن القرآن الكريم لاحق مؤامراتهم وكذبهم إلى كل جحر يلتقون فيه. لكنهم على كل حال يمثلون كل طوائف المنافقين. فلقد تزلزل إيمانهم، واعتبروا أنفسهم متورطين في هذا الإيمان.
٢ - الفريق الثاني: وهو وضع طائفة محددة منهم تذكر حوادث السيرة
_________________
(١) الأحزاب: الآيات من ١٣ لـ ٢٠.
(٢) سورة النور الآيتان ٦٢ و٦٣.
[ ٢ / ٢٥٧ ]
إنهم بنو حارثة. وهي إحدى الطائفتين اللتين همتا أن تفشلا يوم أحد - إذ قالوا: (إن بيوتنا عورة وليس دار من دور الأنصار مثل دارنا، ليس بيننا وبين غطفان أحد يردهم عنا فأذن لنا فلنرجع إلى دورنا فنمنع ذرارينا ونساءنا، فأذن لهم - ﷺ - فبلغ سعد بن معاذ ذلك فقال: يا رسول الله لا تأذن لهم إنا والله ما أصابنا وإياهم شدة إلا صنعوا هكذا (١».
ويتحدث القرآن عن جبنهم وهلعهم في أربع آيات تؤكد المعنى الذي ذكره سعد بن معاذ ﵁ فهم يريدون الفرار من المعركة، ولو وطىء العدو أرضهم لأجابوه للفتنة عن دينهم والتخلي عن عقيدتهم، ولا أدل على ذلك من خوفهم من الموت أن يجتاحهم في أرض المعركة وكأنما هم بمنجاة منه في غيرها، وتزعزع عقيدتهم ووهنها هو الذي يدفعهم إلى هذا الموقف. لأن الضر والنفع بيد الله ﷿ وحده، والفرار لن يحول بينهم وبين الموت أو القتل. والمؤمن الصادق يوقن بأن النصر بيد الله، والنفع والضر بيد الله، والموت والحياة بيد الله. وهؤلاء المنافقون ليسوا من هذا الطراز.
٣ - الفريق الثالث: هم المعوقون الذين كانوا يخذلون عن رسول الله - ﷺ -، والتابعون في جحورهم في المدينة. وهم جبناء مثل أسلافهم، لكنهم لخذلانهم وتخاذلهم عن رسول الله - ﷺ - أصبح مهوى قلبهم مع العدو. وكان الوصف دقيقا ولاذعا لهم ﴿فإذا جاء الخوف رأيتهم ينظرون إليك كالذي بغشى عليه من الموت﴾. طارت قلوبهم من صدورهم رعبا، وهؤلاء حكم القرآن عليهم أنهم غير مؤمنين ﴿أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله - ﷺسيرا﴾. وهم على استعداد أن يتركوا المدينة ومن فيها إذا حاق الخوف واشتدت المصيبة. وأمام هذه النماذج الثلاثة نلحظ أن مواصفاتهم هي التي تستغرقها الآيات في الوصف، أما حجمهم فهو ضئيل، رغم أن الفرصة مواتية لبروزهم من أوكارهم، خاصة حين اشتدت المحنة، وابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا. إن المشكلة ليست هي الخوف، فالمؤمنون يخافون، إنما المشكلة هي بواعث الخوف ونتائجه. وارتباط ذلك بالإيمان وعدمه.
_________________
(١) إمتاع الأسماع للمقريزي ص ٢٢٩ ج ١.
[ ٢ / ٢٥٨ ]
إن المحنة هي التي تمحص القلوب، وتكشف ما في الصدور من إيمان أو نفاق أو كفر وقد يتزلزل المؤمن لكنه لا يفقد إيمانه، قد يفقد موقفه، وقد يفقد شجاعته وثباته، لكن إيمانه لا يتزلزل أبدا. أما ضعيف الإيمان فينهار إيمانه أمام الحادثات، وأما الكافر المتجلبب بجلباب الإسلام حين يكشف الغطاء، ويرى أن دولة الإيمان على وشك الزوال يكشف خبيثة نفسه، ويظهر نتن قلبه، ويعلن شكه بربه، وهؤلاء لم يؤمنوا، وبالتالي فأحبط الله أعمالهم في الدارين.
ز - المنافقون يوم بني المصطلق
انتصر المسلمون بعد الخندق، وأنهوا وجود بني قريظة. وبالتالي انتهى حلفاء المنافقين في المدينة. فلم يعد أمامهم إلا أن يسارعوا بالولاء للقيادة المسلمة، وأن يوجهوا جهدهم لخلخلة الصف المسلم نفسه، والعمل على تشتيته، وإشغاله بنفسه بدل أن ينشغل بعدوه، وتظاهروا بالانصهار في هذا الصف، وإن كان بعضهم قد دخل فيه عن قناعة بعد أن بهره نصر الله، ورأى من الآيات البينات ما يحرق كل شك أو دخل في قلبه، وكان ابن أبي كالحية الرقطاء يكمن بين الحجارة وخلف الأستار ينتظر الفرصة المواتية للانقضاض، وكان هذا يوم بني المصطلق. ولنر تفصيل ذلك لدى المقريزي: (وبينا المسلمون على ماء المريسيع إذ أقبل سنان بن وبر الجهني - حليف الأنصار - ومعه فتيان من بني سالم يستقون وعلى الماء جمع من المهاجرين والأنصار، فأدلى دلوه، وأدلى جهجاه - الغفاري - أجير عمر بن الخطاب ﵁ - دلوه فالتبست دلو سنان ودلو جهجاه وتنازعا، فضرب جهجاه سنانا فسال الدم فنادى يا للخزرج، وثارت الرجال فهرب جهجاه وجعل ينادي في العسكر: يا لقريش، يا لكنانة، فأقبلت قريش وأقبلت الأوس والخزرج وشهروا السلاح حتى كادت تكون فتنة عظيمة فقام رجل في الصلح فترك سنان حقه.
وكان عبد الله بن أبي جالسا في عشرة من المنافقين فغضب وقال: والله ما رأيت كاليوم مذلة، والله إن كنت لكارها لوجهي هذا، ولكن قومي قد
[ ٢ / ٢٥٩ ]
غلبوني قد فعلوها وقد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، وأنكروا منتنا، والله ما صرنا وجلابيب قريش هذه إلا كما قال القائل: سمن كلبك يأكلك. والله لقد ظننت أني سأموت قبل أن أسمع هاتفا يهتف بما هتف به جهجاه وأنا حاضر لا يكون لذلك مني غير، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. ثم أقبل على من حضر من قومه فقال: هذا ما فعلتم بأنفسكم! أحللتموهم بلادكم، ونزلوا منازلكم، وآسيتموهم في أموالكم حتى استغنوا، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم، ثم لم ترضوا ما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا فقتلتم دونهم فأيتمتكم أولادكم وقللتم وكثروا.
وكان زيد بن أرقم حاضرا - وهو غلام لم يبلغ أو قد بلغ - فحدث رسول الله - ﷺ - بذلك وعنده نفر من المهاجرين والأنصار، فتغير وجهه ثم قال: يا غلام، لعلك غضبت عليه؟ قال: لا والله لقد سمعت منه. قال: لعله أخطأ سمعك: قال: لا يا نبي الله. قال: فلعله شبه عليك؟ قال: لا والله لقد سمعت منه يا رسول الله. وشاع في المعسكر ما قال ابن أبي، حتى ما كان للناس حديث إلا هو. وأنب جماعة من الأنصار زيد بن أرقم فقال - في جملة كلام -: والله إني أرجو أن ينزل الله على نبيه حتى تعلموا أني كاذب أم غيري. وقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله - ﷺ - مر به عباد بن بشر فليأتك برأسه. فكره ذلك وقال: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، وبلغ الخبر ابن أبي، فحلف بالله ما قال من ذلك شيئا؟ ثم مشي إلى رسول الله - ﷺ - وحلف بالله ما قال. وأسرع رسول الله - ﷺ - عند ذلك السير، ورحل في ساعة لم يكن يرتحل فيها
ويقال: لم يشعر أهل العسكر إلا برسول الله - ﷺ - قد طلع على راحلته - وكانوا في حر شديد، وكان لا يروح حتى يبرد إلا أنه لما جاءه ابن أبي رحل في تلك الساعة. فكان أول من لقيه سعد بن عبادة ﵁ - فقال: خرجت يا رسول الله في ساعة ما كنت تروح فيها! قال: أو لم يبلغك ما قال صاحبكم ابن أبي، زعم أنه إن رجع إلى المدينة أخرج الأعز منها الأذل؟
[ ٢ / ٢٦٠ ]
قال: فأنت يا رسول الله تخرجه إن شئت فهو الأذل وأنت الأعز. يا رسول الله! ارفق به فوالله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز، ما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهودي ليتوجوه فما يرى إلا قد سلبته ملكه. وبينا رسول الله - ﷺ - يسير من يومه ذلك، وزيد بن أرقم يعارضه براحلته يريد وجهه، ورسول الله - ﷺ - يستحث راحلته فهو يغذ في المسير - إذ نزل عليه الوحي فسري عنه. فأخذ بأذن زيد بن أرقم حتى ارتفع من مقعده عن راحلته وهو يقول: وفت أذنك يا غلام، وصدق الله حديثك! ونزل في ابن أبي ﴿إذا جاءك المنانقون﴾ السورة كلها.
وكان عبادة بن الصامت قبل ذلك قال لابن أبي: إيت رسول الله يستغفر لك فلوى رأسه معرضا، فقال له عبادة: والله لينزلن في لي رأسك قرآن يصلى به. ومر عبادة بن الصامت بابن أبي - عشية راح رسول الله - ﷺ - من المريسيع، وقد نزل فيه القرآن، فلم يسلم عليه، ثم مر أوس بن خولي فلم يسلم عليه، فقال: إن هذا الأمر قد تمالأتما عليه. فرجعا إليه فأنباه وبكتاه بما صنع، وبما نزل من القرآن إكذابا لحديثه، فقال: لا أعود أبدا.
وجاء ابنه عبد الله بن عبد الله بن أبي فقال: يا رسول الله، إن كنت تريد أن تقتل أبي فيما بلغك عنه فمرني به، فوالله لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا، والله لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبر بوالده مني، وإني لأخشى يا رسول الله - أن تأمر غيري فيقتله. فلا تدعني نفسي أن أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله فأدخل النار، وعفوك أفضل، ومنك أعظم، فقال رسول الله - ﷺ -: ما أردت قتله، وما أمرت به، ولنحسن صحبته ما كان بين أظهرنا. فقال يا رسول الله! إن أبي كانت هذه البحيرة قد اتسقوا عليه ليتوجوه، فجاء الله بك فوضعه ورفعنا بك. ومعه قوم يطيفون به يذكرونه أمورا قد غلب الله عليها (١».
١ - حين تظهر الطبيعة العربية عارية في سرعة غضبها وانفعالها، تظهر بجوارها عظمة هذا الدين في ضبطها وكبح جماحها، وهذا ها نراه من خلال
_________________
(١) إمتاع الأسماع للمقريزي ج ١ من ص ١٩٩ إلى ٢٠٣.
[ ٢ / ٢٦١ ]
أسباب فتنة النفاق هذه. فاختلاف الدلاء البسيط يقود إلى التنازع، ومن التنازع اللفظي إلى التشاجر والتشابك بالأيدي إذ يضرب جهجاه سنانا فيتفجر منه الدم، وجرح سنان يدفع إلى الجاهلية الجهلاء. فينادي سنان قومه الخزرج، ويستصرخ جهجاه المهاجرين، ويثور القوم للسلاح حتى كادت تكون فتنة عظيمة.
هذا هو الخلق العربي عاريا في سرعة انفعاله وغضبه. كان من الممكن لهذه الفتنة بغير الإسلام أن تعيد أمثال يوم بعاث بين الأوس والخزرج، وأن تبيد أيام داحس والغبراء أو يوم حليمة ويوم البسوس. فيفني القبائل بعضها بعضا في شهور أو سنين أو عقود من السنين. كان هذا الشجار كافيا لحرب ضروس تأكل الأنصار والمهاجرين، ونصل من هذه الملاحظة إلى أنه لا غرابة أن تتحرك في المجتمع الإسلامي أو في الحركة الإسلامية نوازع الجاهلية ونزعاتها وتثور بعد كمون طويل. فلقد تحركت هذه العصبية لأول مرة على هذا المستوى نتيجة إثارة طائشة. وذلك في أفضل مجتمعات الأرض، وليس صفنا أفضل من هذا المجتمع وهو خريج مدرسة النبوة، وهو الأمة التي أخرجت للناس خير أمة، وليست قيادتنا تعادل غبارا على قدم رسول الله - ﷺ -. وهو بين ظهرانيهم، وتتحرك الفتنة إلى درجة أن يحمل الفريقان السلاح للمواجهة. وكم نتمنى أن تستوعب الحركة الإسلامية والصف المسلم هذا المعنى، أن لا تحبط الأخطاء والخلافات أمانينا فنيأس حين نجد مثل هذه الظاهرة. وأن تصل الظاهرة إلى حد حمل السلاح في داخل الصف المسلم ضد بعضه بعضا.
٢ - لكن الفارق الكبير نلحظه باستمرار هذه الظاهرة أو اختفائها. فلقد استطاع الصف الإسلامي الأول أن يتلافى هذه الظاهرة مباشرة وبأقوى ما يكون فيمشي رجل من المسلمين بالصلح بين الفريقين. ويتخلى سنان عن حقه، وتحبط الفتنة في مهدها. وهذا ما نريد أن نؤكده لنقتدي به. فلا غرابة أن نخطىء، ولا غرابة أن نزل، لكن الغرابة كل الغرابة، والجفوة كل الجفوة للمنهج الإسلامي هو أن يستمر الخطأ، ويستفحل. فعندئذ نكون أقرب
[ ٢ / ٢٦٢ ]
للمجتمع الجاهلي منا إلى المجتمع الإسلامي، وأن نعجز عن إيجاد حلول تنهي المعركة في الصف الإسلامي وتجتث جذور الخلاف (١).
٣ - وهنا يبرز دور النفاق الخطير في المجتمع الإسلامي. فعبد الله بن أبي يجد الفرصة سانحة ولن تتكرر له هذه الفرصة الذهبية مرة ثانية في تدمير هذه الجماعة المسلمة ليقوم على أنقاضها، وها هو يهتبل هذه الفرصة فيعبر عما في نفسه، ولكن أين؟ في عشرة من المنافقين، يطمئن إلى نفاقهم، ويطمئن إلى استعدادهم لقبول أفكاره وتنفيذ مخططاته.
لقد وجدناه في أحد يفصل ثلث الجيش ويشكك في البقية الباقية من اتباعه فوق هذا الثلث، وهو قمة مجده ثم بدأ ينحسر هذا المجد. فيعجز عن نصر حلفائه في بني النضير، ولا يتجاوز دوره التشكيك في النصر وإمكانياته في الخندق، أما اليوم فيبث حديثه في عشرة من أتباعه. ويتحدث عن كل ما يعانيه من بغض للإسلام وأهله ولا يتورع أن يشبههم بالكلاب المسمنة على مائدة الخزرج، ويدعو صراحة إلى تمزيق الصف،. والثورة على القيادة: بل يهدد بهذه الثورة التي بدت ملامحها وذرت قرونها عند العودة إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
ولا بد لنا من الوقوف عند هذه المعاني. فظهورها في الصف المسلم الواحد تعني أن سمات النفاق متمثلة في دعاتها. التهديد بتمزيق الصف، والثورة على القيادة والطعن فيها وبصلاحيتها. خاصة وهي منطلقة من أسس شرعية. متينة يعنى أن هذا الخط هو خط النفاق سواء أشعر صاحبه أم لم يشعر. وكما يقول ﵊ في أدنى من ذلك: يقول في الخلق الشخصي: (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن
_________________
(١) قد يقع أن يستمر الخلاف والدماء في الصف الإسلامي الواحد سنين طوالا، كما جرى في فتنة عثمان ﵁ وفي معركة الجمل وصفين. لكننا لا بد أن نلاحظ أن مثل هذا الخلاف والقتال قد يقع بهذه الشدة وهذا العنف والمسلمون متمكنون في الأرض، ولم يحدث أن استمر مثل هذا الخلاف في الجيل الإسلامي الأول بهذه الصورة والمسلمون ضعاف يتخطفهم العدو من كل جانب.
[ ٢ / ٢٦٣ ]
كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها (١». فقد توجد صفات النفاق في مسلم لا يبطن الكفر ويظهر الإسلام فيعامل معاملة المنافق الخالص، وكلما تحلى عن صفة أو سمة من هذه الصفات أو السمات اقترب من الصف الإسلامي الصادق، لقد كان هدف ابن أبي واضحا من كلامه وهو حرب المهاجرين، وإخراجهم من المدينة أذلاء. وعلى أي شيء يعتمد؟! يعتمد على قومه من الخزرج الذين كادوا يبايعونه سابقا على القيادة. وما هو وقود الحرب؟! هو بناء الأمة على حزبين هما: المهاجرون من قريش وهم أشبه ما يكونون بالمستعمرين اليوم - على حد زعمه وفهمه - (نافرونا وكاثرونا في بلادنا، وأنكروا منتنا، والله ما صرنا وجلابيب قريش إلا كما يقول القائل سمن كلبك يأكلك). والذين قبلوا هذا الاستعمار هم قومه (هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموهم بلادكم، ونزلوا منازلكم، وآسيتموهم في أموالكم حتى استغنوا). أما هو فقد كان كارها لهذا، والقيادات الأخرى غيره هي المسؤولة عن هذه النتيجة (والله إن كنت لكارها لوجهي هذا ولكن قومي قد غلبوني .. والله ما رأيت كاليوم مذلة). وهل لهذا الأمر من تلاف؟
نعم والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل.
إنها الثورة على هذه القيادة وإخراجها من المدينة.
وعلى حد زعمه، لأي مرحلة وصل الخضوع والذلة والجهالة لدى قومه؟! (ما هو المطلوب منهم الآن). (أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير بلادكم ثم لم ترضوا ما فعلتم حتى جعلتم أنفسكم أغراضا للمنايا فقتلتم دونهم فأيتمتكم أولادكم. وقللتم وكثروا).
إنه منطق تقسيم الأمة إلى رجعيين وتقدميين أو كادحين ومستغلين. والدعوة إلى الثورة التي تطيح بأعداء الشعب. ليستلم العمال والفلاحون والمثقفون الثوريون زمام السلطة. إنه تقسيم الأمة إلى اليمين واليسار .. أو إلى ثوريين ومحترفين سياسيين.
_________________
(١) متفق عليه.
[ ٢ / ٢٦٤ ]
هذه المقولات كلها عندما تسود الصف المسلم، ويراد منها أن يتميز الصف على ضوئها يعني أن من يقود هذه الأفكار أنه هبط إلى درك النفاق أيا كان شأنه، وأيا كان لونه، وخط النفاق الدائم المستمر هو خط الدعوة إلى التغيير غير الشرعي في الصف الإسلامي والطعن المستمر في القيادة المختارة لتسقط عن طريق القوة، ويحل محلها الثائرون. إننا نفهم الثورة ضد الجاهلية، ونفهم الثورة ضد المحاربين لشريعة الله والمحادين لرسوله وكتابه. لكننا لا نفهمها في الصف الإسلامي الواحد، والحركة الإسلامية الواحدة إلا دورة جديدة من دورات عبد الله بن أبي.
٤ - ولكن كيف كان وضع الصف المسلم في أثناء هذه الحركة المضادة. لقد كان الصف من القوة والتراص والتماسك بحيث يحرق عبد الله بن أبي وعصبته المنافقة. ولقد استطاع فتى صغير من فتيان هذا الصف أن يحبط فتنة هذا الأخطبوط كله، حين نقل كل تفصيلات المخطط الخائن، لمن؟ لرسول الله - ﷺ - مباشرة.
وأي وعي في صف جيش النبوة أعمق من هذا الوعي؟! إنه الغلام زيد بن أرقم بلغ به الوعي الحركي أن يصمت وهو يسمع عبد الله بن أبي ليتحدث بكل ما في نفسه، وبلغ به الوعي الحركي أن يمضي مباشرة إلى القائد الأعظم - ﷺ - وحده فيبلغه بما سمع، وبلغ به الوعي الحركي أن لا يحدث بهذا الموضوع أحدا غير رسول الله. وكم نتمنى لا لفتياننا ولا لشبابنا بل للقيادات عندنا أن يكونوا على مستوى هذا الوعي الحركي العظيم.
إنه فتى الإسلام الذي لم يبلغ بعد - أو في سن البلوغ - أدرك هذه المعاني جميعا وحصر الفتنة في مهدها فأبلغ كل تفاصيلها لرسول الله - ﷺ -. فكان حارسا أمينا على دعوته وحركته. وهذا يعني أن المطلوب من كل أخ أن يكون حارسا أمينا على دعوته وحركته. فينقل كل ما يسمعه من تجريح وطعن أو رغبة في تخريب الصف وتحطيمه إلى قيادته المسلمة دون أن يمضي عن حسن ظن في النقد والتجريح هو كذلك. فيبلبل الصف وهو يقصد إصلاحه.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
إنه درس عظيم في الحركية الواعية لشبابنا المسلم يتلقونه من هذا الغلام. ونقطة ثالثة في هذا المجال كذلك هي أن معسكر النفاق لم يكن ليأبه بمثل هذا الغلام زيد بن أرقم ومن أجل هذا لم يجد حرجا في الحديث أمامه بكل ما في نفسه وبكل مخططاته. وهذا ما يجعلنا نطمئن إلى أن نفثات معسكر النفاق وأحابيله لا بد أن تظهر بشكل ما في الصف، وعلى الشباب المسلم أن يكون يقظا واعيا لمثل هذه الاتجاهات داخل الصف المسلم.
٥ - وماذا تتصرف القيادة أمام هذه المواقف؟ إن الدرس عام للقيادة والقاعدة، وما أحوجنا إلى التأسي بهذا المنهج جنودا ومسؤولين. لقد وضع رسول الله - ﷺ - ثلاثة احتمالات قبل أن يتبنى هذا القول ويبني عليه.
الاحتمال الأول: أن يكون ناقل الكلام مغرضا. أو صاحب هوى (لعلك غضبت عليه؟ قال: لا والله لقد سمعت منه). ومع أن عبد الله بن أبي هو رأس النفاق وأكبر أعلامه فلم يقبل رسول الله - ﷺ - القالة فيه مباشرة وأحب أن يتأكد من صدق الناقل أنه ليس له غرض أو مصلحة أو هوى ضد المنقول عنه. إن الحكم السريع من القيادة والتصديق المباشر دون تحقيق كامل لأسباب هذه الأقوال قد يوقع الجماعة المسلمة في خطأ أكبر من القول نفسه وقد يصدع نقل مغرض وحقد حاقد وغضب غاضب الصف كله إذا كان التسرع في قبول القول ضد أي إنسان لا يزال داخل الصف، مهما كانت الاتهامات ضده.
الاحتمال الثاني: أن يكون ناقل الكلام غير دقيق في نقله. (لعله أخطأ سمعك) فلا يبعد أن يكون النقل خاطئا، فيؤدي إلى زيادة أو نقصان في الكلام يغير المعنى كله، ولا يصل إلى هذا المدى من الخطر، وبالتالي فيتهم القائل بشيء لا أصل له، أو زيد عليه فغير معناه.
لقد كنا كثيرا ما نسمع بعض التعميات من الشباب المتحمسين ضد بعض إخوانهم أو مسؤوليهم أو يقوم شاب بنقل لحادثة عن القيادة مشوهة أو مغلوطة، وبعد أن ينتهي الأخ من غمرة حماسه يسأل: هل أنت متأكد مما تنقله؟ وهل نقل إليك هذا الخبر بهذه الصورة؟ فيقف مليا ليجيب مصححا
[ ٢ / ٢٦٦ ]
لنفسه مقالته الأولى، ويحدد ما هو متأكد من نقله، مما هو شاك فيه. إن خطأ السمع احتمال أساسي آخر ينبغي التحرز منه ونحن نستمع للأخ الذي ينقل شكاية عن أخيه الآخر مهما كان وضع الأخ الآخر متهما أو مشكوكا فيه.
الاحتمال الثالث: أن يكون الفهم خاطئا للكلام (فلعله شبه عليك؟ قال: لا والله لقد سمعت منه يا رسول الله. وهذا أكثر الاحتمالات وقوعا في الصف المسلم أن يفهم الكلام على غير قصده أو غير معناه، وبالتالي تتأزم الأمور لسوء تفاهم أو سوء فهم من طرف واحد، ثم تبني الأحكام كلها على ضوء هذا الفهم السيء، ويتصدع الصف نتيجة أوهام لا حقائق، ونتيجة تفسيرات وفهوم لكلمات معينة لا نتيجة نقل أمين لمعناها، والأصل حين تقوم الثقة بين أبناء الصف أن يكون الأخ مصدقا عند إخوانه حين يعلن رأيه وفهمه ويقسم عليه، ولكم رأينا خلافات عميقة وشروخا كبيرة في الصفوة من إخواننا نتيجة فهم خاطىء لكلام صادر. أو تفسير سيء لنقد قائم بعيد عن التجريح والإساءة. والمنهج النبوي أمامنا في التحقيق نتمنى أن يكون درسا عمليا لجهاز الأمن وأجهزة التحقيق في الجماعة، ومهما كد ذهننا في التحقيقات، فلن تخرج الاحتمالات عن هذه المجالات الثلاثة: غرض في النقل، أو خطأ في النقل، أو خطأ في الفهم. وليس من حق قيادة الجماعة مهما كان الناقل صادقا والمنقول عنه متهما أن تصدر حكما قبل التحقيق في القول نفسه، ولو فعلت ذلك لجافت منهج النبوة، ولكانت أداة لزلزلة الصف وزعزعة الثقة عوضا عن أن تكون صمام الأمان له ومحور اللقاء والثقة فيه.
والنفاق لا يستطيع أن يتحرك ويتمطى ويثمر الثمرة المرة إلا في الابتعاد عن المنهج النبوي في التحقيق والإدانة.
٦ - ثم ماذا بعد التحقيق؟ يأتي دور الاستماع للخصم ودفاعائه. فلقد جاء ابن أبي وأقسم بالله تعالى ما قال، وحلف على ذلك. وتأزم الموقف من جديد. وانقسم الصفوة من الصحابة بين مصدق ومكذب، بعد حلف ابن أبي، فالذين يعرفون ابن أبي لم يخالجهم الشك في قوله، واندفع عمر بن الخطاب ﵁ ليقول: يا رسول الله مر به عباد بن بشر ليقتله، ولا
[ ٢ / ٢٦٧ ]
يمنع أن نقف قليلا عند قول عمر ﵁، فالمعهود في الفاروق ﵁ في كل مواقفه أمام الانحرافات وتشكيكات المنافقين، أنه يطلب الإذن بقتل هذا المشكك، ومضت عنه هذه الكلمة: يا رسول الله دعني أضرب عنقه فلقد نافق.
أما الآن فنحن أمام صورة جديدة. هذه الصورة أن عمر يطلب أن يقتله غيره، ولو أمعنا البحث وتعمقنا في فهم الأسباب لطالعتنا صورة نيرة خالدة. هذه الصورة هي ترفع عن أهوائه وانفعالاته. فلقد كانت المواجهة بين جهجاه الغفاري مولاه وبين سنان الجهني حليف الخزرج، فلو طلب عمر قتل ابن أبي، لكان الأمر محل شبهة أنه يود الثأر لنفسه ولمولاه من عبد الله بن أبي الخزرجي، وحرصا منه على أن لا يختلط الأمر بين حميته لدينه، وحميته لنفسه، ارتفع فوق رغبته الجامحة في قتل رأس النفاق، وأشار على رسول الله - ﷺ - أن يقوم أحد سادات الخزرج بقتله، والنقطة الثانية في هذه الفقرة هي في قسم ابن أبي نفسه أنه ما قال هذا الكلام، فإقدامه على حلف هذه الأيمان - الكاذبة يعني أن رصيده قد انتهى نهائيا من الصف المسلم فلو كان واثقا أن هناك من يحميه ويؤيده غير هؤلاء العشرة. لبقي مصرا على قوله، ولاستطاع أن يحرك الحمية الجاهلية في نفوس قومه وهم أكثر الجيش، وأن يقود انشقاقا جديدا كما فعل في أحد.
إنه لواثق أنه أعجز من أن يؤثر على فرد واحد في هذه الظروف وبهذه الوقاحة السافرة. ومن أجل ذلك رأى أن مصيره الموت لو ثبتت إدانته، ولن يثأر له أحد فلا بد من تلافي الموقف من جديد وتكذيب الخبر حفاظا على عنقه من الإطاحة، وهو والعشرة معه لن يكونوا أكثر من نفخة في رماد.
غير أننا نلاحظ اتجاها آخر غير اتجاه عمر ﵁، ولقد قوي هذا الاتجاه حين رفض رسول الله - ﷺ - فكرة قتله. قائلا: فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحاب.
هذا الاتجاه يقوم على التماس العذر لابن أبي في مقالته، ويعرض على رسول الله - ﷺ - فكرة الرفق به أو تخفيف عقوبة القتل عنه على الأقل. ونلاحظ
[ ٢ / ٢٦٨ ]
هذا الاتجاه لدى زعيمين من زعماء المدينة هما أسيد بن حضير سيد الأوس - إذ كان سعد بن معاذ قد قضى شهيدا في الخندق - وسعد بن عبادة (١) سيد الخزرج إذ عرض رسول الله - ﷺ - الأمر عليهما كل على حدة، وكان جوابهما واحدا في هذا الأمر، فقال أسيد بن حضير: (.. فأنت يا رسول الله تخرجه إن شئت، هو والله الذليل وأنت العزيز، ثم قال: يا رسول الله أرفق به فوالله لقد جاءنا الله بك، وإن قومه لينظمون له الخرز ليتوجوه فإنه يرى أنك استلبته ملكا، وكان جواب سعد بن عبادة ﵁: ( فأنت يا رسول الله تخرجه إن شئت فهو الأذل وأنت الأعز، يا رسول الله أرفق به فوالله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الخرز ما بقيث عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهودي ليتوجوه، فما يرى إلا قد سلبته ملكه. ولقد اندفع بعض أفراد هذا الاتجاه إلى تصديق عبد الله بن أبي بعد يمينه، وإلى تكذيب زيد بن أرقم الغلام المؤمن. فيذكر المباركفوري عن البخاري رواية فيها: (أما ابن أبي فلما علم أن زيد بن أرقم بلغ الخبر جاء إلى رسول الله - ﷺ - وحلف بالله ما قلت ما قال ولا تكلمت به، وقال من حضر من الأنصار: يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه ولم يحفظ ما قال الرجل (٢». ونلاحظ هنا أن تمالؤ مجموعة من الأفراد في الصف على موقف قد يؤدي إلى تغيير الواقع. لكننا نلاحظ أن أبعد مدى وصل إليه عبد الله بن أبي في الصف المسلم أن يوجد من يبرر له كلمته بدافع رغبته بالملك، أو يوجد من يصدقه ويكذب غلاما حدثا ليس معه شاهد آخر على كلامه، ومع هذا فنحن نعتبر أن هذا الموقف ليزيد القناعة بقوة هذا الصف وتراصه، فأن تصل الثقة لدى أفراد هذا الصف بغلام فيه، فوق الثقة بزعيم كبير من زعماء النفاق فهو دلالة واضحة على تعري النفاق والمنافقين فيه، وأن يقتصر الأمر على أفراد في هذا
_________________
(١) عند المقريزي أن سعد بن عبادة هو الذي لقيه. وعند ابن هشام أن أسيد بن حضير هو الذي لقيه، ومن المحتمل أن تكون المحادثتان معا لخطورة الأمر ولحرص رسول الله ﷺ على معرفة، رأى جميع قيادات الأنصار في هذا الموقف.
(٢) ابن هشام ج ٣/ ١٨٤.
[ ٢ / ٢٦٩ ]
الصف على توقع الوهم من الغلام لا الاختلاف. فهو مستوى رفيع ولا شك في تلاحم هذا الصف، وارتفاع الثقة فيه، وفضح المشبوهين فيه.
٧ - ونقف كذلك عند جواب رسول الله - ﷺ - لعمر: فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه. وهو أمر أقرب ما نسميه في المصطلح الإسلامي بالسياسة الشرعية. وما أحوج الجنود في الصف إلى فقه هذا الموقف.
فكثيرا ما يندفع الشباب المتحمسون في الصف في النقد العنيف للقيادة حيث تستعمل الحكمة والتؤدة في معالجة الشاذين في الصف والمتمردين عليه، خاصة إذا كانت الأغلبية في مركز أو تجمع تدين بآراء هؤلاء. وتصبح القيادة بين نارين، نار المتحمسين الذين يأخذون على القيادة تهاونها، ونار الأعداء من الداخل الذين يتربصون الدوائر بهذه الجماعة لينزلوا بها كيدهم فلا الشباب في الداخل يعذرونها ولا الأعداء في الخارج يرحمونها. إننا لا نتصور موقفا عدائيا للجماعة المسلمة أخطر من موقف عبد الله بن أبي، وأن مجرد (١) قناعته أن يخرج العزيز منها الذليل ويعني بها نفسه ورسول الله - ﷺ -. فهو خلع لربقة الإسلام من عنقه وصار كافرا خالصا، وحكمه هو القتل. لكن ظاهر الأمر أنه من الصف، فالإقدام على قتله، والمعركة الدعائية على أشدها بين المسلمين والكافرين تجعل للكفار سبيلا كبيرا للتشهير بالمسلمين والنيل منهم وتشويه سمعتهم لدى الآخرين، وظاهر الأمر أن رسول الله - ﷺ - لم يكن يخشى تأثير ابن أبي في هذه المرحلة، ومع أن الأمر لم يثبت عليه بعد، ومع أنه حلف أنه لم يقل هذا الكلام، فلم نر في الصف كله واحدا يقبل كلامه أو يقر به. إنما أقصى ما وصل التأثر به هو اعتبار زيد واهما في النقل، أو طلب الرأفة به لفقدانه الملك العضوض الذي فاته. ولا يوجد في ظاهر الأمر إلا هؤلاء العشرة من الصف كله قبلوا كلامه وسكتوا عليه، والمقصود في هذا التأكيد هو أن رسول الله - ﷺ - حين رفض قتله، لم يكن بسبب خوف من تصدع الصف الداخلي عنده، ولم يكن خوفا من تأثيره في داخل صفه إنما كان
[ ٢ / ٢٧٠ ]
فقط توقفا سياسيا حتى لا يعطي العدو فرصة للتشهير بالصف الإسلامي أمام المحايدين: (فكيف إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه).
إنه كثيرا ما يسود الصفوف اتهام صارخ للقيادة بسكوتها على المخربين أو صبرها على بعض الانحرافات داخل الصف، مع أن ظروفا داخلية وخارجية تمر بها الجماعة المسلمة تقتضي منها تأجيل بعض الأحكام أو توقيف بعض التصرفات، ولعل جنود الصف يدركون المدى الأبعد للقيادة في حرية التعامل في صفها الداخلي أو مع عدوها الخارجي من خلال هذه الحادثة. لقد امتنع رسول الله - ﷺ - عن قتل رجل نزل الوحى فيما بعد بتكذيبه وبصحة ما وجه إليه من كفر بواح وهو يهدد ليخرجن الأعز منها الأذل، وذلك لاعتبارات سياسية بحتة، ولسمعة الجماعة المسلمة أن لا تتفتت عند أعدائها، فيستغل العدو هذه الفرصة.
ما أحوجنا إلى أن ندع الحرية للقيادة في التعامل مع شبابها ومع خصومها! فهي أدرى بالظروف التي تتعرض لها منا، ومن حقنا أن نوضح رأينا. كما فعل عمر ﵁ وهو يطالب برأس ابن أبي، أو كما فعل سعد وأسيد وهما يطالبان بالرفق به. لكن ليس من حقنا أن نفرض رأيا نرتأيه. ولا أن نتهم القيادة في موقف اتخذته هو من حقها، ويحسن أن لا يغيب عن بالنا أن قيادة الحركة المسلمة فيها من العلم والعالمين ما يجعلها على بصيرة من تصرفاتها.
لكن أشير إلى نقطة مهمة كذلك هي صلاحية القيادة للحركة، والقيادة للدولة. فقيادة الدولة قادرة على تنفيذ الحكم الشرعي بالقتل أو السجن أو النفي على أفرادها كما هي قادرة في كثير من الأحيان على مواجهة خصومها، ومع ذلك، فيتم مراعاة بعض الظروف والاعتبارات السياسية المحيطة بها، والتي تجعلها تتوقف في تنفيذ الأحكام، فمن باب أولى أن تكون قيادة الحركة أعجز وهي محكومة بظروف قاهرة من دول أخرى لها قوانينها وأعرافها، ولا تتعدى سلطتها المعنوية على أفرادها فصلا أو تجميدا مهما كانت خطيئة الجندي وذلك حين تتعارض المصلحة العامة للجماعة ومصلحة الفرد.
[ ٢ / ٢٧١ ]
لقد رأينا رسول الله - ﷺ - لا يتعرض لمن ارتد أو تزعزع بأذى في مكة لأنه لا سلطان له في هذه الدولة. بينما رأيناه يقيم الحدود وينفذ الأحكام وهو الحاكم الأعلى في المدينة. والذين يفرون من المدينة مرتدين إلى سلطة أخرى لا تطالعهم يده فيها يدعهم وشأنهم إلى أن يكون قادرا على تنفيذ القصاص فيهم.
٨ - ولا بد من الإشارة كذلك لموقف سيدي الأنصار وهما يقولان لرسول الله - ﷺ -: يا رسول ارفق به فوالله لقد جاء الله بك وإن قومه لينظمون له الحرز ما بقيت عليهم إلا خرزة واحدة عند يوشع اليهودي ليتوجوه. فما يرى إلا قد سلبته ملكه). فهذا الكلام وإن كان ظاهره يوحي طلب الرحمة بابن أبي. لكن حقيقته فضح للدوافع النفسية لهذا الموقف عنده.
إن حب الزعامة عنده هو الذي قاده إلى هذا الموقع، وإن فقدان الملك هو الذي جعله في موقع الحرب ضد رسول الله - ﷺ - برغم ما رأى من الآيات البينات والدلائل الباهرات على صدق رسول الله ﵊. وهذا المرض الرهيب هو من أخطر الأمراض داخل الصف المسلم؟ مرض حب الزعامة والتنافس على السلطة وهذا المرض يقود في كثير من الأحيان إلى تدمير الجماعة المسلمة أو شق صفها على أقل تقدير. إن الفرق بيننا وبين الجاهليين هو أنهم يحتكمون إلى أعراف سياسية أو أعراف ديمقراطية فإذا خرجوا عليها فهو خروج على مبادىء صاغوها وجعلوا لها الحكم عليهم. أما الفئة المسلمة فالتزام الجماعة دين فيها، والسمع والطاعة للأمير فرض من فروضها، وقبول حكم الحاكم الشرعي بيعة من نكث فيها فإنما ينكث على نفسه. ومن أوليات الإسلام السمع والطاعة في المنشط والمكره ومن أوليات الإسلام السمع والطاعة ولو ولي عبد حبشي على المسلمين كان رأسه زبيبة ما أقام كتاب الله.
كما نشير في هذا الموقف كذلك إلى الغلالة الرقيقة التي يتستر وراءها الخارجون على الجماعة. هذه الغلالة هي مصلحة الجماعة نفسها والحرص عليها، ومحاولة التمييز في صفوفها، وفقدان العدل بين شبابها. لتظهر فيما بعد النوازع الدفينة وهي فقدان المركز الحساس لهذا الثائر. على جماعته، وفوت
[ ٢ / ٢٧٢ ]
الفوز في انتخابات معينة. دفعته ليمضي في التشهير والجرح والتحطيم ما وسعه سبيل إلى ذلك. وإذا هو حين يتقلد منصبا أو يتسلم سلطة تذهب هذه الغيرة العظيمة على مصلحة الجماعة، وينقلب مدافعا عنها وعن قيادتها.
إن كثيرا من المواقف المعادية للحركة الإسلامية تنطلق من حب الزعامة والمنصب وبالإمكان أن تعالج أحيانا هذه المواقف، ويصعب أو يستحيل معالجتها في حين آخر. إن طالب الزعامة والمنصب قد يراعي في بداية الأمر، وقد يتساهل معه في بعض الجزئيات. لكن أن يستمرىء هذا الإنسان هذه المراعاة، فلا يرضى إلا أن يكون الجميع تحت إمرته أو أن يكون الجميع بقيادته، وهو لا يستحق هذا المركز، ولا يستأهل هذا المنصب فحيئذ يكون من الخرق مراعاة مثل هذا النوع من الناس أو الاستجابة لطلباتهم، حتى أن كثيرا من الذين يعادون الإسلام إنما يعادونه خوفا على مصالحهم، وخوفا على زعامتهم. وأوضح مثالي على ذلك موقف أبي جهل من الإسلام ورسول الإسلام. أتنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وسقوا فسقينا، حتى إذا تحاذينا على الركب، وصرنا كفرسي رهان قالوا منا نبي يأتيه الوحي من السماء). والحركة الإسلامية الواعية، تتخذ الموقف الوسط والأنسب في هذه الأمور. فلا حرج عليها أن تراعي بعض هذه النوعيات، وإشعارهم بمقامهم المحفوظ في الإسلام: أو أن ترفض أية مراعاة لهم حين ترى خطرهم على الجماعة والدعوة، والموقف واحد مع من هو داخل الصف أو خارجه، في حركة إسلامية أو مستقل الرأي أو في موقف معاد للدعوة والحركة.
٩ - ويطالعنا موقف المسلم العظيم عبد الله بن عبد الله بن أبي الذي كان له دور كبير في إنهاء سلطان أبيه من أرض الإسلام. وذلك في تصرفين عظيمين:
التصرف الأول: وبعد أن ثبت له عن طريق الوحي صدق مقالة زيد فيما نقله عن أبيه تبرأ من أبيه، ووقف له على باب المدينة، واستل سيفه. فلما جاء ابن أبي قال له: والله لا تجوز من ها هنا حتى يأذن لك رسول الله - ﷺ -
[ ٢ / ٢٧٣ ]
فإنه العزيز وأنت الذليل. فلما جاء النبي - ﷺ - أذن له فخلى سبيله (١). ومثل هذا التصرت لا يجدي إلا من عبد الله من جهة، ولا يقدره إلا عبد الله من جهة أخرى فهو لا يجدي إلا منه لأن كل الخزرج بل الأنصار تعرف بر عبد الله بأبيه. فلو أقدم أي واحد من المسلمين على هذا الموقف لكان خوفه من سيف عبد الله الابن قائما في كل لحظة ولن يرضى ذل أبيه، وقد تقع فتنة أعظم تحول دون هذا الاعتراف بالذل من رأس النفاق، ولا يقدره إلا عبد الله من جهة أخرى، لأنه الوحيد الذي لا يخشى سطوة أحد من المنافقين أتباع أبيه، إنهم حين يرون الولد يضع السيف على عنق أبيه، لن يتجرأ أحد على النيل من الولد، لأنه هو حامي ذمار أبيه، ولن يكون أحد أغير وأثأر للأب من ابنه. لقد كان هذا الموقف من الواقف الخالدة في التاريخ، والذي أحرق كيد المنافقين كله حين رأوا عبد الله بن عبد الله بن أبي يذل أباه، بل يمنعه من دخول المدينة حتى يأذن له رسول الله صلوات الله وسلامه عليه.
التصرف الثاني: حين قدم على رسول الله - ﷺ - وقال له: يا رسول الله - ﷺ - إن كنت تريد أن تقتل أبي فيما بلغك عنه فمرني به فوالله لأحملن إليك رأسه قبل أن تقوم من مجلسك هذا، والله لقد علمت الخزرج ما كان فيها رجل أبر بوالده مني، وإني لأخشى يا رسول الله أن تأمر غيري بقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل أبي يمشي في الناس فأقتله فأدخل النار، وعفوك أفضل ومنك أعظم. فقال رسول الله - ﷺ -: ما أردت قتله وما أمرت به، ولنحسن صحبته ما كان بين أظهرنا. فقال: يا رسول الله إن أبي كانت هذه البحيرة قد اتسقوا عليه ليتوجوه. فجاء الله بك فوضعه ورفعنا بك، ومعه قوم يطيفون به يذكرونه أمورا قد غلبه الله عليها.
وإذا حق لنا أن نعتبر بعض الحوادث منعطفات في تاريخ النفاق، فلعمري إن هذه الحادثة أولى منها جميعا بذلك، فعبد الله المؤمن على استعداد أن يقطع رأس أبيه عن جسده بحركة من شفتي رسول الله - ﷺ - أو إيماءة -
_________________
(١) الرحيق المختوم للمباركفوري نقلا عن ابن هشام ومختصر السيرة لابن محمد بن عبد الوهاب.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
ورسول الله لا يقتل إيماء - وبذلك يغدو عبد الله زعيم النفاق كأمس الدابر. وحين نرى مثل هذا القول لا نشك أصلا أنه إنما قال لينفذ، وليس وقوفه دون دخول أبيه المدينة حتى يقر بأنه هو الذليل، وأن محمدا هو العزيز، وحتى يأذن له رسول الله - ﷺ - بدخولها، ليس هذا الموقف إلا دليلا على ذلك.
لكن عظمة هذه النفس البشرية، نفس عبد الله الابن لتبدو أعظم وهي تتحدث عن نقاط ضعفها، ونقاط نقصها، إنه ليعلن أن الحمية الجاهلية قد تلعب برأسه، لو قتل أباه أحد غيره. وهو يعرف عتو هذه الجاهلية، وقوتها الكامنة في أعصابه، وفي حالة الحمية هذه، قد يفقد توازنه، ويفقد رشده، ويفقد دينه، فيقدم على قتل مسلم بكافر. فيؤدي ذلك به إلى النار.
فليس المسلم إذن سموا كله، وليس تساميا كله. بل من نجد عنده قمة السمو قد نجده في مكان آخر في زلة ضخمة قد تقوده إلى الضلالة والكفر. ومن الخطورة بمكان ونحن نتناول أحداث السيرة أن يكون التركيز دائما على نقاط التسامي، فأن تعرض هذه الحادثة ليؤخذ قسمها الأول في استعداده لقتل أبيه فقط يجعل بين هذا الصحابي العظيم وبيننا هوة كبيرة سحيقة لن نتمكن تجاوزها فنيأس ونحكم على حركتنا بالفشل. أما عرض الموقف كله من الشخص نفسه فهو دليل من جانب آخر على طبيعة هذه النفس البشرية الواحدة القادرة على الارتفاع إلى الأفق، والقادرة على الهبوط إلى الحضيض. القادرة على التطبيق الحي لأوامر الله ﷿، ولو أدى ذلك لقتل ألصق الناس بها، والمستعدة للولوغ في الوحل ونتن الجاهلية فتقتل مسلما بكافر ثأرا وحمية وتدخل النار، وجانب العظمة لدى عبد الله ﵁ هو أنه لم يجد حرجا في عرض خشيته من ذلك الإنحدار أمام رسول الله - ﷺ -. ويدع الأمر بعد ذلك لقائده يوجهه لما يشاء. وهو درس لكل جندي يكلف بمهمة، أو يرى حدثا معينا يخشى منه الفتنة أن يعرضه لقيادته حتى تكون على بينة من طبيعة هذا الجندي. فقد تغير الأمر نتيجة التعرف على هذا العرض.
وأخيرا يضعنا هذا الموقف لعبد الله - ﵁ - على جانب من الوضع النفسي له. فكل خشيته قائمة من دخول النار لو زل وعصى واستجاب لثأره، وليس خوفه على قتل أبيه أو خسارة سمعته أو لوم عشيرته.
[ ٢ / ٢٧٥ ]
لقد أصبح يتحرك في عواطفه من خلال عقيدته. لكن ضغط مقتل أبيه على أعصابه يخشى أن يزعزعه إلى ذلك المستوى الذي تجاوزه. ويصبح من عداد أهل النار.
١٠ - ولا يفوتنا أن نستعرض موقف الغلام المؤمن في هذه الحادثة: موقفه وهو يمضي سريعا لرسول الله - ﷺ -، ليخبره بما سمع وهو الواجب على كل جندي أن يكون حارسا أمينا على دعوته، وموقفه وهو ثابت كالطود أمام تكذيبه. ويصر على صدق ما سمعه، وينفي أمام قائده أن يكون له هوى بهذا الأمر أو يكون قد أخطأ في نقله، أو أخطأ في فهمه، وموقفه في مواجهة التيار العام الذي ثار ضده من قادة قبيلته. وهو يتحداهم جميعا بقوله: والله إني لأرجو أن ينزل الله على نبيه حتى تعلموا أني كاذب أم غيري. فلم تزلزله هذه الهجمات كلها بل بقي على موقفه، وثقته برب السموات والأرض أن يظهر الحق لنبيه، وأن يأتي الوحي تصديقا له، ويتعبد به الناس إلى يوم الدين.
ومن أجل هذا حرص رسول الله - ﷺ - على رفع معنوياته أمام هذا الهجوم الرهيب عليه حين جاء الوحي مصداقا لقوله: فإذا هو يأخذ بأذني زيد ويقول: وفت أذنك يا غلام وصدق الله حديثك. وإذا بكل تمالؤ الحسب والنسب ينهار أمام الوحي، ويرتفع هذا الفتى المؤمن بالله وبرسوله فوق الشبهات، وفوق الزعامات بعد أن صدقه الله تعالى، وكذب رأس النفاق الذي لم يتورع عن الحلف كاذبا في سبيل المحافظة على مركزه وسطوته، فلا يستصغرن أخ نفسه من أجل هذه المهمة. وليعتبر نفسه مقام هذا الغلام المؤمن. فلا يصمت على حديث يسيء للجماعة مهما كانت صعوبة الإبلاغ قائمة. وكم يستشعر الجندي بالثقة وهو يجد قيادته تتصرف مباشرة بعد التأكد من صحة كلامه، وأن لا يكون لدى قيادة الجماعة حرج في أن تستمع لمثل هذه الآراء، وتتعرف على ما يجري داخل الصف.
١١ - وأخيرا نلاحظ معالجة رسول الله - ﷺ - للموقف على جبهات عدة، وهو يود أن يستأصل هذه الظاهرة من الجذور. وهو موقف أحوج ما تكون القيادة للتأسي به وهي تعالج هذه الظاهرة.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
أ - فالتثبت والتحقق من الحادثة هو الواجب الأول، وهو ما رأيناه من الأسئلة العديدة التي وجهها رسول الله - ﷺ - لزيد قبل أن يحكم على صحة مقالته. وإذا كان النبي ﵊ قد فعل ذلك، فأحرى بأية قيادة أن تتثبت قبل أن تصدر الحكم. لأنها هي المسؤولة عن أمن جماعتها وأفرادها. وتسرعها بإصدار الحكم يعني بتر بعض قواعدها، أو إثارة فتنة في صفها، أو ظلم جندي من جنودها، والجماعة التي لا تقدر الفرد فيها لن تستطيع أن تستفيد منه ساعة المحنة. وإذا كنا لا نملك وحيا بعد رسول الله - ﷺ - يثبت الواقعة أو يكذبها ففي البيانات التي اشترطها الإسلام من الشهود والعدول، أو من البينات التي قدمها العلم الحديث كالتسجيل لكلام المتهم أو التصوير له جوانب فرعية يمكن أن تساعد في سعة التحقيق وصحته.
ب - ثم في مواجهة انتشار الفتنة. إذ أمر رسول الله - ﷺ - بالرحيل في وقت لم يكن يرحل فيه وكما يقول ابن هشام في السيرة (ثم مشى رسول الله - ﷺ - بالناس يومهم ذاك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذاك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل في الناس فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما، إنما فعل ذلك رسول الله - ﷺ - ليشغل الناس بالحديث الذي كان بالأمس (١».
فلا بد إذن من إشغال الناس عن الفتنة، والقاعدون حين تشتعل الفتنة لا يكون لهم حديث إلاها حتى في المجتمع النبوي. والقيادة الحكيمة هي التي تملأ فراغ شبابها بعمل مثمر. أو تدريب مناسب أو جهاد مباشر للعدو بحيث يستفرغ العمل وسعهم ويستنفد طاقتهم. ويصرفهم عن الانشغال بالقيل والقال وكثرة السؤال. وعن تأثرهم سلبا أو إيجابا بهذه الترهات.
ج - ثم كان عرض الرأي على الخلص من أصحاب عبد الله بن أبي
_________________
(١) تهذيب السيرة ص ٢١١.
[ ٢ / ٢٧٧ ]
بعد أن ثبت له صدق الغلام دون أن ينقل الحديث إلى أفراد الصف، ومعالجته بالحكمة الممكنة. وهذا الأمر لو أحكم في صف الجماعة المسلمة لجنبها كثيرا من المآزق. أن يكون أمر الأمن أو الخوف ممدودا بمستويات معينة لا يتجاوزهم. أما المنافقون فهم الذين يشيعون قالة السوء، ويسارعون في نشرها وهم يتلذذون بذلك وقد وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم (١)﴾. فمنهج التبليغ للخبر، ومنهج التلقي يجب أن يكونا سلميين، وكثيرا ما يحدث أن بعض الأفراد في مستوى معين من المسؤولية أو في القيادة العامة للجماعة، فيتساهل في بعض الأسرار. فإذا بها تنتقل عن طريقه، وتزكم الأنوف كلها، وتكون مادة الحديث ليتسلى الصف أو يتصارع بها.
وكانت حكمة رسول الله - ﷺ - أن سمع رأي سعد بن عبادة وأسيد بن حضير وعمر بن الخطاب، واكتفى بذلك إلى أن جاء الوحي بصدق زيد ﵁ وصحة ما نقله عن ابن أبي. فأصبح لدى رسول الله - ﷺ - موقف آخر. فلقد وقف عبادة بن الصامت موقفا حازما من عبد الله بن أبي. وكذلك أوس بن خولي إذ (مرا عليه فلم يكلماه. فورم أنفه وقال: إن هذا الأمر قد تمالأتما عليه فرجعا إليه فأنباه وبكتاه بما صنع وبما نزل من القرآن إكذابا لحديثه فقال: لا أعود أبدا). وترك رسول الله - ﷺ - الأمر للخزرج في معالجة عبد الله بن أبي فكان الموقف العظيم لابنه، ولبني عشيرته الأدنين.
ونتساءل: لماذا كان موقف رسول الله - ﷺ - بهذا التساهل مع عبد الله بن أبي؟ والجواب واضح. فهو أولا: مطمئن إلى أن قومه سوف ينفضون عنه جميعا، فلقد أصبح خطره محدودا وأمره مفضوحا للجميع.
وهو ثانيا: يود أن لا يفتح له مجالا للخروج من الصف والانقضاض عليه بحيث يخرج ويتآمر مع اليهود والمشركين وأسرار الصف عنده. وأي
_________________
(١) سورة النساء، من الآية ٨٣.
[ ٢ / ٢٧٨ ]
ضغط عليه قد يقوده إلى هذا الموقف كما فعل أبو عامر الفاسق الذي خرج مع خمسين من قومه وأنضم لأهل مكة. فأن يكون مراقبا في جميع تصرفاته أولى من أن ينقل أسرار الجماعة المسلمة إلى عدوها، ومن أجل ذلك كان جواب رسول الله - ﷺ - واضحا لابنه حيث قال له: ما أمرت بقتله (١)، ومما أمرت به، ولنحسنن صحبته ما دام معنا.
وهو ثالثا: يعلم أن عبد الله بن أبي قد احترق نهائيا بنزول سورة (المناففون) حيث صارت على كل لسان. وما من مسلم يتلو هذه السورة، ويبقى عنده شك في تقييم ابن أبي أو الثقة به إلا إذا كان يظهر الإسلام ويبطن الكفر، وحتى يبقى هذا المعنى راسخا في أذهان المسلمين كان رسول الله - ﷺ - يتلو هذه السورة في كل يوم جمعة تقريبا مع سورة الجمعة. فلو تاب عبد الله بن أبي توبة نصوحا، وخاف الآخرة لم تعد السورة لتمسه بعد أن حسنت توبته، وإن بقي مصرا على موقفه، فسيبقى المسلمون في مفاصلة تامة معه وهم يتلون كتاب الله ويقرؤون شهادة الله تعالى به وبأمثاله أن هؤلاء المنافقين كاذبون، وأنهم اتخذوا أيمانهم جنة ليصدوا عن سبيل الله. وهكذا. نستطيع القول أن جبهة المنافقين التي كان يقودها عبد الله بن أبي قد تصدعت تصدعا تاما بعد أن كانت قادرة على تصديع الصف الإسلامي كله.
ولم يعد لعبد الله بن أبي ناصر أو معين. وأصبح مكان الإذلال في قومه بعد أن كان في مكان الصدارة. بينما لو قتل لتحركت الحمية من جراء قتله برؤوس بعضهم بعد قتله، وقد يغدو مظلوما شهيدا عند آخرين من ضعاف الإيمان. وكان هذا الأمر هدفا واضحا ومحددا من رسول الله - ﷺ - أن يجعل كل الناس ينفضون عن ابن أبي بعد أن كان أكثرهم يجتمعون عليه.
يقول ابن إسحاق: (وجعل يعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه ويعنفونه؟ فقال رسول الله - ﷺ - لعمر بن الخطاب، حين بلغه ذلك من شأنهم: كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لي
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ص ٣٠٥. ج ٣. دار إحياء التراث العربي.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
أقتله، لأرعدت له أنوف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته، قال عمر: قد والله علمت لأمر رسول الله - ﷺ - أعظم بركة من أمري).
ح - المنافقون وحديث الإفك
الذي يتبادر إلى الذهن أن حديث الإفك كله هو من صنع المنافقين، وأنهم هم الذين خاضوا فيه غير أن النص القرآني واضح في أن الذي جاء بالإفك فريق من المؤمنين. ﴿إن الذين جاؤوا بالافك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم .. (١)﴾ والآيات المتتالية تناقش المؤمنين الذين خاضوا فيه. ﴿.. ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا (٢)﴾. لكن دور المنافقين كان في تأجيج هذا الحدث ونشره. فقد أشارت عائشة ﵂ إلى أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبي حيث تقول: (وكان كبر ذلك عند عبد الله بن أبي بن سلول في رجال من الخزرج الذي قال مسطح وضمنه). وتصف عائشة ﵂ انتشار الخبر فتقول: (.. فلما اطمأنوا طلع الرجل يقود بي. فقال أهل الإفك ما قالوا، فارتعج العسكر والله ما أعلم بشيء من ذلك ..).
وما كان المنافقون ليجرؤوا على بث هذا الحديث والخوض فيه بعد الفضيحة التي نالتهم بعد التعرية التي نزلت بابن أبي. لكن انتشار الحديث واستفاضته في الصف الإسلامي جعل المجال رحبا لهم أن يدسوا أنوفهم فيه، ويشعلوا النار من خلف الستار. ولعل عبد الله بن أبي وحده هو الذي برز من خلال النص أنه تولى كبره. ومعه ثلاثة من الصف الإسلامي الخالص. حسان بن ثابت، شاعر رسول الله - ﷺ -، وممن قال له رسول الله: أهجهم وروح القدس معك ومسطح بن أثاثة، وهو من المهاجرين، وممن شهد بدرا. وابن خالة عائشة ﵂ ومن المقيمين في بيت أبي بكر ﵁. وحمنة بنت حجش، ابنة عمة رسول الله - ﷺ -، وزوج شهيد الإسلام العظيم مصعب بن عمير.
_________________
(١) سورة النور من الآية ١١.
(٢) سورة النور من الآية ١٢.
[ ٢ / ٢٨٠ ]
ونستطيع أن نقول في نهاية المطاف أن ظاهرة المنافقين ابتدأت معسكرا قبيل أحد. وبلغت ذروتها في أحد، وظهر عظم خطرها على الصف الإسلامي، وانتهت فردا أو أفرادا يعدون على الأصابع، وأصبح الصف الإسلامي نقيا خالصا وذلك بعظمة تربية النبي - ﷺ -، التي دفعت الكثير منهم إلى أن يسلم ويحسن إسلامه. غير أن هذه الظاهرة عادت للظهور مرة ثانية بعد فتح مكة وانتشار الإسلام في الأرض العربية، وبدت أوضح ما يكون في غزوة تبوك حيث تناولت سورة براءة فضح كل أساليبهم ومخططاتهم، وسبب عودة ظاهرة النفاق هو أن فتح مكة جعل الكثيرين يدخلون خوفا في الإسلام، فيظهرونه ويبطون الكفر، ومجال معالجة ذلك في المرحلة الثانية من العهد المدني إن شاء الله.
السمة الخامسة عشرة
الوجود اليهودي في المدينة وإنهاؤه
ابتدأ الوجود اليهودي في المدينة بعد قيام دولة الإسلام باعتراف رسمي به وذلك من خلال نصوص المعاهدة النبوية التي تم فيها تحديد العلاقات بين فئات المجتمع في المدينة المسلمة وغير المسلمة. وكانت الفقرات (١) التي تخص اليهود في هذا الميثاق كفيلة بإيضاح حقوقهم وواجباتهم.
أ - الاعتراف بالوجود اليهودي في الدولة المسلمة:
حيث كانت النصوص تعالج نوعين من التجمعات اليهودية.
النوع الأول: وهي التجمعات اليهودية الصغيرة المرتبطة بتجمع القبيلة الكبير. (وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين). فنفقات الحرب التي تقع على القبيلة توزع على أفرادها مسلمين ومشركين ويهود. وكل تجمع يهودي هو في الأصل جزء من القبيلة، يمكن أن يكون حليفا للقبيلة، ويمكن
_________________
(١) تم ذكر هذه الفقرات في السمة الأولى من سمات هذه المرحلة فلا ضرورة لذكرها.
[ ٢ / ٢٨١ ]
أن يكون حليفا للمؤمنين من خلال قبيلته. (إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته).
وفي هذا التجمع الصغير لا يترك الأمر دون تنظيم، ولا يضار المجتمع كله بعد وإن كان واحدا من أفراده. وذكر الميثاق الحقوق المماثلة ليهود بني عوف وليهود بقية القبائل كاملة، ثم اعتبر بطانة يهود كأنفسهم وذلك ضمن الأطر العامة التالية:
١ - (وإن البر دون الأثم).
٢ - (وإنه لا يخرج أحد منهم إلا بإذن محمد - ﷺ -.
٣ - (وإنه لا ينحجز ثأر على جرح).
٤ - (وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين).
النوع الثاني: ويعالج وضع التجمعات اليهودية الكبيرة، وهو أقرب ما يكون لأن يمثل الحلف السياسي. فاليهود هنا تجمعات كبيرة ضخمة، احتاج إنهاؤهم عندما نقضوا العهد إلى حروب وحصار، لهم سلطانهم الخاص وأراضيهم وقلاعهم وبيوتهم. وبالرغم من أن البنود قصيرة جدا وهي تخصهم بالذات، لكنها ذات أهمية خاصة (وأن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين) فهو النص السابق نفسه من حيث النفقة للتجمعات الصغيرة. (وأن على اليهود نفقتهم، وعلى المسلمين نفقتهم) إذ رأينا من قبل أن التجمعات اليهودية الصغيرة تشارك بمقدار ما يلحقها في كيان قبيلتها العام. أما هنا فالتجمعات اليهودية الضخمة تشارك في النفقات بما يوازي ويناسب نفقات المسلمين جميعا من قريش ويثرب. فعلى اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم (وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة). ومع أنه لم يكن بين قريش واليهود أدنى ثارات قديمة أو دماء أو خلاف، لكن قريشا حين تهدد المسلمين فهي بهذا تهدد يثرب كلها. ومن أجل هذا عليهم أن يلبوا طلب قيادة المدينة حين تطلب منهم ذلك، وكان بالإمكان أن يمضي هذا الأمر طيلة العهد النبوي بعد أن أخذ شرعية وجوده من التعاقد مع رسول الله - ﷺ -. لكن اليهود وطبيعتهم الأساسية في نقض المواثيق طغت عليهم. فتم عقابهم على ضوء نقضهم لهذه المواثيق. وسنعالج وضعهم بالتفصيل.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
أ - بنو قينقاع:
يقول ابن إسحاق: (وكان من حديث بني قينقاع أن رسول الله - ﷺ - جمعهم بسوق بني قينقاع، ثم قال: يا معشر يهود، إحذروا من الله ما نزل بقريش من النقمة. وأسلموا فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم؟ قالوا: يا محمد، إنك ترى أنا قومك!. لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس).
قال ابن هشام: كان من أمر بني قينقاع أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سؤتها، فضحكوا بها، فصاحت فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود. فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع.
كانت الجولة الأولى لليهود لا تتجاوز المواجهة الإعلامية. فقد وقفوا موقفا سفيها من رسول الله - ﷺ - ودعوته، وفضحهم القرآن فضحا بينا وهو يرد على افتراءاتهم وأكاذيبهم. والقرآن الكريم غني بنمانج عن ذلك، ويكاد يكون الجزء الأول من سورة البقرة في دحض ادعاءاتهم وتفنيد أباطيلهم. ﴿ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين بئسما اشتروا به أنفسهم أن يكفروا بما أنزل الله بغيا أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده فباؤوا بغضب على غضب وللكافرين عذاب مهين وإذا قيل لهم آمنوا بما أنزل الله قالوا نؤمن بما أنزل علينا ويكفرون بما وراءه وهو الحق مصدقا لما معهم، قل فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون. وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما أتيناكم بقوة واسمعوا
[ ٢ / ٢٨٣ ]
قالوا سمعنا وعصينا، وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم قل بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين (١)﴾.
هذا الكفر البواح الذي وقفوه من رسول الله - ﷺ - أرفقوه بكثير من الدسائس والمؤامرات في الخفاء لتأجيج نار الفتنة بين المسلمين، كما فعل شاس بن قيس في تحريكه الفتنة بين الأوس والخزرج، وكما فعل بعض أحبار اليهود حين كان يستهزىء بآيات الله فلم يتمالك أبو بكر ﵁ من ضربه، فأنزل الله تعالى آياته تدعو المؤمنين للصبر على أذاهم في قوله ﷿: ﴿لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور (٢)﴾.
وكانت الجولة الثانية بعد بدر، حيث تحرك الغيظ في قلوب بني قينقاع ولا غرابة أن يكون الاحتكاك الأول معهم لأنهم كانوا (يسكنون داخل المدينة - في حي باسمهم - وكانوا صاغة وحدادين وصناع الظروف والأواني، ولأجل هذه الحرف كانت قد توفرت لكل رجل منهم آلات الحروب، وكان عدد المقاتلين فيهم سبعمائة، وكانوا أشجع يهود المدينة، وكانوا أول من نكث العهد والميثاق مع اليهود (٣». (فلما قدم من بدر بغت يهود وقطعت ما بينها وبين رسول الله - ﷺ - من العهد فجمعهم بسوق بني قينقاع وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يوقع الله بكم مثل وقعة قريش فوالله إنكم لتعلمون أني رسول الله؟ فقالوا: يا محمد لا يغرنك من لقيت، إنك قهرت قوما أغمارا، وإنا والله أصحاب الحرب ولئن قاتلتنا لتعلمن أنك لم تقاتل مثلنا (٤».
لقد كانت محاولة سلمية لعدم فتح جبهة مع يهود بني قينقاع، وفي هذه المحاولة كان الإنذار الخفي بالحرب، حتى لا يتجرؤوا على المسلمين
_________________
(١) الآيات ٨٩ - ٩٣ من سورة البقرة.
(٢) الآية ١٨٦ من سورة آل عمران.
(٣) الرحيق المختوم للمباركفوري ص ٢٦٤ و٢٦٥.
(٤) إمتاع الأسماع للمقريزى ج ١ ص ١٠٤.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
ويأخذوهم بغتة، لكن الغرور قد أخذ مبلغه من اليهود وأصبحوا يبدون مظاهر العداوة للمسلمين (وتوسعوا في تحرشاتهم واستفزازاتهم فكانوا يثيرون الشغب، ويتعرضون للسخرية، ويواجهون بالأذى كل من ورد سوقهم من المسلمين حتى أخذوا يتعرضون بنسائهم). وأعلنوا في جوابهم بعد اللقاء المذكور أنهم مستعدون للحرب، بل يهددون فيها كذلك. ومع ذلك فرسول الله - ﷺ - يصبر حتى لا يكون أول من نقض العهد، وأفهمهم بذلك اللقاء بالكلام اللين وبالكلام الخشن ما يدفعهم إلى أن يرعووا عن غيهم ولكن دون جدوى.
والحركة الإسلامية ثم الدولة الإسلامية بعد ذلك مطلوب منها أن تكون يقظة تمام اليقظة مع حلفائها. فطالما أن الخلاف الفكري قائم فهذا يعني أن هذا الحلف مؤقت، ويعني أن الحلف منطلق من مصلحة هذا الحليف. فليس له أسس متينة للاستمرار. والدعاة إلى الله لا يدعون فرصة مواتية ليذكروا بالتعهدات التي قدمها الحليف للحركة إلا ويستفيدوا منها. كما أنه لا يجوز أن يركنوا إلي الدعة طالما أن حليفهم قوي، قد يستغل الفرصة السانحة للانقضاض، وهذا الخطر الذي يحتمل أن تتعرض له الحركة الإسلامية في تحالفاتها مع أعدائها خاصة والعدو جاثم في الأرض، مستثن إلى قوة، فالوعي الحذر، والاعداد الدؤوب هو الأمر الواجب تنفيذه حتى لا يؤخذ المسلمون على غرة.
وكانت الحادثة التي فجرت الموقف حادثة المرأة المسلمة التي راودها اليهود عن كشف وجهها فأبت. فعمدوا ظهر ثوبها فانكشفت سوءتها عندما قامت، فاستغاثث. وكان مقتل اليهودي والمسلم. ولم يكن مقتل المسلم أمرا فرديا، فلقد كان تمالؤا عاما من اليهود وإعلانا بنبذ العهد منهم فلو كان حادثا فرديا لأمكن معالجته وقتل القاتل. لكن الملأ من يهود هم الذين اجترؤوا وقتلوا. فأنزل الله تعالى: ﴿وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين (١)﴾. فقال - ﷺ - أنا أخاف بني قينقاع. فسار إليهم رسول الله - ﷺ - يوم السبت النصف من شوال بعد بدر ببضعة وعشرين يوما، وفهم
_________________
(١) الأنفال / ٥٨.
[ ٢ / ٢٨٥ ]
رسول الله - ﷺ - الحرب من الآية (فقال: أنا أخاف بني قينقاع فاحتمال الغدر قائم كل لحظة، ولئن سكت المسلمون على هذه الجريمة فهذا يعني أنهم ضعاف وبالتالي فهم معرضون للغزو في كل لحظة، ولم يكن هناك خيار من المعركة وإن كان لا بد من ذلك فليكن المسلمون هم البادئون. لقد نبذ إليهم رسول الله - ﷺ - منذ أن دعاهم إلى الإسلام. وفي تحرك سريع خاطف كان اليهود محاصرون في بيوتهم وحصونهم. إنه لمما يؤسى له أن نجد اليهود اليوم ينفذون هذه الخطة والمسلمون غارقون في سباتهم. فوقف إطلاق النار الذي كان بين الفلسطينيين واليهود مجرد أن ينقض، فيقتل يهودي في أوروبا يزحف اليهود على بيروت ويحاصرونها حصارا عنيفا وتنقلب الآية. وكما سكت بنو قريظة وبنو النضير عن جريمة حصار بني قينقاع، وتركوهم يلقون حتفهم وحدهم، رأينا العرب ودول العرب وجيوشهم يسكتون سكوتا خائنا، ويدعون الفلسطينيين يلقون حتفهم وحدهم.
إنا على ثقة أن اليهود اليوم يثأرون لهزائمهم التاريخية من قبل، وهم ينفذون الخطط التي كان رسول الله - ﷺ - يقاتلهم بها. أما العرب الذين تخلوا عن إسلامهم فينفذون خزي يهود، وذل يهود الذي كان أيام النبوة.
إن عرض المرأة المسلمة كفيل أن يشعل حربا رهيبة مع العدو، وقام الحصار الذي استمر خمسة عشر يوما على يهود حتى استسلمت للذبح من أجل التعرض لكشف سوأة امرأة مسلمة من اليهود. بل حتى من أجل إصرارها على أن لا تكشف وجهها لليهود. وما أحوجنا أن نستعيد هذه المعاني، ونحن نبني صفنا الداخلي، ونربيه على الثأر والثورة للعرض والدين، وأن يكون القتل أحب للمسلم من الحياة الخانعة الذليلة وعرضه مباح.
ونزل اليهود على حكم رسول الله - ﷺ - وهيؤوا للقتل. بينما تبقى ذراريهم ونساؤهم لولا أن تدخل عبد الله بن أبي فحفظ لهم حياتهم، وأمرهم رسول الله أن يجلوا عن المدينة. ولئن حفظت السيرة موقف عبد الله بن أبي منهم، وتواطؤه معهم، فقد حفظت كذلك عظمة عبادة ابن الصامت وهو يتبرأ منهم
[ ٢ / ٢٨٦ ]
ويتولى الله ورسوله وجماعة المؤمنين. وأضيف إلى المسلمين بعد خروجهم ذخيرة جديدة من المال والسلاح وآلات الحرب، وأنهوا عدوا لدودا مقيما بين ظهرانيهم لم يحفظ العهد ولم يرع الميثاق. ولا شك أن هذه الحركة العسكرية قد أجهضت المناوئين الآخرين، وجعلت بني قريظة وبني النضير على خوف وحذر شديدين من المواجهة.
ولقد حدد القرآن الكريم هذا المعنى بدقة بأن الضربة القوية الحاسمة من الحركة الإسلامية - قمينة بإرهاب بقية الأعداء: وخاصة الذين ينقضون الميثاق ﴿إن شر الدواب عند الله الذين كفروا فهم لا يؤمنون الذين عاهدت منهم ثم ينقضون عهدهم في كل مرة وهم لا يتقون فإما تثقفنهم في الحرب فشرد بهم من خلفهم لعلهم يذكرون وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين، ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم، وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله - ﷺعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله - ﷺوف إليكم وأنتم لا تظلمون (١)﴾.
فالآيات هذه تنزلت في بني قينقاع، ولم يكن بين بدر وبين بني قينقاع إلا حوالي عشرين يوما. وكأنها توجيهات عسكرية مباشرة إلى طبيعة المواجهة بين المسلمين واليهود. واليهود هم شر الدواب عند الله، وهم الذين نقضوا عهدهم، وهم الذين يتابعون هذا النكث، فلا بد أن تكون الحرب معهم حاسمة بحيث تشرد من خلفهم من الأعداء، وترعب من وراءهم من الحلفاء.
وها نحن نجد الحركة الإسلامية حين أعلنت بعض فصائلها الحرب ضد الطواغيت تغدو مرهوبة الجانب، منيعة عزيزة، يخشاها العدو، ويسارع الخصوم إلى التحالف معها. فلقد أصبحت أملهم في الإنقاذ من براثن هذا الطاغوت، ومهما عتا الطاغوت وتجبر فهو يخشى الثأر والانتقام فيملأ السجون ويدمر البيوت، ويذبح الآمنين، لكنه ما أن تحل به عملية ضخمة من عمليات الثأر حتى يستنفر جيشه وسراياه ومخابراته كلها لهول هذه الضربة.
_________________
(١) الأنفال / ٥٥ - ٦٠.
[ ٢ / ٢٨٧ ]
وهذا خط يحسن أن تتربى الحركة الإسلامية عليه كذلك وهي تواجه أعداءها، أن تكون الضربة موجعة، والعملية مزلزلة حتى يحل الإرهاب في القلوب، أو تسقط النظام الكافر، وتشرد به من خلفه من أحلافه وزبانيته.
بنو النضير
(.. ثم كانت غزوة بني النضير في ربيع الأول على رأس سبعة وثلاثين شهرا من مهاجر النبي - ﷺ - .. وسببها: أن عمرو بن أمية الضميري لما قتل الرجلين من بني عامر خرج رسول الله - ﷺ - إلى بني النضير يستعين في ديتهما - لأن بني النضير كانوا حلفاء لبني عامر، وكان ذلك يوم السبت - فصلى في مسجد قباء ومعه رهط من المسلمين ثم جاء بني النضير، ومعه دون العشرة من أصحابه فيجدهم في ناديهم، فجلس يكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية. فقالوا: نفعل، اجلس حتى نطعمك. ورسول الله - ﷺ - مستند إلى بيت؟ فخلا بعضهم إلى بعض، وأشار عليهم حيي بن أخطب أن يطرحوا عليه حجارة من فوق البيت الذي هو تحته فيقتلوه. فانتدب لذلك عمرو بن جحاش ليطرح عليه صخرة، وهيأ الصخرة ليرسلها على رسول الله - ﷺ - وأشرف بها، فجاء الوحي بما هموا به، فنهض - ﷺ - سريعا كأنه يريد حاجة، ومضى إلى المدينة. فلما أبطأ لحق به أصحابه - وقد بعث في طلب محمد بن مسلمة - فأخبرهم بما همت به يهود؟ وجاء محمد بن مسلمة فقال: اذهب إلى يهود بني نضير فقل لهم: إن رسول الله أرسلني إليكم أن اخرجوا من بلده فإنكم قد نقضتم العهد بما هممتم به من الغدر، وقد أجلتهم عشرا، فمن رؤي بعد ذلك ضربت عنقه .. (١».
لئن كانت غزوة بني قينقاع بعده بدر فغزوة بني النضير بعد أحد، وبعد المحنة الشديدة فيها. والتجربة المرة لبني قينقاع دفعتهم رغم محنة أحد إلى التوقف عن نقض العهد. وطالما أن العهد مصون، فالصلات قائمة. والأمان مستتب بين الفريقين. وقدم ﵊ إلى بني النضير يستعينهم في
_________________
(١) إمتاع الأسماع للمقريزي ج ١ ص ١٧٨، ١٧٩.
[ ٢ / ٢٨٨ ]
دية قتيلين من بني عامر قتلهما عمرو بن أمية الضميري ﵁ لأن بني النضير كانوا حلفاء بني عامر. فلقد كان ذهاب رسول الله - ﷺ - إليهم بمثل قمة من الوفاء في العهد. فليس لبني عامر حلف مع رسول الله - ﷺ -، وبالتالي فرسول الله - ﷺ - يمكن أن يتجاهل الأمر.
ومقتل هذين الرجلين إنما تم من عمرو بن أمية لأن بني عامر قد ساهم زعيمهم في ذبح سبعين من المسلمين في بئر معونة. وقدر عمرو أنه يأخذ بثأر الشهداء من هذين الرجلين وتقول الرواية كذلك أن لهذين الرجلين عهدا عند رسول الله - ﷺ - لم يدر بهما عمرو. ولهذا مضى ﵊ مع نفر يسير من أصحابه فالقوم حلفاء للمسلمين. لكن سيطرة السجية اليهودية طغت عليهم، فدأبهم في تاريخهم نقض العهد وقتل الأنبياء ونكث المواثيق وخفر الذمم. فوجدوها فرصة سانحة لقتل محمد - ﷺ - وهو بين ظهرانيهم، ولو كان الأمر اندفاعا أعمى من جندي متحمس لهان الأمر، لكن رئيسهم حيي بن أخطب هو صاحب الفكرة وهو صاحب الاقتراح. فالتمالؤ متوفر من القيادة العليا عندهم وأقره عليها أزلامه وزبانيته. كما رأينا التمالؤ من قبل في بني قينقاع. وانتدب لذلك عمرو بن جحاش ليطرح عليه صخرة. لقد قتلوا يحيى وزكريا أنبياءهم من بني إسرائيل. فكيف لا يقتلون محمدا وقد نزع منهم النبوة والملك وهو من بني إسماعيل؟ وتداركت رحمة الله تعالى الموقف، فأبلغه الوحي رسول الله - ﷺ - بما هموا به، فمضى عائدا إلى المدينة، موهما اليهود أنه ماض لقضاء حاجة، حتى لا يكون التصرف مفاجئا، فيثير انتباههم إلى كشف هدفهم ومخططهم. ولحق به الصحابة الذين كانوا معه، دون أن يعرف اليهود شيئا عن جلية الأمر. إن القائد المسلم هدف ثمين للعدو، وفي كثير من الأحيان لا بد أن يعتمد على يقظته وانتباهه وحسن تصرفه في اللحظة العصيبة. كما لا بد أن يكون للحركة الإسلامية رجالها في صفوف العدو المحالف، تكشف مخططاتهم واتجاهاتهم في نقض العهد أو الوفاء به. فلقد انقطع الوحي بعد رسول الله - ﷺ -، وأصبح تحسس أخبار العدو من مهمة الحركة الإسلامية. ووقوع الدعاة إلى الله في شرك أعدائهم أو حلفائهم من خلال غفلتهم ونيتهم الطيبة لا يعفيهم من المسؤولية أمام الله ﷿. ولا
[ ٢ / ٢٨٩ ]
شيء أقوى للحركة الإسلامية من أن تتعامل مع حلفائها أو أعدائها ببلاهة ظاهرية، بحيث تعرف مخططاتهم وتتظاهر بجهلها لهذه المخططات. لأن هذا التعامل هو الذي يكشف المخبوء من النوايا، والمستور من الشر. ولا شيء أكثر ضررا على الحركة الإسلامية من الاندفاعات العاطفية لمن يتحسسون أخبار أعدائهم. فلا بد أن يكون من يكلف بمثل هذا الدور على مستوى من الهدوء وحضور البديهة واليقظة، ما يطمس طبيعة مهمته ويبعد الشك عن دوره الذي يقوم به.
ولقد علمنا قائدنا ﵊ سرية التخطيط وسرعة المبادهة من خلال هذا التظاهر بقضاء الحاجة. وكيف مكث اليهود ينتظرون عودته لقتله، تماما كما رأينا ليلة الهجرة. وقد أناب عليا ﵁ في النوم مكانه ليجعل المشركين هانئين ينتظرون استيقاظه لقتله. أما نقض العهد دون دليل قاطع، فليس من حق الحركة الإسلامية، وكانت المنابذة في خطاب رسول الله - ﷺ - لحيي على لسان محمد بن مسلمة: (أن اخرجوا من بلدي فإنكم قد نقضتم العهد بما هممتم به من الغدر). فالهم بالغدر ثابت، ولم يناقش اليهود به لأنهم يعلمون صدق نبوة محمد - ﷺ -، ولم يعترضوا على الأصل، بل كان ردهم سفيها في الاستعداد للحرب ورفض الجلاء: (إنا لا نخرج فليصنع ما بدا له).
وليس من شيمة المقاتل المسلم أن يوعد فلا يفي، أو يهدد فلا ينفذ، فيصبح كلامه لا وزن له، فما وصل رد اليهود في الصبح حتى كان رسول الله محاصرهم عصرا، وصلى العصر في فضاء بني النضير وتحرك - الطابور الخامس - ليعلن ولاءه مرة ثانية لليهود، ويؤكد لهم سرا على لسان عبد الله بن ابي: (أن أقيموا ولا تخرجوا فإن معي من قومي وغيرهم من العرب ألفين يدخلون معكم فيموتون من آخرهم دونكم). ولم يأتهم ابن أبي، واعتزلتهم قريظة فلم تعنهم بسلاح ولا رجال وهذا درس للمؤمنين على مر العصور، فالصف المسلم القوي يحرق النفاق وخططه، ولا يجرؤ دعاة الشر والفتنة أن يتحركوا أمام وحدة الصف المسلم وقوته، إنما يتحركون حين
[ ٢ / ٢٩٠ ]
يجدون الصف مزعزعا والعزيمة خائرة، والنفوس خائرة الثقة بقيادتها، وحين نجد في صفنا الأرض الخصبة للإشاعة والتشكيك والدس الرخيص، فعلينا أن نعيد بناء صفنا ونمتن لحمته من جديد، وليس المنافقون وحدهم هم الذين ذعروا وأووا إلى جحورهم، بل بني قريظة كذلك - الفريق الثالث من اليهود.
وجرى أثناء الحصار ثلاث حوادث جلية وهامة:
الحدث الأول: النبل الذي كان ينزل على دار القيادة وهي القبة من أدم التي كان رسول الله - ﷺ - يقيم فيها، وكان قائد النبالة وأمهرهم هو عزوك اليهودي، فكمن له علي ﵁ روقتله. وكان يود مرة ثانية أن يغتال رسول الله - ﷺ - مع عشرة معه. فلم يكتف رسول الله - ﷺ - بقتله بل أرسل أبا دجانة وسهل بن حنيف في عشرة لاحقوا الكتيبة الفدائية اليهودية فقتلوها عن بكرة أبيها وأتوا برؤرسهم فطرحت في الآبار، وكان وجودها رفعا عظيما لمعنويات المسلمين. وهو درس لنا اليوم بضرورة بث الرعب في صفوت العدو من خلال العمليات الفدائية الناجحة، فلم يجرؤ اليهود بعد ذلك على مغادرة حصونهم ورمي نبالهم. لأنهم يعلمون أن أرواحهم غدت في خطر بعد ذبح أبطالهم العشرة.
الحدث الثاني: وهو التعرض لنخلهم الذي يعيشون عليه، فها هم يرون النار تشتعل بمحصولاتهم وتمرهم. والذي كلف بهذا الأمر أبو ليلى المازني، وعبد الله بن سلام (حبر اليهود من قبل) فراحوا يطلبون برجاء أن يبقي لهم على نخيلهم فأبقاه، وانبثقت فتنة جديدة تثير الشغب لهذا الحريق، وتشكك في تصرت القيادة، فلا بد أن يكون أحد التصرفين حق لأن كليهما متناقضان. فأكد القرآن صحة التصرفين، وأعاد مخطط يهود إلى جحره: بقوله تعالى: ﴿ما قطعتم من لينة (شجرة تمر) أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين (١)﴾. فلا بد أن يفاجأ العدو بأعز ما يملك حتى يستسلم. وهو ما فعله ﵊ بهم.
_________________
(١) سورة الحشر. الآية ٦.
[ ٢ / ٢٩١ ]
الحدث الثالث: حيث أدى الحدثان السابقان إلى طلب التسليم من رسول الله - ﷺ - معلنين استعدادهم للخروج بعد أن دام حصارهم ستة أيام. وهنا اختلف الأمر، فلقد كان طلب رسول الله - ﷺ - منهم أن يخرجوا لكن الأمر الآن وبعد هذا الحصار لن يكون كما كان من قبل، والحساب بعد الحرب غير الحساب قبلها فقال ﵊ لهم: لا أقبله اليوم، ولكن اخرجوا منها ولكم دماؤكم وما حملت الإبل إلا الحلقة (١) فلم يقبل حيي. ويؤسفنا أن نقول: إن اليهود الذين يعيشون تاريخهم من آلاف السنين قد وعوا هذا الدرس القاسي وحفظوه، فطبقوه على المسلمين كما فعل بهم رسول الله ﵊. فعندما اجتاح اليهود الأرض العربية عام سبعة وستين وتسعمائة وألف بقوة السلاح قبل العرب العودة إلى قرار التقسيم الصادر عام سبعة وأربعين وتسعمائة وألف. فرفض اليهود ذلك، وأعلنوا أنهم لن يعودوا لحدود الرابع من حزيران.
إنها دروس استفاها اليهود من عدوهم الأول الذي أنهى وجودهم، فتلمسوا أساليبه يطبقونها في حربهم مع أتباعه، أما جيل أمتنا المنكود الذي هجر قرآنه ونبيه، كان يحارب اليهود وهو يحارب الله ورسوله فأذله الله تعالى وعاقبه. لقد عاش عشرين عاما وهو يتصارع على السلطة ويتنافس على الحكم، ويمتص حكامه دماء شعوبه باسم الحرب، فلما جد الجد انهار البناء الفاسد دفعة واحدة، كمثل شجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.
رفض اليهود الخروج بدون سلاح فتابع رسول الله - ﷺ - حصارهم من جديد، وبث في صفوف اليهود أن الذي يسلم منهم سوف يأخذ ماله. فأسلم يامين بن عمر وأبو سعد ابن وهب ونزلا فأحرزا أموالهما. واستطاع أحدهما أن ينفذ عملية فدائية ضخمة في قلب يهود. وهي اغتيال ابن عمه عمرو بن جحش الذي أراد اغتيال رسول الله - ﷺ - وكانت عملية الاغتيال هذه على يد
_________________
(١) ورد هذا المعنى في ابن هشام ج ٣/ ١٠٩.
[ ٢ / ٢٩٢ ]
رجل من قيس جعل له عشرة دنانير أو خمسة أوسق من تمر على قتله، وسر رسول الله - ﷺ - بذلك.
وهذه فسحة واسعة للدعاة المقاتلين كي يصلوا إلى أعدائهم عن أي طريق، فقد لا تهيء الظروف للمسلمين الوصول إلى أعدائهم نتيجة الحراسة عليهم وتحصنهم في حصونهم، فبالمال أو إغراء أفراد من قلب التنظيم الكافر يمكن القضاء على أولئك الأعداء والحرب خدعة. فلا حرج من سلوك أية طريق تؤدي إلى الهدف مع هذا العدو الذي ناصبته العداء، وآذنته بالحرب، وأعلنت موقف المواجهة ضده، ومن خلال صفوفه الداخلية، ومن خلال الرغبة في المال يمكن تحقيق هذه الأهداف البعيدة في القضاء عليه. ولا أحد أدرى بمواطن الضعف والخلل في العدو من أبناء صف العدو نفسه، وإسلام يامين ﵁ دفعه للثأر لرسول الله - ﷺ - ولما يمر على إسلامه اليوم واليومان، ومن ابن عمه وأقرب الناس إليه.
(وأقام على حصار يهود خمسة عشر يوما حتى أجلاهم وولى (خراجهم محمد بن مسلمة، وكانوا في حصارهم يخربون بيوتهم بأيديهم مما يليهم، والمسلمون يخربون ما يليهم ويحرقون حتى وقع الصلح، فجعلوا يحملون الخشب، ويحملون النساء والذرية، وشقوا سوق المدينة، والنساء في الهوائج عليهن الحرير والديباج وحلي الذهب والمعصفرات، وهن يضربن الدفوف ويزمرن بالمزامير تجلدا، وقد صف لهم الناس وهم يمرون، فكانوا على ستمائة بعير. فنزل أكثرهم بخيبر فدانت لهم، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، فكان ممن صار منهم إلى خيبر أكابرهم كحيي بن أخطب وسلام ابن أبي الحقيق، وكنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، وحزن المنافقون لخروجهم أشد حزن (١».
إنها أمة من أمم اليهود تهزم ويبلغ غيظها أن تهدم بيوتها بأيديها، وترغم على الصلح بترك سلاحها كله غنيمة للمسلمين، وتمضي في محنتها مشردة في الأرض جزاء نكالا لنقضها العهد، وطعنها بالمواثيق، تحمل حليها
_________________
(١) إمتاع الأسماع للمقريزي ج ١/ ١٨١.
[ ٢ / ٢٩٣ ]
ومتاعها، وتترك شرفها وسلاحها غنيمة للمؤمنين كما وصفها الله تعالى: ﴿وهو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب (١)﴾.
فلقد أخرجهم الله تعالى وقذف في قلوبهم الرعب لأنهم شاقوا الله وحاربوا رسوله. فما بالهم اليوم يعودون ظافرين إلى أرض الميعاد - كما يزعمون - ويكون الخروج والتهجير لأبناء الأرض الإسلامية؟ من لاجئين إلى نازحين إلى وافدين بعد كل حرب مع اليهود يقع الجلاء لمن يسمون - مسلمين - وتصبح الأرض وراثة ليهود. إنه السبب نفسه الذي أجلي اليهود من أجله، وذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب.
والثورة الفلسطينية اليوم التي تريد العودة إلى فلسطين، إلى أرض الإسراء التي اغتصبها اليهود، تريد أن تعود بنفس الراية، راية مشاقة الله ورسوله. فمنظمة التحرير الفلسطينية التي لا يعترف العالم إلا بها ممثلة للشعب الفلسطيني، والثورة الفلسطينية تريد أن تعود إلى الأرض باسم العلمانية، باسم اللادينية، تريد أن تقيم دولة لا تنطلق من الدين، بل من شريعة البشر، وأهواء البشر، وجهل البشر، تريد أن يكون الحكم فيها لغير الله، فأي مشاقة لله ورسوله أكبر من هذه المشاقة؟!! ولهذا فما يزداد الأمر إلا عسرا، وما يزداد الدم المتفجر إلا بعدا عن هذه الأرض، فقد لاحق اليهود مسلمي هذه الأرض من فلسطين إلى لبنان وشردوهم في الأرض، وأبعدوهم لا عن الديار فقط، بل عن جوار الديار. فهل آن لهؤلاء التائهين أن يعودوا إلى الله، فينالون نصره، أن يتوبوا إلى الله، ويعطيهم مدده؟! إن
_________________
(١) سورة الحشر، الآيات ٢ و٣ و٤.
[ ٢ / ٢٩٤ ]
المشردين عن ديارهم لن يعودوا وهم شاردون تائهون عن الله. إنهم في التية، تيه بني إسرائيل، وقارب التيه أربعين، ولما يصح أبناء الإسلام على مكمن الخطر، ومكمن الداء. إنه واحد لبني إسرائيل، وبني إسماعيل، وبني الأرض جميعا ﴿ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب﴾. أما سلاح يهود الذي كتمه المسلمون فكان: خمسين درعا، وخمسين بيضة، وثلاثمائة وأربعين سيفا. كان لها وزنها الكبير في تسليح الجيش الإسلامي الناشىء. وكانت قوة للمؤمنين في حربهم مع الكافرين.
ح - بنو قريظة:
لقد كانت نهاية بني قينقاع بعد بدر.
وكانت نهاية بني النضير بعد أحد (١).
وكانت نهاية بني قريظة بعد الخندق.
وكانت نهاية بني قريظة من أسوأ النهايات، لأن غدرهم كان أعظم الغدر، وكان يمثل الطبيعة اليهودية أكبر تمثيل، وكان الدور الأكبر فيه للزعيم المهزوم حيي بن أخطب سيد بني النضير الذي جلا إلى خيبر، وعاد إلى مكة يشعل النار فيها لتغزو محمدا في عقر داره، فتثأر له من محمد بن عبد الله.
فلقد كانت غزوة الأحزاب أثرا من آثار اليهودية. (وسبب ذلك أنه - ﷺ - لما أجلى بني النضير ساروا إلى خيبر، وبها من يهود قوم أهل عدد وجلد، وليس لهم من البيوت والأحساب ما لبني النضير. فخرج سلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب، وكنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلي من الأوس وأبو عامر الراهب في بضعة عشر رجلا إلى مكة يدعون قريشا وأتباعها إلى حرب رسول الله - ﷺ -. فقالوا لقريش: نحن معكم حتى نستأصل محمدا، جئنا لنحالفكم على عداوته وقتاله، فنشطت قريش لذلك، وتذكروا أحفادهم ببدر، فقال أبو سفيان: مرحبا وأهلا: أحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد.
_________________
(١) هناك رأي مفاده أن غزوة بني النضير كانت بعد بدر بستة أشهر.
[ ٢ / ٢٩٥ ]
وأخرج خمسين رجلا من بطون قريش كلها وتحالفوا وتعاقدوا - وقد ألصقوا أكبادهم بالكعبة وهم بينها وبين أستارها - ألا يخذل بعضهم بعضا، ولتكون كلمتهم واحدة على محمد ما بقي منهم رجل. ثم قال أبو سفيان: يا معشر. يهود! أنتم أهل الكتاب الأول والعلم أخبرونا عما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد أديننا خير أم دين محمد؟ فنحن عمار البيت، وننحر الكوم (١) ونسقي الحجيج ونعبد الأصنام!.
فقالت يهود: اللهم أنتم أولى بالحق منه؟ إنكم لتعظمون هذا البيت، وتقومون على السقاية، وتنحرون البدن، وتعبدون ما كان عليه آباؤكم، فأنتم أولى بالحق منه فأنزل الله تعالى في ذلك، ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا (٢». واتعدوا لوقت وقتوه، وخرجت يهود إلى غطفان، وجعلت لهم تمر خيبر سنة إن هم نصروهم وتجهزت قريش، وسيرت تدعو العرب إلى نصرها، وألبوا أحابيشهم (٣) ومن تبعهم وأتت يهود بني شليم فوعدوهم السير معهم.
وكان خروج بني النضير بأحقادهم وذلهم دافعا لهم على تغيير الحلف، الذي نقضوه ليكون حلفهم الجديد مع عدو محمد - ﷺ - الأول قريش. وقد استطاعوا بنشاطهم السياسي أن يؤلبوا معظم العرب على حرب رسول الله - ﷺ -، فهم أقنعوا سليم وغطفان وقريش بحرب رسول الله - ﷺ -.
وواقع الحركة الإسلامية اليوم لا بد من حربه مع اليهود عاجلا أو آجلا، والتعرف على التخطيط اليهودي الماكر في رغبته باستئصال شأفة المسلمين يفيدنا اليوم كثيرا في هذه المعركة. فبنو النضير الذين أحنوا رقابهم لفترة مؤقتة، سرعان ما اشتعل مرجل الحقد في قلويهم بعد الهزيمة، وراحوا
_________________
(١) الكوم جمع كوماء وهي الناقة المشرفة السنان العالية.
(٢) النساء / ٥١.
(٣) الأحابيش نسبة إلى جبل حبشي بأسفل مكة وهم بنو المصطلق وبنو الهون من هزيمة حلفاء قريش.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
يؤلبون العرب ضد الإسلام والمسلمين، ويتحالفون معهم لا على هزيمة محمد - ﷺ - فقط، إنما على استئصال شأفته، واليهود اليوم يتحالفون مع الحكام العرب حلفا غير معلن، ومن وراء ستار في ضرب الحركات الإسلامية في بلادهم ضربا يستأصل شأفتها وينهيها من جذورها. وكثيرا ما تصمت إسرائيل وتحقق الأمن مع بعض جاراتها العربيات ريثما يتمكن الحكام من إبادة المجاهدين في سبيل الله، وما أحداث حماة ولبنان إلا نمانج من هذه النماذج حيث تدك المدن على أهلها وتدفن مساجدها بأهليها، بترابها وركامها حتى لا يرتفع للإسلام صوت، أو تقوم قائمة، وما أشبه الليلة بالبارحة!.
كما نفقه كذلك ما تبذله اليهودية من مال لذلك، وكم كان سلاح المال رائجا عندها، فلقد فكرت أن تشتري الخليفة المسلم بالمال مقابل السماح لها بالهجرة إلى فلسطين، بل اشترت الانكليز بالمال في الحرب العالمية الأولى مقابل وعد بلفور بالسماح لها بإقامة وطن يهودي في فلسطين، فهي هنا تتبرع بثمر خيبر عاما كاملا مقابل دخول غطفان الحرب ضد المسلمين وهي تمد الأعداء بالبضائع ليحاربوا المسلمين، فلقد كانت أفريقيا سوقا يهودية، وكان اعتراف سبع عشرة دولة أفريقية بإسرئيل هو الثمن.
وفي عالم السياسة لا وزن للمبادىء إلا عند المسلمين، واليهود أكثر الناس تناقضا مع مبادئهم حين يكون لهم مصلحة في ذلك مثلهم مثل النصارى والكافرين، بل هم أشد عداوة. ولذلك رأيناهم يفضلون المشركين الوثنيين على المسلمين الذين يؤمنون بالله وتحكيم كتابه وهم يعلمون أن محمدا نبي مرسل، ومع ذلك فهم يشهدون لقريش بصحة دينها الوثني. وعلينا أن لا نعتز كثيرا بالقواسم المشتركة بيننا وبين حلفائنا، فسرعان ما تتغير المصلحة فتسقط المبادىء، ويرمى بها جانبا أمام مصلحتهم.
والتضليل الفكري الذي يمارسه اليهود ضد المسلمين والإسلام في العالم يكاد يسد الأفق ومن خلال الأفكار المطروحة في العالم تحت أي اسم لاجتثاث المسلمين من جذورهم وما المحافل الماسونية والأفكار التحررية والوجودية،
[ ٢ / ٢٩٧ ]
والماركسية والعلمانية إلا صورة من صور هذا التضليل، إنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت ويقولون للذين كفروا هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا.
ولئن كان دورهم في البداية رهيبا، فلم يرعووا عن ذلك، بل راحوا يؤججون النار مع إخوانهم من بني قريظة لنقض العهد. وذلك في قلب المعركة كما تروي السيرة عن زعيمهم حيي بن أخطب (وكان حيي بن أخطب يقول - لأبي سفيان بن حرب ولقريش في مسيره معهم -: إن قومي قريظة معكم، وهم أهل حلقة وافرة، وهم سبعمائة مقاتل وخمسون مقاتلا. فلما دنوا قال له أبو سفيان: إئت قومك حتى ينقضوا العهد الذي بينهم وبين محمد، فأتى بني قريظة - وكان رسول الله - ﷺ - حين قدم المدينة صالح قريظة والنضير ومن معهم من يهود ألا يكونوا معه ولا عليه، ويقال صالحهم على أن ينصروه ممن دهمه، ويقيموا على معاقلهم الأولى بين الأوس والخزرج - فأتى كعب بن أسد، وكان صاحب عقد بني قريظة وعهدها. فكرهت قريظة دخول حيي بن أخطب إلى دارهم فإنه كان يحب الرئاسة والشرف عليهم، وكان يشبه بأبي جهل في قريش. فلقيه عزال بن سمؤال أول الناس، فقال له حيي: قد جئتك بما تستريح به من محمد، هذه قريش قد دخلت وادي العقيق، وغطفان بالزغابة! فقال عزال: جئتنا والله بذل الدهر! فقال: لا تقل هذا .. (١» (فلما سمع كعب حيي بن أخطب أغلق دونه باب حصنه، فاستأذن عليه، فأبى أن يفتح له، فناداه حيي: ويحك يا كعب! افتح لي؟ قال: ويحك يا حيي! إنك امرؤ مشؤم، وإني قد عاهدت محمدا، فلست بناقض ما بيني وبينه، ولم أر منه إلا وفاء وصدقا؟ قال: ويحك! افتح لي أكلمك؟ قال: ما أنا بفاعل؟ قال: والله إن أغلقت دوني إلا عن جشيشتك (٢) أن آكل معك منها؟ فأحفظ الرجل، ففتح له؟ فقال: ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر، وببحر طام، جئتك بقريش على قادتها وسادتها. حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمى إلى
_________________
(١) إمتاع الأسماع للمقريزي ج ١ ص ٢٢٥ و٢٢٦.
(٢) الجشيشة: طعام يصنع من الجشيش وهو البر.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
جانب أحد، قد عاهدوني وعاقدوني على أن لا يبرحوا حتى نستأصل محمدا ومن معه. قال: فقال له كعب: جئتني والله بذل الدهر، وبجهام (١) قد هراق ماؤه، فهو يرعد ويبرق، ليس فيه شيء، ويحك يا حيي. فدعني وما أنا عليه، فإني لم أر من محمد إلا وفاء وصدقا. فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب (٢) حتى سمح له، على أن أعطاه عهدا من الله وميثاقا: لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك، فنقض كعب بن أسد عهده، وبرىء مما كان بينه وبين رسول الله ﷺ) (٣).
(واستدعى رؤساءهم وهم الزبير بن باطا، ونباش بن قيس، وعزال بن سمؤال وعقبة بن زيد، وكعب بن زبد، وأعلمهم بما صنع من نقض العهد، فلحمه الأمر لما أراد الله بهم من هلاكهم) (٤).
إننا كثيرا ما نسمع لدى دعاة القومية عن التفريق بين الصهيونية واليهودية، وأنهم يحاربون الصهيونية، أما اليهودبة، فلا، بل يعتبرون كثيرا من اليهود أنصارا لهم. وهم يحصرون معركتهم مع الصهيونية في فلسطين الأرض المغتصبة فإذا حلت مشكلة الأرض، بتحرير أو اعتراف، فلا خلاف بين القومية واليهودية، ودعاة القومية علمانيون ليسوا ضد دين أو تجمع ديني، بل هم ضد دعاة اغتصاب الأرض العربية وتسليمها لليهود، بل يحالفون هذه النماذج كذلك.
لهؤلاء جميعا نسوق هذا النموذج الحي من انتهاء اليهود إلى معسكر واحد، في النهاية، وقد يكون بعضهم أشد حقدا من بعض لكنهم أعداء في النهاية محاربون، وناكثون للعهد ناقضون كذلك، وإن كان المسلمون وهم يتعاهدون أو يتحالفون لا يعاملون أعداءهم على ضوء تاريخهم فقط، لكنها
_________________
(١) الجهام: السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه.
(٢) مثل مأخوذ من البعير يضرب في المراوغة والمخاتلة.
(٣) السيرة لابن هشام ج ٣ ص ٢٣١ و٢٣٢.
(٤) إمتاع الأسماع للمقريزي ج ١ ص ٢٢٦.
[ ٢ / ٢٩٩ ]
البلاهة التامة أن يغيب هذا التاريخ الأسود عن الذهن، فلا يوضع في الحسبان، وبلغت البلاهة ببعض دعاة القومية حدا أنهم لا يعرفون شيئا عن تاريخ اليهود مع المسلمين، وحين يدرسونهم في التاريخ، يتحدثون عن تاريخهم في أوروبا وروسيا، وأنحاء العالم أما في أرض العرب، وفي حربهم مع المسلمين فلا. وينسون أو يتناسون أو يتبالهون أن الشوكة اليهودية لم تنتزع من الأرض العربية إلا بالإسلام وعلى يد رسول الله ﷺ، وانتهى وجودهم العسكري أربعة عشر قرنا من الزمان، ولم يعودوا للظهور إلا عندما غاب الإسلام عن الوجود والحكم، وعادوا يثأرون لقريظة وخيبر.
لقد التقت كلمة اليهود جميعا النضير وقريظة وقينقاع الذين تبقوا في خيبر على استئصال الوجود الإسلامي، جيشوا الجيوش، وحزبوا الأحزاب، ووحدوا صفهم لحرب المسلمين.
والطبيعة اليهودية هنا تظهر في حالة ضعف أعدائها. ﴿كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون (١)﴾. فهم وافون بالعهود طالما أنهم ضعاف أذلة، وهم ناكثون للعهد حين يجدون الفرصة مواتية للانقضاض، لقد كانوا يقولون: من محمد؟ لا عهد بيننا وبين محمد.
وذلك عندما ذكرهم السعدان بحلفهم مع رسول الله ﷺ.
ولم يمر على المسلمين ظروف أسوأ من ظروف الأحزاب يوم الأحزاب، وما كان العهد إلا لذلك اليوم، ومع ذلك نقضوا عهدهم في اللحظة الحاسمة، ورغم وجود بوادر الخير لدى زعيمهم كعب فهو في النهاية يهودي غادر لا يرضيه شيء أكثر من إنهاء الوجود الإسلامي، وتم له من يوافقه على ذلك. إنه الهدف النهائي لليهود والنصارى مهما أظهروا على الطريق من سلام
_________________
(١) التوبة، الآية ٨.
[ ٢ / ٣٠٠ ]
﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم ما لك من الله من ولي ولا نصير (١)﴾.
فهم يرفضون المعايشة مع الإسلام فكرا وواقعا طالما أنهم قادرون على ذلك.
غزوة بني قريظة
يقول ابن إسحاق:
فلما كانت الظهر، أتى جبريل رسول الله - ﷺ - - كما حدثني الزهري - معتمرا بعمامة من استبرق، على بغلة عليها رحالة (٢)، عليها قطيفة من ديباج فقال: أوقد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم؟ فقال جبريل: فما وضعت الملائكة السلاح بعد، وما رجعت إلا الآن من طلب القوم، إن الله ﷿ يأمرك يا محمد بالمسير إلى بني قريظة، فإني عامد إليهم فمزلزل بهم. فأمر رسول الله ﷺ مؤذنا، فأذن في الناس: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة.
وقدم رسول الله صلى اله عليه وسلم علي بن أبي طالب برايته إلى بني قريظة، وابتدرها الناس. فسار علي بن أبي طالب، حتى إذا دنا من الحصون سمع منها مقالة خبيثة لرسول الله ﷺ فرجع حتى لقي رسول الله بالطريق، فقال: يا رسول الله، لا عليك ألا تدنو من هؤلاء الأخابث، قال: لم؟ أظنك سمعت منهم لي أذى؟ قال: نعم يا رسول الله؟ قال لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا. فلما دنا رسول الله ص لى الله عليه وسلم من حصونهم قال: يا إخوان القردة، هل أخزاكم الله وأنزل بكم نقمته؟ قالوا؟ يا أبا القاسم ما كنت جهولا) (٢).
_________________
(١) البقرة الآية ١٢٠.
(٢) السيرة لابن هشام ٢٤٤ - ٢٤٥.
[ ٢ / ٣٠١ ]
(وتقدمت الرماة من المسلمين وقال ﷺ لسعد بن أبي وقاص: يا سعد تقدم فارمهم، فرماهم والمسلمون ساعة، ويهود تراميهم، ورسول الله صلى عليه وسلم واقف على فرسه فيمن معه، ثم انصرفوا إلى منازلهم. وباتوا وقد بعث إليهم سعد بن عبادة بأحمال تمر فأكلوا، وقال رسول الله ﷺ: نعم الطعام التمر واجتمع المسلمون عنده عشاء، ومنهم من صلى، ومنهم من لم يصل حتى جاء بني قريظة فما عاب على أحد من الفريقين، ثم غدا سحرا وقدم الرماة وعبأ أصحابه فأحاطوا بحصون يهود، ورموهم بالنبل والحجارة وهم يرمون من حصونهم حتى أمسوا، فباتوا حول الحصون. فنزل نباش بن قيس وكلم رسول الله ﷺ على أن ينزلوا على ما نزلت عليه بنو النضير: له الأموال والحلقة، ويحقن دماءهم، ويخرجون من المدينة بالنساء والذراري، ولهم ما حملت الإبل إلا الحلقة. فأبى رسول الله ﷺ إلا أن ينزلوا على حكمه. وعاد نباش إليهم بذلك ) (١).
هكذا كانت الجولة الأولى من الغزوة، جبريل ﵇ يقود الحرب ويزلزل الحصون ورسول الله - ﷺ - يعلن: من كان سامعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بني قريظة. وعلي بن أبي طالب يغرز الراية عند حصونهم، وتتم تعبئة الجيش وتكامله عند الحصون، وتبتدىء الرماية عنيفة، وهكذا نجد اليهود في كل مرة لا يقاتلون، إنما يهزمون بالرعب. ففي بني قينقاع يخورون بعد الحصار، وفي بني النضير يخورون بعد الحصار وفي بني قريظة يخورون بعد الحصار، وحسب اليهود أن تكون هذه المحاصرة كأخواتها، وينجون بأنفسهم ولكن لا نجاة هذه المرة، فيرفض رسول الله - ﷺ - المفاوضات، ولا يقبل إلا الاستسلام التام له. لأن نقضهم للعهد كان أشنع نقض، ولأنهم استغلوا أسوأ الظروف للبطش بالمسلمين، ولو انتصروا لأبادوا المسلمين عن آخرهم، وبلغ بهم السفه قبل أن يفاجأوا بقوة المسلمين أن يسبوا الرسول - ﷺ - ويشتموه، ثم ها هم الآن يتذللون ويتمسكنون، ويودون
_________________
(١) إمتاع الأسماع ص ٢٤٣.
[ ٢ / ٣٠٢ ]
النجاة بأشخاصهم وأموالهم ونسائهم. مثل كل مرة، ويتنازلون عن سلاحهم، ولكن هيهات، فلن يلدع المؤمن من جحر مرتين، وهل الخندق إلا ثمرة من ثمارهم المرة، يوم نجوا بأرواحهم فراحوا يخططون لإبادة المسلمين فأين النجاة لهم بعد هذا الغدر والكيد. لقد وضعوا بين فكي الكماشة، الاستسلام بدون قيد ولا شرط، أو الموت جوعا وعطشا كما قال لهم حليفهم أسيد بن حضير: يا أعداء الله لا نبرح حصنكم حتى تموتوا جوعا، إنما أنتم بمنزلة ثعلب في جحر. ولقد ذكروه بحلفه قائلين: يا ابن الحضير نحن مواليك دون الخزرج! وخاروا فقال: لا عهد بيني وبينكم ولا إل. لقد بعثوا نباش بن قيس بالمهمة التالية: أن ينزلوا على ما نزلت عليه بنو النضير: له الأموال والحلقة، ويحقن دماءهم، ويخرجون من المدينة بالنساء والذراري ولهم ما حملت الإبل على الحلقة، ولعلها مشورة حيي بن أخطب زعيم بن النضير، الذي ظن أن الحيلة تتكرر. وكان جواب رسول الله - ﷺ - حاسما قاطعا: أبى إلا أن ينزلوا على حكمه.
وتتدارس يهود الأمر لقد كان كعب بن أسد زعيم بني قريظة أقل حقدا من حيي بن أخطب، ومن أجل ذلك كان في بعض الأحيان لا يغلبه الحقد ويدرك مصلحته. ولقد كان ثاقب النظر حين قال لحيي: إنك امرؤ مشؤوم، جئتني بذل الدهر، وبجهام قد هراق ماؤه فهو يرعد ويبرق. وأنى له الندم ولات ساعة مندم، وراح يراجع رصيد حياته قبل قدوم محمد وبعده ودعا قادة اليهود وأولي الرأي منهم، وعرض عليهم أمام إصرار محمد - ﷺ - حلولا ثلاثة قائلا لهم: (قد نزل بكم من الأمر ما ترون وإني عارض عليكم خلالا ثلاثا فخذوا أيها شئتما قالوا: وما هي؟ قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه فوالله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل، وأنه للذي تجدونه في كتابكم فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. قالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره. قال: فإذا أبيتم علي هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين بالسيوف، لم نترك وراءنا ثقلا، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء. قالوا: نقتل هؤلاء
[ ٢ / ٣٠٣ ]
المساكين! فما خير العيش بعدهم؟ قال: فإن أبيتم علي هذه الليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة. قالوا: نفسد سبتنا علينا، ونحدث فيه ما لم يحدث من كان قبلنا إلا من قد علمت فأصابه ما لم يخف عليك من المسخ! قال: ما بات رجل منكم منذ ولدته أمه ليلة واحدة من الدهر حازما (١».
ها نحن نجد كعب بن أسد يدرك أبعاد المعركة ونتائجها، ويعلم أن الموقف خاسر، وأن نزوله على حكم محمد - ﷺ - يعني الإبادة التامة، والمقاومة يائسة خاسرة، ويبحث عن طرق النجاة فلا يراها إلا في الإسلام، والإسلام هو الذي يحقن دمه ودم بني قريظة جميعا. فمحمد يقول: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابمهم على الله (٢).
وتفكير كعب بالإسلام ولو من باب المصلحة يدل على أنه أقل حقدا من حيي بن أخطب وتفانيه في الزعامة والرئاسة، وطمس الحقد على بصره وبصيرته، ولئن شبه حيي بأبي جهل في حقده وكفره. فكعب أشبه ما يكون بعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة زعيمي بني أمية. إذ كانوا يدركون المصلحة كثيرا ويعجزون عن تنفيذها خضعانا لقومهم. ولئن استطاع عبد الله بن سلام حبر اليهود ﵁ أن يتجاوز عصبيته، ويستجيب لأمر ربه. فكعب عاجز عن ذلك. لأن الزعامة عنده كذلك هدف لا يفوت. إنه يعرف أن محمدا حق، وأن إصراره على التمسك باليهودية عناد وحقد. لكن رآها فرصة سانحة أن يقود قومه للإسلام ولو كان من باب حقن دمائهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم. غير أن الأتباع كثيرا من الأحيان ما يكونون أسوأ عصبية من القيادات وخاصة اليهود الذين وصفهم رب السموات والأرض بقوله: ﴿وأشربوا في قلوبهم العجل (٣)﴾.
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ج ٣ ص ٢٤٦ - ٢٤٧.
(٢) رواه البخاري.
(٣) من الآية ٩٣ من سورة البقرة.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
لقد دخلت عبادة العجل في دمائهم وبطونهم فشربوها شربا وامتزجت بكل شرايينهم. فكان جواب اليهود القاطع: لا نفارق حكم التوراة أبدا، ولا نستبدل به غيره. وكعب يعرف أن قضية اليهودية عندهم عصبية أكثر منها عقيدة، ومن أجل ذلك حينما عرض عليهم الدخول في الإسلام ورفضوا أراد أن يضعهم عند التزامات هذه العقيدة. فعرض عليهم التضحية الخالصة، عرض عليهم قتل أبنائهم ونسائهم لتكون الحرب الطاحنة. فلا يأسوا على مال أو زوج أو ولد. فالقتل لا يخيفهم لاطمئنانهم أن ذراريهم لن تكون أسرى بيد المسلمين، ولن تفتضح أعراضهم. غير أن القوم حياتهم أغلى عليهم من أعراضهم وأولادهم فما لذة العيش بعدهم؟ وهكذا لم يتخل بنو قريظة عن دينهم، ولم يضحوا بنسائهم وأولادهم وأرواحهم من أجل هذا الدين، فلم يعد إلا الحل الثالث: الهجوم المباغت على المسلمين ليلة السبت. فاعتذروا أنهم لا يفسدون سبتهم، وهكذا رفض الأتباع كل اقتراحات القيادة، ويئس كعب من قومه. فليس أمامهم إلا الموت جوعا وعطشا أو النزول على حكم محمد، أما أن يقاتلوا بشرف، أو يقاتلوا ببسالة أو يقاوموا ببطولة، فهذا في منطق اليهود لا يقوم.
وما أحوجنا إلى أن نتعرف على هذه الطباع، والمعركة بيننا وبينهم قائمة، والحرب مستمرة. إن فقه نفسية العدو تعطينا كثيرا من الإضاءات على طبيعة مواجهته، والغريب أننا نواجه اليوم ظاهرا بنماذج جدبدة حتى أصبح العربي يخشى اليهودي، وأصبح العرب وهم يناهزون المائة مليون ونصف عاجزين عن المواجهة، عاجزين عن الحرب، هزموا نفسيا بعد حربين خاضوها وكانت الحربان خاسرتين. لقد أصبحوا جميعا يتحدثون عن السلام، وأصبحت قياداتهم تؤمن بالحل السلمي أو الاستسلامي أكثر من إيمانها بالله، وبعد حرب الـ ٧٣ مع اليهود، انتهت فكرة الحرب والمواجهة عند العرب، وراحوا يحلمون باسترداد الأراضي بالطرق السلمية وتجمع مؤتمراتهم على ذلك، ويقدمون مشروع الحل السلمي هم، ولا يناقشون إطلاقا بالوجود اليهودي، بل يطلبون استعادة الضفة الغربية لتكون وطنا للفلسطينيين. وكفى الله العرب القتال.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
إن قرننا قد شهد هذه المأساة، مأساة الاستسلام المتخاذل، مأساة اليقين عند حكام العرب وكثير من شعوبهم أن إسرائيل لن تقهر، وأن العرب لن ينتصروا. إنهم يمثلون تماما عرب الأوس والخزرج قبل الإسلام، حين كان الكيان اليهودي في المدينة يهدد الكيان العربي ويقول له: أظل زمان نبي نتبعه، فنقتلكم به قتل عاد وإرم. وكان العرب يقبلون من اليهود أحكامهم فيتماوتون على التحالف معهم ويتسابقون. وهؤلاء هم عرب اليوم، لقد كان الرعب يجتاح الإنسان العربي في الماضي من اليهود لأنهم أهل علم، وأهل سلاح. بل كان سلاح العرب في المدينة من صنع اليهود، فكيف يحاربونهم، وعرب اليوم الذين غدوا بلا عقيدة وبلا دين قد أكلهم الرعب من اليهود لعلمهم وسلاحهم. وعلم اليهود اليوم علم بشري وسلاحهم اليوم صنع غربي أو محلي. لم تنقلب الآية بعد، ولم تتغير الطبائع، ولم تتبدل النفوس.
لقد كان اليهود يهددون الكيان العربي بالنبي الذي سيبعث وقد أطل زمانه، وكان العرب ينتظرون أن يأتي هذا النبي حتى يبادوا. فهم يعرفون أن اليهود أهل الكتاب الأول وعندهم التوراة. لكن عندما تبنى العرب هذا النبي، وساروا وراءه عرفوا أنهم لا بد قاتلو اليهود قتل عاد وارم، (إن هذا هو النبي الذي توعدكم به يهود، فلا يسبقنكم إليه). وسبقوا اليهود، إلى هذا النبي وآمنوا به، وعرف اليهود في قرارة نفوسهم أنهم مهزومون ما لم يتبعوا هذا النبي، ومع ذلك رفضوا، كما رأينا رفضهم مع كعب أن يدخلوا في الإسلام حقدا وضغينة وعصبية، لقد كانوا يعلمون أنهم يخوضون معركة خاسرة، وأنهم لو قتلوا عن بكرة أبيهم فلن ينتصروا على محمد النبي. وعرب اليوم حين يعودون إلى هذا النبي، ويعودون إلى هذا الدين، ويقاتلون به سوف تظهر طبائع اليهود، وسوف يعرى اليهود في جبتهم وتخاذلهم كما تعروا في بني قينقاع والنضير وقريظة.
إن الجديد في المعادلة هو أن عنصر التفاعل لم يقع بعد، وقاتل اليهود عربا، ولم يقاتلوا مسلمين. وحين يقاتلون المسلمين يظهر اليهود على حقيقتهم بلا خلاف. وكانت المحاولة اليائسة الأخيرة من اليهود في استكناه طبيعة حكم
[ ٢ / ٣٠٦ ]
محمد - ﷺ - من أحد حلفائهم أي لبابة بن عبد المندر. فسمح له رسول الله - ﷺ - بالذهاب إليهم واستشاروه وسألوه عن حكم محمد بهم فأشار إليهم أنه الدبح (١).
وتحركت ضمائر ثلاثة من يهود، ففروا ليلا إلى معسكر المسلمين، وأسلموا فعصموا دماءهم وأموالهم، كما وجد فيهم شريف واحد يرعى الدمام غادر معسكرهم يوم أعلنوا غدرهم برسول الله - ﷺ - قائلا: لا أغدر بمحمد أبدا. ومر على محمد بن مسلمة صاحب حرس رسول الله صلوات الله وسلامه عليه. فهش له بن مسلمة قائلا: اللهم لا تحرمني إقالة عشرات الكرام، وخرج فلم يدر أحد أين توجه فقال عنه ﵊: ذلك رجل نجاه الله بوفائه. وكان الاستسلام الأخير: (فلما أصبحوا نزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -، فتواثبت الأوس فقالوا: يا رسول الله إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت في موالي إخواننا بالأمس ما قد علمت (٢) فلما كلمته الأوس قال: ألا ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: بلى؟ قال رسول الله - ﷺ -: فذاك إلى سعد بن معاذ فلما حكمه رسول الله - ﷺ - في بني قريظة أتاه قومه فحملوه على حمار قد وطئوا له بوسادة من أدم، وكان رجلا جسيما جميلا، ثم أقبلوا معه إلى رسول الله - ﷺ - وهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فإن رسول الله - ﷺ - إنما ولاك ذلك لتحسن فيهم؟ فلما أكثروا عليه قال: لقد آن لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم. فرجع بعض من كان معه من قومه إلى دار بني عبد الأشهل. فنعى لهم رجال بني قريظة، قبل أن يصل إليهم سعد، عن كلمته التي سمع منه. فلما انتهى سعد إلى رسول الله - ﷺ - والمسلمين، قال رسول الله - ﷺ -: قوموا إلى سيدكم فقاموا إليه، فقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله - ﷺ - قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم؟ فقال سعد بن معاذ: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم لما حكمت؟ قالوا: نعم، قال: وعلى من ها هنا، في الناحية التي
_________________
(١) ونعالج موقفه في غير هذا المجال لأن الحديث هنا عن اليهود بالذات.
(٢) إشارة إلى استشفاع عبد الله بن أبي في بني قينقاع وقبول شفاعته.
[ ٢ / ٣٠٧ ]
فيها رسول الله - ﷺ -، وهو معرض عن رسول الله إجلالا له، فقال رسول الله
- ﷺ -: نعم، قال سعد: فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسم الأموال،
وتسبى الذراري والنساء. فقال رسول الله - ﷺ - لسعد: لقد حكمت فيهم
بحكم الله من فوق سبعة أرقعة.
قال ابن إسحاق: ثم استنزلوا، فحبسهم رسول الله - ﷺ - بالمدينه في دار بنت الحارث، امرأة من بني النجار، ثم خرج رسول الله - ﷺ - إلى سوق المدينة، التي هي سوقها اليوم فخندق بها خنادق، ثم بعث إليهم، فضرب أعناقهم في تلك الخنادق، يخرج بهم إليه أرسالا، وفيهم عدو الله حيي بن أخطب، وكعب بن أسد رأس القوم وهم ست مائة أو سبع مائة والمكثر لهم يقول: كانوا بين الثمانمائة والتسعمائة. وقد قالوا لكعب بن أسد، وهم يذهب بهم إلى رسول الله - ﷺ - أرسالا: يا كعب، ما تراه يصنع بنا؟ قال: أفي كل موطن لا تعقلون؟ ألا ترون الداعي لا ينزع، وأنه من ذهب منكم لا يرجع؟ هو والله القتل! فلم يزل ذلك الدأب حتى فرغ منهم رسول الله - ﷺ - وأتي بحيي بن أخطب عدو الله وعليه حلة له فقاحية (١) قد شقها عليه من كل ناحية حتى لا يسلبها مجموعة يداه إلى عنقه حبل، فلما نظر إلى رسول الله - ﷺ -، قال: أما والله ما لمت نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل، ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس، إنه لا بأس بأمر الله، كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بني إسرائيل ثم جلس فضربت عنقه ..
قال ابن إسحاق: ثم إن رسول الله - ﷺ - قسم أموال بني قريظة ونساءهم وأبناءهم على المسلمين وأعلم في ذلك اليوم سهمان الخيل، وسهمان الرجال، وأخرج الخمس، فكان للفارس ثلاثة أسهم، للفرس سهمان ولفارسه سهم، وللراجل من ليس له فرس سهم، وكانت الخيل يوم بني قريظة ستا وثلاثين فرسا، وكان أول فيىء وقعت فيه السهمان، وأخرج منها الخمس! فعلى سنتها وما مضى. ثم بعث رسول الله - ﷺ - سعد بن زيد
_________________
(١) فقاحية: تضرب إلى الحمرة، وقال ابن هشام: ضرب من الوشي.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
الأنصاري أخا بني عبد الأشهل بسبايا من بني قريظة إلى نجد فابتاع لهم بها خيلا وسلاحا (١).
نزل اليهود على حكم رسول الله - ﷺ -، ورفضوا كل اقتراحات زعيمهم كعب بن أسد، وقرروا أن يتلقوا مصيرهم على يد من نكثوا عهدهم معه، وهناك بصيص أمل عندهم أن يعفو عنهم رسول الله، أو أن تتمكن الأوس من حمايتهم كما فعل عبد الله بن أبي بحلفائه من بني قينقاع. وكان تصورهم أن تسيطر العصبية على حلفائهم الأوس فينجوا بحياتهم على الأقل.
وطالب الأوس بحقهم في الحماية كما فعل عبد الله بن أبي. فكرامة الفريقين الأوس والخزرج واحدة غير أن اتجاه القيادة يخالف اتجاه القاعدة، فكيف يفعل رسول الله - ﷺ - أمام هذا الحرج، إنه يملك أن يحسم الأمر بالقتل وانتهى الأمر. والأوس طوع بنانه. غير أنه يحرص على أن لا تصدم عواطف جنده من الأوس، فاختار هذا الحل الموفق: ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم. قالوا: بلى، قال: فذلك إلى سعد بن معاذ. فلقد تساوى الحيان في الحق، إذ حكم في بني قينفاع زعيم من الخزرج هو عبد الله بن أبي حليفهم، فليحكم في بني قريظة زعيم الأوس سعد بن معاذ.
إن القيادة الحكيمة هي التي تتجنب دائما الصدام مع عواطف شبابها، وتحرص على أن تمثل قناعاتهم وتطلعاتهم، بل تلبية رغباتهم، وحين تصطدم رغبة القيادة مع القاعدة، فالقيادة بحاجة إلى حل مريح يخفف جو الصدام.
إنهم جنودها بهم تقاتل، ومن خلالهم سر قوتها ونجاحها، وكلما استطاعت أن تعطي لهم الكرامة والاعتبار، كلما كان هذا أدعى إلى تلاحم الجانبين في صف واحد. بل راعى رسول الله - ﷺ - في هذه الحرب رغبات كل فرد من أفراد هذا الصف، فلقد كان لرجل من اليهود جميل في عنق ثابت بن قيس خطيب رسول الله - ﷺ -، فطلب ثابت حماية هذا الرجل من القتل من قيادته فوافقت القيادة على ذلك غير أن الزبير بعد أن عفي من
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام مقتطفات من ص ٢٤٩ - ٢٥٦.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
القتل وسلم له ماله وولده وأهله قال لثابث: فإني أسألك يا ثابت بيدي عندك ألا ألحقتني بالقوم، فوالله ما في العيش بعد هؤلاء من خير (١).
وقد راعى رسول الله - ﷺ - كرامة امرأة من المسلمين حين طلبت حماية رفاعة بن سموأل القرضي قائلة: يا نبي الله بأبي أنت وأمي هب لي رفاعة فإنه زعم أنه سيصلي ويأكل الجمل؟ قال: فوهبه لها، فاستحيته (٢).
إن القيادة العبقرية لا تعدم وسيلة تطمئن بها جنودها على احترام رأيهم وتقديره حتى ولو كانت خطتها تعاكس أهواء فريق من هؤلاء الجنود. إنها لا تعطل خطتها، لكن لا تتحدى رغبات جنودها بل تحرص على قناعتهم وإشعارهم بأهمية رأيهم ووجاهته.
صحيح أن على القاعدة أن تطيع، وصحيح كذلك، أن السمع والطاعة ليسا كل شيء في علاقة القواعد مع القيادة، بل الحب، والثقة، والتفاني هو الأصل في العلاقة. ومن أجل ذلك كان حديث رسول الله - ﷺ - يؤكد الخيرية في أمراء هذه الأمة من خلال الحب: خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم وتصلون عليهم ويصلون عليكم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم (٣). وما أحوج قيادة الحركة الإسلامية أن تدرك هذا المعنى وتعمل من خلاله!. وكان بعدها حكم سعد بن معاذ.
ورسول الله - ﷺ - يرعى قيادات الجماعة المسلمة، ويعطيها الأهمية الكبرى. فسعد جريح في خيمة رفيدة، وكان بإمكان رسول الله - ﷺ - أن يمضي أمره بدون رأي سعد. لكنه التكريم العظيم لقائد من قادات هذه الأمة. فلا يحكم بأمر حلفائه إلا بحضوره، بل يوجه الجميع إلى إكبار هذا القائد: قوموا إلى سيدكم. فقاموا له: ويأتي دور سعد، ورسول الله - ﷺ - مطمئن إليه، واثق باختياره، وعارف مدى تفانيه بحب الله ورسوله، وترفعه عن العصبية أو الهوى أو حظ النفس، وكم أراده قومه على ذلك فقال: آن لسعد أن لا
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ص ٢٥٣ - ٢٥٤.
(٢) السيرة النبوية لابن هشام ص ٢٥٥.
(٣) رواه مسلم عن عوف بن مالك.
[ ٢ / ٣١٠ ]
تأخذه في الله لومة لائم. بل لسعد ثأر عند يهود بني قريظة حين واجهوه بالسباب والشتيمة، وذكرهم بعهدهم لرسول الله - ﷺ - فهزئوا به، وحين أصابه سهم غادر من أحدهم فناجى ربه قائلا في دعاء طويل ولا تمتني حتى تشفني من بني قريظة، وها هو أمرهم كله له. فأخذ العهد على قومه أولا بقبول حكمه، ثم على المهاجرين وأصدر حكمه بذبحهم لخيانتهم وغدرهم.
إن الذي يدرك مرامي المعركة وأبعادها هم القادة الذين يعيشون جوها، ومن أجل هذا وجدنا اتجاه سعد ﵁ يمثل اتجاه الرسول تماما، لمعرفته ببواطن الأمور وخفاياها بينما كان الأوس يدركون فقط في هذا المجال شرفهم وتساويهم في هذا الشرف مع الخزرج، ولا نقول الأوس جميعا، إنما نقول هو تيار قوي فيهم، لكن الذي حدد الموقف تماما هو سيدهم سعد بن معاذ. وهذا يدعونا إلى القول: إن على القيادة العليا أن تعطي ثقتها الكبرى للقيادات الوسط التي هي سبيلها إلى الجنود، ونافذتها عليها، وحين تعجز القيادة أن تقنع هذه القيادات الوسط فلن تصل إلى قلوب جنودها، وستكبر الهوة بين الفريفين، ويتمزق الصف شذر مذر، بل يتمحرر حول هذه القيادات الوسطى، ويشكل عقبة كؤودا في وجه القيادة ومخططاتها.
أما اليهود، وما أدراك ما اليهود، فها هم يساقون إلى مصارعهم، ولا يعرفون فيسألون زعيمهم كعب بن أسد عن الأمر فيقول لهم: أفي كل مرة لا تعقلون؟ أما ترون الداعي لا ينزع، وأنه من ذهب منكم لا يرجع؟ هو والله القتل. لقد أدرك ببصره الثاقب هذا المصير المروع، ونصحهم بمنعرج اللوى، فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد، وها هي رجالهم تذبح، ونساؤهم تسبى، وأموالهم تقسم. ويأتي زعيم الغدر والخيانة حيي بن أخطب ليمثل الجبلة اليهودية في كل جيل كما وصفها القرآن الكريم: ( أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون (١». إن
_________________
(١) البقرة من الآية ٨٧.
[ ٢ / ٣١١ ]
حيي بن أخطب ليدرك حظه من أوله. فهو يحارب الله ورسوله. وهو يعلم أن محمدا حق، ولكنها عنجهية الجاهلية.
إنه أبو جهل الذي رفض الإيمان حتى لا يسبقه بنو عبد مناف، وحيي يرفض حتى لا يسبقه بنو إسماعيل، أولاد هاجر الجارية، إنه الحقد الأسود، والكيد الأعمى، والحرب لله ورسوله، ولا يشتفي من ذلك كله. والله ما لمت نفسي في عداوتك. إنه ليعلم أن حقده أكبر من دينه، ويعلم أنه يحارب الله ورسوله ولكنه من يخذل الله يخذل، إنها كلمات أبو جهل: أخبرني لمن الغلبة، وكان الجواب الغلبة لله ورسوله، ولقد أبقى الله لك ما يخزيك. ويجيب: وهل أعمد من رجل قتلتموه. إنه عميد القوم، وسيد البطحاء يقتل، وهو يرى الخزي فلا ينسى شرفه، ولا ينسى حقده، إن فرعون خير منه حين رأى الغرق فقال: آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل ..
وتعود هذه الجبلة اليهودية اليوم من جديد لتزكم الأفق، وتظهر من خلال آلاف الحوادث منها هذه الحادثة. وقف أحد المنافقين في الشام في حرب حزيران عام ٦٧ يخطب على منبر الجامع الأموي والإذاعة تنقل خطبته ليحرف حديث رسول الله - ﷺ - بقوله: لا تقوم الساعة حتى يقاتل العرب اليهود فيقتل العرب اليهود، فيقول الحجر والشجر يا عربي، يا عبد الله ورائي يهودي تعال فاقتله، إلا الفرقد فإنه من شجر اليهود. وتخرج إذاعة إسرائيل في اليوم الثاني لتصحح للشيخ المنافق الحديث. وتذكر له رواية. وتذكره به: (لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبىء اليهود وراء الحجر والشجر فيقول الحجر والشجر. يا مسلم يا عبد الله، هذا يهودي خلفي تعال فاقتله إلا الفرقد فإنه من شجر اليهود (١».
والذي يعنينا من الحديث هو معرفة اليهود بمصيرهم المشؤوم، أو
_________________
(١) رواه مسلم.
[ ٢ / ٣١٢ ]
قياداتهم على الأقل، ومعرفتهم أن النصر للمسلمين، لكنهم واثقون كذلك أنهم يقاتلون عربا بدون عقيدة وبدون إسلام. وهم مطمئنون إلى نصرهم في هذه الحالة لما يبذلون من جهد، ويخططون من كيد. ولأنهم حين يحاربون المسلمين فهم منهزمون، ومع ذلك فهم يقاتلون، ويقولون كما قال زعيمهم حيي أنه لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملحمة كتبها الله على بنى إسرائيل.
أما الآن فكما قال الله تعالى عنهم ﴿ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ..﴾ وكما قال الله تعالى ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ..﴾ وهم مطمئنون اليوم أن الحرب الحقيقية لم تقم بعد، وأنهم حين يواجهون عنفا في حرب فإنما يكون وراءه مسلمون حقيقيون، إنها نماذج بطولات فردية، وها هم العرب اليوم كلهم يعلنون سلمهم مع يهود ويطلبون منها الصلح. ونهاية اليهود التي كانت في بني قريظة ستكون نهايتهم إن شاء الله على أرض فلسطين، الأرض المباركة التي وعد الله تعالى فيها بنصر جنده المؤمنين. وكانت أسلحتهم وأموالهم غنيمة للمسلمين. يقول المقريزي في إمتاع الأسماع (وجمعت أمتعتهم وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث والثياب، فوجد فيها ألف وخمسمائة سيف وثلاثمائة درع، وألفا رمح، وألف وخسمائة ترس وجحفة، وأثاث كبير، وآنية كثيرة وخمر وجرار سكر فهرق ذلك كله، ولم يخمس، ووجد من الجمال النواضح عدة، ومن الماشية شيء كثير فجمع هذا كله (١). ولم يكتف رسول الله - ﷺ - بذلك. بل ابتاع بسبايا بني قريظة الخيل والسلاح من نجد. لقد كانت المعركة شوكة كبيرة للمسلمين ونصرا ماحقا لليهود، وإنهاء لوجودهم في المدينة بعد ست سنوات من التعايش القلق. وهذا ما قاله سلام بن مكشم زعيم بني النضير بعد حيي بن أخطب والذي أقام في خيبر وتلقى مع بقية اليهود نبأ مقتل بني قريظة صبرا بالسيف: (هذا كله عمل حيي بن أخطب لا قامت يهودية بالحجاز أبدا (٢». ولكن هذا الحكم العادل،
_________________
(١) إمتاع الأسماع للمقريزي ج ١ ص ٢٤٥.
(٢) إمتاع الأسماع للمقريزي ج ١ ص ٢٥٣.
[ ٢ / ٣١٣ ]
لم يكن غضبا لنفس أو إهانة لآدمية. فلقد حرص ﵊ على أن لا يكون التشفي والثأر هو الذي يسيطر على الموقف. (فلقد جابذ نباش ابن قيس الذي جاء به (لقتله) حتى قاتله ودق أنفه فأرعفه، فقال - ﷺ - للذي جاء به: لم صنعت به هذا؟ أما كان السيف كفاية! ثم قال: أحسنوا إسارهم، وقيلوهم واسقوهم، لا تجمعوا عليهم حر الشمس وحر السلاح. وكان يوما صائفا، فقتلوهم وسقوهم وأطعموهم. فلما أبردوا راح رسول الله - ﷺ - فقتل من بقي منهم .. (١».
إنها عظمة النبوة التي تحترم آدمية الإنسان، ولو كان يهوديا حكم الله تعالى به القتل، واليوم وفي أقبية سجون من يسمون (بالمسلمين) من المآسي وفنون التعذيب والتجويع والإهانة والسحق ما يشيب من هوله الولدان، والأصل هو إهانة كرامة الإنسان وتمريغه بالتراب، وتجريعه غصص العذاب الذي يترفع عنه الوحوش، وكما يقول سيد ﵀: إن الوحوش تأكل لتقتات أما هؤلاء فيتلذذون بالعذاب. ويبقى الإسلام الذي يكرم الإنسان بصفته إنسانا فيعاقبه بما يستحق دون شهوة غضب وحقد وتشف تنيله أكثر مما يستحق.
ويطالعنا في نهاية المطاف التجاوب العميق بين الأوس وبين قرار سيدهم سعد ﵁ بعد أن قال له رسول الله - ﷺ -: لقد حكمت بحكم الله من فوق سبع سموات والتسابق في التنفيذ. فجاء أسيد بن حضير السيد الثاني للأوس فقال: (يا رسول الله لا تبقين دار من دور الأوس إلا فرقتهم فيها. ففرقهم في دور الأنصار فقتلوهم). وأعلن سعد أن الكاره لهذا القرار هو خارج عن الخيرية والهدى: ما كرهه أحد من الأوس فيه خير، ومن كرهه فلا أرضاه الله. وهكذا انتهت اليهودية في المدينة على تلك المراحل المتلاحقة حيث تلقى كل فريق جزاءه من جنس عمله، قينقاع والنضير وقريظة، وأعطانا هذا الحكم، حرية القيادة في مواجهة العدو بما يناسب
_________________
(١) المصدر نفسه ص ٢٤٨.
[ ٢ / ٣١٤ ]
ظروف المعركة، وإمكانيات المسلمين، وجريمة العدو، دون قيود تغل حركة القيادة، إلى أن يأذن الله تعالى بالفتح المبين للمسلمين مع أعدائهم (تقاتلونهم أو يسلمون ..).
السمة السادسة عشرة
ليل المحنة الطويل وخطره
لقد لقي المسلمون في مكة شدة. وتمت تربية الجيل الأول من المهاجرين من خلال المحنة. أما الأنصار فلقد عاشرا ميلاد الدولة الجديدة، وتوج هذا الميلاد الجديد بالنصر المؤزر يوم بدر، وطارت القلوب فرحا بهذا النصر، حتى حسب المسلمون أنه لا هزيمة بعد اليوم، خاصة وقد قاتلت الملائكة ووقعت المعجزة الحسية، وانتصر المسلمون العزل القلة على الكفار الكثرة المدججين بالسلاح، ومن أجل ذلك عندما لاحت بوارق حرب جديدة تسارع المسلمون زرافات ووحدانا على دخولها، ولم يتمالكوا أنفسهم من الانضواء فيها، وعندما بدا لهم أن رسول الله - ﷺ - يرغب البقاء في المدينة للدفاع عنها ما تمالكت أعصابهم هذا الأمر، واندفعوا بوعي وبغير وعي يطالبون بالخروج لملاقاة العدو. ولم لا يكون ذلك؟ فالعدو كافر، وهم مؤمنون، ونصر الله تعالى قائم للمؤمنين على الكفار. يقول المقريزي: ( فقال فتيان أحداث لم يشهدوا بدرا، وطلبوا الشهادة، وأحبوا لقاء العدو: أخرج بنا إلى أعدائنا. وقال حمزة، وسعد بن عبادة، والنعمان بن مالك في طائفة من الأنصار: (إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج إليهم جبنا عن لقائهم، فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنت في بدر في ثلاثمائة رجل فظفرك الله عليهم، ونحن اليوم بشر كثير، قد كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله به، فساقه الله إلينا في ساحتنا). ورسول الله - ﷺ - لما يرى من إلحاحهم كاره، وقد لبسوا السلاح. وقال حمزة: والذي أنزل عليك الكتاب بالحق لا أطعم اليوم طعاما حتى أجالدهم بسيفي خارجا من المدينة، وكان يوم الجمعة صائما ويوم السبت
[ ٢ / ٣١٥ ]
صائما، وتكلم مالك بن سنان، وإياس بن أوس بن عيتك في معنى الخروج للقتال، فلما أبوا إلا ذلك صلى رسول الله - ﷺ - الجمعة بالناس، وقد وعظهم، وأمرهم بالجد والجهاد، وأخبرهم أن النصر لهم ما صبروا (١). ولقد وصف القرآن الكريم هذه الحالة النفسية العالية فقال: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون (٢)﴾. من هذه الذروة في الثقة بالنصر، والجيش يمضي بمعنويات عالية، كانت المفاجأة الأولى في انسحاب ثلث الجيش عائدا إلى المدينة، ومع ذلك فلم يفت هذا الأمر في أعضاد الناس، وتسارع الصبيان للانضمام للجيش، فأعادهم رسول الله - ﷺ - إلى المدينة، وتحقق النصر الأول كما قال القرآن الكريم كذلك، ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه .. (٣)﴾. واستطاع سبعمائة مقاتل أن يحققوا نصرا ساحقا على ثلاثة آلاف من المشركين: كما يقول المباركفوري عن هذا النصر: (هكذا دارت رحى الحرب الزبون، وظل الجيش الإسلامي الصغير مسيطرا على الموقف كله، حتى خارت عزائم أبطال المشركين، وأخذت صفوفهم تتبدد عن اليمين والشمال والأمام والخلف. كأن ثلاثة آلاف مشرك يواجهون ثلاثين ألف مسلم لا بضع مئات قلائل، وظهر المسلمون في أعلى صور الشجاعة واليقين.
وبعد أن بذلت قريش أقصى جهدها لسد هجوم المسلمين أحست بالعجز والخور، وانكسرت همتها - حتى لم يجترىء أحد منها أن يدنو من لوائها الذي سقط - بعد مقتل صواب - فيحمله ليدور حوله القتال، فأخذت في الانسحاب، ولجأت إلى الفرار، ونسيت ما كانت تتحدث به في نفوسها من أخذ الثأر والوتر والانتقام، وإعادة العز والمجد والوقار (٤».
وقال ابن إسحاق: (ثم أنزل الله نصره على المسلمين، وصدقهم وعده، فحسوهم بالسيوف حتى كشفوهم عن المعسكر، وكانت الهزيمة لا شك
_________________
(١) إمتاع الأسماع للمقريزي: ١/ ١١٧.
(٢) آل عمران: الآية ١٤٣.
(٣) آل عمران من الآية ١٥٣.
(٤) الرحيق المختوم ص ٢٩٣.
[ ٢ / ٣١٦ ]
فيها. روى عبد الله بن الزبير عن أبيه أنه قال: والله لقد رأيتني أنظر إلى خدم - سوق - هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب ما دون أخذهن قليل ولا كثير (١». ومن هذه القمة السابقة تبدأ الابتلاءات والمحن.
أ - محنة أحد:
يصف المقريزي هذه المحنة بقوله: (وكانت الريح أولى النهار صبا، فصارت دبورا وبينا المسلمون قد شغلوا بالنهب والغنائم؟ إذ دخلت الخيل تنادي فرسانها بشعارهم (ياللعزى، يالهبل) ووضعوا في المسلمين السيوف وهم آمنون، وكل منهم في يديه أو في حضنه شيء قد أخذه، فقتلوا فيهم قتلا ذريعا، وتفرق المسلمون في كل وجه، وتركوا ما انتهبوا، وخلوا من أسروا. وكسر خالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل في الخيل إلى موضع الرماة، فرماهم عبد الله بن جبير بمن معه حتى قتل، فجردوه ومثل به أقبح المثل، وكانت الرماح قد شرعت في بطنه حتى خرقت ما بين سرته إلى خاصرته إلى عانته وخرجت حشوته، وجرح عامة من كان معه، وانتقضت صفوف المسلمين، ونادى إبليس عند جبل عينين - وقد تصور في صورة جعال بن سراقة - أن محمدا قد قتل، ثلاث صرخات؟ فما كانت دولة أسرع من دولة المشركين. واختلط المسلمون وصاروا يقتلون، ويضرب بعضهم بعضا ما يشعرون من العجلة والدهش، وجرح أسيد بن حضير جرحين ضربه أحدهما أبو بردة بن نيار وما يدري؟ وضرب أبو زعنة أبا بردة ضربتين وما يشعر، والتقت أسياف المسلمين على اليمان وهم لا يعرفونه حين اختلطوا وحذيفة يقول: أبي! أبي! حتى قتل. فقال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. فزادته عند رسول الله - ﷺ - خيرا، وأمر رسول الله بديته أن تخرج، فتصدق حذيفة بن اليمان بديته على المسلمين
وأقبل الحباب بن المنذر بن الجموح يصيح: يا آل سلمة!! فأقبلوا إليه عنقا واحدة: لبيك داعي الله - ﷺ - فيضرب يومئذ جبار بن صخر في رأسه وما يدري، حتى أظهروا الشعار بينهم فجعلوا يصيحون: أمت أمت فكف
_________________
(١) السيرة النبوية لابن هشام ٣/ ٨٢.
[ ٢ / ٣١٧ ]
بعضهم عن بعض. وقتل مصعب بن عمير وبيده اللواء .. وتفرق المسلمون في كل وجه، وأصعدوا في الجبل لما نادى الشيطان: قتل محمد وصار أبو سفيان بن حرب يقول: يا معشر قريش أيكم قتل محمدا؟ فقال ابن قميثة: أنا قتلته! قال: نسورك (١) كما تفعل الأعاجم بأبطالها. وجعل يطوف بأبي عامر الفاسق في المعزك، هل يرى محمدا؟ وتصفح القتلى فقال: ما نرى مصرع محمد؟ كذب ابن قميثة. ولقي خالد بن الوليد فقال: هل تبين عندك قتل محمد؟ قال: رأيته قبل في نفر من أصحابه مصعدين في الجبل. قال أبو سفيان: هذا حق. وجعل رسول الله - ﷺ - - وقد انكشف الناس إلى الجبل وهم لا يلوون عليه - يقول: إلي يا فلان، إلي يا فلان؟ أنا رسول الله! فما عرج واحد عليه. هذا، والنبل يأتيه - ﷺ - من كل ناحية، وهو في وسطها والله يصرفها عنه
وكان أربعة من قريش قد تعاهدوا وتعاقدوا على قتل رسول الله - ﷺ - وعرفهم المشركون بذلك، وهم: عبد الله بن شهاب، وعتبة بن أبي وقاص، وعمرو بن قميثة وأبي بن خلف، ورمى عتبة يومئذ رسول الله - ﷺ - بأربعة أحجار فكسر رباعيته، وشج في وجنتيه حتى غاب حلق المغفر (٢) في وجنته، وأصيبت ركبتاه ومجشتا (٣)
وقتل من المسلمين بأحد أربعة وسبعون: أربعة من قريش وسائرهم من الأنصار وجعل عبد الله بن أبي والمنافقون يشتمون معه، ويسرون بما أصاب المسلمين، ويظهرون أقبح القول. فيقول ابن أبي لابنه عبد الله - وهو جريح قد بات يكوي جراحه بالنار -: ما كان خروجك معه إلى هذا الوجه برأي! عصاني محمد وأطاع الولدان والله لكأني كنت أنظر إلى هذا؟ فقال ابنه: الذي صنع الله لرسوله وللمسلمين خير .. وأظهرت اليهود القول السيء فقالوا: ما محمد إلا طالب ملك! ما أصيب هكذا نبي قط، أصيب في
_________________
(١) نسورك: نلبسك الأساور كسواري كسرى.
(٢) المغفر: حلق وزرد ينسج من الدروع على قدر الرأس.
(٣) مجشتا: خدشتا خدشا شديدا.
[ ٢ / ٣١٨ ]
بدنه، وأصيب في أصحابه! وجعل المنافقون يخذلون عن رسول الله - ﷺ - أصحابه، ويأمرونهم بالتفرق عنه، ويقولون: لو كان من قتل منكم عندنا ما قتل. وسمع عمر بن الخطاب ﵁ ذلك في أماكن. فمشى إلى رسول الله - ﷺ - يستأذنه في قتل من سمع ذلك منه من يهود والمنافقين، فقال ﵇: يا عمر، إن الله مظهر دينه، ومعز نبيه، ولليهود ذمة فلا أقتلهم؟ قال، فهؤلاء المنافقون!! قال: أليس يظهرون شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ قال: بلى، يا رسول الله! وإنما يفعلون ذلك تعوذا من السيف، فقد بان لنا أمرهم. وأبدى الله أضغانهم عند هذه النكبة! فقال: نهيت عن قتل من قال لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله: يا ابن الخطاب، إن قريشا لن ينالوا منا مثل هذا اليوم حتى نستلم الركن (١».
لقد كانت المعركة كما نرى انعطافة خطيرة في سلم النصر. ولم يعهد المسلمون مثل هذا أبدا، ولقد أوضح القرآن الكريم في الآيات التي نزلت في أحد هذه المعاني والأوضاع النفسية التي عاناها المسلمون ما هو أكبر من الوصف البشري القاصر. ولقد تناول الحديث الوضع والوهن الذي أصاب المسلمين عامة: ثم الأوضاع الخاصة للمنافقين منهم، ثم الأوضاع الخاصة للربانيين منهم. ﴿.. أن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين ﴾ (٢) فلقد كان خبر مقتل رسول الله - ﷺ - زلزلة عامة للصفوف، وكان الانقلاب على الأعقاب على أثره ظاهرة عامة لم ينج منها إلا القليل، وهم الربانيون الذين قاتلوا معه.
_________________
(١) مقتطفات من غزوة أحد للمقريزي من الصفحات ١٢٧ - ١٦٦ - إمتاع الأسماع ج ١.
(٢) الآيات ١٣٩ - ١٤٤ من سورة آل عمران.
[ ٢ / ٣١٩ ]
وأن يكون الحديث عن صف النبوة بهذه الصرامة ليدل أعمق الدلالة على عظم هذه المحنة.
إننا كثيرا ما نندفع في التقليل من شأن القائد بحجة أننا أصحاب فكرة، ونغالي في هذا الأمر. حتى لكأن القائد للجماعة لا يعدو أن يكون جنديا عاديا. ونرى حب القائد والتفاني في سبيله والتعلق به وثنية. فنكرر الجملة المعهودة: إذا غابت الفكرة، برز الصنم. وإن كنا في هذا الموقف أمام رسول رب العالمين، وليس قائدا بشريا فقط. لكن هذا يعني من طرف آخر أهمية القائد الذي تلتقي القلوب عليه، ودوره في تلاحم الصف، وتآخيه، ولكم رأينا خالد بن الوليد ﵁ في المعارك التي خاضها كيف كان يدفع بالصف كله إلى التضحية حين يكون أول من يخرج للمبارزة.
القرآن الكريم يقرر أن المسلمين الصحابة من الجيل الأول تزلزلوا لخبر مقتل رسول الله صلوات الله عليه. وإن كان لا يعذرهم بهذا الموقف، لكنه في الوقت نفسه يثني الثناء العطر على الذين ذادوا عنه وقاتلوا بجواره. ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين .. (١)﴾.
إننا بحاجة ونحن نربي هذه الجماعة المسلمة أن نوازن بين هذين الأمرين دون طغيان. الأمر الأول: ربط الجنود بقائدهم ربطا وثيقا، ربط حياة وموت، واندفاعا إلى الاستشهاد وراءه، وتلبية لأمره، وذودا عنه.
الأمر الثاني: أن يكون عمق العقيدة وحبها أكبر من حب القائد في القلب، فلو سقط القائد فلا بد من الموت على ما مات عليه، والسير على منهجه. ولئن تزعزع فلتكن العقيدة أكبر منه، وما حبه والتفاني ذودا عنه، إلا لأنه يمثل الاستقامة على منهج الله، ولا بد أن نشير كذلك إلى عذر الشباب حين يفقدون القائد الذي يرون به المثل الأعلى، ويتحركون من خلاله، وما أحوج الجماعة المسلمة إلى هذا النموذج، وهذه النماذج ..
_________________
(١) آل عمران، الآية ١٤٦.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
﴿ ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين اذ تصعدرن ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكيلا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور. إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا، ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين (١)﴾.
يقول المقريزي واصفا هذه الحالة: (ولكن المسلمين أتوا من قبل الرماة فإن المشركين لما انهزموا وتبعهم المسلمون يضعون السلاح فيهم حيث شاؤوا ووقعوا ينتهبون عسكرهم، قال بعض الرماة لبعض لم تقيمون ها هنا في غير شيء؟ قد هزم الله العدو، وهؤلاء إخوانكم ينتهبون عسكرهم! فادخلوا عسكر المشركين فاغنموا مع إخوانكم. فقال بعضهم ألم تعلموا أن رسول الله - ﷺ - قال لكم: احموا ظهورنا، ولا تبرحوا مكانكم؟ وإن رأيتمونا نقتل فلا
_________________
(١) سورة آل عمران. الآيات ١٥٢ - ١٥٩.
[ ٢ / ٣٢١ ]
تنصرونا، وإن غنمنا فلا تشركونا احموا ظهورنا؟ فقال الآخرون لم يرد رسول الله هذا. وانطلقوا، فلم يبق منهم مع أميرهم عبد الله بن جبير إلا دون العشرة، وذهبوا إلى عسكر المشركين ينتهبون (١».
نحن أمام صورة حددها القرآن الكريم بقوله: ﴿.. حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ﴾. فلقد حدث طارىء جديد قلب موازين القوى في قلب المعركة، هذا الطارىء هو الفشل والتنازع في الأمر، والميل إلى الدنيا. والفشل هنا ضعف ووهن أمام إغراء الدنيا وزينتها، واختلفت الآراء حول الموضوع بين من يرى اللحوق بالغنائم ومن يرى الثبات في الجبل. يقول الشهيد سيد ﵀ في التعليق على هذه الآية: (وهو تقرير لحال الرماة. وقد ضعف فريق منهم أمام إغراء الغنيمة، ووقع النزاع بينهم وبين من يرون الطاعة المطلقة لأمر رسول الله - ﷺ - وانتهى الأمر إلى العصيان بعدما رأوا بأعينهم طلائع النصر الذي يحبونه، فكانوا فريقين: فريقا يريد غنيمة الدنيا، وفريقا يريد ثواب الآخرة. وتوزعت القلوب فلم يعد الصف وحدة، ولم يعد الهدف واحدا. وشابت المطامع جلاء الإخلاص والتجرد الذي لا بد منه في معركة العقيدة. فمعركة العقيدة ليست ككل معركة، إنها معركة في الميدان ومعركة في الضمير. ولا انتصار في معركة الميدان دون الانتصار في معركة الضمير. إنها معركة الله، فلا ينصر الله فيها إلا من خلصت نفوسهم لله وما داموا يرفعون راية الله وينتسبون إليها، فإن الله لا يمنحهم النصر إلا إذا محصهم ومحضهم للراية التي رفعوها؟ كي لا يكون هناك غش ولا دخل ولا تمويه بالراية. ولقد يغلب المبطلون الذين يرفهون راية الباطل صريحة في بعض المعارك - لحكمة يعلمها الله - أما الذين يرفعون راية العقيدة ولا يخلصون لها إخلاص التجرد، فلا يمنحهم الله النصر أبدا، حتى يبتليهم فيتمحصوا ويتمحضوا وهذا ما يريد القرآن أن يجلوه للجماعة المسلمة بهذه الإشارة إلى موقفهم في المعركة، وهذا ما أراد الله - سبحانه أن يعلمه للجماعة
_________________
(١) المقريزي، إمتاع الأسماع ج ١ ص ١٢٧، ١٢٨.
[ ٢ / ٣٢٢ ]
المسلمة، وهي تتلقى الهزيمة المريرة، والقرح الأليم ثمرة لهذا الموقف المضطرب المتأرجح: ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾. والقرآن يسلط الأضواء على خفايا القلوب، التي ما كان المسلمون أنفسهم يعرفون وجودها في قلوبهم .. عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ما كنت أرى أن أحدا من أصحاب رسول الله - ﷺ - يريد الدنيا، حتى نزل فينا يوم أحد: ﴿منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة﴾. وبذلك يضع قلوبهم أمامهم مكشوفة بما فيها، ويعرف من أين جاءتهم الهزيمة ليتقوها! وفي الوقت ذاته يكشف لهم عن طرف من حكمة الله وتدبيره وراء هذه الآلام التي تعرضوا لها، ووراء هذه الأحداث التي وقعت بأسبابها الظاهرة: ﴿ثم صرفهم عنكم ليبتليكم﴾.
لقد كان هناك قدر الله وراء أفعال البشر. فلما أن ضعفوا وتنازعوا وعصوا صرف الله قوتهم وبأسهم وانتباههم عن المشركين، وصرف الرماة عن ثغرة الجبل، وصرف المقاتلين عن الميدان. فلاذوا بالفرار. وقع كل هذا مرتبا على ما صدر منهم. ولكن مدبرا من الله ليبتليهم بالشدة والخوف والهزيمة والقتل والقرح، وما يتكشف عنه هذا كله من كشف مكنونات القلوب، ومن تمحيص النفوس، وتميز الصفوف - كما سيجيء (١).
ويقف المسلم أمام قول الله ﷿ مرة ثانية ﴿.. حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ﴾ فمن الذي فشل وننازع وأحب الدنيا؟
ظاهر الأمر أن هذا الكلام منصب على الرماة السبعين، وهم عشر الصف الإسلامي، هم عشر الجيش. والتنازع قد وقع بينهم بين من يريد أن ينفذ أمر رسول الله - ﷺ - ويريد الآخرة، وبين من نازعته نفسه إلى الغنيمة في الدنيا. خطيئة يقع بها أقل من عشر الجيش - لأنه بقي على الجبل حوالي العشر - فتنزل العقوبة بالجيش الإسلامي كله، وينتزع منه النصر بأمر الله سبحانه - وقائد الجيش محمد رسول الله - فما هو الميزان في ذلك؟
_________________
(١) في ظلال القرآن، سورة آل عمران، ص ١٠٦ - ١٠٨ المجلد ٢ ط دار إحياء التراث العربي.
[ ٢ / ٣٢٣ ]
إن الله تعالى العليم بما في القلوب، يعرف من هم من غير الرماة يريدون الدنيا، فالظاهرة ليست محصورة فيهم. ولا شك في ذلك، لأن المنافقين الذين هاجمهم القرآن الكريم لتخاذلهم أمام المحنة لم يكونوا من الرماة، ولا نشك في إرادتهم للدنيا وحبهم لها. لكننا نقول كذلك أن في جيش محمد - ﷺ -، غير الرماة وغير المنافقين، من يحبون الدنيا يركنون لها وإرادة الله تعالى سبحانه أن يعاقب جيش فيه أمثال هؤلاء. ولا شك أن معصية واحدة واضحة صريحة صدرت من عشر الجيش انعكس أثرها على الجيش نفسه، بل على قائده محمد - ﷺ -، وقد شج وجهه، وكسرت رباعيته وأدميت شفته. ونقارن بين قضيتين:
لقد كان المنافقون المنسحبون في بداية الأمر ثلث الجيش. ومع هذا العدد الضخم فلم يحرم المؤمنون النصر، أو يستحقوا العقوبة وثلثهم من المنانقين. ويشير القرآن كذلك إلى وجود المنافقين في الجيش بعد الثلث الذي انفصل، وذلك في الحديث عنهم ﴿وطائفة قد أمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ﴾ وذلك في الحديث عنهم كذلك ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ﴾. والمنافقون هم إخوان الكافرين من اليهود بلا شك. ومن هؤلاء المنافقين من مات أو قتل في المعركة في أحد.
مع وجود المنافقين في الجيش، ومع انفصال المنافقين عنه، مع هذا العدد الضخم كله لم يحرم المؤمنون النصر، وفيهم قرابة النصف لأن الله تعالى قال: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه﴾. فلقد استحقوا موعود الله بالنصر رغم انفصال ثلث الجيش، وانكشاف البقية من المنافقين. إنما كانت العقوبة من أجل هذا العشر الذي عصى بوضوح أمر رسول الله - ﷺ - وقد رأى ما يحب من موعود الله، من أجل هذا العشر ومن معه من الذين أحبوا الدنيا وأرادوها فكانت العقوبة: ﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم﴾ وهذا الابتلاء عفو من الله وهذه المحنة عفو من الله ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
إن معصية الصف المؤمن، والخلل فيه أضخم بكثير من معصية المنافقين المدسوسين في الصف، فالمؤمنون أعظم عند الله تعالى من أن يعاقبهم لوجود المنافقين والمندسين فيهم بغير علمهم. إنما يستحقون العقوبة عندما ينحدرون هم أو ينحدر بعضهم فيعصي أمر قيادته، ويعصي أمر رسول الله - ﷺ - فيعاقب بهم الجيش كله. وحسبنا هذا الدرس العنيف ليكون أمام الحركة الإسلامية ولتعرف من أين تؤتى. إنها لا تؤتى مما هو أكبر من طاقتها، من المنافقين المتسللين المندسين في الصف، فالله تعالى يصرف بلاءهم وكيدهم، إنما تؤتى من ضعف التربية في هذا الصف، فيكون الجندي المسلم أدنى من المستوى المطلوب، ولو كان هؤلاء قلة في الجيش.
وليس بعيدا عنا ما وقع للحركة الإسلامية في بعض معاركها مع الطاغوت، فلقد كانت المخالفة الصريحة من جندي خرج على قيادته بعد أن كان منها مع المجموعة التي معه، ومع التوجيهات التي أصدرها للداخل باسم هذه القيادة أن وقعت مأساة القرن في حماة ومحاولة إبادة البلد بما فيها وبمن فيها. وكانت المحنة الرهيبة التي ذهب ضحيتها الألوف من المقاتلين ومن الرجال والنساء والأطفال الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا. ولا شك أن لهذه المحنة أسبابا أخرى غير هذه المخالفة. ولكن السبب المباشر لها هو هذا الموقف. كما كان السبب المباشر لمحنة أحد هو موقف الرماة الستين.
ونستطيع أن نؤكد أن هذه الأمور التي تم الامتحان من أجلها من الفشل والتنازع وحب الدنيا ليست خاصة بهؤلاء المخالفين، إنما هي ظاهرة عامة تشمل الصف كله قاعدة وقيادة. فمن هذا الصف من يريد الدنيا، ومن هذا الصف من يريد الآخرة، فكان قدر الله تعالى أن يصرف المؤمنين عن الكفار، ويكون الابتلاء للمؤمنين، ويكون عفو الله وفضله عليهم أن لا ينالهم المحق كما نال الكافرين، وأن يتخد منهم شهداء والله لا يحب الظالمين.
ولقد كان حكم الله تعالى على الصف الإسلامي في أحد أن أوضح الفرق كذلك بين الفريقين من المؤمنين ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم﴾. فالذين يريدون الآخرة جاهدوا وصبروا، وسكب الله تعالى في قلويهم السكينة والأمن إلى درجة لا يكاد يصدقها العقل لو كانت
[ ٢ / ٣٢٥ ]
في غير كتاب الله وسيرة رسوله، أن يبلغ الأمن حد النعاس يغشى المؤمنين في قلب المعركة. والسيوف كالصواعق تنصب من كل جانب والنبال تنهمر كالمطر، وخيل المشركين تقتحم الصفوف، والمؤمنون أثبت من الجبال في قلوبهم كما يقول أبو طلحة: (رفعت رأسي يوم أحد، وجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميل تحث جحفته من النعاس (١». وفي رواية أخرى عنه: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وآخذه، ويسقط وآخذه). والفريق الآخر وصل به الضعف والوهن إلى عودة النفسية الجاهلية لديه ودخل الخلل إلى تصوراته العقيدية كذلك ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور (٢)﴾. والفريق الثالث لم يتمالك في المعركة فلاذ في الفرار ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم (٣)﴾. لاذوا بالفرار ولما يمر عليهم سنتان من الزمان بل سنة واحدة حين نزل عليهم قول الله ﷿: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير (٤)﴾. ورسول الله - ﷺ - في المعركة، فليس فئتهم حتى يتحيزوا إليه في المدينة، ولقد عفا الله عنهم لشدة الهول الذي لاقوه، حين أطبق عليهم الكفار.
إن ضخامة المحنة تظهر في الوضع الذي انتهى إليه جيش النبوة، بين النماذج الإيمانية العالية التي تمثلت في:
_________________
(١) رواه الترمذي والنسائي والحاكم.
(٢) سورة آل عمران ١٥٤.
(٣) سورة آل عمران ١٥٥.
(٤) سورة الأنفال الآية ١٦.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
١ - الربانيين: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين (١)﴾.
٢ - الذين أصابهم النعاس أمنة منه: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغش طائفة منكم (٢)﴾.
٣ - الذين ثبتوا بعد المحنة: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء (٣)﴾.
٤ - الذين قضوا شهداء في المعركة: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل (٤)﴾.
٥ - الذين استجابوا للنداء رغم القرح والجراح: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعدما أصابهم القرح للذين احسنوا منهم واتقوا أجر عظيم (٥)﴾.
ثم النماذج الضعيفة التي هزتها المحنة من الأعماق وهي التي تحدثنا عنها من قبل لكن الصف كله قد نالته المحنة بصورة من الصور، إضافة إلى الجو العام، والرأي العام العربي الذي وصل إليه أبناء هذه المحنة، وأن قريشا قد انتقمت من رسول الله - ﷺ - وقتلت زهرة أصحابه، ولم يكن مقتل الحمزة ذا أثر قليل في هذه الأجواء خاصة، وهند بنت عتبة تملأ الدنيا ضجيجا في محافل العرب بثأرها لأبيها وعمها وأخيها وبكرها في هذه المعركة. والمعركة
_________________
(١) آل عمران الآية ١٤٧.
(٢) آل عمران من الآية ١٥٤.
(٣) آل عمران الآيتان ١٧٣، ١٧٤.
(٤) آل عمران الآيات ١٦٩ - ١٧١.
(٥) آل عمران الآية ١٧٢.
[ ٢ / ٣٢٧ ]
الشعرية الإعلامية التي اشتعلت بين المسلمين والمشركين بعد أحد تناقلتها المحافل في كل مكان من الأرض العربية. وحققت الغاية التي كان يحلم بها أبو جهل في بدر أن يرد بدرا ويهزم محمدا، ويقيم عليها عشرة أيام تعزف عليه القيان ويشرب الخمر، وينحر الجزر حتى تسمع العرب بمسيره فلا تزال تهابه أبدا، وهذا الذي جرى اليوم. فانقلبت الكفة لصالح قريش، وبدأ العرب يهمون بغزو المدينة.
يقول المباركفوري حول هذه المرحلة: كان لمأساة أحد أثر سيء على سمعة المؤمنين، فقد ذهبت ريحهم، وزالت هيبتهم عن النفوس وزادت المتاعب الداخلية والخارجية على المؤمنين، وأحاطت الأخطار بالمدينة من كل جانب، وكاشف اليهود والمنافقون والأعراب بالعداء السافر، وهمت كل طائفة منهم أن تنال من المؤمنين، بل طمعت في أن تقضي عليهم، وتستأصل شأفتهم. فريح المسلمين التي كانت قد ذهبت في معركة أحد تركت المسلمين - إلى حين - يهددون بالأخطار، ولكن تلك هي حكمة محمد - ﷺ - التي صرفت وجوه التيارات، وأعادت للمسلمين هيبتهم المفقودة، وأكسبت لهم العلو والمجد من جديد، وأول ما أقدم عليه بهذا الصدد هي حركة المطاردة التي قام بها إلى حمراء الأسد، فقد حفظ بها مقدارا كبيرا من سمعة جيشه، واستعاد بها من هيبتهم ومكانتهم ما ألقى اليهود والمنافقين في الدهش والذهول، ثم قام بمناورات أعادت للمسلمين هيبتهم بل زادت فيها، وفي الصفحة الآتية شيء من تفاصيلها.
ب - سرية أبي سلمة:
أول من قام ضد المسلمين بعد نكسة أحد هم بنو أسد بن خزيمة، فقد نقلت استخبارات المدينة أن طلحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعون بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله - ﷺ -، فسارع رسول الله - ﷺ - إلى بعث سرية قوامها مائة وخمسون رجلا مقاتلا من المهاجرين والأنصار، وأمر عليهم أبا سلمة وعقد له لواء، وباغت أبو سلمة بني أسد بن خزيمة في ديارهم قبل أن يقوموا بغارتهم، فتشتتوا في الأمر، وأصاب
[ ٢ / ٣٢٨ ]
المسلمون إبلا وشاة لهم فاستاقوها وعادوا إلى المدينة سالمين غانمين لم يلقوا حربا. وكان مبعث هذه السرية حين استهل هلال المحرم سنة ٤ للهجرة (أي أن بينها وبين أحد شهرين ونيف فقط).
ج - بعث عبد الله بن أنيس:
وفي اليوم الخامس من نفس الشهر - المحرم سنة ٤ هـ - نقلت الاستخبارات أن خالد بن سفيان الهذلي يحشد الجموع لحرب المسلمين، فأرسل إليه النبي - ﷺ - عبد الله بن أنيس ليقضي عليه.
د - بعث الرجيع:
.. وفي شهر صفر من نفس السنة - أي الرابعة من الهجرة، قدم على رسول الله - ﷺ - وفد من عضل والقارة، وذكروا أن فيهم إسلاما، وسألوا أن يبعث معهم من يعلمهم الدين، ويقرئهم القرآن، فبعث معهم ستة نفر - في قول ابن إسحاق وفي رواية البخاري أنهم عشرة .. فذهبوا معهم فلما كانوا بالرجيع - وهو ماء لهذيل بناحية الحجاز بين رابغ وجدة - استصرخوا عليهم حيا من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فتبعهم ما يقرب من مائة رام، واقتصوا آثارهم حتى لحقوهم، فأحاطوا بهم - وكانوا قد لجأوا إلى فدفد - وقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا ألا نقتل منكم رجلا، فأما عاصم فأبى النزول، وقاتلهم في أصحابه، فقتل منهم سبعة بالنبل، وبقي خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر فأعطوهم العهد والميثاق مرة أخرى، فنزلوا إليهم، ولكنهم غدروا بهم وربطوهم بأوتار قسيهم، فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، وأبى أن يصحبهم، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد وباعوهما بمكة
هـ - مأساة بئر معونة:
وفي نفس الشهر الذي وقعت فيه مأساة الرجيع وقعت مأساة أخرى أشد وأفظع من الأولى وهي التي تعرف بوقعة بئر معونة. وملخصها أن أبا براء عامر بن مالك المدعو بملاعب الأسنة قدم على رسول الله - ﷺ - بالمدينة، فدعاه إلى الإسلام فلم يسلم ولم يبعد، فقال: يا رسول الله لو بعثت
[ ٢ / ٣٢٩ ]
أصحابك إلى أهل نجد يدعونهم إلى دينك، لرجوت أن يجيبوهم، فقال: إني أخاف عليهم أهل نجد، فقال أبو براء: أنا لهم جار، فبعث معه أربعين رجلا في قول ابن إسحاق، وفي الصحيح أنهم كانوا سبعين، وأمر عليهم المنذر بن عمرو - وكانوا من خيار المسلمين وفضلائهم وساداتهم وقرائهم، فساروا يحتطبون النهار يشترون به الطعام لأهل الصفة، ويتدارسون القرآن، ويصلون بالليل حتى نزلوا بئر معونة .. ثم بعثوا حرام بن ملحان أخا أم سليم بكتاب رسول الله - ﷺ - إلى عدو الله عامر بن الطفيل، فلم ينظر فيه، وأمر رجلا فطعنه بالحربة من خلفه. فلما أنفذها فيه ورأى الدم قال حرام: فزت ورب الكعبة.
ثم استنفر عدو الله لفوره بني عامر إلى قتال الباقين، فلم يجيبوه لأجل جوار أبي براء، فاستنفر بني سليم، فأجابته عصية ورعل وذكوان فجاؤوا حتى أحاطوا بأصحاب رسول الله - ﷺ -، فقاتلوا حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد بن النجار فإنه ارتث من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق ورجع عمرو بن أمية الضمري إلى النبي - ﷺ - حاملا معه أنباء المصاب الفادح، مصرع سبعين من أفاضل المسلمين. تذكر نكبتهم الكبيرة بنكبة أحد، إلا أن هؤلاء ذهبوا في قتال واضح، وأولئك ذهبوا في غدرة شائنة وقد تألم النبي - ﷺ - لأجل هذه المأساة، ولأجل مأساة الرجيع اللتين وقعتا خلال أيام معدودة تألما شديدا، وتغلب عليه الحزن والقلق (١) حتى دعا على هؤلاء الأقوام والقبائل التي قامت بالغدر والفتك في أصحابه (٢».
و- غدر بني النضير:
قد أسلفنا أن اليهود كانوا يتخرقون على الإسلام والمسلمين .. ولكنهم بعد وقعة أحد تجرؤوا فكاشفوا بالعداوة والغدر، وأخذوا يتصلون بالمنافقين وبالمشركين من أهل مكة سرا، ويعملون لصالحهم ضد المسلمين. وصبر
_________________
(١) ذكر الواقدي أن خبر أصحاب الرجيع وخبر أصحاب بئر معونة أتى النبي ﷺ في ليلة واحدة.
(٢) كانت غزوة بني النضير في ربيع الأول سنة ٤ من الهجرة.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
النبي - ﷺ - حتى ازدادوا جرأة وجسارة بعد وقعة الرجيع وبئر معونة حتى قاموا بمؤامرة تهدف القضاء على النبي - ﷺ -. وبيان ذلك أنه - ﷺ - خرج إليهم في نفر من أصحابه وكلمهم أن يعينوه في دية الكلابيين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري - وكان ذلك يجب عليهم حسب بنود المعاهدة - فقالوا: نفعل يا أبا القاسم، اجلس هاهنا حتى نقضي حاجتك، فجلس إلى جنب جدار من بيوتهم ينتظر وفاءهم بما وعدوا، وجلس معه أبو بكر وعمر وعلي وطائفة من أصحابه. وخلا اليهود بعضهم إلى بعض، وسول لهم الشيطان الشقاء الذي كتب عليهم. فتآمروا بقتله - ﷺ -، وقالوا: أيكم يأخذ هذه الرحى ويصعد فيلقيها على رأسه يشدخه بها؟ فقال أشقاهم عمرو بن جحاش: أنا. فقال لهم سلام بن مشكم: لا تفعلوا فوالله ليخبرن بما هممتم به، وإنه لنقض العهد الذي بيننا وبينه، لكنهم عزموا على تنفيذ خطتهم (١).
ز - غزوة نجد:
قبل أن يقوم النبي بتأديب أولئك الغادرين (الأعراب الذين آذوا المسلمين بعد أحد) نقلت إليه استخبارات المدينة بتحشد جموع البدو والأعراب من بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، فسارع النبي - ﷺ - إلى الخروج، يجوس فيافي نجد، ويلقي بذور الخوف في أفئدة أولئك البدو القساة، حتى لا يعاودوا مناكرهم التي ارتكبوها مع المسلمين. وأضحى الأعراب الذين مردوا على النهب والسطو لا يسمعون بمقدم المسلمين إلا حذروا وتمنعوا في رؤوس الجبال، وهكذا أرهب المسلمون هذه القبائل المغيرة وخلطوا بمشاعرهم الرعب، ثم رجعوا إلى المدينة آمنين.
ح - غزوة بدر الثانية:
(.. ففي شعبان سنة ٤ خرج رسول الله - ﷺ - لموعده في ألف وخمسمائة وكانت الخيل عشرة أفراس، وحمل لواءه علي بن أبي طالب، واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة وانتهى إلى بدر، فأقام بها ينتظر
_________________
(١) وكانت غزوة نجد في ربيع الثاني أو جمادى الأولى.
[ ٢ / ٣٣١ ]
المشركين. وأما أبو سفيان فخرج في ألفين من المشركين ومعهم خمسون فرسا، حتى انتهى إلى مر الظهران على بعد مرحلة من مكة. فنزل بمجنة - ماء في تلك الناحية - فاحتال للرجوع وقال لأصحابه: يا معشر قريش إنه لا يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه الشجر، وتشربون فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا). ويبدو أن الخوف والهيبة كانت مستولية على مشاعر الجيش أيضا فقد رجع للقاء المسلمين. وأما المسلمون فأقاموا ببدر ثمانية أيام ينتظرون العدو، وباعوا ما معهم من التجارة. فربحوا بدرهم درهمين، ثم رجعوا إلى المدينة، وقد انتقل زمام المفاجأة إلى أيديهم وتوطدت هيبتهم في النفوس، وسادوا على الموقف.
ط - غزوة دومة الجندل:
عاد رسول الله - ﷺ - من بدر، وقد ساد المنطقة الأمن والسلام، واطمأنت دولته، فتفرغ للتوجه إلى أقصى حدود العرب حتى تصير السيطرة للمسلمين على الموقف ويعترف بذلك الموالون والمعادون.
مكث بعد بدر الصغرى في المدينة ستة أشهر، ثم جاءت إليه الأخبار بأن القبائل حول دومة الجندل، قريبا من الشام - تقطع الطريق هناك، وتنهب ما يمر بها، وأنها قد حشدت جمعا كبيرا تريد أن تهاجم المدينة، فاستعمل رسول الله - ﷺ - على المدينة سباع بن عرفطة الغفاري، وخرج في ألف من المسلمين لخمس ليالي بقين من ربيع الأول سنة ٥ للهجرة وأخذ رجلا من بني عذرة دليلا للطريق يقال له مذكور. خرج يسير الليل ويكمن النهار حتى يفاجىء أعداءهم وهم غارون. فلما دنا منهم إذا هم مغربون، فهجم على ماشيتهم ورعائهم فأصاب من أصاب وهرب من هرب.
ي - غزوة الأحزاب:
.. خرجت من الجنوب قريش وكنانة وحلفاؤهم من أهل تهامة، وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف، ووافاهم بنو سليم بمر الظهران، وخرجت من المشرق قبائل غطفان .. واتجهت هذه الأحزاب وتحركت نحو المدينة على ميعاد كانت قد تعاقدت عليه، وبعد أيام تجمع حول المدينة جيش عرمرم
[ ٢ / ٣٣٢ ]
يبلغ عدده عشرة آلاف مقاتل. جيش ربما يزيد عدده عن جميع من في المدينة من النساء والصبيان والشباب والشيوخ. ولو بلغت هذه الأحزاب المحزبة والجنود المجندة إلى أسوار المدينة بغتة لكانت أعظم خطر على كيان المسلمين مما يقاس، ربما تبلغ إلى استئصال الشأفة وإبادة الخضراء. وسارع رسول الله - ﷺ - إلى عقد مجلس استشاري أعلى، تناول فيه موضوع خطة الدفاع عن كيان المدينة، وبعد مناقشات جرت بين القادة وأهل الشورى اتفقوا على قرار قدمه الصحابي النبيل سلمان الفارسي ﵁. قال سلمان: يا رسول الله إنا كنا بأرض فارس إذا حوصرنا خندقنا علينا - وكانت خطة حكيمة لم تكن تعرفها العرب قبل ذلك. وأسرع رسول الله - ﷺ - إلى تنفيذ هذه الخطة، فوكل إلى كل عشرة رجال أن يحفروا من الخندق أربعين ذراعا
وأخذ المشركون يدورون حول الخندق غضابا يتحسسون نقطة ضعيفة، لينحدروا منها، وأخذ المسلمون يتطلعون إلى جولات المشركين، يرشقونهم بالنبل حتى لا يجترئوا على الاقتراب منه، ولا يستطيعوا أن يقتحموه أو يهيلوا عليه التراب ليبنوا به طريقا يمكنهم من العبور. وقد حاول المشركون في بعض الأيام محاولة بليغة لاقتحام الخندق، أو لبناء الطريق فيها. ولكن المسلمين كافحوا مكافحة مجيدة، ورشقوهم بالنبل وناضلوهم أشد النضال حتى فشل المشركون في محاولتهم. ولأجل الاشتغال بمثل هذه المكافحة الشديدة فات بعض الصلوات عن رسول الله - ﷺ - والمسلمين .. وقد استاء رسول الله - ﷺ - لفوات هذه الصلاة حتى دعا على المشركين. ففي البخاري .. أنه قال يوم الخندق: ملأ الله عليهم بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس. وفي مسند أحمد والشافعي أنهم حبسوه عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء فصلاهن جميعا، قال النووي: وطريق الجمع بين هذه الروايات أن وقعة الخندق بقيت أياما فكان هذا في بعض الأيام، وهذا في بعضها.
ومن هنا يؤخذ أن محاولة العبور من المشركين، والمكافحة المتواصلة من المسلمين دامت أياما، إلا أن الخندق لما كان حائلا بين الجيشين لم يجر بينهما
[ ٢ / ٣٣٣ ]
قتال مباشر وحرب دامية بل اقتصروا على المراماة والمناضلة وبينما كان المسلمون يواجهون هذه الشدائد على جبهة المعركة كانت أفاعي الدس والتآمر تتقلب في جحورها تريد إيصال السم داخل أجسادهم. انطلق كبير مجرمي بني النضير إلى ديار بني قريظة فأتى كعب بن أسد القرظي - سيد بني قريظة، وصاحب عقدهم وعهدهم فلم يزل حيي بكعب نقيلة في الذروة والغارب حتى نقض كعب بن أسد عهده وبرىء مما كان بينه وبين المسلمين، ودخل مع المشركين في المحاربة ضد المسلمين .. وقد كان أحرج موقف يقفه المسلمون فلم يكن يحول بينهم وبين قريظة شيء يمنعهم من ضربهم من الخلف. بينما كان أمامهم جيش عرمرم لم يكونوا يستطيعون الانصراف عنه، وكانت ذراريهم ونساؤهم بمقربة من هؤلاء الغادرين في غير منعة وحفظ، وصاروا كما يقول الله تعالى: ﴿وإذا زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا﴾ هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا، ونجم النفاق من بعض المنافقين حتى قال: كان محمد يعدنا أن تأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط .. أما رسول الله - ﷺ - فتقنع بثوبه حين أتاه غدر بني قريظة فاضطجع ومكث طويلا حتى اشتد على الناس البلاء، ثم غلبته روح الأمل (١) فنهض يقول: الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين بفتح الله ونصره .. ثم أخذ يخطط لمجابهة الظرف الراهن وكانت غزوة الخندق سنة خمس من الهجرة في شوال على أصح القولين، وأقام المشركون محاصرين رسول الله - ﷺ - والمسلمين شهرا أو نحو شهر .. إن معركة الأحزاب لم تكن معركة خسائر، بل كانت معركة أعصاب، لم يجر فيها قتال مرير إلا أنها كانت من أحسم المعارك في تاريخ الإسلام تمخضت عن تخاذل المشركين، وأفادت أن أية قوة من قوات العرب لا تستطيع استئصال القوة الصغيرة التي تنمو في المدينة لأن العرب لم تكن تستطيع أن تأتي بجمع أقوى مما أتت به في الأحزاب، ولذلك قال رسول
_________________
(١) ليست القضية عند رسول الله ﷺ قضية أمل أو يأس. بل هي قضية ثقة بالله لا تحد. أو تخطيط لمواجهة حاسمة، أو تلق لوحي الله، وكنا نود من علامتنا المباركفوري أن لا يرى هذا التعليل لهذا الموقف.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
الله - ﷺ - حين أجلى الله الأحزاب، والآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم (١» (٢).
تجمع هذه الأحداث التي استمرت سنتين متتاليتين خطوط عريضة تمثل طبيعة هذه المرحلة، وتوضح جوها العام.
الخط الأول: تدهور السمعة الضخمة التي ارتفعت للمسلمين بعد بدر. وكيف استطاع ثلاثمائة مقاتل أن ينتصروا على ألف مدججين بالسلاح، كما أعقب بدرا النصر على بني قينقاع. فالمسلمون مرفوضون في البيئة الوثنية، وهم منشقون عن قريش حامية الحرم، وجاؤوا بدين جديد، فما أن لاح للأعراب والقبائل المجاورة بوادر ضعف عند المسلمين حتى راحوا جميعا يتهيأون لغزو المدينة أو الندر بالمسلمين على طبيعة الأعراب في ذلك وطبيعة اليهود في ذلك، وإذا كان هذا البحر الزاخر من الأعداء هادئا قبل الهجوم كله، ولو كان أي شخصية غير نبي الله، أو عقيدة غير الإسلام، لانتهى وأصبح كأمس الدابر، لكنه الرسول والرسالة.
الخط الثاني: فلو نظرنا في كل تحركات المسلمين العسكرية، خلال هذه المرحلة لوجدناها تعتمد الهجوم كأقوى وسيلة من وسائل الدفاع. وهو هجوم مركز مدروس مخطط له مهمته أن يضرب العدو قبل أن يتحرك نحوه، ولم يكن خط فتح الجبهات كلها أو ضرب عدو هادىء هو المحرك لهذه العمليات. إنما كان الهدف منها إحباط التجمعات المضادة للإسلام، والتي تعد لغزوه. والمسلمون يحسبون في كل يوم حسابا جديدا يمكن أن ينقض عليهم من الشمال أو الجنوب أو الشرق.
وما أحوج الحركة الإسلامية اليوم وهي تخوض معركتها الشرسة ضد الطاغوت أن تقف هذا الموقف بعد المحنة العنيفة التي نزلت بها. فلا شك أن
_________________
(١) عن صحيح البخاري ٢/ ٥٩١.
(٢) أخذنا هذا التلخيص الجيد من العلامة المباركفوري من الصفحات ٣٢٥ - ٣٥١. فهو من أدق ما كتب في هذا الموضوع وأوثقه، فجزاه الله عنا وعن المسلمين خير الجزاء.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
سمعتها العسكرية قد تدهورت رغم ضروب البسالة والتضحية التي أبدتها في المعارك التي خاضتها وأصبح الكثير من المحايدين يصبون غضبهم على هذه الحركة لأنها فتحت حربا غير قادرة على خوضها، بل ينفضون أيديهم منها، وأصبح المتغاطفون مع الحركة الجهادية منصرفين عنها، كما أن ظروف الحركة الإسلامية اليوم بعد محنتها هي أفضل من ظروف الحركة الإسلامية بعد أحد.
إن الخصوم الفكريين للحركة والمجاورين للطاغوت لهم مصلحة كبرى في سقوط النظام النصيري المقيت في المنطقة. بينما لم يكن لأحد من أعداء المسلمين في الجزيرة العربية مصلحة في سقوط نظام قريش وزوال سلطانها، وهم يرونها تقدم الخدمة لحجيجهم وتتفانى في خدمتهم.
صحيح أنه ليس من مصلحة الحركة الإسلامية اليوم أن تعدد جبهاتها أو تكثر خصومها، وأن تحصر معركتها مع طاغوت مستبد واحد، حاربها أعنف المحاربة، ولكن استمرار الركود بعد المحنة، يغير الجو كله ضدها، ويطمع الجميع فيها، بل بتعبير أدق، يمكن أن تفقد مواقعها التي ربحتها من خلال ثقة الناس بقوتها وقدرتها على الصمود والمواجهة وإسقاط النظام الطائفي الكافر.
كما أننا لا ننسى صعوبة هذا الخط الهجومي للحركة الإسلامية اليوم، وهي تنطلق من غير أرضها، ومن غير سلاحها، وليس عندها أرض محررة تتحرك فيها. لكن هذا لا يعفيها من المواجهة، وإلا خسرت رصيدها كله، وأطمعت الأعداء فيها بل الأصدقاء وكذلك.
الخط الثالث: لم يكن هدف الدعوة لينسى أبدا على الطريق، إنه دائما الهدف الأول، وفي الوقت الذي رأى فيه رسول الله - ﷺ - فرصة سانحة لهذه الدعوة أن تنتشر لم يتوان أبدا عن بث الدعاة لذلك، وما المحنتان الضخمتان اللتان حلتا بالمسلمين في الرجيع وبئر معونة إلا بسبب ذلك. وكان هذا بعد أشهر قليلة من محنة أحد، ولا شك أن انتشار الدعوة في أرض جديدة، يعني كسب أنصار جدد لها، وهذا ما حدا برسول الله - ﷺ - أن يبعث عشرة إلى عضل والقارة وأن يبعث أضخم تجمع دعوي إلى نجد قوامه سبعون من قراء
[ ٢ / ٣٣٦ ]
المسلمين وفضلائهم وساداتهم. فنجاح هؤلاء في دعوتهم يعني أن تنضم نجد كلها لدولة الإسلام، وبإذن الله بالفتح من عنده في أرض جديدة قد تكون أهم من المدينة ذاتها عاصمة الإسلام، وقبائل نجد تشكل خطرا ضخما على الإسلام، وبالتالي ستكون أقوى أسلحته يوم تنضم له. وحتى ندرك بأس قبائل نجد نذكر موقف عامر بن الطفيل. يوم هدد رسول الله - ﷺ - بغزو المدينة وذلك في المرحلة الثانية للدولة المسلمة، في ألف شقراء من الخيل وألف فارس. وما كان من رسول الله - ﷺ - إلا أن دعا: (اللهم آلفني عامر بن الطفيل). وكانت رسالة رسول الله - ﷺ - إلى هذا الطاغية على أمل أن يسلم .. ويدخل قواته كلها في حظيرة الإسلام والجهاد. وهذا ما يحسن أن تذكره الحركة الإسلامية دائما وفي كل وقت - إنها دعوة قبل أن تكون ثورة، وإنها مسؤولة عن نشر هذه العقيدة وإبلاغها إلى الناس في أي ظرف وأن لا تتحول إلى شباب يحملون السلاح ويحلمون بالنصر، فهذه نقطة قاتلة بالنسبة لها، ولن تصل إلى النصر حين تنسى الدعوة، وتنسى بناء رجالها على ضوء هذا الدين بله دعوة الناس إليه.
الخط الرابع: ولكن الواقع العملي كان على غير ما خطط وقدر له رسول الله - ﷺ -. فقد ذهب العشرة الأوائل غدرا في الرجيع، وذهب القراء السبعون عجزا في بئر معونة وقضوا شهداء جميعا، ولم تكن محنة بئر معونة بأقل من محنة أحد من حيث حجم الخسائر، ونوعية الشهداء. وكانت ضخامة المحنة أن قضوا في شهر واحد. ولم يملك رسول الله - ﷺ - لهم أكثر من استمطار الرحمة عليهم، والدعاء على الغادرين بهم في قنوته، ولم يكن قادرا على الثأر لهم من أعدائهم. وأهمية هذا الخط بالنسبة للحركة الإسلامية اليوم يحتاج له شباب الدعوة ورجالها حين يفاجأون بفشل مخطط أقدمت عليه القيادة.
إن ضعف التربية في صفوف الحركة الإسلامية سرعان ما يدفع شبابها إلى توجيه النقمة على القيادة، وتوجيه السباب والاتهام لها، والطعن في صلاحيتها وإخلاصها ونيتها، وإذا بنا أمام فاجعتين:
الأولى: فشل مخطط أو خسارة معركة.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
الثانية: تأزم الثقة في الصف المسلم وفقدانها أحيانا، وتخلخل هذا الصف وضعفه وهو أخطر من المحنة الأولى.
ونود من شباب الدعوة أن لا يجدوا الغرابة أو يستهجنوا ضعفا أو خسارة لأن هذه سنة الأنبياء في حربهم مع أعدائهم: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس (١)﴾. وكما قال أبو سفيان بين يدي هرقل: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه. كما يشير الأمر كذلك إلى إمكانية الثقة بمشرك والتعامل معه بأعرافه. فأبو براء مع أنه لم يدخل في الإسلام، فقد قبل رسول الله - ﷺ - جواره للسبعين من صحبه، ولم يخفر أبو براء ذمته، لأن بني عامر حافظوا على جواره. إنما غدرت بنو سليم بهم بدعوة عامر بن الطفيل.
ونود أن نشير إلى نقطة ثانية:
إن شباب الدعوة كثيرا ما يحكمون بسقوط القيادة لأنها خدعت من عدو، ولأنها لم تستطع كشف هويته، وهذا ما جرى في وقتنا الحاضر مع بعض قيادات الجماعة المسلمة حين ذخل عليها من بعض أعدائها. فليطأمن الشباب من غلوائهم، وهم يرون سيد الخلق الموحى إليه من السماء يخدع بالله فينخدع، ويرسل الشباب العشرة يدعون للإسلام، فإذا بهم يسلمون للأعداء من هؤلاء الغادرين.
الخط السادس: صبر وثبات الشباب على هول المحنة وضخامتها فرغم مرور سنتين على تتابع المحن دون تحقيق نصر حربي يذكر. فما فت ذلك في أعضاد المسلمين، وما ألان قناتهم، ولا نقول الصف كله، بل غالبية الصف، ولم يتخلف جندي عن أمر يوكل إليه سواء أكان وحده ليدخل جيش عدو أو يغتال قائد جيش، أو يمضي في سرية صغيرة يواجه بها جيشا عرمرما أو يلاحقه. لقد كانت صفة الالتزام والطاعة هي السيمة الأساسية في قلب هذه المحنة، وما قصة حذيفة عنا ببعيدة حين انتدب رسول الله - ﷺ - رجلا يأتيه
_________________
(١) آل عمران من آية ١٤٠.
[ ٢ / ٣٣٨ ]
بخبر القوم أيام الخندق، فلم يستجب أحد من الخوف والجوع والبرد رغم أن رسول الله - ﷺ - اشترط لمن يخرج ليأتيه بالخبر، السلامة ورفقته في الجنة. لكن عندما نادى حليفة باسمه ما تردد حذيفة لحظة واحدة في تلبية الأمر، لأنه أمر محدد لشخصه دون أن يعبأ بالجوع والبرد والخوف.
الخط السابع: إن هذا التحرك العسكري خلال السنتين لم يرافقه مواجهة مع العدو لقد كان كله فض تجمع أو محاصرة موقع، حتى غزوة بني النضير التي رفعت معنويات المسلمين إلى الأوج. لم يقع فيها حرب تذكر، كما يقول تعالى: ﴿وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ولكن الله يسلط رسله على من يشاء والله على كل شيء قدير (١)﴾. فالله تعالى ألقى الرعب في قلوب المظاهرين من أهل الكتاب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار.
الخط الثامن: ويقظة القيادة واضحة تماما خلال هذه المرحلة التي تراقب الجو كله من كل جهاته. من جهة مكة وقريش في الجنوب، ومن جهة نجد في الشرق، ومن جهة الشام في الشمال، وأي تجمع تسمع به، يود أن ينقض على المدينة تباغته قبل أن يتحرك وتلاحقه. فتحطم أعصابه وأعصاب حلفائه. وإذا كنا نجد العذر للقيادة أن تخدع مرة واحدة، فليس هذا يعني أن تكون دائما كذلك، أو أن تبرر غفلتها وسذاجتها تحت هذا الستار، فلئن وقعت المأساة والمحنة مرة أو مرتين، لكن اليقظة النبوية العجيبة حطمت عشرات المحن التي يمكن أن تحل بالمسلمين لو ركنت مرة واحدة أو هدأت أو انشغلت بنفسها عن المعركة.
الخط التاسع: وبهذا التحرك خلال هذه المرحلة، وإن لم يتحقق نصر عسكري حاسم، فقد تحقق نصر معنوي مؤزر، وذلك من خلال سرعة الحركة ودراستها المستأنية وتخطيطها المحكم، ولم تمكن قريشا من أن تتغنى بأمجادها كثيرا خاصة عندما تم تحدي المسلمين لقريش التي نكلت عن
_________________
(١) الحشر /٦.
[ ٢ / ٣٣٩ ]
موعدها في بدر الثانية، وتعلل أبو سفيان بالجدب، الذي لا يصلح للنفير، واستطاع المسلمون في نزولهم ببدر مكانا وزمانا أن يؤكدوا قوة معنوياتهم وتخاذل أعدائهم. كما أن جلاء بني النضير عن المدينة، أعطى سمعة معنوية عالية لهم، وأدخل الرعب في صفوف أعدائهم. والحركة الإسلامية مسؤولة دائما عن بث الروح المعنوية العالية في نفوس شبابها بالوسائل المكافئة. كما أنها مسؤولة عن تفتيت صف أعدائها، وهزيمتهم معنويا كذلك، بحيث يحسون أن يد الحركة الإسلامية قادرة على أن تطالهم في أي أرض فيحسبون لها ألف حساب. وإلا فالمحنة تذبح الصف من الداخل قبل أن تذبحه من الخارج، والنفوس ما لم تفتح أمامها آفاق العمل، لن تسلك غير طريق اليأس، إن المسؤولية التي تحملها القيادة في هذا المجال مسؤولية ضخمة، ولا يكفي أبدا الكلام ما لم يرافقه عمل ملموس يؤكد ثبات واستمرار الجهاد دون وهن أو توانٍ أو يأس.
الخط العاشر: وهو الذي حدد نهاية هذه المرحلة بالانتقال من موقع الدفاع إلى موقع الهجوم. وذلك في نهاية المطاف، وبعد انتهاء غزوة الأحزاب حين قال رسول الله - ﷺ -، الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم. إن هذه الكلمة لتؤكد المرحلية الضخمة في هذه الدعوة، وتؤكد التخطيط المنهجي، والمنهجية الحركية التي تنتقل من خطوة إلى خطوة، مبصرة مواقع خطواتها، عارفة منازل سيرها؟ وأي عمل بدون خطة هو عمل فاشل، لقد قال رسول الله - ﷺ - كلمته (١) بعد أضخم هجوم شهدته المدينة، من أضخم جيش شهدته الجزيرة في تاريخها كله، وجدير بمثل هذا الهجوم أن ينهي الإسلام، ويخضد شوكته، ويقطع أوصاله، غير أن الثبات في وجه الإعصار، وعبقرية التحرك للمواجهة رد الذين كفروا بغيظهم، لم ينالوا خيرا، وكفى الله المؤمنين القتال. ولا شك أن الإرادة الربانية بنصر هذا الدين هي التي كشفث الغمة والمحنة عن المؤمنين. وهذا جانب في سنن الله لا يأتي إلا لمن يستحقه ولمن هو أهل له، وصبر المؤمنين، وثباتهم خلف قيادتهم، وتحركهم
_________________
(١) الآن نغزوهم ولا يغزونا.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
لنصرة دينهم. رغم الجوع القاتل، والبرد القاتل، والعدو الشرس الذي أحاط بهم إحاطة السوار بالمعصم، جعل هؤلاء مؤهلين لنصر الله تعالى وعونه، ومؤهلين، لأن يعطيهم النصر بدون قتال، ومؤهلين لأن يتحقق بهم موعود الله، فلقد صدقوا ما عاهدوا الله عليه بشهادة الله، ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا (١)﴾. ولم يضرهم وجود المنافقين في صفوفهم، ووجود من يقول في هذا الصف: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا، ووجود من ينظر إليك نظر المغشي عليه من الموت، ووجود من يلوذ بالفرار متسكعا وراء ﴿إن بيوتنا عورة﴾. لم يضر المؤمنين وجود هذه النماذج كلها، أمام الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه وما بدلوا تبديلا، فجاءهم نصر الله، بعد أن زلزلوا زلزالا شديدا. وكان هذا الثبات العظيم، ليس من ثمرته فقط أن يرد الله الكافرين بغيظهم دون أن ينالوا خيرا، بل كان وراء ذلك، ابتداء عهد جديد كل الجدة، عهد الهجوم على الكافرين وغزوهم، الآن نغزوهم ولا يغزونا، نحن نسير إليهم. فإذا ما اشتدت المحنة، ونزل الغم، ووقع الكرب، فنصر الله قادم لمن ثبت وأخلص، ولم يرج إلا الله تعالى وذكر الله كثيرا. ونستطيع أن نحدد طبيعة المعركة وأبعادها من خلال الرسالتين التاليتين المتبادلتين بين رسول الله - ﷺ - وأبي سفيان: فقد كتب أبو سفيان إلى رسول الله - ﷺ - يقول: (باسمك اللهم. فإني أحلف باللات والعزى لقد سرت إليك في جمعنا، وإنا نريد ألا نعود حتى نستأصلكم. فرأيتك قد كرهت لقاءنا، وجعلت مضايق وخنادق. فليت شعري من علمك هذا؟ فإن نرجع عنكم فلكم منا يوم كيوم أحد). فقرأه أبي بن كعب على رسول الله - ﷺ - في قبته. وكتب إليه: (من محمد رسول الله إلى أبي سفيان بن حرب. أما بعد، فقديما غرك بالله الغرور. أما ما ذكرت أنك سرت إلينا في جمعكم، وأنك لا تريد أن تعود حتى تستأصلنا فذلك أمر يحول الله بينك وبينه، ويجعل لنا العاقبة حتى لا تذكر اللات والعزى. وأما قولك: من علمك الذي صنعنا من الخندق؟ فإن الله
_________________
(١) الأحزاب / ٢٣.
[ ٢ / ٣٤١ ]
الهمني ذلك لما أراد من غيظك وغيظ أصحابك. وليأتين عليك يوم تدافعني بالراح، وليأتين عليك يوم أكسر فيه اللات والعزى وإساف ونائلة وهبل، حتى أذكرك ذلك (١». فالرسالتان تحددان تماما إخفاق أبي سفيان وجمعه الأحزاب كلها دون تحقيق هدفه وتوضح الغيظ الذي نزل به من جراء الخندق، وأنه عاد كما قدم دون أن يحقق شيئا من أهدافه، كما تحدد الرسالة الثانية الفشل الذريع الذي حل بهجوم الأحزاب، والثقة العميقة بنصر الله، وتحطيم الطواغيت.
الخط الحادي عشر: وعلى ما لقي المسلمون من هول هذه المحنة وضخامتها. لم يرض رسول الله - ﷺ - أن يضم إلى جيشه جنديا واحدا مشركا يستعين به على العدو، على الرغم من كثرة العروض التي عرضت عليه من اليهود وغيرهم، وحرص على أن يكون جيشها نقيا من الشوائب. لا يقاتل تحت لوائه إلا من آمن بأهدافه. بل خسر في أحد ثلث جيشه إضافة إلى الكتيبة الحسنة التسليح من اليهود التي أرادت أن تنضم إلى الجيش الإسلامي. لقد كان التميز واضحا تماما في الجيش المسلم، وأعلن رسول الله - ﷺ - رأيه صريحا لليهود: مروهم فليرجعوا فإنا لا ننتصر بأهل الكفر على أهل الشرك. ورغم المعاهدات والعقود التي عقدها ﵊ مع خصوم الإسلام، وفتح في هذه العهود إمكانية طلب النصرة منهم إلا أن تلك العقود والأحلاف لم تكن تتجاوز الجانب السياسي في الكف عن حرب المسلمين، أو إمدادهم بالمال والسلاح، أو تخذيل العدو عنهم. لكن هذا لم يصل إلى مرحلة الاشتراك في الحرب. وما نعلم أن هذا الأمر يدخل في نطاق الحرفة. لأن الفقه الإسلامي قال كلمته بهذا الصدد وجمهور الفقهاء على جوازه، ولكن الحرص يجب أن يكون على أعلى صورة لدى الحركة الإسلامية في هذا المجال، دون أن تشرك ولو كان جنديا واحدا في صفها غير مؤمن بعقيدتها وأهدافها، حتى لا يفسد الصف، ويبث فيه الوهن والضعف.
_________________
(١) إمتاع الأسماع للمقريزي ج ١ ص ٢٣٩ - ٢٤٠.
[ ٢ / ٣٤٢ ]
السمة السابعة عشرة
تباشير النصر في قلب المحنة
لقد كان شخص رسول الله - ﷺ - يمثل أعظم قوة بشرية في التاريخ. فما عرف رجل يستطيع أن يؤثر في صفوف جيشه وجنده مثل شخص رسول الله، لقد كان دائما في المحنة رجلها الأول، وبكلمات قلائل ينفح في جيشه روح الاستبسال والجهاد، ويتحدث عن النصر حين يفقد الناس أملهم بالنصر، ويضرع إلى الله تعالى يجأر بالدعاء حين يثق الناس بقدرتهم على النصر. ولنشهده ﵊ في هذه الموافف العصبية. ها هو في بدر يستمع لقول سعد بن معاذ ﵁: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقا عليها أن لا تنصرك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت وخذ من أموالنا ما شئت، واعطنا ما شئت، وما أخذت منا كان أحب إلينا مما تركت وما أمرت فيه من أمر فأمرنا تبع لأمرك، فوالله لئن سرت حتى تبلغ البرك من غمدان لنسيرن معك، والله لئن استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك (١).
إن القول العظيم لسعد ليؤكد الولاء التام من الأنصار لرسول الله - ﷺ - واستعدادهم للتضحية والموت مع رسول الله. لكنه يؤكد من طرف آخر أن الأمل بالنصر غير قائم. فخوض البحر يعني الاستشهاد أكثر مما يعني النصر، وأمام هذه الروح العالية كان جواب رسول الله - ﷺ -: سيروا وأبشروا فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم (٢).
ويقول المقريزي: (ثم أراهم مصارعهم يومئذ. هذا مصرع فلان،
_________________
(١) و(٢) الرحيق المختوم للمباركفوري ص ٢٣٢.
[ ٢ / ٣٤٣ ]
وهذا مصرع فلان. فما عدا كل رجل مصرعه. فعلم القوم أنهم يلاقون القتال وأن العير تفلت (١).
ويحدثنا المقريزي عن موقفه يوم أحد، وفي أحرج اللحظات وأشدها هولا. (وخرج محمد بن مسلمة يطلب مع النساء ماء وكان رسول الله - ﷺ - قد عطش عطشا شديدا، فذهب محمد إلى قناة حتى استقى من حسى (٢)، فأتى بماء عذب فشرب رسول الله - ﷺ -، ودعا له بخير. وجعل الدم لا ينقطع (من وجه رسول الله - ﷺ -) وجعل النبي - ﷺ - يقول: (لن ينالوا منا مثلها حتى تستلموا الركن (٣».
فالجيش المحطم، والوجه الجريح، والعدو الطاغي، والشهداء السبعون، ومع ذلك يؤكد لجيشه العظيم أن المسلمين لن تنالهم مثل هذه المحنة حتى يستلموا الركن، وهذا يعني أن النصر قادم لا محالة له بإذن الله، والنصر لهذه العصبة بالذات التي تدخل مكة وتستلم ركن الكعبة المشرفة.
وهذا موقفه ﵊ يوم المحنة الكبرى، يوم الخندق. فقد روى البخاري عن جابر ﵁ قال: إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة فجاؤوا النبي - ﷺ - فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر - ولبثنا ثلاثة لا نذوق ذوقا - فأخذ النبي - ﷺ - المعول، فضرب فعاد كئيبا أهيل أو أهيم) (٤)، أي صار رملا لا يتماسك وقال البراء: لما كان يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول، فاشتكينا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فجاء وأخذ المعول فقال: بسم الله، ثم ضرب ضربة وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام، والله إني لأنظر قصورها الحمر الساعة. ثم ضرب الثانية فقطع آخر. فقال: الله أكبر أعطيت فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن. ثم
_________________
(١) إمتاع الأسماع ج ١ ص ٧٥.
(٢) رمل متراكم أسفله صخر صلد ينبع منه ماء عذب.
(٣) المصدر نفسه ١/ ١٣٨.
(٤) البخاري ٢/ ٥٨٨ - ٥٨٩.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
ضرب الثالثة فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر. فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني (١). لقد بشر ﵊ بذلك، والمسلمون يكادون يهلكون جوعا فلم يذوقوا منذ ثلاثة أيام ذواقا، والعدو مصبحهم وممسيهم، وتتناسب البشائر مع مراحل المعركة.
فالبشارة الأولى في أول لقاء مع العدو، منصبة على مصرع كبار قادته، وانتصار في معركة على وشك أن تقع.
والبشارة الثانية بعد خسارة ضخمة في معركة مع هذا العدو، تؤكد أن النصر سيكون على هذا العدو في نهاية المطاف، مهما امتدت المعارك، فستعود الكعبة للمسلمين وينتهي الوجود الوثني في جزيرة العرب.
والبشارة الثالثة قريب هجوم يود استئصال شأفة المسلمين وإبادة خضرائهم. بأن النصر سيتجاوز حدود معركة قائمة. وسيتجاوز حدود أرض العرب، وعدو محدد بل سيشمل الأرض كلها حيث يقبع العدو في الشام وفارس واليمن. في الشمال والشرق والجنوب. وستدين الأرض كلها لله.
السمة الثامنة عشرة
عمليات الاغتيال وأثرها في بث الرعب في صفوف العدو
عاد المسلمون من بدر، ولا يزال بعض المتحدين للإسلام يجاهرون في عدائه (وكانت عصماء بنت مروان تحث يزيد بن زيد الخطمي، وكانت تؤذي رسول الله - ﷺ - وتعيب الإسلام، وتحرض على النبي - ﷺ - وقالت شعرا، فنذر عمير بن عدي بن الخطمي، لئن رد رسول الله - ﷺ - من بدر إلى المدينة ليقتلنها. فلما رجع رسول الله - ﷺ - من بدر جاءها عمير ليلا حتى دخل عليها بيتها، ووضع سيفه في صدرها حتى أنفذه من ظهرها، وأتى فصلى الصبح مع
_________________
(١) سنن النسائي ٢/ ٥٦، وأحمد في مسنده، واللفظ ليس للنسائي.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
النبي - ﷺ -، فلما انصرف نظر إليه وقال: أقتلت ابنة مروان؟ قال: نعم يا رسول الله. فقال: نصرت الله ورسوله يا عمير، فقال: هل علي شيء من شأنها يا رسول الله؟ فقال: لا ينتطح فيها عنزان. فكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من رسول الله - ﷺ -. وقال لأصحابه إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب، فانظروا إلى عمير بن عدي، فقال عمر بن الخطاب ﵁: انظروا إلى هذا الأعمى الذي تشرى في طاعة الله تعالى فقال: لا تقل الأعمى ولكنه البصير .. فلما رجع عمير وجد بنيها في جماعة يدفنونها فقالوا: يا عمير أنت قتلتها؟ قال؟ نعم فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون، فوالذي نفسي بيده لو قلتم بأجمعكم ما قالت لضربتكم بسيفي هذا حتى أموت أو أقتلكم. فيومئذ ظهر الإسلام في بني خطمة، فمدح حسان عمير بن عدي، وكان قتل عصماء لخمس بقين من رمضان مرجع النبي - ﷺ - من بدر على رأس تسعة عشر شهرا (١).
إنها امرأة واستطاعت بكيدها للإسلام أن تحول بينه وبين بني خطمة، وخوف المؤمنين فيهم من سلاطة لسانها جعلهم يخفون إسلامهم، فكان شعرها كلسع النار على ظهر المؤمنين، وتحرك الإيمان في قلب عمير، الذي رأى من تبجحها وسفاهتها في غيبة رسول الله - ﷺ - في بدر ما جعله ينذر قتلها إن عاد ﵊. أقدم على قتلها بحمية إيمانية عجيبة، ودون أن يستأذن قيادته، وصلى الصبح مع رسول الله - ﷺ - في المدينة، وفي قلبه بعض الخوف من أن يكون قد أساء بقتلها فطمأنه ﵊، وأثنى عليه بقوله: (إذا أحببتم أن تنظروا إلى رجل نصر الله ورسوله بالغيب، فانظروا إلى عمير بن عدي). ولا عجب أن يدهش عمر في إيمانه فيشير إليه عمر أمام الناس أنه الذي يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله، والذي أذهل عمر أنه أعمى وتمكن من البحث عن هذه الحية الرقطاء فقتلها في بيتها. فصحح له ﵊ قوله: إنه البصير. ولم يكن عمير في قتله هذا بعد إجازة رسول الله - ﷺ - له يخشى أحدا في هذه الأرض، لم يجمجم ولم يتلعثم حين
_________________
(١) إمتاع الأسماع للمقريزي ١/ ١٠١ - ١٠٢.
[ ٢ / ٣٤٦ ]
سأله بنوها عن القاتل، أكد لهم أنه قتلها، وسيقتلهم جميعا لو قالوا مثل قولها، وتحداهم: ﴿ئكيدوني جميعا ثم لا تنظرون﴾.
وكان لهذا الموقف الصلب من الأثر والقوة أكبر من مقتل ابنة مروان. فلا بد أن يغدو الكفر صاغرا ذليلا أمام المؤمنين. وأنقذ رقاب إخوانه جميعا من الأذى، وصارت العزة لهم، والذل والصغار لمن خالف أمرهم، وظهر الإسلام في بني خطمة، وفي الطريقة نفسها، وللأهداف ذاتها تم مقتل أبي عفك اليهودي بعد شهر واحد من مقتل عصماء بنت مروان. (وكان شيخا من بني عمرو بن عوف وقد بلغ عشرين ومائة سنة، وكان يحرض على عداوة النبي - ﷺ -، ولم يدخل في الإسلام، وقال شعرا، فنذر سالم بن عمير الأنصاري - أحد البكائين من بني النجار ليقتلنه أو يموت دونه، وطلب له غرة، حتى كانت ليلة صائفة - ونام أبو عفك بالفناء في بني عمرو بن عوف فأقبل سالم فوضع السيف على كبده فقتله، والذي يربط بين الحادثتين أنهما تمتا بدون إذن من القيادة، وأقرتهما القيادة النبوية بعد ذلك وهذا يعني أن من يستحق القتل في حربه المسعورة ضد الإسلام، وليس هو مجال شبهة في هذا العداء، وأقدم شاب على قتله، في الحرب المعلنة بين دولة الإسلام ودولته أو هو فهو نصر للإسلام يظهر الغيب، فزعماء الطاغوت اليوم الذين أشعلوا الحرب على المسلمين قتلوا رجالهم، ولم يستحيوا نسماءهم. بل تجاوزوا فرعون الذي طغى، هؤلاء يتقرب إلى الله تعالى بدمائهم. وما فعله شباب الإسلام في الحاكم الذي تحدى المسلمين في الأرض فصالح عدوهم اليهود في يوم عيدهم. حين قتلوا هذا الطاغية إنما غسلوا عار المسلمين جميعا في أرض الكنانة، بل في كل مكان من الأرض الإسلامية ونصروا الله تعالى ورسوله بالغيب وشروا أنفسهم لله كما قال عمر ﵁. ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف بالعباد﴾.
ح - مقتل كعب بن الأشرف:
مر عام كامل بعد بدر، وأجلي بنو قينقاع عن المدينة. وكعب بن الأشرف لا يزال مشهرا لسانه في أعراض المسلمين ومنشبا سهامه في
[ ٢ / ٣٤٧ ]
نحورهم، وازداد جرأة وحقدا وتحديا بعد جلاء بني قينقاع عن المدينة. فقال رسول الله - ﷺ -: من لي بابن الأشرف فقد آذاني. فقال محمد بن مسلمة: أنا به يا رسول الله، وأنا أقتله، قال: فافعل وأمره بمشاورة سعد بن معاذ. فاجتمع محمد بن مسلمة ونفر من الأوس منهم عباد بن بشر، وأبو نائلة سلكان بن سلامة، والحارث بن أوس، وأبو عبس بن جبر. فقالوا: يا رسول الله نحن نقتله فأذن لنا فلنقل، قال: قولوا. فأتاه أبو نائلة وهو في نادي قومه - وكان هو ومحمد بن مسلمة أخويه من الرضاعة - فتحدثا وتناشدا الأشعار حتى قام القوم فقال له: كان قدوم هذا الرجل علينا من البلاء. حاربتنا العرب ورمتنا عن قوس واحدة، وتقطعت السبل عنا حتى جهدت الأنفس، وضاع العيال؟ فقال كعب: قد كنت أحدثك بهذا أن الأمر سيصير إليه، قال أبو نائلة: ومعي رجال من أصحابي على مثل رأي، وقد أردت أن آتيك بهم فنبتاع منك طعاما وتمرا، ونرهنك ما يكون لك فيه ثقة. واكتم عنا ما حدثتك من ذكر محمد؟ قال: لا أذكر منه حرفا، لكن أصدقني، ما الذي تريدون في أمره؟ قال: خذلانه والتخلي عنه، قال: سررتني، فماذا ترهنونني؟ قال: الحلقة (١). فرضي. وقام أبو نائلة من عنده على ميعاد، فأتى أصحابه فأجمعوا أن يأتوه إذا أمسى لميعاده، وأخبروا النبي - ﷺ -، فمشى معهم ووجههم من البقيع وقال: امضوا على بركة الله وعونه، وذلك بعد أن صلوا العشاء في ليلة مقمرة مثل النهار. فأتوا ابن الأشرف فهتف به أبو نائلة - وكان حديث عهد بعرس، فوثب ونزل من حصنه إليهم. فجعلوا يتحادثون ساعة، ثم مشوا قبل شرج العجوز (٢) ليتحادثوا بقية ليلتهم؟ فأدخل أبو نائلة يده في رأس كعب وقال: ما أطيب عطرك هذا!! ثم مشى ساعة وعاد لمثلها وأخذ بقرون رأسه فضربه الجماعة بأسيافهم، ووضع محمد بن مسلمة مغولا (٣) معه في سرة كعب حتى انتهى إلى عانته. فصاح صيحة أسمعت جميع أطام اليهود فأشعلوا
_________________
(١) الحلقة: السلاح عامة والدروع خاصة.
(٢) شرج العجوز: موضع بقرب المدينة.
(٣) مغول: سيف دقيق قصير ماض يكون في جوف سوط ليشده الفاتل على وسطه ليغتال به الناس.
[ ٢ / ٣٤٨ ]
نيرانهم، واحتز الجماعة رأس كعب واحتملوه، وأتوا رسول الله - ﷺ - - وقد قام يصلي ليلته بالبقيع - فلما بلغوه كبروا. فكبر رسول الله - ﷺ - ثم قال؟ أفلحت الوجوه، فقالوا: ووجهك يا رسول الله. ورموا برأس كعب بين يديه، فحمد الله على قتله وتفل على جرح الحارث بن أوس. وكان قد جرح ببعض سيوف أصحابه فبرأ من وقته وأصبح رسول الله - ﷺ - من الليلة التي قتل فيها ابن الأشرف فقال: (١) من ظفرتم به من رجال يهود فاقتلوه، فخافت اليهود فلم يطلع عظيم من عظمائهم ولم ينطقوا (٢).
د - مقتل ابن سنينة:
وكان ابن سنينة من يهود بني حارثة حليفا لحويصة بن مسعود. فعدا أخوه محيصة بن مسعود على ابن سنينة فقتله، فجعل أخوه حويصة يضربه ويقول: أي عدو الله أقتلته!! أما والله لرب شحم في بطنك من ماله، فقال محيصة: والله لو أمرني بقتلك الذي أمرني لقتلتك. قال: أوالله لو أمرك محمد بقتلي لقتلتني؟ قال: نعم، والله لو أمرني بضرب عنقك لضربتها، قال: والله إن دينا بلغ بك هذا لعجب، فأسلم حويصة. فجاءت يهود إلى النبي - ﷺ - يشكون ذلك، فقال: إنه لو فر كما فر غيره ممن هو على مثل رأيه ما اغتيل، ولكنه نال منا الأذى وهجانا بالشعر، ولم يفعل هذا أحد منكم إلا كان السيف. ودعاهم إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابا ينتهون إلى ما فيه فكتبوا بينهم وبينه كتابا. وحذرت يهود وخافت وذلت من يوم قتل ابن الأشرف (١).
أما الحادثتان الجديدتان وقد وقعتا في وقت متقارب قبيل غزوة أحد، هما اغتيال كعب بن الأشرف وابن سنينة كما نرى، ويجمع بينهما تقارب الوقت أولا، وأنهما كانتا بإذن من القيادة ثانيا - وإن اختلفت طبيعة الإذن والتكليف - وبسبب واحد هو الموقف العدائي من الإسلام والمسلمين وشخص رسول الله - ﷺ -. ولعل ضخامة جريمة كعب بن الأشرف كانت أكبر من جريمة ابن سنينة. فلقد مضى كعب إلى مكة، والتقى بزعماء قريش، ورثا أصحاب
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ٣/ ١٢.
(٢) إمتاع الأسماع للمقريزي ١/ ١٠٩ - ١١٠.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
القليب في بدر منهم، وأعلن حلفه الصريح معهم، وراح يرد على شعراء المسلمين في الهجاء ويعلن تعاطفه الصريح القلبي والعلني معهم، ومشكلة كعب بن الأشرف وابن سنينة أنهما من يهود يثرب، أي من القبائل العربية نفسها الأوس والخزرج فهما يعيشان بين ظهرانيهم، ورغم أن العهد بين رسول الله - ﷺ - وبينهم على التحالف والتناصر إلا أن هؤلاء الزعماء اتخذوا موقفا عدائيا من المسلمين، وتناسوا صحيفة العهد معهم. وراح كعب بن الأشرف يشبب بنساء المسلمين. وهو متمنع في حصنه. فكان أن انتدب رسول الله - ﷺ - المسلمين لقتله. فتطوع محمد بن مسلمة، واختار أربعة من الفدائيين يشاركونه في عملية الاغتيال. من بينهم أبو نائلة أخو كعب بن الأشرف من الرضاعة.
وهذا يعني أن أقدر الناس على تنفيذ عمليات الاغتيال، أبعدهم عن الشك فيه، ومن يمت بقرابة أو صلة رحم أو صداقة من هذا المجرم، وهذا السبب نفسه هو الذي مكن محيصة ابن مسعود ﵁ من قتل ابن سنينة. لأن ابن سنينة حليف أخيه حويصة فهو يتردد دائما عليه. وإنها لمسؤولية ضخمة لأولئك الإخوة المنبثين في صفوف العدو حيث يأمن العدو جانبهم للقرابة أو موقع الوظيفة وهم أقدر من غيرهم آلاف المرات على الثأر من أولئك الطغاة.
كما نلاحظ صورة جديدة في هذه العملية لم نشهدها من قبل، وهي صورة الخديعة التي تقتضي الكذب واختلاق الحوادث لتحقيق الهدف، لأن العملية من العسير جدا أن تتم بغير هذه الصورة، ولن يسلم كعب نفسه بسهولة وهو يعرف خطورة عدائه للعصبة المسلمة وسيكون دائما في حذر شديد من الغيلة. فكان لا بد من التحايل عليه، واقتضى هذا التحايل النيل من شخص رسول الله - ﷺ - ومن الإسلام ليركن الطاغية إليهم، وهو درس جديد نفقهه كذلك، إن اتخاذ مظاهر الكفر، وإعلان الكفر، والنيل من الإسلام والمسلمين لتحقيق مثل هذه المهمة أمر لا حرج فيه. حيث قد تم بإذن رسول الله - ﷺ -. وإذا كان اغتيال عصماء بنت مروان قد تم بالوضوح الإسلامي الكامل والتحدي الإيماني السافر لها ولبنيها ولقومها: ﴿فكيدوني جميعا
[ ٢ / ٣٥٠ ]
ثم لا تنظرون (١)﴾. فليس بالإمكان أن يتم هذا الأمر وللعدو حصونه وقوته وشراسته، ولكن هذا الأمر لا يتم بدون إذن في الأصل حين يرتبط المسلم بقيادته.
إننا نلاحظ كثيرا من ضعاف النفوس ينافقون للطلغاة والكفرة ويعايشونهم خوفا من بطشهم، وهذا أمر نهىى الإسلام عنه، واعتبره ركونا للكفار ﴿ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار وما لكم من دون الله من أولياء ثم لا تنصرون (٢)﴾ الفرق واضح تماما بين هذا النوع من الركون والمسارعة في الكفار، وبين من يفعل هذا الأمر بمهمة من قيادته المسلمة أو إذن منها على الأقل، أو تصميم على تنفيذ مهمة اغتيال أو تجسس لصالح المسلمين حين يعجز عن الصلة بالقيادة والتنسيق معها، ولقد استطاع أبو نائلة ﵁ أن يجعل الثقة بينه وبين كعب في الأوج حين نال من محمد - ﷺ - وشهر به. وهؤلاء أحب الناس إلى قلوب الطغاة، وهم الذين يرتدون عن دينهم سخطة له وتشهيرا به.
وكانت الخطة من الدقة والإحكام بحيث لا يوجد فيها ثغرة واحدة.
فهدف هذه المجموعة الفدائية أن تكون بكامل سلاحها، ولو جاءت هكذا لشراء البر والتمر لكانت موطن شك وألقي القبض عليها. غير أن أحكام الخطة بأن هذه المجموعة جاءت بسلاحها تسلمه لكعب بن الأشرف رهينة للبر والتمر، فهو أمر مقبول ومستساغ. بل سال لعاب كعب له. أن يحصل على سلاح خمسة من المسلمين يضمه إلى مخازن سلاحه التي عنده ويلهيهم بالتمر والبر. إن أقوى ما يكون في الخطة هي أن تبدو ساذجا مغفلا مع خصمك، وتظهر له انخداعك به حتى يتابع خطته.
ولا نزال نذكر موقف تلك الأخت المسلمة التي قبضت عليها المخابرات وهي تحمل وثائق للقيادة، ومن خلال وثيقة السفر التي تحملها تم التأكد من علاقتها مع الحركة، واستعملت معها أساليب التهديد العجيبة، ونقلت إلى
_________________
(١) سورة هود من الآية ٥٥.
(٢) سورة هود الآية ١١٣.
[ ٢ / ٣٥١ ]
مركز مخابرات العاصمة وراح يحقق معها شخصيتان كبيرتان من قادة المخابرات وضباطهم الكبار. واستمر التحقيق معها ساعات طويلة، اقنعتهم فيه أنها ستتعامل معهم لصالحهم ضد الجماعة المسلمة. فاحتفوا بها أيما احتفاء ونقلوها إلى أرقى فنادق العاصمة، وأعطوها دفعة دسمة من المال، وأركبوها في السيارة معززة مكرمة إلى القيادة. فإحكام الخطة الذي يزيل الشبهة عنصر أساسي من نجاح المهمة، ومن أجل هذا راح كعب مع المجموعة الفدائية يتمشى دون حرج وهم مدججون بسلاحهم.
كما أن أداة الفتك لا بد أن تكون متطورة متناسبة مع طبيعة المهمة، فالمغول الذي استعمله محمد بن مسلمة كان ضروريا للتأكد من مقتل الطاغية، والابتعاد بكعب عن حصنه أمر ضروري جدا حتى لا يقبض عليهم عند الحصن، والمحاولة الأولى من أبي نائلة ليشم عطر كعب الطيب ضرورية كذلك حيث يحكم القبض عليه في المرة الثانية دون أن يفلت منه، ودون أن تتحرك الريبة في قلبه لو وجدهم محيطين به أثناء الاندفاع في الحديث.
لقد أثبت الإخوة المجاهدون في الوقت الحاضر كفاءة عالية جدا في اغتيال شخصيات العدو وطغاته وذلك على هدى هذه المجموعة الفدائية. لدرجة أن هذه العمليات استمرت قرابة ثلاث سنوات وعجزت الدولة بمخابراتها وسلطانها أن تتعرف على هوية المنفذين، وكانت تحسبهم من حركة قومية غير الحركة الإسلامية.
وأخيرا نلحظ الأثر العظيم لهذا الاغتيال، فلقد قضي على التحرك المعادي للمسلمين في عقر دارهم، وخفتت الأصوات الإعلامية المعادية، وكتب اليهود كتابا وميثاقا بذلك يعلنون تراجعهم عن هذا العداء السافر، ودخل الرعب في قلب العدو لدرجة أنه لم يجرؤ أحد قادتهم على الخروج وحده.
وكانت الصورة التي أعلنها محيصة بن مسعود لأخيه أنه على استعداد أن يضرب عنقه لو أمره رسول الله بذلك إيذانا بتعرف العدو على الاستبسال المنقطع النظير لدى هؤلاء المجاهدين، وأن دينهم أقوى من كل شيء في
[ ٢ / ٣٥٢ ]
حياتهم. وهم على استعداد للإطاحة بآبائهم وإخوانهم وأولادهم في سبيل هذا الدين.
لقد حقق الاغتيال هدفه، حين أحكمت خطته، ونفذت تمام التنفيذ، ومهمتنا نحن اليوم أن نتقن هذا الفن، ونحكمه. ولا مانع من الاعتراف بالحقيقة. إن هذا الموضوع حين ابتذل من الحركة الإسلامية، وغدا ينصب على الناس العاديين، من المخبرين، وقد يقع أحيانا على متهمين لا مجرمين، فقد قيمته، وولد جوا من التململ والضيق من الناس المحايدين. فلا بد أن تكون عمليات الاغتيال هادفة محققة لعنصر بث الرعب في صفوف المجرمين وكفهم عن التمادي في حرب المسلمين.
هـ - مقتل سفيان بن خالد الهندلي بعد أحد:
(كان قد بلغ رسول الله - ﷺ - أن سفيان بن خالد نزل عرنة وما حولها في ناس فجمع لحربه. وضوى إليه بشر كثير من أفناء العرب. فبعث عبد الله بن أنيس وحده ليقتله وقال له: انتسب إلى خزاعة. فقال عبد الله بن أنيس: يا رسول الله - ﷺ - أنعته لي حتى أعرفه قال: إذا رأيته هبته وفرقت منه وذكرت الشيطان، وآية ما بينك وبينه أن تجد له قشعريرة إذا رأيته، وأذن له أن يقول ما بدا له، وكان ابن أنيس لا يهاب الرجال فأخذ سيفه وخرج حتى إذا كان ببطن عرنة لقي سفيان يمشي وراءه الأحابيش فهابه، وعرفه بالنعت الذي نعت له رسول الله - ﷺ -. وقد دخل وقت العصر فصلى وهو يمشي يومىء إيماء برأسه. فلما دنا منه قال: من الرجل؟ قال: رجل من خزاعة سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك. ومشى معه يحادثه وينشده، وقال: عجبا لما أحدث محمد من هذا الدين المحدث فارق الآباء وسفه أحلامهم! فقال سفيان: لم يلق محمد أحدا يشبهني! حتى انتهى إلى خبائه وتفرق عنه أصحابه فقال: هلم يا أخا خزاعة. فدنا منه وجلس عنده حتى نام الناس، فقتله وأخذ رأسه واختفى في غار والخيل تطلبه من كل وجه. ثم سار الليل وتوارى في النهار إلى أن قدم المدينة ورسول الله - ﷺ - في المسجد فقال: أفلح الوجه! قال: أفلح وجهك يا رسول الله! ووضع الرأس
[ ٢ / ٣٥٣ ]
بين يديه، وأخبره الخبر، فدفع إليه عصا وقال: تخصر بهذه في الجنة، فإن المتخصرين في الجنة قليل. وكانت عنده حتى أدرجت في أكفانه بعد موته (١).
أما عملية الاغتيال هذه التي قام بها عبد الله بن أنيس وحده. فقد أنهت معركة، وقضت على عدو. وكان لا بد هنا ولما تجف الدماء بعد من أحد. والتحرك بجيش جديد للمدينة، يعني خطرا كبيرا ولا تزال الجراحات تنزف من الجيش المؤمن، واستطاع عبد الله وحده بعون الله أن ينفذ مهمته كاملة، واختباؤه في غار حتى يهدأ الطلب. ومسيره في الليل وكمونه في النهار، يدل على عبقرية تخطيطه اقتداء بهدي قائده محمد - ﷺ - يوم الهجرة. وبطن عرنة هو قرب مكة بين عرفات ومزدلفة. وهذا يعني أن المهمة قرب مكة. فهي ذات أثر معنوي ضخم أن تصل قوة محمد إلى حدود مكة. وهو يقض مضاجع قريش بذلك.
إن حسن اختيار الأشخاص للمهمات شيء مهم جدا. فابن أنيس وحده أمه يمضي إلى بطن عرنة ويقتل قائد جيش العدو في خبائه. ويختفي في أرضه، بعد أن يحتز رأسه ويعود به إلى المدينة. إنها لبطولة خارقة ولا شك. تذكرنا ببعض العمليات الفدائية التي قام بها الشباب المجاهدون بالشام. إذ كان أخ واحد في سيارته الملغومة يمضي فيفجر أكبر تجمعات العدو دون أن يعثر له على أثر ويقضي على أكبر شخصياته.
و- مقتل أبي رافع بعد الخندق:
(كان مما صنع الله به لرسوله - ﷺ - أن هذين الحيين من الأنصار الأوس والخزرج كانا يتصاولان مع رسول الله - ﷺ - تصاول الفحلين، لا تضع الأوس شيئا فيه عن رسول الله - ﷺ - غناة إلا قالت الخزرج: والله لا تذهبون: بهذه فضلا علينا عند رسول الله - ﷺ - وفي الإسلام. قال: فلا تنتهون حتى يوقعوا مثلها، وإذا فعلت الخزرج شيئا قالت الأوس مثل ذلك. ولما أصابت الأوس كعب بن الأشرف في عداوته لرسول الله - ﷺ -، قالت الخزرج: والله لا تذهبون
_________________
(١) إمتاع الأسماع للمقريزي ١/ ٢٥٤ - ٢٥٥.
[ ٢ / ٣٥٤ ]
بها فضلا علينا أبدا، قال: فتذاكروا من رجل لرسول الله - ﷺ - في العداوة كابن الأشرف؟ فذكروا سلام بن أبي الحقيق، وهو بخيبر، فاستأذنوا رسول الله - ﷺ - في قتله فأذن لهم. فخرج إليه من الخزرج من بني سلمة خمسة نفر عبد الله بن عتيك، ومسعود بن سنان وعبد الله بن أنيس، وأبو قتادة الحارث ابن ربعي، وخزاعي بن أسود حليف لهم من أسلم. فخرجوا وأمر عليهم رسول الله - ﷺ - عبد الله بن عتيك ونهاهم أن يقتلوا وليدا أو امرأة). قال عبد الله بن عتيك لأصحابه: (اجلسوا مكانكم فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب ثم تقنع بثوبه كأنه يقضي حاجته، وقد دخل الناس فهتف به البواب: يا عبد الله إن كنت تريد أن تدخل فادخل، فإني أريد أن أغلق الباب.
قال عبد الله بن عتيك: فدخلت فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأغاليق (١) على ود (٢) قال: فقمت إلى الأقاليد فأخذتها، ففتحت الباب، وكان أبو رافع يسمر عنده، وكان في علالي له. فلما ذهب عنه أهل سمره صعدت إليه، فجعلت كلما فتحت بابا أغلقت علي من داخل قلت: إن القوم لو نذروا بي لم يخلصوا إلي حتى أقتله، فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم وسط عياله لا أدري أين هو من البيت، قلت: أبا رافع، قال: من هذا؟ فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف وأنا دهش، فما أغنيت شيئا. وصاح فخرجت من البيت ثم دخلت اإليه، فقلت: وما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمك الويل، إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف، قال: فأضربه ضربة أثخنثه ولم أقتله. ثم وضعت ضبيب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي وأنا أرى قد انتهيت إلى الأرض، فوقعت في ليلة مقمرة، فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة، ثم انطلقت حتى جلست على الباب. فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أقتلته؟ فلما صاح الديك صاح الناعي على السور فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز.
_________________
(١) و(٢) الأغاليق على ود: المفاتيح على وتد.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
فانطلقت إلى أصحابي فقلت النجاء فقد قتل الله أبا رافع. فانتهيت إلى النبي - ﷺ - فحدثثه. فقال أبسط رجلك. فبسطت رجلي فمسحها فكأنما لم أشتكها (١).
نموذج فذ فريد مثل عبد الله بن أنيس الذي كان أحد الخمسة الفدائيين اليوم ابن عتيك. ولئن كان ابن أنيس قد قتل سفيان في خبائه، فابن عتيك قد اقتحم على سلام بن أبي الحقيق حصنه، واغتاله في فراشه، وهو أعلى مستوى يمكن أن تصل إليه عبقرية الاغتيال، في فراشه وبين أهله، وتصبح مفاتيح الحصن والبيت بيده، وهو في خيبر، في قلب حصون العدو، حيث أمضى المسلمون فيما بعد قرابة شهر وهم يفتحون هذه الحصون.
وتذكر بعض الروايات أن أم عبد الله بن عتيك كانت في خيبر وهي التي هيأت له ولسريته الدخول إلى حصونها، ولا يبعد ذلك غير أن رواية البخاري لم تذكر ذلك. والجرأة العجيبة التي أدى ابن عتيك تحير اللب وتذهل العقل، لقد غامر أولا بإغلاق الأبواب. وحسب أسوأ الاحتمالات أن يصل العدو إليه، لكنه لن يمكن أهل خيبر من الوصول إليه قبل أن يصل إلى عدو الله أبي رافع فيجهز عليه، ثم غامر ثانيا فاختبأ، وأصبح الخطر جاثما حوله لأنه لم يحقق هدفه بعد، وتقدم نفسه يسأل أبا رافع عن الصوت ليتأكد من مكانه فيه. ثم غامر ثالثا. بأن كمن حتى تأكد من مقتل أبي رافع، علما بأن ساقه قد كسرت، فنسي ساقه من أجل تحقيق مهمته، ثم مضى إلى رفاقه، فغادروا خيبر متجهين إلى المدينة. ولم يتخل عن مهمته حتى أنفذ السيف في بطنه إلى أن خرج من ظهره.
إنها أمثولة خالدة نضعها بين يدي المجاهدين نموذجا حيا لتنفيذ المهمات الموكلة إليه. وتطالعنا كذلك صورة التنافس الكبير بين الحيين العظيمين في القضاء على أعداء الله، وهو تنافس محبب يحسن أن يتحرك بين المجاهدين حرصا على مرضاة الله، ويتسابقون في القضاء على خصوم الإسلام وهم
_________________
(١) صحيح البخاري ٢/ ٥٧٧.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
يحاربون هذه الدعوة. وسيان كانت هذه المنافسة من خلال المجموعات أو البلدان أو الأحياء. فهي تنتهي في حرب الطغاة وإبادة رؤوس الكفر. وتطالعنا كذلك، الآثار الضخمة لهذه العملية التي أشعلت الرعب في صفوف اليهود في خيبر وعرفوا أن يد المسلمين تطالهم في مضاجعهم، وتجتثهم من بين أحضان نسائهم وتجتالهم من منيع حصونهم.
إن حرب الرعب حرب إسلامية يحدثنا رسول الله - ﷺ - عنها بقوله: نصرت بالرعب مسيرة شهر (١)، ويوم نخسر هذه الحرب نخسرها عقوبة كذلك، كما حدثنا رسول الله - ﷺ -، ولينزعن من قلوب أعدائكم المهابة منكم (٢). فحين نخلص في الغاية، ونحسن التخطيط في الوسيلة، تنفتح أمامنا مغاليق العدو، ويصبح منالا سهلا وهدفا حيويا بمتناول اليد، وحين تختل الغاية، وتختل الوسيلة، فيصبح هذا السلاح بيد العدو.
لقد رأينا عبد الله بن عتيك ﵁ يقوم بكل هذه العمليات الضخمة جهدا جسديا، وجهدا عبقريا مفكرا، وينال أكبر رأس من رؤوس الطغاة. ومع ذلك يأتي ليقول لإخوانه: النجاء فقد قتل الله أبا رافع. ولم يقل لهم: النجاء. فقد قتلت أبا رافع. إن عظمة العبودية لله ﷿ عنده أن لا ينسب القتل إليه مع أنه هو الذي خطط ونفذ وتأكد من نجاح مهمته، وأصيبت رجله. نحن بحاجة لمثل هذه النفسيات التي تخلص الغاية له، وتحسن الوسيلة وتحكمها وتهيء لها وسائلها ليتاح لنا النصر على أعدائنا، ولا حرج عندئذ في التنافس في الجهاد في سبيل الله، فلم يبحث الخزرج عن رجل عادي يقتلونه نفاسة للأوس، بل بحثوا عن رأس من رؤوس الطغاة على مستوى كعب بن الأشرف، ونود أن لا يدفعنا التنافس إلى هم الفنك فقط، بل لا بد من البحث عن طاغية جبار عنيد يكافىء الجهد المبذول لذلك.
_________________
(١) متفق عليه.
(٢) [من حديث رواه أبو داود، والبيهقي في (دلائل النبوة)].
[ ٢ / ٣٥٧ ]
فالتوفيق الإلهي يوم يتم في مثل هذه الأمور المعقدة لا يتم جزافا، إنما يتم ضمن سنن جارية سنها الله تعالى لتوفيقه، ويوم نجد ضخامة في الجهود المبذولة وفشلا كبيرا في التنفيذ، فإن هذا يعني أن خللا ضخما كذلك قد وقع في نياتنا، وفي إخلاصنا وفي قلوبنا ففاتنا الهدف. ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شيء قدرا (١)﴾. ﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسرا (٢)﴾.
السمة التاسعة عشرة
الحرب الإعلامية ودورها في المعركة
كانت بوادر الحرب الإعلامية قد ابتدأت منذ الهجرة، غير أن ملامحها بدأت تتضح رويدا رويدا في بعض السرايا قبيل بدر، لكنها انفجرت انفجارا ضخما بعد بدر. لأن الجانب الإعلامي للقبائل المجاورة كان هدفا مهما من أهداف الفريقين، ويظهر أن الأشعار سرعان ما تطير بها الركبان بين يثرب ومكة. فيأتي الرد من الطرف الآخر. لكن عند النصر تكثر أشعار الفريق المنتصر بينما تكثر المراثي عند الفريق الثاني.
لقد دخل رسول الله - ﷺ - المعركة بأسلحة غير متكافئة في العدد والعدة، أما في مجال الشعر فلم يكن الأمر كذلك، فإضافة إلى المقلين من الصحابة الذين يكتفون بقطعة أو قطعتين كان هناك الشعراء المتخصصون حسان بن ثابت على رأسهم ﵁، وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة، وكان أشدهم على الكفار حسان.
_________________
(١) الطلاق من الآية ٢ و٣.
(٢) الطلاق من الآية ٤.
[ ٢ / ٣٥٨ ]
في بدر
كانت المعاني التي انصب عليها شعر بدر كله تتناول من قبل المسلمين قتلى القليب، السراة من قريش. وقلما يوجد شاعر لم يتناول هذا الجانب، ثم يربط الشعراء هذه الهزيمة النكراء بالبغي والطغيان من قريش، وأن جزاء هذا البغي النار في الآخرة والخزي والذل في الدنيا. وتعير الذين لاذوا بالفرار، والذين وقعوا في ذل الأسر، وتشمت بالنائحين والنائحات على قتلاهم. ثم تحمل دعوة لقريش أن ترعوي عن غيها وتفيء إلى الله ورسوله، كما يتوضح الفخر الكبير بالنصر المؤزر الذي ناله المسلمون تحت راية محمد - ﷺ - ومدد جبريل والملائكة معه. هذا في الجانب الإسلامي. ومن نماذجه قول كعب ﵁:
فلما لقيناهم وكل مجاهد لأصحابه مستبسل النفس صابر
وقد عريت بيض خفاف كأنها مقاييس يزهيها لعينيك شاهر
بهن أبدنا جمعهم فتبدوا وكان يلاقي الحين من هو فاجر
فكب أبو جهل صريعا لوجهه وعتبة قد غادرته وهو عاثر
وشيبة والتيمي غادرن في الوغى وما منهم اإلا بزي العرش كافر
فأمسوا وقود النار في مستقرها وكل كفور في جهنم صائر
وقول حسان ﵁:
طحنتهم والله ينفذ أمره حرب بثب سعيرها بضرام
لولا الإله وجريها لتركنه جزر السباع ودسنه بحوام
من بين مأسور يشد وثاقه صقر إذا لاقى الأسنة حامي
ومجدل لا يستجيب لدعوة حتى تزول شوامخ الإعلام
ولم ينس أن يعير الحارث بن هشام لفراره:
إن كنت كاذبة الذي حدثتني فنجوت منجى الحارث بن هشام
ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ونجا برأس طمرة ولجام (١)
_________________
(١) ابن هشام ٣/ ١٥.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
بينما نجد الجانب الجاهلي ينصب على الرثاء. فهذا الحارث يرثي أبا جهل:
ألا يالهف نفسي بعد عمرو وهل يغني التلهف من قتيل
وهند بنت عتبة التي كانت تفاخر بمصيبتها العرب:
أعيني جودا بدمع سرب على خير خندق لم ينقلب
تداعى له رهطه غدوة بنو هاشم وبنو المطلب
يذيقونه حد أسيافهم يعلونه بعدما قد عطب
كما يهاجمون المسلمين بتخليهم عن عشيرتهم، وتعاونهم مع الغرباء ضد قومهم:
أصيبوا كراما لم يبيعوا عشيرة بقوم سواهم نازحي الدار والأصل
كما أصبحت غسان فيكم بطانة لكم بدلا منا فيا لك من فعل
عقوقا وإثما بينا وقطيعة يرى جؤركم فيها ذوو الرأي والعقل
ولا ينسون التهديد بالثأر من المسلمين، وخاصة الخزرج والأوس:
فإن تك قتلى غودرت من رجالنا فإما رجال بعدهم سنغادر
ووسط بني النجار سوف نكرها لها بالقنا والدارعين زوافر
فنترك صرعى تعصب الطير حولهم وليس لهم إلا الأماني ناصر
وما يتمالك الشاعر الجاهلي أمام عصبيته أن يعيد النصر إلى المهاجرين من قريش، فيثني عليهم عصبية وحمية.
فإن تطفروا في يوم بدر فإنما بأحمد أمسى جدكم وهو ظاهر
وبالنفر الأخيار هم أولياؤه يحامون في اللأواء والموت حاضر
يعد أبو بكر وحمزة فيهم ويدعى علي وسط من أنت ذاكر
ويدعى أبو حفص وعثمان منهم وسعد إذا ما كان في الحرب حاضر
أولئك لا من نتجت من ديارها بنو الأوس والنجار حين تفاخر
وتظهر المتناقظات كذلك لدى طالب بن أبي طالب ابن عم رسول الله - ﷺ -، فهو يعتز بمحمد ولا يخفي هواه معه، ثم يبكي أصحاب القليب من قريش من جهة ثانية.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
ألا إن عينى انفذت دمعها سكبا نبكي على كعب وما إن ترى كعبا
ألا إن كعبا في الحروب تخاذلوا وأرداهم ذا الدهر واجترحوا ذنبا
فما أن جنينا في قريش عظيمة سوى أن حمينا خير من وطىء التربا
لكنه يناشد قومه أن يكفوا عن حرب أبناء قومهم:
فيا أخوينا عبد شمس ونوفلا فدا لكما لا تبعثوا بينكم حربا
ولا تصبحوا من بعد ود وإلفة أحاديث فيها كلكم يشتكي النكبا
ألم تعلموا ما كان من حرب داحس وجيش أبي يسكوم إذ ملأوا الشعبا
ثم يدعو بعدها للثأر من الخزرج:
فوالله لا تنفك نفسي حزينة تململ حتى تصدقوا الخزرج الضربا (١)
وراحت العرب التي عرفت أخبار بدر من الشعر ترقب الجولة القادمة بين المسلمين وقريش. وحتفت كلها تخاف سطوة محمد - ﷺ -. ولا ننسى كذلك أن مقتل كعب بن الأشرف كان درسا قاسيا للذين يريدون نصرة قريش في مواقفهم وأشعارهم.
في أحد والمحنة
سنة واحدة فقط بين الغزوتين، وقد دالت الدولة على المسلمين، وثأر المشركون منهم. فبحت أصواتهم في الفخر بالنصر، والتغني بالأمجاد.
سقنا كنانة من أطراف ذي يمن عرض البلاد على ما كان يزجيها
نحن الفوارس يوم الجر من أحد هابت معد فقلنا نحن نأتيها
ثمت رحنا كأنا عارض برد وقام هام بني النجار يبكيها
كأن هامهم عند الوغى خلق من قيض ربد نفته عن أداحيها
لكن لدى المسلمين فخر كذلك في أحد حيث قتلوا حملة اللواء واحدا بعد الآخر.
شددنا بحول الله والنصر شدة عليكم وأطراف الأسنة شرع
_________________
(١) مقتطفات من السيرة لابن هشام من الصفحات ٩ - ٤٥.
[ ٢ / ٣٦١ ]
عمدنا إلى أهل اللواء ومن يطر بذكر لواء فهو في الحمد أسرع
فخانوا وقد أعطوا يدا وتخاذلوا ابى الله إلا أمره وهو أصنع
لكن قتلى المسلمين كثر، خاصة من الكرام الصيد من الخزرج والأوس.
كم قتلنا من كريم سيد ماجد الجدين مقدام بطل
ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل
حين حكت بقباء بركها واستمر القتل في عبد الأشل
فقتلنا الضعف من أشرافهم وعدلنا ميل بدر فاعتدل
فيرد حسان ﵁ أن أحدا كانت جولتين لا جولة أحد:
ولقد نلتم ونلنا منكم وكذاك الحرب أحيانا دول
نضع الأسياف في أكتافكم حيث نهوي عللا بعد نهل
إذ ترلون على أعقابكم هربا في الشعب أشباه الرسل
إذ شددنا شدة صادقة فأجأناكم إلى سفح الجبل
ولا ينسى كعب بن مالك ﵁ وهو يرثي حمزة بن عبد المطلب، والشهداء معه أن يتحدث عن نعيم الجنة التي أعدها الله للشهداء.
وأشياع أحمد إذ شايعوا على الحق ذي النور والمنهج
فما برحوا يضربون الكماة ويمضون في القسطل المرهج
كذلك حتى دعاهم مليك إلى جنة دوحة المولج
فكلهم مات حر البلاء على ملة الله لم يحرج
أولئك لا من ثوى، منكم من النار في الدرك المرتج.
وهذه ميزة هذه العقيدة، فالشاعر الجاهلي، تأكل المرارة قلبه وهو يبكي صرعاه، أما الشاعر المسلم فيرى في الشهادة دعوة زفت إلى الشهيد من المليك تعالى للنزل عنده. وحين يصر الشاعر الجاهلي على النيل من الخزرج والأوس. ثم يعرج على المهاجرين.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
فغادرن قتلى الأوس عاصبة بهم ضباع وطير يعتضين وقوع
وجمع بني النجار في كل تلعة بأبدانهم من وقعهن نجيع
ولولا علو الشعب غادرن أحمدا ولكن علاء السمهري شروع
كما غادرت في الكر حمزة ثاويا وفي صدره ماضي الشباة وقوع
لا يدعه الشاعر المسلم دون أن يذكره بصبر الأوس والخزرج تحث راية محمد - ﷺ -:
فقد صابرت فيهم بنو الأوس كلهم وكان لهم ذكر هناك رفيع
وحامى بنو النجار فيه وصابروا وما كان منهم في اللقاء جزوع
وهؤلاء الذين تنالون منهم هم سادتكم في القوم، محمد وحمزة وعلي وغيرهم:
أولئك قوم سادة في فروعكم وفي كل قوم سادة وفروع
بهن تعز الله حتى يعزنا وإن كان أمر يا سخين فظيع
فلا تذكروا قتلى وحمزة فيهم قتيل ثوى لله وهو مطيع
فإن جنان الخلد منزلة له وأمر الذي يقضي الأمور سريع
وقتلاكم في النار أفضل رزقهم حميم معا في جوفها وضريع
وهذا هو محور المنافسة في نهاية المعركة، فأبو سفيان يصرخ، أعل هبل، فيأتيه الجواب: الله أعلى وأجل. ويعيد أبو سفيان فخره: لنا العزى ولا عزى لكم. فيرتد عليه فخره: الله مولانا ولا مولى لكم، لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، غير أن هندا لم ترو ظمأها في أحد، ولم تشتف ثأرها حتى حين بقرت بطن حمزة عن الكبد.
رجعت وفي نفسي بلابل جمة وقد فاتني بعض الذي كان مطلبي
من أصحاب بدر من قريش وغيرهم بني هاشم منهم ومن أهل يثرب
ولكنني قد نلت شيئا ولم يكن كما كنت أرجو في مسيري ومركابي (١)
_________________
(١) مقتطفات من السيرة لابن هشام ص ١٣٦ - ١٧٨.
[ ٢ / ٣٦٣ ]
وتتالت المحن على المسلمين، فأخذت سرية الرجيع منهم مأخذا أليما.
لكن أبيات خبيب مضت مثلا سائرا على الثبات على المبدأ:
لقد جمع الأحزاب حولي وألبوا قبائلهم واستجمعوا كل مجمع
وكلهم مبدي العداوة جاهد علي لأني في وثاق بمصيع
وقد خيروني الكفر، والموت دونه وقد هملت عيناي من غير مجزع
وما بي حذار الموت إني لميت ولكن حذاري جحم نار ملفع
فوالله ما أرجو إذا مت مسلما علي أي جنب كان في الله مصرع
فلست بمبد للعدو تخشعا ولا جزعا إني إلى الله مرجع
وما كان لمثل خبيب أن لا يرثى وقد اغتالته قريش وصلبته على الجذع:
ما بال عينك لا ترقا مدامعها سحا على الصدر مثل اللؤلؤ القلق
على خبيب فتى الفتيان قد علموا لا فاشل حين تلقاه ولا نزق
فاذهب خبيب جزاك الله طيبة وجنة الخلد عند الحور في الرفق
وبين الهجاء للغادرين، والرثاء للشهداء. كان حسان يخوض حربه فمن أقذع ما قال حسان بالغادرين:
إن سرك الغدر صرفا لا مزاج له فأت الرجيع فسل عن دار لحيان
قوم تواصوا بأكل الجار بينهم فالكلب والقرد والإنسان مثلان
لو ينطق التيس يوما قام يخطبهم وكان ذا شرف فيهم وذا شان (١)
أما الشهداء فقد نظمهم في سلك واحد:
صلى الإله على الذين تتابعوا يوم الرجيع فأكرموا وأثيبوا
رأس السرية مرثد وأميرهم ابن البكير إمامهم وخبيب
وابن لطارق وابن وثنة منهم وافاه ثم حمامة المكتوب
والعاصم المقتول عند رجيعهم كسب المعالي إنه لكسوب
منع المقادة أن ينالوا ظهره حتى يجالد إنه لنجيب (٣)
ومع اشتعال غزوة بني النضير، عادت حرب الشعر فاشتعلت من
_________________
(١) السيرة لابن هشام / ١٨٩ و١٩٢.
[ ٢ / ٣٦٤ ]
جديد، وفي هذه المعركة لا بد من دحض افتراءات اليهود أنهم على الحق، وأنهم أهل الكتاب الأول:
لقد خزيت بغدرتها الحبور كذاك الدهر ذو صرف يدور
وقد أوتوا معا فهما وعلما وجاءهم من الله النذير
فقالوا ما أتيت بأمر صدق وأنت بمنكر منا جدير
فلما أشربوا عذرا وكفرا وحادبهم عن الحق النفور
فغودر منهم كعب صريعا فذلت بعد مصرعه النضير
فتلك بنو النضير بدار سوء أبارهم بما اجترموا المبير
لكن اليهود وقد غلبهم الحقد الدفين لم يجدوا ما يردون به على المسلمين غير التغني بأمجاد قريش وأحد:
قتلتم سيد الأحبار كعبا وقدما كان يأمن من يجير
فإن نسلم لكم نترك رجالا بكعب حولهم طير تدور
كما لاقيتم من بأس صخر بأحد حيث ليس لكم نصير
وطالما أن ملة الكفر واحدة، فحن على بني النضير عباس بن مرداس أخو بني سليم:
فبك بنى هارون واذكر فعالهم وقتلهم للجوع إذ كنت مجدبا
سراع إلى العليا، كرام لدى الوغى يقال لباغي الخير أهلا ومرحبا
وكان الرد عنيفا عليه في تخليه عن أرومته العربية:
فهلا إلى قوم ملوك مدحتهم تبنوا من العز المؤثل منصبا
أولئك أحرى من يهود بمدحة تراهم وفيهم غزة المجد ترتبا (١)
والعرب لا تزال ترمق الموعد الجديد بين محمد وقومه بدر الآخرة. فلم يدع المسلمون تخاذل أبي سفيان عن حضورها يمر دون هجاء وسُبة:
وعدنا أبا سفيان بدرا فلم تجد لميعاده صدقا وما كان وافيا
فأقسم لو وافيتنا فلقيتنا لأبت ذميما وافتقدت المواليا
_________________
(١) السيرة النبوية: مقتطفات من الصفحات ٢٠٩ - ٢٢١.
[ ٢ / ٣٦٥ ]
تركنا به أوصال عتبة وابنه وعمرا أبا جهل تركناه ثاويا
وحاول أبو سفيان أن يعتذر لكن السبة لحقته، فقد فر من المواجهة.
الخندق وآثاره بين العرب
لقد كانت قبائل العرب واقفة على الحياد بين الفريقين. تنتظر لمن الغلبة حتى تنضم إليه، ولا شك أن الدوي الضخم الذي رافق تحرك الأحزاب، كان له خطر كبير على الوجود الإسلامي، لكن فشل الهجوم كذلك، أيأس العرب من إمكان القضاء على هذا الدين الجديد، وحاول كلا الفريقين في الإذاعة الطائرة أن يفت من طافة الآخر، ضرار بن الخطاب الفهري يفخر بالحصار، والتجمع الضخم الذي غزوا به محمدا ويصمهم بالفرار من المواجهة:
فأحجرناهم شهرا كريتا وكنا فوقهم كالقاهرينا
نراوحهم ونغدو كل يوم عليهم في السلاح مدججينا
فلولا خندق كانوا لديه لدمرنا عليهم أجمعينا
ولكن حال دونهم وكانوا به من خوفنا متعوذينا
وكان مقتل سعد بن معاذ أكبر هدف تحقق عندهم في الحصار، كما كان الحمزة في أحد:
فإن نرحل فإنا قد تركنا لدى أبياتكم سعدا رهينا
إذا جن الظلام سمعت نوقى على سعد يرجعن الحنينا
ثم يهدد ويتوعد بالغزو ثانية فيقول:
وسوف نزوركم عما قريب كما زرناكم متوازرينا
بجمع من كنانة غير عزل كأسد الغاب قد حمت العرينا
فيحول كعب بن مالك الخندق إلى عرين الأسد:
بباب الخندقين كأن أسدا شوابكهن يحمين العرينا
[ ٢ / ٣٦٦ ]
وهو رد نفس المقولة أن جمعهم أسد غاب تحمي العرين.
وأما مقتل سعد ﵁، فالجنة مثواه، ولن يضيره غيظهم وحقدهم:
فإما تقتلوا سعدا سفاها فإن الله خير القادرينا
سيدخله جنانا طيبات تكون مقامة للصالحينا
لكن العار الذي جلل قريشا وغطفان هو فشل هجومها، وعودتها بالخزي والخيبة.
كما قد ردكم فلا شريدا بغيظكم خزايا خائبينا
خزايا لم تنالوا ثم خيرا وكدتم أن تكونوا دامرينا
بريح عاصف هبت عليكم فكنتم تحتها متكمهينا
لكن الكارثة الكبرى التي حلت بالمشركين تعادل مقتل سعد رضي الله عند المسلمين هي مقتل عمرو بن عبد ود العامري، فارس قريش الأول:
فهو عند مسافع بن عبد مناف الجمحي:
عمرو بن عبد كان أول فارس جزع المذاد وكان فارس بليل
سمح الخلائق ماجد ذو مرة يبغي القتال بشكة لم ينكل
ولقد علمتم حين ولوا عنكم أن ابن عبد فيهم لم يعجل
ومع ذلك فيضطر ذليلا للاعتراف ببطولة علي بن أبي طالب ﵁ وهو الذي صرعه:
تسل النزال علي فارس غالب بجنوب سلع ليته لم ينزل
فاذهب علي فما ظفرت بمثله فخرا ولا لاقيت مثل المعضل
نفسي الفداء لفارس من غالب لاقى حمام الموت لم يتحلحل
والعار الآخر الذي جللهم هو فرار الفوارس من حوله:
عمرو بن عبد والجياد يقودها خيل تقاد له وخيل تنعل
أجلت فوارسه وغادر رهطه ركنا عظيما كان فيها أول
وهبيرة المسلوب ولى هاربا عند القتال مخافة أن يقتلوا
[ ٢ / ٣٦٧ ]
وضرار كان البأس منه محضرا ولى كما ولى اللئيم الأعزل
مما اضطر هبيرة بن أبي وهب أن يدفع العار عن نفسه، ويرثي عمرا صاحبه:
لعمري ما وليت ظهري محمدا وأصحابه جبنا ولا خيفة القتل
ولكنني قلبت أمري فلم أجد لسيفي غناء إن ضربت ولا نبلي
فلا تبعدن يا عمر وحيا وهالكا وحق لحسن المدح مثلك من مثلي
ولا يجد مندوحة بالرغم عنه من الثناء على البطل المغوار علي:
فعنك علي لا أرى مثل موقف وقفت على نجد المقدم كالفحل
فما ظفرت كفاك فخرا بمثله أمنت به ما عشت من زلة النعل
أما بنو قريظة والذل الذي حاق بهم فلا بد أن تتحدث عنه الإذاعة الطائرة كذلك وتربطه بسعد بن معاذ ﵁ الذي حكم عليهم بحكم الله من فوق سبع سموات قبل أن يفضي إلى ربه:
لقد سجمت من دمع عيني عبرة وحق لعيني أن تفيض على سعد
قتيل ثوى في معرك فحفت به عيون ذواري الدمع دائمة الوجد
على ملة الرحمن وارث جنة مع الشهداء وفدها أكرم الوفد
فأنت الذي يا سعد أبت بمشهد كريم وأثواب المكارم والمجد
بحكمك في حيي قريظة بالذي قضى الله فيهم ما قضيت على عمد
فوافق حكم الله حكمك فيهم ولم تعف إذ ذكرت ما كان من عهد
فإن كان ريب الدهر أمضاك في الألى شروا هذه الدنيا بجناتها الخلد
فنعم مصير الصادقين إذا دعوا إلى الله يوما للوجاهة والقصد
بينما كان اليهود يجترون آلامهم بمقتل سراتهم وساداتهم. فلقد قضى رجال بني قريظة جميعا جزاء غدرهم وخيانتهم.
لقد وجدنا الحرب الإعلامية للمسلمين تواكب تماما الحرب العسكرية، وكانت هي التي تمثل لسان الناطق الرسمي بنتائج الحرب والمعارك عند العرب. فمن ديوان الأشعار يتعرف العرب على الأحداث. ولم يكن هذا
[ ٢ / ٣٦٨ ]
الأمر كذلك بالنسبة للمسلمين. إذ كان القرآن الكريم بالنسبة لهم هو مصدر التلقي والحكم على الأحداث، ولم يكونوا يعيرون التفاتا فيما بينهم للشعر بعد أنصار الوحي هو موطن التربية بالنسبة لهم.
لقد كان الشعر للرد على العدو الذي لا يؤمن بالقرآن الكريم.
واستطاع الشعراء المسلمون أن يخوضوا معارك الشعر كلها دون حرج أو تلجلج من أي ميدان. تكلموا بقيم العرب، وطرحوا مفاهيم الإسلام من خلال الشعر، ولم يتركوا مثلبة عربية يطعن منها الأعداء إلا وردوها عليهم.
وما أحوج الحركة الإسلامية اليوم التي تخوض معركتها العسكرية أن تعطي الجانب الإعلامي حقه، وطبيعة الحرب العالمية اليوم حرب إعلامية. فالمعسكران يبتعدان ما استطاعا عن الصدام والمواجهة العسكرية. لكن حربهم المستمرة اليومية تنطلق من وسائل الإعلام. وإن ثقة الناس بإعلام الحركة يعني ثقة الناس بها، فهم يحكمون على الحركة الجهادية من خلال إذاعتها ومجلاتها ونشراتها. وإذا كان الشعر وحده أيام الرسالة الأولى هو الوسيلة الإعلامية الأكبر إن لم تكن الأوحد فوضعنا اليوم يختلف كثيرا عن سالفه.
إن وسائل الإعلام اليوم تسد الأفق، ولا يأخذ الشعر إلا حيزا محدودا جدا منها. فهناك الموعظة والخطبة والمقالة والأقصوصة والقصة والتعليق السياسي، والتحليل الأخباري والمادة الأخبارية، والأناشيد الحماسية، كل هذه ذات أثر خطير في الواقع الإعلامي.
إضافة إلى وسائل البث الإعلامي، من إذاعة وتلفاز وجريدة ومجلة وكتاب وتسجيل سمعي وبصري. كلها غدت تتحكم في قلوب البشر وعقولهم وتفكيرهم، وتوجه قناعاتهم وتبني عقائدهم.
إن المعركة من الخطورة والدقة والأهمية ما يجعل الحكم على نجاح المعركة من خلال نجاح إعلامها والثقة به والتعامل معه، وأملنا كبير أن توجه الحركة الإسلامية طاقاتها لتكوين الاختصاصيين المبدعين في هذا الفن،
[ ٢ / ٣٦٩ ]
ويملكوا مقود الفكر والعاطفة، ليحققوا القاعدة الأساس التي يقوم عليها صرح البناء الجهادي. فيكون كما قال ﷿: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون (١)﴾. إنها مواصفات واضحة للكلمة الطيبة. إنها من الأصالة والصدق ضاربة جذورها في الأرض، فلا يزعزعها كل بهرج الدنيا وزخرفها. وهي من جهة ثانية منتشرة في كل صقع، وطالت فروعها الباسقة حتى عمت الأرض وامتدت للسماء. وهيمن جهة ثالثة مثمرة ترعاها عناية الله، تحقق أهدافها التي قامت من أجلها. كاملة، ويكون ثمرها مذاقا لكل قارىء أو راء أو سامع. وفقدان أي من هذه المواصفات الثلاثة يعني أننا لم نصل بعد إلى الكلمة الطيبة التي نريد.
السمة العشرون
ازدياد العدد والعدة
لقد كانت أول سرية أرسلها رسول الله - ﷺ - على رأس سبعة أشهر من مقدمه المدينة هي سرية حمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر يعترضون عيرا لقريش قد جاءت من الشام تريد مكة فيها أبو جهل في ثلاثمائة راكب.
وكان عدد أفراد هذه السرية ثلاثين راكبا، كلهم من المهاجرين.
وحين ينظر المرء إلى خطوات الجهاد الأولى التي ابتدأت بثلاثين راكبا ويلاحظ أنها ارتفعت وخلال خمس سنوات إلى ثلاثة آلاف جندي في غزوة الخندق، يلاحظ مدى التقدم الضخم الذي أحرزه الجيش الإسلامى في المدينة.
وملاحظة أخرى كذلك من حيث العدة.
فالخيل من أهم عناصر الحرب على الإطلاق، والخيل معقود في نواصيها
_________________
(١) سورة إبراهيم / ٤٢ - ٢٥.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
الخير إلى يوم القيامة كما يقول ﵊. فإذا أعدنا إلى الذاكرة غزوة بدر وأنه لم يكن لدى المسلمين فيها إلا فرسان. ثم نذكر أن خيل المسلمين في الخندق بلغت مئتي فرس، تبين مدى التقدم العسكري الضخم في هذا المجال. حتى الإبل في بدر كان كل ثلاثة من المسلمين يتعقبون بعيرا. أي كان عند المسلمين حوالي سبعين من الإبل، يكفي أن نذكر أن غنائمهم من بدر وحدها كانت مائة وخمسين بعيرا.
أما السلاح فحدث ولا حرج. كان سلاحهم في بدر السيوف في الخرق. فلننظر إلى بعض الغنائم التي حصل عليها المسلمون من أعدائهم في هذا المجال. كانت غنائم بني قينقاع من السلاح: ثلاث قسي، وثلاثة سيوف وثلاثة رماح ودرعين ووجدوا في منازلهم سلاحا كثيرا وآلة الصياغة. ولم تكن غنائم بنى فينقاع لتذكر في هذا المجال لأنهم مضوا بسلاحهم. وكان اليهود يمثلون ترسانة أسلحة عندهم ويقومون بصنعها. وعندما حاول بنو النضير أن يخرجوا بأسلحتهم منعهم رسول الله - ﷺ - إلا بتسليم سلاحهم وكما يقول النص: (ثم نزلت يهود على أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة (أي السلاح (١». (وقبض رسول الله - ﷺ - الأموال والحلفة فوجد خمسين درعا وخمسين بيضة وثلاثمائة وأربعين سيفا (٢».
أما غنائم بني قريظة فكانت كالتالي:
(وجمعت أمتعتهم وما وجد في حصونهم من الحلقة والأثاث والثياب فوجد فيها ألف وخمسمائة وثلاثمائة درع وألفا رمح، وألف وخسمائة ترس وجحفة .. (٣). وبذلك غدا للمسلمين قوة ضخمة من السلاح والرجال وتحولت معظم قوة العدو من اليهود إلى المسلمين. إضافة إلى ما كانوا يبتاعونه من الأسواق. فكانت كل أنواع السلاح متوفرة عندهم.
صحيح أن المسلمين ما خاضوا معركة مع عدوهم إلا كانوا أقل من عدوهم عددا وعدة، وكانوا بإيمانهم وثباتهم أقوى من خصومهم، لكن هذا
_________________
(١) و(٢) إمتاع الأسماع ١/ ١٨١.
(٢) إمتاع الأسماع ١/ ٢٤٥.
[ ٢ / ٣٧١ ]
التطور في العدد والعدة، يعني أن مقومات الدولة أصبحت أكبر، وأن إمكانية القضاء عليهم أصبح ميؤوسا منها. فقد كان أبو جهل يقول عندهم في بدر، إنهم أكلة جزور يقلل من عددهم وقيمتهم. غير أن الصورة اختلفت اليوم، وازدادوا عشرة أضعاف ما كانوا عليه. وواجب الحركة الإسلامية حين تقرر خوض معركة مع العدو، أن تكون على مستوى الأحداث وتهيء من السلاح والرجال ما يؤهلها لخوض هذه المعركة إضافة إلى الجانب الإيماني الذي لا يملكه غير المؤمنين سلاحا متميزا في المعارك.
السمة الحادية والعشرون
الجهد البشري في البذل
فليس المهم الأرقام الحسابية في الحرب، لا بد من النوعية الجيدة وكما يقول القرآن الكريم. ﴿ إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين وإن يكن منكم مائة يغلبوا ألفا من الذين كفروا بأنهم قوم لا يفقهون الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا فإن يكن منكم مائة صابرة بغلبوا مائتين وإن يكن منكم ألف بغلبوا ألفين بإذن الله والله مع الصابرين (١)﴾. فهذا يعني أن المؤمن القوي بعشر أضعافه من الكفار، وأن المؤمن الضعيف بضعفين والأمر في تفاوته بقدر المدى الإيماني عند المسلم، وهذا التفاوت هو الذي يجعلنا ننظر إلى المستويات العليا من التضحية والبذل حتى لا نتصور أن النصر جاء بدون هذه التضحيات، ولكن يكون لها في هذه الفقرة أكثر من التنسيق والعرض لتكون هذه النماذج حية في أذهاننا وقلوبنا.
أ - من بطولات بدر:
١ - (بعثت قريش عمير بن وهب الجمحي ليحزر المسلمين فلما لم ير لهم مددا ولا كمينا رجع فقال: القوم ثلاثمائة إن زادوا زادوا قليلا، معهم سبعون بعيرا وفرسان ثم قال: يا معشر قريش، ألبلايا تحمل المنايا، نواضح
_________________
(١) الأنفال الآية: ٦٥، ٦٦.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليست لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، ألا ترونهم خرسا لا يتكلمون، يتلمظون تلمظ الأفاعي والله ما أرى أن يقتل منهم رجل حتى يقتل منكم رجلا. فإذا أصابوا منكم مثل عددهم فما خير في العيش بعد ذلك، فروا رأيكم (١».
٢ - يقول ﵊ للمسلمين في بدر: قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض والذي نفس محمد بيده لا يقاتلهم اليوم رجل فيقتل صابرا محتسبا مقبلا غير مدبر إلا أدخله الله الجنة، فقال عمير بن الحمام بخ بخ، فقال رسول الله - ﷺ - ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا، يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: إنك من أهلها. فأخرج تمرات من قرنه فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل (٢).
وكذلك سأله عوف بن الحارث. ما يضحك الرب من عبده! قال: غمسه يده في العدو حاسرا فنزع درعا كانت عليه فقذفها ثم أخذ سيفه فقاتل القوم حتى قتل (٣).
٣ - قال معاذ بن عمرو بن الجموح: سمعت القوم وأبو جهل في مثل الحرجة (٤) وهم يقولون: أبو الحكم لا يخلص إليه. قال: فلما سمعتها جعلته من شأني فصمدت نحوه، فلما أمكنني حملت عليه فضربته ضربة أطنت قدمه بنصف ساقه. فوالله ما شبهتها حين طاحت إلا بالنواة تطيح من تحت مرضخة النوى حين يضرب بها، قال: وضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي فتعلقت بجلدة من جنبي، واجهضني القتال عنه. فلقد قاتلت عامة يومي هذا وأنا أسحبها خلفي. فلما آذتني وضعت عليها قدمي ثم تمطيت بها عليها حتى طرحتها. ثم مر بأبي جهل وهو عقير معوذ بن عفراء فضربه حتى أثبته فتركه وبه رمق (٥).
_________________
(١) إمتاع الأسماع: ١/ ٨٢ - ٨٣.
(٢) رواه مسلم، ٢/ ١٣٩.
(٣) مشكاة المصابيح ٢/ ٣٣١.
(٤) الحرجة: الشجر الملتف وشبه رماح المشركين حوله بذلك.
(٥) الرحيق المختوم عن ابن إسحاق ٢٤٥.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
٤ - وفي الصحيح أن الزبير لقي عبيدة بن سعد بن العاص وهو مدجج في السلاح لا يرى منه إلا الحدق، فحمل عليه الزبير بحربته فطعنه في عينه فمات، فوضع رجله على الحربة ثم غطى وكان الجهد أن نزعها وقد انثنى طرفها. فسأله إياها رسول الله - ﷺ - فأعطاه إياها (١).
٥ - لما تزاحف الناس قال الأسود بن عبد الأسود المخزومي، حين دنا من الحوض: أعاهد الله لأشربن من حوضهم، أو لأهدمنه، أو لأموتن دونه. فشد حتى دنا منه. فاستقبله حمزة بن عبد المطلب فضرب فأطن قدمه. فزحف الأسود حتى وقع في الحوض، فهدمه برجله الصحيحة وشرب منه وحمزة يتبعه فضربه في الحوض فقتله. فدنا بعضهم من بعض وخرج عتبة وشيبة والوليد ودعوا إلى المبارزة. فخرج إليهم ثلاثة من الأنصار فتيان وهم معاذ ومعوذ وعوف بنو عفراء، ويقال ثالثهم عبد الله بن رواحة. فاستحيا رسول الله - ﷺ - وكره أن يكون أول قتال في الأنصار، وأحب أن تكون الشوكة ببني عمه وقومه فأمرهم فرجعوا إلى مصافهم وقال لهم خيرا. ثم نادى منادي المشركين: أخرج إلينا الأكفاء من قومنا. فقال - ﷺ -: يا بني هاشم، قوموا فقاتلوا بحقكم الذي بعث به نبيكم إذ جاؤوا بباطلهم ليطفئوا نور الله، فقام علي وحمزة وعبيدة بن الحارث بن المطلب، فمشوا إليهم، وكان علي ﵁ معلما بصوفة بيضاء فقال عتبة لابنه قم يا وليد فقام فقتله علي. ثم قام عتبة فقتله حمزة ثم قام شيبة فقام إليه عبيدة فضربه شيبة فقطع ساقه. فكر حمزة وعلي فقتلا شيبة واحتملا عبيدة إلى الصف. فنزلت هذه الآية: ﴿هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم﴾ الحج - ١٩ (٢».
ب - بطولات من أحد:
٦ - كان أول وقود المعركة حامل لواء المشركين طلحة بن أبي طلحة العبدري. وكان من أشجع فرسان قريش، يسميه المسلمون كبش الكتيبة.
_________________
(١) السيرة النبوية لابن محمد بن عبد الوهاب ١٨٧.
(٢) إمتاع الأسماع ١/ ٨٤ - ٨٥.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
خرج وهو راكب على جمل، يدعو إلى المبارزة فأحجم عنه الناس لفرط شجاعته. ولكن تقدم إليه الزبير، ولم يمهله بل وثب إليه وثبة الليث حتى صار معه على جمله، ثم اقتحم به الأرض، فألقاه عنه، وذبحه بسيفه ورأى النبي - ﷺ - هذا الصراع الرائع. فكبر وكبر معه المسلمون وأثنى على الزبير وقال في حقه: إن لكل نبي حواريا وحواري الزبير (١).
٧ - تعاقب بنو عبد الدار لحمل اللواء بعد قتل قائدهم طلحة بن أبي طلحة، فحمله أخوه أبو شيبة عثمان بن أبي طلحة، وتقدم للقتال وهو يقول:
إن على أهل اللواء حقا أن تخضب الصعدة أو تندقا
فحمل عليه حمزة بن عبد المطلب، فضربه على عاتقه بترت يده مع كتفه، حتى وصلت إلى سرته، فبانت رئته. ثم رفع اللواء أبو سعد بن أبي طلحة فرماه سعد بن أبي وقاص بسهم أصاب حنجرته فأدلع لسانه ومات لحينه. وقيل: بل خرج أبو سعد يدعو إلى البراز فتقدم إليه علي بن أبي طالب فاختلفا ضربتين، فضربه علي فقتله. ثم رفع اللواء مسافع بن طلحة بن أبي طلحة، فرماه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح بسهم فقتله.
فحمل اللواء بعده أخوه كلاب بن طلحة بن أبي طلحة. فانقض عليه الزبير ابن العوام وقاتله حتى قتله، ثم حمل اللواء أخوهما الجلاس بن طلحة بن أبي طلحة فطعنه طلحة بن عبيد الله طعنة قضت على حياته. وقيل: بل رماه عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح بسهم ففضى عليه.
هؤلاء ستة نفر من بيت واحد بيت أبي طلحة عبد الله بن عثمان بن عبد الدار قتلوا جميعا حول لواء المشركين، ثم حمله من بني عبد الدار أرطأة بن شرحبيل فقتله علي بن أبي طالب، وقيل: حمزة بن عبد المطلب، ثم حمله شريح بن قازط فقتله قزمان .. ثم حمله أبو زيد عمرو بن عبد مناف العبدري فقتله فزمان أيضا، ثم حمله ولد لشرحبيل بن هاشم العبدري فقتله قزمان أيضا.
_________________
(١) الرحيق المختوم عن السيرة الحلبية ٢٨٨.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
فهؤلاء عشرة من بني عبد الدار من حملة اللواء أبيدوا عن آخرهم، ولم يبق منهم أحد يحمل اللواء. فتقدم غلام لهم حبشي اسمه صواب فحمل اللواء وأبدى من صنوف الشجاعة والثباث ما فاق به مواليه من حملة اللواء الذين قتلوا قبله فقد قاتل حتى قطعت يداه، فبرك على اللواء بصدره وعنقه، لئلا يسقط حتى قتل وهو يقول: اللهم أعزرت؟ يعني هل أعزرت.
وبعد أن قتل هذا الغلام - صواب - سقط اللواء على الأرض، ولم يبق أحد يحمله، فبقي ساقطا (١).
قال الزبير بن العوام: وجدت في نفسي حين سألت رسول الله - ﷺ - السيف فمنعنيه وأعطاه أبا دجانة، وقلت - أي في نفسي -: أنا ابن صفية عمته، ومن قريش، وقد قمت إليه فسألته إياه قبله. فآتاه إياه وتركني، والله لأنظرن ما يصنع؟. فاتبعته فأخرج عصابة له حمراء، فعصب بها رأسه فقالت الأنصار: أخرج أبو دجانة عصابة الموت فخرج وهو يقول:
أنا الذي عاهدني خليلي ونحن بالسفح لدى النخيل
أن لا أقوم الدهر في الكيول (٢) أضرب بسيف الله والرسول
فجعل لا يلقى أحدا إلا قتله، كان في المشركين لا يدع لنا جريحا إلا زفف عليه. فجعل كل واحد منهما يدنو من صاحبه، فدعوت الله أن يجمع بينهما فالتقيا، فاختلفا ضربتين، فضرب المشرك أبا دجانة فاتقاه بدرقته، فعضت بسيفه، فضربه أبو دجانة فقتله. ثم رأيته قد حمل السيف على مفرق رأس هند بنت عتبة، ثم عدل السيف عنها. قال الزبير: فقلت: الله ورسوله أعلم.
قال ابن إسحاق: وقال أبو دجانة سماك بن خرشة: رأيت إنسانا يخمش الناس خمشا شديدا فصمدت له، فلما حملت عليه السيف ولول، فإذا امرأة، فأكرمت سيف رسول الله - ﷺ - أن أضرب به امرأة (٣).
_________________
(١) الرحيق المختوم ص ٢٨٨ - ٢٨٩.
(٢) الكيول: آخر الصفوف.
(٣) السيرة لابن هشام ٣/ ٧٣.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
٩ - يقول وحشي بن حرب: كنت غلاما لجبير بن مطعم، وكان عمه طعيمة بن عدي قد أصيب يوم بدر فلما سارت قريش إلى أحد قال لي جبير: إنك إن قتلت حمزة عمي أحمد بعمي فأنت عتيق. قال: فخرجت مع الناس - وكنت رجلا حبشيا أقذف بالحربة قذف الحبشة قلما أخطىء بها شيئا - فلما التقى الناس خرجت أنظر حمزة وأتبصره، حتى رأيته في عرض الناس مثل الجمل الأورق يهد الناس هدا ما يقوم له شيء. فوالله إني لأتهيأ له أريده فأستتر منه بشجرة أو حجر ليدنو مني إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى، فلما رآه حمزة قال له هلم إلي يا ابن مقطعة البظور - وكانت أمه ختانة - قال فضربه ضربة كأنما أخطأ رأسه (١). قال: وهززت حربتي حتى إذا رضيت منها دفعتها إليه فوقعت في ثنته - أحشائه - حتى خرجت من بين رجليه، وذهب لينوء نحوي فغلب، وتركه وإياها حتى مات (٢).
١٠ - مر أنس بن النضر بقوم وقد ألقوا ما بأيديهم فقال: ما تنتظرون؟ فقالوا: قتل رسول الله - ﷺ -، قال: ما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه رسول الله - ﷺ -، ثم قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعنى المسلمين - وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين، ثم تقدم فلقيه سعد بن معاذ فقال: أين يا أبا عمر؟ قال أنس: واها لريح الجنة يا سعد إني أجده دون أحد، ثم مضى فقاتل القوم حتى قتل، فما عرف حتى عرفته أخته ببنانه، وبه بضع وثمانون ما بين طعنة برمح وضربة بسيف ورمية بسهم (٣).
١١ - روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه، قال: من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة؟ فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضا فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال رسول الله - ﷺ - لصاحبيه - أي القرشيين: ما أنصفنا أصحابنا (٤).
_________________
(١) يقال عند المبالغة في الإصابة.
(٢) السيرة النبوية لابن هشام ٣/ ٧٦.
(٣) عن الرحيق المختوم ٢٩٦.
(٤) المصدر نفسه ٢٩٨.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
حتى كان آخرهم زياد أو عمارة بن السكن فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم فاءت فئة من المسلمين فأجهضوهم عنه، فقال رسول الله - ﷺ - أدنوه مني. فأدنوه منه فوسده قدمه، فمات وخده على قدم رسول الله - ﷺ - (١).
١٢ - روى النسائي عن جابر قال: فأدرك المشركون رسول الله - ﷺ - فقال: من للقوم فقالط طلحة: أنا. ثم قاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه فقال: حس، فقال النبي - ﷺ - لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون قال: ثم رد الله المشركين. ووقع عند الحاكم في الأكليل أنه جرح يوم أحد تسعا وثلاثين أو خمسا وثلاثين وشلت إصبعه أي السبابة والتي تليها (١).
وروى ابن حبان في صحيحه عن عائشة قالت: قال أبو بكر الصديق: لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن النبي - ﷺ -. فكنت أول من فاء إلى النبي - ﷺ -. فرأيت بين يديه رجلا يقاتل عنه قلت: كن طلحة، فداك أبي وأمي، كن طلحة، فداك أبي وأمي، كن طلحة، فداك أبي وأمي. فلم ألبث أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح، وإذا هو يشتد كالطير، حتى لحقني، فدفعنا إلى النبي - ﷺ -، فإذا طلحة بين يديه صريعا. فقال النبي - ﷺ -: دونكم أخاكم فقد أوجب (٢).
١٣ - وكان علي بن أبي طالب يذب عن رسول الله - ﷺ - من ناحية وأبو دجانة .. من ناحية، وسعد بن أبي وقاص يذب طائفة، وانفرد علي بفرقة فيها عكرمة بن أبي جهل فدخل وسطهم بالسيف، فضرب به وقد اشتملوا عليه حتى أمضى إلى آخرهم، ثم كر فيهم ثانيا حتى رجع من حيث جاء. وكان الحباب بن المنذر يحوش المشركين كما تحاش الغنم، واشتملوا عليه حتى قيل قد قتل، ثم برز والسيف في يده، وافترقوا عنه، وجعل يحمل على فرقة منهم وإنهم ليهربون منه، وكان يومئذ معلما بعصابة خضراء (٣).
_________________
(١) المصدر نفسه ٣٠٠.
(٢) المصدر نفسه ٣٠١.
(٣) إمتاع الأسماع ١/ ١٤٣.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
١٤ - وكان شماس بن عثمان لا يرمي رسود الله - ﷺ - ببصره يمينا وشمالا إلا رآه في ذلك الوجه يذب بسيفه حتى غشي رسول الله - ﷺ -، فترس بنفسه دونه حتى قتل ﵀ فذلك قول رسول الله - ﷺ -: ما وجدت لشماس شبها إلا الحنة (١).
١٥ - ومر مالك بن الدخشم على خارجة بن زيد وهو قاعد، في حشوته ثلاثة عشر جرحا، كلها قد خلصت إلى مقتل، فقال: أما علمت أن محمدا قد قتل! فقال خارجة. فإن كان محمد قد قتل فإن الله حي لا يموت، لقد بلغ محمد، فقاتل عن دينك، ومر على سعد بن الربيع وبه اثنا عشر جرحا كلها قد خلص إلى مقتل، فقال: علمت أن محمدا قد قتل! فقال سعد: أشهد أن محمدا قد بلغ رسالة ربه. فقاتل عن دينك فإن الله حي لا يموت (٢).
١٦ - وأقبل ثابت بن الدحداحة والمسلمون أوزاع قد سقط في أيديهم فصاح: يا معشر الأنصارا إلي إلي أنا ثابت بن الدحداحة. إن كان محمد قد قتل فإن الله حي لا يموت، فقاتلوا عن دينكم، فإن الله مظهركم وناصركم. فنهض إليه نفر من الأنصار فحمل بهم على كتيبة فيها خالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وعكرمة بن أبي جهل وضرار بن الخطاب فحمل عليه خالد بن الوليد بالرمح فقتله وقتل من كان معه من الأنصار ﵃ (٣).
١٧ - وقال عبد الله بن جحش: يا رسول الله! إن هولاء القوم قد نزلوا حيث ترى، وقد سألت الله فقلت: اللهم إني أقسم عليك أن نلقى العدو غدا فيقتلونني ويبقرونني ويمثلون بي، فألقاك مقتولا قد صنع هذا بي. فتقول: فيم صنع بك هذا؟ فأقول فيك؟ وأنا أسالك أخرى: أن تلي تركتي من بعدي. فقال: نعم. فخرج حتى قتل ومثل به، ودفن هو وحمزة ﵄ في قبر واحد (٤).
_________________
(١) المصدر نفسه ١/ ١٤٤.
(٢) المصدر نفسه ١٥١.
(٣) المصدر نفسه ١٥٢.
(٤) المصدر نفسه ١٥٥.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
١٨ - ثم أخذ - ﷺ - قوسه، فما زال يرامي القوم، وأبو طلحة يستره مترسا عنه، حتى تحطمت القوس. وكان أبو طلحة قد نثر كنانته - وفيها خمسون سهما - بين يدي النبي - ﷺ -، وكان راميا وكان صيتا، فقال - ﷺ -: صوت أبي طلحة في الجيش خير من أربعين رجلا، فلم يزل يرمي بها ورسول الله - ﷺ - من خلفه بين رأسه ومنكبه ينظر إلى مواقع النبل حتى فنيت نبله وهو يقول: نحري دون نحرك جعلني الله فداك فإن كان - ﷺ - ليأخذ العود من الأرض فيقول: ارم أبا طلحة! فيرمي بها سهما جيدا (١).
من بطولات الرجيع والخندق
١٩ - ورماهم عاصم حتى فنيت نبله، ثم طاعنهم حتى كسر رمحه، ثم كسر غمد سيفه، وقاتل حتى قتل، فبعث الله عليه الدبر (٢) فحمته. فلم يدن منه أحد إلا لدغت وجهه؟ ثم بعث الله في الليل سيلا فاحتمله فذهب به فلم يقدروا عليه. وذلك أنه كان قد نذر ألا يمس مشركا ولا يمسه مشرك، وكانوا يريدون أن يجزوا رأسه ليذهبوا به إلى سلافة بنت سعد لتشرب في قفة قحفه الخمر، فإنها نذرت إن أمكنها الله منه أن تفعل ذلك من أجل أنه قتل لها ابنتين في يوم واحد (٣).
٢٠ - ثم أخرجوه (أي خبيب بن عدي) في الحديد إلى التنعيم ومعه النساء والصبيان والعبيد وجماعة من أهل مكة، ومعه زيد بن الدثنة، فصلى خبيب ركعتين أتمهما من غير أن يطول بينهما - وكان أول من سن الركعتين عند القتل - ثم قال: اللهم أحصهم عددا، واقتلهم بددا ولا تغادر منهم أحدا. ثم أوثقوه رباطا وقالوا: ارجع عن الإسلام ونخلي سبيلك. فقال: لا إله إلا الله - ﷺ - والله ما أحب أني رجعت عن الإسلام وأن لي ما في الأرض جميعا! قالوا: فتحب أن محمدا الآن في مكانك وأنت جالس في بيتك؟ فقال:
_________________
(١) المصدر نفسه ١٣٤.
(٢) الدبر: ذكور النحل.
(٣) إمتاع الأسماع ١/ ١٧٥.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
والله ما أحب أن يشاك محمد شوكة وإني جالس في بيتي؟ فجعلوا يقولون: يا خبيب ارجع!! فيقول: لا أرجع أبدا. قالوا: أما واللات والعزى لئن لم تفعل لنقتلنك. قال: إن قتلي في الله لقليل، فجعلوا وجهه من حيث جاء فقال: ما صرفكم وجهي عن القبلة؟ ثم قال: اللهم إني لا أرى إلا وجه عدو، اللهم ليس ها هنا أحد يبلغ رسولك عني السلام، فبلغه أنت عني السلام. فقال رسول الله - ﷺ - - وهو جالس مع أصحابه وقد أخذته غمية -: وعليه السلام ورحمة الله وبركاته ثم قال: هذا جبريل يقرئني من خبيب السلام. ثم حضروا أبناء من قتل ببدر - وهم أربعون غلاما - فأعطوا كل غلام رمحا فطعنوه برماحهم فاضطرب على الخشبة، وقد رفعوه عليها، وانفلت فصار وجهه إلى الكعبة فقال: الحمد لله، فطعنه أبو سروعة حتى أخرجها من ظهره فمكث ساعة يوحد ويشهد أن محمدا رسول الله ثم مات ﵁، وتولى قتل زيد نسطاس (١).
٢١ - ثم أجمع رؤساء المشركين أن يغدو جميعا، وجاؤوا يريدون مضيقا يقحمون خيلهم إلى النبي - ﷺ -، حتى أتوا مكانا ضيقا أغفله المسلمون، فلم تدخله خيولهم، وعبره عكرمة بن أبي جهل، ونوفل بن عبد الله المخزومي، وضرار بن الخطاب الفهري وهبيرة بن أبي وهب، وعمرو بن عبد ود، قام سائرهم وراء الخندق فدعا عمرو إلى البراز .. فلم يكن أسرع من أن قتله علي، فولى أصحابه الأدبار، وسقط نوفل بن عبد الله بن عبد الله عن فرسه بالحجارة حتى قتل. ومر عمر بن الخطاب والزبير في أثر القوم فناوشوهم ساعة، وسقطت درع هبيرة بن أبي وهب فأخذها الزبير ﵁.
ثم وافى المشركون سحرا، وعبأ رسول الله - ﷺ - أصحابه فقاتلوا يومهم إلى هوي من الليل، وما يقدر رسول الله ولا أحد من المسلمين أن يزولوا عن موضعهم، وما قدر رسول الله - ﷺ - على صلاة ظهر ولا عصر ولا مغرب ولا عشاء، فجعل أصحابه يقولون: يا رسول الله - ﷺ - ما صلينا! فيقول: ولا أنا والله صليت! حتى كشف الله المشركين؟ ورجع كل من الفريقين إلى منزله،
_________________
(١) المصدر نفسه ١/ ١٧٧.
[ ٢ / ٣٨١ ]
وقام أسيد بن حضير في مائتين على شفير الخندق، فكرت خيل للمشركين يطلبون كرة عليها خالد بن الوليد - فناوشهم ساعة، فزرق وحشي الطفيل بن النعمان بمزراقه فقتله كما قتل حمزة ﵁ بأحد. فلما صار رسول الله - ﷺ - إلى قبته أمر بلالا فأذن وأقام للظهر وأقام لكل صلاة إقامة فصلى كل صلاة كأحسن ما كان يصليها في وقتها .. وقال يومئذ رسول الله - ﷺ -: شغلنا المشركون عن صلاة الوسطى ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا (١).
٢٢ - كان عمرو بن عبد ود قد قاتل يوم بدر حتى أثبتته الجراحة، فلم يشهد يوم أحد فلما كان يوم الخندق خرج معلما ليرى مكانه. فلما وقف هو وخيله، قال: من يبارز؟ فبرز له علي بن أبي طالب، فقال له: يا عمرو، إنك كنت عاهدت الله ألا يدعوك رجل من قريش إلى إحدى خلتين إلا أخذتها منه: قال له: أجل؟ قال له علي: إني أدعوك إلى الله وإلى رسوله، وإلى الإسلام، قال: لا حاجة لي بذلك؟ قال: فإني أدعوك إلى النزال، فقال له: لم يا بن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك، قال له علي: لكني والله أحب أن أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك، فاقتحم عن فرسه، فعقره، وضرب وجهه، ثم أقبل على علي، فتنازلا وتجاولا، فقتله علي ﵁، وخرجت خيلهم منهزمة، حتى اقتحمت عن الخندق هاربة. قال ابن إسحاق: وقال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه في ذلك:
نصر الحجارة من سفاهة رأيه ونصرت رب محمد بصواب
فصددت حين تركته متجدلا كالجذع بين دكادك وروابي
وعففت عن أثوابه ولو أنني كنت المقطر بزني أثوابي
لا تحسبن الله خاذل دينه ونبيه يا معشر الأحزاب (٢)
وهكذا وجدنا أن الجهد البشري في البذل قد أدى دوره تماما في الحرب، ولم يبخل المسلمون بأرواحهم ودمائهم وقودا للمعارك، حتى هيأ الله تعالى لهم نصره الذي جعله حقا عليه للمؤمنين.
_________________
(١) امتاع الأسماع ١/ ٢٢٢ - ٢٢٣.
(٢) السيرة النبوية لابن هشام ٣/ ٢٣٦.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
السمة الثانية والعشرون
دور النساء في المعارك ومشاركتهن فيها
أين كانت المرأة المسلمة في هذه الأحداث؟
لقد كانت جزءا لا يتجزأ منها، ساهمت في صنعها تربية للجيل المسلم أولا، ثم رعاية للزوج المسلم ثانيا، ودفعا له إلى الجهاد والبذل، ثم صبرا واحتسابا عند المصيبة ثالثا، ثم حضورا للمعركة تسقي الظمأى وتداوي الجرحى رابعا، ثم حملا للسلاح جهادا للعدو حين الضرورة أخيرا، ولا يتسع المقام لأكثر من نماذج توضح هذه الأدوار كلها لتكون نبراسا للمرأة المسلمة اليوم وهي تحمل رسالة الإسلام بجانب الرجل.
أ - في التطبيق العملي للإسلام:
كان المسجد للرجال والنساء، فلقد كانت الصفوف الأولى للرجال، والصفوف الأخيرة للنساء. ولم يكن المسجد دار عبادة فقط، بل كان الجامعة العلمية العليا التي يتلقى المسلمون علومهم منها وعلى رأس هذه الجامعة رسول الله - ﷺ -، ومن أجل هذا كان الحرص المستمر من النساء على شهود الخير وجماعة المسلمين. وكان رسول الله - ﷺ - كثيرا ما يعقد لهن درسا خاصا يعلمهن ويعظهن ويذكرهن. ولو كان المسجد للعبادة فقط، لأمكن استغناء كثير من النساء عن الحضور إليه إذ الإسلام جعل صلاة المرأة في بيتها خيرا من صلاتها في المسجد النبوي، لكن تلقي العلم من منبعه النبوي الموحى إليه لم يكن ليتاح للمرأة المسلمة إلا في المسجد.
وكما كان المسجد دار عبادة ودار علم، فلقد كانت الأحداث تصنع فيه، وتقرر فيه. ولهذا كانت المرأة المسلمة تعيش هذه الأحداث يوما بيوم وساعة بساعة، لم تكن أبدا معزولة عنها، بل كانت تحياها بمشاعرها وأعصابها وفكرها، وتذلل بذلك للرجل المسلم كثيرا من الخطوات التي يود أن يخطوها في بيته لإقناعها بما يريد. وهذه هي المشكلة التي تعانيها المرأة المسلمة اليوم، إنها تعيش بعيدا عن مصنع النور، وبؤرة الإشعاع، وليس كل رجل قادرا
[ ٢ / ٣٨٣ ]
على صهر المرأة في هذه الأحداث وجعلها تتفاعل معها، المرأة تعيش اهتماماتها أكثر مما تعيش إسلامها. وهذا لا يعني أنا لا نملك النماذج الإسلامية الرائعة للمرأة المسلمة اليوم. لكنها نماذج فردية، وليست سمة عامة لنسائنا اليوم.
وفي اعتقادي أن أكبر خطوة عملية تمت بالمرأة المسلمة على طريق الإسلام هو نقل عواطفها ومشاعرها وذوقها من الجاهلية إلى الإسلام في مجال الغناء، وذلك ببروز ظاهرة الأشرطة الإسلامية التي ملأت البيوت، ونسخت الفن الجاهلي الهابط الذي كانت تعيشه المرأة نهارها كله، وهي تغير أبرة المذياع من أغنية ماجنة إلى أخرى خليعة، وتحفظ نسوتنا هذه الأغاني جميعا. وتشهد بها أفراحها وتبني من خلالها ذوقها وعاطفتها بل أفكارها كذلك ومن التطبيق العملي كذلك موقفها وهي تتلقى وحي الله تعالى، نشهد ذلك من خلال روايات عائشة ﵂ الثلاث.
١ - يرحم الله نساء المهاجرات الأول. لما أنزل الله ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ شققن مروطهن فاختمرن (١).
٢ - عن صفية بنت شيبة عن عائشة: لما نزلت هذه الآية، ﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾ أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي فاختمرن بها (٢).
٣ - عن صفية بنت شيبة قالت: بينا نحن عند عائشة فذكرن نساء قريش وفضلهن فقالت عائشة ﵂ إن لنساء قريش فضلا، وإني والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقا لكتاب الله ولا إيمانا بالتنزيل. لقد أنزلت سورة النور: ﴿وليضربن بخمرهن على جيويهن﴾. انقلب رجالهن إليهن يتلو عليهن ما أنزل الله إليهم فيها، ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته، وعلى كل ذي قرابته فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل، فاعتجرت به تصديقا وإيمانا بما أنزل الله من كتابه، فأصبحن وراء رسول الله - ﷺ - معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان (٣).
_________________
(١) البخاري م٢ / ج ٦/ ١٣٦، تفسير سورة النور.
(٢) المصدر نفسه ١٣٦ و١٣٧.
(٣) رواه ابن أبي حاتم وأبو داود. تفسير ابن كثير ٦/ ٩٠
[ ٢ / ٣٨٤ ]
فهكذا كانت المرأة المسلمة تتعامل مع نصوص الكتاب والسنة، وهكذا كانت تحضر الصلاة في المسجد، وتلبي داعي الله.
ب - في تربية الجيل المسلم:
لقد كانت الأمهات اللاتي دخلن في الإسلام، ومن خلال تعايشهن مع الأحداث. خير عون ودافع لأبنائهن. ومن هذه النماذج:
١ - عن عبد الله بن زيد قال: جرحت يومئذ جرحا في عضدي اليسرى (يوم أحد)، وضربني رجل كأنه الرفل (النخلة الطويلة) ولم يعرج علي ومضى عني، وجعل الدم لا يرقأ، فقال رسول الله - ﷺ -: أعصب جرحك، فتقبل أمي إلي، ومعها عصائب في حقويها قد أعدتها للجراح، فربطت جرحي، والنبي واقف ينظر إلي، ثم قالت: انهض يا بني فضارب القوم!! فجعل النبي - ﷺ - يقول: من يطيق ما تطيقين يا أم عمارة!!
٢ - قال ابن إسحاق: وحدثني أبو ليلى عبد الله بن سهل الأنصاري أخو بني حارثة أن عائشة أم المؤمنين كانت في حصن بني حارثة يوم الخندق، وكان من أحرز حصون المدينة. قال: وكانت أم سعد بن معاذ معها في الحصن؛ فقالت عائشة، وذلك قبل أن يفرض علينا الحجاب، فمر سعد وعليه درع له مقفصة، قد خرجت منها ذراعه كلها، وفي يده حربته يرقد (١) بها ويقول:
لبث قليلا يشهد الهيجا جمل لا بأس بالموت إذا حان الأجل
قال: فقالت له أمه: الحق، أي بني، فقد والله أخرت، قالت عائشة: فقلت لها يا أم سعد، والله لوددت أن درع سعد كانت أسبغ مما هي، قالت: وخفت عليه حيث أصاب السهم منه (٢).
حـ - في رعاية الزوج والولد
وخرج عمرو بن الجموح وهو أعرج وهو يقول: اللهم لا تردني إلى أهلي!! فقتل شهيدا، واستشهد ابنه خلاد بن عمرو، وعبد الله بن عمرو بن
_________________
(١) الأصح: يرفل بها أي يسرع، وهي كذلك في سائر الأصول.
(٢) السيرة لابن هشام ج ٣ ص ٢٣٧ - ٢٣٨.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
حرام أبو جابر بن عبد الله فحملتهم هند بنت عمرو بن حرام - زوجة عمرو بن الجموح - على بعير لها تريد بهم المدينة، فلقيتها عائشة (١) ﵂ - وقد خرجت في نسوة تستروح الخبر، ولم يضرب الحجاب يومئذ فقالت لها: عندك الخبر، فما وراءك؟ قالت: أما رسول الله فصالح، وكل مصيبة بعده جلل، واتخذ الله من المؤمنين شهداء .. قالت عائشة: من هؤلاء؟ قالت: أخي وابني خلاد وزوجي عمرو بن الجموح؟ قالت: فأين تذهبين بهم؟ قالت: إلى المدينة أقبرهم فيها. ثم قالت: حل (٢) - تزجر بعيرها - فبرك، فقالت عائشة: لما عليه. قالت: ما ذاك به، لربما حمل ما يحمل البعيران، ولكني أراه لغير ذلك. وزجرته فقام، فوجهته راجعة إلى أحد، فأسرعت إلى النبي - ﷺ - فأخبرته بذلك فقال: فإن الجمل مأمور، هل قال شيئا؟ قالت: إن عمرا لما وجه إلى أحد قال: اللهم لا تردني إلى أهلي خزيان وارزقني الشهادة! فقال رسول الله - ﷺ -: فلذلك الجمل لا يمضي؟ إن منكم يا معشر الأنصار من لو أقسم على الله لأبره: منهم عمرو بن الجموح. يا هند! ما زالت الملائكة مظلة على أخيك من لدن قتل إلى الساعة ينظرون أين يدفن، ثم مكث - ﷺ - حتى قبرهم. ثم قال: يا هند قد ترافقوا في الجنة، عمرو بن الجموح وابنك خلاد وأخوك عبد الله. قالت! قلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني معهم وقال سفيان بن عبد الله: كان أبي أول قتيل من المسلمين يوم أحد قتله سفيان بن عبد شمس فصلى عليه رسول الله - ﷺ - قبل الهزيمة (٣).
د - في الصبر والاحتساب عند المصيبة:
١ - جاءت أم حارثة إلى رسول الله - ﷺ -: فقالت: يا رسول الله أخبرني عن حارثة فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك ليرين الله ما أصنع
_________________
(١) لعل هذا كان قبل أن تلتحق عائشة ﵂ بالجيش مع فريق من النسوة. وذلك حين انتصر المسلمون، وكانت لهم الكرة الأولى.
(٢) حل: زجر تزجر به الناقة إذا حثثتها على السير.
(٣) إمتاع الأسماع ١/ ١٤٦ - ١٤٨.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
قال: ويحك يا أم حارثة. إنها ليست جنة، إنها جنان وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى.
٢ - مر رسول الله - ﷺ - بامرأة من بني دينار، وقد أصيب أخوها وزوجها وأبوها مع رسول الله - ﷺ - بأحد، فلما نعوا لها قالت: فما فعل رسول الله - ﷺ -؟ قالوا: خيرا يا أم فلان، هو بحمد الله كما تحبين، قالت: أرونيه حتى أنظر إليه؟ قال: فأشير لها إليه، حتى إذا رأته قالت: كل مصيبة بعدك جلل (١) (٢).
٣ - قال ابن إسحاق: وقد أقبلت فيما بلغني، صفية بنت عبد المطلب لتنظر إليه (أي حمزة). وكان أخاها لأبيها - وأمها، فقال رسول الله - ﷺ - لابنها الزبير بن العوام: القها فأرجعها لا ترى ما بأخيها، فقال لها: يا أمة إن رسول الله - ﷺ - يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أنه مثل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك! لأحتسبن وأصبرن إن شاء الله. فلما جاء الزبير إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره بذلك؟ قال: خل سبيلها، فأتته، فنظرت إليه، فصلت عليه، واسترجعت، واستغفرت له، ثم أمر به رسول الله - ﷺ - فدفن (٣).
٤ - ثم انصرف رسول الله - ﷺ - راجعا إلى المدينة، فلقيته حمنة بنت جحش، كما ذكر لي، فلما لقيت الناس نعي إليها أخوها عبد الله بن جحش فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها خالها حمزة بن عبد المطلب فاسترجعت واستغفرت له، ثم نعي لها زوجها مصعب بن عمير، فصاحت وولولت؟ فقال رسول الله - ﷺ -: إن زوج المرأة منها لبمكان! لما رأى من تثبتها عند أخيها وخالها، وصياحها عند زوجها (٤).
٥ - أقبل (رسول الله - ﷺ -) حتى طلع على بني عبد الأشهل وهم يبكون على قتلاهم فقال: لكن حمزة لا بواكي له! فخرج النساء ينظرن إلى سلامته.
_________________
(١) أي صغيرة.
(٢) السيرة لابن هشام ٣/ ١٠٥.
(٣) السيرة لابن هشام ٣/ ١٠٣.
(٤) المصدر نفسه ٣/ ١٠٤.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
فقالت أم عامر الأشهلية: كل مصيبة بعدك جلل، وجاءت أم سعد بن معاذ تعدو نحو رسول الله - ﷺ -، وقد وقف على فرسه، وسعد بن معاذ آخذ بعنان الفرس فقال سعد:
يا رسول الله - ﷺ - أمي! فقال، مرحبا بها. فدنت حتى تأملت رسول الله - ﷺ - وقالت: أما إذا رأيتك سالما فقد أشوت (١) المصيبة. فعزاها رسول الله - ﷺ - بعمرو بن معاذ ابنها ثم قال: يا أم سعد! أبشري وبشري أهليهم أن قتلاهم قد ترافقوا في الجنة جميعا - وهم اثنا عشر رجلا - وقد شفعوا في أهليهم؟ قالت: رضينا برسول الله، ومن يبكي عليهم بعد هذا؟ ثم قالت: ادع يا رسول الله لمن خلفوا، قال: اللهم أذهب حزن قلوبهم وأجبر مصيبتهم وأحسن الخلف على من خلفوا، ثم قال: يا أبا عمرو، إن الجراح في أهل دارك فاشية وليس منهم مجروح إلا يأتي يوم القيامة جرحه كأغزر ما كان: اللون لون الدم، والريح ريح المسك، فمن كان مجروحا فليقر في داره وليداو جرحه، ولا يبلغ معي بيتي، عزمة مني، فنادى فيهم سعد: عزمة من رسول الله ألا يتبع رسول الله - ﷺ - جريح من بني عبد الأشهل، فتخلف كل مجروح، فباتوا يوقدون النيران ويداوون الجراح، وإن فيهم لثلاثين جريحا ومضى سعد مع رسول الله - ﷺ - حتى جاء بيته فما نزل عن فرسه إلا حملا، واتكأ على سعد بن معاذ وسعد بن عبادة حتى دخل بيته. فلما أذن بلال بصلاة المغرب خرج على مثل تلك الحال يتوكأ على السعدين فصلى ثم عاد إلى بيته.
ومضى سعد بن معاذ إلى نسائه فساقهن حتى لم تبق امرأة إلا جاء بها إلى بيت رسول الله - ﷺ -، فبكين حمزة ﵁ بين المغرب والعشاء، والناس في المسجد يوقدون النار يتكمدون (٢) بها من الجراح، وأذن بلال ﵁ حين غاب الشفق، فلم يخرج رسول الله - ﷺ -، فجلس بلال عند بابه حتى ذهب ثلث الليل، ثم ناداه: الصلاة، يا رسول الله، فهب - ﷺ -
_________________
(١) أشوت: هانت.
(٢) تكميد العضو: تسخين بخرق أو قطن. فإذا تابع ذلك على موضع الوجع وجد له راحة.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
من نومه وخرج، فإذا هو أخف في مشيته من حين دخل. وسمع البكاء فقاد: ما هذا؟ فقيل: نساء الأنصار يبكين على حمزة فقال: رضي الله عنكن وعن أولادكن وأمر أن ترد النساء إلى أولادهن، فرجعن بعد ليل مع رجالهن، وصلى رسول الله - ﷺ - العشاء ثم رجع إلى بيته، وقد صف له الرجال ما بين بيته إلى مصلاه يمشي وحده حتى دخل، وباتت وجوه الأوس والخزرج على بابه في المسجد يحرسونه فرقا من قريش أن تكر، ويقال إن معاذ بن جبل ﵁ جاء بنساء بني سلمة، وجاء عبد الله بن رواحة ﵁ بنساء الحارث بن الخزرج فقال - ﷺ -: ما أردت هذا، ونهاهن الغد عن النوح أشد النهي (١).
٥ - مات ابن لأبي طلحة من أم سليم فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا التي أحدثه، فجاءت فقربت إليه عشاء فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك فوقع بها، فلما أن رأت أنه قد شبع وأصاب منها قالت: يا أبا طلحة أرأيت لو أن قوما أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم الهم أن يمنعوهم؟ قال: لا قالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب ثم قال: تركتني حتى إذا تلطخت ثم أخبرتني بابني فانطلق حتى أتى رسول الله - ﷺ - فأخبره بما كان فقال رسول الله - ﷺ -، بارك الله في ليلتكما قال: فحملت. قال: وكان رسول الله - ﷺ - في سفر وهي معه، وكان رسول الله - ﷺ - إذا أتى المدينة من سفر لا يطرقها طروقا. فدنوا من المدينة فضربها المخاض. فاحتبس عليها أبو طلحة وانطلق رسول الله - ﷺ -. قال يقول أبو طلحة: إنك لتعلم يا رب أنه يعجبني أن أخرج مع رسول الله - ﷺ - إذا خرج، وأدخل معه إذا دخل وقد احتبست بما ترى، تقول أم سليم: يا أبا طلحة ما أجد الذي كنت أجد الطلق فانطلقنا وضربها المخاض حين قدما فولدت غلاما. فقالت لي أمي: يا أنس لا يرضعه أحد حتى تغدو به على رسول الله - ﷺ -. فلما أصبح احتملته فانطلقت به إلى رسول الله - ﷺ - (٢) فحنكه وسماه عبد الله.
_________________
(١) إمتاع الأسماع: ١/ ١٦٣ - ١٦٥.
(٢) رواه مسلم.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
وفي رواية للبخاري. فقال رجل من الأنصار. فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن، يعني من أولاد عبد الله المولود.
هـ - حضور المعارك للتطبيب والسقاية:
١ - روى البخاري عن أنس ﵁ أنه قال: لقد رأيت عائشة وأم سليم وابنهما المشمرتان تنقزان القرب على متونهما، تفرغان الماء في أفواه القوم ثم ترجعان فتملآنها ثم تجيئان فتفرغانه في أفواه القوم.
٢ - وذكر الطبراني أنه لما انصرف المشركون. خرج نساء الصحابة لتقديم العون لهم فكانت فاطمة فيمن خرج. فلما لقيت النبي - ﷺ - اعتنقته وجعلت تغسل جراحاته بالماء فيزداد الدم. فلما رأت ذلك أخذت شيئا من حصير فأحرقته بالنار وكمدته به حتى لصق الجرح فاستمسك الدم (١).
٣ - وعن أم عطية قالت: غزوت مع رسول الله - ﷺ - سبع غزوات. فكنت أصنع لهم طعامهم، وأخلفهم في رحالهم، وأداوي الجرحى، وأقوم على المرضى (٢).
٤ - قال محمد بن عمر: وقد حضرت أم أيمن أحدا. كانت تسقي الماء وتداوي الجرحى. وجاء في الكامل لابن الأثير: أن أم أيمن كانت تسقي الجرحى في الجيش فرماها حبان ابن العرقة بسهم فوقعت وانكشفت فأغرق عدو الله في الضحك، فدفع إلى سعد بن أبي وقاص سهما لا نصل له، وقال: ارم به، فرمى به، فوقع السهم في نحر حبان المشرك، فوقع مستلقيا حتى تكشف، فضحك رسول الله - ﷺ - حتى بدت نواجذه ثم قال: استقاد لها سعد أجاب الله دعوته (٣).
٥ - وخرج محمد بن مسلمة يطلب مع النساء ماء - وكن قد جئن أربع عشرة
_________________
(١) سمط النجوم العوالي ٢/ ٨٨.
(٢) الطبقات الكبرى ج ٨/ ٤٥٥.
(٣) وقد أورده المقريزي في إمتاع الأسماع ١/ ١٣٣.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
امرأة منهن فاطمة ﵍، يحملن الطعام على ظهورهن، ويسقين الجرحى ويداوينهم، ومنهن أم سليم بنت ملحان، وعائشة أم المؤمنين ﵂ تحملان على ظهورها القرب، ومنهن حمنة بنت جحش وكانت تسقي العطشى، وتداوي الجرحى، ومنهن أم أيمن تسقي الجرحى.
و- المرأة المسلمة مقاتلة:
وهو دور غير طبيعي، والأصل من المرأة ألا تقاتل إلا حين الضرورة، وحين تغشى أرض المسلمين من العدو، ولم تكن أحد إلا صورة من هذه الصور. وكانت بطلتها أم عمارة.
١ - قالت أم عمارة: وأقبل الرجل الذي ضرب ابني، فقال رسول الله - ﷺ - هذا ضارب ابنك. قالت: فاعترض له، فأضرب ساقه، فبرك. قالت: فرأيت رسول الله - ﷺ - يتبسم حتى رأيت نواجذه، وقال: استقدت (ثأرت) يا أم عمارة. ثم أقبلنا نعله بالسلاح حتى أتينا على نفسه فقال النبي - ﷺ -: الحمد لله الذي ظفرك، وأقر عينك من عدوك، وأراك ثأرك بعينك (١).
٢ - قالت أم عمارة: قد رأيتني وقد انكشف الناس عن رسول الله - ﷺ - فما بقي إلا في نفير ما يتمون عشرة، وأنا وابناي وزوجي بين يديه ندب عنه والناس يمرون به منهزمين، ورآني لا ترس معي. فرأى رجلا موليا معه ترس فقال لصاحب الترس: الق ترسك إلى من يقاتل. فألقى ترسه فأخذته، فجعلت أتترس به عن رسول الله - ﷺ -، فيقبل رجل على فرس فضربني، وتترست له، فلم يصنع سيفه شيئا وولى وأضرب عرقوب فرسه، فوقع على ظهره، فجعل النبي - ﷺ - يصيح يا ابن أم عمارة، أمك، قالت: فعاونني عليه حتى أوردته شعوب (٢».
٣ - وفي رواية عن أم سعيد بنت سعد بن الربيع تقول: دخلت عليها فقلت: حدثيني خبرك يوم أحد. قالت: خرجت أول النهار إلى أحد وأنا أنظر
_________________
(١) إمتاع الأسماع ١/ ١٣٨.
(٢) شعوب: إسم من أسماء المنية.
[ ٢ / ٣٩١ ]
ما يصنع الناس ومعي سقاء فيه ماء. فانتهيت إلى رسول الله - ﷺ - وهو في أصحابه، والدولة والريح للمسلمين. فلما انهزم المسلمون انحزت إلى رسول الله - ﷺ - فجعلت أباشر القتال، وأذب عن رسول الله بالسيف وأرمي بالقوص حتى خلصت إلي الجراح. قالت: فرأيت على عاتقها جرحا غور أجوف، فقلت: يا أم عمارة من أصابك هذا؟ قالت: أقبل إلي ابن قميئة. وقد ولى الناس عن رسول الله - ﷺ - وهو يصيح دلوني على محمد فلا نجوت إن نجا، فاعترض له مصعب بن عمير، وناس معه فكنت فيهم فضربني هذه الضربة، ولقد ضربته على ذلك ضربات، ولكن عدو الله كان عليه درعان.
٤ - كان ضمرة بن سعيد المازني يحدث عن جدته، وكانت قد شهدت أحدا تسقي الماء، قالت: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لمقام نسيبة بنت كعب اليوم خير من مقام فلان وفلان، وكان يراها يومئد تقاتل أشد القتال، وإنها لحاجزة ثوبها على وسطها حتى جرحت ثلاثة عشر جرحا. وكانت تقول (جدة ضمرة): إني لأنظر إلى ابن قميئة وهو يضربها على عاتقها، وكان أعظم جراحها، فداوته سنة. ثم نادى منادي رسول الله - ﷺ - إلى حمراء الأسد، فشدت عليها بثيابها فما استطاعت من نزف الدم! ولقد مكثنا ليلتنا نكمد الجراح حتى أصبحنا. فلما رجع رسول الله - ﷺ - من الحمراء، ما وصل إلى بيته حتى أرسل إليها عبد الله بن كعب المازني يسأل عنها فرجع إليه يخبره بسلامتها. فسر بذلك النبي - ﷺ - (١).
٥ - وقال أبو رافع - مولى رسول الله - ﷺ - -: كنت غلاما للعباس، وكان الإسلام قد دخلنا أهل البيت، فأسلم العباس، وأسلمت أم الفضل وأسلمت. وكان العباس يكتم إسلامه، وكان أبو لهب قد تخلف عن بدر، فلما جاءه الخبر كبته الله وأخزاه، ووجدنا في أنفسنا قوة وعزا، وكنت رجلا ضعيفا أعمل الأقداح، أنحتها في حجرة زمزم، فوالله إني لجالس فيها أنحت أقداحي، وعندي أم الفضل جالسة، وقد سرنا ما جاءنا من الخبر، إذ أقبل أبو لهب يجر رجليه بشر حتى جلس على طنب الحجرة، فكان ظهره إلى
_________________
(١) الطبقات الكبرى لابن سعد ٨/ ٤١٣.
[ ٢ / ٣٩٢ ]
ظهري، فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب قد قدم، فقال له أبو لهب: هلم إلي، فعندك لعمري الخبر، قال فجلس إليه، والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكتافنا يقتلوننا كيف شاؤوا، ويأسروننا كيف شاؤوا. وايم الله مع ذلك ما لمت القوم، لقينا رجالا بيضا على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق شيئا، ولا يقوم لها شيء. قال أبو رافع: فرفعت طنب الحجرة بيدي، ثم قلت: تلك والله الملائكة. قال فرفع أبو لهب يده، فضرب بها وجهي ضربة شديدة، فثاورته، فاحتملني فضرب بي الأرض، ثم برك علي يضربني، وكنت رجلا ضعيفا. فقامت أم الفضل إلى عمود من عمد الحجرة فأخذته فضربته به ضربة فعلت في رأسه شجة منكرة. وقالت: استضعفته إن غاب عنه سيده، فقام موليا ذليلا، فوالله ما عاش إلا سبع ليالي حتى رماه الله بالعدسة فقتله. وهي قرحة تتشاءم بها العرب فتركه بنوه، وبقي ثلاثة أيام لا تقرب جنازته، ولا يحاول دفنه، فلما خافوا السبة في تركه حفروا له، ثم دفعوه بعود في حفرته، وقذفوه بالحجارة من بعيد حتى واروه (١).
٦ - قال ابن إسحاق: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد قال: كانت صفية بنت عبد المطلب في فارع حصن حسان بن ثابت، وكان حسان بن ثابت معنا فيه مع النساء والصببان. قالت صفية. فمر بنا رجل من يهود، فجعل يطيف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة، وقطعت ما بينها وبين رسول الله - ﷺ -، وليس بيننا وبينهم أحد يدفع عنا، ورسول الله - ﷺ - والمسلمون في نحور عدوهم، لا يستطيعون أن ينصرفوا عنهم إلينا إن أتانا آت. قالت: فقلت: يا حسان إن هذا اليهودي كما ترى يطيف بالحصن، وإني والله ما آمنه أن يدل على عوراتنا من وراءنا من يهود، وقد شغل عنا رسول الله () وأصحابه فأنزل إليه فأقتله؟ قال: يغفر لك الله يا ابنة عبد المطلب، والله لقد عرفت ما أنا بصاحب هذا، قالت فلما قال لي ذلك، ولم أر عنده
_________________
(١) المباركفوري في الرحيق المختوم ٢٥٠ - ٢٥١.
[ ٢ / ٣٩٣ ]
شيئا، احتجزت (١) ثم أخذت عمودا، ثم نزلت من الحصن إليه، فضربته بالعمود حتى قتلته. قالت: فلما فرغت منه، رجعت إلى الحصن، فقلت: يا حسان، انزل إليه فاسلبه، فإنه لم يمنعني من سلبه إلا أنه رجل؟ قال: ما لي بسلبه من حاجة يا ابنة عبد المطلب (٢» (٣).
ز - في الدعوة إلى الله:
(أخبرنا عفان بن مسلم، حدثنا حماد بن سلمة عن ثابث أن أم سليم قالت: يا أبا طلحة ألست تعلم أن إلهك الذي تعبد، إنما هو شجرة تنبت من الأرض نجرها حبشي بني فلان؟ قال: بلى. قالت: أما تستحي تسجد لخشبة تنبت من الأرض نجرها حبشي بني فلان؟ قالت فهل لك أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأزوجك نفسي لا أريد منك صداقا غيره؟ قال لها: دعيني حتى أنظر. قالت، فذهب فنظر ثم جاء فقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله. قالت: يا أنس قم فزوج أبا طلحة (٤» - وكان قد جاءها خاطبا. فما كان لها مهر إلا إسلامه.
السمة الثالثة والعشرون
عبقرية التخطيط القيادي
إننا ونحن نستعمل هذا التعبير عن العبقرية، لا يغيب عن ذهننا أننا أمام رسول رب العالمين الموحى إليه. ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى
_________________
(١) احتجزت: شددت وسطي.
(٢) السيرة النبوية لابن هشام ٣/ ٢٣٩.
(٣) تشير الرواية إلى أن حسان بن ثابت شاعر رسول الله ﷺ كان جبانا وقد أنكر بعض العلماء أن يكون حسان ﵁ جبانا. ولو كان كذلك لهجي من خصومه شعراء قريش وعير بذلك، وحيث أن الحديث جاء بسند متصل حسن فاعتضد حديث ابن إسحاق. فعلل الأمر بأن حسانا كان في ذلك الوقت معتلا بعلة منعته من شهود القتال، مع أن الخوف يوم الأحزاب كان عاما في المسلمين، كما يقول الله تعال: ﴿وإذا زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا﴾ وما قصة حذيفة عنا بعيدة.
(٤) الطبقات الكبرى لابن سعد ج ٨ ص ٤٢٧.
[ ٢ / ٣٩٤ ]
إلي ..﴾ (١). وإنه مسدد من ربه. ﴿وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي ..﴾ (٢). لكننا في الوقت نفسه نعتقد أن محمدا رسول الله هو سيد ولد آدم وهو خير البشر. فإذا كان في البشر عباقرة فهو سيدهم بلا منازع. ولقد استعمل رسول الله - ﷺ - هذا اللفظ بحق عمر ﵁: (فلم أر عبقريا يفري فرية حتى ضرب الناس بعطن ..) (٣). ولا بد من الإشارة إلى أننا نخطىء بحق رسول الله - ﷺ - كثيرا يوم نقدمه للناس على أنه آلة تلق من الله تعالى فقط. والله تعالى يختار خير خلقه لأداء رسالته ويكون عندهم من الذكاء والحلم والعبقرية ما لا يوجد عن غيرهم، أو يفوقهم على الأقل. ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله وعذاب شديد بما كانوا يمكرون﴾ (٤).
كما أننا لا بد أن نوضح فكرة مهمة حين نتحدث عن جانب من هذه الجوانب. مثل هذا الموضوع، هذه الفكرة هي جانب القدوة البشرية، وهو الذي يستطيع البشر أن يقتدوا به. أما جانب الوحي، فقد انتهى مع النبي ﵊، ومن أجل هذا اختار الله تعالى لرسالته بشرا يمكن أن يقتدى به، ولم يختر ملكا.
﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا﴾ (٥).
فكثيرا ما يفاجأ الدعاة مع الناس إذا ذكروا لهم شيئا عن رسول الله - ﷺ - أن يقول هؤلاء الناس: هذا رسول الله، ونحن لسنا رسلا،
_________________
(١) سورة الكهف، من الآية الأخيرة.
(٢) سورة النجم، الآيتان ٣ و٤.
(٣) رواه؟. [من حديث طويل (متفق عليه)].
(٤) الأنعام، الآية ١٢٤.
(٥) الإسراء: الآيتان ٩٤ و٩٥.
[ ٢ / ٣٩٥ ]
إنها كلمة حق أريد بها باطل يريدون أن يتنصلوا من المسؤولية، ويتحرروا من التطبيق العملي للإسلام تحث هذا الستار. حقا إنه رسول الله. وحقا إنه القدوة والأسوة:
﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾ (١). وإذا كنا نعالج في هذه السمة الجانب البشري عند رسول الله - ﷺ - وجهده في حرب عدوه، وتخطيطه في الانتصار عليه، فستكون السمة التالية، مكان الحديث عن المعجزات الإلهية التي رافقت هذه الدعوة، وحققت نصر الله بهذه الفئة المؤمنة. وبذلك نقتدي في الجانب البشري حتى ننال العون الإلهي، والكرامة الربانية التي تعطى لأولياء الله تعالى. كما تعطى المعجزات للأنبياء والرسل المصطفين منه سبحانه.
أ - قوة المخابرات النبوية
لو وقفنا أمام السرايا والبعوث والغزوات في هذه المرحلة لأذهلتنا قوة المخابرات النبوية بصورة يكاد التاريخ لا يشهد لها مثيلا وذلك من خلال التقرير التالي:
١ - كانت أول سرية بعثها الرسول - ﷺ - في المدينة لحمزة بن عبد المطلب إلى سيف البحر لأنه قد بلغه أن عيرا لقريش تمر من هناك، وذلك على رأس سبعة أشهر.
٢ - ثم كانت سرية عبيدة بن الحارث ليفاجىء المشركين على ماء يقال له أحياء من بطن رابغ وكان على رأسهم أبو سفيان بن حرب أو عكرمة في مئتين منهم.
٣ - ثم كانت سرية سعد بن أبي وقاص على رأس تسعة أشهر تعترض عيرا لقريش عند الحجفة قريبا من خم ففاتتهم. بينما لم تفت المسلمون العير في السريتين السابقتين.
_________________
(١) الأحزاب، الآية ٢٦.
[ ٢ / ٣٩٦ ]
٤ - ثم غزا رسول الله - ﷺ - وذان (وهو جبل بين مكة والمدينة على رأس أحد عشر شهر يعترض عيرا لقريش.
٥ - ثم كانت غزوة بواط على رأس ثلاثة عشر شهرا يعترض عيرا لقريش فيها أمية بن خلف ومائة رجل من قريش.
٦ - ثم غزا غزوة العشيرة على رأس ستة عشر شهرا يعترض عيرا لقريش حين أبدأت إلى الشام. وهذه العير هي التي خرج في طلبها لما عادت وكانت وقعة بدر.
٧ - ثم كانت سرية عبد الله بن جحش ﵁ إلى بطن نخلة (وهو بستان ابن عامر الذي بقرب مكة) في رجب على رأس سبعة عشر شهرا. فوجد عيرا لقريش فيها عمرو بن الحضرمي واستاقوا العير، وكانت محملة خمرا وأدما وزبيبا وقدموا بها على النبي - ﷺ -.
٨ - ثم كانت غزوة بدر الكبرى. وهي في الأصل لاعتراض عير قريش وهي قادمة من الشام وشاءت إرادة الله تعالى أن تفوت القافلة، وتكون ذات الشوكة للمسلمين (١).
فهذه النماذج الثمانية صورة حية ليقظة عيون النبي - ﷺ - التي ترصد تحركات العدو في المنطقة، بل كانت مخابراته تنقل إليه لحظة الخروج من مكة، ولحظة القفول من الشام.
٩ - وخرج رسول الله - ﷺ - بنفسه مع بعض أصحابه يتعرف على أخبار قريش والقافلة (فلقي سفيان الضمري ففال رسول الله - ﷺ - من الرجل؟ فقال: بل من أنتم؟ قال رسول الله - ﷺ -: فأخبرنا ونخبرك، قال: وذاك بذاك، قال النبي - ﷺ -، نعم، قال: سلوا عما شئتم، فقال رسول الله - ﷺ - فأخبرنا عن قريش، فقال: بلغني أنهم خرجوا في يوم كذا وكذا من مكة فإن كان الذي أخبرني صادقا فهم اليوم بمكان كذا وكذا (أو فإنهم بجنب هذا
_________________
(١) ملخصة من إمتاع الأسماع للمقريزي من ٥١ - ٦٠.
[ ٢ / ٣٩٧ ]
الوادي). قال رسول الله - ﷺ -: فأخبرنا عن محمد وأصحابه، قال: خبرت أنهم خرجوا من يثرب يوم كذا وكذا فإن كان الذي أخبرني صادقا فهم بجانب هذا الوادي، قال الضمري: فمن أنتم؟ قال النبي - ﷺ -: نحن من ماء، وأشار بيده نحو العراق، فقال: ما من ماء! أمن ماء العراق؟. ثم انصرف رسول الله - ﷺ - إلى أصحابه، ولا يعلم واحد من الفريقين بمنزل صاحبه، بينهم قوز من رمل. (١)
ومضى فلقيه بسبس وعدي بن أبي الزعباء فأخبراه خبر العير، ونزل النبي - ﷺ - أدنى بدر عشاء ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان، فبعث عليا والزبير وسعد بن أبي وقاص وبسبس بن عمرو ﵃ يتحسسون (٢) على الماء، وأشار لهم إلى ظريب (٣)، وقال أرجو أن تجدوا الخبر عند هذا القليب (٤) الذي يلي الظرب. فوجدوا على تلك القليب روايا قريش فيها سقاؤهم، فأفلت عامتهم وفيهم عجير، فجاء قريشا فقال: يا آل غالب، هذا ابن أبي كبشة وأصحابه قد أخذوا سقاءكم، فماج العسكر وكرهوا ذلك، والسماء تمطر عليهم، وأخذ تلك الليلة أبو يسار، غلام عبيدة بن سعيد بن العاص، وأسلم غلام منبه بن الحجاج، وأبو رافع غلام أمية بن خلف، فأتي بهم النبي - ﷺ - وهو يصلي فقالوا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فكره القوم خبرهم فضربوهم، فقالوا: نحن لأبي سفيان، ونحن في العير، فأمسكوا عنهم. فسلم رسول الله - ﷺ - وقال: إن صدقوكم ضربتموهم، وإن كذبوكم تركتموهم، ثم أقبل عليهم يسألهم، فأخبروه أن قريشا خلف هذا الكثيب، وأنهم ينحرون يوما عشرا ويوما تسعا، وأعلموه بمن خرج من مكة، فقال - ﷺ -: القوم بين الألف والتسعمائة، قال: هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ أكبادها (٥).
_________________
(١) القوز: الكثيب المشرف المستدير من الرمل.
(٢) يتحسسون: يتجسسون.
(٣) ظربب: تصغبر ظرب وهو الجبل المنبسط في حجارة دقاق.
(٤) القليب: البئر القديمة التي لا يعلم لها حافر.
(٥) إمتاع الأسماع ٧٦ - ٧٧.
[ ٢ / ٣٩٨ ]
فها هي المخابرات النبوية في بدر تكشف موقع العدو، وعدده وعدته قبل الدخول في المعركة والحوادث المذكورة بإيحاءاتها غنية عن أي تعليق.
١٠ - ثم كانت غزوة قرارة الكدر وذلك إنه بلغه أن بقرارة الكدر جمعا من غطفان وسليم، فأخذ عليهم الطريق فلم يجد أحدا، فأرسل في أعلى الوادي نفرا من أصحابه، واستقبلهم في بطن الوادي فوجد رعاء فيها غلام يقال له يسار. فسألهم فأخبره يسار أن الناس ارتفعوا إلى المياه، فانصرف وقد ظفر بالنعم يريد المدينة (١).
١١ - أما غزوة أحد فقد كتب العباس بن عبد المطلب إلى رسول الله - ﷺ - من مكة كتابا مع رجل من بني غفار يخبره بذلك، فقدم عليه وهو بقباء فقرأه عليه أبي بن كعب واستكتم أبيا، ونزل رسول الله - ﷺ - على سعد بن الربيع فأخبره بكتاب العباس فقال: والله إني لأرجو أن يكون في ذلك خير، وقد أرجفت اليهود (٢) والمنافقون وشاع الخبر. وقدم عمرو بن سالم الخزاعي في نفر وقد فارقوا قريشا من ذي طوى، فأخبر النبي - ﷺ - وانصرفوا وبعث رسول الله - ﷺ - أنسا ومؤنسا ابني فضالة ليلة الخميس عينيين، فاعترضا لقريش بالعقيق، وعادا إلى النبي - ﷺ - فأخبراه، ونزل المشركون ظاهر المدينة يوم الأربعاء، فرعت إبلهم آثار الحرث والزرع يوم الخميس ويوم الجمعة حتى لم يتركوا خضراء، وبعث رسول الله - ﷺ - الحباب بن المنذر بن الجموح فنظر إليهم وعاد وقد حزر عددهم وما معهم، فقال - ﷺ -: لا تذكروا من شأنهم حرفا، حسبنا الله ونعم الوكيل اللهم بك أجول وبك أصول (٣).
_________________
(١) المصدر نفسه ١/ ١٥٧.
(٢) معرفة اليهود والمنافقين بالخبر سبقه أن أبا عامر الفاسق قد خرج في خمسين رجلا من المدينة إلى مكة وحرض قريشا على الحرب. وسار معها إلى أحد.
(٣) إمتاع الأسماع ١/ ١١٥.
[ ٢ / ٣٩٩ ]
١٢ - أما عن الخندق: كانت خزاعة عندما خرجت من مكة: أتى ركبهم رسول الله - ﷺ - - في أربع ليال - حتى أخبروه، فندب الناس وأخبرهم خبر عددهم.
نكتفي بهذا القدر من النماذج لنؤكد هذا المعنى الكبير، من أن رسول الله - ﷺ - كان أشد ما يكون حذرا ويقظة وتعرفا على أخبار عدوه مع الإشارة إلى أن الأخبار التي كانت تأتي إليه لم يكن أي خبر منها غير صادق بغض النظر عن تحقيق الهدف من الغزوة أو عدم تحقيقه ولا نذكر في هذه المرحلة أن المسلمين غزوا بشكل مفاجىء إلا مرتين:
الأولى: عندما أغار كرز بن جابر الفهري على سرح المدينة قبل بدر.
الثانية: عندما نزل أبو سفيان سرا مع عدد من المشركين على سلام بن مكشم اليهودي. وعرف منه أخبار الرسول ﵊. ووجد رجلا من الأنصار في حرث فقتله وأجيره، وحرق بيتين بالغريض، وحرق حرثا لهم وذهب.
ولقد ظهرت خطورة هذه القضية تماما مع تجربة الحركة الإسلامية مع أعدائها. فضعف المخابرات لديها أمكن أن تشتعل المعركة دون علم القيادة، مما نشأ عنه أكبر محنة للحركة راح ضحيتها عشرات الألوف نتيجة المعلومات الخاطئة التي وصلت للإخوة المجاهدين في الداخل. ولعل ما شهدناه من عظمة المخابرات النبوية يدفعنا إلى أن نعطي هذا الموضوع حقه، ونوفيه أهميته. لأن الحركة الإسلامية، حين تفقد قوة المخابرات والأمن لديها إنما تفقد شريانها الرئيسي الذي تعيش منه، وحين لا تكون المعلومات صادقة وأمينة من عيونها. فإنما تنحر نفسها بيدها. إنه درس قاس ولا شك، ولكنه التمحيص والعقوبة والابتلاء.
ب - الغزو لمن يريد الغزو
وهي قضية ذات صلة وثيقة بالفقرة الأولى، بأن تفاجىء العدو فتضربه
[ ٢ / ٤٠٠ ]
وهو يعد لضربك، وقد تم هذا الأمر في التخطيط النبوي مرات عديدة نذكر منها:
١ - كانت غزوة ذي أمر بنجد، بعد بدر. وذلك إنه بلغه أن جمعا من بني ثعلبة من عطفان وبني محارب قد تجمعوا يريدون أن يصيبوا من أطرافه - ﷺ - جمعهم دعثور بن محارب، فأصاب رسول الله - ﷺ - رجلا منهم بذي القصة، وسار معهم يدلهم على عورات القوم حتى أهبطهم من كثيب فهربت الأعراب فوق الجبال.
٢ - وغزوة بني سليم بالفرع لم تكن إلا لفض تجمع منهم كان يريد غزو المدينة.
٣ - وغزوة ذات الرقاع بعد أحد كانت بناء على إخبارية جاءت إلى المدينة تقول أن بني أنمار بن بغيض وبني سعد بن ثعلبة قد جمعوا لحرب المسلمين فخرج رسول الله - ﷺ - في أربعمائة ثم قدم محالهم وقد ذهبوا إلى رؤوس الجبال.
٤ - أما سرية أبي سلمة فقد نقلت استخبارات المدينة أن طلحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهما يدعون بني أسد بن خزيمة إلى حرب رسول الله - ﷺ - - وباغت أبو سلمة بني أسد في ديارهم قبل أن يقوموا بغارتهم فتشتتوا في الأمر.
٥ - وما مقتل خالد بن سفيان الهذلي إلا لأن الاستخبارات قد نقلت إلى رسول الله - ﷺ - إنه يحشد الجموع لحرب المسلمين فأرسل النبي - ﷺ - عبد الله ابن أنيس ليقضي عليه، علما بأن خالدا كان يجمع الجموع قرب مكة.
وبذلك حطم رسول الله - ﷺ - كل قوة تفكر مجرد تفكير في غزو المدينة، وألقى الرعب في قلوب المجاورين لهذه القوى، دون أن يؤخذ على غرة من أحد. ويوفر على نفسه كثيرا من الخسائر المادية والمعنوية، التي كانت ستقع لو تماهل شيئا طفيفا في تحري حركات العدو، أو ضرب تجمعاته. إن على الحركة الإسلامية اليوم اقتداء برسول الله - ﷺ - أن تكون على خبرة عميقة بطبيعة
[ ٢ / ٤٠١ ]
أعدائها، وطبيعة تحركاتهم وتخطيطهم، وأن تبث عيونها في صفوفهم بحيث لا يفوتها شاردة ولا واردة من اتجاههم ومخططاتهم، وأن تواجه هذه المخططات قبل التنفيذ، وتضربها وهي في دور الإعداد لتكون قادرة على الصمود والاستمرار. إنه الجهد البشري المطلوب في عالم الأسباب، ونود أن يتعرف شباب الدعوة على هذا المعنى تماما.
صحيح أن النصر بيد الله ﷿ يؤتيه من يشاء، ولكن الله تعالى لا يرضى لدعوته أن تكون تجمعا من المتواكلين، وتشرذما من القاعدين، وأن تعمل الحركات المعادية لدنياها ولالتحام صفها خيرا مما تفعله الحركة الإسلامية في ذلك. والصف المؤمن المتراص الموحد اليقظ، المبادر الدؤوب هو الذي تتحقق فيه مواصفات النصر، من الله ﷿، أما أن نتخاذل عن كل شيء، ثم نقول: لماذا لا ينصرنا الله؟. ﴿قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ (١).
ص - العهود مع الجوار
وهو من جملة التخطيط النبوي القيادي، أن يقيم رسول الله - ﷺ - معاهدات حسن جوار وتحالف مع القبائل المجاورة بحيث يوحد الجبهة المقاتلة، ولم تنقض هذه المعاهدات إلا على النادر، وفي الأحوال التي يشعر فيها المعاهدون بضعف شوكة النبي - ﷺ - وقد استوفيت هذه الفقرة الحديث من قبل في بداية العهد المدني.
د - مهاجمة طريق العراق.
ولم يكتف ﵊ بقطع طريق قوافل قريش من المدينة.
بل راحث القوات الإسلامية تطارد قريش وقوافلها في الطرق الثانية الطويلة التي اختارتها قريش هربا من ملاحقة محمد - ﷺ - لها.
فقد (كانت سرية زيد بن حارثة إلى القردة، وهي أول سرية خرج فيها
_________________
(١) آل عمران الآية ١٣٦.
[ ٢ / ٤٠٢ ]
زيد أميرا يريد صفوان بن أمية وقد نكب عن الطريق وسلك على جهة العراق يريد الشام بتجارة فيها أموال لقريش - خوفا من رسول الله - ﷺ - أن يعترضها، فقدم نعيم بن مسعود الأشجعي على كنانة بن أبي الحقيق في بني النضير فشرب معه، ومعهم سليط بن النعمان يشرب، ولم تكن الخمر حرمت، فذكر نعيم خروج صفوان في عيره وما معهم من الأموال، فخرج (سليط) من ساعته وأخبر النبى - ﷺ -، فأرسل زيد بن حارثة في مائة راكب، فأصابوا العير وأفلت أعيان القوم. فقدموا بالعير فخمسها رسول الله - ﷺ - فبلغ الخمس عشرين ألف درهم وقسم ما بقي على أهل السرية، وكان فيمن أسر فرات ابن حيان فأسلم (١».
هـ - ثبات أحد وتحويل الهزيمة إلى نصر
وندع هذا الوصف للمباركفوري على صورة مقتطفات سريعة، وإيضاحات أخرى يقتضيها الموقف:
خالد بن الوليد يقوم بخطة تطويق الجيش: وانتهز خالد بن الوليد هذه الفرصة الذهبية (خلو الجبل من الرماة) فاستدار بسرعة خاطفة حتى وصل إلى مؤخرة الجيش الإسلامي. فلم يلبث أن أباد عبد الله بن جبير وأصحابه ثم انقض على المسلمين من خلفهم، وصاح فرسانه صيحة عرف المشركون المنهزمون بالتطور الجديد فانقلبوا على المسلمين، وأسرعت إمرأة منهم - وهي عمرة بنت علقمة الحارثية - فرفعت لواء المشركين المطروح على التراب، فالتف حوله المشركون ولاثوا به، وتنادى بعضهم بعضا، حتى اجتمعوا على المسلمين وثبتوا للقتال، وأحيط المسلمون من الأمام والخلف ووقعوا بين شقي الرحى.
موقف الرسول الباسل إزاء عمل التطويق: وكان رسول الله - ﷺ - حينئذ في مفرزة صغيرة - تسعة نفر من أصحابه - في مؤخرة المسلمين، كان يرقب مجالدة المسلمين ومطاردتهم المشركين إذ بوغت بفرسان خالد مباغتة كاملة،
_________________
(١) السيرة لابن هشام ج ٣/ ٧.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
فكان أمامه طريقان، إما أن ينجو، - بالسرعة - بنفسه وبأصحابه التسعة إلى ملجأ مأمون، ويترك جيشه المطرق إلى مصيره المقدور، وإما أن يخاطر بنفسه فيدعو أصحابه ليجمعهم حوله، ويتخذ بهم جبهة قوية يشق بها الطريق لجيشه المطوق إلى هضاب أحد.
وهنالك تجلت عبقرية الرسول الله - ﷺ - الفذة، وشجاعته المنقطعة النظير فقد رفع صوته ينادي أصحابه: عباد الله، وهو يعرف أن المشركين سوف يسمعون صوته قبل أن يسمعه المسلمون. ولكنه ناداهم ودعاهم مخاطرا بنفسه في هذا الظرف الدقيق. وفعلا فقد علم به المشركون فخلصوا إليه قبل أن يصل إليه المسلمون.
تبدد المسلمين في الموقف: أما المسلمون فلما وقعوا في التطويق طار صواب طائفة منهم، فلم تكن تهمها إلا أنفسها، فقد أخذت طريق الفرار، وتركت ساحة القتال، وهي لا تدري ماذا وراءها؟ وفر من هذه الطائفة بعضهم إلى المدينة حتى دخلها، وانطلق بعضهم إلى فوق الجبل، ورجعت طائفة أخرى فاختلطت بالمشركين، والتبس العسكران، فلم يتميزوا فوقع القتل في المسلمين بعضهم من بعض. روى البخاري عن عائشة قالت: لما كان يوم أحد هزم المشركون هزيمة بينة، فصاح إبليس، أي عباد الله أخراكم - أي احترزوا من ورائكم - فرجعت أولاهم فاجتلدت هي وأخراهم، فبصر حذيفة، فإذا هو بأبيه اليمان، فقال: أي عباد الله أبي أبي. قالت: فوالله ما احتجزوا عنه حتى قتلوه، فقال حذيفة: يغفر الله لكم. قال عروة: فوالله ما زالت في حذيفة بقية خير حتى لحق بالله.
وهذه الطائفة حدث داخل صفوفها ارتباك شديد، وعمتها الفوضى، وتاه منها الكثيرون، لا يدرون أين يتوجهون، وبينما هم كذلك إذ سمعوا صائحا يصيح: إن محمدا قد قتل، فطارت بقية صوابهم، وانهارت الروح المعنوية أو كادت تنهار في نفوس كثير من أفرادها. فتوقف من توقف منهم عن القتال، وألقى بأسلحته مستكينا، وفكر آخرون في الاتصال بعبد الله بن أبي - رأس المنافقين - ليأخذ لهم الأمان من أبي سفيان
[ ٢ / ٤٠٤ ]
احتدام القتال حول رسول الله - ﷺ -:
وبينما كانت تلك الطوائف تتلقى أواصر التطويق، تطحن بين شقي الرحى المشركين، كان العراك محتدما حول رسول الله - ﷺ -. وقد ذكرنا أن المشركين لما بدأوا عمل التطويق لم يكن مع رسول الله - ﷺ - إلا تسعة نفر، فلما نادى المسلمين: هلم إلي، أنا رسول الله سمع صوته المشركون وعرفوه فكروا إليه وهاجموه، ومالوا إليه بثقلهم قبل أن يرجع إليه أحد من جيش المسلمين فجرى بين المشركين وبين هؤلاء النفر التسعة من الصحابة عراك عنيف ظهرت فيه نوادر الحب والتفافي والبسالة والبطولة.
روى مسلم عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: من يردهم عنا وله الجنة؟ أو هو رفيقي في الجنة فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، ثم رهقوه أيضا فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة فقال رسول الله - ﷺ - لصاحبيه (أي القرشيين) ما أنصفنا أصحابنا. وكان آخر هؤلاء السبعة هو عمارة بن يزيد بن السكن، قاتل حتى أثبتته الجراحة فسقط.
أحرج ساعة في حياة الرسول - ﷺ -:
وبعد سقوط ابن السكن بقي الرسول - ﷺ - في القرشيين فقط. ففي الصحيحين عن أبي عثمان قال: (لم يبق مع النبي - ﷺ - في بعض تلك الأيام التي يقاتل فيهن غير طلحة بن عبيد الله وسعد بن أبي وقاص.) وكانت أحرج ساعة بالنسبة إلى حياة النبي - ﷺ - وفرصة ذهبية بالنسبة للمشركين، ولم يتوان المشركون في انتهاز تلك الفرصة. فقد ركزوا حملتهم على النبى - ﷺ - وطمعوا في القضاء عليه ولا شك أن المشركين كانوا يهدفون القضاء على حياة رسول الله - ﷺ - إلا أن القرشيين سعد بن أبي وقاص وطلحة بن عبيد الله قاما ببطولة نادرة، وقاتلا ببسالة منقطعة النظير حتى لم يتركا - وهما اثنان فحسب - سبيلا إلى نجاح المشركين في هدفهم، وكانا من أمهر رماة العرب فتناضلا حتى أجهضا مفرزة المشركين عن رسول الله - ﷺ -. فأما سعد بن أبي وقاص، فقد نثل له رسول الله - ﷺ - كنانته وقال: إرم سعد فداك أبي وأمي.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
ويدل على مدى كفاءته أن النبي - ﷺ - لم يجمع أبويه لأحد غير سعد. وأما طلحة بن عبيد الله فقد روى النسائي عن جابر قصة تجمع المشركين حول رسول الله - ﷺ - ومعه نفر من الأنصار، قال جابر: فأدرك المشركون رسول الله - ﷺ - فقال من للقوم؟ فقال طلحة: أنا، ثم ذكر جابر تقدم الأنصار وقتلهم واحدا بعد واحد بنحو ما ذكرنا من رواية مسلم فلما قتل الأنصار كلهم تقدم طلحة، قال جابر: ثم قاتل طلحة قتال الأحد عشر حتى ضربت يده فقطعت أصابعه، فقال: حسن، فقال النبي - ﷺ - لو قلت: بسم الله لرفعتك الملائكة والناس ينظرون، قال: ثم رد الله المشركين، ووقع عند الحاكم في الإكليل أنه جرح يوم أحد تسعا وثلاثين أو خمسا وثلاثين، وشلت إصبعه، أي السبابة والتي تليها.
وروى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: رأيت يد طلحة شلاء، وقى بها النبي - ﷺ - يوم أحد. وروى الترمذي أن النبي - ﷺ - قال فيه يومئذ: (من ينظر إلى شهيد يمشي على وجه الأرض فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله). وروى أبو داود الطيالسي عن عائشة قالت: كان أبو بكر إذا ذكر يوم أحد قال: ذلك اليوم كله لطلحة. وقال فيه أبو بكر أيضا:
يا طلحة بن عبيد الله قد وجبت لك الجنان وبوئت المها العينا
وفي ذلك الظرف الدقيق والساعة الحرجة أنزل الله نصره بالغيب ففي الصحيحين عن سعد، قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يوم أحد، ومعه رجلان يقاتلان معه (١) عليهما ثياب بيض، كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد، وفي رواية يعني جبريل وميكائيل.
بداية تجمع الصحابة حول رسول الله - ﷺ -: وقعت هذه كلها بسرعة هائلة في لحظات خاطفة وإلا فالمصطفون الأخيار من صحابته - ﷺ - - الذين كانوا في مقدمة صفوف المسلمين عند القتال - لم يكادوا يرون تطور الموقف أو يسمعون صوته - ﷺ - حتى أسرعوا إليه لئلا يصل إليه شيء يكرهونه .. إلا أنهم وصلوا
_________________
(١) كان هذا في اللحظة التي سقط فيها طلحة جريحا، ولم يبق حول رسول الله ﷺ إلا قرشي واحد هو سعد بن أبي وقاص راوي الحديث.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
وقد لقي رسول الله - ﷺ - ما لقي من الجراحات. وستة من الأنصار قد قتلوا، والسابع قد أثبتته الجراحات .. فقد روى ابن حبان في صحيحه عن عائشة قالت: قال أبو بكر الصديق: لما كان يوم أحد انصرف الناس كلهم عن النبي - ﷺ -. فكنت أول من فاء إلى النبي - ﷺ -، فرأيت بين يديه رجلا يقاتل عنه، يحميه، قلت: كن طلحة، فداك أبي وأمي، كن طلحة، فداك أبي وأمي، فلم أنشب أن أدركني أبو عبيدة بن الجراح، وإذا هو يشتد كأنه طير حتى لحقني، فدفعنا إلى النبي - ﷺ -. فإذا طلحة بين يديه صريعا، فقال النبي - ﷺ - دونكم أخاكم فقد أوجب. وقد رمي النبي - ﷺ - في وجنته حتى غابت حلقتان من حلق المغفر في وجنته، فذهبت لأنزعهما عن النبي - ﷺ - فقال أبو عبيدة: نشدتك الله يا أبا بكر إلا تركتني، قال: فأخذ بفيه فجعل ينضضه كراهة أن يؤذي رسول الله - ﷺ - ثم استل السهم بفيه فندرت ثنية أبي عبيدة، قال أبو بكر: ثم ذهبت لآخذ الآخر فقال أبو عبيدة: نشدتك الله يا أبا بكر إلا تركتني، قال فأخذه فجعل ينضضه حتى استله، فندرت ثنية أبي عبيدة الأخرى، ثم قال رسول الله - ﷺ -: دونكم أخاكم فقد أوجب، قال: فأقبلنا على طلحة نعالجه، وقد أصابته بضع عشرة ضربة.
وخلال هذه اللحظات الحرجة اجتمع حول النبي - ﷺ - عصابة من أبطال المسلمين منهم أبو دجانة، ومصعب بن عمير، وعلي بن أبي طالب، وسهل ابن حنيف، ومالك بن سنان والد أبي سعيد الخدري، وأم عمارة نسيبة بنت كعب المازنية وزوجها وولداها) وقتادة بن النعمان وعمر بن الخطاب، وحاطب ابن أبي بلتعة، وسهل بن حنيف، وأبو طلحة.
تضاعف ضغط المشركين: كما كان عدد المشركين يتضاعف كل آن، وبالطبع فقد اشتدت حملاتهم وزاد ضغطهم على المسلمين، حتى سقط رسول الله - ﷺ - في حفرة من الحفر التي كان أبو عامر الفاسق يكيد بها، فجحشت ركبته وأخذ علي بيده. واحتضنه طلحة بن عبيد الله حتى استوى قائما، وقال نافع بن جبير سمعت رجلا من المهاجرين يقول: شهدت أحدا فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ورسول الله - وسطها كل ذلك يصرف
[ ٢ / ٤٠٧ ]
عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، ورسول الله - ﷺ - إلى جنبه ما معه أحد، ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع.
المتعاقدون على قتل رسول الله - ﷺ -: وكان أربعة من قريش قد تعاقدوا وتعاهدوا على قتل رسول الله - ﷺ - وعرفهم المشركون بذلك، وهم عبد الله بن شهاب الزهري وعتبة بن أبي وقاص (١)، وعمرو بن قميئة، وأبي بن خلف (وزاد بعضهم عبد الله بن حميد بن زهير ..) ورمى عتبة يومئذ رسول الله - ﷺ - بأربعة أحجار فكسر رباعيته أشظى باطنها اليمنى السفلى. وأقبل ابن قميئة وهو يقول: دلوني على محمد فوالذي يحلف به لئن رأيته لأقتلنه، فعلاه بالسيف، ورماه عتبة بن أبي وقاص مع تجليل السيف، وكان عليه درعان. فوقع - ﷺ - في الحفرة التي أمامه على جنبه فجحشت ركبتاه، ولم يصنع سيف ابن قميئة شيئا إلا وهن الضربة بثقل السيف، فقد وقع لها - ﷺ - وانتهض، وطلحة يحمله من ورائه، وعلي آخذ بيده حتى استوى قائما. ورمى ابن قميئة بسهم فأصاب مصعب بن عمير ﵁ فقتله، فقال - ﷺ - ما له، أقمأه الله (٢)؟ ورجع عدو الله إلى قومه فأخبرهم أنه قتل رسول الله. فعمد (بعد المعركة في مكة) إلى شاة يحتلبها فنطحته بقرونها وهو معتقلها فقتلته فوجد ميتا بين الجبال.
وأقبل عبد الله بن حميد بن زهير حين رأى رسول الله على تلك الحال، يركض فرسه مقنعا في الحديد يقول: أنا ابن زهير! دلوني على محمد. فوالله لأقتلنه أو أموتن دونه. فقال له أبو دجانة: هلم إلى من يقي نفس محمد بنفسه. وضرب فرسه عرقبها ثم علاه بالسيف فقتله ورسول الله - ﷺ - ينظر إليه ويقول، اللهم ارض عن أبي خرشة كما أنا عنه راضى.
_________________
(١) إنها معجزات العقيدة أن يتعاقد عتبة بن أبي وقاص على قتل عمد رسول الله ﷺ، ويرمي الرسول بأحجاره. بينما كان أخوه سعد بن أبي وقاص أحد الذين بقوا بجوار الرسول صل الله عليه وسلم يحميه ويذود عنه. ولم يتغيب عن الذود عنه لحظة واحدة. بل كان أشد ما يكون حرصا على قتل أخيه عتبة غير أن أجله كان على غير يده.
(٢) وهو الذي صاح بقتل محمد حين حسب مصعبًا رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٤٠٨ ]
وأقبل يومئد أبي بن خلف يركض فرسه فجعل يصيح بأعلى صوته، يا محمد، لا نجوت إن نجوت، فقال القوم: يا رسول الله - ﷺ - ما كنت صانعا حين يغشاك، فقد جاءك! وإن شئت عطف عليه بعضنا، فأبى - ﷺ -، ودنا أبي، فتناول النبي - ﷺ - الحربة من الحارث بن الصمة، ويقال الزبير بن العوام، ثم انتفض بأصحابه كما ينتفض البعير فتطاير عنه أصحابه - ولم يكن أحد يشبه رسول الله - ﷺ - إذا جد الجد - ثم أخذ الحربة فطعنه بها في عنقه وهو على فرسه فجعل يخور كما يخور الثور، ويقول له أصحابه: أبا عامرا والله ما بك من بأس، ولو كان هذا الذي بك بعين أحدنا ما ضره! فيقول: لا واللات والعزى، لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون أليس قال لأقتلنك (١). وقال عبد الله بن عمر مات أبي بن خلف ببطن رابغ.
وتبع حاطب بن أبي بلتعة عتبة بن أبي وقاص - الذي كسر الرباعية الشريفة - فضربه بالسيف حتى طرح رأسه، ثم أخذ فرسه وسيفه.
إشاعة مقتل النبي - ﷺ - وأثره على المعركة: ولم يمض هذا الصياح دقائق حتى شاع خبر مقتل النبي - ﷺ - في المشركين والمسلمين. وهذا هو الظرف الدقيق الذي خارت فيه عزائم كثير من الصحابة المطوقين، الذين لم يكونوا مع رسول الله - ﷺ - وانهارت معنوياتهم، حتى وقع داخل صفوفهم ارتباك شديد، وعمتها الفوضى والاضطراب إلا أن هذه الصيحة خففت بعض التخفيف من مضاعفة هجمات المشركين لظنهم أنهم نجحوا في غاية مرامهم، فاشتغل الكثير منهم بتمثيل قتلى المسلمين.
الرسول - ﷺ - يواصل المعركة وينقذ الموقف: ولما قتل مصعب أعطى رسول الله - ﷺ - اللواء علي بن أبي طالب فقاتل قتالا شديدا، وقامت بقية الصحابة الموجودين هناك ببطولاتهم النادرة يقاتلون ويدافعون.
وحينئد استطاع رسول الله - ﷺ - أن يشق الطريق إلى جيشه المطوق،
_________________
(١) كان عند أبي فرس فكان يقول لرسول الله ﷺ: عندي فرص أعلفها كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها. فيقول له ﵊: بل أن أقتلك عليها إن شاء الله.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
فأقبل إليهم، فعرفه كعب بن مالك - وكان أول من عرفه - فنادى بأعلى صوته: يا معشر المسلمين أبشروا، هذا رسول الله - ﷺ -، فأشار إليه أن أصمت - وذلك لئلا يعرف موضعه المشركون - إلا أن هذا الصوت - بلغ إلى آذان المسلمين، فلاذ إليه المسلمون حتى تجمع حوله ثلاثين رجلا من الصحابة.
وبعد هذا التجمع أخذ رسول الله - ﷺ - في الانسحاب المنظم إلى شعب الجبل وهو يشق الطريق بين المشركين المهاجمين، واشتد المشركون في هجومهم، لعرقلة الانسحاب إلا أنهم فشلوا أمام بسالة ليوث الإسلام.
تقدم عثمان بن عبد الله بن المغيرة - أحد فرسان المشركين - إلى رسول الله - ﷺ - وهو يقول: لا نجوت إن نجا، وقام رسول الله - ﷺ - لمواجهته، إلا أن الفرس عثرت في بعض الحفر، فنازله الحارث بن الصمة فضربه على رجله فأقعده، ثم ذفف عليه وأخذ سلاحه، والتحق برسول الله - ﷺ -.
وعطف عبد الله بن جابر - فارس آخر من فرسان مكة - على الحارث ابن الصمة، فضرب بالسيف على عاتقه فجرحه حتى حمله المسلمون. ولكن انقض أبو دجانة - البطل المغامر ذو العصابة الحمراء - على عبد الله بن جابر فضربه بالسيف ضربة أطارت رأسه.
وأثناء هذا القتال المرير، كان المسلمون يأخذهم النعاس أمنة من الله كما تحدث عنه القرآن. قال أبو طلحة: كنت فيمن تغشاه النعاس يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه.
وبمثل هذه البسالة بلغت هذه الكتيبة - في انسحاب منظم - إلى شعب الجبل وشق لبقية الجيش طريقا إلى هذا المقام المأمون، فتلاحق به في الجبل، وفشلت عبقرية خالد أمام عبقرية الرسول - ﷺ -.
طلحة ينهض بالنبي - ﷺ -: وفي أثناء انسحاب رسول الله - ﷺ - إلى الجبل عرضت له صخرة من الجبل، فنهض إليها ليعلوها، فلم يستطع، لأنه كان قد بدن وظاهر بين الدرعين وقد أصابه جرح شديد. فجلس تحته
[ ٢ / ٤١٠ ]
طلحة بن عبيد الله، فنهض به حتى استوى عليها وقال: أوجب طلحة، أي: الجنة.
آخر هجوم قام به المشركون: ولما تمكن رسول الله - ﷺ - من مقر قيادته في الشعب قام المشركون بآخر هجوم حاولوا به النيل من المسلمين. قال ابن إسحاق: بينا رسول الله - ﷺ - في الشعب إذ علت عالية من قريش الجبل، يقودهم أبو سفيان وخالد بن الوليد - فقال رسول الله - ﷺ -، اللهم إنه لا ينبغي لهم أن يعلونا، فقاتل عمر بن الخطاب ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوهم من الجبل.
وفي مغازي الأموي أن المشركين صعدوا على الجبل، فقال رسول الله - ﷺ - لسعد: أجنبهم - يقول: أرددهم - فقال: كيف، أجنبهم وحدي؟ فقال: ذلك ثلاثا، فأخذ سعد سهما من كنانته، فرمى به رجلا فقتله، قال: ثم أخدت سهمي أعرفه فرميت به آخر، فقتلته ثم أخذته أعرفه فرميت به آخر فقتلته فهبطوا من مكانهم، فقلت: هذا سهم مبارك فجعلته في كنانتي. فكان عند سعد حتى مات، ثم كان عند بنيه.
شماتة أبي سفيان بعد نهاية المعركة وحديثه مع عمر: ولما تكامل تهيؤ المشركين للانصراف، أشرف أبو سفيان على الجبل، فنادى أفيكم محمد؟ فلم يجييبوه، قال: أفيكم ابن أبي قحافة؟ فلم يجيبوه. فقال: أفيكم عمر بن الخطاب؟ فلم يجيبوه. - وكان النبي - ﷺ - منعهم من الإجابة - ولم يسأل إلا عن هؤلاء الثلاثة لعلمه وعلم قومه أن قيام الإسلام بهم. فقال: أما هؤلاء فقد كفيتموهم. فلم يملك عمر نفسه أن قال: يا عدو الله إن الذين ذكرتهم أحياء. وقد أبقى الله ما يسوءك فقال: قد كان فيكم مثلة لم آمر بها ولم تسؤني. ثم قال: أعل هبل. فقال النبي - ﷺ -: ألا تجيبونه؟ فقالوا: فما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل. ثم قال: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال النبي - ﷺ -: ألا تجيبونه؟ قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. ثم قال أبو سفيان: أنعمت فقال، يوم بيوم بدر، والحرب سجال. فأجابه عمر، وقال: لا سواء، قتلانا في الجنة، وقتلاكم في النار. ثم قال أبو
[ ٢ / ٤١١ ]
سفيان: هلم إلي يا عمر، فقال - ﷺ -: أئته فانظر ما شأنه؟ فجاءه فقال له أبو سفيان: أنشدك الله - ﷺ - يا عمر أقتلنا محمدا؟ قال عمر: اللهم لا. وإنه ليستمع كلامك الآن. قال: أنت أصدق عندي من ابن قميئة وأبر.
التثبت من موقف المشركين: ثم بعث رسول الله - ﷺ - علي بن أبي طالب، فقال: أخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون؟ وما يريدون؟. فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة. والذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها، ثم لأناجزنهم. قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ماذا يصنعون فجنبوا الخيل وامتطوا الإبل.
حالة الطوارىء في المدينة: بات المسلمون في المدينة - ليلة الأحد الثامن من شهر شوال سنة ٣ هـ بعد الرجوع من معركة أحد - وهم في حالة الطوارىء، باتوا - وقد أنهكهم التعب، ونال منهم أي منال - يحرسون أنقاب المدينة ومداخلها، ويحرسون قائدهم الأعلى رسول الله - ﷺ - خاصة إذ كانت تتلاحقهم الشبهات من كل جانب.
غزوة حمراء الأسد: وبات الرسول - ﷺ - وهو يفكر في الموقف، فقد يخاف أن المشركين إن فكروا في أنفسهم في أنهم لم يستفيدوا شيئا من النصر والغلبة التي كسبوها في ساحة القتال، فلا بد أن يندموا على ذلك، ويرجعوا من الطريق لغزو المدينة ثانية، فصمم على أن يقوم بعملية مطاردة الجيش المكي.
قال أهل المغازي ما حاصله: إن النبي - ﷺ - نادى في الناس وندبهم إلى السير إلى لقاء العدو - وذلك صباح الغد من معركة أحد - أي يوم الأحد الثامن من شهر شوال سنة ٣ هـ - وقال: لا يخرج معنا إلا من شهد القتال، فقال له عبد الله بن أبي: أركب معك! قال: لا، واستجاب له المسلمون على ما بهم من الجرح الشديد، والخوف المزيد، وقالوا: سمعا وطاعة واستأذنه جابر بن عبد الله، وقال: يا رسول الله، إني أحب أن لا نشهد مشهدا إلا كنت معك، وإنما خلفني أبي على بناته، فأذن لي، أسير معك، فأذن له. وسار رسول الله - ﷺ - والمسلمون معه حتى بلغوا حمراء الأسد على بعد ثمانية
[ ٢ / ٤١٢ ]
أميال من المدينة فعسكروا هناك. وهناك أقبل معبد بن معبد الخزاعي إلى رسول الله - ﷺ - فأسلم - ويقال: بل كان على شركه، فقال: يا محمد أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولودنا أن الله عافاك، فأمره رسول الله - ﷺ - وسلم أن يلحق أبا سفيان فيخذله.
ولم يكن ما خافه رسول الله - ﷺ - من تفكير المشركين في العودة إلى المدينة إلا حقا، فإنهم لما نزلوا بالروحاء على بعد ستة وثلاثين ميلا من المدينة تلاوموا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئا، أصبتم شوكتهم وحدهم، ثم تركتموهم، وقد بقي معهم رؤوس يجمعون لكم، فارجعوا حتى نستأصل شأفتهم.
ويبدو أن هذا الرأي جاء سطحيا ممن لم يكن يقدر قوة الفريقين ومعنوياتهم تقديرا صحيحا، ولذلك خالفهم زعيم مسؤول (صفوان بن أمية) قائلا: يا قوم لا تفعلوا فإني أخاف أن يجمع عليكم من تخلف من الخروج .. فارجعوا والدولة لكم، فإني لا آمن إن رجعتم أن تكون الدولة عليكم. إلا أن هذا الرأي رفض أمام رأي الأغلبية الساحقة وأجمع جيش مكة على المسير نحو المدينة. ولكنه قبل أن يتحرك أبو سفيان بجيشه من مقره لحقه معبد بن أبي معبد الخزاعي، ولم يكن يعرف أبو سفيان بإسلامه؟ فقال: ما وراءك يا معبد؟ فقال معبد - وقد شهد عليه حرب أعصاب دعائية عنيفة - محمد، قد خرج يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، يتحرقون عليكم تحرقا، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما ضيعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط. قال أبو سفيان: ويحك ما تقول؟ قال: والله ما أرى أن ترتحل حتى ترى نواصي الخيل - أو حتى يطلع أول الجيش من وراء هذه الأكمة. فقال أبو سفيان: والله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصلهم. قال: فلا تفعل فإني لك ناصح.
وحينئذ انهارت عزائم الجيش المكي، وأخذه الفزع والرعب، فلم ير العافية إلا في مواصلة الانسحاب والرجوع إلى مكة. بيد أن أبا سفيان قام بحرب أعصاب دعائية ضد الجيش الإسلامي، لعله ينجح في كف هذا
[ ٢ / ٤١٣ ]
الجيش من مواصلة المطاردة. وطبعا فهو ينجح في الاجتناب عن لقائه، فقد مر به ركب من عبد القيس يريد المدينة، فقال: هل أنتم مبلغون عني محمدا رسالة. وأوقر لكم راحلتكم هذه زبيبا بعكاظ إذا أتيتم إلى مكة؟ قالوا: نعم. قال: فأبلغوا محمدا أنا أجمعنا الكرة، لنستأصله ونستأصل أصحابه.
فمر الركب برسول الله - ﷺ - وهم بحمراء الأسد فأخبرهم بالذي قاله أبو سفيان وقالوا: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشموهم، فزادهم - أي زاد المسلمين قولهم: ذلك - إيمانا وقالوا: حسبنا الله ونعم الوكيل. ﴿فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم﴾.
أقام رسول الله - ﷺ - بحمراء الأسد - بعد مقدمه يوم الأحد - الإثنين والثلاثاء والأربعاء - ٩/ ١٠/ ١١ شوال سنة ٣ هـ ثم رجع إلى المدينة (١).
ز - الثبات يوم الخندق، ومحاولة تفتيت الصف:
١ - فندب الناس وأخبرهم خبر عدوهم، وشاورهم: أيبرز من المدينة، أم يكون فيها ويخندق عليها؟ أم يكون قريبا والجبل وراءهم؟ فاختلفوا. وكان سلمان الفارسي يرى رأي رسول الله - ﷺ - يهم بالمقام في المدينة ويريد أن يتركهم حتى يردوا. ثم يحاربهم على المدينة وفي طرقها - فأشار بالخندق فأعجبهم ذلك، وذكروا يوم أحد فأحبوا الثبات في المدينة، وأمرهم رسول الله - ﷺ - بالجد، ووعدهم النصر إن هم صبروا واتقوا وأمرهم بالطاعة، وركب فرسا له - ومعه عدة من المهاجرين والأنصار - فارتاد موضعا ينزله، وجعل سلعا خلف ظهره، وعمل في حفر الخندق لينشطهم.
٢ - فبينا رسول الله - ﷺ - في قبته - والمسلمون على خندقهم يتناوبونه، معهم بضع وثلاثون فرسا، والفرسان يطوفون على الخندق - إذ جاء عمر بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسول الله: بلغني أن بني قريظة
_________________
(١) أخذنا هذا التلخيص الجيد كله عن الرحيق المختوم للمباركفوري، عدا فقرة واحدة - من الصفحات ٢٩٤ - ٣٢٠، وهي من أوفى ما كتب في شرح الغزوة وإيضاح عبقرية الرسول ﷺ في قيادتها وتحويل الهزيمة الساحقة إلى نصر مؤزر ترتجف له قلوب الجيش المكي هاربة من لقائه إلى مكة.
[ ٢ / ٤١٤ ]
قد نقضت العهد وحاربت. فاشتد ذلك على رسول الله - ﷺ - وقال: حسبنا الله ونعم الوكيل، وبعث الزبير بن العوام ﵁ إليهم لينظر، فعاد بأنهم يصلحون حصونهم، ويدربون طرقهم وقد جمعوا ماشيتهم؟ فقال - ﷺ -: إن لكل نبي حواريا. إن! حواري الزببر، ثم بعث سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، وأسيد بن حضير لينظروا ما بلغه عن بني قريظة وأوصاهم - إن كان حقا - أن يلحنوا (أي يلغزوا) لئلا يفت في أعضاد المسلمين ويورث وهنا، فوجدوهم مجاهرين بالعداوة والغدر فتسابوا ونال اليهود من رسول الله - ﷺ -، فسبهم سعد بن معاذ وانصرفوا عنهم، فقال رسول الله - ﷺ -: ما وراءكم؟ قالوا: غضل والقارة. (يعنون كدرهم بأصحاب الرجيع). فكبر - ﷺ - وقال: أبشروا بنصر الله وعونه.
٣ - وأقام - ﷺ - وأصحابه محصورين بضع عشرة ليلة حتى اشتد الكرب وأرسل إلى عينية بن حصن، والحارث بن عوف - وهما رئيسا غطفان - أن يجعل لهما ثلث ثمار المدينة ويرجعان بمن معهما فطلبا نصف الثمر فأبى عليهم إلا الثلث، فرضيا، وجاءا في عشرة من قومهما حتى تقارب الأمر فدعا رسول الله - ﷺ - سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فاستشارهما فقالا:
إن كان هذا أمرا من السماء فامض له، وإن كان أمرا لم تؤمر به ولك فيه هوى فسمع وطاعة. وإن كان إنما هو الرأي فما لهم عندنا إلا السيف. فقال رسول الله - ﷺ -: إني رأيت العرب رمتكم عن قوس واحدة فقلت أرضيهم ولا أقاتلهم (أو فأحببت أن أخفف عنكم). فقالا: يا رسول الله، والله إن كانوا ليأكلون العلهز في الجاهلية من الجهد، ما طمعوا بهذا منا قط: إن يأخذوا تمرة واحدة إلا بشراء أو قرى! فحين أتانا الله بك، وأكرمنا بك، وهدانا بك، نعطي الدنية! لا نعطيهم أبدا إلا السيف. فقال - ﷺ -: شق الكتاب، فشقه سعد، فقام عيينة والحارث. فقال - ﷺ -: ارجعوا، بيننا السيف، رافعا صوته. وكان نعيم بن مسعود صديقا لبني قريظة. فقذف الله في قلبه الإسلام، فأتى رسول الله - ﷺ - ليلا فأسلم، فأمر أن يخذل الناس،
[ ٢ / ٤١٥ ]
وأذن له أن يقول. نقاط علامة ثلاث - كما رأينا - في غزوة الخندق حولت مجرى المعركة كاملا: فحفر الخندق أحبط الهجوم كله، وحصر خسائر المسلمين في ستة قتلى فقط. والثبات عند خبر بني قريظة والتكبير والبشارة بالنصر رفع المعنويات للجيش، وأي قائد غير رسول الله ما كان أمامه إلا إعلان الاستسلام، في الوقت الذي خطر الخبر على أركان جيشه فقط. لولا تسريب الخبر عن طريق اليهود للمنافقين (١).
وبقي الفكر البشري يجهد ويدأب، فاتجه إلى تحطيم الحصار عن طريق شق صف العدو بإعطائه ثلث ثمار المدينة، ثم التراجع عن الفكرة عند استعداد الجيش للتضحية. ولكن شق صف العدو بقي هدفا في حد ذاته وضعه رسول الله - ﷺ - بين يدي نعيم. حتى تحقق الهدف وحطم الحصار. وانجلى الموقف عن نصر مؤزر للمسلمين.
السمة الرابعة والعشرون
النصر الإلهي في قلب المحن
بعدما رأينا الجهد البشري في البذل رجالا ونساء، والجهد البشري في البناء والتخطيط، ووجدنا أنه المدى الأقصى الذي يملكه البشر في عالمهم. يصبح من المناسب جدا أن نتحدث عن سمة النصر الإلهي في قلب المحن، والعون الرباني في خضم المعارك، فالله تعالى لا يفعل بعذاب عباده شيئا، والله تعالى وعد بنصر جنده وعباده الصالحين.
﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات، ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا .. (٢)﴾. ﴿ولقد
_________________
(١) المقاطع الثلاثة من إمتاع الأسماع ١/ ٢١٩ - ٢٢٠ و٢٢٩ - ٢٣٠ و٢٣٥ - ٢٣٦.
(٢) سور النور، من الآية ٥٥.
[ ٢ / ٤١٦ ]
سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون (١)﴾. ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون﴾ (٢). ولنلحظ تحقيق هذه الإرادة الربانية في نصر هذا الدين من خلال النماذج التالية:
أ - في بدر:
الجيش الإسلامي الخارج للقاء العير تفرض عليه المعركة فرضا بإرادة ربانية أن تكون له ذات الشوكة. وحين أبدى استعداده للموت في سبيل الله، جاءه المدد الرباني أرسالا.
١ - الملائكة: (وأما رسول الله - ﷺ - فكان منذ رجوعه بعد تعديله الصفوف يناشد ربه ما وعده من النصر ويقول: اللهم انجز لي ما وعدتني، اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، حتى إذا حمي الوطيس، واستدارت رحى الحرب بشدة، واحتدم القتال، وبلغت المعركة قمتها قال: اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد، اللهم إن شئت لم تعبد بعد اليوم أبدا. وبالغ في الابتهال حتى سقط رداؤه عن منكبيه فرده عليه الصديق، وقال: حسبك يا رسول الله، ألححت على ربك أود أن الله منجز ما وعدك).
وأغفى رسول الله - ﷺ - إغفاءة واحدة، ثم رفع رأسه فقال: أبشر يا أبا بكر، هذا جبريل على ثناياه النقع (أي الغبار) وفي رواية ابن إسحاق: قال رسول الله - ﷺ -: أبشر يا أبا بكر، أتاك نصر الله هذا جبريل آخذ بزمام فرسه يقود على ثناياه النقع .. (٣».
﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين .. (٤)﴾.
_________________
(١) سورة الصافات، الآيات ١٧١ - ١٧٢ - ١٧٣.
(٢) سور القصص، الآيتان ٥ و٦.
(٣) الرحيق المختوم ٢٤١.
(٤) الأنفال، الآية ٩.
[ ٢ / ٤١٧ ]
المطر والنعاس: وكانت ليلة الجمعة السابع عشر من رمضان، وبعث الله السماء فأصاب المسلمين ما لبد الأرض ولم يمنع من السير، وأصاب قريشا من ذلك ما لم يقدروا على أن يرتحلوا منه، وإنما بينهم قوز من رمل، وكان مجيء المطر نعمة وقوة للمؤمنين، وبلاء ونقمة على المشركين. وأصاب المسلمين تلك الليلة نعاس ألقي عليهم فناموا حتى أن أحدهم تكون ذقنه بين ثدييه وما يشعر حتى يقع على جنبه، واحتلم رفاعة بن رافع بن مالك حتى اغتسل آخر الليل. وبعث رسول الله - ﷺ - عمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود ﵄ فأطافا بالقوم، ثم رجعا فأخبراه أن القوم مذعورون، وأن السماح تسح عليهم (١». ﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام (٢)﴾.
الملائكة تقاتل وتثبت: (.. وزادهم نشاطا وحدة أن رأوا رسول الله - ﷺ - يثب في الدرع ويقول في حزم وصراحة (سيهزم الجمع ويولون الدبر) فقاتل المسلمون أشد القتال، ونصرتهم الملائكة، ففي رواية ابن سعد عن عكرمة قال: كان يومئذ يندر رأس الرجل لا يدري من ضربه، وتندر يد الرجل لا يدري من ضربها، وقال ابن عباس: بينما رجل من المسلمين يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه، وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه، فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله - ﷺ - فقال: صدقت ذلك من مدد السماء الثالثة. قال أبو داود المازني: إني لأتبع رجلا من المشركين لأضربه إذ وقع رأسه قبل أن يصل إليه سيفي فعرفت أنه قد قتله غيري، وجاء رجل من الأنصار بالعباس بن عبد المطلب، أسيرا فقال العباس: إن هذا والله ما أسرني، لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجها على فرس أبلق وما أراه في القوم. فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله، فقال: اسكت فقد أيدك الله بملك كريم (٣)﴾.
_________________
(١) إمتاع الأسماع ١/ ٧٨.
(٢) سورة الأنفال، الآية ١١.
(٣) الرحيق المختوم للمباركفوري ٢٤٣.
[ ٢ / ٤١٨ ]
(فبينما هو جالس (أي أبو لهب) إذ قال الناس: هذا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطب قد قدم فقال أبو لهب: هلم إلي فعندك لعمري الخبر، قال: فجلس إليه، والناس قيام عليه، فقال: يا ابن أخي أخبرني كيف كان أمر الناس؟ قال: ما هو إلا أن لقينا القوم فمنحناهم أكنافنا يقتلوننا كيف شاؤوا، ويأسروننا كيف شاؤوا. وايم الله مع ذلك ما لمت القوم، لقينا رجال بيض على خيل بلق بين السماء والأرض، والله ما تليق شيئا ولا يقوم لها شيء (١» ﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان (٢)﴾.
القلة والكثرة: ﴿إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات الصدور وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمرا كان مفعولا وإلى الله ترجع الأمور (٣)﴾.
سيف عكاشة: وانقطع يومئذ سيف عكاشة بن محصن. فأعطاه النبي جذلا. من حطب: فقال: دونك هذا فلما أخذه عكاشة وهزه عاد في يده سيفا طويلا، فلم يزل عنده يقاتل به حتى قتل أيام أبي بكر، قتله طليحة الأسدي شهيدا (٤».
من المعجزات في أحد
النعاس: وأثناء هذا القتال المرير، كان المسلمون يأخذهم النعاس أمنة من الله كما تحدث عنه القرآن. قال أبو طلحة: (كنت فيمن تغشاه النعاس
_________________
(١) المصدر نفسه ٢٥١.
(٢) سورة الأنفال الآية ١٢.
(٣) الأنفال / ٤٣ و٤٤.
(٤) مختصر السيرة لابن محمد بن عبد الوهاب ١٨٧.
[ ٢ / ٤١٩ ]
يوم أحد حتى سقط سيفي من يدي مرارا، يسقط وآخذه، ويسقط وآخذه (١».
روى الترمذي والنسائي والحاكم من حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحد، وجعلت أنظر، وما منهم يومئذ أحد إلا يميل تحث جحفته من النعاس.
﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم .. (٢)﴾.
عين قتادة: وأصيبت عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته فجاء رسول الله - ﷺ - فأخذها وردها فعادت كما كانت ولم تضرب عليه بعدها وكان يقول بعدما أسن: هي أقوى عيني! وكانت أحسنهما (٣».
حنظلة غسيل الملائكة: وخرج حنظلة بن أبي عامر إلى رسول الله - ﷺ - وهو يسوي الصفوف بأحد، فلما انكشف المشركون ضرب فرس أبي سفيان بن حرب فوقع على الأرض وصاح وحنظلة يريد ذبحه. فأدركه الأسود بن شعوب فحمل على حنظلة بالرمح فأنفذه - ومشى حنظلة إليه في الرمح وقد أثبته ثم ضربه الثانية فقتله؟ ونجا أبو سفيان فقال رسول الله - ﷺ -: إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضة. قال أبو أسيد الساعدي: فذهبنا إليه، فإذا رأسه يقطر ماء. فلما أخبر النبي - ﷺ - بذلك أرسل إلى امرأته فسألها فأخبرته أنه خرج وهو جنب (٤».
حماية رسول الله - ﷺ -: في الصحيحين عن سعد قال: رأيت رسول الله - ﷺ - يوم أحد ومعه رجلان يقاتلان عنه، عليهما ثياب بيض، كأشد القتال ما رأيتهما قبل ولا بعد، وفي رواية يعني جبريل وميكائيل (٥).
_________________
(١) الرحيق المختوم ٣٠٧ عن صحيح البخاري ٢/ ٥٨٢.
(٢) آل عمران من الآية ١٥٤.
(٣) إمتاع الأسماع ١/ ١٣٣.
(٤) إمتاع الأسماع ١/ ٩٥٠.
(٥) الرحيق المختوم ٣٠١ عن صحيح البخاري ٢/ ٥٨٥.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
وقال نافع بن جبير سمعت رجلا من المهاجرين يقول: شهدت أحدا فنظرت إلى النبل يأتي من كل ناحية ورسول الله - ﷺ - وسطها، كل ذلك يصرف عنه، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يقول يومئذ: دلوني على محمد، فلا نجوت إن نجا، ورسول الله - ﷺ - إلى جنبه، ما معه أحد، ثم جاوزه، فعاتبه في ذلك صفوان، فقال: والله ما رأيته، أحلف بالله إنه منا ممنوع، فخرجنا أربعة فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله، فلم نخلص إلى ذلك (١).
سهم سعد: وفي مغازي الأموي أن المشركين صعدوا على الجبل، فقال رسول الله - ﷺ - لسعد: أجنبهم - يقول: أرددهم - فقال: كيف أجنبهم وحدي؟. فقال ذلك ثلاثا، فأخذ سعد سهما من كنانته، فرمى به رجلا فقتله، قال: ثم أخذت سهمي أعرفه فرميت به آخر، فقتلته، ثم أخذته أعرفه فرميت به آخر فقتلته، فهبطوا من مكانهم، فقلت: هذا سهم مبارك، فجعلته في كنانتي، فكان عند سعد حتى مات، ثم كان عند بنيه (٢).
من المعجزات في الخندق
في حفر الخندق: (إنا يوم خندق نحفر فعرضت علينا كدية شديدة فجاؤوا إلى النبي - ﷺ - فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق. فقال: أنا نازل، ثم قام وبطنه معصوب بحجر - ولبثنا ثلاثة لا نذوق ذواقا - فأخذ النبي - ﷺ - المعول فضرب، فعاد كثيبا أهيل أو أهيم (أي صار رملا لا يتماسك (٣».
وقال البراء: لما كنا يوم الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة لا تأخذ منها المعاول. فاشتكينا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فجاء وأخذ المعول فقال:
_________________
(١) المصدر نفسه عن زاد المعاد، ٢/ ٩٧.
(٢) المصدر نفسه عن زاد المعاد ٢/ ٩٥. ولقد رأيت بأم عيني قوس سعد وسهمه ضمن حاجز زجاجي في بيت خرب في المدينة المنورة عام ١٤٩٣. ولعل الدار هدمت بعد ذلك وهي قريبة من المسجد النبوي.
(٣) المصدر نفسه عن البخاري ٢/ ٥٨٨.
[ ٢ / ٤٢١ ]
بسم الله ثم ضرب ضربة وقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام. والله إني لأنظر إلى قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية فقطع آخر، فقال: الله أكبر، أعطيت فارس والله إني لأبصر قصر المدائن الأبيض الآن، ثم ضرب الثالثة، فقال: بسم الله، فقطع بقية الحجر، فقال: الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، والله إني لأبصر أبواب صنعاء مكاني (١).
جوع رسول الله - ﷺ - والمسلمين: كان المسلمون يعملون بهذا النشاط وهم يقاسون من شدة الجوع ما يفتت الأكباد. قال أنس: كان أهل الخندق يؤتوون بملء كفي من شعير. فيصنع لهم بإهالة سخنة توضع بين يدي القوم، والقوم جياع، وهي لشعة في الحلق ولها ريح) (٢).
وقال أبو طلحة: شكونا إلى رسول الله - ﷺ - الجوع فرفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله - ﷺ - عن حجرين (٣).
إطعام الله تعالى المسلمين ببركة رسول الله - ﷺ -: وبهذه المناسبة وقع في حفر الخندق آيات من أعلام النبوة، رأى جابر بن عبد الله رسول الله - ﷺ - يحفر، ورآه خميصا فأتى امرأته فأخبرها ما رأى من خمص رسول الله - ﷺ - فقالت: والله ما عندنا شيء إلا هذه الشاة ومد من شعير، قال: فاطحني واصلحي. فطبخوا بعضها، وشووا بعضها، وخبزوا الشعير، ثم أتى جابر رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله قد صنعت لك طعاما فأت أنت ومن أحببت من أصحابك. فشبك - ﷺ - أصابعه بين أصابع جابر. ثم قال: أجيبوا جابرا يدعوكم. فاقبلوا معه، فقال جابر في نفسه: والله إنها الفضيحة! وأتى المرأة فأخبرها فقالت: أنت دعوتهم أم هو؟ فقال: بل هو دعاهم! قالت: دعهم، فهو أعلم، وأقبل رسول الله - ﷺ - وأمر أصحابه، وكانوا فرقا عشرة عشرة. ثم قال لجابر: اغرفوا وغطوا البرمة، وأخرجوا من التنور الخبز ثم غطوه ففعلوا، وجعلوا يغرفون ويغطون البرمة ثم يفتحونها فما يرونها نقصت
_________________
(١) المصدر نفسه عن سنن النسائي ٢/ ٥٦ وأحمد في مسنده.
(٢) الرحيق المختوم ٣٤١ عن صحيح البخاري ٢/ ٥٨٨.
(٣) المصدر نفسه عن البخاري ٢/ ٥٨٨.
[ ٢ / ٤٢٢ ]
شيئا؟ ويخرجون الخبز من التنور ويغطونه فما يرونه ينقص شيئا. فأكلوا حتى شبعوا وأكل جابر وأهله (١).
(وجاءت أخت النعمان بن بشير بحفنة من تمر إلى الخندق ليتغدى أبوه وخاله، فمرت برسول الله - ﷺ - فطلب منها التمر وبدده فوق ثوب، ثم دعا أهل الخندق فجعلوا يأكلون منه. وجعل التمر يزيد حتى صدر أهل الخندق عنه وإنه يسقط من أطراف الثوب (٢).
إسلام تميم بن مسعود وخطته الناجحة (٣) -: ثم إن نعيم بن مسعود الأشجعي الغطفاني أتى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وإن قومي لم يعلموا بإسلامي. فمرني بما شئت، فقال رسول الله - ﷺ -: إنما أنت فينا رجل واحد، فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة. فخرج نعيم بن مسعود حتى أتى بني قريظة وكان لهم نديما في الجاهلية، فقال: يا بني قريظة، قد عرفتم ودي إياكم وخاصة ما بيني وبينكم؟ قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتهم، فقال لهم: إن قريشا وغطفان ليسوا كأنتم، البلد بلدكم، فيه أموالكم وأبناؤكم ونساؤكم، لا تقدرون على أن تحولوا منه إلى غيره، وإن قريشا وغطفان قد جاؤوا لحرب محمد وأصحابه، وقد ظاهرتموهم عليه، وبلدهم ونساؤهم وأموالهم بغيره، فليسوا كأنتم، فإن أرادوا نهزة أصابوها، وإن كان غير ذلك لحقوا ببلادهم دخلوا بينكم وبين الرجل ببلدكم، ولا طاقة لكم به إن خلا بكم، فلا تقاتلوا مع القوم حتى تأخذوا منهم رهنا من أشرافهم، يكونون بأبديكم ثقة لكم على أن تقاتلوا معهم محمدا حتى تناجزوه، فقالوا له: لقد أشرت بالرأي.
ثم خرج حتى أتى قريشا، فقال لأبي سفيان بن حرب ومن معه من رجال قريش: قد عرفتم ودي لكم وفراقي محمدا، إنه قد بلغني أمر قد رأيت
_________________
(١) إمتاع الأسماع ١/ ٢٢٤ وقد أوردها البخاري في صحيحه ٢/ ٥٨٨، ٥٨٩.
(٢) السيرة لابن هشام ٣/ ٢٢٨ - ٢٢٩.
(٣) اعتبرنا إسلام نعيم من المعجزات الإلهية. لأن أي تخطيط بشري لا يضع في حسبانه انضمام قائد من أعدائه إليه، وتحطيم جيشه وجيش حلفائه. وذلك في قلب المعركة.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
علي حقا أن أبلغكموه، نصحا لكم فاكتموا عني، فقالوا: نفعل؟ قال: تعلموا أن معشر يهود قد ندموا على ما صنعوا فيما بينهم وبين محمد، وقد أرسلوا إليه، إنا قد ندمنا على ما فعلنا؟ فهل يرضيك أن نأخذ لك من القبيلتين، من قريش وغطفان رجالا من أشرافهم، فنعطيكهم، فتضرب أعناقهم، ثم نكون معك على من رقي منهم حتى نستأصلهم؟ فأرسل إليهم: أن نعم. فإن بعثت إليكم يهود يلتمسون رهنا من رجالكم فلا تدفعوا إليهم منكم رجلا واحدا.
ثم خرج حتى حتى غطفان، فقال: يا معشر غطفان، إنكم أصلي وعشيرتي، وأحب الناس إلي، ولا أراكم تتهموني، قالوا: صدقت، ما أنت عندنا بمتهم، قال: فاكتموا عني، قالوا: نفعل، فما أمرك؟ ثم قال لهم مثل ما قال لقريش، وحذرهم ما حذرهم.
فلما كانت ليلة السبت من شوال سنة خمس، وكان من صنع الله لرسوله - ﷺ - أن أرسل أبو سفيان بن حرب ورؤوس غطفان إلى بني قريظة عكرمة بن أبي جهل في نفر من قريش وغطفان، فقالوا لهم: إنا لسنا بدار مقام، قد هلك الخف والحافر، فاغدوا للقتال حتى نناجز محمدا، ونفرغ مما بيننا وبينه؟ فأرسلوا إليهم أن اليوم يوم السبت، وهو يوم لا نعمل فيه شيئا، وقد كان أحدث فيه بعضنا حدثا، فأصابه ما لم يخف عليكم، ولسنا مع ذلك بالذين نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا من رجالكم، يكونون بأيدينا ثقة لنا، حتى نناجز محمدا، فإنا نخشى إن ضرستكم الحرب، واشتد عليكم القتال أن تنشمروا إلى بلادكم وتتركونا، والرجل في بلدنا، ولا طاقة لنا بذلك منه. فلما رجعت إليهم الرسل بما قالت بنو قريظة، قالت قريش وغطفان: والله إن الذي حدثكم نعيم بن مسعود لحق، فأرسلوا إلى بني قريظة: إنا والله لا ندفع إليكم رجلا واحدا من رجالنا، فإن كنتم تريدون القتال فاخرجوا فقاتلوا، فقالت بنو قريظة حين انتهت الرسل إليهم بهذا: إن الذي ذكر لكم نعيم بن مسعود لحق، ما يريد القوم إلا أن يقاتلوا، فإن رأوا فرصة انتهزوها، وإن كان غير ذلك انشمروا إلى بلادهم، وخلوا بينكم وبين
[ ٢ / ٤٢٤ ]
الرجل في بلدكم، فأرسلوا إلى قريش وغطفان: إنا والله لا نقاتل معكم محمدا حتى تعطونا رهنا، فأبوا عليهم وخذل الله بينهم (١).
الريح التي بعثها الله على الأحزاب والجنود التي لم يرها المؤمنون: وبعث الله عليهم الريح في ليالي شاتية باردة شديدة البرد، فجعلت تكفأ قدورهم، وتطرح أبنيتهم. فلما انتهى إلى رسول الله - ﷺ - ما اختلف من أمرهم، وما فرق الله من جماعتهم دعا حذيفة بن اليمان، فبعثه إليهم، لينظر ما فعل القوم ليلا.
قال ابن إسحاق: فحدثني يزيد بن زياد عن محمد بن كعب القرظي قال:
قال رجل من أهل الكوفة لحذيفة بن اليمان: يا أبا عبد الله، أرأيتم رسول الله وصحبتموه؟ قال: نعم، قال: فكيف كنتم تصنعون؟ قال: والله لقد كنا نجهد؟ قال: والله لو أدركناه ما تركناه يمشي على الأرض، ولحملناه على أعناقنا. قال: فقال حذيفة: يا ابن أخى، والله لقد رأيتنا مع رسول الله - ﷺ - بالخندق، وصلى رسول - ﷺ - هويا من الليل ثم التفت إلينا فقال: من رجل يقوم فينظر لنا ما فعل القوم ثم يرجع - يشرط له رسول الله - ﷺ - الرجعة - أسأل الله تعالى أن يكون رفيقي في الجنة؟ فما قام رجل من القوم، من شدة الخوف، وشدة الجوع، وشدة البرد، فلما لم يقم أحد، دعاني رسول الله - ﷺ -، فلم يكن لي بد من القيام حين دعاني؟ فقال: يا حذيفة، إذهب فادخل في القوم، فانظر ماذا يصنعون، ولا تحدثن شيئا حتى تأتينا. قال: فذهبت فدخلت في القوم والريح وجنود الله تفعل بهم ما تفعل، لا تقر لهم قدرا ولا نارا ولا بناء. فقام أبو سفيان، فقال: يا معشر قريش، لينظر امرؤ من جليسه؟ قال حذيفة: فأخذت بيد الرجل الذي كان إلى جنبي، فقلت: من أنت؟ قال: فلان بن فلان.
_________________
(١) السيرة لابن هشام ٢٤٠ - ٢٤٢.
[ ٢ / ٤٢٥ ]
ثم قال أبو سفيان: يا معشر قريش إنكم والله ما أصبحتم بدار مقام، لقد هلك الكراع (١) والخف، وأخلفتنا بنو قريظة، وبلغنا عنهم الذي نكره، ولقينا من شدة الريح ما ترون، ما تطمئن لنا قدر، ولا تقوم لنا نار، ولا يستمسك لنا بناء، فارتحلوا فإني مرتحل؟ ثم قام إلى حمله وهو معقول فجلس عليه، ثم ضربه فوثب به على ثلاث، فوالله ما أطلق عقاله إلا وهو قائم، ولولا عهد رسول الله - ﷺ - وأن لا تحدث شيئا حتى تأتيني، ثم شئت لقتلته بسهم. قال حذيفة: فرجعت إلى رسول الله - ﷺ - وهو قائم يصلي في مرط (٢) لبعض نسائه، مراجل. فلما رآني أدخلني إلى رجليه وطرح علي طرف المرط، ثم ركع وسجد وإني لفيه، فلما سلم أخبرته الخبر، وسمعت غطفان بما فعلت قريش. فانشمروا راجعين إلى بلادهم. ولما أصبح رسول الله - ﷺ - انصرف عن الخندق راجعا إلى المدينة، والمسلمون ووضعنا السلاح (٣).
السمة الخامسة والعشرون
التربية الإلهية للنفوس عقب المعارك
لقد كانت التربية الإلهية في الحقيقة مستمرة لا تنقطع أبدا في الحضر والسفر، في الجهاد والإقامة، في الغزو وفي المرابطة. كان القرآن يتنزل ليبني هذه الأمة ويصنعها على عين الله سبحانه، وكان النبي - ﷺ - أمام المربين، يعالج هذه النفوس البشرية حتى تستوي على منهج الله. وهو الخط الذي لم ينقطع أبدا خلال حياة الرسول - ﷺ - ..
وحيث أنه من الصعب التفصيل بكل معالم هذه التربية خلال هذه المرحلة، فيكفي أن نقف مع كتاب الله تعالى، وهو يعالج هذه النفوس
_________________
(١) الكراع: الخيل.
(٢) المرط: الكساء.
(٣) المصدر نفسه ٣/ ٢٤٢ - ٢٤٤.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
البشرية بعد كل معركة، فيأتي البيان مختلفا في أحيان كثيرة عن العرض البشري للمعركة.
بدر وسورة الأنفال
ونترك للشهيد سيد قطب ﵀ أن يقدم لنا معالم هذا البيان الرباني بعد المعركة:
في هذه الغزوة .. نزلت سورة الأنفال .. نزلت تعرض وقائع الغزوة الظاهرة وتعرض وراءها فعل القدرة المدبرة لكشف عن قدر الله وتدبيره في وقائع الغزوة، وفيما وراءها من خط سير التاريخ البشري كله، وتحدث عن هذا كله بلغة القرآن الفريدة، وبأسلوب القرآن المعجز
إن هنالك حادثا بعينه في الغزوة يلقي ضوءا على خط سيرها. ذلك هو ما رواه ابن إسحاق عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: (فينا أصحاب بدر نزلت حين اختلفنا في النفل وساءت فيه أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا، فجعله إلى رسول الله - ﷺ - فقسمه عن بواء (يقول: على السواء).
هذا الحادث يلقي ضوءا على افتتاح السورة، وعلى خط سيرها كذلك: لقد اختلفوا على الغنائم القليلة في الوقعة التي جعلها الله فرقانا في مجرى التاريخ البشري إلى يوم القيامة!
ولقد أراد الله سبحانه أن يعلمهم، وأن يعلم البشر كلهم من بعدهم أمورا عظاما ..
أراد أن يعلمهم ابتداء أن أمر هذه الوقعة أكبر كثيرا من أمر الغنائم التي يختلفون عليها فسمى يومها يوم الفرقان، يوم التقى الجمعان.
وأراد أن يعلمهم أن هذا الأمر العظيم إنما ثم بتدبير الله وقدره، في كل خطوة وفي كل حركة ليقضي من ورائه أمرا يريده، فلم يكن لهم في هذا النصر وما وراءه من عظائم الأمور يد ولا تدبير، وسواء غنائمه الصغيرة وآثاره الكبيرة، فكلها من فعل الله وتدبيره، إنما أبلاهم فيه بلاء حسنا من فضله!
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وأراد أن يريهم مدى الفرق بين ما أرادوه هم لأنفسهم من الظفر بالعير؛ وما أراده الله لهم وللبشرية كلها من ورائهم من إفلات العير، ولقاء النفير، ليروا على مد البصر مدى ما بين إرادتهم بأنفسهم وإرادة الله بهم من فرق كبير!
ولأن المعركة - كل معركة يخوضها المؤمنون - من صنع الله وتدبيره، بقيادته وتوجيهه، بعونه ومدده. بفعله وقدره. له وفي سبيله. تكرر الدعوة في السورة إلى الثبات فيها، والمضي معها، والاستعداد لها، والاطمئنان إلى تولي الله فيها، والحذر من المعوقات عنها من فتنة الأموال والأولاد، والاستمساك بآدابها، وعدم الخروج لها بطرا ورثاء الناس، ويؤمر رسول الله - ﷺ - بتحريض المؤمنين عليها.
وفي ذات الوقت الذي تتكرر الأوامر بالتثبيت في المعركة يتجه السياق إلى توضيح معالم العقيدة وتعميقها، ورد كل أمر وكل حكم وكل توجيه إليها، فلا تبقى الأوامر معبقة في الفراغ إنما ترتكز على ذلك الأصل الواضح الثابت العميق.
ويبرز في سياق السورة بصفة خاصة - إلى جانب خط العقيدة - خط آخر هو خط الجهاد وبيان قيمته الإيمانية والحركية، وتجريده كذلك من كل شائبة شخصية، وإعطائه مبرراته الذاتية العليا التي ينطلق بها المجاهدون في ثقة وطمأنينة واستعلاء إلى آخر الزمان.
وأخيرا فإن السورة تنظم ارتباطات الجماعة المسلمة على أساس العقيدة كما أسلفنا، وبيان الأحكام التي تتعامل بها مع غيرها من الجماعات الأخرى في الحرب والسلم - إلى هذه الفترة التي نزلت فيها السورة - وأحكام الغنائم والمعاهدات وتضع خطوطا أصيلة في تنظيم تلك الروابط وهذه الأحكام.
هذا مجمل لخطوط السورة الرئيسة .. فإذا كانت السورة بجملتها إنما نزلت في غزوة بدر وفي التعقيب عليها، فإننا ندرك من هذا طرفا من منهج القرآن في تربية الجماعة المسلمة، وإعدادها لقيادة البشرية، وجانبا من نظرة
[ ٢ / ٤٢٨ ]
هذا الدين إلى حقيقة ما يجري في الأرض وفي حياة البشر مما يقوم منه تصور صحيح لهذه الحقيقة.
لقد كانت هذه الغزوة هي أول وقعة كبيرة لقي فيها المسلمون أعداءهم من المشركين. فهزموهم تلك الهزيمة الكبيرة ولكن المسلمين لم يكونوا قد خرجوا لهذه الغاية، لقد كانوا إنما خرجوا ليقطعوا الطريق على قافلة قريش الذين أخرجوا المؤمنين من ديارهم وأموالهم. فأراد الله للعصبة المؤمنة غير ما أرادت لنفسها من الغنيمة .. أراد لها أن تنفلت منها القافلة وأن تلقى عدوها من عتاة قريش الذين جمدوا الدعوة في مكة، ومكروا مكرهم لقتل رسول الله - ﷺ - بعدما بلغوا بأصحابه الذين تابعوه على الهدى غاية التعذيب والتنكيل والأذى
لقد أراد الله سبحانه أن تكون هذه الوقعة فرقانا بين الحق والباطل، وفرقانا في خط سير التاريخ الإسلامي، ومن ثم فرقانا في خط سير التاريخ الإنساني .. وأراد أن يظهر فيها الآماد البعيدة بين تدبير البشر لأنفسهم فيما يحسبونه الخير لهم، وتدبر رب البشر لهم ولو كرهوه في أول الأمر. كما أراد أن تتعلم العصبة المؤمنة عوامل النصر، وعوامل الهزيمة، تتلقاها مباشرة من مدربها ووليها، وهي في ميدان المعركة وأمام مشاهدها.
وتضمنت السورة التوجيهات الموحية إلى هذه المعاني الكبيرة؟ وإلى هذه الحقائق الضخمة الخطيرة. كما تضمنت الكثير من دستور السلم والحرب، والغنائم والأسرى، والمعاهدات والمواثيق، وعوامل النصر وعوامل الهزيمة، كلها مصوغة في أسلوب التوجيه المربي، الذي ينشىء التصور الاعتقادي، ويجعله هو المحرك الأول والأكبر في النشاط الإنساني، وهذه هي سمة المنهج القرآني في عرض الأحداث وتوجيهها.
ثم إنها تضمنت مشاهد من الموقعة، ومشاهد من حركات النفوس قبل المعركة وفي ثناياها وبعدها .. مشاهد حية تعيد إلى المشاعر وقع المعركة وصورها وسماتها، كأن قارىء القرآن يراها فيتجاوب معها تجاوبا عميقا.
[ ٢ / ٤٢٩ ]
واستطرد السياق أحيانا إلى صور من حياة الرسول - ﷺ - وحياة أصحابه في مكة، وهم قلة مستضعفون في الأرض، يخافون أن يتخطفهم الناس. ذلك ليذكروا فضل الله عليهم في ساعة النصر، ويعلموا أنهم إنما سينصرون بنصر الله وبهذا الدين الذي آثروه على المال والحياة، وإلى صور من حياة المشركين قبل هجرة رسول الله - ﷺ - وبعدها وإلى أمثلة من مصائر الكافرين من قبل كدأب آل فرعون والذين من قبلهم لتقرير سنة الله التي لا تتخلف في الانتصار لأوليائه والتدمير على أعدائه (١).
وإن كان الشهيد سيد قد قدم لنا وصفا حيا عن السورة فسأكتفي بعرض هذه الخطرات من خلال السورة الكريمة ومن وحيها:
١ - لكل أمة نشيد، ونشيدنا نحن الأمة المسلمة سورة الأنفال، فلقد تجاوزت هذه السورة الزمان والمكان، وصارت نشيد المسلمين قبل أية معركة يخوضونها، يتلوها الجيش المسلم كله بصوت واحد. يجأر فيها بالدعاء إلى الله، أن ينزل نصره المؤزر كما أنزل في بدر، وتعلن كتائب الإيمان قبل خوضها المعركة براءتها هن حولها وقوتها وضعفها وعجزها وإيوائها إلى الركن الشديد إلى الله رب العالمين ﴿فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون﴾.
٢ - لقد افتتحت السورة الكريمة بعتاب لصفوة الله من خلقه. لخير أهل الأرض، للذين قال الله تعالى فيهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) وبلغ العتاب من الشدة والعنف ما جعلهم يخافون على إيمانهم.
﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم﴾.
_________________
(١) في ظلال القرآن مقتطفات من ص ٧٨٤ - ٧٩٤. ط دار إحياء التراث العربي.
[ ٢ / ٤٣٠ ]
٣ - وبعد أن يرتفع بقلويهم الوجلة - ويجردهم من ذواتهم وأشخاصهم، يعود بهم بعد هذا التطواف العنيف ليقول لهم في آخر السورة. إنكم أننم المؤمنون حقا، وبالذات.
﴿والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم﴾.
٤ - الملائكة عاجزة عن تحقيق النصر، وهي مفتقرة إلى معية الله سبحانه، والذي يحقق النصر، هو رب العالمين وحده.
﴿إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم﴾.
﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة إني معكم ..﴾ فالملائكة تحتاج إلى تثبيت من الله سبحانه.
٥ - الله تعالى هو الذي يدير المعركة بجنده من البشر والملائكة ضد المحادين لله ورسوله.
﴿إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان﴾.
٦ - كانت المعالجة من الضخامة على قدر ضخامة النصر، وإلا لاستخفهم النصر حين طاروا فيه، فكما قال الأنصاري سلمة بن سلامة ﵁ حين رأى المسلمين الذين لم يشهدوا المعركة يهنؤون الظافرين:
ما الذي تهنؤوننا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعا كالبدن.
فتبسم رسول الله - ﷺ -، ثم قال: يا ابن أخى أولئك الملأ.
[ ٢ / ٤٣١ ]
هذا بيان للناس
١ - اهتداؤنا بالبيان يعني أننا مؤمنون. ﴿هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين﴾.
٢ - المؤمنون هم الأعلون، وتلك أولى فقرات البيان: ﴿ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين﴾.
٣ - لا عبرة بالخسائر المادية: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس ..﴾.
٤ - المحنة ضرورة، لماذا؟ أ - ﴿وليعلم الله الذين آمنوا﴾. ب - ﴿ويتخذ منكم شهداء﴾. حـ - ﴿والله لا يحب الظالمين﴾. فلو أحبهم الله لاتخذ منهم شهداء. إنها محنة الحب للمؤمنين الصادقين. د - ﴿ليمحص الله الذين آمنوا﴾. هـ - ﴿ويمحق الكافرين﴾. فلا بد أن يتميز المحبون المخلصون من الأدعياء، وشتان شتان، بين التمحيص وبين المحق والإبادة.
٥ - لا جنة بلا جهاد: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين﴾.
٦ - بين الحقيقة والادعاء: ﴿ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون﴾.
٧ - الارتباط بالرسالة لا بشخص الرسول: ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين﴾.
٨ - النصر ثواب الدنيا، والمغفرة ثواب الآخرة: ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين﴾.
٩ - الرباني لا يعرف الوهن والضعف: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين﴾.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
١٠ - غاية الرباني المغفرة فالثبات فالنصر: ﴿وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الأخرة والله يحب المحسنين﴾.
١١ - الخسارة بطاعة الكافرين: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا الذين كفروا يردوكم على أعقابكم فتنقلبوا خاسرين﴾.
١٢ - الله خير الناصرين، وخير من كل أهل الأرض ﴿بل الله مولاكم وهو خير الناصرين﴾.
١٣ - الرعب من الله يلقى على الكافرين: ﴿سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا ومأواهم النار وبئس مثوى الظالمين﴾.
١٤ - النصر تم: ﴿ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه ..﴾.
١٥ - أسباب فقدان النصر: الفشل والتنازع في الأمر وحب الدنيا: ﴿حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الأخرة ..﴾.
١٦ - الابتلاء عفو وفضل: ﴿ثم صرفكم عنهم ليبتليكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين﴾ ولولا عفو الله لانتهى المسلمون، ولأبيدوا. لكن عين الله ترعاهم حتى في الابتلاء والعقوبة. فالمؤمن يفشل، والمؤمن يعصي، والمؤمن يحب الدنيا، فإن عوقب فيها فذلك فضل من الله كبير.
١٧ - لا حزن على عقوبة الخطيئة: ﴿إذ تصعدون ولا تلوون على أحد والرسول يدعوكم في أخراكم فأثابكم غما بغم لكي لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم والله خبير بما تعملون﴾.
١٨ - الصامدون كوفئوا بالأمن النفسي: ﴿ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم ..﴾ ثم فزعوا من نومهم وكأنهم لم يصبهم من قبل نكبة.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
١٩ - المؤمن الضعيف يتزلزل: ﴿وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء قل إن الأمر كله لله يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ها هنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم﴾.
٢٠ - المعركة تكشف مستويات الإيمان ﴿ وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما في قلوبكم والله عليم بذات الصدور﴾.
٢١ - الخطيئة تورث الفرار: ﴿إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم﴾. فلقد كان التولي نتيجة استدراج من الشيطان، ونتيجة خطأ أو معصية أورثت وهنا في القلب، وضعفا في الإيمان. أدى إلى التولي يوم الزحف، ومن فضل الله عليهم أنه عفا عنهم. وكفاهم من العقوبة الجزع النفسي والندم الداخلي العميق.
٢٢ - الأخوة بين الكافرين والمنافقين: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير﴾. فالحسرة تأكل قلب المنافق من الخوف، وتأكل قلبه جزعا من الموت، ويثاقل إلى الحياة، بل يهيم في حبها، وترتعد فرائصه من الموت.
٢٣ - المغفرة ولقاء الله: ﴿ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون﴾. وشتان ما بين من يرى الموت حسرة على ملذاته، وحرقا لفؤاده على شهواته، وبين من يراه زغرودة النصر وربيع الأماني بالمغفرة والرحمة ولقاء الله من المؤمنين).
٢٤ - حدود الرسالة: رحمة ولين، عفو واستغفار وشورى، عزيمة وتوكل: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على
[ ٢ / ٤٣٤ ]
الله إن الله يحب المتوكلين﴾. وكما يقول الشهيد سيد قطب ﵀: (ثم يجيىء الأمر الإلهي بالشورى بعد المعركة كذلك تثبيتا للمبدأ في مواجهة نتائجه المريرة - إن الإسلام لا يؤجل مزاولة المبدأ حتى تستعد الأمة لمزاولته، وإن الأخطاء في مزاولته مهما بلغت من الجسامة لا تبرر إلغاءه .. كما أن المزاولة العملية للمبادىء تتجلى في تصرف الرسول - ﷺ - عندما رفض أن يعود إلى الشورى بعد العزم، واعتبار هذا ترددا وأرجحة وذلك صيانة لمبدأ الشورى، ومن أن يصبح المؤمنون وسيلة للأرجحة أو الشلل الحركي).
٢٥ - لا نصر إلا من الله: ﴿إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾. ونحن أمام شيئين: إما أن نكون كافرين فنبحث عن غير الله، وإما أن نكون مؤمنين. فيجب أن نعتقد اعتقادا جازما أن الذي ينصر هو الله، وأن الذي يخذل هو الله ولا قبل لأحد بحرب الله ولا طاقة.
٢٦ - ﴿وما كان لنبي أن يغل﴾: فالقائد لا بد أن يكون القدوة لجنده، فكيف إذا كان نبيا القائد الذي يتعب ليستريح جنده، ويفتقر ليغنوا، ويحرم نفسه ليعطيهم، ويجهد ليسعدوا فما يمكن للرسول القدوة أن يغل. إنما يمكن للملأ، للقادة المترفين، لطغاة الأرض ﴿ومن يغلل يأت بما غل يوم القيامة ثم توفي كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون﴾.
٢٧ - نعم ليسوا سواء: ﴿أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله ومأواه جهنم وبئس المصير هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون﴾.
٢٨ - من الظلمات إلى النور: ﴿لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين﴾. إنها منة الرسالة من الله تعالى لخلقه، وكم الفرق شاسع، وكم النقلة بعيدة بين الضياع في التيه والانبثاق من القرآن).
٢٩ - عودة إلى المعركة. فلماذا المصيبة؟ لماذا الانتكاسة؟. إنها من النفس، إنها من الأعماق، إن الضعف في الداخل، ليس من السلاح، وليس
[ ٢ / ٤٣٥ ]
من تكالب الأعداء. إنها من النفس، ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير﴾.
٣٠ - المصيبة للتميز والتطهير: إنها بإذن الله، وعلمه وإرادته، لا بد من تميز الصف، لا بد من كشف المؤمن من المنافق، لا بد من تطهير الصف الداخلي، لا بد من صدق التعاقد مع الله. ﴿وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبمهم والله أعلم بما يكتمون الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرأوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين﴾.
كيف يمكن أن يكون هؤلاء المتخاذلون الخائرون المنافقون مثل من قدموا دمهم وحياتهم ولحمهم دون رسول الله، ولو تم النصر وانتهت المعركة في الجولة الأولى لبقي كثير من النوعيات الخائرة المتخاذلة التي همت أن تفشل في جانب الادعاء والتبجح.
٣١ - أما مقام الشهداء فيا له من مقام: (لقي رسول الله - ﷺ - جابر بن عبد الله فقال: يا جابر ألا أحدثك عن أبيك؟ - قلت: بلى يا رسول الله. قال: إن الله لم يكلم أحدا شفاها وكلم أباك فقال: تمن يا عبدي. فقال: يا رب أتمنى أن تعيدني إلى الدنيا فأقتل ثانية في سبيلك. فقال الله له: أما هذه فقد سبق القول مني أنهم إليها لا يرجعون. تمن غير ذلك. فقال: يا رب أخبر إذن إخواننا الذين في الدنيا أننا أحياء في الجنة نأكل ونتنعم حتى لا ينكلوا عن الجهاد (١)، ولا يتخلفوا عن رسول الله. فأنزل الله ﷿:
﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم
_________________
(١) أورده الإمام أحمد مختصرا، الفتح الرباني ج ٢٢/ ٣٠٦.
[ ٢ / ٤٣٦ ]
ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين (١)﴾.
٣٢ - تحدي الطاغوت: وبالرغم من الجراحات التي أثقلت جند الله، كان الجيش يخرج مع إطلالة الفجر لملاحقة المشركين ومطاردتهم. نستمع إلى مشاعر الجيش وآلامه على لسان أحد جنوده الذي يقول: شهدت أحدا مع رسول - ﷺ - أنا وأخ لي. فرجعنا جريحين. فلما أذن مؤذن رسول الله - ﷺ - بالخروج في طلب العدو. قلت لأخي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله - ﷺ -؟ والله ما لنا من دابة نركبها. وما منا إلا جريح ثقيل. فخرجنا مع رسول الله - ﷺ - وكنت أيسر جرحا. فكان أخي إذا غلب حملته عقبة، ومشى عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى له المسلمون (٢). أما بيان الله تعالى عن الحملة فكان: ﴿الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح للذين أحسنوا منهم واتقوا أجر عظيم﴾.
٣٣ - حسبنا الله ونعم الوكيل: أبو سفيان تحتقن روحه في حلقه يوم عاد مع جيشه دون أن يستأصل شأفة المسلمين، وقلبه يخفق رعبا من أن يلحق به جيش محمد. فحاول تحقيق نصر مزعوم بأن قال لوفد بني عبد القيس: (إذا وافيتموه - أي رسول الله - فأخبروه أنا قد أجمعنا السير إليه وإلى أصحابه لنستأصل بقيتهم). فجاءت شهادة الله تعالى بجنده المؤمنين: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين﴾.
٣٤ - الفئة المسلمة صفوة الله من خلفه: وقد تكون مثخنة بالجراح، وقد تكون عبقة بالآلام، وقد تكون مثقلة بالتضحيات، ولكنها تبقى صفوة
_________________
(١) آل عمران / ١٦٩، ١٧٧.
(٢) السيرة النبوية لابن هشام ج ٣ ص ٤٤. ط دار الجيل.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
الله من خلقه ولو تبجح الكفر وتمرد، فهذه في ميزان الله خواء. فالمواساة إذن من الله يوم تطبق الأرض على المؤمنين فيقول الله تعالى لنبيه الكريم: ﴿ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر إنهم لن يضروا الله شيئا يريد الله ألا يجعل لهم حظا في الآخرة ولهم عذاب عظيم إن الذين اشتروا الكفر بالإبمان لن يضروا الله شيئا ولهم عذاب اليم ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين﴾.
٣٥ - ليميز الخبيث من الطيب. هذه سنة الله تعالى مع جنده المؤمنين، وهذه خلاصة المحنة وهذه زبدة الدرس التربوي الخالد المستمر على مر العصور.
﴿وما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب ولكن الله يجتبي من رسله من يشاء فآمنوا بالله ورسله وإن تؤمنوا وتتقوا فلكم أجر عظيم﴾. وما كانت محنة أحد إلا تطبيقا عمليا لهذا الدرس ولهذه السنة، السنة الثابتة المستمرة على مر العصور ابتدأت ﴿قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾. وانتهت: ﴿ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب وما كان الله ليطلعكم على الغيب (١)﴾.
مع سورة بني النضير
كان لهذه السورة صدى طيب عظيم في نفوس المسلمين، فهي أول نصر تحقق بعد المحن المتتابعة: أحد والرجيع وبئر معونة. والغيظ من اليهود وقد بلغ ذروته حيث أنهم أظهروا الشماتة للمسلمين بعد محنتهم، وأظهروا العداوة، وحاولوا اغتيال الرسول - ﷺ -. فكانت شفاء للصدور المؤمنة، وبلسما للجراح الراعفة، وفضيحة للمنافقين المتواطئين مع اليهود، وذلك في معالم واضحة:
_________________
(١) الآيات التي نزلت في غزوة أحد من سورة آل عمران من ١٣٧ إلى ١٧٩.
[ ٢ / ٤٣٨ ]
١ - الله تعالى أخرج اليهود من حصونهم: - فلم يكن يتصور المؤمنون أنهم قادرون على إخراجهم وإذا بالنصر المؤزر يتحقق بأن البيوت تخرب بأيدي المؤنين، وبأيدي اليهود أنفسهم، وهذه سنة الله تعالى في دحر المشاقين والمصادير له. ﴿وهو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار (١)﴾.
٢ - واستغل اليهود حادثة قطع نخيلهم، وراحوا يتحدثون عن الفساد فيه، ومحمد ينهي عن الفساد. وكاد الأمر يلتس على بعض المؤمنين. فنفى الله تعالى الحرج عنهم، ثم أكد لهم بعد ذلك أن النصر الذي تحقق لم يتحقق بجهد المؤمنين، إنما تحقق بقذف الرعب في قلوب الكافرين. ومن أجل هذا كان الفيء كله لرسول الله - ﷺ -، مع ربط هذه الأمور جميعا بالعبودية لله وطاعة رسوله ﴿ وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب (٢)﴾.
٣ - ولئن حرم المؤمنون الفيء: فلم يحرموا الثناء من رب العباد، المهاجرون والأنصار والتابعون لهم بإحسان إلى يوم القيامة، إنما بقي الفيء للفقراء المؤمنين. ولعل هذه الصورة تعطينا الحكمة من هذا الثناء على هذا الجيل الفريد:
لما غنم رسول الله - ﷺ - بني النضير بعث ثابت بن قيس فدعا الأنصار كلها - الأوس والخزرج - فحمد الله وأثنى عليه، وذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين، وإنزالهم إياهم في منازلهم، وأثرتهم على أنفسهم، ثم قال: إن أحببتم قسمت بينكم وبين المهاجرين ما أفاء الله علي من بني النضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم، لإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دياركم، فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: يا رسول
_________________
(١) الحشر /٢.
(٢) الحشر من الآية ٧.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
الله بل نقسمه للمهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا. ونادته الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله. فقال رسول الله - ﷺ -: اللهم ارحم الأنصار واأبناء الأنصار، وقسم ما أفاء الله عليه على المهاجرين دون الأنصار إلا رجلين كانا محتاجين سهل بن حنيف، وأبو دجانة سماك بن خرشة، وأعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق وكان سيفا له ذكر (١).
٤٠ - ثم كانت فضيحة المنافقين، وكشف خيانتهم وتواطئهم مع بني النضير على حرب المسلمين، وكشف جبنهم وكدرهم، إنهم أحقر من أن يواجهوا المسلمين وجها لوجه، وإن اليهود مثل المنافقين لا يقابلون المسلمين إلا وهم خلف حصوضهم ﴿بأسهم بينهم شديد تحسبهم جميعا وقلوبهم شتى ذلك بأنهم قوم لا يعقلون﴾ (٢).
٥ - ثم تأتي الفقرة الأخيرة من السورة عقيدة خالصة، وتسبيحا وتنزيها لله تعالى رب السموات والأرض، مع تذكير المؤمنين بحسن الإبانة، ودعوة المنافقين إلى التوبة. إنها آيات تبني عقيدة وتصورا، كما تبني نفوسا صادقة ممحضة الولاء له.
مع آيات الأحزاب في سورة الأحزاب
١ - لئن كانت المعركة قد استمر الحصار فيها للمسلمين بضعا وعشرين ليلة. فشتان ما بين الحصارين لقد انتهى حصار اليهود باستسلامهم وجلائهم أذلاء صاغرين عن المدينة. مخلفين وراءهم بيوتهم وأرضهم غنيمة للمؤمنين. بينما انتهى حصار قريش وغطفان لرسول الله - ﷺ - وللمؤمنين بالفشل الذريع لقريش وغطفان، ولخص القرآن الكريم المعركة كلها بآية واحدة: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا﴾.
_________________
(١) إمتاع الأسماع: ج ١/ ١٨٢ - ١٨٣.
(٢) الآيات من سورة الأحزاب من الآية ٩ للآية ٢٦.
[ ٢ / ٤٤٠ ]
٢ - ومع ذكر النعمة فلا بد من استعادة ذلك الجو الصعب، والظرف الدقيق، والحظر الداهم الذي نزل بالمسلمين. وكيف وصلوا إلى حالة قريبة من اليأس ﴿إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا﴾.
٣ - ثم التميز المطلوب بعد كل محنة، وفضيحة المنافقين وحصرهم، وفرارهم من المعركة بحجة أن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا﴾.
٤ - ثم الثناء العطر على المؤمنين بثباتهم على الحق وإخلاصهم لله. ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا﴾.
٥ - ثم فضل الله تعالى على المؤمنين، من مرحلة ﴿إذ جاؤوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا﴾ أقول من هذه المرحلة إلى مرحلة: ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا كفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضا لم تطئوها وكان الله على كل شيء قديرا (١)﴾.
لقد كانت آياث سورة الأحزاب. تشيع الجو النفسي الجديد، بارتفاع المحنة، وكشف الغمة، وتضع معالم المرحلة القادمة من النصر المؤزر الذي افتتح بالقضاء على يهود بني قريظة فضاء تاما، ووراثة أرضهم وديارهم وأموالهم، وشتان ما بين حصار وحصار. حصار بني قريظة الذي انتهى ﴿فريقا تقتلون وتأسرون فريقا﴾ وحصار المؤمنين الذي انتهى، ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال ..﴾.
[ ٢ / ٤٤١ ]
لقد انتهت مرحلة الدفاع، وابتدأت مرحلة الهجوم،. مرحلة انتشار الإسلام في الأرض. وانسياح هذا الدين في الوجود: (الآن نغزوهم ولا يغزونا).
وما أحوجنا إلى فقه سمات كل مرحلة لنكون على بينة منها، ونحن نشق طريقنا الجديد لإقامة دولة الإسلام في الأرض، ونعرف موطن القدوة والأسوة. وتتمثل السمات نفسها لكل مرحلة. دون أن نعسف الطريق، ونتعجل الخطى، فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى.
وإلى معالم المرحلة الجديدة وسماتها. في الجزء القادم إن شاء الله، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[ ٢ / ٤٤٢ ]
الفهرس
الموضوع الصفحة
الجزء الأول ٥
بين يدي البحث ٧
ماذا نعني بالمنهج الحركي ١٥
المرحلة الأولى: سرية الدعوة وسرية التنظيم ١٧
١ - الدعوة سرا ١٩
٢ - قيام الدعوة على الاصطفاء ٢١
٣ - العمل من خلال ثقافة الداعية ومركزه ٢٢
٤ - الدعوة عامة ٢٤
٥ - دور المرأة في المرحلة السرية ٢٧
٦ - الصلاة ٢٧
٧ - معرفة قريش بخبر الدعوة ٢٨
٩ - المعايشة بين المسلمين وغيرهم ٣٠
٩ - التركيز على بناء العقيدة ٣٠
١٠ - الجهر بالدعوة بعد بناء النواة الصلبة ٣١
المرحلة الثانية: جهرية الدعوة وسرية التنظيم ٣٧
١ - دعوة الأقربين ٤١
٢ - الإعراض عن المشركين ٤٣
٣ - معالم الدعوة الجديدة ٤٤
[ ٢ / ٤٤٣ ]
٤ - الدعوة عامة ٤٦
٥ - سرية التنظيم ٤٨
٦ - القرآن مصدر التلقي ٥٠
٧ - اللقاء المنظم المستمر ٥١
٨ - الصلاة خفية في الشعاب ٥١
٩ - التركيز على الجانب الروحي ٥٣
١٠ - الدفاع عن النفس عند الضرورة ٥٦
١١ - تحمل الأذى والاضطهاد في سبيل الله ٥٨
١٢ - السماح للضعفاء في إظهار تغيير دينهم ٦٠
١٣ - محاولة إنقاذ المستضعفين بكل الوسائل الممكنة ٦٠
١٤ - الطريق الثانية للحماية عن طريق الهجرة ٦٣
١٥ - البحث عن مكان آمن للدعوة وقاعدة جديدة للانطلاق ٦٦
١٦ - الاستفادة من قوانين المجتمع المشرك (الحماية والجوار) ٦٨
١٧ - المحاولات السلبية من العدو في المواجهة ٧٤
١٨ - المحاولات الإيجابية في الحرب ٧٦
١٩ - الجهرية الثانية، إسلام حمزة، إسلام عمر ٧٨
٢٠ - إعلان التحدي ودور الشخصيات القيادية فيه ٨٥
٢١ - ملاحقة العدو لتجمعات المسلمين وإحباط المسلمين لهذه الملاحقة ٨٩
٢٢ - عبقرية الوفد الإسلامي في حوار الملوك ٩٤
٢٣ - لا مساومة على العقيدة ٩٧
٢٤ - إثارة الحرب في صف حلفاء المسلمين ٩٨
٢٥ - المفاوضات المباشرة بين رسول الله - ﷺ - وقريش ١٠١
٢٦ - تحييد بعض الشخصيات والبطون ١٠٧
٢٧ - التجمع القبلي لحماية القيادة ١١٠
٢٨ - الحصار الاقتصادي والمقاطعة العامة لتحطيم الدعوة وحلفائها ١١٣
٢٩ - التفجرات الجاهلية تحطم الحصار والمقاطعة ١١٨
[ ٢ / ٤٤٤ ]
٣٠ - دور المرأة في هذه المرحلة جهادا ودعوة وسرية ١٢١
٣١ - المقاومة السلمية ١٢٣
٣٢ - الاستفادة من العناصر المشتركة بين الإسلام والعقائد الأخرى ١٢٥
٣٣ - عدم التنازل عن جزئية واحدة من أجل الحماية ١٢٧
المرحلة الثالثة: مرحلة قيام الدولة ١٣١
١ - طلب المنعة خارج مكة ١٣٣
٢ - طلب الإجارة من العدو في مكة ١٣٧
٣ - طلب المنعة والحماية لتبليغ الدعوة من القبائل ١٤٠
٤ - فشل المساومات ١٤٨
٥ - توجيه الأنظار لمركز الانطلاق ١٥٢
٦ - البيعة الأولى وقيمها الجديدة ١٥٦
٧ - الإذن بالقتال ١٥٩
٨ - التهيئة لمباحثاث قيام الدولة ١٦٢
٩ - البيان السياسي (البيعة) ١٦٥
١٠ - توثيق البيان وإقراره ١٦٩
١١ - تشكيل الحكومة الإسلامية بالانتخاب ١٧٣
١٢ - القيادة تحدد المعركة ١٧٥
١٣ - القيادة تحدد ميلاد الدولة الإسلامية ١٧٨
١٤ - ابتداء الحرب الإعلامية بين الدولتين ١٨٢
١٥ - اختيار الأرض وسرية التجمع فيها والهجرة إليها ١٨٤
١٦ - اجتماع العدو للقضاء على القيادة ١٨٦
١٧ - عبقرية التخطيط البشري في الهجرة ١٨٨
١٨ - قاعدة جديدة تنضم إلى الإسلام ١٩٩
١٩ - أول إعلان رسمي لشعائر العبادة ٢٠٠
٢٠ - نجاح الخطة ووصول القائد الأعلى إلى مركز القيادة ٢٠٢
[ ٢ / ٤٤٥ ]
الجزء الثاني: ٢٠٥
المرحلة الأولى: مرحلة تأسيس الدولة وتنتهي بغزوة الخندق ٢٠٧
(مواصفات المرحلة الأولى)
١ - الهدنة مع الأعداء ما عدا قريشا وحلفاءها ٢٠٩
٢ - بناء القاعدة الصلبة ٢١٢
٣ - إعلان إسلامية الدولة ٢١٥
٤ - لا خيار من المعركة ٢١٧
٥ - التجمع الوثني في المدينة ٢١٩
٦ - تفتيت التجمع بالنزعة الوطنية والعشائرية ٢٢١
٧ - محاولة تفتيت الصف الإسلامي ٢٢٥
٨ - العدو يتنكر لقيمه من أجل مصلحته ٢٢٨
٩ - الخطر على القيادة ٢٢٩
١٠ - حالة الحرب، وتجمع القوى كلها ضد المسلمين ٢٣١
١١ - إعلان الحرب على العدو ٢٣٢
١٢ - التميز الإسلامي قبيل المواجهة ٢٣٣
١٣ - المواجهة الحاسمة في بدر والفرقان فيها ٢٣٨
١٤ - معسكر المنافقين بروزه وخطره وتحجيمه ٢٤٧
١٥ - الوجود اليهودي في المدينة وإنهاؤه ٢٨١
١٦ - ليل المحنة الطويل وخطره ٣١٥
١٧ - تباشير النصر في قلب المحنة ٣٤٣
١٨ - عمليات الاغتيال وأثرها في بث الرعب في صفوف العدو ٣٤٥
١٩ - الحرب الاعلامية ودورها في المعركة ٣٥٨
٢٠ - ازدياد العدد والعدة ٣٧٠
٢١ - الجهد البشري في البذل ٣٧٢
٢٢ - دور النساء في المعارك ومشاركتهن فيها ٣٨٣
٢٣ - عبقرية التخطيط القيادي ٣٩٤
٢٤ - النصر الإلهي في قلب المحن ٤١٦
٢٥ - التربية الإلهية للنفوس عقب المعارك ٤٢٦
[ ٢ / ٤٤٦ ]
رقم الإيداع بدار الكتاب: ١٩٨٥/ ٢٨٩٧
[ ٢ / ٤٤٨ ]
منير محمد الغضبان
القسم الثالث
مكتبة المنار
[ ٣ / ١ ]
القسم الثالث
[ ٣ / ٢ ]